تأليف
الدكتور سعد المرصفي
[ ٤ / ١٠٩٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٤ / ١١٠٠ ]
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
[ ٤ / ١١٠١ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف)!
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب)!
[ ٤ / ١١٠٢ ]
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[ ٤ / ١١٠٣ ]
مقدمة
الحياة صراع بين الحق والباطل، يصهر المؤمنين، فيهب نفوسهم قوة، ويرفعهم عن ذواتهم، ويطهّرهم في بوتقة الألم، فيصفو عنصرهم ويضيء، فتتلألأ دعوة الحق حتى في أعين الأعداء والخصوم!!
وحين يسفر طغيان الباطل عن وجهه لا يجادل ولا يناقش ولا يفكّر ولا يتعقّل، فيغترّ بالقوّة الماديّة الغليظة التي لا يملك غيرها!!
حينها يشتد الابتلاء للفئة المؤمنة لتواجه المحنة والدفاع، والصبر والثبات!
ومن ثمَّ تتوجه إلى الله، فيجيء النصر، ويجيء التمكين!!
وها هي الفئة المؤمنة الأولى التي قادها خاتم المرسلين محمد - ﷺ - تقدم النموذج البشري الذي سيظل ماثلًا أمام أعين السالكين، طريق جهاد الدعوة إلى الدين الحق، فيفتح لها من نفحاته، ويضيء لها من نبراسه، لتبصر جادتها. فإلى معالم طريق جهاد الدعوة في حياة الرسول - ﷺ -، نقبس، وننهل، ونبصر!
رجاء أن تعود إلينا سيرتنا الأولى ..
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ١٦ من المحرم ١٤٣٠ هـ ١٩ من يناير ٢٠٠٩ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية جامعة الكويت - سابقًا
[ ٤ / ١١٠٥ ]
هذا هو الطريق
[ ٤ / ١١٠٧ ]
هذا هو الطريق
° أشدُّ النَّاس بلاءً
° مفرق الطريق
° ضرورة الابتلاء
° قيمة العقيدة
° حقيقة الابتلاء
° ابتلاءٌ أشدّ
° تمحيص المؤمنين
° تربية إيمانيّة
° توكّل على الله
° نهاية الظالمين
° إعداد وثبات
° معالم في الطريق:
المعلم الأول:
المعلم الثاني:
المعلم الثالت:
° زلزالٌ شديد
° مناجاة في ليلة القدر
° الله والطاغوت
° شظايا من الإيمان
[ ٤ / ١١٠٨ ]
أشدّ الناس بلاء:
الإيمان أمانة الله في الحياة، لا يحملهما إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرّد لها وإخلاص .. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدّعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء ..
وإنها لأمانة الخلافة في الأرض (١)، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة.
فهي أمانة كريمة، وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله يضطلع بها الناس، ومن ثمّ تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء!
ولا يكفي أن يقول الناس آمنّا، وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرّضوا للفتنة. فيثبتوا عليها، ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب، لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي، وله دلالته وظلّه وإيحاؤه- وكذلك تصنع الفتنة، بالقلوب:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (العنكبوت)!
إنه الإيقاع الأول في سورة العنكبوت المكية في قول الجمهور (٢)، والمدنيّة في أحد قولي ابن عباس وقتادة، وقيل بعضها مدني، وروى الطبري والواحدي في أسباب النزول عن الشعبي أن الآيتين الأوليين منها إلى ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٢٧٢٠ وما بعدها بتصرف.
(٢) التحرير والتنوير: ٢٠: ١٩٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١٠٩ ]
نزلتا بعد الهجرة في أناس من أهل مكّة أسلموا، فكتب إليهم أصحاب النبيّ - ﷺ - من المدينة ألا يُقبل منهم إسلامٌ حتى يهاجروا إلى المدينة، فخرجوا مهاجرين فأتبعهم المشركون فردّوهم.
وهي السورة الخامسة والثمانون في ترتيب نزول سور القرآن، نزلت بعد سورة (الروم)، وقيل سورة (المطفّفين)، فتكون من أخريات السور المكيّة، بحيث لم ينزل بعدها بمكّة إلا سورة (المطفّفين).
وهذا الإيقاع يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان ليس لها في الجَنَان مكان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾!
والتَّرْك هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم، فلمَّا آمنوا اختصّوا بأنفسهم، وخالفوا أحوال قومهم، وذلك مظنّة أن يتركهم المشركون وشأنهم، فلمّا أبي المشركون إلا منازعتهم طمعًا في إقلاعهم عن الإيمان وقعٍ ذلك منهم موقع المباغتة والتعجّب وذكر الترك المجازي في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ (البقرة)!
والمعنى: أحسب الذين قالوا آمنّا أن يتركهم أعداء الدّين دون أن يفتنوهم .. وهذه الفتنة مراتب: أعظمها التعذيب، كما فُعل بـ (بلال، وعمّار بن ياسر، وأبويه) كما سبق أن ذكرنا.
ومن الفتنة أن يتعرّض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثمّ لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة، ولا يجد القوّة التي
[ ٤ / ١١١٠ ]
يواجه بها الطغيان، وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة، ولكنها ليست أعنف صور الفتنة، فهناك فتن كثيرة في صور شتّى ربما كانت أمرّ وأدهى.
هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعًا، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، زينادونه باسم الحبّ والقرابة، واتّقاء الله في الرّحم التي يعرّضها للأذى أو الهلاك. وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين، وهو شاقّ عسير.
وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدّنيا، وتصفّق لهم الجماهير، وتتحطّم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفّق لهم الحياة، وهو مُهْمَل مُنْكَر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا.
وهناك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقًا في تيّار الضلالة، وهو وحده موحش غريب طريد.
وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيّام .. فتنة أن يجد المؤمن أممًا غارقةً في الرذيلة، وهي مع ذلك راقيّة ماديًّا في مجتمعها، متحضّرة في حياتها هذه .. يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان، ويجدها غنيّة قويّة، وهي مشاقّة الله.
وهنالك الفتنة "الكبرى" أكبر من هذا كله وأعنف .. فتنة النفس والشهوة،
[ ٤ / ١١١١ ]
وجاذبيّة الأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدّعة والاطمئنان، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوّقات والمثبّطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة، وفي تصوّرات أهل الزمان!
فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشدّ وأقسى، وكان الابتلاء أشدّ وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله. . وهؤلاء هم الذين يحقّقون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان.
وحاشا لله أن يعذّب المؤمين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمّل الأمانة، فالأمانة تحتاج إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العمليّة للمشاقّ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقيّة في نصر الله وفي ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدّة الابتلاء.
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمّع، وتطرقها بعنف وشدّة فيشتدّ عودها ويصلب ويصقل، وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات فلا يبقى صامدًا إلا أصلبها عودًا، وأقواها طبيعة، وأشدّها اتصالًا بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلّمون الراية في النهاية، مؤتمنين عليها، بعد الاستعداد والاختبار.
وانهم ليتسلّمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم: بما أدّوا من غالي الثمن، وبذلوا لها من الصبر على المحن، وذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات.
.
[ ٤ / ١١١٢ ]
والذي يبذل من دمه وأعصابه، وميت راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذّاته، ثم يصبر على الأذى والحرمان، لا شك يشعر بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل، فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام.
أمّا انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفّل به وعد الله، وما يشك مؤمن في وعد الله، فإن أبطأ فلحكمة مقدّرة، فيها الخير للإيمان وأهله، وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله. . وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله، وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للبلاء.
ويطالعنا ما رواه الترمذي وغيره عن مصعب بن سعد عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإِن كان دينه صُلْبًا اشتدَّ بلاؤه، وإِن كان في دينه رِقَّة ابتلي على حسب دينه، فما يبوح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة". (١)
وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال -ﷺ-: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة". (٢)
_________________
(١) الترمذي (٢٣٩٨)، وقال هذا حديث حسن صحيح، وصحيح الترمذي (١٩٥٦)، والطيالسي (٢١٥)، وابن سعد: ٢: ٢٠٩، وابن أبي شيبة: ٣: ٢٣٣، وأحمد: ١: ١٧٢، ١٧٣، ١٨٥، وعبد بن حميد (١٤٦)، والدارمي (٢٧٨٦)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، والبزار (١١٥٠، ١١٥٤، ١١٥٥)، وانظر: تاريخ واسط: ٢٥٣، وأبو يعلى (٨٣٠)، والشاشي (٦٩)، وابن حبان (٢٩٠، ٢٩٢١)، والحاكم: ١، ٤١، وأبو نعيم: الحلية: ١: ٣٦٨، والبيهقي: ٣: ٣٧٢، والشعبي (٩٧٧٥)، والبغوي (١٤٣٤).
(٢) الترمذي (٢٣٩٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن أبي شيبة: ٣: ٢٣١، وأحمد: =
[ ٤ / ١١١٣ ]
وفي رواية عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على النبي - ﷺ -، وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حَرَّهُ بين يديّ، فوق اللّحاف، فقلت يا رسول الله! ما أشدّها عليك! قال: "إِنّا كذلك، يُضَعَّفُ لنا البلاء، ويضعَّفُ لنا الأجر" قلت: يا رسول الله! أيُّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: "الأنبياء" قلت: يا رسول الله! ثمَّ مَنْ؟ قال: "ثُمَّ الصالحون، إِن كان أحدُهم ليبْتَلى بالفقر، حتى ما يجد أحدُهمُ إِلا العباءة يحوبها، وإِن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدُكم بالرّخاء". (١)
ونبصر التنويه بذلك لأجل الإيمان بالله، بأنه سنَّةٌ الله في سالف أهل الإيمان، وتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق، لتنزيل المؤمنين حين استعظموا ما نالهم من الفتنة من المشركين، واستبطؤوا النصر على الظالمين، وذهولهم عن سنّة الكون في تلك الحياة لتنزيلهم منزلة من ينكر أن من يخالف الدهماء في ضلالهم، ويتجافى عن أخلاقهم ورذالتهم لابدّ أن تلحقه منهم فتنة.
ولما كان هذا السنَن من آثار ما طبع الله عليه عقول غالب البشر، وتفكيرهم غير المعصوم بالدلائل، وكان حاصلًا في الأمم السابقة أسندت فتن تلك الأمم إلى الله تعالى إسنادًا مجازيًّا؛ لأنه خالق الأسباب، كما خلق
_________________
(١) = ٢: ٢٨٧، ٤٥٠، والبخاري: الأدب الفرد (٤٩٤)، والحاكم: ١: ٣٤٦، ٤: ٣١٤، وأبو نعيم: الحلية: ٧: ٩١، ٨: ٢١٢، والبيهقي: ٣: ٣٧٤، والبغوي (١٤٣٦)، وابن حبان (٢٩١٣، ٢٩٢٤).
(٢) ابن ماجه (٤٠٢٤) ويحوبها من احتبى الثوب، أي اشتمله، وهي هيئة من الارتداء. وابن سعد: ٢: ٢٠٨، والبخاري: الأدب المفرد (٥١٠)، وأبو يعلى (١٠٤٥)، والطحاوي: شرح المشكل (٢٢١٠)، وعبد الرزاق (٢٠٦٢٦)، وأحمد: ٣: ٩٤، وعبد بن حميد (٩٦٠) عن أبي سعيد نحوه.
[ ٤ / ١١١٤ ]
أسباب العصمة منها، لمن كان أهلًا للعصمة، وفي هذا الإسناد إيماء إلى أن الذي خلق أسباب تلك الفتن قريبها وبعيدها قادر على صرفها بأسباب تضادها، والإشارة إلى هذا المعنى في دعاء موسى -﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ (يونس)!
فسأل الله أن يخلق ضدّ الأسباب التي غرَّت فرعون وملأه وغشيت على قلبه بالضلال!
والمقصود التذكير بما لحق صالحي الأمم السالفة من الأذى والاضطهاد، كما لقي صالحو النصارى من مشركي الرومان في عصور المسيحيّة الأولى، وقد قصَّ القرآن بعض ذلك في سورة (البروج).
ويطالعنا إرهاب أصحاب الأخدود، فيما يرويه مسلم وغيره عن صهيب، أن رسول الله - ﷺ - قال: كان مَلِكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلمَّا كَبِر قال للملِك:
إِنّي قد كبِرت، فابعثْ لي غلامًا أُعلِّمْه السِّحر، فبعث إِليه غلامًا يُعلِّمه، فكان في طريقه إِذا سلك راهبٌ، فقعَد إِليه وسمع كلامه: فكان إِذا أتى الساحر مرّ بالرّاهب، وقعَد إليه، فإِذا أتى الساحر ضَربه، فشكا ذلك إِلى الرّاهب، فقال: إِذا خشيتَ الساحر فقُلْ: حبسني أهلي، وإِذا خشيت أهلك فقُل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إِذْ أتى على دابّة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحرُ أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال:
[ ٤ / ١١١٥ ]
اللهم! إِن كان أمر الراهب أحبّ إِليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابّة، حتى يمضي الناس فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بُنَيَّ! أنت اليوم أفضلُ منّي، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإِنك سَتُبْتَلَى، فإِن ابتليت فلا تدلّ عليّ، وكان الغلام يبرئ الأكمه (١) والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدْواء، فسمع جليسٌ للملك كان قد عَمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع، إِن أنت شفيتني، فقال: إِنّي لا أشفي أحدًا، إِنما يَشْفي الله، فإِن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملِكَ فجلس إِليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرَك؟ قال: ربّي، قال: ولك ربٌّ غيْري؟ قال: ربّي وربّك الله، فأخذه فلم يزَل يُعذِّبُه حتى دلّ على الغلام!
فجيء بالغلام، فقال له الملك: أيْ بنيِّ! قد بلغ من سحرِك ما تبرئ الأكْمه والأبرص، وتفعل ما تفعل، فقال: إِنّي لا أشفي أحدًا، إِنما يشفي الله، فأخذه فلم يزلْ يعذبُه حتى دلّ على الراهب!
فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبَى، فدعا بالمنشار (٢)، فوضع المنشار في مَفرقِ رأسه، فشقّه حتى وقع شقّاه!
ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إِلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهوا به إِلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإِذا
_________________
(١) الأكمه: الذي خلق أعمى!
(٢) المنشار: مهموز، ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ياء، وروي: المنشار، بالنون!
[ ٤ / ١١١٦ ]
بلغتم ذروته (١)، فإِن رجع عن دينه، وإِلا فاطرحوه، فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال:
اللهم! اكفِنِيهمْ بما شئت، فرجَفَ بهم (٢) الجبل، فسقطوا!
وجاء يمشي إِلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال:
كفانيهم الله، فدفعه إِلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قُرقُور (٣)، فتوسّطوا به البحر، فإِن رجع عن دينه، وإِلا فاقذفوه، وذهبوا به، فقال: اللهم! اكْفِنِيهمْ بما شئت، فانكفأت بهم السفينة (٤)، فغرقوا، وجاء يمشي إِلى الملك، فقال له الملك:
ما فَعَل أصحابك؟ قال:
كفانيهم الله، فقال للملك:
إِنك لستَ بقاتلي حتى تفعل ما آمُرُك به، قال: وها هو؟ قال:
تجمع الناس في صعيد واحد (٥)، وتَصلبُني على جذع، ثم خُذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس (٦)، ثم قُلْ: بسم الله! ربِّ الغلام!
ثم ارمني، فإِنك إِذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحد،
_________________
(١) ذروة الجبل: أعلاه!
(٢) أي اضطرب وتحرك حركة شديدة!
(٣) أي السفينة الصغيرة، وقيل: الكبيرة، واختار القاضي الصغيرة.
(٤) أي انقلبت!
(٥) الصعيد هنا: الأرض البارزة!
(٦) كبد القوس: مقبضها عند الرمي!
[ ٤ / ١١١٧ ]
وصلبه على جذعٍ، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله! ربِّ الغلام!
ثم رماه فوقع السهم في صُدغِه، فوضع يده في صُدْغِهِ في موضع السهم، فمات، فقال الناس:
آمنّا بربِّ الغلام!
آمنّا بربِّ الغلام!
آمنّا بربِّ الغلام!
فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنتَ تحذر؟ قد، والله! نزل بك حذرك (١)!
قد آمن الناسُ، فأمر بالأخدود (٢) في أفواه السكك (٣)، فخدِّد وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها (٤)، أو قيل له: اقْتَحِم، ففعلوا، حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست (٥) أن تقع فيها، فقال لها الغلامُ:
يا أمَّه! اصبري، فإِنك على الحق!
_________________
(١) أي ما كنت تحذر وتخاف!
(٢) الأخدود: الشق العظيم في الأرض، وجمعه أخاديد!
(٣) أي أبواب الطرق!
(٤) (فأحموه فيها) هكذا في عامة النسخ، بهمزة قطع بعدها حاء ساكنة، ونقل القاضي اتفاق النسخ على هذا، ووقع في بعض نسخ بلادنا، (فأقحموه) بالقاف، ومعناه اطرحوه فيها كرهًا، ومعنى الرواية الأولى: ارموه فيها، من قولهم: أحميت الحديدة وغيرها، إذا أدخلتها النار لتحمى!
(٥) أي توقفت ولزمت موضعها، وكرهت الدخول في النار!
[ ٤ / ١١١٨ ]
وفي رواية: فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، قال:
يقول الله ﵎ فيه:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ (البروج)!
قال: فأماّ الغلام فإِنه دُفن، قال:
فيُذكر أنه أُخرج في زمن عُمر بن الخطّاب - ﵁ -، إِصبعه على صُدغه، كما وضعها يوم قتل (١)!
تلك قصة أصحاب الأخدود، التي نزلت في شأنها تلك الآيات من سورة (البروج). . وهي التي وردت في تثبيت المؤمنين (٢)، وتصبيرهم على أذى أهل مكّة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدّمهم من التعذيب على الإيمان، حتى
_________________
(١) مسلم: ٥٣ - الزهد والرقائق (٣٠٠٥)، وأحمد: ٦: ١٧ - ١٨، وعبد الرزاق (٩٧٥١)، والترمذي (٣٣٤٠)، وصحيح الترمذي (٢٦٦١)، والبزار (٢٠٩١)، والطبري: التفسير: ٣٠: ١٣٣ - ١٣٤، والنسائي: التفسير (٦٨١)، والكبرى (١١٦٦١)، وابن حبان (٧٣١٩)، والطبراني (٧٣١٩)، وأيضًا (٧٣٢٠) من طريق معمر، وأبو عوانة، كما في إتحاف المهرة: ٦: ٣١٥ من طريق سليمان بن المغيرة، كلاهما عن ثابت به! وسياق معمر ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي - ﷺ -، كما قال الحافظ ابن كثير: التفسير: ٨: ٣٨٩، وقال: قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزّي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى، والله أعلم! وقال الحافظ ابن حجر: الفتح: ٨: ٦٩٨ صرّح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، ومن طريقه أخرجه مسلم، والنسائي، وأحمد، ووقفها معمر، عن ثابت، ومن طريقه أخرجه الترمذي!
(٢) تفسير الفخر الرازي: ٣١ - ١١٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١١٩ ]
يقتدوا بهم، ويصبروا على أذى قومهم، ويعلموا أن كفّار مكّة عند الله بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السابقة، يحرقون أهل الإيمان بالنار، وأحقّاء بأن يقال فيهم (قُتلت قريش) كما ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾!
وقد ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة .. منها:
أنه وقع إلى (نجران) رجلٌ ممن كان على (دين عيسى)، فدعاهم، فأجابوه، فصار إليهم (ذو نواس اليهودي) بجنود من (حمير)، فخيّرهم بين النار واليهوديّة، فأبوا، (فأحرق منهم اثني عشر ألفًا في الأخاديد)، وقيل (سبعين ألفًا)، وذكر أن (طول الأخدود أربعون ذراعًا وعرضه اثنا عشر ذراعًا)!
وقيل: كان في (ثلاث طوائف) - (ثلاث مرات):
مرة باليمن!
ومرة بالعراق!
ومرة بالشام!
ولفظ الأخدود، وإن كان واحدًا إلا أن المراد هو الجمع، وهو كثير في القرآن!
وقال القفال: ذكروا في قصة أصحاب الأخدود روايات مختلفة .. !
وهي متفقة في أنهم قوم من المؤمنين .. !
تلك قصة أصحاب الأخدود، أكبر دليل من الواقع التاريخي على الإرهاب الذي مارسه الكفار والمشركون ضدّ المؤمنين بالله جلّ شأنه!
[ ٤ / ١١٢٠ ]
وتطالعنا سورة البروج بقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ (البروج)!
وهنا نبصر حقائق العقيدة، وقواعد التصوّر الإيماني .. ونبصر أضواء قويّة بعيدة المدى، وراء المعاني والحقائق المباشرة التي تعبّر عنها تلك الآيات .. حتى لتكاد كل آية -وأحيانًا كل كلمة في الآية- أن تفتح كوّةً على عالم مترامي الأطراف من الحقيقة. (١)!
والحادث المباشر هو حادث أصحاب الأخدود!
والموضوع هو أن فئة من المؤمنين السابقين على الإِسلام الذي بعث الله به محمدًا خاتم النبيّين - ﷺ - وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء .. قيل: إنهم من النصارى الموحّدين (٢)، ابتلوا بأعداء لهم طغاة بغاة عتاة، أرادهم على ترك دينهم -كما أسلفنا- فأبوا وتمنعوا بعقيدتهم، فشق الطغاة البغاة العتاة لهم شقًّا في الأرض، وأوقدوا فيه النار، وكبّوا فيه جماعة المؤمنين فماتوا حرقًا، على مرأى من المجموع التي حشدها المتسلّطون، لتشهد مصرع الفئة المؤمنة بهذه الطريقة البشعة!
ونعود إلى مفتتح السورة .. نعود فنجد الارتباط بين الأمور الثلاثة المقسم بها (٣): ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾!
ونجد الإقسام بها متناولًا لكل موجود في الدنيا والآخرة .. وكلٌّ منها آية
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٨٧١.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣٠: ١٣٢، والشوكاني: ٥: ٤١٣.
(٣) بدائع التفسير: ٥: ١٧٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١٢١ ]
مستقلّة دالة على ربوبيّته وإلهيّته، فأقسم بالعالم العلوي، وهي السماء وما فيها من البروج، التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها!
ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلّها قدرًا الذي هو مظهر ملكه، وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، ومجمع أوليائه وأعدائه، والحكم بينهم بعلمه وعدله!
ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله، وهو الشاهد والمشهود .. وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذّبوا أولياءه، وهم شهود على ما يفعلون بهم، والملائكة شهود عليهم بذلك، والجوارح تشهد به عليهم، وأيضًا فالشاهد هو المطّلع والرقيب، والمخبر والمشهود، وهو المطلع عليه المخبر به، المشاهد!
فمن نوّع الخليقة إلى شاهد ومشهود، وهو أقدر القادرين، كما نوّعها إلى مرئي وغير مرئي، كما قال سبحانه:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ (الحاقة)!
كما نوعها إلى أرض وسماء، وليل ونهار، وذكر وأنثى!
وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه - كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود!
وفيه سرّ آخر: وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه، ولا يتم نظام العالم إلا بذلك، فكيف يكون المخلوق شاهدًا رقيبًا حفيظًا على غيره، ولا يكون الخالق ﵎ شاهدًا على عباده مطلعًا عليهم رقيبًا؟!
وأيضًا فإن ذلك يتضمّن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله؛ فإنهم شاهدون على العباد، فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه، كما أقسم باليوم
[ ٤ / ١١٢٢ ]
الموعود، وهو المقسم به وعليه، وأيضًا فيوم القيامة مشهود، كما قال تعالى:
﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ (هود)!
يشهده الله وملائكته والإنس والجن، والوحش، من آياته، والمشهود من آياته!
وأيضًا فكلامه مشهود، كما قال تعالى:
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ (الإسراء)!
تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فالمشهود من أعظم آياته، وكذلك الشاهد، فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم؛ فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان، إلا على سبيل التمثيل!
وأيضًا فكتاب الأبرار في عليّين يشهده المقربون، فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون!
والأحسن، أن يكون هذا القسم مستغنيًا عن الجواب؛ لأن القصد التنبيه على القسم به، وأنه من آيات الربّ العظيمة، ويبعد أن يكون الجواب:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾!
وهم الذين فتنوا أولياءه وعذّبوهم بالنار ذات الوقود!
ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود، شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانًا، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة، ولا يعيبون عليهم دينًا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السموات والأرض!
[ ٤ / ١١٢٣ ]
وهذا الوصف كان يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبّتهم، فعاملوهم ضدّ ما يقتضي أن يعاملوا به!
وهذا شأن أعداء الله دائمًا، ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبّوا ويكرموا لأجله، كما قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ (المائدة)!
مفرق الطريق:
وفي سورة العنكبوت أيضًا يطالعنا قوله تعالي:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾!
(العنكبوت).
وهنا نبصر ذلك النموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء، ثم الادعاء العريض عند الرخاء، في كلمات معدودات .. صورة واضحة الملامح، بارزة السمات!
نبصر ذلك النموذج من الناس، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة العمل، هيّنة المؤونة، لا تكلف إلا نطقها باللسان، ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾! بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾! فاستقبلها في جزع، واختلّت في نفسه القيم، واهتزّت في ضميره العقيدة، وتصوّر أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه -حتى عذاب الله! وقال
[ ٤ / ١١٢٤ ]
في نفسه: ها هو ذا عذاب شديد أليم، ليس وراءه شيء، فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من العذاب؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه.
هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدّة: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾! إنا كنا معكم .. وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير، ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المنهزمون فيقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ .. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾؟!
أوَليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء، وعلى من يموّهون؟
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾! وليكشفنّهم فيُعرفون، فما كانت الفتنة إلا ليتبيَّن الذين آمنوا ويتبيَّن المنافقون!
ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق، وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾!
فليس الأمر أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات -وللطاقة البشريّة حدود- ولكنهم يظلُّون يفرقون تفرقةً واضحةً في تصوّرهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وعذاب الله العظيم، فلا يختلط في حسّهم أبدًا عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير، حتى في هذه اللّحظة التي يتجاوز عذاب الناس
[ ٤ / ١١٢٥ ]
لهم مدى الطاقة وجهد الاحتمال .. إن الأمر في حس المؤمن لا يقوم له شيء، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله .. وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق!
وفي نفس السورة يطالعنا قول الله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾!
بعد ذكر مصارع الطغاة البغاة العتاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدار القرون .. وبعد الحديث في مطلع السورة عن الفتنة والابتلاء، والإغراء -كما أسلفنا (١) - يطالعنا المثل لحقيقة القوى المتصارعة في هذا المجال .. وهنا نبصر قوة واحدة، هي قوة الله .. وما عداها فهو هزيل واهن .. من تعلَّق به أو احتمى فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهية، فهي وما تحتمي به سواء.
إنه تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود .. الحقيقة التي غفل عنها الناس أحيانًا، فيسوء تقديرهم لجميع القيم، ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات، وتختلّ في أيديهم جميع الموازين، ولا يعرفون إلى أين يتوجّهون .. ماذا يأخذون، وماذا يدعون؟
وعندئذ تخدعهم قوّة الحكم والسلطان .. يحسبونها القوّة القادرة التي
_________________
(١) السابق: ٢٧٣٦ بتصرف.
[ ٤ / ١١٢٦ ]
تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضّونها ليكفّوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها!
وتخدعهم قوّة المال، يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة، ويتقدّمون إليها في رغب وفي رهب، ويسعون للحصول عليها، ليستطيلوا بها، ويتسلّطوا على الرقاب، كما يحسبون!
وتخدعهم قوّة العلم، يحسبونها أصل القوّة، وأصل الإيمان، وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدّمون إليها خاشعين، كأنهم عباد في المحاريب!
وتخدعهم هذه القوى الظاهرة .. تخدعهم في أيدي الأفراد، وأيدي الجماعات، وأيدي الدول، فيدورون حولها، ويتهافتون عليها، كما يدور الفراش على المصباح، وكما يتهافت الفراش على النار!
وينسون القوّة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة، وتملكها، وتمنحها، وتوجّهها، وتسخّرها كما تريد حينما تريد!
وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى، سواء كانت في أيدي الأفراد، أو الجماعات أو الدول .. كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت .. حشرة ضعيفة رخوة واهنة، لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن!
وليس هنالك إلا حماية الله، وإلا حماه، وإلا ركنه القويّ الركين!
هذه الحقيقة الضخمة هي التي عُني القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة،
[ ٤ / ١١٢٧ ]
فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها، وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض، ودكَّت بها المعاقل والحصون!
لقد استقرّت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس، وعمرت كل قلب، واختلطت بالدم، وجرت معه في العروق، ولم تعد كلمة تقال باللسان، ليس لها في الجَنان مكان، ولا قضيّة تحتاج إلى جدل؛ بل بديهة مستقرة في النفس، لا يجول غيرها في حسّ ولا خيال!
قوّة الله وحدها هي القوّة .. وولاية الله وحدها هي الولاية .. وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل، مهما علا واستطال، ومهما تجبّر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل!
إنها العنكبوت .. وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾!
وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرّضون للفتنة والأذى، وللإغراء والإغواء -كما أسلفنا- لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة، ولا ينسوها لحظة، وهم يواجهون القوى المختلفة، هذه تضرّ بهم، وتحاول أن تسحقهم .. وهذه تستهويهم، وتحاول أن تشتريهم .. وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، وفي حساب العقيدة حين تصحّ العقيدة، وحين تعرف حقيقة القوى، وتحسنُ التقويم والتقدير: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾!
إنهم يستعينون بأولياء يتخذونهم من دون الله، والله يعلم حقيقة هؤلاء الأولياء .. وهي الحقيقة التي صوَّرت في المثل السابق .. عنكبوت تحتمي بخيوط العنكبوت! ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾!
[ ٤ / ١١٢٨ ]
هو وحده العزيز القادر الحكيم المدبّر لهذا الوجود! ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾.
فلقد اتخذها جماعة من المشركين المغلقي القلوب والعقول مادّة للسخرية والتهكّم، وقالوا: إن ربَّ محمد يتحدّث عن الذباب والعنكبوت، ولم يهزّ مشاعرهمِ هذا التصوير العجيب؛ لأنهم لا يعقلون ولا يعلمون: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾!
ضرورة الابتلاء:
ويطالعنا قوله ﷿:
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ (آل عمران)!
إنها سنّة العقائد والدعوات .. لابدّ من بلاء (١)، ولا بدّ من أذى في الأموال والأنفس، ولا بدّ من صبر ومقاومة واعتزام .. إنه الطريق إلى الجنّة، وقد حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النَّار بالشهوات .. يروي مسلم وغيره عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "حُفَّت الجنَّة بالمكاره، وحُفَّت النَّار بالشهوات" (٢).
_________________
(١) السابق: ١: ٥٣٩ وما بعدها بتصرف.
(٢) مسلم: ٥١ - الجنة (٢٨٢٢)، وأحمد: ٣: ١٥٣، ٢٥٤، ٢٨٤، والبغوي (٤١١٤) والترمذي (٢٥٥٩)، وعبد بن حميد (١٣١١)، وابن حبان (٧١٦، ٧١٨)، والقضاعي: الشهاب (٥٦٨)، والدارمي: ٢: ٣٣٩.
[ ٤ / ١١٢٩ ]
وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "حُفَّت النار بالشهوات، وحُفَّت الجنَّة بالمكاره". (١)
وفي الآية قبل التي معنا قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ (آل عمران)!
وهنا نبصر توجيه القرآن إلى الجماعة المسلمة، يحدثّها عن القيم التي ينبغي أن تحرص عليها، وتضحي من أجلها، ويحدثها عن أشواك الطريق ومتاعبها وآلامها، ويهيب بها إلى الصبر والتقوى والعزم والاحتمال!
إنه لا بدّ من استقرار هذه الحقيقة في النفس: حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة، محدودة بأجل، ثم تأتي نهايتها حتمًا .. يموت الصالحون، ويموت الطالحون .. يموت المجاهدون، ويموت القاعدون .. يموت المستعلون بالعقيدة، ويموت المستذلون للعبيد .. يموت الشجعان الذين يأبون الضيم، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن .. لموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص!
الكل يموت .. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾! كل نفس تذوق هذه الجريمة، وتفارق هذه الحياة، وهنا نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "إِن الميّت تحضره الملائكة، فإِذا كان الرجل الصالح،
_________________
(١) مسلم (٢٨٢٣)، والبخاري (٦٤٨٧) بلفظ "حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنّة بالمكاره"، وابن المبارك: الزهد (٦٥٠، ٩٢٥)، والقضاعي: الشهاب (٥٦٧)، وأحمد: ٢: ٢٦٠، ٣٨٠، وأبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠) من حديث طويل، والنسائي: ٧: ٣، والبغوي: شرح السنة (٤١١٥)، وابن حبان (٧١٩).
[ ٤ / ١١٣٠ ]
قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيّبة، كانت في الجسد الطيّب، اخرجي حميدة، وأبشري بروْح وروْحان وربٍّ غير غضبان. قال: فلا يزال يقال ذلك، حتَّى تخرج، ثم يُعرج بها إِلى السماء، فيُستفتح لها فيُقال: مَنْ هذا؟ فيُقال: فلان، فيقولون: مرحبًا بالنّفس الطّيِّبَة كانت في الجسد الطّيّب، ادْخُلي حميدة، وأبشري بروْح وريْحان وربٍّ غير غضبان، قال: فلا يزال يقال لها حتّى يُنتَهَى بها إِلى السماء التي فيها الله ﷿!
وإِذا كان الرّجُلُ السّوء، قالوا: اخْرجي أيَّتُها النّفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرُجي ذميمةً، وأبشري بحميم وغَسَّاق، وآخر مِنْ شكله أزواج، فلا تزال تخرج ثم يُعرجُ بها إِلى السماء، فَيُسْتفتح لها فيُقال: مَنْ هذا؟ فيُقال: فلان، فيُقال: لاَ مَرحبًا بالنَّفس الْخَبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذَميمةً، فإِنه لا يُفْتح لك أبواب السماء، فَترْسَلُ من السماء، ثم تصير إِلى الْقَبْر فَيُجْلَس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول، ويُجلَسُ الرّجلُ السَّوْء، فيُقال له مثل ما قيل في الحديث الأول". (١)
وهنا نبصر خروج النفس الطيّبة، والنفس الخبيثة .. والفارق في المصير الأخير: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾!
هذه هي القيمة التي يكون فيها الافتراق .. وهذا هو المصير الذي يفترق فيه
_________________
(١) أحمد: ٢: ٣٦٤ - ٣٦٥، وابن ماجه (٤٢٦٢، ٤٢٦٨)، والنسائي: الكبرى (١١٤٤٢)، وابن خزيمة: التوحيد: ١: ٢٧٦ - ٢٧٧، والطبري: التفسير: ٨: ١٧٧، والآجري: الشريعة: ٣٩٢، وابن منده: الإيمان (١٠٦٨)، وانظر: أحمد: ٦: ١٣٩، والنسائي: ٤: ٨ - ٩، ومسلم بنحوه مختصرًا (٢٨٧٢)، وابن منده: الإيمان (١٠٦٩)، والحاكم: ١: ٣٥٣، وابن حبان (٣٠١٣).
[ ٤ / ١١٣١ ]
إنسان عن آخر .. القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد، والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾!
ولفظ: ﴿فَازَ﴾! بذاته يصوّر معناه بجرسه، ويرسم هيئته ويلقي ظله، وكأنما للنار جاذبيّة تشدّ إليها من يقترب منها، ويدخل في مجالها! فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليلًا قليلًا ليخلصه من جاذبيّتها المنهومة! فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها، ويستنقذ من جاذبيّتها، ويدخل الجنّة فقد فاز!
صورة قويّة، بل مشهد حيّ، فيه حركة وشد وجذب! وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته، فللنار جاذبيّة!
أليست للمعصية جاذبيّة؟!
أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها عن جاذبيّة المعصية؟ بلي!
وهذه هي زحزحتها عن النار!
أليس الإنسان -حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة- يظل أبدًا مقصّرًا في العمل .. إلا أن يدركه فضل الله؟ بلى!
وهذه هي الزحزحة عن النار، حين يدرك الإنسان فضل الله، فيزحزحه عن النار! ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾!
إنها متاع .. ولكنه ليس متاع الحقيقة، ولا متاع الصحوة واليقظة؛ بل متاع الغرور .. المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعًا .. المتاع الذي ينشئه الغرور والخداع!
وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرّت في النفس وتكون النفس قد
[ ٤ / ١١٣٢ ]
أخرجت من حسابها الحرص على الحياة -إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال- وأخرجت من حسابها متاع الغرور الزائل .. عندما يبيّن الله للمؤمنين ما ينتظرهم من بلاء في الأموال والأنفس، وقد استعدت نفوسهم للبلاء فمن ثمَّ تتبيّن معالم الطريق كما يصوّرها الكتاب والسنّة، ويثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودًا، إذ هؤلاء هم الذين يصلحون لحملها والصبر عليها، إذن فهم مؤتمنون!
وذلك لكي تعزّ هذه الدعوة عليهم وتغلو، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحّون في سبيلها من عزيز وغال، فلا يفرطون فيها بعد ذلك، مهما تكن الأحوال!
وذلك لكي يصلب عود الدعاة في تبليغ الدعوة؛ فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة، وتنمّيها وتجمعها وتوحّدها، وهي في حاجة إلى استثارة هذه القوى، لتتأصّل جذورها وتتعمّق، وتتّصل بالتربة الخصبة الغنيّة في أعماق الفطرة!
وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم، وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عمليّة واقعيّة، ويعرفون حقيقة النفس البشريّة وخباياها ويعرفون حقيقة الجماعات والمجتمعات وهم يرون كيف تصطرع مبادئ دعوتهم، مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس .. ومداخل الشيطان إلى هذه النفوس، ومزالق الطريق، ومسارب الضلال!
ثم لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لابدّ فيها من خير، ولابدّ فيها منْ سرٍّ يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون .. فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها أفواجًا في نهاية المطاف!
[ ٤ / ١١٣٣ ]
إنها سنّة الدعوات، وكي يصبر المؤمن على ما فيها من مشقّة، ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله، فلا يشط فيعتدي وهو يردّ الاعتداء، ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد، وما يصبر على هذا كله إلا أولو العزم الأقوياء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾!
وهكذا علمت الجماعة المسلمة اللأولى ما ينتظرها من تضحيات وآلام، وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال، من أهل الكتاب من حولها، ومن المشركين أعدائها .. ولكنها سارت في الطريق، ولم تتخاذل، ولم تتراجع، ولم تنكص على أعقابها!
لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الوت، وأن توفية الأجور يوم القيامة، وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنّة فقد فاز، وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور .. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف، وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو!
والأرض الصلبة المكشوفة باقية في كل زمان، والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان، وأعداء الدعوة هم أعداؤها .. تتوالى القرون والأجيال، وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال .. والقرآن هو القرآن!
وهبها كانت القاضية .. فهذا هو الأمل والرجاء، وهنا يطالعنا ما رواه أحمد وغيره بسند قويّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما يجد الشهيد من مَسِّ الموت، إِلا كما يجدُ أحدُكم مسَّ الْقَرْصَة". (١)
_________________
(١) أحمد: ٢: ٢٩٧، والدارمي (٢٤١٣)، والترمذي (١٦٦٨)، والنسائي: ٦: ٣٦، وابن ماجه (٢٨٠٢)، وابن أبي عاصم (١٩٠، ١٩١)، وأبو نعيم: الحلية: ٨: ٢٦٤، والبيهقي: ٩: ١٦٤، والبغوي: شرح السنة (٢٦٣٠)، والتفسير: ١: ٣٧٣، وابن حبان (٤٦٥٥).
[ ٤ / ١١٣٤ ]
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: "ما من عبدٍ يموت له عند الله خير، يسرّه أن يرجع إِلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، لِمَا يرى من فضل الشهادة، فإِنه يسرّه أن يرجع إِلى الدّنيا مرةً أخرى".
وفي رواية: "ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إِلى الدنيا، يتمنّى أن يرجع إِلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء، إِلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إِلى الدّنيا، فيقتَل عشر مرّات، لِمَا يرى من الكرامة". (١)
ولنا حديث عن فضل الجهاد ومكانة الشهيد في حينه بعون الله وتوفيقه!
وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان .. وتختلف وسائل الدعاية ضدّ الجماعة المسلمة، ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وفي أغراضها .. ولكن الأصول واحدة:
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ (آل عمران)!
ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدًا للجماعة المسلمة، كلما همّت أن تتحرّك بهذه العقيدة، وأن تحاول تحقيق منهج الله في الحياة، تَجَمَّعتْ عليها وسائل الكيد والفتنة، ووسائل الدعاية الخبيثة، لتشويه أهدافها، وتمزيق أوصالها!!
_________________
(١) البخاري: ٥٦ - الجهاد (٢٧٩٥، ٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧)، وأحمد: ٣: ١٠٣، ١٧٣، ٢٧٦، والترمذي (١٦٤٣)، والبغوي (٢٦٢٨)، وابن حبان (٤٦٦١، ٤٦٦٢).
[ ٤ / ١١٣٥ ]
ويبقى هذا التوجيه القرآني حاضرًا يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة، وطبيعة طريقها، وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق، ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله، فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى، وحين تعوى حولها بالدعاية، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة .. أنها سائرة في الطريق، وأنها ترى معالم الطريق!
ومن ثمَّ تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة، والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يُكره، وما يؤذي .. تستبشر بهذا كله؛ لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل، وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق، ويبطل عندها الكيد والبليّة، ويصغر عندها الابتلاء والأذى، وتمضي في طريقها الموعود إلى الأمل المنشود .. في صبر وفي تقوى .. وفي عزم أكيد!
قيمة العقيدة:
ويطالعنا قول الله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ (الحج)!
وهنا نبصر نموذجًا من الناس يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة، ويظنها صفقة في سوق التجارة .. والعقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة (١)، وتتجاذبه الأحداث
_________________
(١) السابق: ٤: ٢٤١٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١٣٦ ]
والدوافع فيتشبّث هو بالصخرة التي لا تتزعزع، وتتهاوى من حوله الإسناد فيستند هو إلى الأصول التي لا تحول ولا تزول!
هذه هي قيمة العقيدة في حياة المؤمن، ومن ثمَّ يجب أن يستوي عليها، متمكّنًا منها، واثقًا بها، لا يتلجلج ولا ينتظر عليها جزاء، فهي في ذاتها جزاء؛ ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه، والسند الذي يستند عليه .. أجل هي في ذاتها جزاء على تفتّح القلب للنور وطلبه للهدى .. ومن ثمَّ يهبه الله العقيدة ليأوي إليها، ويطمئن بها .. هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع، ويستبدّ بهم القلق؛ بينما هو بعقيدته مطمئن القلب، ثابت القدم، هادئ البال، موصول بالله، مطمئن بهذا الاتصال!
وأمّا ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه القرآن هنا فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾! وقال: إن الإيمان خير، فها هو ذا يجلب النفعِ ويدر الضرع، وينمّي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾!
خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليها، ولم يتماسك له، ولم يرجع إلى الله فيه .. وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه، وانكفائه عن عقيدته، وانتكاسه عن الهدي الديني الذي كان ميسّرًا له!
والتعبير القرآني يصوّر عبادته لله ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾؛ لأنه غير متمكّن من العقيدة، ولا متثبّت في العبادة .. يصوره في حركة جسديّة متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى، ومن ثمّ ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة ووقفته المتأرجحة تمهّد من قبل لهذا الانقلاب!
[ ٤ / ١١٣٧ ]
إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة؛ ولكنه لا يصلح للعقيدة، فالعقيدة حقّ يعتنق لذاته، بانفعال القلب المتلقّي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقّى .. والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لا تطلب جزاءها خارجًا عن ذاتها!
والمؤمن يعبد ربّه شكرًا له على هدايته إليه، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به جلَّ شأنه!
والمؤمن لا يجرّب إلهه، فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له، مستسلم ابتداء لكل ما يجريه عليه، راض ابتداء بكل ما يناله من السرّاء والضرّاء .. وليست هي صفقة في السوق بين بائع ومشترٍ .. إنما إسلام الخلوق للخالق صاحب الأمر فيه، ومصدر وجوده من الأساس!
والذي ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾!
يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى، إلى جوار خسارة المال أو الولد، أو الصحة، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده، ويبتلي بها ثقتهم فيه، وصبرهم على بلائه، وإخلاصهم أنفسهم له، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره .. ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقُربى ورضوان، فياله من خسران!
وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟ إلى أين يتّجه بعيدًا عن الله؟ إنه ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾! يدعو صنمًا أو وثنًا على طريقة الجاهليّة الأولى، ويدعو شخصًا أو جهة أو مصلحة على طريقة
[ ٤ / ١١٣٨ ]
الجاهليّات المتناثرة في كل زمان ومكان وجيل وقبيل، وعصر ومصر، كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده، والسير على صراطه ومنهجه .. فما هذا كله؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾! المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء .. ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾! من وثن أو شيطان، أو سند من بني الإنسان .. وهذا كله لا يملك ضرًا ولا نفعًا، وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضرّ، وضرره أقرب من نفعه .. ضرره في عالم الضمير بتوزيع القلب، وإثقاله بالوهم، وإثقاله بالذل، وضرره في عالم الواقع .. وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾! ذلك الضعيف لا سلطان له في ضرّ أو نفع ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾! من بني الإنسان، ممن يتّخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان!
والله ﷿ يدّخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله، حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾ (الحج)!
فمن مسّه الضرّ في فتنة من الفتن وفي ابتلاء من الابتلاءات فليثبت ولا يتزعزع، وليستبق ثقته برحمة الله وعونه، وقدرته على كشف الضرّاء، وعلى العوض والجزاء!
فأما من يفقد ثقته في نصر الله، ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة فليفعل بنفسه ما يشاء، وليذهب بنفسه كل مذهب، فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء:
[ ٤ / ١١٣٩ ]
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ (الحج)!
وهو مشهد متحرّك لغيظ النفس، وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ يجسّم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه .. عندما ينزل بها الضرّ وهي على غير اتصال بالله!
والذي ييأس في الضرّ من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة، وكل نسمة رخيّة، وكل رجاء في الفرج .. ويستبدّ به الضّيق، ويثقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء!
فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلّق به أو يختنق، ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق .. ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذلك مما يغيظه!
ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله، ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجّه إلى الله، ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضرّ، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله .. وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب، ومضاعفة الشعور به، والعجز عن دفعه بغير عون الله .. فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله!
حقيقة الابتلاء:
ويطالعنا قول الله ﵎:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى
[ ٤ / ١١٤٠ ]
بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ (الأنعام)!
وهنا نبصر حقيقة قدر الله أن يكون لكل نبيّ عدوّهم شياطين الإنس والجن، وأن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليخدعوهم به، ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهُدى، وأن تصغى إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويرضوه، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق، ومن الضلال والفساد في الأرض (١) .. كل ذلك إنما جرى بقدر الله، وفق مشيئته، ولو شاء ربك ما فعلوه، ولمضت مشيئته بغير هذا كله، ولجرى قدره بغير هذا الذي كان، فليس شيء من هذا بالمصادفة، وليس شيء من هذا بسلطان من البشر كذلك أو قدرة!
فإذا تقرّر أن هذا الذي في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم، وشياطين الإنس والجنّ وباطلهم وزخرفهم وغرورهم .. إذا تقرّر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله، ويتحقق بقدر الله، فإن المسلم ينبغي أن يتّجه إذن إلى تدبّر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض، بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾! بإرادتنا وتقديرنا، جعلنا لكل نبي عدوًّا .. هذا العدوّ هو شياطين الإنس والجن .. والشيطنة وهي التمرّد والغواية والتمحّض للشرّ صفة
_________________
(١) السابق: ٣: ١١٨٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١٤١ ]
تلحق الإنس كما تلحق الجنّ .. وكما أن الذي يتمرّد من الجنّ ويتمحّضُ للشرِّ والغواية يسمّى شيطانًا، فكذلك الذي يتمرّد من الإنس ويتمحّض للشر والغواية .. وقد يوسف بهذه الصفة الحيوان إذا شرس واستشرى أذاه، وقد روى مسلم وغيره مرفوعًا من حديث طويل عن أبي ذر: "الكلب الأسود شيطان". (١)
هؤلاء الشياطن -من الإنس والجن- الذين قدّر الله أن يكونوا أعداء لكل نبيّ، يخدع بعضهم بعضًا بالقول المزخرف، الذي يوحيه بعضهم إلى بعض -ومن معاني الوحي التأثير الداخلي الذي ينتقل به الأثر من كائن إلى كائن آخر- ويغر بعضهم بعضًا، ويحرّض بعضهم بعضًا على التمرّد والغواية والشرّ والمعصية .. وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبيّ، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به معروفة يمكن أن يراها الناس في كل زمان!
فأمّا الجن فهم غيب من غيب الله، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به مَن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء .. نقول من ناحية المبدأ نحن نؤمن بقول الله عنها، ونصدق بخبره في الحدود التي
_________________
(١) مسلم: ٤ - الصلاة (٥١٠)، والطيالسي (٤٥٣)، وأحمد: ٥: ١٤٩، ١٥١، ١٥٥، ١٥٨، ١٦٠، ١٦١، ١٦٤، والدرامي (١٤٢١)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي: ٢: ١٦٣، والكبرى (٧٣٧)، وابن خزيمة (٨٠٦، ٨٣٠، ٨٣١)، وأبو عوانة: ٢: ٤٧، والطحاوي: ١: ٤٥٨، وابن حبان (٢٣٨٥)، والطبراني: الكبير (١٦٣٥، ١٦٣٦)، والصغير (١٩٥، ٥٠٥)، وابن ماجه (٩٥٢، ٣٢١٠).
[ ٤ / ١١٤٢ ]
قرَّرها .. فأمّا أولئك الذين يتترسون بـ (العلم) لينكروا ما يقرّره الله في هذا الشأن، فلا ندري علامَ يرتكنون؟
إن عليهم البشريّ لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء في هذا الكوكب الأرضي! كما أن علمهم هذا لا (يعلم) ماذا في الأجرام الأخرى! وكل ما يمكن أن (يفترضه) أن نوع الحياة الموجود في الأرض يمكن أو لا يمكن أن يوجد في بعض الكواكب والنجوم .. وهذا لا يمكن أن ينفي -حتى لو تأكّدت الفروض- أن أنواعًا أخرى من الحياة وأجناسًا أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون، لا يعلم هذا (العلم) عنها شيئًا! فمن التحكّم والتبجّح أن ينفي أحد باسم (العلم) وجود هذه العوالم الحيّة الأخرى!
وأمّا من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمّى بـ (الجن)، والذي يتشيطن بعضه ويتمخّض للشرّ والغواية -كإبليس وذرّيّته-كما يتشيطن بعض الإنس .. من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمَّى بـ (الجن)، فنحن لا نعلم عنه إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله سبحانه، وعن رسول الله - ﷺ -!
ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار، وأنه مزوّد بالقدرة على الحياة في الأرض وغيرها، وأنه يملك الحركة في هذه المجالات بأسرع مما يملك البشر، وأن منه ما هو مؤمن، وما هو متمرّد، وأنه يرى بني آدم، وبنو آدم لا يرونه -في هيئته الأصليّة- وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان! وأن الشياطين منه مسلّطون علي بني الإنسان يغرونهم ويضلّونهم، وهم قادرون على الوسوسة لهم، والإيحاء بطريقة لا نعلمها، وأن هؤلاء الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين، وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر الله خنس وتوارى، وإذا غفل برز فوسوس له! وأن المؤمن أقوى بالذكر
[ ٤ / ١١٤٣ ]
يخلص لنا ابتداء
ويخلص لنا ثانيا
من كيد الشيطان الضعيف، وأن عالم الجنّ يحشر مع عالم الإنس، ويحاسب، ويجازى بالجنّة وبالنار كالجنس الإنساني، وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقًا ضعيفًا لا حول له ولا قوة!
ونبصر في هذه الآية أن الله ﵎ قد جعل لكل نبيٍّ عدوًّا شياطين الإنس والجن .. والله تعالى قادر -لو شاء- على ألا يفعلوا شيئًا من هذا .. وألا يتمرّدوا، وألا يتمحّضوا للشر، وألا يعادوا الأنبياء، وألا يؤذوا المؤمنين، وألا يضلّوا الناس عن سبيل الله .. إن الله قادر أن يقهرهم قهرًا على الهُدى، أو أن يهديهم لو توجّهوا للهدى، أو أن يعجزهم عن التصدّي للأنبياء والحق والمؤمنين به .. ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله -بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره- وقدّر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه، كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إيّاه، فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدّره الله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾!
ترى، ما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات؟
يخلص لنا ابتداءً: أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبيّ، ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء هم (شياطن)! شياطين من الإنس ومن الجنّ .. وأنهم يؤدّون جميعًا -شياطين الإنس والجنّ- وظيفة واحدة! وأن بعضهم يخدع بعضًا ويضلّه كذلك، مع قيامهم جميع أبو ظيفة التمرّد والغواية وعداء أولياء الله!
ويخلص لنا ثانيًا: أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئًا من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء، وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتيّة فيهم، إنما هم في قبضة الله وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء،
[ ٤ / ١١٤٤ ]
ويخلص لنا ثالثا
ويخلص لنا رابعا
وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اختاروا الامتحان بقوّة كفّ الله عنهم الابتلاء، وكفّ عنهم هؤلاء الأعداء، وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدّوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدّر الله، وآب أعداء الله بالضعف والخذلان، وبأوزارهم كاملة، يحملونها على ظهورهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾!
ويخلص لنا ثالثًا: أن من حكمة الله الخالصة أن يترك لشياطن الإنس والجن أن يتشيطنوا -فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة- وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترةً من الزمان فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا: أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق، بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم، ويبيعونها بيعة واحدة لله، على السراء وعلى الضرّاء سواء، وفي المنشط والمكره؟ وإلا فقد كان الله قادرًا على ألا يكون شيء من هذا الذي كان!
ويخلص لنا رابعًا: هَوَان الشياطن من الإنس والجنّ، وهَوَانُ كيدهم وأذاهم، فما يستطيعون بقوّة ذاتيّة لهم، وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم والمؤمن الذي يعلم أن ربّه هو الذي يقدر، وهو الذي يأذن، خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين، مهما تبلغ قوّتهمِ الظاهرة، وسلطانهم المدَّعى .. ومن هنا هذا التوجيه العلوي: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾!
دعهم وافتراءهم، فأنا من ورائهم قادر على أخذهم، مدّخر لهم جزاءهم!
وهناك حكمة أخرى غير ابتلاء الشياطين، وابتلاء المؤمنين .. لقد قدّر الله أن يكون هذا العداء، وأن يكون هذا الإيحاء وأن يكون هذا الغرور بالقول
[ ٤ / ١١٤٥ ]
والخداع .. لحكمة أخرى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾!
أي لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة .. فهؤلاء يحصرون همّهم كله في الدنيا، وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون لكل نبيّ، وينالون بالأذى أتباع كل نبيّ، ويزين بعضهم لبعض القول والفعل، فيخضعون للشياطين، معجبين بزخرفهم الباطل، معجبين بسلطانهم الخادع، ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشرّ والمعصية والفساد، في ظلّ ذلك الإيحاء، وبسبب هذا الإصغاء!
وهذا أمر أراده الله كذلك، وجرى به قدرة، لما وراءه من التمحيص والتجربة؛ ولما فيه من إعطاء كل أحد فرصته، ليعمل لما هو ميسّر له، ويستحق جزاءه بالعدل والقسطاس!
ثم لتصلح الحياة بالدفع، ويتميّز الحق بالمفاصلة، ويتمحّض الخير بالصبر، ويحمل الشياطين أوزارهم كاملة يوم القيامة .. وليجري الأمر كله وفق مشيئة الله .. أمر أعدائه وأمر أوليائه على السواء .. إنها مشيئة الله، والله يفعل ما يشاء!
والمشهد الذي يرسمه القرآن الكريم للمعركة بين شياطين الإنس والجنّ من ناحية، وكل نبيّ وأتباعه من ناحية أخرى، ومشيئة الله المهيمنة وقدره النافذ من ناحية ثالثة .. هذا المشهد بكل جوانبه جدير بأن نقف أمامه وقفة قصيرة!
إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون .. شياطين الإنس والجن .. تتجمّع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقرّرة، هي عداء الحق الممثّل
[ ٤ / ١١٤٦ ]
في رسالات الأنبياء وحربه .. خطة مقرّرة فيها وسائلها: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾!
يمدّ بعضهم بعضًا بوسائل الخداع والغواية، وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضًا! وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمّع للشرّ في حرب الحق وأهله .. إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم، ويعين بعضهم بعضًا على الضلال أيضًا! إنهم لا يهدون بعضهم بعضًا إلى الحق أبدًا، ولكن يزيّن بعضهم لبعض عداء الحق وحربه، والمضيّ في المعركة معه طويلًا!
ولكن هذا الكيد كله ليس طليقًا؛ إنه محاط به بمشيئة الله وقدره؛ لا يقدر الشياطين على نبيّ إلا بالقدر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره .. ومن هنا يبدو هذا الكيد -على ضخامته وتجمّع قوى الشرّ العالميّة كلها عليه- مقيّدًا مغلولًا!
إنه لا ينطلق كما يشاء بلا قيد ولا ضابط، ولا يصيب من يشاء بلا معقّب ولا مراجع، كما يحبّ الطغاة البغاة العتاة أن يلقوا في روع من يعبدونهم من البشر، ليعلّقوا قلوبهم بمشيئتهم وإرادتهم!
كلا! إن إرادتهم مقيّدة بمشيئة الله، وقدرتهم محدودة بقدر الله .. وما يضرون أولياء الله بشيء إلا بما أراده الله -في حدود الابتلاء- ومرد الأمر كله إلى الله!
ومشهد التجمّع على خطّة مقرّرة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق، ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها .. ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطّة الشياطين وتدبيرهم، وجدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين، وأن يعلّق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ، وبالسلطان الحق الأصيل في هذا الوجود، وأن يطلق وجدانهم من
[ ٤ / ١١٤٧ ]
التعلّق بما يريده أو لا يريده الشياطين! وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق، بعد بنائه في قلوبهم هم وفي حياتهم .. أمّا عداوة الشياطين، وكيد الشياطين، فليدعوهما للمشيئة المحيطة، والقدر النافذ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾!
ويطالعنا قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ (الأنعام)!
إنها سنة جارية (١)، أن ينتدب في كل قرية (وهي المدينة الكبيرة والعاصمة) نفر من أكابر المجرمين فيها، يقفون موقف العداء من دين الله، ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس، ومن الربوبيّة التي يتعبّدون بها الناس، ومن الحاكميّة التي يستذلّون بها الرقاب، ويردّ هذا كله إلى الله وحده .. ربّ الناس .. ملك الناس .. إله الناس!
إنها سنة من أصل الفطرة .. أن يرسل الله رسله بالحق .. بهذا الحق الذي يجرّد مدّعي الألوهية من الألوهيّة، والربوبيّة، والحاكميّة، فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله، ثم يمكرون مكرهم في القرى، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، ويتعاونون مع شياطين الجنّ في المعركة مع الحق والهدى، وفي نشر الباطل والضلال، واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي!
إنها سنّة جارية، ومعركة محتومة؛ لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل
_________________
(١) السابق: ١٢٠٢ بتصرف.
[ ٤ / ١١٤٨ ]
بين القاعدة الأولى في دين الله -وهي ردّ الحاكميّة كلها لله- وأطماع المجرمين في القرى، بل بين وجودهم أصلًا!
معركة لا مفرّ للرسول - ﷺ - أن يخوضها، فهو لا يملك أن يتّقيها، ولا مفرّ للمؤمنين بالنبيّ أن يخوضوها، وأن يمضوا إلى النهاية فيها .. والله سبحانه يطمئن أولياءه .. إن كيد أكابر المجرمين -مهما ضخم واستطال- لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف .. إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليّهم فيها، وهو حسبهم، وهو يردّ على الكائدين كيدهم: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ فليطمئن المؤمنون!
