تأليف
الدكتور سعد المرصفي
[ ٣ / ٥٥٨ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت
تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦
[ ٣ / ٥٥٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ٥٦٠ ]
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
[ ٣ / ٥٦١ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف)!
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب)!
[ ٣ / ٥٦٢ ]
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[ ٣ / ٥٦٣ ]
مقدمة
ونتابع السيرة النبوية في أطوارها التاريخية لنقف وقفة المتأمّل، عند (حديث بدء الوحي)، ونلقي الضوء على الملابسات المحيطة بهذا الأمر الإلهي العظيم، ونبصر أصداء هذا الحديث في سيرة خاتم النبيين محمد - ﷺ -!
ومن ثمَّ نقف على أعتاب بداية الدعوة المباركة التي عمَّت الكون بخيريّتها ونقائها وصفائها!
ولقد جاء بدء هذا الوحي بـ (لا إله إلا الله) خالصة من كل رواسب الجاهليّة ليعلن على الملأ خيريّتها، ويشع نورها الحق إلى الناس جميعًا!
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ١٨ من رجب ١٤٢٨ هـ
٢١ من يوليو ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية
جامعة الكويت - سابقًا
[ ٣ / ٥٦٥ ]
حديث بدء الوحي في الميزان
[ ٣ / ٥٦٧ ]
حديث بدء الوحي في الميزان
١ - الحديث
٢ - مفهوم الوحي
٣ - ملك الوحي
٤ - مراتب الوحي
٥ - فلق الصبح
٦ - حُبِّب إليه الخلاء
٧ - غار حراء
٨ - التحنّث
٩ - الليالى ذوات العدد
١٠ - جاءه الحق
١١ - (ما أنا بقارئ)
١٢ - فغطّني حتى بلغ مني الجهد
١٣ - يرجف فؤاده
١٤ - زمّلوني زمّلوني
١٥ - الرَوع
١٦ - كلاّ
١٧ - ما يخزيك الله أبدًا
١٨ - وتحمل الكَلّ
١٩ - وتكسب المعدوم
٢٠ - وتعين على نوائب الحق
٢١ - فانطلقت به
٢٢ - ابن عمّ خديجة
٢٣ - الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية
٢٤ - يا ابن عم
٢٥ - اسمع من ابن أخيك
٢٦ - الناموس الذي نزل الله على موسى
٢٧ - يا ليتنى فيها جذعًا
٢٨ - إذ يخرجك قومك
٢٩ - (أو مخرجيّ هم؟)
٣٠ - نعم لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي
٣١ - وإن يدركني قومك أنصرك نصرًا مؤزرًا
٣٢ - لم ينشب ورقة أن توفي
٣٣ - وفتر الوحي
٣٤ - أضواء على الأقوال في المراد بالخشية
٣٥ - الخشية عند رؤية التباشير
٣٦ - جميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون
٣٧ - رواية في الميزان
٣٨ - ردّ قول الحافظ الإسماعيلي
٣٩ - وهم للزرقاني
٤٠ - قول القاضي عياض
٤١ - قول النووي
٤٢ - ردّ بلاغ التردّي من رؤوس شواهق الجبال
٤٣ - البلاغ في الميزان
٤٤ - ردّ قول الحافظ الإسماعيلي
٤٥ - البلاغ في كتب كثيرة
[ ٣ / ٥٦٨ ]
حديث بدء الوحي في الميزان
١ - الحديث:
ويطالعنا حديث بدء الوحي فيما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة أمّ المؤمنين أنها قالت: أوّل ما بُدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إِليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه -وهو التعبّد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزِعَ إِلى أهله ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إِلى خديجة، فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني فغطّني، حتّى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: "ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطّني الثانية، حتّى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني" فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطّني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ (العلق)!
فرجع بها رسول الله -ﷺ - يَرْجفُ فؤاده، فدخل على خديجة بنت خُوَيْلد -﵂ - فقال: "زمّلوني زمّلوني"، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي"! فقالت خديجة: كلاّ والله! ما يُخْزيك الله أبدًا، إِنك لتصل الرحم، وتَحْملُ الكَلَّ وتُكْسِبُ المعدُوم، وتَقْري الضّيف، وتُعينُ على نوائب الحق! فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى -ابن عم خديجة- وكان امرأً تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العِبْراني، فيكتب من
[ ٣ / ٥٦٩ ]
الإِنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي! فقالت له خديجة: يابن عمّ، اسْمَعْ من ابن أخيك! فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسولُ الله - ﷺ - خبر ما رأى! فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذَعًا، ليتني أكون حيًّا إِذ يُخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: "أَوَمُخْرجيَّ هُمْ؟ " قال: نعم، لم يأت رجلٌ قطّ بمثل ما جئت به إِلا عودي، وإِن يُدركني يومُك أنْصُرك نَصْرًا مُؤَزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقَةُ أن توُفي، وفتر الوحي (١)!
قال النووي: هذا الحديث من مراسيل الصحابة -﵃- فإن عائشة -﵂ - لم تدرك هذه القصة، فتكون قد سمعتها من النبي - ﷺ -، أو من الصحابي (٢)!
قال ابن حجر: وتعقبه من لم يفهم مراده فقال: إذا كان يجوز أنها سمعتها من النبي - ﷺ -، فكيف يجزم بأنها من المراسيل (٣)!
والجواب أن مرسل الصحابي ما يرويه من الأمور التي لم يدرك زمانها،
_________________
(١) البخاري: ١ - بدء الوحي (٣)، وانظر (٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢)، ومسلم (١٦٠)، وأحمد: ٦: ٢٣٣، وعبد الرزاق (٩٧١٩)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ١٣٥ - ١٣٦، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٢٧٥ - ٢٧٧، والآجري: الشريعة: ٤٣٩ - ٤٤٠، والطيالسي (١٤٦٧)، والطبري: التفسير: ٣٠: ١٦١ - ١٦٢، وأبو عوانة: ١: ١١٠، ١١٣، والبغوي: شرح السنة (٣٧٣٥)، وابن أبي عاصم: الأوائل (٩٩)، والطبراني: الأوائل: ٤٢، وابن منده: الإيمان (٦٨٣) واللالكائي: أصول الاعتقاد (١٤٠٨، ١٤٠٩)، وابن حبان (٣٣).
(٢) مسلم بشرح النووي: ٢: ١٩٧.
(٣) انظر ترجمة عائشة -﵂- في كتابنا: حديث بدء الوحي في الميزان: ١٢.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
بخلاف الأمور التي يدرك زمانها، فإنها لا يقال إنها مرسلة، بل يحمل على أنه سمعها أو حضرها، ولو لم يصرح بذلك، ولا يختص هذا بمرسل الصحابي، بل مرسل التابعي إذا ذكر قصة لم يحضرها سميت مرسلة، ولو جاز في نفس الأمر أن يكون سمعها من الصحابي الذي وقعت له تلك القصة، وأما الأمور التي يدركها فتحمل على أنه سمعها أو حضرها، لكن بشرط أن يكون سالمًا من التدليس!
ويؤيد أنها سمعت ذلك من النبي - ﷺ - قولها في أثناء هذا الحديث: فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال رسول الله - ﷺ -: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني .. " إلى آخره!
قال الطيبي (١): الظاهر أنها سمعت من النبي - ﷺ -، لقولها: قال: "فأخذني فغطني".
فيكون قولها: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ -، حكايته ما تلفظ به صلوات الله عليه!
وهذا كما قال ابن حجر: ظاهر في أن النبي - ﷺ - أخبرها بذلك، فتُحمل بقيّة الحديث عليه (٢)!
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣١.
(٢) فتح الباري: ٨: ٧١٦، وانظر: عمدة القاري: ١: ٢٠٩، وإرشاد الساري: ١: ٦١، وشرح الزرقاني: ١: ٢٠٩، ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الأقوال في حجية مرسل الصحابي، وحسبنا ما جاء في علوم الحديث لابن الصلاح: ٥٦، والتقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح للعراقي: ٨٠، والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر: ٢: ٥٧٠ - ٥٧١، وتوجيه النظر: ٢: ٥٦١، وتدريب الراوي: ١: ٢٠٧ وما بعدها، وقواعد التحديث: ١٤٨، وهدي الساري: ٣٥٠، وجامع التحصيل: ٣٦ وما بعدها.
[ ٣ / ٥٧١ ]
والقول الجامع في معنى الوحي اللغوي
٢ - مفهوم الوحي:
أصل الوحي (١): الإعلام في خفاء، وأيضًا: الكتابة، والمكتوب، والبعث، والإلهام، والأمر، والإيماء، والإشارة، والتصويت شيئًا بعد شيء، وقيل: أصله التفهيم، وكل ما دللت به من كلام، أو كتابة، أو رسالة، أو إشارة، فهو وحي!
والقول الجامع في معنى الوحي اللغوي (٢): أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه، بحيث يخفى على غيره، ومنه الإلهام الغريزي، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾ (النحل)!
وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، كالوحي إلى أم موسى، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ (القصص)!
ومنه ضده، وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
_________________
(١) اللسان، والصحاح، ومعجم مقاييس اللغة، ومجمل اللغة، وأساس البلاغة، والنهاية، والفائق، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم، (وحي)، وفتح الباري: ١: ٩ ط الرياض، وعمدة القاري: ١: ١٤، وإرشاد الساري: ١: ٤٨، والكليات: ١٧٣، ٦٩١، ٩١٨، ٩٣٦، وطرح التثريب: ٤: ١٨٠.
(٢) الوحي المحمدي: ٤٤ بتصرف.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
قال القاضي عياض
نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: ١١٢)!
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ (الأنعام)!
ووحي الله تعالى إلى أنبيائه قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما: الخفاء والسرعة، فهذا معنى المصدر، وقد يطلق على متعلقه، وهو ما وقع به الوحي، أي اسم المفعول!
قال القاضي عياض (١): وفي صدر كتاب مسلم عن الحارث الأعور، فيما انتقد عليه: تعلمت القرآن في ثلاث سنين، والوحي في سنتين، وقوله: القرآن هيّن، والوحي أشد، فظاهر تأويل منكريه عليه أنه أراد به سوءًا، لما علموا من غلوه في التشيع، وادعائهم علم سر الشريعة لعليّ، وتحزبهم من ذلك بما أنكره عليّ، وكذبهم فيه، والظاهر أنه لم يرد هذا، وإنما أراد الكتابة، وأن القرآن كان يحفظ عندهم تلقائيًا، فكان أهون من تعلم الكتابة والخط، وبهذا فسره الخطابي!
قلت: جاء في مقدمة صحيح مسلم بسنده عن مغيرة قال (٢): سمعت الشعبي يقول: حدثني الحارث الأعور، وهو يشهد أنه أحد الكاذبين!
وعن إبراهيم قال: قال علقمة: قرأت القرآن في سنتين، فقال الحارث: القرآن هيّن، الوحي أشد!
_________________
(١) مشارق الأنوار (وحي).
(٢) مقدمة صحيح مسلم: ١٩.
[ ٣ / ٥٧٣ ]
وعن الأعمش
قال النووي
قال القاضي عياض -﵀
وفي اصطلاح الشرع
وعن الأعمش عن إبراهيم، أن الحارث قال: تعلمت القرآن في ثلاث سنين، والوحي في سنتين، أو قال: الوحي في ثلاث سنين، والقرآن في سنتين!
وعن منصور والمغيرة، عن إبراهيم: أن الحارث اتهم!
قال النووي (١): ذكره مسلم في جملة ما أنكر على الحارث، وجرح به، وأخذ عليه من قبيح مذهبه، وغلوه في التشيع وكذبه!
قال القاضي عياض -﵀: وأرجو أن هذا من أخف أقواله، لاحتماله الصواب، فقد فسره بعضهم بأن الوحي هنا الكتابة ومعرفة الخط، قاله الخطابي (٢)، يقال: أَوْحَى ووَحَى: إذا كتب، وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك، وعليه الدرك في غيره!
وفي اصطلاح الشرع (٣): إعلام الله تعالى أنبياءه، إما بكتاب، أو برسالة ملك، أو منام، أو إلهام!
ومن هنا نعلم أن مفهوم الوحي صلة (٤) بين الله تعالى، ومن يصطفيه من
_________________
(١) مسلم شرح النووي: ١: ٩٨ - ٩٩، وانظر: إكمال إكمال المعلم: ١: ٢٩، ومقدمة إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٢٥٢ - ٢٥٤، وترجمة الحارث في: تاريخ البخاري الكبير (٢٤٣٧)، والصغير: ١: ١٤٩، ١٥٥، ١٥٦، ٢٠٤، والمعرفة ليعقوب: ١: ٢١٦، ٢١٧، ٢: ٥٣٤، ٥٥٧، ٦١٧، ٦٢٤، ٣: ١١٧، وسير أعلام النبلاء: ٤: ١٥٢ - ١٥٥، وميزان الاعتدال: ١: ٤٣٥ - ٤٣٧، والتقريب: ١٤٦، والتهذيب: ٢: ١٤٥ - ١٤٧، وابن سعد: ٦: ١٦٨، وتهذيب الكمال: ٥: ٢٤٤ - ٢٣٣ (١٠٢٥)، والضعفاء للنسائي: ٧٧، والضعفاء الكبير: ١: ٢٠٨، والضعفاء لابن الجوزي: ١: ١٨١.
(٢) انظر: غريب الحديث للخطابي: ٣: ١١، ١٢، والفائق: ٣: ١٨٥، والنهاية (وحا).
(٣) إرشاد الساري: ١: ٤٨.
(٤) الرسول والوحي: ٢٣٧.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
خلقه، ويصحب هذه الصلة علم ضروري بمصدرها، ويصاحبها ظواهر نفسية وبدنية للمصطفى، ويتبعها آثار توجيهية يعلنها المصطفى للناس!
وقد عبّر ابن خلدون عن هذا المفهوم بقوله:
استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراك الأنبياء المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية .. كل ذلك في لحظة واحدة، بل في أقرب من لمح البصر (١)!
يعني ابن خلدون أن الوحي يملك على النبي - ﷺ - قلبه وقالبه، ويستجمع الشعور كله، ويوجهه نحو هذا اللقاء الفريد بين الإنسان المصطفى، والملك الروحاني. ويكون للنبي في هذه الحال إدراك خاص، ووسيلة معرفة، غير ما ألفه البشر من الحواس والعقل، ثم تحصل مرحلة عبور للوحي من حالته الروحية إلى حالة حسية وعقلية، يدركها المصطفى، ويبلغها للبشر، في صورة أمر، أو نهي، أو خبر .. إلى آخره!
ولعل ابن خلدون يعبر عن نوع مهم وشائع من أنواع الوحي، وهو لقاء الملك، وإلا فالوحي على صور، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (الشورى)!
فالتلقي عن الله تعالى يكون على أنواع:
الأول: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، والمقصود هو الإلقاء في قلب النبي - ﷺ - بكلام خفي يدرك بسرعة، ويعلم على جهة اليقين مصدره الإلهي!
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون: تحقيق د. علي عبد الواحد وافي.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
وهذا الإلقاء -على جهة العموم- يقع يقظة ونومًا، مثال ذلك الإلهام إلى أم موسى -كما سبق- وما جاء في القرآن عن إبراهيم ﵇ قوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: ١٠٢)
وهذا النوع ليس خاصًا بالأنبياء، بل قد يقع لغيرهم، فأم موسى لم تكن من الأنبياء، والرؤيا -كذلك- تحصل لكثيرين، وقد حصلت لملك مصر- على عهد يوسف -﵇- ولم يكن نبيًّا ولا وليًّا!
الثاني: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، والمعنى أن كلام الله تعالى يصل مسموعًا إلى النبي - ﷺ - دون رؤية للمولى ﷿، فالنبي يسمع مباشرة دون واسطة، كما حدث لموسى -﵇- فقد كلمه الله، ولكن منعه الرؤية حين طلبها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (الأعراف: ١٤٣)!
