تأليف
الدكتور سعد المرصفي
[ ١ / ١ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت
تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦
[ ١ / ٢ ]
[ ١ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ١ / ٤ ]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
[ ١ / ٥ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]
[ ١ / ٦ ]
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[ ١ / ٧ ]
إهداء
إلى المهاجرين في سبيل الله:
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨]
إلى أنصار الحق ودعاته، وجنده وحُماته .. الذين يرجون الشهادة في سبيل الله!
إلى أصحاب البصائر والأبصار .. الذين يتطلعون إلى آفاق النور والإخاء، والإيثار والفداء، والبذل والعطاء، والحب والنقاء، والود والصفاء، ليعيشوا في أجواء الروح الرفافة الندى والظلال!
إلى أهل القرآن .. أهل الله وخاصته .. الذين قال فيهم الرسول - ﷺ - فيما
رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ لله أَهلينَ من الناسِ". فقيل: منْ أَهلُ الله منهم؟ قال: "أهلُ القرآنِ
هُم أهلُ الله وخَاصّتُه" (١)!
_________________
(١) أحمد: ٣: ١٢٧ - ١٢٨، ٢٤٢، (١٢٢٧٩، ١٢٢٩٢، ١٣٥٤٢) مؤسسة الرسالة، والدارمي: ٢: ٤٣٣، (٣٥٩٠) فتح المنان، والنسائي: الكبرى: ٥: ١٧ (٨٠٣١)، وابن ماجه: المقدمة (٢١٥)، وأبو عبيد: فضائل القرآن: ٨٨، وابن الضريس: فضائل القرآن (٧٥)، والحاكم: ١: ٥٥٦، (٢٠٩٠) الدرك بتخريج المستدرك، وأبو نعيم: الحلية: ٣: ٦٣، ٩: ٤٠، والبيهقي: شعب الإيمان (٢٩٨٨، ٢٩٨٩)، والذهبي: ميزان الاعتدال: ٢: ٥٤٩، والخطيب: تاريخ بغداد: ٢: ٣١١، والموضح ٢: ٣٧٣، وابن الجوزي: الحدائق: ١: ٤٩٨، وأبو جعفر النحاس: القطع والائتلاف: ٨٠ - ٨١. =
[ ١ / ٩ ]
إلى الإخوة الأحبّة جُند الحق .. الذين صبروا وصابروا ورابطوا .. وزادتهم المِحنُ منحًا وثَبَاتًا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣]!
أصدق الناس قولًا، وأجمعهم لُبًّا، وأقواهم عزمًا، الجهاد شعارهم، واليقن دثارهم، لا تتغيّر بهم في خشية الله عادة، ولا تملكهم في مخافته هوادة: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]!
إلى البراعم المؤمنة، والأجيال القادمة، الذين يأتي الله بهم، على امتداد آباد الزمان، وأبعاد المكان: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]!
إلى الأخُوَّة الزّكيّة، الصافية النقيّة، والمحبّة النديّة، والمودّة الرضيّة، والنفحة العلويَّة، والألفة القدسيّة، التي تنشئ في القلب إدراكًا كاملًا، ونورًا شاملًا، ونبضًا متصلًا، وحياة مباركة، هي سراج ما بطن، وملاك ما علن، تنطف نورًا كأنها قناع رحمة الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]!
_________________
(١) = وقوله: "إنَّ لِلَّه أهْلين"، قال السندي: بكسر اللام، جمع (أهل) جمع السلامة، والأهل يجمع جمع السلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: ١١]. وإنما جمع تنبيهًا على كثرتهم. "أهل القرآن" أي: حفظة القرآن الذين يقرؤونه آناء الليل وأطراف النهار، العاملون به. "أهل اللهِ" أَي: أولياؤه المختصون به.
[ ١ / ١٠ ]
﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]!
وهنا يقف الفكر سابحًا مستبحًا، والحسّ مشدوهًا، أمام وقع التصوير والتعبير، والإدراك والتَّقدير، في لمسات وجدانيّة عقليّة، روحيّة فكريّة، فطريّة، نفسيّة، لا يؤثّر فيها إلا الضمير، ولا يطلع عليها إلا اللطيف الخبير .. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن يجمعنا الحق جل شأنه في مستقر رحمته: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧]!
آمين.
إلى هؤلاء وهؤلاء أهدي هذا الكتاب ..
[ ١ / ١١ ]
مقدمة
[ ١ / ١٣ ]
مقدمة
١ - السيرة ومكانتها
٢ - في حياة الرسول - ﷺ -
٣ - مكانة النبوة والأنبياء
٤ - النبوَّة وبناء الحضارة
٥ - أعظم دوافع التطوّر
٦ - الطفولة الفكريّة
٧ - أعظم تراث إنساني
٨ - أعظم شهادة
٩ - فتح فكري جديد
١٠ - شمس الوجود الروحي
١١ - في علم المغازي خير الدنيا والآخرة
١٢ - الله أكبر
[ ١ / ١٤ ]
مقدمة
ما أحوجنا أن نبصر مكانة السيرة النبويّة .. وأنها تسع الحياة كلها، وأعظم تراث إنساني فريد، وفتح فكري جديد، على مدى التاريخ .. وما يجب أن ندرسه .. ونفقه في معالمها خيَريْ الدنيا والآخرة!
وما أحوجنا أن نبصر خصائص الرسالة والرسول - ﷺ - .. ومصادر تلك الخصائص، ومناهج المؤلفين قديمًا وحديثًا .. والمنهج الأمثل في الدراسة .. وأنه واسع الآفاق، متنوّع المعالم، غزير العوالم .. تسابقت الأقلام في حلبته، تنافست الأفكار في ديباجته!
وقد عشت أكثر من نصف قرن في تلك الرحاب .. وقمت بتدريس السيرة في الجامعة سنين؛ مما جعلني بعون الله وتوفيقه أكتب بعد طول مراجعة للمصادر الأصليّة، وفق أصول التحديث روايةً ودرايةً!
وسجل التاريخ منذ فجر الرسالة صيحات من هنا وهناك، تشكّل في إطارها سيل منهمر من الحقد الأعمى على خاتم النبين محمد - ﷺ -، تحيطه جهالة جهلاء، وفوضى عمياء، وأصبحت تلك المفتريات غريزة موروثة، وخاصّة طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلفتها تلك الحرب الضروس في القديم والحديث سواء!
١ - السيرة ومكانتها:
وإذا كانت السيرة في اللغة بمعنى الطريقة والسنة، فإنها يراد بها التعرّف على حياة الرسول - ﷺ -، منذ ظهور الإرهاصات التي مهّدت
[ ١ / ١٥ ]
لرسالته (١)، وما سبق مولده من سمات تلقي أضواء رحمانية على طريقة الدعوة المحمديّة، ومولد الرسول - ﷺ -، ونشأته، حتى مبعثه .. وما جاء بعد ذلك من دعوة الناس إلى (الدّين القيّم) .. وما لقي في سبيل نشر هذا الذين من معارضة، وما جرى بينه - ﷺ - وبين من عارضوه من صراع بالبيان والسنان، وذكر من استجاب له - ﷺ -، حتى علت راية الحق، وأضاءت شعلة الإيمان!
إنها نور وهّاج، أفضى إلى ظلمات الجهل والوثنيّة، فانجابت كما ينجاب الغمام، وهدى من الله -﷿- أرسله إلى الإنسانيّة الضالّة، فانتشلها من ضياع، وانتاشها من هلاك، وأنقذها مما كانت تتخبّط فيه من دياجير الظلام، وعقابيل الضلال!
إن الله ﷿ خلق محمدًا - ﷺ - بشرًا سويًّا، ولكنه فوق سائر البشر، وآثاره التي حملتها الأجيال من بعده فوق القُدَر، ونحن معشر المتبعين كان فينا شرف هذا الاتباع إنما ندرك بالتصوير أمثالنا، ومن خواطرنا ومنازع نفوسنا نتعرف نفوس غيرنا، ونحكم على أحوالهم، وإن حاولنا أن ندرك من هو أعلى منا فإنه يجب أن يكون علوه على مَرأى أنظارنا، وفي مطالع آفاقنا، وعندئذ نحاول، وقد نصل .. ولكن الحديث عن حياة الرسول - ﷺ -، في علو لا نصل إليه، وفي سماك لا نراه، وليس منّا من يقاربه حتى نتمثّله ونتخيّله، فأنّى لأمثالنا أن يكتب في شأنه، وأن يعلو إلى قدره؟!
إن ذلك لأمر فوق المنال، ويعلو على مدارك الخيال!
_________________
(١) انظر مقدمة كتابنا: الجامع الصحيح للسيرة النبوّية: ٨ وما بعدها، مكتبة المنار الإسلاميّة، ومؤسسة الريّان، ط أولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.
[ ١ / ١٦ ]
من أجل هذا نضرع إلى الله -جلّ شأنه- أن يشملنا بغفرانه، إن تسامينا محاولين الوصول إلى الحديث عن حياة الرسول - ﷺ -، فالمعذرة قائمة، والقصور ثابت، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها!
وهنا نحسّ النور يغمر حياتنا، ونشعر بالضوء المنير يكفّ أبصارنا، فأنّى ندرك، وأنّى نرى، وقد صرنا كذي رمد غمره ضوء الشمس، أو ما هو أعلى، فأصابته الحيرة، ولا هادي له يخرجه منها، إلا أن يكون الهُدى من الله، والعون والرشاد، والتوفيق والسداد!
ومن ثم نسأل الله -﷿- أن يهدينا لتصوير حياة الرسول - ﷺ -، أو لتقريبها ما دام التصوير فوق الطاقة، والقاصر معذور، والله -﵎- عفوّ غفور!
ومعلوم أن وجوه عظمة الرسول - ﷺ - قد تعدّدت، بحيث يعجز المحصي عن الإحصاء، والمستقري عن الاستقراء!
وإذا نفدت الطاقة كان الإقرار بالعجز، وبأن الله -﷿- قد صانه وحفظه، وتولاه بعنايته، ورعاه برعايته، حتى كان وحيدًا بين الغلمان بما كلأه الله به وحماه، وصبيًّا فريدًا بين الصبيان، والشابّ الأمين البعيد عن رجس الجاهليّة بين الشباب، فكل شيء في حياته الأولى كان من الخوارق التي علت عن الأسباب والمسبّبات، فلم تكن أثر تربية موجهة، ولا أثر بيئة حاملة، ولا أثر شرف رفيع وإن كان محقّقًا؛ ولكنه كان صنع الله، تمثّلت فيه المعجزة بشخصه وكونه ووجوده، ففيه البشريّة، وفيه المعجزة الإلهيّة!
وصدق الله العظيم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]!
[ ١ / ١٧ ]
والرسالة أمر هائل خطير (١)، أمر كونيّ تتّصل فيه الإرادة الأزليّة الأبديّة بحركة عبد مصطفى، ويتّصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثّل فيه الحق الكليّ في قلب بشر، وفي واقع حياة، وفي حركة تاريخ، وتتجرّد فيه كينونة بشريّة من حظ ذاتها لتخلص لله، لا خلوص النيّة والعمل وكفى؛ ولكن خلوص المحلّ الذي يملؤه هذا الأمر الخطير، فذات الرسول - ﷺ - تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة، وهي لا تتّصل هذه الصلة إلا أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقّي المباشر بلا عوائق ولا سدود، ولا قيود ولا حدود!
وهنا نبصر النبوة أمرًا عظيمًا حقًّا، ونتصوّر مجرّد تصوّر لحظة التلقّي عظيمة حقًّا (٢)!
هذا الوحي .. هذا الاتصال العجيب .. هذا الاتصال المعجز الذي لا يملك إلا الله أن يجعله واقعًا يتحقق .. ولا يعرف إلا الله كيف يقع ويتحقّق؟!
تُرى، أيّة طبيعة هذه التي تتلقّى ذلك الاتصال العلويّ الكريم؟!
أيّ جوهر من جواهر الأرواح ذلك الذي يتّصل بهذا الوحي، ويختلط بذلك العنصر ويتّسق مع طبيعته وفحواه؟!
إنه إنسان ذو حدود وقيود، وتلك حقيقة .. ولكنها تتراءى هنالك بعيدًا بعيدًا على أفق عال، ومرتقى صاعد، لا تكاد المدارك تتملاّه!
روح هذا النبيّ .. روح هذا الإنسان الكريم .. تُرى، كيف كانت تحسّ بهذه الصلة؟! وهذا التلقّي؟! كيف كانت تتفتّح؟!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٢٠٢ بتصرف.
(٢) المرجع السابق: ٥: ٣١٧١ بتصرف.
[ ١ / ١٨ ]
كيف كان ينساب فيها ذلك الفيض؟!
كيف كانت تجد الوجود في هذه اللحظات العجيبة التي يتجلّى فيها الحق على الوجود، وتتجاوب جنباته كلها بكلمات الحق؟!
أيّة رعاية؟!
وأيّة رحمة؟!
وأيّة مكرمة؟!
والله العليّ الكبير يتلطّف فيكرم هذه الخليقة فيوحي إليها لإصلاح أمرها، وإنارة طريقها، وردّ شاردها، والله هو الغنيّ الحميد!
٢ - حياة الرسول - ﷺ -:
وحياة الرسول - ﷺ - صفحة عريضة فريدة وحيدة، من صفحات الجهاد لإنقاذ البشريّة، ومثلًا صادقًا فريدًا وحيدًا لمُثُلِ البرّ والمرحمة، وسيرة عالية، رفيعة الشأن، جليلة القدر، عظيمة النفع، كبيرة الفائدة، تلمع أضواؤها في الكتاب والسنّة وفق قواعد التحديث روايةً ودرايةً، متضمنة نفحات هذا الهُدى، وومضات ذلك الإشراق!
وما كان لباحث منصف يسعى إلى إيفاء حياة الرسول - ﷺ - حقها من البحث والتحليل، إلا أن يدرك أنها غنيّة بأحداثها، من حيث كونها:
- واقعيّة مثاليّة!
- حركيّة أخلاقيّة!
- قياديّة روحيّة!
[ ١ / ١٩ ]
- فقهيّة حضاريّة (١)!
وقد شهد الرسول - ﷺ - في هذا العالم تعليم الله وهدايته (٢)، وبشّر الصالحين بالفوز والنجاح، والنجاة والفلاح، فهو (مبشّر)!
ونادى الغافلين، وأسمع الصمّ، وحذّر المذنبين عاقبة ذنوبهم، وأنذر المشرفين على الهلاك، وأيقظ النائمن، فهو (منذر)!
ودعا إلى الله من ضلّ عن سبيل الحق والهُدى والفوز، فهو (داع)!
وإن هو إلا نور يستضاء به إلى يوم القيامة، ونبراس يستنار بأشعّته في شعاب الحياة الملتوية، فتنكشف به الظلمات المتراكمة، فهو (السراج المنير) إلى الأبد!
وصدق الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]!
نعم، إن جميع الأنبياء كانوا شهداء ودعاة ومبشّرين ومنذرين، بيد أن هذه الصفات لم تكن هكذا في جميع الرسل .. بل كان بعضها في بعضهم أظهر من أخواتها!
فقد غلبت على يعقوب وإسحاق وإسماعيل -﵇- صفة الشهادة، فكانوا شهداء الحق!
_________________
(١) انظر كتابنا: الهجرة النبويّة ودورها في بناء المجتمع الإسلامي: ٢٠ وما بعدها، مكتبة الفلاح، ط ثانية ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.
(٢) الرسالة المحمديّة: ٤٢ وما بعدها: السيد سليمان الندوي، دار الفتح، دمشق ط ثالثة ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.
[ ١ / ٢٠ ]
وغلبت على إبراهيم وعيسى -﵉- صفة التبشير، فكانا مبشّريْن!
ومن الأنبياء من غلب عليه وصف الإنذار لمن خالف الحق وجحده، فكانوا منذرين، كنوح، وموسى، وهود، وشعيب - ﵈!
ومنهم من غلبت عليه صفة الدعوة إلى الحق، وامتاز بها أكثر مما امتاز بسائر النعوت الأخرى، كيوسف ويونس - ﵉!
وأما من كان جامعًا لهذه الصفات كلها، واتصف بها جميعًا، وكان مبشّرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، وكانت حياته ملأى بهذه النعوت والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال وتلك الخلال، فهو محمد خاتم النبيين - ﷺ -، المبعوث ليختم الله به النبوات؛ فأُعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافة، وجاء بالشريعة الكاملة التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولن تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة!
لقد حظيت الرسالة المحمديّة بالخلود، واختصّت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد - ﷺ - جامعةً لجميع الأخلاق العالية، والعادات السنيّة!
٣ - مكانة النبوة والأنبياء:
والذين يقرؤون كتاب الرسالة المحمديّة: (القرآن العظيم) (١) الذي هو أول مصدر من مصادر السيرة النبويّة، قراءة فهم وتدبّر، وبحث متعمّق في معانيه وحقائقه الكونيّة، وعقائده وتشريعاته، ونظمه الاجتماعيّة وأخلاقيّاته،
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٢٩ بتصرف: محمد الصادق عرجون، دار القلم، دمشق ط أولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
[ ١ / ٢١ ]
ويقرؤون السيرة النبويّة في مصادرها الوثيقة -كما سيأتي- قراءة إمعان وإنصاف، يعلمون أن هذا الكتاب الحكيم، وهذه السيرة الكريمة عُنيا أكثر ما عُنيا في نصوصهما بالنبوّة والرسالات الإلهية، فأشادا بهما، وأعظما شأنهما، وجعلا معرفتهما والإيمان بهما شطر الإيمان الصحيح، فلا تكمل حقيقة إيمان مؤمن - في شرعة هذا الكتاب الكريم، وفي هدي سنة نبيّه الأمين - ﷺ - إلا بصدق الرسالات الإلهية والإيمان بها، إيمانًا لا يفرق بين أحد من رسل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]!
وإيمان الرسول - ﷺ - هو إيمان التلقّي المباشر (٢) .. تلقّي القلب النقي للوحي العلي، واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة .. الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كدّ ولا محاولة، وبلا أداة أو واسطة، وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها، فلا يصفها إلا من ذاقها، ولا يدركها من الوصف -على حقيقتها- إلا من ذاقها كذلك!
فهذا الإيمان -إيمان الرسول - ﷺ - هو الذي يكرم الله عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم، على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول - ﷺ - بطبيعة الحال وكيان أي سواه، ممن لم يتلقّ الحقيقة من مولاه!
ترى، ما حقيقة هذا الإيمان وحدوده؟
﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ٣٤٠ بتصرف.
[ ١ / ٢٢ ]
إنه الإيمان الشامل الكامل الذي جاء به (الدّين القيّم) .. الإيمان الذي يليق بهذه الأمّة الوارثة لدين الله، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة، الضاربة الجذور في أعماق الزمان، السائرة في موكب الدعوة في حياة الرسول - ﷺ -، وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري!
وهذا الإيمان قاعدة التصوّر، وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة، وقاعدة الخُلق، وقاعدة الاقتصاد، وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك!
والإيمان بالملائكة شأنه شأن الإيمان بالحقائق الغيبيّة المستيقنة التي جاءت من عند الله .. وهو يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود، فلا تنكمش صورة الكون في تصوّر المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه، وهو ضئيل، كما أنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله، تشاركه إيمانه بربّه، وتستغفر له، وتكون في عونه على الخير بإذن الله، وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك .. ثم هناك المعرفة بهذه الحقيقة، وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين به وبملائكته!
والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها، فالإيمان يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين بعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمّنه الكتب التي نزلت عليهم!
ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم؛ فكلهم جاء من عند الله بالإِسلام، في صورة من الصور المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم، وكلهم مسلمون!
[ ١ / ٢٣ ]
والمسلمون أولى الناس بهم إيمانًا وتصديقًا، وجاء خاتم النبيّين - ﷺ - بالصورة الأخيرة لـ (الدّين القيّم) لدعوة البشريّة كلها إلى يوم القيامة!
وهكذا تتلفى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله، وتقوم على دين الله في الحياة، ويشعر المسلمون -من ثم- بضخامة دورهم في هذه الأرض إلى أن تقوم الساعة، ويتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم، ويعرفون أنهم صائرون إليه، فيطلبون مغفرته من التقصير!
إنها الوحدة الكبرى التي هي طابع العقيدة الإسلامية:
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، بلا تفريق بين الرسل .. والسمع والطاعة، والإنابة إلى الله .. واليقين بيوم الحساب!
وإنها العقيدة التي تصوّر موكب الإيمان الواحد، من مبتدأ الخليقة إلى منتهاها، وخط الهداية المتّصل الموصول بأيدي رسل الله جميعًا، المتدرجّ بالبشريّة في مراقي الصعود، الكاشف لها عن الناموس الواحد، بقدر ما تطيق، حتى كانت الرسالة الخاتمة التي أعلنت وحدة الناموس كاملة!
ونظرة إلى قصص الأنبياء والرسل في القرآن الكريم (١)، وفي أحاديث الرسول - ﷺ -، وما أنزل الله -﷿- من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبوديّة لله تعالى وحده، وعرض ما جرى لهم من أممهم وأقوامهم، وبيان ما كان في أقوامهم من رذائل الشرك والوثنيّة، ومنكرات الأخلاق، وسفساف الاجتماع، وتحذير الأنبياء والرسل لهم من عواقب هذه الخبائث، وإنذارهم بطش الحق وبأسه، وما رمى الله به تلك الأمم من عذاب استأصل به الظالمين،
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٢٩ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٢٤ ]
وقطع دابر المعاندين، كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]!
تبيّن مقدار العناية التي أضفاها القرآن الكريم، والسنة الصحيحة المطهرة، على النبوّة ومكانتها، وعلى حياة الأنبياء، ومقام الرسالات والرسل، من تعظيم وتقدير!
وقلما يجد الباحث سورة من سور القرآن الكريم في طِوَلَه، لا يجد فيها ذكرًا للنبوّة والأنبياء، والرسل والرسالات .. وقد يطول الحديث عن بعضهم في إسهاب تقتضيه المناسبة، يكشف كثيرًا من أحداث التاريخ، كما في قصص نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - ﵈ .. وقد يختصر الحديث عن بعضهم في إيجاز معبّر أصدق تعبير .. وفي القرآن سورة تسمّى سورة الأنبياء!
والقرآن الكريم يقصد إلى استكمال الحجة والموعظة، عندما يتطلّب الحديث تنويع البرهان والموعظة، فيذكر شيئًا في موضع آخر من القصة، يجعله كالتمهيد، ليضيف إليه ما لم يذكر هناك، حتى تكتمل القصة في جوّها ومناسبتها، بما يقتضيه مقام الحديث عنها، ومن هنا قال علماء البلاغة:
(لكل مقام مقال)!
بيد أن الذين يقفون في سفح البحث ممن لا يستطيعون القدرة على السبح في محيطه، لا يرتفع نظرهم إلى حقيقة الأسلوب البياني في هذا الكتاب المبين، ولكنهم يرون لأول نظرة عابرة أنهم أمام قصص مكرّرة، وسير معادة،
[ ١ / ٢٥ ]
وآيات مردّدة .. وهذا عند التأمّل في سياق كل قصة، يبدو خيالًا واهمًا، لا يركن إليه ويعتقده إلا من لم يكن له صبر على البحث لمعرفة الحقائق التاريخيّة في سير الأنبياء والمرسلين، وإلا من لم يعرف وسيق الوشائج التي تربط بين رسالة محمد - ﷺ - بكافة نبوّات الأنبياء، وسائر رسالات الرسل -﵈-!
ألا ترى إلى هذا الكتاب الحكيم في صنيعه بقصة يوسف -﵇- وقد نزلت -كما تقول روايات أسباب النزول- إجابة لطلب قصد القصة كاملة؛ فإنه لما استوفى أحداث القصة متكاملة في سورتها، تحقيقًا للمطلوب، وإعجازًا للمعاندين، وتصديقًا للرسول - ﷺ -، لم يعد إليها في سورة أخرى إلا إشارة ورمزًا!
والقرآن الكريم، وهو كتاب هداية وعبرة، في وزنه للحياة، وتقديره لحقائقها، يقصد في قصص الأنبياء والرسل فيما يقصد إليه من معان وحقائق إلى تنبيه العقول والأفكار إلى ما وقع في التاريخ البشري من غمط ظالم لأعظم حقائق الحياة، وتقصير متعمّد فيما كان يجب أن يكون في موضوع الصدارة من صحائفه!
٤ - النبوّة وبناء الحضارة:
ومن ثم جعل القرآن الكريم حديثه في عقائده، وعباداته، وتشريعاته، وآدابه، وأخلاقيّاته، ونظمِه في بيان علاقات الناس الاجتماعية، متصلًا أكمل اتصال بسيرة الأنبياء والمرسلين؛ لأنهم جميعًا لبنات في بناء الحضارة المثلى الرفيعة، التي جاءت رسالة خاتم النبيّين - ﷺ - لتكميلها، كما قال رسول الله - ﷺ - فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "إِنَّ مثَلي
[ ١ / ٢٦ ]
ومثلَ الأنبياء مِنْ قبْلي كمثَل رجل بَنى بيتًا فأحسنَهُ وأجمله، إِلاّ موضِع لبِنة مِنْ زاويةٍ، فَجعَل الناسُ يطوفونَ بهِ، ويعجبون له، ويقولون: هلًا وُضِعَتْ هذه اللَّبنة؟ قال: فأنا اللَّبنةُ، وأنا خاتم النبيين" (١)!
وفي رواية عن جابر ﵁: "مثَلي ومثلُ الأنبياء كرجل بَنى دارًا فأكملَها وأحسَنها، إِلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجّبون، ويقولون: لولا موضعُ اللَّبنة"!
زاد مسلم: "فأنا موضع اللّبنة جئت فختمت الأنبياء" (٢)!
فهذا الحديث الشريف يضع النبوّة في أفقها الواقعي من آفاق الحياة، ويضع حملة لوائها من المصطفين لتلقّي كلمات الله في ذروة بناء الحضارة الإنسانية، حتى كأنهما حقيقة واحدة، هي التي تصنع الحياة، وتبني الحضارة الفكريّة والماديّة في صورة إنسانيّة موحّدة الإحساس والشعور والاتجاه!
فالحضارة الإنسانيّة الرفيعة، أو الحياة الإنسانيّة المهذّبة، في معنى هذا الحديث الشريف بناء وضع كل نبيّ من الأنبياء، وكل رسول من الرسل، لبنة في صرحه، حتى استقام مستعليًا سامقًا في أجواء الحياة، مزيّنًا مجملًا، إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه لم توضع، وبقي مكانها فارغًا، يُنْقِص من
_________________
(١) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦)، وأحمد: ٢: ٣٩٨، والبغوي (٣٦٢١)، والبيهقي: "الدلائل": ١: ٣٦٦، والآجري: الشريعة: ٤٥٦، والنسائي: الكبرى (١١٤٢٢)، وابن حبان (٦٤٠٥).
(٢) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧)، والترمذي (٢٨٦٢)، والطيالسي (١٧٨٥)، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٩، وأحمد: ٣: ٣٦١، والبيهقي: ٩: ٥، و"الدلائل": ١: ٣٦٥، وابن حبان (٦٤٠٧).
[ ١ / ٢٧ ]
إعجاب الناس بالبناء، وهم يطوفون به في أطوار الحياة، ودورات الفلك، ويتمنّون لو أن هذه اللبنة جاءت بحقيقتها وصورتها، لتوضع في موضعها، ليتكامل حُسن البناء، ويتم الإعجاب به .. وجاءت اللبنة بحقيقتها الجامعة لكل ما في لبنات البناء من طبيعة وحقيقة، فكانت درّة البناء الفريدة، وكانت الرسالة الخالدة لخاتم النبيّين - ﷺ -!
٥ - أعظم دوافع التطوّر:
وفي حديث آخر عن أبي هريرة وغيره: "إِنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق" وفي رواية: "صالح الأخلاق" (١)!
وفي هذا الحديث يبيّن الرسول - ﷺ - ما قدّمه إخوانه أنبياء الله ورسله للحياة من إصلاح وتقدّم، يقوم على القيم الروحيّة، والفضائل الخلقيّة، ومبيّنًا
_________________
(١) أحمد: ٢: ٣٨١ عن أبي هريرة، صحيح، وإسناده قوي، رجاله رجال الصحيح، غير محمد ابن عجلان، فقد روى له مسلم متابعة، وهو قوي الحديث، وابن سعد: ١: ١٩٢، والبزار: كشف الأستار (٢٧٤٠)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (٤٤٣٢)، والخرائطي: مكارم الأخلاق: ٢، والبيهقي: ١٠: ١٩١ - ١٩٢، والشعب (٧٩٧٨) من طرق عن سعيد بن منصور بهذا الإسناد، وفي رواية البزار "مكارم الأخلاق"، والبخاري: الأدب المفرد (٢٧٣)، والتاريخ الكبير: ٧: ١٨٨، وابن أبي الدنيا: مكارم الأخلاق (١٣)، والحاكم: ٢: ٦١٣ بلفظ "صالح الأخلاق" وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والقضاعي: مسند الشهاب (١١٦٥)، وابن عبد البر: التمهيد: ٢٤: ٣٣٣ - ٣٣٤ من طرف، ومالك بلاغا: ٢: ٩٠٤، وانظر: ابن أبي الدنيا عن معاذ (١٤)، والبزار (١٩٧٣)، والطبراني: الكبير: ٢٠: ١٢٠، وعن جابر: الطبراني (٦٨٩١)، والبيهقي: الشعب (٧٩٧٩)، وابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم مرسلًا: ١١: ٥٠٠ - ٥٠١. وانظر: التمهيد: ٢٤: ٣٣٢، وفضل الله الصمد: ١: ٣٧١.
[ ١ / ٢٨ ]
مكانته منهم في رسالته الخاتمة، مكمّلًا ما أسّسوا، وما أقاموا من حضارات إنسانيّة رفيعة الشأن!
ويبيّن -أيضًا- أن بناء الحضارة الذي أقامته النبوّة بكلمات الله ووحيه ليس بناءً ماديًّا كأبنية الناس في حضاراتهم الماديّة، ولكنه بناء روحاني يقوم على دعائم الأخلاق والفضائل، ومحاسن الشيم والشمائل التي شيّدوا بها بناء الحضارة الفكريّة والاجتماعيّة!
وقد أبان الحديث عن عمل النبوة باعتبارها الحقيقة العظمى المسيطرة على التفكير في إقامة صرح البناء الحضاري، بإسهام كل نبيّ وكل رسول في إرساء هذا البناء حتى جاء خاتم النبيّين - ﷺ -، وكمّله برسالته الخاتمة الخالدة!
وهذا المعنى الذي أبان عنه الحديث هو إجمال لمعنى الحديث الأول، وفيه بيان المعاني والحقائق التي أقيم بناء الحضارة الإنسانيّة من لبناتها!
والنبوّة في عمومها حرية أن تكون بمنزلة من التاريخ البشريّ ترفعها فوق كل منزلة من منازل حقائق الحياة وفضائلها .. ورسالاتُ الله تعالى إلى الناس لإخراجهم من ظلمات الضلالات إلى نور الهداية جديرة أن تكون بموضع من مسيرة الإنسانية، يسمو بها إلى أرفع مكان في ذروة تاريخ الحياة!
بيد أن التاريخ البشري لم ينصف النبوّة -وهي أعظم مراتب الحضارة الفكرية- ولم يعط الرسالات الإلهيّة حقها من التقدير، وهي أجل صور الحياة في العلم والمعرفة، بل هي أبلغ وأقوى وأثبت وأعظم دوافع التطوّر الاجتماعي في حياة الإنسانيّة!
[ ١ / ٢٩ ]
٦ - الطفولة الفكريّة:
ونستعرض التاريخ منذ بدأ يكتب ويسجّل أحداث الحياة في المجتمع البشري فنجده شغل -حتى أتخم- بالفلسفة الوضعيّة، التي هي في كثير من موضوعاتها وقضاياها حصيلة العقل الإنساني، وقد كان هذا العقل في مهد الطفولة الفكرية لا يزال يحبو، وحصيلة الهوس الخيالي الجامح في كثير من مسائلها وبحوثها التي شغلت بجدلها العقيم قسطًا كبيرًا من عمر الحياة، وكانت هذه الفلسفات تعج بأوضار الوثنيات التي كانت أساسًا لما يُسمّى (الفن)، ولا سيما في دائرة التصوير المجسّم والنحت!
لقد مضى على هذا العقل وهو يفكّر وينظر ويتحرك عشرات الألوف من السنين، ولكنه لم يصل إلى شيء في قضاياه التي استقل بها من شؤون الحياة والكون؛ بل إنه زادها تعقيدًا وشتاتًا، ولم يستطع أن يحسم رأيًا فيما شارك فيه من شؤون الحياة، ولم يقول على البت في قضايا الغيب التي جاءت النبوّات بحقائقها، إخبارًا عن واقع مشهود؛ لأن النبوّات تطير إلى هذا الغيب بأجنحة الوحي والتلقّي عن الله تعالى، خالق الغيب والشهادة، والعقل تعبّد للحسّ وجعل منافذه وسيلة إلى إدراك الحقائق، والحسّ محدود الجوانب إذا تعدّاها سقط في هاوية الجحود والتشكيك!
ولو أن العقل خفّف من غلوائه، واستقام على نهج النبوّة يهتدي بهديها في موازين إدراكاته لكان له اليوم مع الحياة شأن غير شأنه الذي يعيش فيه، ويقود الحياة بزمامه، ولا يدري أحد ما تكون نهاية هذه القيادة القاصرة عن إدراك كثير من حقائق الحياة!
[ ١ / ٣٠ ]
وكان بحسب العقل أن يتفقّه فيما يقال له من وحي النبوّات مما هو وراء الحسّ المادّي، ويلائم بين مدركاته الماديّة وحقائق الوجود الكونيّة العظمى، ليظفر بلون من الشفافية والإشراق، يتيح له من معارف الغيب وحقائقه ما يتحرّر به من أغلال الحسّ ومنافذه!
وإلى جانب شغل التاريخ بتلك الفلسفة الوضعيّة نجده شغل بالمظاهر الماديّة في سائر جوانب الحياة، وملأ كثيرًا من صفحاته بالحديث عن آثار الوثنيّات وأصنامها وتماثيلها وأساطيرها وخرافات أهلها، وتناسى النبوّات وآثارها الفكريّة والرّوحيّة وقيمها الأخلاقيّة!
وتناسى الرسالات الإلهيّة وعملها في دفع عجلة الحضارة الإنسانيّة إلى التقدّم الأدبي، والرقيّ الفكري، والسموّ الخلقي، وحفاظها على القيم الأصلية في توجيه العقل، وأقوم الطرق في تطوّر الفكر!
فكم من صفحات هذا التاريخ البشري الظالم -منذ كان- شغلها تاريخ النبوة؟
وكم من صفحات هذا التاريخ شغلها عمل الرسالات الإلهيّة في تقدّم المجتمع البشري؟ إنها أقل من القليل!
قد يقبل في منطق الوثنيّات وفنونها الأسطوريّة أن يُشغل التاريخ البشري - وهو من أوضاع تلك الوثنيّات- عن العناية بالنبوّة والرسالات الإلهيّة، ويتعوّض عنها الأباطيل والخرافات وأساطير الوثنيّات عند الإغريق والفراعنة والكنعانيّين، ومَن إليهم من الأمم الراسبة في قاع حمأة الوثنيّات؛ لأن النبوّة إنما جاءت لتصحيح أوضاع الحياة التي شوّهتها الوثنيّات بأباطيلها، وذلك
[ ١ / ٣١ ]
بالقضاء على منطقها المهلهل، لتقيم صرح العقيدة التوحيديّة التي تحرّر الحياة من عبوديّة الأحجار والتماثيل تحت عنوان (الفن)!
ولكن الذي لا يقبله منطق العقل المستقيم أن يتغلّب منطق هذه الوثنيّات المتهالكة على عقول الذين أوتوا منطق التوحيد على ألسنة الأنبياء والرسل، ونزلت عليهم كتب النبوّات، فبدّلوا كلمها طواعية وعنادًا، وحرّفوا آياتها قصدًا إلى أحطّ منطق في تاريخ الوثنيّات!
فهذه التوراة كتاب موسى نبيّ الله ورسوله وكليمه، وهذا الإنجيل كتاب عيسى نبيّ الله ورسوله وروحه وكلمته، وهما اليوم بأيدي الأخلاف نرى فيهما ما لا يمكن أن يتصوره عاقل من بهت للنبوّة والرسالات الإلهيّة في تصوير حياة أنبياء الله ورسله!
ومن ثم أبصرنا تلك الحرب الضروس في القديم والحديث على خاتم النبيّين - ﷺ -!
ولم يكتف التاريخ البشري في إهماله أمر النبوّات والرسالات الإلهيّة ليتعوّض عنها بهذه الوثنيّات وأقاصيصها، بل أضاف إليها -ليستغرق في ضلالاته- أنباء الطغاة البغاة العتاة من سفّاكي دماء البشريّة، ومدمّري عمران الحياة، ومخرّبي بناء الحضارات الإنسانيّة، فجعل من أحاديثهم في معاركهم الظالمة أقاصيص الإعجاب، ومفاخر البطولة، وهي في حقيقتها نزوات من الطغيان الأحمق الذي يرقص على طبول الخراب!
هذا التاريخ الظلوم المظلوم حمل على كاهله طوال أحقاب ما مرّ عليه من دورات الفلك أثقال الوثنيّات بكفرياتها وإلحادها ومذاهبها، وأفكارها
[ ١ / ٣٢ ]
وأساطيرها، وآثارها الماديّة في تفصيل مسهب، بل في مبالغة وإغراق وأكاذيب، ولم يسمح بأسطر يكتبها في سجلاته عن النبوّات والرسالات الإلهيّة إلا بقدر ما يصلها بهذه الوثنيّات في معاركها معها ونضالها ضدّها!
أما بيان مكانة النبوّة من الحياة، وبيان أعمالها في توجيه الحياة، وتهذيب الغرائز، وإرشاد العقل في سيره، وبيان ما يطيق إدراكه وما لا يطيق، وبيان أقدار الرسالات الإلهيّة، وجهاد الرسل في سبيل تقدّم الحياة، وإقامة موازين العدالة، وإصلاح ما أفسده الطغاة البغاة العتاة بطغيانهم ومظالمهم، وكفاح البطولات الروحيّة، واصطبار المكافحين من الأنبياء والمرسلين، وأتباعهم من المؤمنين برسالاتهم، على محن الجبروت، وبلاء الطغيان، وفدائح الظلم .. أما هذا كله فأمر لا يعني هذا التاريخ البشري أن يفرد له بين صفحاته قدرًا يعطيه حقه من التقدير والاعتزاز!
وقد صوّر التاريخ النبوّة والرسالات الإلهيّة في أسطره التي سمح بها في سجلاته للحديث عنها، وعن حملتها من المصطفين، على أنها مرشد لمن يريد اعتزال الحياة، ليعيش روحانيًّا قانعًا زاهدًا، قعيد الكهوف والصوامع، جوعان ذا مسغبة، عريان ذا متربة، سموحًا لا يزاحم في معترك العيش، خانعًا في ذلة، مستسلمًا لنوازل الحياة، شرودًا نفورًا، يحيا ويموت دون أن تحسّ به الحياة!
والتاريخ بهذا التصوير الظالم يضع النبوّة والرسالات الإلهيّة في إطار من السلبيّة، لا تعني الحياة في شيء، ولا تعنيها الحياة في شيء!
ومن هنا نشأت فكرة (الدّين والدنيا) فالدّين- عند هذا التاريخ الظلوم- هو السلبيّة التي تعيش مع خيالات الأوهام، وأوهام الغيبيّات التي لا تحسّ ولا تمسّ .. والدنيا عند هذا التاريخ هي كل المعاني التي قامت على دعائمها فلسفة
[ ١ / ٣٣ ]
الوثنيّات والإلحاد، والتفكير المادي الكفور، وعلى أساسها قامت الحضارات الماديّة بكل سوآتها وما يتصل بها!
٧ - أعظم تراث إنساني:
وجاءت رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - لتصحّح أغاليط التاريخ، وتنصف النبوّة والرسالات الإلهيّة وتردّ اعتبار الحقائق الكونيّة، فوضعت هذا التاريخ في مواجهة النبوّة وأحداثها، ووضعت الحياة كلها أمام الرسالات الإلهيّة وأعمالها، ووضعت الوثنيّات وفلسفاتها في مكانها من منازل الجحود!
فلم يستطع التاريخ بعد بعثة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - أن يلوي عنقه مشيحًا عن الحديث في النبوّة ومكانتها في دنيا الناس والأشياء .. ولم تستطع أن تُنْغض رأسها متجاهلة مكانة الذين شُرِّفوا بقلائد النبوّة من المصطَفين الأخَيار .. ولم تستطع -أيضًا- أن تُصَعِّر خدّها متغافلةً متعاميةً عن أشعة الحق في رسالات رسل الله الذين بعثهم إلى الحياة نورًا يبدّد ظلام القلوب والعقول والأرواح، ويهذب جموح الغرائز الإنسانيّة الضارية، ويشذّب أشجار الأفكار الشائكة بشبهات الجهالة، وأغلوطات الضلالة، في أدمغة أحلاس هوس الفلسفة، بما لا يعني شيئًا غير هوس التعالي، في ألغاز مريبة غامضة، وألفاظ مظلمة قاتمة، تسبح في محيط خيالي لا مرفأ له، تستقر فيه حقيقة من حقائق الحياة في واقعها الوجودي الذي جاءت به النبوّة والرسالات الإلهيّة، وعرفت الحياة للدّين معناه الشامل القويم الذي يعني المعاني والقيم والحقائق الإيجابية في منهج النبوّة والرسالات الإلهيّة .. وعرفت ألا تقابل بين الدّين والدّنيا، وإنما التقابل الحق بين حياتين:
[ ١ / ٣٤ ]
- هذه الحياة التي يحياها الناس والأشياء، وللدّين فيها منهجه الأعم والأشمل الذي استقاه من معين النبوّة، والرسالات الإلهيّة!
- وحياة آتية لا ريب فيها، وللدّين فيها معرفته التي تلقاها عن وحي النبوّة، والرسالات الإلهيّة!
٨ - أعظم شهادة:
وقد قضى خاتم النبيّين - ﷺ - أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث -كما سيأتي- فكان بين أهلها، يعاملهم في أمور الحياة ليل نهار (١)، وهي الحياة اليوميّة، وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء .. ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء، فيتبيّن للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة، وإخفار عهد، وأكل مال بالباطل، وعقبات في الخديعة والخيانة، وتطفيف الكيل، وبخس الحقوق، وإخلاف الوعد .. وقد اجتاز الرسول - ﷺ - هذه السبل الشائكة الوعرة، وخلص منها سالمًا نقيًّا، لم يصبه شيء مما يصيب عامة الناس، حتى دعوه (الأمين)!
ومع كل هذا خالفه المخالفون أشدّ الخلاف في دعوته، ولم يتركوا سبيلًا إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه وعاندوه، وصدّوا عن سبيله، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم!