ويطالعنا قوله ﷿:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ (الفرقان)!
ولله الحكمة البالغة (١) فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوّي عودها، ويطبعها بطابع الجدّ الذي يناسب طبيعتها .. وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدّون لها -مهما كلّفهم من مشقة، ومن تعويق- هو الذي يميّز الدعوات الحقّة من الدعوات الزائفة .. وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم، فلا يبقى بجوارها إلا العناصر المؤمنة القويّة المتجرّدة، التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة، تبتغي بها وجه الله تعالى!
_________________
(١) السابق: ٥: ٢٥٦١ بتصرف.
[ ٤ / ١١٤٩ ]
ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة، تسلك طريقًا ممهّدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرّض لها المكذّبون والمعاندون لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت الدعوات .. ووقعت البلبلة والفتنة، ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات، هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتمًا مقضيًّا، ويجعل الآلام والتضحيات لها وقودًا، فلا يكافح ويناضل، ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون، الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع، وأعراض الحياة الدنيا؛ بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها، ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودًا، وأشدّهم إيمانًا، وأكثرهم تطلعًا إلى ما عند الله، واستهانةً بما عند الناس .. عندئذ تتميّز دعوة الحق من دعاوى الباطل، وعندئذ تُمَحّص الصفوف، فيتميّز الأقوياء من الضعفاء، وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، واجتازوا امتحانها وبلاءها .. أولئك هم الأمناء عليها، الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته، وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين .. وقد علَّمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور .. وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم، فنما رصيدهم من القوّة، ونمت ذخيرتهم من المعرفة، فيكون هذا رصيدًا للدعوة التي يحملون رايتها على السرّاء والضرّاء!
والذي يقع غالبًا أن كثرة الناس تقف مشاهدة للصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات، حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صفّ أصحاب الدعوات، وهم ثابتون على دعوتهم، ماضون في طريقهم، أدركت
[ ٤ / ١١٥٠ ]
الكثرة المشاهدة تمسك أصحاب الدعوة بدعوتهم، فعلى الرغم من التضحيات والآلام، إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحّون به وأثمن .. وعندئذ تتقدّم الكثرة المشاهدة لترى هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة، ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة، وعندئذ يدخل المشاهدون أفواجًا في هذه العقيدة بعد طول مشاهدة لأحداث الصراع!
ومن أجل هذا كله جعل الله لكل نبيّ عدوًّا من المجرمين، وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق، وحملة الدعوة يكافحون المجرمين، فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق، والنهاية مقدّرة من قبل، ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله .. إنها الهداية إلى الحق؛ لأنه الانتهاء إلى النصر: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾!
وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر معتاد؛ فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشريّة .. فساد في القلوب؛ وفساد في النظم؛ وفساد في الأوضاع .. ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون، الذين ينشئون الفساد من ناحية، ويستغلّونه من ناحية، والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفّس شهواتهم في جوّه الوبيء، والذين يجدون فيه سندًا للرغبات الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها .. فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعًا عن وجودهم واستبقاءً للجوّ الذي يستطيعون أن يتنفّسوا فيه، وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة، ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن، وكذلك المجرمون .. فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق، ويستميتون في كفاحها .. وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية؛ لأنها تسير في خط الحياة، وتتّجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتّصل فيه
[ ٤ / ١١٥١ ]
بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدّر لها، كما أراده الله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾!
ابتلاء شديد:
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ (الأنبياء)!
وهنا نبصر الابتلاء بالخير -كما أسلفنا- نبصره أشدّ وطأة، وإن خيّل للناس أنه دون الابتلاء بالشرّ .. إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشرّ، ولكن القلّة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير! (١)
كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة، ويكبحون جماح القوّة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم!
كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الثراء والجدة، وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع!
كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم، ولكن القليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والناصب والمتاع والثراء!
كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن القليلين هم الذين يصبرون
_________________
(١) السابق: ٤: ٢٣٧٧ بتصرف.
[ ٤ / ١١٥٢ ]
على الدعة والسعة، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذلّ أعناق الرجال. وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويكبت الأرواح!
إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة، ويجنّد الأعصاب، فتكون القوى كلها معبّأة لاستقبال الشدّة والصمود لها، أما الرّخاء فيوخي الأعصاب ويُنيمُها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة!
لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدّة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر، إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله - ﷺ - فيما رواه مسلم وغيره عن صهيب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمن، إِن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إِلا للمؤمن إِن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإِن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له". (١)
واليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشرّ .. والصلة بالله في الحالية هي وحدها الضمان!
يروي الشيخان وغيرهما عن عروة بن الزبير، أن المسور بن مخرمة أخبره أن عمرو بن عوف -هو حليف لبني عامر بن لؤي، كان قد شهد بدرًا مع رسول الله - ﷺ -: أخبره أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إِلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله - ﷺ - هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضْرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البَحْرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصبح مع رسول الله - ﷺ -، فلمّا
_________________
(١) مسلم: ٥٣ - الزهد (٢٩٩٩)، وأحمد: ٤: ٣٣٢، ٣٣٣، ٦: ١٥، ١٦، والدارمي: ٢: ٣١٨، والطبراني (٧٣١٦، ٨٣١٧)، وابن حبان (٢٨٩٦)
[ ٤ / ١١٥٣ ]
انصرف تعرّضوا له، فتبسّم رسول الله - ﷺ - حين رآهم، وقال: "أظنّكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة، وأنه جاء بشيء" قالوا: أجل يا رسول الله! قال: "فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فوالله! ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسطَتْ على مَن كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسُوهَا، وتُلْهِيكَم كما أَلْهَتْهُمْ". (١)
ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض" قيل: وما بركات الأرض؟ قال: "زهرةُ الدنيا" فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فَصَمَتَ النبي - ﷺ -، حتى ظننت أنه يُنزَلُ عليه ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال: "أين السائل"؟ قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حَمِدنَاهُ حِينَ طَلَع لذلك. قال: "لا يأتي الخير إِلا بالخير، إِن هذا المال خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، وإِن كل ما أنبت الرَّبِيع يَقتُل حَبَطًا أو يلِمّ، إِلا آكلة الْخَضرَةِ، أَكَلَتْ حتى إِذا امتَدَّت خاصِرتَاهَا استقبلت الشّمس فاجْتَرَّت وثَلَطَتْ وبَالَتْ، ثم عادتْ فأَكَلَتْ، وإِن هذا المال حُلْوَةٌ: مَنْ أَخَذَهُ بحقِّه، ووضَعه في حقّه، فَنِعمَ المعُونَة هو، وإِن أخذه بغير حقّه كان كالذي يأكل ولا يشبع" (٢)
_________________
(١) البخاري: ٨١ - الرقاق (٦٤٢٥)، ومسلم (٢٩٦١)، وأحمد: ٤: ١٣٧، ٣٢٧، والترمذي (٢٤٦٢)، وابن ماجة (٣٩٩٧)، والنسائي: الكبرى (٨٧٦٦)، والقاسم بن سلام: الأموال (٨٣)، وابن زنجويه (١٢٩)، وابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (١٧٦٧)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (٢٠٢٧)، والطبراني: الكبير: ١٧ (٣٨ - ٤١)، والبيهقي: ٩: ١٩ - ١٩١، والدلائل: ٦: ٣١٩.
(٢) البخاري: ٨١ - الرقاق (٦٤٢٧)، وانظر (٩٢١، ١٤٦٥، ٢٨٤٢)، ومسلم (١٠٥٢)، وأحمد: ٣: ٢١، ٩١، والنسائي: ٥: ٩٠، والطيالسي (٢١٨٠)، وعبد الرزاق (٢٠٠٢٨)، والبغوي (٤٠٥١)، وابن حبان (٣٢٢٥).
[ ٤ / ١١٥٤ ]
قال ابن حجر (١): الرزق ولو كثر هو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشرّ بعارض البخل به عين يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيرًا فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يخشى على مَن رُزق الخير أن يعرض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرّ.
ووقع في مرسل سعيد المقبري عند سعيد بن منصور: "أو خير هو؟ ثلاث مرات"، وهو استفهام إنكار، أي أن هذا المال ليس خيرًا حقيقيًّا، وإن سمّي خيرًا؛ لأن الخير الحقيقيّ هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أن الشرّ الحقيقيّ فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق، والإخراج في الباطل، وما ذكر في الحديث بعد ذلك من قوله: "إِن هذا المال خَضِرة حلوة" كضرب المثل بهذه الجملة.
وفي رواية الدارقطني: "ولكن هذا المال .. . إِلخ" ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمّي كل شيء مشرق ناضر أخضر!
وقال ابن الأنباري: قوله: "المال خضرة حلوة" ليس هو صفة المال، وإنما هو للتشبيه، كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، والتاء، في قوله: "خضرة وحلوة" باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا، أو على معنى فائدة المال، أي أن الحياة به أو العيشة، أو أن المراد بالمال هنا الدنيا؛ لأنه من زينتها، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦).
ووقع في حديث أبي سعيد -أيضًا- المخرج في السن: "الدّنيا خضرة حلوة"، فيتوافق الحديثان.
_________________
(١) فتح الباري: ١١: ٢٤٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١٥٥ ]
ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة .. ثم قال: "أما حبطًا" فبفتح المهملة والموحدة، والطاء المهملة أيضًا، والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حبطت الدّابّة تحبط حبطًا، إذا أصابت مرعى طيّبًا فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ فتموت، وروي بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب، والأوّل المعتمد!
وقوله: "يُلِم" بضم أوّله، أي يقرب من الهلاك!
ثم قال: قوله: "اجترت" بالجيم، أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فأعادت مضغه، "وثَلَطَت" بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة، وضُبطت بكسر اللام، أي ألقت ما في بطنها رقيقًا، زاد الدارقطني: "ثم عادت فأكلت" والمعنى أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيّلت في دفعه بأن تجترّ فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمي بها فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا!
قال الأزهري: هذا الحديث إذا فُرّق لم يكد يظهر معناه، وفيه مثلان: أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها، وهو ما تقدّم، أي الذي يقتل حَبَطًا.
والثاني: المقتصد في جمعها، وفي الانتفاع بها، وهو آكلة الخضر، فإن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها الحبّة، والحبّة ما فوق البقل ودون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا منعها من مستحقّها،
[ ٤ / ١١٥٦ ]
فهو ينجو من وبالها، كما تحبّ آكلة الخضر، وأكثر ما تحبط الماشية إذا انحبس رجيعها في بطنها!
وقال الزين بن المنير: آكلة الخضر هي بهيية الأنعام التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها، وما يعرض لها من البشم وغيره، والخضر: النبات الأخضر، وقيل: حرار العشب التي تستلذ الماشية أكله، فتستكثر منه، وقيل: هو ما ينبت بعد إدراك العشب وهياجه، فإن الماشية تقتطف منه مثلًا شيئًا فشيئًا، ولا يصيبها منه ألم، وهذا الأخير فيه نظر، فإن سياق الحديث يقتضي وجود الحبط للجميع، إلا لمن وقعت منه المداومة، حتى اندفع عنه ما يضرّه، وليس المراد أن آكلة الخضر لا يحصل لها من آكله ضرر البتّة، والمستثنى آكلة الخضر بالوصف المذكور، لا كل من اتّصف بأنه آكلة الخضر، ولعل قائله وقعت له رواية فيها: "يقتل أو يلم إِلا آكلة الخضر"، ولم يذكر ما بعده، فشرحه على ظاهر هذا الاختصار!
ثم قال: قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" زاد هلال: "ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة" يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازًا، والمراد شهادة الملك الموكّل به!
ويؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف:
لأن الماشية إذا رعت الخضر للتغذية إمّا أن تقتصر منه على الكفاية، وإمّا أن تستكثر، الأول: الزهاد، والثاني: إمّا أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ واستمرّ النفع، وإمّا أن يهمل ذلك!
الأوّل: العاملون في جميع الدّنيا بما يحب من إمساك وبذل!
[ ٤ / ١١٥٧ ]
والثاني: العاملون في ذلك، بخلاف ذلك!
وقال الطّيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف:
فمن أكل منه أكل مستلذّ مفرط منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يقلع فيسرع إليه الهلاك.
ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاختيال لدفع الداء، بعد أن استحكم فغلبه فأهلكه!
ومن أكل كذلك؛ لكنه بادر إلى إزالة ما يضّره، وتحيّل في دفعه حتّى انهضم فيسلم!
ومن أكل غير مفرط ولا منهمك؛ وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته ويمسك رمقه!
فالأول مثال الكفار!
والثاني مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة، إلا عند فوتها!
والثالث مثال للمخلط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة!
والرابع مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة.
وبعضها لم يصرّح به في الحديث، وأخذه عنه محتمل!
ثم قال: وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة:
أوّلها: تشبيه المال ونموّه بالنبات وظهوره!
ثانيها: تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب!
[ ٤ / ١١٥٨ ]
وثالثها: تشبيه الاستكثار منه، والإدخال له، بالشره في الأكل والامتلاء منه!
ورابعها: تشبيه الخارج من المال، مع عظمته في النفوس، حتى أدى إلى البالغة في البخل به، بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقزاره شرعًا!
وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه؛ بالشاة إذا استراحت؛ وحطَّت جانبها، مستقبلة عين الشمس؛ فإنها من أحسن حالاتها سكونًا ومسكينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها!
وسادسها: تشبيه موت الجائع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها!
وسابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يحرز، ويشدّ وثاقه، حبًّا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقّه، فيكون سببًا لعقاب مقتنيه!
وثامنها: تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع!
وقال الغزالي: مثل المال مثل الحيّة التي فيها ترياق نافع، وسمٌّ ناقعٌ، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرّها، ويعرف استخراج ترياقها، كان نعمة، وإن أصابها الغبيّ فقد لقي المهلك!
قال ابن حجر: وفيه التحذير من المنافسة في الدّنيا، وفيه استفهام عما يشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة، وفيه تسمية المال خيرًا، ويؤيده قوِله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ (العاديات)! وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ (البقرة: ١٨٠)!
[ ٤ / ١١٥٩ ]
وفيه ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن، كالبول، فإن ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام!
وفيه أنه - ﷺ - كان ينتظر الوحي، عند إرادة الجواب، عما يُسأل عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة!
ويجوز أن يكون سكوته، ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة.
وقد عدّ ابن دريد هذا الحديث، وهو قوله: "إِن مما ينبت الرّبيع يقتل حبطًا أو يلم" من الكلام المفرد الوجيز، الذي لم يُسبق - ﷺ - إلى معناه، وكل من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه!
ويستفاد منه: ترك العجلة في الجواب، إذا كان يحتاج إلى التأمل!
وفيه لوم من ظن به تعنّت في السؤال، وحمد من أجاد فيه!
وفيه تفضيل الغنيّ على الفقير، ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به، لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر!
والعجيب أن النووي قال: وفيه حجّة لمن يرجّح الغنيّ على الفقير. (١)
قال ابن حجر: ولا حجّة فيه؛ لأنه يمكن التمسّك به لمن لم يرجّح الغنيّ على الفقير .. ثم قال: والتحقيق أنه لا حجّة فيه لأحد القولين!
وفيه أن المكتسب المال من غير حله لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع!
وفيه ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل والنهم فيه، وأن اكتسابه من غير حلّه،
_________________
(١) السابق: ٢٤٩، ومسلم بشرح النووي: ٧: ١٤٤.
[ ٤ / ١١٦٠ ]
وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦)!
تلك معالم هذا الحديث، رأيت ضرورة ذكرها لأهميتها!
ومعلوم أن القرآن الكريم يخاطب الكينونة البشريّة (١)، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفيّ، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك!
وهو سبحانه يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة، ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها، ومن هنا ينبّهنا إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد .. لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها، فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء، ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرّقه .. أيشكر عليها ويؤدّي حق النعمة فيها؟ أم يشغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: ٣٥)!
فالفتنة -كما أسلفنا- لا تكون بالشدّة والحرمان وحدهما .. إنها كذلك تكون بالرّخاء وبالعطاء أيضًا! ومن الرّخاء والعطاء هذه الأموال والأولاد .. هذا هو التنبيه الأول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ (الأنفال)!
فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار كان ذلك عونًا له على الحذر واليقظة والاحتياط، أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة .. ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض .. فقد يضعف عن الأداء -بعد الانتباه-
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٤٩٨ بتصرف.
[ ٤ / ١١٦١ ]
لثقل التضحية وضخامة التكليف، وبخاصة في مواطن الضعف في الأموال والأولاد إنما يلوّح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوّى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾!
إنه سبحانه هو الذي وهب الأموال والأولاد .. وعنده وراءهما أمر عظيم لمن يستعلي على هذه الفتنة والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكليف الأمانة وتضحيات الجهاد .. وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (النساء)!
إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصوّر، والتربية والتوجيه، والفرض والتكليف .. منهج الله الذي يعلم؛ لأنه هو الذي خلق: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك)!
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ (الأنفال)!
ونبصر الهتاف بالتقوى، فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال، إلا وهي على بيّنة من أمرها، ونور يكشف لها الشبهات، ويزيل الوساوس، ويثبّت الأقدام على الطريق الشائك الطويل، وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله!
هذا هو الزاد، وهذه هي عدة الطريق .. زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها، وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي، وعدّة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مدّ البصر، فلا تغبشه الشبهات التي
[ ٤ / ١١٦٢ ]
تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة .. ثم هو زاد المغفرة للخطايا .. الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار .. وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد، وتقصر الأعمال!
إنها حقيقة: أن تقوى الله تجعل في القلب فرقانًا يكشف له منعرجات الطريق، ولكن هذه الحقيقة -ككل حقائق العقيدة- لا يعرفها إلا من ذاقها فعلًا!
إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها!
إن الأمور تظلّ متشابكة في الحسّ والعقل، والطرق تظلّ متشابكة في النّظر والفكر، والباطل يظلّ متلبّسًا بالحق عند مفارق الطريق!
وتظلّ الحجّة تُفحم ولكن لا تُقنع، وتُسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل، ويظلّ الجدل عبثًا، والمناقشة جهدًا ضائعًا .. وذلك ما لم تكن التقوى!!
فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشّف الطريق، واطمأنّ القلب، واستراح الضمير، واستقرّت القدم وثبتت على الطريق!
إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة .. إن هناك اصطلاحًا من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه، والذي خلقت به السماوات والأرض .. ولكنه الهوى الذي يحول بين الحق والفطرة .. الهوى هو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويُعمي المسالك، ويُخفي الدروب .. والهوى لا تدفعه الحجّة إنما تدفعه التقوى .. تدفعه مخافة الله، ومراقبته في السرّ والعلن .. ومن ثمَّ هذا الفرقان الذي يُنير البصيرة، ويرفع اللبس، ويكشف الطريق!
وهو أمر لا يقدّر بثمن .. ولكنه فضل الله العظيم، يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب!
[ ٤ / ١١٦٣ ]
ألا إنه العطاء العميم الذي لا يعطيه إلا الله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ (آل عمران)!
وهنا نبصر التفاتة واقعيّة إلى الفتنة المستكنّة في المتاع المتاح في هذه الأرض للكفّار والعصاة المعادين لمنهج الله (١) .. التفاتة لإعطاء هذا المنهج وزنه الصحيح، وقيمته الصحيحة، كي لا تكون فتنة لأصحابه، ثم لا تكون فتنة للمؤمنين، الذين يعانون ما يعانون، من أذى وإخراج من الديار، وقتل وقتال!
وقبل ذلك نبصر تكاليف العقيدة في النفس والمال، كما نبصر طبيعة الأرض التي يقوم عليها، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك، وضرورة مغالبة العوائق، وتكسير الأشواك، وتمهيد التربة للنبتة الطيّبة، والتمكين لها في الأرض، أيًّا كانت التضحيات، وأيًّا كانت العقبات: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ (آل عمران)!
وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أوّل مرَّة .. الذين هاجروا من مكّة، وأخرجوا من ديارهم، في سبيل العقيدة، وأوذوا في سبيل الله، لا في أيّ غاية سواء، وقاتلوا وقُتلوا .. ولكنها صورة أصحاب هذه
_________________
(١) السابق: ١: ٥٤٩ بتصرف
[ ٤ / ١١٦٤ ]
هذا هو الطريق
وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوماته،
العقيدة في صميمها في كل أرض، وفي كل زمان .. صورتها وهي تنشأ في الجاهليَّة -أيّة جاهليّة- في الأرض المعادية لها -أيّة أرض- وبين القوم المعادين -أىّ قوم- فتضيق بها الصدور، وتتأذّى بها الأطماع والشهوات، وتتعرّض للأذى والمطاردة، وأصحابها -في أوّل الأمر- قلّة مستضعفة، ثم تنمو النبتة الطيّبة -كما لا بد أن تنمو- على الرغم من الأذى، وعلى الرغم من المطاردة، ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها، فيكون القتال، ويكون القتل .. وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيّئات، ويكون الجزاء ويكون الثواب!
هذا هو الطريق .. طريق هذا المنهج الربّانيّ، الذي قدّر الله أن يكون تحقّقه في واقع الحياة بالجهد البشري .. وعن طريق هذا الجهد، وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله، ابتغاء وجه الله!
وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوّماته، وتكاليفه، ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية، وطريقته في التوجيه، للانتقال من مرحلة التأثّر الوجدانيّ بالتفكّر والتدبّر في خلق الله، إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثّر تحقيقًا للمنهج الذي أراده الله! (١)
ونبصر في تقلّب الذين كفروا في البلاد مظهرًا من مظاهر النعمة والوجدان، ومن مظاهر المكانة والسلطان، وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة .. يحيك منه شيء في قلوب المؤمنين، وهم يعانون الشظف والحرمان، ويعانون الأذى والجهد، ويعانون المطاردة أو الجهاد .. وكلها مشقات وأهوال، بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون! .. ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة، وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء،
_________________
(١) انظر: منهج التربية الإِسلامية: تربية العقل - محمد قطب.
[ ٤ / ١١٦٥ ]
والباطل وأهله في منجاة، بل في مسلاة! .. ويحيك منه شيء في قلوب الضالّين المبطلين أنفسهم، فيزيدهم ضلالًا وبطرًا ولجاجًا في الشر والفساد!
هنا تأتي هذه اللمسة: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾!
متاع قليل .. ينتهي ويذهب .. أما المأوى الدائم الخالد، فهو جهنم .. وبئس المهاد!
وفي مقابل المتاع القليل الذاهب جنّات وخلود وتكريم من الله: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ (آل عمران)!
وما يشك أحدٌ في أن ما عند الله خير للأبرار، وما تبقى في القلب شبهة في أن كفّة الذين اتقوا أرجح من كفّة الذين كفروا في هذا الميزان، وما يتردّد ذو عقل في اختيار النصيب الذي يختاره لأنفسهم أولو الألباب!
وفي موضع التربية، ومجال إقرار القيم الأساسية، في التصوّر الإِسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر، ولا يعدهم بقهر الأعداء، ولا يعدهم بالتمكن في الأرض، ولا يعدهم شيئًا من الأشياء في هذه الحياة ممَّا يعدهم به في مواضع أخرى، وممّا يكتب على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائهم!
إنه يعدهم شيئًا واحدًا، هو ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾! فهذا هو الأصل في هذه الدعوة، وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة: التجرّد المطلق من كل هدف، ومن كل غاية، ومن كل مطمع -حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته،
[ ٤ / ١١٦٦ ]
وانتصار كلمة الله، وقهر أعداء الله- حتى هذه الرغبة يريد الله من المؤمنين أن يتجرّدوا منها، ويكلوا أمرها إليه، وتتخلّص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها، ولو كانت لا تخصّها!
هذه العقيدة: عطاء ووفاء وأداء .. فقط، وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء .. ثم انتظار كل شيء هناك!
ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء .. ولكن هذا ليس داخلًا في البيعة .. ليس جزءًا من الصفقة .. ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا، وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء .. والابتلاء!
على هذا كانت البيعة، والدعوة مطاردة في مكّة .. وعلى هذا كان البيع والشراء .. ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء .. ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشريّة، إلا حين تحرّدوا هذا التجرّد ووفّوا هذا الوفاء!
وهنا نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح من حديث طويل عن جابر .. وفيه: "فقمنا إِليه وبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة"! (١)
هكذا "الجنة" .. والجنة فقط! لم يقل: النصر، والعزّ، والوحدة، والقوّة، والتمكين، والقيادة، والمال، والرخاء -مما منحه الله وأجراه على أيديهم- فذلك كله خارج عن الصفقة!
_________________
(١) أحمد: ٣: ٣٢٢ - ٣٢٣، والبيهقي: ٨: ١٤٦، والبزار (١٧٥٥، ١٧٥٦) كشف الأستار، وأبو يعلى (١٨٨٧)، وابن حبان (٦٢٧٤، ٧٠١٢).
[ ٤ / ١١٦٧ ]
لقد أخذوها صفقة بين متبايعين، أنهي أمرها، وأمضي عقدها، ولم تعد هناك مساومة حولها!
وهكذا ربّى الله الجماعة التي قدّر أن يضع في يدها مقاليد الأرض، وزمام القيادة، وسلّمها الأمانة الكبرى بعد أن تجرّدت من كل أطماعها، وكل رغباتها، وكل شهواتها، حتى ما يختص بالدعوة التي تحملها، والمنهج الذي تحققه، والعقيدة التي تموت من أجلها، فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه، أو بقيت فيه بقيّة لم تدخل في السلم كافة! (١)
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ (آل عمران)!
إنه النداء العلوي للذين آمنوا (٢) نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء، والتي تلقي عليهم هذه الأعباء، والتي تؤهّلهم للنداء، وتؤهّلهم للأعباء، وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾!
النداء لهم، للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى.
والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة .. إنه طريق طويل شاقّ، حافل بالعقبات والأشواك. مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء والابتلاء .. الصبر على أشياء كثيرة: الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب!
_________________
(١) انظر: ٢٠٦ - ٢١٢ في ظلال القرآن.
(٢) السابق: ٥٥١ بتصرف.
[ ٤ / ١١٦٨ ]
والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصوّرهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار!
والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشرّ، وغلبة الشهوة، وتصغير الغرور والخيلاء!
والصبر على قلّة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضّيق!
والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة، من الألم، والغيظ، والحنق، والضيق، وضعف الثقة أحيانًا في الخير.
وقلّة الرَّجاء أحيانًا في الفطرة البشريّة، والملل والسأم واليأس أحيانًا والقنوط!
والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة. واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السرّاء والضرّاء على صلة بالله، واستسلام لقدره، وردّ الأمر إليه كله في طمأنينة وخشوع!
الصبر على هذا كله -وعلى مثله- مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوّره حقيقة الكلمات، فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة، إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقّة الطريق، وتذوّقها انفعالات وتجارب ومرارات!
والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي، فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء!
كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه!
[ ٤ / ١١٦٩ ]
والمصابرة
والمرابطة
والمصابرة (وهي مفاعلة من الصبر) مصابرة هذه المشاعر كلها، ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلّوا من صبر المؤمنين .. مصابرتها ومصابرتهم، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة، بل يظلّون أصبر على أعدائهم وأقوى: أعدائهم من كوامن الصدور، وأعدائهم من شرار الناس سواء .. فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع. والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار، ثم تكون لهم عاقبة الشوط أن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء .. وإذا كان الباطل يصرّ ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشدّ إصرارًا وأعظم صبرًا على المضيّ في الطريق!
والمرابطة .. الإقامة في مواقع الجهاد، وفي الثغور المعرّضة لهجوم الأعداء .. وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبدًا، ولا تستسلم للرّقاد! فما هادنها أعداؤها قطّ، منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة، والتعرّض بها للناس، وما يهادنها أعداؤها قطّ في أيّ زمان أو في أيّ مكان، وما تستغني عن المرابطة للجهاد، حيثما كانت إلى آخر الزمان!
إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي .. منهج يتحكّم في ضمائرهم، كما يتحكّم في أموالهم، كما يتحكّم في نظام حياتهم ومعايشهم .. منهج خير عادل مستقيم .. ولكن الشرّ لا يستريح للمنهج الخيّر العادل المستقيم، والباطل لا يحبّ الخير والعدل والاستقامة .. والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة .. ومن ثم ينهد لهذه الدعوة من أصحاب الشرّ والباطل والطغيان .. ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلّوا عن الاستنفاع والاستغلال .. وينهد لحربها الطغاة البغاة العتاة
[ ٤ / ١١٧٠ ]
المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلّوا عن الطغيان والاستكبار .. وينهد لحربها المستهترون المخلّون؛ لأنهم لا يريدون أن يتخلّوا عن الانحلال والشهوات .. ولابدّ من مجاهدتهم جميعًا، ولابدّ من الصبر والمصابرة، ولابدّ من المرابطة والحراسة، كي لا تؤخذ الأمّة المسلمة على غرّة من أعدائها الطبيعيّين، الدائمين في كل أرض وفي كل جيل عبر التاربخ!
هذه طبيعة الدعوة، وهذا طريقها .. إنها لا تريد أن تعتدي، ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم .. وهي واجدة أبدًا من يكره ذلك المنهج وهذا النظام، ومن يقف في طريقها بالقوّة والكيد، ومن يتربّص بها الدوائر، ومن يحاربها باليد والقلب واللسان .. ولابدّ لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها .. ولابدّ لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظةً ولا تنام!
والتقوى .. التقوى تصاحب هذا كله؛ فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل، ويحرسه أن يضعف، ويحرسه أن يعتدي، ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك!
ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ، إلا من يعاني مشاق هذا الطريق، ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتّى الحالات وشتّى اللحظات!
إنه الإيقاع الأخير .. وهو جماعها كلها، وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها؛ ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل، وينوط بها الفلاح في هذا المضمار: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾!
[ ٤ / ١١٧١ ]
تمحيص المؤمنين:
والتمحيص عمليّة كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيدًا لإخراج ما علق بها من دخل ودغل .. وهو درجة بعد الفرز والتمييز، (١) وعمليّة تتمّ في داخل النفس، وفي مكنون الضمير .. عمليّة كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيدًا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقيّةً واضحةً مستقرّةً على الحق، بلا غبش ولا ضباب!
وكثيرًا ما يجهل الإنسان نفسه، ومخابئها ودوروبها ومنحنياتها .. وكثيرًا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوّتها، وحقيقة ما استكنّ فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ (آل عمران)!
وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه بمداولة الأيّام بين الناس بين الشدّة والرخاء يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحكّ المرير، محكّ الأحداث والتجارب والمواقف العمليّة الواقعيّة!
ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرّد والخلاص من الشحّ والحرص .. ثم إذا هو يكشف -على ضوء التجربة العمليّة وفي مواجهة الأحداث الواقعيّة- أن في نفسه عقابيل لم تمحص، وأنه لم يتهيّأ لمثل هذا المستوى من الضغوط!
ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه، ليعاود المحاولة في سبكها من جديد،
_________________
(١) السابق: ٤٨٢ بتصرف.
[ ٤ / ١١٧٢ ]
على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة الدعوة، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة!
والله سبحانه يربّي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشريّة، ويريد بها أمرًا في هذه الأرض، فمحّصها هذا التمحيص، الذي تكشّفت عنه الأحداث في (أُحُد) -كما سيأتي-، لترتفع إلى مستوى الدور المقدّر لها. وليتحقّق على يديها قدر الله الذي ناطه بها: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾!
تحقيقًا لسنّته في دمغ الباطل بالحق، متى استعلن الحق، وخلص من الشوائب والتمحيص!
وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصوّرات المسلمين عن سنّة الله في الدعوأت، وفي النصر والهزيمة، وفي العمل والجزاء، ويبيّن لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره -كما أسلفنا- وزاده الصبر على مشاقّ الطريق، وليس زاده التمنّي والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ (آل عمران)!
إن صيغة السؤال الاستنكاريّة يقصد بها إلى التنبيه بشدّة إلى خطأ هذا التصوّر .. تصوّر أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان: أسلمت وأنا على استعداد للموت، فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان، وأن ينتهي إلى الجنّة والرضوان!
إنما هي التجربة الواقعيّة، والامتحان العملي .. وإنما هو الجهاد وملاقاة
[ ٤ / ١١٧٣ ]
البلاء، ثم الصبر على تكاليف الجهاد، وعلى معاناة البلاء .. ونبصر لفتة ذات مغزى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾!
فلا يكفي أن يجاهد المؤمنون .. بل لا بد لهم من الصبر.
الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضًا، التكاليف المستمرّة المتنوّعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان، فربما كان الجهاد في الميدان أخفّ تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر، ويختبر بها الإيمان .. إنما هنالك المعاناة اليوميّة التي لا تنتهي: معاناة الاستقامة على أفق الإيمان، والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك!
والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني: في النفس وفي الغير، ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليوميّة!
والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر!
والصبر على طول الطريق وبعد المشقة وكثرة العقبات!
والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال!
والصبر على أشياء كثيرة، ليس الجهاد في الميدان إلا واحدًا منها في الطريق المحفوف بالمكاره، طريق الجنّة التي لا تنال بالأماني وبكلمات اللسان: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾!
وهكذا يقفهم السؤال وجهًا لوجه مرّة أخرى أمام الموت الذي واجهوه في المعركة، وقد كانوا من قبل يتمنون لقاءه، ليوازنوا في حسّهم بين وزن الكلمة التي يقولها اللسان، ووزن الحقيقة في العيان، فيعلّمهم بهذا أن يحسبوا حسابًا لكل كلمة تطلقها ألسنتهم، ويزنوا حقيقة رصيدها الواقعي في نفوسهم، على ضوء ما واجهوه من حقيقتها حين واجهتهم!
[ ٤ / ١١٧٤ ]
وبذلك يقدرون قيمة الكلمة، وقيمة الأمنية، وقيمة الوعد، في ضوء الواقع الثقيل! ثم يعلمهم أن الكلمات الطائرة، والأمانيّ المرفرفة ليست هي التي تبلغهم الجنّة، إنما هو تحقيق الكلمة، وتحسيم الأمنية، والجهاد الحقيقي، والصبر على المعاناة، حتى يعلم الله منهم ذلك كله واقعًا كائنًا في دنيا الناس!
ولقد كان الله سبحانه قادرًا على أن يمنح النصر لنبيه - ﷺ - ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة الأولى، وبلا كدّ من المؤمنين ولا عناء .. وكان قادرًا على أن ينزل الملائكة تقاتل معهم دائمًا -أو بدونهم- وتدمرّ المشركين، كما دمرّت على عاد وثمود وقوم لوط!
ولكن المسألة ليست هي النصر .. إنما هي تربية الجماعة المسلمة، التي تعدّ لتتسلّم قيادة البشريّة .. البشريّة بكل ضعفها ونقصها، وبكل شهواتها ونزاوتها، وبكل جاهليّتها وانحرافها .. وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادًا عاليًا من القادة .. وأول ما تقتضيه صلابة في الخلق، وثبات على الحق، وصبر على المعاناة .. ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوّة في النفس البشريّة، وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف، ووسائل العلاج .. ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدّة .. وصبر على الشدّة بعد الرخاء، وطعمها يومئذ لاذع مرير!
وهذه التربية هي التي يأخذ الله بها الجماعة المسلمة، حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة، ليعدّها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق، الذي ينوطه بها في هذه الأرض .. وقد شاء سبحانه أن يجعل هذا الدور من نصيب (الإنسان) الذي استخلفه في هذا الملك العريض!
[ ٤ / ١١٧٥ ]
وقدَرُ الله في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه، بشتّى الأسباب والوسائل، وشتى الملابسات والوقائع .. يمضي أحيانًا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة، فتستبشر، وترتفع ثقتها بنفسها -في ظلّ العون الإلهيّ- وتجرب لذة النصر، وتصبر على نشوته، وتجرب قوتها على مغالبة البطر والزهو والخيلاء، وعلى التزام التواضع والشكر لله .. ويمضي أحيانًا عن طريق الهزيمة والكرب والشدّة، فتلجأ إلى الله، وتعرف حقيقة قوّتها الذاتيّة، وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله، وتجرب مرارة الهزيمة، وتستعلي مع ذلك على الباطل، بما عندها من الحقّ المجرّد، وتعرف مواضع نقصها وضعفها، ومداخل شهواتها، ومزالق أقدامها، فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة .. وتخرج من النصر، ومن الهزيمة بالزاد والرصيد .. ويمضي قَدَرُ الله وفق سنّته لا يتخلف ولا يحيد!
ويمضي السياق في تقرير حقائق التصوّر الإِسلامي الكبيرة، وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه الحقائق، متخذًا من أحداث المعركة محورًا لتقرير تلك الحقائق، ووسيلة لتربية الجماعة المسلمة بها على طريقة المنهج القرآنيّ العزيز:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
[ ٤ / ١١٧٦ ]
الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ (آل عمران)!
الآية الأولى تشير إلى واقعة معيّنة، حدثت في (غزوة أحد) كما سيأتي، ومحمد - ﷺ - رسول من عند الله، جاء ليبلغ كلمة الله، والله باق لا يموت، وكلمته باقية لا تموت، وما ينبغي أن يرتدّ المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل .. وهذه كذلك حقيقة أوّلية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول، وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأوّلية البسيطة!
إن البشر إلى فناء، والعقيدة إلى بقاء، ومنهج الله للحياة مستقلّ في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدّونه إلى الناس، من الرسل والدعاة على مدار التاريخ .. والمسلم هو الذي يحبّ رسول - ﷺ -، وقد كان أصحابه - ﷺ - يحبّونه الحبّ الذي لم تعرف له النفس البشريّة في تاريخها كله نظيرًا .. الحبّ الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة .. ومن ثم هذا الاستنكار، وهذا التهديد، وهذا البيان المثير: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾!
ويلمس القرآن مكمن الخوف من الموت في النفس البشريّة، لمسةً موحيةً، تطرد ذلك الخوف، عن طريق بيان الحقيقة الثابتة في شأن الموت وشأن الحياة، وما بعد الحياة والموت من حكمة لله وتدبير، ومن ابتلاء للعباد وجزاء: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾!
[ ٤ / ١١٧٧ ]
إن لكل نفس كتابًا مؤجّلًا إلى أجل مرسوم .. ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل المرسوم، فالخوف والهلع، والحرص والتخلّف، لا تطيل آجلًا، والشجاعة والثبات، والإقدام والوفاء، لا تقصر عمرًا، فلا كان الجن، ولا نامت أعين الجبناء، والأجل المكتوب لا ينقص منه ولا يزيد!
بذلك تستقرّ حقيقة الأجل في النفس، فتترك الاشتغال به، ولا تجعله في الحساب .. وهي تفكّر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانيّة .. وبذلك تنطلق من عقال الشحّ والحرص، كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع، وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته، في صبر وطمأنينة، وتوكّل على الله الذي يملك الآجال وحده!
ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضيّة التي حسم فيها القول .. فإنه إذا كان العمر مكتوبًا، والأجل مرسومًا .. فلتنظر نفسر ما قدّمت لغد؟ ولتنظر نفس ماذا تريد؟ أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصر همّها كله في هذه الأرض، وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها؟ أم تريد أن تتطلّع إلى أفق أعلى، وإلى اهتمامات أرفع، وإلى حياة أكبر من هذه الحياة؟ .. مع تساوي هذا الهمّ وذاك فيما يختصّ بالعمر والحياة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾!
وشتّان بين حياة وحياة! وشتان بين اهتمام واهتمام! -مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل- والذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها .. إنما يحيى حياة الديدان والدوابّ والأنعام! ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب! والذي يتطلّع إلى الأفق الآخر .. إنما يحيا حياة الإنسان الذي كرّمه الله واستخلفه، وأفرده بهذا المكان ثم يموت في
[ ٤ / ١١٧٨ ]
موعده المضروب بأجله المكتوب: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾!
الذين يدركون نعمة التكريم الإلهيّ للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان، ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان!
وهكذا يقرّر القرآن حقيقة الموت والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان!
وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت، والجزع من التكاليف -وهي لا تملك شيئًا في شأن الموت والحياة- إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس، في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه الاختيار، فتختار الدنيا أو تختار الآخرة، وتنال من جزاء الله ما تختار!
ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم، من موكب الإيمان اللاحب الممتدّ على طول الطريق، الضارب في جذور الزمان .. من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وقاتلوا مع أنبيائهم، فلم يجزعوا عند الابتلاء، وتأدّبوا -وهم مقدمون على الموت- بالأدب الإيمانيّ في هذا المقام .. مقام الجهاد .. فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربّهم، وأن يجسّموا أخطاءهم، فيروها ﴿إِسْرَافًا﴾ في أمرهم، وأن يطلبوا من ربّهم الثّبات والنصر على الكفّار .. وبذلك نالوا ثواب الدّارين جزاء إحسانهم في أدب الدّعاء، وإحسانهم في موقف الجهاد، وكانوا مثلًا يضربه الله للمسلمين:
[ ٤ / ١١٧٩ ]
موعده المضروب بأجله المكتوب: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾!
الذين يدركون نعمة التكريم الإلهيّ للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان، ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان!
وهكذا يقرّر القرآن حقيقة الموت والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان!
وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت، والجزع من التكاليف -وهي لا تملك شيئًا في شأن الموت والحياة- إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس، في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه الاختيار، فتختار الدنيا أو تختار الآخرة، وتنال من جزاء الله ما تختار!
ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم، من موكب الإيمان اللاحب الممتدّ على طول الطريق، الضارب في جذور الزمان .. من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وقاتلوا مع أنبيائهم، فلم يجزعوا عند الابتلاء، وتأدّبوا -وهم مقدمون على الموت- بالأدب الإيمانيّ في هذا المقام .. مقام الجهاد .. فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربّهم، وأن يجسّموا أخطاءهم، فيروها ﴿إِسْرَافًا﴾ في أمرهم، وأن يطلبوا من ربّهم الثّبات والنصر على الكفّار .. وبذلك نالوا ثواب الدّارين جزاء إحسانهم في أدب الدّعاء، وإحسانهم في موقف الجهاد، وكانوا مثلًا يضربه الله للمسلمين:
[ ٤ / ١١٨٠ ]
وكم من نبيّ قاتلت معه جماعات كثيرة، فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من النبلاء والكرب والشدّة والجراح، وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح، وما استسلموا للجزع ولا للأعداء .. فهذا شأن المؤمنين المنافحين عن عقيدة ودين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾!
الذين لا تضعف نفوسهم، ولا تتضعضع قواهم، ولا تلين عزائمهم، ولا يستكينون أو يستسلمون .. والتعبير بالحبّ من الله للصابرين له وقعه، وله إيحاؤه، فهو الحبّ الذي يأسو الجراح، ويمسح على القرح، ويعوض ويربو عن الضرّ والقرح والكفاح المرير!
وإلى هنا كان السياق قد رسم الصورة الظاهرة لهؤلاء المؤمنين في موقفهم من الشدّة والابتلاء، فهو يمضي بعدها ليرسم الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم .. صورة الأدب في حق الله، وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس، ويقيّدها بالخطر الراهق لا تتعدّاه؛ ولكنه لا يذهل نفوس المؤمنين عن التوجّه إلى الله .. لا لتطلب النصر أول ما تطلب -وهو ما يتبادر عادة إلى النفوس- ولكن لتطلب العفو والمغفرة، ولتعترف بالذنب والخطيئة، قبل أن تطلب الثبات والنصر على الأعداء: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ (آل عموان)!
إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء، بل لم يطلبوا ثوابًا ولا جزاء .. لم يطلبوا ثواب الدّنيا ولا ثواب الآخرة .. لقد كانوا أكثر أدبًا مع الله، وهم يتوجّهون إليه، بينما هم يقاتلون في سبيله، فلم يطلبوا منه سبحانه إلا غفران الذنوب، وتثبيت الأقدام .. والنصر على الكفّار .. حتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم؛
[ ٤ / ١١٨١ ]
إنما يطلبونه هزيمةً للكفر، وعقوبةً للكفار .. إنه الأدب اللاّئق بالمؤمنين في حق الله الكريم!
وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئًا، أعطاهم الله من عنده كل شيء .. أعطاهم من عنده كل ما يتمنّاه طلاّب الدنيا وزيادة .. وأعطاهم كذلك كل ما يتمنّاه طلاّب الآخرة ويرجونه: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ (آل عمران)!
تربية إيمانيّة:
والحماسة الجماعيّة قد تخدع القادة لو أخذوا بمظهرها، فيجب أن يضعوها على محكّ التجربة، قبل أن يخوضوا بها المعركة الحاسمة (١) .. لأن هذه الحماسة البالغة ما تلبث أن تنطفئ شعلتها وتتهاوى على مراحل الطريق .. والتفرق في منتصف الطريق ظاهرة بشرية في الجماعات التي لم تبلغ تربيتها الإيمانيّة مبلغًا عاليًا من التدريب .. وهي خليقة بأن تصادف قيادة الجماعة المسلمة في أيّ جيل .. فيحسن الانتفاع فيها بتجربة بني إسرائيل:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ (البقرة)!
ومن ذلك أن اختبار الحماسة الظاهرة، والاندفاع الغائر في نفوس الجماعات
_________________
(١) السابق: ٢٦٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١٨٢ ]
ينبغي ألا يقف عند الابتلاء الأول .. فإن كثرة بني إسرائيل هؤلاء قد تولّوا بمجرّد أن كتب عليهم القتال استجابة لطلبهم، ولم تبق إلا قلّة مستمسكة بعهدها مع نبيّها، وهم الجنود الذين خرجوا مع (طالوت) بعد الحجاج والجدال حول جدارته بالملك والقيادة، ووقوع علامة الله باختياره لهم، ورجعة تابوتهم وفيه مخلفات أنبيائهم تحمله الملائكة ! ومع هذا فقد سقطت كثرة هؤلاء الجنود في المرحلة الأولى، وضعفوا أمام الامتحان الأوّل الذي أقامه لهم قائدهم:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ (البقرة)!
وهذا القليل لم يثبت كذلك إلى النهاية، فأمام الهول الحيّ، أمام كثرة الأعداء وقوّتهم، تهاوت العزائم، وزلزلت القلوب: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾!
وأمام هذا التخاذل ثبتت الفئة القليلة المختارة .. اعتصمت بالله ووثقت، وقالت: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾!
وهذه هي التي رجحت الكفّة، وتلقّت النصر، واستحقّت العزّ والتمكين!
وفي ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة القيادة الحازمة المؤمنة .. وكلها واضحة في قيادة طالوت، تبرز منها خبرته بالنفوس، وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة، وعدم اكتفائه بالتجربة الأولى، ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس
[ ٤ / ١١٨٣ ]
جنوده قبل المعركة، وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه .. ثم -وهذا هو الأهم - عدم تخاذله، وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة، ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة، فخاض بها المعركة ثقة منه بقوّة الإيمان الخالص، ووعد الله الصادق للمؤمنين!
والعبرة الأخيرة التي تكمن في مصير المعركة .. أن القلب الذي يتّصل بالله تتغيّر موازينه وتصوّراته؛ لأنه يرى الواقع الصغير المحدود بعين تمتدّ وراءه إلى الواقع الكبير الممتدّ الواصل، وإلى أصل الأمور كلها وراء الواقع الصغير المحدود، فبهذه الفئة المؤمنة الصغيرة التي ثبتت وخاضت المعركة وتلقّت النصر، كانت ترى من قلّتها وكثرة عدوّها ما يراه الآخرون الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾! ولكنها لم تحكم حكمهم على الموقف، إنما حكمت حكمًا آخر، فقالت: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾!
هكذا .. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾! بهذا التكثير، فهذه هي القاعدة في حسّ الذين يوقنون أنهم ملاقو الله .. القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة؛ لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاقّ، حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء، والاختيار .. ولكنها تكون الغالبة .. لأنها تتّصل بمصدر القوى، ولأنها تمثّل القوَّة الغالبة، قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده. محطّم الجبّارين، ومخزي الظالمين، وقاهر التكبّرين!
وهمِ يكون هذا النصر لله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾! ويعلّلون بعلّته الحقيقية: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾! .. فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل!
[ ٤ / ١١٨٤ ]
وإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله، التي تستمدّ صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء، وتستمدّ قوتها كلها من الله، وتستمدّ يقينها كله من الثقة في الله ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾!
إذا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة، الثابتة التي لم تزلزلها كثرة العدوّ وقوّته، مع ضعفها وقلّتها .. هذه الفئة هي التي تقرّر مصير المعركة، بعد أن تجدّد عهدها مع الله، وتتّجه بقلوبها إليه، وتطلب النصر منه وحده وهي تواجه الهول الرهيب:
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾ (البقرة)!
هكذا .. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ .. وهو تعبير يصوّر مشهد الصبر فيضًا من الله يفرغه عليهم فيغمرهم، وينسكب عليهم سكينة وطمأنينةً، واحتمالًا للهول والشقّة .. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾! فهي في يده سبحانه يثبتها فلا تزحزح، ولا تتزلزل ولا تحيد .. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾! فقد وضح الموقف .. إيمان تجاه كفر، وحقّ إزاء باطل، ودعوة إلى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين، فلا تلجلج في الضمير، ولا غبش في التصوّر، ولا شكّ في سلامة القصد، ووضوح الطريق!
وكانت النتيجة التي ترقبوها واستيقنوها:
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ (البقرة)!
[ ٤ / ١١٨٥ ]
ويؤكد النص هذه الحقيقة: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾! ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علمًا، وليتضح التصوّر الكامل لحقيقة ما يجرى في هذا الكون ولطبيعة القوّة التي تجريه!
إن المؤمنين ستار القدرة، يفعل الله بهم ما يريد، وينفذ بهم ما يختار .. بإذنه .. ليس لهم من الأمر شيء، ولا حول لهم ولا قوة، ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منهم ما يريده بإذنه .. وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين .. إنه عبد الله، اختاره الله لدوره، وهذه منّة من الله وفضل .. وهو يؤدي هذا الدور المختار، ويحقّق قدر الله النافذ، ثم يكرمه الله -بعد كرامة الاختيار- بفضل الثواب .. ولولا فضل الله ما فعل، ولولا فضل الله ما أثيب .. ثم إنه يستيقن من نبل الغاية. وطهارة القصد، ونظافة الطريق .. فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي .. إنما هو منفذ لمشيئة الله الخيرة، قائم بما يريد .. استحق هذا كله بالنيّة الطيّبة، والعزم على الطاعة، والتوجّه إلى الله في خلوته!
ويبرز السياق دور داود: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾!
وداود كان فتى صغيرًا من بني إسرائيل، وجالوت كان ملكًا قويًّا وقائدًا مخوفًا .. ولكن شاء الله أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها، إنما تجري بحقائقها، وحقائقها يعلمها هو، ومقاديرها في يده وحده، فليس عليهم إلا أن ينهضوا هم بواجبهم، ويفوا الله بعهدهم .. ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن يجعل مصرع هذا الجبّار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير، ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم!
[ ٤ / ١١٨٦ ]
وكانت هنالك حكمة أخرى مغيّبة يريدها الله. فلقد قرر أن يكون داود هو الذي يتسلّم الملك بعد طالوت، ويرثه ابنه سليمان، فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل، جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾!
وكان داود ملكًا نبيًّا، وعلّمه الله صناعة الزرد وعدّة الحرب، مما يفصله القرآن في مواضعه في سور أخرى!
ويتجّه السياق إلى هدف آخر من وراء القصة جميعًا .. وحين ينتهي إلى هذه الخاتمة، ويعلن النصر الأخير للعقيدة الواثقة، لا للقوة الماديّة، وللإرادة المستعلية، لا للكثرة العدديّة .. حينئذ يعلن عن الغاية العليا من اصطراع تلك القوى .. إنها ليست المغانم والأسلاب، وليست الأمجاد والهالات .. إنما هو الصلاح في الأرض، وإنما هو التمكين للخير باندحار الشر:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ (البقرة)!
وهنا تتوارى الأشخاص والأحداث، لتبرز من خلال النص القصير حكمة الله العليا في الأرض، من اصطراع القوى، وتنافس الطاقات، وانطلاق السعي في تيّار الحياة المتدفّق الصاخب الموّار .. وتتكشف على مدّ البصر ساحة الحياة المترامية لأطراف تموج بالناس، في تداقع وتسابق وزحام إلى الغايات .. ومن ورائها جميعًا تلك اليد الحكيمة المدبّرة تمسك بالخيوط جميعًا، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق، إلى الخير والصلاح والنماء، في نهاية المطاف!
[ ٤ / ١١٨٧ ]
لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفّن، لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض .. ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهريّة القريبة، لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، فتنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبدًا يقظة عاملة مستنبطة لذخائر الأرض، مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة .. وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء .. يكون بقيام الجماعة الخيّرة المتجرّدة، تعرف الحق الذي بيّنه الله لها. وتعرف طريقها إليه واضحًا، وتعرف أنها مكلّفة بدفع الباطل، وإقرار الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعةً لله وابتغاءً لرضاه .. !
وهنا يمضي الله أمره، وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح في العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوّة الخيّرة البانية، التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وأكرمه، وأبلغها أقصى درجات الكمال المقدّر لها في الحياة!
ومن هنا كانت الفئة القليلة المؤمنة الواثقة بالله تغلب في النهاية وتنتصر؛ ذلك أنها تمثّل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض، وتمكين الصلاح في الحياة .. إنها تنتصر؛ لأنها تمثل غاية عليا تستحق الانتصار!
ويطالعنا خطاب الله للجماعة المسلمة الأولى، يوجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين، الذين يكل إليهم رايته، وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته، وهو خطاب مطرد لكل من يجتاز هذا الدور العظيم:
[ ٤ / ١١٨٨ ]
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ (البقرة)!
وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة (١) .. إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه .. من الرسول الموصول بالله، والمؤمنين الذين آمنوا بالله .. إن سؤالهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾! ليصوّر مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال الكروب: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾!
وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة .. عندئذ تتمّ كلمة الله، ويجيء النصر من الله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾!
إنه مدّخر لمن يستحقّونه، ولن يستحقّه إلا الذين يثبتون حتى النهاية .. الذين يثبتون على البأساء والضرّاء .. الذين يصمدون للزلزلة .. الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة .. الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله .. وحتّى حين تبلغ المحنة ذروتها، فهم يتطلعون فحسب إلى ﴿نَصْرَ اللَّهِ﴾!، لا إلى شيء آخر، ولا إلى نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله!
بهذا يدخل المؤمنون الجنّة، مستحقّين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان، والصبر والثبات، والتجرّد لله وحده، والانقياد له وحده، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه!
_________________
(١) السابق: ٢١٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١١٨٩ ]
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوّةً، ويرفعها عند ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء، ويهب العقيدة عمقًا وقوّة وحيويّة، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها، وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجًا كما وقع، وكما يقع في كل قضيّة حق، يلقى أصحابها ما يلقون في أوّل الطريق، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشدّ المناوئين وأكثر المعاندين!
على أنه -حتى إذا لم يقع هذا- يقع ما هو أعظم منه في حقيقته .. يقع أن ترتفع أرواح الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة، والحرص على الحياة نفسها في النهاية .. وهذا الانطلاق كسب للبشريّة كلها، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء .. كسبٌ يرجح جميع الآلام، وجميع البأساء والضرّاء التي يعانيها المؤمنون، المؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته!
وهذا الانطلاق هو المؤهّل لحياة الجنّة في نهاية المطاف، وهذا هو الطريق .. هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى، وللجماعة المسلمة في كل جيل!
هذا هو الطريق: إيمان وجهاد .. ومحنة وابتلاء .. وصبر وثبات .. وتوجّه إلى الله وحده .. ثم يجيء النصر، ويجيء النعيم!
ولنا مزيد بيان عمليّ للتربية الإيمانيّة في واقع الحياة، في ضوء الكتاب والسنة، بعون الله وتوفيقه!
[ ٤ / ١١٩٠ ]
توكّل على الله:
والإيمان بالله تعالى نور يكشف ظلمات الوهم والخرافة، وظلمات الأوضاع والتقاليد، وظلمات الحيرة في تنبيه الأرباب المتفرّقة .. وفي اضطراب التصوّرات والقيم والموازين، يخرج البشريّة من هذه الظلمات كلها إلى النور الذي يكشف تلك الظلمات في عالم الضمير ودنيا التفكير .. وفي واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد! (١)
نور يشرق في القلب، فيشرق به هذا الكيان البشري، المركّب من الطينة الغليظة ومن روح الله؛ فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة، وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة .. طينة من لحم ودم كالبهيمة، فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها، لولا تلك الإشراقة التي تنبض فيه من روح الله، يرفرفها الإيمان ويجلوها، ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم، ويشف بها هذا الكيان المعتم!
نور تشرق به النفس، فترى الطريق .. ترى الطريق واضحة إلى الله، لا يشوبها غبش، ولا يحجبها ضباب .. غبش الأوهام وضباب الخرافات، وغبش الشهوات، وضباب الأطماع .. ومتى رأت الطريق سارت على هدى، لا تتعثَّر ولا تضطرب ولا تتردّد ولا تحتار!
نور تشرق به الحياة، فإذا الناس كلهم عباد متساوون، تربط بينهم آصرتهم في الله، وتتمحّض دينونتهم له دون سواه، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة. وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة .. معرفة الناموس المسيّر لهذا الكون وما فيه ومن فيه، فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه!
_________________
(١) السابق: ٤: ٢٠٨٥ بتصرف.
[ ٤ / ١١٩١ ]
نور العدل، ونور الحريّة، ونور المعرفة، ونور الأنس بجوار الله، والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السرّاء والضرّاء .. ذلك الاطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضرّاء والشكر في السرّاء، على نور من إدراك الحكمة في البلاء!
والإيمان بالله وحده إلهًا وربًّا، منهج حياة، لا مجرّد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور .. منهج حياة يقوم على قاعدة العبوديّة لله وحده، والدينونة لربوبيّته وحده، والتخلّص من ربوبيّات العبيد، والاستعلاء على حاكميّة العبيد!
وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشريّة، ومع الحاجات الحقيقية لهذه الفطرة ما يملأ الحياة سعادة ونورًا، وطمأنينة وراحة، كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصمًا من التقلبات والتخبطات التي تتعرّض لها المجتمعات التي تخضع لربوبيّة العبيد، وحاكميّة العبيد، ومناهج العبيد في السياسة والحكم وفي الاقتصاد والاجتماع، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادات والتقاليد .. وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشريّة أن تبذل في تأليه العبيد، والإشادة والطاعة العمياء للطواغيت!
وصدق الله العظيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ (إبراهيم)!
وإن وراء هذا التعبير لآفاقًا بعيدة، لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب، وفي عالم الحياة والواقع، لا يبلغها التعبير البشري، ولكنه يشير! فليس في قدرة الرسول - ﷺ - إلا البلاغ، وليس من وظيفته إلا البيان .. أمّا إخراج
[ ٤ / ١١٩٢ ]
الناس من الظلمات إلى النور، فإنّما يتحقّق بإذن الله، وفق سنّته التي ارتضاها الله بمشيئته، وما الرسول إلا رسول!
والصراط بدل من النور .. وصراط الله: طريقه، وسنّته، وناموسه الذي يحكم الوجود، وشريعته التي تحكم الحياة، والنور الذي يهدي إلى هذا الصراط، أو النور هو الصراط وهو أقوى في المعنى، فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون، هو السنّة. هو الناموس، هو الشريعة .. والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك، ولا تخطئ التصوّر، ولا تخطئ السلوك، فهي على صراط مستقيم: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾! مالك القوّة القاهر المسيطر المحمود المجيد!
والقوّة تبرز هنا لتهديد من يكفرون .. والحمد يبرز لتذكير من يشكرون .. ثم يعقبها التعريف بالله سبحانه .. إنه مالك ما في السموات وما في الأرض، الغنيّ عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه ومن فيه: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾ (إبراهيم)!
واستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان، ويتعارض مع الاستقامة على الصراط، وليس الأمر كذلك حين تستحبّ الآخرة؛ لأنه عندئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلًا، ويراعى فيه وجه الله، فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة!
إن الذين يوجّهون قلوبهم للآخرة، لا يخسرون متاع الحياة الدنيا -كما يقوم
[ ٤ / ١١٩٣ ]
في الأخيلة المنحرفة- فصلاح الآخرة في الإِسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا .. والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض، وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتّع بطيّباتها .. إنه لا تعطيل للحياة في الإِسلام انتظارًا للآخرة، ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله، وتمهيدًا للآخرة .. هذا هو الإِسلام!
فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشّهم واستعبادهم .. لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه .. ومن ثم يصدّون عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا لا استقامة فيها ولا عدالة، يصدّون أنفسهم ويصدّون الناس .. وحين يفلحون في صدّ أنفسهم وصدّ غيرهم عن سبيل الله، وحين يتخلّصون من استقامة سبيله وعدالتها، فعندئذ فقط يستطيعون أن يظلموا وأن يطغوا وأن يغشّوا وأن يخدعوا وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستثناء بخيرات الأرض والكسب الحرام .. والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار!
وفي نفس السورة يطالعنا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾ (إبراهيم)!
ونبصر التوكل على الله حقيقة دائمة (١)، يطلقها الرسل ﵈، وعلى الله وحده يتوكل المؤمن، لا يتلفّت قلبه إلى سواه. ولا يرجو عونًا إلا منه،
_________________
(١) السابق: ٢٠٩١ بتصرف.
[ ٤ / ١١٩٤ ]
ولا يرتكن إلا إلى حماه .. ويواجه المؤمنون الطغيان بالإيمان، والأذى بالثبات، ويسألون للتقرير والتوكيد: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾!
إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه، المالئ يديه من وليّه وناصره، المؤمن بأن الله يهدي السبيل لابدَّ أن ينصر وأن يعين .. وماذا يهمّ حتى لو لم يتمّ في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل؟
والقلب الذي يستشعر أن يد الله سبحانه تقود خطاه، وتهديه السبيل، هو قلب موصول بالله، لا يخطئ الشعور بوجوده سبحانه، وألوهيّته القاهرة المسيطرة، وهو شعور لا مجال معه للتردّد في المضيّ في الطريق، أيًّا كانت العقبات في الطريق، وأيًّا كانت قوى الطاغوت التي تتربّص في هذا الطريق .. ومن ثم هذا الربط في ردّ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكّلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت، ثم إصرارهم على المضيّ في طريقهم في وجه هذا التهديد!
وهذه الحقيقة -حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله بديهية التوكّل عليه- لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلًا في مواجهة طاغوت الجاهليّة، والتي تستشعر في أعماقها يد الله سبحانه، وهي تفتح لها كُوى النور فتبصر الآفاق المشرقة، وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة، وتحسّ الإنس والقربى .. وحينئذ لا تحفل بما يتوعّدها به طواغيت الأرض، ولا تستجيب للإغراء ولا للتهديد، وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل .. وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد؟! ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾!
[ ٤ / ١١٩٥ ]
لنصبرن، لا نتزحزح ولا نضعف، ولا نتراجع ولا نهن، ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾!
وهنا يسفر الطغيان عن وجهه، لا يجادل ولا يناقش، ولا يفكّر ولا يتعقّل، لأنه يحسّ بهزيمته أمام انتصار العقيدة، فيسفر بالقوة الماديّة الغليظة التي لا يملك المتجبّرون غيرها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)﴾ (إبراهيم).
هنا تتجلّى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإِسلام والجاهليّة .. إن الجاهليّة لا ترضى من الإِسلام أن يكون له كيان مستقل عنها .. ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها!
ولذلك لا يرغب الذين كفروا من رسلهم في مجرّد الكفّ عن دعوتهم، ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملّتهم الباطلة، وأن يندمجوا في تجمّعهم الجاهليّ، وأن يذوبوا في مجتمعهم، فلا يبقى لهم كيان مستقل .. وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدّين لأهله، وما يرفضه الرسل من ثمَّ ويأبونه، فلا ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهليّ مرّة أخرى بعد إذ هداه الله للإسلام!
وعندما تسفر القوّة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة، ولا يبقى مجال لحجة، ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهليّة!
إن التجمّع الجاهليّ -بطبيعة تركيبه العضوي- لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله، إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمّع الجاهليّ، ولتوطيد جاهليّته! والذين يخيّل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرّب في المجتمع الجاهليّ، والتميّع في تشكيلاته وأجهزته
[ ٤ / ١١٩٦ ]
هم ناس لا يدركون الطبيعة العنصريّة للمجتمع الجاهلي، هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع، ولحساب منهجه وتصوره .. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملّة قومهم بعد إذ نجّاهم الله منها .. وهنا تتدخل القوّة الكبرى فتضرب ضربتها المدمّرة القاضية، التي لا تقف لها قوّة البشر المهازيل، وتضرب الطغاة البغاة العتاة المتجبّرين: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ (إبراهيم)!
ولابدّ أن ندرك أن تدخّل القوّة الكبرى للفصل بين الرسل وقومهم إنما يكون دائمًا بعد مفاصلة الرسل لقومهم .. بعد أن يرفض المسلمون أن يعودوا إلى ملّة قومهم بعد إذ نجّاهم الله منها .. عندئذ تتدخّل القوّة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة، ولتدمّر على الطواغيت الذين يتهدّدون المؤمنين، ولتمكّن للمؤمنين في الأرض ولتحقّق وعد الله لرسله بالنّصر والتمكين: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)﴾!
ونون العظمة ونون التوكيد .. كلتاهما ذات ظل في هذا الموقف الشديد .. لنهلكنّ المتجبّرين المهدّدين، والمشركين الظالمين لأنفسهم وللحق وللرسل وللناس بهذا التهديد: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾!
لا محاباة ولا جزافًا، إنما هي السنّة الجارية العادلة: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾!
ذلك الإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي، فلم يتطاول، ولم يستكبر، ولم يتجبّر، وخاف وعيد، فحسب حسابه، واتقى أسبابه، فلم يفسد في
[ ٤ / ١١٩٧ ]
الأرض، ولم يظلم في الناس، فهو من ثم يستحق الاستخلاف، ويناله باستحقاق!
وهكذا تلتقي القوّة الصغيرة الهزيلة -قوّة الطغاة البغاة العتاة الظالمين- بالقوّة الجبّارة الطامة -قوّة الجبّار المهيمن المتكبّر- ووقف الطغاة البغاة العتاة بقوّتهم الهزيلة الضئيلة في صفّ، ووقف الرسل الداعون المتواضعون، ومعهم قوّة الله سبحانه في صف، ودعا كلاهما بالنّصر والفتح .. وكانت العاقبة كما يجب أن تكون: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ (إبراهيم)!
والمشهد هنا عجيب .. إنه مشهد الخيبة لكل جبّار عنيد .. مشهد الخيبة في هذه الأرض .. ولكنه يقف هذا الموقف، ومن ورائه تخايل جهنّم وصورته فيها، وهو يُسقى من الصديد السائل من الجسوم، يسقاه بعنف فيتجرّعه غصبًا وكرهًا، ولا يكاد يسيغه، لقذارته ومراراته، والتقزّز والتكرّه باديان نكاد نلمحهما من خلال الكلمات! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت، ليستكمل عذابه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾!
إنه مشهد عجيب، يرسم الجبّار الخائب ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروعّ الفظيع، وتشترك كلمة ﴿غَلِيظٌ﴾! في تقطيع المشهد، تنسيقًا له مع القوّة الغاشمة التي كانوا يهدّدون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين!
[ ٤ / ١١٩٨ ]
نهاية الظالمين:
وفي نفس السورة يطالعنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ (إبراهيم)!
والرسول - ﷺ - لا يحسب الله غافلًا عمّا يعمل الظالمون .. ولكن ظاهر الأمر يبدو هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتّعون ويسمع بوعيد الله، ثم لا يراه واقعًا بهم في هذه الحياة الدّنيا، فهذه الصيغة تكشف عن الأجل المضروب لأخذهم الأخذة الأخيرة، التي لا إمهال بعدها، ولا فكاك منها .. أخذهم في اليوم العصيب التي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة مبهوتة مذهولة، مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرّك .. ثم يرسم مشهدًا للقوم في زحمة الهول، مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء، ولا يلتفتون إلى شيء .. رافعين رؤوسهم، لا عن إرادة، ولكنها مشدودة لا يملكون لها حراكًا، يمتدّ بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب، فلا يطرف ولا يرتدّ إليهم، وقلوبهم من الفزع خاوية خالية، لا تضم شيئًا يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه، فهي هواء خواء!
هذا هو اليوم الذي يؤخّرهم الله إليه، حيث يقفون هذا الموقف، ويعانون هذا الرعب، الذي يرتسم من خلال المقاطع الأربعة مذهلًا آخذًا بهم كالطائر الصغير في مخالب الباشق الرعيب: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾!
فالسرعة المهرولة المدفوعة، في الهيئة الشاخصة المكرهة المشدودة، مع
[ ٤ / ١١٩٩ ]
القلب المفزع الطائر الخاوي من كل وعي ومن كل إدراك .. كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه بالأبصار!
هذا هو اليوم الذي يؤخرّهم الله إليه، والذي ينتظرهم بعد الإمهال هناك، فأنذر الناس أنه إذا جاء فلا اعتذار إلى الله يومئذ ولا فكاك منه .. وهنا يرسم مشهدًا آخر لليوم الرعيب المنظور: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ (إبراهيم)!
أنذرهم يوم يأتيهم ذلك العذاب المرسوم آنفًا، فيتوجه الذين ظلموا يومئذ إلى الله بالرجاء، يقولون: ﴿رَبَّنَا﴾!
الآن وقد كانوا يكفرون به من قبل، ويجعلون له أندادًا! ﴿أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾!
وهنا ينقلب السياق من الحكاية إلى الخطاب .. كأنهم ماثلون شاخصون ويطلبون .. وكأننا في الآخرة، وقد انطوت الدّنيا وما كان فيها، فها هو الخطاب يوجّه إليهم من الملأ الأعلى بالتبكيت والتأنيب، والتذكير بتفريطهم في تلك الحياة: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾!
فكيف ترون الآن؟! زلتم يا ترى أم لم تزالوا؟! ولقد قلتم قولتكم هذه وآثار الغابرين شاخصة أمامكم مثلًا بارزًا للظالمين ومصيرهم المحتوم: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾!
[ ٤ / ١٢٠٠ ]
فكان عجيبًا أن تروا مساكن الظالمين أمامكم، خالية منهم، وأنتم فيها خلفاء، ثم تقسمون مع ذلك: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾!
وعند هذا التبكيت ينتهي المشهد، وندرك أين صاروا، وماذا كان بعد الدعاء وخيبة الرَّجاء!
وإن هذا المثل ليتجدّد في الحياة، ويقع كل حين .. فكم من طغاة بغاة عتاة يسكنون مساكن الطغاة الذين هلكوا من قبلهم، وربما يكونون قد هلكوا على أيديهم، ثم هم يطغون بعد ذلك ويتجبّرون، ويسيرون حذو النّعل بالنّعل سيرة الهالكين، فلا تهزّ وجدانهم تلك الآثار الباقية التي يسكنونها، والتي تتحدّث عن تاريخ الهالكين، وتصوّر مصائرهم للناظرين، ثم يؤخذون أخذة الغابرين، ويلحقون بهم، وتخلو منهم الديار بعد حين!
ثم يلتفت السياق بعد أن يسدل عليهم الستار هناك، إلى واقعهم الحاضر، وشدّة مكرهم بالرسول والمؤمنين، وتدبيرهم الشرّ في كل نواحي الحياة، فيلقي في الرّوع أنهم مأخوذون إلى ذلك الضمير، مهما يكن مكرهم من العنف والتدبير: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾!
إن الله محيط بهم وبمكرهم، وإن كان مكرهم من القوّة والتأثير حتّى ليؤدّي إلى زوال الجبال، أثقل شيء وأصلب شيء، وأبعد شيء عن تصوّر التحرّك والزّوال، فإن مكرهم هذا ليس مجهولًا، وليس خافيًا، وليس بعيدًا عن متناول القدرة، بل إنه لحَاضر ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يفعل به كيفما يشاء: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾!
[ ٤ / ١٢٠١ ]
فما لهذا المكر من أثر، وما يعوق تحقيق وعد الله لرسله بالنصر، وأخذ الماكر أخذ عزيز مقتدر: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾!
لا يدع الظالم يفلت، ولا يدع الماكر ينجو .. وكلمة الانتقام هنا تلقي الظلّ المناسب للظلم والمكر، فالظالم الماكر يستحق الانتقام، وهو من الله تعالى يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم وجزاء مكرهم، تحقيقًا لعدل الله في الجزاء، وسيكون ذلك لا محالة: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾!
ولا ندري نحن كيف يتمّ هذا، ولا طبيعة الأرض الجديدة، وطبيعة السماوات، ولا مكانها، ولكن النصّ يلقي ظلال القدرة التي تبدّل الأرض وتبدّل السماوات، وفي مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتدّ فهو ضئيل عاجز حسير! وفجأة ترى ذلك قد تحقّق: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾!
وأحسّوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق .. ليسوا في دورهم، وليسوا في قبورهم .. إنما هم في العراء أمام الواحد القهّار .. ولفظة ﴿الْقَهَّارِ﴾ هنا تشترك في ظلّ التهديد بالقوّة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال!
ثم ها نحن أولاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف القاسي المذل، يناسب ذلك المكر وذلك الجبروت: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾!
فمشهد المجرمين: اثنين اثنين مقرونين في الوثاق، يمرّون صفًّا وراء، صفٍّ .. مشهد مذلّ دالّ كذلك على قدرة القهّار .. ويضاف إلى قرنهم في
[ ٤ / ١٢٠٢ ]
الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم من مادة شديدة القابليّة للالتهاب، وهي في ذات الوقت قذرة سوداء ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ ففيها الذلّ والتحقير، وفيها الإيحاء بشدّة الاشتعال بمجرد قربهم من النار: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾!
فهو مشهد العذاب المذلّ المتلظي المشتعل، جزاء المكر والاستكبار: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾!
ولقد كسبوا المكر والظلم فجزاؤهم القهر والذلّ .. والسرعة في الحساب هنا تناسب المكر والتدبير الذي كانوا يحسبونه يحميهم ويخفيهم، ويعوق انتصار أحد عليهم .. فها هم أولاء يجزون جزاء ما كسبوا ذلًا وألمًا وسرعة حساب!
إعداد وثبات:
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ
[ ٤ / ١٢٠٣ ]
طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ (النساء)!
وهنا نذكر ما رواه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له، أتوا النبي - ﷺ -، فقالوا: يا نبيّ الله: كنا في عزّة، ونحن مشركون، فلمّا آمنّا صرنا أذلّة، فقال: "إِني أُمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم"، فلمّا حوّله إِلى المدينة، أمره بالقتال، فكفّوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾! (١) واختلف في سبب النزول! (٢) ويتضح ذلك فيما يلي:
في هذه الآيات نبصر أمر هؤلاء الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال (٣)، ويستعجلونه وهم في مكة، يتلقون الأذى والاضطهاد، والفتنة من المشركين، حين لم يكن مأذونًا لهم في القتال، للحكمة التي يريدها الله، فلمّا أن جاء الوقت المناسب الذي قدّره الله، وتهيأت الظروف المناسبة، وكُتب عليهم القتال -في سبيل الله- إذا فريق منهم شديد الجزع، شديد الفزع، حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم -وهم ناس من البشر- كخشية الله، القهار الجبّار، الذي لا يعذّب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾!
_________________
(١) الحاكم: ٢: ٦٦، ٦٧، ٣٠٧، وقال: على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، والنسائي: ٦: ٣، والتفسير (١٣٢)، وابن جرير: ٥: ١٠٨، والبيهقي: ٩: ١١.
(٢) انظر: تفسير الشوكاني: ١: ٥٧٩، والواحدي: أسباب النزول: ٦٥، ٩٦.
(٣) في ظلال القرآن: ٢: ٧١٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٢٠٤ ]
وإذا هم يقولون -في حسرة وخوف وجزع- ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾؟! .. وهو سؤال غريب من مؤمن، وهو دلالة على عدم وضوح تصوّره لتكاليف هذا الدّين، ولوظيفة هذا الدّين أيضًا .. ويتبعون ذلك التساؤل بأمنية حسيرة مسكينة! ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾! وأمهلتنا بعض الوقت قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف!
إن أشدّ الناس حماسةً واندفاعًا وتهوّرًا، قد يكونون هم أشدّ الناس جزعًا وانهيارًا وهزيمة عندما يجدّ الجدّ، وتقع الواقعة .. بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهوّر والحماسة الفائقة غالبًا ما تكون منبعثةً عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار .. كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة احتمال الضّيق والأذى والهزيمة، فتدفعهم قلّة الاحتمال إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأيّ شكل، دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار، حتى إذا وُوجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدّروا، وأشقَّ مما تصوّروا، فكانوا أوّل الصفّ جزعًا ونكولًا وانهيارًا .. على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضّيق والأذى بعض الوقت، ويعدّون للأمر عدّته، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف، فيصبرون ويتمهّلون ويعدّون للأمر عدّته .. والتهوّرون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافًا، ولا يعجبهم تمهّلهم ووزنهم للأمور! وفي المعركة يتبيّن أيّ الفريقين أكثر احتمالًا، وأيّ الفريقين أبعد نظرًا كذلك!
وأغلب الظنّ أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف، الذي يلذعه الأذى في مكّة فلا يطيقه، ولا يطيق الهوان وهو ذو عزّة، فيندفع
[ ٤ / ١٢٠٥ ]
يطلب من الرسول - ﷺ - أن يأذن بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة .. والرسول - ﷺ - يتبع في هذا أمر ربّه بالتريّث والانتصار، والتربية والإعداد، وارتقاب الأمر في الوقت المناسب، فلمّا أن آمن هذا الفريق في (المدينة)، ولم يعد هناك أذى ولا إذلال، وبعد لسع الحوادث عن الذوات والأشخاص، لم يعد يرى القتال مبرّرًا، أو على الأقلّ لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة! ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾!
وقد يكون هذا الفريق مؤمنًا فعلًا، بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا .. فالإيمان الذي لم ينضج بعد، والتصوّر الذي لم تتّضح معالمه، ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدّين في الأرض، وأنها أكبر من حماية الأشخاص، وحماية الأقوام، وحماية الأوطان .. إذ إنها في صميمها إقرار منهج الله في الحياة، وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم، وإنشاء قوّة عليا في هذه الأرض ذات سلطان، يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله، ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أيّ مكان على سطح الأرض، ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حرّيته -بأيّ لون من ألوان الفتنة- ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو -وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه .. وإذن فلم يكن الأمن في المدينة- حتى على فرض وجوده كاملًا غير مهدّد- لينهي مهمة المسلمين هناك، وينهى عن الجهاد!
إن الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس درجة إخراج ذاتها من الأمر، والاستماع فقط إلى أمر الله، واعتباره هو العلّة والمعلول، والسّبب والمسبّب،
[ ٤ / ١٢٠٦ ]
والكلمة الأخيرة -سواء عرف المكلّف حكمتها أم لم تتّضح له- والتصوّر الذي لم تتّضح معالمه بعد، ليعرف المؤمن مهمة هذا الدّين في الأرض، ومهمته -شأن المؤمن- بوصفه قدرًا من أقدار الله، ينفذ الله به ما يشاؤه في هذه الحياة .. لا جرم أنه ينشأ عنه مثل هذا الوقف، الذي يصوّره السياق القرآنيّ هذا التّصوير، ويعجّب منه هذا التعجيب! وينفر منه هذا التنفير!
أمّا لماذا لم يأذن الله للمسلمين -في مكّة- بالانتصار من الظلم، والردّ على العدوان، ودفع الأذى بالقوّة .. وكثير منهم كان يملك هذا، حيث لم يكن ضعيفًا ولا مستضعفًا، ولم يكن عاجزًا عن ردّ الصاع صاعين .. مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلّة!
أمّا حكمة هذا، والأمر بالكفّ عن القتال، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصبر والاحتمال .. حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب مالا يطاق، وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته -كما أسلفنا- وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيستشهد تحت وطأته!
أمّا حكمة هذا فلسنا في حلّ من الجزم بها؛ لأننا حينئذ نتألّى على الله ما لم يبين لنا من حكمة، ونفرض على أوامره أسبابًا وعللًا، قد تكون هي الأسباب والعلل الحقيقيّة، أو لا تكون، ولكن وراءها أسبابًا وعللًا أخرى لم يكشف لنا عنها، ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة .. وهذا هو شأن المؤمن أمام أيّ تكليف، أو أيّ حكم في شريعة الله -لم يبيّن الله سببه محدّدًا جازمًا حاسمًا- فمهما خطر للمؤمن من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف، أو لكيفيّة تنفيذ هذا الحكم، أو طريقة أداء ذلك التكليف، مما يدركه عقله ويحسن فيه .. فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرّد احتمال .. ولا يجزم -مهما بلغت ثقته
[ ٤ / ١٢٠٧ ]
بعلمه وعقله وتدبّره لأحكام الله بأن ما رآه هو الحكمة التي أرادها الله .. نصًّا .. وليس وراءها شيء، وليس دونها شيء! فهذا التحرّج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله، ومقتضى الفارق ما بين علم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في الطبيعة والحقيقة!
وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكّة وفرضيته في المدينة .. ونذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب .. على أنه مجرّد احتمال .. وندع ما وراءه لله .. لا نفرض على أمره أسبابًا وعللًا، لا يعلمها إلا هو .. ولم يحدّدها لنا ويطلعنا عليها بنصّ صريح!
إنها أسباب اجتهاديّة .. تخطئ وتصيب، وتنقص وتزيد، ولا نبغي بها إلا مجرّد تدبرّ أحكام الله، وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان:
أولًا:
ربما كان ذلك لأن الفترة المكيّة كانت فترة تربية وإعداد في بيئة معيّنة، لقوم معيّنين، وسط ظروف معيّنة .. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئات خاصة، تربية نفس الفرد العربيّ على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضّيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به، وذلك كي يخلص من شخصه، ويتجرّد من ذاته، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به، محور الحياة في نظره، ودافع الحركة في حياته .. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه؛ فلا يندفع لأوّل مؤثّر -كما هي طبيعته- ولا يهتاج لأوّل مهيّج، ليتمّ الاعتدال في طبيعته وحركته .. وتربيته على أن يتبع مجتمعًا منظّمًا له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته، ولا يتصرّف إلا وفق ما تأمره -مهما يكن مخالفًا لمألوفه وعادته-
[ ٤ / ١٢٠٨ ]
وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصيّة العربي، لإنشاء (المجتمع المسلم) الخاضع لقيادة موجّهة، المترقّي المتحضّر، غير الهمجيّ!
ثانيًا:
وربما كان ذلك أيضًا؛ لأن الدّعوة السلميّة أشدّ أثرًا وأنفذ، في مثل بيئة قريش ذات العنجهيّة والشرف، والتي قد يدفع قتالها معها -في مثل هذه الفترة- إلى زيادة العناد، وإلى إنشاء ثارات دمويّة جديدة، كثارات العرب المعروفة، والتي أثارت حرب (داحس والغبراء)، و(حرب البسوس) -أعوامًا طويلة، تفانت فيها قبائل برمّتها- وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإِسلام، فلا تهدأ بعد ذلك أبدًا .. ويتحوّل الإِسلام من دعوة إلى ثارات تنسى الفكرة الأساسيّة وهو ناشئ في مبدئه، فلا تذكر أبدًا!
ثالثًا:
وربما كان ذلك أيضًا، اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت .. فلم تكن هناك سلطة نظاميّة عامة، هي التي تعذّب المؤمنين وتفتنهم .. إنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد، يعذّبونه هم ويفتنونه و(يؤدّبونه)!
ومعنى الإذن بالقتال -في مثل هذه البيئة- أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت .. ثم يقال: هذا هو الإِسلام! ولقد قيلت حتى والإِسلام يأمر بالكفّ عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمدًا يفرّق بين الوالد وولده!
رابعًا:
وربما كان ذلك أيضًا، لا يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون
[ ٤ / ١٢٠٩ ]
أوائل المسلمين عن دينهم، ويعذبونهم ويؤذونهم، هم أنفسهم سيكونون من جنود الإِسلام المخلصين، بل من قادته، ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟
خامسًا:
وربما كان ذلك أيضًا؛ لأن النخّوة العربيّة، في بيئة قبليّة، من عادتها أن تثور للمظلوم، الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم .. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة، فابن الدغنة -كما سبق- لم يرض أن يترك أبا بكر -وهو رجل كريم- يهاجر ويخرج من مكّة، ورأى في ذلك عارًا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر -كما سيأتي- نقض صحيفة (الحصار) لبني هاشم في (شعب أبي طالب)، بعد ما طال عليهم الجوع، واشتدّت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذّل، قد يكون السكوت على الأذى .. وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!
ونبصر استخفاف الطغاة البغاة العتاة للعامة .. وهم يعزلونهم عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاؤون من المؤثرات، حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثّرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبوا بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنّين!
ولا يملك الطاغية أن يفعل بالعامة هذه الفعلة إلا وهم فاسقون، لا يستقيمون على طريق، ولا يمسّكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح، ومن هنا يعلّل القرآن استجابة العامة لفرعون فيقول: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ
[ ٤ / ١٢١٠ ]
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ (الزخرف)!
وقد سجّل التاريخ قديمًا وحديثًا سكوتًا على الأذى، بل وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!!
سادسًا:
وربما كان ذلك أيضًا، لقلّة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكّة، حيث لم تبلغ الدعوة بقيّة الجزيرة، أو بلغت أخبارها متناثرةً، إذ كانت القبائل تقف على الحياد، من معركة داخليّة بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف .. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة -حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم- ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة، ولا يقوم في الأرض للإسلام نظام، ولا يوجد له كيان واقعي .. وهو الدين الذي جاء ليكون منهجًا، نظامًا واقعيًّا عمليًّا للحياة!
سابعًا:
في الوقت ذاته، لم تكن هناك ضرورةٌ قاهرةٌ ملحةٌ، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى؛ لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا وقتها ومحقّقًا .. هذا الأمر الأساسي هو (وجود الدعوة) .. وجودها في شخص الداعية الأول - ﷺ -. وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتدّ إليه يد إلاّ وهي مهدّدة بالقطع!
والنظام القبليّ السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني
[ ٤ / ١٢١١ ]
هاشم، إذا هي امتدّت يدها لأذى محمد - ﷺ -، فكان شخص الداعية - ﷺ - من ثمّ محميًّا حمايةً كافيةً .. وكان الداعية يبلغ دعوته -إذن- في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي، ولا يكتمها، ولا يخفيها، ولا يجرؤ أحدٌ على منعه من إبلاغها وإعلانها، في ندوات قريش في الكعبة، ومن فوق جبل الصفا، وفي اجتماعات عامة -كما سبق-، ولا يجرؤ أحد على منعه من الجهر بدعوته، ولا يجرؤ أحدٌ على أن يفرض عليه كلامًا بعينه يقوله، يعلن فيه بعض حقيقة دينه، ويسكت عن بعضها .. وحين طلبوا إليه أن يكف عن سبّ آلهتهم وعيبها لم يكف .. وعلى الجملة كان للدعوة (وجودها الكامل) في شخص رسول الله - ﷺ - .. وفي إبلاغه لدعوة ربّه كاملة في كل مكان .. ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة، والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئيّة التي هي في مجموعها مساندةً للدعوة، ومساعدة في مثل هذه البيئة!
هذه الاعتبارات كلها -فيما نحسب- كانت بعض ما اقتضت حكمة الله، أن يأمر المسلمين بكفّ أيديهم، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة .. لتتم تربيتهم ويتم إعدادهم، ولينتفع بكل إمكانيّات الخطّة في هذه البيئة، وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة في الوقت المناسب، وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها، فلا يكون لذواتهم فيها حظّ، لتكون خالصةً لله، وفي سبيل الله .. (والدعوة لها وجودها)، وهي قائمة ومؤدّاة ومحميّة ومحروسة!
وأيًّا ما كانت حكمة الله من وراء هذه الخطة، فقد كان هناك المتحمّسون يبدون لهفتهم على اللحظة التي يؤذن لهم فيها بالقتال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾!
[ ٤ / ١٢١٢ ]
وكان وجود هذه الطائفة في الصف المسلم ينشئ حالة من الخلخلة، وينشئ فيه حالة من عدم التناسق بين هذه الطائفة الجزوع الهلوع، وبين الرجال المؤمنين، ذوي القلوب الثابتة الطمئنة، المستقبلة لتكاليف الجهاد -على كل ما فيها من مشقّة- بالطمأنينة والثقة والحماسة أيضًا، ولكن في موضعها المناسب .. فالحماسة في تنفيذ الأمر حين يصدر هي الحماسة الحقيقيّة .. أمّا الحماسة قبل الأمر فقد تكون مجرّد اندفاع وتهوّر، يتبخّر عند مواجهة الخطر!
والقرآن يعالج هذه الحالة بمنهجه الربّاني: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾!
إنهم يخشون الموت، ويريدون الحياة .. ويتمنّون في حسرة مسكينة لو أن الله قد أمهلهم بعض الوقت، ومدّ لهم شيئًا من المتاع بالحياة!
والقرآن يعالج هذه المشاعر في منابتها، ويجلو غبش التصوّر لحقيقة الموت والأجل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾!
متاع الدنيا كله، والدنيا كلها، فما بال أيّام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين؟!
ما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير، إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلًا؟!
ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيّام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين، ومتاع الدنيا كله والدنيا بطولها قليل؟! ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾!
فالدنيا أوّلًا ليست نهاية المطاف ولا نهاية الرحلة .. إنها مرحلة .. ووراءها
[ ٤ / ١٢١٣ ]
الآخرة، والمتاع فيها هو المتاع -فضلًا عن أن المتاع فيها طويل كثير- فهي ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾!
وتذكر التقوى هنا والخشية والخوف في موضعها .. التقوى لله، فهو الذي يُتقى، وهو الذي يُخشى، وليس الناس -كما سبق: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾!
والذي يعمر قلبه الخوف من الله لا يخاف أحدًا، فماذا يملك أحد إذا كان الله لا يريد؟! ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾!
فلا غبن ولا ضير ولا بخس، إذا فاتهم شيء من متاع الدنيا، فهناك الآخرة، وهناك الجزاء الأوفى، الذي لا يبقى معه ظلم ولا بخس في الحساب الختامي والآخرة جميعًا!
ولكن بعض الناس قد تهفو نفسه -مع هذا كله- إلى أيَّام تطول به، في هذه الأرض! حتى وهو يؤمن بالآخرة، وهو ينتظر جزاءها الخير .. وبخاصة حين يكون في المرحلة الإيمانيّة التي كانت فيها هذه الطائفة!
هنا تجيء اللمسة الأخرى .. اللمسة التي تصحّح التصور عن حقيقة الموت والحياة، والأجل والقدر، وعلاقة هذا كله بتكليف القتال، الذي جزعوا له هذا الجزع، وخشوا الناس فيه هذه الخشية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾!
فالموت حتم في موعده المقدّر، ولا علاقة له بالحرب والسلم، ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته، ولا يؤخّره أن يؤخَّر عنهم تكاليف القتال إذن، ولا هذا التكليف والتعرّض للناس في هذا الجهاد يعجله عن موعده!
[ ٤ / ١٢١٤ ]
هذا أمر وذاك أمر، ولا علاقة بينهما .. إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل، بين الموعد الذي قدّره الله وحلول ذلك الموعد .. وليست هناك علاقة أخرى .. ولا معنى إذن لتمنّي تأجيل القتال، ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال!
وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآنيّ كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر، وكل ما ينشئه التصوّر المضطرب من خوف ومن ذعر!
وليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته، وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبة ووقاية .. فقد أمر الله ﷿ بأخذ الحذر .. وأمر بالاحتياط في صلاة الخوف .. وأمر باستكمال العدّة والأهبة .. ولكن هذا كله شيء، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر .. والتصوّر الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب -رغم كل استعداد واحتياط- أمر آخر يجب أن يطاع، وله حكمته الظّاهرة والخفيّة ووراءه تدبير الله!
توازن واعتدال، وإلمام بجميع الأطراف، وتناسق بين جميع الأطراف! هذا هو الإِسلام .. وهذا هو منهج التربية الإِسلامية للأفراد والجماعات!
ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثّة في المجتمع الإِسلامي، والتي يتألف منها الصف المسلم .. وإن كان السياق لا انقطاع فيه، ولا فصل: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾!
[ ٤ / ١٢١٥ ]
إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله، وما يصيبهم من الضرّ إلى النبي - ﷺ - يحتمل فيهم وجوه:
الوجه الأول:
إنهم يتطيّرون بالنبي - ﷺ - فيظنونه -حاشاه- شؤمًا عليهم، يأتيهم السوء من قبله، فإن أجدبت السنة، ولم تنسل البهيمة، أو إذا أصيبوا في موقعة، تطيّروا بالرسول - ﷺ -، فأمّا حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله!
الوجه الثاني:
إنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول - ﷺ -، تخلّصًا من التكاليف التي يأمرهم بها .. وقد يكون تكليف القتال منها أو أخصها، فبدلًا من أن يقولوا: إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال، يتّخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر! ويقولون: إن الخير يأتيهم من الله، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول - ﷺ - ومن أوامره، وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضرّ القريب الظاهر!
الوجه الثالث:
هو سوء التصوّر فعلًا لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة، وعلاقته بمشيئة الله، وطبيعة أوامر النبي - ﷺ - لهم، وحقيقة صلة الرسول بالله ﷾!
وهذا الوجه الثالث -إذا صحّ- ربما يكون قابلًا لأن يوسم به ذلك الفريق الذي كان سوء تصوّرهم لحقيقة الموت ولأجل يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية، ويقولون: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾!
[ ٤ / ١٢١٦ ]
غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى .. تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها، وهذا الوجه الثالث منها!
إن القضية التي تتناولها هذه الآيات، هي جانب من قضيّة كبيرة .. القضيّة المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم (قضية القضاء والقدر) أو (الجبر والاختيار) .. وقد وردت في أثناء حكايته ذلك الفريق من الناس، ثم في الردّ عليهم، وتصحيح تصوّرهم .. والقرآن يتناولها ببساطة واضحة، لا تعقيد فيها ولا غموض .. فلنعرضها كما وردت، وكما ردّ عليها القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾!
إن الله هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد، لكل ما يقع في الكون، وما يقع للناس، وما يقع من الناس، فالناس يملكون أن يتّجهوا وأن يحاولوا، ولكن تحقّق الفعل -أي فعل- لا يكون إلا بإرادة من الله وقدره؛ فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيّئة وإيقاعها بهم للرسول - ﷺ - وهو بشر منهم مخلوق مثلهم نسبة غير حقيقيّة، تدلّ على عدم فقههم شيئًا في هذا الموضوع!
إن الإنسان قد يتّجه ويحاول تحقيق الخير بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقّق الخير، ولكن تحقّق الخير فعلًا يتمّ بإرادة الله وقدره؛ لأنه ليست هناك قدرة -غير قدرة الله- تنشئ الأشياء والأحداث، وتحقّق ما يقع في هذا الكون من وقائع، وإذن يكون تحقُّق الخير -بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتّجاه الإنسان وجهده- عملًا من أعمال القدرة الإلهيّة!
وإن الإنسان قد يتّجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء،
[ ٤ / ١٢١٧ ]
ولكن وقوع السوء فعلًا ووجوده أصلًا لا يتمّ إلا بقدرة الله وقدر الله؛ لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوّة الله!
وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحقّقه من عند الله .. وهذا ما تقرّره الآية الأولى!
أما الآية الثانية: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾!
فإنها تقرر حقيقة أخرى، ليست داخلة ولا متداخلة مع مجال الحقيقة الأولى .. إنها في واد آخر .. والنظرة فيها من زاوية أخرى:
إن الله سبحانه قد سنَّ منهجًا، وشرع طريقًا، ودلَّ على الخير، وحذّر من الشرّ .. فحين يتبع الإنسان هذا المنهج، ويسير في هذا الطريق، ويحاول الخير، ويحذر الشر .. فإن الله يعينه على الهدى كما قال:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ (العنكبوت)!
ويظفر الإنسان بالحسنة، ولا يهم أن يكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسبًا .. إنما هي الحسنة فعلًا في ميزان الله تعالى .. وتكون من عند الله؛ لأن الله هو الذي سنَّ المنهج، وشرع الطريق، ودلَّ على الخير، وحذَّر من الشرّ .. وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنّه، ولا يسلك الطريق الذي شرعه، ولا يحاول الخير الذي دلّ عليه، ولا يحذر الشرّ الذي حذّره منه .. حينئذ تصيبه السيئة الحقيقيّة، سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا، ويكون هذا من عند نفسه؛ لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله وطريقه!
[ ٤ / ١٢١٨ ]
وهذا معنى غير المعنى الأوّل، ومجال غير المجال الأوّل!
ولا يغيّر هذا من الحقيقة الأولى شيئًا، وهي أن تحقِّق الحسنة، وتحقّق السيّئة، ووقوعها لا يتم إلا بقدرة الله وقدره؛ لأنه المنشئ لكل ما ينشأ، المحدث لكل ما يحدث، الخالق لكل ما يكون .. أيًّا كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث، وهذا الذي يكون!
أمَّا القضيّة التي تمثّل هذه النصوص جانبًا منها، أو التي تذكر بها، فهي (قضيّة الجبر والاختيار)، وإلى أيّ حدّ تعمل إرادة الإنسان فيما يحدث منه أو يحدث له؟ وكيف تكون له إرادة يقوم عليها الحساب والجزاء، بينما إرادة الله هي المنشئة لكل ما يحدث، ومنه إرادة الإنسان نفسه واتجاهه وعمله، إلى آخر هذه القضيّة
وكل ما يحدث بإرادة الله وقدره .. والإنسان يريد ويعمل، ويحاسب على إرادته وعمله .. والقرآن كله كلام الله، ولن يعارض بعضه بعضًا، فلا بدّ إذن أن تكون هناك نسبة معيّنة بين هذا القول وذاك، ولا بدّ إذن أن يكون هناك مجال لإرادة الإنسان وعمله، يكفي لحسابه عليه وجزائه، دون أن يتعارض هذا مع مجال الإرادة الربّانيّة والقدر الإلهيّ .. كيف؟ هذا ما لا سبيل لبيانه؛ لأن العقل البشري غير كفء لإدراك كيفيّات عمل الله!
ونبصر حدود وظيفة الرسول - ﷺ - وعمله، وموقف الناس منه، وموقفه من الناس، ورد الأمر كله إلى الله في النهاية: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾!
إن وظيفة الرسول - ﷺ - هي أداء الرسالة، لا إحداث الخير، ولا إحداث
[ ٤ / ١٢١٩ ]
السوء، فهذا من أمر الله .. والله شهيد على أنه أرسل النبي - ﷺ - لأداء هذه الوظيفة. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾!
وأمر الناس مع الرسول - ﷺ - أن من أطاعه فقد أطاع الله، فلا تفرقة بين قول الله وقول رسوله .. ومن تولّى معرضًا مكذبًا فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه، والرسول - ﷺ - لم يرسل ليجبر أحدًا على الهدى، ويكرهه على الدّين، وليس موكلًا بحفظ أحد من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلًا في وظيفة الرسول - ﷺ -، ولا داخلًا في قدرته!
بهذا البيان يصحّح تصوّرهم عن حقيقة ما يقع لهم .. فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة الله وقدره .. وما يصيبهم من حسنة أو سيّئة -بأيّ معنى من معاني الحسنة أو السيّئة، سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر، أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع- فهو من عند الله؛ لأنه لا ينشئ شيئًا ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا الله .. وما يصيبهم من حسنة حقيقيّة -في ميزان الله- فهو من عند الله؛ لأنه بسبب منهجه وهدايته، وما يصيبهم من سيّئة حقيقيّة -في ميزان الله- فهو عند أنفسهم؛ لأنه بسبب تنكّبهم عن منهج الله والإعراض عن هدايته!
والرسول - ﷺ - وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول، لا ينشئ ولا يحدث ولا يخلق، ولا يشارك الله في خاصّيّة الألوهيّة .. وهي الخلق والإنشاء والإحداث .. وهو يبلّغ ما جاء به من عند الله، فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة لله، وليس هناك طريق آخر لطاعة الله غير طاعة الرسول - ﷺ -، وليس الرسول مكلَّفًا أن يحدث الهدى للمعرضين المتولّين، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولّي بعد البلاغ والبيان!
[ ٤ / ١٢٢٠ ]
حقائق هذا واضحة مريحة، بيّنة صريحة، تبني التصوّر، وتريح الشعور، وتمضي شوطًا مع تعليم الله لهذه الجماعة، وإعدادها لدورها الكبير الخطير!
ونبصر السياق يحكي عند حال طائفة أخرى -في الصفّ المسلم- لعلّها هي طائفة المنافقين، يذكر عنها فعلًا جديدًا، وفصلًا جديدًا! ومع الحكاية التنفير من الفعلة، ومع التنفير التعليم والتوجيه والتنظيم .. كل ذلك في آيات قليلة، وعبارات معدودة: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (النساء).
إن هذا الفريق من الناس إذا كان عند رسول الله - ﷺ - يسمع منه القرآن وما فيه من التكاليف قالوا ﴿طَاعَةٌ﴾ قالوها هكذا جامعة شاملة .. طاعة مطلقة، لا اعتراض ولا استفهام، ولا استيضاح ولا استثناء! ولكن ما إن يخرجوا من عند رسول الله - ﷺ - حتى تبيّت طائفة منهم غير الذي تقول، وتروح فيما بينها تتآمر على عدم التنفيذ، وعلى اتخاذ خطّة للتخلص من التكليف!
ولعل النص يصوّر حال الجماعة المسلمة كلها، ويستثني منها هذه الطائفة ذات الشأن الخاص .. ويكون المعنى: أن المسلمين يقولون ﴿طَاعَةٌ﴾ بجملتهم .. ولكن طائفة -وهي هذه الطائفة المنافقة- إذا خرجت بيّت أفرادها غير ما قالوا .. وهي صورة ترسم تلك الخلخلة بعينها في الصف المسلم، فإن هؤلاء مندسّون فيه على كل حال، وتصرّفهم على هذا النحو يؤدي الصفّ ويخلخله، والجماعة المسلحة تخوض المعركة في كل ميادينها وبكل قوتها!
[ ٤ / ١٢٢١ ]
والله ﷿ يطمئن النبي - ﷺ - والمخلصين في الصفّ .. يطمئنهم بأن عينه على هذه الطائفة التي تبيّت وتمكر .. وشعور المسلمين بأن عين الله على المبيِّتين الماكرين يثبت قلوبهم، ويسكب فيها الطمأنينة إلى أن هذه الطائفة لن تضرّهم شيئًا بتآمرها وتبييتها .. ثم هو تهديد ووعيد للمتآمرين المبيّتين، فلن يذهبوا مفلحين، ولن يذهبوا ناجين: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾!
وكانت الخطّة التي وجّه الله إليها نبيّه - ﷺ - في معاملة المنافقين، هي أخذهم بظاهرهم -لا بحقيقة نواياهم- والإعراض والتقاضي عما يبدو منهم .. وهي خطّة فتلتهم في النهاية، وأضعفتهم، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفًا وخجلًا .. وهنا طرف من هذه الخطّة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾!
ومع هذا التوجيه بالإغضاء عنهم، التطمين بكلاءة الله وحفظه مما يبيّتون: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾!
نعم .. وكفى بالله وكيلًا، لا يضارّ من كان وكيله، ولا يناله تآمر ولا تبييت ولا مكيدة!
وكأنما كان الذي يدفع هذه الطائفة إلى أن تقول في حضرة الرسول - ﷺ - مع القائلين: ﴿طَاعَةٌ﴾ فإذا خرجت بيَّتت غير هذا الذي تقول .. كأنما كان هذا بسبب شكهم في مصدر ما يأمرهم به الرسول - ﷺ -، وظنهم أن هذا القرآن من عنده! وحين يوجد مثل هذا الشك لحظة يتوارى سلطان الأمر والتكليف جملة، فهذا السلطان مستمدّ كله من الاعتقاد الجازم الكامل بأن هذا كلام الله، وبأنه - ﷺ - لا ينطق عن الهوى .. ومن ثم كان هذا التوكيد الشديد الجازم المكرّر على هذه الحقيقة!
[ ٤ / ١٢٢٢ ]
وهنا يعرض عليهم القرآن خطّة، هي غاية ما يبلغه النهج الربّانيّ من تكريم الإنسان، والعقل الإنساني، واحترام هذا الكائن البشري وإدراكه، الذي وهبه الخالق جل شأنه!
يعرض عليهم الاحتكام في أمر القرآن إلى إدراكهم هم وتدبّر عقولهم .. ويعين لهم منهج النظر الصحيح، كما يعين لهم الظاهرة التي لا تخطئ إذا اتبعها ذلك المنهج، وهي ظاهرة واضحة كل الوضوح في القرآن من جهة، ويمكن للعقل البشري إدراكها من جهة أخرى .. ودلالتها على أنه من عند الله دلالة لا تمارى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (النساء)!
وفي هذا العرض، وهذا التوجيه، منتهى الإكرام للإنسان وإدراكه وشخصيّته .. كما أن فيه منتهى النصفة في الاحتكام إلى هذا الإدراك في ظاهرة لا يعييه إدراكها، وهي في الوقت ذاته ذات دلالة لا تمارى!
والتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من تدبّر هذا القرآن أبدًا .. ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف القول والأجيال في إدراك مداها، ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها -بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه- ما يملك إدراكه، في محيط يتكيّف بمدى القدرة والثقافة والتجربة، والتقوى!
ومن تمَّ فإن كل أحد، وكل جيل، مخاطب بهذه الآية، ومستطيع -عند التدبّر وفق منهج مستقيم- أن يدرك من هذه الظاهرة (ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق) ما تهيّئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه!
[ ٤ / ١٢٢٣ ]
وتلك الطائفة في ذلك الجيل كانت تخاطب بشيء تدركه، وتملك التحقّق منه بإدراكها في حدودها الخاصة!
تتجلَّى هذه الظاهرة .. ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق .. ابتداء في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنيّة .. ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح، التوفيق والتعثّر، القوة والضعف، التحليق والهبوط والرفرفة والثقلة، الإشراق والانطفاء .. إلى آخر الظواهر التي تتجلَّى معها سمات البشر، وأخصّها سمة (التغيّر)، والاختلاف المستمرّ الدائم من حال إلى حال .. يبدو ذلك في كلام البشر، واضحًا عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد، أو المفكّر الواحد، أو الفنّان الواحد، أو السياسي الواحد، أو القائد العسكري الواحد .. أو أيّ كان في صناعته، التي يبدو فيها الوسم البشري واضحًا .. وهو: (التغيّر والاختلاف)!
وواضح كل الوضوح أن هذه الظاهرة عكسها هو (الثبات والتناسق)، وهي الظاهرة الملحوظة في القرآن .. ونحن نتحدّث فقط عن ناحية التعبير اللفظي، والأداء الأسلوبي، فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها؛ ولكن يتّحد مستواه وأفقه، بالإضافة إلى الكمال في الأداء بلا تغيّر ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى .. وليس كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان!
إنه كتاب يحمل طابع الصبغة الربّانيّة، ويدلّ على الموجود الذي لا يتغيّر من حال إلى حال، ولا تتوالى عليه الأحوال! (١)
وتتجلّى ظاهرة عدم الاختلاف .. والتناسق المطلق الشامل الكامل .. بعد
_________________
(١) انظر: التصوير الفني في القرآن الكريم.
[ ٤ / ١٢٢٤ ]
ذلك في ذات المنهج الذي تحمله العبارات، ويؤدّيه الأداء .. منهج التربية للنفس البشريّة والمجتمعات البشريّة .. ومحتويات هذا المنهج في جوانبه الكثيرة (١) .. ومنهج التنظيم للنشاط الإنسانيّ للأفراد وللمجتمع الذي يضمّ الأفراد -وشتّى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشريّة على توالي الأجيال- ومنهج التقويم للإدراك البشري ذاته، وتناول شتّى قواه وطاقاته وإعمالها معًا في عمليّة (الإدراك) ومنهج التنسيق بين الكائن الإنسانيّ بجملته -في جميع مجتمعاته وأحواله ومستوياته- وبين هذا الكون الذي يعيش فيه، ثم بين دنياه وآخرته، وما يشتجر في العلاقة بينهما من ملابسات لا تحصى في عالم كل فرد، وفي عالم (الإنسان) وهو يعيش في هذا الكون بشكل عام!
وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان واضحًا كل الوضوح في جانب التعبير اللفظي والأداء الفنّي، فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير والتنظيم والتشريع .. فما من نظريّة بشريّة، وما من مذهب بشري إلا وهو يحمل الطابع البشري الذي يتسم بجزئيّة النظر والرؤية، والتأثّر الوقتي بالمشكلات الوقتيّة، وعدم رؤية التناقضات في النظريّة أو المذهب أو الخطّة التي تؤدّي إلى الاصطدام بين مكوّناتها -إن عاجلًا وإن آجلًا- كما تؤدّي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصيّة البشريّة الواحدة التي لم يحسب حساب بعضها، أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يحسب حساب كل واحدة منها .. إلى عشرات ومئات من النقائص والاختلافات الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود، ومن الجهل البشريّ بما وراء اللحظة الحاضرة، فوق جهله بكل
_________________
(١) انظر: منهج التربية الإِسلامية: محمد قطب.
[ ٤ / ١٢٢٥ ]
مكوّنات اللحظة الحاضرة -في أيّة لحظة حاضرة- وعكس ذلك كله هو ما يتّسم به المنهج القرآنيّ الشامل الكامل، الثابت الأصول ثبات النواميس الكونيّة، الذي يسمح بالحركة الدائمة -مع ثباته- كما تسمح بها النواميس الكونيّة!
وتدبّر هذه الظاهرة، في آفاقها هذه، قد لا يتسنّى لكل إدراك، ولا يتسنّى لكل جيل؛ بل المؤكد أن كل إدراك سيتفاوت مع الآخر في إدراكها، وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها، ويدع آفاقًا منها للأجيال المترقية في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة؛ إلا أنه يتبقى من وراء كل الاختلاف البشري الكثير في إدراك هذه الظاهرة -كاختلافه الكثير في كل شيء- بقيّة يلتقي عليها كل إدراك، ويلتقي عليها كل جيل .. وهي أن هذه الصنعة شيء وصنعة البشر شيء آخر، وأنه لا اختلاف في هذه الصنعة ولا تفاوت. وإنما (وحدة وتناسق) .. ثم يختلف الناس بعد ذلك ما يختلفون في إدراك آحاد وآفاق وأبعاد وأنواع ذلك التناسق! (١)
وإلى هذا القدر الذي لا يخطئه متدبّر -حين يتدبّر- يكل الله تلك الطائفة، كما يكل كل أحد، وكل جماعة، وكل جيل .. وإلى هذا القدر من الإدراك المشترك يكل إليهم الحكم على هذا القرآن، وبناء اعتقادهم في أنه من عند الله، ولا يمكن أن يكون من عند غير الله!
ويحسن أن نقف هنا وقفةً قصيرةً، لتحديد مجال الإدراك البشري في هذا الأمر وفي أمر الدّين كلّه، فلا يكون هذا التكريم الذي كرّمه الله للإنسان بهذا التحكيم، سبيلًا إلى الغرور، وتجاوز الحدّ المأمون، والانطلاق من السياج الحافظ على المضيّ في التّيه بلا دليل!
_________________
(١) انظر (خصائص التصوّر الإِسلامي ومقوماته) و(الإِسلام ومشكلات الحضارة) و(هذا الدين).
[ ٤ / ١٢٢٦ ]
إن مثل هذه التوجيهات في القرآن الكريم يساء إدراكها، وإدراك مداها. فيذهب بها جماعة من المفكّرين -قديمًا وحديثًا- إلى إعطاء الإدراك البشريّ لمملطة الحكم النهائية في أمر الدّين كله، ويجعلون منه ندًّا للشرع، بل يجعلونه هو المسيطر على شرع الله!
الأمر ليس كذلك .. الأمر أن هذه الأداة العظيمة -أداة الإدراك البشري- هي بلا شك موضع التكريم من الله، ومن ثم يكل إليها إدراك الحقيقة الأولى: حقيقة أن هذا الدّين من عند الله، وهناك ظواهر يسهل إدراكها، وهي كافية بذاتها للدلالة، دلالة هذا الإدراك البشريّ ذاته، على أن هذا الدّين من عند الله .. ومتى أصبحت هذه القاعدة الكبيرة مسلّمًا بها أصبح من منطق هذا الإدراك ذاته أن يسلم -بعد ذلك- تلقائيًّا بكل ما ورد في هذا الدّين -لا يهمّ عندئذ أن يدرك حكمته الخفيّة أو لا يدركها، فالحكمة متحقّقةٌ حتمًا ما دام من عند الله، ولا يهمّ عندئذ أن يرى (المصلحة) متحقّقة فيه في اللحظة الحاضرة .. والعقل البشري ليس ندًّا لشريعة الله، فضلًا عن أن يكون الحاكم عليها؛ لأنه لا يدرك إلا إدراكًا ناقصًا في المدى المحدود، ويستحيل أن ينظر من جميع الزوايا إلى جميع المصالح -لا في اللحظة الواحدة ولا في التاريخ كله- بينما شريعة الله تنظر هذه النظرة، فلا ينبغي أن يكون الحكم فيها، أو في حكم ثابت قطعي من أحكامها موكولًا إلى الإدراك البشري .. وأقصى ما يتطلّب من الإدراك البشري أن يتحرّى إدراك دلالة النصّ وانطباقه، لا أن يتحرّى المصلحة أو عدم المصلحة فيه! فالمصلحة متحقّقة أصل أبو جود النصّ من قبل الله تعالى .. إنما يكون هذا فيما لا نص فيه، مما يجدّ من الأقضية، وهذا جاء بيان المنهج فيه، وهو ردّه إلى الله والرسول .. وهذا هو مجال الاجتهاد الحقيقي، إلى جانب الاجتهاد في فهم
[ ٤ / ١٢٢٧ ]
النصّ، والوقوف عنده، لا تحكيم العقل البشريّ في أن مدلوله يحمل المصلحة أو لا يحملها!
إن مجال العقل البشريّ الأكبر يكمن في معرفة نواميس الكون والإبداع في عالم المادة .. وهو ملك عريض!
ويجب أن نحترم الإدراك البشريّ بالقدر الذي أراده الله له من التكريم في مجاله الذي يحسنه، ثم لا نتجاوز به هذا المجال، كي لا نمضي في التّيه بلا دليل، إلا دليلًا يهجم على ما لا يعرف من مجاهد الطريق .. وهو عندئذ أخطر من المضيّ بلا دليل! (١)
ويمضي السياق يصوّر حال طائفة أخرى، أو يصف فعلة أخرى لطائفة في المجتمع: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ (النساء)!
والصورة التي يرسمها النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإِسلاميّ، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتّب عليها، وقد تكون قاصمة؛ لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدّية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجرّ من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال، وما لا يتدارك بعد وقوعه بحال، أو ربما لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جراء أخذ كل شائعة، والجري بها هنا
_________________
(١) انظر: خصائص التصور الإِسلامي ومقوماته: الربانية، والثبات، والتوازن!
[ ٤ / ١٢٢٨ ]
وهناك وإذاعتها حين يتلقّاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف .. فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمّرة!، فإن إشاعة أمر الأمن مثلًا في معسكر متأهّب مستيقظ متوقّع لحركة من العدو .. إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تحدث نوعًا من التراخي -مهما تكن الأوامر باليقظة- لأن اليقظة النابعة من التحفّز للخطر غير اليقظة النابعة من مجرّد الأوامر! .. وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية!
كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوّته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، قد تحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكًا، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف .. وقد تكون كذلك القاضية!
وعلى أيّة حال فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه، أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته، أو هما معًا .. ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجتمع المسلم حينذاك، باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء .. وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرباني!
والقرآن يدلّ الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾!
أي لو أنهم ردّوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول - ﷺ - إن كان معهم، أو إلى أمرائهم المؤمنين، لعلم حقيقته القادرون على استنباط هذه الحقيقة، واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة، والملابسات المتراكمة!
فمهمة الجندي في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن -بشرط الإيمان ذاك وحدّه- حين يبلغ إلى أذنيه خبر أن يسارع فيخبر به نبيّه أو أميره، لا أن ينقله
[ ٤ / ١٢٢٩ ]
ويذيعه بين زملائه، أو بين من لا شأن لهم به؛ لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر- حتى بعد ثبوته أو عدم إذاعته!
وهكذا كان القرآن يربّي .. فيغرس الإيمان والولاء للقيادة المؤمنة، ويعلم نظام الجنديّة في آية واحدة .. بل بعض آية .. فصدر الآية يرسم صورةً منفرةً للجنديّ وهو يتلقّى نبأ الأمن أو الخوف، فيحمله ويجري متنقّلًا، مذيعًا له، من غير تثبّت، ومن غير تمحيص، ومن غير رجعة إلى القيادة .. ووسطها يعلم ذلك التعليم .. وآخرها يربط القلوب بالله في هذا، ويذكرها بفضله، ويحركها إلى الشكر على هذا الفضل، ويحذّرها من اتباع الشيطان الواقف بالمرصاد، الكفيل بإفساد القلوب لولا فضل الله ورحمته: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾!
آية واحدة تحمل هذه الشحنة كلها، وتتناول القضيّة من أطرافها، وتتعمّق السريرة والضمير، وهي تضع التوجيه والتعليم! ذلك أنه من عند الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾!
وحين يصل السياق إلى هذا الحدّ من تقويم عيوب الصفّ، التي تؤثّر في موقفه في الجهاد وفي الحياة -ومنذ أول الدرس وهذا التقويم مطرد لهذه العيوب- عندئذ ينتهي إلى قمّة التحضيض على القتال الذي جاء ذكره في ثنايا الدرس .. قمة التكليف الشخصي، الذي لا يُقعد الفردَ عنه تبطئة ولا تخذيل، ولا خلل في الصف، ولا وعورة في الطريق، حيث يوجه الخطاب إلى الرسول - ﷺ - بأن يقاتل -ولو كان وحيدًا- فإنه لا يحمل في الجهاد إلا تبعة شخصه - ﷺ -، وفي الوقت ذاته يحرّض المؤمنين على القتال .. وكذلك يوحي
[ ٤ / ١٢٣٠ ]
إلى النفس بالطمأنينة ورجاء النصر: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾!
معالم في الطريق:
ومن خلال هذه الآية -بالإضافة إلى ما قبلها- تبرز لنا معالم كثيرة في طريق الجماعة المسلمة يومذاك، كما تبرز معالم كثيرة في النفس البشريّة في كل حين:
المعلم الأول:
يبرز لنا مدى الخلخلة في الصف المسلم، وعمق آثار التبطئة والتعويق والتثبيط فيه، حتى لتكون وسيلة الاستنهاض والاستجاشة، هي تكليف النبي - ﷺ - أن يقاتل في سبيل الله -ولو كان وحده- ليس عليه إلا نفسه، مع تحريض المؤمنين، غير متوقّف مُضيه في الجهاد على استجابتهم أو عدم استجابتهم! ولو أن عدم استجابتهم -جملة- أمر لا يكون، ولكن وضع المسألة هذا الوضع يدلّ على ضرورة إبراز هذا التكليف على هذا النحو، واستجاشة النفوس له هذه الاستجاشة، فوق ما يحمله النصّ من حقيقة أساسيّة ثابتة في التصوّر الإِسلاميّ، وهي أن كل فرد لا يكلّف إلا نفسه!
المعلم الثاني:
كما يبرز لنا مدى المخاوف والمتاعب في التعرّض لقتال المشركين يومذاك .. حتى ليكون أقصى ما يعلّق الله رجاء المؤمنين: أن يتولّى هو سبحانه كفّ بأس الذين كفروا، فيكون المسلمون ستارًا لقدرته في كفّ بأسهم عن المسلمين .. مع إبراز قوّة الله سبحانه، وأنه ﴿أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾!