وقد اختلف العلماء في حقيقة كلام الله تعالى، وذهبوا مذاهب شتى، جمعها الشيخ ابن أبي العز الدمشقي في تسعة أقوال (١)!
الثالث: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، والرسول هو ملك الوحي المخصص للتبليغ عن الله، والسفارة بينه وبين رسله وأنبيائه، وهو جبريل -﵇!
٣ - ملك الوحي:
وقد عبّر القرآن المجيد عن ملك الوحي بتعبيرات متعددة، فذكره بالاسم
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية: ١٧٩ ط المكتب الإِسلامي ١٣٩٩ هـ.
[ ٣ / ٥٧٦ ]
قال ابن جرير
العلم في بعضها، وذكره بأوصاف تليق بمهمته المقدسة في البعض الآخر، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ (البقرة)!
وذلك في سياق الرد على اليهود، وبيان زيف اعتقادهم، ومزاعمهم الفاسدة حول الله والملائكة ورسله!
قال ابن جرير: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك (١)!
وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ (النحل)!
قال ابن جرير (٢): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: قل يا محمد للقائلين لك: إنما أنت مفتر فيما تتلو عليهم من آي كتابنا، أنزله روح القدس يقول: قل جاء به جبريل من عند ربي بالحق!
_________________
(١) تفسير الطبري: ١: ١٤٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ١: ١٢٩، وتفسير القرطبي: ٢: ٣٦، وتفسير الألوسي: ١: ٣٣١، وتفسير القاسمي: ٢: ١٩٨ وما بعدها، وتفسير الشوكاني: ١: ١٨٠ وما بعدها، وتفسير المنار: ١: ٣٩١ وما بعدها وتفسير الفخر الرازي: ٣: ١٩٤ وما بعدها، وتفسير ابن الجوزي: ١: ١١٧، والبخاري: ٦٥ - التفسير (٤٤٨٠)، وأحمد: ١: ٧٨، وأيضًا (٢٤٨٣، ٢٥١٤)، ومرويات الإِمام أحمد في التفسير: ١: ٨١ - ٨٣، والطبراني: ١٢: ١٩٠ - ١٩١ (١٣٠١٢)، ومجمع الزاوئد: ٨: ٢٤٢، والترمذي (٣١١٧)، وصحيح الترمذي (٤٢٩٢)، وتحفة الأشراف: ٤: ٣٩٤.
(٢) تفسير الطبري: ١٤: ١٧٧، وانظر: ١: ٤٠٥.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وقال الراغب
قال الشوكاني
قال ابن جرير
قال ابن كثير
وقال الراغب (١): يعني به جبريل من حيث إنه ينزل بالقدس من الله، أي بما يطهر به نفوسنا من القرآن، والحكمة، والفيض الإلهي!
قال الشوكاني (٢): والقدس: التطهير، والمعنى: نزله الروح المطهر من أدناس البشرية، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة!
وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ (مريم)
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا، واتخذت من دونهم حجابًا: جبريل، وبنحو الذي قلنا في ذلك: قال أهل التأويل (٣)!
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (الشعراء)!
قال ابن كثير (٤): يقول تعالى مخبرًا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد - ﷺ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن العظيم .. ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي أنزله الله عليك، وأوحاه إليك ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ وهو جبريل ﵇ قاله غير واحد من السلف: ابن عباس، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعطية العوفي، والسدي، والضحاك، والزهري، وابن جريج، وهذا مما لا نزاع فيه!
وهنا نلحظ وصف جبريل -﵇- بالحسنيين، فهو طاهر في ذاته مبرأ من كل دنس وإثم، وفي الوقت ذاته أمين على ما نزل به، حفيظ عليه!
_________________
(١) المفردات (قدس).
(٢) تفسير الشوكاني: ٣: ١٩٨.
(٣) تفسير الطبري: ١٦: ٦٠.
(٤) تفسير ابن كثير: ٣: ٣٤٧.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
الأولى: (الرؤيا الصالحة)
قال الكرماني
قال القاضي عياض
٤ - مراتب الوحي:
ونجد أنفسنا أمام ضرورة الحديث عن مراتب الوحي (١)، فيما يلي:
الأولى: (الرؤيا الصالحة): سبق أن ذكرنا أن الرؤيا تقع لغير الأنبياء، وهذا معلوم، بيد أن الرؤية الواردة في الحديث مقيدة بالصالحة، وفي رواية للبخاري ومسلم (الرؤيا الصادقة) (٢)!
قال الكرماني (٣): وهما هنا بمعنى، والصالحة إما صفة موضحة للرؤيا؛ لأن غير الصالحة تسمى بالحُلم، كما ورد فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي سلمة قال: سمعت أبا قتادة عن النبي - ﷺ - قال: "الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان" (٤)!
وإما مخصصة، أي الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السيئة، أو لا الكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام، والصلاح إما باعتبار صورتها، وإما باعتبار تعبيرها.
قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى الرؤيا الصالحة والحسنة حسن
_________________
(١) زاد المعاد: ١: ٧٨، وانظر: الروض الأنف: ١: ٢٦٩ وما بعدها، وطرح التثريب: ٤: ١٨١ - ١٨٢، وشرح الزرقاني: ١: ٢٢٥ وما بعدها.
(٢) البخاري: ٩١ - التعبير (٦٩٨٢)، ومسلم: ١ - الإيمان (١٦٠).
(٣) الكواكب الدراري: ١: ٣١.
(٤) البخاري: ٩١ - التعبير (٦٩٨٤، ٦٩٩٥، ٧٠٠٥)، ومسلم (٢٢٦١)، ومالك: ٢: ٩٥٧، وأحمد: ٥: ٣٠٣، ٣٠٥، والحميدي (٤١٩ - ٤٢٠)، والدارمي: ٢: ١٢٤، والبغوي (٣٢٧٤، ٣٢٧٥)، وابن حبان: الإحسان (٦٠٥٩)، وابن أبي شيبة: ٧: ٢٣٩، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذي (٢٢٧٧)، والنسائي في اليوم والليلة (٨٩٧، ٩٠٠، ٩٠١)، والكبرى كما في التحفة: ٩: ٢٧٠، وابن ماجه (٣٩٠٩).
[ ٣ / ٥٧٩ ]
قال القسطلاني
الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه،
ظاهرها، ويحتمل أن المراد صحتها، قال: ورؤيا السوء تحتمل الوجهين أيضًا، سوء الظاهر، وسوء التأويل!
قال القسطلاني: وذكر النوم بعد الرؤيا المخصوصة به لزيادة الإيضاح والبيان، أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين، فهو صفة موضحة؛ أو لأن غيرها يسمى حُلمًا، أو تخصيص دون السيئة والكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام، وأهل المعاني يسمونها صفة فارقة (١)!
الثانية (٢): ما كان يلقيه المَلَك في روعه وقلبه، من غير أن يراه، كما قال النبي - ﷺ -: "إِن روح القدس نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .. " الحديث صحيح بشواهده (٣)!
_________________
(١) إرشاد الساري: ١: ٦١.
(٢) زاد المعاد: ١: ٧٨ وما بعدها.
(٣) في فقه السيرة: ٩١ قال الألباني: حديث صحيح جاء من طرق: الأول عن ابن مسعود، أخرجه الحاكم: ٢: ٤، والثاني عن أبي أمامة، أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو نعيم: الحلية: ١٠: ٢٧، والثالث عن حذيفة، أخرجه البزار، كما في الترغيب: ٣: ٧، والهيثمي: مجمع الزوائد: ٤: ٧١، قال: وفيه قدامة بن زائدة بن قدامة .. وبقية رجاله ثقات، قلت: وفي البحر الزخار: مسند البزار: ٧: ٣١٤ - ٣١٥ (٢٩١٤) وفيه قدامة قال: حدثني أبي عن عاصم، عن زر، عن حذيفة، وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن حذيفة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، قال محققه: أورده الهيثمي في كشف الأستار: ٢: ٨١ - ٨٢ (١٢٥٣)، وابن حجر في مختصر زوائد البزار: ١: ٥٠٦ (٨٧٤)، وقال الأرنؤوط في: زاد المعاد: ١: ٧٩ بعد أن أشار إلى بعض ما سبق من الشواهد، وآخر من حديث جابر عند ابن ماجه (٢١٤٤)، وابن حبان (١٠٨٤، ١٠٨٥)، وقال: فيصح الحديث بها، وانظر: شرح السنة للبغوي: ١٣: ٣٢٥، وفتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر: ١: ٦٧ - ٦٨، وقال ابن حجر: أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود: فتح الباري: ١: ٢٠.
[ ٣ / ٥٨٠ ]
الثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلا،
الرابعة: أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس،
الثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلًا، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقوله له، وفي هذه المرحلة كان يراه الصحابة أحيانًا، فقد روى مسلم وغيره من حديث طويل أن الرسول - ﷺ - قال لعمر ﵁ في آخر الحديث: " .. يا عمر! أتدري من السائل؟ "قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإِنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١)!
الرابعة: أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيتلبّس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضّها!
يروي الشيخان وغيرهما عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث ابن هشام ﵁، سأل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول"!
قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإِن جبينه ليتفصّد عرقًا (٢)!
_________________
(١) مسلم: ١: الإيمان (٨)، وأحمد: ١: ٢٧، ٥١ - ٥٢، ٥٣؛ وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي: ٨: ٩٧؛ وابن ماجه (٦٣)؛ والطيالسي: ٢٤ وابن حبان: "الإحسان (١٦٨، ١٧٣)، وابن منده في الإيمان (١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٨٥، ١٨٦)، والبغوي في شرح السنة (٢).
(٢) البخاري: ١ - بدء الوحي (٢)، واللفظ له، و٥٩ - بدء الوحي (٣٢١٥)، وخلق أفعال العباد: ١٣٦ - ١٣٧ (٤٢١)، ومسلم (٢٣٣٣)، والترمذي (٣٦٣٤، ٣٦٣٨)، والموطأ: =
[ ٣ / ٥٨١ ]
الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها
ويروي الحاكم بسند صحيح عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كان إِذا أوحي إِليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك، وتلت قول الله ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ (المزمل)!
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (١)!
ويروي البخاري وغيره من حديث زيد بن ثابت أن النبي - ﷺ - أملى عليه (٢): ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٩٥)! فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يُمليها عليّ. قال: يا رسول الله! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله - ﷺ -، وفخذه على فخذي، فثقُلت علي، حتى خفتُ أن تُرضّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾!
الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين!
_________________
(١) = ١٥ - القرآن (٧)، وأحمد: ٦: ١٥٨، ٢٥٦ - ٢٥٧، وابن سعد: ١: ١٩٨، والنسائي: ٢: ١٤٦ - ١٤٧، وفي التفسير من "الكبرى" كما في "التحفة": ١٢: ١٩٤، وابن حبان: الإحسان (٣٨)، والبغوي (٣٧٣٧)، والبيهقي: الأسماء والصفات: ٢٠٤، والدلائل: ٧: ٥٢ - ٥٣، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٢٧٩، والحميدي (٢٥٦)، وانظر: فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر: ١: ٦٠.
(٢) المستدرك: ٢: ٥٠٥، وانظر: أحمد: ٦: ١١٨، ٤٥٥، والجران: باطن العنق: النهاية (جرن).
(٣) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٥٩٢)، وأبو داود (٢٥٠٧)، والترمذي (٣٠٣٣)، والنسائي: ٦: ٩ - ١٠، وأحمد: ٥: ٨٤، وسعيد بن منصور (٢٣١٤)، والبيهقي: ٩: ٢٣ - ٢٤، وابن الجارود (١٠٣٤)، والطبراني (٤٨١٤ - ٤٨١٦)، والبغوي (٣٧٣٩).
[ ٣ / ٥٨٢ ]
السادسة: ما أوحاه الله
السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك
يروي مسلم من حديث طويل عن عائشة ﵂، أن الرسول - ﷺ - قال (١): " .. لم أره -يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء .. سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض .. " الحديث.
وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة (٢): لم يره في صورته إِلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد، له ستمائة جناح قد سد الأفق!
السادسة: ما أوحاه الله، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها (٣)!
السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلّم الله موسى ابن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن، وثبوتها لنبينا - ﷺ - هو في حديث الإسراء (٤)!
الثامنة (٥): قال العراقي: وهي تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب، وهذا على مذهب من يقول: إنه ﵊ رأى ربه ﵎ (٦)!
ذكرها ابن القيّم بقوله (٧): وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة!
_________________
(١) مسلم: ١ - الإيمان (١٧٧).
(٢) الترمذي (٣٢٧٨).
(٣) انظر: أضواء على أحاديث الإسراء والمعراج: ١٤ وما بعدها.
(٤) انظر: المرجع السابق.
(٥) طرح التثريب: ٤: ١٨٢.
(٦) انظر: أضواء على أحاديث الإسراء والمعراج: ٦١ - ٧١.
(٧) زاد المعاد: ١: ٨٠.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
قال العراقي
قال العراقي (١): ويحتمل أن ابن قيّم الجوزية أراد بالمرتبة السادسة، وحي جبريل ﵇، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الإيحاء، أي كونه فوق السموات، بخلاف ما تقدم، فإنه كان في الأرض، ولا يقال: يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحي باعتبار البقعة التي جاء فيها جبريل إلى النبي -عليهما الصلاة والسلام- وهو غير ممكن؛ لأنا نقول: غاير الوحي الحاصل في السماء غيره، باعتبار ما في رؤية تلك المشاهد من الغيب، فهو نوع غير الأرض، على اختلاف بقاعها، وفيه نظر!
وقد أشار ابن حجر إلى المراتب إجمالًا (٢)، وقسمها إلى ما هو من صفات الوحي، وما هو من صفات حامل الوحي!
بيد أنه ذكر من صفات الوحي مجيئه كدويّ النحل، وقال: وأما فكون الوحي كدويّ النحل لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأن سماع الدويّ بالنسبة إلى الحاضرين -كما في حديث عمر- (يسمع عنده دويّ كدويّ النحل) (٣)،
_________________
(١) طرح التثريب: ٤: ١٨٢.
(٢) فتح الباري: ١: ١٩ - ٢٠.
(٣) رواه أحمد (٢٢٣) تحقيق أحمد شاكر، قال: وإسناده صحيح، نقله ابن كثير في التفسير: ٣: ٢٣٧ عن المسند، ثم قال: ورواه الترمذي في تفسيره، والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرزاق به، وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه، كذا قال، ولم أجده في سنن النسائي، وهو في الترمذي: ٤٨ - تفسير القرآن (٣١٧٣) من طريق عبد الرزاق عن يونس بن سليم عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: (كان النبي - ﷺ - إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويّ النحل ..) ثم رواه عن طريق عبد الرزاق أيضًا عن يونس بن سليم، عن يونس بن يزيد، عن الزهري بهذا الإسناد نحوه بمعناه. قال أبو عيسى: هذا أصح من الحديث الأول، سمعت إسحاق بن منصور يقول: روى أحمد =
[ ٣ / ٥٨٤ ]
وأما النفث في الروع،
وأما الإلهام،
كالصلصلة بالنسبة إلى النبي - ﷺ -، فشبهه عمر بدويّ النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه!
وأما النفث في الروع، فيحتمل أنه يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في روعه!
وأما الإلهام، فلم يقع السؤال عنه؛ لأن السوال وقع في صفة الوحي الذي يأتي بحامل، وكذلك التكليم ليلة الإسراء!
وأما الرؤية الصالحة، فقال ابن بطال: لا ترد؛ لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس؛ لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيره!
والرؤيا الصادقة وإن كانت جزءًا من النبوة فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيًا، وليس كذلك!
ويحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة، أو لكون حال المنام لا يخفى
_________________
(١) = ابن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن يونس بن سليم، عن يونس بن يزيد، عن الزهري هذا الحديث، قال أبو عيسى: ومن سمع من عبد الرزاق قديمًا فإنهم إنما يذكرون فيه عن يونس بن يزيد، وبعضهم لا يذكر فيه عن يونس بن يزيد، ومن ذكر فيه يونس بن يزيد فهو أصح، وكان عبد الرزاق ربما ذكر في هذا الحديث يونس بن يزيد، وربما لم يذكره، وإذا لم يذكر فيه يونس فهو مرسل، قال الشيخ أحمد شاكر: ولم يقل غير هذا، فالظاهر أن نسبة ابن كثير للترمذي سهو منه، وأنه كلام النسائي، انظر: تحقيق أحمد شاكر، والمستدرك: ١: ٣٣٣ فقد رواه الحاكم بإسنادين: أحدهما عن طريق المسند، وصححه، ووافقه الذهبي، قلت: وفي المستدرك: ٢: ٣٩٢ تعقبه الذهبي بقوله: قلت: سئل عبد الرزاق عن شيخه ذا، فقال: أظنه لا شيء، قال الألباني: وفي الميزان أقر النسائي على قوله: هذا حديث منكر، وتوثيق ابن حبان لابن سليم هذا مما لا يعتد به، لا سيما وتلميذه عبد الرزاق أدرى به من ابن حبان: فقه السيرة: ٩١.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له - ﷺ - في المنام أيضًا على الوجهين المذكورين لا غير، قاله الكرماني، وفيه نظر!
وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا -فذكرها - وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذُكر!
وقد كان الرسول - ﷺ - يعالج من التنزيل شدة، كما روى الشيخان وغيرهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾! قال: كان رسول الله - ﷺ - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله - ﷺ - يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما -فحرك شفتيه- فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ (القيامة)! قال: جمعه لك في صدرك، وتقرؤه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ (القيامة)! قال فاستمع له وأنصت: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة)! فكان رسول الله - ﷺ - بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي - ﷺ - كما قرأه (١)!
_________________
(١) البخاري: ١ - بدء الوحي (٥) واللفظ له، وأيضًا: ٦٥ - التفسير (٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩)، و٦٦ - فضائل القرآن (٥٠٤٤)، و٩٧ - التوحيد (٧٥٢٤)، ومسلم (٤٤٨)، والنسائي: ٢: ١٤٩، وأحمد: ١: ٣٤٣، والبيهقي: الأسماء والصفات: ١٩٨، والطيالسي (٢٦٢٨)، وابن حبان: الإحسان (٣٩)، وابن سعد: ١: ١٩٨، والحميدي (٢٥٧)، والترمذي (٣٣٢٩)، والطبراني (١٢٢٩٧).
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وقيل: الفلق
وقال ابن حجر
وقال القسطلاني
٥ - فلق الصبح:
قال الكرماني (١): فلق الصبح ضياؤه، وإنما يقال هذا في الشيء البيّن الواضح، قيل: هو مصدر كالانفلاق، والصحيح أنه بمعنى المفلوق، وهو اسم للصبح، وأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين، وقد جاء الفلق منفردًا عن الصبح، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ (الفلق)!
وقيل: الفلق: الصبح؛ لكنه لما كان مستعملًا في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه للتخصيص والبيان، إضافة العام إلى الخاص!
قال العيني (٢): تنصيصه -أي الكرماني- على الصحيح غير صحيح، بل الصحيح أنه إما اسم للصبح، وجوزت الإضافة فيه لاختلاف اللفظين، وإما مصدر بمعنى الانفلاق، وهو الانشقاق، من فلقت الشيء أفلِقه -بالكسر- فلقًا: إذا شققته!
وقال ابن حجر (٣): أي مشبهة ضياء الصبح، أو على أنه صفة لمحذوف، أي جاءت مجيئًا مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخص بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه!
وقال القسطلاني (٤): وعبر بفلق الصبح؛ لأن شمس النبوة قد كانت مبادي أنوارها الرؤيا، إلى أن ظهرت أشعتها، وتم نورها!
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣١.
(٢) عمدة القاري: ١: ٤٨.
(٣) فتح الباري: ١: ٢٣ ط الرياض.
(٤) إرشاد الساري: ١: ٦١، وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية: ١: ٢١٠.
[ ٣ / ٥٨٧ ]
قال القاضي عياض وغيره
قال القسطلاني
قال القاضي عياض وغيره (١): إنما ابتدئ -﵊ - بالرؤيا، لئلا يفجؤه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتة، فلا تحتملها قوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا .. وسلام الحجر عليه بالنبوة!
يروي مسلم وغيره عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (٢): "إِني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث، إِني لأعرفه الآن"!
٦ - حُبِّب إليه الخلاء:
قال القسطلاني (٣): عبّر بحُبِّب المبني لما لم يسم فاعله، لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهًا على أنه لم يكن من باعث البشر، وإنما حبب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق، ليجد الوحي منه متمكنًا!
وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا، وتفرغه لله تعالى، فتتفجر منه ينابيع الحكمة. والخلوة أن يخلو عن غيره، بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يكون خليقًا بأن يكون قالبه ممرًا لواردات علوم الغيب،
_________________
(١) طرح التثريب: ٤: ١٨٤ بتصرف.
(٢) مسلم: ٤٣ - الفضائل (٢٢٧٧)، والدارمي: ١: ١٢، وأحمد: ٥: ٨٩، ٩٥، ١٠٥، وابن أبي شيبة: ٧: ٤٢٤، والبيهقي: الدلائل: ٢: ١٥٣، وأبو نعيم: الدلائل: ٣٠٠، ٣٠١، والبغوي (٣٧٠٩)، والطيالسي (١٩٠٧)، والترمذي (٣٦٢٤)، والطبراني في الكبير (١٩٠٧، ١٩٦١، ٢٠٢٨)، وفي الأوسط (٢٠٣٣)، وفي الصغير (١٦٧)، وابن حبان: الإحسان (٦٤٨٢).
(٣) إرشاد الساري: ١: ٦٢.
[ ٣ / ٥٨٨ ]
والخلاء
قال الخطابي
قال العيني
قال القاضي عياض
وقلبه مقرًا لها، وخلوته - ﷺ - كانت لأجل التقرب، لا على أن النبوة مكتسبة!
والخلاء (١): الخلوة، قاله النووي، ويحتمل أن يراد به المكان الخالي الذي ليس فيه أحد، والمعنيان متقاربان، لكنهما متغايران!
قال الخطابي (٢): حُبِّبت العزلة إليه؛ لأن فيها فراغ القلب، وهي معينة على التعبد، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويخشع قلبه، وهي من جملة المقدمات التي أرهصت لنبوته، وجعلت مبادئ لظهورها!
٧ - غار حراء:
قال العيني (٣): الغار - بالغين المعجمة: فسره جميع شراح البخاري بأنه النقب في الجبل، وهو قريب من معنى الكهف!
وقال: الغار هو الكهف، وفي العباب: الغار كالكهف في الجبل، ويجمع على غيران، ويصغّر على غوير، فتصغيره يدل على أنه واوي، فلذلك ذكره في العباب في (غور)، وحراء -بكسر الحاء وتخفيف الراء بالمد -وهو مصروف على الصحيح، ومنهم من منع صرفه، ويذكر على الصحيح أيضًا، ومنهم من أنثه، ومنهم من قصره أيضًا، فهذه ست لغات!
قال القاضي عياض: يمد ويقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، والتذكير أكثر، فمن ذكّره صرفه، ومن أنّثه لم يصرفه، يعني على إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل، وضبطه الأُصيلي بفتح الحاء والقصر، وهو غريب!
_________________
(١) طرح التثريب: ٤: ١٨٤.
(٢) الكواكب الدراري: ١: ٣٢.
(٣) عمدة القاري: ١: ٤٨ - ٤٩.
[ ٣ / ٥٨٩ ]
قال الخطابي
وقال التيمي
وقال الكرماني
قال الخطابي (١): العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة!
وقال التيمي: العامة لحنت في ثلاثة مواضع: فتح الحاء، وقصر الألف، وترك صرفه، وهو مصروف في الاختيار؛ لأنه اسم جبل!
وقال الكرماني (٢): إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع، وهو من الغرائب؛ إذ بعدد كل حرف لحن، ولقائل أن يقول: كسر الراء ليس بلحن؛ لأنه بطريق الإمالة!
وهو جبل (٣) بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال، على يسار الذاهب إلى (مِنى)!
وقد ذكر القسطلاني في المواهب ناقلًا عن ابن أبي جمرة (٤) حكمة اختصاص تحبيب الله تعالى إلى رسوله - ﷺ - الخلاء في غار حراء دون غيره من الأماكن التي تصلح للخلوة، وهي كثيرة في جبال مكة ووديانها، ما يأتي بتصرف للبيان (٥)!
أولًا: إن غار حراء منزوٍ في انعطاف وميل عن طرق مرور الناس عليه، وهذا الوضع يزيد في تمكن المختلي فيه من البُعد عن الناس، وضوضاء الحياة، ويساعد على عدم مخالطتهم والتفرغ للتعبّد، وهي أمور كان يقصد إليها النبي - ﷺ - في خلائه وتعبّده بالتفكّر في مصنوعات الله وبدائع ملكوته!
_________________
(١) انظر: طرح التثريب: ٤: ١٨٥، والكواكب الدراري: ١: ٣٢.
(٢) الكواكب الدراري: ١: ٣٢.
(٣) المراجع السابقة، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٠.
(٤) انظر: بهجة النفوس: ١: ٩ وما بعدها.
(٥) شرح الزرقاني: ١: ٢٢٢ وما بعدها، ومحمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٤٧٠ - ٤٧٢ بتصرف.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
قال الكرماني
ولا شك أن البعد عن الناس وحركاتهم في تقلباتهم لطلب مصالحهم ومعاشهم أجمع للفكر وخواطر القلب، وأبلغ من عمق التفكر والتأمل، وأقرب إلى التهدي!
ثانيًا: إن هذا الغار يقع في موقع يبصر منه المعتكف فيه بيت الله المحرّم (الكعبة المشرّفة)، والنظر إلى البيت الحرام عبادة، تذكر بأعظم متعبّد بقي على تقلبات الحياة وصروفها، وقد طاول الزمن وغالبه، فاستطال عليه وغلبه؛ لأنه الأثر الثابت تاريخيًّا من تراث أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم، وابنه إسماعيل ﵉، وهما جدّا محمد - ﷺ - الأعليان، إليهما يرتفع نسبه الشريف المحقق!
وقد بقي التعبد بتعظيم هذا البيت، والطواف حوله سنة متبعة من سنن الرسالات الإلهية التي أحيت رسالة محمد - ﷺ - معالمها الأصيلة، فجعلت من الطواف حول هذا البيت وتعظيمه أحد أركانها، وشرعة في منهاج تعبداتها!
وبالتأمل فيما ذكرنا يتبين أن الخلاء في غار حراء يجمع ثلاث عبادات، كانت كلها محققة ومقصودة للنبي - ﷺ - في خلائه به:
الأولى: الخلوة التامة!
الثانية: التحنّث!
الثالثة: النظر إلى بيت الله الحرام!
٨ - التحنّث:
قال الكرماني (١): التحنّث -بالحاء المهملة والنون ثم الثاء المثلثة: التعبّد،
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣٢، وانظر: عمدة القاري: ١: ٤٩.
[ ٣ / ٥٩١ ]
قال الخطابي
وأقول
قال التيمي
قال ابن حجر
وحقيقته: التجنّب عن الحنث، وهو الإثم، فكأن المتعبّد يلقي الإثم عن نفسه بالعبادة!
قال الخطابي: ونظيره في الكلام، التحوّب والتأثّم: أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه، قالوا: وليس في كلامهم تفعّل بهذا المعنى غير هذه!
وأقول: هذه شهادة نفي، وكيف وقد ثبت في الكتب الصرفية أن باب تفعّل يجيء للتجنّب كثيرًا، نحو تحرّج وتخوّن، أي اجتنب الحرج والخيانة، وغير ذلك!
قال التيمي: هذا من المشكلات، ولا يهتدي إليه سوى الحذّاق، وسئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنّث، فقال: لا أعرفه، وسألت أبا عمرو الشيباني فقال: لا أعرف يتحنّث، إنما هو يتحنّف من الحنفية!
قلت: جاء في رواية للبخاري من طريق يونس قال: أخبرني ابن شهاب أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إِليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه، قال: والتحنّث: التعبّد .. الحديث (١)!
قال ابن حجر (٢): هذا ظاهر في الإدراج، إذ لو كان من بقيّة كلام عائشة لجاء فيه: قالت، وهو يحتمل أن يكون من كلام عروة أو من دونه!
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٣).
(٢) فتح الباري: ٨: ٥٨٨ ط الريان.
[ ٣ / ٥٩٢ ]
وقال ابن الأثير
قال عياض
وقال ابن هشام
قال السهيلي
وقال: وهو من تفسير الزهري، كما جزم به الطيبي، ولم يذكر دليله (١)!
وقال ابن الأثير: يقال: فلان يتحنّث: أي يفعل فعلًا يخرج به من الإثم والحرج، كما تقول: يتأثّم ويتحرّج: إذا فعل ما يخرج به من الإثم والحرج!
قال عياض: ومعناه يطرح الإثم عن نفسه، ويفعل ما يخرجه عنه (٢)!
وقال ابن هشام (٣): تقول العرب: التحنّث والتحنّف: يريدون الحنفية، فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدث وجدف، يريدون القبر!
قلت: ولا حاجة فيه إلى الإبدال، فمعناه واضح -كما سبق -وهو من الأفعال التي معناها السلب -كما قال القسطلاني-: أي اجتناب فاعلها لمصدرها (٤)!
وفي حديث ابن إسحاق: والتحنّث: التبرّر (٥)!
قال السهيلي: تفعّل من البر، وتفعّل: يقتضي الدخول في الفعل، وهو الأكثر فيها، مثل تفقّه وتعبّد وتنسّك، وقد جاءت في ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء وإطراحه، كالتأثم والتحرّج (٦)!
_________________
(١) المرجع السابق: ١: ٢٣ ط الرياض.
(٢) النهاية، ومشارق الأنوار (حنث).
(٣) السيرة النبوّية: ١: ٢٩٩.
(٤) إرشاد الساري: ١: ٦٢.
(٥) السيرة النبويّة: ١: ٢٩٨ - ٢٩٩ من حديث عبيد بن عمير، صرح ابن إسحاق بالسماع، وسنده متصل، ورواه الطيالسي من غير طريق ابن إسحاق، وسنده منقطع، لجهالة الراوي عن عائشة: منحة المعبود: ٢: ١٨٧، والطبري في تاريخه: ٢: ٣٠٠ من طريق ابن إسحاق، وبه يكون الحديث صحيحًا من طريقه.
(٦) الروض الأنف: ١: ٢٦٧.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
قال الكرماني
وقال القسطلاني
وقال ابن حجر
٩ - الليالي ذوات العدد:
قال الكرماني (١): ذوات منصوب على الظرف، والعامل فيه يتحنّث، لا التعبّد، وإلا فسد المعنى، فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي، بل هو مطلق التعبّد!
وقال القسطلاني (٢): أبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله!
وعند ابن إسحاق: شهر رمضان (٣)!
وقد اختلف العلماء في كيفية تلك العبادة (٤)!
وقال ابن حجر (٥): إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور، اقتضى ذلك أنه نُبئ في شهر رمضان، ويعكر على قول ابن إسحاق أنه بعث على رأس الأربعين (٦)، مع قوله إنه في شهر رمضان ولد، ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان أولًا في شهر رمضان، وحينئذ نبئ، وأنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (العلق: ١)!
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣٢.
(٢) إرشاد الساري: ١: ٦٢.
(٣) السيرة النبوية: ١: ٣٠٠.
(٤) انظر: الكواكب الدراري: ١: ٣٢ - ٣٣، وطرح التثريب: ٤: ١٨٥ - ١٨٦، والبداية: ٣: ٦ - ٧.
(٥) فتح الباري: ٨: ٧١٧ - ٧١٨ ط الرياض، وانظر: مسلم (١١٦٢)، وأحمد: ٥: ٢٩٧، ٢٩٩، والسنن الكبرى للبيهقي: ٤: ٢٩٣.