ولكن لم يجرؤ أحد منهم أن يقول شيئًا في أخلاقه، ولا أن يرميه
_________________
(١) الرسالة المحمديّة: ١١٤ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٣٥ ]
بالخيانة، أو ينسب إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد، أو إخفار الذمة، أو نقض العهد!
وإن من ادّعى النبوّة وقال: إن الله يوحي إليه، فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد، ومساوئ الأعمال!
ألم يكن يكفي قريشًا في ردّهم على الرسول - ﷺ - أن يذكروا أمورًا عمل فيها الرسول - ﷺ - بغير الحق، وأن يشهدوا عليه بأنه أخلفهم وعدًا، أو خانهم في أموالهم، أو كذب في شيء مما قاله لهم؟!
إن قريشًا أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسالة والرسول - ﷺ -، وضحّوا بفلذات أكبادهم في قتاله، حتى قُتل وجُرح منهم كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه .. وكانت أحوال الرسول - ﷺ - وشؤونه ظاهرة لجميع الناس، معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه، ولم يَخْفَ عليهم شيء من أمره!
روى ابن جرير عن السدي (١):
(لمَّا كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إِن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحق من كفّ عنه، فإِنه إِن كان نبيًّا لِمَ تقاتلونه اليوم؟ وإِن كان كاذبًا كنتم أحقّ من كفّ عن ابن أخته، قِفوا هنا حتى ألْقى أبا الحكم، فإِن غَلَب محمد - ﷺ - رجعتم سالمين، وإِن غُلِبَ فإِن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا، فيومئذ سُمّي الأخنس، وكان اسمه أبي، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني
_________________
(١) تفسير الطبري: ٧: ١٨٢.
[ ١ / ٣٦ ]
عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإِنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك، والله! إِن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إِذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوّة، فماذا يكون لسائر قريش؟) فذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام]!
إنهم لم يكونوا يشكّون في صدق محمد - ﷺ -، فلقد عرفوه صادقًا أمينًا، ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة .. كذلك لم تكن الطبقة التي تتزعّم المعارضة للدعوة تشك في صدق رسالته، وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله .. ولكنهم كانوا يرفضون إظهار التصديق، ويرفضون الدخول في (الدّين القيّم)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال (١): لمَّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء]! صعد النبي - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي" لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إِذا لم يستطع أن يَخرُج، أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تُريد أن تُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟! "
قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إِلا صدقًا، قال: "فإِني نذير لكم بين يدي
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٧٧٠)، وانظر (١٣٩٤، ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢، ٤٩٧٣)، ومسلم (٢٠٨)، وأحمد: ١: ٢٨١، ٣٠٧، والترمذي (٣٣٦٣)، والنسائي: عمل اليوم والليلة (٩٨٢، ٩٨٣)، والطبري: التفسير: ١٩: ١٢٠، ١٢١، وابن منده: الإيمان (٩٤٩، ٤٥٠، ٤٥١)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ١٨١، ١٨٢، والبغوي (٣٧٤٢)، ومعالم التنزيل: ٣: ٤٠٠، ٤٠١، وابن حبان (٦٨٥٠).
[ ١ / ٣٧ ]
عذاب شديد"! فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد]!
ولمَّا أرسلَ الرسول - ﷺ - كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم، دعا هرقل أبا سفيان ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبها، وقد كان أبو سفيان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله .. وهنا كانت إجابة عدوّ لو استطاع أن يقتل الرسول - ﷺ -، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه .. ثم هو يُدعى إلى مجلس صاحب سلطان ليشهد عنده في عدوّه، ودعا هرقل بترجمانه، فقال فيما يرويه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄، من حديث طويل: أيّكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا! فقال: أَدْنُوه منّي، وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره! ثم قال لترجمانه: قل لهم: إِنّي سائل هذا الرجل، فإِن كذبني فكذّبوه! فوالله! لولا الحياء من أن يأثِروا عليّ كذبًا لكذَبْتُ عنه! ثم كان أوّل مَا سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب! قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطّ قبله؟ قلت: لا! قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا! قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضُعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤُهم! قال: أيزيدون أم يَنْقُصون؟ قلت: بل يزيدون! قال: فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا! قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا! قال: فهل يَغْدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمْكِنِّي كلمةٌ أُدْخِلُ فيها شيئًا غير هذه الكلمة! قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم! قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منّا وننال منه! قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به
[ ١ / ٣٨ ]
شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة! فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها! وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو قال أحد هذا القول قبله لقلت: رجل يأتي بقول قيل قبله! وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك. قلت: رجلٌ يطلب مُلك أبيه! وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا؛ فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله! وسألتك: أشراف الناس اتّبعوه أم ضُعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل! وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإِيمان حتى يتمّ! وسألتك: أيرتدّ أحدٌ سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب! وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر! وسألتك: بما يأمُركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف! فإِن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكُن أظُنُّ أنه منكم! فلو أنّي أعلم أنّي أخْلُصُ إِليه لَتجشَّمْتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسَلْتُ عن قَدَمه (١)!
_________________
(١) البخاري: ١ - بدء الوحي (٧) وانظر (٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١)، والأدب المفرد (١١٠٩)، وخلق أفعال العباد (٦٣، ٦٤)، ومسلم (١٧٧٣)، وأحمد: ١: ٢٦٢ - ٢٦٣، وانظر: الترمذي (٢٧١٧)، وابن منده: الإيمان (١٤٣)، والبيهقي: "الدلائل": ٤: ٣٨١ - ٣٨٣.
[ ١ / ٣٩ ]
فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة؟
إن الموقف حرج، وإن السائل ملك ذو شوكة وقوّة، يسأل رجلًا ملأ الضِّغن صدره عن أمر الرسول - ﷺ -، فَلا يقول فيه إلا الصدق والحق!
وإن هرقل لم يستطع أن يقف حيال هذه الشهادة صامتًا فقال ما قال!
وأي شهادة أصدق من هذه الشهادة!
إن تاريخ الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته لم يسجّل مثل هذه الشهادة عن غير محمد خاتم النبيّين - ﷺ -!
ثم إن الذين آمنوا كانوا من أمّة عريقة في الحرية، ذات عقول ناضجة وفطنة، ولهم حماسة وحميّة، لم تَلن قناتهم لحكومة قاهرة، ولا ذلّلت أنَفَتهم دولة قويّة منذ فجر التاريخ، وكَانت لهم تجارة واسعة النطاق، تصدر فيها وترد سلعهم وأمتعتهم بين بلاد وبلاد، وكانت مملكة فارس، وبلاد الشام، ومصر، وآسيا الصغرى، مضربهم ومورد تجارتهم، ولاحتكاكهم بالأمم المتمدنة، ولقائهم الرجال من مختلف الأمم، تفتّقت آراؤهم، واتسعت عقولهم، وازدادت تجاربهم، يدل على ذلك ما أثر عنهم من الأحكام، وما وصل إلينا من صفحات التاريخ من الأخبار، وكان من هؤلاء مَن قاد الجيوش وانتصر بها، فعدّ من أعظم الفاتحين!
وكان منهم من ساس البلاد، وحكم الناس، فأحسن الإحسان كله في سياسته وحكمه، حتى عُدَّ من أعدل الولاة، وأحكم الحكّام سياسة وتدبيرًا!
وهل يسوغ في منطق العقل أن من أوتي مثل هذا العقل الراجح، والمواهب العظيمة، والرأي الحصيف، يخفى عليه شيء من أمر الرسول - ﷺ - أو ينخدع به؟
[ ١ / ٤٠ ]
هؤلاء هم الذين نقلوا عن الرسول - ﷺ - ما شهدوه بأنفسهم، وسمعوه بآذانهم، وكانوا يرون الاقتداء به سعادة لهم .. والاهتداء بهديه شرفًا في الدنيا، وذخرًا لهم في الآخرة، فاقتفوا آثاره، وسلكوا سبيله، واستنّوا بسنّته .. وهذا دليل واضح على أنه الرسول الكامل، وأنه على الحق، مما لا يرده ولا يجادل فيه إلا مكابر!
ومن شواهد أن سيرة خاتم النبيّين - ﷺ - كانت نقيّة من كل ما يخدش في دعوى الرسالة، أن أشدّ الناس إيمانًا به، وأملأهم قلوبًا بمحبّته وإجلاله، هم أطول الناس صحبة له، ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلًا، كالسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار ﵃!
ولو لم يكن من معالم سيرة خاتم النبيّين - ﷺ - إلا هذا التراث الفكري العظيم في مكتبات العالم قديمًا وحديثًا، شرقًا وغربًا، من شمالًا وجنوبًا، وفي خزائن العلم والمعرفة التي يملكها الأفراد والجماعات، والهيئات والطوائف، في شتى بلاد العالم، لكفى في إبراز القيمة الحقيقيّة ما بذلته الأقلام في تسجيل وتدوين مجالات الفكر والعلم والبحث لكل ما دار حول محور الرسالة والرسول - ﷺ -!
٩ - فتح فكري جديد:
وحسب الباحث في باب الإيمان بصدق ذلك أن يتيح لعقله (١)، بل لخياله تصوّر ما كتب عن خصائص رسالة محمد - ﷺ - في هديها وإصلاحها، تصديقًا وتبيانًا، وبحثًا ومعرفة، وأخذًا ونشرًا، وحوارًا وتحليلًا، ودرسًا وتحقيقًا، ليؤمن
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٢٠ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٤١ ]
إيمان إيقان، ويعرف معرفة صدق أن رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - كانت ولا تزال فتحًا جديدًا أمام الفكر الإنساني، أتاح له الانطلاق إلى لون جديد من المعرفة لم يسبق بحال، فهو لا يقف عند غاية، ولا تعرف الحياة له نهاية، ولا يتوقّف أمام عقبات، ولا تحول دون انطلاقه حواجز، ولكنه يقتحم الآفاق، ويثب إلى ذروات الشموخ والتطلّع، ويغوص إلى أعماق الكون وأسرار الوجود، متطلّعًا إلى مزيد من العلم والمعرفة، وفي وقائع التاريخ ومشهود رواياته ما يؤكد صدق هذه الحقيقة!
وحادثة اندفاع جحافل التتار على عاصمة الخلافة الإسلامية (بغداد) - بموجاتها الساحقة المدمّرة واحدة من أحداث كثيرة حفل بها التاريخ - تصوّر مدى ضخامة ما كان من التراث الفكري الإسلامي في (بغداد) عاصمة الإسلام يومئذ، وهي واحدة من أخوات لها في أوطان المسلمين، في مجالات العلم والفكر والمعرفة!
وكان في مكتباتها من آثار أقلام علماء الإسلام ومفكّريه وباحثيه، من المفسّرين، والفقهاء، والمحدّثين، والأصوليّين، واللغويّين، والأدباء، والمؤرخين، والناظرين في علوم الأوائل في الفلسفة والفلك، وآثار الفرق والمذاهب، والملل والنحل، ما لا يمكن أن يحصره الحساب والتعداد!
وإذا ذكرت (بغداد) بما تحفل به مكتباتها العامة والخاصة من فنون المعرفة التي هي أثر من آثار الفكر في خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ -، فلا يمكن أن تغيب عن الذاكرة (القاهرة)، و(قرطبة)، و(دمشق)، و(فاس)، وغيرها من عواصم الفكر في سائر أقطار الإسلام وأوطانه!
وليس بأهون دلالة على صدق هذه الحقيقة التاريخيّة في تقدير ضخامة
[ ١ / ٤٢ ]
التراث الإسلامي الذي كُتب عن خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - كمًّا وكيفًا ما وقع على أيدي برابرة (الحضارة) الأوروبيّة الحاقدة في عواصم الأندلس، حينما تألّبت عصبيّات الحقد الأسود على (الدّين القيّم)، منتهزة فرصة تميّع الحكم الإسلامي، وتفاهة الحاكمين باسم الإسلام في هذا الجانب من العالم الإسلامي، فمزّقته شرّ ممزّق!
وفي غمرة هذا التمزّق .. وفي حومة هذا الضعف والهوان .. استولى أولئك الحاقدون، ومتعصبو الصليبيّة الحمقاء على ما كانت تعجّ به خزائن الفكر والعلم من آلاف الألوف من مؤلفات المفكّرين والباحثين في شتى مناحي الفكر وجوانب المعرفة، فنهبوا منها ما نقلوه إلى بلادهم وأوطانهم، وأحرقوا منها ما أحرقوا في جنون حاقد، وحقد مجنون، وذهبت هذه الثروة الفكريّة الضخمة مع مُلك الأندلس إلى متاهات الفناء والضياع!
والذي وقع من السلب والنهب والتحريق والتدمير في عواصم الإسلام الكبرى وقع مثله وأعظم منه في مكتبات العالم، وخزائن العلم التي كانت منتشرة في أنحاء العالم الإسلامي وغيره، عندما تعاوت ذئاب الفتن داخل الكيان الإسلامي على أيدي الزنادقة من القرامطة، والباطنيّة، والدول التي قامت على أنقاض دول غلبتها على أزمة الحكم؛ فدمّرت آثارها الفكريّة والعمرانيّة، ومحت من صفحة الوجود آثار علمائها ومفكّريها، وغيّرت أوضاعها ونظمها الاجتماعية!
وعلى الجملة فكل أثر فكري يتصل بالإِسلام من قريب أو بعيد هو حصيلة الأقلام والأفكار التي كانت خصائص الرسالة والرسول - ﷺ - معينها الذي تنهل منه وتعل!
[ ١ / ٤٣ ]
ومن هنا كان كل ما كتب ويكتب في مجال البحث الإسلامي بأيّة لغة من لغات الأمم والشعوب، على أيّة صورة من صور البحث، هو في لبابه جانب من جوانب خصائص محمد الرسول - ﷺ - في رسالته!
والذين كتبوا، والذين يكتبون في مستقبل الحياة عن محمد الرسول - ﷺ -، عاشوا ويعيشون في ظلال دائمة من نفحات الخلود في رسالة خاتم النبيّين التي لا يَنْضب معينها، ولا ينفد مدادها!
ولقد تضاعفت أضعافًا مضاعفة الكتابة عن الرسالة والرسول - ﷺ - في هذا القرن الذي نعيشه، ولا تزال في سموّ وازدياد .. وجرت أقلام الكاتبين والباحثين من المسلمين وغير المسلمين بألوان من البحوث، وضروب من الدراسات المختلفة نوعًا وكثرةً، تواردت بين كتابة علميّة صادقة، عميقة الإدراك والتهدّي، وكتابة تتّجر بالبحث، وتتملّق الجماهير!
وكتابة لا تجهل، ولكنها متعصّبة كافرة، تلحد في بحثها، حاقدة، سيئة القصد، متحيّزة الهوى، تروح وتجيء في أودية من الضلال، تنكر المعروف، وتعرف المنكر، وتثير الشكوك والشبه، وتعتصم بروايات الأباطيل الدخيلة تدعم به أكاذيبها!
وكتابة كافرة جاهلة، تتبع كل ناعق، تنعب بالبهتان، بليدة التقليد، تساق بعصا العصبيّة العمياء!
وفي هذه الكتابات بألوانها واتجاهاتها كتابات دارسة مبسوطة، فيها عمق وجديّة في بعض جوانبها، وفيها سذاجة ضحلة في بعض نواحيها!
وفيها كتابات تعنى بالصور والشكل وزخرفة الإطار، تنسق اللمع البرّاقة من الأحداث، مهتمّة ببريقها، تنسيق بائع الورود، لتبهر الناظرين!
[ ١ / ٤٤ ]
وهذا اللون من البحث النسّق المزخرف قد يرضي إحساس قارئه، ولكنه لا يرضي عقله؛ لأنها بحوث لا تبالي بالحقائق أن تجيء في إطارها أو لا تجيء!
وفيها كتابات تلفت نظر الذين يعرضون عن قراءة هذه البحوث في مظانها الأصيلة القديمة، لصعوبة المسلك الكتابي في تلك المظان، وعدم العناية بالتنظيم في أسلوب القدامى من العلماء والباحثين، فتجذبهم هذه الكتابات المنسّقة بتنظيمها النسقي إلى القراءة، وقد تدفع ببعض القرّاء إلى حبّ الاستزادة والتعمّق، وربما وقفت بكثير من القارئين على مهيع الإرشاد إلى مفاتيح الهداية في الرسالة الخالدة، رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ -!
وهذا اللون من الكتابة لا يشبع نهم المستشرق لمعرفة الحقائق، المتطلع للبحث الجاد؛ ولكنها تفيده وتوجهه، وكأنها لافتة إعلان مضيء، يثير شوق القارئ إلى التطلّع لمعرفة ما وراءها من حقائق فكريّة، وأفكار علميّة، وهذا ليس بالقليل من فوائد البحث ومنافعه!
وفيها كتابات أشبه ما تكون بسلعة غريبة تعرض في السوق تحت لافتة لامعة، فإذا حركتها بيد فكرك لتختبر ما فيها من حقائق لم تجد إلا كلمات ملتقطة من هنا وهناك!
ولا تزال أقلام الباحثين والكاتبين تتسابق في مضمار خصائص محمد - ﷺ - في رسالته وهدايتها، متخذة طرائق شتّى من البحث، في أسلوب يعتدل أحيانًا، ويتعرّج أحايين أخرى .. وتختلف موضوعات الكتابة في دائرة تلك الخصائص، وإن كانت كلها أشبه بالروافد التي تنبع من منبع واحد، وتسير في أودية مختلفة أشدّ الاختلاف، فبعضها وسيع مترامي الجوانب، وبعضها ضيّق
[ ١ / ٤٥ ]
متقارب الأطراف، وبعضها عميق غائص بعيد القرار، وبعضها ضحل قريب المستقر، ولكنها تنتهي كلها إلى مصب واحد، يرمي بزبدها وغثائها جفاء، ويمسك منها خصائل الحق، فيمزج بينها حتى يجعلها حقيقة واحدة، هي لباب الهداية، وروح الرسالة في قيادة الحياة!
وإذا كان التراث الإسلامي الذي اتخذ من خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - محوره الذي دار حوله بهذه المثابة من الضخامة والعظمة، فالذين يكتبون اليوم وغدًا عن هذه الرسالة، وخصائصها وسيرة صاحبها خاتم النبيّين - ﷺ - ماذا يكتبون؟
أتراهم يجترّون ما يجتنون من ثمار أولئك الكاتبين من القدامى والمحْدثين؟
أم أنهم سيجدون لأقلامهم مراتع جديدة لم تنسرب إلى مروجها أقلام من تقدمهم؟
وحينئذ يكتبون في خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - وحقائقها، وفنون هدايتها، ويكتبون في خصائص الرسالة التي أعدّه الله بها جبلة وكسبًا لحمل عبء هذه الرسالة الشاملة الخالدة .. ويكتبون في كشف الكثير مما توارى عن أعين الأقلام الباحثة في هذه الخصائص وراء سحب الإمكان الزمني، واقتدار العقول تحت تأثير البيئات والمجتمعات التي كان لها أثر في إبراز ما ظهر من تلك الخصائص!
١٠ - شمس الوجود الروحي:
أليست هذه الشمس التي تشرق على الحياة كل يوم بهيئتها وصورتها المتكرّرة، ويرى الناس منها أول ما يرون ضوءها الذي يكشف أسجاف الظلام،
[ ١ / ٤٦ ]
لتظهر أمام أبصارهم جوانب الحياة في تقلّباتهم على هذه الأرض، ثم يحسّون حرارتها الدافئة في خيوط أشعتها الملتهبة، لا يعلم العامة منها أكثر من هذه الظواهر التي يفيدون منها في مختلف مصالحهم، وينتفعون بها في شتى منافعهم، في دائرة علمهم المحدود بمستوى ما بلغته معارفهم من حقائق الكون، ومظاهر الطبيعة؟! ومع ذلك كأنما هم منها في جديد عند إشراقة كل يوم، لم يكونوا يرونه، ولا أحسّوه من قبل!
فإشراقها على الحياة في جانب من جوانب هذا الكوكب الذي يحيا فوقه الناس حدث واحد في كل وحدة من وحدات الزمن في إصلاح الحياة، ولكنه يتراءى جديدًا يقبل على الأحياء والأشياء بتجدد الحياة وتقلّباتها!
واحتجابها عن الحياة وراء الأفق في جانب آخر من جوانب الأرض حدث واحد في وحدة أخرى من وحدات الزمن، يُرى وكأنه جديد، وهو مقبل ومعه رهبة الليل وهدأته وسكونه، لتهدأ فيه الحياة، وتسكن حتى تستجمع عناصر حركتها مقبلة مع إشراقة الشمس من جديد بكل جديد، يتراءى أنه يولد مع الشمس كل يوم في كل مكان تشرق من أفقه!
وهذا الجديد (المتكرّر) هو معترك أفكار العلماء والباحثين والمفكّرين الذين لا يقفون مع ظواهر الأشياء في عناصر الكون، ولكنهم يحاولون أن ينفذوا إلى مداخلها وأعماقها ليعرفوا حقائقها .. ومن ثم فهم لا يكتفون بما اكتفى به العامة من رؤية ضوء الشمس، يرونه بأبصارهم، ولا بحرارة أشعتها يحسّونها بحواسّهم؛ بل إنهم يجهدون في تعرّف حقيقتها عن طريق تعرّف خصائصها الذاتيّة التي تنشأ عنها هذه الظواهر!
[ ١ / ٤٧ ]
وقد عرف العلماء والباحثون من خصائص الشمس الذاتيّة الكثير مما قصرت دون معرفته أنظار العامة بمداركها المحدودة .. وهذا الكثير مما عرفه العلماء والباحثون هو الذي يفتح أمامهم في كل آن بابًا جديدًا من المعرفة والعلم بالمجهول .. وكل باب جديد يُفتح يكشف عن منافذ للعلم والمعرفة التي تتجدّد على مرّ الزمان في سائر الأمكنة والأوطان التي يأرز إليها العلم بفنونه وآلاته!
وهكذا كلما ازداد العلماء والمفكّرون معرفة بحقائق الكون ازدادوا تطلّعًا إلى أبعد مما وصلوا إليه من العلم بالمجهول .. ولا يزال العلم يكشف للفكر الإنساني عن جديد مجهول من خصائص الشمس يزيده علمًا ومعرفة بحقيقتها الكونيّة كنموذج لظاهرة كونية تمدّ الحياة بقوّة الحيويّة الخصبة!
والشمس لا تزال -مع تعلق البحث وزيادة العلم والمعرفة بخصائصها- هي الشمس مشرقة وغاربة، لا تنقطع عنها سبحات الدراسة والبحث، ولا يتوقّف العقل الإنساني عن النظر وراء ما يكشفه من خصائصها الكونيّة!
وهذه الشمس التي يبذل العقل الإنساني جهده في البحث عن خصائصها الكونية -ولن يصل إلى نهايتها- إن هي إلا شمس صغيرة إلى جانب الشموس الكبار، من مجموعة الكواكب والنجوم السابحة في فضاء الكون، محجوبة بأبعادها الشاسعة، وعظمتها الهائلة عن مجال الإدراك الحسّي والعقلي، حتى يستطيع العلم -وهو سيّار لا يتوقّف- بوسائله المعروفة وغير المعروفة، إبداع ما يشق طريقه لإخضاعها للنظر والدرس والبحث، ليكشف عن خصائصها الكونيّة، وقد بدأ يعرف طريقه إلى أطراف المجهول، وهو دائب طموح إلى الوصول!
[ ١ / ٤٨ ]
وهذه الشموس الكبار العظام التي تعبر الوجود بكل خصائصها الذاتيّة المجهولة في غير توقّف إن هي إلا ذرّات من عناصر هذا الكون الهائل في هذا الوجود العظيم!
وإذا كانت هذه الشموس بعظمتها الكونيّة مشهودة وغائبة هي ضياء الحياة الماديّة التي يعيش على ضوئها العالمون، وهم بعد -على دأب عالميهم وجدّ باحثيهم في تعمّق الدراسة- لم يبلغوا من معرفة خصائصها الذاتيّة وآثارها الكونيّة، ومظاهر عناصرها الطبيعيّة إلا الشيء القليل الضئيل!
والرسول - ﷺ - في خصائص رسالته الخالدة، وخصائص إنسانيّته السامية هو شمس الوجود الروحي في هذا الكون المحجّب بغلائل الجلال الإلهي!
حظّ العامة منه حظّهم من شموس الوجود المادي، رأوا ضوء رسالته بأعين بصائرهم، فمشوا إلى نورها يستبشرون برحمتها، وأحسّوا حرارة هدايتها فدلفوا لها يستظلّون بعدلها!
والوجود الروحي الذي جعل الله تعالى محمدًا - ﷺ - شمسه هو القوّة الربّانيّة المنبثّة في ذرّات الكون، تبثّ فيها الحياة، وتحرّكها حركتها المقدّرة في كتاب الغيب، فلا تحيد عنها مسرعة ولا مبطئة!
فكما لا يزال العلماء والمفكّرون والباحثون في جديد من شمس هذا الوجود الماديّ والحسيّ، يكشفون كل يوم من خصائصها الكونيّة الشيء بعد الشيء .. فكذلك شأن العلماء والمفكّرين والباحثين لا يزالون في جديد من خصائص رسالة محمد - ﷺ - وهدايتها .. ولا يزالون في جديد من خصائص محمد - ﷺ - الروحيّة وشمائله الإنسانيّة التي أعدّه الله بها جبلّة وتأدّبًا، ليكون خاتم
[ ١ / ٤٩ ]
النبيين، ورسولًا إلى العالمين برسالة شاملة عامة خالدة، يجد فيها كل جيل في كل زمان وفي كل مكان مطالب حياته الروحية، ومجال عقله وتفكيره، ونظام حياته وعيشه، ووشائج علائقه في أفراده وجماعاته وأممه وشعوبه!
فما كُتب وما يكتب عن رسالة محمد - ﷺ - في شمولها تشريعًا وهديًا، وعمومها زمانًا ومكانًا، وأعصرًا وأجيالًا، وفي خلودها بمعانيها وحقائقها، وأنظمة الحياة في تقنينها وأحكامها، وحكَمها ودعائم قيمها الروحيّة، وأسلوبها في التعبير عن مقاصدها وأهدافها، ووسائلها، وطرائق منهجها في التوجيه والإرشاد لم يسجّل إلا نقطةً في خط الدراسة والبحث!
وما كُتب وما يكتب عن شخصيّة محمد الرسول - ﷺ - في حياته وشمائله وأخلاقه وخلائقه، وإبراز خصائصه الإنسانيّة التي جبله الله عليها، وأدّبه بها، لتكون عدّته في اقتداره على حمل عبء رسالته الخالدة الخاتمة لرسالات السماء، لم يأت ولن يأتي إلا على بعض معالم هدايته في رسالته، وإلا على بعض خصائصه في إنسانيّته، وما حباه الله به من الكمالات البشريّة؛ لأنه اختاره رسولًا إلى الناس كافة في الأزمنة والأمكنة والأحوال كافة!
فلابدّ إذن أن يكون لكل جيل من البشريّة في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر، وعلى أيّة حال من العلم والمعرفة حظّه من رسالته، وحظّه منه في دعوته وهدايته، ومنهجه وشمائله .. مهما اختلفت بالناس مناحي الحياة، وطرائق التفكير .. ومهما (تطورت) العلوم والمعارف ووسائلها، ومهما تنوّعت أساليب الحياة الاجتماعيّة في المجتمع البشري .. ومهما بلغ العقل الإنساني من مراتب النضج في التفكير!
[ ١ / ٥٠ ]
١١ - في علم المغازي خير الدنيا والآخرة:
وإن خير ما يتدارسه المسلمون (١)، ولا سيما الناشئة وطلاب العلم، ويُعنى به الباحثون والكاتبون دراسة السيرة المحمدية، إذ هي خير معلّم ومثقف، ومهذّب ومؤدّب، فيها ما ينشده المسلم، وطالب الكمال من دين ودنيا، وإيمان واعتقاد، وعلم وعمل، وآداب وأخلاق، وسياسة وكياسة، وإمامة وقيادة، وعدل ورحمة، وبطولة وكفاح، وجهاد واستشهاد في سبيل العقيدة والشريعة، والمُثل الإنسانيّة الرفيعة، والقيم الخُلقيّة الفاضلة!
لقد كانت السيرة مدرسة تخرج فيها أمثل النماذج البشريّة، وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين!
وكان السلف الصالح من هذه الأمة الإسلاميّة يدركون ما لسيرة الرسول - ﷺ -، وسيرة أصحابه النبلاء، من آثار حسنة في تربية النشء، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام، والتضحية في سبيل تبليغها بالنفس والمال .. ومن ثم كانوا يتدارسون السيرة ويحفظونها، ويلقنونها للغلمان، كما يلقنونهم السور من القرآن!
قال زين العابدين علي بن الحسين بن علي: (كنا نُعلم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم السورة من القرآن)!
وقال الزهري: (في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
_________________
(١) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٧ وما بعدها بتصرف: دكتور محمد أبو شهبة، دار القلم، دمشق، ط أولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.
[ ١ / ٥١ ]
وقال إِسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص: (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني، هذه شرف آبائكم، فلا تضيّعوا ذكرها) (١)!
نعم، والله! إنها لشرف الآباء، والمدرسة التي يُرَبَّى فيها الأبناء!
وسبق أن أشرنا إلى أن التاريخ سجل منذ فجر الرسالة صيحات من هنا وهناك، تشكّل في إطارها سيل منهمر من الحقد الأعمى على الرسالة والرسول - ﷺ -، في القديم والحديث سواء!
وهنا يطالعنا قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]!
وقوله جل شأنه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]!
ونبصر هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق، وعبادة أرباب من دون الله، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر -وفق المفهوم الصحيح للإيمان بالله واليوم الآخر- إنما هم يعلنون الحرب على الرسالة والرسول - ﷺ - ويريدون إطفاء نور الله في الأرض، المتمثّل في هذا (الدّين القيّم)، وفي الدعوة التي تنطلق به في الأرض، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة البشر!
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني: ١: ٣٩٢ دار المعرفة، بيروت.
[ ١ / ٥٢ ]
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾!
فهم محاربون لنور الله، سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن، على الرسالة والرسول - ﷺ -، أو بما يحرّضون به أتباعهم على حرب هذا الدّين وأهله، والوقوف سدًا في وجهه، كما يشهد الواقع على مدار التاريخ (١)!
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]!
وهو الوعد الحق من الله، الدال على سنّته التي لا تتبدّل، في إتمام نوره بإظهار دينه، ولو كره الكافرون!
وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا فيدفعهم إلى المضيّ في الطريق على المشقّة واللأواء في الطريق، وعلى الكيد والحرب من الكافرين .. ويتضمّن الوعيد لهؤلاء وأمثالهم على مدار الزمان!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾!
وهذا توكيد لوعد الله .. ولكن في صورة أكثر تحديدًا .. فنور الله الذي قرر سبحانه أن يتمّه، هو دين الحق الذي أرسل به رسوله محمدًا - ﷺ - ليظهره على الدّين كله!
ولقد وقف هؤلاء في وجه (الدّين القيّم) وقفة العداء والتضليل (٢) ..
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٦٤٣ بتصرف.
(٢) المرجع السابق: ٦: ٣٥٥٧ بتصرف.
[ ١ / ٥٣ ]
حاربوه -كما سيأتي- بالاتهام .. وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي، للإيقاع بي المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج!
وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة!
وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين، كما وقع في غزوة الأحزاب!
وحاربوه بالإشاعات الباطلة، كما جرى في حديث الإفك!
ولم تضع الحرب أوزارها حتى اللحظة!
وهي حرب طويلة سنعرض لها في هذه الدراسات بعون الله وتوفيقه!
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾!
وأتمّ الله نوره في حياة الرسول - ﷺ -، فأقام الجماعة الإسلاميّة صورةً حيّةً واقعةً من المنهج الإسلامي .. ذات معالم واضحة، وحدود مرسومة، تترسّمها الأجيال، لا نظريّة في بطون الكتب، ولكن حقيقة في عالم الواقع!
وأتم الله نوره فأكمل للمسلمين دينهم، وأتمّ عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام دينًا يحبّونه، ويجاهدون في سبيله .. وتمّت حقيقة (الذين القيم) في القلوب وفي الأرض سواء!
وما تزال هذه الحقيقة تنبعث بين الحين والحين، وتنبض وتنتفض قائمة، على الرغم من كل ما جرد على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد، وبطش شديد!
[ ١ / ٥٤ ]
ونور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه النار والحديد، في أيدي العبيد!
وإن خيّل للطغاة البغاة العتاة، ومن يشايعهم، أنهم بالغوا هذا الهدف البعيد!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾!
وشهادة الله لهذا الدّين بأنه (الهدى ودين الحق) هي الشهادة، وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة!
وقد ظهر الدّين قوّةً وحقيقةً، فدانت له معظم الرقعة المعمورة في الأرض، في مدى قرن من الزمان!
ثم زحف زحفًا سلميًا بعد ذلك إلى قلب آسيا وأفريقيا وغيرهما!
وما يزال يمتدّ بنفسه .. رغم ما يرصد له في أنحاء الأرض من حرب وكيد، ومن تحطيم للحركات الإسلاميّة، على أيدي عملاء السيل المنهمر من الحقد الأعمى على الرسالة والرسول - ﷺ -!
وما تزال لهذا (الدّين القيّم) أدوار في تاريخ البشريّة يؤدّيها، ظاهرًا بإذن الله تعالى على الدّين كله، تحقيقًا لوعد الله، الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل، مهما بلغوا من القوّة والكيد والتضليل!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح]!
[ ١ / ٥٥ ]
وما من صاحب دين آخر أو مذهب مادي، ينظر في الإسلام نظرةً مجرّدة من التعصّب والهوى، حتى يقرّ باستقامة هذا (الدّين القيّم) وقوّته على قيادة البشريّة قيادةً رشيدةً، وتلبية حاجاتها النامية المتطوّرة في يسر واستقامة!
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾!
فوعد الله قد تحقق في الصورة الظاهرة قبل مضيّ قرن من الزمان بعد البعثة المحمديّة!
ووعد الله ما يزال متحقّقًا في الصورة الموضوعية الثابتة، وما يزال الدّين ظاهرًا في حقيقته، في معالم الرسالة، وحياة الرسول - ﷺ -!
ويطالعنا بعد ذلك مباشرة قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح]!
ونبصر ذكر منزلة الرسول - ﷺ - بالثناء عليه من الله تعالى، وذكر منزلة الصحابة ﵃ بالثناء عليهم، وأنهم -كما قال ابن كثير (١): (خلصت نيّاتهم، وحسنت أعمالهم، وكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم)!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ٢٠٤.
[ ١ / ٥٦ ]
وقال مالك - ﵁ -: (بلغني أن النصارى كانوا إِذا رأوا الصحابة -﵃- الذين فتحوا الشام يقولون: والله! لهؤلاء خير من النصارى فيما بلغنا)!
وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمّة معظمة في الكتب المتقدّمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقد نوّه الله تعالى بذكرهم في الكتب المنزلة، والأخبار المتداولة!
ونبصر صورة مؤلفة من عدة معالم لأبرز حالات هؤلاء الصحابة الكرام ﵃ (١) .. فهم:
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾!
فهي الشدّة لله، والرحمة لله .. وهي الحميّة والسماحة للعقيدة .. فليس لهم في أنفسهم شيء، ولا لأنفسهم فيهم شيء .. وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها، يشتدّون على أعدائهم فيها، ويلينون لإخوتهم فيها .. قد تجرّدوا من الأنانية ومن الهوى، ومن الانفعال لغير الله، والوشيجة التي تربطهم بالله!
وإرادة التكريم واضحة، وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم، هيئة الركوع والسجود، وحاله العبادة!
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾!
والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيث رآهم .. ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة، وهي الحالة الأصيلة لهم في
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٣٣٢ بتصرف.
[ ١ / ٥٧ ]
حقيقة نفوسهم، فعبر عنها تعبيرًا يثبتها كذلك في زمانهم، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركّعًا سجّدًا!
وتطالعنا بواطن نفوسهم، وأعماق سرائرهم!
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾!
وتلك صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة .. كل ما يشغل بالهم، وكل ما تتطلّع إليه أشواقهم، هو فضل الله ورضوانه، ولا شيء وراء هذا الفضل والرضوان يتطلّعون إليه، ويشغلون به!
ويطالعنا أثر العبادة الظاهرة، والتطلّع المضمر في ملامحهم، ونضحها على سماتهم!
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾!
والسيما: العلامة، وقيل: المراد بها بياض يكون في الوجوه يوم القيامة، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وهو رواية عن ابن عباس -﵄- وفي رواية عن مجاهد: السيماء في الدنيا: هو السمت الحسن، وعن مجاهد أيضًا: هو الخشوع والتواضع!
ولا منافاة بينها، حيث يكون السمت في الدنيا: الحسن الذي ينشأ عن التواضع والخشوع، وفي الآخرة يكون في جباههم نورًا (١)!
واختار لفظ السجود؛ لأنه يمثل حالة الإذعان والخشوع، والانقياد والخضوع، والعبوديّة لله -﷿- في أكمل صورها، فهو أثر الخشوع والخضوع، في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة، ويحلّ
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري: ٢٦: ١١٢.
[ ١ / ٥٨ ]
مكانها التواضع النبيل، والشفافية الشافعية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءةً وصباحةً ونبلًا!
قال أمير المؤمنين عمر الفاروق - ﵁ -: (من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيّته)!
وقال أمير المؤمنين عثمان - ﵁ - (١): (ما أسرّ أحد سريرة إِلا أبدلها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه)!
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله -﷿- ظاهره للناس!
وقال بعضهم: (إِن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبّة في قلوب الناس)!
وتلك الصورة الوضيئة المضيئة للصحابة -﵃- ليست مستحدثة، إنما هي ثابتة في لوحة القدر، ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة!
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾!
وصفتهم التي عرفهم الله بها، وبشّر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها!
﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾!
وهكذا نبصر مثلهم ثابتًا في صفحة القدر، قبل أن يجيء محمد خاتم النبيّين - ﷺ - ومن معه!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ٢٠٤.
[ ١ / ٥٩ ]
ونبصر صفة هذه الجماعة المختارة .. صحابة رسول الله - ﷺ - واضحةً ثابتةً في صلب الوجود، تتجاوب بها أرجاؤه .. وتبقى نموذجًا للإنسانيّة، تحاول جاهدة أن تحققها، لتحقّق معنى الإيمان في أعلى الدرجات!
ونبصر فوق هذا التكريم كله .. وعد الله -﷿- بالمغفرة والأجر العظيم!
وهو وعد يجيء في هذه الصيغة العامة، بعد ما تقدّم من صفتهم التي تجعلهم أوّل الداخلين في هذه الصيغة العامة!
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾!
وذلك التكريم وحده حسبهم، وذلك الرضى وحده أجر عظيم .. ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود. والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): (ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات، وهو الشدّة على الكفار، والرحمة بينهم، والركوع والسجود، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا .. والوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات، بل على الإِيمان والعمل الصالح، فذكر ما به يستحقون الوعد، وإِن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم، ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إِذا ذكر الإِيمان والعمل الصالح، فإِن الحكم إِذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم)!
_________________
(١) منهاج السنة: ١: ١٥٨ دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ١ / ٦٠ ]
ترى، هل آن لنا أن نبصر مكانة هؤلاء الصحابة الكرام، ﵃ .. ونبصر وجوب محبّتهم وتعظيمهم وتوقيرهم، ونبصر ضرورة الاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، لما شرفهم الله به من صحبة رسول الله - ﷺ -، والجهاد معه، لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين ومن على شاكلتهم، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم، وتقديم حبّ الله ورسوله - ﷺ - على ذلك كله (١)!
ونحاول أن نستشرف وجوه هؤلاء الصحابة الكرام وقلوبهم .. وهم يتلقّون هذا الفيض الإلهيّ من الرضى والتكريم والوعد العظيم .. وهم يرون أنفسهم هكذا في كتاب الله .. وينظر بعضهم في وجوه بعض فيرى أثر النعمة التي يحسّها هو في كيانه!
ولكن أنّى لبشر لم يكن معهم ولم يعايش حياتهم أن يتذوّق ذلك إلا من بعيد .. رجاء أن يكرمه الله بحبّهم فيقرّب له البعيد!
ونحاول -جاهدين- أن نعيش معهم في رحاب السيرة النبويّة، وهم يجاهدون في الله حق جهاده، ويرفعون لواء الحق عاليًا، وهم أزكى الأمّة وأطهرها .. ونترسم خطاهم!
رجاء أن ترجع إلينا سيرتنا الأولى، وتهبّ نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد يكون قضاءَ الله الغالبَ، وقدرَه الذي لا يرد!
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية: ٤٦٧، والشرح والإبانة على أصول السنة والديانة: ٢٧١.
[ ١ / ٦١ ]
١٢ - الله أكبر:
وتفاعلت في نفسي من نفحات السيرة النبوية، ودورها في بناء المجتمع الإسلامي .. ما يبصّرنا معالم الطريق في واقعنا المعاصر .. منذ صبيحة ليل بيروت، وما جدّ بعده من أحداث .. فيما يلي (١):
يا قومنا هل تذكرون بشائرا دَقَّت على الأفهام أن تُتَصوّرا
أعطت لنا معنى الحياة وعزّها من وحيها النور الوضيء تحدّرا
وبنورها فجرٌ فريد قد بدا لنرى به وجه الحقيقة مُسْفرا
فجر أتى فمحا الظلام بنوره وبنى المصلَّى بل أضاء المنبرا
وكأننا في الغار نرقب ما جرى ومحمد في الغار يعتزل الورى
* * *
_________________
(١) ألقيت بعضها في معاهد التربية الخاصة بالكويت، في حفل منظمة التحرير الفلسطينيّة في ذكرى مولد الرسول - ﷺ - عام ١٣٩٣ هـ، وبعضها في حفل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عام ١٣٩٤ هـ.