[ ٤ / ١٢٣١ ]
وإيحاء هذه الكلمات واضح عن قوّة بأس الذين كفروا يومذاك، والمخاوف المبثوثة في الصفّ المسلم .. وربما كان هذا بين (أُحُد) و(الخندق) عن قوّة بأس الذين كفروا -كما سيأتي- وأحرج الأوقات التي مرّت بها الجماعة المسلمة في (المدينة)، بين المنافقين، وكيد اليهود (١)، وتحفّز المشركين، وعدم اكتمال التصوّر الإِسلامي ووضوحه وتناسقه بين المسلمين!
المعلم الثالث:
كذلك تبرز لنا حاجة النفس البشريّة، وهي تدفع إلى التكاليف التي تشقّ عليها، إلى شدّة الارتباط بالله وشدّة الطمأنينة إليه، وشدّة الاستعانة به، وشدّة الثقة بقدرته وقوّته .. فكل وسائل التقوية غير هذه لا تجدي، حين يبلغ الخطر قمته .. وهذه كلها حقائق نبصرها في المنهج الرباني .. والله هو الذي خلق هذه النفوس، وهو الذي يعلم كيف تربّى، وكيف تقوّى، وكيف تستجيب!
زلزال شديد:
ومعلوم أن الشخصيّة المسلمة تصاغ في معترك الحياة ومصطرع الأحداث (٢)، ويومًا بعد يوم، وحدثًا بعد حدث تنضج وتنمو، وتتضح سماتها .. و(الجماعة المسلمة) تبرز إلى الوجود بمقوّماتها الخاصّة، وقيمها الخاصّة، وطابعها المميّز بين سائر الجماعات!
وكانت الأحداث تشتدّ على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانًا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب -كما أسلفنا- تفصل بين الجوهر الأصيل
_________________
(١) انظر كتابنا: "الرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه" أربعة أجزاء.
(٢) السابق: ٥: ٢٨٣١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٢٣٢ ]
والزَبَد الزائف، وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطًا مجهول القيم!
وكان القرآن الكريم يتنزّل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصوّر الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر .. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار .. ويلمس فيها مواضع التأثّر والاستجابة، ويربيّها يومًا بعد يوم، وحادثًا بعد حادث، ويرتّب تأتّراتها واستجاباتها وفق منهجه الرباني!
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزّل بالأوامر والنواهي وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة، إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات، فقد علم الله أن هذه الخليقة البشريّة لا تصاغ صياغةً سليمةً، ولا تنضج نضجًا صحيحًا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبيّة الواقعيّة، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب. وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث!
إنه يتنزّل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته، وليوجه تلك القلوب وهي منصهرةٌ بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة!
ولقد كانت فترة عجيبة حقًّا، تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول - ﷺ - .. فترة اتصال السماء بالأرض اتصالًا مباشرًا، مبلورًا في أحداث وكلمات .. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه، وأن كلّ كلمة منه وكلّ حركة، بل كلّ خاطر وكلّ نيّة، قد
[ ٤ / ١٢٣٣ ]
يصبح مكشوفًا للناس، يتنزّل في شأنه قرآن على رسول الله - ﷺ - .. وحينئذ كان كل مسلم يحسن الصلة المباشرة بينه وبين ربّه، فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدًا أو بعد غد ليتنزّل منها حلّ لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه .. وحينئذ كان الله بذاته العلية يقول: أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا، وأضمرت كذا، وأعلنت كذا، وكن كذا، ولا تكن كذا .. ويا له من آمر هائل عجيب! .. يا له من أمر هائل عجيب أن يوجّه الله خطابه المعيّن إلى شخص معين .. هو وكل من على هذه الأرض وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض ذرّة صغيرة في ملك الله الكبير!
لقد كانت فترة عجيبة حقًّا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصوّر حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع أضخم من كل خيال!
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيّهم، وتنضج شخصيّتهم المسلمة، بل أخذهم بالتجارب الواقعيّة، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي، وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك)!
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلًا، ندركها ونتدبّرها، ونتلقّى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير!
ولنا حديث خاص عن (غزوة الأحزاب) نذكر فيه كيف كان الامتحان لـ (الجماعة المسلمة) الناشئة، وتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم في ردّ الجيش الذي همّ أن يستأصلهم، لولا عون الله وتدبيره اللطيف، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا
[ ٤ / ١٢٣٤ ]
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾ (الأحزاب)!
وهنا نبصر القيم الثابتة، والسنن الباقية، التي لا تنتهي بانتهاء الحادث، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص، ولا تنقضي بانقضاء الملابسات .. ومن ثم تبقى قاعدةً ومثلًا لكل جيل ولكل قبيل .. ونبصر ربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص .. ونبصر الكشف عن سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبّات الضمائر، والأسرار والنوايا والخوالج المستكنّة في أعماق الصدور.
ونبصر القرآن مُعدًّا للعمل في كل وسط بعد ذلك، وفي كل تاريخ .. معدًّا للعمل في النفس البشريّة كلّما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة، والبيئات المنوّعة عبر التاريخ!
[ ٤ / ١٢٣٥ ]
ونبصر تحوّل النصوص القرآنيّة إلى قوى وطاقات .. تعمل في واقع الحياة، وتدفع إلى حركة حقيقية في عالم الضمير!
إن هذا القرآن ليس كتابًا للتلاوة ولا للثقافة .. وكفى .. إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة، وإيحاء متجدّد في المواقف والحوادث! ونصوصه مهيّأة للعمل في كل لحظة، متى وجدت القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السرّ العجيب!
وإن الإنسان ليقرأ النصّ القرآني مئات المرّات، ثم يقف الموقف، أو يواجه الحادث، فإذا النصّ القرآنيّ جديد، يوحي إليه بما لم يودع من قبل قطّ، ويجيب على السؤال الحائر ويفتي في المشكلة المعقّدة، ويكشف الطريق الخافي، ويرسم الاتجاه المقاصد، ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه، وإلى الاطمئنان العميق!
وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث!
وفي الآيات التي معنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾! نبصر بدء المعركة وختامها، والعناصر الحاسمة فيها .. مجيء جنود الأعداء، وإرسال الريح .. والجنود التي لم يرها المؤمنون، ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم، وبصره بعملهم .. ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾!
[ ٤ / ١٢٣٦ ]
إنها صورة الهول الذي روّع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها .. وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان، واليهود من بني قريظة، من كل جانب، من أعلاها ومن أسفلها، فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنّها بالله، وسلوكها في الشدّة، وتصوّراتها للقيم والأسباب والنتائج .. ومن ثم كان الابتلاء كاملًا، والامتحان دقيقًا، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسمًا لا تردّد فيه!
وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته، وكل انفعالاته، وكل خلجاته. وكل حركاته، ماثلًا أمامنا، كأننا نراه من خلال هذا النصّ القصير!
ننظر فنرى الوقف من خارجه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾!
ثم ننظر فنرى أثر الوقف في النفوس: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾!
وهو تعبير مصوّر لحالة الخوف والكربة والضّيق، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾!
ولا يفصّل هذه الظنون، ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج، وذهابها كل مذهب، واختلاف التصوّرات في شتّى القلوب!
ثم تزيد سمات الوقف بروزًا، وتزيد خصائص الهول فيه وضوحًا: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾!
والهول الذي يزلزل المؤمنين لابدّ أن يكون هولًا مروّعًا رعيبًا!
[ ٤ / ١٢٣٧ ]
ولقد كان أشدّ الكرب على المسلمين، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم، فلم يكونوا يأمنون في أيّة لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق، وأن تميل عليهم يهود، وهم قلّة بين هذه المجموع، التي جاءت بنيّة استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة!
ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾!
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدّة الآخذة بالخناق فرصةً للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهن والتخذيل وبثّ الشكّ والرّيبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدّقهم في التوهن والتشكيك .. وهم مع هذا منطقيّون مع أنفسهم ومشاعرهم، فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمّل، وروع نفوسهم ترويعًا لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجمّلين!
ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة، وموقفهم في الشدّة هو موقف إخوانهم هؤلاء، فهو نموذج مكرّر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾!
ونبصر صورة نفسيّة لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض .. صورة
[ ٤ / ١٢٣٨ ]
نفسيّة داخليّة لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصفّ بمجرّد مصادفة، غير مبقين على شيء، ولا متجمّلين لشيء: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾!
هكذا يكشفهم القرآن، ويقف نفوسهم عارية من كل ستار .. ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد، وخلف الوعد، ومع من؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا، ثم لم يراعوا معِ الله عهدًا: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾!
ويقرّر القرآن إحدى القيم التي يقرّرها في أداتها، ويصحح التصوّر الذيِ يدعوهم إلى نقض العهد والفرار: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾!
إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة، والموت أو القتل قدر لا مفرّ من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر .. ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ، فإذا فرّوا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب، وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل، ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته، سواء أراد بهم سوءًا أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله!
فالاستسلام الاستسلام، والطّاعةَ الطّاعةَ، والوفاءَ الوفاء بالعهد مع الله، في السرّاء والضرّاء، ورجع الأمر إليه، والتوكّل الكامل عليه!!!
[ ٤ / ١٢٣٩ ]
مناجاة في ليلة القدر:
ويطيب لي أن أقدّم هذه المناجاة للأخ العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي، الذي عرفته منذ منتصف الأربعينيات من القرن الماضي وصحبته في أشدّ المحن في السجن الحربي عام ١٩٥٤ - ١٩٥٦ م، كما صحبته في المحاكمة الظالمة عام ١٩٥٥ م. وقد نظم هذه القصيدة ليلة ٢٧ رمضان عام ١٣٦٩ هـ - ١٩٤٩ م بمعتقل الطور!
وكان ختامها دعوات ومناجاة إلى الله سبحانه .. وفرّج الله الكرب .. وسقطت وزارة إبراهيم عبد الهادي، وجاء العيد حاملًا معه البشرى، وبدأ الإفراج عن الدعاة المعتقلين!
والقصيدة طويلة .. منها ما يحفظه الأخ الداعية القرضاوي، وهي: (١)
عشقتها فاسترقّت قلبي العاني فقمت أعزف فيها عذب ألحاني
سمّوه شعرًا وإِنّي لا أراه سوى آهات قلبي وإِحساسات وجداني
* * *
يا ليلة زانها ربّي وشرّفها تنزيله في دجاها نور قرآنِ
_________________
(١) نفحات ولفحات: ٣٨ - ٤٠.
[ ٤ / ١٢٤٠ ]
دستورُ حق وتشريع وتربية يبقى وإِن زال هذا العالم الفاني
ربَّى رجالًا مغاوير اهتدوا وغزوا إِن الرجولة من نور ونيرانِ
أمسى بلال به من ذلّة ملكًا وصار سلمان شيئًا غير سلمانِ!
لله فتيان حق لو رأيت فتىً منهم ترى ملكًا في زيّ إِنسانِ!
فمن يداني أبا حفصٍ وصاحبه؟ ومن يداني عليًّا وأين عفّانِ؟!
هذا الكتاب غدا في الشرق وا أسفًا شمسًا تضيء ولكن بين عُميانِ!
يحاط بالطفل حرزًا من أذىً وردىً وفيه حرز الورى من كل خسرانِ!
يُتلى على ميِّتٍ في جوف مقبَرةٍ وليس يحكم في حيٍّ بديوانِ!
فكيف نرقى ومعراج الرّقِيِّ لنا أمسى يُجَرُّ عليه ذيل نسيانِ؟!
[ ٤ / ١٢٤١ ]
* * *
يا ليلة السِّلم والإِسلام معذرة فالسِّلم في مصر والإِسلامُ لفظانِ
أين السلام؟ أروني أين موضعه قد ضاع ضيعة يُتْمٍ بيبن خُوَّانِ!
أين الدساتير فانظرها معلّقة مثل التمائم في أحضان صبيانِ!
أين الحقوق ولم نلمح لها صورًا إِلا سياطًا كأذناب لثيرانِ!
* * *
نحن النجوم تزين الكونَ طلعتُنا ويهتدي بسنانا كل حيرانِ
نحن النجوم فلا تعجب إِذا انطلقت منّا رجومٌ أخافتْ كل شيطانِ
قالوا اسجنوا واغمروا الأقسام واعتقلوا فجمّعونا على حبٍّ وإِيمانِ
وصادروا ما لنا من جهلهم ونسوا أن يحجروا رزق رزّاق ورحمانِ
[ ٤ / ١٢٤٢ ]
وأسرفوا وعَلوْا في الأرض واضطهدوا وعُكِّر النّيلُ من هاماته الثاني
وعذّبوا كي يُذِلوا أنفسًا طَمحتْ وعزَّت النفس أن تعنو لسلطانِ
والليث لن تحني الأقفاص هامته وإِن تحكّم فيه ألف سجّانِ
* * *
يا ربِّ إِن الطّغاة استكبروا وبَغَوْا بَغْيَ الذِّئاب على قطعان حُملانِ
يا ربِّ كم يوسفٍ فينا تَقِيِّ يدٍ دانوه بالسّجن والقاضي هو الجاني!
يا ربِّ كم صبيٍّ صفّدوا فمضى يبكي كضفدعة في ناب ثعبانِ!
يا ربِّ كم أسرةٍ باتت مشرّدة تشكو تَجَبُّر فرعون وهامانِ!
يا ربِّ رُحْمَاك انجزْ ما وعدت به وانصر فنصرك من أهل الهُدى دانِ!
* * *
[ ٤ / ١٢٤٣ ]
الله والطاغوت:
وتحت هذا العنوان قال الأخ الداعية الشاعر (محمد منلا غزيل): (١)
تاه الدليل! فلا تعجب إِذا تاهوا أو ضيّع الركب أشباح وأشباهُ
تاه الدليل! فلا تعجب إِذا تركوا قصد السبيل وحادوا عن سجاياهُ
تاه الدليل! فلا تعجب إِذا انحرفوا عن الصراط لِلات الشِّرك عُزّاهُ!
والشّعر إِن لم تلح في التّيه جذوته نورًا مبينًا فلا كانت عطاياهُ
إن لفّه الصمت في أكفانه أمدًا أو ضمّه الرّمز حينًا في حناياهُ
فالحرف مازال يُذكي وهج شُعلته وقْع الصّراع فيؤتي بعض نجواهُ
هيهات يخبو سنا التّبيان مذ صبغت آيُ الكتاب بلون الحقّ معناهُ
_________________
(١) ديوان اللؤلؤ المكنون: ١٢٣، وشعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث: ٣: ٩١ - ٩٤.
[ ٤ / ١٢٤٤ ]
هيهات ترضي ظلال الزّيف صبغته هيهات يعنو لأغلال حناياهُ
يسمو تضيء له الآيات وجهتَه ويستطير السّنا في أفق مرقاهُ
وكم بدت في الدّجى العاتي كنانته تُرمى بسهم أصاب الليل أصماهُ
* * *
يا ربّ! هيّء لنا من أمرنا رشدًا يهدي السبيل فإِنا قد أضعناهُ
وها هو الشرك في أرجاء بقعتنا شركٌ بواحٌ وما انفكّت خفاياهُ!
وا أمّة أخرجت للناس أثخنها مكر العدوّ فكانت من مطاياهُ!
إِن العدوّ هو الطاغوت فانعتقي من كيد (إِبليس) إِن المكر إِيّاهُ!
إِن السبيل سبيل الله فانطلقي نحو الجهاد وخوضي غمر دنياهُ
[ ٤ / ١٢٤٥ ]
تبَّت يدا مترفيها ضلّ سعيهم فكيف يطغى عليك المال والجاهُ؟!
* * *
يا إِخوة الدّرب نعم الدّين آصرة للمؤمنين ونعم الحبل أقواهُ
تلك السبيل فلا تنسوا معالمها (١) ولتحذروا أن تضلّوا إِثر من تاهوا!
منهاجنا (الدّين) والتوحيد صبغته والعدل شرعته الكبرى ومبناه
هيهات ترضى بأوثان عقيدته والحق خالصه فيها وأبقاهُ
هيهات ترضى بطغيان شريعته وما علمتُ تقرُّ الظّلم (شوراهُ)!
والفجر مازال وجه الفجر يحجبه وجه الضباب وتخفيه طواياهُ
كم حاول الكيد مسعورًا ليطمسه عَبر الضّلوع فلم يظفر بمسعاهُ
_________________
(١) يشير إلى كتاب الشهيد سيد قطب (معالم في الطريق)!
[ ٤ / ١٢٤٦ ]
غدًا تطلّ على الدنيا طلائقهُ غلاّبةً يا لبشرانا بلقياهُ
قد يزحف الصّفّ مرصوص الكيان غدًا يشتدّ بنيانه يمتدّ ركناهُ
إِن طاف في الأرض قلبي في مناكبهما يستقبل التّيه بالإشراق يلقاهُ
فما أحسّ بغير الفجر مؤذنةً أذيالُه يزدهي بالنصر عطفاهُ
يا أيها الليل لن تقوى على أمل عبر الحنايا بإِذن الله نحياهُ
يا أيّها التّيه لن تقوى على قبسٍ من جانب الطور بالحق اقتبسناهُ
يا أيّها الغيّ لن تقوى على رشد في عمق أعماقنا الفرقان آتاهُ
غدًا نخوض الوغى تترى كتائبنا ويزهق الباطل الباغي ودعواهُ
غدًا سيطوى الهُدى طغيان (قيصره) وتنطفي بالهدى نيران (كسراهُ)!
[ ٤ / ١٢٤٧ ]
الكافرون هوى الطاغوت منهجهم والقاصدون الهدى يهديهم اللهُ!
* * *
شظايا من الإيمان:
وقال تحت هذا العنوان: (١)
بعقيدتي بالحق بالإِيمان يعصف في دمي
بالنور بالإِعصار جيّاشًا بوهج الأنجمِ
بالرّوح تزخر بالهُدى بهُدى النبيّ الأعظمِ
بسنا القلوب الظامئات إِلى اللقاء الملهمِ
سيزول ليل الظالمين وليل بغي مجرمِ
سيزول بالنور الظلام ظلام عهد معتمِ
والباطل المنهار فوق دعاة ليل مظلمِ
وسيشرق الفجر المبين ويرتوي القلب الظمي
والدعوة السمحاء تزحف بالهُدى والبلسمِ
بشريعة الله العظيم وبالنظام المحكمِ
بشريعة القرآن دستور الحياة الأكرمِ
_________________
(١) مجلة الشهاب السوريّة: ٢٥، ٢٦، عام ١٣٨٤ هـ، وشعراء الدعوة الإِسلامية في العصر الحديث: ٣: ٩٥ - ٩٧.
[ ٤ / ١٢٤٨ ]
بالنعمة الكبرى من الربِّ الرحيم المنعمِ
أنا مؤمن بالنصر للإِسلام للنهج السويّ الأقومِ
أنا مؤمن بالنصر للإِيمان للوعي الأبيّ السلمِ
* * *
أنا مؤمن بالزاحف المهدار يجتاح الحنايا
أنا مؤمن بالحقّ بالإِعصار يعصف بالشّظايا
أنا مؤمن بالصبر يهزأ بالخطوب وبالرزايا
أنا مؤمن بالحق يصرع باطلًا ظلم الرعايا
أنا مؤمن بالمجد نزرع دربه أبدًا ضحايا
بكتيبة التوحيد يسطع نورها بين البرايا
علويّة المنهاج ربانيّة يا للمزايا
أنا مؤمن وتموج في الأعماق دنيا من رؤايا
فتفجر القمم الظماء دورب مجدٍ أو منايا
وتثور بالشعل الوضاء فيستقي منها غنايا
والآخرون تنكّروا للنور وانتظموا (مطايا)
للشرق أو للغرب يا للعار ويل للمطايا
راموا انطفاء النور نور الله سحقًا للنوايا
[ ٤ / ١٢٤٩ ]
هذا لهيب الشِّعر يحرق زيفها يا للشظايا
سحقت ضلال الملحدين وأخرست صوت الدنايا
أنا مؤمن بالحق نزرع دربه أبدًا ضحايا
* * *
أنا مؤمن بالزاحف الوضاء عبر الكوّةِ
أنا مؤمن بالحق بالنصر المبين لدعوتي
وبحسب أفئدة تموج بلهفة لله طهر اللهفةِ
وبحسب أفئدة بنجواها لرب الناس أعظم نشوة
وبحسب أفئدة وعَت معنى الفدا والعزّةِ
وبحسب أفئدة رأت في السجن أصدق خلوةِ
فبحسبها الوضاء يزحف رغم أنف الظلمةِ
ليمزّق الطغيان شرّ ممزّق بالحقّ يا للقوّةِ
ويزفّها للأمّة الظمأى شفاء الغلّةِ
سنعيدها غرّاء إِسلامية يا أمّتي
لا الشرق تعرفه ولا الغرب اللئيم الشّرةِ
أنا مؤمن يا أمة الإِسلام تملأ مهجتي
نبضات أمجاد توحّد خافقي للكعبةِ
[ ٤ / ١٢٥٠ ]
وتبثّ في الوجدان والأعماق أطهر نفحةِ
فتفيض في الأصداء والأشعار أطهر نغمةِ
بشريعة القرآن تحكم رغم أنف الشهوة
سنعيدها غرّاء إِسلاميّة يا إِخوتي
أنا مؤمن بالفجر يزحف رغم أنف الظلمةِ
بالغد بالفجر المضيء بفجر هذي الدعوةِ
بشريعة القرآن تحكم رغم أنف الثورةِ
* * *
جمعنا الله في مستقر رحمته إخوانًا على سرر متقابلين، آمين آمين آمين!
* * *
[ ٤ / ١٢٥١ ]
الهجرة إلى الحبشة
[ ٤ / ١٢٥٣ ]
الهجرة إلى الحبشة
• أول هجرة في الإِسلام
• السابقون إلى الإِسلام
• مكانة السابقين
• غيظ قريش وحنقها
• إشارة الرسول - ﷺ - بالهجرة
• هجرة تبليغ الرسالة
• البعد عن مواطن الفتنة
• البعد عن إثارة المعوقات في طريق الرسالة
• تخفيف الأزمات النفسية
• إفساح طريق التبليغ
• سجل المهاجرين
• حكمة سياسة الاستسرار
• سفارة المشركين إلى النجاشي
• سياسة تبليغ الدعوة
• إخفاق سفارة المشركين
• تملك النجاشي على الحبشة
• إسلام النجاشي
• عالميّة الدعوة الإِسلاميّة
• مكانة المرأة المسلمة
• عودة المهاجرين إلى المدينة
• هجرة مواجهة واختبار
[ ٤ / ١٢٥٤ ]
الهجرة إلى الحبشة
أول هجرة في الإِسلام:
سبق أن عرفنا كيف كانت الحياة في مكّة جهادًا للنفس، وصبرًا على الأذى .. ومع ذلك مضت الدعوة إلى الله تشقّ طريقها الصعب، بين قبائل قريش رجالًا ونساءً، وقريش تحبس من قدرت على حبسه. وتعذّب من استطاعت تعذيبه!
ورأى رسول الله - ﷺ - بعد سنتين من الجهر بالدعوة أن الجاهليّة ماضية في عنفها واضطهادها وتعذيبها، مصمّمة على استخدام كل أسلوب لوقف الدعوة الإِسلاميّة، وهي بعد في المهد!
وهنا أراد الرسول - ﷺ - أن يمنح المضطهدين فترةً من الوقت، يستردّون فيها أنفاسهم، ويعودون ثانيةً إلى ساحة الصراع وهم أقدر وأصلب .. وعسى الله أن يجعل بعد عسر يسرًا، فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة!
روى ابن إسحاق وغيره (١): فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما يُصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب،
_________________
(١) ابن هشام: ١: ٣٩٧ معلقًا، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٨٣ من طريق موسى بن عقبة، ولم يسمّ من حدثه، والطبري: التاريخ من طريق ابن إسحاق: ٢: ٢٣٠ - ٣٣١ قال الذهبي: السيرة: ورواه يحيى بن أبي طالب عن بشار عن عبد الله بن إدريس، ثنا ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله بن أبي بكر وصل الحديث عن أبي بكر عن أم سلمة قالت: وذكر الحديث، قال البغوي: تاسع المخلصيات: وروى ابن عوف عن عمير بن إسحاق عن عمرو بن العاص بعض هذا الحديث: السيرة للذهبي: ١٨٣ - ١٨٤ فيكون صحيحًا بالسند الذي ذكره الذهبي!
[ ٤ / ١٢٥٥ ]
وأنه لا يقدر على أن يمنعهم ممّا هم فيه من البلاء، قال لهم: "لو خرجتم إِلى أرض الحبشة، فإِن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه" فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله - ﷺ - إِلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارًا إِلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإِسلام!
ويروي أحمد عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - إِلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا، قال في المواهب اللدنية: ثم أذن رسول الله - ﷺ - لأصحابه في الهجرة إِلى الحبشة، وذلك في رجب سنة خمس من النبوة" (١).
وهذا موافق لقول ابن إسحاق من أن وقوع الهجرة الأولى قبل المقاطعة وذلك خلافًا لموسى بن عقبة! (٢).
السابقون إلى الإِسلام:
ومعلوم أن السابقين إلى الإِسلام من الأوّلين، لم يكونوا كلّهم ولا أكثرهم من الضعفاء والأرقّاء والفقراء، وحواشي بيوتات مكّة، وأتباعها الملتقطين فتات موائدها -كما شُهر ذلك على ألسنة وأقلام السطحيّين من الباحثين- بل كانوا في كثرتهم الكاثرة من صميم أبناء بيوت قريش وبطونها، وعِلْيَة شبابها! (٣)
وهم معروفون بأسمائهم وأنسابهم، وبيوتهم وقبائلهم، فما شُهر من أن
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ١٨٨، والفتح الرباني: ٢٠: ٢٢٥.
(٢) انظر: ابن هشام: ١: ٤٣٠، وابن كثير: البداية: ٣: ٧٤.
(٣) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٢٥٦ ]
الذين سبقوا إلى الإيمان بدعوة رسول الله - ﷺ -، ومتابعته على دينه، وتصديق رسالته، كانوا الأرقّاء والموالي، والمستضعفين والمحرومين كلام لا تحقيق فيه، فلا يصحّ أن يؤخذ على إطلاقه -اغترارًا بما فيه من بريق مناصرة الإِسلام للضعفاء، وتخليص الأرقّاء من رق العبوديّة الظالمة، وتحرير الفقراء من أغلال الاستغلال الاجتماعيّ الجائر- تأثرًا بالمذاهب الاجتماعيّة الضالة الفاسدة التي غرّرت بطوائف الشّعب الغرّيرة الكادحة تحت اسم (العمال والمحرومين)، وأقاموا على دعائم هذا التغرير الخبيث الماكر الثورات الاجتماعيّة الخادعة الشرّيرة المفسدة الملحدة، متمثّلةً في الشيوعيّة الفاجرة التي تسوق الشعوب بسياط من بشاعة القسوة والعذاب الذي لا يطاق!
فهذا وإن كان في واقع الإِسلام ومبادئه وشرائعه التي أنزلها الله لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ونصرة المظلوم، وإتاحة العيش الكريم لكل إنسان على أرض الله، ولكنه ليس هو واقع السابقين الأوّلين من طلائع المؤمنين بدعوة الإِسلام الذين أسلموا مع رسول الله - ﷺ -، واستجابوا له أوّل من استجاب لدعوته، فكانوا أوّل من آمن برسالته واهتدوا بهديه، وكانوا اللبنات الأولى في بناء صرح هذا (الدين القيّم) دين الإِسلام!
وليس هو واقع الإِسلام في هدايته العامّة التي جاءت لهداية الإنسانيّة كلها، وتحريرها من ربقة الشرك والوثنيّة، وإدخالها في حظيرة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبوديّة الخالصة، وتخليصها من ذلّ الظلم الاجتماعيّ الذي فرضه عليها حفنة من الطغاة الظالمين، فساقوها بسياط الظلم إلى مهاوي العبوديّة لهم، ولما في أيديهم من حطام الدنيا!
فهذا رأي -على شهرته- مدخول، وضعه من يريد أن يقول إن الإِسلام
[ ٤ / ١٢٥٧ ]
يتملّق الضعفاء والأرقّاء والمحرومين، ليستنصر بهم في نشر دعوته، ويخلّصهم من الاستعباد الاجتماعي، فكانوا أسرع استجابة لدعوته، وأشدّ إقبالًا على اعتناقه!
فلا يصح أن يغفل الذين يكتبون عن صدارة الإِسلام وطلائعه عن لهذه الدخيلة المغلّفة بالبريق في هذا الرأي، ولا يصح أن نُسلّم لقائلها إلا بعد النظر فيها نظرةً فاحصةً، تتبيّن بها دوافعه الاجتماعيّة، وعوامله السياسيّة في سير الدعوة، مما أدى بكثير من كتاب السيرة النبوية قديمًا وحديثًا إلى الإيمان بهذه القضيّة المشهّرة، التي يردّها واقع التاريخ، وحقائق الأحداث التي احتفت بها!
مكانة السابقين:
بعث الله تعالى محمدًا - ﷺ - رسولًا إلى العالمين، وأمره بالإنذار العام -كما عرفنا- في قوله جلّ شأنه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (المدثر).
فنهض رسول الله - ﷺ - بأمر ربّه، لا يُبالي بما يلقاه من شديد الأذى، وفادح البلاء، لا يتّقي أحدًا من الناس!
ورأى - ﷺ - بتسديد الله وتوفيقه، وحكمة توجيه دعوته في سيرها، وتبليغ رسالته -كما أسلفنا- أن لا يبادي قومه بعداوة، وأن لا يُعلن إليهم دعوته في أول خطواتها، وهو وحيد منفرد في قومه، ليس معه من ينصره منهم، ولا من غيرهم، وهم جميعًا، ومن ورائهم سائر العرب، بل سائر الدنيا، إلْبٌ على هذه الدعوة الهادية الراشدة، التي تعيب وثنيّتهم، وتَنْعَى عليهم شركهم، وتسفّه أحلامهم .. وتندّد بحياتهم الماديّة الظالمة التي يحبّونها، دون رادع
[ ٤ / ١٢٥٨ ]
يردعهم عن فجور ظلم يرتكبونه، أو عتوّ بغي يأتونه، حيث لا قانون ولا دين، ولا نظام ولا ضمير!
ورسول الله - ﷺ - ماض في دعوته، لا يصدّه عنها صادّ، ولا يردّه عن سبيلها رادّ، فاستجاب له أوّل من استجاب -بعد زوجه النجيبة الأريبة الحسيبة النسيبة، سيّدة قومها، وسيّدة نساء العالمين إسلامًا، السيّدة خديجة بنت خويلد الأسديّة القرشيّة- أبو بكر الصدّيق، الحليم العليم، أعلم قريش بقريش وأحسابها ومفاخر بطونها، المؤثل ثراء، المؤمّل نجدةً، صاحب حمائل قريش، وأثقالها في دياتها، وما ينوبها في منافراتها، الذي لا يردّ قوله عندها، ولا تخذله إذا تحمّل!
كان أبو بكر - ﵁ - دخل في الإِسلام قوّامًا بالدعوة إلى الله، ما دعا أحدًا إلا استجاب له، وما كان يدعو إلا من يستجيب له من أبناء قمم قريش، وذرا أحسابها، وشباب بيوتها!
غيظ قريش وحنقها:
واتخذ رسول الله - ﷺ - من دار الأرقم في أصل الصفا -كما سبق- دار دعوته، ومعهد تلقّي رسالته، جعلها مجمع السابقين إلى الإيمان من أصحابه، وأقبل عليه أهل الصّدق من شباب قريش، وغير قريش، مؤمنين بدعوته، متّبعين له في دينه، مصدّقين برسالته، مهتدين بهديه، أعزّةً في قومهم، كرماء على أنفسهم، وكثروا وتكاثروا، وهم مستخفون مع رسول الله - ﷺ -، وشعرت قريش بهم وبخطرهم عليها وعلى حياتها الجاهليّة، ومادت الأرض تحت أقدامها، والتفت رجال كل بيت في قريش إلى أنفسهم وأسرهم، وأبنائهم
[ ٤ / ١٢٥٩ ]
وإخوتهم، فإذا بهم يرون أن محمدًا - ﷺ - قد اجتذب منهم زهرات شبابهم، ومصدر قوّتهم، وعدّة مستقبلهم، فهم عنده ومعه مسلمون، مؤمنون، واعتنقوا عقيدته، عقيدة التوحيد، وهجروا آلهة آبائهم وأسلافهم .. وأصبحوا جند دعوة محمد - ﷺ -، وكتائب رسالته، ودخلوا معه بشظف العيش، ويبس الحياة وفقرها، بعد الترف والمتعة في بيوتهم بين أهليهم، وفارقوا المال والولد، والإخوة والآباء .. وتبدّلوا بهم محمدًا - ﷺ - وأصحابه .. لا يخالفون عن أمره، يلحظون مواضع إشارته، ويرمقون نظراته، ويتأدّبون بأدبه، يحبّونه أكثر مما يحبّون أنفسهم، لا يتردّدون في تحقيق رغبة من رغباته، ولو كانت فيها حياة أحدهم، فكانوا منه ومعه، بما لم يكونوا به من أمهّاتهم وآبائهم، ومع أولادهم!
وطارت عقول قريش شعاعًا من أدمغتها؛ إذ تمثّلوا هذا في واقعهم، ودارت أفئدتهم في حنايا أضلعهم، وتنفّسوا الصعداء غمًّا وهمًّا وكمدًا، وما يغني غمّ الدنيا وهمّها وكمدها شيئًا، فليركبوا رأس الشيطان فجورًا وعتوًا، وبغيًا وكفرًا، وليفكتوا بكل ما يقدرون عليه من فلذات أكابدهم الذين تابعوا محمدًا - ﷺ -، ولتذهب رحمة الأبوّة، وشفقة البنوَّة راغمةً تحت أقدام آلهتهم، لعلها ترضى عنهم!
إشارة الرسول - ﷺ - بالهجرة:
وبدأت فوادح البلاء تتوالى على هؤلاء المؤمنين بمحمد - ﷺ - ورسالته .. وشعر رسول الله - ﷺ - بما ينال أصحابه من شديد الأذى وقواصم البلاء .. وأنهم لن يستطيعوا أن يبلّغوا رسالات ربّهم إذا زجّوا بأنفسهم في مضايقات الإثارات،
[ ٤ / ١٢٦٠ ]
والتدافع والتقاتل، فليصبروا، وليصابروا، وليعفوا وليصفحوا، وليغضّوا الطرف عن سفاهة السفهاء، وليغمضوا الأعين علي قذى قسوة الآباء والأمّهات، حتى يقضي الله تعالى بالفرج!
ولمعت بارقة الفرج من أفق الغيب، فإذا بها آية من آيات الله لنشر رسالته العامّة الخالدة، في أرض غير أرض العتوّ والجبروت، بطريقة لا تلتزم خطة التبليغ في أرض العتوّ والجبروت!
هجرة تبليغ الرسالة:
فليبق ملأ قريش على كفره وعتوّه، وفجوره وبغيه، ولتبق -إلى حين- قريش كلها في (مكّة) مطموسة البصيرة، منقادة بسلطان ملئها من الطغاة الذين لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، وليخرج المصطفون لتلقّي آية الفرج، إلى حيث يأمنون على أنفسهم الفتنة في دينهم، يعبدون ربّهم في غير خوف ولا إزعاج، ويبلّغون رسالته بلاغًا ترسم له العناية الإلهيّة طريقه في غير إثارة ولا استفزاز، فلا فرار، ولا هرب، ولكنها نقلة يؤدّى فيها حق الدعوة بصورة من صور تبليغ الرسالة، فلتتصوّرها قريش ومن والاها فرارًا وهربًا، وليتصوّرها أصحاب العقول السطحيّة الذين لا يتعمّقون الأحداث، ولا يأخذون في حسابهم النتائج مرتبطةً بالمقدّمات، ولكنهم ينظرون إلى الوقائع فرادى، منقطعة الصلات بين مباديها ونهاياتها، هجرة لمجرّد الراحة من مسّ الأذى ومرّ العذاب، هجرة للأمن والسلام!
والراحةُ والأمنُ قد يكونان مقصودين، ولكن قصدهما لا يمنع أن يؤاخيهما في القصد أساس الإيمان بالدعوة، بل لا يمنع أن يكون الأمن والراحة مقصودين
[ ٤ / ١٢٦١ ]
تبعًا لأساس الإيمان بالدعوة، وهو تبليغها بصورة توائم الجوّ الجديد الذي تتنسّمه الدعوة في رياحين حملتها!
وهل يستطيع من وجد الراحة والأمن وبيده دعوة تكلفه أن لا يختزنها لنفسه، وأن يبلّغها لكل من يستطيع إبلاغها له، أن يقعد دون قيامه بحق هذا التبليغ إذا سنحت له الفرصة، في غير إزعاج أو إثارة لمن آووه، وأمّنوه، وأراحوه؟
إن المؤمنين الذين هاجروا إلى الله، منتقلين من (مكّة) إلى الحبشة، يحملون في أفئدتهم آيات دعوتهم إلى الله -ويحملون معها دلائل حقّها عليهم في تبليغها، أينما وجدوا من أرض الله، فكيف إذا كانت هذه الأرض التي آوَوْا إليها أرض صدق وأمن، لا يجدون فيها ظلمًا يزعجهم، ولا عداوة ترعبهم، ولا نفوسًا تكره دعوتهم وتناهضها؟
إنهم حينئذ يكونون مسؤولين عن تبليغ هذه الدعوة، كلما وجدوا مجال التبليغ مهيّئًا لكلمتهم كلمة الحق والخير. يجهرون بها في غير عنت لأحد، ولا إثارة للمزعجات، وهم آمنون مطمئنون!
وكذلك كانت الأرض التي وجّههم إلى الهجرة إليها رسول الله - ﷺ - في قوله السابق، وهو يرى ما يصبّ عليهم من البلاء: "لو خرجتم إِلى أرض الحبشة، فإِن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه".
البعد عن مواطن الفتنة:
وهنا نبصر البعد عن مواطن الفتنة في الدّين للذين لا يستطيعون ردّ الاعتداء تمسّكًا بعرى الصبر، إلى أن تتمكّن الدعوة من توطيد أقدامها في السير إلى
[ ٤ / ١٢٦٢ ]
غايتها قويّة منتصفةً، فهي هجرة إلى عودة، ونقلة إلى رجعة، ومخرج من ضيق إلى فرج!
البعد عن إثارة المعوّقات في طريق الرسالة:
ونبصر البعد عن إثارة العوّقات في طريق سير الرسالة، وتبليغ دعوتها؛ لأن المؤمنين المهاجرين كانوا في كثرتهم من شباب قريش خاصّة، وشباب قبائل العرب عامّةً، تملؤهم النّخوة والحميّة والأنفة من الرضا بالضّيم، والاستسلام للظلم، وربما نفد صبرهم، وضاقت أنفسهم مما يلقونه من جَوْر واستبداد بهم، فتدفعهم طبيعتهم البشريّة، وحميَّتهم العربيّة، إلى مقاومة الظلم، وردّ الاعتداء، كما وقع في قصة سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، فيما قال ابن إسحاق: (١)
وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا صلّوا ذهبوا في الشّعاب فاسْتَخْفَوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - في شعْبٍ من شعاب مكّة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون، فناكَروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون، حتّى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلًا من المشركين بلَحْي (٢) بعير فشجّه، فكان أوّل دم أهريق في الإِسلام!
فلو تكرّر ذلك (٣) -وفي المسلمين كثرة من أمثال سعد حميّة وأنفة- لكان
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٣٢٦.
(٢) اللحي: العظم الذي على الخد، وهو من الإنسان العظم الذي تنبت عليه اللحية.
(٣) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١١ بتصرف.
[ ٤ / ١٢٦٣ ]
فيهم شغل شاغل لرسول الله - ﷺ -، لأصحابه عن السير بالدعوة في طريق التبليغ، بعيدة عن المعوّقات. ولكان فيه مصادمة لحكمة الاستسرار بالدعوة، لتجتذب إلى ساحاتها أصحاب القلوب الواعية، والعقول السليمة، الذين تتكون منهم كتائبها، عندما تسنح الفرصة لظهورها والجهر بها، وهي قويّة الشكيمة، ثابتة الدعائم، وطيدة الأركان!
تخفيف الأزمات النفسيّة:
ونبصر تخفيف الأزمات النفسيّة التي كانت -لو استمرّ المهاجرون في إبقائهم بمكّة، لم يهاجروا- تضيف أعباء جديدة إلى الأعباء التي يتحملها الرسول - ﷺ - في تلقي الوحي برسالته، وحمل أمانة تبليغها والإنذار بها، وهو - ﷺ - يرى أصحابه ﵃ يُؤذَوْن أشدّ الأذى، ويعذّبون أقسى العذاب، ولا يستطيع منعهم وحمايتهم مما يلاقون، دون أن يؤذن لهم -كما أسلفنا- في رد الاعتداء!
إفساح طريق التبليغ:
ونبصر إفساح المجال أمام رسول الله - ﷺ - للسير بالدعوة قدُمًا في طريق التبليغ، ولا شك أن هجرة من هاجر من المسلمين كان فيها هذا الإفساح الذي يخفّف من الأعباء النفسيّة التي تشغل رسول الله - ﷺ - بالتفكّر في أمرهم، وهم يتعرضون للفتنة في دينهم بما ينالهم في أنفسهم من شديد الأذى، وفادح البلاء!
والذين يقرؤون أسماء من هاجر إلى الحبشة أوّلًا وثانيًا، يعرفون أنسابهم وبيوتهم، وأحوالهم الاجتماعيّة، ومكانتهم في أقوامهم، يعلم علم اليقين أن
[ ٤ / ١٢٦٤ ]
هجرتهم أرفع من أن تكون لمجرد الفرار من الأذى، أو لمجرد الهرب ممّا يلقون من البلاء .. وإنما كانت هجرة قوم آمنوا بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا ورسولًا، فأوذوا بما لا طاقة لبشر على احتماله، ولم يجدوا للدفاع عن أنفسهم سبيلًا؛ لأنه لم يؤذن لهم في ردّ الاعتداء بل أُمروا بالصبر والصفح، لا عجزًا ولا ضعفًا، ولكن حكمة تدبير، وسياسة تقدير!
وحسبنا في البرهنة على أن الذين هاجروا إلى الحبشة، أوّلًا، وثانيًا، كانوا من أعزّ بيوت العرب وقبائلها -قريش فمن دونها- ليس فيهم ضعيف أو مستضعف، ولا مولى، ولا تبع، والقلة التي لم تكن بهذه المثابة نسبًا وعصبيّة، كانت منها حلفًا، وحليف القوم منهم نجدة وحماية!
سجل المهاجرين:
قال ابن إسحاق (١): وكان أول من خرج من المسلمين من بني أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف (عثمان بن عفان ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله - ﷺ -).
ثم ذكر ابن إسحاق سجلًا مسهبًا مفصّلًا بأسماء وأنساب جميع المهاجرين إلى الحبشة، في مرّيتها: الأولى، والثانية، وكانوا سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارًا أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلًا، أكثرهم قرشيّون من طلائع بيوتها وأشراف بطونها!
فهل من المعقول أن يخرج هذا العدد العظيم من الرجال، ذوي الأنفة والحميّة عن بلادهم، وأهليهم وعشائرهم، تاركين ديارهم وأموالهم وأولادهم، لمجرد الفرار والهرب من وجوه المشركين؟
_________________
(١) ابن هشام: ١: ٣٩٨ وما بعدها، وانظر سبل الهدى والرشاد: ٢: ٤٨٥.
[ ٤ / ١٢٦٥ ]
أفما كان هذا العدد الكثير بمستطيع أن يتجمع أفراده، ويقفوا في وجه العدوان عليهم، ويردّوه عنهم بقوّة القتال خفيةً وعلانية؟
نعم، إنهم بالقياس إلى أعدائهم قلة عدديّة، وكان أقوامهم وعشائرهم يأخذونهم فرادى، يعذّب كل قوم من يسلم منهم، لكن هؤلاء المؤمنين كانوا مستطيعين -لو أرادوا- أن يكيدوا لأعدائهم، ويجمعوا أمرهم، للدفاع عن أنفسهم، ويغتالوا الكثير من رؤوسهم، ولو واجههم أعداؤهم في قتال لنالوا منهم، وساجلوهم، وانتصفوا، وفي الوقائع الجزئية ما يؤيّد ذلك، وقد أشرنا إلى قصة سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وذكرنا غيرها من الحوادث التي استبسل فيها المؤمنون دفاعًا عن أنفسهم!
حكمة سياسة الاستسرار:
وهذا كله يؤيد أن سياسة الحكمة التي سلكها رسول الله - ﷺ - بتوفيق الله في استسراره بالدعوة، وهي مشرقة في أفق الحياة، كانت سياسة حكيمة محكمة، أثمرت ثمراتها في تجميع قوّة من المؤمنين الراسخين في إيمانهم، الصادقين في يقينهم، الذين تولاّهم رسول الله - ﷺ - أوّل ما تولّى بالتربية والتوجيه، حتى فشا الإِسلام في مكّة، وتسامع به الناس في أنديتهم ومحافلهم، وبدأت قريش -وهي سيّدة مكّة- تحس بخطر هذه القوّة يدخل عليها في بيوتها، ويجتذب منها شبابها، ويأخذ بحلاقيمها، فشنت على المؤمنين حربًا خسيسةً، لا مواجهة فيها!
ووقف المؤمنون من هذه الحرب الفاجرة موقف الصبر والاحتمال، بل موقف الصفح والعفو والإجمال، مما أدّى أو كاد يؤدي إلى تجميد حركة الدعوة وإبلاغ الرسالة!
[ ٤ / ١٢٦٦ ]
وفي نفوس المؤمنين قوى تتفاعل مكتومة مكبوتة، يراها رسول - ﷺ -، ويرى آثارها مرسومةً على وجوه أصحابه، وهم من الشباب المفعم حماسةً وقوةً وحركةً، وتحفّزًا لردّ الاعتداء، وهو - ﷺ - لم يؤذن له بالمقاومة وردّ الاعتداء بالقتال، فكان من أحكم التدبير، وحكمة السياسة أن يفتح - ﷺ - لأصحابه باب الهجرة، حتى يجدوا لأنفسهم متنفّسًا في حركاتهم وهم آمنون على أنفسهم، يعبدون ربّهم وهم مطمئنّون، لا يهيجهم أمر، ولا يفزعهم شيء!
سفارة المشركين إلى النجاشي:
وقد عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم (١)، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فلمّا دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إِن نفرًا من بني عمّنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنّا وعن ملّتنا، قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك، فابعث إِليهم، فبعث إِليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فسلّم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إِنا لا نسجد إِلا لله ﷿، قال: وما ذاك؟ قال: إِن الله بعث إِلينا رسولًا، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إِلا لله ﷿، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو: فإِنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إِلى العذراء البتول، التي لم يمسّها بشر، ولم يفرضها ولد، قال: فرفع عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسّيسين والرهبان، والله! ما يزيدون على الذي نقول: ما سوى هذا، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه
_________________
(١) الهجرة النبويّة ودورها في بناء المجتمع الإِسلامي ٩٢ ط ثانية.
[ ٤ / ١٢٦٧ ]
رسول الله - ﷺ -، وأنه الذي نجد في الإِنجيل، وأنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله! لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته، حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه، وأمر بهديّة الآخرين فردّت إِليهما ..
هذا ما رواه أحمد وابن كثير بإسناد جيد قوي وسياق حسن! (١)
وسيأتي تفصيل ذلك في حديث أم سلمة ﵂!
سياسية تبليغ الدعوة:
ولا شك أن هذا لون من ألوان السياسة في تبليغ الدعوة، بدأ هادئًا هامسًا، فلمّا حُرّك تحرّك معبرًا أصدق تعبير عن هداية الإِسلام في أعظم محفل من محافل الحوار، الذي هيّأ الله له أسبابه وعوامله ودوافعه، ونصب له معالمه، وأقام منائره، وقد اقتضى هذا الحوار من المسلمين المهاجرين في أعظم فرصة سانحة أن يعرضوا رسالة نبيّهم - ﷺ - وحقيقة دينهم عرضًا حرًّا، أكمل ما تكون الحريّة، صادقًا أبلغ ما يكون الصدق، يعقده ويشهده ملك البلاد التي آوتهم، ويحضره معه بطارقتها وأهل العلم فيها، ويحضره ذوو رأيها ووجوهها، ويحضره راغميْنِ رسولا قريش إلى النجاشي ملك الحبشة، ليردّ عليها هؤلاء المهاجرين، فيسمع هذا الحشد الحافل في صراحة وقوّة صوت الإِسلام، يعلن عن حقيقته، ويشرح دعوته، ويبلّغ رسالته، فيؤمن الملك إيمانًا يبخع به بأو الغرور، ويبطّ دمل الحقد في أنفس قريش ورسوليْها إلى النجاشي ..
_________________
(١) السابق، والفتح الرباني: ٢٠ - ٢٢٤ - ٢٢٦، وابن كثير: البداية: ٣: ٦٩.
[ ٤ / ١٢٦٨ ]
إخفاق سفارة المشركين:
وروى أحمد وغيره بسند حسن عن أم سلمة ابنة أبي أميّة، زوج النبي - ﷺ - قالت:
لمَّا نزلنا بأرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشيّ، أمِنّا على ديننا، وعبدْنا الله لا نُؤذَى، ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلمّا بلغ ذلك قريشًا، ائْتَمَرُوا أن يبعثوا إِلى النجاشيّ فينا رجلين جلْدَين، وأن يُهْدُوا للنجاشيّ هدايا مما يستطرف من متاع مكّة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إِليه الأَدَم، فجمعوا له أدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إِلا أهْدَوْا له هديّةً، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السّهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إِلى كلّ بطريق هديّته قبل أن تكلّموا النجاشيّ فيهم، ثم قدّموا للنجاشيّ هداياه، ثم سلوه أن يُسلمهم إِليكم قبل أن يكلّمهم!
قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير داره وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إِلا دفعا إِليه هديّته قبل أن يكلّما النجاشيّ، ثم قالا لكل بطريق منهم: إِنه قد صَبَا إِلى بلد الملك منّا غلمانٌ سفهاءُ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إِلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردَّهم إِليهم، فإِذا كلّمْنا الملك فيهم، فتُشيروا عليه بأن يسْلمهم إِلينا، ولا يكلِّمهم، فإِن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم!
[ ٤ / ١٢٦٩ ]
ثم إِنهما قرّبا هداياهم إِلى النجاشيّ فقبلها منهما، ثم كلّماه، فقالا له: أيها الملك، إِنه قد صبا إِلى بلدك منا غلمان سفهاءُ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثَنَا إِليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردَّهم إِليهم، فهم أعلى بهم عَينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبْغض إِلى عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص، من أن يسمع النجاشيّ كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صَدَقوا أيّها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمْهم إِليهما، فليرُدّاهُم إِلى بلادهم وقومهم، فقالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا هَيْم (١) الله إِذًا لا أُسلمهم إِليهما، ولا أكاد قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهُم ما يقول هذان في أمرهم، فإِن كانوا كما يقولان، أسْلَمتهم إِليهما وردَدْتُهم إِلى قومهم، وإِن كانوا على غير ذلك، مَنعْتُهم منهما، وأحسنْتُ جوارهم ما جاوروني!
قالت: ثم أرسل إِلى أصحاب رسول الله - ﷺ - فدعاهم، فلمّا جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إِذ اجئتموه؟ قالوا: نقول والله! ما علمنا، وما أمرنا به نبيّنا - ﷺ -، كائنٌ في ذلك ما هو
_________________
(١) قال في اللسان: العرب تقول: ايم الله وهيم الله، الأصل: ايمن الله، وقلبت الهمزة هاء، فقيل: هيم الله، وقال الجوهري وأيمن الله: اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويّين، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: ايْمُنُ الله قسمي .. وفي رواية ابن إسحاق عند ابن هشام: لاها الله إذًا. قال الجوهري: الصحاح: (ها) للتنبيه، وقد يقسم بها، يقال: لاها الله ما فعلت كذا .. انظر أحمد: ٣: ٢٦٤ - ٢٦٥ مؤسسة الرسالة.
[ ٤ / ١٢٧٠ ]
كائن، فلما جاءوه، وقد دعا النجاشيّ أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: ما هذا الدّين الذي فارقْتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا دين أحدٍ من هذه الأمم؟!
قالت: فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إِلينا رسولًا منّا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافَه، فدعانا إِلى الله لنوحِّده ونعبَده، ونخلَعَ ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان!
وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة!
وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدّد عليه أمور الإِسلام- فصدّقناه، وأمنّا به، واتبعناه على ما جاء به!
فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحلَلْنا ما أحلّ لنا، فَعَدَا علينا قومنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، ليرُدُّونا إِلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنا نستحلّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا، وشقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إِلى بلدك، واخترناك على مَن سواك، ورغِبنا في جوارك، ورجَوْنا أن لا نُظْلم عندك أيّها الملك!
[ ٤ / ١٢٧١ ]
قالت: فقال له النجاشيّ: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نَعَم، فقال له النجاشي: فاقْرَأْ عليّ، فقرأ عليه صدْرًا من ﴿كهيعص﴾ قالت: فبكى، والله! النجاشيّ حتى أخضل لْحيته، وبكتْ أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال له النجاشي: إِن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله! لا أسلمهم إِليكم أبدًا، ولا أكاد!
قالت أم سلمة: فلمّا خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله! لأنبئنّه غدًا عَيْبَهم عنده، ثم أستأصِل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتْقَى الرجلين فينا: لا تفعل، فإِن لهم أرحامًا، وإِن كانوا قد خالفونا، قال: والله! لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدًا عليه الغد، فقال له: أيّها الملك: إِنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأَرْسِلْ إِليهم فاسألهُمْ عما يقولون فيه، قالت: فأرسَل إِليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إِذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله! فيه ما قال الله وما جاء به نبيّنا، كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلمّا دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبيّنا: هو عبد الله ورسوله ورُوحه، وكلمته ألقاها إِلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشيّ يده إِلى الأرض، فأخذ منها غودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العُودَ. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإِن نَخَرْتُم والله! اذهبوا فأنتم سيومٌ بأرضي (والسُّيُوم: الآمنون) هَنْ سَبَّكُم غُرِّمَ، ثم من سبّكم
[ ٤ / ١٢٧٢ ]
غُرِّم، ثم من سبّكم غُرِّم، فما أحِبُّ أن لي دبْرًا ذهبًا وإِنِّي آذيت رجلًا منكم (والدّبر بلسان الحبشة: الجبل) رُدّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله! ما أخذ الله منّي الرِّشْوة حين رَدَّ عليّ مُلكي، فآخُذَ الرَّشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه، قالت فخرجا من عنده مقْبوحين، مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار!
قالت: فوالله! إِنا على ذلك إِذْ نَزَل به، يعني من يُنازعه في حُكمه، قالت: فوالله! ما علمنا حُزْنًا قطّ كان أشدَّ من حُزن حَزِنّاه، عند ذلك، تخوّفًا أن يظهر ذلك على النجاشيّ، فيأتي رجل لا يعرف من حَقّنا ما كان النجاشيّ يعرف منه، قالت: وسار النجاشيّ وبينهما عرْض النّيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضر وقعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزّبير بن العوام: أنا، قال: وكان من أحدث القوم سِنًا، قالت: فنفخوا له قِربةً، فجعلها في صدره، ثم سَبَح عليها، حتى خرج إِلى ناحية النيّل التي بها مَلْتَقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعوْنا الله للنجاشيّ بالظّهور على عدوّه، والتمكين له في بلاده، واستَوْسَق عليه أمر الحبشة، فكنّا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ - وهو بمكة (١).
_________________
(١) أحمد: ١: ٢٠٢ بسند حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير محمد بن إسحاق، فقد روى له مسلم متابعة، وهو صدوق حسن الحديث، إلا أنه مدلس وقد صرح هنا بالتحديث. وابن هشام: ١: ٣٥٧ - ٣٦٢، وأبو نعيم: الدلائل: ٢: ٣٠١ - ٣٠٤ من طريق يونس ابن بكير. وقسمًا منه الطبراني (١٤٧٩)، وقوله: (هو روح الله وكلمته) قال السهيلي: كلمته: أي قال له كما قال لآدم حين خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، ولم يقل: فكان، لئلا يتوهّم وقوع الفعل بعد القول بيسير، وإنما هو واقع للحال، فقوله: (فيكون) مشعرًا بوقوع =
[ ٤ / ١٢٧٣ ]
تملك النجاشيّ على الحبشة:
ونجد أنفسنا أمام قول ابن إسحاق: قال الزهري: فحدّثتُ عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، فقال:
هل تدري ما قوله: ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإِن عائشة أم المؤمنين حدّثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إِلا النجاشي، وكان للنجاشيّ عمّ، له من صلبه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشيّ وملّكنا أخاه، فإِنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإِن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلًا، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهرًا، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينًا!
ونشأ النجاشي مع عمه، وكان ليبًا حازمًا من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله! لقد غلب هذا الفتى على أمر عمّه، وإِنا لنتخوّف أن يملّكه علينا، وإِن ملّكه علينا لقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه، فمشوا إِلى عمّه فقالوا: إِمّا أن تقتل هذا الفتى وإِمّا أن تخرجه من بين أظهرنا، فإِنّا قد
_________________
(١) = الفعل في حال القول، وتوجه الفعل بيسير على القول، لا يمكن مستقدم ولا مستأخر، فهذا معنى الكلمة، وأما روح الله، فإنه نفخة روح القدس في حبيب الطهارة المقدّسة، والقدس: الطهارة من كل ما يشين أو يعيب أو تقذره نفس، أو يكرهه شرع، وجبريل -﵇- روح القدس؛ لأنه روح ولم يخلق من منيّ، ولا صدر عن شهوة، وعيسى ﵇ روح الله على هذا المعنى!
[ ٤ / ١٢٧٤ ]
خفنا على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم، قالت: فخرجوا به إِلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه في سفينة، فانطلق به، حتى إِذا كان العشيّ من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الحريف، فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزع الحبشة إِلى ولده، فإِذا هو محمق (١)، ليس في ولده خير، فمرج (٢) على الحبشة أمرهم!
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعْلموا والله! أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوةً، فإِن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه الآن، قالت: فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملّكوه!
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه فقال: إِما أن تعطوني مالي، وإِما أن أكلّمه في ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئًا، قال: إِذن والله! أكلّمه، قالوا: فدونك وإِيّاه، قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلامًا من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسْلموا إِليّ غُلامي، وأخذوا دراهمي، حتى إِذا سرت بغلامي أدركوني، فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لتعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعَنّ غلامُه يده في يده، فليذهبن به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دراهمه، قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله منّي رشوة حين ردّ عليّ مُلكي، فآخذ الرشوة فيه، وما
_________________
(١) المحمق: الذي يلد الحمقى.
(٢) أي قلق واختلط.
[ ٤ / ١٢٧٥ ]
أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه، قالت: وكان ذلك أول خبر من صلابته في دينه، وعدله في حُكمه! (١)
إسلام النجاشي:
ولعلّ من أسباب اختيار الحبشة أمل وجود مجال للدعوة فيها، وأن يكون هدف انتداب جعفر بن أبي طالب متصلًا بهذا الأمل .. وإذا كنا قد عرفنا في حديث أم سلمة في إخفاق المشركين، فإنا نذكر ما رواه الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى - ﵁ - قال:
أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننطلق إِلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشًا، فبعثوا إِلى عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدايا، فقدمنا وقدموا على النجاشي، فأتوه بهدية، فقبّلها وسجدوا له!
ثم قال عمرو بن العاص: إِن قومًا منّا قد رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي، قال: نعم، قال: فبعث إِلينا.
فقال لنا جعفر: لا يتكلّم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إِلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون من الرهبان جلوس سماطين (٢)، فقال له عمرو وعمارة:
إِنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا إِليه زبرنا من عنده من القسّيسين والرهبان: اسجدوا للملك.
فقال جعفر: لا نسجد إِلا لله، فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إِن
_________________
(١) السيرة النبويّة: ابن هشام: ١: ٤١٨ - ٤٢٠.