(٦) انظر: السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٢٩٦ - ٢٩٨، وشرح المواهب: ١: ٢٠٦ - ٢٠٧، والسيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ٣٨٥، والروض الأنف: ١: ٢٦٥، وعيون الأثر: ١: ٨١.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
قال ابن حجر
ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (المدثر)!
فيحمل قول ابن إسحاق "على رأس الأربعين" أي عند المجيء بالرسالة!
وأخرج أحمد بسند حسن عن واثلة بن الأسقع أن النبي - ﷺ - قال: "أنزلت صحف إِبراهيم -﵇- في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان" (١)!
قال ابن حجر (٢): وهذا كله مطابق لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥)!
١٠ - جاءه الحق:
قال ابن حجر (٣): أي الأمر الحق، وفي التفسير (٤): حتى فَجِئه -بكسر الجيم- وتفتح كما في الدِّيباج (٥)، أي بغتة .. وسمي حقًا؛ لأنه وحي من الله تعالى.
قال الكرماني (٦): أي جبريل ﵇، فإن قلت: مجيء الملك ليس
_________________
(١) أحمد: ٤: ١٠٧، والفتح الرباني: ١٨: ٤٦ وسنده حسن، وانظر: فتح الباري: ٩: ٥.
(٢) فتح الباري: ٩: ٥.
(٣) المرجع السابق: ١: ٢٣.
(٤) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٣).
(٥) انظر: شرح الزرقاني: ١: ٢١١.
(٦) الكواكب الدراري: ١: ٣٣.
[ ٣ / ٥٩٥ ]
قال ابن حجر
بعد مجيء الوحي، بل هو نفسه؛ إذ المراد بمجيء الوحي مجيء حامل الوحي، أي فما معنى الفاء التعقيبية؟ قلت: هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: ٥٤)!
إذ القتل نفس التوبة على أحد التفاسير، وتسمى بالفاء التفصيلية أيضًا؛ لأن مجيء الملك .. إلى آخره تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق، ولاشك أن المفصل هو نفس المجمل، وفي رواية لمسلم (١): (حتى فجئه الحق) بكسر الجيم، من الفجأة، أي جاءه الحق بغتة ومفاجأة، فإنه لم يكن متوقعًا للوحي، وقال الطيبي: معنى حتى جاءه الحق: جاء أمر الحق، وهو الوحي، ورسول الحق، وهو جبريل -﵊!
قال ابن حجر (٢): هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيبية؛ لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي، حتى تعقب به، بل هو نفسه، ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل!
١١ - " ما أنا بقارئ" ثلاثًا:
قال ابن حجر (٣): (ما) نافية، إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء، وان حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي ما أحسن القراءة!
_________________
(١) مسلم: ١ - الإيمان (١٦٠).
(٢) فتح الباري: ١: ٢٣ - ٢٤ ط الرياض.
(٣) المرجع السابق: ٢٤.
[ ٣ / ٥٩٦ ]
قال القسطلاني
قال ابن حجر
قال القسطلاني (١): وأجيب بأنها استفهامية، بدليل رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: (كيف أقرأ؟)، وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق (ماذا أقرأ؟) دلتا على أنها استفهامية، وقد جوز الأخفش دخول الباء على الخبر المثبت، وجزم به ابن مالك في (بحسبك زيد) فجعل الخبر حسبك، والباء زائدة!
قال ابن حجر (٢): فإن قيل لم كرر ذلك ثلاثًا؟ أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أولًا (ما أنا بقارئ) على الامتناع، وثانيًا على الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا على الاستفهام!
ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: (كيف أقرأ؟)، وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق (ماذا أقرأ؟)، وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي (كيف أقرأ؟)، وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية!
قلت: أرجح أنها في المرة الأولى نافية، لعدم المعرفة بالقراءة، وفي الثانية استفهامية، يراد بها استبانة ما يقرؤه، والمعنى أخبرني أي شيء أقرأ؟، وذلك لمجيء العبارة بصيغة الاستفهام (ماذا أقرأ؟)، وفي الثالثة استفهامية -أيضًا- بمعنى كيف، فهي استخبار عن الحالة التي يكون بها قارئًا، وهو الأمي الذي لم يباشر القراءة قط في حياته، وذلك لمجيء العبارة بالاستفهام الصريح (كيف أقرأ؟)، وبهذا يتم الجمع بين الروايات والأقوال!
_________________
(١) شرح الزرقاني: ١: ٢١١، وإرشاد الساري: ١: ٦٣.
(٢) فتح الباري: ١: ٢٤.
[ ٣ / ٥٩٧ ]
قال ابن حجر
قال النووي
قال التوربشتي
١٢ - " فغطّني حتى بلغ مني الجهد":
فغطّني -بالغين المعجمة والطاء المهملة- وفي رواية الطبري: فغتّني (١) - أي بتاء مثناة من فوق. قال ابن الأثير (٢): هما سواء، كأنه أراد عصرني عصرًا شديدًا، حتى وجدت منه المشقة!
قال ابن حجر (٣): كأنه أراد ضمني وعصرني، والغط: حبس النفس، ومنه غطه في الماء، أو أراد غمني، ومنه الخنق، ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن (فأخذ بحلقي)!
قال النووي (٤): قال العلماء: والحكمة في الغط شغله من الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له، وكرره ثلاثًا، مبالغة في التنبيه!
والجُهدُ -بفتح الجيم وضمها ونصب الدال ورفعها- قال الكرماني (٥): ومعناه: الطاقة والغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه، فحذف مبلغه، وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد، والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقول له، وكرره ثلاثًا مبالغة في التثبّت، وفيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم والإحضار بمجامع قلبه!
قال التوربشتي: لا أرى الذي يروي بنصب الدال إلا قد وهم فيه، أو جوّزه بطريق الاحتمال؛ فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى
_________________
(١) تاريخ الطبري: ١: ٥٣٢.
(٢) النهاية (غَتت، وغطط).
(٣) فتح الباري: ١: ٢٤.
(٤) مسلم بشرح النووي: ٢: ١٩٩.
(٥) الكواكب الدراري: ١: ٣٤.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
وقال الطيبي
قلت
قال العراقي
قال النووي
قال العيني
استفرغ قوته في ضغطته، وجهده جهده، بحيث لم يبق فيه مزيد، وهذا قول غير سديد؛ فإن البنية البشريّة لا تستدعي استنفاد القوة الملكية، لا سيما في مبدأ الأمر، وقد دلت القصة على أنه اشمأز من ذلك، وتداخله الرعب!
وقال الطيبي: لا شك أن جبريل في حالة الضغط لم يكن على صورته الحقيقيّة التي تجلى بها عند سدرة المنتهى، وعندما رآه مستويًا على الكرسي، فيكون استفراغ جهده لا بحسب صورته التي تجلى له بها وغطه، وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد!
قلت: لم يذكر الجهد في الرواية التي معناها في المرة الثالثة، لكنه ورد عند البخاري في التفسير (١)!
قال العراقي (٢): يجوز في الدال النصب والرفع، فالأول على أن فاعل (بلغ) ضمير يعود على جبريل، أي بلغ جبريل مني الجهد، والثاني على أن الجهد فاعل، أي بلغ الجهد مني مبلغه وغايته!
قال النووي (٣): وممن ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها صاحب التحرير وغيره!
١٣ - يرجف فؤاده:
قال العيني: أي يخفق ويضطرب، والرجفان: شدة الحركة والاضطراب، وفي المحكم: رجف الشيء يرجف رجفًا، ورجفانًا، ورجيفًا، وأرجف:
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٣٥).
(٢) طرح التثريب: ٤: ١٨٨.
(٣) مسلم بشرح النووي: ٢: ١٩٩.
[ ٣ / ٥٩٩ ]
وقال القسطلاني
قال العراقي
قال النووي
خفق واضطرب اضطرابًا شديدًا، والفؤاد: هو القلب، وقيل: إنه عين القلب، وقيل: باطن القلب، وقيل: غشاء القلب، وسمي القلب قلبًا لتقلبه (١)!
وقال القسطلاني: فؤاده: قلبه أو باطنه أو غشاؤه، لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشري وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشريّة كلها (٢)!
وفي رواية (ترجف بَوادره) (٣) -بفتح الباء الموحدة وكسر الدال بعدها راء مهملة-: جمع بادرة، وهي اللحمة بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان، قاله أبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب!
قال العراقي (٤): ولا تنافي بين الروايتين، فكأن الرجفان في البوادر والفؤاد، ولعل رجفان الفؤاد ملازم لرجفان البوادر!
قال النووي: وعلم خديجة برجفان فؤاده، والظاهر أنها رأته حقيقة، ويجوز أنها لم تره وعلمته بقرائن وصور الحال!
١٤ - " زمِّلوني زمِّلوني":
التزميل: التلفيف، والتزمل: الاشتمال والتلفف، ومنه التدثر، ويقال لكل ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد دثار، وأصل المزمّل والمدّثر المتزمّل
_________________
(١) عمدة القاري: ١: ٥٠.
(٢) إرشاد الساري: ١: ٦٤.
(٣) البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٦٠).
(٤) طرح التثريب: ٤: ١٩٠.
[ ٣ / ٦٠٠ ]
والمتدثر، أدغمت التاء فيما بعدها (١)، قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفيف (٢)!
١٥ - الرَّوع:
الرَّوع -بفتح الراء-: الفزع، وفي المحكم: الروع والرواع والتروع: الفزع، وقال الهروي: هو بالضم موضع الفزع من القلب (٣)!
١٦ - كلاّ:
كلاّ -بفتح الكاف وتشديد اللام مقصور-: نفي وإبعاد، أي لا تقل ذلك، أو لا خوف عليك (٤)، والمراد ها هنا التنزيه عنه، وهو أحد معانيها، وقد تأتي بمعنى حقًا، أو بمعنى ألا التي للتنبيه، يستفتح بها الكلام، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثًا وثلاثين مرة، في خمس عشرة سورة، ليس في النصف الأول من ذلك شيء!
قال العماني: وحكمة ذلك أن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة، وأكثرها جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم، والإنكار عليهم، بخلاف النصف الأول، وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلّتهم وضعفهم!
_________________
(١) عمدة القاري: ١: ٥٠.
(٢) شرح الزرقاني: ١: ٢١٢.
(٣) عمدة القاري: ١: ٥٠.
(٤) فتح الباري: ١: ٢٤، وإرشاد الساري: ١: ٦٤، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٢، والكواكب الدراري: ١: ٣٦، ومسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠١، وطرح التثريب: ٤: ١٩١.
[ ٣ / ٦٠١ ]
قال النووي
قال ابن حجر
وقد اهتم العلماء والنحويون بها قديمًا، وأكثروا فيها القول، وتعددت مذاهبهم، وقد جاءت على أقسام جمعها ابن الأنباري في باب من كتاب الوقف والابتداء له، وهي مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه ولا النافية، قال: وإنما شددت لامها لتقوية المعنى، ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وعند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين: حرف معناه الردع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك .. قالوا: وقد تكون حرف جواب بمنزلة أي ونعم (١)!
١٧ - ما يخزيك الله أبدًا:
ما يُخزيك -بضم الياء وبالخاء المعجمة-: من الخزي، وهو الفضيحة والهوان!
قال النووي: وقال معمر في رواية (يُحزنك) بالحاء المهملة والنون، ويجوز فتح الياء في أوله وضمها، وكلاهما صحيح، من الحزن، حزنه وأحزنه ثلاثي ورباعي، يقال: حزنه وأحزنه: أوقعه في بلية، وأبدًا منصوب على الظرف!
قال ابن حجر: ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدًا بأمر استقرائي وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، أو إلى الأجانب، وإما بالبدن، أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره، أو من لا يستقل وذلك كله مجموع فيما وصفته به (٢)!
_________________
(١) عمدة القاري: ١: ٥٠، ومناهل العرفان في علوم القرآن: ١: ١٩٦ - ١٩٧، وانظر: شرح كلاّ، وبلى، ونعم: ٧: وما بعدها.
(٢) الكواكب الدراري: ١: ٣٦، ومسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠١، وطرح التثريب: ٤: ١٩١ - ١٩٢، وفتح الباري: ١: ٢٤، وإرشاد الساري: ١: ٦٤، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٢.
[ ٣ / ٦٠٢ ]
١٨ - وتحمل الكَلّ:
الكَلّ -بفتح الكاف وتشديد اللام-: الثقل، وهو من الكلال الذي هو الإعياء (١)، أي يرفع الثقل، أي يعين الضعيف المنقطع به، والكَلُّ: من لا يستقل بأمره، قال الله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ (النحل: ٧٦)!
١٩ - وتكسب المعدوم:
تُكسب -بفتح التاء-: هو المشهور، وروي بضمها، والمعنى بضم التاء تكسب غيركَ المال المعدوم، أي تعطيه المال المعدوم، فحذف أحد المفعولين، وقيل: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخرق، وأما بفتح التاء فقيل معناه كمعنى المضموم، يقال: كسبت الرجل مالًا، وأكسبته مالًا، واتفقوا على أن أكسبته مالًا أفصح، وقيل: معناه تكسب المال المعدوم، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، وكانت العرب تتمادح بكسب المال، لا سيما قريش، وكان النبي - ﷺ - قبل البعثة محظوظًا في التجارة، وقال النووي: هذا ضعيف؛ لأنه لا معنى لهذا القول في هذا الموطن، إلا أن يصحح بأن يضم إليه زيادة، وهو أنه كان يجود به، وينفقه في وجوه المكرمات، وقيل: المعدوم: عبارة عن الرجل المعدوم العاجز عن الكسب، وسماه معدومًا لكونه كالمعدوم الميت، حيث لم يتصرف في المعيشة، أي تسعى في طلب عاجز لتعيشه، والكسب: هو الاستفادة، فكما يرغب غيرك أن يستفيد مالًا ترغب أنت أن تستفيد عاجزًا تعاونه .. وقال الخطابي: صوابه المعدم
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣٦، وطرح التثريب: ٤: ١٩٢، وفتح الباري: ١: ٢٤، وانظر: مشارق الأنوار (كلل).
[ ٣ / ٦٠٣ ]
بحذف الواو؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الانفعال، تريد أنك تعطي المال الفقير الذي لا يجد المال (١)!
٢٠ - وتعين على نوائب الحق:
النوائب: جمع نائبة: وهي الحادثة خيرًا أو شرًا، وتكون في الحق والباطل، ولذلك أضافتها إلى الحق، وفي هذا إشارة إلى فضل خديجة -﵂ - وجزالة رأيها، وهذه الخصلة جامعة لأفراد ما سبق وغيره (٢)!
٢١ - فانطلقت به:
أي انطلقا إلى ورقة (٣)؛ لأن الفعل اللازم إذا عدّي بالباء يلزم فيه المصاحبة، فيلزم ذهابهما، بخلاف ما عدي بالهمزة، نحو أذهبته؛ فإنه لا يلزم ذلك.
٢٢ - ابن عم خديجة:
قال النووي: هو بنصب (ابنَ) ويكتب بالألف، على أنه بدل من ورقة، فإنه ابن عم خديجة؛ لأنها بنت خويلد بن أسد، وهو ورقة بن نوفل بن أسد، ولا يجوز جر ابن ولا كتابته بغير الألف؛ لأنه يصير صفة لعبد العزّى، فيكون عبد العزّى بن عم خديجة، وهو باطل، قال الكرماني: وأقول: كتابة الألف وعدمه لا يتعلق بكونه متعلقًا بورقة أو بعبد العزّي، بل علة إثبات الألف عدم
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣٦ - ٣٧، وانظر: مسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠١، وعمدة القاري: ١: ٥١، وفتح الباري: ١: ٢٤ - ٢٥، وإرشاد الساري: ١: ٦٤.
(٢) إرشاد الساري: ١: ٦٥، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٣.
(٣) الكواكب الدراري: ١: ٣٧، وانظر: فتح الباري: ١: ٢٥، وإرشاد الساري: ١: ٦٥.