[ ١ / ٦٢ ]
يا قومنا هل تذكرون محمدًا والروح هلّل في السماء وكبّرا؟
يا قومنا هل تذكرون حبيبكم والوحي في آياته متكررا؟
هل تذكرون اقرأ فهذا أمرنا واجهر بدين الله واصدع منذرا؟
فهنا سما فوق الحياة وإِصرها متساميًا لمعالمٍ لن تحصرا
في لمحة ترك المكان خلالها ليقول عمن لا يُحدّ ولا يُرى
وهنا بدا صوت الحقيقة واضحًا لم يُبقِ منه قصّةً أو منظرا
أعطى الحياة جلالها ووقارها حتى نرى فيه الوجود الأكبرا
* * *
صلى عليك الله يا خير الورى في يوم مولدك الشريف وطهّرا
[ ١ / ٦٣ ]
يا خير خلق الله يا علم الهدى يا نفحة الرحمن يا نورًا سرى
قد كان قبلك كل شيء مظلما والحق كان لدى المكابر منكرا
كانت حياة الناس طرًّا لعبة شنعاء بل سفرت أخسّ وأحقرا
ما بين أصنام تُطاف وعصبة تدعو بعزّ جدودها وتكاثرا
حتى أتيت فأشرقت شمس الهدى فإِذا جميع الخلق أضحى مبصرا
وإِذا طواغيت تهاوت جملة فتحرّرت من ظلمها أممٌ ترى
وإِذا الإِخاء يعمّ حتى أصبحوا جسدًا يحس بما لأضعفهم جرى
والعدل والإِحسان رفرف عاليًا والنصر للإِسلام أصبح مظهرا
[ ١ / ٦٤ ]
فإِذا أُصبنا في الحروب بنكسة ترتاد من ظلم النفوس القهقرى
فاليوم أوضحت الأمور وأظهرت ما كان من سبب الهزائم مضمَرا
الغرب والشرق الجحود كلاهما كالرجفة الهيجاء تعصف بالقرى
يعطون من كل القذائف نحونا نارًا تؤجّج في الضلوع وخنجرا
نارًا تحرِّق كل ما فوق الثرى تصلي مزيدًا في البلاء ومحورا
في ليلة ليلاء قامت عصبة ملعونة رعناء تأتي المنكرا
في أرض لبنان الأبيّ مهازل كالموج يعصف بالديار مزمجرا
وكان قومي في غياهب ليلهم والموت يدخل كل دار في الذرا
والحقد غذته اللعوب مرارة والبيت في شعب هنالك أقفرا
[ ١ / ٦٥ ]
والجبن في هذا الجبان قد انزوى وكأننا في الكهف نرقب ما جرى
وهنا نلاقي في الشوارع خنفسا ببغاء يصرخ في الهواء مكررا
من كل لون في الضلال ووزره وإِذا تقدمّ للقتال تأخّرا
يا أيها الهيبي المخالف ربه ماذا أقول بما أحسّ وما أرى؟
يا أيها الرجل المدلّي شعره طولًا أشدّ من البنات وأنضرا
أنت الجهالة والضلالة ركّبا من كل شيطان هوى أن يحفرا
قبرًا هنا للمسلمين جميعهم والكلّ يهوي في متاهات السرى
قبرًا هنا يبني بكل خطيئة ليضمّ جيلًا للمعاصي سخّرا
[ ١ / ٦٦ ]
ويضمّ جيلًا للرسول مخالفا ويضم جيلًا للمعارك قصّرا
ويضمّ جيلًا للمكارم تاركًا والعلم نزرًا والحديث مثرثرا
عصر الهزائم عاش فيه جنابهم عاث المضلّل فيه حتى أدبرا
باسم التقدّم يهدمون لأنهم يجدون كل حديث دين منكرا
* * *
يا أمة الأخلاق هذا جيلنا يلقاك بالخلق الوضيع مصعّرا
إِن كان لا يدري فتلك جهالة مهما ادّعى أن الحياة تحرّرا
كنا نؤمل أن يكون سلوكهم خلقًا قويمًا في المدائن والقرى
يا أمتي إِن الصراط لواضح والحق قد أوحى السبيل وحرّرا
[ ١ / ٦٧ ]
يا أمة الإِسلام هذا حالنا هلًا بصف واحد لن يكسرا؟
هلاّ بدين الحق يحمي جيشنا ويعيد في يده اللواء مظفرا
فالله قد رسم الطريق لنصرنا فلم المتاهة في المذاهب يا ترى؟
* * *
الله أكبر قالها خير الورى للعالمين هدايةً وتحرّرا
وسراجها الوهّاج أرسل نوره يهدي الضرير ويرشد المتحيّرا
نور سرى فكسا المنارة ضوؤه وعلا نداء الله جلّ مكّبرا
* * *
الله أكبر قالها جيش سرى فوق الحمام ليستعين ويعبرا
[ ١ / ٦٨ ]
فإِذا القناة تقاصرت أطرافها وكأن كل الجيش يزحف في الثرى
وحباه وعد الله ﷻ نصرًا أتى بعد الهزائم مبهرا
في شدة الأحداث يأتي وعده ليعين من عرف الكتاب وأبصرا
ويعين من تبع النبي محمدًا ويريه نور الحق أوضح ما يرى
في قوة بدأ القتال وجنده ملك الزمام وذلّل المتكبّرا
ومشى على متن القناة ومائها ورقى على هول الصعاب غضنفرا
لولا العقيدة ما تحرّك خطوة أبدًا ولا بالنصر عاد مظفّرا
حمل اللواء وقام بضرب وافدًا داس الكرامة والقداسة مهدرا
دستوره بين الأنام خيانة عدد النجوم شواهد لن تنكرا
[ ١ / ٦٩ ]
إِن ترجع الماضي تجد لك شاهدًا حقًّا وإِن يك في الصحائف سطّرا
فحقائق التاريخ خير مواعظٍ للمؤمنين وسل بذلك من قرا
حقب من الأهوال تحمل عبرة ماذا بهذا القزم حتى يفخرا؟
والخطب أكبر والحياة مريرة بين الأنام سفاهة وتحدّرا
* * *
الله أكبر دوحة أحيى بها أشهى لديّ من الحياة وأنضرا
وزعيم دوحتها الحبيب محمد نور من الرحمن أهدي للورى
ما إِن قرأت ولا سمعت حديثه حتى أحسّ به بروحي قد سرى
وكأنه يوحى لأول مرة والروح يزجيه مهيبًا نيّرا
[ ١ / ٧٠ ]
في حبه أجد الحياة سعيدة وأحسّ وجه الحور فيه مسفرا
قبس من الإِيمان شع ضياؤه فأنار ما أخفى الظلام وأظهرا
لو كان فينا نوره ما أطبقت كسف الظلام على النفوس كما نرى
لو كان دستور السماء دليلنا لرأيت من فيض العجائب أنهرا
لو كان فينا سنة الهادي لما جرؤ الطغاة وطأطأت لهم الذرا
* * *
عفوًا حبيب الروح إِني حائر وبكل ناحية أرى خَطْبًا عرا
وعلى ربوع القدس خيّم باطل من ظلم صهيون تجبّر وافترى
والحرب قائمة نخوض غمارها وتواجه الأخلاق حربًا أخطرا
[ ١ / ٧١ ]
والصوت في سمع الزمان شعاره شر المبادئ ما يباع ويشترى
* * *
الله أكبر باسم ربّي وحده نحمي الشريعة والكتاب النيّرا
والظلم يأذن بالرحيل ولن ترى من ملحد باغ ولا متجبّرا
* * *
قسمًا سأصدع بالكتاب مجاهرًا ومجاهدًا حتى أغيَّب في الثرى
حتى يعود إِلى النفوس صفاؤها فترى هداها بالجلال مسورا
حتى يعود إِلى القلوب ضياؤها فترى النبي مشفّعًا ومبشّرا
وترى الحبيب مجاهدًا ومصابرًا وترى الرسول مثابرًا ومبصّرا
وترى الحياة سعيدة وهنيئة وترى الطريق موضّحًا ومحرّرا
[ ١ / ٧٢ ]
صدق الولاء يشدّني حيث التُّقى باسم الحنيفة بالكتاب مذكّرا
من كل معنى للعقيدة قائم وبكل حب كان نورًا نيّرا
نورًا ترى فيه إِذا أحببته معنى الحياة وعزّها متفجّرا
حبًا لدين الله كان ولم يزل مسكًا بأفواه الزمان وعنبرا
* * *
يا حبّنا لك في القلوب مكانة تسمو وتعلو كل حب أثّرا
الحبّ أنت فمنك يعلم أمره وإِليك يرجع يا حبيبي آخرا
صدق اليقين أمانة لك في دمي يأبى لها الإِيمان أن تتغيّرا
لست الذي يرضى الحيانة مذهبًا ويرى التقلّب في العقيدة متجرا
[ ١ / ٧٣ ]
إِن كنت للرسل الكرام إِمامهم فلأنت للدنيا صباح أسفرا
ولأنت للقلب المعنَّى حبه أبدًا أرى فيك الحبيب الأطهرا
* * *
يا حبّنا لما ذكرتك أشرقت روحي فأنظر للبرايا حضّرا
في ساحة الميزان أرقب رحمة تسمو فتهدي المخلصين الكوثرا
والنار في غليانها وحريقها والظالمون على الصراط تعثّرا
يهوون في نار تذيب جلودهم والعقل من هول العذاب تحجّرا
فمضى يولول في الجحيم ونارها وهوى يجلجل في الوعيد مكشّرا
مستصرخًا من كل أنّات النوى ويكاد يفنيه اللهيب مسعّرا
[ ١ / ٧٤ ]
حتى يذوق الذل في جبروتها يهوي هشيمًا في الجحيم مبعثرا
يتجرّعون صدديدها وجحيمها من كل لون في العذاب مكرّرا
حتى الثياب مقيسة ومحيكة كفنًا أعدّ من الجحيم محرّرا
يمسي ويصبح بالوعيد مجددا يعطى عقابًا بالخطايا مشترى
وهنا ترى اللعنات فيما بينهم وترى الحديث ملفّقًا ومزوّرا
وترى التبرؤ والتنصّل شاملًا ما كان في الدرج الذوائب والذرا
وهنا ترى تلك الوجوه كئيبة وحسيرة تصلى سعيرًا ممطرا
ومشاهدًا أخرى هنالك غيرها حتى ترى فوق العجائب ما ترى
حتى ترى هذا الرجيم إِمامهم يلقي بدائرة الملام ومنكرا
[ ١ / ٧٥ ]
وهنا فقط يعظ اللعين موضحًا وهنا فقط يعظ اللعين مقرّرا
والكل يرجو أن يفوز بجنة والحق يحكم ليس يحكم فجّرا
هلا تبعت إِلى النجاة محمدًا حتى تفوز إِلى الجنان وتعبرا
فهو السبيل إِلى الحياة وعزّها بل رحمة للعالمين مبشّرا
لا تطفئ الأحقاب من أنواره أبدًا يساقط عن ضياه الأعصرا
* * *
يا أمة الإسلام قودي للهدى كل الخليقة أسودًا أو أحمرا
حتى نرى سِلمًا يعود ورحمة ونرى الوجود مضمّخًا ومعطّرا
ونرى الشباب تحسنت أخلاقه مسكًا بأفواه الزمان وعنبرا
[ ١ / ٧٦ ]
ونرى الظلام تكسرت أمواجه والناس قد لزموا الكتاب المبصرا
ونرى حياة الخلق طرًّا حلوة لو أنهم تبعوا السراج النيّرا
ونرى بلاد المسلمين تحرّرت من كل شيطان أتى مستعمرا
ونرى فلسطين الأبيّة أصبحت علمًا يرفرف بالسلام ومفخرا
ومآذن القدس الشريفة أذّنت والمسجد الأقصى هنالك كبّرا
والنور يسري في ربوع حياتنا والأرض تلتحف البساط الأخضرا
ونرى كتاب الله يحكم شرعه بين الخلائق قاضيًا ومدبّرا
فتهزّنا الأصداء من إِرعاده والقلب لمَّا أن جفاه تفطّرا
وتهزّنا الكلمات من آياته والروح لمَّا أن هواه تعطّرا
[ ١ / ٧٧ ]
يتدفّق الإِيمان في عبراتنا وهنا نرى الوطن الأبيّ تحرّرا
ونرى رسول الله في سنن الهدى عادت لتحيي كل شيء أقفرا
والشمس بالتوحيد أشرق نورها والخلق هلّل وجههم وتنوّرا
والحبّ والإِيمان جاء لقلبنا والنصر للإِسلام جاء معطّرا
والأزهر المعمور بشّر داعيًا والقيروان أتى يحيي الأزهرا
ومن هنا كان هذا الكتاب معالم ضروريةّ لكل مسلم، وردًّا للشبهات، ودحضًا للمفتريات، في مواجهة ذلك السيل المنهمر من الحقد الدفين عبر التاريخ على محمد خاتم النبيّين - ﷺ -!
بيّنت فيه ما وفقني الله تعالى إليه من خصائص حياة الرسول - ﷺ -، ودورها في بناء المجتمع الإسلامي، في ضوء القرآن الكريم، والسنة وفق قواعد التحديث رواية ودراية، ومكانة الرسالة والرسول - ﷺ -، وحاجة الإنسانيّة إلى اتباعه - ﷺ -!
[ ١ / ٧٨ ]
واقتضت منهجية البحث أن نقدِّم خصائص السيرة ومصادرها.
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ٢٢ من جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ ٢٧ من مايو ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت. سابقًا
[ ١ / ٧٩ ]
خصائص السيرة
[ ١ / ٨١ ]
خصائص السيرة
أولًا: أصح سيرة لتاريخ نبيّ مرسل:
١ - من خصائص الأمة الإسلامية
٢ - الحفظ في الصدور والكتابة في السطور
٣ - قواعد التحديث رواية ودراية
٤ - أربع خصال
ثانيًا: الوضوح في جميع المراحل
ثالثًا: المثالية في كل ما يتعلق بها
رابعًا: الشمول والتكامل
خامسًا: الدليل العملي على صدق الرسول - ﷺ -
[ ١ / ٨٢ ]
خصائص السيرة
ويأتي الحديث عن خصائص السيرة فيما يلي:
أولًا: أصح سيرة لتاريخ نبيّ مرسل:
لم نعرف على مدى التاريخ البشري كله أمة من أمم الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته (١)، سعدت بمثل ما جاء في القرآن الكريم عن الرسالة والرسول - ﷺ -، ولا بمثل المجموعة الناطقة من الأحاديث النبويّة، وذلك السجل الخالد .. بل على العكس من ذلك، نرى الأمم كلها فقيرة لا تملك مصدرًا وحيدًا من مصادر البحث عن الأنبياء، ونراها قد انقطع ما بينها وبين أنبيائها، وفقدت الصلة التي تصلها بعصر هؤلاء الرسل، وتوقفها على شؤون حياتهم، وما يكتنفها من ظروف وملابسات، حتى صار كثيرون يتساءلون، بل يشكّون في نبوّة أنبيائهم!
ونحن مع معارضتنا لهذا التطرّف نؤمن بأن حلقات كثيرة مفقودة من حياة أنبيائهم، لا يمكن البحث عنها، والاهتداء إليها!
أما خاتم النبيّين - ﷺ - فهو الرسول الذي نعرف عنه كل دقيق وجليل، ونعرف عنه من دقائق الأخلاق والصفات، والميول والرغبات، والقول والعمل، ما لا نعرفه عن غيره، بل إن ما عرفناه عن الأنبياء جاء من طريق الوحي الذي أنزله الحق -﵎- على خاتم الرسل صلوات الله
_________________
(١) السيرة النبويّة: دروس وعبر: الدكتور مصطفى السباعي: ١٣ وما بعدها، المكتب الإسلامي، وكتابنا: الهجرة النبوية ودورها في بناء المجتمع الإسلامي: دراسة تحليليّة في ضوء الكتاب والسنة: ٢٣ وما بعدها، مكتبة الفلاح، ط ثانية ١٤٠٩ هـ ١٩٨٨ م.
[ ١ / ٨٣ ]
وسلامه عليه وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء أجمعين، كما جاء من حديث الرسول - ﷺ -.
١ - من خصائص الأمة الإسلاميّة:
وعليه فالحديث النبوي بهذه الصورة هو السجل الخالد، الذي حفظ هذه الحياة المباركة، وهو من خصائص الأمّة الإسلاميّة، وهو الذي يعرّف المسلم بكل ما يتصل بنبيّه وحبيبه، من قول وفعل، وتقرير ووصف، في الحركات والسكنات، ويسعده بصحبته، وكأنه حضر مجلسه، واستمع لحديثه، وقضى معه أسعد مدة من الزمان، ليسمع كلامه، ويشاهد عمله، ويدرس سيرته!
وهو ميزان عادل لحركة هذه الأمّة، والحياة النابضة، والقوى المؤثرة، التي تبعث على الخير والفلاح، والرشد والصلاح!
٢ - الحفظ في الصدور والكتابة في السطور:
ومن رحمة الرحمن الرحيم جلّ شأنه أن كانت هذه الأمة تملك قوة الذاكرة، وسرعة الحفظ والاستظهار، مما يسّر لها الجمع والاستحضار -كما أسلفنا-، حتى كانت القلوب واعية، والعقول حافظة، ولا غرو فهم قد بهرهم الوحي بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه، واستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه، فكان الحفظ في الصدور، والتدوين في السطور، وكانت الصبغة التي شاء الله -﷿- أن تكون، وقد تأسوا به في حياتهم، حين علموا أنه روح الحياة!
ومن ثم كانوا أهلًا لتحمل الرواية، وفقه الدراية، حتى فاقوا في ذلك كل الأمم!
[ ١ / ٨٤ ]
وقد وعى الصحابة الكرام -﵃- ما سمعوا، وما شاهدوا، وحرصوا أشدّ الحرص وأبلغه على حفظه ونشره، حرصًا لم يعرف عن أمّة نبيّ من الأنبياء!
وجاء التابعون وتابعوهم بإحسان، فحملوا الراية، وأدّوا الأمانة، وبلّغوا حديث الرسول - ﷺ -، وتتابع المسلمون جيلًا بعد جيل يحفظون ويبلغون!
٣ - قواعد التحديت رواية ودراية:
وقد كان لقواعد التحديث روايةً ودرايةً الأثر الفعال في وضع الموازين التي تكفل السلامة للباحثين، وتقيم الحجّة على المفسدين المغالطين، ممن ساءت نواياهم حيال هذا الدّين، فاتهموا هذه القواعد بما لا يقوم على ساق ولا قدم، ولا يستقرّ عند البحث والنظر!
أجل، إن في هذه القواعد التي لا نظير لها عند غير المسلمين فوائد مهمة فريدة، ومباحث جمّة مفيدة، ومعارف رائعة وحيدة، ومعالم عالية عجيبة، وتحقيقات بديعة لطيفة، نفيسة شريفة، لا يستغني عنها من يشتغل بالبحث في العلوم الشرعية، والطرق الحكميّة، والأدلة اليقينيّة!
إنها عصمة من الزلل، ولولاها لقال من شاء في حياة الرسول - ﷺ - ما شاء، وخبط الناس في ذلك خبط عشواء، وركبوا من عمياء!
إنها مقدمة العلوم الشرعيّة ومفتاحها، ومشكاة الأدلّة اليقينيّة ومصباحها، وعمدة المناهج العلميّة ورأسها!
وليعلم من يريد أن يعلم (١):
_________________
(١) مقدمة سنن الترمذي: أحمد شاكر: ٧١ وما بعدها، الحلبي، ط ثانية ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨ م.
[ ١ / ٨٥ ]
من إنسان أسلس للعصبيّة المذهبيّة قياده، حتى ملكت عليه رأيه، وغلبته على أمره، فحادت به عن طريق الهدى، وقذفت به في مهاوي الردى!
أو من إنسان قرأ شيئًا من العلم فداخله الغرور، إذ أعجبته نفسه فتجاوز بها حدّها، وظن أن عقله هو كل شيء في هذا الوجود، وأنه (الحكم الترضى حكومته) فذهب يلعب بأحاديث النبي - ﷺ - وسيرته، يصحّح منها ما وافق هواه، وإن كان مكذوبًا موضوعًا، ويردّ ما لم يعجبه، وإن كان الثابت الصحيح!
أو من إنسان استولى أعداء الحق على عقله وقلبه، فلا يرى إلا بأعينهم، ولا يسمع إلا بآذانهم، ولا يهتدي إلا بهديهم، ولا ينظر إلا على ضوء نارهم، يحسبها نورًا، ثم هو قد سماه أبواه باسم إسلامي، وقد عدّ من المسلمين -أو عليهم- في دفاتر المواليد، وفي سجلات الإحصاء، فيأبى إلا أن يدافع عن هذا الإسلام الذي ألبسه جنسيّة، ولم يعتقده دينًا، فتراه يتأوّل النصوص، ليخضعها لما تعلّم من ضلالات أساتذته، ولا يرضى من الأحاديث والسيرة ما يخالف أهواءهم وضلالاتهم!
أو من إنسان مثل سابقه، إلا أنه أراح نفسه، وأراح الناس من التعرّف على هويّته، فاعتنق ما نفث أعداء الحق في روحه من انحرافاتهم وضلالاتهم، ثم هو يأبى أن يعرف الإسلام دينًا ويعترف به، إلا في بعض شأنه في التسمّي بأسماء المسلمين، وفي بعض المظاهر!
أو من إنسان عُلّم في معاهد هؤلاء، فعرف من أنواع العلوم كثيرًا، ولكنه لم يعرف عن دينه إلا نزرًا أو قشورًا، ثم خدعته مدنيّة هؤلاء عن نفسه، فظنّهم بلغوا من المدنيّة الكمال والفضل، وفي نظريّات العلوم اليقين والبداهة، ثم
[ ١ / ٨٦ ]
استخفّه الغرور فزعم لنفسه أنه أعرف بسيرة الرسول - ﷺ -، وأعلم من علماء هذا الدّين وحفظته وخلصائه، فذهب يضرب في الدّين عن هوى مبين، يرجو - في زعمه- أن ينقذه من جمود علمائه وحفظته وخلصائه!
أو من إنسان كشف عن دخيلة نفسه، وأعلن إلحاده في هذا الدّين وعداوته، ممن قال القائل فيهم: كفروا بالله تقليدًا!
أو من إنسان .. أو من إنسان!
ليعلم هؤلاء، وليعلم من شاء من غيرهم: أن المحدّثين كانوا محدّثين ملهمين، تحقيقًا لمعجزة سيد المرسلين، وخاتم النبيّين - ﷺ -، حين استنبطوا القواعد المحكمة لنقد الأحاديث، ومعرفة الصحاح من الزياف، وأنهم ما كانوا هازلين ولا مخدوعين بل كانوا جادّين على هدى وعلى صراط مستقيم، فكانت تلك القواعد، التي ارتضوها للتوثيق من صحة الأخبار أحكم القواعد وأدقّها، ولو ذهب الباحث المتثبّت يطبّقها على رواية الأحاديث لآتته ثمرتها، ووضعت يده على الخبر اليقين!
٤ - أربع خصال:
والحياة التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في حياتهم، تتوافر فيها أربع خصال (١):
الأولى: أن تكون (تاريخيّة)، أي أن التاريخ الممحّص الصحيح يصدّقها ويشهد لها!
_________________
(١) الرسالة المحمديّة: ٦٨ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٨٧ ]
الثانية: أن تكون (جامعة)، أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شمائلها!
الثالثة: أن تكون (كاملة)، أي متسلسلة لا تنقص شيئًا من حلقات الحياة!
الرابعة: أن تكون (عمليّة)، أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حقّقه بسيرته، وعمل به في حياته الشخصية والعائليّة والاجتماعيّة، فأصبحت أعماله مُثلًا عليا للناس، ومن ثم تكون الأسوة!
وكل هذه الأمور موجودة في سيرة محمد الرسول - ﷺ -، وليس معنى هذا أن سير الأنبياء قد صفرت من تلك الخصال مدة وجودهم في الحياة الدنيا، بل إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس قد أصابها التحريف، ودخلها التخريف، ومن ثم فهي لا تنصّ على هذه الأمور!
ولعل الحكمة في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثوا لأزمانهم وشعوبهم، فكان الموفّقون للخير من شعوبهم في أزمانهم يرون سيرتهم، ومن ثم تكون الأسوة .. ولم تكن هناك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأن النبوات ستختم برسالة خاتم النبيين - ﷺ - الكاملة إلى الناس كافة، في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر .. فكانت الحاجة ماسة إلى أن تكون سيرته - ﷺ - معلومة على حقيقتها إلى يوم القيامة؛ ليتيسّر التأسّي بها لجميع أمم الأرض، وهذا من أصدق البراهين العملية والسلوكيّة على كون خاتم النبيّين محمد - ﷺ - لا نبيّ بعده!
ولقد شهدت الدنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتًا على الأيّام بأن الدّين القيّم لم يقتصر على مجرد حفظ سيرة خاتم النبيّين - ﷺ -، بل توسّع في
[ ١ / ٨٨ ]
ذلك إلى ما يتعلق بها من كل النواحي، وصان هذه الأمانة القدسيّة، فلم تقترب منها يد الضياع، ولم تعبث بها عوامل الدهر، إلى درجة أن العالم كله يقف من ذلك موقف العجب!
والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي - ﷺ -، ورواية أحاديثه، وكل ما يتعلق بحياته أدّوها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها، وهم طبقات معروفة من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم بإحسان .. فلما تمّت هذه الذخيرة التاريخية جمعًا وكتابة وتدوينًا، وفق أصول التحديث رواية ودراية، جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرواة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة الذين رووا شيئًا مما يتعلق بحياة الرسول - ﷺ -، فكتبوا أسماءهم وكناهم، وأنسابهم، ومنشأهم، وأخلاقهم، وعاداتهم .. وبالجملة شؤون حياتهم، حتى أصبح ما كتبوا في هذا الباب علمًا مستقلًا!
وقد ادّعى الألماني المعروف الدكتور (سبرنكو) أنه أول أوروبّي كتب في سيرة محمد - ﷺ -، معتمدًا على المصادر العربيّة الأولى، ولم يعتمد في تأليفه إلا عليها، مع أنه في الحقيقة لم يكتب دفاعًا عن صاحب الرسالة - ﷺ -، بل كان متحاملًا، إلا أنه قال في مقدمته على كتاب (الإصابة) المطبوع في (كلكتا) ١٨٥٣ - ١٨٦٤ م: (لم تكن فيما مضى أمّة من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أمّة من الأمم المعاصرة أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر)!
وقد توفّي النبي - ﷺ - ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان (١)، من رجل وامرأة!
_________________
(١) انظر: الإصابة: ١: ٢ - ٣.
[ ١ / ٨٩ ]
ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي، مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في الكتب التي أفردت للتدوين؛ لأن كل واحد منهم حفظ شيئًا من أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وهديه وسيرته!
وبعد وفاة الرسول - ﷺ - بقي فريق من كبار الصحابة إلى سنة (٤٠ هـ)، وبقي بعد ذلك من الصحابة الذين كانوا أحداثًا في حياة النبي - ﷺ - عدد غير قليل .. فلما انقرض ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد، وانطفأ سراج أُوقد بنور النبوّة!
وجاء دور التابعين الذين هم تلاميذ الصحابة، والذين ينزلون المنزلة الثانية بعدهم في تبليغ الدعوة، وحمل الرسالة المحمديّة إلى الأنحاء النائية، والبلاد المترامية الأطراف، ولم يكن لهم همّ في الدنيا إلا حفظ الدين، ونشر أحكامه، وتعميم سننه وآدابه، والتعريف بسيرة الرسول - ﷺ - وهديه!
فقد ذكر ابن سعد في الطبقات (١٣٩) من التابعين أهل الطبقة الأولى الذين كانوا في المدينة!
وذكر (١٢٩) من الطبقة الثانية الذين أدركوا عامة الصحابة ورووا عنهم!
أما الطبقة الثالثة من التابعين فهم الذين حظي الواحد منهم برؤية صحابي واحد، أو عدة من الصحابة، وعدد هؤلاء (٨٧)، فمجموع التابعين (٣٥٥) في مدينة واحدة، وهي مدينة الرسول - ﷺ -!
فقيسوا على ذلك عدد الذين أخذوا عن الصحابة في المدن الإسلاميّة، التي انتشر الصحابة فيها من مكة إلى الطائف، والبصرة، والكوفة، ودمشق، واليمن، ومصر، وغيرها .. وهؤلاء لم يكن لهم همّ إلا نشر رسالة الإسلام، وتبليغ أقوال النبي - ﷺ - وهديه وسيرته!
[ ١ / ٩٠ ]
وهنا نبصر اهتمام المؤّرخين باستيعابهم، واستقصاء أحوالهم في إحصاء الأحاديث المرويّة عن الصحابة .. وتلك الروايات الكثيرة التي حفظت لنا سيرة الرسول - ﷺ -، مع مراعاة التبليغ إلى الجيل الذي بعدهم كل ما رأوه بأعينهم، وسمعوه بآذانهم، من أحوال النبي - ﷺ - وأقواله .. ومن ثم كانوا يعلّمون أولادهم وإخوانهم وأصحابهم وأقرباء هم من الدّين والعلم كل ما كانوا يعلمونه، بحيث كان ذلك هو الشغل الشاغل آناء الليل وأطراف النهار، وفي الغدوّ والآصال!
ونبصر -أيضًا- تعلم النشء الإسلامي الأول حقائق رسالة الإسلام، وتفاصيل حياة الرسول - ﷺ -، منذ ترعرعوا في بيئاتهم التي كانت ساحة للعلم والعمل، ومدارس يتقلّبون في فصولها، وما لبثوا أن قاموا مقام الصحابة - ﵃- وسدّوا مستدّهم في حفظ هذه الأحاديث، ووعي هذه المرويات التي كانوا يحفظونها كلمة كلمة، ويعيدون رواياتها بألفاظها، دون أن يبدّلوا منها كلمة!
وكما كان رسول الله - ﷺ - يحرّض أصحابه على أن يبلّغوا عنه، ويفقهوا رسالته، وينصروا دعوته، ويعرّفوا سنته، كان ينهى عن أن يتقوّلوا عليه ما لم يقل، أو ينسبوا إليه ما لم يفعل، وكان ينذر من يتعمّد الكذب عليه بأنه سيتبوأ مقعده من النار!
ومن المعلوم أن ذاكرة العرب كانت قويّة -كما عرفنا- وأنهم يحفظون آلافًا من الشعر وينشدونها عن ظهر قلب بلا زيادة ولا نقص، ومن طبيعة البشر أنهم إذا أكثروا استعمال قوة من قواهم تزداد هذه القوّة قوّة وحيويّة، وقد مُرِّن الصحابة والتابعون على حفظ الأحاديث، حتى بلغوا في ذلك شأوًا بعيدًا،
[ ١ / ٩١ ]
والمحدّثون كانوا يحفظون ألوفًا من أحاديث الرسول - ﷺ -، ويكتبون بعد ذلك ما كانوا يسمعون ويحفظون!
وصدق شبلي نعماني، حيث قال:
(إلى يوم الدين لن يستطيع أحد أن ينافس المسلمين في فخرهم بحفظ أدق تفاصيل كل حادث في حياة الرسول - ﷺ - بطريقة دقيقة وواعية، لا يصل إلى مستواها تسجيل حياة أي إنسان آخر من قبل، ولا يمكن أن ينتظر من بعد، فمن أجل تسجيل هذه الحياة بأدق تفاصيلها قام علماؤنا بتسجيل أسماء وخصائص نحو ثلاثة عشر ألفًا من الصحابة، وتمّ هذا في وقت كان فجر نظام التأليف!
ولنرجع إلى كتب الطبقات وعلم الرجال، لنرى فيها هذه الصورة الفريدة في التراث الإنساني .. إنه جهد لا نظير له في تاريخ الإنسانيّة من أجل حياة فرد واحد) (١)!
ثانيًا: الوضوح في جميع المراحل:
وحياة الرسول - ﷺ - واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها (٢)، مما يجعل سيرته - ﷺ - واضحة وضوح الشمس، حتى قال بعض الغربيين: (إن محمدًا - ﷺ - هو الوحيد الذي وُلد على ضوء الشمس)!
وهذا ما لم يتيسّر مثله ولا قريب منه لرسول من رسل الله السابقين .. وما
_________________
(١) الإسلام والعروبة في عالم متغير: دكتور عبد العزيز كامل: ٥١ - ٥٢ كتاب العربي: الكتاب الثاني والعشرون ١٩٨٩ م نقلًا عن: سيرة النبي: شبلي نعماني: ١: ٨.
(٢) السيرة النبوية: دروس وعبر: ١٥ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٩٢ ]
من حياة أحد يصح أن يكون منها للناس أسوة تتّبع (١)، ومثال يُقتدى به إلا إذا كانت متّصفة بالكمال، ولا تكون حياة أحد كاملة ومنزّهة عن العيوب والمثالب إلا إذا كانت معلومة للناس بجميع أطوارها، ومتجلّية لهم دخائلها من كل مناحيها، وواضحة كل الوضوح في جميع مراحلها، وحياة الرسول - ﷺ - من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده، وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم!
وقد سجل التاريخ أن جميع شؤونه وأطوار حياته، من ولادته ورضاعته وطفولته، إلى أن صار يافعًا وشابًّا .. كل ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله، وقد علم الناس سجاياه في صدقه وفي وفائه للناس قبل النبوة -كما عرفنا- واتصلوا به حين اتخذوه أمينًا، وأقاموه حكمًا فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه في الكعبة، ثم وقفوا على أمره حين حُبّب إليه الخلاء في (غار حراء)، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود، فأخذ يدعو الناس، ويبلّغ ما أنزل عليه -كما سيأتي- وقد رأى التاريخ كيف خالفوه وعاندوه!
وهل غاب عن التاريخ ما لقي الرسول - ﷺ - في نشر الإسلام من جهد وعناء، وما قابله به أهل الطائف، حين سار إليهم يدعوهم إلى عبادة الرحمن؟!
وهل نسي التاريخ كيف أخبر أهل مكة، وهم أقليّة من المسلمين، وأكثريّة ساحقة من المشركين بخبر العروج إلى السماء؟!
ثم هل خفي عن التاريخ أمر هجرته - ﷺ -، ومن هاجر، والغزوات التي
_________________
(١) الرسالة المحمدية: ١٠٢ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٩٣ ]
غزاها، والأسباب الباعثة عليها، وموقفه من الهدنة إذا هادن، وعهوده إذا عاهد؟! وما صلح الحديبية بسر!
والذين طالعوا كتب السيرة النبوية يعلمون ذلك وغيره، وقد وقفوا على كتبه - ﷺ - إلى الملوك وغيرهم يدعوهم فيها إلى دين الله، دين السلام والوئام، وعرفوا جهاده - ﷺ - في سبيل الحق، وما بذله في تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس، إلى أن أكمل الله للإنسانيّة دينها، وحج - ﷺ - حجة الوداع، وتوفاه الله إليه!
فهل في شيء من ذلك ما يجهله التاريخ؟!
وهل فيما يتعلق بحياة الرسول - ﷺ - ورسالته ما أسدل عليه ستار من خفاء؟!
وقد سجلت مصادر السيرة أدق التفاصيل في حياة خاتم النبيّين - ﷺ -، كأكله، وقيامه، وقعوده، ولباسه، وشكله، وهيئته، ومنطقه، ومعاملته لأسرته، وتعبّده، وصلاته، ومعاشرته لأصحابه، بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا لنا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته - ﷺ -!
ثالثًا: المثاليّة في كل ما يتصل بها:
وحياة الرسول - ﷺ - سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة، لم تخرجه عن إنسانيّته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تضف عليه الألوهيّة قليلًا ولا كثيرًا، ونحن إذا قارنا هذا بما يرويه المسيحيّون عن سيرة عيسى -﵇- وما يرويه غيرهم عن آلهتهم المعبودة، اتضح لنا الفرق جليًّا بين سيرته - ﷺ - وسير هؤلاء، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي، فادعاء النصارى الألوهية لعيسى ﵇ جعله أبعد منالًا من أن يكون قدوة،
[ ١ / ٩٤ ]
نموذجيّة للإنسان في حياته الشخصيّة والاجتماعيّة، بينما نرى محمدًا - ﷺ - المثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيدًا كريمًا في نفسه وأسرته وبيئته، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
وهنا نبصر أن هذا (الدّين القيّم) قدّم للناس أعمال خاتم النبيّين - ﷺ -، وطلب منهم التأسّي به في سيرته، وجعل الاتّباع لتلك السيرة والتأسّي بصاحبها وسيلة لهم في الحصول على رضا الله ومحبّته .. وسيرة الرسول - ﷺ - جامعة، تجد فيها كل طائفة من طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقتدي به، والأسوة التي تأتسي بها!
ومن الظاهر الواضح أن الناس لا يزالون مختلفين في معايشهم .. ومن ثم كانت حياة خاتم النبيّين - ﷺ - واضحة مثاليّة كاملة، يجد فيها الناس كلهم على اختلاف طوائفهم -كما سيأتي- المثاليّة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها!
وأعظم من الأسوة (١)، في أعمال الإنسان الظاهرة، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب، ومجالات الفكر، ونزعات العواطف، فنحن نشعر بين كل حين وآخر بنزعات وعواطف تخالج قلوبنا وأفكارنا، فنرضى ونسخط، ونفرح ونحزن، وتعترينا السكينة والطمأنينة أو القلق والضجر، وتترتّب على هذه الأحوال عواطف مختلفة، ونوازع متعددّة، وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القويّة والنوازع الثائرة، ولا يحظى بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند
_________________
(١) المرجع السابق: ١٣٣.
[ ١ / ٩٥ ]
جموحها، ويحسن التصرف فيها وقت ثورتها .. ومن ثم لا بد للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور، حتى يأتمّ به في قهر هذه القوة الثائرة، والعواطف المتوثبة، إلى أن تسكن ثورة النفس، ويسلك في ذلك مسلك صاحب السيرة الذي يحمل بين جنبيه قلبًا زكيًّا، ونفسًا طاهرة، وروحًا عالية نزيهة!
رابعًا: الشمول والتكامل:
وسيرة الرسول - ﷺ - شاملة لكل النواحي الإنسانيّة في الإنسان (١)، فهي تسجل سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - الداعي إلى الله، الملتمس أجدى الوسائل لقبول دعوته، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته!
وتسجل سيرته - ﷺ - كرئيس دولة يضع لها أقوم النظم وأصحّها، ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - الزوج والأب في حنوّ العاطفة، وحسن المعاملة، والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - المربّي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثاليّة ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم، ومن نفسه إلى نفوسهم، ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به - ﷺ - في دقيق الأمور وكبيرها!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - الذي يقوم بواجبات الصحبة، ويفي بالتزاماتها
_________________
(١) السيرة النبوية: دروس وعبر: ١٧.
[ ١ / ٩٦ ]
وآدابها، مما يجعل أصحابه -﵃- يحبّونه أكثر من حبّهم لأنفسهم ومن حبّهم لأهليهم وأقربائهم!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - القائد الشجاع، والمحارب المنتصر، والسياسي الناجح، والجار الأمين، والمعاهد الصادق!
ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا هذا التكامل، ولا قريبًا منهما، فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين، عليهم صلوات الله وتسليماته!
فموسى -﵇- لا نجد في أسفار التوراة الخمسة (١)، إلا أنه بعد ولادته تربّى في قصر فرعون، ولما بلغ مبلغ الرجال نصر قومه، ثم خرج إلى مدين وتزوج فيها، وأقام هناك برهة من الزمن، ثم رجع إلى مصر، وبينما هو في الطريق أُوحي إليه من ربه، ثم لقي فرعون وأراه آيات بينات، وخرج بقومه، ووجد في البحر طريقًا بإذن الله، وتبعه فرعون فأدركه الغرق، ودخل بقومه أرض الشام، وقد اختتم سفر التثنية بهذه الفقرات: ٥٤: ٥ - ١٠.
(إِن عبد الله موسى مات بإِذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب، مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إِلى هذا اليوم، وكان موسى ابن عشرين ومائة حين جاءه الموت .. ولم يقم بعد نبي في بني إِسرائيل مثل موسى)!
هذه الكلمات من سفر التثنية، وهو السفر الخامس من التوراة، ولا يخفى أن تلك الكلمات لم ينطق بها موسى ﵇، وهذا يدل على أن هذا الكلام ليس لموسى، وأن الدنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى!
_________________
(١) الرسالة المحمدية: ٥٤.
[ ١ / ٩٧ ]
ومما يلفت النظر قول القائل:
(ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم)!
وقوله: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى)!
وفي هذا دلالة على أن هذا الجزء قد أضيف إلى سيرة موسى بعد زمان طويل كان يرجى فيه أن يقوم في بني إسرائيل نبي يسد فراغ موسى، فنوّه كاتب السفر بأنه لم يقم بعد مثله!
ومع هذا العمر الطويل نتساءل:
ما الذي نعرفه عن حياة موسى الطويلة؟ وبأي الأعمال شغل فراغ حياته المباركة؟ وما النواحي التي نعلمها واضحة مفصلة من سيرته، مما كان ينبغي أن يعلم، لتحسن به الأسوة؟
إن الأمور التي يحتاج البشر إلى معرفتها من حياة موسى الاجتماعيّة هي الأخلاق والعادات والهدي، وكل ذلك لا نجده في سيرته، ومع ذلك فموسى - ﵇ - يمثل القائد الذي أنقذ أمته من العبوديّة، ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها في عصر رسالته وكفى، ولكننا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين أو السياسيّين، أو رؤساء الدول، مثلًا!
ويستغرب المرء حين يعلم أن شؤون حياة عيسى -﵇ - وأحوال معيشته، أخفى من غيره وأغمض، وقد أسدل الزمان عليها حجابًا أكثف مما نراه في حياة غيره من الرسل!
وإن أوروبّا المسيحية قد حملها حافز البحث والكشف عن أن تستثير بطون الصحارى، وقلل الجبال، وأطراف الصخور، والأطلال الدارسة، ومظان
[ ١ / ٩٨ ]
الآثار، ومجالات الحوادث التي مرت عليها الأحقاب الطويلة، فكتب المستشرقون التاريخ القديم لبابل وآشور وغيرهما، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزمن ويعرضونها على الناس واضحة نقيّة، منسقة مرتبطًا بعضها ببعض، وطفقوا يعثرون على الصفحات المفقودة من كتاب التاريخ القديم للبشر!
إلا أنهم قد أعياهم البحث والفحص فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نبيّهم!
وقد استفرغ (ريتان) جهده، ولقي من العناء والنصب مبلغًا عظيمًا، ليقف على حياة عيسى كاملة تامة، ومع ذلك فإن شؤون عيسى -﵇- وأحواله لا تزال سرًا مكنونًا في ضمير الزمن، لم يبح به لسانه بعد!
إن عيسى -﵇- عاش في هذه الدنيا ثلاثًا وثلاثين سنة، كما يروي الإنجيل، والأناجيل الموجودة الآن -على ما في رواياتها من ضعف ولبس- مقصورة على ذكر أحواله لمدة ثلاث سنوات من أواخر حياته وحسب!
ونتساءل: أين قضى ﵇ الثلاث أو الخمس والعشرين سنة على الأقل من حياته؟ وفيم قضاها؟ وبأي الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره؟ إن الدنيا لا تعلم عن ذلك شيئًا، ولن تعلم!
وإن السنوات الثلاث الأخيرة التي ذكرت أحواله ماذا نجد فيها؟ آيات ومعجزات معدودات وبعض العظات!
ومن الشروط الضروريّة التي لا بد منها لكل من يرجى أن تكون سيرته وهدايته أسوة للبشر، الشمول والتكامل -كما أسلفنا- والمراد أن الطوائف البشريّة المتفرقة، والطبقات البشريّة المختلفة تحتاج إلى أمثلة كثيرة متنوعة، تتخذها منهاجًا لحياتها الاجتماعيّة!