(٢) أي صفّين.
[ ٤ / ١٢٧٦ ]
الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأعجب الناس قوله، فلمّا رأى ذلك عمرو قال له: أصلح الله الملك، إِنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم، قال يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء، لم يقربها بشر، قال:
فتناول النجاشي عودًا من الأرض، فرفعه فقال: يا معشر القسّيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزيد هذه!
مرحبًا بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا أنا ما فيه من الملك لأتيته، حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لهم بطعام وكسوة وقال: ردّوا على هذين هديتهم (١)!
وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إِلى المصلّى فصفّ بهم وكبر أربعًا!. (٢)
_________________
(١) المستدرك: ٢: ٣٠٩ - ٣١٠ وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي!
(٢) البخاري: ٢٣ - الجنائز (١٢٤٥)، وانظر (١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٣٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١)، ومسلم (٩٥١)، ومالك: ١: ٢٢٦، وأحمد: ٢: ٤٣٨، ٤٣٩، والشافعي: ١: ٢٠٨، وأبو داود (٣٢٠٤)، والنسائي: ٤: ٦٩ - ٧٠، ٧٢، وابن الجارود (٤٥٣)، والبيهقي: ٤: ٣٥، والمعرفة (٢١٦٥)، والطحاوي: شرح معاني الآثار: ١: ٤٩٥، والبغوي (١٤٨٩)، وابن حبان (٣٠٦٨، ٣٠٩٨).
[ ٤ / ١٢٧٧ ]
وتعددت الروايات فيمن كان رفيقًا لعمرو بن العاص في سفارة المشركين إلى النجاشي .. ونرى أنه يبعد أن يتكرر الحوار بصورته وموضوعه -كما أسلفنا- ولعلّ وحدة الحوار، تفيدنا أن الحوار كان مرّتين: إحداهما في الهجرة الأولى، والثانية في الهجرة الثانية، وأن سفارة المشركين الأولى كانت استطلاعًا وتعرّفًا .. وعلى كل، فهذا ما نراه في هذا المقام!
هذا، وقصة إسلام النجاشي وغلبة وفد المسلمين على الكافرين عنده قصة واضحة الدلالة في أن الجاهليّة قد عقدت العزم على أن تمضي قدمًا في عنفها واضطهادها وتعذيبها للمسلمين .. ولعل حادثة انتصار الأحباش لنصارى اليمن التي كانت حاضرةً في أذهان العرب كانت ذات تأثير في توجيه الهجرة إلى هذه البلاد، فالمسلمون يكسبون حليفًا قويًّا، والمشركون يقع في نفوسهم شيء من الخوف والتوجس والجنوح إلى الارعواء؛ بسبب توثّق الصلة بين المسلمين وهذا الحليف القوي! (١)
عالميّة الدعوة الإِسلاميّة:
وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على عدد المهاجرين إلى الحبشة تتبدّى لنا سعة الدائرة البشريّة التي امتدت إليها الدعوة الإِسلاميّة؛ لكي تجذب إليها عناصر من شتّى القبائل المكيّة، وتجاوزت بذلك دائرة العصبيّة الضيّقة في طريقها الطبيعي صوب الاتساع والشمول، لتضم الأجناس والألوان. وهذا التنوع يقدّم دليلًا آخر على رفض الدافع المادّي للانتماء إلى الدعوة أو مقاومتها!
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
_________________
(١) الهجرة النبوية: ٩٧ بتصرف.
[ ٤ / ١٢٧٨ ]
وقوله جل شأنه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف)!
وقوله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (سبأ)!
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عالميّة الدعوة الإِسلامية!
ويروي الشيخان وغيرهما عن جابر ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: "أعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيَّما رجلٍ من أُمتي أدركته الصلاة فلُيصَلِّ، وأحِلَّت لي الغنائمِ ولم تَحِل لأحد قبلي، وأُعْطيتُ الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إِلى قومه خاصَّةَ وبعثتُ إِلى الناس عامَّةً" (١).
مكانة المرأة المسلمة:
ولا ننسى مكانة المرأة المسلمة التي تحمّلت أعباء الاضطهاد والهجرة مع الرجل المسلم في سبيل نصرة الحق الذي آمنت به .. ولا ننسى ما قامت به في هذه الهجرة وغيرها في السلم والحرب -كما سيأتي- وهنا يتبدّى لنا المدى الواسع الذي أفسحه (الدّين القيّم) للمرأة، وتتبدّى لنا المكانة العالية التي رفعها إليها!
_________________
(١) البخاري: ٧ - التيمم (٣٣٥)، وانظر (٤٣٨، ٣١٢٢)، ومسلم (٥٢١)، وابن أبي شيبة ٢: ٤٠٢: ١١: ٤٣٢، والدارمي: ١: ٣٢٢، وأحمد: ٣: ٣٠٤، وعبد بن حميد (١١٥٤)، والنسائي: ١: ٢٠٩ - ٢١١، ٢: ٥٦، وأبو عوانة: ١: ٣٩٥، واللالكائي: أصول الاعتقاد (١٤٣٨، ١٤٣٩)، والبيهقي: ١: ٢١٢، ٢: ٣٢٩، ٤٣٣، ٦: ٢٩١، ٩: ٤، والدلائل: ٥: ٤٧٢ - ٤٧٣، والبغوي (٣٦١٦)، وابن حبان (٦٣٩٨).
[ ٤ / ١٢٧٩ ]
وباستثناء النفر من حلفاء قريش ونسائهم لا تذكر الروايات أسماء أرقّاء ومساكين في جملة المهاجرين، وتعليل ذلك يعود إلى أن ضغط زعماء قريش كان أكثر شدّةً على أبناء أسرهم؛ لأنهم تحّسبوا من عواقب إسلامهم بالنسبة لعامة الناس وسائر شباب الأسر، في حين أنه لم يكن ما يخشونه من مثل ذلك من المساكين والأرقاء والفقراء والغرباء، وهذه صورة مخالفة لما قد يكون في الأذهان! (١)
عودة المهاجرين إلى المدينة:
وظل معظم المهاجرين في أرض الحبشة إلى أن وافق قدوم جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة فتح خيبر!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي بردة عن أبي موسى - ﵁ -: بلغنا مخرج النبي - ﷺ -، ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إِليه: أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رُهم -إِمّا قال: في بضعٍ، وإِمّا قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي- فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إِلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعًا، فوافقْنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، وكان أناسٌ من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة- سبقناكم بالهجرة، ودخلتْ أسماء بنت عُميس -وهي ممن قدم معنا- على حفصة زوج النبي - ﷺ - زائرةً. وقد كانت هاجرت إِلى النجاشيّ فيمن هاجر، فدخل عُمر على حفصة -وأسماء عندها- فقال عُمر حين رأى أسماء: مَنْ هذه؟ قالت: أسماء بنت عُميس،
_________________
(١) دراسة في السيرة: ٨١ نقلًا عن: سيرة الرسول: ١: ٢٧٢، وانظر: الهجرة النبوية: ٩٨.
[ ٤ / ١٢٨٠ ]
قال عُمر: آلحبشيّة هذه؟ آلبحريّة هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبَتْ وقالت: كلاّ والله، كنتم مع رسول الله - ﷺ - يُطعم جائِعكم، وَيعظُ جاهلكُمْ، وكنّا في دار -أو في أرض- الْبُعَدَاء البُغَضَاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله - ﷺ -، وايم الله! لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا، حتّى أذكر ما قلت لرسول الله - ﷺ -، ونحن كنّا نُؤْذَى ونُخاف، وسأذكر ذلك للنبي - ﷺ - وأسأله، والله لا أكذبُ ولا أزِيغُ ولا أزيدُ عليه!
فلمّا جاء النبي - ﷺ - قالت: يا نبيّ الله، إن عُمر قال كذا وكذا. قال: "فما قلت له"؟ قالت: قلت له كذا وكذا، قال: "ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان" قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالًا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هُمْ به أفرح ولا أعظم في أنفسهم، ممّا قال النبي - ﷺ -.
قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإِنه ليستعيد هذا الحديث منّي.
وتعدَّدت الروايات في ذلك. (١)
وقد سرّ رسول الله - ﷺ - أيّما سرور لمجيء هؤلاء الصحابة الكرام ﵃ أجمعين .. هؤلاء الذين يعودون بعد هذه الفترة الطويلة، وأمر الإِسلام
_________________
(١) البخاري: ٦٤ - المغازي (٤٢٣٠، ٤٢٣١)، ومسلم (٢٥٠٣)، وانظر: أحمد: ٤: ٣٩٥، ٤١٢، والطيالسي (٥٢٦)، والحاكم: ٣: ٢١٢، وانظر: البخاري: (٣١٣٦، ٣٨٧٦، ٤٢٣٠، ٤٢٣٢).
[ ٤ / ١٢٨١ ]
يعلو، وسلطانه يمتدّ شمال شبه الجزيرة وجنوبها .. وعندما نزلوا بالمدينة قام الرسول مبتهجًا، وقال فيما يرويه الحاكم بسند صحيح عن جابر ﵁ قال: لمَّا قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، قال رسول الله -ﷺ -: "ما أدري بأيّهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" (١).
وجعفر وإخوانه مكثوا في الحبشة بضعة عشر عامًا، نزل خلالها قرآن كثير، ودارت معارك شتّى مع الكفار، وتقلّب المسلمون قبل الهجرة النبويّة وبعدها في أطوار متباينة -كما سيأتي-، ولم يمض وقت على أولئك العائدين حتى اندمجوا في معارك القتال مع من سبقوهم، وقد أشركهم النبي - ﷺ - في مغانم خيبر .. ففي رواية للبخاري عن أبي موسى - ﵁ - من حديث طويل -كما سبق أن أشرنا في تعدّد الروايات .. - قال:
فوافقنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، فأسهم لنا- أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا، إِلا لمن شهد معه، إِلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم! (٢)
هجرة مواجهة واختبار:
تلك هي قصة الهجرة إلى الحبشة بإيجاز .. وتلك هي أهم نتائجها .. وهنا نلحظ أنها لم تكن هجرة استقرار لنشر الإِسلام، واتخاذ الحبشة منطلقًا جديدًا لدعوة الإِسلام، وإنما كانت هجرة مؤقتة، هجرة إيواء وانتظار، وهجرة اكتشاف وترصّد .. وهجرة امتحان وانتظار .. وهجرة مواجهة بالفكرة .. وهجرة
_________________
(١) المستدرك: ٢: ٦٢٤، وقال: صحح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) انظر: البخاري: ٥٧ - فرض الخمس (٣١٣٦، ٣٨٧٦، ٤٢٣٠، ٤٢٣٢).
[ ٤ / ١٢٨٢ ]
اختبار عملي لمدى الصراع بين الحق والباطل في النفوس، ومدى التحمّل للصعاب المرتقبة، والشدائد المنتظرة! ولم تكن الحبشة في عصورها التاريخيّة منطقة انطلاق، بقدر ما هي منطقة إيواء .. ولم تستطع أن تسيطر حتى على السهول الساحليّة التي تقع إلى شرقها أو تتوسَّع في الغرب والشمال الغربي .. أمّا الجنوب فلم يكن هناك ما يدفع الأحباش إلى التوسّع فيه، لوجود نطاق جافّ نسبيًّا، تليه منطقة هضبة شرق أفريقيا المرتفعة .. ولو جاز لنا أن نتخيّل الهجرة إلى الحبشة هجرة استقرار لنشر الإِسلام، واتّخاذها منطلقًا جديدًا لدعوة الإِسلام، لتسابقت إلى الذهن عدة أسئلة:
- من يحفظ القرآن العربيّ؟!
- وما عدد هؤلاء الحفظة؟!
- وإلى أيّ مدى سيسمح لهذا الدّين أن ينتشر؟!
- وما موقف الرومان من الحبش حين يعلمون أن فيها دينًا عالميّ الانتشار آوى إليها؟!
- وهل تصلح الحبشة لتكون منطلقًا جديدًا، وهي مناطق مزّقتها الأنهار إلى بيئات منعزلة؟!
- أليس من الأقرب إلى الذهن أن يتابع الإِسلام نموّه في مهده الأوّل، الذي اختاره الله له .. ومن ثمَّ يخرج دعاة الإِسلام من هذه البيئة المختارة، ليدخلوا أفريقيا وغيرها من أوسع الأبواب وأقواها؟!
[ ٤ / ١٢٨٣ ]
أسطورة الغرانيق
[ ٤ / ١٢٨٥ ]
أسطورة الغرانيق
• أكذوبة متزندقة
• المبشّرون والمستشرقون
• المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق
• المستشرق (بروكلمان) وغيره
• ردود العلماء
• بطلان الأسطورة سندًا ومتنًا
• قول الحافظ ابن حجر
• قول الدكتور (أبو شهبة)
• قول الإِمام محمد عبده
• البطلان من حيث الزمان
• سبب سجود المشركين
• لا سبيل للشيطان
• رأي أهوج للكوراني
• أمران باطلان:
- الأمر الأول
- الأمر الثاني
• مفاسد رأي الكوراني:
- المفسدة الأولى
- المفسدة الثانية
- المفسدة الثالثة
- المفسدة الرابعة
- المفسدة الخامسة
- المفسدة السادسة
• آيات القرآن
• درس للدعاة
• اعتباران:
- الاعتبار الأول
- الاعبتار الثاني
• وصية أخويّة
[ ٤ / ١٢٨٦ ]
أسطورة الغرانيق
أكذوبة متزندقة:
أقحم بعض كتّاب السيرة النبويّة، وجماعة من المفسّرين، وطوائف من المحدّثين في كتبهم ودواوينهم ومؤلفاتهم (أقصوصة الغرانيق) (١)، وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سببًا لعودة المهاجرين الأوّلين إلى (مكّة)، وهي (أقصوصة مختلقة باطلة في أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة في جذورها وأغصانها، وفرية متزندقة) اخترقها (غِرْنَوق) أبله جهول، أو حاقد على الإِسلام زنديق، أو منافق فاجر عربيد، ألقى بها إليه شيطان عابثٌ مريد، يتلعّب بعقول البُلْه المغفَّلين، الذين يتكثّرون تعالمًا، ويتلقّفون كل شوهاء فجور، فجرت إلى مجتمعات أعداء الإِسلام، ومن كل يهودي خبيث، وكل ملحد عتيّ، وسرت منهم إلى كل مسلم أبله مغرّر، وكل متعالم مغفّل، وكل جدلي متفيهق، وكل مغرور مخدوع بكواذب المدح والثناء، وكل حفّاظ (صمّام)، وكل جمّاع لا يفقه ولا يتفقّه، وكل جامد مقلّد، وكل حرفيّ متعصّب، وكل ملبّس عليه يزعم أنه مجتهد، وكل خابط هنا وهناك يتكذّب، وكل حاطب في ظلمات الجهل، (يتلقّف العلم) من وراء طنين الأسماء، دون تمحيص ناقد، أو بحث مسددّ، وكل مدّع دعيّ، وكل متسقِّط يزعم أنه مجدّد، وكل ملتقط يزعم أنه متنق، وكل مزهو بالغرور يزعم أنه وحيد دهره، وفريد عصره، بل واحد أمته، لو قيل له إن الشيطان يلبّس عليك في علمك، فيوهمك ما ليس بحق أنه حق لانتفخت أوداجه غضبًا لنفسه، ولكنه يقبل ويدافع دفاع المستميت
_________________
(١) محمد رسول - ﷺ -: ٢: ٣٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٢٨٧ ]
عن قصة مزوّرة تهدم أصول الإِسلام، وتخرق سياج النبوّة، وتحبط عصمة الأنبياء، اعتمادًا على مراسيل واهية لا تثبت!
فباضت هذه الأكذوبة البلهاء بين أحضان هؤلاء، وفرّخت في أعشاشهم، وزقزقت أفراخها في أوكارهم، وطارت بأجنحة الافتراء الأبله إلى آفاق التاريخ الإِسلامي المظلوم، فتلقّفها كل (رواندي) ملحد، وحملها كل زنديق مفسد، ليطعن بها في سويداء قلب القرآن الكريم، الحكيم المحكم، ويفتك بخنجرها بالسنة المطهّرة المبيّنة، وهما أصل أصول الإِسلام اللذان قام على دعائمهما شامخ صرح هذا (اللّين القيّم)، ليزعزع الثقة بأصْلَيْه، فينفلت من أيدي المسلمين زمام دينهم الذي أنزله الله تعالى هدىً ورحمةً للعالمين، ليهدم به كل بناء للوثنيّة والإلحاد، ويقضي بهدايته على معالم الشرك والإفساد، ويضعضع بآياته كل تفلسف متزندق، وكل زندقة متفلسفة، ويقيم بشرائعه وأحكامه منائر التوحيد الخالص لله تعالى وحده، وينشر بآدابه في آفاق الحياة نور الحق والخير!
هذه الأكذوبة (الغرنوقيّة الخبيثة) تريد من المسلمين أن يجعلوا من سيّد المرسلين، خاتم الأنبياء محمد - ﷺ - في يد الشيطان، وأن يجعلوا منه - ﷺ - معبثة للشرك والمشركين، وأبطولة يرقص من حولها الملاحدة والحاقدون، ولكن الله تعالى يأبى إلا أن يجعل من دينه، دين الإِسلام الذي رضيه لمحمد - ﷺ - حصنًا حصينًا، لا تقتحمه الأباطيل والترّهات، ولا تنطلي على حذّاق حملته من الجهابذة زندقة المتزندقين، وقد أخبر سبحانه إخبارًا لا يتخالجه الريب، ولا يحوم حول حماه الشك، بأنه هو الذي تولى بنفسه حفظ دستوره (القرآن الحكيم المحكم)، فلا يدخل في ساحته افتراء المفترين، ولا يلج إلى حظيرة قدسه عبث الشياطين، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر)!
[ ٤ / ١٢٨٨ ]
وليتأمل المتأمّلون في هذه الآية الحكيمة المحكمة، وفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: ٤٤)!
ليروا ما أضفى ربّ العزّة ﵎ على كتابه القرآن الحكيم المحكم من حفاوة الاختصاص بتولّي حفظه، وإسناد ما أفاضه على التوراة من فضله. فوكل حفظه إلى الربانيّين والأحبار!
قال أبو حيّان في البحر: وقد أخذ الله على العلماء حفظ الكتاب -أي التوراة- من وجهين:
أحدهما: حفظه في صدورهم، ودرسه بألسنتهم!
والثاني: حفظه بالعمل بأحكامه، واتباع شرائعه!
وهؤلاء ضيّعوا ما استحفظوا، حتى تبدّلت التوراة .. وفي بناء الفعل للمفعول، وكون الفعل للطلب ما يدل على أنه تعالى لم يتكفّل بحفظ التوراة، بل طلب منهم حفظها، وكلّفهم بذلك، فغيّروا وبدّلوا، وخالفوا أحكام الله، بخلاف كتابنا فإن الله تعالى تكفّل بحفظه، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾!
أفلا يعقل الغِرنوقيّون؟!
هذه الأكذوبة الخبيثة البلهاء كانت إحدى الفرى الحاقدة التي طوّفت ببعض مؤلّفات الجمّاعين للغثّ والسّمين، فرواها في غفلة من العقل والعلم بعض المفسدين، وأدخلت على بعض المحدّثين، مغلّفةً بأغلفة الأسانيد، محاطة
[ ٤ / ١٢٨٩ ]
بهالات بريق الأسماء، فردّدها بأساليب مختلفة، وفرطحها كثير ممن تلقّفها بالبله والغفلة، ورتعت في أسفار المؤرخين، فأعادوا فيها وأبدوا، وزادوا ونقصوا، وأثبتوا وحذفوا، وشوّهوا وزيّنوا، ومسخوا وحرّفوا، وتلقّاها القصّاصون فغنّوا بها، وكان إبليس هو عازف موسيقاها في أنديتهم ومجالسهم، وعازفًا لسماع أباطيلها شفاه الجاهلين من غوغاء العامّة، وعامّة الغوغاء الذين تكبر في صدورهم الغرائب والأعاجيب من المضحات المبكيات، فيهشون لها، ويتزاحمون على محافلها!
بيد أن هذه الأقصوصة الخبيثة والأكذوبة البلهاء، لم تفلت من سياط النقد الممحّص، فنهض إليها من الجهابذة المهرة، والحذّاق العيالم من أئمة الإِسلام المشهود لهم بالفضل والصّدق والتبحّر، والتفقّه في الدين مَنْ طعنها في مقاتلها، فبهرج زيفها، وكشف عن سوأتها، وعرّاها شوهاء متزندقة، وجلاّها بلهاء ملحدة، وأظهرها فريةً مستخبثة، ولكنها ظلّت تعيش في أودية الشياطين تتربّص للوثبة، لتفسد على المجتمع المسلم حياته الإيمانيّة بتشكيكه في أصل من أصول دينه، ودستور حياته (القرآن الحكيم المحكم)، وتزعرع ثقته في صدق نبيّه، سيّد الأنبياء والمرسلين، محمد خاتم النبيّين - ﷺ -، ليصبح هذا المجتمع المسلم الذي اكتسح حياة الوثنيّة، والإلحاد المشرك، بهُدى قرآنه، وسنّة نبيّه - ﷺ -، فريسة الإلحاد الجديد على ألسنة المستشرقين والمبشّرين الصليبيّين واليهود السبائيّين، والزنادقة الراونديين، والمتحلّلين من فجّار الشيوعيّن الذين عجزوا عن مواجهة القرآن في مواجهة فكريّة، ومحاجّة علميّة، فلاذوا إلى الافتراء يختلقونه، وإلى الأباطيل يزرعونها في أرضه في غفلة من حرّاسه الغرّ الميامين، ليغيّروا معالم هدايته، ويشوّهوا حقائق دستوره -ويخلعوا عن نبيّه سيّد الأنبياء
[ ٤ / ١٢٩٠ ]
والمرسلين - ﷺ - خلعة العصمة التي حفظه الله بها عن أيّ خطأ فيما يبلّغه الرسول عن الله تعالى من الشرائع والأحكام إلى الخلق كافّةً، فكانت عاصمًا له - ﷺ - من أن يكون للشيطان عليه سبيل!
والعصمةُ عن الخطأ فيما يبلّغه الرسول عن الله تعالى ثابتة بإجماع طوائف الأمّة خلفًا عن سلف، لم يعرف في هذا مخالف إلا من أوّل وحرّف وبدّل، وذلك أمره إلى الله، يتولّى جزاءه بما يستحقّ من جزاء!
المبشرون المستشرقون:
وقد أصدر المبشّرون والمستشرقون ما يُسمَّى (دائرة المعارف الإِسلاميّة) بعدة لغات، لينشروا بواسطتها طعونهم في القرآن الكريم، والسنة النبويّة، ويعدّ هذا في مقدّمة أخطر عمل لهم!
وأصدروا موجزًا لها بنفس تلك اللغات، كما بدأوا في الوقت الحاضر في إصدار طبعة جديدة، ظهرت في أجزاء .. ومصدر هذه الخطورة أن المستشرقين جمعوا كل ما يستطيعون لإصدار هذه الدائرة التي تعتبر مرجعًا لكثير من المسلمين الجاهلين، وغيرهم في دراساتهم، على ما فيها من خلط وتحريف وتعصبّ سافر ضد الإِسلام والمسلمين!
إنهم يفتحون عيونهم لكل الاتجاهات، وهم يقظون لكل حركة قد تفوق سيرهم أو تفسد خططهم .. فإن حاول أحدهم أن يبدو محايدًا، أو يتخفّف من أثقال التعصبّ تجد بقية المستشرقين يهبّون في وجهه .. ولا يعرف العقل ولا النطق حدًّا لا يقوم به هؤلاء من تحريف للتاريخ الإِسلامي، وتشويه لمبادئ الإِسلام وثقافته، وتقديم المعلومات الخاطئة عنه وعن أهله!
[ ٤ / ١٢٩١ ]
والمستشرقون جميعًا فيهم قدر مستشرك من هذا الجانب، والتفاوت -إن وجد بينهم- إنما هو في الدرجة فقط، فبعضهم أكثر تعصّبًا ضدّ الإسلام وعدواةً له من البعض الآخر، ولكن يصدق عليهم جميعًا أنهم أعداؤه!
وإذا كان الاستشراق قد قام على أكتاف الرهبان والمبشّرين في أوّل الأمر، ثم اتصل من بعدهم بالمستعمرين، فإنه مازال حتى اليوم يعتمد على هؤلاء وأولئك، ولو أن أكثرهم يكرهون أن تنكشف حقيقتهم، ويؤثرون أن يختفوا وراء مختلف العناوين والأسماء! (١)
المستشرق اليهودي (يوسف شاخت) وأسطورة الغرانيق:
ومن هنا نستطيع أن نتصوّر ما قاله المستشرق اليهودي (يوسف شاخت)، في (دائرة المعارف الإِسلامية) تحت مادة (أصول): إن أول مصادر التشريع في الإسلام، وأكثرها قيمة (هو الكتاب)، وليس هناك من شك في قطعيّة ثوبته وتنزّهه عن الخطأ، على الرغم من إمكان سعى الشيطان لتخليطه .. ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (الحج)!
المستشرق (بروكلمان) وغيره:
ولم ينفرد هذا المستشرق بهذا الزعم، فقد شاركه المستشرق (بروكلمان)
_________________
(١) المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإِسلام، للدكتور محمد البهي: ٢ وما بعدها بتصرف، وانظر: السنة بين أنصارها وخصومها، للمؤلف: ٦١٩ وما بعدها.
[ ٤ / ١٢٩٢ ]
السبب الأول
في كتابه (تاريخ الشعوب الإِسلاميّة) (١)، والمستشرق (الفريد جيوم) في كتابه (الإِسلام) (٢) حيث صرّحا بأن اعتمادهما على ما جاء في كتب التفسير .. وحيث ذكرا تلك المزاعم الإسرائيلية المزعومة لإثبات زعمهما!
يقول الدكتور هيكل: (٣) الحجج التي يسوقها من يقولون بصحّة حديث الغرانيق، هي حجج واهية، لا تقوم أمام التمحيص، ونبدأ بدفع حجة المستشرق (موير) فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم إلى العود إلى (مكة) سببان:
السبب الأول: أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل، وقد دخل عمر - ﵁ - في دين الله بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، لم يُخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم في سبيله، ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسلّلهم إلى شعاب مكّة، يقيمون الصلاة بعيدين عن قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلّى عند الكعبة، وصلّى المسلمون معه، هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمدًا وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حربًا أهليّة، لا يعرف أحد مداها، ولا على من تدور دائرتها، فقد أسلم من مختلف قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أيّ واحد منهم قبيلته، وأن كانت على غير دينه؛ فلا مفرّ إذن من الالتجاء في محاربته إلى وسيلة لا يترتّب عليها هذا الخطر!
وإلى أن تتّفق قريش على هذه الوسيلة فقد هادنت المسلمين فلم تنل أحدًا
_________________
(١) انظر: تاريخ الشعوب الإِسلامية، للمستشرق (بروكلمان): ٣٧ وما بعدها، وأيضًا: السابق: ٦٢٠ وما بعدها.
(٢) انظر: الإِسلام، للمستشرق (الفريد جيوم): ٣٥ - ٣٦.
(٣) حياة محمد: ١٦٢ وما بعدها، ط الثالثة عشرة، النهضة المصرية.
[ ٤ / ١٢٩٣ ]
السبب الثاني
منهم بأذى، وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين إلى الحبشة، ودعاهم إلى التفكير في العودة إلى مكة! وربما ترددوا في هذا العود!
السبب الثاني: الذي ثبّت عزمهم، أن الحبشة شبّت بها يومئذ ثورة على النجاشيّ، لتُهمٍ وُجهت إليه في دينه ولما أبدى من عطف على المسلمين، ولقد أبدى المسلمون أحسن الأمانيّ أن ينصر الله النجاشيّ على خصومه، لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة، وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة زمن قليل، أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخيرٌ لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم، وأن يلحقوا بأهليهم، وهذا ما فعلوه كلّهم أو بعضهم، على أنهم ما كادوا يبلغون (مكّة)، حتّى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه، واتفق عشائرها وكتبوا كتابًا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطة تامة، فلا ينكحوا إليهم -كما سيأتي- وبهذا الكتاب عادت الحرب العنوان بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم، وقد وجدوا هذه المرّة عنتًا من قريش؛ إذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة!
ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق (موير) هو إذن الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة، إنما الذي دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر - ﵁ - وحماسته في تأييد دين الله، فتأييد حديث الغرانيق إذن بحجّة الصلح تأييد غير ناهض!
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ - فقد تلقّفت ألسن المستشرقين تلك الأباطيل، وقاموا بنشرها، مما يضيق عنه المقام!
[ ٤ / ١٢٩٤ ]
ردود العلماء:
هذا، وكتب كثير من علماء التفسير والحديث في ردّ هذه القصة المختلقة المصنوعة الموضوعة، وأثبتوا بطلانها سندًا ومتنًا بالأدلة الدامغة والحجج القاطعة، ومن هؤلاء:
١ - محمد بن إسحاق، فقد صنّف في تفنيدها كتابًا.
٢ - البيهقي، فقد تكلّم في رواة هذه القصة، وأبان أنها غير ثابتة.
٣ - أبو حيّان في (البحر المحيط).
٤ - ابن العربي في (أحكام القرآن).
٥ - القاضي عياض في (الشفا في حقوق المصطفى).
٦ - الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب).
٧ - القرطبي في (أحكام القرآن).
٨ - (الكرماني على البخاري) وقد نقل كلامه الحافظ في (الفتح).
٩ - العيني في (عمدة القاري).
١٥ - الشوكاني في (فتح القدير).
١١ - الآوسي في (روح المعاني).
١٢ - محمد عبده في (مسألة الغرانيق) تفسير الفاتحة مع ثلاث مقالات، المقالة الثانية.
١٣ - صديق خان في (فتح البيان).
١٤ - محمد ناصر الدين الألباني في (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق).
[ ٤ / ١٢٩٥ ]
بطلان الأسطورة سندًا ومتنًا:
يطالعنا في المقدمة بطلان هذه القصة المزعومة سندًا ومتنًا .. وسبق أن ذكرت ذلك بالتفصيل في كتاب (السنة بين أنصارها وخصومها) (١).
والخلاصة أن بعض الناس يزعم أن سبب رجوع المهاجرين من الحبشة كان لوقوع هدنة حقيقيّة بين الإِسلام والوثنيّة، أساسها أن محمدًا - ﷺ - تقرّب إلى المشركين بمدح أصنامهم، والاعتراف بمنزلتها؛ إذ زعموا أنه قرأ على المشركين سورة (النجم) حتى وصل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ (النجم)!
ألقى الشيطان في آذن المشركين قوله: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى)! فسجد وسجد كفار مكّة، فلمّا بلغهم ذلك في الحبشة ظنوا أن القوم قد أسلموا لهذه القصة المزعومة!
وممن روى هذه القصة المزعومة ابن سعد، والطبري، والبيهقي. (٢)
ولم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد، ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير!
قال ابن كثير: (٣) وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق،
_________________
(١) السنة بين أنصارها وخصومها للمؤلف: ٢: ٦٢٢ وما بعدها، رسالة دكتوراة عام ١٩٧٦، تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بطبعها على نفقة جامعة الأزهر وتداولها مع الجامعات.
(٢) الطبقات: ١: ٢٠٥ - ٢٠٦ من طريق الواقدي، والطبري: التفسير: ١٧: ١٣١ - ١٣٢، وفي إسناده أبو معشر، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٨٥ - ٢٨٧ بسند ضعيف.
(٣) التفسير: ٣: ٢٢٩.
[ ٤ / ١٢٩٦ ]
ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم!
وللقاضي عياض (١) عدّة مآخذ، وفي ذلك يقول:
أما المأخذ الأول أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، وإنما أولع به وبمثله المفسّرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم!
وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال:
لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلّق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة!
وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنَةٌ!
وآخر يقول: بل حدّث نفسه فسها!
وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي - ﷺ - قال: والله! ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف في الرواة!
ومَن حُكيَتْ هذه الحكاية عنه من المفسّرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن
_________________
(١) الشفا: ٢: ١٣٢ وما بعدها، دار الأرقم.
[ ٤ / ١٢٩٧ ]
عباس، قال فيما أحسب -الشك في الحديث- أن النبي - ﷺ - كان بمكّة، وذكر القصة!
قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عند شعبة إلا أميّة بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فقد بيّن أبو بكر -﵀- أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا هذا!
وفيه من الضعف ما نبّه عليه، مع وقوع الشكّ فيه، كما ذكرناه، الذي لا يوثق به، ولا حقيقة معه!
وأما حديث الكلبي فممّا لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، لضعفه الشديد وكذِبه، كما أشار إليه البزار ﵀!
قول الحافظ ابن حجر:
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض مصادر القصّة وأسانيدها وطرقها (١): وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إمّا ضعيف، وإمّا منقطع، ولكن كثرة الطرق تدلّ على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين: أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب
والثاني: ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة
_________________
(١) فتح الباري: ٨: ٤٣٩.
[ ٤ / ١٢٩٨ ]
وسبق أن ذكرنا أن للألباني رسالة في هذا المقام خرّج فيها أحاديث هذه القصة وحكم عليها بالبطلان، مشيرًا إلى أن هناك عدّة روايات مرسلة أسانيدها صحيحة إلى مرسليها، ومن ثمَّ يتّفق في هذا مع ابن حجر، ولكنه يختلف معه في النتيجة، فقد ذهب ابن حجر إلى تقوية تلك الأحاديث الرسلة، حيث قال: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلَّ ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتجّ بمثلها من يحتجّ بالرسل، وكذا من لا يحتجّ به لاعتضاد بعضها ببعض! (١)
أما الألباني فإنه يرى أن تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، وله منطقه وحجته في هذا، وخلص إلى ردّ تلك الآثار المرسلة لكونها لا تعتضد عنده (٢).
وهنا قال الدكتور الأعظمي (٣): ونقل الألباني (٤) عن ابن تيمية في مسألة الاحتجاج بالمرسل ما مفاده (.. وإن جاء المرسل من وجهين، كل من الروايين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ وتعمّد الكذب ).
وهنا نذكر ما قاله السيوطي (٥): فإن صحّ مخرج المرسل بمجيئه أو نحوه من وجه آخر، مسندًا أو مرسلًا أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل
_________________
(١) السابق.
(٢) نصب المجانيق: ٢٠ وما بعدها.
(٣) حاشية مغازي رسول الله - ﷺ - لعروة بن الزبير: ١٠٧.
(٤) نصب المجانيق: ٢٣.
(٥) تدريب الراوي: ١: ١٩٨ - ١٩٩، دار الكتب العلمية.
[ ٤ / ١٢٩٩ ]
الأول كان صحيحًا، هكذا نص عليه الشافعي في (الرسالة)، مقيّدًا له بمرسل كبار التابعين، ومن إذا سمّى من أرسل عنه سمّي ثقة، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، وزاد في الاعتضاد أن يوافق قول صحابي أو يفتي أكثر العلماء بمقتضاه، فإن فقد شرط مما ذكر لم يقبل مرسله!
قول الدكتور (أبو شهبة):
ويطالعنا ما ذكره أستاذنا الدكتور أبو شهبة -﵀- على ما ذكره الحافظ وتابعه عليه السيوطي وغيره قائلًا: (١)
١ - إن جمهور المحدّثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف، لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الثاني فلا يؤمن أن يكون كذّابًا، وقد قرّر الإِمام مسلم هذه الحقيقة فقال: (والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة) (٢).
وقال ابن الصلاح (٣): (وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقرّ عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث وتداولوه في تصانيفهم، والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة، أما الشافعي فيحتج به بشروط ذكرها في رسالته، وقد نقلها العراقي في شرح ألفيّته وغيره!
٢ - الاحتجاج بالمرسل إنما هو في فروع اللّين التي يكتفي فيها بالظن، أما الاحتجاج به على شيء يصادم العقيدة، وينافي دليل العصمة فغير
_________________
(١) السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنة: ١: ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٢) مقدمة صحيح مسلم: ١: ٣.
(٣) مقدمة ابن الصلاح: ٥٨.
[ ٤ / ١٣٠٠ ]
مسلّم، وقد قال علماء التوحيد: إن خبر الواحد لو كان صحيحًا لا يؤخذ به في العقائد؛ لأنه لا يكتفي فيها إلا بما يفيد اليقين، فما بالك بالضعيف أو المختلف فيه!
هذا إضافة إلى أن القصّة لم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة أو الإِمام أحمد، ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير!
قول الإِمام محمد عبده:
وقال الشيخ محمد عبده: إن وصف العرب لآلهتهم بـ (الغرنيق) لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم، إلا ما جاء في معجم ياقوت من غير سند، ولا معروف بطريق صحيح، والذي تعرفه اللغة أن الغُرنوق والغِرْنوق، والغُرنيق، والغِرنيق اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، ومن معانيه الشاب الأبيض الجميل، ويطلق على غير ذلك، ولا شيء من معانيه اللغويّة يلائم معنى الإلهيّة والأصنام، حتى يطلق عليها في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان!
ووجه آخر لبطلان هذه القصّة من حيث الأسلوب اللغوي السليم هو قول المفترين: إن آيات الغرانيق جاءت بين الآيات: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ (النجم)!
والآيات: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ (النجم)!
[ ٤ / ١٣٠١ ]
ما هذا؟ ذمّ ثم مدح ثم ذمّ لذات الشيء، فلو أن القصّة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككًا والكلام متناقضًا، وهو مما لا يخفى على المبتدئين في تعلّم اللغة العربيّة، دعك عن عرب قريش، أهل الفصاحة والبيان. (١)
أمّا الآية التي اقترن تفسيرها بقصة الغرانيق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (الحج)!
فخلاصة ما يُقال عنها: إن تفسير البخاري (التمنّي) بما نقله عن ابن عباس غير ملزم لتعيين تفسير (التمنّي) في الآية بـ (التلاوة والقراءة)، وهو التفسير الذي كان مفتاحًا لباب اختراع أكذوبة الغرانيق، وما اشتملت عليه من طامات وبلايا لأن التمنّي جاء في الآية مطلقًا عن قيد الإضافة إلى الكتاب، فلم يذكر له مفعول قيّد به. (٢)
البطلان من حيث الزمان:
قال ابن حجر: هذه القصة وقعت بمكّة قبل الهجرة اتفاقًا، فتمسّك بذلك من قال: إن سورة الحج مكّية، لكن تعقّب بأن فيها أيضًا ما يدلّ على أنها مدنيّة .. فالذي يظهر أن أصلها مكّي، ونزل فيها آيات بالمدينة، ولها نظائر! (٣)
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٣٧١ - ٣٧٢، وفقه السيرة: الغزالي: ١١٨.
(٢) انظر: محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٧٣ وما بعدها.
(٣) فتح البخاري: ٨: ٤٤٠.
[ ٤ / ١٣٠٢ ]
وقال الدكتور الشامي: آية التمنّي هذه إن لم تكن مدنيّة، فهي ممّا نزل بين مكّة والمدينة، والحادثة حسب زعم رواتها مكّية، فهل يعقل أن يكون ذلك الزمن غير القصير بين الحادثة وبين نزول الآية التي جاءت تعقيبًا عليها؟ (١)
سبب سجود المشركين:
وهنا نذكر ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: سجد رسول الله - ﷺ - بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنّ والأنس.
تابعه ابن طهمان عن أيوب، ولم يذكر ابن عليّة ابن عباس.
وفي رواية عن عبد الله - ﵁ -، قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة (والنجم) قال: فسجد رسول الله - ﷺ -، وسجد مَن خلفه، إلا رجلًا رأيته أخذ كفًّا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتل كافرًا، وهو أميّة بن خلف. (٢)
قال ابن حجر (٣): أما متابعة إبراهيم بن طَهمان فوصلها الإسماعيلي من طريق حفص بن عبد الله النيسابوري عنه بلفظ: (أنه قال حين نزلت السورة التي فيها النجم سجد لها الإنس والجن).
وأما حديث ابن عليّة فالمراد به أنه حدّث به عن أيّوب فأرسله، وأخرجه
_________________
(١) معين السيرة: ٧٦.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٨٦٢، ٤٨٦٣)، وانظر (١٠٧١)، والترمذي (٥٧٥)، والبغوي (٧٦٣)، والدارقطني: ١: ٤٠٩، وابن حبان (٢٧٦٤).
(٣) فتح الباري: ٨: ٦١٤.
[ ٤ / ١٣٠٣ ]
ابن أبي شيبة عنه، وهو مرسل، وليس ذلك بقادح، لاتفاق ثقتين عن أيّوب على وصله، وهما عبد الوارث وإبراهيم بن طَهمان.
وقوله (والجنّ والإنس) إنما أعاد الجنّ والإنس مع دخولهم في المسلمين لنفي توهّم اختصاص ذلك بالإنس .. قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المسجد من مخالفتهم.
قال ابن حجر: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأوّل منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًّا من حصى فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد؛ إذ المسلمون حينئذ هم الذين خافوا من المشركين لا العكس، قال: وما قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله - ﷺ - لا صحة له عقلًا ولا نقلًا!
ثم قال: لكن روى النسائي بإسناد صحيح عن المطّلب بن أبي وداعة قال: قرأ النبي - ﷺ - بمكّة (والنجم) فسجد وسجد من عنده، وأبيت أن أسجد، ولم يكن يومئذ أسلم ..
وقال: وقد وافق إسرائيل على تسميته زكريّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عند الإسماعيلي، وهذا هو المعتمد، وعند ابن سعد أن الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة، وقيل: سعيد بن العاص بن أميّة، قال: وقال بعضهم كلاهما جميعًا، وجزم ابن بطّال في (باب سجود القرآن) بأنه
[ ٤ / ١٣٠٤ ]
الوليد، وهو عجيب منه، مع وجود التصريح بأنه أميّة بن خلف، ولم يقتل ببدر كافرًا من الذين سمعوا عند غيره، ووقع في تفسير ابن حبان بأنه أبو لهب، وفي (شرح الأحكام لابن بزيزة) أنه منافق، وردّ بأن القصّة وقعت بمكّة بلا خلاف، ولم يكن النفاق ظهر بعد، وقد جزم الواقدي بأنها كانت في رمضان سنة خمس، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحبشة قد خرجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا فوجدوهم على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية، ويحتمل أن يكون الأربعة لم يسجدوا، والتعميم في كلام ابن مسعود بالنسبة إلى ما اطلع عليه، كما قلته في المطّلب، لكن لا يفسّر الذي في حديث ابن مسعود إلا بأميّة؛ لما ذكرته، والله أعلم!
لا سبيل للشيطان:
هذا، وقد دلّت النصوص الناطقة نقلًا وعقلًا على أنه لا سبيل للشيطان قط على أنبياء الله ورسله، لعصمتهم من تسلطه عليهم (١)!
أما من جهة النقل: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ (الإسراء)!
وقوله حكايته عن إبليس في نفيه استطاعة التضليل لعباد الله المخلَصين: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ (الحجر)، (ص: ٨٣)!
وبإزالة هذه الوساوس الشيطانيّة، والشُّبه الإضلاليّة، يتميّز الحق، وهو ما جاءت به الرسل من الهُدى والتوحيد عن الباطل، وهو ما يلقيه الشيطان من الوسوسة والأباطيل في أنفس المشركين، والذين في قلوبهم مرض، ليصدّهم
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٩٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٣٠٥ ]
قال الشيخ عرجون
على أن قول الشيخ الإمام ابن تيمية
ثم قال الإمام ابن تيمية
عن قبول الحق، وفي صدور ضعفاء المؤمنين، ليشككهم في عقائد التوحيد والإيمان والهداية، وبهذا التمييز لا تختلط آيات الله ودلائل توحيده، وبراهين صدق أنبيائه ورسله ومحكم شرائعه بغيرها من أباطيل الشّبه الشيطانيّة .. قال الإِمام ابن تيمية: وجعل ما ألقى الشيطان فتنةً للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم إنما يكون إذا كان ظاهرًا يسمعه الناس، لا باطنًا في النفس!
قال الشيخ عرجون: إذا كان ما ألقاه الشيطان إنما ألقاه في أسماع أوليائه من الكفرة الفجرة، ولم يلفظ به النبي - ﷺ - لعصمته عن تلبيس الشيطان -كما هو منزع الإِمام ابن تيمية- وقد وقعت الفتنة بما سمعوه، وهم بمعزل عن إحكام آيات الله- فلا قيمة لنسخ ما ألقاه الشيطان في مسامعهم، ولم يختلط بآيات الله الموحَى بها إلى الرسول - ﷺ - لصونها وإحكامها عن زيادة الشيطان!
على أن قول الشيخ الإِمام ابن تيمية: وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، إنما يكون إذا كان ظاهرًا يسمعه الناس، لا باطنًا في النفس، دعوى مجرّدة من الدليل؛ لأن ما يلقي الشيطان من الشبهة والأضاليل في قلوب أعداء الإِسلام أشدّ فتنةً للقاسية قلوبهم من المشركين المعاندين، والذين في قلوبهم مرض من المنافقين؛ لأن الشبهة والأضاليل تؤثر في القلب، وتغطّيه بالرّان وظلمة الكفر، وحيرة الشك، وتؤثر في العقل فتفسد إدراكاته، وأمّا ما يسمع ظاهرًا ففتنته ضعيفةٌ موقوتةٌ بسماعه، والسماع لايستقرّ أثره، بل يذهب مع تيّار النسيان، ونزغات الشيطان!
ثم قال الإِمام ابن تيمية: والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ من جنس الفتنة التي تحصل من نوع آخر من النسخ، وهذا النوع -أي الفتنة بإلقاء الشيطان في قراءة النبي - ﷺ - كلمات الكفر، ومدح الأوثان، ثم نسخ ذلك بعد
[ ٤ / ١٣٠٦ ]
زمن قد يطول وقد يقصر -أدلّ على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع- أي النسخ الاصطلاحي المعروف في أصول الفقه المتفق على جوازه ووقوعه من جمهور الأئمة، ولم يخالف فيه جوازًا أو وقوعًا سوى شذوذ من الناس، وقد شهر بهذه المخالفة أبو مسلم الأصفهاني ومن تقيّله من المتأخّرين!
وهذا النوع هو المعروف بإزالة حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة تشريعيّة، كتخفيف لحكم الأول، أو انتهاء زمن العمل به، أو زوال أثر الحكم الأوّل، أو كون الحكم الثاني أزجر منه عند كثرة الفساد وشيوعه!
قلنا: إن جعل نوع نسخ ما ألقاه الشيطان من كلمات الكفر أدلّ على صدق الرسول - ﷺ - من نوع النسخ الاصطلاحي أمر عجيب في قياس الاستقامة العلميّة ومنطق العقل، وإلا فكيف يكون نسخ ما ألقى الشيطان من كلمات الشرك والكفر على لسان النبي - ﷺ - في قراءته لآيات الله بعد استقراره زمنًا -وهو محال- أدلّ على صدق النبي - ﷺ - وبُعده عن الهوى، وهذا النسخ بهذا المعنى يدلّ على أن النبي - ﷺ - قبل من الشيطان كلمات الكفر وأدخلها في آيات الله على أنها وحي من الله تعالى وقرآنه، واستقرّ عنده زمنًا حتى نسخ وأزيل بوحي جديد!!
ولو صحّ هذا -وما زعمه (الغرنوقيّون) - فماذا بقي للنبي - ﷺ - من معالم العصمة، وثقة الأمّة المأمورة بمتابعته في جميع ما يبلّغه عن الله تعالى، وقد بلّغها هذا الكفر الخبيث في زعم (الغرنوقيّين) القائلين بثبوت (أكذوبة الغرانيق)، كما جاءت بها المراسيل الواهية الباطلة؟! وما الضمان عند الأمّة في أن تقبل وتصدّق أن الوحي الناسخ لأكذوبة الشيطان هو وحي صادق من عند الله، وليس من تلبيس الشيطان؟! وما هو الضمان عند الأمّة فيما ينزل على النبي - ﷺ - بعد ذلك من الوحي لتتقبّله وتمتثل لأحكامه تحقيقًا لوجوب المتابعة؟!
[ ٤ / ١٣٠٧ ]
أمّا نسخ حكم شرعي بحكم شرعي آخر لحكمة اقتضت ذلك، وكلاهما -بالقطع- من عند الله فهو الدّالّ على صدق النبي - ﷺ - وبعده عن الهوى؛ لأن الناسخ والمنسوخ كلاهما من عند الله تعالى بوحيه القاطع بلا افتراء، وكلاهما شرع صادق واجب الامتثال في زمنه، وليس للشيطان فيه أيّ مدخل، والنبيّ - ﷺ - متبع في هذا النوع من النسخ أمر الله تعالى محقق لقول الله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ (الأحقاف)!
وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
ثم قال الإِمام ابن تيمية: فإنه -أي الرسول - ﷺ - إذا كان يأمر بأمر، ثم يؤمر بخلافه وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في ذلك، فإذا قال عن نفسه: إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك كان أدلّ على اعتماده للصّدق وقوله الحق!
قلنا: هذا الكلام مغلق غامض، بل ظاهر التناقض، فعبارة الشيخ الإِمام السابقة تقرّر أن نوع النسخ فيما يلقيه الشيطان أدلّ على صدق النبيّ - ﷺ -، وبعده عن الهوى، وعبارته هنا تقرّر أن النبيّ - ﷺ - يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه، وكلاهما من عند الله، وهو مصدّق في الأمرين -هذا مسلّم في نوع النسخ الشرعي الذي هو إزالة حكم شرعيّ بحكم شرعيّ آخر لحكمة مقتضية لذلك!
أمّا نوع النسخ الذي أزال فيه الوحي الصادق حكمًا شيطانيًّا بحكم آخر منزل من عند الله -في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق- فإن النبيّ - ﷺ - لم يأمر فيه بأمر ثم أمر بخلافه، وإنما الذي اعتمده مثبتو (أكذوبة الغرانيق الخبيثة الباطلة) أن الشيطان هو صاحب الأمر الأول بإلقائه -كما تقول روايات الأكذوبة، على
[ ٤ / ١٣٠٨ ]
لسان النبي - ﷺ - كلمات أخبث الكفر، وأن النبيّ - ﷺ - قبل ذلك، وتلاه فيما تلا من آيات الله، واستقرّ ذلك عنده اعتقادًا حتى سجد في آخر السورة، وسجد معه المشركون، تعظيمًا لآلهتهم التي مدحت بهذا الكلام الخبيث حتى نزل ملك الوحي بعد مضيّ قدر من الزمن، فاستقرأ النبيّ - ﷺ - آيات السورة التي جاء بها إليه، فقرأ النبيّ - ﷺ -، وزاد (في زعم مثبتي أكذوبة الغرانيق) كلمات الشيطان في مدح الأوثان، فنبّهه جبريل -﵇- فكيف ينسب للنبي - ﷺ -، وهو المحفوظ بالعصمة من تلبيس الشيطان أنه يأمر بأمر، ثم يأمر بخلافه في (قصة الغرانيق الكاذبة الماطلة)؟!
وكيف يكون مصدّقًا في الأمرين؟
الأمر الأوّل، وهو زعم إلقاء الشيطان على لسانه أخبث الكفر!
والأمر الثاني، وهو إزالة هذا الضلال الكفور الذي يستحيل أن يكون النبي - ﷺ - قاله بلْه أمر به!
وإذا صدق في الأمرين في (أكذوبة الغرانيق)، فماذا يبقى له - ﷺ - من الثقة به في النفس، لتتلقّى عنه ما يبلّغه من رسالته عن الله تعالى من الهداية؟
وإذا قال بعد ذلك أنه أمر بالأمرين:
أمر الحق الذي أزال به ما ألقاه الشيطان، وأمر الباطل الذي لبّس به عليه الشيطان، إذن فالأمر الثاني -أي الناسخ لما ألقاه الشيطان من الكفر والضلال هو من عند الله، وأن الأمر الأوّل المنسوخ ليس كذلك -أي ليس من عند الله- فكيف يكون ذلك أدلّ على اعتماده الصدق وقوله الحق، ولا شكّ أن الأمر الأوّل كذب وافتراء على الله تعالى ويستحيل وقوعه من النبي - ﷺ -!
[ ٤ / ١٣٠٩ ]
فإذا قال (الغرنوقيّون) إنه قد وقع فقد نسبوا الكذب المتعمّد على الله إلى النبي - ﷺ -! فيما بلّغه عنه، فأين الصدق الذي يدلّ عليه؟
وإذا نسب إليه - ﷺ - الكذب في الأمر الأوّل المنسوخ فما برهان صدقه في الأمر الثاني، وهو الناسخ الذي نزل لمحو الباطل، وأنه ليس من عند الله، وإنما هو من عمل الشيطان وتلبيسه!
هذه كلها أباطيل حكيت من نسج الزندقة وأخبث الكفر، وخدع بها الأغرار -إن صحت بعض روايات المراسيل في أكذوبة الغرانيق- فكيف قبلها الشيخ الإِمام ابن تيمية، وهو صاحب الرسوخ في فقه الرواية ونقد الأسانيد؟!
وقد انتهى الشيخ الإِمام ابن تيمية إلى القول بأن الذين يثبتون العصمة بمعنى عدم وقوع الذنب من الأنبياء والمرسلين، ولاسيّما فيما يبلّغونه عن الله تعالي تأوّلوا بمثل تأويلات (الجهميّة) و(القدريّة) و(الدّهريّة) لنصوص (الأسماء والصفات) ونصوص (القدر) ونصوص (المعاد)، بل أوسع الشيخ في التهمة للنافين وقوع الذنب من الأنبياء والرسل فرماهم بـ (القرمطة) إلى أن قال: وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم!
وتهمة (الجهميّة) و(القدريّة) و(القرمطة) تهمة تقليديّة شائعة، ولا سيّما في عصر الشيخ الإِمام ابن تيميّة على ألسنة المنتحلين لطريقته ومذهبه، يُرمى بها كل من يفهم نصوص الأسماء والصفات فهمًا تنزيهيًّا يليق بجلال الله وكمال ألوهيَّته!
يقول الشيخ عرجون: وإنما عرضنا رأي الشيخ الإمام وناقشناه مناقشة
[ ٤ / ١٣١٠ ]
تفصيليَّة بعد ما منّ الله به في إبطال (أقصوصة الغرانيق)؛ لأن دويّ سمعة الشيخ وهالات الإجلال من حوله جعل كثيرًا من الناس لا يتفقّهون فيما قيل، ولكنهم يكتفون بمن قال، فأردنا أن ننبّه على ما في إثبات (أكذوبة الغرانيق) من خطورة على العقيدة التوحيديّة التي كان الشيخ الإِمام أحرص عليها، وعلى دعائمها بني مريدوه، والآخذون بآرائه، مجده التاريخيّ بين أعلام أئمة علماء الأمة!
ويقول: وقد ناقشنا رأي الشيخ الإِمام في (أقصوصة الغرانيق) مناقشة بحث علمي، وهي أشدّ هدمًا للعقيدة التوحيديّة، من كثير من القضايا والمسائل التي قرن بها اسمه في اجتهاديّاته، ولقي في سبيلها كثيرًا من البلاء والمحن- لئلا يقع في خطئها من يتمسّك بالتقليد والاغترار بهالات الأسماء!
ويقول: والبحث العلميّ لا يقف هيّابًا لهالات الأسماء، وإنما يقف مع الحجّة والبرهان، وقد حُذِّرْنا من زلة العالم، وعثرة الأكابر، والله يهدي من يشاء وإليه المصير!
قلت: معلوم أن كل إنسان مهما علا قدره يؤخذ منه ويرد، مع تقديرنا لجهود ومكانة شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى!
رأي أهوج للكوراني:
هذا، وللشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني رأي متزيّدٌ جريء أهوج، حاول فيه تصحيح (أسطورة الغرانيق الكاذبة الباطلة) حتى كأنه هو واضعها، لم يكتف فيه بالبحث في أسانيد روايات القصّة، كما صنع غيره من مثبتيها، ولم يبال بما تؤدي إليه من معان خطيرة في
[ ٤ / ١٣١١ ]
سيرة سيّد المرسلين - ﷺ -، ولكنه تزيّد باجتهاده متعالمًا، واختلق للقصّة سببًا وحكمةً، لم يسبقه إليهما أحدٌ من ملّة الإِسلام، زعم أنها وقعت لهذا السبب، بتلك الحكمة، وخف على نفسه ودينه أن يقيم منهما حكمًا على النبي - ﷺ -، ليكشف أنه كان مفتقرًا إلى (التأديب) لأنه افتأت على إرادة الله وقدره، فأراد إيمان الناس جميعًا، والله لم يرد ذلك ولا قدّره، فكان - ﷺ - محلًا للتأديب والتصفية من آثار هذه الإرادة حتى تفنى إرادته في إرادة الله تعالى، فلا يريد إلا ما يريد الله، ويقدّره، فسلّط عليه الشيطان ليغويه، ويلقي على لسانه في أثناء تلاوته لآيات الله المنزلة من عند الله كلمات كافرة تمدح الأوثان، وتجعل منهم شفعاء لعابديهم، تُرضي شفاعتهم وتُرتجى، وإذا كان شيء غير أكفر الكفر وصفًا يمكن أن يوصف به هذا الهوج الأحمق فليكن هذا الوصف مستعارًا لنعت موقف الكوراني إبراهيم بن حسن (خاتمة المتزندقين في عصره)!
فإذا قيل للشيخ إبراهيم الكوراني: إن الله تعالى عصم أنبياءه عن تسلّط الشيطان عليهم، وأخبر عن هذه العصمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ (الحجر)!
وفي قوله تعالى حاكيًا على لسان إبليس استثناءهم من إغوائه: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (ص)!
قال: في تأويل آيات الله في (فلسفة متزندقة) لم يجرؤ أحد من مثبتي (أبطولة الغرانيق) على القول بمثله: إن السلطان المنفي هو الإغواء، أعني التلبيس المخلّ بأمر الدّين، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبي - ﷺ - معصوم منه، وأما الإغواء غير المخلّ بأمر الدّين فلا دليل على نفيه ولا إجماع على العصمة منه، إذن هناك إغواء للشيطان في زعم هذا الكوراني، إغواء يخلّ بأمر
[ ٤ / ١٣١٢ ]
الدّين، وإغواء لا يخلّ بأمر الدّين!
قلنا: أليس هذا تحريفًا في تفسير آيات الله تعالى المنزِّهة لعباده المخلصين عن تسلّط الشيطان عليهم بإغوائه وإضلاله وتلبيسه؟! والآيات مطلقة في نفي سلطان الشيطان وإغوائه، والإطلاق هو اللائق بعصمة الأنبياء!
فمن أين للشيخ الكوراني هذا التقسيم المخترق، الذي جعل من إغواء الشيطان إغواءً مخلًا بأمر الدّين، هو فقط مخلّ العصمة عنده، وأما الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين، فليس هو مخلًا لعصمة تمنع من وقوعه وتسلّط الشيطان على الأنبياء به؟!
ثم كيف يكون إغواء الشيطان غير مخلّ بالدّين، وعداوة الشيطان كلها للإنسان مرجعها إلى إفساد الدّين بتزيين الكفر والفسوق والعصيان؟!
وإذْ فرض الشيخ الكوراني هذا التقسيم المبتدع واقعًا، فليكن شرعًا ودينًا تسري أحكامه على الناس الأنبياء فمن دونهم، وليكن الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين -وإن كان لا وجود له في واقع الحياة- هو الذي لا تتعلّق به العصمة، وبه يتسلّط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلّهم ويلبّس عليهم، ويريهم أن الشيطان ملك، وأن الملَك شيطان، وأن الأوثان آلهة تشفع لعابديها، وشفاعتها مرجوّة مرتضاة!
وبهذا الإغواء -الذي لا يخلّ بأمر الدّين- وقعت (أخلوقة الغرانيق لتأديب النبي - ﷺ - على افتئاته على الله تعالى) وفرض إرادته في إيمان الناس جميعًا، مراغمة لإرادة الله تعالى الذي لم يرد إيمان جميع الناس ولا قدره!