[ ٣ / ٦٠٤ ]
وقد رجح الزركشي
ونقله ابن حجر وقال
وقوعه بين علمين؛ لأن العم ليس علمًا، ثم الحكم بكونه بدلًا غير لازم؛ لجواز أن يكون صفة أو بيانًا له (١)!
٢٣ - الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة:
وفي رواية للشيخين: وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإِنجيل بالعربيّة ما شاء الله أن يكتب (٢)!
وقد رجح الزركشي رواية الشيخين لاتفاقهما (٣)، وجمع النووي فقال: وكلاهما صحيح: وحاصلهما أنه تمكن من معرفة دين النصارى، بحيث إنه صار يتصرف في الإنجيل فيكتب أي موضع شاء منه، بالعبرانية إن شاء، وبالعربيّة إن شاء (٤)!
ونقله ابن حجر وقال: قال الداودي: كتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية هذا الكتاب الذي هو بالعربي (٥)!
وقال: لأن ورقة تعلم اللسان العبراني، والكتابة العبرانيّة، فكان يكتب الكتاب العبراني، كما يكتب الكتاب العربي، لتمكنه من الكتابين واللسانين (٦)!
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣٧ - ٣٨، وانظر: فتح الباري: ١: ٢٥، وإرشاد الساري: ١: ٦٥.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٣)، ومسلم (١٦٠).
(٣) شرح الزرقاني: ١: ٢١٤.
(٤) مسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠٣.
(٥) فتح الباري: ٨: ٧٢٠ ط الرياض.
(٦) المرجع السابق: ١: ٢٥.
[ ٣ / ٦٠٥ ]
وقال الكرماني بعد أن ذكر قول النووي
قال ابن حجر
وقال الكرماني بعد أن ذكر قول النووي: ويفهم منه أنه الإنجيل ليس عبرانيًا، وهو المشهور (١)!
قال ابن حجر: وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرًا كتيسر حفظ القرآن الذي خُصت به هذه الأمة (٢)!
٢٤ - يابن عم:
قال ابن حجر: قولهما (يا ابن عم) هذا النداء على حقيقته، ووقع في مسلم (يا عم)، وهو وهم!؛ لأنه وإن كان صحيحًا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها متحد، فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعيّن العمل على الحقيقة (٣)!
قلت: بل جاء في رواية للبخاري: (يا عم) (٤)، ولمسلم: (أي عم) (٥)!
وكلاهما صحيح، أما الأول: فلأنه ابن عمها حقيقة -كما سبق-، وأما الثاني: فقد قال النووي (٦): سمته عمًا مجازًا للاحترام، وهذه عادة العرب في آداب خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بـ: "يا عم" احترامًا له، ورفعًا لمرتبته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها: (يا بن عم)!
قال العراقي (٧): فعلى هذا تكون تكلمت باللفظين!
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣٨، وانظر: عمدة القاري: ١: ٥١ - ٥٢.
(٢) فتح الباري: ١: ٢٥.
(٣) المرجع السابق.
(٤) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٣).
(٥) مسلم: ١ - الإيمان (١٦٠).
(٦) مسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠٣.
(٧) طرح التثريب: ٤: ١٩٤.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
٢٥ - اسمع من ابن أخيك:
تعني النبي - ﷺ - لأن الأب الثالث لورقة، وهو عبد العزى، هو الأخ للأب الرابع لرسول الله - ﷺ -، وهو عبد مناف، كأنها قالت: من ابن أخي جدك، فهو مجاز بالحذف، قال الحافظ: لأن والده عبد الله بن عبد المطلب، وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب، الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه، وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مستفاد من قول خديجة -﵂- أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبي - ﷺ -، وذلك أبلغ في التعظيم (١)!
٢٦ - الناموس الذي نزّل الله على موسى:
قال البخاري: الناموس: صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره (٢)!
قال ابن حجر (٣): وزعم ابن ظفر أن الناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، والأول الصحيح الذي عليه الجمهور، وقد سوى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب (٤)!
_________________
(١) الكواكب الدراري: ١: ٣٨، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٤، وإرشاد الساري: ١: ٦٥، وفتح الباري: ١: ٢٥ في الأصل (أبلغ في التعليم) وفي الهامش (في التعظيم).
(٢) البخاري: ٦٠ - أحاديث الأنبياء (٣٣٩٢).
(٣) فتح الباري: ١: ٢٦.
(٤) انظر: عمدة القاري: ١: ٥٢ - ٥٣ ففيه تفصيل.
[ ٣ / ٦٠٧ ]
والمراد بالناموس: هنا جبريل ﵇!
وقوله: (على موسى)، ولم يقل على عيسى، مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى -﵇- مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى، وكذلك النبي - ﷺ -!
أو لأن موسى بُعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى. كذلك وقعت النقمة على يد النبي - ﷺ - بفرعون هذه الأمة، وهو أبو جهل بن هشام ومن معه بـ (بدر)!
أو قاله تحقيقًا للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوته!
وأما ما تمحّل له السهيلي (١) من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرّج عليه في حق ورقة وأشباهه، ممن لم يدخل في التبديل، ولم يأخذ عمن بدل، على أنه قد ورد عند الزبير بن بكار من طريق عبد الله بن معاذ عن الزهري في هذه القصة أن ورقة قال: ناموس عيسى، والأصح ما تقدم، وعبد الله بن معاذ ضعيف!
نعم، في دلائل النبوة لأبي نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة أن خديجة أولًا أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر فقال: (لئن كنت صدقتني إِنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلّمه بنو إِسرائيل أبناءهم) فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة: ناموس عيسى، وتارةً: ناموس موسى. فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من
_________________
(١) انظر: الروض الأنف: ١: ٢٧٣.
[ ٣ / ٦٠٨ ]
النصرانيّة، وعند إخبار النبي - ﷺ - له قال له: ناموس موسى، للمناسبة التي قدمناها، وكل صحيح (١)!
٢٧ - يا ليتني فيها جذعًا:
لابن مالك كلام في (يا) التي تليها (ليت) أقرب ما يكون إلى الدراسة النحوية، فليراجعه من شاء (٢)، حتى لا نخرج عن موضوع حديثنا!
قال القسطلاني: (يا ليتني فيها) أي في مدة النبوة، أو الدعوة، وجعل أبو البقاء المنادى محذوفًا، أي يا محمد: وتعقّب بأن قائل (ليتني) قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى، كقول مريم:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ (مريم: ٢٣)!
وأجيب بأنه قد يجوز أن يجرد من نفسه نفسًا فيخاطبها، كأن مريم قالت: يا نفسي ليتني مت!
وتقديره هنا: ليتني أكون في أيام الدعوة!
و(جذعًا) -بفتح الجيم والمعجمة وبالنصب-: خبر كان مقدرة عند الكوفيين، أو على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت، وخبر ليت قوله (فيها)، أي ليتني كائن فيها حال الشبيبة والقوة لأنصرك، أو على أن ليت تنصب الجزأين، أو بفعل محذوف، أي جعلت فيها جذعًا!
_________________
(١) انظر: الكواكب الدراري: ١: ٣٨ - ٣٩، وإرشاد الساري: ١: ٦٥، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٤ - ٢١٥، ومسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠٣، وطرح التثريب: ٤: ١٩٤.
(٢) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح: ٤ وما بعدها، وعمدة القاري: ١: ٥٨.
[ ٣ / ٦٠٩ ]
وللأصيلي ولأبي ذر عن الحموي (جذعٌ) بالرفع، خبر ليت، وحينئذ فالجار يتعلق بما فيه من معنى الفعل، كأنه قال: يا ليتني شاب فيها، والرواية الأولى أكثر وأشهر!
والجذع هو الصغير من البهائم، واستعير للإنسان، أي يا ليتني كنت شابًا عند ظهور نبوتك، حتى أقوى على المبالغة في نصرتك (١)!
قال ابن حجر: كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإِسلام شابًا ليكون أمكن لنصره، وبهذا يتبين سر وصفه بكونه كان كبيرًا أعمى!
وفيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير؛ لأن ورقة تمنى أن يعود شابًا، وهو مستحيل عادة، ويظهر لي أن التمني ليس مقصودًا على بابه، بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به (٢)!
٢٨ - إذ يخرجك قومك:
قال ابن مالك (٣): فيه استعمال إذ في المستقبل كإذا، وهو صحيح، وغفل عنه أكثر النحاة، وهو كقوله تعالى:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (مريم: ٣٩)!
قال ابن حجر: هكذا ذكره ابن مالك، وأقره عليه غير واحد، وتعقبه
_________________
(١) إرشاد الساري: ١: ٦٥ - ٦٦، وانظر: شرح الزرقاني: ١: ٢١٥، ومسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) فتح الباري: ١: ٢٦.
(٣) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح: ٩ وما بعدها.
[ ٣ / ٦١٠ ]
شيخنا شيخ الإِسلام بأن النحاة لم يغفلوه، بل منعوا وروده، وأوّلوا ما ظاهره ذلك، وقالوا في مثل هذا: استعمل الصيغة الدالة على المضي لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته، ويقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري (حين يخرجك قومك) (١)، وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى، لما ينبني عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة المضي تحقيقًا لوقوعه، أو استحضارًا للصورة الآتية في هذه دون تلك، مع وجوده في أفصح الكلام، وكأنه أراد بمنع الورود ورودًا محمولًا على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال (٢)!
٢٩ - " أو مُخرجيّ هم؟ ":
بتشديد الياء المفتوحة، قال القسطلاني (٣): لأن أصله مخرجوني، جمع مخرج، من الإخراج، فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة التي كانت سابقة الواو كسرة، وفتحت ياء مخرجيّ تخفيفًا، وهم مبتدأ خبره مخرجيّ مقدمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأن إضافة مخرجيّ غير محضة؛ لأنها لفظية؛ لأنه اسم فاعل بمعنى الاستقبال، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ لأنه
_________________
(١) البخاري: ٩١ - التعبير (٦٩٨٢).
(٢) فتح الباري: ١: ٢٦.
(٣) إرشاد الساري: ١: ٦٦، وانظر: الكواكب الدراري: ١: ٣٩ - ٤٠، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٥، وفتح الباري: ١: ٢٦، وطرح التثريب: ٤: ١٩٦، وعمدة القاري: ١: ٢٩، ومسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠٤، وشواهد التوضيح والتصحيح: ١٣.
[ ٣ / ٦١١ ]
استبعد إخراجه عن الوطن، لا سيما حرم الله، وبلد أبيه إسماعيل، من غير سبب يقتضي ذلك، فإنه - ﷺ - كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه، وإنزاله منهم محل الروح من الجسد!
فإن قلت: الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف، نحو:
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ (الأنعام)!
وحينئذ ينبغي أن يقول هنا (وأمخرجي) لأن العاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف!
أجيب بأن الهمزة خصت بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام، وهو له الصدر، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ (الأعراف: ١٨٥) ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ (غافر: ٨٢)!
هذا مذهب سيبويه والجمهور، وقال جار الله وجماعة: إن الهمزة في محلها الأصلي، وإن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، والتقدير (أمعاديّ هم ومخرجيّ هم)، وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر!
فإن قلت: كيف عطف قوله: (أو مخرجي هم؟) وهو إنشاء، على قول ورقة (إِذ يخرجك قومك) وهو خبر، وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضًا فهو عطف جملة على جملة، والمتكلم مختلف؟
أجيب بأن القول بأن عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، إنما هو رأي أهل البيان، والأصح عند أهل العربيّة جوازه، وأما أهل البيان فيقدرون في مثل ذلك جملة بين الهمزة والواو، وهي المعطوف عليها، فالتركيب سائغ عند الفريقين، أما المجوزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضح، وأما المانعون فعلى
[ ٣ / ٦١٢ ]
التقدير المذكور، وقال بعضهم: يصح أن تكون جملة الاستفهام معطوفة على جملة التمني في قوله: (ليتني أكون حيًا إِذ يخرجك قومك) بل هذا هو الظاهر، فيكون المعطوف عليه أول الجملة لا آخرها الذي هو ظرف متعلق بها، والتمنيّ إنشاء، فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأما العطف على جملة في كلام الغير فسائغ معروف في القرآن العظيم، والكلام الفضيح، قال تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (البقرة: ١٢٤)!
٣٠ - نعم لم يأت رجل قطّ بمثل مما جئت به إلا عودي:
قال العراقي: قول ورقة: (نعم) يحتمل أن يكون علمه من كتب أهل الكتاب وعلمائهم فقاله بنقل، ويحتمل أن يكون قاله باستقراء وتجربة!
فعلى الأول قوله: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إِلا عودي) خرج مخرج التسلية له، وأن هذا شأن الأنبياء قبلك، أذى قومهم لهم، وصبرهم على ذلك!
وعلى الثاني يكون هذا الكلام خرج مخرج الدليل والاستشهاد بصحة ما قاله (١)!
و(قط) -بفتح القاف وشد الطاء مضمومة- في أفصح اللغات ظرف لاستغراق الماضي فتختص بالنفي بما، وفي رواية للبخاري (إِلا أوذي) (٢)، فذكر ورقة أن علة ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم؛ ولأنه علم من الكتب
_________________
(١) طرح التثريب: ٤: ١٩٦.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٣).
[ ٣ / ٦١٣ ]
أنهم لا يجيبونه، وأنه يلزم ذلك منابذتهم ومعاندتهم، فتنشأ العداوة من ثم، وفيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام (١)!
٣١ - وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا:
(وإِن يدركني) بالجزم بإن الشرطية، و(يومك) فاعل، أي يوم انتشار نبوتك، وفي رواية للبخاري (وإِن يدركني يومك حيًا) (٢)، و(أنصرك) جواب الشرط، و(نصرًا) بالنصب على المصدرية، و(مؤزرًا) بضم الميم وفتح الزاي المشددة آخره راء مهملة مهموزًا -أي قويًا بليغًا، وهو صفة لـ (نصرًا)، وإنكار القزاز الهمز لغةً رُد بقول الجوهري: أزرت فلانًا: عاونته، والعامة تقول: وازرته، وقال أبو شامة: يحتمل أنه من الإزار، إشارة إلى تشميره في نصرته (٣)!
ولما كان ورقة سابقًا واليوم متأخرًا أسند الإدراك لليوم؛ لأن المتأخر هو الذي يدرك السابق، وهذا ظاهره أنه أقر بنبوة محمد - ﷺ -، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإِسلام، فيكون مثل بحيرى (٤)، وفي إثبات الصحبة له نظر (٥)!
_________________
(١) فتح الباري: ١: ٢٦، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٥.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٣).
(٣) إرشاد الساري: ١: ٦٧، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٥ - ٢١٦، وانظر: فتح الباري: ١: ٢٧ ومشارق الأنوار (أزر).
(٤) انظر قصة بحيرى في الترمذي (٣٦٢٠)، وتحفة الأحوذي (٣٨٦٣)، وعيون الأثر: ١: ٤٠، والسيرة النبوية: ابن كثير: ١: ٢٤٣، والطبقات الكبرى: ١: ١٥٠، والروض الأنف: ١: ٢٠٦، وشرح المواهب: ١: ١٩٣، والإصابة: ١: ١٨٣، والدلائل: أبو نعيم: ١: ٢١٧، (١٠٩)، والدلائل: الأصبهاني: ٢: ٢٤، والسيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٢٣٦، والجامع الصحيح للسيرة النبوية: ١: ٣٧١ وما بعدها.
(٥) إرشاد الساري: ١: ٦٧، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٥ - ٢١٦، وفتح الباري: ٨: ٧٢١، والإصابة: ٦: ٣١٧ - ٣١٨ (٩١٣٢).
[ ٣ / ٦١٤ ]
٣٢ - لم ينشب ورقة أن توفّي:
ينشَب -بفتح الشين- قال عياض: أي لم يمكث ولم يحدث شيئًا، حتى كان ما ذكر، وأصله من الحبس، وقال ابن الأثير: لم ينشب، أي لم يلبث (١)!