[ ١ / ٩٩ ]
وكذلك الأفراد في المجتمع البشري هم في حاجة إلى مُثل عليا، يقتدون بها في مناحي حياتهم البيئيّة، لتتوثق الروابط بين الأفراد وتحسن العلاقات بين شتى الطوائف، في داخل الأسرة وخارجها، ولذلك يجب أن تكون تلك المُثل واضحة في جميع مراحل الحياة، ومثاليّة كاملة!
ومن ثم نجد عيسى -﵇ - يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالًا، ولا دارًا، ولا متاعًا، ونجده في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيّن لا يمثل القائد المحارب، ولا رئيس الدولة، ولا الأب، ولا الزوج، ولا غير ذلك مما تمثله سيرة خاتم النبيّين - ﷺ - من الشمول والتكامل!
خامسًا: الدليل العملي على صدق الرسول - ﷺ -:
وسيرة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - تعطينا الدليل العملي الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوَّته (١)، فهي سيرة إنسان سار بدعوته من نصر إلى نصر، على طريق طبيعي بحت، فقد دعا فأوذي، وبلّغ فأصبح له الأنصار، واضطر إلى الحرب فحارب، وكان حكيمًا موفّقًا في قيادته، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربيّة، عن طريق الإيمان، لا عن طريق القهر والغلبة!
وقد عرف ما كان عليه العرب من عادات، وعقائد، وما قاوموا به دعوته من شتى أنواع المقاومة، حتى تدبير اغتياله - ﷺ -!
ومَنْ عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها!
ومَنْ عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته، وهي ثلاث
_________________
(١) السيرة النبوية: دروس وعبر: ١٧.
[ ١ / ١٠٠ ]
وعشرون سنة، أيقن أن محمدًا - ﷺ -، رسول الله حقًّا، وأن ما كان يمنحه الله من ثبات وقوة وتأييد ونصر، ليس إلا لأنه نبيّ حقًّا .. وما كان الله يؤيّد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ، فسيرة الرسول - ﷺ - تثبت لنا صدق رسالته بطريق عقلي بحت، وبطريق عملي بحت، ومن المؤكد أن المسلمين الذين لم يروا النبي - ﷺ -، ولم يشاهدوا معجزاته، إنما آمنوا بصدق رسالته للأدلة القاطعة على صدق الرسول - ﷺ - .. والقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التي تلزم كل عاقل منصف أن يؤمن بصدق الرسول - ﷺ - في رسالته!
وهذا يختلف تمامًا عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم، فهي تدلنا على أن الناس إنما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق، دون أن يحكّموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لهم!
وأوضح مثل لذلك عيسى -﵇ - فإن القرآن الكريم بيّن الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته، وهي أن كل خارقة من الخوارق التي جاءهم بها من عند الله (١) هي في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردّها أو ردِّ العافية، وهي فرع عن الحياة، ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية .. والأناجيل الحاضرة تروي لنا أن هذه المعجزات هي وحدها التي كانت سببًا في إيمان الجماهير دفعة واحدة له، لا على أنه رسول، بل على أنه إله أو ابن إله، وحاشا لله!
ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول - ﷺ -، أنه من آمن به آمن عن اقتناع عقلي ووجداني، وإذا كان الله قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة فما ذلك إلا لإكرامه له، وإفحام معانديه المكابرين!
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن: ١: ٣٩٩.
[ ١ / ١٠١ ]
ومن تتبّع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّة، والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول - ﷺ -، من أميّة تجعل إتيانه بالقرآن دليلًا على صدق رسالته، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت]!
يعنون بذلك الخوارق الماديّة التي صاحبت الرسالات (١) من قبل في طفولة البشريّة، والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي شاهدها .. بينما الرسالة الأخيرة تقوم حجتها على كل من بلغته دعوتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!
ومن ثم جاءت الآيات متلوة من القرآن الكريم المعجز الذي لا تنفد عجائبه، والذي تتفتّح كنوزه لجميع الأجيال، والذي هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم، يحسّونها خوارق معجزة كلما تدبروه، كما أحسّوا مصدرها الذي تستمد منه سلطانها العجيب!
وإنه للبطر بنعمة الله ورعايته التي قبل عن الشكر والتقدير!
أو لم يكفهم أن يعيشوا مع الحق بهذا القرآن الكريم!
وهو يتنزّل عليهم، ويحدثهم بما في نفوسهم، ويكشف لهم عما حولهم، ويشعرهم أن عين الله عليهم، وأنه مَعْني بهم، يحدّثهم بأمرهم، ويقصّ عليهم القصص ويعلّمهم .. وهم هذا الخلَق الصغير الضئيل التائه في ملكوت
_________________
(١) المرجع السابق: ٥: ٢٧٤٦ بتصرف.
[ ١ / ١٠٢ ]
الله الكبير .. هم وأرضهم وشمسهم التي تدور عليها أرضهم .. ذرات تائهة في هذا الفضاء الهائل لا يمسكهن إلا الله، والله ﷿ بعد ذلك يكرمهم حتى لينزل كلماته تتلى عليهم، ثم هم لا يكتفون؟!
والذين يؤمنون هم الذي يجدون مسّ هذه الرحمة في نفوسهم .. وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم مننه على البشريّة بهذا التنزيل .. ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إليه، وهو العلي الكبير، وهم الذين ينفعهم هذا القرآن الكريم؛ لأنه يحيى في قلوبهم، ويفتح لهم عن كنوزه، ويمنحهم ذخائره، ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور!
تلك إشارات إلى أهم خصائص السيرة النبويّة!
[ ١ / ١٠٣ ]
مصادر السيرة
[ ١ / ١٠٥ ]
مصادر السيرة
أولًا: القرآن الكريم
ثانيًا: السنة النبويّة
ثالثًا: كتب المغازي والسير:
١ - عروة بن الزبير بن العوام
٢ - أبان بن عثمان بن عفان
٣ - ابن شهاب الزهري
٤ - عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري
٥ - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري
٦ - موسى بن عقبة
٧ - محمد بن إسحاق
٨ - محمد بن عمر الواقدي
٩ - عبد الملك بن هشام
١٠ - محمد بن سعد
١١ - جوامع السيرة لابن حزم
١٢ - الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر
١٣ - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس
١٤ - زاد المعاد في هدي خير العاد لابن قيّم الجوزية
١٥ - الفصول في سيرة الرسول - ﷺ - لابن كثير
١٦ - المواهب الدنيّة بالمنح المحمدية
رابعًا: دلائل النبوة:
١ - كتب السنة
٢ - دلائل النبوّة لأبي نعيم
٣ - أعلام النبوّة للماوردي
٤ - دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي
٥ - دلائل النبوّة للأصبهاني
خامسًا: كتب الشمائل:
١ - الشمائل للترمذي
٢ - الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي
٣ - شمائل الرسول ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه لابن كثير
سادسًا: كتب جمعت بين التاريخ والسيرة:
١ - تاريخ الأمم والملوك للطبري
٢ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (السيرة النبويّة) للذهبي
٣ - البداية والنهاية لابن كثير
سابعًا: أخبار مكة والمدينة والشعر
[ ١ / ١٠٦ ]
مصادر والسيرة
ويأتي الحديث عن مصادر السيرة النبويّة فيما يلي:
أولًا: القرآن الكريم:
سبق أن عرفنا مكانة النبوّة والأنبياء في القرآن الكريم .. وأنه قلما يجد الباحث سورة من سور القرآن في طِوَله لا يجد فيها ذكرًا للنبوّة والأنبياء .. وحسبنا أن نقرأ أول ما نزل من القرآنَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق]!
ونقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [المدثر]!
ونقرأ قوله جل شأنه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى]!
وهنا نبصر تذكيرًا للرسول - ﷺ -، وما كان من شأن ربّه معه منذ أول الطريق (١)، ليستحضر في خاطره جميل صنع ربّه معه، وموّدته له، وفيضه عليه، ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والودّ، والإيناس الإلهي، وهو متاع
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٩٢٧ بتصرف.
[ ١ / ١٠٧ ]
فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديع: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾!
انظر في واقع حالك وماضي حياتك .. هل ودعك ربك وهل قلاك حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر؟ ألم تحط يتمك رعايته؟ ألم تدرك حيرتك هدايته؟ ألم يغمر فقرك عطاؤه؟
لقد ولدت يتيمًا فآواك إليه، وعطَّف عليك القلوب، حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك!
ولقد كنت فقيرًا فأغنى الله نفسك بالقناعة، عن أن تحسّ الفقر، أو تتطلّع إلى ما حولك من ثراء!
ثم لقد نشأت في عصر جاهليّة مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها، ولكنك لم تجد طريقًا واضحًا مطمئنًا، فيما عند الجاهليّة، ولا فيما عند أتباع موسى، وأتباع عيسى، فقد حرّفوا وبدّلوا، وانحرفوا وتاهوا، ثم هداك الله بالأمر الذي أوحي به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به!
والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنّة "الكبرى" التي لا تعدلها منّة، وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق، ومن التعب الذي لا يعدله تعب!
ونقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء]!
[ ١ / ١٠٨ ]
ونقرأ قوله جل شأنه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ [الحجر]!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الآيات التي تحدثت عما لقيه الرسول - ﷺ - من أذى وعنت في سبيل دعوته، وما كان المشركون ينعتونه به صدًّا عن دين الله ﷿، وما ذكر من أمر الهجرة، وأهم المعارك التي خاضها!
كل هذا -كما سيأتي- نراه مذكورًا في القرآن الكريم ببيان واضح، وأسلوب معجز رائق!
ثانيًا: السنة النبويّة:
والمصدر الثاني هو السنة النبويّة التي جمعت أقوال الرسول - ﷺ -، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخُلقية، انطلاقًا من أن السيرة -كما أسلفنا- يراد بها التعرف على حياة النبي - ﷺ -، منذ ظهور الإرهاصات التي مهّدت لرسالته .. حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وانطلاقًا -كذلك- من أنها جزء من الحديث (١)!
ومن ثم شغلت السيرة النبويّة جزءًا غير قليل من الأحاديث (٢)، والذين ألفوا في السنة لم تخل كتبهم غالبًا من ذكر ما يتعلق بحياة الرسول - ﷺ - ومغازيه، وخصائصه، ومناقبه، ومناقب صحابته .. وقد استمر هذا المنهج حتى بعد انفصال السيرة عن الحديث في التأليف، وجعلها علمًا مستقلًا!
وموطأ الإِمام مالك المتوفى (١٧٩ هـ) لم يخل من ذكر جملة من
_________________
(١) انظر: توجيه النظر: الجزائري: ٢٠ وما بعدها، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٠: ١٨.
(٢) انظر: السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنة: الدكتور محمد أبو شهبة: ١: ٢٧.
[ ١ / ١٠٩ ]
الأحاديث، فيما يتعلق بسيرة النبي - ﷺ -، وأوصافه، وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد!
وصحيح الإِمام البخاري (١) المتوفى (٢٥٦ هـ) فيه بعض ما يتعلق بحياة النبي - ﷺ - قبل البعثة وبعدها، كما ذكر كتاب (المغازي) وما يتعلق بخصائصه - ﷺ - وفضائله، وفضائل الصحابة -﵃- ومناقبهم، وذلك كله لا يقل عن عشر الكتاب!
وصحيح الإِمام مسلم (٢) المتوفى (٢٦١ هـ) اشتمل على جزء كبير من سيرة النبي - ﷺ - وفضائله، وفضائل أصحابه، والجهاد والسير!
ومسند الإِمام أحمد المتوفى (٢٤١ هـ) اشتمل على أحاديث كثيرة في ذلك، وقد جمع الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا -﵀ - الشهير
_________________
(١) اشتهر بهذا الاسم، دون الاسم المطول الذي وضعه البخاري، وقد عقد الحافظ ابن حجر فصلًا خاصًّا بفضائل (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله - ﷺ -، وسننه، وأيامه): هدي الساري: ٨، ويطلق عليه -أيضًا-: (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه، وأيامه): مقدمة ابن الصلاح، ومحاسن الاصطلاح: ١٦٧ ذخائر العرب: ٦٤ دار المعارف، أو (الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله - ﷺ -، وسننه، وأيامه): شرح النووي على البخاري: ٧ دار الكتب العلمية، بيروت، و(التوشيح شرح الجامع الصحيح): السيوطي، مكتبة الرشد، الرياض، ط أولى ١٤١٩ هـ ١٩٩٨ م، وأرى أن يجمع أهل العلم بين الاسمين، وبخاصة أهل الحديث أو يقتصر على الاسم الذي سماه به: انظر كتابنا: (دفاع عن الحديث القدسي: "من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب .. " في ضوء أصول التحديث رواية ودراية، ورد الشبهات ودحض المفتريات): ١١ - ١٢.
(٢) اشتهر بهذا الاسم، دون الاسم الذي ذكره كثيرون، نذكر منهم ما ذكره الحافظ ابن خير الإشبيلي في (فهرست ما رواه عن شيوخه: ٩٨) وهو: (السند الصحيح المختصر من السنن، بنقل العدل عن العدل، عن رسول الله - ﷺ -): انظر: (تحقيق اسم الصحيحين واسم جامع الترمذي): عبد الفتاح أبو غدة: ٣٣ - ٥٢ دار القلم، دمشق، بيروت، ط أولى ١٤١٤ هـ ١٩٩٣ م.
[ ١ / ١١٠ ]
بالساعاتي، في كتابه (الفتح الرباني لترتيب مسند الإِمام أحمد بن حنبل الشيباني ومعه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني) ما يتعلق بالجهاد، والسير، والمناقب، في أجزاء كبيرة (١)!
وأبو د اود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم .. لم تخل كتبهم من الجهاد، وطرف مما يتعلق بالسيرة .. وهكذا!
ثالثًا: كتب المغازي والسير:
وقد ألفت كتب خاصة في المغازي والسير، على سبيل الاستقلال في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وأول من عرف بالمغازي والسير جماعة .. منهم:
١ - عروة بن الزبير بن العوام:
أبوه الزبير حواري رسول الله - ﷺ -، وأمه أسماء بنت الصديق التي شهدت الكثير من أحداث السيرة، وكان لها عمل مشهور مذكور في الهجرة، وكان عروة كثير الحديث، وقد خرّج له أصحاب الصحاح وغيرهم، ويعدّ أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وقد جمع الدكتور محمد مصطفى الأعظمي مرويّات عروة بن الزبير من رواية أبي الأسود عن عروة فقط، ونشرت من قبَل مكتب التربية العربي لدول الخليج (٢)، توفي (٩٢ هـ) وقيل (٩٣ هـ) وقيلَ (٩٥ هـ)!
_________________
(١) انظر: أجزاء: ١٣، ٢٠، ٢١، ٢٢.
(٢) انظر: السيرة النبويّة الصحيحة: الدكتور العمري: ١: ٥٤، العلوم والحكم: المدينة ١٤١٢ هـ ١٩٢٢ م، والسيرة النبوّية في ضوء القرآن والسنة: الدكتور أبو شهبة: ١: ٢٨ ط أولى، دار القلم، دمشق ١٤٠٩ هـ ١٩٨٨ م.
[ ١ / ١١١ ]
٢ - أبان بن عثمان بن عفان:
ابن الخليفة الثالث -﵁- كان واليًا على المدينة لعبد الملك ابن مروان سبع سنين، وعُرف بالحديث والفقه، والظاهر أن سيرته التي جُمعت لم تكن إلا صحفًا فيها أحاديث عن حياة رسول الله - ﷺ - وأيامه ومغازيه!
ونقل ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن أنه خرج إلى الشام غير مرة غازيًا، وكان في جيش مسلمة الذي احتبس بأرض الروم، حتى أقفلهم عمر ابن عبد العزيز وذهبت عينه، ثم رجع إلى المدينة فمات بها، وأوصى أن يُدفن بـ (أُحد) مع الشهداء فلم يفعل أهله، ودُفن بـ (البقيع)، وقد رُوي عنه، وكان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله - ﷺ -، أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرًا ما تقرأ عليه، ويأمرنا بتعليمها (١)، وتذكر رواية أخرى أنه كتاب كبير، يبرز فضائل الأنصار (٢)، توفي (١٠٥ هـ)!
٣ - ابن شهاب الزهري:
محمد بن مسلم بن عبيد الله شهاب (الزهري) عالم الحجاز والشام، أجمع العلماء على جلالته، أخرج له أصحاب الصحاح، والسنن، والمسانيد، وهو من أوائل من دوّنوا الحديث بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز المتوفى (١٠١ هـ) بل قيل: إنه أول من دوّن الحديث مطلقًا، وقيل: إنه أول من دوّن في
_________________
(١) الطبقات الكبرى: ٥: ٢١٠.
(٢) انظر: السيرة النبويّة الصحيحة: ١: ٥٤ هامش، نقلًا عن الموفقيات: ٢٢٢ - ٢٢٣، والتفاصيل في دراسة الدكتور الأعظمي: مغازي عروة بن الزبير: ٢٧ - ٢٩ ومع هذا ذهب الدكتور بشار عواد معروف في تحقيقه لكتاب: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للمزي: ٢: ١٩ إلى أن نسبة المغازي لأبان بن عثمان مجرد وهم!
[ ١ / ١١٢ ]
السيرة، وسيرته أول سيرة ألفت في الإسلام (١)، وهي من أوثق السير وأصحها (٢)، ويعتمد عليه ابن إسحاق كثيرًا في السيرة، توفي (١٢٤ هـ) وقيل (١٢٥ هـ)!
ثم جاء بعد هؤلاء طبقة أخرى .. من مشاهيرهم:
٤ - عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري:
كان جده قتادة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقد روى عمر المغازي والأخبار عن أبيه، ورواها عن عمر ابنه عاصم، قال فيه ابن سعد: كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير، أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، ويحدّث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، ففعل (٣)، وكان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها ابن إسحاق، والواقدي، توفي (١٢٠ هـ)، وقيل (١٢٩ هـ)!
٥ - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري:
جده الأعلى عمرو صحابي، بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن، ليفقّههم في الدّين، ويعلّمهم القرآن والسنة، وجده محمد، قيل: له رؤية، مات يوم الحرّة، وأبوه أبو بكر كان قاضي المدينة، وواليها، وهو أول من دوّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز أو من أوائلهم، فقد نشأ إذن في بيت علم ورواية، وقد نقلت
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد: ١٢: ٢٣٠، والنووي على مسلم: ٥: ٦٢٨، وطرح التثريب: ٨: ٤٧.
(٢) انظر: تهذيب الكمال: ٢٦: ٤١٩ - ٤٤٣.
(٣) انظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٢٩.
[ ١ / ١١٣ ]
عن عبد الله أخبار كثيرة، ذكرها ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، والطبري (١)، توفي (١٣٥ هـ)!
ثم جاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى عاشت في العصر العباسي الأول .. من أشهرهم:
٦ - موسى بن عقبة:
مولى الزبيريّين، والظاهر أنه استفاد من هذه الصلة، قال فيه الإِمام مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة، فهي أصح المغازي!
وقال الذهبي: وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها وغالبها صحيح ومرسل جيد، ولكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة (٢)!
وكانت سيرته التي كتبها مختصرة موجزة، وصل إلينا منها بعض مقتطفات، ينقل عنه ابن سعد، والطبري بعض أخبار السيرة (٣)، وكانت وفاته (١٤١ هـ)!
٧ - محمد بن إسحاق:
من أصل فارسي، كان جده يسار من سبي (عين التمر) سباه خالد ابن الوليد وكان ولاؤه لقيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، فلذلك قيل
_________________
(١) المرجع السابق: ٣٠.
(٢) سير أعلام النبلاء: ٦: ١١٦.
(٣) انظر: البخاري: ٦٤ - المغازي ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب، قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع، وتهذيب الكمال: ٢٩: ١١٥ - ١٢٢، وتهذيب التهذيب: ١٠: ٣٦٠ - ٣٦٢.
[ ١ / ١١٤ ]
له: المطلبي، ولد نحو سنة خمس وثمانين، لقي كثيرًا من علماء المدينة وأخذ عنهم!
قال عليّ بن المديني: مدار حديث رسول الله - ﷺ - على ستة (١)، فذكرهم، ثم قال: فصار علم الستة عند اثني عشر، أحدهم محمد بن إسحاق!
وقال أيضًا: سمعت سفيان يقول: قال ابن شهاب: وسئل عن مغازيه، فقال: هذا أعلم الناس بها، يعني ابن إسحاق!
وقال حرملة بن يحيى عن الشافعي: من أراد أن يتبحّر في المغازي فهو عيالٌ على محمد بن إسحاق!
وقال أبو أحمد بن عدي: ولمحمد بن إسحاق حديث كثير، وقد روى عنه أئمة الناس: شعبة، والثوري، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وغيرهم!
وقد روى المغازي عنه إبراهيم بن سعد، وسلمة بن الفضل، ومحمد ابن سلمة، ويحيى بن سعيد الأموي، وسعيد بن بزيع، وجرير بن حازم، وزياد البكائي، وغيرهم!
وقد روى عنه (المبتدأ والمبعث)، ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلا الاشتغال بمغازي رسول الله - ﷺ - ومبعثه ومبدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق إليها ابن إسحاق!
ثم من بعده صنفها قوم آخرون، فلم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق منها!
_________________
(١) تهذيب الكمال: ٢٤ - ٤٠٥ - ٤٢٨، وانظر: الطبقات الكبرى: ٧: ٣٢١ - ٣٢٢، وتاريخ البخاري الكبير: ١: ٤٠، والصغير: ٢: ١١، وسير أعلام النبلاء: ٧: ٣٣، وتهذيب التهذيب: ٩: ٣٨ - ٤٦.
[ ١ / ١١٥ ]
وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيّأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ، أو يهم في الشيء بعد الشيء، كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، وهو لا بأس به!
قال الذهبي (١): وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء، لأشياء، منها: تشيّعه، ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه!
وقال البخاري: لو صح عن مالك تناوله من ابن إسحاق، فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها، قال: وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في الموطأ، وهما ممن يحتج بهما، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتناول بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة، والكلام في هذا كثير!
وقال الذهبي: لسنا ندّعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به (٢)، ولا سيما إذا وثّق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف، وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثّر كلام محمد
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ٧: ٣٩ وما بعدها.
(٢) انظر: طبقات الشافعية: ١: ١٨٨، ١٩٠.
[ ١ / ١١٦ ]
فيه ولا ذرة، وارتفع نجم مالك وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة، إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذّ فيه، فإنه يعدّ منكرًا، هذا الذي عندي في حاله!
وقال (١): والذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما تفرد ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به الأئمة!
وقال (٢): كان أحد أوعية العلم، حَبْرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذلك المتقين، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضي!
وقال العراقي (٣): المشهور قبول حديث ابن إسحاق، إلا أنه مدلّس، فإذا صرّح بالتحديث كان حديثه مقبولًا!
وقال ابن حجر (٤): ما يتفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث .. وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه!
توفي ببغداد (١٥٠ هـ)، وقيل (١٥١ هـ)، وقيل (١٥٢ هـ)!
٨ - محمد بن عمر الواقدي:
كان الثاني بعد ابن إسحاق في العلم بالمغازي والسير والتواريخ، قال فيه
_________________
(١) ميزان الاعتدال: ٣: ٤٧٥.
(٢) تذكرة الحفاظ: ١: ١٧٣.
(٣) طرح التثريب: ٨: ٧٢.
(٤) فتح الباري: ١١: ١٦٧.
[ ١ / ١١٧ ]
الذهبي: جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمن، فاطرحوه لذلك، ومع هذا لا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة وأخبارهم!
وقال: وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر!
وقال: وزنه عندي أنه مع ضعفه، يكتب حديثه ويروى؛ لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه، كيزيد، وأبي عبيد، والصاغاني، والحربي، ومعن، وتمام عشرة محدثين، إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي (١)!
وقال البخاري: الواقدي مدني، سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أحمد، وابن معين، وابن نمير، وإسماعيل بن زكريا، وقال في موضع آخر: كذبه أحمد، وقال معاوية بن صالح، قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب (٢)!
وقال ابن حجر: الواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي فهو مقبول عند أصحابنا (٣)!
وكانت كتبه عمدة للمؤرخين من بعده (٤)، ونقلوا منها واقتبسوا، وللواقدي كتاب (التاريخ الكبير) مرتب على السنين، اقتبس منه الطبري في
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ٩: ٤٥٤ - ٤٦٩ (١٧٢).
(٢) تهذيب التهذيب: ٩: ٣٦٤ (٦٠٤).
(٣) التلخيص الحبير: ٢: ٢٩١ (١١١٦).
(٤) السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنة: ١: ٣١.
[ ١ / ١١٨ ]
تاريخه كثيرًا، وكتاب (الطبقات) ذكر فيه الصحابة والتابعين حسب طبقاتهم، ويظن أن كاتبه ابن سعد قد تأثر به في (طبقاته)، ولم يبق لما من كتبه إلا كتاب (المغازي)! توفي (٢٠٧ هـ)، وقيل (٢٥٩ هـ)!
ثم جاء بعد ذلك طبقة أخرى .. من مشاهيرهم:
٩ - عبد الملك بن هشام:
العلامة النحوي الأخباري (١)، أبو محمد، الذهلي السدوسي، وقيل: الحميري المعافري، البصري، نزيل مصر!
وله كتاب في (أنساب حمير وملوكها)، وكتاب في (شرح ما وقع في أشعار السيرة من الغريب)، والكتاب الذي اشتهر به (السيرة النبويّة)، وهو مختصر لسيرة ابن إسحاق، مع بعض الزيادات، أو التعقيبات والتصحيحات، ولئن كانت سيرة ابن إسحاق لم تصلنا بعينها، فقد وصلتنا مهذبة على يد ابن هشام!
وقد تلقاها عن زياد بن عبد الله البكائي شيخ ابن هشام (٢)، عن ابن إسحاق، وقد بيّن ابن هشام في مقدمة السيرة النبويّة منهجه حيال سيرة ابن إِسحاق فقال: (وأنا -إِن شاء الله- مبتدئ هذا الكتاب بذكر إِسماعيل بن إِبراهيم، ومَن وَلَد رسول الله - ﷺ - من ولده، وأولادهم لأصلابهم: الأول فالأول، من إِسماعيل إِلى رسول الله - ﷺ -، وما يعرض من حديثهم،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ١٠: ٤٢٨ (١٣١).
(٢) انظر: طبقات ابن سعد: ٦: ٣٩٦، وتاريخ البخاري الكبير (١٢١٨)، وتهذيب الكمال: ٩: ٤٨٥ - ٤٩٠ (٢٠٥٣).
[ ١ / ١١٩ ]
- ﵁ - وتاركٌ ذكر غيرهم من ولد إِسماعيل، على هذه الجهة للاختصار، إِلى حديث رسول الله - ﷺ -، وتاركٌ بعض ما ذكره ابن إِسحاق في هذا الكتاب، مما ليس لرسول الله - ﷺ - فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببًا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرًا له، ولا شاهدًا عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعارًا ذكرها لم أر أحدًا من العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص -إِن شاء الله- ما سوى ذلك منه مبلغ الرواية له، والعلم به)! (١)
وقال الذهبي: هذب السيرة النبويّة، وسمعها من زياد البكائي، صاحب ابن إسحاق، وخفّف من أشعارها، وروى فيها مواضع من عبد الوارث ابن سعيد وأبي عبيدة، ورواها عنه محمد بن حسن القطان، وعبد الرحيم بن عبد الله بن البرقي، وأخوه أحمد بن البرقي (٢)!
وقد قام الحافظ ابن حجر بتخريج الأحاديث المنقطعة في سيرة ابن هشام في مصنف مستقل، وللأسف فقد هذا المصنف (٣)!
وكانت وفاته (٢١٨ هـ)!
وقد شرح هذه السيرة شرحًا يدل على تبحّر في العلم، وتضلّع في علم اللغة والأدب والأخبار، الإِمام أبو القاسم السهيلي المتوفى (٥٨١ هـ) في كتابه القيّم (الروض الأنف) قال في مقدمته:
_________________
(١) السيرة النبويّة: ١: ٣٦ - ٣٧ تحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، ومحمد بن عبد الله أبو صعيليك.
(٢) سير أعلام النبلاء: ١٠: ٤٢٩ (١٣١)، وانظر: وفيات الأعيان: ٣: ١٧٧.
(٣) السيرة النبوية الصحيحة: ١: ٥٨ نقلًا عن عنوان المجد ١ / ق ٥١.
[ ١ / ١٢٠ ]
وبعد: فإني قد انتحيت في هذا الإملاء بعد طول استخارة ذي الطول والاستعانة بمن له القدرة والحول، إلى إيضاح ما وقع في سيرة رسول الله - ﷺ -، التي سبق إلى تأليفها أبو بكر محمد بن إسحاق المطلبي، ولخصها عبد الملك بن هشام المعافري، المصري، النسابة النحوي، مما بلغني علمه، ويسر لي فهمه، من لفظ غريب، أو إعراب غامض، أو كلام مستغلق، أو نسب عويص، أو موضع فقه ينبغي التنبيه عليه، أو خبر ناقص يوجد السبيل إلى تتمته، مع الاعتراف بكلول الحد، عن مبلغ ذلك الحد، فليس الغرض المعتمد أن أستولي على ذلك الأمد، ولكن لا ينبغي أن يُدَعَّ الجحش من بذِّه الأعيار (١)، ومن سافرت في العلم همته فلا يلق عصا النسيان، وقد قال الأول: افعل الخير ما استطعت وإِن كان قليلًا فلن تحيط بكله
ومتى تبلغ الكثير من الفضل إِذا كنت تاركًا لأقله (٢)
١٠ - محمد بن سعد:
أبو عبد الله البصري، مولى بني هاشم، نزيل بغداد، وهو كاتب الواقدي (٣)، وأجل كتبه (الطبقات الكبرى) في ثمانية أجزاء (٤)!
_________________
(١) الدع: الدفع بشدة، والجحش: ولد الحمار، وبذه: سبقه، والأعيار. الحمير الوحشيّة والأهليّة.
(٢) الروض الأنف: ١: ٣ - ٤.
(٣) تهذيب الكمال: ٢٥: ٢٥٥ - ٢٥٨ (٥٢٣٧)، وانظر مقدمة الطبقات: ٥ - ١٧.
(٤) انظر كتابنا: الفهارس ومكانتها عند المحدثين: ١٧٠ - ١٧١، ذات السلاسل: ط. أولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.
[ ١ / ١٢١ ]
وقد خصص الجزء الأول: للسيرة النبويّة الشريفة!
والثاني: لغزوات النبي - ﷺ -، وذكر مرضه ووفاته، ثم ذكر من كان يفتي بالمدينة، ومن جمع القرآن من أصحاب رسول الله - ﷺ - على عهده وبعده، وذكر من كان يفتي بالمدينة بعد أصحاب الرسول - ﷺ - من المهاجرين والأنصار!
والثالث: لتراجم البدريّين من المهاجرين والأنصار!
والرابع: لتراجم المهاجرين والأنصار ممن لم يشهدوا بدرًا، ولهم إسلام قديم، وللصحابة الذين أسلموا قبل فتح مكة!
والخامس: لذكر التابعين من أهل المدينة، والصحابة الذين نزلوا مكة والطائف، واليمن، واليمامة، والبحرين، ثم من كان بعد هؤلاء من الصحابة في تلك المدن من التابعين، فمن بعدهم!
والسادس: للكوفيّين من الصحابة، ثم من كان في الكوفة بعدهم من التابعين، فمن بعدهم من أهل الفقه والعلم إلى زمنه!
والسابع: لمن نزل أصقاعًا وبلادًا كثيرة من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم إلى زمنه، لكنه أكثر ذكر من نزل البصرة والشام ومصر، وأما باقي الدول فذكر عددًا قليلًا!
والثامن: للنساء الصحابيّات!
قال أبو بكر الخطيب: كان من أهل العلم والفضل، وصنف كتابًا كبيرًا في طبقات الصحابة والتابعين والخالفين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن!
وقال: ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه،
[ ١ / ١٢٢ ]
فإنه يتحرى في كثير من رواياته، ولعل مصعبًا الزبيري ذكر ليحيى عنه حديثًا من المناكير التي يرويها الواقدي، فنسبه إلى الكذب (١)!
وقال الذهبي: كان من أوعية العلم، ومن نظر في (الطبقات) خضع لعلمه (٢)!
توفي (٢٣٠ هـ)!
وإليك بعض أشهر الكتب المؤلفة:
١١ - جوامع السيرة لابن حزم الأندلسي الظاهري:
وقد تخلى عن ذكر الأسانيد، ولم يشر إلى مصادره، لكنه صرح بالنقل عن خليفة بن خياط في ثلاثة مواضع، وعن تاريخ أبي حسان الزيادي في ثلاثة مواضع -أيضًا-، وعن الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر في موضع واحد، ورأى محققو كتابه أنه نقل عن (الدرر) كثيرًا بتصرف (٣)!
ورجح بين الروايات، وأثبت في كتابه ما اختاره، وحقق في تواريخ الأحداث، وغلبت عليه طريقة التخليص، فجرد السيرة من الأشعار والقصص (٤)!
توفي (٤٥٦ هـ) (٥)!
_________________
(١) تهذيب الكمال: ٢٥: ٢٥٦ - ٢٥٧ (٥٢٣٧).
(٢) سير أعلام النبلاء: ١٠: ٦٦٥ (٢٤٢).
(٣) السيرة النبويّة الصحيحة: ١: ٦٨ نقلًا عن مقدمة جوامع السيرة: ٨، والدرر: المقدمة: ١٥.
(٤) انظر: جوامع السيرة: مقدمة: ١٠، ١٣.
(٥) انظر: البداية والنهاية: ١٢: ٩١.
[ ١ / ١٢٣ ]
١٢ - الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر:
قال الحميدي: أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءة وبالخلاف، وبعلوم الحديث والرجال (١)!
وقد اعتمد على سيرة ابن إسحاق، وسيرة موسى بن عقبة، وتاريخ ابن أبي خيثمة، إضافة إلى كتب الحديث، ولم يصرح بالنقل عن الواقدي إلا في موضع واحد، لكنه أشار إلى روايته لمغازيه، وقد صرح بمتابعة ابن إسحاق في البناء العام لكتابه، ولم يتقيد بذكر الإسناد كثيرًا (٢)!
توفي (٤٦٣ هـ)!
١٣ - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس:
قال الحافظ ابن كثير (٣): الحافظ العلامة البارع فتح الدين بن أبي الفتح محمد بن الإِمام أبي عمرو محمد بن الإِمام الحافظ الخطيب، أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن ييىح بن سيد الناس، الربعي، اليعمري، الأندلسي، الأشبيلي، ثم المصري، وقال: ساد أقرانه في علوم شتى من الحديث والفقه والنحو من العربيّة، وعلم السير والتواريخ وغير ذلك من الفنون، وقد جمع سيرة حسنة من مجلدين .. وكان شيخ الحديث بالظاهريّة بمصر، ولم يكن في مصر في مجموعه مثله في حفظ الأسانيد والمتون والعلل والفقه والملح والأشعار!
_________________
(١) انظر: مقدمة التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبد الكبير البكري.
(٢) انظر: السيرة النبوية الصحيحة: ١: ٦٧.
(٣) البداية والنهاية: ١٤: ١٦٩ بتصرف.
[ ١ / ١٢٤ ]
وذكر في مقدمة كتابه مصادره فقال: وعمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن إسحاق، إذ هو العمدة في هذا الباب لنا ولغيرنا، غير أني قد أجد الخبر عنده مرسلًا، وعند غيره مسندًا، فأذكره من حيث هو مسند ترجيحًا لمحل الإسناد، وإن كانت في مرسل ابن إسحاق زيادة اتبعته بها، ولم أتتبع إسناد مراسيله، وإنما كتبت ذلك بحسب ما وقع لي، وكثيرًا ما أنقل عن الواقدي، من طريق محمد بن سعد وغيره أخبارًا، ولعل كثيرًا منها لا يوجد عند غيره، فإلى محمد بن عمر انتهى علم ذلك أيضًا في زمانه (١)!
توفي (٧٣٤ هـ)!
ثم اختصره وسماه (العيون في تلخيص سيرة الأمين المأمون)، وقد شرحه برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى (٨٤١ هـ) ونظمه الشمس محمد بن يونس الشافعي، المتوفى (٨٤٥ هـ) (٢)!
١٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيّم الجوزية:
صاحب القلم الفيّاض، والعلم الواسع، استوعب في كتابه هذا -غالبًا- هدي النبي - ﷺ - في شؤونه العامة والخاصة، وما لابسها من أمور يجدر بكل مسلم أن يقف عليها، ويتبيّن أمرها، وهو كتاب نفيس في الشمائل والآداب والفقه والمغازي، فهو مزيج من ذلك كله، وقد ظهر في طبعة محققة أعطت للكتاب مكانته اللائقة به (٣)!
توفي (٧٥١ هـ)!
_________________
(١) عيون الأثر: ١: ٧.
(٢) السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنة: ١: ٣٥.
(٣) انظر: السيرة النبوّية الصحيحة: ١: ٦٨، ومقدمة زاد المعاد: تحقيق الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، مكتبة المنار الإسلاميّة، الكويت، ط. أولى ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
[ ١ / ١٢٥ ]
١٥ - الفصول في سيرة الرسول - ﷺ - لابن كثير:
ويمتاز أسلوبه في هذا الكتاب بالبعد عن السجع والمحسنات البديعية (١)، إلا ما ورد في المقدمة، وبعض خواتيم الفصول!
كما يمتاز بعاطفته الواضحة في حب الرسول - ﷺ - وأصحابه، ولم يعتمد على تجميع وحشد الروايات والأقوال، كما كان يفعل كثير ممن سبقه من كُتاب التاريخ والسير، وكما فعل هو في البداية والنهاية، كما سيأتي!
ويمتاز -أيضًا- باشتماله على فصل الخصائص النبوية، وهو فصل يستحق أن يكون كتابًا مستقلًا!
توفي (٧٧٤ هـ)!
١٦ - المواهب اللدنيّة بالمنح المحمديّة للقسطلاني الشافعي المصري:
وهو كتاب جليل القدر، كبير النفع، لا نظير له في عالم الاستيفاء، وذكر الأقوال والآراء والحجج، اعتمد في ذلك على سيرة الحافظ ابن سيد الناس، وسيرة الشمس الشامي، وغيرهما!
توفي (٩٢٣ هـ)!
وقد شرح الكتاب كئيرون، ومن أجل الشروح شرح الإِمام الحافظ محمد ابن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري المالكي، المتوفى (١١٢٢ هـ) وهو شرح جليل تعرض فيه لنقد المرويات، وبيان صحيحها من ضعيفها، وبيان الراجح من الأقوال، وهو يدل على سعة علم الإِمام الزرقاني وتبحره (٢)!
_________________
(١) انظر: مقدمة الكتاب: تحقيق وتعليق محمد العيد الخضراوي، ومحيى الدين مستو، مؤسسة علوم القرآن.
(٢) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٣٥، وانظر: السيرة النبوية الصحيحة: ١: ٦٩.
[ ١ / ١٢٦ ]
تلك إشارات إلى أهم مصادر السيرة النبويّة المتداولة .. وهناك مصادر أخرى يضيق المقام عن ذكرها (١)!
رابعًا: دلائل النبوة:
ومع أن السيرة النبوّية معلومة للناس بجميع مراحلها، ومتجلّية لهم -كما أسلفنا- وأن التاريخ سجّل أن محمدًا - ﷺ - رسول الله، وأنه قد اختير من قوم عرفوا بتملك زمام الفصاحة والبلاغة، والتصرّف في فنون القول وضروبه، حتى كان هدف العاقل منهم أن يكون شاعرًا مفلقًا، أو خطيبًا مصقعًا، وكانوا جميعًا يتفاخرون بالشعر والأدب، وأن آية خاتم النبيّين الكبرى هي القرآن الذي بلغ أقصى درجات البلاغة التي يعجز الخلق كل الخلق عن مجاراتها بحال من الأحوال، وأن معجزات الأنبياء السابقين في صورها العامة ملائمة لما اشتهر في زمان كل رسول، حتى إذا ما عجز الناس جميعهم عن الإتيان بمثلها، كان ذلك أكبر شاهد على صدق من ظهرت على يديه!
وفي القرآن الكريم قصص لهذه المعجزات، ومن تتتع منهج القرآن وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّة، والمشاهد المحسوسة لعظيم آلاء الله، والمعرفة التامّة بالرسول النبيّ - ﷺ - بما يجعل نزول القرآن عليه دليلًا على صدق دعوته: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت]!
_________________
(١) انظر مثلًا كتاب: (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) للإمام محمد بن يوسف الصالحين الشامي المتوفى سنة (٩٤٢ هـ).
[ ١ / ١٢٧ ]
إن مقالة هؤلاء عن الآيات يعنون بها الخوارق الماديّة التي صاحبت الرسالات من قبل، والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي شاهدها، بينما تقوم حجة الرسالة الخاتمة على كل من بلغته الدعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ومن ثم جاءت الآيات متلوة في الذكر الحكيم الذي لا تنفد عجائبه، والذي تتفتّح كنوزه لجميع الأجيال في جميع الأحوال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت]!
ومع هذا أرادت قريش أن تتحدى الرسول - ﷺ - بأن يأتيهم بالخوارق الكونيّة: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾!
فكان الرد عليهم: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء]!
إن الأمر ليس مجرد خوارق كونيّة، فالتحدي قائم بالقرآن الكريم، ونقرأ قبل هذه الآيات: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء]!
ونقرأ التعقيب على هذا في الآية التالية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ ًا [الإسراء]!
وفي هذه السورة نبصر التحدي الأكبر إنما هو بالقرآن الكريم، وأن الهدف
[ ١ / ١٢٨ ]
من الإيمان أن يعمل الناس صالحًا وفق ما أراده الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء]!
ونبصر منهج القرآن في بيان أن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة القاسية، والنفوس الميّتة الجاسية، ونحن نقرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ [الإسراء]!
ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء]!
وهكذا تصور الآيات مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم لا يتمالكون أنفسهم، وتنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس عميق بالحق، ويغلبهم التأثر البالغ، فلا تكفي الكلمات في تصوير ما يجيش في صدورهم، فإذا القطرات التي تكونت خشوعًا، وتجمعت خضوعًا، تتساقط دموعًا!
وشاء الحق -جل شأنه- أن يجمع الفضل من أطرافه لخاتم رسله، فأعطاه معجزات حسيّة؛ لأن الناس ليسوا سواء في الإدراك والتفكير، ومن ثم أوتي
[ ١ / ١٢٩ ]
من الآيات المتكاثرة ما لم يؤت غيره من الأنبياء، ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلًا منيفًا على سائر المعجزات!
ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: (ما أعطى الله نبيًّا شيئًا إلا أعطى الله محمدًا - ﷺ - ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى الله عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميّت، ولو قيل كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر، وذلك أعجب؛ لأنه آية سماويّة، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه - ﷺ -؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان، عارضناه بالمعراج) (١)!
وجاء في كتب السنة كثير من دلائل النبوّة (٢)، وحسبنا أن نذكر ما يلي:
١ - كتب السنة:
أفرد الإِمام البخاري في صحيحه، بابًا أسماه: (باب علامات النبوة في الإسلام) (٣)، وأتبعه بقيّة أحاديث علامات النبوة!
وكذلك صنع الإمام مسلم في صحيحه، في معجزات النبي - ﷺ - (٤)!
_________________
(١) مناقب الشافعي: ٣٨ ط. القاهرة.
(٢) انظر: نيل الفضائل في تخريج أحاديث كتاب "الدلائل" (دلائل النبوة) للحافظ موفق الدين أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني، الملقب (قوام السنة) تحقيق أبي عبد الرحمن، مساعد بن سليمان الراشد الحميد: ١: ٢٢١ - ٢٢٨ فقد ذَكر أربعين كتابًا في دلائل وأعلام النبوة، دار العاصمة، السعوديّة، ط. أولى ١٤١٢ هـ.
(٣) انظر: البخاري: ٦١ - المناقب ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.
(٤) انظر: مسلم: ٤٣ - الفضائل ٣ باب في معجزات النبي - ﷺ -.
[ ١ / ١٣٠ ]
وفي مسند الإمام أحمد، كذلك دلائل النبوة منثورة في مسند كل صحابي، وسبق أن أشرنا إلى جمع الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي - ﵀ - في كتابه: (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني)، ما يتعلق بالسيرة في أجزاء كبيرة!
ولم تخل كتب السنن المشهورة من ذلك!
ويضيق المقام عن ذكر الكتب التي أفردت بالحديث عن دلائل النبوّة: ومن أقدم ما وصل إلينا من ذلك:
٢ - دلائل النبوّة لأبي نعيم:
يعرض لفضائل الرسول - ﷺ -، ويتناول ذكره في الكتب المتقدمة، كما يستعرض حياته، مشيرًا إلى جانب المعجزة أو حجة التصديق في كل موقف، وفيه الصحيح وغير الصحيح (١)!
توفي (٤٣٠ هـ)!
٣ - أعلام النبوّة للماوردي:
وهو يعتمد على الحجة العقليّة، إلى جوار ما ينقله من آثار فيها الصحيح وغيره (٢)!
ويبدأ بمقدمة عن الأدلة، ويفصل القول في أصل النبوات، ويتحدث عن معرفة الإله المعبود، ويثبت صحة التكليف، كما يثبت النبوات على وجه العموم، ويتحدث عن مدة العالم، وينقل أنها سبعة آلاف (٣) سنة!
_________________
(١) انظر: ط. دار الوعي بحلب ١٣٩٧ هـ ١٩٧٧ م، وطبع المنتقى منه: المكتبة العربيّة، حلب ١٣٩٢ هـ.
(٢) انظر: ط. ١٩٣١ نشر مكتبة الكليّات الأزهريّة.
(٣) المرجع السابق: ٣٩.
[ ١ / ١٣١ ]
ويعرض لعدة الرسل، ويذكر روايات لا ترقى إلى القبول، ويتحدث عن إثبات نبوة الرسول - ﷺ -، ويرد على المانعين لنبوته من اليهود والنصارى، كما يتحدث عما تضمنه القرآن من أنواع إعجازه، ويذكر عصمة الرسول، وما شوهد من معجزات أفعاله، وما سمع من معجزات أقواله، وإنذاره بما سيحدث بعده، وظهور المعجزات، وما هجست به النفوس من إلهام العقول بنبوته، ومبادي نسبه وطهارة مولده، وأخلاقه .. توفي (٤٥٠ هـ)!
٤ - دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي:
يعرض معجزات الأنبياء السابقين في مدخل الكتاب، ثم يقول (١): (فأما النبي المصطفى، والرسول المجتبى .. فإنه أكثر الرسل آيات وبيّنات، وذكر بعض أهل العلم أن أعلام نبوته بلغت ألفًا!
فأما (العلَم) الذي اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته، فهو القرآن العظيم، المعجز المبين، وحبل الله المتن)!
وبعد أن يستعرض وجوه الإعجاز يقول (٢): (ثم إن لنبيّنا - ﷺ - وراء القرآن من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة، ما لا يخفى، وأكثر من أن يحصى)!
ويستعرض المعجزات إجمالًا، ويقول (٣): ثم إِن له من وراء هذه الآيات المعجزات: انشقاق القمر، وحنين الجذع، وخروج الماء من بين أصابعه!
_________________
(١) دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: ١: ١٠ تحقيق الدكتور عبد المعطي قلعجي، ط. دار الريان، أولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
(٢) المرجع السابق: ١٨.
(٣) المرجع السابق: ١٩.
[ ١ / ١٣٢ ]
ويقول (١): (ويُعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو تركته مبهمًا وهو مقبول في مثل ما أخرجته، وما عسى أوردته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه، وجعلت الاعتماد على غيره)!
وقد صنف جماعة من المتأخرين في المعجزات وغيرها كتبًا، وأوردوا فيها أخبارًا أخرى من غير تمييز منهم صحيحها من سقيمها، ولا مشهورها من غريبها، ولا مرويها من موضوعها، حتى أنزلها من حسنت نيّته في قبول الأخبار منزلة واحدة في القبول، وأنزلها من ساءت عقيدته في قبولها منزلة واحدة في الرد!
وسرد الأخبار، واستنبط منها الدلائل .. ثم أفردها كلها مجتمعة في موضوع واحد، جمع في الجزء السادس من الطبعة الأخيرة المحققة!
توفي (٤٥٨ هـ)!
وقد اختصر كتاب البيهقي ابن الملقن المتوفى (٨٠٤ هـ) في كتاب (غاية السول في خصائص الرسول - ﷺ -)!
٥ - دلائل النبوة للأصبهاني:
يشتمل على معجزات النبي - ﷺ -، وأعلام نبوته، وآيات بعثته، ويذكر ما كان قبل البعثة، وفي أثنائها، وبعد وفاة النبي - ﷺ -، ويذكر كرامات بعض الصحابة -﵃- في الفصل الثالث من الباب الأول تحت عنوان (كرامات الأولياء)!
ويذكر الدافع على تأليف هذا الكتاب فيقول: (إن جماعة من أهل العلم
_________________
(١) المرجع السابق: ٤٦ - ٤٧.
[ ١ / ١٣٣ ]
سألوني أن أملي عليهم مختصرًا في دلائل النبوة، ومعجزات النبي - ﷺ -، يعتمدون عليه، ويسكنون إليه، وتوخيت الاختصار والإيجاز، وضممت إلى ذلك طرفًا من مبعثه، ومغازيه، ومولده - ﷺ - وسراياه) (١)!
ويسند عامة أحاديث الكتاب وآثاره بأسانيده، وربما تكلم عليها بالتجريح أو التعليق، بخلاف بعض مؤلفي كتب دلائل النبوة ممن تقدمه -كالماوردي مثلًا في أعلام نبوته- فإن كتبهم كانت تأتي عارية عن الأسانيد والطرق!
ويشرح غريب الحديث، ويعرب الكلمات المشكلة مع توجيهها، وقد استفاد ممن ألف قبل في دلائل النبوة (٢)!
توفي (٥٣٥ هـ)!
خامسًا: كتب الشمائل:
وكتب الشمائل التي أفردتْها بالتأليف، تذكر طرفًا من أخلاق الرسول - ﷺ -، وعبادته وهديه، ووصف سلوكه في نواحي حياته، باعتباره الأسوة الحسنة، وباعتبار صفاته وأحواله جانبًا من جوانب سنته!
ومن هنا نجد الصحاح، والسنن، والمسانيد، تحوي شمائل الرسول - ﷺ - منثورة بين العبادات، والمعاملات، والأخلاق، والزهد .. نذكر منها:
_________________
(١) نيل الفضائل في تخريج أحاديث كتاب الدلائل (دلائل النبوة) للحافظ موفق الدين أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني، الملقب (قِوَام السنة) ١: ٢٣٧ - ٢٣٨ تحقيق أبي عبد الرحمن مساعد بن سليمان الراشد الحميد، دار العَاصمة، السعوديّة، أولى ١٤١٢ هـ.
(٢) المرجع السابق: ١٩٧ بتصرف.
[ ١ / ١٣٤ ]
١ - الشمائل للترمذي:
وأشهر ما عُرف من ذلك كتاب (الشمائل) للترمذي، المتوفى (٢٧٩ هـ)!
يعرض فيه لحلية النبي - ﷺ -، وشعره، وترجّله، وشيبه، وخضابه، وكحله، ولباسه، وعيشه، وخفه، ونعله، وخاتمه، وصفة سيفه، ودرعه، ومغفره، وعمامته، وإزاره، ومشيته، وتقنعه، وجلسته، وفرشه ووسادته، وما جاء في اتكائه، وصفة أكله، وخبزه، وإدامه، ووضوئه، وما يقول قبل الطعام، وبعده، وقدحه، وفاكهته، وشرابه، وصفة شربه، وتعطره وطيبه، وكيف كان كلامه، وإنشاده الشعر، ومسامرته وقصصه، ونومه، وعبادته، وضحكه وتبسمه، ومزاحه، وعبادته بعد طلوع الشمس، وتطوعه في بيته، وصومه، وتلاوة القرآن، وبكائه وخشوعه، وفراشه، وتواضعه، وأخلاقه، وأسمائه الكريمة، ومعاشرته، وسنه، ووفاته، وميراثه، وحجامته!
تلك فهرسة أقدم كتاب في الشمائل للحافظ الترمذي، صاحب الجامع وغيره من الصنفات، وأحد الأئمة البارزين (١)!
وقد اختصره الألباني بحذف إسناد المؤلف في كل حديث، إلا ما لا بد من ذكره من أعلاه، كالصحابي، وما دونه أحيانًا، وحذف المتكرر إذا كان عن صحابي واحد، وإذا كان بين روايتيه اختلاف في المعنى أثبتهما معًا، كأن يقول: (وفي رواية: كذا وكذا)، وإذا كانت الرواية من طريق أخرى قال: (وفي طريق كذا وكذا)، وإذا كان فيها زيادة ضمها إلى الأولى وجعلها بين معكوفتين: []، وحذف كلام المؤلف عن الحديث إذا لم يكن فيه تصحيح أو تضعيف، أو
_________________
(١) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ١٣: ٢٧٠، وميزان الاعتدال: ٣: ٦٧٨، وتهذيب التهذيب: ٩: ٣٨٧، وتهذيب الكمال: ٢٦: ٢٥٠.
[ ١ / ١٣٥ ]
فائدة تذكر، وحرص أن يذكر مرتبة الحديث؛ لأنها الغاية من التخريج، وقد بلغ عدد أحاديث الكتاب قبل اختصاره قرابة (٤٠٠) أربعمائة حديث، وبعد اختصاره (٣٥٢) اثنين وخمسين وثلثمائة حديث، مائة ويضع منها تبين ضعف أسانيدها، فتتبع طرقها وشواهدها من الكتب الستة وغيرها، فشد عضد نصفها، وَرَفعها إلى مرتبة ثبوتها، وذكر الأرقام، كما ذكر الأرقام في التساهل في التخريج .. وقال (١):
(إنني لأرجو مخلصًا أن يكون هذا الكتاب هاديًا للمسلمين جميعًا إلى التعرف على ما كان عليه نبينًا - ﷺ - من الخلق الكريم، وما كان متحليًا به من الشمائل الكريمة، فيحملهم ذلك على الاهتداء بهديه، والتخلق بأخلاقه، والاقتباس من نوره، في زمن كاد كثير من المسلمين أن ينسوا قول الله ﵎ فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
٢ - الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي:
يعرض سيرة الرسول - ﷺ - (٢)، ويتحدث عن دلائل النبوة، ويذكر خصائص الرسول، وشمائله، وهديه، وما يتعلق بنواحي حياته، ونظام معيشته، يقول في مقدمة كتابه: (وإني قد رأيت خلقًا من أمتنا (٣)، لا يحيطون علمًا بحقيقة فضيلته،
_________________
(١) مقدمة مختصر الشمائل المحمديّة: الألباني: ٦ - ١٠ بتصرف، ط. المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط. رابعة ١٤١٣ هـ.
(٢) انظر: مقدمة الوفا بأحوال المصطفى: ابن الجوزي، تحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد، دار الكتب الحديثة، السعادة ط. أولى ١٣٨٦ هـ ١٩٦٦ م.
(٣) المرجع السابق: المقدمة، وفيها (أئمتنا) ولعلها تحريف.
[ ١ / ١٣٦ ]
فأحببت أن أجمع كتابًا أشير فيه إلى مرتبته، وأشرح حاله من بدايته إلى نهايته، وأدرج في ذلك الأدلة على صحة رسالته، وتقدمه على جميع الأنبياء في رتبته، فإذا انتهى الأمر إلى مدفنه في تربته، ذكرت فضل الصلاة عليه، وعرض أعمال أمته، وكيفية بعثته، وموقع شفاعته، وأخبرت بقربه من الخالق يوم القيامة ومنزلته)!
وقطع على نفسه أن لا يورد إلا ما صح، ولكنه لم يستطع أن يفي بذلك (١)!
توفي (٥٩٧ هـ)!
٣ - شمائل الرسول ودلائل نبوّته وفضائله وخصائصه لابن كثير:
ذكر في أول الكتاب أنه سيفرد بابًا للخصائص، ولكنه لم يصنع ذلك، وإن كان قد ذكر أحاديث متفرقة في بعض ما اختص به - ﷺ - (٢)!
واقتصر في الفضائل على مقارنات بين ما أوتي خاتم النبيّين، وبين ما أوتي الأنبياء قبله!
وتحدث ابن كثير عن موضوع الشمائل فقال في مقدمة كتابه هذا:
(قد صنف الناس في هذا قديمًا وحديثًا، كتبًا مفردة وغير مفردة، ومن أحسن من جمع في ذلك فأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵀، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل، ولنا به سماع متصل إليه! ونحن نورد عيون ما أورده فيه، ونزيد عليه أشياء مهمة، لا يستغني عنها المحدّث والفقيه) (٣)!
_________________
(١) انظر: مقدمة المحقق.
(٢) انظر: ٤: ٧١ تحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة.
(٣) انظر: ٥.
[ ١ / ١٣٧ ]
ومن ثم يعدّ ما أورده الحافظ ابن كثير أوفى ما يمكن جمعه، إذ إنه لم يترك جانبًا مما ورد في كتب الحديث في الشمائل إلا وذكره، ورتب ذلك في أبواب دقيقة، فجهده يتمثل في الجمع والإحاطة، وفي دقة الترتيب وحسنه!
توفي (٧٧٤ هـ)!
سادسًا: كتب جمعت بين التاريخ والسيرة:
ونجد أنفسنا أمام الكتب التي جمعت بين التاريخ والسيرة .. نذكر منها:
١ - تاريخ الأمم والملوك للطبري:
بدأ بذكر الدلالة على حدوث الزمان، وأول ما خلق بعد ذلك .. ثم ذكر آدم ﵇، وما كان بعده من أخبار الأنبياء والرسل، على ترتيب ذكرهم في التوراة، متعرضًا للحوادث التي وقعت في زمانهم، مفسرًا ما ورد في القرآن الكريم بشأنهم، معرجًا على أخبار الملوك الذين عاصروهم وملوك الفرس، مع ذكر الأمم التي جاءت بعد الأنبياء، حتى مبعث خاتم النبيّين .. وذكر نسب الرسول - ﷺ - وبعض أخبار آبائه وأجداده .. وتزويج النبي - ﷺ - خديجة -﵂ - وما كان من أمر رسول الله - ﷺ - قبل أن يتنبأ، وما كان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث، واليوم الذي نُبئ فيه، وما تلا ذلك من الأحداث إلى وقت الهجرة .. ورتب كتابه بعد ذلك على الحوادث المذكورة، والأيام المشهورة، وإذا كانت أخبار الحوادث طويلة جزأها على حسب السنين، أو يشير إليها بالإجمال، ثم يذكرها في الموضع الملائم!
وذكر الحوادث مروية، ولا يبدي في أسانيدها رأيًا في معظم الأحيان!
[ ١ / ١٣٨ ]
ومن هنا كان النقد الموجه إليه؛ لأن ذكر الأخبار دون تمحيصها لا يليق بالمؤرخ الناقد البصير، وربما كان عذر الطبري في ذلك عذر من يذكرون الحديث بطرقه، تاركين الحكم للقارئ، وقد ذكر ذلك في مقدمة كتابه، حيث قال:
(وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه، مما اشترطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه، دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه؛ إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين، وما هو كائن من أخبار الحادثين، غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم، إلا بأخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقية، فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبَلنا، وإنما أتى من قبل ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدّي إلينا) (١)!
وقد وقع لهذا الكتاب كثير من التكملات والمختصرات والترجمات، ولعل أول من ذيل عليه هو الطبري نفسه، قال السخاوي:
(وله على تاريخه المذكور ذيل، بل ذيل على الذيل أيضًا)!
أما الترجمة فكان أول من قام بها أبو علي محمد بن عبد الله العلقمي إلى
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك: ١: ١٣ خطبة الكتاب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. ثانية ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.
[ ١ / ١٣٩ ]
الفارسيّة، ثم نقلت من الفارسيّة إلى التركيّة في عهد أحمد باشا، كما ترجم من الفارسية إلى الفرنسية، طبعت سنة ١٨٧٤ م (١)!
وعلى كل حال، ففي هذا الكتاب روايات غير صحيحة بحال! ولا تقبل روايتها في سيرة الرسول - ﷺ - بحال، وإن كان قد أوردها بالسند، على قاعدة: (من أسند فقد حمّل، ومن أرسل فقد تحمّل)!
بيد أن ذلك لم يعد يصلح في عصرنا هذا الذي أصبحنا أحوج ما نكون فيه إلى معرفة الصحيح من غيره، وعرض السيرة في ضوء الأحاديث الصحيحة!
توفي (٣١٠ هـ)!
٢ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (السيرة النبويّة) للذهبي:
وهو كتاب تاريخ وتراجم معًا، وبهذا يختلف عن الموسوعة الضخمة الأخرى له، وهي (سير أعلام النبلاء) (٢)؛ لأنه قد استوعب في (تاريخ الإسلام) فئتين من المترجمين: المشهورين، والأعلام، واقتصر في (سير أعلام النبلاء) على تراجم الأعلام النبلاء، إلا أنه قد يذكر في نهاية بعض التراجم غير واحد من المشهورين، للتعرف بهم، على سبيل الاختصار، وتحديد وفياتهم .. ومن ثم فقد ألفه بعد (تاريخ الإسلام) وأضاف إليه أخبارًا كثيرة، وتناول أشياء بالنقد والتحقيق!
وقد عرض للأخبار والوقائع والأحداث التي أسهم فيها صاحب الترجمة، قبل أن يترجم له ويؤرخ وفاته، أو يتناول سيرته الذاتية، ومن ثم قدم (مغازي
_________________
(١) المرجع السابق: ٨.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء: ١: ١٤٥ مؤسسة الرسالة، ط. ثالثة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.
[ ١ / ١٤٠ ]
النبي - ﷺ - على (الترجمة النبوية) ولذا كانت (المغازي) في الجزء الأول، و(السيرة النبوية) في الجزء الثاني، ثم (سيرة الخلفاء الراشدين) في الجزء الثالث .. والأجزاء الأول تعتبر أقل الأجزاء كمية للتراجم، وقد أوضح الحافظ الذهبي ذلك في حوادث السنة الأولى للهجرة، حيث يقول:
(والسبب في قلة من توفي في هذا العام وما بعده من السنين، أن المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى من بعدهم، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز، أو من هاجر إلى الحبشة، وفي خلافة عمر -بل وقبلها- انتشر في الأقاليم، فبهذا يظهر لك سبب قلة من توفي في صدر الإسلام، وسبب كثرة من توفي زمان التابعين ممن بعدهم) (١)!
ويقول الذهبي في مقدمة كتابه (٢): (هذا كتاب نافع إن شاء الله، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يُسمع، جمعته وتعبت عليه، واستخرجته من عدة تصانيف، يعرف به الإنسان مُهِمّ ما مضى من التاريخ، من أول تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا، من وفيات الكبار من الخلفاء والقراء، والزهاد والفقهاء، والمحدثين والعلماء، والسلاطين والوزراء، والنحاة والشعراء، ومعرفة طبقاتهم)!
توفي (٧٤٨ هـ)!
٣ - البداية والنهاية لابن كثير:
وهو موسوعة ضخمة، ابتدأ فيه بذكر قصص الأنبياء وأخبار الأمم الماضية،
_________________
(١) انظر: مقدمة الدكتور عمر عبد السلام تدمري، لتاريخ الإسلام: الذهبي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط. ثانية ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.
(٢) المرجع السابق: ١: ١١ وما بعدها.
[ ١ / ١٤١ ]
ثم ذكر أخبار العرب وأحداث الجاهليّة، ثم سيرة الرسول - ﷺ -، حتى وفاته، وقد شغلت نحو ثلاثة أجزاء من الكتاب، من أواخر الجزء الثاني حتى أواخر الجزء الخامس، وهي بذلك موزعة بين أربعة أجزاء، ثم تابع أحداث التاريخ الإسلامي منذ خلافة الصديق أبي بكر - ﵁ -، حتى عصر ابن كثير في القرن الثامن الهجري، ثم ختمه بأشراط الساعة والفتن والملاحم وأحوال الآخرة!
يقول الدكتور مصطفى عبد الواحد (١): وأول ما نلمسه في سيرة ابن كثير أنه اهتم بالأسانيد، تمشّيًا مع صبغته الغالبة عليه كإمام محدّث، وأكثر مروياته عن أحمد، والبيهقي، وأبي نعيم!
فلم يكتف بنقل ما كتبه أهل السير أمثال ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، ولكنه جمع ما رواه أهل الحديث، ولذلك اكتسب مزيّة يتفرد بها بين من كتبوا في السيرة!!
وقد نقد ابن كثير بعض الأسانيد، عندما يكون المتن غريبًا، ليحكم على بعض الأحاديث، وأحيانًا يبيّن درجة الحديث دون أن ينقد السند!
ومن ثم نجده ينقل عن بعض كتب السيرة المفقودة، مثل كتاب موسى ابن عقبة، وكتاب الأموي في المغازي، كما ينقل عن بعض شروح السيرة، مثل: (الروض الأنف) للسهيلي، و(الشفا) للقاضي عياض!
وفي مجال الاستشهاد بالشعر لا يهمل ابن كثير هذه الناحية، ولكنه لا يتابع ابن هشام في كل مروياته من الشعر، فيختصر بعضها ويهمل بعضها!
وبالجملة فإن ابن كثير يحرص على جمع كل ما كتب في الموضوع الذي
_________________
(١) مقدمة السيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ١٤ وما بعدها بتصرف، دار المعرفة، بيروت ١٩٧٦ م.
[ ١ / ١٤٢ ]
يتناوله، ولكنه لا يدمج الأحاديث والأخبار بعضها في بعض، بل يحتفظ لكل نقل بطابعه ومكانه، وكثيرًا ما يعوزه الترتيب في النقل، فلا ينسق الأخبار التي ينقلها حتى تكون وحدة منسجمة، فأحيانًا يبدأ بالخبر المطول، ثم يذكر بعده أخبارًا تحتوي على جانب من هذا الخبر أو تكرره!
فإذا تتبعنا نقول ابن كثير عن غيره، وجدنا فيها ظاهرة عجيبة، هي: أنه يكاد لا يلتزم نص أي شيء، ينقله! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها بالمعنى، وقد تتبّعت ذلك في بعض الصفحات، ورأيت أن إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شيء يطول مداه، فابن كثير يقدّم ويؤخّر، ويزيد وينقص، ويغيّر ويبدّل، ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها!
كذلك نجد روايات ابن كثير للأحاديث تختلف بعض الاختلاف عما في أيدي الناس من الكتب التي ينقل عنها .. فأحاديث البخاري التي يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفيًّا مع صحيح البخاري الذي بين أيدينا، كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم، وعن مسند أحمد، وعن دلائل النبوة لأبي نعيم، ودلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضي عياض، وعن الروض الأنف للسهيلي!
فإذا ما تفحصنا منهج ابن كثير في الروايات، رأيناه لا يبالي برواية كثير من الأخبار الواهية!
وقد كان بإمكانه ألا يلتفت إلى هذه الأخبار التي لا تتمالك أمام النقد، لكنه كان يذكر السند في ذلك -كما أسلفنا عن الطبري- وكان يعلّق على بعض هذه الأخبار بأنه (غريب جدًا) أو (لم يخرجوه) ونحو ذلك!
[ ١ / ١٤٣ ]
لكننا مع ذلك نود أن لو أهمل الحافظ ابن كثير هذه الأخبار التي تزحم الأذهان، وتشوش على الحقائق .. وبخاصة فيما يتصل بحياة الرسول - ﷺ -!
توفي (٧٧٤ هـ)!
سابعًا: أخبار مكة والمدينة والشعر:
أما كتب أخبار مكة والمدينة، فقد ذكر المؤلفون فيها ما في هذين البلدين الطيّبين من بقاع وأماكن وأودية وجبال، وذكروا من تولى الإمارة في كل منهما، وما له علاقة بالرسول - ﷺ -!
وحسبنا أن نذكر في القديم:
أ- أخبار مكة للأزرقي: المتوفى (٢٣٣ هـ)!
٢ - أخبار المدينة لعمر بن شبه: المتوفى (٢٦٢ هـ)!
وفي الحديث:
٣ - مكة والمدينة في الجاهليّة وعصر الرسول للدكتور الشريف: وفيه ذكر كثير من المراجع في أخبار مكة والمدينة!
ومعلوم أن هذه الكتب التاريخيّة فيها الكثير من الأحاديث الضعيفة والواهية!
وأما الشعر فقد عني بنظم السيرة كثيرون، منهم من تقيد بسيرة ابن هشام، ومنهم من لم يتقيّد!
فمن الأوّلين:
١ - شعر الشيخ عبد العزيز بن أحمد، المعروف بسيد الدرينى: المتوفى (٦٩٧ هـ) تقريبًا!
[ ١ / ١٤٤ ]
٢ - شعر الشيخ فتح الدين محمد بن إبراهيم، المعروف بابن الشهيد: المتوفى (٧٩٣ هـ) في أكثر من عشر آلاف بيت!
ومن الآخرين:
٣ - شعر الإمام الحافظ عبد الرحيم العراقي: المتوفى (سنة ٨٠٦ هـ)!
٤ - شعر الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي: المتوفى (٨٨٥ هـ) (١)!
ومن المحدثين:
٥ - شعر عبد الحميد الخطيب: في (كتاب سيرة سيد ولد آدم: تائية الخطيب)!
وقد تضمن عدة مواضيع، ونشر القيم الأخير منه، وهو (سيرة سيد ولد آدم) ويحتوي على (٢٣٠٠) بيت، يقول في مقدمته (٢):
(هذه السيرة ما هي إلا جزء من تائيتي الكبرى التي بلغت نحو ثمانية آلاف بيت، خمسة آلاف وسبعمائة منها في رسالته الشريفة، ضمنتها سر تأخير المسلمين، وحكمة التشريع الإسلامي، ومبادئ الإسلام وغاياته، كانت مجتمعة في (تائية الخطيب) ثم نشرتها في كتابي (أسمى الرسالات) وأفردت السيرة عن الرسالة، وطبعتها مستقلة في عام ١٣٦٢ هـ بالنظر لما لاحظته من افتتان الكثير من الناس في الزمن الأخير بحضارة الغرب، وأخلاق أهله وعاداتهم، حتى اتخذوا الغربيّين مثلًا عليًا .. كيف لا وهو الذي ما بعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق .. إلى أن قال: وأذكر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بما كان عليه نبيّهم، والذكرى تنفع المؤمنين)!
_________________
(١) السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنة: ١: ٣٦، وكشف الظنون: ٢: ١٠١٢، ١٠١٣.
(٢) انظر: كتاب سيرة سيد ولد آدم: تائية الخطيب: ٣٤ - ٣٥ ط. الشؤون الدينية، قطر.
[ ١ / ١٤٥ ]
٦ - شعر أحمد محرم: في (ديوان مسجد الإسلام) (١) الذي قسمه إلى أربعة أجزاء، وفي الصفحة الأولى من كل جزء آيات تحث على الجهاد، وفي الثانية كلمات لبعض أئمة التابعين في علم المغازي والسير!
وقد بدأ الحديث في الجزء الأول عن حياة الرسول - ﷺ - في مكة، ثم عن هجرته، ثم عن استقراره بالمدينة، ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وموقفه من اليهود والمنافقين، ثم تحدث عن الغزوات، وما وقع فيها من أحداث وبطولات، وقد استغرق هذا الجزءين: الثاني والثالث!
وفي الجزء الرابع تحدث عن الوفود، ثم عن الكتب والرسل، ثم عن السرايا، وختم ذلك بآخر عمل قام به الرسول - ﷺ - قبل لحاقه بالرفيق الأعلى!
توفي (١٩٤٥ م)!
تلك إشارات إلى أهم مصادر السيرة، وحسبنا أن نشير إلى أن العلماء المغاربة -كما يقول الدكتور محمد فاروق النبهان:
(عكفوا على رواية المصنفات المشرقيّة في السيرة، من خلال اتصالهم بعلماء المشرق، ونقل مدوّناتهم، حتى أصبحت الحركة العلميّة في المغرب مواكبة للحركة العلميّة في المشرق، ولم يكتف المغاربة بمجرد الرواية والنقل، وإنما أخضعوا ما نقلوه لموازين نقديّة أرست أسس مدرسة مغربيّة متميّزة بخصائص من الإبداع والتفوّق، ولم يلبث نتاج هذه المدرسة المغربيّة أن أخذ مكانه في المشرق، منافسًا ومزاحمًا ما سبق أن دوّنته تلك المدرسة، وتلقى المشارقة المصنّفات المغربيّة بحفاوة وتقدير، وأوسعوا
_________________
(١) ديوان مجد الإسلام: ٣٦ مكتة الفلاح، الكويت، ط. أولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
[ ١ / ١٤٦ ]
لهذه المصنّفات مكان الصدارة في الحلقات العلميّة، وأصبحت متداولة. مما يؤكد أن تراث الإسلام وليد حضارة ممتدة عريضة شارك في تشييدها علماء من المشرق والمغرب، تنافسوا وتسابقوا في أن يبنوا هذا الصرح الشاهد الممتد من ثقافة الإسلام) (١)!
* * *
_________________
(١) المصنفات الغربية في السيرة النبويّة ومصنفوها: الدكتور محمد يوسف: رسالة دكتوراه الدولة في العلوم الإسلاميّة بدرجة حسن جدًا: ٤ ط. العارف الجديدة، زنفة الرخاء - الحي الصناعي - الرباط ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م- الجزء الأول: ٣٠٩، والثاني ٢٦٩ من القطع الكبير.
[ ١ / ١٤٧ ]
مناهج المؤلفين
[ ١ / ١٤٩ ]
مناهج المؤلفين
أولًا: المنهج التاريخي
ثانيًا: المنهج الموضوعي
١ - (دلائل النبوة) و(الشمائل المحمدية)
٢ - (الهجرة النبوية ودورها في بناء المجتمع الإسلامي)
٣ - (الرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه)
٤ - (سيرة النبي) لشبلى نعماتي
٥ - (الرسول القائد) للواء الركن محمود شيت خطاب
٦ - موسى بن عقبة
٧ - محمد بن إسحاق
٨ - محمد بن عمر الواقدي
ثالثًا: المنهج التبشيري الاستشراقي
١ - نقص معيب
٢ - تطور الموقف الغربي
٣ - أخطاء منهجيّة
٤ - المذهب الذاتي
٥ - مدرسة جديدة
٦ - الإيمان بالغيب
٧ - السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة.
٨ - (حياة محمد) للدكتور هيكل
٩ - المقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع
١٠ - موقفه من حديث شق الصدر
١١ - وجوب التسليم بحديث شق الصدر
١٢ - حديث آخر موضوع
١٣ - الإسراء ووحدة الوجود
١٤ - بطلان فكرة وحدة الوجود
١٥ - إيجابيّات
١٦ - مصير هذه المدرسة اليوم
[ ١ / ١٥٠ ]
مناهج المؤلفين
وبعد أن أشرنا إلى مكانة السيرة النبويّة عبر التاريخ، وخصائصها، ومصادرها، نجد أنفسنا أمام الحديث عن مناهج المؤلفين في السيرة، فيما يلي:
أولًا: المنهج التاريخي:
وهو المنهج الذي التزمه المؤلفون في السيرة، والذي اعتمده مؤرخونا، وعرفوه باسم (الحوليات) (١)، وهو ذكر الحوادث كما وقعت، من حيث الزمان، دون النظر إلى الوحدة الموضوعيّة بين السابق واللاحق!
وفيه بيان وجه من وجوه عظمة الرسول - ﷺ -، حيث كانت حياته -كما أسلفنا- صفحة عريضة من صفحات الجهاد -في الداخل والخارج- لإنقاذ البشريّة، فانتشلها من ضياع، وانتاشها من هلاك، وأنقذها مما كانت تتخبّط فيه من دياجير الظلام، وعقابيل الضلال، وواجه المشركين، واليهود، والنصارى، في معارك كثيرة!
وفيه -أيضًا- كثرة الآثار، مع كثرة عدم الالتزام بقواعد التحديث رواية ودراية، وربّ رجل مجروح عند أهل الحديث ثقة عند أهل السير، وعلّلوا ذلك باختلاف الغرضين، حيث إن غرض المحدث ذكر الأحاديث التي هي مناط معرفة الحلال والحرام، وغرض المؤلف في السير والتواريخ ذكر أخبار ليست مناط الحلال والحرام غالبًا، فمن ثم تساهلوا، ووجدت في كتبهم الروايات
_________________
(١) انظر: دراسة في السيرة: دكتور عماد الدين خليل: ٦ وما بعدها، مؤسسة الرسالة ١٣٩٤ هـ ١٩٧٤ م.
[ ١ / ١٥١ ]
المرسلة، والمنقطعة، والمعضلة، والشاذة، والمنكرة، بل الموضوعة المختلقة على قلة، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال:
(ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي)!
ومراده أنه يغلب فيها رواية المراسيل، والمنقطعات، والبلاغات، ونحوها، وإلا فقد صح فيها أحاديث كثيرة (١)!
ثانيًا: المنهج الموضوعي:
نذكر منه ما يلي:
١ - (دلائل النبوّة) و(الشمائل المحمديّة):
كما سبق أن ذكرنا في مصادر السيرة ..
وظهرت دراسات موضوعية .. منها:
٢ - (الهجرة النبويّة ودروها في بناء المجتمع الإسلامي):
وهي دراسة تحليليّة في ضوء الكتاب والسنة، سبق أن قدمتُها في إذاعة القرآن الكريم صباحًا من دولة الكويت، وأعيدت إذاعتها في البرنامج العام، مساء طيلة ثلاثة أشهر، وطبعت بعد ذلك في كتاب، ونفدت طبعاته، في الكويت، وهي في طور الترجمة إلى اللغات الأجنبية:
توجهت بها إلى المهاجرين في سبيل الله، أنصار الحق ودعاته، وجنده وحُماته .. الذين يرجون الشهادة في سبيل الله!
إلى أصحاب البصائر والأبصار .. الذين يتطلّعون إلى آفاق النور والإخاء،
_________________
(١) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٣٤.
[ ١ / ١٥٢ ]
والإيثار والفداء، والبذل والعطاء، والحب والنقاء، والود والصفاء، ليعيشوا في أجواء الروح الرفافة الندى والظلال!
إلى الإخوة الأحبّة جُند الحق .. الذين صبروا وصابروا ورابطوا .. وزادتهم الِمحنُ مِنَحًا وثَبَاتًا!
أصدق الناس قولًا، وأجمعهم لُبًّا، وأقواهم عزمًا، الجهاد شعارهم، واليقين دثارهم، لا تتغيّر بهم في خشية الله عادة، ولا تملكهم في مخافته هوادة!
إلى الأُخُوَّةِ الزّكيّة، الشافعية النقيّة، والمحبّة النديّة، والمودّة الرضيّة، والنفحة العلويّةَ، والألفة القدسيّة، التي تنشئ في القلب إدراكًا كاملًا، ونورًا شاملًا، ونبضًا متصلًا، وحياة مباركة، هي سراج ما بطن، وملاك ما علن، تنطف نورًا كأنها قناع رحمة الله!
بيّنت فيه معالم الهجرة من أرض لفّها الظلام والجحود، وخيّم عليها الظلم والكنود، إلى أرض سطع فيها نور الإسلام!
مبدأ تاريخ خير أمة أخرجت للناس، والحدّ الفاصل بين الحق والباطل، والخير والشر!
تضع يدك على معالم الطريق، كلما تمعّنت في أطيافها قرأت شجنًا، واستعرضت جهادًا، وتبيّنت استشهادًا، ولست صدقًا، وأبصرت يقينًا!
ومن ثم فأنت غاضب على الباطل، كاره له، وأنت ثائر على الظلم بكل ما أوتيت، حتى الحياة تجود بها طائعًا مختارًا، إذا شاهدت من خلال أدوارها ما نزل بالمؤمنين الصادقين، وأنت في صحبة مباركة طيّبة لهم، تعايش أنفاسهم،
[ ١ / ١٥٣ ]
وتبصر جهادهم، وتبهرك مواقفهم، وهم يرجون الرضا والرضوان .. وهل هناك أسمى من الرضا والرضوان؟!
اللهم! أعطنا ولا تحرمنا!
ولا تلبث أن تقول معي: عونك اللهم!
وهذه المعالم حين تستقر في القلب المؤمن، تندفع بصاحبها لتحقيق ذاتها في عالم الواقع، وتتمثل حركة فاعلة في تكوين الشخصيّة الإسلامية، وبناء المجتمع الإسلامي، وفق معالم بناء الدولة الإسلاميّة في حياة الرسول - ﷺ -!
٣ - (الرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه):
وهي دراسات سبق أن قدمتُها -أيضًا- في إذاعة القرآن الكريم صباحًا من دولة الكويت، وأعيدت إذاعتها في البرنامج العام، مساء، طيلة سبعة أشهر، ذكرتُ فيها ما يجب أن يعرفه المسلمون عن اليهود!
وطُبعت في عشرة كتب، بعد (كامب ديفيد) في دار الوفاء بالمنصورة .. هي:
الأول: أسطورة الوطن اليهودي!
الثاني: الفكر اليهودي!
الثالث: موقف اليهود من الرسالة والرسول - ﷺ -!
الرابع: الطبيعة اليهوديّة!
الخامس: التآمر اليهودي على حياة الرسول - ﷺ -!
السادس: اليهود والخيانة!
السابع: القضاء على اليهود عسكريًّا!
[ ١ / ١٥٤ ]
الثامن: محاكمة اليهود!
التاسع: الخطر اليهودي!
العاشر: معالم النصر على اليهود!
انطلاقًا من أنه ليس لنا من سبيل تجتمع عليه وجهات نظر المؤمنين إلا التأسي بموقف الرسول - ﷺ - من اليهود وموقفهم منه، من خلال معرفة سماتهم عبر تاريخهم وفكرهم وموقفهم من الرسالة والرسول - ﷺ -!
ومن خلال الغزوات الخاصة باليهود، حيث كان لهم في شبه الجزيرة ما كان، ولم يتبيّن عداؤهم في أول الأمر سافرًا، ولكن ما لبثوا أن كشفوا عن سماتهم، وأعلنوا الحرب والعدوان، وواجههم الرسول - ﷺ - .. حتى كان القضاء عليهم عسكريًا!
وهذا الموقف هو وحده الذي يجب أن نؤمن به جميعًا، وندعو إليه، ونتجمّع في رحابه، حتى تعود إلينا سيرتنا الأولى، ويتنزّل علينا وعد الله بالنصر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
وطبعتْ أخيرًا في مجموعة كاملة، نفدت، والآن تحت الترجمة إلى لغات أجنبية أخرى!
٤ - (سيرة النبيّ - ﷺ -) لشبلي نعماني:
وقد كتب شبلي نعماني كتابه (سيرة النبيّ - ﷺ -) الذي بدأه (١٨٥٧ - ١٩١٤ م) في خمسة مجلدات، وأتمه سليمان الندوي، فأصبح في سبعة مجلدات!
[ ١ / ١٥٥ ]
الأول والثاني: ترجمة حياة النبي - ﷺ -، مع دراسة عن الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، ويعدّ هذا الكتاب خاتمة أعمال شبلي - ﵀ - وهو الذي كتب معظم فصوله، وكان حريصًا على الالتزام الدقيق بالنصوص الصحيحة، والرد على الشبهات التي أثارها غير المسلمين عن الإسلام ورسوله!
هذا في أسلوب رائع أنيق، حتى إن بعض فصول المجلد تعتبر -كما يقول مسعود الندوي- كأحسن ما كُتب باللغة الأردية!
الثالث: خاص بالمعجزات، كتبه والأجزاء التالية، سليمان الندوي، وله مقدمتان علميتان من الوجهتين الفلسفتين: القديمة والحديثة، أثبت فيهما إمكان المعجزات، وعدم معارضة العلوم العقليّة لها!
الرابع: يبحث في منزلة النبوة، والفرق بينها وبين منازل الإصلاح والتجديد والزعامة، ثم يبحث في العقائد، مستندًا إلى الكتاب والسنة، في مزج دقيق بين علومها وأسرارها!
الخامس: في العبادات!
السادس: في الأخلاق!
السابع: في المعاملات!
وكل منها موسوعة في موضوعه!
وجاء في المقدمة: (إن الواجب الأسمى والخدمة الكبرى التي تقدم إلى الإنسانيّة أن تجدّد وتضبط أخلاقيات الناس وثقافتهم، والوسيلة المعتادة لذلك هي العظات، والوسيلة الحديثة هي تأليف الكتب ذات المستوى الرفيع في السلوك ونشرها بين الناس، وهناك وسيلة أخرى هي إكراه الناس على غرس
[ ١ / ١٥٦ ]
الفضائل، ولكن أفضل الطرق وأصحها وأكثرها عمليّة، ليست الحديث ولا الكتابة ولا الإكراه، ولكن في ظهور شخص هو التصوير العام للفضائل، شخص تنعكس فيه الفضائل عمليًّا، وتعادل كل حركة من شفته عمل آلاف الكتب، وكل إشارة من يديه كأنها أمر ملكي، إن الفضائل التي تبدو في دنيانا هي انعكاسات من هؤلاء الرجال .. أما جميع العوامل الأخرى فلا تعدو أن تكون طلاء وزخرفة في صرح الحضارة) (١)!