هكذا منطق (فلسفة الشيخ إبراهيم الكوراني المتزندقة) الذي أراد به
[ ٤ / ١٣١٣ ]
الكلام في (أكذوبة الغرانيق المتزندقة)، فالشيطان أغوى سيّد الخلق محمدًا - ﷺ - إغواءً لا يخلّ بأمر الدّين، ولبّس عليه وأراه أنه أمن الوحي جبريل، وألقى على لسانه، وهو - ﷺ - يتلو آيات الله المنزلة عليه في سورة (النجم) كلمات أخبث الكفر من الكلمات التي تمدح الأوثان، وتؤكد أن لها شفاعةً مرجوّة مرتضاة، فيتقبّل النبي - ﷺ - هذه الكلمات الخبيثة الكافرة على أنها مما نزل عليه من آيات الله -من قبيل الإغواء الذي لا يخلّ بأمر الدّين في شرعة الشيخ إبراهيم الكوراني- ويبقى النبي - ﷺ - على هذا الإغواء زمنًا لا يُدرى مدى طوله، حتى ينزل عليه أمين الوحي جبريل فيستقرئه ما أنزله عليه من آيات الله، فيقرأ النبي - ﷺ - الآيات من أول سورة (النجم) إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾! ثم يقول بعدها: (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى) فيقول أمين الوحي جبريل: ما جئتك بهذا، هذا من الشيطان!
هذا هو الإغواء الذي تزعم (أخلوقه الغرانيق) في رواياتها الباطلة أنه وقع للنبيّ - ﷺ - لتأديبه في فلسفة الشيخ الكوراني، وأنه لم يعصم منه؛ لأنه إغواء لا يخلّ بأمر الدّين في شرعة الشيخ إبراهيم الكوراني، وإذا كانت زيادة كلمات الكفر بأبشع صورة في آيات القرآن الكريم إغواء غير مخلّ بأمر الدّين، والشعبي - ﷺ - غير معصوم منه، فأين الإغواء المخلّ بأمر الدّين الذي يعصم منه؟!
أمران باطلان:
وقد انفرد الشيخ إبراهيم الكوراني في سبيل (تصحيح أكذوبة الغرانيق الباطلة بأمرين، لم يقل بهما أحدٌ من متقدّمي أهل العلم ولا متأخّريهم):
[ ٤ / ١٣١٤ ]
الأمر الأول:
هذا التقسيم لإغواء الشيطان إلى إغواء لا يخلّ بأمر الدّين، فلا يُعصم منه الأنبياء فمن دونهم، وإغواء يخلّ بأمر الدّين، فيعصم منه الأنبياء!
فالقسم الأول يكون للشيطان فيه سلطانه المطلق الذي يعبث في العقائد والعبادات، وسائر الفضائل، يضلّ به الأنبياء فمن دونهم من خلّص المؤمنين!
والقسم الثاني هو المنفي فيه سلطان الشيطان في القرآن الكريم، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبيّ - ﷺ - معصوم منه!
الأمر الثاني:
إن الشيخ إبراهيم الكوراني في سبيل تصحيح (أكذوبة الغرانيق الباطلة) ابتدع حكمةً لوقوعها بصورتها التي حكتها الروايات الواهية الواهنة -ولا ندري- وهو العالم الذي يصفه العلاّمة الآلوسي بخاتمة المتأخّرين -كيف خفّ على نفسه ودينه اختلاقها، ورضيها على علمه ودينه لتصحيح (أكذوبة ضالة مضلة كافرة خبيثة)!
وكلام الشيخ إبراهيم الكوراني اعتمدنا في نقله ومناقشته على نقل العلاّمة المفسّر الجامع شهاب الدّين محمود الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)؛ لأننا رأيناه يقول عنه (شيخنا)، ولكنه كان في سوق كلامه ومناقشته حرّ الكلمة منطقي الجدل، لا يمنعه توقير فضل (المشيخة) من الجهر بالحق!
قال الآلوسي (١): وذهب إلى صحة القصة -أي أكذوبة الغرانيق- خاتمة
_________________
(١) انظر: روح المعاني: ٩: ١٦٩ وما بعدها، دار الكتاب العربي.
[ ٤ / ١٣١٥ ]
المتأخّرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني، وذكر -أي الكوراني- بعد كلام طويل: أنه تحصّل من ذلك أن الحديث -أي في رواية قصة الغرانيق- أخرجه غير واحد من أهل الصحة -وهذا كذب- وأن رواته ثقات بسند سليم- وهذا تضليل - متصل عن ابن عباس، وبثلاثة أسانيد صحيحة عن ثلاثة من التابعين من أئمة التفسير، الآخذين عن الصحابة، وهم سعيد بن جبير، وأبو بكر ابن عبد الرحمن، وأبو العالية!
قال الشيخ عرجون: وهذا استدلال فاسد .. وأشار إلى روايات الأقصوصة والحديث مع الإمامين: الحافظ ابن حجر، وشيخ الإِسلام ابن تيمية .. وقال: وما نظن أن أحدًا يعتقد أن طائر خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني يقع في أفق الحافظ ابن حجر، وهو المتفق على إمامته في فنون الحديث والأثر، وله فيها المؤلفات التي تقوم عليها دراسة علوم الحديث في معاهد الإِسلام وجامعاته!
وقد قال البيهقي: هذه الثقة غير ثابتة من جهة النقل، فهل يُقال هذا الكلام من إمام لا يختلف الناس في سعة علمه بالحديث وفنونه، في حديث يخرجه غير واحد من أهل الصحة، ويرويه ثقات بسند سليم متّصل؟
وإذا كان في كلمة الإِمام البيهقي إجمال، فإليك قول جهبذ المحدّثين الثاني من داء الإجمال في شفائه، القاضي عياض بن موسى اليحصبي: يكفيك في توهن هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متّصل، وإنما أولع به وبحث له المفسّرون والمؤرّخون المولعون بكل غريب، المتلقّفون من الصحف كل صحيح وسقيم، أي من ضراب الكوراني!
[ ٤ / ١٣١٦ ]
هذا نص مفصل الكلمات في ردّ ادّعاء الشيخ إبراهيم الكوراني! فالحديث لم يخرجه أحد قط من أهل الصحة، ولا رواه قط ثقة بسند صحيح سليم من النقد والوهن، متّصل بصحابي، فضلًا عن النبي - ﷺ -!
ونضيف إلى كلام هؤلاء الأئمة في ردّ ادّعاء الشيخ إبراهيم الكوراني أن حديث الغرانيق أخرجه غير واحد من أهل الصحة ورواته ثقات بسند صحيح متّصل ما سبق لنا، وهو كلام نردّ به على من تمسّك بمراسيل الروايات -ولو صحت أسانيدها- في تصحيح قصة الغرانيق، وقد قدّمناه، ولكنا نعيده لنؤكّد أن (قصة الغرانيق أكذوبة باطلة خبيثة من وضع الزنادقة أعداء الإِسلام)!
ذلك أن هذه (الأقصوصة الغرنوقية أكذوبة أحاديثها كلها مرسلة، والحديث المرسل من قبيل الضعيف عند جمهور المحدّثين) كما صرّح به ابن الصلاح، والمتّصل منها بابن عباس، وهو حديث سعيد بن جبير (دخله الشك)، وهذا قطعًا يضعفه، ويوهن الاحتجاج به، وهو مع هذه العلّة القادحة له علّة أخرى، هي أنه موقوف على ابن عباس، لم يرفع قط إلى النبي - ﷺ -!
وقصّة الغرانيق تدخل في صميم العقيدة؛ لأنها (تناقض التوحيد وتبطل عصمة الأنبياء وترفع الثقة بالنبوّة والوحي) وكل ذلك لا يقبل في ثبوته مثل ذلك!
مفاسد رأي الكوراني:
قال الآلوسي (١): وفي البحر أن هذه القصة سئل عنها الإِمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوّية فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنّف في ذلك
_________________
(١) روح المعاني: ٩: ١٦٩ وما بعدها.
[ ٤ / ١٣١٧ ]
قال الكوراني في رده على هذا الوجه من المفسدة
كتابًا، وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب حصص الأتقياء: أن قوله: تلك الغرانيق العلا، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء، وأرقّاء الدّين، ليرتابوا في صحّة الدّين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية)!
وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبيّ - ﷺ - بسبب إلقاء الشيطان الملبّس بالملك أمور - وهي هذه المفاسد:
المفسدة الأولى (١):
تسلّط الشيطان عليه - ﷺ -، وهو بالإجماع معصوم من الشيطان؛ ولا سيّما في هذا في أمر من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ (الحجر)!
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ (النحل)!
قال الكوراني في ردّه على هذا الوجه من المفسدة: إن السلطان المنفيّ عن العباد المخلصين هو الإغواء -أعني التلبيس المخلّ بأمر الدّين، وهو الذي وقع الإجماع على أن النبيّ - ﷺ - معصوم منه، وأمّا غير المخلّ فلا دليل على نفيه- قلنا: ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول- ولا إجماع على العصمة منه-، قلنا: هذا افتراء، وإلا فأين من خالف؟ وما هنا غير مخلّ لعدم منافاته للتوحيد، بل فيه تأديب وتصفية، وترقية للحبيب الأعظم - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - تمنّى الهُدى للكل، وليس عليه - ﷺ - حالة الإلقاء
_________________
(١) السابق: ١١٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٣١٨ ]
قال الشيخ عرجون
قال العلامة الآلوسي في نقض اعتراض الكوراني على المفسدة الأولى
تمنّي هدي الكل المصادم للقدر المنافي لما هو الأكمل، ليترقّى إلى الأكمل، وقد حصل ذلك بهذه المرّة، ولذا لم يقع التلبيس مرّة أخرى، بل يُرسَل بعد من بين يديه ومن خلفه رصدًا .. إلخ.
قال الشيخ عرجون: وقد قدّمنا بعض القول في مناقشة هذه المفسدة، وها نحن أولًا، نسوق ما ساقه الألوسي في ردّ هذه المفسدة، مع ما يسنح الفكر، فنضيفه إلى كلامه!
قال العلامة الآلوسي في نقض اعتراض الكوراني على المفسدة الأولى (١): إن التلبيس بحيث يشتبه الأمر على النبي - ﷺ -، فيعتقد أن الشيطان ملَك مخل بمقام النبوّة ونقص فيه، فإن الوليّ الذي دونه - ﷺ - بمراتب، لا يكاد يخفى عليه الطائع من العاصي، فيدرك نور الطاعة وظلمة المعصية، فكيف بمن هو سيّد الأنام، ونور عيون قلوب الأولياء، يلتبس عليه من هو محض نور بمن هو محض ديجور .. ولذلك قال المحقّقون: إن الأنبياء ﵈ ليس لهم خاطر شيطاني، وكون ذلك ليس منه، بل كان مجرّد إلقاء على اللسان دون القلب ممنوع - وإلا فما دليله؟ ألا ترى أنه قال: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾! دون ألقى الشيطان على لسانه، وتسمية القراءة أمنية، لا أن القارئ يقدر الحروف في قلبه أوّلًا، ثم يذكرها شيئًا فشيئًا، وأيضًا حفظه لذلك - ﷺ - إلى أن أمسى كما جاء في بعض الروايات، فنبّهه جبريل ﵉، يبعد كون الإلقاء على اللسان فقط، على أنّا لو سلّمنا ذلك وقلنا: إن الشيطان ألقى على لسانه - ﷺ -، ولم يلق في قلبه، كما هو شأن الوحي المشار إليه بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ (الشعراء)!
_________________
(١) انظر: السابق: ١٧١.
[ ٤ / ١٣١٩ ]
وقلنا: إن ذلك ممَّا يعقل- للزم أن يعلم - ﷺ - من خلو قلبه واشتغال لسانه أن ذلك ليس من الوحي في شيء ولم يحتج إلى أن يعلمه جبريل ﵇!
والقول بأنه لُبِّس عليه الحال - ﷺ - للتأديب والترقية إلى المقام الأكمل في العبوديّة، وهو فناء إرادته - ﷺ - في إرادة مولاه ﷿، حيث تمنّى إيمان الكلّ وحرصه عليه، ولم يكن مرادًا لله تعالى ممّا لا ينبغي الالتفات إليه؛ لأن القائل به زعم أن التأديب بذلك كان بعد قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ (الأنعام)!
ولا شك أن التأديب به لم يُبق ولم يذر، ولم يُقرن بما فيه تسلية أصلًا، فإذا قيل -والعياذ بالله- إن ذلك لم ينجع فكيف ينجع ما دونه؟!
وأيضًا أيّة دلالة في الآية على (التأديب)، وهي لم تخرج مخرج العتاب بل مخرج التسلية على أبلغ وجه، عما كان يفعل المشركون من السعي في إبطال الآيات، ولا نسلّم أن ترتيب الإلقاء على التمنّي، مع ما في السباق والسياق مما يدلّ على التسلية عن ذلك يجدي نفعًا في هذا الباب، كما لا يخفى على ذوي الألباب!
ويرد على قوله أنه بعد حصول التأديب بما ذكر، كان يُرسَل من بين يديه ومن خلفه رصدٌ يحفظونه من إلقاء الشيطان، أنه لم يدل دليل على تخصيص الإرسال بما بعد ذلك، بل الظاهر أن ذلك كان في جميع الأوقات، فقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ (الجن)!
[ ٤ / ١٣٢٠ ]
وأجاب الشيخ الكوراني على هذا الوجه من المفسدة فقال
قال: كان النبي - ﷺ - إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبّه الشيطان بالملك، وقد ذكروا أن- كان- في ذلك للاستمرار! (١)
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: ما جاء جبريل ﵇ بالقرآن إِلى النبي - ﷺ - إِلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة!
وهذا صريح في ذلك، ولاشك أن الإلقاء عند من يقول به كان عند نزول الوحي .. ثم ساق الآلوسي حديث ابن عباس من طريق العوفي عند ابن جرير وابن مردويه، للاستدلال على أن الإلقاء كان عند نزول الوحي!
وهذا الحديث في أحاديث الدر المنثور .. ثم قال الآلوسي معقّبًا على الحديث، فعلى هذا ونحوه يكون الرصد موجودًا مع عدم ترتّب أثر عليه .. ثم أيّة فائدة في إنزال الرصد إذا لم يحصل به الحفظ؟ بل كيف يسمّى رصدًا؟
المفسدة الثانية (٢):
من المفاسد اللازمة على القول بأن الناطق بما ألقاه الشيطان هو النبي - ﷺ -: زيادته - ﷺ - في القرآن ما ليس منه، وذلك مما يستحيل عليه - ﷺ - لمكان العصمة!
وأجاب الشيخ الكوراني على هذا الوجه من المفسدة فقال: إن المستحيل النافي للعصمة أن يزيد - ﷺ - أي في القرآن- من تلقاء نفسه- هذا افتراء -أي يزيد فيه ما يعلم أنه ليس منه، وما هنا ليس كذلك؛ لأنه - ﷺ - إنما أَتبع فيه الإلقاء الملبّس عليه في حالة خاصّة فقط، تأديبًا أن يعود لمثل تلك الحالة!
_________________
(١) انظر: الشوكاني: ٥: ٣٠٩ دار الوفاء.
(٢) انظر: الآلوسي: ٩: ١٧٠.
[ ٤ / ١٣٢١ ]
قال العلامة الآلوسي
يقول الشيخ عرجون
قال العلاّمة الآلوسي: وما ذكر في هذا الاعتراض -أي على المفسدة الأولى- يعلم منه ما في الجواب الثاني من الاعتراض، وهو ظاهر!
يقول الشيخ عرجون: ونحن نقول: يالله، من علم يفرّق بين زيادة في القرآن، يزيدها الشيطان، ويلقيها إلى النبي - ﷺ -، ويتقبلها النبي - ﷺ - على أنها من القرآن معتقدًا قرآنيّتها -كما يزعم الغرنوقيون من أمثال الكوراني- بعد أن لبّس عليه الشيطان، وأراه أنه ملك الوحي، ويتلوها النبي - ﷺ - ملبِّسًا بها على الأمة، ويدعوها- بمقتضى وجوب التأسّي به، ومتابعته فيما يبلّغه عن الله تعالى -وهو في غمرة التلبيس عليه إلى اعتقاد ما فيها من الشرك، ومدح الأوثان بما يناقض عقيدة التوحيد التي هي أساس للرسالة التي بعثه الله بها، (هذا منطق مأفون)!
وبين زيادة في القرآن الكريم تكون من النبي ﷺكما زعم الكوراني- فنجعل الزيادة الشيطانية الخبيثة ممكنة الوقوع بل واقعة -في زعم الغرنوقيّين- ولا تنافي العصمة، والزيادة من النبي - ﷺ - وهي مستحيلة الوقوع- هي التي تنافي العصمة، فالشيطان يزيد في القرآن ما يشاء من الكفر والشرك، والنبيّ - ﷺ - يتقبّل زيادات الشيطان، ويبلّغها لأمّته، على أنها من عند الله، وتسلب عنه - ﷺ - خاصة العلم بالقرآن، وبراعة أسلوبه ومعانيه الإيمانيّة، وحقائقه التوحيديّة!
(هذا هو البلاء الذي ليس فوقه بلاء)، وا رحمةً للإسلام والمسلمين من هذا العلم الكفور الذي يصيب كبد الإِسلام فيزهق روحه، ويقضي على أصوله، تحت ظلال تكوير العمائم الضخمة!
[ ٤ / ١٣٢٢ ]
وقد لمح العلاّمة الآلوسي أن ردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثاني سن المفاسد اللازم على صحة أخلوقة الغرانيق، يحمل في طيّاته أن النبي - ﷺ - إذا قبل ما ألقى الشيطان على لسانه لم يكن على علم بإعجاز القرآن، فأخذ في بيان هذا فقال:
وقد يقال إن إعجاز القرآن معلوم له - ﷺ - ضرورة، كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعريّ، بل قال القاضي: إن كل بليغ بمذاهب العرب وغرائب الصنعة يعلم ضرورة إعجازه، وذكر أن الإعجاز يتعلّق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبيَّن فيه تفاصيل قوى البلاغة!
فإذا كانت آية بقدر حروف سورة، وإذا كانت (سورة الكوثر) فهو معجز، وعلى هذا يمتنع أن يأتي الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا بمقدار أقصر سورة منه تشبهه في البلاغة، ومتى أتى أحد بما يزعم فيه ذلك لم تنفق سوقه عند رسول الله - ﷺ -، وكذا عند كل بليغ محيط بما تقدّم، ولم يخف على الرسول - ﷺ -، ولا على ذلك البليغ عدم إعجازه، فلا يشتبه عنده بالقرآن أصلًا، ولا شكّ أن ما ألقى الشيطان على ما في بعض الروايات حروفه بقدر حروف سورة الكوثر، بل أزيد إن اعتبر الحرف المشدّد بحرفين، وهو: (وإنهن لهن الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن، لهي التي ترتجى)، الواردة فيما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب!
فإن كان ما ذكر ممّا يتعلّق به الإعجاز، فإن كان معجزًا لزم أن يكون من الله تعالى لا من إلقاء عدوه، ضرورة عجزه كسائر الجن والإنس عن الإتيان بذلك، وإن لم يكن مما يتعلّق به الإعجاز فهو كلام غير يسير، يتنبه البليغ الحاذق إذا سمعه أثناء كلام فوقه بمراتب، لكونه ليس منه، فيبعد كل البعد أن يخفى
[ ٤ / ١٣٢٣ ]
قال العلامة الآلوسي
عليه - ﷺ - قصور بلاغته عن بلاغة شيء من آيات القرآن، سواء قلنا بتفاوتها في البلاغة، كما اختاره أبو نصر القشيري وجماعة، أم قلنا بعدم التفاوت كما اختاره القاضي، فيعتقد أنه قرآن حتى ينبهه جبريل ﵇، لا سيّما وقد تكرّرت على سمعه الشريف حلاوة الآيات، ومازجت لحمه ودمه، والواحد منّا وإن لم يكن من البلاغة بمكان إذا سمع شعر شاعر وتكرّر على سمعه يعلم إذا دُسّ بيت أو شطر في قصيدة له أن ذلك ليس له، وقد يطالب بالدليل فلا يزيد على قوله: لأن النَّفَس مختلف!
قال العلاّمة الآلوسي: وهذا البعد متحقّق عندي على تقدير كون الملقى ما في الرواية الشائعة: وهو (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى)، أيضًا لا سيّما على قول جماعة: إن الإعجاز يتعلّق بقليل القرآن وكثيره من الجمل المفيدة، لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ (الطور)!
والقول بأن النبيّ - ﷺ - خفي عليه ذلك التأديب فيه ما فيه، ولا يبعد استحقاق قائله للتأنيب، بل أبلغ التعزير، إذا لم يكن هذا الذي قاله الكوراني داخلًا في الإطار العام للارتداد عن الدّين!
ونقول إذ فتح العلاّمة الآلوسي (باب الجزاء في هذه القالة الهوجاء): إن القول بأن النبي - ﷺ - خفي عليه ذلك لتأديبه يستحق صاحبه أقصى مراتب التعزير، الذي يصحّ أن يبلغ به ما تبلغ خطورة الجرم وما يترتّب عليها من آثار جسام، ولو انتهى إلى عقوبة بتقدير الشرع!
[ ٤ / ١٣٢٤ ]
وقال الشيخ عرجون
المفسدة الثالثة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي - ﷺ - هو الناطق بما ألقاه الشيطان: اعتقاده - ﷺ - ما ليس بقرآن أنه قرآن، مع كونه بعيد الالتئام متناقضًا، ممتزج المدح بالذّم، وهو خطأ شنيع، لا ينبغي أن يتساهل في نسبته للنبي - ﷺ -! (١)
وقال الشيخ عرجون (٢): وشناعة خطئه تظهر فيما يأتي: أولًا: نسبة النبي - ﷺ - إلى أنه لا يفرق في أسلوب الكلام بين كلام الله المعجز ببراعة أسلوبه وروعة بيانه، وهو - ﷺ - القيّم الأعلى، والعقل الأوّل في معرفة إعجاز القرآن، وذلك الإعجاز الذي عرفه آحاد الأعراب، وأفراد العرب، فسجدوا له عند سماعه، ولم يكونوا قد آمنوا به، فقد روي مشهورًا أن أحد الأعراب سمع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (يوسف: ٨٥)!
فسجد، فقيل له في ذلك، ولم يكن مؤمنًا، فقال: إنما سجدت لروعة بلاغته!
وسبق أن ذكرنا قصة الوليد بن المغيرة، وقد سمع بعض آيات القرآن فقال قولته المشهورة: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما هو بقول بشر)!
وموقف عتبة بن ربيعة، حين سمع في وفادته إلى النبي - ﷺ - ليعرض عليه المال والجاه والملك، ويكفّ عن تبليغ رسالته .. ورجع إلى قومه بوجه غير وجهه الذي فارقهم عليه، لما لحقه من الأخذة والدهش، لسماعه ما لم يسبق له
_________________
(١) روح المعاني: ٩: ١٦٩.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١١٦ وما بعدها.
[ ٤ / ١٣٢٥ ]
أن سمع مثله روعةً وبلاغةً وحقائق كونيّةً، وأمثالها من الأحداث المشهورة المعروفة في تاريخ مطلع الرسالة، وأيّام كفاحها الأولى في نضالها المرير!
هؤلاء الأجلاف أهل الجهالة الجاهلة، والوثنيّة الضالّة، يدركون إعجاز القرآن، ويفرقون بينه وبين سائر الكلام، ومحمد - ﷺ - سيّد البشر لقانة وعقلًا، وأفضلهم فضلًا، وأنبلهم نفسًا، وأصفاهم طبيعة، يُدخل عليه الشيطان أقبح الكلام عقيدة، وأسقطه أسلوبًا، وأحطّه معاني، فيتقبّله -في زعم الغرنوقيّين- وما فيه من التناقض، وامتزاج المدح بالذم، والكفر بالإيمان، والتوحيد بالشرك، هذا الذي لم يكن ولا يكون، وهو المستحيل عقلًا ونقلًا، ولا يعتقده مؤمن، ولا يقبله إلا عقل ممرور!
أمّا من جهة العقل فلما يلزمه لزومًا بيّنًا من نسبة الجهل بإعجاز القرآن إلى النبيّ - ﷺ -، ولما يلزمه لزومًا بيّنًا من الافتراء على الله وتقويله ما لم يقل، وما ينزله في وحيه .. ولما يلزمه لزومًا بيّنًا من سلب العصمة عن النبي - ﷺ - فيما يبلّغه عن الله تعالى، والعصمة في هذا مما أجمع عليه الناس سوى (الغرنوقية) .. ولما يلزمه لزومًا بيّنًا تبليغ الكفر في مدح الأوثان إلى الأمّة، والأمة مأمورة بالتأسّي بالنبيّ - ﷺ - ومتابعته فيما يبلّغه إليها .. وهذا يتضمّن هدم الرسالة التوحيديّة، ويرفع أعلام الشرك .. ولما يلزمه لزومًا بيّنًا من رفع الثقة بالنبيّ - ﷺ - والوحي كله فيما يستقبل من الزمان!
وأمّا من جهة النقل، فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (الإسراء: ٦٥)! ولما يلزمه من تصديقه للكافرين في قولهم عن القرآن: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ (الأنبياء: ٥)! وفي قولهم: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (الشورى: ٢٤)! ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ
[ ٤ / ١٣٢٦ ]
ويرد الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثالث من وجوه المفاسد الغرنوقية، فيقول الآلوسي
لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ (الحاقة)! ولقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ (الأحقاف)! وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
إلى غير ذلك من النصوص القرآنيّة، والآيات التي تتحدّث عن تبليغ رسالة الله تعالى إلى الخلق صدقًا وعدلًا!
لكن الشيخ إبراهيم الكوراني (وأئمته الغرنوقيين) لا يقتنعون بهذا كله، ويضربون به لفح الأعاصير في سبيل تصحيحهم (أكذوبة الغرانيق)، ولا نقتحم الغيب فنتظنَّن لالتفات النيّات والمقاصد، وإلي الله الملتقى وهو عليم بذات الصدور!
ويردّ الشيخ إبراهيم الكوراني على الوجه الثالث من وجوه المفاسد الغرنوقيّة، فيقول الآلوسي (١): وما ذكره في الجواب من أنه لابدّ من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول، وهو دون الأوّل -إذا صحّ الخبر- لكن إثبات صحّة الخبر أشدّ من خرط القتاد، فإن الطاعنين فيه من حيث النقل -كما عرفنا- علماء أجلاّء، عارفون بالغثّ والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحقّ فيه، فلم يرووه إلا مردودًا، أو ممّا ألقى الشيطان إلى أوليائه معدودًا، وهم أكثر ممن قال بقبوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في الطرق فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري إن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة -أي المغفّلين- ثم وفّق الله تعالى جمعًا من خاصّته لإبطاله لأهون من
_________________
(١) انظر: روح المعاني: ٩: ١٧٠.
[ ٤ / ١٣٢٧ ]
قال الشيخ عرجون
القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على رسول الله - ﷺ -، ثم نسخه ﷾ كما يقول الغرنوقيّون، ولا سيّما وهو ممّا لا يتوقّف على صحته أمر دينيّ، ولا معنى آية، ولا، ولا، سوى أنها حصول شُبَه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين، لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد!
قلنا: وسوى أنها تفتح لأعداء الإِسلام المتربّصين به من الملاحدة، وشراذم المستشرقين، ولمائم المبشّرين المتعصّبين، وهم أكثر الناس عددًا وأقواهم عدّة، وأقدرهم على ترويج الباطل بما يملكون من وسائل الترويج -كما أسلفنا- ولو لم يكن من فوائد القضاء عليها ودفنها في أحشاء مختلقيها سوى سدّ هذا الباب الشرير المفسد لكفى، فضلًا للأقلام التي تشرع أسنّتها، لهدم باطلها، وتبيين خبثها!
قال الشيخ عرجون: ونضيف إلى نقض العلاّمة الآلوسي لردّ الشيخ إبراهيم الكوراني دقيقةً تهدم بنيان (الغرنقة) في كلام الشيخ الكوراني: ذلك أنه يقول: لابدّ من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول -أي في رواية القصّة الغرنوقية -ومعنى ذلك أن النبي - ﷺ - لم يلبّسْ عليه- ولم يُلْق الشيطان على لسانه شيئًا، ولم يُسلب العصمة، ولكنّه - ﷺ - فيما يتصوّر الغرانقة حين يتأوّلون في روايات القصّة - حين تلا - ﷺ - آيات ذمّ الأوثان وعابديها من المشركين الوثنيّن بأسلوب الإنكار والتوبيخ في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ (النجم)! عجيب من شناعة أمرهم، وقبح اعتقادهم، وسوء قالتهم، فبيّن عن إنكاره وتعجّبه بحكاية ما يصفون به أوثانهم بجملة استفهاميّة إنكاريّة مقرعة، محذوفة أداء الاستفهام، أو بجملة إخبار تحكي قولهم بحذف القول!
[ ٤ / ١٣٢٨ ]
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ الكورانيّ يهدم أصل اختراقه لأقصوصة (التأديب) الذي زعمه حكمة لتلبيس الشيطان في إلقائه كلمات الكفر على لسان النبيّ - ﷺ -، كما هو نصّ مرسل سعيد بن جبير، أصح ما تمسّك به الغرنوقيّون!
وإذا كان ذلك كذلك فلا وجه لطنطنة الشيخ الكورانيّ بأخلوقة (التأديب) الجافية والتصفية والترقية؛ لأن لاحق كلامه هنا يهدم سابقه، وعندئذ يرجع الكلام إلى مجرّد النظر في ثبوت صحة الحديث، وقد أثبتنا ضعفه؛ بل بطلانه، وقال عنه الآلوسي: ودون إثبات صحته خرط القتاد، ويؤيّد عدم ثبوته مخالفته لظواهر الآيات، فقد قال سبحانه في وصف القرآن: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (فصلت)!
والمرابط بالباطل ما كان في نفسه، وذلك الملقى كذلك، وإن سوّغ نطق النبيّ - ﷺ - تأويله بأحد التأويلين، والمراد بـ ﴿لَا يَأْتِيهِ﴾ استمرار النفي، لا نفي الاستمرار، وقال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر)!
فجيء بالجملة الاسميّة مؤكّدة بتأكيدين، ونسب الحفظ المحذوف متعلّقه إفادة للعموم إلى ضمير العظمة، وفي ذلك من الدلالة على الاعتناء بأمر القرآن ما فيه، وقد استدلّ بالآية من استدلّ على حفظ القرآن من الزيادة والنقص!
وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ، ولم يبق إلا زمانًا يسيرًا لا يخلو من نظر، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في الجملة، لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية، على ما يقتضيه ذلك الاعتناء، تم إن قُبِل بما روي عن
[ ٤ / ١٣٢٩ ]
قال العلامة الآلوسي
الضحاك من أن سورة (الحج) مدنيّة لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآنًا في اعتقاد النبي - ﷺ - زمانًا طويلًا والمؤمنين زمانًا طويلًا، والقول بذلك من الشناعة بمكان، بل هو أكبر من الشناعة، وأقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان!
وقال جل وعلا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
والظاهر أن الضمير لما ينطق به النبي - ﷺ -، فقد أخرج الدارمي وغيره عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن حسان قال: كان جبريل ينزل على النبي - ﷺ - بالسنّة، كما ينزل بالقرآن. (١)
والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به - ﷺ - من ذلك ليس عند إلقاء الشيطان، كما أنه ليس عن هوى!
قال العلاّمة الآلوسي: وبقيت آيات كثيرة أخرى في هذا الباب، ظواهرها تدلّ على المدّعي أيضًا، وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول شرذمة قليلة بصحّة الخبر المنافي لها، مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته، مما لا يميل إليه القلب السليم، ولا يرتضيه الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضًا عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار، له في شيء من الكتب الستة، مع أنه مشتمل على قصّة غريبة، وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته!
المفسدة الرابعة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي - ﷺ - هو الناطق بما ألقى الشيطان من كلمات الكفر والشرك، أن يكون النبي - ﷺ - قد اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما
_________________
(١) الدارمي: فتح المنان (٦١٧)، وانظر: ابن عبد البر: الجامع: ٢: ٢٣٤، والمروزي: السنة: ٣٢ - ٣٣ (١٠٣) وصححه الحافظ في الفتح.
[ ٤ / ١٣٣٠ ]
يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه - ﷺ - على غير بصيرة فيما يوحى إليه، وفيما يبلّغه عن الله تعالى، ويقتضي أيضًا جواز تصوّر الشيطان بصورة الملك، ملبّسًا على النبي - ﷺ - ولا يصح ذلك -كما قال في الشفاء- لا في أوّل الرسالة ولا بعدها، والاعتماد في ذلك على دليل المعجزة!
وقال ابن العربي: تصوّر الشيطان في صورة الملك ملبّسًا على النبي - ﷺ - كتصوّره في صورة النبي - ﷺ - ملبّسًا على الخلق، وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا، فكيف يسوغ في لبّ سليم استجازة ذلك؟ ولكن الغرنوقيّين استجازوه وقالوا بوقوعه لسيّد الخلق خاتم النبيين - ﷺ -؛ لأنه لا ألباب لهم!
وأجاب الشيخ الكوراني على هذه المفسدة، فقال: إن هذا الاشتباه في حالة خاصّة للتأديب لا يقتضي أن يكون النبي - ﷺ - على غير بصيرة، فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة!
قلنا: أيّ (تأديب) هذا الذي يردّده الكوراني، وقد أبطل وجوده بوجود أساسه في زعمه، وكان أساسه التمسّك بنصّ مرسل سعيد بن جبير وأمثاله من المراسيل الواهية الواهنة التي زعمت أن الشيطان ألقى على لسان النبي - ﷺ - كلمات الكفر الخبيث بمدح الأوثان، وأن النبيّ - ﷺ - نطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، ملبّسًا عليه بأنه ملك الوحي، وملبّسًا عليه أن ما ألقاه على لسانه قرآن أوحي إليه به في البين من آيات سورة (النجم)، وكان هذا التلبيس (تأديبًا) للنبي - ﷺ - وتصفية له، وترقيةً إلى الأكمل؛ لأنه - ﷺ - أراد إيمان الجميع، وهذا على خلاف إرادة الله وتقديره!
ثم ذهب الشيخ الكوراني في ردّه على الوجه الثالث من وجوه المفاسد في
[ ٤ / ١٣٣١ ]
قصّة الغرانيق إلى التنصّل من نصّ رواية المراسيل، وقال: إنه لابدّ من حمل الكلام الشيطاني على الاستفهام وحذف أداته، أو على إضمار القول من المشركين، وهذا بلا شكّ تطويح بمصدر (التأديب) إلى هاوية البطلان؛ لأنه حينئذ لا تلبيس على النبي - ﷺ -، فيكون المقام مقام (تأديب)، كما زعم من لم يرجُ لله وقارًا في عصمة الأنبياء!
على أن ردّ الشيخ الكورانيّ يحمل دلائل الإمعان والاستمساك بأن النبي - ﷺ - ليس معصومًا من تلبيس الشيطان، ولا من اشتباه ما يلقيه من خبيث الكلمات، وفجور الكفر بآيات القرآن، ويكون - ﷺ - مسلوب البصيرة في معرفة ما يوحى إليه من آيات الله وشرائعه، وليحكم على هذا أهل العقول من سائر الفرق والطوائف والنحل: لأنه أمر فوق إدراك العقول!
ولا وزن لتخصيصهم -الغرنوقيّين- هذا السلب ببعض الأحوال، وهي كما يزعمون الحالة الموجبة لـ (التأديب)؛ لأن ما جاز في بعض الأحوال، لا دعاء سبب باطل له يجوز أن يكون في غيرها الادعاء سبب له؛ لأن سبب (التأديب مختلق باطل)؛ لأنه مبنيّ على باطل، وهو ادّعاء أن النبي - ﷺ - أراد هدي الكلّ، وهذه الإرادة منافية لإرادة الله عدم هداية الكلّ، فاستحق النبي - ﷺ - في زعم الكوراني- التأديب من أجل إرادته هدي الكلّ، والغرنوقيون يتحكّمون في حياة النبي - ﷺ -، وفي إرادته، وفي تبليغ رسالته إلى الخلق، ليفرضوا كما فرض الخوارج المارقون من الدّين نقائص توجب -في زعمهم- التأديب، ولا شكّ أن هذا منزع جاف منكر خبيث، هو منزع الخوارج!
ثم قال الشيخ الكوراني: وأما قول عياض: لا يصحّ أن يتصوّر الشيطان بصورة الملك، ويلبّس عليه - ﷺ -، فإن أراد به أنه لا يصحّ أن يلبّس تلبيسًا قادحًا
[ ٤ / ١٣٣٢ ]
فهو مسلّم، لكنه لم يقنع، دن أراد مطلقًا ولو كان غير مخلّ فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخلّ بأمر النبوّة المنافي للتوحيد، القادح في العصمة، وما ذكره غير مخل، بل فيه تأديب!
وافتراءات أن في تلبيس الشيطان تلبيسًا قادحًا مخلًاّ بالنبوّة والعصمة، وتلبيسًا غير قادح ولا مخلّ بالنبوّة والعصمة، قد بيّنا أنها فرىً كاذبةً مختلقةً، ويستحيل أن يلبّس الشيطان على النبي - ﷺ -، ويريه أنه ملكَ الوحي، ويعتقد ذلك النبي - ﷺ -، وأن يلبّس عليه -فيلقي على لسانه كلمات الكفر والشرك، ويعتقدها النبي - ﷺ - حتى ينبه على افترائها!
وقد عرضنا فيما سبق لـ (أخلوقة التأديب) التي اخترقها الشيخ الكوراني عند تملّصه من رأيه في (أكذوبة الغرانيق)، إذ هبّ عندما سدّت عليه المسالك إلى القول بأنه لابدّ من حمل الكلام الشيطانيّ على الاستفهام أو إضمار القول، وحينئذ فلا إلقاء من الشيطان على لسان النبي - ﷺ - ولا تأديب لسيّد الكاملين!
ثم قال الشيخ إبراهيم الكوراني: وأمّا ما ذكره ابن العربي فقياس مع الفارق؛ لأن تصوّر الشيطان في صورة النبي - ﷺ - مطلقمًا منفيّ بالنصّ الصحيح، وتصوّره في صورة النبي ملبّسًا على الخلق إغواء يعمّ، وهو سلطان منفيّ بالنصّ عن المخلصين، وأمّا تصوّره في صورة الملك في حالة خاصّة ملبّسًا على النبي - ﷺ - فليس من السلطان المنفيّ ولا بالتصوّر الممنوع، نعوذ بالله من الحور بعد الكور!
سبحان الله .. تلبيس يغوي النبي - ﷺ - ويشبِّه عليه أخبث الكفر فيما ألقاه الشيطان -بزعم الغرنوقيّين- بآيات الله من القرآن المجيد جائز عند الشيخ
[ ٤ / ١٣٣٣ ]
الكوراني لـ (التأديب)، وتلبيس يغوي العامة ممنوع منفيّ بالنصّ عن المخلَصين؟ فهل في دنيا العقل السليم أبشع من هذا أو أقبح اعتقادًا منه؟ ولكن التعصّب لا يبالي بصاحبه أن يخرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق!
المفسدة الخامسة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبيّ - ﷺ - هو الناطق بما ألقاه الشيطان على لسانه من كلمات الكفر ومدح الأوثان، التقوّل على الله إمّا محمدًا، وإما خطأ، أو سهوًا، وكل ذلك محال في حقّه - ﷺ -، وقد أجمعت الأمّة -على ما قال القاضي عياض- على عصمته - ﷺ - فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الأخبار، بخلاف الواقع، لا قصدًا ولا سهوًا!
قال الشيخ الكوراني (١): التقوّل تكلّف القول، ومن لا يتبع إلا ما ألقي إليه من الله تعالى حقيقة، أو اعتقادًا -فاسدًا- ناشئًا عن تلبيس غير مخلِّ، لا تكلّف للقول عنده، فلا تقوّل على الله تعالى أصلًا!
هذا منطق (٢) الغرنوقيّين، فهم يرون أن قولًا لبّس به الشيطان على النبي - ﷺ -، وأدخله عليه على أنه من القرآن، وبلّغه النبي - ﷺ - للأمة كذلك بعد أن قبله واعتقده، وهو أخبث القول وأشدّه مناقضة لعقيدة التوحيد، وأسرعه هدمًا ونقضًا لأصول الرسالة لا يعدّ (في نظر الغرنوقيّين) تقوّلًا على الله تعالى؛ لأن التقوّل تكلّف القول وهذا لا تكلّف فيه، وإنما ألقي إليه إلقاء أشبه بالزحلقة، فلم يميز بينه وبين كلام الله المنزل بالوحي الصادق في إعجازه الأسلوبيّ والمعنويّ،
_________________
(١) انظر: روح المعاني: ٩: ١٧١.
(٢) السابق: ١٢٤ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٣٤ ]
رغم ما في القول المزحلق من الشيطان على لسان النبيّ - ﷺ - من مراغمة ومناقضة لحقائق القرآن وهدايته!
لكن المفسّرين والثقاة من أئمة اللغة يأبون تخريج الغرنوقيّين للفظ التقوّل في القرآن ويقولون: التقوّل هو الافتراء على الله، وتقويله ما لم يقل، قال أبو حيان في (البحر) -وهو من أساطين العربيّة وأئمّة اللغة- والتقوّل: أن يقول الإنسان عن آخر إنه قال شيئًا لم يقله، فمن اتّبع ما ألقى إليه ملبّسًا عليه على أنه من عند الله، وليس هو من الله، مفتر على الله، متقوّل عليه؛ لأنه قوّله ما لم يقل!
وقال ابن منظور في (لسان العرب): وأقوله ما لم يقل، وقوّله ما لم يقل كلاهما ادّعى عليه .. وتقوّل فلان عليّ باطلًا: أي قال عليّ ما لم أكن قلت، وكذبَ عليّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ (الحاقة)!
فزعم الشيخ الكوراني أنه لا تقوّل أصلًا فيما ألقاه الشيطان من خبيث الكلم، وقبله النبي - ﷺ - في زعمه- وبلّغه إلى الأمّة على أنه موحى إليه مراغمة لأهل اللغة، ومجازفة في قضايا العلم، بل هو تقوّل مفضيّ قطعًا وقوعه من رسول الله - ﷺ - بنص الآية!
ومما يضحك الثكالى قياس الشيخ إبراهيم الكوراني قصّة الغرانيق، وما وقع فيها من أكاذيب ومفاسد خطيرة على قصّة السهو في الصلاة، ثم ختم هذه الأضحوكة فقال: فكما أن السهو للتشريع غير قادح في منصب النبوّة كذلك الاشتباه في الإلقاء لـ (التأديب) غير قادح! (١)
أليس كذلك يقول (أرسطو شيخ الفلسفة الكورانيّة والمنطق الهلاهيلي)،
_________________
(١) انظر: السابق: ١٢٥.
[ ٤ / ١٣٣٥ ]
وما بعد منطق أرسطو حجّة لقائل، وقد نسي الشيخ الكورانيّ أن أرسطو وتلاميذه عجمًا وعربًا يشترطون لصحة نتيجة القياس الأرسطي صحة قضاياه وصدقها، وقياس الشيخ الكوراني باطل، فالصغرى فيه كاذبة؛ لأن كون ما يلقي الشيطان من الكفر والشرك صدقًا، بناء على اعتقاد أن المُلْقي ملك باطل؛ لأن الملْقي شيطان وليس ملكًا، والاعتقاد الفاسد لا يجعل الكذب والباطل صدقًا وحقًّا، وإذا أبطلت صغرى قياس الشيخ الكوراني فقد انهدم بنيان قياسه كله، وتبرأ منه أرسطو وإخوانه من المتفلسفة العقلانيّين!
المفسدة السادسة:
ومن المفاسد اللازمة على كون النبي - ﷺ - هو الناطق بما ألقاه الشيطان على لسانه، الإخلال بالوثوق بالقرآن، فلا يؤمن فيه التبديل والتغيير، ولا يندفع هذا الإخلال بالوثوق بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (الحج: ٥٢)! لأن هذا القول ينسخ ما يلقي الشيطان، يحتمل أنه -أي الناسخ- مما ألقاه الشيطان؛ إذ لا فرق -كما قال العلاّمة البيضاوي- قال الكورانيّ: يرد على ذلك لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا؛ لأن وثوق كل منهم تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين، فإذا جزم بأمر أنه كذا جزموا به، وإذا رجع عن شيء بعد الجزم رجعوا عنه، كما هو شأنهم في نسخ غير هذا من الآيات التي هي كلام الله تعالى لفظًا ومعنى، إذ قبل نسخ ما نسخ لفظه كانوا جازمين بأنهم متعبّدون بتلاوته، وبعد النسخ جزموا بأنهم متعبّدون بتلاوته، وما نسخ حكمه كانوا جازمين بأنهم مكلّفون بحكمه، وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم مكلّفين به، فقول البيضاوي: إن ذلك لا يندفع بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ إلخ؛ لأنه أيضًا يحتمله ليس بشيء؛ لأنه إن أراد أنه
[ ٤ / ١٣٣٦ ]
قال العلامة الآلوسي
يحتمله عند الفرق الأربع المذكورة في الآيات، وهم الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، والذين أوتو العلم، والذين آمنوا، فهذا ممنوع لدلالة قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (الحج: ٥٤)! على انتفاء الاحتمالين عند فريقين من الفرق الأربع بعد النسخ والإحكام!
وإن أراد البيضاوي أنه يحتمله في الجملة، أي عند بعض دون بعض، فهو مسلّم، وغير مضرّ، لعدم إخلاله بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم، والذين آمنوا، وأمّا إخلاله بالنسبة إلى الفريقين الآخرين فهو مراد الله ﷿!
قلنا: هذا الترديد فاسد؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلخ محتمل أن يكون من إلقاء الشيطان؛ لأن جواز التلبيس والاشتباه رفع الثقة إطلاقًا، وليس لنصّ دون نصّ، فكل ما يدّعى قرآنيّته فالاحتمال قائم فيه، فلا ثقة عند أيّة فرقة من الفرق المذكورة في الآية؛ لأن ثقة الذين أوتوا العلم، والذين آمنوا، متابعة لوثوق متبوعهم، وهو في -زعم الغرنوقيّين- ملبّس عليه في الْمُلْقِي والْمُلْقَى، فهو لا جزم عنده إلى أن يبين له بوحي جديد، وهو أيضًا موضع احتمال، وهكذا تصبح -الرسالة والوحي والنبيّ والقرآن- في زعم الغرنوقيّين- معبثة وشكوكًا!
قال العلاّمة الآلوسي: إنه إذا فتح باب التلبيس لا يوثق بالوثوق في شيء أصلًا، لجواز أن يكون كل وثوق ناشئًا عن تلبيس، كالوثوق بأن (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى)، قرآن، فلما تطرّق الاحتمال إلى الوثوق جاز أن يتطرّق إلى الرجوع عنه، ولا يظهر فرق بينهما، فلا يعوّل حينئذ على جزم، ولا على رجوع!
[ ٤ / ١٣٣٧ ]
ثم قال العلامة المفسر شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، معقبا على ما ساقه من (أخبار هذه الأقصوصة الغرنوقية)
وقول الكوراني فيما ذكره البيضاوي عليه الرحمة: ليس بشيء، هو ليس بشيء؛ لأن منع الاحتمال عند الفرق الأربع بعد القول بجواز التلبيس مكابرة، والآية التي ادّعى دلالتها على انتفاء الاحتمالين عند الفريقين بعد النسخ والإحكام فيها ذلك الاحتمال، والحقّ أنه لا يكاد يفتح باب قبول الشرائع ما لم يسدّ هذا الباب، ولا يجدي نفعًا كون الحكمة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (الحج)! آبية عن بقاء التلبيس، فلا أقلّ من أن يتوقّف قبول معظم ما يجيء به النبي - ﷺ - إلى أن يتبيّن كونه ليس داخلًا في باب التلبيس، مع أنا نرى الصحابة ﵃ يسارعون إلى امتثال الأوامر عند إخباره - ﷺ - إيّاهم بوحي الله تعالى إليه بها من غير انتظار ما يجيء بعد ذلك فيها، مما يحقّق أنها ليست عن تلبيس!
ثم قال العلاّمة المفسّر شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، معقّبًا على ما ساقه من (أخبار هذه الأقصوصة الغرنوقيّة): وتوسّط جمع في أمر هذه القصّة، فلم يثبتوها كما أثبتها الكورانيّ كافأة الله بما يستحق من أنه - ﷺ - نطق بما نطق محمدًا للتلبيس أنه وحي، حاملًا له على خلاف ظاهره- مختلقًا ما يجافي الأدب مع رسول الله - ﷺ - في ادّعائه أن هذا التلبيس كان لـ (تأديب) رسول الله - ﷺ - وهو سيّد الكَمَلة من الأنبياء والمرسلين الذي خصّه ربّه بأعظم الثناء، وبارع المدحة، فقال له يخاطبه مواجهةً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (القلم)! ولم ينفوها بالكليّة كما نفاها أجلّة أثبات، قال الآلوسي: وإلى النفي كلية أميل، بل أثبتوها على وجه غير الوجه -الجافي المنتفج- الذي أثبته الكوراني، واختلفوا في إثباتهم للقصّة على الوجه المغاير لإثبات الكوراني، على أوجه من التأويل، وكلها أوجه مما لا ينبغي عندي أن يلتفت إليها!
[ ٤ / ١٣٣٨ ]
ثم قال الآلوسي
قال شيخنا عرجون ﵀
ثم قال الآلوسي: وفي شرح الجوهرة الأوسط، أن حديث الغرانيق ظاهره مخالف للقواطع، قال الآلوسي: وأقبح الأقوال التي رأيناها في هذا الباب، وأظهرها فسادًا أنه - ﷺ - أدخل تلك الكلمة من تلقاء نفسه، حرصًا على إيمان قومه، ثم رجع عنها، ويجب على قائل ذلك التوبة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (الكهف)! وأنت تعلم أن تفسير الآية، أعني قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (الحج: ٥٢) إلخ! لا يتوقف على ثبوت أصل هذه القصة!
قال شيخنا عرجون ﵀: وإنما أطلنا رشاء القول في البحث مع الشيخين الإمامين: ابن تيمية، وابن حجر، لمكانهما من العلم والمعرفة، ولما لهما من التوقير والتقدير بين رعيل الأئمة الأعلام، دفعًا للخشية على قلوب كثير من المؤمنين خاصّةً وعامّةً أن يخونها الاعتقاد في مكانة الشيخين، فتذهب بها إلى هاوية من الحيرة والشكّ فيما تقتضيه هذه الأقصوصة الغرنوقيّة من مخاطر ومخاطر على العقيدة التوحيديّة، وأصول الإيمان، ومعرفة قدر القرآن العظيم، وتقدير النبي - ﷺ - في قداسة نبوّته ورسالته، وفتح باب التقوّل على الله وعلى كتابه ورسوله عند أعداء الإِسلام، ولأن نغلط بعض الرواة أو نزيّف رأي بعض أصحاب الشهرة الداوية التي تحمل فوق هاماتها هالات التقديس الذي لا يقبل النقد والمناقشة عند مقلّديهم -وذلك وفق قواعد التحديث، رواية ودراية ورد الشيهات ودحض المفتريات- خير ألف مرّة من تسليم ما ينسب إليهم في هذه الأقصوصة الخبيثة الباطلة التي تعصف بالإيمان عصفًا يلقيه في مهابّ الشكوك والحيرات!
فكل أحد سوى رسول الله - ﷺ - يجوز في حقه الوهم والخطأ والنسيان، وقد
[ ٤ / ١٣٣٩ ]
وقى الله الأمّة شرّ هذه الأقصوصة المتزندقة فلم تثبت برواية مسندة صحيحة، فلم يتدنّس بروايتها صحابي قط، ولا تابعي من ذوي الثقة الأعلام!
أمّا مصابرتنا للشيخ الكوراني، وبيان زيف كلامه، وخروجه عن جادّة الصواب مع رسول الله - ﷺ -، وتهوّره في حماقة لا يعرفها أهل العلم والإيمان، فخشية أن ينخدع بأباطيله وأكاذيبه من يقرأ كلامه في سياق الآلوسي الذي كبا به جواد الحقّ فغلط، فقال في وصف هذا الكوراني (إنه خاتمة المحقّقين)!
والله تعالى وحده العلم بالنيّات، وهو المجازي بعدله كل عمل اكتسبه عبدٌ من عباده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!
آيات القرآن:
ومعلوم أن الرسل عندما يكلّفون حمل الرسالة إلى الناس (١)، يكون أحبّ شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند الله فيتّبعوه .. ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة .. والرسل بشر محدودو الأجل، وهم يحسّون هذا ويعلمونه، فيتمنَّون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق .. يودون مثلًا لو هادنوا الناس فيما يعزّ على الناس أن يتركوه من عادات وتقاليد وموروثات، فيسكتوا عنها مؤقّتًا، لعلّ الناس أن يفيئوا إلى الهُدى، فإذا دخلوا فيه أمكن صرفهم عن تلك الموروثات العزيزة!
ويودّون مثلًا لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٤٣٣ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٣٤٠ ]
استدراجهم إلى العقيدة، على أمل أن تتمّ فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة!
ويودّون، ويودّون .. من مثل هذه الأماني والرغبات البشريّة المتعلّقة بنشر الدعوة وانتصارها .. ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة، وفق موازينها الدقيقة، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فالكسب الحقيقيّ للدّعوة في التقدير الإلهيّ الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين، ولو خسرت الأشخاص في أوّل الطريق، فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيلة أن تثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف، وتبقى مُثُل الدعوة سليمة لا تخدش، مستقيمة لا عوج فيها ولا انحناء!
ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشريّة، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرّفات أو كلمات فرصة للكيد للدعوة، وتحويلها عن قواعدها، وإلقاء الشبهات حولها في النفوس .. ولكن الله يحول دون كيد الشيطان، ويبيّن الحكم الفاصل فيما وقع من تصرّفات أو كلمات .. ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة، كما حدث في بعض تصرّفات الرسول - ﷺ -، وفي بعض اتجاهاته، مما بين الله فيه بيانًا في القرآن!
بذلك يبطل الله كيد الشيطان، ويحكم الله آياته، فلا تبقى هناك شبهة في الوجه الصواب: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج)!
فأمّا الذين في قلوبهم مرض من نفاق أو انحراف، والقاسية قلوبهم من
[ ٤ / ١٣٤١ ]
الكفّار المعاندين، فيجعلون في مثل هذه الأحوال مادّةً للجدل واللّجاج والشقاق: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ (الحج)!
وأما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان الله وحكمه الفاصل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ (الحج)!
وفي حياة النبي - ﷺ -، وفي تاريخ الدعوة الإِسلامية نجد أمثلة من هذا، تغنينا عن تأويل الكلام، الذي أشار إليه الإِمام ابن جرير ﵀!
وهنا نذكر ما رواه الترمذي وغيره عن عائشة ﵂ قال:
أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ (عبس)! في ابن أمّ مكتوم الأعمى، أتى رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: يا رسول الله! أرشدني، وعند رسول الله - ﷺ - رجلٌ من عظماء المشركين، فجعل رسول الله - ﷺ - يُعرض عنه، ويُقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأسًا" فيقول: لا، ففي هذا أنزل! (١)
وقد أجمع المفسّرون على أن سبب نزول الآية: أن قومًا من أشراف قريش كانوا عند النبي - ﷺ -، وقد طمع في إِسلامهم، فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم، فكره رسول الله - ﷺ - أن يقطع عليه ابن أمّ مكتوم كلامه، فأعرض عنه فنزلت. (٢)
وتطالعنا الآيات: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)
_________________
(١) الترمذي (٣٣٣١)، وعلله الكبير (٦٦٧)، وصحيح الترمذي (٢٦٥١)، وأبو يعلى (٤٨٤٨)، والطبري: التفسير: ٣٠: ٥٠، والحاكم: ٢: ٥١٤، وابن حبان (٥٣٥).
(٢) انظر: الشوكاني: ٥: ٣٧٨.
[ ٤ / ١٣٤٢ ]
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾ (عبس)!
وهذا التوجيه الذي نزل بشأن هذا الحادث هو أمر عظيم جدًا، أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة .. إنه معجزة، هو والحقيقة التي أراد إقرارها في الأرض، والآثار التي ترتّبت على إقرارها بالفعل في حياة البشريّة، ولعلّها هي معجزة الإِسلام الأولى، ومعجزته الكبرى كذلك، ولكن هذا التوجيه يرد هكذا، تعقيبًا على حادث فردي، على طريقة القرآن الإلهيّة في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة فرصةً لتقرير الحقيقة المطلقة، والمنهج المطرد! (١)
وبهذا ردّ الله للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة، وصحّح تصرّف رسول الله - ﷺ - الذي دفعته إليه رغبته في هداية صناديد قريش، طمعًا في إسلام مَن وراءهم وهم كثيرون .. فبيّن الله له أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهمّ من إسلام أولئك الصناديد، وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة، وأحكم الله آياته، واطمأنّت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين!
ويروي مسلم عن سعد -هو ابن أبي وقاص- قال: (٢)
كنّا مع النبيّ - ﷺ - ستّة نفر، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترؤن علينا.
قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجلٌ من هذيل، وبلال، ورجلان لَسْتُ أُسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه،
_________________
(١) انظر: السابق: ٦: ٣٨٢٢ وما بعدها.
(٢) مسلم: ٤٤ فضائل الصحابة (٢٤١٣).
[ ٤ / ١٣٤٣ ]
فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الأنعام: ٥٢)!
وهكذا ردّ الله للدّعوة قيمها المجرّدة، وموازينها الدقيقة، وردّ كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة، ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول الله - ﷺ - .. وقيم الدعوة أهمّ من أولئك الكبراء، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم، وتقوية الدعوة في نشأتها بهم -كما كان يتمنّى رسول الله - ﷺ - والله أعلم بمصدر القوّة الحقيقيّة، الكامنة في الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيًّا ولا عُرفًا جاريًا!
ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمّين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله - ﷺ -، فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁:
أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (الأحزاب: ٣٧)! نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة! (١)
وفي رواية عنه ﵁ قال: (جاء زيد بن حارثة) يشكو، فجعل النبي - ﷺ - يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك".
قال أنس: لو كان رسول الله - ﷺ - كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي - ﷺ - تقول: زوّجكنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات! (٢)
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٧٨٧).
(٢) البخاري: ٩٧ - التوحيد (٧٤٢٠).
[ ٤ / ١٣٤٤ ]
قال ابن حجر (١): أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السّدّي، فساقها سياقًا واضحًا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمّها أميمة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إِنها رضيت بما صنع رسول الله - ﷺ -، فزوّجها إِيّاه، ثم أعلم الله ﷿ نبيّه - ﷺ - بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها. وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيدًا).
ثم قال ابن حجر: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد!
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبيّ - ﷺ - هو إخبار الله إيّاه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوّج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التبنّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوّج امرأة الذي يُدعى ابنًا، قال: ووقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، قال: وإنما وقع الخبط في تأويل متعلّق الخشية، والله أعلم! (٢)
وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها، وكشف ما خالج خاطر رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) انظر: الفتح: ٨: ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٢) وانظر: أحمد: ٦: ٢٤١، ٢٦٦، والطبري: التفسير: ٢٢: ١٣ عن عائشة ﵂.
[ ٤ / ١٣٤٥ ]
من كراهية القوم لزواجه من زينب، ولم يكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة، وترك الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، يتخذون من هذه الحادثة، مادّة للشقاق والجدال .. ما تزال!
درس للدعاة:
ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات -بعد الرسل- (١) والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها .. تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أوّل الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة، يحسبونه هم ليس أصيلًا فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم، كي لا ينفروا من الدّعوة ويخاصموها!
ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا منهج الدعوة المستقيم، وذلك حرصًا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها، واجتهادًا في تحقيق (مصلحة الدعوة)!
و(مصلحة الدعوة الحقيقيّة) في استقامتها على المنهج دون انحراف قليل أو كثير، أمّا النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله، فلا يجوز أن يحسب حملة الدّعوة حساب هذه النتائج؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدّعوة الواضح الصريح الدّقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله، ولن تكون إلا خيرًا في نهاية المطاف!
وها هو ذا القرآن الكريم ينبّههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيّهم تلك، لينفذ منها إلى صميم الدّعوة!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٤٣٥.