قال ابن حجر: وأصل النشوب: التعلق، أي لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات (٢)!
٣٣ - وفتر الوحي:
قال عياض: معناه: سكن وأغب نزوله وتتابعه!
وقال ابن حجر: فتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان - ﷺ - وجده من الشروع، وليحصل له التشوق إلى العود (٣)!
وقد اختلف العلماء في مدة الفترة التي انقطع فيها، قال ابن حجر (٤): وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده، وهو ربيع الأول، بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين وهي ما بين نزول ﴿اقْرَأْ﴾، و﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط!
_________________
(١) مشارق الأنوار، والنهاية (نشب).
(٢) فتح الباري: ١: ٢٧، وانظر: شرح الزرقاني: ١: ٢١٦.
(٣) مشارق الأنوار (فترة)، وفتح الباري: ١: ٢٧.
(٤) فتح الباري: ١: ٢٧.
[ ٣ / ٦١٥ ]
ثم راجعت المنقول عن الشعبي من تاريخ الإِمام أحمد، ولفظه من طريق داود ابن أبي هند عن الشعبي: أنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إِسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة!
وأخرجه ابن أبي خيثمة من وجه آخر مختصرًا عن داود بلفظ: بعث لأربعين، ووكل به إِسرافيل ثلاث سنين، ثم وكل به جبريل!
فعلى هذا فيحسن -بهذا المرسل إن ثبت- الجمع بين القولين في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، فقد قيل ثلاث عشرة، وقيل عشر، ولا يتعلق ذلك بقدر مدة الفترة!
وقد حكى ابن التين هذه القصة، لكن وقع عنده ميكائيل بدل إسرافيل!
وأنكر الواقدي هذه الرواية المرسلة، وقال: لم يقترن به من الملائكة إلا جبريل!
ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مقدم على النافي، إلا أن صحب النافي دليل نفيه فيقدم!
وأخذ السهيلي هذه الرواية، فجمع بها المختلف في مكثه - ﷺ - بمكة، فإنه قال (١): جاء في بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة سنتان ونصف، وفي رواية أخرى أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال مكث عشر سنين حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال ثلاث عشرة أضافهما!
_________________
(١) انظر: الروض الأنف: ١: ٢٨١.
[ ٣ / ٦١٦ ]
وهذا الذي اعتمده السهيلي من الاحتجاج بمرسل الشعبي لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أيامًا (١)!
وجاء في شرح المواهب: قول الشعبي معارض بما روي عن ابن عباس أن الفترة المذكورة كانت أيامًا، فلا يحتج بمرسله، لا سيما مع ما عارضه، فلم تكن الفترة إلا أيامًا، وفي تفسير ابن عباس أنها كانت أربعين يومًا، وفي تفسير ابن الجوزي، ومعاني الزجاج خمسة عشر، وفي تفسير مقاتل ثلاثة أيام، ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه، لا ما ذكره السهيلي وجنح لصحته (٢)!
قال ابن حجر: والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتي أو ثلاثًا فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك على ما بينته (٣)!
٣٤ - أضواء على الأقوال في المراد بالخشية:
سبق أن عرفنا أن الرسول - ﷺ - قال: "لقد خشيت على نفسي"!
من غير ذكر سبب لخشيته -ﷺ- على نفسه، ودواعي تلك الخشية!
وهو - ﷺ - على هذا الحال، قالت أم المؤمنين خديجة ﵂ - مستلهمة سلامة فطرتها، ورجاحة عقلها، ومعرفتها بسنن وقائع الحياة، وما هو عليه - ﷺ - منذ عرف الحياة، وعرفه الناس، من رصيد المكارم - تلك الكلمات
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ١٢: ٣٦٠ ط. الرياض، والطبقات الكبرى: ١: ١٩٦.
(٢) شرح المواهب: ١: ٢٣٦، ٢٣٧.
(٣) فتح الباري: ٨: ٧١٠.
[ ٣ / ٦١٧ ]
النورانية الواردة في الحديث، والتي هي عنوان التكامل المحمدي الذي ينبع من فطرته، والذي هو معجزة الحياة في سلوك الإنسان!
الأقوال في المراد بالخشية:
جاء في رواية لأبي ذر عن الحموي، والمستملي (خشيت عليّ) بتشديد ياء عليّ (١)!
وهذا -كما يقول الشيخ عرجون (٢): يكاد يوجب اتجاه الفهم إلى أن هذا خطاب استفهامي، حذف منه حرف الاستفهام، يوجهه النبي - ﷺ - إلى السيدة خديجة، إنكارًا تعجبيًا لحالها في قلقها ولهفتها على أوبته في موعده الذي ألفت عودته فيه في أوباته كلها من جواره إلى بيته وأهله، ليتزود لعودته إلى جواره!
فإنه لم يعهد في أساليب العربيّة أن يقول الإنسان معبرًا عما حدث له، وما يخشاه على نفسه، وهو يخاطب غيره (خشيتُ عليّ) وإنما المعهود في أساليب الفصحى أن التعبير يكون في أسلوب الاستفهام عما في نفس الخاطب، بالنسبة للمتكلم بعبارة (خَشيتِ عليّ) بحذف همزة الاستفهام، وهو حذف سائغ كثير الورود في أصح النصوص العربيّة الفصيحة!
قلت: ومع ذلك فالرواية التي معنا صريحة في عدم تشديد الياء، ومن ثم تدفعنا منهجيّة البحث إلى ذكر أقوال العلماء في المراد بالخشية!
_________________
(١) إرشاد الساري: ١٠: ١٢٠، وفتح الباري: ١٢: ٣٧٥ ط. الريان، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٢، وانظر: صحيح البخاري: ٩: ٣٨ تقديم أحمد شاكر.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٣٧٢.
[ ٣ / ٦١٨ ]
قال ابن حجر: والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولًا!
أولها: الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرحًا به في عدة طرق، وأبطله أبو بكر بن العربي، وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حضور العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى!
ثانيها: الهاجس، وهو باطل أيضًا؛ لأنه لا يستقر، وهذا استقر، وحصلت بينهما المراجعة!
ثالثها: الموت من شدة الرعب!
رابعها: المرض، وقد جزم به ابن أبي جمرة (١)!
خامسها: دوام المرض!
سادسها: العجز عن حمل أعباء النبوة!
سابعها: العجز عن النظر إلى الملك من الرعب!
ثامنها: عدم الصبر على أذى قومه!
تاسعها: أن يقتلوه!
عاشرها: مفارقة الوطن!
حادي عشرها: تكذيبهم إياه!
ثاني عشرها: تعييرهم إياه!
_________________
(١) انظر: بهجة النفوس: ١: ١٨.
[ ٣ / ٦١٩ ]
وأولى هذه الأقوال بالصواب وأسلمها من الارتياب: الثالث، واللذان بعده، وما عداها فهو معترض (١)!
أضواء على الأقوال:
وهنا لابد من وقفة لإبطال ما ينبغي إبطاله من تلك الأقوال:
إبطال القول الأول: أما عن القول الأول، وهو الجنون؛ فإنه صريح في أنه جعل الجنون والكهانة أمرًا واحدًا وقولًا واحدًا، وهما في الواقع أمران، فالجنون لا يجتمع مع الكهانة في شخص واحد، في زمن واحد، وبيان ذلك فيما يلي:
الجنون:
الجنون مصدر جُنّ -بالبناء للمجهول- فهو مجنون: أي زال عقله أو فسد، أو دخلته الجن، وجنّ الشيء عليه: ستره، ويطلق على اختلال القوة بين الأمور الحسنة والقبيحة، المدركة للعواقب بأن لا يظهر أثرها وتتعطل أفعالها، إما بالنقصان الذي جبل عليه الدماغ في أصل الخلقة، وإما بخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال، بسبب خلط أو آفة، وإما لاستيلاء الشيطان عليه، وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه، بحيث يفزع من غير ما يصلح سببًا، كما يطلق على اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرًا، واختلال القوة التي بها إدراك الكليات (٢)!
_________________
(١) فتح الباري: ١: ٢٤.
(٢) اللسان، والصحاح (جنن)، والتعريفات (جنون)، والكليات: ٣٤٩، وكشاف اصطلاحات الفنون: ١: ٣٨٠، ط ١٣٨٢ هـ، وابن عابدين: ١: ٤٢٦.
[ ٣ / ٦٢٠ ]
الكهانة:
والكهانة تعاطي الخبر عن الكائنات في المستقبل، وادعاء معرفة الأسرار!
والفرق بين الكاهن والعرّاف: أن الكاهن من يخبر بواسطة النجم عن المغيّبات في المستقبل، بخلاف العرّاف فإنه الذي يخبر عن المغيّبات الواقعة، أي في الماضي!
وقيل: الكاهن أعم من العرّاف؛ لأن العرّاف يخبر عن الماضي، والكاهن يخبر عن الماضي والمستقبل (١)!
وعليه فالجنون ذهاب العقل، واضطراب وتخليط في الفكر والعمل، والكهانة ليست من قبيل الجنون بحال، ومعلوم أن الكهّان كانوا في الجاهليّة محكّمين في أمور الناس وحياتهم!
بيد أن الحافظ ابن حجر ذكر أن القول مصرحًا به في عدة طرق، وأبطله ابن العربي، وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى!
ولم يذكر الحافظ ابن حجر مكانة تلك الطرق التي جاءت مصرحة بهذا القول!
٣٥ - الخشية عند رؤية التباشير:
وتدفعنا منهجيّة البحث إلى ذكر ما جاء في الخشية عند رؤية التباشير: فقد روى أحمد قال: حدثنا أبو كامل، وحسن بن موسى، قالا: حدثنا
_________________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والنهاية (كهن)، وابن عابدين: ١: ٣١، وشرح روض الطالب: ٤: ٨٢.
[ ٣ / ٦٢١ ]
حماد، قال أخبرنا عمار بن أبي عمار، قال حسن: عن عمار، قال حماد: وأظنه عن ابن عباس، ولم يشك فيه حسن، قال: قال ابن عباس: (قاله عبد الله بن أحمد): قال أبي: وحدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، مرسل، ليس فيه (ابن عباس)، أن النبي - ﷺ - قال لخديجة: فذكر عفان الحديث، وقال أبو كامل وحسن في حديثهما: أن النبي - ﷺ - قال لخديجة: "إِني أرى ضوءًا، وأسمع صوتًا، وإِني أخشى أن يكون بي جنن، قالت: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله! ثم أتت ورقة ابن نوفل، فذكرت ذلك له، فقال: إِن يك صادقًا فإِن هذا ناموس موسى، فإِن بعث وأنا حيّ فسأعززه وأنصره وأومن به"!
رواه الطبراني بنحوه، وزاد (وأعينه)، وابن سعد، قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (١)!
وروى ابن سعد قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "يا خديجة، إِني أرى ضوءًا، وأسمع صوتًا، لقد خشيت أن أكون كاهنًا" فقالت: إِن الله لا يفعل بك ذلك يا ابن عبد الله، إِنك تصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتصل الرحم) (٢)!
هذان الحديثان صريحان في أن الخشية التي شعر بها النبي - ﷺ -، وأخبر بها خديجة -﵂- كانت عند رؤية التباشير والإرهاصات، قبل أن
_________________
(١) أحمد (٢٨٤٦)، والفتح الرباني: ٢٠: ٢٥٧، قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، والطبراني في الكبير: ٢٣: ١٥ - ١٦ (٢٦)، والطبقات الكبرى: ١: ١٩٥، ومجمع الزوائد: ٨: ٢٥٥.
(٢) الطبقات الكبرى: ١: ١٩٥.
[ ٣ / ٦٢٢ ]
يوحى إليه بالرؤيا الصالحة الصادقة، وهي أول مراتب وحي النبوة -كما أسلفنا- وحيث لم تكن النبوة، فلا مانع أن يخشى الرسول -ﷺ- على نفسه من تلك الأمور الغريبة التي يراها ويسمعها، ولا يرى مصادرها، وذلك أمر طبيعي بمقتضى الطبيعة البشريّة التي كان يعيش بها رسول الله - ﷺ - في حياته إنسانًا مع الناس، يخالطهم، وفي الوقت ذاته يحوطه الله تعالى بحفظه، ويتولاه برعايته (١)!
أما بعد أن نزل عليه الوحي -كما عرفنا- فإن الرسول - ﷺ - قال: (لقد خشيت على نفسي) هكذا مطلقة، دون بيان لهذه الخشية!
مع أننا نلحظ هنا -كما أسلفنا- شدة ما كابد من عناء المفاجأة، وما احتف بها من الغط المجاهد المجهد، الذي هزّ بشريته هزًا بالغ الأثر في بدنه، وتكرار ذلك بأقصى ما تحتمله طاقته البشرية!
وهذا يدعونا إلى تأييد قول الحافظ ابن حجر في هذا القول، وأبطله أبو بكر ابن العربي، وحق له أن يبطل؛ لكن لا نؤيد ما ذهب إليه الإسماعيلي، كما سيأتي:
٣٦ - جميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون:
وجميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون، وقد سجل القرآن الكريم عن قوم نوح ﵇ أنهم اتهموه بالجنون، فقالوا بعد قولهم إنه بشر مثلهم يريد أن يتفضل عليهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ (المؤمنون)
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٣٨٣ بتصرف.
[ ٣ / ٦٢٣ ]
وعن فرعون -لعنه الله- في موسى ﵇: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ (الشعراء)!
وبيّن جل شأنه أن جميع الكفار كانوا يقولون هذا القول في رسلهم، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (الذاريات)!
وقد تعلق الملاحدة وأعداء الإِسلام بهذا القول، ونبذوا النبي - ﷺ - بألقاب السوء، وقالوا: مجنون يصرع، وتقوّلوا عليه، ليشككوا في نبوته ورسالته، مما أوحت به إليهم شياطينهم، من الكذب، وقول الزور، افتراء على الله ورسوله (١)، وقد رد القرآن الكريم عليهم فريتهم وأكاذيبهم، بعد أن حكاها عنهم في مواضع متعددة .. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ (الحجر)!
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (الصافات)، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾ (القلم)!، وقال جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ (الأعراف)!
ففي هذه الآية الكريمة تصوير لتجني هؤلاء الفجرة من طغاة الكفرة (٢)، وجهالتهم الضالة، وأنهم قوم بُهْت، لا يصدر منهم القول عن نظر وتدبر،
_________________
(١) انظر: الوحي المحمدي: ٨٧ وما بعدها.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٨٨ - ٢٩٠ بتصرف، وانظر: تفسير الطبري: ٩: ١٣٦، وتفسير ابن كثير: ٢: ٢٧٠، وتفسير الشوكاني: ٢: ٢٨٥ - ٢٨٦، وتفسير الألوسي: ٥: ١١٨ - ١١٩، وتفسير القرطبي: ٧: ٣٣٠، وتفسير المنار: ٩: ٤٥٣ وما بعدها.
[ ٣ / ٦٢٤ ]
ليعرفوا الحق من الباطل، وليست لهم بصائر يتفكرون بها في مبادئ الأمور وعواقبها، وقد أبرزت الآية الكريمة ذلك في أسلوب إنكاري مفعم بالتقريع والتوبيخ لمَّا أهدروه من مدارك عقولهم، ولدمغهم بالكذب والبهتان، والتسجيل عليهم أنهم قالوا قولًا باطلًا، لو تفكروا فيه، وتدبروا مداخله ومخارجه، لعلموا بطلانه بداهة!
ذلك أن من به مسّ من الجنون يصرعه ويتخبطه، لا يمكن أن يصدر عنه كلام في أرفع درجات البلاغة البيانية، باعتراف غطارفة الفصاحة فيهم، وهو مع ذلك يحمل في عباراته أجلّ المعاني الإنسانيّة، وأسمى الحقائق الكونيّة، وأدق النظم الاجتماعيّة، وأصدق القضايا العقديّة، وأزكى الآداب الخلقيّة، وأفضل الشرائع التعبديّة، ثم يبقى دهره كله على أرفع سنن الاستقامة، وزكانة الرأي، وجودة التفكير، لا يخالف قوله فعلُه، ولا تختلف آدابه وأخلاقه، يعرف له أعداؤه أمانته وصدق حديثه، وبره ووفاءه، وشجاعته ومكارم أخلاقه!