ويقول: (ولكن هؤلاء الذين ظهروا قبل الرسول محمد - ﷺ - بعامة كانوا نماذج لفضائل معيّنة، على سبيل المثال: مدرسة المسيح كانت للتحمّل والصبر والسلام والتسامح والتواضع، ولا مكان للصفات الرفيعة اللازمة للإدارة والحكم!
بينما لا مجال فيما جاء عن نوح وموسى للتسامح العام!
من أجل ذلك كانت الحاجة إلى قائد جديد في كل مرحلة من مراحل الإنسانية .. ودائمًا كان هناك انتظار لجديد يكمل به الدين، القائد الذي يستطيع أن يرفع سيفه، وأن يعيش معتكفًا أيضًا، قائد يستطيع أن يمارس حياة الحاكم والفاتح، كما يمارس حياة المسكين، والذي يستطيع أن يكون حاكم الدنيا وتاليًا لأسماء الله الحسنى، والذي يستطيع أن يعيش حياة الفقر بالرضى وحياة الغنى بالقلب الكريم، هذا الرسول الكامل بين الخالق والكون، هذه الشخصيّة المحيطة، هذا التصور الحيّ لكلمات الله هو الذروة العليا في خلق الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
وليس هناك من شئ خالد في دنيا الفناء، ومن أجل ذلك لن تعمر فيها
_________________
(١) الإسلام والعروبة في عالم متغير: الدكتور عبد العزيز كامل: ٤٧: كتاب العربي: الكتاب الثاني والعشرون: ١٩٨٩ م نقلًا عن (سيرة النبي): ١: ١ - ٢ ط. الإنجليزية.
[ ١ / ١٥٧ ]
هذه الشخصيّة الكاملة إلى الأبد، ولذلك كان من الضروري الاحتفاظ بصورتها الكاملة، كل كلمة منها، كل إشارة، كل لمحة من لمحات وجودها .. حتى نستطيع أن نفيد منها في كل مرحلة من مراحل الحياة عندما نحتاج إليها)!
ومن الغريب أن الصورة الكاملة لغير محمد - ﷺ - من الأنبياء غير محفوظة -كما أسلفنا- فمن حياة المسيح التي استمرت ثلاثًا وثلاثين سنة، نعرف الأحداث المرتبطة بالأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته .. والتوراة الموجودة هي المصدر الوحيد للقليل الذي نعرفه عن موسى (١)!
وبعد أن تحدث عن الفروق المنهجيّة بين علماء الحديث وعلماء المغازي، قال: أليس بين أيدينا كتاب عن حياة الرسول - ﷺ - اعتمد اعتمادًا كاملًا على الحديث الشريف الصحيح وحده) (٢)!
وقال: (إلى يوم الدين لن يستطيع أحد أن ينافس المسلمين في فخرهم بحفظ أدق تفاصيل كل حادث في حياة الرسول، بطريقة دقيقة وواعية)!
وقد سبق ذكر ذلك في حديثنا عن خصائص السيرة النبوية، وبيان أنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل!
وفي رحلة منهجيّة استغرقت خمسًا وثمانين صحيفة قبل أن ينتقل إلى دراسة التأليف الغربي عن السيرة، تابع ما عند الغرب من اتجاهات في كتابة السيرة، مركزًا على القرن السابع عشر وما بعده، وأورد قوائم بهذه المؤلفات، ذكرا منها سبعة عشر مؤلفًا في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين (١٨١٥ - ١٩٠٩ م)!
_________________
(١) المرجع السابق، نقلًا عن: ١: ٢ - ٣ سيرة النبي ط. الإنجليزية.
(٢) المرجع السابق، نقلًا عن: ١: ٨ هامش.
[ ١ / ١٥٨ ]
ولخص النقاط التي ركز عليها الكتاب الأوروبيّون في الافتراء على حياة المصطفى - ﷺ - في:
١ - أنه تحول من النبوّة في مكة، إلى الملك والقوة والسيطرة في المدينة، بكل ما يحمل ذلك من إشعال الحروب، والقتل، والردع، وإراقة الدماء!
٢ - تعدد الزوجات والميل إلى النساء!
٣ - نشر الإسلام بالقوة!
٣ - إقرار الرق، وممارسته!
٥ - اتباع الأساليب الدبلوماسيّة، كما يمارسها الحكام الدنيويون!
وقد ناقش الكتاب كل هذه الافتراءات في مواضعها، ورد عليها بكل إفاضة!
وعرض المصادر التي أسس عليها جمع كتابه وتقسيمه في:
١ - ما جاء في القرآن الكريم، وهو المرجع الأعلى في السيرة!
٢ - ما جاء في الأحاديث الصحيحة، ورأى أن خطأ كبيرًا حدث نتيجة البحث عن الموضوعات تحت عناوين معيّنة، فإذا لم يجدوا مالوا إلى الحديث الضعيف فاستعانوا به؛ بينما في كتب الحديث تفاصيل كثيرة جاءت كأنها حقائق ثانويّة ضمن موضوع أساسي، ويمكن -مع الدراسة الممعنة- جمع كل هذه التفاصيل الدقيقة والصحيحة عن حياة المصطفى - ﷺ - من الكتب الستة!
فميزة (سيرة النبي) أن شبلي قد استطاع أن يجمع فيه معظم التفاصيل من كتب الحديث، وأعاد تبويبها من جديد، وهي التي لم تجتذب أنظار مؤلفين سابقين!
[ ١ / ١٥٩ ]
٣ - وفيما يتعلق بالأحداث اليوميّة اكتفى بما جاء به ابن سعد في طبقاته، وابن هشام في السيرة، والطبري في التاريخ، وإذا ما كان لحادث قيمة كبيرة قام بتحقيقه تحقيقًا علميًّا دقيقًا!
٤ - إعداد كل المواد السابقة وتحقيقها!
وقسم كتابه بعد هذا إلى خمسة مجلدات، رأينا في التنفيذ أنها عدلت إلى سبعة، وعزم على طبع أي جزء منها بعد إنجازه، دون تقيد بالترتيب الموضوعي للأجزاء، وإذا كانت وفاته عام ١٩١٤ م فإن الجزء الأول قد صدر عام ١٩١٨ م والثاني عام ١٩٢٠ م ثم توالت الأجزاء!
يقول سليمان الندوي في مقدمة المجلد الثاني: ٢: ٢:
(عندما جاءت مخطوطة الكتاب إليّ -يقصد الجزءين: الأول والثاني بعد وفاة شبلي- أحسست أنها تحتاج إلى عدة فصول، بغيرها يظل الكتاب ناقصًا، ولم تكن عندي الشجاعة لأن أفكر في إضافة أي شيء إلى ما تركه المؤلف، ومرت فترة من التردّد الطويل، ثم عزمت على كتابة الفصول التي يحتاج إليها الكتاب، وبعد أيام عثرت على مجموعة من المذكرات كتبها المؤلف قبل وفاته بخمسة شهور، كانت المذكّرات الأخيرة هي رؤوس الموضوعات، ولم يكن لسروري حدود عندما قرأت المذكّرات، فوجدتها الفصول التي يحتاج إليها الكتاب، وأنها تطابق ما أحسست أن الكتاب محتاج إليه فكتبته، ولعلها كانت إشارة من الغيب له أن يضع هذه الخطوط لتكون عونًا لي على السير)!
ولقد كان الجزء الخاص بأحوال المصطفى غير كامل، وفي بعض الصفحات فراغات أكملها سليمان، وأضاف هوامش، وميز ذلك عن الأصل!
[ ١ / ١٦٠ ]
وصفوة القول: أن المجلد الأول يُعنى بالمنهج وما قبل الإسلام، وبالسير على أساس من التسلسل التاريخي، وحياة الرسول - ﷺ - في مكة والمدينة ومغازيه!
بينما يدرس الثاني السنوات الثلاث الأخيرة من حياة الرسول - ﷺ -، مع عناية بنشر الدعوة، ورسله ووسائله، واستقبال الوفود، وإقامة المجتمع الجديد، ونظمه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، ثم يعرض الإسلام كدين: عباداته، ومعاملاته، وحلاله، وحرامه، ويدرس العام الأخير من حياة الرسول، وحجة الوداع!
وبعد أن يذكر وفاة الرسول - ﷺ -، يخصص فصولًا لما ترك وراءه، وأخلاقه، ونظام حياته اليومية، ومستشاريه، والرسول - ﷺ - كخطيب (كيف يخطب .. طبيعته .. عظاته .. تأثيرها) ثم عباداته وأخلاقه وزوجاته وأبناؤه وحياته المنزليّة!
ويستغرق المجلدان معًا نحو تسعمائة صفحة في الطبعة الإنجليزيّة!
وهو كتاب أرجو أن يقدّم بجميع اللغات إلى المسلمين وغيرهم!
٥ - (الرسول القائد) للواء الركن محمود شيت خطاب:
يدل عنوانه على موضوعه، يقول في مقدمته:
(فكّرت في وضع هذا الكتاب، بعد أن قرأت كثيرًا من المؤلفات العسكريّة الباحثة في تاريخ حروب القادة العظام، الذين لمعت أسماؤهم قديمًا وحديثًا!
لقد أبرزت تلك المؤلفات بكل وضوح أعمال أولئك القادة، ووصفت معاركهم بتسلسل منطقي سهل، ووضّحت تلك المعارك بالخرائط والمخطّطات
[ ١ / ١٦١ ]
والأشكال، وأظهرت الدروس المفيدة منها، فأضفت بذلك كله الخلود على حياة أولئك الرجال!
وعدت لأقارن بين هذا الأسلوب في البحث، وبين أسلوب المؤرخين عندنا في الحديث عن معارك قادة المسلمين، فعرفت كيف أضاء الأسلوب الأول معالم الطريق للباحثين، وحقق قيمة جديدة لأعمال بعض القادة، بينما طمس الأسلوب الثاني أعمالًا خالدة تستحق أعظم التقدير والإعجاب!
لقد قرأت أكثر كتب السيرة في تدبّر وإمعان، وحاولت أن أستشفّ منها كل نواحي العظمة التي تتّسم بها شخصيّة الرسول - ﷺ -، ولكني وجدت أن عبقريّته العسكريّة التي لا تتطاول إليها أيّة عبقريّة أخرى لأيّ قائد في القديم أو الحديث، تكاد تكون متوارية محجوبة لم يتح لها من يكشف أسرارها، ويجلي عظمتها، بأسلوب حديث يجنح إلى الكشف والتحليل، وإبراز المواهب النادرة، خاصة من عسكري يستطيع أن يلم بنواحي العظمة العسكريّة التي تكمن فيها، ويظهرها جليّة للعيان، ومن هنا بقي الجانب العسكري من حياة الرسول - ﷺ - يشوبه الغموض حتى اليوم!
إن المسلم حقًّا هو الذي يقدّر الرسول - ﷺ - حق قدره، فيعترف بأن كفاية الرسول - ﷺ - قائدًا متميزًا، وكفاية أصحابه جنودًا مميّزين، هي التي أمّنت لهم النصر العظيم!
أما أن نستند على الخوارق وحدها في الحرب، ونجعلها السبب المباشر لانتصار المسلمين، فذلك يجعل هذا النصر لا قيمة له من الناحية العسكرية، بالإضافة إلى مخالفة الأمر بالأسباب، وإعداد القوة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا!
إن أعمال الرسول - ﷺ -، ومنها العسكرية، سنة متبعة، في كل زمان
[ ١ / ١٦٢ ]
ومكان، فهل يبقى أتباعه ينتظرون الخوارق لينتصروا على أعدائهم، أم يعدّون ما استطاعوا من قوة، كما قرر القرآن الكريم، لينالوا هذا النصر؟
إن سيرة الرسول - ﷺ - العسكريّة، تثبت بشكل جازم لا يتطرّق إليه الشك، أن انتصاره كان لشجاعته الشخصيّة، وسيطرته على أعصابه في أحلك المواقف، ولقراراته السريعة الحازمة في أخطر الظروف، ولعزمه الأكيد في التشبّث بأسباب النصر، ولتطبيقه كل مبادئ الحرب المعروفة في كل معاركه، تلك العوامل الشخصيّة التي جعلته يتفوّق على أعدائه في الميدان، ولو لم تكن تلك الصفات الشخصيّة المدعومة بقوة الإيمان بالله، لما كُتِب له النصر!
ويمتاز الرسول - ﷺ - عن غيره من القادة في كل زمان ومكان بميزتين مهمتين:
الأولى: أنه كان قائدًا عصاميًّا!
الثانية: أن معاركه كانت للدفاع عن الدعوة، ولحماية نشر الإسلام، ولتوطيد أركان السلام، لا للعدوان والاغتصاب والاستغلال!
وقال: على ذلك يمكن تقسيم حياة الرسول - ﷺ - من الناحية العسكرّية إلى أربعة أدوار:
الأول: دور الحشد!
الثاني: دور الدفاع عن العقيدة!
الثالث: دور الهجوم!
الرابع: دور التكامل!
[ ١ / ١٦٣ ]
أما دور الحشد: فمن بعثته إلى هجرته إلى المدينة المنورة، واستقراره هناك، وفي هذا الدور اقتصر الرسول - ﷺ - على الحرب الكلامية، يبشر وينذر، ويحاول جاهدًا نشر الإسلام، وبذلك كوّن النواة الأولى لقوات المسلمين، وحشدهم في المدينة المنورة بالهجرة إليها!
وأما دور الدفاع عن العقيدة: فمن بدء الرسول - ﷺ - بإرسال سراياه وقواته للقتال، إلى انسحاب الأحزاب عن المدينة بعد غزوة الخندق، وبهذا الدور ازداد عدد المسلمين، فاستطاعوا الدفاع عن عقيدتهم ضد أعدائهم الأقوياء!
وأما دور الهجوم: فمن بعد غزوة الخندق إلى ما بعد غزوة حنين، وبهذا الدور انتشر الإسلام في الجزيرة العربيّة كلها، وأصبح المسلمون قوة ذات اعتبار وأثر في بلاد العرب، فاستطاعوا سحق كل قوة تعرضت للإسلام!
وأما دور التكامل: وهو من بعد غزوة حنين إلى أن التحق الرسول - ﷺ - بالرفيق الأعلى، فقد تكاملت قوات المسلمين بهذا الدور، فشملت شبه الجزيرة العربية كلها، وأخذت تحاول أن تجد لها متنفّسًا خارج شبه الجزيرة العربية، فكانت غزوة تبوك إيذانًا بمولد الدولة الإسلاميّة الكبرى!
بهذا التطور المنطقي، تدرجّ الرسول القائد العصامي بقواته من الضعف إلى القوة، ومن الدفاع إلى الهجوم، ومن الهجوم إلى التعرّض، وبذلك بزّ كل قائد في كل أدوار التاريخ؛ لأنه أوجد قوة كبيرة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد من لا شيء!
تلك هي الميزة الأولى للرسول القائد - ﷺ -!
[ ١ / ١٦٤ ]
والميزة الثانية لقيادته هي: (أن معاركه كانت حرب فروسيّة بكل معنى الكلمة، الغرض منها حماية نشر الإسلام، وتوطيد أركان السلام، فلم ينقض عهدًا، ولم يمثّل بعدو، ولم يقتل ضعيفًا، ولم يقاتل غير المحاريين)!
وقال: (إن مهمة القائد في العصور الغابرة كانت أصعب من مهمته في العصر الحديث؛ لأن سيطرة القائد ومزاياه الشخصية، كانت العامل الحاسم في الحروب القديمة، بينما يسيطر القائد في الحروب الحديثة على قواته الكبيرة بمعاونة عدد ضخم من ضباط الركن الذين يعاونونه في مهمته، ويراقبون تنفيذ أوامره في الوقت والمكان المطلوبين، كما يسيطر القائد على قواته بوسائط المواصلات الداخلية الدقيقة من أجهزة لاسلكية، ورادار طائرات وأقمار صناعية ووسائط آليّة)!
وقال: (إن حياة رسول التوحيد والجهاد عليه أفضل الصلاة والسلام هي أسوة حسنة للمسلمين في كل زمان ومكان .. وإن النبيّ العربيّ صلوات الله عليه وتسليمه يطالبكم اليوم جميعًا، أن تجاهدوا من أجل الوحدة، وتتوحّدوا من أجل الجهاد)!
وهو كتاب أرجو أن تخرّج الأحاديث الواردة فيه، وأن يجد سبيله إلى الكليّات الحربيّة في البلاد الإسلاميّة!
ثالثًا: المنهج التبشيري الاستشراقي:
والمؤلفات في سيرة الرسول - ﷺ - من عهد الرسالة إلى يومنا هذا، في مختلف الأوطان الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، تعدّ بالألوف، وما أُلف بالأردية - وحدها- في موضوع السيرة يبلغ ألفًا إن لم يزد عليه، مع أنها لم تصر لغة تأليف
[ ١ / ١٦٥ ]
إلا منذ قرنين على الأكثر -كما يقول سليمان الندوي﵀ - (١)، وحين ننظر إلى من ألف في السيرة ممن لا يؤمنون بالرسول - ﷺ -، ولا يوقنون برسالته، نجد كثيرين في الهند، على اختلاف مللها، قد ألفوا في السيرة، ونجد المبشّرين والمستشرقين قد كتبوا في السيرة، إرواء لظمئهم العلمي، أو محاولة للطعن في الكثير الغالب!
وفي مجلة (المقتبس) التي كانت تصدر في دمشق قبل نصف قرن تقريبًا إحصاء لما صنف في السيرة النبويّة بمختلف اللغات الأوروبيّة بلغ نحو (١٣٠٠) ثلثمائة وألف كتاب، ولو أضفنا إلى هذا العدد ما صدر من المطابع الأوروبيّة في السيرة النبويّة خلال أربعين سنة بعد ذلك الإحصاء الذي نشرفه مجلة (المقتبس) لأربى على ذلك كثيرًا!
١ - نقص معيب:
وقد أصدر مرجليوث الذي كان أستاذًا للغة العربيّة في (جامعة أكسفورد) سنة ١٩٠٥ م كتابه (محمد) وجعله حلقة في سلسلة (عظائم الأمم) وهو لم يكتب كتابه هذا ليثني فيه على رسول الله - ﷺ -، بل لعله لم يُؤلَّف كاتبٌ بالإِنجليزيّة أشدّ تحاملًا على الرسول - ﷺ - مما جاء في هذا الكتاب، وقد حاول مرجليوث أن يشوه كل ما يتعلق بالسيرة الشريفة، وأن يشكك في أسانيدها، ولم يأل جهدًا في نقض ما أبرمه التاريخ، ومعارضة ما حققّه المحقّقون من المنصفين، لكنه مع كل هذا لم يتمالك عن الاعتراف في مقدمة كتابه بأن الذين كتبوا في سيرة محمد - ﷺ - لا ينتهي ذكر أسمائهم، وأنهم يرون أن من الشرف للكاتب أن ينال المجد بتبوّئه مجلسًا بين الذين كتبوا في السيرة المحمديّة!
_________________
(١) الرسالة المحمدية: ٩٦ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقد كتب جون ديون بورت سنة ١٨٧٠ م كتابًا بالإِنجليزيّة في السيرة المحمديّة عنوانه: (اعتذار من محمد والقرآن) والذي يقرؤه يخيّل إليه أنه كتبه بنزعة الإخلاص والإنصاف، يقول في مقدمته: (لا ريب أنه لا يوجد في الفاتحين والمشرعين، والذين سنوا السنن، من يَعْرفُ الناسُ حياتَهُ وأحواله أكثر تفصيلًا وأشمل بيانًا، مما يعرفون من سيرة محمد - ﷺ - وأحواله)!
وألقى ريورند باسورث سميث Basworth smith عضو كلية التثليث في أكسفورد سنة ١٨٧٤ م محاضرات عن (محمد والمحمديّة) في الجمعية الملكيّة لبريطانيا، طُبعت كتابًا -كان أيضًا- أشدّ تحاملًا على الرسول - ﷺ -!
وإذا أراد الإنسان أن يفهم الأحداث ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس والحياة (١)!
- مقومات النفس البشريّة: روحيّة، وفكريّة، وحيويّة!
- ومقومات الحياة الإنسانيّة: معنويّة، وفطريّة، وماديّة!
وأن يفتح روحه وفكره للحادثة، ويستجيب لوقوعها في مداركه، ولا يرفض شيئًا من استجاباته لها إلا بعد تحرّج وتمحيص ونقد!
وإذا كان يتلقّاها -بادئ ذي بدء- وهو معطل الروح، أو الفكر، أو الحس، عن عمد أو غير عمد، فإن هذا التعطيل المتعمّد أو غير المتعمّد يحرمه استجابة معيّنة للحادثة التاريخيّة، وعنصرًا من عناصر إدراكها وفهمها على الوجه الكامل، ومن ثم يجعل تفسيره لها خاطئًا أو ناقصًا!
_________________
(١) في التاريخ: فكرة ومنهاج: ٢٧ وما بعدها بتصرف، والهجرة النبويّة: ٢٧ وما بعدها.
[ ١ / ١٦٧ ]
هذه الاستجابة الناقصة، هي أول ظاهرة تتّسم بها بحوث هؤلاء عن الموضوعات الإسلاميّة، وبخاصة السيرة النبويّة، ذلك أن هناك عنصرًا ينقص طبيعة هؤلاء بصفة عامة، لإدراك الحياة الإسلامية، بصفة خاصة (عنصر الروحيّة الغيبيّة) وبخاصة في العصور الحديثة بعد غلبة النظريّات الماديّة، والطريقة التجريبيّة على وجه أخص، وكلما كانت هذه الموضوعات الإسلاميّة ذات صلة وثيقة بالفترة الأولى من حياة الإسلام، كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقليّة الاستشراقيّة الحديثة!
وقد ذكرت (عنصر الروحيّة الغيبيّهَ) على وجه الخصوص؛ لأنه أظهر ما يبدو فيه هذا النقص في الطبيعة عند هؤلاء، وفيه تكمن معظم أوجه الاختلاف بين الطبيعتين، وهي شتى، وكثيرة!
هذه المقدمة لا بد منها لبيان ما في تناول هؤلاء للسيرة النبويّة من:
- نقص طبيعيّ في الإدراك والتقدير!
- ونقص طبيعيّ في الفهم والتعبير!
- ونقص طبيعيّ في التفسير والتصوير!
ذلك أن انعدام عنصر من عناصر الاستجابة للحادثة أو ضعفه لا بد أن يقابله نقص في القدرة على النظر إلى الحادثة من شتى جوانبها .. وضياع عنصر من عناصر التقويم والحكم أمر لا يؤمن معه سلامة الحكم، أو على الأقل لا يسلم على علاته!
هذا النقص يعدّ عيبًا في منهج العمل ذاته، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة، أو تصوير حالة!
[ ١ / ١٦٨ ]
ومن ثم فالمنهج التبشيري الاستشراقي في البحث في السيرة النبويّة يسبّب تعطيل أحد عناصر الاستجابة، سواء كان ناشئًا عن الطبيعة الغربيّة ذاتها وملابسات حياتها البيئيّة والتاريخيّة، أم ناشئًا عن تعمد المؤرخ تعطيل هذا العنصر، استجابة لمنهج معيّن في الدراسة .. هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلاميّة، ويتجلى عدم الصلاحية أوضح وأقوى في جانب الدراسات التي تتعلق بالرسالة والرسول - ﷺ -!
وثمة سبب معيب في قيمة الدراسات التاريخية عند هؤلاء للحياة الإسلاميّة!
ذلك، أنه لا يخفى أن كل مرئي يختلف شكله باختلاف زاوية الرؤية، وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع!
والأوروبيّ بطبيعة الحال ميّال إلى اعتبار أوروبّا هي محور العالم، فهي نقطة الرصد في نظره، ومن هذه الزاوية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث!
وإذا كان بدهيًا أن أوروبّا لم تكن هي محور العالم في كل عصور التاريخ، والأوروبيّ لا يملك اليوم أن يتخلّص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر إلى الماضي .. أدركنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأوروبيّ للحياة الإسلاميّة، وبخاصة السيرة النبويّة .. ومدى أخطاء الرؤية .. ومدى أخطاء التفسير والأحكام الناشئة من هذه الرؤية المعيّنة!
ذلك كله على افتراض النزاهة العلميّة المطلقة، وانتفاء الأسباب التي تؤثّر على هذه النزاهة!
فإذا نحن وضعنا في الحساب ما لا بدّ من وضعه، وما لا يمكن إغفاله من
[ ١ / ١٦٩ ]
أسباب ملحّة قاهرة عميقة، طويلة الأجل، متجدّدة البواعث، تؤثّر في نظرة الأوروييّ، للرسالة والرسول، وللحياة الإسلاميّة، وللعالم الإسلامي:
- من اختلاف في العقيدة!
- إلى كراهية للرسالة والرسول!
- إلى ذكريات تاريخيّة مريرة!
- إلى صراع سياسي واقتصادي واستعماري!
- إلى نزوات شخصيّة والتواءات فكريّة!
- إلى آخر تلك البواعث القديمة والمتجددة أبدًا!
إذا نحن وضعنا في الحساب ذلك كله -ولابد أن نضعه لنضع الأمور في نصابها- وأضفنا إليه خطأ الرؤية .. أمكن أن نتعرف حقيقة الدراسات التبشيريّة الاستشراقيّة في الفكر الإسلامي -وبخاصة في السيرة النبويّة- وأن نتحرز التحرز العلمي الواجب .. لا من قبول هذه الدراسات على علاتها فحسب؛ بل من قبول المنهج الذي قامت عليه، ومحاولة اتباعه في دراستنا الإسلاميّة على وجه خاص!
٢ - تطوّر الموقف الغربي:
(وبدأ الموقف الغربي من الرسالة والرسول - ﷺ - يتشكل في إطار ديني صرف، مترع بالتعصب والتشنج والانفعال، مليء بالحقد والغضب والكراهية، تحيطه جهالة عمياء، متعمدة أحيانًا وغير متعمدة أحيانًا -كما يقول الدكتور عماد الدين خليل- (١) جعلت بين القوم وشخصيّة رسولنا - ﷺ - سدًا
_________________
(١) المستشرقون والسيرة النبويّة: دكتور عماد الدين خليل: ١٥ وما بعدها بتصرف، ط. دار الثقافة، الدوحة ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.
[ ١ / ١٧٠ ]
يصعب اختراقه، والنتيجة ليست أبحاثًا تاريخية علميّة أو موضوعيّة بحال!، إنما ذلك السيل المنهمر من الشتائم والسباب، مارسها رجال دين من قلب الكنيسة النصرانيّة باتجاهاتها المختلفة!، ومارسها رجال علمانيّون لا علاقة لهم بالكنيسة من قريب أو بعيد، وقد استمر هذا التيّار حتى العصر الراهن)!
وذكر من أقوالهم ما يدل على ذلك!
ثم قال: (وقد كان للنتائج التي تمخضّت عنها الحروب الصليبيّة طعم مرّ في حلوق الغربيين ما ذاقوه أبدًا!، وإن ليوبولد فايس (محمد أسد) يتحدث عن التجربة التي استحالت معضلة في مناهجهم يصعب تجاوزها فيقول:
(فيما يتعلق بالإسلام، فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلّل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلميّة، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أورويّا والعالم الإسلامي (منذ الحروب الصليبيّة) غير معقود فوقه جسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءًا أساسيًّا من التفكير الأوروبّي، والواقع أن المستشرقن الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى، يعملون في البلاد الإسلاميّة، وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها من تعاليم الإسلام وتاريخه مدبّرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيّين من الوثنيّين، غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر)!
ثم قال: (أما تحامل المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة، وخاصة طبيعية تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبيّة، بكل ما لها من ذيول، في عقول الأوروبيّين) (١)!
_________________
(١) المرجع السابق، وانظر: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي: دكتور محمد البهي: ٥٠٧ - ٥٢١، والإسلام على مفترق الطرق: محمد أسد: ٦٠ وما بعدها.
[ ١ / ١٧١ ]
٣ - أخطاء منهجيّة:
ونستطيع أن نضع أيدينا على عدد من الأخطاء والثغرات المنهجيّة لهذه البحوث الاستشراقيّة .. ونشير هنا بالتحديد إلى ثلاث من هذه الثغرات (١):
الأولى: المبالغة في الشك، والافتراض، والنفي الكيفي، واعتماد الضعيف الشاذ!
الثانية: إسقاط الرؤية الوضعيّة، العلمانيّة، والتأثيرات البيئيّة المعاصرِ؛ على الوقائع التاريخيّة!
الثالثة: رد معطيات السيرة إلى أصول نصرانيّة أو يهوديّة!
٤ - المذهب الذاتي:
وفي القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه، إلى جانب الطريقة الموضوعيّة، أو ما يسمونه بالمذهب العلمي، وقد تلاقى معظم هذه المذاهب -كما يقول الدكتور البوطي (٢) - فيما أطلق عليه اسم (المذهب الذاتي)، ويعد (فرويد) من أكبر الدعاة إليه، والمتحمسين له!
ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتيّة، أو اتجاهه الفكري أو المديني أو السياسي في تفسير الأحداث وتعليلها، والحكم على أبطالها!، بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ، لا مجرد وصف الأخبار، وتجميع الوقائع العارية!
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في المرجع السابق: ١٩ وما بعدها، وانظر دخل التفكير وسوء التقدير في: دائرة المعارف الإسلامية: ١٢: ٤٤ أو ما بعدها.
(٢) فقه السيرة: دكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ٢٣ وما بعدها بتصرف، دار الفكر، ط. سابعة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
[ ١ / ١٧٢ ]
ونحن وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخيّة ونقدها، فإن علينا ألا نخفي أسفنا أن يجد هذا المذهب -في عصر العلم والاعتزاز به وبمنهجيّته- دعاة إليه، ومؤمنين به، ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمن في هيكله القدسي القديم الماثل أمام الأجيال، بفعل أخيلة التوسم، وشهوة الذات، وعصبيّة النفس والهوى، وكم من حقيقة مسخت، وأحداث نكّست، وأمجاد دثرت، وبرآء ظلموا، تحت سلطان هذه المحكمة الوهميّة الجائرة!
فهل كان لهذا المذهب الجديد تأثير على كتابة السيرة وطريقة تحليلها؟
٥ - مدرسة جديدة:
الحقيقة أن هذا المذهب الجديد في كتابة التاريخ قد أصبح أساسًا لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبويّة وفهمها عند طائفة من الباحثين، فكيف نشأت هذه المدرسة؟ وما عوامل نشأتها؟ وما مصيرها اليوم؟
تعود نشأة هذه المدرسة إلى أيام الاحتلال البريطاني لمصر، حيث كانت آنذاك منبر العالم الإسلامي كما نعلم، يعنو إليه بتفكيره وعقله كلما أراد أن يعلم عن الإسلام علمًا، كما يعنو إلى كعبة الله بوجهه كلما أراد حجًا أو صلاة!
وكان في استمرار هذا الصوت العظيم من جانب، وفي استمرار إنصات العالم الإسلامي إليه من جانب آخر، ما لا يدع للاحتلال البريطاني فرصة هدوء واستقرار .. ومهما أخضعت بريطانيا لنفسها الوادي كله تحت سلطان من قوة الحديد والنار، فإنه خضوع موقوف لا يُطمأن إليه، ما بقيت للأزهر الشريف هذه القيادة الحيّة!
[ ١ / ١٧٣ ]
وكان الاعتماد على نقطة ضعف أليمة، كانت تعاني منها مشاعر الأمة الإِسلاميّة عامة، بما فيها مصر وغيرها، وهي إحساس المسلمين بما انتابهم من الضعف والتخلف والشتات، إلى جانب ملاحظتهم للنهضة العجيبة التي نهضها الغرب في شتى المجالات الفكريّة والعلميّة والحضاريّة!
وقد كان المسلمون يتطلعون -ولا ريب- إلى اليوم الذي يتحرّرون فيه من الأثقال التي خلفتهم إلى الوراء، ليشتركوا مع الآخرين في رحلة الحضارة والمدنية والعلم الحديث!
من هذا السبيل تسلّل الهمس، بل الكيد الاستعماري إلى صدور بعض من قادة الفكر، ولقد كان مؤدى هذا الهمس أن الغرب لم يتحرر من أغلاله، إلا يوم أخضع الدّين لمقاييس العلم! فالدّين شيء، والعلم شيء آخر، ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني! وإذا كان العالم الإسلامي حريصًا حقًّا على مثل هذا التحرر فلا مناص له من أن يسلك الطريق ذاته، وأن يفهم الإسلام هنا كما فهم الغرب النصرانية هناك، ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيّات التي لا تفهم، ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث!
وسرعان ما خضع لهذا الهمس أولئك الذين انبهرت أبصارهم بمظاهر النهضة الأوروبيّة الحديثة، ممن لم تترسّخ حقائق الإيمان بالله في قلوبهم، ولا تجلت حقائق العلم الحديث وضوابطه في عقولهم، فتنادوا فيما بينهم إلى التحرّر من كل عقيدة غيبيّة لم تصل إليها اكتشافات العلم الحديث، ولم تدخل تحت سلطان التجربة والمشاهدة الإنسانيّة!
فكان أن قاموا بما عرف بعد باسم الإصلاح المديني، واقتضى منهم ذلك أمورًا عديدة، منها تطوير كتابة السيرة وفهمها، واعتماد منهج جديد في
[ ١ / ١٧٤ ]
تحليلها، يتّفق وما استهدفوه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيّات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول!
ولقد كان لهم في الطريقة الذاتيّة في كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه، وبدأت تظهر كتب في السيرة النبويّة، تستبدل بميزان الرواية والسند وقواعد التحديث وشروطه طريقة الاستنتاج الشخصي، وميزان الرضا النفسي، ومنهج التوسّم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلف!
وقد ظهرت كتابات متفرّقة في الصحف المصريّة تحت عنوان (حياة محمد) في ملاحق السياسة عام ١٩٣٢ م على أنها ترجمة لكتاب (إميل درمنجم) تلخيص وتعليق الدكتور (محمد حسين هيكل)!
ثم ظهرت فصول (على هامش السيرة) في الأعداد الأولى من مجلة الرسالة عام ١٩٣٣ م، للدكتور (طه حسين)!
وظهرت فصول (عبقريّة محمد) عام ١٩٤٢ م بعد أن اشتعلت الحرب العالميّة الثانية بعامين، للأستاذ (عباس العقاد)!
وكان الكتّاب الثلاثة في ذلك الوقت من المعروفين في مجال الدراسات الأدبيّة والسياسيّة بأنهم عصريّون، قليلو الاهتمام بالدراسات الإسلاميّة، في الوقت الذي كانت جريدة السياسة تحمل حملات ضخمة على الإسلام، وتؤازر الغزو الثقافي!
بل لقد حمل (العقاد) حملة ضارية على الكتب الإسلاميّة التي صدرت عام ١٩٣٥ م في جريدة (روز اليوسف) وعدّها ظاهرة خطيرة، وقال:
[ ١ / ١٧٥ ]
(إن هذه الكتابات بمثابة مؤامرة على القضيّة الوطنيّة) (١)!
وتردّد يومها أن الدكتور (هيكل) قد أحرز قدرًا ضخمًا من الكسب المادي من كتابه (حياة محمد) الذي سنعرض له فيما بعد!
ومن ثم أصبحت الكتابة الإسلاميّة موضع تقدير في نظر الكتاب!
غير أن أخطر ما هنالك أن (هيكل) و(علي عبد الرازق) أعلنا موقفًا خطيرًا في مجلس الشيوخ، عندما أثير النقاش في كتابات (طه حسين) ووقفا للدفاع عنه، وتبيّن أن هذه الكتابة لم تصدر عن إيمان برسالة الإسلام (دينًا ودولةً)، وإنما كانت من الأعمال السياسيّة والحزبيّة!
وإذا كانت كتب (حياة محمد)، و(على هامش السيرة)، و(العبقريّات) قد هزّت وجدان المسلم وقتها، وأحدثت نوعًا من الإعجاب والتقدير، فإن هذا كان هدفًا مقصودًا في مواجهة حركة اليقظة الإسلاميّة التي تهدف إلى تقديم الإسلام كمنهج حياة، ونظام مجتمع، بكتابات إسلامية، من أقلام لها مكانتها السياسيّة في الجماهير، لتحويل التيار نحو المفاهيم الأخرى، وهو ما يسمى (تقديم البديل) المتشابه ظاهريًّا، والمختلف جوهرًا، وهو بهذا استجابة ظاهرية للتيار الإسلامي، ومحاولة لاحتوائه!
وكان هذا هدفًا مقصودًا لفرض المفهوم الغربي على السيرة النبويّة، والتاريخ الإسلامي، وهو المفهوم البعيد عن الوحي والغيبات والمعجزات!
بيد أن هذه الظاهرة بالإعجاب بكتب هؤلاء عن السيرة النبويّة لم قدم
_________________
(١) انظر: تقديم سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: ١٩ وما بعدها، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط. أولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.
[ ١ / ١٧٦ ]
طويلًا، فقد تكشّفت خفاياها، وظهر بجلاء ووضوح أن منهج الكتابة لم يكن إسلاميًا أصيلًا، وإنما تشوبه التبعيّة لمناهج الاستشراق والتغريب!
ورأينا الدكتور (طه حسين) قد أعلن أنه استوحى (على هامش السيرة) من كتاب (جيل لومتير) عنوانه (على هامش الكتب القديمة) وقد حشد فيه كل ما استطاع من أساطير اليونان وغيرهم!
وقد صرّح في مقدمة كتابه بقوله (١):
(هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين؛ لأني لم أرد بها إلى العلم، ولم أقصد بها إلى التاريخ، وإنما هي صورة عرضت لي أثناء قراءتي للسيرة، فأثبتها مسرعًا، ثم لم أر بنشرها بأسًا، ولعلّي رأيت في نشرها شيئًا من الخير، فهي تردّ على الناس أطرافًا من الأدب القديم، قد أفلتت منهم، وامتنعت عليهم، فليس يقرأها منهم إلا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربيّ القديم، وإنك لتلتمس الذين يقرؤون كتب القدماء في السيرة، وحديث العرب قبل الإسلام، فلا تكاد تظفر بهم .. إلى أن قال:
وفي أدبنا العربي على قوته الخاصة، وما يكفل للناس من لذة ومتاع، قدرة على الوحي، وقدرة على الإلهام، فأحاديث العرب الجاهليّن وأخبارهم لم تكتب مرّة واحدة، ولم تحفظ في صورة بعينها، وإنما قصّها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف، وقل مثل ذلك في السيرة نفسها، فقد ألهمت الكتّاب والشعراء في أكثر العلوم الإسلاميّة، وفي أكثر البلاد الإسلاميّة أيضًا، فصوّروها صورًا مختلفة تتفاوت حظوظها
_________________
(١) انظر: إسلاميّات طه حسين: ١٧٣ وما بعدها، دار العلم للملايين، ط. خامسة ١٩٩١ م.
[ ١ / ١٧٧ ]
من القوّة والضعف، والجمال الفني، وقيل مثل هذا في الغزوات والفتوح .. إلى أن قال:
وأنا أعلم أن قومًا سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم مُحْدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه، وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها، وهم يشكون ويلحّون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، وجدّه في طلبها، وحرصه على قراءتها والاستماع لها، وهم يجاهدون في صرف الشعب عن هذه الأخبار والأحاديث، واستنقاذه من سلطانها الخطر المفسد للعقول.
هؤلاء سيضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء؛ لأنهم سيقرؤون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها، ومحوها من نفوس الناس.
وأحبّ أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقلّ حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي؛ فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبّب إليهم هذه الأخبار، ويرغّبهم فيها، ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس، حين تشق عليهم الحياة، وفرق عظيم بين من يتحدّث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرّها العلم، وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدّمها إلى القلب والشعوب على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفة عن بواعث الشرّ، معينة على إنفاق الوقت، واحتمال أثقال الحياة، وتكاليف العيش ..)!
[ ١ / ١٧٨ ]
ومن ثم وجدنا (على هامش السيرة) قد مهّد إلى استلهام السيرة النبويّة في الأدبي العربي الحديث شعرًا ونثرًا، وفي الحضارة الجديدة المسموعة والمرئيّة في (التليفزيون)، فيما أعدته (أمينة الصاوي)، حتى قال الدكتور (طه حسين) في رسالته إليها سنة ١٩٤٣ م:
(وأول ما أسجله لك أنك تحسنين الحوار، على نحو الأستاذ (توفيق الحكيم)، وأنك بالغة شأوًا عظيمًا، وأني أنصحك بدراسة فن التمثيل) (١)!
والأستاذ (العقاد) قد بدأ عمله بمنطق غربي محض، هو فكرة (العبقريّة) التي تناولتها كتابات الغربيّين شوطًا طويلًا عن نوع من الامتياز أو الذكاء، في مجالات (الفن)، و(الموسيقى)، و(الشعر)، و(القصة) في الغرب، وفيما يتعلّق بالسيرة النبوّية، وما كتب عن الصحابة ﵃، دون تفرقة واضحة بين النبيّ والصحابي!!
مع أن له مواقف طيبة في مواجهة الغربيين الذين يكتبون عن (الدّين القيّم) (٢)!
٦ - الإيمان بالغيب:
وإذا كانت هذه المدرسة الجديدة في كتابة السيرة قد استبدلت بقواعد التحديث رواية ودراية منهجًا يتفق وما استهدف من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيّات، فإن هذا يتعارض مع السمة الأولى من سمات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ
_________________
(١) انظر: التفسير الإعلامي للسيرة النبويّة: ٤٤٠ دار الجيل، بيروت، ط. أولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.
(٢) انظر كتابه: ما يقال عن الإسلام: ١ وما بعدها.
[ ١ / ١٧٩ ]
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة]!
وهذه السمة هي الوحدة الشعوريّة الإيجابيّة الفعالة .. الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب (١)، والقيام بالفرائض، والإيمان بالرسل كافة، واليقين بعد ذلك بالآخرة .. هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلاميّة، وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة .. والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعًا، ولتهيمن على البشريّة جميعًا، وليعيش الناس في ظلالها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة متكاملة، شاملة للشعور والعمل، والإيمان والنظام!
ومن ثم لا تقوم حواجز الحسّ دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها، وصدر عنها الوجود .. ولا تقوم تلك الحواجز بين أرواحهم وسائر ما وراء الحسّ من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات!
والإيمان بالغيب هو العقبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيّز الصغير المحدود الذي تدركه الحواسّ -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواسّ- وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود، في إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيّز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته، ويتلقّى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ٣٩ بتصرف.
[ ١ / ١٨٠ ]
من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود .. وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها - وجوده .. تلك التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول!
وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدّد والتمزّق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئًا أن تنفق فيه!
إن الطاقة التي وهبها الإنسان، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة، تنظر فيها، وتتعمّقها وتتقصّاها، وتعمل وتنتج، وتنمّي هذه الحياة وتجمّلها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحيّة التي تتصل مباشرة بالوجود كله، وخالق الوجود، وعلى أن تدع لما لا يدرك حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول!
فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدّد الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها دون سند من الروح الملهم والبصيرة الفتوحة، وترك حصة للغيب لا تدركها العقول!
فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولًا، ومحاولة عابثة أخيرًا!
فاشلة؛ لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال!
وعابثة؛ لأنها تبدّد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال!
ومتى سلم العقل البشري بالبديهة العقليّة الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق، لزمه -احترامًا لمنطقه ذاته- أن يسلّم بأن إدراكه للمطلق مستحيل، وأن عدم إدراكه لما لا يدرك لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون، وأن عليه أن
[ ١ / ١٨١ ]
يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم في شأنه من العلم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة!
وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلّى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين!
٧ - السيرة المحمديّة تحت ضوء العلم والفلسفة:
ومع أن الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيميّة، فإن جماعة الماديين في هذا الزمان كجماعة الماديّين في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى، إلى عالم البهيميّة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا (تقدميّة)!
وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إيّاها، فجعل صفتهم الأولى المميّزة صفة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾!
والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين!
ومن ثم بدأت تظهر كتابات في السيرة النبويّة، يستبعد أصحابها كل ما يدخل في باب المعجزات والخوارق -وهو من المصادر عند المسلمين-كما أسلفنا- وأخذوا يرجون للرسول - ﷺ - صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها!
وانطلق (محمد فريد وجدي) ينشر سلسلة مقالاته في مجلة (نور الإسلام) في مصر تحت عنوان: (السيرة المحمديّة تحت ضوء العلم والفلسفة)، داعيًا إلى فهم الإسلام والسيرة النبويّة عن هذا الطريق .. طريق ألا يستسلم العقل للغيبيات ولا للخوارق والمعجزات!
[ ١ / ١٨٢ ]
٨ - (حياة محمد) للدكتور هيكل:
ولقد كان كتاب (حياة محمد) للدكتور محمد حسين هيكل -كما أسلفنا- التجربة الرائدة في هذا المضمار، أعلن فيه أنه لا يريد أن يفهم حياة الرسول - ﷺ - إلا على هذه الطريقة الحديثة، حيث قال (١):
(إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة، وكتب الحديث، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها .. وإنني أفعل ذلك؛ لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين .. وما كان لي -وذلك شأني- أن أتقيّد بنهج الكتب القديمة وأساليبها .. وإن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينيّة تعبديّة، على حين يتقيّد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي والنقد العلمي .. لكني رأيت من الخير أن أنبسط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكّرين من أئمة المسلمين فيما مضى، وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقّق، إلى عدم الأخذ جزافًا بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب الحديث، وإلى التقيّد بقواعد النقد العلمي تقيّدًا يعصم من الزلل)!
٩ - المقياس الصحيح للحديث عنده حديث موضوع:
وقال (٢): (وعندنا أن خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذُكرت عن النبي، ما روى عنه ﵇ أنه قال: "إِنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني")!
_________________
(١) حياة محمد: الدكتور محمد حسين هيكل: ٤٧ وما بعدها بتصرف، ط ١٣٠ مكتبة النهضة المصرية.
(٢) المرجع السابق: ٥٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
قال: (وهذا مقياس دقيق، أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى، وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر)!
قلت: هذا المقياس الصحيح عنده حديث موضوع، وليس مقياسًا دقيقًا كما زعم، ولم يأخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى!
ولم يأخذ به المفكّرون الذين يعتدّ بفكرهم، ولكن أخذ به أعداء السنة، والذين طعنوا في الأحاديث الصحيحة! وتابعوا المستشرقين في ذلك (١)!
وحسبنا أن نذكر -بإيجاز- أن هذا الحديث الموضوع قد ورد بعدة روايات لا يصلح شيء منها للاحتجاج والاستشهاد، وقد جمع ابن حزم في (الأحكام) (٢) بعض ألفاظ هذا الحديث وأبان عن عللها!
وجاء في (عون المعبود) (٣): (إنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة، ونقل الفتني في (تذكرة الموضوعات) (٤) عن الخطابي أيضًا: وضعته الزنادقة، وقد سئل الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طرق لا تخلو عن مقال، وقد جمع طرقه البيهقي في كتابه (المدخل)، وقال الصغاني: هو حديث موضوع) (٥)!
_________________
(١) انظر: أضواء على السنة: محمود أبو رية: ٩٩ دار المعارف بمصر، ط. ثالثة.
(٢) الأحكام في أصول الأحكام: ابن حزم: ٢: ٧٦ وما بعدها. السعادة، ط. أولى ١٣٤٥ هـ، وإن تعجب فعجب أن يذكر الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور - ﵀ - أن هذا الحديث رواه البخاري: انظر: (مناهج الاجتهاد في الإسلام في الأحكام الفقهية والعقائد): ١٢٢ ط. جامعة الكويت ١٣٩٣ هـ.
(٣) عون المعبود: ١٢: ٣٥٦.
(٤) تذكرة الموضوعات: ٢٨.
(٥) المقاصد الحسنة: ١: ٨٣، وكشف الخفاء: ١: ٨٩ - ٩٠، وانظر: الرسالة: ٢٢٤: =
[ ١ / ١٨٤ ]
١٠ - موقفه من حديث شق الصدر:
وقال في حديث شق الصدر:
(في هذه الفترة، وقبل أن يبلغ الثالثة، تقع الرواية التي يقصّونها، من أنه كان مع أخيه الطفل في سنّه في بَهم لأهله خلف بيوتهم، إذ عاد أخوه الطفل السعدي يعدو ويقول لأبيه وأمه: ذلك أخي القرشي قد أخذه رجلان، عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقّا بطنه، فهما يسوطانه، ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها:
فخرجت أنا وأبوه، فوجدناه قائمًا ممتقعًا وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بني؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني فشقّا بطني، فالتمسا منه شيئًا لم أدر ما هو)!
ورجعت حليمة ورجع أبوه إلى خبائهما، وخشي الرجل أن يكون الغلام قد أصابه الجن، فاحتملاه إلى أمه بمكة!
ويروي ابن إسحاق في هذه الواقعة حديثًا عن النبي بعد بعثه، لكن ابن إسحاق يحتاط بعد أن يقصّ القصّة، ويذكر أن السبب في رده إلى أمه لم يكن حكايته الملكين، وإنما كان على ما روته حليمة لآمنة، أن نفرًا من نصارى الحبشة رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه، ثم قالوا: لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا الغلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره، ولم تكد حليمة تنفلت به منهم، وكذلك يرويها
_________________
(١) = ٦١٧ - ٦١٩، ومجمع الزوائد: ١: ١٧٠، ولسان الميزان: ١: ٤٥٥، وإرشاد الفحول: ٢٩، والموافقات: ٤: ١٧ - ١٩، والمنهج الحديث في علوم الحديث: ٤٧ - ٩٨: أستاذنا الدكتور محمد السماحي - ﵀ -: القاهرة ١٣٨٢ هـ.
[ ١ / ١٨٥ ]
الطبري، لكنه يحيطها بالريبة؛ إذ لم يذكرها في هذه السنة من حياة محمد، ثم يعود فيذكر أنها وقعت قبيل البعث وسنه أربعون سنة!
وقال: لا يطمئن المستشرقون، ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه، ويرونها ضعيفة السند، فالذي رأى الرجلين في رواية كتاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلًا، وكذلك كانت سن محمد يومئذ، والروايات تجتمع على أن محمدًا أقام ببني سعد إلى الخامسة من عمره، فلو كان هذا الحادث قد وقع وسنّه سنتان ونصف السنة، ورجعت حليمة وزوجها إذ ذاك إلى أمه، لكان في الروايتين تناقض غير مقبول!
ولذلك يرى بعض الكتاب أنه عاد مع حليمة مرة ثالثة، ولا يرضى المستشرق (سير وليم موير) أن يشير إلى قصة الرجلين في ثيابهما البيضاء، ويذكر أنه إن كانت حليمة وزوجها قد نَبها لشيء أصاب الطفل فلعله نوبة عصبية أصابته، ولم يكن لها أن تؤذي صحته لحسن تكوينه، ولعل آخرين يقولون: إنه لم يكن في حاجة إلى من يشق بطنه أو صدره، ما دام الله قد أعده يوم خلقه لتلقي رسالته!
ويرى (درمنجمِ) أن هذه القصة لا تستند إلى شيء، غير ما يفهم من ظاهر الآيات: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح]!
وأن ما يشير القرآن إليه إنما هو عمل روحي بحت، الغاية منه تطهير هذا القلب وتنظيفه، ليتلقى الرسالة القدسيّة خالصًا، ويؤدّيها مخلصًا تمام الإخلاص، محتملًا عبء الرسالة المضني!
وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكّرين من المسلمين إلى هذا الموقف من
[ ١ / ١٨٦ ]
ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانيّة سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق، وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندًا حين ينكرون من حياة محمد النبي العربي كل ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متّفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله، وأن سنة الله لن تجد لها تبديلًا، غير متفق مع تعيير القرآن المشركين أنهم لا يفقهون أن ليست لهم قلوب يعقلون بها) (١)!
١١ - وجوب التسليم بحديث شقّ الصدر:
ونجد أنفسنا أمام ضرورة وجوب التسليم بحديث شقّ الصدر، فقد روى مسلم وغيره عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طمست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إِلى أمّه (يعني ظئره) فقالوا: إِن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (٢)!
_________________
(١) حياة محمد: ١١٠ - ١١٢.
(٢) مسلم: ١ - الإيمان (١٦١)، وأحمد: ٣: ١٢١، ١٤٩، ٢٨٨، وأبو يعلى (٣٣٧٤)، وأبو نعيم: دلائل النبوة (١٦٨)، والبغوي: شرح السنة (٣٧٠٨)، والبيهقي: دلائل النبوة: ٢: ٥، والحاكم: ٢: ٥٢٨ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أخرجه مسلم، والأصبهاني: دلائل النبوة: ١: ٢٥١ - ٢٥٣، وعبد بن حميد (١٣٠٨)، وأبو عوانة: ١: ١٢٥، وابن حبان: الإحسان (٦٣٣٤، ٦٣٣٦)، وابن عساكر: السيرة النبويّة: ٣٧٠، ٣٧١، وابن خزيمة: التوحيد: ١: ٥٢١ - ٥٢٨، والدارمي: الرد على الجهميّة: ٣٤، والنسائي: الكبرى (٣١٤)، والآجري: الشريعة: ٤٨١ - ٤٨٢.
[ ١ / ١٨٧ ]
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة في حديث الإِسراء والمعراج: فأتيت بطست من ذهب ملآن حكمة وإِيمانًا، فشق من النحر إِلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإِيمانًا .. (الحديث) (١)!
قال ابن حجر: استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر -أيضًا- عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ولكل منهما حكمة!
فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس: (فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك)، وكان هذا في زمن الطفولة، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث، زيادة في إكرامه؛ ليتلقّى من ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهّب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرّة الثالثة، كما تقرر في شرعه - ﷺ -!
وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك، من الأمور
_________________
(١) البخاري: ٥٩ - بدء الخلق (٣٢٠٧)، ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٨٧)، ومسلم: ١ - الإيمان (١٦٤)، وأحمد: ٤: ٢٠٧ وما بعدها، والفتح الرباني: ٢٠: ٢٤٤ وما بعدها، والنسائي: ١: ٢١٧ - ٢١٨، ابن حبان: الإحسان (٧٤٠٦)، والترمذي مختصرًا (٣٣٤٦)، وابن قانع: معجم الصحابة: ٣: ٥٢، والطبراني: الكبير: ١٩: ٢٧٠ (٥٩٩)، وانظر: تحفة الأشراف: ٨: ٣٤٦ (١١٢٠٢).
[ ١ / ١٨٨ ]
الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك!
قال القرطبي في (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير (١)!
وبهذا تتهافت تلك الدعاوى واحدة بعد الأخرى في إنكار حديث شق الصدر!
١٢ - حديث آخر موضوع:
وننتقل سراعًا إلى ما أورده في كتابه هذا عن زهد الرسول - ﷺ - في الطعام واللباس، والأساس الذي وضعه للحضارة، حيث قال:
(الأساس الذي وضعه محمد للحضارة الجديدة التي يقيمها، يتلخص بصورة واضحة، فيما روي عن علي بن أبي طالب، أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن سنته، فقال (٢): "المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عين في الصلاة"!
قال الشوكاني: ذكره القاضي عياض، وآثار الوضع عليه لائحة (٣)!
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ٢٤٤ - ٢٤٥ دار الريان للتراث، ط. ثانية ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م، وانظر: الروض الأنف: ١: ١٨٩ - ١٩٠، وشرح الزرقاني: ١: ١٥٣ - ١٥٤.
(٢) حياة محمد: ٢٣٣.
(٣) الفوائد المجموعة: الشوكاني: ٣٢٦ - ٣٢٧ تحقيق عبد الرحمن اليماني، السنة المحمديّة، وانظر: الشفا: ١: ١٣٦ ط. الآستانة: ١٣١٢.
[ ١ / ١٨٩ ]
وسئل عنه ابن حجر في فتاويه فقال: لا أصل له (١)!
١٣ - الإسراء ووحدة الوجود:
وقال في حكمة الإسراء:
(ولنا في حكمة الإسراء رأي نبديه! ولسنا ندري أسُبقنا إليه أم لم نُسبق!
وسرد تصوير المستشرق (درمنجم) ثم قال: وأنت تقع على ما قصه منثورًا في كتب السيرة، وإن كنت تجد فيها خلافًا بزيادة أو نقص في بعض نواحيها ..) ثم قال: وهنا موضوع الرأي الذي نريد أن نبديه، ولا ندري أسُبقنا إليه أم لم نُسبق، ففي الإسراء والمعراج في حياة محمد الروحيّة معنى سَامٍ غاية السُمو، معنى أكبر من هذا الذي يصوّرون، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمة الخصب حظ غير قليل، فهذا الروح القوي قد اجتمعت فيه ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها، لم يقف أمام ذهن محمد وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيًّا محدودًا بحدود قوانا المحسّة والمدبرة والعاقلة، تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد، واجتمع الكون كله في روحه، فوعاه منذ أزله إلى أبده، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها، وتغلبها على الشر والنقص والقبح والباطل، بفضل من الله ومغفرة!
وليس بمستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانيّة، فإذا جاء بعد ذلك ممن اتبعوا محمدًا من عجز عن متابعته في سمو فكرته، وقوة
_________________
(١) انظر: إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين: ٩: ٦٨٤.
[ ١ / ١٩٠ ]
إحاطته بوحدة الوجود في كماله، وفي جهاده لبلوغ هذا الكمال فلا عجيب في ذلك ولا عيب فيه) (١)!
١٤ - بطلان فكرة وحدة الوجود:
وفكرة وحدة الوجود، كما يقول أستاذنا الدكتور محمد أبو شهبة -﵀- (٢) فكرة خاطئة وافدة إلى الإسلام فيما وفد إليه من آراء فاسدة، وهي من مخلفات الفلسفات القديمة، وقد انتصر لها وتشيّع بعض المتصوفة الذين ينتسبون إلى الإسلام، وكتبوا فيها، فكان عاقبتهم الإلحاد في الله وصفاته!
وقد أبان بطلانها كثير من علماء الأمة الراسخين في العلم، المتثبتين في العقيدة، والقول بها يؤدي إلى قول بالطبيعة، وقدم العالم، وإنكار الألوهيّة، وهدم الشرائع السماويّة التي قامت على أساس التفرقة بين الخالق والخلوق، وبين وجود الرب ووجود العبد، وتكليف الخالق للخلق بما يحقق لهم السعادة!
ومقتضى هذا المذهب أن الوجود واحد، فليس هناك خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، ولا قديم ولا حديث!
وعابدو الأصنام والكواكب والحيوانات حين عبدوها إنما عبدوا الحق؛ لأن وجودها وجود الحق، إلى آخر خرافاتهم التي ضلّوا بسببها، وأضلّوا غيرهم، والتي أشرف بالمسلمين، وجعلتهم شيعًا وأحزابًا!
ولقد بلغ من بعضهم أنه قال: إن النصارى ضلّوا؛ لأنهم اقتصروا على عبادة ثلاثة، ولو أنهم عبدوا الوجود كله لكانوا راشدين، وقال بعض المعتنقين لهذه الفكرة الفاسدة:
_________________
(١) انظر: حياة محمد: ١٨٩ - ١٩٤.
(٢) الإسراء والمعراج: ٤٤ وما بعدها بتصرف. ط. أولى دار الطباعة المحمدية.
[ ١ / ١٩١ ]
العبد حق والرب حق يا ليت شعري من المكلف؟
إِن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف؟
قال العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني بعد أن ذكر الفناء المحمود، والفناء المذموم (١):
(ولهذا لمَّا سلك ابن عربي، وابن سبعين، وغيرهما، هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك (الفناء عن وجود السوي) فجعلوا الموجود واحدًا، ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق، وحقيقة الفناء عندهم ألا يرى إلا الحق، وهو الرائي والمرئي، والعابد والمعبود، والذاكر والمذكور، والناكح والمنكوح، والآمر الخالق هو الآمر المخلوق، وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم، وعباد الأصنام ما عبدوا غيره، وما ثم موجود مغاير له البتة عندهم، وهذا منتهى سلوك هؤلاء الملحدين .. !
وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون: إن فرعون أكمل من موسى، وإن فرعون صادق في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؛ لأن الوجود فاضل ومفضول، والفاضل يستحق أن يكون ربّ المفضول، ومنهم من يقول: مات مؤمنًا، وإن تغريقه كان ليغتسل غسل الإسلام)!
وهكذا نرى أن هذه العقيدة الزائفة تصادم نصوص الدين القطعيّة، ولا
_________________
(١) نقلًا عن: الرد على المنطقيين، ٥٢١ ط. الهند.
[ ١ / ١٩٢ ]
توافق شيئًا من الكتاب والسنة النبويّة، وأن العقيدة الإسلاميّة السمحة براء من مذهب وحدة الوجود (١)!
وتفسير الإسراء والمعراج بهذه الفكرة يقتضي إنكارهما، على حسب ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة المشهورة، فليس هناك إسراء حقيقة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بذات النبي - ﷺ -، وليس هناك عروج بالنبي - ﷺ - من بيت المقدس إلى السموات السبع، ولا صلاة بالأنبياء، ولا لقاء ولا تسليم، ولا تكليم!
وما الداعي إلى ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي - ﷺ -، كما قال صاحب هذا الرأي، فالمسجد الحرام والأقصى في روحه، والسموات وما فيهن في روحه!
ثم ما الداعي إلى كل هذا التكليف والإغراب من الدكتور هيكل -﵀- في فهم نصوص صريحة جاءت بلسان عربي مبين؟!
والإسراء والمعراج كما جاء بهما القرآن والأحاديث الصحيحة -كما سيأتي- أقرب منالًا، وأشد استساغة لعقول الناس مما ذهب إليه!
ولو جلست زمانًا لتفهم رجلًا أميًّا أو متعلمًا بالإسراء والمعراج، على ما رأى الدكتور هيكل، ما أنت بمستطيع إفهامه هذه الألغاز والطلاسم، التي حاول بها إحداث رأي جديد، لا يدري سُبق إليه أم لا؟!
وهل تصوير الإسراء والمعراج بهذا التصوير إلا إشكال على عقول الكثرة من
_________________
(١) انظر كتابنا: (دفاع عن الحديث القدسي: "من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب" في ضوء أصول التحديث رواية ودراية، ورد الشبهات ودحض المفتريات) ففيه مزيد بيان!
[ ١ / ١٩٣ ]
الناس، ومخاطبة لهم بما لا تبلغه عقولهم ومداركهم، وقد أمرنا أن نحدث الناس بما يعقلون، وأن ندع ما ينكرون، وفي الحكم الذهبية عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁؛ ما أنت بمحدث قوم حديثًا لا تبلغه عقولهم إِلا كان فتنة لبعضهم!
الحق أن الإغراب على القراء بمثل هذه الأفكار المسمومة تشكيك لهم في عقائدهم الصحيحة، وتسميم لعقولهم بالآراء الزائفة، والحق أبلج وأوضح، لا يحتاج إلى تكلف وتعمل وتفلسف من غير داع!
١٥ - إيجابيّات:
هذا، ومع أن الدكتور هيكل كتب هذه الأفكار تحت عنوان: (حياة محمد) الذي قلّد فيه المستشرقين -كما أسلفنا- حتى صار تقليده لهم في الاسم والمسمى، فإنه لا يخلو من الجابيّات، في مناقشة المستشرقين بمنطقهم في كثير مما ذهبوا إليه، مثل أسباب خطأ المستشرقين (١)، وفرية الصرع (٢)، والطعن في عجز محمد عن الطعن في رسالته (٣)، وتهافت حديث الغرانيق (٤)، والمسيحية والقتال (٥)، وصيحة المستشرقين في مسألة زينب بنت جحش (٦)، والمستشرقين والحضارة الإسلاميّة (٧)!
_________________
(١) انظر: ٢٨.
(٢) انظر: ٤٠.
(٣) انظر: ٤٣.
(٤) انظر: ١٦١.
(٥) انظر: ٢٥٣.
(٦) انظر: ٣١٥.
(٧) انظر: ٥٤٩.
[ ١ / ١٩٤ ]
١٦ - مصير هذه المدرسة اليوم:
وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة، في اتباع المذهب الذاتي في كتابة التاريخ، الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل ما لا يعجبهم من حقائق السيرة النبويّة، مهما جاءت مدعمة بدلائل العلم واليقين، متخذين من ميولهم النفسيّة، ورغباتهم الشخصيّة، وأهدافهم البعيدة، حاكمًا مطلقًا على حقائق التاريخ، وتحليل ما وراءه من العوامل، وحكمًا مطلقًا لقبول ما ينبغي قبوله، ورفض ما يجب رفضه (١)!
وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت عن هذا الطريق، تصير النبوة في حياة الرسول - ﷺ - وإيمان الصحابة -﵃- وعموم الفتح الإسلامي، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضد يمين، أثارتها النوازع الاقتصاديّة، انتجاعًا للرزق، وطلبًا للتوسع، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع!
كانت هذه الطريقة في دراسة السيرة خصوصًا، والتاريخ الإسلامي عمومًا، مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين، وصادفت هوى وقبولًا عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء!
لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شؤون العقيدة الإسلاميّة، إنما استهدف في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها!
وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة، تحيله أثرًا بعد عين؛ ذلك لأن الوحي الإلهي -وهو ينبوع الإسلام
_________________
(١) فقه السيرة: الدكتور البوطي: ٢٦ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ١٩٥ ]
ومصدره- يعدّ قمة الخوارق والحقائق الغيبيّة كلها، ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما جاء في السنّة النبويّة من خوارق العادات، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب، والجنة أو النار، بالحجّة الطبيعيّة ذاتها!
كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه، أو إصلاح يغيّر من جوهره!
غاب عن هؤلاء الناس لعذا كله، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم، لو كانوا يتمتّعون بحقيقته، وينسجمون مع منطقيّته، ولكن عيونهم غشيت في غمرة انبهارها بالنهضة الأوروبيّة الحديثة، وما قد حف بها من شعارات العلم وألفاظه، فلم تبصر من حقائق المنطق والعلم إلا عناوينها وشعاراتها، وقد كانوا في أمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين، وإلى هضم صحيح لمضمون تلك الشعارات، فلم يعد يستأثر بتفكيرهم إلا خيال نهضة (إصلاحية) تطوّر العقيدة الإسلاميّة هنا، كما تطوّرت العقيدة النصرانية هناك!
وهكذا، فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة هياجًا في النفس، أكثر من أن يكون حقيقة علميّة مدروسة استحوذت على العقل!
والحقيقة أن الاهتمام بهذه المدرسة في كتابة السيرة وفهمها، والحماسة التي ظهرت يومًا ما لدى البعض في الأخذ بها إنما كان منعطفًا تاريخيًّا .. ومرّ!
وعذر أولئك الذين كتب عليهم أن يمرّوا بذلك المنعطف أو يمرّ هو بهم، أنهم كانوا -كما أسلفنا- يفتحون أعينهم إذ ذاك على خبر النهضة العلميّة في
[ ١ / ١٩٦ ]
أوروبّا، بعد طول غفلة وإغماض، وإنه لأمر طبيعي أن تنبهر العين عند أول لقياها مع الضياء، فلا تتبيّن حقيقة الأشياء، ولا تتميّز الأشباه عن بعضها، حتى إذا مرّ وقت، واستراحت العين إلى الضياء، أخذت الأشياء تتمايز، وبدت الحقائق واضحة جليّة لا لبس فيها ولا غموض!
وهذا ما قد تم فعلًا، فقد انجابت الغاشية، وَصَفَت أسباب الرؤية السليمة أمام الأبصار .. أبصار الجيل الواعي المثقّف اليوم .. جيل الصحوة الإسلاميّة المباركة، فانطلق يتعامل مع حقيقة العلم وجوهره، بعد أولئك الذين أخذوا بألفاظه، وانخدعوا بشعاراته، ثم عادوا وقد أيقنوا ببصيرة الباحث العلم، والمفكّر الحر، بأن شيئًا مما يسمى بالخوارق والمعجزات لا يمكن أن تتنافى في جوهرها مع حقائق العلم وموازينه!
ذلك لأن الخوارق سميت كذلك لخرقها لما هو مألوف أمام الناس، وما كان للإلف أو العادة أن يكون مقياسًا علميًا لما هو ممكن وغير ممكن .. وهيهات أن يقضي العلم يومًا ما بأن كل ما استأنست إليه عين الإنسان مما هو مألوف ممكن الوقوع، وأن كل ما استوحشت منه عين الإنسان مما هو غير مألوف له غير ممكن الوقوع!
ولقد علم كل باحث ومثقّف اليوم بأن أحدث ما انتهت إليه مدارك العلماء في هذا الصدد، هو أن العلاقة التي نراها بين الأسباب ومسبّباتها، ليست إلا علاقة اقتران مطرد، اكتسبت تحليلًا، ثم تعليلًا، ثم استنبط منها القانون الذي هو تابع لظهور تلك العلاقة، وليس العكس!
فإن رحت تسأل القانون العلميّ عن رأيه في خارقة أو معجزة إلهيّة، قال لك بلسان الحال الذي يفقهه كل عالم بل كل متبصر بثقافة العصر: ليست
[ ١ / ١٩٧ ]
الخوارق والمعجزات من موضوعات بحثي واختصاصي؛ فلا حكم لي عليها بشيء، ولكن إذا وقعت خارقة من ذلك أمامي فإنها تصبح في تلك الحال موضوعًا جاهزًا للنظر والتحليل، ثم الشرح والتعليل، ثم تغطى تلك الخارقة بقانونها التابع لها!
وقد انقرض الزمن الذي كان بعض العلماء يظنون فيه أن أثر الأسباب الطبيعية في مسبباتها أمر حتمي يستعصي على التخلف والتغيير، وانتصر الحق الذي طالما نبه إليه ودافع عنه علماء المسلمين عامة، والإمام الغزالي خاصة، من أن علاقات الأسباب بمسبّباتها ليست أكثر من رابطة اقتران مجردة، وما العلم في أحكامه وقوانينه إلا جدار ينهض فوق أساس هذا الاقتران وحده، أما سرّ هذا الاقتران فهو عند الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى!
نعم، لا بد أن يشترط كل إنسان عاقل يحترم العقل والحقيقة، لقبول أي خبر، سواء تضمن أمرًا خارقًا أو مألوفًا، شرطًا واحدًا، وهو أن يصل الخبر إليه عن طريق علمي سليم ينهض على القواعد التي عرفناها، وأن سيرة الرسول - ﷺ - أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل، ومن ثم يأخذنا العجب كل مأخذ، عندما نتذكر مرة أخرى تلك الأخطاء المنهجيّة، وآثار تلك المدرسة الجديدة!
أليس هذا من أفجع الكوارث النازلة برأس العلم؟!
تلك إشارات إلى مناهج المؤلفين في السيرة النبويّة!
[ ١ / ١٩٨ ]
خصائص المنهج الصحيح في الدراسة
[ ١ / ١٩٩ ]
خصائص المنهج الصحيح في الدراسة
١ - في رحاب القرآن الكريم
٢ - الأحداث الصحيحة
٣ - فقه السيرة في تفسير الأحداث
٤ - خطوات الدعوة
٥ - عوامل البناء ومعازل الفداء
٦ - عطاء السيرة بين الماضي والحاضر
٧ - واجبنا نحو الرسول - ﷺ -
[ ١ / ٢٠٠ ]
خصائص المنهج الصحيح في الدراسة
وتفرض منهجيّة البحث أن أذكر معالم المنهج الصحيح للدراسة -كما أرى - فيما يلي:
١ - في رحاب القرآن الكريم:
سبق أن ذكرنا أن القرآن الكريم هو المصدر الأول في دراسة السيرة النبويّة، وذكرنا بعض الآيات في ذلك، ومن ثم نجد أنفسنا في أشد الحاجة إلى عرض الآيات المتعلقة بحوادث السيرة ووقائعها، وتنزيلها على حسب الوقائع والحوادث، والإفادة منها!
وحسبنا أن نشير إلى كتاب (سيرة الرسول - ﷺ -: صور مقتبسة من القرآن الكريم) للأستاذ محمد عزة دروزة - ﵀ - انطلاقًا من أن القرآن الكريم هو أصدق الكتب قاطبة، وهو أوعاها وأحفظها لما مرّ بالبشريّة من أحقاب وحوادث، خلّدها هذا الكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، وهو خير مصور لشخصيّة الرسول - ﷺ -، وليس هناك أبرّ ولا أصدق، ولا أوفى بالكلام منه؛ لأنه يشف عما كان في الشخصيّة النبويّة الكريمة من قوى ومواهب، جعلت صاحبها - ﷺ - موضع التكريم والعناية الربانيّة، وأهلًا للاصطفاء بالرسالة العلويّة؛ ولأنه يطلعنا على الناحية الرائعة حقًّا من الظروف والأدوار التي تقلّبت فيها الدعوة، حتى انتهت إلى ذلك النصر العزيز، والفتح المبين (١)!
_________________
(١) انظر مقدمة سيرة الرسول - ﷺ -: صور مقتبسة من القرآن الكريم: ٥ - ٦ ط. المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النويّة، الدوحة، محرم ١٤٠٠ هـ.
[ ١ / ٢٠١ ]
ومعلوم أن أصحاب المنهج التاريخي في السيرة النبويّة لم يعرضوا الآيات القرآنيّة في أحداث السيرة، كما عرضها الأستاذ محمد عزة دروزة!
ومن هنا رأيت ضرورة ذكر الآيات القرآنيّة التي لابد منها في المنهج الصحيح في الدراسة، لنعرف كيف تسلّم (الدّين القيّم) القيادة بعد ما ظهر الفساد، وأسنت الحياة، وتعفّنت الأفكار، وذاقت البشريّة الويلات من القيادات الضالة، ومن ثم ظهر الفساد وعم بما كسبت الأيدي!
ولنعرف أن (الدّين القيّم) تسلّم القيادة بهذا القرآن، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور، فكان ذلك مولدًا جديدًا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته!
ولنعرف أن هذا القرآن أنشأ للحياة تصوّرًا جديدًا على الوجود والحياة والقيم، كما حقق للبشريّة واقعًا اجتماعيًّا فريدًا، كان يعز على خيالها تصوره مجرّد تصور قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاءً (١)!
ولنعرف ما لهذا الواقع من النظافة والجمال، والرقي والكمال، والعظمة والجلال، والسمو والارتفاع، والبساطة واليسر، والواقعية والإيجابية، والتوازن والتناسق، بحيث لا يخطر للبشرية على بال، لولا أن الله -﷿- أراده لها، وحقّقه في حياتها!
ولنعرف كيف وقعت النكبة القاصمة، ونحّى الإسلام عن القيادة، لتتولاها الجاهليّة مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة، من التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش، واللعبة الزاهية الألوان!
_________________
(١) مقدمة في ظلال القرآن، بتصرف.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ولنعرف أن هناك عصابة من المضلّلين الخادعين أعداء البشرية، يضعون لها المنهج الإلهي في كفة، والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى، ثم يقولون لها: اختاري! إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة، وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانيّة والتخلي عن منهج الله! وهذا خداع لئيم خبيث!
فالمنهج الإلهي ليس عدوًا للإبداع الإنساني، إنما هو منشئ لهذا الإبداع وموجّه له الوجهة الصحيحة .. ذلك كي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض .. هذا المقام الذي منحه الله إياه، وأقدره عليه، ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه، وسخر له من القوانين الكونية ما يعينه على تحقيقه، ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع .. على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله، ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام، والتقيّد بشرطه في عقد الخلافة، وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق الأسوة الحسنة بالرسول - ﷺ -، ومعالم السيرة النبويّة، كما هي في القرآن، والواقع!
ولنعرف أن الحياة في رحاب الآيات المتعلقة بالسيرة النبويّة نعمة كبرى يعجز القلم عن تصويرها، ولا يعرفها إلا من فقهها وأبصرها في حياة خاتم النبيّين - ﷺ -، ومن ثم نحيا في كنف الله ورعايته، ونعمل جاهدين على أن نكون خلفًا صالحًا لسلف صالح، وتنطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتنطلق الطاقات الإنسانيّة الصالحة للعمل والبناء، وتعود إلينا سيرتنا الأولى!
٢ - الأحاديث الصحيحة:
سبق أن ذكرنا في مصادر السيرة كثرة الآثار، وأنها قد كثر فيها عدم الالنزام
[ ١ / ٢٠٣ ]
بما صح، وجاءت خلوًا من تمييز المقبول من المردود، ومن ثم لا يكتفى بذكر من روى الحديث إذا لم يكن في الصحيحين أو أحدهما؛ بل لا بد من الالنزام بقواعد التحديث رواية ودراية، ولا تذكر الروايات الضعيفة، والموضوعة! لا في مجال الرد، انطلاقًا من أن السيرة جزء من الحديث -كما أسلفنا- وأن المسلم مطالب بالتأسي بالرسول - ﷺ -، وذلك يتطلب المعرفة الصحيحة، فكيف إذا كان من أهل العلم والدعوة إلى الله؟!
وحسبنا أن نشير إلى رد بعض أقوال أهل العلم في المراد بالخشية في حديث بدء الوحي (١)، ورد بلاع التردّي من رؤوس شواهق الجبال (٢) -كما سيأتي- وما إلى ذلك مما يطول الحديث فيه ويطول!
ومن هنا كان علينا أن نلتزم قواعد التحديث رواية ودراية، وأن نحيط بها إحاطة دقيقة صحيحة، لنتعرف معالم حياة الرسول - ﷺ -!
٣ - فقه السيرة في تفسير الأحداث:
ولا نقف عند حد عرض الآيات القرآنيّة المتعلّقة بالسيرة، والأحاديث الصحيحة؛ لأن فقه السيرة لا يكون في مجرد سردها، وإنما يكون في تفسيرها للأحداث، والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفيّة التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيّات، ممتده مع الزمن والبيئة، امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان!
ومن ثم يعيش المسلم بعقله وروحه، ونفسه وحسّه، وشعوره وإدراكه،
_________________
(١) انظر: كتابنا: (حديث بدء الوحي في الميزان): ٥٥ وما بعدها، مكتبة المنار الإسلاميّة، الكويت، ومؤسسة الريان، بيروت ١٤١٨ هـ ١٩٩٧ م.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٧٥ وما بعدها.
[ ١ / ٢٠٤ ]
في جو الإسلام كعقيدة وفكر ونظام، وفي جو الحياة الإسلاميّة المباركة الطيّبة كصورة واضحة المعالم والسمات، من حياة البشريّة الواقعيّة!
وهذه الحياة في هذا الجو ضروريّة جدًا لتفتح نوافذ الإدراك، لا لفهم الحياة فحسب، بل لإدراكها ككائن حي، وإدراك مواقع الحوادث والوقائع في جسم هذا الكائن الحي (١)!
وإنه ليعزّ على الإنسان في أيّة فترة من فترات الإنسانيّة أدركها إدراكًا حقيقيًا داخليًا، إلا أن يتجاوب معها بكل ذاتيّته، وأن يعيش في جوّها بكامل مؤثّراتها وإيحاءاتها؛ فليست هذه خصيصة قاصرة على الحياة اليوميّة الإسلاميّة، وإن كانت أكثر وضوحًا بالقياس إلى تلك الحياة؛ لأن مقوماتها تختلف في كثير من أنواعها وماهيّاتها عن مقومات ما عداها!
وإنه ليصعب أن نتصوّر إمكان دراسة الحياة الإسلاميّة كاملة، دون إدراك كامل لروح العقيدة الإسلاميّة، ولطبيعة فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان، ولطبيعة استجابة المسلم لتلك العقيدة، وطريقته في الاستجابة للحياة كلها في ظل تلك العقيدة!
وهذه الخصائص كلها لا يمكن أن تطلب عند باحث غير صادق مدرك، إلا إذا تجرد من الهوى، وتخلص من التعصّب!
ولابد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس في خلال هذه الحياة الإسلاميّة، وعلاقة هذه البواعث بالحوادث والتطورات!
ولابد من ربط هذا كله بطبيعة الفكرة الإسلاميّة، لا في شكلها الخارجي وخطواتها العمليّة فحسب، ولكن في تفسيرها للعلاقات الكونيّة، والعلاقات
_________________
(١) في التاريخ فكرة ومنهاج: ٤٥ وما بعدها بتصرف، والهجرة النبويّة: ٣٠ وما بعدها.
[ ١ / ٢٠٥ ]
الإنسانيّة، والعلاقات الاجتماعيّة، وفي تصويرها لنظام الحكم، وسياسة المال، وطرق التشريع، ووسائل التنفيذ .. إلى غير ذلك من مقومات الحياة، وبالتالي من مقوّمات التاريخ لهذه الحياة!
إن المعارك الحربيّة، والمعاهدات السياسيّة، والاحتكاكات الدولية، وما إليها، مما يُعنى به التاريخ غالبًا أكثر من سواه، إنها كلها محكومة بعوامل أخرى، يختلف الباحثون في إدراكها وتقديرها .. كل يخضع للفلسفة التي تسيطر على تفكيره وتقديره، ولطريقة إدراكه للحياة في عمومها!
وللمسلم مزيّة هنا في دراسة الحياة الإسلاميّة عامة، والسيرة النبويّة خاصة؛ لأن طريقة إدراكه تمت بصلة قوية إلى حقيقة هذه العوامل المؤثرة في سير التاريخ، ومن ثم فهو أقدر على التلبس بها واستنباطها، والاستجابة لها استجابة كاملة!
وعلى ضوء إدراكه لطبيعة العقيدة الإسلاميّة، وطريقة استجابة المسلمين لها، يستطيع أن يزن دوافع الحياة الإسلاميّة في تلك الفترة التاريخيّة، والقيم الإنسانية الكامنة فيها، وأسباب النصر والهزيمة في كل خطوة!
ويتصوّر الحياة الظاهرة والباطنة لتلك الجماعات الإنسانيّة في مهد الإسلام، وفي البلاد التي انساح فيها!
ويضمّ إلى الجوانب الظاهرة التي لا يدرك غير المسلمين سواها في الغالب، كل الجوانب الروحيّة التي يعدّها الإسلام واقعًا من الواقع، ويحسب لها حسابها في سير الزمان، وتشكّل الحياة في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل!
ولمَّا كانت الحياة الإسلاميّة فترة من الحياة البشريّة، ولمَّا كان المسلمون
[ ١ / ٢٠٦ ]
جماعة من بني الإنسان في حيّز من الزمان والمكان، ولمَّا كان الإسلام رسالة كونيّة بشريّة غير محدودة بالزمان والمكان، فإن التاريخ الإسلامي لا يمكن فصله من التاريخ الإنساني .. وقد تأثّرت تلك الفترة -من غير شك- بتجارب البشريّة كلها من قبل، وبخاصة تلك العوامل التي كانت واقعة عند مولد الرسول - ﷺ -، ثم أثرت بدورها في تجارب البشرية من بعد، وتلك الجهات التي امتدّت إليها أو جاورتها، فلابد إذن عند عرض التاريخ الإسلامي عامة، والسيرة النبويّة خاصة من الإلمام بالصورة التي انتهت إليها تجارب الإنسانيّة قبيل مولد الإسلام، والحالة التي صارت إليها المجتمعات البشرّية في الأرض، وبخاصة العقائد الدينيّة، وسائر ما يتعلق بها من أفكار وفلسفات ونظريّات، والأوضاع الاجتماعيّة، وما يتعلق بها من نظم الحكم، وسياسة المال، وعلاقات المجتمع، والأخلاق والعادات والأفكار، كي تتبيّن على ضوئها حقيقة دور الرساله والرسول - ﷺ -!
ويمكن تفسير استجابة العالم لهذا النظام الجديد قبولًا أو رفضًا، وتصوّر أسباب الصراع، وعوامل النصر والهزيمة، وعناصر التفاعل والتدافع، والتلاقي والانعكاس، على مرّ الأيام!
وإذا كان الإلمام بوضع العالم إذ ذاك ضروريًّا؛ فإن الإلمام بوضع شبه الجزيرة العربيّة وتصور الحياة فيها، من نواحيها كافة أكثر ضرورة، بوصفها مهد الإسلام الأول من جهة، ومركز التجمّع والانسياح من جهة أخرى!
تُرى، هل كانت مصادفة عابرة أن يظهر الرسول - ﷺ - في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان؟!
إن هنالك نظامًا مقدورًا، وقصدًا مقصودًا، وتدبيرًا معيّنًا، وترتيبًا
[ ١ / ٢٠٧ ]
موضوعيًا، لتلقي هذه الظواهر كلها، حيث التقت كي تؤدي دورًا معيّنًا، ليس أقل نتائجه تخطيط خريطة العالم، في عالم الظاهر، وفي عالم الشعور، على هذا الوضع الذي صارت إليه الأمور، منذ ذلك التاريخ البعيد!
وهذا يسوق إلى دراسة حياة الرسول - ﷺ - في هذا السياق الكوني للتاريخ!
وتسوق هذه الدراسة من كل جوانبها، وسائر ما يحيط بها إلى أن ندرك نظامًا مقدورًا، وقصدًا مقصودًا، وموافقات مدبرة .. فلم تكن مصادفة عابرة في الاختيار لهذا الحدث الفريد الوحيد عبر التاريخ .. ومن ثم تتبيّن المعالم الكليّة التي تضمنها هذا الحدث قبل البدء في دراسة الأحداث العالميّة التي تمت على هذا الأساس!
وبذلك تتهيَّأ صورة مستكملة الجوانب لكل الأوضاع التي نشأت عنها الاستجابات التي وقعت بالفعل في تاريخ الإسلام، في الفترة التي قلت ظهوره، كما يتهيّأ تفسير هذه الاستجابات تفسيرًا صحيحًا مستكملًا لكل عناصر الحكم والتقدير!