[ ٤ / ١٣٤٦ ]
وإذا كان الله ﷿ قد عصم أنبياءه ورسله، فلم يمكن الشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطريّة إلى دعوتهم، فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية، والتّحرّج البالغ، مخافة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرّغبة في نصرة الدعوة، والحرص على ما يسمونه (مصلحة الدعوة)!
إن كلمة (مصلحة الدعوة) يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات؛ لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعزّ عليه أن يأتيهم من ناحية (مصلحة الأشخاص)!
ولقد تتحوّل (مصلحة الدعوة) إلى صنم يتعبّده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل!
إن على أصحاب الدّعوة أن يستقيموا على نهجها، ويتحرّوا هذا النهج، دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحرّي من نتائج، قد يلوح لهم أن فيها خطرًا على الدّعوة وعلى أصحابها!
فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف على النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيرًا أو قليلًا، والله أعلم منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلّفين، إنما هم مكلفون بأمر واحد، ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق!
ويعقب السياق على تلك الآيات، وما فيها من صيانة لدعوة الله من كيد الشيطان بأن الذين يكفرون بها مدحورون، ينتظرهم العذاب المهين: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ (الحج)!
[ ٤ / ١٣٤٧ ]
ذلك شأن الذين كفروا مع القرآن كله، يذكره السياق بعد بيان موقفهم مما يلقي الشيطان في أمنيات الأنبياء والرسل، لما بين الشأنين من تشابه واتصال، فهم لا يزالون في ريبة من القرآن وشك .. منشأ هذه الرّيبة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، فتدرك ما فيه من حقيقة وصدق، ويظل هذا حالهم ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾! بعد قيام الساعة .. ووصف هذا اليوم بالعقيم وصف يلقي ظلًا خاصًا، فهو يوم لا يعقب .. إنه اليوم الأخير!
في هذا اليوم الملك لله وحده، فلا ملك لأحد، حخى الملك الظاهري الذي كان يظنّه الناس في الأرض ملكًا .. والحكم يومئذ لله وحده، وهو يقضي لكل فريق بجزائه المقسوم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾! جزاء الكيد لدين الله، وجزاء التكذيب بآياته البيّنات، وجزاء الاستكبار عن الطاعة لله والتسليم!
اعتباران:
والسجود -كما عرفنا- يرجع إلى اعتبارين: (١)
الاعتبار الأول:
أن الذي كان يقرأ السورة هو محمد - ﷺ - النبيّ، الذي تلقى هذا القرآن مباشرةً من مصدره، وعاشه وعاش به!
وفي سورة (النجم) خاصةً كان يعيش لحظات، عاشها في الملأ الأعلى،
_________________
(١) السابق: ٦: ٣٤٢١ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٤٨ ]
وعاشها مع الروح الأمين .. مكشوفة عنه الحجب (١)، مزاحة عنه الأستار .. يتلقَّى من الملأ الأعلى .. يسمع ويرى .. ويحفظ ما وعى .. وهي لحظات خصّ بها ذلك القلب المصفّى، ولكن الله يمنّ على عباده، فيصف لهم هذه اللحظات وصفًا موحيًا مؤثرًا، ينقل أصداءها وظلالها وإيحاءها إلى قلوبهم .. حتى لكأنهم كانوا شاهديها!
وتطالعنا نفحات مباركات طيبات .. تمسّ القلوب، ويرتجف لها الكيان تحت وقع اللمسات المتتابعة .. والغيب المحجوب لا يراه إلا الله، والعمل المكتوب لا يندّ ولا يغيب عن الحساب والجزاء .. والمنتهى إلى الله في نهاية كل طريق يسلكه العبيد، والحشود الضاحكة، والحشود الباكية .. وحشود الموتى، وحشود الأحياء .. والنطفة تهتدي في الظلمات إلى طريقها، وتخطو خطواتها وتبرز أسرارها فإذا هي ذكر وأنثى .. والنشأة الأخرى ومصارع الغابرين ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾!
﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾!
وتجيء الصيحة الأخيرة التي تهزّ الكيان هزًّا: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾!
وفي هذه الصيحة الأخيرة يهتزّ الكيان كله .. وذلك سرّ من أسرار القرآن الكريم!
_________________
(١) السابق: ٣٤٠٦ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٤٩ ]
والشأن في المؤمن أن يتلقَّى هذا الذكر في وجل وارتعاش، وفي تأثر شديد تقشعرّ منه الجلود، ثم تهدأ النفوس، وتأنس القلوب بهذا الذكر، فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ (الزمر)!
وتلك صورة حيّة حسّاسة ترسمها الكلمات، فتكاد تشخص فيها الحركات!
الاعتبار الثاني:
معلوم أن المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة -كما أسلفنا- وهم يستمعون إلى النبي - ﷺ -، إنما كان العناد المصطنع هو الذي يحول بينهم وبين الإذعان .. ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة (النجم) من محمد - ﷺ - أقرب ما يقبله العقل ويؤيّده النقل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التي لا يملكون أنفسهم إزاءها، وأن يؤخذوا بسلطان القرآن الكريم فيسجدوا مع الساجدين .. بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين!
ومن فضل الله على الدعاة أن القرآن دستورهم .. وأن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلةً ولا تطوّعًا ولا موضع اختيار (١) .. إنما هو الإيمان .. أو فلا إيمان: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (الأحزاب).
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)
_________________
(١) انظر مقدمة في ظلال القرآن.
[ ٤ / ١٣٥٠ ]
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (الجاثية)!
والأمر إذن جد .. إنه أمر العقيدة من أساسها .. ثم هو أمر سعادة هذه البشريّة أو شقائها .. والبشريّة -وهي من صنع الله- لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدّمه هذا القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢﴾ (الإسراء)!، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ (الإسراء)!
هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم، فيشمل الهُدى أقوامًا وأجيالًا بلا حدود من زمان أو مكان، ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل!
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشريّة الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعيّة ونواميس الفطرة البشريّة في تناسق واتّساق!
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلّعة إلى أعلى وهي مستقرّة على الأرض، وإذا العمل عبادة، متى توجّه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعًا واستمتاعًا بالحياة! (١)
_________________
(١) السابق: ٤: ٢٢١٥ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٥١ ]
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشقّ التكاليف على النفس حتى تملّ وتيأس من الوفاء، ولا تسهل وتترخّص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال، وحدود الاحتمال!
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادًا وأزواجًا، وحكومات وشعوبًا، ودولأَ وأجناسًا، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثّر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودّة والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض .. الأسس التي أقامها العلم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل الدّولي اللائق بعالم الإنسان!
ويهدي للتي أقوم في تبنّي الرسالات السماوية جميعها، والربط بينها كلها، وتعظيم مقدّساتها، وصيانة حرماتها، بجميع عقائدها السماويّة في سلام ووئام!
وصيّة أخويّة:
وأوصي الدعاة إلى الله تعالى بأن يحفظوا القرآن في صدورهم ويتفقّهوا في معانيه، وأن يكونوا قرآنًا حيًّا متحرّكًا في حياتهم!
قال الشاعر وليد الأعظمي (١):
_________________
(١) شعراء الدعوة الإسلاميّة في العصر الحديث: ٥: ٧.
[ ٤ / ١٣٥٢ ]
الله غاتُنا وهل من غايةٍ أسمى وأغلى من رضى الرحمنِ
وزعيم دعوتنا الرسول وما لنا غير الرسولِ محمدٍ من ثانِ
دستورنا القرآن وهو منزّل والعدل كل العدل في القرآنِ
وسبيل دعوتنا الجهاد وإِنه إِن ضاع ضاعت حرمة الأوطانِ
والموت أمنية الدعاة فهل ترى ركنًا يعاب بهذه الأركانِ
* * *
رجاء أن نكون مصاحف في هذه الحياة، وتهبّ نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد!
وقال الأخ العلامة الدكتور القرضاوي تحت عنوان: (فتى القرآن):
أنا إِن سألت القوم عنّي من أنا؟ أنا مؤمن سأعيش دوْمًا مؤمنا!
فليعلم الفجّار أني ها هنا لن أنحني لن أنثني لن أركنا!
[ ٤ / ١٣٥٣ ]
* * *
إِنّي رأيت الله في أكوانه وسمعت صوت الحق في قرآنهِ
ولست حكمته وفيض حنانه في سيرة المختار في إِيمانهِ
* * *
أنا مسلم هل تعرفون السلما أنا نور هذا الكون إِن هو أظلما!
أنا في الخليقة ريّ من يشكو الظما وإِذا دعى الداعي أنا حامي الحمى!
* * *
أنا مصحف يمشي وإِسلام يُرى أنا نعمة علويّة فوق الثرى
الكون لي ولخدمتي قد سُخِّرا ولمن أنا؟ أنا للذي خلق الورى
* * *
أنا من جنود الله حزب محمّد وبغير هدي محمَّد لا أهتدي
[ ٤ / ١٣٥٤ ]
حاشاي أن أُصغي لدعوة مُلْحد وأنا فتى القرآن وابن المسجدِ!
أنا كوكب يهدي القوافل في السّرى وأنا الشهاب إِذا رأيت المنكرا
ما لي سوى نفسٍ تعزّ على الشّرَا قد بِعْتُها لله والله اشترى (١)
جمعنا الله في مستقرّ رحمته إخوانًا على سرر متقابلين، آمين آمين آمين!
_________________
(١) نفحات ولفحات: ١١٨.
[ ٤ / ١٣٥٥ ]
محنة الحصار الاقتصادي
المقاطعة الظالمة
[ ٤ / ١٣٥٧ ]
محنة الحصار الاقتصادي
المقاطعة الظالمة
* قوّة عزيمة الرسول - ﷺ -
* التآمر على قتل النبي - ﷺ -
* تدبير أبي طالب لحماية الرسول - ﷺ -
* سبب كتابة الصحيفة
* شدّة حرص أبي طالب وشعره
* آية الله في الصحيفة
* سعي أبي طالب
* كاتب الصحيفة
* شدّة الحصار
* كاتبها ماحيها
* تحرّك العواطف
* لؤم نحيزة أبي جهل
* شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة
* المقاطعة في الصحيح
* دروس للدعاة
* إعداد لتحمل أثقال الدعوة
* مسيرة الدعوة
[ ٤ / ١٣٥٨ ]
محنة الحصار الاقتصادي المقاطعة الظالمة
سبق أن عرفنا قول ورقة للنبي - ﷺ - في حديث بدء الوحي: (هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حَيًّا إِذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: "أومخرجيَّ هُمْ"؟! قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإِن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توُفِّي، وفتر الوحي).
وأبصرنا معالم الابتلاء في:
- الاضطهاد والتعذيب!
- والمساومة والإِغراء!
- والهجرة إِلى الحبشة!
وأبصرنا قوّة الإِيمان في مواجهة هذا الابتلاء الذي يعجز الخيال عن تصوّره .. وأن الحسّ لا يتلقّاه إِلا بهول وروع .. !
وهذا هو الطريق!
قوّة عزيمة الرسول - ﷺ -:
ومع ذلك لم يفتر رسول الله - ﷺ - لحظة واحدة عن القيام بأمر ربّه في تبليغ رسالته، ونشر دعوته (١)، وهو يلقى من عن البلاء وفوادح الإيذاء وسفاهة
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٩٣ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٣٥٩ ]
السفهاء، وإقامة العقبات في سبيل سير الدعوة إلى أهدافها، والوصول بها إلى غايتها، صابرًا محتسبًا، عفوًّا صفوحًا، كريمًا حليمًا؛ مما جعل دعوة الحق والهداية تدخل إلى كل مجتمع ومحفل وناد في مواسم العرب وأسواقهم حتى أصبح لها في كل قبيلة ذكر، وعند كل قوم أثر ومشهد، وتحدّث الناس عن هذه الدعوة بين موافق معجب ومخالف مقلّد!
التآمر على قتل النبي - ﷺ -:
وقد أحفظ ذلك عتاولة الشرك، وغطارفة الوثنيّة، وملأ الكفر من المستكبرين في قريش، فاشرأبّت أعناق الحقد الأسود في قلوبهم، وتعرّجت طرائق المقاومة، وأبلسوا في متائه الحيرة، وعُمِّي عليهم الرأى، وغُمِّيَتْ عليهم دلائل الهداية فلم يعرفوا إلاّ الشرّ وذرائعه، وإلاّ سوء المكر ووسائله، وانتهوا إلى مجثم الشيطان يستنزلون أوامره، وتلقّوها من وحيه سوداء مظلمة، حاقدةً مضطغنةً، وراحوا يمكرون ويدبّرون، لينفذوا أبشع جريمة غادرة، بعد أن أعيتهم مواقف العزيمة الصارمة الماضية، التي لا ينحسر مدّها، ولا يتوقّف توثّبها، في ثبات ورسوخ من اليقين الذي ملأ حياة محمَّد - ﷺ -، وحياة أصحابه ﵃، فاستهانوا بكل بلاء، واحتملوا كل إيذاء وتعذيب، وسخرية واستهزاء، فلم يبق أمام ظلم ذوي القربى إلا قاصمة الظهر، فقد طرقوا كل باب من أبواب الشرّ والفجور، فلم يُجدهم شيئًا، وانتثروا آخر سهامهم، فلم يجدوا فيها إلًا سهمًا واحدًا لم يجرّبوه!
ذلك أن يقتلوا محمدًا - ﷺ - علانيةً، ليجعلوا قومه بني هاشم أمام عاصفة لا قبل لهم بالوقوف أمام زمجرتها وتدميرها!
[ ٤ / ١٣٦٠ ]
فقد أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب فيما رواه عنه موسى بن عقبة صاحب المغازي، وهذا لفظ حديث القطان، قال: (١) ثم إِن المشركين اشتدّوا على المسلمين كأشدّ ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتدّ عليهم البلاء، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله - ﷺ - علانيةً!
تدبير أبي طالب لحماية الرسول - ﷺ -:
فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله - ﷺ - شِعبهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك، مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حميّةً، ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا .. وذلك في المحرّم من السنة السابعة من النبوّة!
ثم أمر رسول الله - ﷺ - من كان بمكّة من المؤمنين أن يخرجوا إلى الحبشة، وهذه هي الهجرة الثانية -كما أسلفنا- ومن قوي على البقاء بمكّة دخل مع النبي - ﷺ - وقومه الحصار بالشّعب!
سبب كتابة الصحيفة:
فلمّا عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله - ﷺ -، واجتمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم إلا أن يسلموا رسول الله - ﷺ - للقتل!
_________________
(١) دلائل النبوة: ٢: ٣١١، وما بعدها بتصرف، وانظر: ابن هشام: ١: ٣٧١، وابن سعد: ١: ١: ١٣٩، والطبري: ٢: ٣٣٥، والبداية: ٣: ٨٤، والنويري: ١٦: ٢٥٨، والحلبية: ١: ٤٤٩، والدرر: ٥٣، وسبل الهدى والرشاد: ٢: ٥٠٢.
[ ٤ / ١٣٦١ ]
وكتبوا بمكرهم صحيفةً وعهودًا ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبدًا صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا محمدًا - ﷺ - للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتدّ عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركون طعامًا يقدم مكّة، ولا بيعًا، إلا بادروهم إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله - ﷺ -!
شدّة حرص أبي طالب وشعره:
وكان من شدّة حرص أبي طالب على رسول الله - ﷺ -، وبالغ حياطته وحفظه أنه كان مدّة زمن الحصار إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله - ﷺ - فاضطجع على فراشه المعدّ لنومه، حتى يرى ذلك من أراد بالنبي - ﷺ - مكرًا لاغتياله، فإذا نوّم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله - ﷺ -، وأمر رسول الله - ﷺ - أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه!
قال ابن إسحاق: (١) فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب:
ألا أبلغا عنّي على ذات بيننا لؤيًّا وخصّا من لؤيّ بني كعب
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمدًا نبيًّا كموسى خُطَّ في أوّل الكتبِ
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٤٣٢ - ٤٣٤، والبداية: ٣: ٨٧، والروض الآنف: ٢: ١٠٢ - ١٠٣.
[ ٤ / ١٣٦٢ ]
وأن عليه في العباد محبّة ولا خير (١) ممن خصه الله بالحبَّ
وأن الذي ألصقتمو من كتابكم لكم كائن نحسًا كراغبة السّقَبِ
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفَر الثّرى ويصبحَ من لم يجن ذنبًا كذي الذّنبِ
ولا تتبعوا أمر الوُشاة وتقطعوا أواصِرنا بعد المودّة والقُربِ
وتستحيلوا حربًا عوانًا وربما أمرَّ على من ذاقَهُ جَلَبُ الحربِ
فلسْنا وربِّ البيت نسلم أحمدًا لعزَّاء من عضّ الزمان ولا كرّبِ
ولمّا تَبِنْ مِنّا ومنكم سوالف وأيْدٍ أثّرت بالقساسيّة الشُّهْبِ
بمعترك ضيّق ترى كسر القنا به والنسورَ الطغم يعكفن كالشّربِ
_________________
(١) قوله (ولا خير) البيت، قال السهيلي: مشكل جدًّا، وقوله (ممن) من متعلّقه، كأنه قال: لا خير أخير ممن خصه الله إلخ: البداية: ٣: ٨٧ هامش، وانظر: الغريب في: ابن هشام: ١: ٤٣٢ - ٤٣٤.
[ ٤ / ١٣٦٣ ]
كأن محِال الخيل في حجراته ومعمعة الأبطال معركة الحبِّ
أليس أبونا هاشمٌ شدَّ أزره وأوصى بنيه بالطّعان وبالضّزبِ
ولسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا ولا نشتكي ما قد ينوء من النّكبِ
ولكننا أهل الحفاظ والنُّهىَ إنا طار أرواحُ الكُماة من الرُّعبِ
نقض ما تعاهدوا عليه:
فلمّا كان رأس ثلاث سنين (١) -أي من ابتداء دخولهم الشِّعب- تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصيّ، ورجال سواهم من قريش، قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر، والبراءة منه!
آية الله في الصحيفة:
وبعث الله ﷿ على صحيفتهم التي كان المكر فيها برسول الله - ﷺ - الأرَضَةَ فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق!
_________________
(١) قيل: كان العقد في هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة، وقيل إلى السنة التاسعة!
[ ٤ / ١٣٦٤ ]
ويقال: كانت معلّقةَ في سقف البيت، ولم تترك اسمًا لله ﷿ فيها إلا لحسته،، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم، أو قطيعة رحم!
وفي رواية لابن سيد الناس عن ابن هشام قال: (١) وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - قال لأبي طالب: "يا عم، إِن ربِّي قد سلّط الأرَضَةَ على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسمًا لله إِلا أثبتته، ونفت منها القطيعة، والظلم، والبهتان".
قال: أربّك أخبرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: فوالله! ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إِلى قريش فقال: يا معشر قريش؛ إِن ابن أخي أخبرني، وساق الخبر. بمعنى ما ذكرناه!
سعي أبي طالب:
قال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطّلب، حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلمَّا رأرهم عامدين إليهم أنكروا ذلك، وظنّوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتَوْهُم ليعطوهم رسول الله - ﷺ -، فتكلّم أبو طالب، فقال: قد حدثت أمور بينكم لم تُذكر لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها، فلعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح -وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة، قبل أن يأتوا بها- فأتوا بالصحيفة معجبين بهلالا يشكون أن رسول الله - ﷺ - مدفوع إِليهم، فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع
_________________
(١) عيون الأثر: ١: ١٢٨، ويلاحظ الاختلاف في بعض الألفاظ، نقلناه بنصه! كما يلاحظ أن النقل هنا قد اكتفينا فيه بالإشارة إلى المصدر ومن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر لمعرفة درجة تلك النصوص والمقارنة بينها.
[ ٤ / ١٣٦٥ ]
قومكم وعشيرتكم، فإِنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرًا لمهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم!
فقال أبو طالب: إِنما أتيتكم لأعطيكم أمرًا لكم فيه نصَف!
إِن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني أن الله ﷿ بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إِيّانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإِن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فوالله! لا نسلمه أبدًا حتى نموت من عند آخرنا، وإِن كان الذي قال باطلًا دفعناه إِليكم فقتلتم أو استحييتم!
قالوا: رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله إِن كان هذا قطّ إلا سحر صاحبكم فارتكسوا، وعادوا بشرّ ما كانوا عليه من كفرهم، والشدّ على رسول الله - ﷺ - وعلى المسلمين!
كاتب الصحيفة:
وهذه الرواية تقول: إن الصحيفة كانت عند هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وقيل: هو كاتبها، والمعروف أن الصحيفة علّقت في جوف الكعبة تأكيدًا للتمسك بما فيها من عهود ومواثيق، وفي كاتبها بعد هذا القول اختلاف، قيل: إنه منصور بن عكرمة، وقيل إنه بغيض بن عامر، وقيل: إنه النضر بن الحارث، وفي هؤلاء الثلاثة قيل: فشلّت يده أو أصابعه!
وذكر أن كاتب الصحيفة (١) منصور بن عكرمة فشلّت يده .. وللنُّساب من
_________________
(١) انظر: الروض الأنف: ١٢٣.
[ ٤ / ١٣٦٦ ]
وفي رواية يونس
قريش في كاتب الصحيفة قولان: أحدهما: أن كاتب الصحيفة هو بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد الدار، والقول الثاني: منصور بن عبد بن شرحبيل بن هاشم من بني عبد الدار، وهو خلاف ابن إسحاق الذي ذهب إلى أن كاتب الصحيفة هو منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي!
شدة الحصار:
وكانت المحنة في هذا الحصار الظلوم شديدة، قاسية، موجعة، مؤلمة، قابلها المؤمنون بالصبر الجميل، والتحمّل الكريم!
قال السهيلي: إنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخَبط وورق الشجر، حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة، وكان فيهم سعد بن أبي وقّاص، روي أنه قال: لقد جعت حتى إنّي وطئت على شيء فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن!
وفي رواية يونس: أن سعدًا قال: خرجت ذات ليلة لأبول، فسمعت قَعْقَعَةً تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ثم رضضتها وسفسفتها بالماء، فقويت بها ثلاثًا!
وكان طغاة المشركين وهم مستغرقون في عتوّهم وفجورهم إذا قدمت العير مكّة، يأتي أحد هؤلاء المحصورين السوق، ليشتري شيئًا من الطعام لعياله، فيقدم المتبوب بلعنة الله أبو لهب عدوّ الله فيقول:
يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمَّد، حتى لا يدركوا معكم شيئًا، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن من أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافًا، حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغَوْن من
[ ٤ / ١٣٦٧ ]
الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيزكّيهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعًا وعريًا!
كاتبها ماحيها:
ومن عجائب حكمة العلم الحكيم عزّ شأنه أن أحسن القوم بلاءً، في كشف هذه الغمّة، ونقض الصحيفة الظالمة الفاجرة هو أشدّهم لها في بدء أمرها حماسة، كاتبها كما قيل، والأمين على حفظها، كما قيل أيضًا: هشام بن عمرو بن لؤيّ. وأبو عمرو أخو نضلة بن هشام لأمّه، الذي بدّل الله شدّته على المؤمنين رأفة ورحمة، وجفاءه عطفًا، وقطيعته وصلًا، فكان من أوصل القوم للمؤمنين ومن معهم، وكان شريفًا في قومه ذا مروءة ونخوة!
كان -كما يقول ابن إسحاق- يأتي بالبعير ليلًا قد أوقره طعامًا، حتى إذا أقبل به فم الشِّعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشِّعب عليهم، ثم يأتي قد أوقره بزًّا، أو برًّا فيفعل به مثل ذلك!
تحرك العواطف:
قال محمَّد بن سعد: كان هشام بن عمرو العامري أوصل قريش لبني هاشم، حين حُوصروا في الشَّعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعامًا، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إِليه حين أصبح فكلّموه في ذلك، فقال: إِني غير عائد لشي خالفكم، فانصرفوا عنه، ثم عاد الثانثة، فأدخل عليهم ليلًا حملًا أو حملين، فغالظته قريش، وهمّت به، فقال أبو سفيان ابن حرب: دعوه رجل وصل أهل رحمه، أما إِني أحلف بالله! لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا!
[ ٤ / ١٣٦٨ ]
وهو أول من نهض في نقض الصحيفة الظالمة، جمع إِليه من صناديد قريش ثلّةً لم يزل يفتل لهم في الذّروة والغارب، حتى استنزلهم إِلى رأيه، فمشى إِلى زهير بن أبي أميّة بن المغيرة، وأمّه عاتكة بنت عبد المطّلب، أخت أبي طالب، وعمّة رسول الله - ﷺ -، وهذه سياسة في الرأي تدلّل على ثقوب فكرة، وذكاء قريحة، وتأتسّيه للأمور من قبلتها ووجهها، فقال له: يا زهير: أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثّياب، وتنكح النساء، وأخوالك قد علمت لا يُباع لهم، ولا يُبتاع منهم، ولا ينكحون ولا يُنكح إِليهم، أما إِنّي أحلف بالله! أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إِلى ما دعاك إِليه منهم ما أجابك إِليه أبدًا!
فانظر إِلى معرفته بدخائل النفوس، وإِثارة حفائظها لتقدم على ما تريد غير مبالية بما يكون من كوائن الأخطار في سبيل الوصول إِلى الهدف!
فقال زهير وقد استهواه منطقه: ويحكم يا هشام!! فماذا أصنع؟ إِنما أنا رجل واحد، والله! لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها!
وقال هشام: قد وجدت رجلًا، قال: فمن هو؟ قال: أنا، قال زهير: ابغنا رجلًا ثالثًا!
فذهب هشام إِلى المطعم بن عدي، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله! لو أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم إِليهم منكم سراعًا، قال مطعم: ويحك فماذا أصنع؟ إِنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيًا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثًا، قال قد فعلت، قال: من هو؟ قال: زهير بن
[ ٤ / ١٣٦٩ ]
أبي أميّة، قال: ابغنا رابعًا، فذهب هشام إِلى أبي الْبَخْتَرِي ابن هشام، فقال له نحوًا ممّا قال لمطعم بن عديّ، فقال أبو الْبَختَرِي: وهل من أحد يُعين على ذلك؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أميّة، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: ابغنا خامسًا، فذهب هشام إِلى زمعة بن الأسود بن عبد المطَّلب بن أسد، فكلّمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال زمعة: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إِليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمَّى له القوم، فاتعدوا خَطْم الْحجُون ليلًا بأعلى مكّة، فاجتمعوا هناك، فأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أوّل من يتكلّم، فلمّا أصبحوا غدوا إِلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أميّة عليه حلّة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكّة، أنأكل الطعام، ونلبس الثّياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم، ولا يُبتاع منهم، والله! لا أقعد حتى تشقّق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!
لؤم نحيزة أبي جهل:
قال أبو جهل -وكان في ناحية المسجد- كذبت، والله! لا تشق! قال زمعة ابن الأسود: أنت والله! أكذب، ما رضينا كتابها، حيث كتبت، قال أبو الْبَخْتَرِي صدق زمعة، لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نقرّ به، قال المطعم ابن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إِلى الله منها، ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك، فقال المخذول الفاجر أبو جهل: هذا أمر قُضي بليل، تُشوور فيه بغير هذا المكان، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إِلى الصحيفة ليشقّها، فوجد الأرَضة قد أكلتها، إِلا (باسمك اللهم)!
[ ٤ / ١٣٧٠ ]
وكانت تلك الوثبة في القيام لنقض الصحيفة الظالمة القاطعة بعد أن أخبر رسول الله - ﷺ - عمّه أبا طالب بما أخبر به بالوحي في شأن الصحيفة، وتحدّث به أبو طالب إِلى ملأ قريش، فوجدوه كما قال الصادق المصدوق، عندما أتوا بالصحيفة ونظروا فيها، فقالوا عنادًا وفجورًا: هذا سحر، وعزموا على المضيّ في عتوّهم وعنادهم، ولكنهم فوجئوا بهشام بن عمرو ومن قام معه من صناديدهم ينكرون ما في هذه الصحيفة القاطعة من الظلم، وغلظ الأكباد، وهمّ المطعم بتشقيق الصحيفة، فلم يجدوا فيها إِلا (باسمك اللهم)!
وباء ملأ قريش بالخزي والخذلان، ونصر الله رسوله - ﷺ -!
وقد استفحل فجور أبي جهل في هذه المحنة، فكان يترصّد كل شيء يدخل إِلى الشِّعب، ليمنع ما عسمى أن يكون فيه بعض الإِسعاف للمحصورين، وهم يقاسون مع نسائهم وأطفالهم مرارة الجوع والعري في محبسهم وعزلتهم!
فقد ذكر سائر الرّواة أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحًا يريد به عمّته خديجة، وهي في الشِّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطعام إِلى بني هاشم، والله! لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة، فجاءه أبو الْبَخْتَري بن هشام، فقال: مالك وله، قال: يحمل الطعام إِلى بني هاشم، قال أبو الْبَخْتَري: طعام كان لعمته عنده، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خَلِّ سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه!
فأخذ له أبو البَخْتري لحى بعير ففربه به فشجّه، ووطئه وطأ شديدًا،
[ ٤ / ١٣٧١ ]
وحمزة ﵁ يرى ذلك، ويكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - وأصحابه فيشمتوا بهم!
ورسول الله - ﷺ - دائب يدعو قومه ليلًا أو نهارًا وسرًا وجهرًا!
شعر أبي طالب بعد تمزيق الصحيفة:
قال ابن إِسحاق: (١) فلمّا مزّقت -أي الصحيفة- وبطل ما فيها قال أبو طالب، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض صحيفتهم يمدحهم:
ألا هل أتى بَحَريَّنا (٢) صنع ربِّنا على نأْيهم والله بالناس أَروَد
فيُخْبِرهم أن الصحيفة مُزِّقَتْ وأن كُلَّ ما لم يرضَه الله مفسد
تراوحَها إِفكٌ وسحرٌ مُجَمَّع ولم يَلْفَ سِحْرًا آخر الدهر يصعدُ
تداعَى لها من ليس بقرقر فطائرها في رأسها يتردّدُ
_________________
(١) البداية والنهاية: ٣: ٩٧ - ٩٨، والروض الأنف: ٢: ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) السابق: قال السهيلي: بحريّنا: يعني الذين بأرض الحبشة، نسبهم إلى البحر لركوبهم إيّاه، وشرح الألفاظ الغريبة لهذه القصيدة، وقد قابلناها على شرح غريب السيرة للخشني.
[ ٤ / ١٣٧٢ ]
وكانت كفاءً وقعة بأثيمة ليُقطع منها ساعدٌ ومقلدُ
ويظعن أهل المكّتين فيهربوا فرائصهم من خشية الشرّ ترعدُ
ويترك حراث يقلّب أمره أيُتَّهَم فيها عند ذاك ويُنْجِدُ
وتصعد بين الأخشبين كتيبة لها حدجٌ سهم وقوس ومرهدُ
فمن ينش من حضار مكة عزّة فعزتنا في بطن مكّة أتلدُ
نشأنا بها والناس فيها قلائل فلم ننفك تزداد خيرًا وتحمدُ
ونُطعم حتى يترك الناس فضلهم إِذا جعلت أيدي المفيضين ترعدُ
جزى الله رهطًا بالحجون تجمّعوا على ملأ يهدي لحزْم ويُرشد
قعودًا للذي خطم الحجون كأنهم مقاولةٌ بل هم أعزّ وأمجدُ
[ ٤ / ١٣٧٣ ]
أعان عليها كل صقر كأنه إِذا مشى في رفرف الدّرع أحردُ
جرئٌ على جلّ الخطوب كأنه شهاب بكفيّ قابس يتوقدُ
من الأكرمين من لؤي بن غالب إِذا سيم خسفًا وجهه يتربدُّ
طويل النّجاد خارجٌ نصف ساقه على وجهه يسقي الغمام ويسعدُ
عظيم الرّماد سيّد وابن سيّدٍ يحضّ على مقري الضيوف ويحشدُ
ويبني لأبناء العشيرة صالحًا إِذا نحن طفنا في البلاد ويمهدُ
ألظَّ بهذا الصلح كل مبرّأ عظيم الواء أمره ثمّ يُحمدُ
قضَوْا ما قَضوْا في ليلهم ثم أصبحوا على مهل وسائر الناس رُقدُ
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيًا وسُرَّ أبو بكر بها ومحمَّدُ
[ ٤ / ١٣٧٤ ]
متى شرك الأقوام في حل أمرنا وكنّا قديمًا قبلها نتودّدُ
وكنا قديمًا لا نقر ظلامة وندرك ما شئنا ولا نتردد
فيا لقصيّ هل لكم من نفوسكم وهل لكم فيما يجيء به غدُ
فإِني وإِيّاكم كما قال قائلٌ لَدَيْكَ البيان لو تكلّمت أسودُ
قال السهيلي (١): أسود اسم جبل قتل به قتيل، ولم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلّمت أسود، أي يا أسود لو تكلمت لأبنت لنا عمن قتله!
المقاطعة في الصحيح:
وإذا كنا قد ذكرنا نصوص المقاطعة، كما وردت، فحسبنا أن هذه المقاطعة قد وردت الإشارة إليها فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - حين أراد قدوم مكّة: "منزلنا غدًا إِن شاء الله، بخَيْفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر".
وفي رواية عنه - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - من الغد يوم النحر -وهو بمنى-
_________________
(١) السابق: النسخة المصرية، والبداية: ٣: ٩٨، وسبل الهدى والرشاد: ٤٢٥.
[ ٤ / ١٣٧٥ ]
"نحن نازلون غدًا بِخيفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر يعني بذلك المحصّب، وذلك أن قريشًا وكنانة تَحالَفَتْ علي بني هاشم وبني عبد المطّلب -أو بني المطّلب- أن لا يناكحوهم ولا يُبايعوهم حتى يسْلمُوا إِليهم النبي - ﷺ -". (١)
إعداد لتحمّل أثقال الدعوة:
قد كان خروج النبي - ﷺ - من محنة الحصار، وتقاسم المشركين على فجور الكفر، هو ومن معه من المؤمنين الذين بقوا في مكّة، ولم يهاجروا مع إخوانهم أصحاب الهجرة الثانية إلى الحبشة -كما أسلفنا- ومن دخل معه من بني هاشم والمطّلب حميّة قوميّة، وهم على دين قومهم من الشرك والوثنيّة في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين!
وقد كان الدخول إلى الشَّعب وبدء الحصار هلال المحرم سنة سبع من النبوّة -كما عرفنا- وكانت مدّة هذا الحصار الظلوم ثلاث سنين في رواية موسى بن عقبة، أو سنتين في رواية محمَّد بن سعد، وقد ذكر ابن إسحاق الروايتين على الشك، فقال: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، وقد كانت هذه المحنة لونًا من ألوان التربية التي تعهّد الله بها نبيّه محمدًا - ﷺ - ليعدّه لتحمّل أثقال
_________________
(١) البخاري: ٢٥ - الحج (١٥٨٩، ١٥٩٠)، وانظر (٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩)، ومسلم (١٣١٤)، وأحمد: ٢: ٢٣٧، ٢٦٣، ٣٢٢، ٣٥٣، ٥٤٠، ٥: ٢٠٢ عن أسامة بن زيد، والبخاري: (٣٠٥٨)، وابن خزيمة (٢٩٨١، ٢٩٨٢، ٢٩٨٤) من طرق، وأبو داود (٢٠١١)، والنسائي: الكبرى (٤٢٠٢)، والبيهقي: ٥: ١٦٠، وابن ماجه (٢٩٤٢) عن أسامة بن زيد. وانظر: القصة في: طبقات ابن سعد: ١: ٢٠٨ - ٢١٠، والطبري: التاريخ: ٢: ٣٣٥ - ٣٣٦، والبيهقي: الدلائل: ٢: ١١ - ٣١٥، وابن كثير: السيرة: ٢: ٤٣ - ٥١.
[ ٤ / ١٣٧٦ ]
الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالاته، بما كان فيها من شدائد ومحن وتمحيص لعزائم أهل الإيمان!
دروس للدعاة:
ونبصر عبر التاريخ أنه لا يخلو زمان ولا مكان من أهل المروءة، وعلى الدعاة أن يسعوا دائمًا إلى الاهتمام بمن يتوسّم فيهم هذه الخصلة للاستفادة منهم في أوقات الشدائد والمحن! (١)
ونبصر أعداء الله في كل زمان ومكان وجيل وقبيل وعصر ومصر يلجؤون إلى استخدام سلاح محاربة الدعاة في أرزاقهم، ليستكينوا ويرجعوا عما يدعون إليه، وهو أسلوب يتّفق عليه المشركون والمنافقون عبر التاريخ .. ولو كان الدعاة إلى الله موظّفين أو عاملين في دولة تخالفهم فيما يدعون إليه، للجأت تلك الدولة إلى فصلهم من أعمالهم، كوسيلة من وسائل الحرب التي تتخذها ضدّهم، ولكن الوسيلة المتاحة في ذلك الوقت في هذا الميدان كانت المقاطعة بتلك الكيفيّة التي وقفنا عليها .. وعلى الدعاة أن يعوا هذه الحقيقة بأبعادها المختلفة!
ونبصر فيما أصاب الرسول - ﷺ - من ابتلاءات، وما أصاب أصحابه ﵃كما أسلفنا -عزاء لكل مؤمن فيما يصيبه في هذه الحياة من بلاء ومصائب!
ونبصر -أيضًا- أنه لا تخلو جاهليّة من الجاهليّات القديمة أو الحديثة من قيم يمكن الاستفادة منها، فقد ضحّى بنو هاشم تضحيات كبيرة في سبيل قيمهم
_________________
(١) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: ٣٢١ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٧٧ ]
الجاهليّة الخاصة بحماية الغريب .. وإذا وُجدت قيم في مجتمعاتنا المعاصرة، مثل قوانين حقوق الإنسان، أو اللجوء السياسي، أو الحريّة الفكريّة، فلا ضير من الاستفادة منها، كما استفاد المسلمون الأوائل من مؤازرة بني هاشم لهم في حصار الشعب!
مسيرة الدعوة:
ولما انتهى أمر هذه الصحيفة (١) الظالمة القاطعة، وأفسدها الله بتدبيره، إذ جعل فسادها على أيدي قوم من صناديدهم وغطاريفهم، وفتَّ ذلك في أعضادهم، وفرّق كلمتهم، وجلّلهم بالعار والشنار، خرج رسول الله - ﷺ - ورهطه، فعاشوا وخالطوا الناس، وعادت دعوة الإِسلام إلى سيرتها الأولى، يحملها رسول الله - ﷺ - إلى مضارب القبائل ومجتمعات الناس في المواسم والأسواق، وكان - ﷺ - يخرج إلى محافل العرب يسأل عن أشراف الناس وساداتهم، ويجلس إليهم يدعوهم إلى إيوائه، حتى يؤدّي رسالة ربّه، حتى قيّض الله له من ادّخرهم في أزل الغيب لنصرة دينه، والتشرّف بإيواء نبيّه - ﷺ - .. أولئك أنصار الله، وأنصار رسوله وكتائب الإسلام!
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٣٠٠ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٧٨ ]
توالي اشتداد المحن
[ ٤ / ١٣٧٩ ]
توالي اشتداد المحن
* خُسران ملأ قريش
* مواقف الجمهور من الدعوة
* منهج الدعوة إلى الله
* رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب
* شعر أبي طالب في مدح الرسول - ﷺ -
* وصيّة أبي طالب لقومه
* وفاة أبي طالب
* رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة ﵂
* حقيقة الرسالة
* تسامي حياة الصديقيّة المؤمنة
* ورقة يؤكّد فراسة خديجة
* دور خديجة ﵂
* موت خديجة ﵂ وتسليم الله عليها وتبشيرها
* الرسول - ﷺ - في الطائف
* قدوم الجنّ وإسلامهم
* توجيه ربّاني
[ ٤ / ١٣٨٠ ]
توالي اشتداد المحن
خُسران ملأ قريش:
وقد حزَّ في أنفس طغاة الشرك أن يبوء بالخُسران المبين تدبيرهم السيّء، ومكرهم الحقود، إذ ردّ الله كيدهم في نحورهم، وحاق بهم سوء مكرهم، فشرقوا بما دبّروا، وازدادوا عتوًّا وفجورًا في عتوّهم فافتنّوا في تعذيب من تمكّنوا من تعذيبه من المؤمنين، ومنعوهم من كل ما يحفظ عليهم دماء الحياة ويسدّ الرمق .. والمؤمنون صابرون محتسبون، لا يزيدهم هذا الطغيان إلا رسوخًا في يقينهم، وإيمانًا برسالة دينهم، واستمساكًا بعقيدتهم .. واستشرى الحقد في صدور أحلاس الوثنيّة فأحرق قلوبهم، وزئر كل قبيل منهم بكل من كان يمتّ إليهم من المؤمنين بصلة قرابة، أو ولاية أو حلف، فلم ينل ذلك من إيمانهم شيئًا، فكان هذا الثبات على الإيمان تحت أسواط التعذيب أغيظ لملأ الكفر من عتاة المشركين، ولاسيّما أن النبي - ﷺ - بعد أن خرج بمن معه من المؤمنين من محنة الحصار مظفَّرًا قويًّا، ماضي العزيمة، لا يصدّه عن المضيّ في نشر دعوته فادح البلاء، ولا يثنيه عن تبليغ رسالته زمجرة الطغيان .. ازداد تحرّكه وازداد اتّصاله بالناس في مجتمعاتهم ومحافلهم وأنديتهم، يدعو إلى الله، ويسمعهم آياته، فلم يكن - ﷺ - يسمع بمنزل شريف من أشراف العرب إلا جاءه ودعاه وقومه إلى الله، فازداد بذلك انتشار الدعوة، وتسامعوا بتفاصيل محنة الحصار، وتقاسم الطغاة البغاة العتاة على الكفر والقطيعة، وعرفوا تأييد الله لنبيّه - ﷺ - في نقض تلك الصحيفة الظالمة التي تعاهد فيها الظالمون، وتقاسموا على القتل والفتك بأبشع صوره .. وذاع في أسواق العرب ومواسمهم ما وقع في الحصار من معجزات باهرات وآيات قاهرات!
[ ٤ / ١٣٨١ ]
مواقف العامة من الدعوة:
ونبصر مواقف العامة من الدعوة، ونحن نذكر مواقف الذين كان منهم من يسمع النبي - ﷺ -، ويؤخذ بما يسمع من هداية فيحسن الرد .. ومنهم من يقف حائرًا لا يخطو إلى ساحة الإيمان ومنهم من كان يسيء الردّ في جفوة جاهلة، وعنجهيّة فاجرة، وبأو مغرور .. مع أدب الدعوة المعروف .. ومنهم من طمع واشرأبّ للدنيا، ورأى في عرض النبي - ﷺ - نفسه عليهم في مضاربهم ومنازلهم يدعوهم إلى أن يؤوه حتى يبلّغ رسالة ربّه -كما أسلفنا- فرصةً سانحةً لتحقيق مآربه من العلوّ في الأرض، فكان النبي - ﷺ - يُفهمهم في هدوء ويقين أن أمره وأمر دعوته ورسالته ليس أمر دنيا تحاز، ولا مطامع فيها تنجز، ولا مآرب من مظاهرها تحقَّق .. وإنما أمره أمر دعوة إلى الله الحق، مالك الدنيا والآخرة، وهو - ﷺ - ليس له من الأمر شيء، والأمر كله بيد الله يضعه حيث يشاء، وهو في أشدّ الحاجة إلى من يحرزه ويأويه ويحفظه مما يُراد به من القتل والفتك .. إنه رسول الله - ﷺ -، ليس عليه إلا بلاغ رسالة الله، وليس أن يعد أحدًا بأن الأمر بعده له؛ لأن الملك لله تعالى يؤتيه من يشاء، وليس وراء ذلك منزلة من منازل الصدق والأمانة والإخلاص!
قال ابن إسحاق (١): حدثني الزهري أنه - ﷺ - أتى بني عامر بن ععصعة، فدعاهم إلي الله ﷿، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم- يقال له: (بَيحرة بن فراس)، قال ابن هشام: فراس بن عبد الله بن سلمة (الخير)
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ٢: ٧٦، صرح ابن إسحاق بالسماع، وسنده مرسل، والطبري: التاريخ: ٢: ٣٥٠ - ٣٥١، وأبو نعيم: "الدلائل": ١٠ وفيه الكلبي، وابن سعد: الطبقات مختصرًا: ١: ٢١٦ من طريق الواقدي.
[ ٤ / ١٣٨٢ ]
ابن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: والله! لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إِن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال - ﷺ -: "الأمر لله يضعه حيث يشاء"!
قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإِذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك، فأَبَوْا عليه!
قال ابن إِسحاق: فلما صدر الناس رجعتْ بنو عامر إِلى شيخ لهم، قد كانت أدركتْه السنّ، حتّى لا يقدر أن يوافي معهم الواسم، فكانوا إِذا رجعوا إِليه حدّثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلمَّا قدموا عليه ذلك العام سألهم عمّا كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتىَ من قريش، ثم أحدُ بني عبد المطَّلب، يزعم أنه نبيّ، يدعونا إِلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إِلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلافٍ؟ هل لذُناباها من مطلب؟ والذي نفسُ فلان بيده! ما تقوّلها إِسماعيلي قطّ، وإِنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم!
قال ابن إِسحاق: فكان رسول - ﷺ - على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالوسم أتاهم يدعو القبائل إِلى الله، وإِلى الإِسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهُدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكّة من الدرب، له اسم وشرف، إِلا تصدَّى له، فدعاه إِلى الله، وعرض عليه ما عنده!
قال ابن إِسحاق: وحدثني عاصم بن عُمر بن قَتادة الأنصاريّ، ثم الظّفَريّ، عن أشياخ من قومه، قالوا:
[ ٤ / ١٣٨٣ ]
قدم سويد بن صامت، أخو بني عمرو بن عوف، مكّة حاجًّا أو معتمرًا، وكان سويد إِنما يسمّيه قومه فيهم: (الكامل)، لجَلده وشعره، ونسبه، وهو الذي يقول:
ألا ربَّ مَنْ تدعو صديقًا ولو ترى مقالتَه بالغيب ساءك ما يفري (١)
مقالته كالشهد ما كان شاهدًا وبالغيب مأثور (٢) على ثُغْرة النحر (٣)
يسرُّك باديه وتحت أديمه نميمةُ غِشٍّ تَبْتَرِي (٤) عَقب (٥) الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتِمٌ من الغِلِّ والبغضاء بالنّظر الشّزر (٦)
فرِشْني (٧) نجير طالما قد بَرَيْتَنِي (٨) فخير الموالي من يريش ولا يَبْرِي
_________________
(١) أي ما يقطع في عرضك.
(٢) المأثور: السيف الموشّى.
(٣) الثغرة: الحفرة: التي في الصدر.
(٤) أي تقطع.
(٥) العقب: عصب الظهر.
(٦) النظر الشزر: نظر العدو.
(٧) أي قوِّني.
(٨) أي أضعفتني.
[ ٤ / ١٣٨٤ ]
وهو الذي يقول: ونافرَ (١) رجلًا من بني سُلَيْم، ثم أحد بني زِعب بن مالك مائة ناقة، إِلى كاهنة من كهّان العرب، فقضت له، فانصرف عنها هو والسُّلميّ، ليس معهما غيرها، فلمَّا فرقت بينهما الطريق، قال: ما لي يا أخا بني سُلِيم، قال: أبعث إِليك به، قال: فمن لي بذلك إِذا فتَّني به؟ قال: أنا، قال: كلاّ، والذي نفس سويد بيده، لا تفارقني حتى أوتَى بمالي، فاتخذا، فضرب به الأرض، ثم أوثقه رباطًا ثم انطلق به إِلى دار بني عمرو بن عوف، فلم يزل عنده، حتى بعثت إِليه سُليم بالذي قال، فقال له في ذلك:
لا تحسبَنِّي يا بن زعب بن مالك كمن كنت تِرْدى بالغُيوبِ وتَخْتِل (٢)
تحوَّلتَ قِرْنًا إِذ صُرِعتَ بِعزَّةٍ كذلك إِن الحازم المتحوِّل
ضربْتُ به إِبطَ الشمال فلم يزل على كل حَالٍ خدُّه هو أسفل
في أشعار كثيرة كان يقولها: فتصدّى له رسول الله - ﷺ - حين سمع به، فدعاه إِلى الله وإِلى الإِسلام.
فقال: له سويد: (فلعلَّ الذي معك مثل الذي معي) فقال له رسول الله - ﷺ -: "وما الذي معك؟ " قال: مجلة لقمان -يعني حكمة لقمان- فقال له رسول الله - ﷺ -: "اعْرِضْها عليّ" فَعرَضَها عليه، فقال له: "إِن هذا الكلام
_________________
(١) أي حاكم.
(٢) أي تخدع.
[ ٤ / ١٣٨٥ ]
حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هُدى ونورٌ. فتلا عليه رسول الله - ﷺ -، ودعاه إلى الإِسلام، فلم يَبعُد منه، وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزْرج، فإِن كان رجال من قومه ليقولون: إِنا لنراه قد قُتل وهو مسلم، وكان قتله يوم بعاث! (١)
منهج الدعوة إلى الله:
تلك المحن القاسية كانت صيقَلًا لعزائم المؤمنين (٢)، ومددًا لرسول - ﷺ -، ودروسًا للتربية، في مستقبل الدعوة القريب والبعيد، وتأسيسًا لمنهج الوراثة في الدعوة إلى الله!
ومن ثم لم تكن تلك المحن سوانح تمرّ، ولكنها كانت ثوابت تتوالى صورها وتتابع ألوانها، فلم تكن تمضي محنة حتى تتبعها شدّة، ولم تكد تذهب شدّة حتى تليها محنة، وكان الاعتصام بالصبر الصبور هو الدّرع الحصينة التي يلجأ إليها رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ولم يعرف أن موقفًا من هذه المواقف استفزَّه - ﷺ -، فغيّر من هدوئه ووداعته، ولم يعرف أن أحدًا من أصحابه الأوَّلين آثر العافية على مرارة الصبر، والرضا بمحن البلاء!
ولهذا كان لابدّ أن تستوفي المسيرة نصيبها من (التمحيص الذي يصنع حياة المجتمع المسلم)، ليقوى على الإمساك بزمام القيادة الإنسانيِّة إلى آفاق العزَّة وصادق الإيمان بالله إلهًا واحدًا، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد!
_________________
(١) السابق: ٧٧ - ٧٩، وانظر: الإصابة: ٢: ٩٨ وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، وفيه جهالة الأشياخ من قومه، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٤١٨، والطبري: التاريخ: ٢: ٣٥١ - ٣٥٢.
(٢) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٣٠٥ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٨٦ ]
رزء الحميّة القوميّة بوفاة أبي طالب:
كان أبو طالب -واسمه عبد مناف بن عبد المطّلب (١) - عمّ رسول الله - ﷺ -، وأخو أبيه عبد الله بن عبد المطّلب شقيقه لأبيه وأمّه - وريث مكانة أبيه عبد المطّلب في زعامة بني عبد مناف وهاشم، سادة قريش، القوّامين على خدمة البيت الحرام بمكة!
وكان أبو طالب وصيّ أبيه في كفالة حفيده محمَّد - ﷺ - بالقيام على رعايته وحفظه وحمايته، وكانت سنُّ محمَّد - ﷺ - يوم مات جدّه عبد المطّلب ثماني سنوات، وقد ضمّ أبو طالب ابن أخيه محمدًا - ﷺ - إلى حضْنِ كفالته، وجعله مع عياله، يحوطه ويحفظه ويحرص على راحته أشدّ الحرص، وقام بكفالته أحسن القيام، وأحبّه حبًّا لم يحبّه أحدًا من ولده، وصبّ به صبابةً شديدة، لم يكن يطيق معها أن يفارقه، فكان ملازمًا له في غدوّه ورواحه، وحلّه وترحاله، وسفره وإقامته، ونومه ويقظته، وقد ثبت -كما أسلفنا- أنه صحبه في بعض أسفاره للتجارة، وهو غلام يَفَعة، حتى شبّ محمَّد - ﷺ - في ظلّ هذه الكفالة شابًا رويًّا، ونشأ نشأة عزيزة كريمة حبيبة، واشتدّ ساعده، وبدرت رجولته مبكره، وشارك عمومته وأبناءهم في العمل ليكسب رزقه، وأبو طالب لا يغفل عنه لحظة، يسدّده في عمله، ويوجّهه في سعيه، راعيًا، أو تاجرًا، أو مقارضًا .. واستوى شباب محمَّد - ﷺ - في ظلّ هذه الكفالة الموفَّقة رجلًا، ضربًا من الرجال لا تعرفه الجاهليّة في أخلاقها، وعاداتها، ومعارفها، فكان فيهم الأمين الصدوق، الوفيّ، الكريم الودود الألوف .. وكان أبو طالب كثير
_________________
(١) السابق: ٣١٢ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٨٧ ]
العيال، قليل المال، وكان يهوى أن يرى ابن أخيه محمدا - ﷺ - يعيش عيشةً سويّةً، لا يشر فيها بضائقات الحياة، وشظف العيش مع عياله!
ولمَّا بعث الله محمدًا - ﷺ - رسولًا إلى الناس كافّةً، وقف ملأ الشرك والوثنيّة موقف العناد المستكبر، والمكابرة العاتية، والفجور الطاغي، فكذّبوه، وآذوه، وأغروا به ليقتلوه -كما أسلفنا- ووقف عمه أبو طالب يذود عنه، وينصره ويحميه، بكل ما أوتي من وسيلة وقوّة .. جعل نحوه دون نحوه، وحياته فداء لحياته .. في مواقفه الكثيرة.
فلم ينالوا من رسول الله - ﷺ - نيلًا إلا في غيبة من عمه ونصيره .. ورسول الله - ﷺ - دائب النهوض في نشر دعوته إلى الله وتوحيده، لا يصدّه عن سيره شيء، فلا يهاب وعيدًا، ولا يرهب زمرجة .. واشتدَّ حقد المشركين، وتعدّدت شكاواهم إلى أبي طالب من ابن أخيه الذي سفّه أحلامهم .. وعاب ديانتهم، فكان أبو طالب يردّهم ردًّا رفيقًا، ويكلّم النبي - ﷺ - فيما كلموه في شأنه، فيرى منه عزيمة ماضية، لا يصدّها عن وجهها صادّ ولا يردّها عن مضيتها رادّ، إيمانًا منه برسالة نفسه، ووجوب تبليغها إلى الناس، مهما تكن الحوائل والعقبات، فكانت هذه القوّة القاهرة في عزيمة رسول الله - ﷺ - تنفص عن كاهل أبي طالب ما يثقله من أعباء الذود عن ابن أخيه في دعوته ورسالته، وتغسل عن قلبه ما يعتريه أمام تألّب قومه عليه، وتجمّعهم ضدّه، فيشتدّ في نصرة رسول الله، ويعلن ذلك في شعره الرصين، لا يبالي في غضبة ملأ الشرك وتهديدهم!
[ ٤ / ١٣٨٨ ]
شعر أبي طالب في مدح الرسول - ﷺ -:
ولأبي طالب في مواقفه هذه قصائد مشهورة، تعدّ من غرر أجود الشّعر العربي في أقوى عصوره .. ومن أشهر ذلك لاميّته الذائعة التي يقول فيها في مدح رسول الله - ﷺ -، وحوطه وحمايته، وحقيقة ما جاء به من رسالة خالدة:
كذبتم -وبيت الله- نُبْزَى ولمَّا نُطاعِن دونه ونناضِل
ونُسْلمه حتى نُصرَّع حوله ونذهل عن أبنائنا والحوائل
وينهض قومٌ في الحديد إِليكم نُهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وما ترك قوم -لا أبالك- سيّدًا يحوط الذّمار غير ذربٍ مواكل
إلى أن قال:
وأبيض يُستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلَّاك من آل هاشم فهم عنده في رحمة وفواضل
[ ٤ / ١٣٨٩ ]
لعمري لقد كلّفت وجدًا بأحمد وإِخوته دأب المحبّ المواصل
إلى أن قال:
فلا زال في الدّنيا جمالًا لأهلها وزينًا لمن والاه ربّ المثاكل
فمن مثله في الناس أيّ مؤمل إِذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش يوالي إِلهًا ليس عنه بغافل
لقد علموا أن ابننا لا مكذّب لدينا ولا يُعني بقول الأباطل
إلى أن قال:
فأصبح فينا أحمد في أرومة تقصّر عنه سَوْرة المتطاول
حديث بنفسي دونه وحميته ودافعت عنه بالذّرى والكلاكل
فأيّده ربّ العباد بنصره وأظهر دينًا حقّه غير باطل
[ ٤ / ١٣٩٠ ]
ومن قوله في قصيدة طويلة:
والله لن يصلوا إِليك بجمعهم حتى أوسّد في التراب دفينا
هذه صورة من مواقف أبي طالب في حياطته رسول الله - ﷺ - وحمايته، ومناصرته، والغضب له، إذا ضمَّت إلى مواقفه العظيمة منذ كفالته له - ﷺ - شابًا يافعًا، وغلامًا فارهًا، ورجلًا مسدّدًا، عاملًا في الحياة، ثم نبيًّا ورسولًا، ائتلفت من ذلك كله صورة كاملة في إطار كفاح أبي طالب ونضاله دونه - ﷺ - للذّود عنه وحمايته!
وقد توّج أبو طالب مواقفه بأشرف موقف، وأنبله وأشجعه، وأقواه، وأوجعه لقلوب الملأ الوثنيّ من طغاة المشركين!
ذلك هو موقفه في النهوض لكبح جماح المستكبرين التمرّدين من عتاة الكفر، وقد تقاسموا على قتل محمَّد - ﷺ - علانية .. وموقفه للقضاء على صحيفة الفجور التي تعاهدت فيها قريش على استئصال شأفة بني عبد مناف صبرًا في حصار الشَّعب لوقوفهم جانب أبي طالب، ينصرونه في مناصرته لمحمد - ﷺ - بتجميعه رجالات قومه من بني هاشم الذين انضمّ إليهم بنو المطلب، ودخلوا معهم في هذا الحصار الظلوم -كما عرفنا- وبتدبيره حياطة رسول الله - ﷺ -، والحفاظ عليه، وحمايته من الاغتيال والفتك به، حتى قضى الله أمره بنقض الصحيفة الفاجرة، وتمزيقها شرّ ممزّق!
وخرج أبو طالب مع قومه ومن ناصرهم بخروج رسول الله - ﷺ - من الشِّعب ظافرًا منصورًا، مؤيّدًا من الله تعالى بما أيّده به من معجزاته القاهرة، وآياته
[ ٤ / ١٣٩١ ]
الباهرة، يتابع سيره في نشر دعوته، وتبليغ رسالته إلى الناس في محافلهم ومجتمعاتهم ومواسمهم وأسواقهم، يعرضها على كل شريف قوم يُذكر له، لا يناله من الأذى ما يصدّه عن قصده وغايته، تهيّبًا لعمه وناصره أبي طالب، السيّد المطاع في قومه، القويّ في حميّته وحمايته، الشجاع في غضباته، الجسور في مواقفه!
وصيّة أبي طالب لقومه:
وقد ظلَّ أبو طالب على حدبه وحرصه على رسول الله - ﷺ - إلى آخر لحظة من حياته، بل أراد أن يبقى أثر ذلك بعد وفاته ..
قال السهيلي (١): وحُكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال: لمَّا حضرت الوفاة أبا طالب جمع إِليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم السيّد المطاع، وفيكم المقدّم الشجاع، والواسع الباِع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبًا إِلَّا أحرزتموه، ولا شرفًا إِلاّ أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة. ولهم به إِليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم أَلْب، وإِنّي أوصيكم بتعظيم هذه الْبنِيّة، فإِن فيها مرضاة للربّ، وقوامًا للمعاش، وثباتًا للوطاة، صِلُوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإِن في علة الرحم منسأة في الأجل، وسعة في العدد، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما مهلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل، فإِن فيهما شرف الحياة والمات، عليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإِن فيهما محبّة في الخاص ومكرمة
_________________
(١) السابق: ٣١٧ بتصرف.
[ ٤ / ١٣٩٢ ]
في العام، وإِنّي أوصيكم بمحمد خيرًا، فإِنه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، وهو الجاهع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن، وايم الله! كأنّي أنظر إِلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظَّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابًا، ودورها خرابًا، وضعفاؤها أربابًا، وإِذا أعظمهم عليه أحوجهم إِليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها، وأعطته قادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله! لا يسلك أحد منكم سبيله إِلا رشد ولا يأخذ أحد يهديه إِلا سعد، ولو كان لنفس في مدّة، ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك أبو طالب!