وها هو ذا القرآن الحكيم، الكتاب الذي نزل على محمد - ﷺ - من عند الله، قائم بين أظهركم، وفي متناول أيديكم وعقولكم، فاقرؤوه وتعمقوا فهمه، وحاولوا بكل ما أوتيتم من قوة، وادعوا معكم شهداءكم من شياطين الإنس والجن، لتستخرجوا معنى متهافتًا يشعر بأن من أتى به بعيد عن استقامة المدارك العقليّة، وقد تحدّاهم القرآن بآياته، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (محمد)!
والتدبّر: طلب المعنى بالقلب والعقل، وذلك هو ما يسميه منطق الفلسفة بالنظر والتعقّل، ونتيجته هي العلم واليقين.
وها هو ذا تاريخ محمد - ﷺ - وأحاديثه وسنته وآدابه وأخلاقه وشريعته تحت
[ ٣ / ٦٢٥ ]
أنظاركم، فانظروا وتفكروا في جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه -ولن تستطيعوا- ما يقيم عوج دعاواكم، وأود أباطيلكم، ولكنكم علمتم أن محمدًا - ﷺ - أرسله الله تعالى ليقوض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد، وينذر الذين لووا رؤوسهم عن قبول الحق بعذاب الله وبأسه، والذين ينغضون اليوم رؤوسهم جحودًا وعصبية عمياء ببطش الله وعقابه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ (النمل)!
ويقول ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ (سبأ)!
وهذه الآية الكريمة تجري في مَهْيع الآية السابقة: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ (الأعراف)!
وتبدأ ببيان مهمة محمد - ﷺ - في رسالته التي أمر بتحقيقها في الحياة، فهو مرسل ليعظ الناس أن يقوموا لله الواحد الأحد على قدم العبوديّة، بإفراده بالتعبد له وحده، لا يشركون به شيئًا، جماعات وأفرادًا، وهذه قضية فطريّة من بدائه العقول، لا تحتاج إلا إلى موقف تذكير وكلمة واعظة، تحرك القلب إلى اليقظة، والعقل إلى التنبيه، فإذا استيقظ القلب، وتنبه العقل، وعادت الفطرة إلى استقامتها في توحيد الله فانظروا حينئذ في شأن محمد - ﷺ - ورسالته، نظر تدبّر وتفكّر، لتصلوا بهذا التدبّر إلى العلم الذي لا يداخله شك، ويتجلّى لكم أن محمدًا - ﷺ - أصح الناس عقلًا، وأصدقهم حديثًا، وأهداهم هدى، وأرشدهم رشدًا، أليس بين أيديكم ما جاء به من شرائع وآداب، ونظم وأخلاق؟!
[ ٣ / ٦٢٦ ]
يقول الفخر الرازي
فهل تجدون فيها ما يدل من قريب أو بعيد على أن محمدًا - ﷺ - نزل عن ذروة الكمال العقلي، والآداب الاجتماعيّة التي عرفتها البشريّة منذ كانت للكَمَلة من المصطفين لرسالات الله تعالى؟!
ولكنه - ﷺ - بعثه الله نذيرًا بين يدي عذاب شديد لمن أعرض عن النظر في آيات الله، ولم يؤمن بربه، وهو يرى ما بثه في الكون من دلائل وحدانيته، وقهر قدرته، وبالغ حكمته!
يقول الفخر الرازي (١): كان النبي - ﷺ - عند نزول الوحي تغشاه حالة عجيبة، فيتغيّر وجهه، ويصفرّ لونه، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي، فالجهّال كانوا يقولون: إنه جنون، فالله تعالى بيّن في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون، وذلك لأنه - ﷺ - كان يدعوهم إلى الله، ويقيم الدلائل القاطعة، والبينات الباهرة، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الخلق، طيب العشرة، مرضي الطريقة، نقي السيرة، مواظبًا على أعمال حسنة صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير مبين، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين!
ومن لطائف القرآن الكريم هنا أنه ذكر محمدًا - ﷺ - في هذا المقام بعنوان (الصحبة) ليذكرهم بأنهم أعرف الناس به، وأنه لم يفارقهم، ولم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، فهل عرفوا عنه طول حياته بينهم شيئًا يخدش إدراكاته العقليّة وإحساساته ومشاعره الإنسانيّة؟!
_________________
(١) تفسير الفخر الرازي: ٨: ٧٦.
[ ٣ / ٦٢٧ ]
ويقول الشوكاني
لقد صدق الله تعالى إذ يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣﴾ (الأنعام)!
ونبصر الخطاب للرسول - ﷺ - ليظل في دعوته لا يثنيه سوء أدبهم معه، وسوء اتهامهم له، ونحن نقرأ قول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ (الطور)!
يقول الزمخشري: فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبطنك قولهم:
(كاهن أو مجنون)، ولا تبال به، فإنه قول باطل متناقض؛ لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله، وما أنت - بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوة ورجاحة العقل- أحد هذين (١)!
ويقول الشوكاني: أي اثبت على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير، والباء في قوله ﴿بِنِعْمَتِ﴾ متعلقة بمحذوف هو حال، أي ما أنت -متلبسًا بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل والنبوة- بكاهن ولا مجنون، وقيل: متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام، أي ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، وقيل الباء سببيّة متعلقة بمضمون الجملة المنفية، والمعنى: انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله، وقيل: الباء للقسم متوسطة بين اسم (مَا) وخبرها، والتقدير: ما أنت -ونعمة الله- بكاهن ولا مجنون، والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، أي ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه، والمقصود من الآية رد ما كان يقوله المشركون: إنه كاهن أو مجنون (٢)!
_________________
(١) تفسير الكشاف: ٤: ٣٥.
(٢) تفسير الشوكاني: ٥: ٩٩، وانظر: تفسير الألوسي: ١٤: ٢٦.
[ ٣ / ٦٢٨ ]
٣٧ - رواية في الميزان:
وقد روى ابن سعد في ذكر نزول الوحي على رسول الله - ﷺ - عن محمد ابن عمر (الواقدي) بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: "فبينا رسول الله - ﷺ - على ذلك وهو بأجياد، إذ رأى ملكًا واضعًا إِحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح: يا محمد: أنا جبريل، يا محمد، أنا جبريل، فذُعر رسول الله -ﷺ - من ذلك، وجعل يراه كلما رفع رأسه إِلى السماء، فرجع سريعًا إِلى خديجة، فأخبرها خبره، وقال: يا خديجة، والله! ما أبغضت بُغض هذه الأصنام شيئًا قط، ولا الكهّان، وإني لأخشى أن أكون كاهنًا، قالت: كلا يا ابن عم لا تقل ذلك، فإِن الله لا يفعل ذلك بك أبدًا، إِنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وإِن خلقك لكريم، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهي أول مرة أتته، فأخبرته ما أخبرها به رسول الله - ﷺ -، فقال ورقة: والله! إِن ابن عمك لصادق، وإِن هذا لبدء نبوة، وإِنه ليأتيه الناموس الأكبر، فمريه أن لا يجعل في نفسه إِلا خيرًا" (١)!
قال البخاري: الواقدي مديني سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أحمد، وابن نمير، وابن المبارك، وإسماعيل بن زكريا!
وقال في موضع آخر: كذّبه أحمد!
وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: هو كذّاب (٢)!
_________________
(١) الطبقات الكبرى: ١: ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) تهذيب الكمال: ٢٦: ١٨٠ - ١٩٤ (٥٥٠١)، وانظر: المغني في الضعفاء: ٢: ٦١٩ (٥٨٦١)، وتهذيب التهذيب: ٩: ٣٦٣ - ٣٦٨ (٦٠٤)، والتقريب: ٢: ١٩٤، والميزان (٧٩٩٣)، وسير أعلام النبلاء: ٩: ٤٥٤ - ٤٦٩ (١٧٢).
[ ٣ / ٦٢٩ ]
قلت: لعل هذه الرواية ومثيلاتها، هي التي قصدها الحافظ ابن حجر بقوله: جاء مصرحًا به في عدة طرق، بيد أنه قال: وأبطله ابن العربي وحق أن يبطل!
وهذا البغض -كما أسلفنا- كان واقعًا راسخًا في خلق رسول الله - ﷺ -، مركوزًا في فطرته التي فطره الله عليها، وفي التكامل المحمدي منذ طفولته إلى بدء نزول الوحي!
بيد أن البغض في تلك الرواية جاوز موضعه من فطرة رسول الله - ﷺ - (١)، واتخذ وضعًا مريبًا واهنًا في لحظة تاريخيّة من حياة الرسول - ﷺ -!
وكيف والرواية نفسها يصيح فيها ملك الوحي جبريل (يا محمد، أنا جبريل، يا محمد، أنا جبريل)؟!
وإذا كان النبي - ﷺ - يبغض الكهّان والكهانة بغضه للأصنام، وهو بغض لم يبغضه شيئًا قط، وهذا واقعه - ﷺ - في حياته، فكيف يخشى على نفسه في هذه اللحظة التاريخيّة من حياته أن يكون كاهنًا؟!
فضلًا عن أن هذه الرواية بهذا السند قد خالفت الرواية التي معنا، وقد رواها الشيخان وغيرهما -كما سبق- حيث فسرت الخشية بالكهانة، وفي الوقت ذاته ذكرت بغضه - ﷺ - للأصنام والكهان!
٣٨ - رد قول الحافظ الإسماعيلي:
ولو وقف الحافظ ابن حجر عند نقده لهذا القول، وتأييده لقول أبي بكر ابن العربي في قطع الحكم ببطلانه، لكان الأمر لا يحتاج إلى نظر جديد، بيد أنه
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٣٧٨ بتصرف.
[ ٣ / ٦٣٠ ]
-كما أسلفنا- قال: لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى!
وحسبنا في بيان مكانة الإسماعيلي، أنه -كما قال الذهبي: الإِمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإِسلام، أبو بكر، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ابن العباس، الجرجاني، الإسماعيلي، الشافعي، صاحب (الصحيح)، وشيخ الشافعيّة!
وقال: من جلالة الإسماعيلي أن عرف قدر (صحيح البخاري) وتقيد به!
وقال الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدّثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، ولا خلاف بين العلماء من الفريقين وعقلائهم في أبي بكر (١)!
وقال ابن كثير: الحافظ الكبير -الرحال الجوال، سمع الكثير، وحدّث، وخرّج، وصنف فأجاد، وأحسن الانتقاد والاعتقاد (٢)!
وذكره السخاوي فيمن حمل لواء علم الحديث في جرجان (٣)، وقال: الحافظ الفقيه الإِمام النظار (٤)!
ومع ذلك أقول: كان على الحافظ ابن حجر أن يقف عند تأييده لقول أبي
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ١٦: ٢٩٢ - ٢٩٦ (٢٠٨)، وتذكرة الحفاظ: ٣: ٩٤٨ - ٩٤٩، والأنساب: السمعاني: ١: ٢٥٠، والوافي: الصفدي: ٦: ١٣، والمعجم في آسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي: ١: ١٥٦.
(٢) البداية: ١١: ٢٩٨.
(٣) انظر: الإعلان بالتوبيخ: ١٤١.
(٤) انظر: فتح المغيث: ١: ٣٠.
[ ٣ / ٦٣١ ]
بكر بن العربي، وقوله (وحق له أن يبطل)، ولا يذكر حمل الحافظ الإسماعيلي الذي ذكره؛ لأنه مردود بما عرفنا، ولأن الحافظ ابن حجر لم يرفع للطرق الواردة في هذا القول المردود رأسًا، ولم يعبأ بها بحثًا، وهو في ذلك من هو في ميدان البحث العلمي في هذا المجال!
إبطال القول الثاني: أما عن القول الثاني، وهو الهاجس، فقد أبطله الحافظ ابن حجر -كما أسلفنا-، وهو كما قال!
إبطال الثالث والرابع والخامس: أما عن القول الثالث: وهو الموت من شدة الرعب، فقد جعله الحافظ ابن حجر أولى الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب، واللذين بعده، وهما: الرابع: وهو المرض (١)، وقد جزم به ابن أبي جمرة، والخامس: وهو دوام المرض!
فقد رد الشيخ عرجون ترجيح الحافظ بعبارة لا نوافقه عليها، حيث قال (٢):
وهذه الأقوال التي رجحها الحافظ ابن حجر من أضعف الأقوال الأثني عشر التي ذكرها!
وقال الإمام الصالحي الشامي (٣): والخشية المذكورة اختُلف في المراد بها على اثني عشر قولًا: أولاها بالصواب: الموت من شدة الرعب -وهو الثالث- وقيل: المرض -وهو الرابع- وقيل: دوامه -وهو الخامس- وقيل: تعييرهم إياه - وهو الثاني عشر- كما سبق!
_________________
(١) انظر: الكواكب الدراري: ٢٤: ٩٥ - ٩٦ بيد أنه أضاف إليه: أو عارضًا من الجن!
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٣٤٤.
(٣) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: ٢: ٢٤١.
[ ٣ / ٦٣٢ ]
السادس والسابع والثامن:
أما عن القول السادس: وهو العجز عن حمل أعباء النبوة، والسابع: وهو العجز عن النظر إلى الملك من الرعب، والثامن: وهو عدم الصبر على أذى قومه، فإنا نرجح القول السادس، قال الكرماني (١): وقالوا: الأولى (خشيت) أي لا أقوى على تحمل أعباء الوحي ومقاومته!
ولأن الروايات بمنطوقها ومفهومها وجو الأحداث، تمثّل هذه الأعباء، وما حفّ بها من شدائد، وما لابد من التعرض له في سبيل قيامه بحق دعوته من عداوة هؤلاء الذين جعلوا من الشرور والمفاسد عدّتهم وعتادهم، وهل يستطيع أن يصبر على ما يلقى من أذى، وهو يبلغ رسالة ربه، وهو يعلم ما عليه قومه من جاهليّة جهلاء، وما عليه غيرهم حين ذهب مع عمه أبي طالب في تجارته إلى الشام، وقصة بحيرى (٢)، وقد كان الرسول - ﷺ - من الذكاء والفطانة، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثقوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمكان الأرفع، ومنذ اللحظة التي جاءه الحق وهو في غار حراء، وما قد حفّ بهذه المفاجأة من شدائد هذا اللقاء التي لا تطيقها طبيعة بشريّة مهما كانت قوتها، كل أمر منها بمفرده حريّ أن يفزع ويرعب أقوى القوى البشريّة، وهي قد اجتمعت على محمد - ﷺ - في مفاجآت متتاليات متتابعات، عرف منها أن الله -﷿- اصطفاه رسولًا، ليخرج الناس من ظلمات حياتهم المتراكمة إلى نور الهداية والرشاد.
وفي غمرة ذلك (٣)، وقد تيقّن الرسول - ﷺ - اصطفاءه للرسالة، واستوعبت
_________________
(١) الكواكب الدراري: ٢٤: ٩٦.
(٢) انظر: الجامع الصحيح للسيرة النبويّة: ١: ٣٧١ وما بعدها.
(٣) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٣٠٤.
[ ٣ / ٦٣٣ ]
مداركه وإحساساته ومشاعره تصور أعباء القيام بحق ما اختير له رسولًا .. خشي ألا يقوى على القيام بحق تبليغ رسالته، وخشي أن يشغله ما سيقع بينه وبين الناس حين يدعوهم إلى الله، وإلى هديه -وهم على ما هم عليه من ضلالة ضالة- عن مطالعات تجليات شهود جلال الله، والاستغراق في كماله العلي، بعد ما تذوّق بروحانيته الخاصة الوليدة في جو المفاجآت، بميلاد رسالته حلاوة هذا الشهود .. كل أولئك يرجح القول السادس، ويليه الثامن، ثم السابع!