وبذلك يكون التاريخ عمليّة استبطان وتجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص والأزمان والأحداث، ويتصل بناموس الكون، ومدارج البشرية، ويصبح كائنًا حيًا، ومادة حياة!
٤ - خطوات الدعوة:
ومتى استقام الأمر على ذلك النهج، وبرزت تلك المقوّمات الأساسيّة لحقيقة الرسالة والرسول - ﷺ -، وطبيعة البيئة التي استقبلت الدعوة، واستقبلت الرسول - ﷺ -، وطبيعة المجتمع الإنساني الذي كان يعاصر مولد الإسلام، وطبيعة العقائد والأفكار التي كانت تسوده يوم ذاك!
[ ١ / ٢٠٨ ]
متى برزت تلك المقوّمات الأساسيّة سهل تتبّع نشاطها وتفاعلها وصيرورتها، وأمكن تصوّر وتصوير خطوات الدعوة على عهد خاتم النبيّين - ﷺ -!
هذه الخطوات التي تسير متأثرة في هذا الجيل تبرز في جلاء:
- كيف تجمّع المسلمون حول الرسول - ﷺ -، ومن أي نوعيّة كانوا؟!
- وكيف صاغ الرسول - ﷺ - هؤلاء، وكيف أعدّهم للمهمة العظمى؟!
- وكيف بني الرسول - ﷺ - نظامه، وعلى أيّ الأسس قام هذا النظام؟!
- وماذا كان عند هؤلاء من استعداد لتلبية هذا الحدث أو معارضته؟!
- وما الواقع الحقيقي لكل جزئية من جزئيّات هذه السيرة؟!
إلى آخر هذه المعالم التي تصوّر المرحلة الأولى من مراحل حياة الإسلام التي أعقبتها المرحلة الثانية:
- مرحلة المدّ الإسلامي!
- المرحلة التي انساح فيها الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها!
- مرحلة الفيض العجيب، الذي لم يعرف له العالم نظيرًا في سرعته وفي قوته، لا من ناحية الفتح العسكري وحده، ولكن من ناحية التأثير الروحي، والفكري والاجتماعي أيضًا، بل من الناحية الإنسانيّة الشاملة التي شهدت تحولًا كاملًا في خط سير التاريخ، على مولد هذا الدّين، وانتشاره ذلك الانتشار العجيب!
٥ - عوامل البناء ومعاول الفناء:
وهنا تبدو قيمة المنهج الذي أشرنا إليه في دراسة السيرة النبويّة خاصة، والتاريخ الإسلامي عامة، ويمكن معرفة عوامل البناء وأسباب الفناء التي قامت
[ ١ / ٢٠٩ ]
في تلك المساحة الفسيحة التي امتدّ إليها (الدّين القيّم)، ويمكن تتبّع تفاعله مع الأفكار والعقائد التي كانت سائدة أو سائرة فيها، ومع النظم الاجتماعيّة التي كانت تظلها، ومع الظروف الاقتصادية والمعالم التاريخيّة والملابسات الإنسانية، في أخصب بقاع الأرض وأكثرها حضارة في ذلك الزمان!
والمدّ الإِسلاميّ لم يقف عند الحدود التي وصلت إليها فتوحاته العسكريّة؛ فلقد امتدّت الموجبة الفكريّة، والحضارة التي كوّنها إلى ما وراء حدود العالم الإسلامي قطعًا!
ولابد من دراسة آثار هذا المد فيما وراء الحدود، طردًا وعكسًا، في حياة العالم الإسلامي ذاته، وفي حياة العالم الإنساني كله!
ودراسة هذه التفاعلات في ضوء هذا المنهج الذي عرضنا معالمه كفيلة بأن تنشئ صورة واضحة السمات للعالم الإنساني وخطواته الحيّة، مختلفة عن الصورة التي اعتاد غير المسلمين أن يرسموها، والتي اعتدنا أن نراها في كتاباتهم!
والتي يعتنقها كثيرون من أبناء جلدتنا، الذين يتكلّمون بألسنتنا، ويدافعون عنها أكثر من دفاع أساتذتهم المستشرقين!
ثم يجيء دور انحسار المدّ الإِسلاميّ!
وعلى ضوء هذا المنهج، وضوء دراسة المراحل التاريخية السالفة يمكن أن نتبين أسباب هذا الانحسار، وعوامله الداخليّة والخارجيّة جميعًا!
وهنا نتساءل: أكان هذا الانحسار شاملًا أم جزئيًّا، وسطحيًا أم عميقًا؟!
وما أثر هذا الانحسار في خط سير التاريخ، وفي أحوال البشر، وفي قواعد التفكير والسلوك، وفي العلاقات الدوليّة والإنسانيّة؟!
[ ١ / ٢١٠ ]
وما وزن الأفكار والنظم والعقائد التي استحدثتها الإنسانيّة بالقياس إلى نظائرها في الإسلام؟!
وماذا كسبت البشريّة، وماذا خسرت، من وراء انحسار المدّ الإسلامي، وظهور المدّ الإلحادي؟!
ومن ثم يصبح الحديث عن العالم الإسلامي طبيعيًّا وفي أوانه، وقائمًا على أسسه الواضحة الصريحة، وليس حديثًا تمليه العاطفة أو يحدوه التعصب من هذا الجانب أو ذاك، ويصبح الحديث عن القديم والحديث -وفق هذا المنهج- مسلسل الحلقات، متشابك الأواصر، ويتحدّد دور الإسلام في هذا التاريخ وفي الماضي وفي الحاضر .. وتتبيّن خطوطه في المستقبل على ضوء الماضي والحاضر!
٦ - عطاء السيرة بين الماضي والحاضر:
ومن ثم، يتم استعراض أحداث السيرة النبويّة في وحدة موضوعيّة:
- وفق معطيات القرآن الكريم -كما أسلفنا- وهي كثيرة وضرورية!
- والسنة النبويّة الصحيحة، وفق أصول التحديث رواية ودراية!
- والإفادة من الأرضيّة التاريخيّة الثابتة، التي تحرّكت فوقها الأحداث ونمت، واكتسبت ملامحها النهائيّة!
- والنظرة الشموليّة التكامليّة، التي تدرس حركة الإسلام في منهج شامل كامل، له خصائصه!
في إطار القيم والتوجيهات، والقواعد والأسس، التي جاء بها (الدّين القيّم) ليقيمها في قلوب الجماعة المسلمة عبر التاريخ، وفي حياتها كلها على سواء!
[ ١ / ٢١١ ]
وهكذا تصبح هذه الأحداث مادة للتربية، ودليلًا وترجمانًا للحياة الإسلاميّة الممتدّة وأحداثها، وعوامل البناء ومعاول الفناء!
ومن ثم نبصر التقابل بين العوامل والمعاول، والحق والباطل، على سواء!
وسبق أن قدمت دراسات موضوعيّة في السيرة النبويّة -كما ذكرت في المنهج الموضوعي- تلتزم الموضوعية والأحاديث الصحيحة، وفق قواعد التحديث رواية ودراية، والإفادة من المعالم التاريخيّة والتربويّة التي تفيدنا في واقعنا المعاصر!
وأسأل الله العون والسداد، والتوفيق والرشاد، على الكتابة عن:
(الرسول - ﷺ - والنصارى وجهًا لوجه)، حتى نتبيّن حقيقة دور النصارى في العداء للرسالة والرسول في القديم والحديث على سواء!
والكتابة كذلك عن:
(الرسول الداعي)!
و(الرسول العابد)!
و(الرسول في البيت)!
و(الرسول المربي)!
وما إلى ذلك من الدراسات التربويّة الموضوعيّة التي نحن في أشد الحاجة إليها!
إن السيرة النبويّة فيض من العطاء متدفق، لا يغيض ماؤه، ولا يتوقّف عطاؤه، ومن أخلص النية، وجرد الطويّة، وطرح الغرض، وتخلص من الهوى، وابتعد عن الردى، وأحبّ الحق، وعقد العزم، وجدّ في الطلب،
[ ١ / ٢١٢ ]
فلابدّ أن تتفتّح له كوة جديدة عميقة من كواها المشعة بنور الحق والحقيقة، يستضيء بنورها ويضيء!
وها نحن نعيش بداية القرن الخامس عشر الهجري، بعد أن ودعنا القرن الحافل بالمآسي الصارخة، والعبر القارعة!
وعجلة الزمان تُطوى بنا يومًا بعد يوم، وحين تُطوى نقف على مفترق الطريق!
وما أحوجنا في هذه اللحظة الفارقة أن نحاسب أنفسنا! على الماضي، فنندم على الأخطاء، ونستقيل العثرات، ونقوّم المعوج، ونستدرك ما فات!
وعلى المستقبل، فندرك أن جيلنا قد ولد في منعطف تاريخي، أفضى به - في مجموعه- إلى أن تنفرج الشقّة بين سلوكه، والشمول والتكامل في الفكر والسلوك .. ولفّه ضباب الشعارات البراقة، في إطار ماكر جائر، من هؤلاء الجاهلين الذين أرادوا تحقيق شهواتهم، ونشر ضلالاتهم، جاهدين ألا ينكشف حالهم، ويتعرّى هدفهم!
ومن ثم حالوا بيننا وبن حقيقة الإسلام في الوحدة والتوحيد، والفكر والسلوك، والحياة والتشريع، وأقاموا فصامًا نكدًا بيننا وبين هذه الحقائق التي ينطلق بها اللسان معبرًا عن العقيدة التي تعمر الجنان:
- الله غايتنا!
- والرسول قدوتنا!
- والقرآن شرعتنا!
- والجهاد سبيلنا!
[ ١ / ٢١٣ ]
- والموت في سبيل الله أسمى أمانينا!
وركّزوا على تمكين غيبوبة الضمير، والعقل والوعي، عن واقع المسير، في الضباب الكثيف، وما يجر إليه من سوء المصير!
وهذا الواقع أقوى من إنكار المنكرين، وجحود الجاحدين!
ولن يفقد الحقيقة هويّتها أن يكفر بها معاند ماكر، أو يتسلّط عليها مخادع جائر!
وعلينا أن نفقه عطاء سيرة الرسول - ﷺ - بين الماضي والحاضر!
ونرى كيف ظهرت (خير أمة أخرجت للناس) في ثلاث وعشرين سنة، كانت متفرّقة متشاكسة، فأصبحت متحدة متآلفة!
كانت الأمم تنظر إليها بعين الازدراء، فأصبحت معزّزة الجانب، تفتح البلاد، وتضرب على أعدائها بسلطانها الكريم!
كانت في ظلمات من الجهل، فأصبحت في نور من العلم، دون أن يُجلب إليها من بلاد أجنبيّة، وإنما هو ذلك الرسول - ﷺ - بما يُلقي إليها من الحكمة بنفسه، ويزكّيها بما يتحلّى به، ويما يدعوها إلى خصال الشرف والحمد!
نرى الرسول - ﷺ - أقام بين يدي هذه الأمة شريعة تقرّر حقوق الأفراد والجماعات، وتشتمل بتفاصيلها وأصولها على كل ما يُحتاج إليه في فصل القضايا من أحكام، هي مظهر العدل والمساواة، ولم يعقد لهذه الشريعة لجنة تتألف من أشخاص درسوا قوانين بعض الأمم .. ونراه يملي أحكام الوقائع مدنيّة كانت أو جنائيّة .. في الحضر والسفر، في يوم السلم، أو في مواطن القتال!
[ ١ / ٢١٤ ]
نرى الرسول - ﷺ - يستخف بأشياع الباطل؛ ولا تأخذه كثرة عددهم ووفرة أموالهم، فيلاقيهم بالفئة القليلة، ويفوز عليهم فوزًا عظيمًا، ولم يكن بالرئيس الذي يبعث بالجيش إلى مواقع القتال، ويقعد خلافهم حذرًا من الموت؛ بل يقول الجند، ويدبّر أمر القتال بنفسه، ويقابل الأعداء بوجهه، ولا يوليهم ظهره!
نرى الرسول - ﷺ - يصرف عنايته في تزكية الأمّة، وتدبير شؤونها والقيام بجهاد عدوّ هاجم، أو عدو متحفز للهجوم، ولم تشغله هذه الأعمال الخطيرة عن أن يقوم الليلَ قانتًا لله متهجدًا، ثم يملأ جانبًا من النهار في عبادة ربّه متطوعًا!
نرى الرسول - ﷺ - زاهدًا في متاع هذه الحياة!
ولم يكن مثل أولئك الذين يتظاهرون بالزهد إذا لم يجدوا، حتى إذا ما أيسروا ورأوا زهرة الحياة الدنيا طوع أيمانهم خلعوا ثوب الزهد، وتحولوا إلى طبيعة الشره كثيرًا أو قليلًا!
إن كنت غنيًا مثريًا فاقتد بالرسول - ﷺ - عندما كان يسير بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين (١)!
وإن كنت في سجن الطغاة البغاة العتاة، فلتكن لك أسوة به، وهو - ﷺ - في الشِّعب!
وإن كنت عائلًا ذلك في رسول الله - ﷺ - أسوة، حين قدم إلى المدينة مهاجرًا إليها من موطنه، وهو لا يحمل من حطام الدنيا شيئًا!
_________________
(١) الرسالة المحمدية: ١٣٥ بتصرف.
[ ١ / ٢١٥ ]
وإن كنت حاكمًا فاقتد بسنته وأعماله - ﷺ -، حين مَلَك أمر العرب، وغَلَب على آفاقهم، ودان لطاعته عظماؤهم، وذوو أحلامهم!
وإن كنت تعيش في وطن غير إسلامي، ذلك في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، أيّام كان بمكة قبل الهجرة!
وإن كنت فاتحًا غالبًا، ذلك في حياته - ﷺ - نصيب أيام ظفره بعدوه في (بدر) وغيرها!
وإن كنت مصابًا فاعتبر به - ﷺ - في يوم (أحد)، وهو بين أصحابه القتلى، والمثخنين بالجراح!
وإن كنت معلِّمًا فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صُفّة المسجد وغيرها!
وإن كنت متعلّمًا فتصور مقعده - ﷺ - بين يدي الروح الأمن جاثيًا مسترشدًا!
وإن كنت داعيًا ناصحًا مرشدًا أمينًا، فاستمع إليه - ﷺ - وهو يعظ الناس!
وإن أردت أن تقيم الحق، وتصدع بالمعروف، ولا ناصر لك، ولا معين، فانظر إليه بمكة، والطائف .. لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، وهو - ﷺ - يشكو إلى الله أمره، ومع كل ذلك يدعو إلى الحق، ويُعلن به!
وإن هَزَمْت عدوك، وخضّدت شوكته، واستتبّ لك الأمر، ولا ترى من عدوك خطرًا، فانظر إليه - ﷺ - يوم دخل مكة وفتحها!
وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك، فانظر إليه - ﷺ - وقد مَلك من الغنائم ما ملك، كيف دبّر أمورها، وأصلح شؤونها، وفوّضها إلى من أحسن القيام عليها!
وإن كنت يتيمًا فانظر إلى يتمه - ﷺ -!
[ ١ / ٢١٦ ]
وإن كنت شابًّا عاملًا فاقرأ سيرته - ﷺ -، وهو يرعى الغنم!
وإن كنت قاضيًا أو حكمًا فانظر إليه - ﷺ - حين قصد الكعبة ليضع الحجر الأسود في محله، وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة، يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده الفاقد والواجد، الفقير المعدم والغني المثري، والقريب والبعيد!
وإن كنت زوجًا فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النظيفة العفيفة النزيهة للرسول - ﷺ - في البيت!
وإن كنت أبًا فتعلم ما كان عليه الرسول - ﷺ -، وكيف كانت الحياة المثاليّة!
وأيًّا من كنت، وفي أي شأن كان شأنك، فإنك مهما أصبحت وأمسيت، وعلى أي حال بتّ أو أضحيت، فلك في حياة الرسول - ﷺ - الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، تضيء لك بنورها دَياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتُصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أوَدك، وتُقوِّمُ بسنته عوجك، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
إن هذه الآية الكريمة -كما أسلفنا- تحمل في ألفاظها القليلة معاني كثيرة جليلة غزيرة، فقد أرشدت إلى الاقتداء بالرسول - ﷺ -، وأومأت إلى أنه أقوم الخليقة منهجًا، وأشرفهم حالًا، وأطيبهم كلامًا، وأفضلهم أعمالًا!
وتدعو إلى التأسي به - ﷺ - في أخلاقه وأفعاله، فيما هو مطلوب منا أن نتأسى به، في ثباته في الشدائد وهو مطلوب، وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب لا يخور في شديدة، ولا يستكين لعظيمة أو كبيرة، ولقد لقي ما لقي مما يشيب النواصي، وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي!
[ ١ / ٢١٧ ]
وقد اقتدى به السلف الصالح في احتماله لما كان يلاقيه في سبيل الدعوة إلى الحق من العناء والمكابدة، وفي صلته بالأفراد والجماعات، ومعاملته لهم، ودعوته إلى الحق، وإرشادهم إلى وجوه الخير، وسبل السعادة!
وتدعو إلى التأسّي بالرسول - ﷺ - في صدق جهاده وقوة صبره على أدواء الحياة وشظفها وشدة أزماتها، وتحمل أشد البلاء في سبيل نشر رسالته؛ لإعلاء كلمة الله، ومجاهدة شراذم الكفر، وأهل النفاق، ليعلموا أن خَلَف هذه الأمة كسلفها لهم في رسول الله أسوة حسنة، ولن يتحقق هذا إذا اقتصر التأسي على المظاهر التي لا تكلف قليلًا أو كثيرًا، ولا تؤثر في رفع راية العقيدة من قريب أو بعيد، وإنما يكون التأسي على هذا المستوى، ولن يتحقق ذلك التأسي إلا لمن صفا قلبه، واستنار بنور الهداية فؤاده، واستوى في الإخلاص للإسلام باطنه وظاهره، وهذا لا يكون إلا بمعرفة ما يجب على كل مؤمن بهذا (الدين القيم)، ومن كان يرجو الله واليوم الآخر، وهذا معنى التأسي بالرسول وتأكيده برجاء اليوم الآخر، والإيمان بمجيئه لتوفية كل عامل جزاء عمله، وأمارة ذلك أن يذكر العبد ربه ذكرًا قلبيًّا، يغسل درن النفاق، حتى يخلص الجَنان للرحمن ويثبت على ذلك، وذكرًا لسانيًّا يتطابق مع الذكر القلبي، ليكون ذلك عنوانًا على إخلاص الإيمان وصدق اليقين!
ولو كان مقدرًا لهذا العالم الإسلامي أن يموت، لمات في خلال القرون الطويلة التي مرت به (١)، وهو مكبّل بالقيود، في حالة إعياء عن الحركة، بعد أن حمل عبء الحضارة الإنسانيّة طويلًا، وبعد أن تعب فاسترخى فنام!
_________________
(١) في التاريخ: فكرة ومنهاج - بتصرف، وانظر: الهجرة النبويّة: ١١ وما بعدها.
[ ١ / ٢١٨ ]
في الوقت الذي تحرك صوب القيادة حزب الشيطان، بعد أن تخلّى عن القيادة والريادة عباد الرحمن!
ومن ثم دانت معظم أطراف الأرض لحزب الشيطان! وكان الثقل على صدر العالم الإسلامي النائم!
تُرى، لو كان مقدّرًا لهذا العالم الإسلامي أن يموت، لمات في خلال فترة الاسترخاء والإعياء، وفي إبان حركة حزب الشيطان!
ولكنه لم يمت؛ بل انتفض حيًا متفاعلًا، يزيل الركام الهائل عن صدره، وينفض النوم العميق عن جفنه، ويحطم الأغلال، ويكسر القيود!
وحيثما مد الإنسان بصره اليوم شعر بهذه الانتفاضة الحيّة، وشعر بالحركة المتفاعلة، حتى الشعوب التي ما تزال في أعقاب دور الاسترخاء، والتي ما تزال مرهقة بالأثقال، حتى هذه الشعوب يدرك المتأمل في أحوالها أن الحياة تدبّ في أوصالها، ويرى خلال الرماد وميض نار توشك أن يكون لها ضرام!
تُرى، ما الذي احتفظ لهذه الشعوب بحيويّتها الكامنة بعد قرون كثيرة وعديدة، طويلة الأمد، من النوم والاسترخاء، ومن الضعف والخمود، ومن الهبوط والركود، ومن أساليب الجحود والكنود، والضغط والقسر، والاحتلال البغيض الذي بذل جهده لتقطيع أوصالها، وإخماد أنفاسها؟!
إنه الإيمان المتمثّل في العقيدة القوّية العميقة، التي لم يستطيع حزب الشيطان قتلها، على الرغم من كل تلك الجهود المتواصلة المتواكبة، التي وجهت إلى الفكر والروح، والاجتماع والسياسة!
هذه العقيدة التي تدعو معتنقيها إلى المقاومة والكفاح، لتحقيق الاستعلاء على حزب الشيطان وألاعيبه، وعدم الخضوع للظالمين!
[ ١ / ٢١٩ ]
ومن ثم أبصرنا الفجر يبعث خيوطه، والنور يتشقق به الأفق، بعد ليل طال أمده!
وإذا بالصادقين من الخلف يسيرون على نهج السلف الصالح، في صحوة إلى غير سبات!
ويوم تمسك سلفنا بالكتاب والسنة، وكان لهم في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، تسلّموا قيادة العالم وريادته، وجاء من بعدهم خلف انحرفوا فانجرفوا، واستمروا في الهبوط، حتى تخلفت الأمة، وحينئذ جاءتها:
- قارعة التتار!
بيد أنها لم تستخلص الدرس، فأصابتها:
- جحافل الغرب!
واستيقظت بعض اليقظة حين رفعت مصر العار والشنار عن الأمة في مواجهة الشرق وهزيمته، والغرب وهزيمته!
- وجاءت مصيبة الأندلس!
- ثم كارثة فلسطين!
بيد أن الأمل قائم في أن ترجع إلى هذه الأمة سيرتها الأولى إذا ما كان لها في الرسول - ﷺ - أسوة حسنة!
وهنا نبصر الفجر قد أشرقت أنواره، وبدت مطالعه!
ونبصر قلوبًا تتطلع إلى الخير والمستقبل المليء بالخير!
ونحس بأننا خلف صالح لسلف صالح!
[ ١ / ٢٢٠ ]
٧ - واجبنا نحو الرسول - ﷺ -:
ولا نحسب أحدًا من البشر كائنًا من كان، نال من الحبّ والإعجاب ما ناله خاتم النبيّين محمد - ﷺ -!
ولا نحسب أتباع نبيّ من الأنبياء تربطهم بأنبيائهم تلك الرابطة التي تربط المسلمين برسولهم وحبيبهم، حيث لا يمنعهم من تقديسه شيء إلا أن الله -جل شأنه- نهاهم أن يتوجهوا بالعبادة والتقديس لأحد سواه!
ومع ذلك فإن درجة الحبّ التي يتوجهون بها إلى الرسول - ﷺ - تكاد تفلت أحيانًا في قلوب البعض؛ فلا يُمسكها هذا النهي إلا بجهد جهيد!
وإن الكثيرين لتصيبهم حالات من الوجد في حب الرسول - ﷺ -، حتى تختلج المشاعر والخواطر، وتتجمع عبرات وعبرات تتكوّن خضوعًا، وتتلاقى خشوعًا، لتتساقط دموعًا!
وإن الحديث عن حب الرسول - ﷺ - ذو شجون وشؤون!
وحسبنا أن مقياس الإيمان بالله هو امتلاء القلب بمحبة رسول الله، بحيث تغدو تلك المحبة متغلبة على حب الولد والوالد والناس والنفس!
يروي الشيخان وغيرهما عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من والده وولده والناس أجمعين" (١)!
_________________
(١) البخاري: ٢ - الإيمان (١٥)، ومسلم (٤٤)، وأحمد: ٣: ١٧٧، ٢٧٥، والدارمي (٢٧٤١)، وعبد بن حميد (١١٧٥)، وأبو عوانة: ١: ٣٣، وأبو يعلى (٣٠٤٩، ٣٢٥٨)، وابن منده (٢٨٤)، والنسائي: ٨: ١١٤ - ١١٥، وابن ماجه (٦٧)، والبيهقي: الشعب (١٣٧٤)، والبغوي (٢٢)، وابن حبان (١٧٩).
[ ١ / ٢٢١ ]
ويروي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي - ﷺ -، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبّ إِليّ من كل شيء إِلا من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إِليك من نفسك". فقال له عمر: فإِنه الآن والله! لأنت أحب إِليّ من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: "الآن يا عمر" (١)!
ويصور لنا مدى الحب في صورة عمليّة ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابُه، فما يريدون أن تقع شعرة إِلا في يد رجل (٢)!
وفي رواية له قال: دخل علينا النبي - ﷺ -، فقال عندنا - فَعَرِق، وجاءت أمّي بقارورة -فَجَعلتُ تَسْلِتُ العرق فيها- فاستيقظ النبي - ﷺ -، فقال: "يا أم سُلَيم! ما هذا الذي تصنعين"؟
قالت: هذا عرقُك نجعله في طيبِنا، وهو مِنْ أطيب الطيب!
وفي رواية قال: كان النبي - ﷺ - يدخل بيت أم سُلَيمْ، فينام على فراشها -وليست فيه- قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها - فأُتيتْ فقيل لها: هذا النبي - ﷺ - نام في بيتك، على فراشك، قال فجاءت وقد عَرِقَ، واستَنقَعَ عَرقُه على قطعة أديم، على الفراش، ففتَحت عَتيدتَهَا، فجعلت تُنَشِّفُ ذلك العرق فتعصِرهُ في قواريرها، ففزع النبي - ﷺ - فقال:
_________________
(١) البخاري: ٨٣ - الأيمان (٦٦٣٢).
(٢) مسلم: ٤٣ - الفضائل (٢٣٢٥، ٢٣٣١، ٢٣٣٢) وأحمد: ٣: ١٣٦، وعبد بن حميد (١٢٦٨)، والبغوي (٣٦٦١)، والطبراني: الكبير: ٢٥ (٢٨٩)، وأبو نعيم: الحلية: ٢: ٦١، والبيهقي: الشعب (١٤٢٩).
[ ١ / ٢٢٢ ]
"ما تصنعين يا أم سُليم؟ " فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا، قال: "أصبت"!
وفي رواية عن أنس عن أم سُليم: أن النبي - ﷺ - كان يأتيها فيَقيل عندها، فتبسُط له نطْعًا فيقيل عليه، وكان كثير العرق -فكانت تجمع عرقه فتجعلُه في الطّيبَ والقوارير- فقال النبي - ﷺ -: "يا أم سليم! ما هذا؟ " قالت: عرقك أدُوفُ به طيبي!
قال القرطبي في تصوير حال من آمن إِيمانًا صحيحًا ومدى الصلة بهذا الحب للرسول - ﷺ -:
(كل من آمن بالنبي - ﷺ - إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات، محجوبًا في الغفلات في أكثر الأوقات، ولكن الكثير منهم إذا ذُكر النبي - ﷺ - اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه) (١)!
وحب الرسول - ﷺ - مستمر، وليس محصورًا في الوجود؛ لأنه يأتي في نصرة السنة النبويّة، والتأسّي بالرسول، والذّب عن رسالته، وهذا هو الطريق للبقاء الأبدي في النعيم السرمدي!
يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ - قال: "من أشد أمتي لي حبًّا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني، بأهله وماله" (٢)!
_________________
(١) فتح الباري: ١: ٦٠.
(٢) مسلم: ٥١ - الجنة (٢٨٣٢)، والبغوي (٣٨٤٣)، وابن حبان (٧٢٣١).
[ ١ / ٢٢٣ ]
وفي الصورة المقابلة نبصر عطاء الرسول - ﷺ - فيما يرويه مسلم وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإِنا إِن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إِخواننا"! قالوا: أولسنا إِخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإِخواننا الذين لم يأتوا بعد .. " الحديث (١)!
في هذا المقام الذي ينسى الإنسان فيه كل شيء .. ينسى الدنيا بما فيها، ويتذكر الآخرة!
يود الرسول - ﷺ - أن قد رآنا، ويرفعنا إلى درجة الأخوة!
يا لجلال التعبير النبوي الكريم!
"وددت أنا قد رأينا إِخواننا"!
يا لعظمة هذا النبي - ﷺ - .. وهو يرسل هذا الودّ، ويقرّر تلك الأخوة!
وهو خير الخلق وخاتم النبيّين - ﷺ -، وهذا يحرّك فينا ضرورة التأسي به، والتمسك بسنته!
لقد أعطانا الرسول - ﷺ - الحب المثالي اللائق به، والذي لا نقدر عليه بحال!
وحسبنا -كذلك- أن نذكر ما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر وابن العاص: أن النبي - ﷺ - تلا قول الله -﷿- في إِبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم]!
وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة]! فرفع يديه، وقال: "اللهم!
_________________
(١) مسلم: ٢ - الطهارة (٢٤٩)، وابن حبان (٧٢٤٠).
[ ١ / ٢٢٤ ]
أمتي أمتي"! وبكى، فقال الله -﷿-: يا جبريل! اذهب إِلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله - فأخبره رسول الله - ﷺ - بما قال: وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إِلى محمد فقل: إِنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك (١)!
أرأيت كيف بكى الرسول - ﷺ - شفقة علينا، ورحمة بنا؟!
أرأيت هذه العبرات التي تعجز الكلمات عن تصويرها إلا بعبرات وعبرات، ولكن أنى لنا بعبرات تقترب مجرد اقتراب من بكاء الرسول - ﷺ - وهو يدعو لنا!
هنا يحق لنا أن ندرس سيرته للتأسي به - ﷺ - .. ولكن ما كان لنا أن نقف عند هذا الحدّ مع عظمته .. فلنتقدّم إلى الأمام، إلى الناحية الإيجابيّة، إلى التأسي بالرسول - ﷺ - .. فهناك الكثيرون ممن يتشدّقون بالحبّ، وقد تتساقط دموعهم، حتى وهم ينحرفون بهذا الحب إلى لون من التقديس!
ذلك أنه حب عاطفي سلبي وكفى، لا صدى له في واقع الحياة والسلوك!
إن صورة الحبّ في قلوب هؤلاء لتعاني عزلة وجدانيّة عميقة، كما تعاني بُعدًا في السلوك والفهم والإدراك؛ لأنها صورة منعزلة في الوجدان .. وليست صورة حيّة متحرّكة في واقع الحياة، شاخصة في سلوك أصحابها وأفكارهم ومشاعرهم وخواطرهم وماديّاتهم وروحانيّاتهم على سواء!
ولا شك أن لهذه العزلة أسبابًا ترجع في جملتها إلى واقعنا كأمة تعيش كما نرى ونشاهد ونعايش! لا كما عاش السلف الصالح، حكمًا وتشريعًا، ودستورًا ونظامًا، حيث كانت الأسوة بالرسول - ﷺ - طابع الأمة، وحيث كانت الأمة تحسّ
_________________
(١) مسلم: ١ - الإيمان (٢٠٢)، والطبري: التفسير: ١٣: ٢٢٩، وابن منده: الإيمان (٩٢٤)، والبيهقي: الأسماء والصفات: ٢: ٣٤١ - ٣٤٢، والبغوي (٤٣٣٧) وابن حبان (٧٢٣٥).
[ ١ / ٢٢٥ ]
إحساسًا عميقًا بأنها على الدرب تسير وفق سنة رسول الله، وأن تعاليم الرسول - ﷺ - قائمة، وإن غابت ذاته الرفيعة في الحسّ!
وما عالم الحسّ من واقع النفس؟!
إن الأمور لا تقاس بوجودها أو عدم وجودها في عالم الحس وحده؛ وإنما تقاس بمقدار ما توجد في عالم النفس، وبالمكانة التي تملؤها من المشاعر والخواطر والأفكار والسلوك على سواء!
فهل تحسّ -يا أخي- بالحبّ للرسول - ﷺ -؟!
هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الممتلئ بالحيويّة؟!
هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الذي يدفعك دفعًا إلى السير قدمًا في الطريق لا تتردّد ولا تتلفّت، ولا تتحيّز لنفسك، ولكن تبلغ دعوة الله، حتى يرى بعضنا بعضًا، في دائرة الحبّ الإيجابي الخالص لله ولرسوله ولمن آمن بالله ورسوله؟!
وسيظل الحبّ هو الروح الساري اللطيف، وستظل الدنيا خاشعة خاضعة أمام عطاء هذا الحب وعظمة الرسالة والرسول - ﷺ -!
ستظل خاشعة خاضعة أمام هذه العلاقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!
ستظل خاشعة خاضعة أمام تلك العظمة التي تعجز الكلمات عن تصويرها!
وسيظل التاريخ يذكر أن تلك المعالم حين وجدت اهتزّ إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرّغ الباطل في الرغام!
وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل ..
[ ١ / ٢٢٦ ]
وورثوا عرش هذا وتاج ذاك .. واندفعوا بهذا (الدّين القيّم)، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي .. وأقاموا دولة إسلاميّة في إسبانيا، ووصلوا إلى فيينا!
وكان ذلك ما شهدته الدنيا، وسجّله التاريخ!
وهنا تحضرني قصة عجيبة حدثت منذ أكثر من ألف عام في أرض فارس، على يد ابن سينا، حين قال غلامُه: لستُ أدري بأي شيء يفضلك محمد - ﷺ -: كلمة غليظة كبيرة، بيد أن ابن سينا قال:
(يا بنيّ، سأخبرك غدًا عن هذا الأمر، وكان الوقت شتاء، والجو في شدة من البرودة لا يكاد يتحمّلها الإنسان، وفي منتصف الليل طلب ابن سينا من كلامه أن يحضر له الماء الدافئ للوضوء، فإذا بالغلام يقول له: دعني بعض الوقت فإنني متعب، ولو انتظرت قليلًا لقمتُ، وغلب النوم على ذلك الغلام، ومضت نصف ساعة ثم ساعة، وابن سينا يكرّر القول على الغلام، حتى نبّهه مؤذّن الفجر، وإذا بهم يستمعون من فوق المئذنة إلى كلمات المؤذن: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، واستمر إلى آخر الأذان، وهنا قال ابن سينا:
يا بنيّ، هذا وقت تعليمك، قم الآن واستمع إلي ما أقول: إننا الآن في أرض فارس، وبيننا وبين العرب حيث قام الإسلام وظهر النبي ﵊ مسافة ضخمة، وبيننا وبينهم قرون متطاولة، وهو نبي عربي، والذي فوق المئذنة رجل من فارس، بينه وبين النبي ﵊ من الناحية الزمانيّة قرون، ومن الناحيّة المكانية أميال، وبينهما عجمة في لسان هذا،
[ ١ / ٢٢٧ ]
وفصاحة في لسان النبي ﵊، ولكنه جاء في الليل الشديد البرد، على رغم هذا كله، وصعد فوق أعلى مكان في المدينة، وفي أبرد الأوقات في جوف الليل ليقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، وأنا معلمّك أعلمك وأربّيك، وأطلب منك وأنت في الدار أن تعدّ لي شيئًا من الماء لوضوئي فتؤخرني نصف ساعة، ثم ساعة بعدها! هذا هو الفرق بين مقام الأنبياء ومقام العلماء) (١)!
وهنا نبصر جانبًا كبيرًا عمليًا من عمق التأثير في الأجيال المتعاقبة من المسلمين، إحساسًا عميقًا بمكانة الرسول - ﷺ -، وجلال مقامه!
وحسبنا أن نبصر معالم هذا الحبّ في أعمق الأعماق، وفي مشاعر المسلمين، وفي الإحساس العميق الذي يدفع الصادقين دفعًا إلى أن تختلج المشاعر، وتتحرك الخواطر، ونبصر روحًا نورانيّة، مما يضفي على الحياة بهجتها وسعادتها!
بيد أنا نبصر عند الكثيرين صورًا غير متحرّكة، وغير مجلوّة، وغير فاعلة .. نبصر حبًّا سلبيًّا لا صدى له في واقع الحياة والسلوك!
ونبصر فصامًا نكدًا!
ولا شك أن هذا الواقع قد حال بيننا كمجتمع إسلامي وبين أن نسعد بمثل ما سعد به سلفنا الصالح الذي لم تكن علاقته بالرسول - ﷺ - منعزلة في وجدانه عن واقع حياته! وكيف لا!
وصورة العلاقة الإيجابيّة المتحرّكة الحيّة، في القول والعمل، والعبادة والسلوك، شاخصة في وجدان المسلمين، حيّة في نفوسهم، فقد
_________________
(١) مكتبة الإمام: ٢: ٣٣ الأوقاف - مصر.
[ ١ / ٢٢٨ ]
أحسّوا إحساسًا عميقًا بأنها ملء قلوبهم، وإن غابت عنهم ذات الرسول - ﷺ - في عالم الحسّ والمشاهدة، فإن رسالته حيّة نابضة في معالم حياتهم وواقع سلوكهم!
ولم تنحسر تلك العلاقة شيئًا فشيئًا إلا حين أحكمت الحلقات، وانفرجت الشقّة، ولم تتكامل تلك العزلة الموحشة إلا حين تتم الفصل نصًّا ومفهومًا، وفقهًا وروحًا، وحياة وسلوكًا، بين واقع المسلمين وتلك العلاقة الإيجابيّة:
يا حسرة على العباد!
كيف جاز لهم أن يصنعوا ذلك؟!
وكيف جاز لهؤلاء أن يعيشوا في دائرة العزلة؟!
كيف، وأبرز خصائص الإسلام أنه دين القول والعمل، والظاهر والباطن، والحياة والسلوك؟!
إن صورة العلاقة الإيجابيّة يجب أن تتضح في عالم الضمير وعالم الروح حيّة شاخصة، ممتلئة بالحيويّة والعاطفة، والواقعيّة والسلوك، حتى نرى النور الصافي يشرق من جديد، وينفذ إلى الأعماق .. ومن ثم تطمئن النفس، وترفرف الروح، وينشرح الصدر، وينسكب هذا في الحنايا والجوانح، ويظهر في السلوك والجوارح!
-أي سكينة ينشئها هذا الإدراك؟!
- وأي طمأنينة يفيضها على القلب؟!
- وأي سعادة يضفيها على الروح؟!
- وأي قوة يسكبها في الضمير؟!
[ ١ / ٢٢٩ ]
إننا نسمع كلمات الأذان، ونردّد ما يقول المؤذن، وهنا تسيطر علينا روحانيّة عالية، وتهون الدنيا كلها، ونحسّ أنها تحت أقدامنا، ونستعلي على المادة، ولا نكاد نقف في الصلاة حتى تزول الحجب، وتنقشع الغيوم، وتأخذنا الصلاة بكل أنوارها التي يضيق المقام عن ذكرها، ونجد ركنًا من أركانها، وهو التشهد، ونقرأ من بين كلماته:
(السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ..)!
لك أن تتصور هذه الصلة الدائمة المستمرّة المستقرّة، وما عليك إلا أن تفتح قلبك لما تقول، فماذا أنت واجد؟!
لا شك أن الكلمات تعجز عن تصوّر ما تجد، ولا شك أن هذا الإحساس يدفعنا إلى أن نسير في طريق الحق لا نخاف ولا نخشى باطلًا ولا ظالمًا؛ لأن هذه العلاقة الإيجابيّة تضع يدنا على معالم السلوك الإيجابي العملي الذي ربّى جيلًا مثاليًّا فذًّا في التاريخ البشري!
إن هذه العلاقة ليست هُيامًا ولا خيالًا ولا كلامًا .. ولكنها أسوة ومحبّة، وعقيدة وسلوك .. وإن أمتنا التي تقف اليوم على عتبة انطلاقة جديدة، يجدر بها أن تتحسّس مواقعها، وتمتحن طاقاتها، وتقوّم مقدار إحساسها بهذه العلاقة العمليّة، ومقدار علاقتها برسالة الرسول الذي أضاء ليل الظلام الداجي يوم كان العالم يتخبّط في متاهات الحيرة والضلال، ويئنّ من وطأة الظلم والظالمين .. يوم كان نهبًا لأولئك الذين استطاعوا ببغيهم وعدوانهم، وجحود هم وكنودهم، وفسوقهم وعقوقهم، أن يستعبدوا مَن دونهم من البشر، بلا هوادة ولا رحمة!
[ ١ / ٢٣٠ ]
وإننا حين يظلّنا هذا الجو الطهور في تلك العلاقة الإيجابية، نبصر مواقع خطونا، ولا نرى من حولنا شيئًا من معاني السمو والجلال، والرفعة والكمال، يتحرّك إلا بين يدي الرسالة والرسول!
إن هذه العلاقة الإيجابيّة تجعلنا ننهل من معين الوحي، وندرك أفق التجليات المباركات، ونبصر شفافية الروح، ولا نلبث أن نتقدّم إلى حيث نقبس من النور الوضاء، الذي ينير حوالك الدجى، وييسّر مسالك الهدى!
وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله - ﷺ - لعمر: انطلق بنا إِلى أم أيمن نزورها، ميتًا كان رسول الله - ﷺ - يزورها، فلما انتهينا إِليها بكت، فقالا لها: ما يُبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله - ﷺ -، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله - ﷺ - ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (١)!
أرأيت منشأ هذا البكاء؟!
أرأيت بكاء الصديق والفاروق مع أم أيمن؟!
أرأيت هذه القطرات التي تكونت وتجمعت وتساقطت؟!
فهل تحس -أخي في الله- بمثل ذلك؟!
إنها الصلة الوثيقة .. وهنا نرى الفجر يرمقنا من بعيد، ويشرق في الكون فجر جديد، وطوبى لنا في عالم الخلود!
إن الحبّ هو الجناح الذي يطير به الإنسان إلى حيث السمو والعلو .. وإذا لم
_________________
(١) مسلم: ٤٤ - فضائل الصحابة (٢٤٥٤)، وابن ماجه (١٦٣٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
تستطع أن تكون محبوبًا ففي مقدورك أن تكون مُحبًّا .. وإننا نعيش في عصر مادي .. ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى هذا اليقين الذي يجري من صاحبه مجرى الدم، إن وُضع في محله، وصادف أهله!
وهنا تأنس الروح في رحلة الحياة الشاقة في هذه الأرض، ونبصر نورًا يضيء حجوانب الحياة، وهذا يثير في النفس عالمًا من المشاعر والخواطر، تسبح الروح في جنباته، ويجول الفكر في جولاته، وتعب النفس من فيضه بقدر ما ترتوي أو تُطيق، وترفرف الروح!
ومن ثم نصبح في محراب أشواق وأنس!
وتتبدى للروح آفاق تسبيح وقدس!
وسيظل الأمل في تكوين الشخصيّة الإسلاميّة كامنًا في دراسة سيرة الرسول - ﷺ -، وفق هذا المنهج الأمثل الذي ذكرنا معالمه!
وسيظل التأسي كامنًا في ذلك حتى نبصر خلفًا صالحًا لسلف صالح من أتباع خاتم النبيّين - ﷺ -، ونحيا حياة مباركة طيبة، وتعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهبّ نفحات الجنة، ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين!
[ ١ / ٢٣٢ ]
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٢]