وفاة أبي طالب:
ومات أبو طالب سنة عشر من المبعث، بعد الخروج من الشِّعب بزمن يسير (١)، وقيل: توفي في رمضان، قبل خديجه ﵂ بثلاثة أيام (٢)، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين (٣)، وقيل: كان بين وفاته ووفاة خديجة شهر وخمسة أيام! (٤)
_________________
(١) انظر: ابن سعد: ٨: ١٨ من رواية الواقدي.
(٢) انظر: سيرة الذهبي: ٢٣٧ عن الحاكم وأنساب الأشراف: ١: ٤٠٦.
(٣) ابن سعد: ٨: ١٨ من طريق الواقدي. وابن هشام: ٢: ٦٦.
(٤) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: ٢٢٢.
[ ٤ / ١٣٩٣ ]
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن سعيد بن المسيّب عن أبيه أنه أخبره: (١)
أنه لمَّا حضرتْ أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ -، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، قال رسول الله - ﷺ - لأبي طالب: "يا عمّ، قل لا إِله إِلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة، أترغب عن ملّة عبد المطّلب، فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إِله إِلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيَ﴾ (التوبة: ١١٣)!
زاد مسلم: فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] (التوبة)! وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسوله - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ (القصص)!
وهذا صريح على وفاته كافرًا (٢)، وشاء الله ﷿ أن يموت أبو طالب قبل
_________________
(١) البخاري: ٢٣ - الجنائز (١٣٦)، وانظر (٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١)، ومسلم (٢٤، ٢٥)، وأحمد: ٥: ٤٣٣، وعبد الرزاق: التفسير: ١: ٢٨٨، وابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (٧٢٠)، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٣٤٢ - ٣٤٣، والأسماء والصفات: ٩٧ - ٩٨، وابن الأثير: أسد الغابة: ٥: ١٧٧ - ١٧٨، والنسائي: ٤: ٩٠ - ٩١، والكبرى (٢١٦٢، ١١٢٣٠، ١١٣٨٣)، والطبري: التفسير: ٢٠: ٩٢، وأبو عوانة (٢٣)، والواحدي: أسباب النزول: ١٧٦ - ١٧٧، ٢٢٧ - ٢٢٨، وابن حبان (٩٨٢).
(٢) انظر البداية: ٣: ١٢٣ وما بعدها ففيه الرد على من زعم أن أبا طالب قد مات مسلمًا، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٣٥٣. [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا الهامش ورد في المطبوع بعد صفحتين، وليس له مناسبة هناك]
[ ٤ / ١٣٩٤ ]
الهجرة، حتّى لا يتوهّم أحدٌ أن له مدخلًا في دعوة الرسول - ﷺ -، أو يظن أن المسألة قبليّة أو أسريّة، أو زعامة ومنصب!
وحينئذ نالت قريش من رسول الله - ﷺ - من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابًا (١)، ودخل على بيته ووضع على رأسه التراب، فغسلته عنه إحدى بناته، وهي تبكي، والرسول - ﷺ - يقول لها: "لا تبكي يا بنيّة، فإِن الله مانع أباك"، ويقول: "ما نالت منّي قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب" (٢).
وسبق ذكر بعض الروايات في ذلك!
وقد سمّى بعض المؤرّخين هذا العام (عام الحزن)، لشدة ما كابد في هذا العام من الشدائد في سبيل دعوة الحق، وتضييق قريش الخناق عليه في محاولة منهم لإغلاق أبواب الدعوة في وجهه - ﷺ -!
ولا نميل إلى الموافقة على هذه التسمية (عام الحزن) لأنها وردت في حديث رواه القسطلاني في المواهب، ومن رواته (صاعد)، وهو غير ثقة؛ ولأن حياته - ﷺ - كانت شدائد يعجز الخيال المحلّق ذاته في تصوّر أحداثها، وقد تواترت الأدلة في ذلك. (٣)
_________________
(١) انظر: ابن هشام: ٢: ٦٦ بدون إسناد.
(٢) السابق: ٦٧ بإسناد حسن، ولكنه مرسل.
(٣) انظر: الألباني: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة: ٨.
[ ٤ / ١٣٩٥ ]
رزء الإِسلام ونبيّه بوفاة خديجة ﵂:
وقد كانت أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ وزيرة صدق للنبي - ﷺ -، على دعوته، تواسيه وتخفّف عنه مواجع ما يلقى من الناس، فيسكن إليها، وتطمئن نفسه إلى مواساتها، ويستعيد نشاطه بما تصبه في قلبه من حنان الزوجة التي تقدر حياة هذا الزوج الأكرم قدرها، وتعرف له مكانته في حمله أعظم أمانة حملها كاهل بشر في الحياة، وقد شهدت منه مشرق رسالته ما لم يشهده غيرها من الناس، فآمنت به وصدّقته رسولًا أمينًا لله تعالى -كما أسلفنا- يتلقّى وحيه، ويبلّغ رسالته، فيلقى من البلاء ما تنوء تحت ثقله ثوابت الرواسي، فتنفّس عنه وتشجّعه وتعينه على الصبر، وتفتح له باب الأمل، وتمسح عن صدره ضائقات الصدور، وتعيد إليه البسمة الحانية، وتهمس له بلواطف العواطف، فينهض من عندها وهو أكمل الناس يقينًا، وأرضاهم نفسها، وأرهفهم حسًّا، وأقواهم عزيمة، وأصدقهم صبرًا، وأرسخهم إيمانًا برسالته، وأعرفهم بموجبات حمل هذه الرسالة وأرضاهم بتحمّل أثقالها!
وقد قضت أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ في كنف رسول الله أشقّ مراحل الدعوة، فكانت حياتها معه أوفى حياة زوجة لزوجها، وأبرّ حياة شريكة لشريكها، كانت تشاركه مباهجه ومسرّاته، وتهيّئ له أسباب تفرّغه لعبادة ربّه، تخدمه في بيته بقلبها وعقلها وروحها وبدنها، وتردّ عنه عاديات الحياة بين قومه، حتى إذا جاءته النبوّة بطلائعها ووحيها كانت أوّل من آمن به
[ ٤ / ١٣٩٦ ]
وصدّقته، وزادته من حبّها وحنانها ما كان له نعم المعين في هذه المرحلة التي كانت مرحلة إعداد للرسالة الخاتمة الخالدة!
حقيقة الرسالة:
ورسالة محمَّد - ﷺ - ليست كالرسالات التي سبقتها في المنهج العملي؛ لأنها رسالة عامة خاتمة لجميع الرسالات الإلهيّة .. بدأت بالتصفية لعلائق البشريّة بالطبيعة الروحانيّة التي يتلقّى بها وحي التبليغ عن الملأ الأعلى -كما سبق في حديثنا عند بدء الوحي- وحدّث الرسول - ﷺ - بما رآى، ولقي وتلقّى، فعرفت أم المؤمنين خديجة بفراستها الواحية، وحسّها المرهف، وشعورها المستشرق أن هذا الأمر لم يعد أمر حياة زوجيّة، يملؤها الحنان والوفاء، ولكنها وثبت إلى حياة جديدة في معالمها التي تنبئ عنها إرهاصاتها .. إلى حياة رسالة ورسوله، وحياة دعوة إلى ما لم تعرفه البيئة التي يعيش فيها محمَّد - ﷺ -، وما لم يعرفه المجتمع العام الذي يتقلّب بين جنباته محمَّد - ﷺ - .. إلى حياة تهدم وتبني، تهدم الشرك والوثنيّة، وتبني التوحيد .. تهدم الظلم وتبني العدالة .. تهدم الباطل في جميع صوره ومظاهره وتبني الحق بأدلّته وبراهينه .. تهدم الاستعباد الماديّ وتبني الحريّة الروحانيّة .. تهدم الشرّ وتبني الخير .. تهدم التقليد البليد الأبله وتبني انطلاق العقل إلى المعرفة والهداية!
تسامي حياة الصدّيقية المؤمنة:
فلترتفع خديجة الصدّيقة الأولى بحياة الزوجيّة الوفيّة إلى حياة الصدّيقيّة العظمى، حياة الإيمان بالرسالة والرسول - ﷺ -،ولتنهض بالعبء المثقل في
[ ٤ / ١٣٩٧ ]
حياتها الجديدة مع زوجها رسول الله - ﷺ -، ولتكن معه وزيرة صدق، ورفيق إخلاص وفداء، ولتكتشف الطريق بأسلوبها الخاص، لتزيده تثبيتًا في النهوض بحياته الجديدة، ولتضاعف له حبّها وحنانها، وقد ذكر لها -كما سبق- مخاوفه من ألا يستطيع النهوض بعبء ما حمله في حياته الجديدة، فكشفت له - ﷺ - ما يعلمه من نفسه، من أنه مجمع مكارم الأخلاق، وموئل الفضائل، ومنتجع الشمائل، ومنبع المحامد، ومصدر الخير .. هو الصادق الأمين، الذي لا يُخْزى ولا يُخذل، سنة الله في الحياة، فليهدأ روعه، وليزدد إيمانًا بأنه المنصور المنتصر، وليزدد يقينًا بأنه سينهض بعبء رسالته؛ لأن الله أجتباه لها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤)!
ورقة يؤكد فراسات خديجة:
وهؤلاء أهل العلم الأوّل، فلتذهب خديجة إلى عليمهم وقارئ الكتاب الأول: ورقة بن نوفل، ليخبرها بما عنده، بعد أن تحدّثه بما رأت وسمعت، وكان تصديق ورقة آية من فراسة خديجة ﵂، وأنبأ ورقة محمدًا - ﷺ - بالنبأ العظيم .. نبأ الرسالة الخاتمة وأثقالها -كما أسلفنا-، فكان ذلك إيذانًا بأن حياة الدّعة والرّاحة قد ولت، وأن حياة الجهاد والنّضال والشدّة قد بدأت، فلتكن وقفتها إلى جانب محمَّد - ﷺ - في حياته الجديدة .. حياة الرسالة والرسول - ﷺ - وقفة تتسامى إلى مستوى ما ينتظره من شدّة وكفاح!
وصدقت خديجة الصدّيقة بسبقها إلى الإيمان سبقًا لم يشاركها فيه أحد .. ومضتْ -﵂ - في طريق هذا السبق تقفو أثر رسول الله - ﷺ -، وتتبع خطواته، لتحيط بخبره علمًا، حريصة عليه أشدّ ما يكون حرص زوجة أمينة
[ ٤ / ١٣٩٨ ]
وفيّة على زوج حبيب، حفيظةً عليه أشدّ ما يكون الحفظ من صدّيقة راسخة اليقين برسالة رسول كريم!
ومرَّت الحياة في ظل وفاء الزوجيّة وصدّيقيّة الإيمان بين محمَّد الزوج الحبيب، ومحمد الرسول الكريم - ﷺ -، وبين خديجة الزوجة والوفيّة، وخديجة الصدّيقة المؤمنة، برسالة هذا الرسول الكريم - ﷺ -!
دور خديجة ﵂:
وبدأ الكفاح الصارم، والنضال العتيّ بين الحق والباطل .. الحق الذي تمثله رسالة محمَّد - ﷺ -، والباطل الذي يصوّره فجور الشرك والوثنيّة في ملأ الكفر .. ولم يكن لخديجة في هذا الكفاح المرير صوت يُسمع؛ لأنها ﵂ كانت معتصمة بأدب أدّبها الله به، وعلم علّمها الله إيّاه .. فهي زوج محمَّد - ﷺ - وأم ولده قبل أن تأتيه رسالة ربّه، فعملها في البيت، وهو عمل كبير عظيم، يسدي للرسالة فضلًا، ويمدّها بقوّة تستجدّ بها ثباتها أمام عتوّ الكفر؛ لأن محمدًا الرسول - ﷺ - أحوج ما يكون وهو يخوض نضالًا مريرًا في سبيل نشر دعوته وتبليغ رسالته إلى عاطفة الوفاء في زوجة صادقة الإيمان برسالته، تنسكب في قلبه بردًا وسلامًا؛ إذ يؤوب إلى بيته، فيحدث ويتحدّث في جوّ عاطفي يظلّله الإيمان والحب، وتهوّن عليه الصعاب، وتجدّد عزائمه، ويقوى صبره -ويجتمع أمره، ويخرج إلى حياة الناس مجتمع الإرادة، سويّ الشخصية، مسيح الآلام، فسيح الآمال، رويّ الفؤاد بالصفح والعفو والإحسان!
وبهذا الأدب الإلهي الذي اعتصمت بعواصمه خديجة ﵂ عاشت في كنف محمَّد الزوج - ﷺ -، ومحمد الرسول - ﷺ -، تتقاسم معه الشعور
[ ٤ / ١٣٩٩ ]
بالسعادة في التطلّع إلى آمال المستقبل في آفاق الحياة، وتقاسمه الإحساس بأعباء الحاضر وآلامه، في ظل أثقال نشر الدعوة، وتبليغ الرسالة، معتصمة بالصبر الجميل، تأسّيًا به - ﷺ - في مجالات الحياة، فيما ترى بين يديها من حاله - ﷺ - بعد إذ أنزلت عليه الرسالة بشدائدها، وقوّة دفعها الذي استحوذ على إحساساته ومشاعره، وسائر قواه الفكريّة والروحيّة والبدنيّة!
حتى إذا بلغ طغيان أحلاس الشرك من ملأ الكفر ذروة الفجور العتيّ، إذ تعاقدوا فيما بينهم، وتعاهدوا بعد أن يئسوا من أن ينالوا من رسول الله - ﷺ - نيلًا، وكتبوا بهذا التعاهد وثيقة في صحيفة ظالمة، ضمنوها مقاطعة بني عبد مناف ممن يقف إلى جانب محمَّد - ﷺ - لنصره وحمايته من سوء ما يريد الطغاة الفجّار -وفي المقدمة سائر المؤمنين بدعوته، المصدّقين برسالته من غيرهم، فلا يبيعوهم ولا يناكحوهم، ويمنعون عنهم كل ما يرفقهم في حصارهم، وألا تأخذهم بهم رأفة أبدًا، حتى يسلموا محمدًا للقتل أو يموتوا صبرًا!
ودخلت خديجة ﵂ حصار الشِّعب مع زوجها محمَّد رسول الله - ﷺ - تشاركه آلام المحنة ومرارتها راضية صابرة محتسبة .. وظلّت معه تواسيه وتخفّف عنه وقع هذا الظلم الفاجر بما تبديه من احتمال ورضا، وهو - ﷺ - ساكن القلب إلى وفائها ومودّتها، وحبّها له حبّ جدّ وإجلال، وحرص وحفاظ!
حتى قضى الله تعالى قضاءه في هذه المقاطعة الظالمة، التي مكثت سيفًا مصلتًا على أعناق كل من يئل إلى محمَّد - ﷺ - إيمانًا به وتصديقًا برسالته، أو حميّةً قوميّةً له، فمزّقت صحيفتها بعد ثلاث سنين من كَتْبها بأيدي مَنْ كتبها، وقيام من عاهد على ما فيها من ظلم وفجور وقطيعة!
وخرج رسول الله - ﷺ - من الحصار ظافرًا منصورًا بما صنع الله له من تدبير
[ ٤ / ١٤٠٠ ]
حكيم مُحْكم، يتابع سيره في نشر دعوته، وتبليغ رسالته، وخرجت معه زوجه الوفيّة خديجة إلى بيتها تتابع سيرها في الحياة زوجة أمينة، مستظلة بظل الوفاء وصادق الإيمان!
موت خديجة وتسليم الله عليها وتبشيرها:
ولكنها ﵂ لم تلبث إلا قليلًا بعد الخروج من الحصار حتى لبّت نداء ربّها راضية مرضيّة، وسبق أن ذكرنا الأقوال في تاريخ وفاتها!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله!، هذه خديجة قد أتت ومعها إِناء فيه إِدام، أو طعام، أو شراب، فإِذا هي أتَتْك، فاقرأْ ﵍ من ربّها ومِنِّي، وبشِّرها ببيت في الجنة، من قصب، لا صَخَب فيه ولا نصب". (١)
قال ابن حجر: قوله (٢) "فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي" زاد الطبراني: (هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام)، والنسائي من حديث أنس قال: (قال جبريل للنبي - ﷺ -: إِن الله يقرئ خديجة السلام) يعني فأخبرها (فقالت: إِن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته)، زاد ابن السنّي من وجه آخر: (وعلى من سمع السلام، إِلا الشيطان).
_________________
(١) البخاري: ٦٣، مناقب الأنصار: (٣٨٢٠)، وانظر (٧٤٩٧)، ومسلم (٢٤٣٢)، وأحمد: ٢: ٢٣١، والفضائل (١٥٨٨)، والحاكم: ٣: ١٨٥، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه، وابن أبي شيبة: ١٢: ١٣٣، والبغوي (٣٩٥٣)، والنسائي: الكبرى (٨٣٥٨)، وأبو يعلى (٦٠٨٩)، وابن حبان (٧٠٠٩).
(٢) فتح الباري: ٧: ١٣٩ بتصرف.
[ ٤ / ١٤٠١ ]
قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل (وعليه السلام) كما وقع لبعض الصحابة، حيث كانوا يقولون في التشهد: (السلام على الله)، فنهاهم النبي - ﷺ -، وقال: "إِن الله هو السلام، فقولوا: التحيات لله "
فعرفت خديجة لصحة فهمها، أن الله لا يردّ ﵇، كما يردّ على المخلوقين؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو أيضًا دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصح أن يردّ به على الله، فكأنها قالت: كيف أقول ﵇، والسلام اسمه، ومنه يطلب، ومنه يحصل؛ فيستفاد منه أن لا يليق بالله إِلا الثناء عليه، فجعلت مكان ردّ السلام عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره فقالت: (وعلى جبريل السلام) ثم قالت: (وعليك السلام).
أجل! إنها أم المؤمنين خديجة ﵂، وأم ولده، إلا إبراهيم ﵇، فأمه السيدة مارية القبطيّة ﵂ .. وماذا يستطيع القلم أن يكتب وهو سابح في آفاق هذه الحياة المباركة الطيّبة ليستشفّ ويرى ويكتب؟!
وسبق أن ذكرنا في حديثنا عن بدء الوحي تصديقها للنبي - ﷺ - في أوّل وهلة، وثباتها في الأمر مما يدل على قوّة يقينها، ووفور عقلها، وصحة عزمها ﵂!
[ ٤ / ١٤٠٢ ]
الرسول - ﷺ - في الطائف:
سبق أن عرفنا عاليّة الدعوة الإسلاميّة .. وأن منافذ تبليغ الرسالة بمكة قد سدّت بعد وفاة خديجة وأبي طالب، وأن الجوّ قد خلا لأحلاس الشرك، وفجّار الوثنيّة في مكة التي أظلمت فجاجها أمام الدعوة إلى الله تعالى، وضاقت بمواسمها، وأسواقها، ومحافلها ومجتمعاتها، وأنديتها ومضارب القبائل في بطحائها على رسول الله - ﷺ - (١).
ومن ثم لم يجد فيها متنفّسًا لدعوته، ولا منتجعًا لتبليغ رسالته؛ لأن سفهاء قريش، ومن وراءهم من أهل العتو والطغيان، والجحود والكفران طمعوا فيما لم يكونوا يطمعون فيه، وأبو طالب على قيد الحياة -كما عرفنا!
وكان لابدّ لرسول الله - ﷺ - من السير قدمًا في القيام بنشر دعوته، وتبليغ رسالة ربّه، وأرض الله واسعة .. وهي بجميع أرجائها ومواطنها منازل للدّعوة إلى الحقّ والهدى، وأينما يُشرق النور فهناك الأفق الذي تطلع منه شمس الهداية، فلتذهب الدعوة إلى الله ﷿ مذاهبها في الأرض، حيث يتاح لها، ولتفارق مكة إلى عودة ظافرة، تطهّرها من أرجاس الفجور في أشباح البأو العنيد، والاستكبار البليد!
والنبي - ﷺ - في حدود أقصى استطاعته، وأبلغ مدى طاقته يدأب في تبليغ وحي الله تعالى إلى عباد الله، لا يني، ولا يتوقّف، فإذا سدّت منافذ التبليغ في جانب من الأرض بقيت سائر الجوانب والواطن مهْيَعًا يجب سلوكه!
فمكّة بمن فيها من العتاة الطغاة البغاة العاندين، والفجّار المستكبرين وما
_________________
(١) محمَّد رسول - ﷺ -: ٢: ٣١٩، وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٤٠٣ ]
فيها من مهانة الشرك وأوثانه، أبت أن تستجيب إلى الإيمان بدعوة الحقّ، وأبت أن تقبل هداية الله، وأعرضت مدبرة ماكرة، ووقفت سدًّا عنيدًا دون نشر الدّعوة إلى الحق والخير، بل طغت وتجاوزت كل حدّ من العتوّ والفجور، ودبّرت مؤتمرةً لتفتك بالنبي - ﷺ -، وتقتله غيلة وغدرًا -كما أسلفنا- لا لشيء إلا لأنه يدعوهم إلى أن يقولوا ربّنا الله، لا ندّ له ولا شريك في ملكه: ﴿يُرِيدُونَ أَن يطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْركُونَ (٣٣)﴾ (التوبة).
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (الصف).
ومن ثم سعى رسول الله - ﷺ - إلى (الطائف) -وفيها (ثقيف)، وكانوا كما قال المقريزي- أخواله، ولم تكن بينه وبينهم عداوة، يلتمس من أهلها النصرة والمنعة، والاستجابة إلى توحيد الله وهدايته، فأقام فيهم - ﷺ - شهرًا، يجتمع بسادتهم وأشرافهم، يدعوهم إلى قبول الحق ونصرته!
روى ابن إسحاق قال: (١) لما انتهى رسول الله - ﷺ - إِلى الطائف، عمد إِلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إِخوة ثلاثة:
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ٢: ٧٠ - ٧٢، وإسناده مرسل عن محمَّد بن كعب القرظي، وابن سعد: ١: ٢١١ - ٢١٢، مختصرًا، وفي سنده الواقدي، والطبري: ٢: ٣٤٤ - ٣٤٦. والطبراني وفيه ابن إسحاق، وبقية رجاله ثقات، انظر: المجمع: ٦: ٣٥ مختصرًا، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٤١٥ - ٤١٧، من غير طريق ابن إسحاق مرسلًا.
[ ٤ / ١٤٠٤ ]
عبد ياليل بن عمرو بن عُمير، ومسعود بن عمرو بن عُمير، وحبيب بن عمرو بن عُمير بن عفو بن عقدة بن نميرة بن عوف بن ثقيف.
وعند أحدهم امرأة من قريش، من بني جُمح!
فجلس إِليهم رسول الله - ﷺ -، فدعاهم إِلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نُصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه!
فقال أحدهم: هو يمرط (١) ثياب الكعبة إِن كان الله أرسلك.
وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك!
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطرًا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك!
فقام رسول الله - ﷺ - من عندهم، وقد يئس من خبر ثقيف، وقد قال لهم -فيما ذُكر لي- "إِذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنّي"، وكره رسول الله - ﷺ - أن يبلغ قومه، فيؤذِرَهم (٢) ذلك عليه (٣).
قال ابن هشام: قال عبيد بن الأبرص:
_________________
(١) أي يمزّق.
(٢) قال ابن هشام: السابق: يريد يُحرش بينهم، وفي الحديث "ذئر النساء على الرجال فأمر بضربهن".
(٣) انظر: الدارمي: ٢: ١٤٧، وابن ماجه (١٩٨٥)، والشافعي: ٢: ٢٨، وعبد الرزاق (١٧٩٤٥) والحميدي (٨٧٦)، وأبو داود (٢١٤٦)، وابن حبان (٤١٨٩)، والطبراني (٧٨٤، ٧٨٥). والبيهقي: ٧: ٣٠٥، والبغوي (٢٣٤٦)، والحاكم: ٢: ١٨٨، ١٨٩، وانظر: ابن سعد: ١: ٢٢١ - ٢١٢ مختصرًا، وفيه الواقدي، وفتح المنان: ٨: ٤٣٥ وما بعدها.
[ ٤ / ١٤٠٥ ]
ولقد أتاني عن تميم أنهم ذئروا لقتلي عامر وتعصّبوا
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إِلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إِلى ظلّ حبلة (١) من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إِليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله - ﷺفيما ذكر لي- المرأة التي من بني جمح فقال لها: "ماذا لقينا من أحمائك؟ ".
فلما اطمأن رسول الله -ﷺ - قال- فيما ذكر لي: "اللهم! إِليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إِلى من تكلني؟ إِلى بعيدٍ يتجهمُني؟ أم إِلى عدوٍّ ملّكته أمري؟ إِن لم يكن بك عليّ غضب فلا أُبالي، ولكن عافيتك هي أوسَعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وَصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. من أن تنزِل بي غضبَك، أو يَحِلَّ عليّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إِلا بك" (٢).
_________________
(١) الحبلة: طاقات من قضبان الكرم.
(٢) انظر البيهقي: الدلائل: ٢: ٤١٤ - ٤١٧، من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، وهو مرسل، ولم يذكر الدعاء، وأورد السيوطي الدعاء: الجامع الصغير، وعزاه للطبراني ورمز له بالحسن، وقال الألباني: حاشية فقه السيرة: ١٣٢، ودفاع: ١٩ وروى هذه القصة الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن جعفر مختصرًا، وفيه الدعاء بنحوه. وقال الهيثمي: المجمع: ٦: ٣٥، وفيه ابن إسحاق. وهو مدلس، وبقية رجال ثقات، وانظر فيض القدير: ٢: ١٥٠ - ١٥١ (١٤٨٣).
[ ٤ / ١٤٠٦ ]
قال: فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقي، تحرّكت له رحمهما، فدعَوَا غلاهًا لهما نصرانيًّا، يقال له عدّاس، فقالا له: خذ قِطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إِلى هذا الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله - ﷺ -، ثم قال له: كل، فلمّا وضع رسول الله - ﷺ - فيه يده قال: "باسم الله" ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إِن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ومن أهل أيّ البلاد أنت يا عدّاس؟ وما دينك؟ " قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله - ﷺ -: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متَّى" فقال له عدّاس: وما يُدريك ما يونس بن متَّى؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ، فأكبّ عداس على رسول الله - ﷺ - يقبِّل رأسه ويديه وقدميه! (١)
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس! (٢) ما لك تقبّل رأسه هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيّدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إِلاّ نبيّ، قالا له: ويحك يا عدّاس، ولا يصرفنّك عن دينك. فإِن دينك خير من دينه!
_________________
(١) صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده مرسل، وانظر: ابن سعد: ١: ٢١١ - ٢١٢ مختصرًا وفيه الواقدي، والطبري: التاريخ: ٢: ٣٤٤ - ٣٤٦، والطبراني. وفيه ابن إسحاق، وانظر المجمع: ٦: ٣٥، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٤١٥، من غير طريق ابن إسحاق مرسلًا.
(٢) انظر ترجمته في: الإصابة: ٢: ٤٦٦ - ٤٦٧ (٥٤٦٨).
[ ٤ / ١٤٠٧ ]
وفي رواية موسى بن عقبة، (١) أن سفهاء الطائف قعدوا للرسول - ﷺ - صفّين على طريقه فلمّا مرّ بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وكانوا أعدوها، حتى أدموا رجليه، وكان ذلك من أشدّ ما لقي الرسول - ﷺ - في جهاده!
وسبق أن ذكرنا ما رواه الشيخان وغيرهما أن عائشة ﵂ سألت رسول الله - ﷺ -: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: "لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إِذ عرفت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إِلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق إِلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإِذا جبريل، فناداني، فقال: إِن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إِليهم ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمَّد، إِن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي - ﷺ -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا"!
وهنا نبصر الرسول - ﷺ - في اختياره الثلاثة الذين كانوا سادة ثقيف يومذاك يعطينا الدليل على أهمية دعوة الزعماء الذين ينساق الناس وراءهم .. وبعد أن رفضوا قبول دعوته تبيّن أن غيرهم في الغالب سيرفضها، ومن ثم لم يستغرق مقامه في الطائف وقتًا طويلًا!
_________________
(١) انظر: البيهقي: الدلائل: ٢: ٤١٤ وفيه محمَّد بن فليح، صدوق يهم، انظر: التقريب: ٥٠٢.
[ ٤ / ١٤٠٨ ]
ونبصر صبر الرسول - ﷺ - على هؤلاء الذين واجهوه بسوء العاملة -كما عرفنا- ومع ذلك كله لم يطلب من الله أن ينتقم منهم، بل دعا الله ﵎ أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده .. ومن ثم كان قدوم ثقيف مسلمة -كما سيأتي بعد حصار الطائف ورجوعه إلى المدينة!
قدوم الجنّ وإسلامهم:
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله - ﷺ - انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة، حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به النّفر من الجنّ الذين ذكرهم الله ﵎، وهم -فيما ذكر لي- سبعة نفر من جنّ أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلمّا فرغ من صلاته ولّوْا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصّ الله خبرهم عليه - ﷺ -، قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ويُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾! (الأحقاف).
وقال ﵎: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾! (الجن) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة (١).
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: هبطوا، يعني: الجنّ، على النبي - ﷺ - وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله: ﴿ضَلالٍ مُّبِينٍ (٣٢)﴾! (٢).
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ٢: ٧٣ وصرح بالسماع، وهو مرسل عن محمَّد بن كعب القرظي.
(٢) الحاكم: ٢: ٤٥٦، وصححه ووافقه الذهبي، وأبو نعيم: الدلائل: ٣٠٤، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٢٨.
[ ٤ / ١٤٠٩ ]
وأخرج أحمد وغيره عن الزبير: ﴿وَإِذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَستَمِعونَ الْقُرآنَ﴾ قال: بنخلة، ورسول الله - ﷺ - يصلّي العشاء: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾! (الجن). (١)
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄، قال: انطلق النبي - ﷺ - في طائفة من أصحابه، عامدين إِلى سوق عُكاظ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهب، فرجعت الشياطين إِلى قومهم، فقالوا: مَا لكمْ؟ فقالوا: حيلَ بيننا وبين خبر السماء، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهب! قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إِلا شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومَغَارِبها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء! فانصرف أولئك الذين توجَّهوا نحو تِهامة إِلى النبي - ﷺ -، وهو بنخلَةَ، عَامدينَ إِلى سوق عُكَاظ، وهو يُصَلِّي بأَصْحَابِهِ صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله! الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إِلى قومهم، وقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾! فأنزل الله على نبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِليَّ﴾! وإِنما أوحي إِليه قول الجن! (٢).
_________________
(١) الشوكاني: ٥: ٢٨، وأحمد: ١: ١٦٧، قال الهيثمي: المجمع: ٧: ١٣٢ ورجاله رجال الصحيح، وابن جرير: ٢٦: ٢٢، عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناده معقّد كما قال أحمد شاكر: انظر: أحمد: ٣: ٤٦ مؤسسة الرسالة.
(٢) البخاري: ١٠ الأذان (٧٧٣)، وانظر (٤٩٢١)، ومسلم (٤٤٩)، وأحمد: ١: ٢٥٢، والترمذي (٣٣٢٣)، والنسائي: الكبرى (١١٦٢٤، ١١٦٢٥)، والتفسير (٦٤٤)، وأبو يعلى (٢٣٦٩)، والطبري: التفسير: ٢٩: ١٠٢، والطحاوي: شرح المشكل (٢٣٣٠)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٢٥، والبغوي: معالم التنزيل: ٤: ١٧٣، والطبراني: الكبير: (١٢٤٤٩)، والحاكم: ٢: ٥٠٣، وابن حبان (٦٥٢٦).
[ ٤ / ١٤١٠ ]
ويروي مسلم وغيره عن ابن عباس ﵄، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من الأنصار، أنهم بينما هم جلوسٌ ليلةً مع رسول الله - ﷺ - رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله - ﷺ -:"ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إِذا رُمِيَ بمثل هذا؟ "! قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيمٌ، ومات رجل عظيمٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: فإِنها لا يُرْمَى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنْ ربُّنا ﵎ اسمه، إِذا قضَى أمْرًا سَبَّحَ حَملةُ الْعَرْش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونَهُمْ، حتى يَبْلُغَ التّسْبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلُونَ حَمَلَة العَرْش لحملة العَرْش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال فَيَسْتَخْبرُ بعض أهل السموات بَعْضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدُّنْيا، فَتَخْطَفُ الجِنُّ السّمْعَ، فيقذفون إِلى أوليائهم، ويرْمُون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدُون"! (١)
ويروي أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، قال: كان الجن يسمعون الوحي، فيستمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًّا، وما زادوه باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث النبيُّ - ﷺ - كان أحدُهم لا يأتي مَقْعَدَه إِلا رُمِيَ بشهاب يُحرق ما أصاب، فَشَكَوْا ذلك إِلى إِبليس، فقال: ما هذا إِلا من أمر قدْ
_________________
(١) مسلم: ٣٩ - السلام (٢٢٢٩)، والبخاري: خلق أفعال العباد (٤٦٩)، وأحمد: ١: ٢١٨، والترمذي (٣٢٢٤)، والنسائي: التفسير (٢٩٢) والكبرى (١١٢٧٢)، والطحاوي: شرح المشكل (٢٣٣٢، ٢٣٣٣، ٢٣٣٤)، وأبو نعيم: الحلية: ٣: ١٤٣، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٣٦، والأسماء والصفات: ١: ٣٢٧، وابن إسحاق: السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٢٦٥.
[ ٤ / ١٤١١ ]
حدثَ، فبثَّ جنوده، فإذا هم بالنبي - ﷺ - يصلِّي بين جَبَلَيْ نَخْلَة، فأتَوهُ فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدثَ في الأرض! (١)
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ (الأحقاف)!
ومقالة النفر من الجنّ (٢) - مع خشوعهم عند سماع القرآن- تتضمن أسس الاعتقاد الكامل: تصديق الوحي، ووحدة العقيدة بين التوراة والقرآن، والاعتراف بالحق الذي يهدي إليه، والإيمان بالآخرة وما ينتهي إلى المغفرة وما ينتهي إلى العذاب من الأعمال، والإقرار بقوّة الله وقدرته على الخلق، وولايته وَحْده للعبادة والربط بين خلق الكون وإحياء الموتى!
وذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجنّ ليستمعوا القرآن من النبي - ﷺ -، وحكاية ما قالوا وما فعلوا .. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجنّ، ولتقرير وقوع الحادث، ولتقرير أن الجنّ هؤلاء يستطيعون أن يستمعوا للقرآن بلفظه
_________________
(١) أحمد: ١: ٢٧٤، ٣٢٣، والترمذي (٣٣٢٤)، والنسائي: الكبرى (١١٦٢٦)، والتفسير (٦٤٦)، وأبو يعلى (٢٥٠٢)، والطحاوي: شرح المشكل (٢٣٣١)، والطبراني: الكبير (١٢٤٣١)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٣٩.
(٢) في ظلال القرآن: ٦: ٣٢٧٠.
[ ٤ / ١٤١٢ ]
العربي المنطوق كما يلفظه رسول الله - ﷺ -، ولتقرير أن الجنّ خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدّون للهُدى وللضلال، وليس هناك من حاجة إلى تثبيت أو تأكيد لهذه الحقيقة؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقرّرها الله سبحانه ثبوتًا!
وهذا الكون من حولنا حافل بالأسرار .. حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنهًا وصفةً وأثرًا .. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار .. نعرف منها القليل، ونجهل منها الكثير، وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار، وندرك بعض هذه القوى، ونتعرّف إلى بعض هذه الخلائق تارةً بذواتها. وتارةً بصفاتها، وتارةً بمجرّد آثارها في الوجود من حولنا!
ونحن ما نزال في طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا، ويعيش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرّة من ذرّاته الصغيرة .. هذا الكوكب الأرضيّ الذي لا يبلغ أن يكون شيئًا يذكر في حجم الكون أو وزنه!
وما عرفناه اليوم -ونحن مانزال في الطريق- يعدّ بالقياس إلى معارف البشريّة قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجنّ، ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شيء من أسرار الذرّة التي نتحدّث عنها اليوم لظنّوه يتحدّث عمّا هو أشدّ غرابةً من الجن قطعًا!
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشريّة، المعدّة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سخّره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره، وليكون لنا ذلولًا، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض .. ولا نتعدّى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها -مهما امتدّ الأجل بالبشريَّة،
[ ٤ / ١٤١٣ ]
ومهما سخّر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره، لا نتعدّى تلك الدائرة .. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض، وفق حكمة الله وتقديره!
وسنكشف كثيرًا، وسنعرف كثيرًا، وستفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته .. مما قد تعتبر أسرار الذّرة بالقياس إليه شيئًا يسيرًا .. ولكننا سنظلّ في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة، وفي حدود قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (الإسراء)! قليلًا بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيّومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود، ووسائل المعرفة البشريّة المحدودة بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (لقمان: ٢٧)!.
فليس لنا -والحالة هذه- أن نجزم بوجود شيء أو نفيه، وتصوّره أو عدم تصوّره، من عالم الغيب المجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرّد أنه خارج عن مألوفنا العقليّ أو تجاربنا المشهودة، ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلًا على إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا!
وقد تكون هناك أسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلًا، وأسرار ليست داخلةً في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده .. لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض!
فإذا كشف الله ﵎ عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى. عن طريق كلامه -لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقاتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضًا- فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم .. نتلقّاها كما هي؛ فلا نزيد عليها ولا ننقص منها؛ لأن
[ ٤ / ١٤١٤ ]
المصدر الوحيد الذي نتلقّى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة، وليس هنالك مصدر آخر نتلقّى عنه مثل هذه الأسرار!
ومن هذا النصّ القرآني، ومن نصوص سورة الجنّ، والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه، ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجنّ، ومن الآثار النبوية الصحيحة -التي قدّمنا بعضها عن الجنّ- نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن .. ولا زيادة:
هذه الحقائق تتلخّص في أن هنالك خلقًا اسمه الجنّ، مخلوق من النار، لقول إبليس في الحديث عن آدم: ﴿قَالَ أَنَا خَيرٌ مِّنْه خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ (٧٦)﴾ (ص)!
ويروي مسلم وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "خلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم" (١).
وإبليس كان من الجنّ (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف)!
وهذا الخلق له تجمعات خاصة، وأصناف خاصة!
يروي الحاكم وغيره عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال
_________________
(١) مسلم: ٥٣ - الزهد (٢٩٩٦)، وأحمد: ٦: ١٥٣، ١٦٨، والبيهقي: الأسماء والصفات: ٣٨٥ - ٣٨٦، وابن حبان (٦١٥٥)، وأورده السيوطي: الدرر المنثور: ٧: ٦٩٥ وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذري، وابن مردويه.
(٢) انظر: تفسير الشوكاني: ٣: ٢٩٧.
[ ٤ / ١٤١٥ ]
رسول الله - ﷺ - (١): "الجنُّ ثلاثة أصناف، صنفٌ لهم أجنحة يطيرون في الهواء .. وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنونَ".
وله تجمعّات تشبه تجمّعات البشر في قبائل وأجناس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (الأعراف)!
وله قدرة على الحياة على هذا الكوكب -لا ندري أين- قال تعالى لآدم وإبليس معًا: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (البقرة)!
ويطالعنا ما رواه مسلم وغيره عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يُصلِّي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكًا في عراجين (٢) في ناحية البيت فالتفتُّ فإِذا حيَّةٌ، فوثبْت لأقتلها، فأشار إِليّ: أن اجْلِس، فجلسْت، فلمّا انصرف أشار إِلى بيت في الدّار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فَتًى منّا حديث عهد بِعُرْسٍ. قال: فخرجنا مع رسول الله - ﷺ - إِلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله - ﷺ - بأنْصاف النّهار، فيرجع إِلى أهله، فاستأذنه يومًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: "خذ عليك سلاحك، فإِنِّي أخشى عليه قريظة" فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإِذا
_________________
(١) الحاكم: ٢: ٤٥٦ وصحح إسناده ووافقه الذهبي، والبيهقي: الأسماء والصفات: ٣٨٨، وأبو نعيم: الحلية: ٥: ١٣٧، والطحاوي: شرح مشكل الآثار: ٤: ٩٥ - ٩٦، وابن حبان (٦١٥٦)، وانظر: المجمع: ٨: ١٣٦.
(٢) أي الأعواد التي في سقف البيت.
[ ٤ / ١٤١٦ ]
امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إِليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيْرةٌ فقالت له: اكْفُفْ عليك رُمْحَك، وادخُل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإِذا بحيّة عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إِليها بالرمّح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدّار، فاضطربت عليه، فما يُدري أيّهما كان أسرع موتًا، الحيّة أم الفتى؟ قال فجئنا إِلى رسول الله - ﷺ - فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادْعُ الله يُحْييه لنا، فقال: "استغفروا لصاحبكم" ثم قال: "إِن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيّام، فإِن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإِنما هو شيطان".
وفي رواية: "إِن لهذه البيوت عوامر، فإِذا رأيتم شيئًا منها فحرّجوا عليها ثلاثًا، فإِن ذهب، وإِلا فاقتلوه، فإِنه كافر"، وقال لهم: "اذهبوا فادفنوا صاحبكم" (١).
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن ابن عُمر ﵄: أنه سمع النبي - ﷺ - يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيّات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإِنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل" (٢).
هذا، والجنّ الذين سخّروا لسليمان ﵇ (٣)، كانوا يقومون بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزوّدين بالمدرة على الحياه فيها، وأن للجن قدرةً
_________________
(١) مسلم: ٣٩ - السلام (٢٢٣٦)، ومالك: ٢: ٩٧٦ - ٩٧٧، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذي بعد الحديث (١٤٨٤)، وابن حبان (٥٦٣٧).
(٢) البخاري: ٥٨ - بدء الخلق (٣٢٩٧)، وانظر (٣٣١٠، ٣٣١٢، ٤٠١٦)، ومسلم (٢٢٣٣)، والحميدي (٦٢٠)، وأحمد: ٢: ١٢١٠٩، والبغوي (٣٢٦٣)، وابن حبان (٥٦٣٨).
(٣) في ظلال القرآن: ٦: ٣٢٧١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٤١٧ ]
كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب، لقول الله تعالى حكايته عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ (الجن)!
وأنه يملك التأثير في إدراك البشر، وهو مأذون في توجيه الضالّين منهم -غير عباد الله- للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية إبليس اللعين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (ص)!
وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثّر به، وأنه قابك للهدى والضلال، بدلالة قول هذا النفر: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ (الجن)!
وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين، يدعونهم إلى الإيمان بعد ما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد!
ونعود إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ (الأحقاف)!
نعود فنرى تدبيرًا من الله تعالى أن يصرف هؤلاء النفر من الجنّ إلى استماع القرآن في هذا الوقت، بعد تلك الظروف القاسية التي عرضنا لها، لا مصادفةً عابرةً، وكان في تقدير الله أن تعرف الجنّ نبأ الرسالة الخالدة الخاتمة الأخيرة، كما عرفت من قبل رسالة موسى عله السلام، وأن يؤمن فريق منهم وينجو من النار المعدّة لشياطين الجنّ، كما هي معدّة لشياطين الإنس سواء!
[ ٤ / ١٤١٨ ]
ويرسم النصّ مشهد هذا النفر وهم يستمعون إلى هذا القرآن، ويصوّرون لنا ما وقع في حسّهم منه، من الرّوعة والتأثّر والرهبة، والخشوع: ﴿فَلَمَّا حَضرُوهُ قَالُوا أَنصتُوا﴾! وتلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله مدّة الاستماع: ﴿فَلَمَّا قضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَومِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩)﴾!
وهذه كتلك تصوّر الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن، فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية .. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به، وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعًا إلى الحركة به، والاحتفال بشأنه وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾!
ولّوا إلى قومهم مسارعين يقولون: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾! يصدّق كتاب موسى في أصوله، فهم إذن كانوا يعرفون كتاب موسى، فأدركوا الصلة بين الكتابين بمجرد سماع آيات من هذا القرآن؛ لأن طبيعتها تشي بأنها من ذلك النبع الذي نبع منه كتاب موسى. وشهادة هؤلاء الجن البعيدين -نسبيًا- عن مؤثّرات الحياة البشرية، بمجرد تذوقهم لآيات من القرآن، ذات دلالة وذات إيحاء عميق!
ثم عبّروا عما خالج مشاعرهم منه، وما أحسته ضمائرهم، فقالوا عنه: ﴿يَهدِي إِلَى الْحَقِّ وَإلَى طَرِيقٍ مسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾!
ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم، لا يقف له قلب غير
[ ٤ / ١٤١٩ ]
مطموس، ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم .. ومن ثمّ لمس هذه القلوب لأوّل وهلة، فإذا هي تنطق بهذه الشهادة، وتعبّر عما مسّها منه هذا التعبير!
ثم مضوا في نذارتهم لقومهم في حماية المقبنع المندفع، الذي يحسِّ أن عليه واجبًا في النذارة، لا بد أن يؤديه: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾!
فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من إنس وجنّ، واعتبروا محمدًا - ﷺ - داعيًا إلى الله بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له، فنادوا قومهم بهذا النداء، وآمنوا كذلك بالآخرة، وعرفوا أن الإيمان والاستجابة لله يكون معهما غفران الذنب، والإجارة من العذاب، فبشّروا وأنذروا بهذا الذي عرفوه!
ويطالعنا قوله جلّ شأنه: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾!
وهنا نبصر تكلة طبيعية لنذارة النفر لقومهم، فقد دعوهم إلى الاستجابة والإيمان، فالاحتمال قويّ وراجح أن يبيّنوا لهم أن عدم الاستجابة وخيم العاقبة، وأن الذي لا يستجيب لا يعجز الله أن يأتي به ويوقع عليه الجزاء، ويذيقه العذاب الأليم، فلا يجد له من دون الله أولياء ينصرونه أو يعينونه، وأن هؤلاء المعرضين ضالون ضلالًا بينًا عن الصراط المستقيم!
وكذلك الآية التي بعدها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾!
[ ٤ / ١٤٢٠ ]
وهنا نبصر تعجيبًا من أولئك الذين لا يستجيبون لله، حاسبين أنهم سيفلتون، أو أنه ليس هناك حساب ولا جزاء!
وتلك لفتة إلى كتاب الكون المنظور .. وكثيرًا ما يتضمّن السياق القرآني مثل هذا التناسق .. فيتم التطابق على الحقيقة الواحدة في السورة الواحدة!
وكتاب الكون يشهد بالقدرة البدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل: السماوات والأرض، ويوحي للحسّ البشريّ بيسر الإحياء بعد الموت .. وهذا الإحياء هو المقصود، وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام، والجواب أقوى وآكد في تقرير هذه الحقيقة .. تم يجيء التعقيب التالي: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون!
وعند ذكر الإيحاء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون: ﴿﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾!
ويبدأ المشهد حكايته أو مقدمة لحكاية: ﴿وَيَوْمَ يعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾! وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون، إذا المشهد يشخص بذاته، وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ﴾!
ويا له من سؤال؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزئون ويستعجلون .. واليوم تتلوَّى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون، والجواب في خزي وفي مذلّة وفي ارتياع: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾! هكذا هم يقسمون: ﴿وَرَبِّنَا﴾! .. ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون بربوبيته، ثم هم اليوم يقسمون على الحق الذي أنكروه!
[ ٤ / ١٤٢١ ]
عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع .. ويقضى الأمر، وينتهي الحوار: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾! سؤال تقريع ورد قصير! الجريمة ظاهرة، والجاني معترف، فإلى الجحيم!
وسرعة المشهد مقصودة، فالمواجهة حاسمة، ولا مجال للأخذ والرد، لقد كانوا ينكرون، فالآن يعترفون، والآن يذوقون!
توجيه ربّانيّ:
وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر يجيء الإيقاع الأخير، توجيهًا للرسول - ﷺ - أن يصبر عليهم، ولا يستعجل لهم، فقد رأى ما ينتظرهم، وهو منهم قريب: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾!
وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم، وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال، والمعاني والإيحاءات، والقضايا والقيم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾! توجيه يقال لمحمد - ﷺ -، وهو الذي احتمل ما احتمل، وعانى من قومه ما عانى -كما سبق -وهو الذي نشأ يتيمًا، وجرّد من الوليّ، والحامي، ومن كل أسباب الأرض واحدًا بعد واحد: الأب، والأمّ، والجدّ، والعمّ، والزوجة الوفيّة ﵂ .. وخلص لله ولدعوته مجرّدًا من كل شاغل، كما هو مجرّد من كل سند أو ظهير .. وهو الذي لقي من قومه أشدّ ما لاقى من الأبعدين، وهو الذي خرج يستنصر القبائل والأفراد بلا نصرة،
[ ٤ / ١٤٢٢ ]
ولقي استهزاء السفهاء ورجمهم له بالحجارة، حتى دميت قدماه الطاهرتان، فما يزيد على أن يتوجه إلى ربّه بذلك الابتهال الخاشع النبيل -كما عرفنا!
وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربّه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾!
ألا إنه لطريق شاق .. طريق جهاد هذه الدعوة .. طريق مرير،، حتى لتحتاج نفس كنفس النبي - ﷺ - في تجرّدها وانقطاعها للدعوة، وفي ثباتها وصلابتها، وفي صفائها وشفافيتها .. تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنّتين!
نعم وإن مشقّة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة .. وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر .. وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهيّ المختوم .. تشجيع وتصبير وتأسية وتسلية .. ثم تطمين: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يوعَدُونَ لَمْ يلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَار﴾!
إنه أمد قصير .. ساعة من نهار .. وإنها حياة خاطفة تلك التي يمكثونها قبيل الآخرة وإنها لتافهة لا تترك وراءها من الواقع والأثر في النفوس إلا مثلما تتركه ساعة من نهار .. !
ثم يلاقون المصمير المحتوم!
تم يلبثون في الأبد الذي يدوم!
وما كانت تلك الساعة إلا بلاغًا قبل أن يحقّ الهلاك والعذاب الأليم: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾!
[ ٤ / ١٤٢٣ ]
لا. وما الله يريد ظلمًا للعباد!
لا. وليصبر الداعية على ما يلقاه!
فما هي إلا ساعة من نهار!
تم يكون بعد ذلك ما يكون!
ونبصر في إيمان الجنّ بهذه الصورة، بعد أن نال الرسول - ﷺ - ما ناله على أيدي (ثقيف) تسليةً أنسته آلامه، وأن أهل الأرض لو تخلّوا عن قبول الرسالة فذلك إلى حين، وفي العوالم الأخرى من يشدّ أزره!
ونبصر من مآثر الجاهلية العرف الذي له مكانته في نفوسهم، ويعرف بـ (حق اللجوء السياسي) وفق مصطلح (الدبلوماسيّة الحديثة)، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لمَّا انصرف عن الطائف .. صار إلى حراء -كما نقل ابن هشام - (١) ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يُجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عديّ، فأجابه إلى ذلك، ثم تسلّح المُطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله - ﷺ -: أن ادخل، فدخل رسول الله - ﷺ -، فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله، فذلك الذي يعني حسّان بن ثابت!
وقال حسان بن ثابت: (٢)
_________________
(١) السيرة النبوية: ٢: ٢٤: ابن إسحاق معلقًا، وابن سعد: ١: ٢١٢ من طريق الواقدي، والطبري: التاريخ: ٢: ٣٤٧ - ٣٨ من طريق ابن إسحاق.
(٢) ديوان حسان بن ثابت: ٢٣٩ تحت عنوان: "سيد الناس"، وانظر: ابن هشام: ٢: ٢٣ ففيه بعض اختلاف.
[ ٤ / ١٤٢٤ ]
أعين ألا ابكي سيّد الناس واسفحي بدمع فإِن أنزفته فاسكبي الدمّا
وبكّي عظيم المشْعَرَين وربَّها على الناس معروفٌ له ما تكلّما
فلو كان مجدٌ يُخلد اليومَ واحدًا من الناس أبقى مجده اليوم مُطعِما
أجرتَ رسول الله منهم فأصبحوا عبادك ما لبيَّ ملبٍّ وأحْرَما
فلو سُئِلَتْ عنه معدٌّ بأسرها وقحطانُ أو باقي بقيّة جُرْهُما
لقالوا هو المْوُفِي بخُفره جاره وذِمَّته يومًا إِذا ما تذمَّما
فما تطلُع الشمس المنيرة فوقَهم على مِثْله منهم أعزَّ وأكرما
إِباءً إِذا يأبى وأكرم شيمَةً وأنْومَ عن جارٍ إِذا الليل أظْلَما
[ ٤ / ١٤٢٥ ]
وقال أحمد محرّم: (١)
ما رأينا كالمطعم بن عديّ جافيًا واصلًا هُيومًا جسُورا
آثر الكفْرَ ملةً وأجار الدّينَ مستضعفًا يدور شطيرا (٢)
رام بالطائف المقام فأعيا فانثنى يطلب الأمان حسيرا (٣)
وكّل الله بالنبوّة منه أسدًا يملأ القضاء زئيرا
قائمًا في السلاح يجمع حَولَيْـ ـه شبُولًا تحمي الحمى ونمُوُرا
يمنع القوم أن يصدّوا رسولَ ا لله عن بيته ويأبى الخُفُورا (٤)
_________________
(١) ديوان مسجد الإِسلام: ٤٨ - ٤٩ ط مكتبة الفلاح.
(٢) الشطير: الغريب والبعيد.
(٣) حسيرًا: كالًا متعبًا.
(٤) الخفور: نقض العهد والغدر.
[ ٤ / ١٤٢٦ ]
نقض الحلف من قريش فأمسى أسلمتْهُ العربي وكان مريرا (١)
عجبًا للغويّ يعطيك منه عملًا صالحًا ورأيًا فطيرا (٢)
ما رأينا من ظنّ بالزّرع شرًّا فحمى أرضه وصان البذورا
لو جزى الله كافرًا أجر ما أحْـ سن يومًا لخلته مأجورا
ونبصر رسول الله - ﷺ - يحفظ للمطعم بن عديّ هذا الصنيع، فيقول فيما رواه البخاري وغيره عن محمَّد بن جبير بن مطعم، أن النبي - ﷺ - قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عديًّ حيًّا، ثم كلّمني في هؤلاء النَّتْنَى لَتَركتُهم له" (٣).
ونبصر هذا الجوار لم يقيد حركة النبي - ﷺ - وأصحابه في الدعوة إلى الله تعالى!
_________________
(١) المرير: ما اشتد فتله من الحبال، والراد حلف قريش كما سبق.
(٢) أي بديهًا من غير روية.
(٣) البخاري: ٥٧ - فرض الخمس (٣١٣٩)، وانظر (٤٠٢٤)، والحميدي (٥٥٨)، وابن الجارود: المنتقى (١٠٩١)، وأبو داود (٢٦٨٩)، وأبو يعلى (٧٤١٦)، وأحمد: ٤: ٨٠، والبغوي (٢٧١٣)، والبيهقي: ٦: ٣١٩، ٣٢٠، ٩: ٦٧، والشعب (٩١٢٤)، والطبراني: الكبير (١٥٠٥، ١٥٠٧).
[ ٤ / ١٤٢٧ ]
ونعود إلى الهجرة إلى الحبشة، لنبصر ذلك فيما رواه البخاري وغيره من حديث طويل، أن عائشة ﵂، زوج النبي - ﷺ - قالت:
لم أعقل أبويّ قطّ إِلاّ وهما يدينان الدّين، ولم يمرَّ علينا يومٌ إِلاّ يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طَرَفي النّهار: بُكرةً وعَشِيَّةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مُهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغمام لقيه ابن الدّغِنَّة -وهو سيّد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأُريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربِّي!
قال ابن الدّغنّة: فإِن مِثلك يا أبا بكر لا يخْرُج ولا يُخْرَج، إِنك تكسب المعدوم، وتصل الرّحم، وتحمل الْكلَّ، وتقري الضّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، فأنا لك جار، ارْجِع واعبد ربَّك ببلدك!
فرجع، وارتحل معه ابن الدّغّنة، فطاف ابن الدغنّة عشيّة في أشراف قريش فقال لهم: إِن أبا بكر لا يخرج مثْله ولا يُخرج، أتُخرجون رجلًا يكسب المعْدُوم، ويصل الرّحم، ويحمل الكلّ، ويَقْري الضّيْف، ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذِّبْ قريش بجوار ابن الدّغنّة، وقالوا لابن الدّعنة: مُرْ أبا بكر فليعبُدْ ربّه في داره، فليُصلِّ فيها وليقرأْ ما شاء، ولا يُوذينا بذلك، ولا يَستَعْلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدّغنّة لأبي بكر!
فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربّه في داره، ولا يَسْتعلن بصلاته. ولا يقرأ في غير داره!
[ ٤ / ١٤٢٨ ]
ثم بَدَا لأبي بكر، فابْتَنَى مسجدًا بفناء داره، وكان يُصليِّ فيه ويقرأ القرآن، فيتعرف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إِليه!
وكان أبو بكر رجلًا بكاء لا يملك عينيه إِذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إِلى ابن الدّغنّة، فقدم عليهم، فقالوا: إِنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربّه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإِنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإِن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإِن أبى إِلا أن يُعلن بذلك فسله أن يرد عليك ذمّتك، فإنا قد كرهنا أن يخْفِرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان!
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إِلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإِما أن تقتصر على ذلك وإِما أن ترجع إِليّ ذمتي فإِني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخْفِرتُ في رجل عقدت له!
فقال أبو بكر: فإِني أرد إِليك جوارك، وأرضى بجوار الله ﷿، والنبي - ﷺ - يومئذ بمكة. (١)
وهذا الموقف يشبه موقف عمر بن الخطاب في رد جوار خاله العاصي، رغبة أن يكون كغيره من المسلمين. (٢)
_________________
(١) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٩٠٥)، وعبد الرزاق: ٥: ٣٨٤ - ٣٨٩، والبيهقي: الدلائل: ٤٧١٢ - ٤٧٣، وابن إسحاق: ابن هشام: ٢: ٢٤ معلقًا، وابن سعد: ١: ٢١٢، والطبري: التاريخ: ٢: ٣٤٧ - ٣٤٨ من طريق ابن إسحاق، وانظر: السير والمغازي: ٢٣٥.
(٢) انظر: ابن هشام: ١: ٤٢٥ بدون إسناد، والذهبي: السيرة: ١٧٩، وابن سعد: ٣: ٢٦٧ =
[ ٤ / ١٤٢٩ ]
هذا، وحق اللجوء يستفيد منه الدعاة إلى الله لتبليغ الدعوة، كما نرى ونشاهد في عالمنا الإِسلامي المعاصر!
ونبصر في إسلام من أسلم أن الرسول - ﷺ - رجع إلى مكة بما هو خير كله، بما فيه من معالم على طريق الدعوة والدعاة!
وهنا يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد ﵁: سمع النبي - ﷺ - يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يفتح الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك أيهم يُعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يُعطى فقال: "أين علي؟ " فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدُعي له، فبصق في عينيه، فبرأ مكانه، حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: "على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إِلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله! لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم". (١)
تلك إشارات إلى أهم معالم طريق جهاد الدعوة .. رجاء أن تكون زادًا للدعاة إلى الله! وتعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهب نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يُرد!
_________________
(١) = ٢٦٩، من غير طريق ابن إسحاق بسند ضعيف، انظر: المجمع: ٩: ٦٣ - ٦٥، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٢٤١، وفيه: إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، مترك، وقد استفاض هذا الخبر!
(٢) البخاري: ٥٦ - الجهاد (٢٩٤٢)، وانظر (٣٠٠٩، ٣٧٠١، ٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦)، وأحمد: ٥: ٣٣٣، والفضائل: (١٠٣٧)، وأبو داود (٣٦٦١)، والبيهقي: ٩: ١٠٦ - ١٠٧، وسعيد بن منصور (٢٤٧٢، ٢٤٧٣، ٢٤٨٢)، والنسائي: الفضائل (٤٦)، والخصائص (١٧)، والطبراني (٣٩٩١)، والبغوي (٣٩٠٦)، وأبو نعيم: الحلية: ١: ٦٢، وابن حبان (٦٩٣٢)
[ ٤ / ١٤٣٠ ]
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٦]