٣٩ - وهم للزرقاني:
وجاء في شرح الزرقاني ذكر القول في بيان المراد بالخشية (١):
ثالثها: خشي الموت من شدة الرعب!
رابعها: تعييرهم إياه!
قال: قال الحافظ: وهذان أولى الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب!
قلت: وهذا خلاف ما صرح به الحافظ ابن حجر -كما سبق- وقد نقلنا قوله!
التاسع: وأما عن القول التاسع، وهو أن يقتله قومه إذا بلغهم رسالة ربه، وإن كان عالمًا بأن ما جاء به من ربه -فلا غرو- وإن كان سيد أهل اليقين؛ لأن ذلك مما يرجع للطبع -كما جاء في شرح الزرقاني- فإنه بشر يخشى من القتل والأذية كما يخشى البشر، ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية، ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة، قاله في الروض (٢)!
_________________
(١) شرح الزرقاني: ١: ٢١٧، وانظر: إكمال إكمال المعلم: ١: ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٢) شرح الزرقاني: ١: ٢١٧، والروض الأنف: ١: ٢٧٥.
[ ٣ / ٦٣٤ ]
العاشر: وأما عن القول العاشر: وهو مفارقة الوطن (١)، فهذا مما يمكن أن يكون قد دار في خلد الرسول - ﷺ - وألم بخاطره، فإن مجيئه لقومه بما يخالف ما هم عاكفون عليه، منغمسون في حمأته من وثنية، وعادات فاسدة، وأخلاق مرذولة، ونظم ظالمة، يجعلهم يضيقون به وبوجوده بينهم، ليغير حياتهم الجاهليّة، وينقلهم إلى حياة مباركة طيبة، تباعد بينهم وبين هذا الفساد الذي ألفوه وارتضوه لحياتهم وعاشوا به فلا أقل من محاولة التخلص بإبعاده عنهم، وإخراجه من بلده، وذلك من أشق ما يكون على النفس، بدليل ما جاء في الحديث من قول ورقة: (يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إِذ يخرجك قومك)!
واستبعد النبي - ﷺ - كما أسلفنا- أن يخرجوه؛ لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق، فقال متعجبًا: "أو مخرجيّ هم؟ "!
الحادي عشر: وأما عن القول الحادي عشر، وهو تكذيبهم إياه، فهذا أمر طبيعي الوقوع!
الثاني عشر: وأما عن القول الأخير: وهو تعييرهم إياه، فهو لا محصل له؛ لأن خشية التعيير لا تكون إذا كان بأمر معيب، يسوء الإنسان في أخلاقه وسلوكه، والرسول - ﷺ - قد أتى قومه، وأتى العالمين برسالة خالدة كاملة، فبم يعيّرونه حتى يخشى هذا التعيير؟!
ولا يمكن أن يقع ذلك منه -ﷺ- إلا إذا كان على معنى مجرد مخالفتهم لما كانوا عليه من سوء العقيدة ورذائل العادات التي ألفوها، وأصبح من العسير عليهم خروجهم منها!
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٣٤٢ - ٣٤٣ بتصرف.
[ ٣ / ٦٣٥ ]
٤٠ - قول القاضي عياض:
وفي معنى الخشية قال القاضي عياض (١): ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله تعالى؛ لكنه كأنه خشي أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر، ولا يطيق حمل أعباء الوحي، فتزهق نفسه لشدة ما لقيه أولًا عند لقاء الملك، قال: أو يكون هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة، وسماع الصوت قبل لقاء الملك، وتحققه رسالة ربه تعالى، فيكون خاف أن يكون من الشيطان، فأما بعد أن جاءه الملك برسالة ربه -﷾- فلا يجوز الشك عليه، ولا يخشى تسلط الشيطان!
٤١ - قول النووي:
وقال النووي بعد أن ذكر قول القاضي عياض (٢): وهذا الاحتمال الثاني ضعيف؛ لأنه خلاف تصريح الحديث؛ لأن هذا كان بعد غط الملك، وإتيانه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (العلق)!
قلت: وهو الراجح (٣)!
_________________
(١) شروح البخاري: ٥٢ دار الكتب العلميّة، بيروت.
(٢) مسلم بشرح النووي: ٢: ٢٠٠.
(٣) انظر: محمد رسول الله: ١: ٣٨٢ ففيه القول بأن تضعيف النووي هو الضعيف المردود، وأن قول القاضي عياض هو القول الحق!
[ ٣ / ٦٣٦ ]
٤٢ - رد بلاغ التردي من رؤوس شواهق الجبال:
بلاغ التردي:
جاء في رواية للبخاري وغيره في حديث بدء الوحي: (.. وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي - ﷺ -، فيما بلغنا، حزنًا غدا منه مرارًا، كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكي يلقي منه نفسه، تبدّى له جبريل فقال: يا محمد، إِنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ نفسه، فيرجع، فإِذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإِذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل، فقال له مثل ذلك) (١)!
٤٣ - البلاغ في الميزان:
قال ابن حجر (٢): قوله (وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي - ﷺ - فيما بلغنا)، هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس، وصنيع المؤلف -أي البخاري- يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه، فساق الحديث إلى قوله (وفتر الوحي)، ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري، فقال: (وفتر الوحي فترة حتى حزن ..) فساقه إلى آخره!
_________________
(١) البخاري: ٩١ - التعبير (٦٩٨٢)، وأحمد: ٦: ٢٣٢ - ٢٣٣، والفتح الرباني: ٢٠: ٢٠٧ - ٢٠٩، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٢٧٥ - ٢٧٧، والبيهقي: الدلائل: ٢: ١٣٥ - ١٣٦، وعبد الرزاق (٩٧١٩)، وابن حبان: الإحسان (٣٣)، وانظر: الطبقات الكبرى: ١: ١٩٦، وسبل الهدى والرشاد: ١: ٢٧١.
(٢) فتح الباري: ١٢: ٣٥٩.
[ ٣ / ٦٣٧ ]
وقال الكرماني
قال ابن حجر
والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي، عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر، وبيّن أن اللفظ لمعمر، وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر!
وأخرجه أحمد، ومسلم، والإسماعيلي، وغيرهم، وأبو نعيم أيضًا من طريق أصحاب الليث عن الليث بدونها!
ثم إن القائل (فيما بلغنا) هو الزهري!
ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله - ﷺ - في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري، وليس موصولًا!
وقال الكرماني (١): (فيما بلغنا) أي في جملة ما بلغ إلينا من رسول الله - ﷺ -، فإن قلت: من ها هنا إلى آخر الحديث يثبت بهذا الإسناد أم لا؟ قلت: لفظه أعم من الثبوت به أو بغيره، لكن الظاهر من السياق أنه بغيره!
قال ابن حجر (٢): ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد ابن كثير عن معمر بإسقاط قوله (فيما بلغنا)، ولفظه (فترة حزن النبي - ﷺ - منها حزنًا غدا منه) إلى آخره، فصار كله مدرجًا على رواية الزهري، عن عروة، عن عائشة، والأول هو المعتمد!
وذكر القسطلاني قول ابن حجر مجملًا، ثم ذكر قول عياض، وقال (٣): وحاصله أنه ذكر أنه غير قادح من وجهين:
_________________
(١) الكواكب الدراري: ٢٤: ٩٧.
(٢) فتح الباري: ١٢: ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣) إرشاد الساري: ١٠: ١٢٢، وانظر: ٧: ٤٢٧، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٦.
[ ٣ / ٦٣٨ ]
أحدهما: فيما يتعلق بالمتن من جهة قوله (فيما بلغنا) حيث لم يسنده، وأنه لا يعلم ذلك إلا من جهة المنقول عنه!
والثاني: أنه أول الأمر، أو أنه فعل ذلك لما أخرجه من تكذيب قومه، وفيه بحث؛ إذ عدم إسناده لا يوجب قدحًا في الصحة، بل الغالب على الظن أنه بلغه من الثقات؛ لأنه ثقة، لا سيما ولم ينفرد بذلك .. وروينا أيضًا من طريق الدولابي مما في سيرة ابن سيد الناس، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري، عن عائشة: الحديث، وفيه: (ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا) إلى آخره (١)، فاعتضدت كل رواية بالأخرى، وكل من الزهري ومعمر ثقة، وعلى تقدير الصحة لا يكون قادحًا كما ذكره عياض، لكن بالنسبة إلى أنه في أول الأمر، لاستقرار الحال فيه مدة، بل بالنسبة إلى ما أخرجه من التكذيب، إذ لا شيء فيه قطعًا، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ (الكهف)!
أي قاتل نفسك أسفًا!
قلت: هو مجرد احتمال، يرده صريح قوله: (فيما بلغنا) كما يرده حذفه؛ لأنه يكون مدرجًا كما قال ابن حجر!
وقال الدكتور أبو شهبة (٢): هذه الرواية ليست على شرط الصحيح؛ لأنها
_________________
(١) عيون الأثر: ١: ٨٥.
(٢) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٢٦٥ - ٢٦٦ بتصرف، وقد ذكر في بيان أن هذه الرواية موهمة أحاديث لم تسلم أسانيدها من الضعف، لم نذكرها حتى لا نخرج عن موضوع حديثنا!
[ ٣ / ٦٣٩ ]
من البلاغات، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف، والبخاري لا يخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة!
وقال: وأيضًا فإن ما استفاض من سيرته - ﷺ - يرد ذلك، فقد حدثت له حالات أثناء الدعوة إلى ربه أشد وأقسى من هذه الحالة، فما فكر في الانتحار بأن يلقي نفسه من شاهق جبل أو يبخع نفسه!
وقال: ونحن لا ننكر أنه - ﷺ - قد حصلت له حالة أسى وحزن عميقين على انقطاع الوحي، خشية أن يكون ذلك عدم رضا من الله، وهو الذي كان يهون عليه كل شيء من لأواء الحياة وشدائدها ما دام في سبيل الله، وفيه رضا الله!
وقال: وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل كان يقول للنبي - ﷺ - كلما أوفى بذروة جبل: (يا محمد، إِنك رسول الله حقًا) وأنه كرر ذلك مرارًا، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي - ﷺ - وصرفه عما حدّثته به نفسه كما زعموا!
وقال الدكتور موسى شاهين (١): هذه الرواية تتعارض مع ما كان عليه - ﷺ - من الإيمان الكامل، واليقين المطلق الذي لا تزعزعه الكوارث، والذي يستبعد معه التفكير في الانتحار، مهما كانت أسبابه ودواعيه .. ثم قال: والذي أستريح إليه أن هذه الزيادة من رواية معمر، وأن هذا التصور من بلاغات الزهري، وليس موصولًا، فلا نثبت ما يتنافى والطبع السليم!
_________________
(١) فتح المنعم: ٢: ٢: ٣٣٧.
[ ٣ / ٦٤٠ ]
وقال الألباني (١): إن لهذه الزيادة علتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل، فهي شاذة!
والأخرى: أنها مرسلة معضلة، فإن القائل (فيما بلغنا) إنما هو الزهري، كما هو ظاهر من السياق، وبذلك جزم الحافظ في الفتح، وقال: وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا!
وقال: وهذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها!
وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلنا الحق أن نقول: إنها زيادة منكرة، من حيث المعنى؛ لأنه لا يليق بالنبي - ﷺ - المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع على ذلك، وهو القائل: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم، يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا .. " الحديث، رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ (٢)!
٤٤ - رد قول الحافظ الإسماعيلي:
ومع ذلك، قال ابن حجر: قال الإسماعيلي (٣): موه بعض الطاعنين على المحدّثين فقال: كيف يجوز للنبي - ﷺ - أن يرتاب في نبوته، حتى يرجع إلى ورقة، ويشكو لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفي بذروة جبل ليلقي منها نفسه، على ما جاء في رواية معمر؟!
_________________
(١) دفاع عن الحديث النبوي والسيرة: ٤١ - ٤٢.
(٢) البخاري: ٧٦ - الطب (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)، وأبو داود (٣٨٧٢)، وصحيح أبي داود (٣٢٨٠)، والترمذي (٢٠٤٤، ٢٠٤٥)، وصحيح الترمذي (١٦٦٥ - ٢١٣٢)، والنسائي: ٤: ٦٦، ٦٧، وصحيح النسائي (١٨٥٦).
(٣) فتح الباري: ١٢: ٣٦٠ - ٣٦١.
[ ٣ / ٦٤١ ]
قال: ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة؟!
قال: والجواب أن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قُضي بإيصاله إلى الخلق أن يقدمه ترشيح وتأسيس، فكان ما يراه النبي - ﷺ - من الرؤيا الصادقة، ومحبة الخلوة، والتعبد، من ذلك، فلما فجئه الملك فجئه بغتة أمر خالف العادة والمألوف، فنفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه، حتى إذا تدرج عليه وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته بما عرفته من أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة، لمعرفتها بصدقه، ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به!
ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي، ليتدرج فيه، ويمرن عليه، فشق عليه فتوره؛ إذ لم يكن خوطب عن الله بعد إنك رسول من الله ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمرًا بدئ به، ثم لم يرد استفهامه، فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح!
قال: ومثال ما وقع له في أول ما خوطب به ولم يتحقق الحال على جليتها مثل رجل سمع آخر يقول: (الحمد لله) فلم يتحقق أنه يقرأ، حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ!
[ ٣ / ٦٤٢ ]
وكذا لو سمع قائلًا يقول: (خلت الديار) لم يتحقق أنه ينشد شعرًا حتى يقول: (محلها ومقامها) انتهى ملخصًا!
ثم أشار إلى أن الحكمة في ذكره - ﷺ - ما اتفق له في هذه القصة أن يكون سببًا في انتشار خبره في بطانته، ومن يستمع لقوله، ويصغي إليه، وطريقًا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله، لينبهوا على محله!
قال: وأما إرادته إلقاء نفسه من رؤوس الجبال بعد ما نبّئ فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفًا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعًا، كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلًا، حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرت نفسه!
والناظر في هذا الكلام، وتصويره لطعن الطاعنين الذي سماه الحافظ الإسماعيلي تمويهًا على المحدّثين، يرى بشيء من التأمل المحكم المنصف أن هذا الكلام مردود على قائله!
وسبق أن عرفنا الرد على تخرصات تفسير (الخشية)، وبيان ما يقبل منها!
ترى، هل كان كلام ورقة -كما عرفنا- أعظم أثرًا في إيجاد الإيقان، وتحصيله للرسول - ﷺ -، واعترافه بالحق، من وحي النبوة بالرؤيا الصالحة الصادقة، وما صحبها وتتابع بعدها .. ومراتب الوحي، ونزول القرآن؟!
ثم إن هذا التصوير يقتضي أن الرسول - ﷺ - حزن لفتور الوحي حزنًا ملأه يأسًا كظيمًا مغلقًا (١)، دفعه إلى أن يغدو مرارًا إلى رؤوس شواهق الجبال، لكي
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٤٢١ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٦٤٣ ]
يتردى من فوق ذراها، فيتبدّى له جبريل قائلًا: يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه .. ويتكرر ذلك!
ترى، كم مرة غدا رسول الله - ﷺ -، وتبدّى له جبريل ﵇؟!
وأين ذهب الإيقان والاعتراف بالحق الذي حصل للرسول - ﷺ - عقب سماع كلام ورقة الذي لم ينشب -كما عرفنا- أن توفي، كما يدل الحديث على ذلك؟!
وإن إجابة الحافظ الإسماعيلي عن مطاعن الطاعنين على المحدّثين بأن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى بإيصاله إلى الخلق يقدمه ترشيح وتأسيس .. مسلّمة في جملتها، ضعيفة في تعليلها ودعامتها!
ذلك أن الرسالة إذا ثبتت لمن يصطفيه الله -﷿- ثم جاءه من عند الله ما ليس مألوفًا لبشريّته قبل أن يكون رسولًا، فلا مانع أن يفزع ويرعب فزعًا ورعبًا تقتضيه دواعي بشريّته؛ لكنه لا يمكن أن يصل إلى درجة تخطي عصمة النبوة والرسالة!
وإذا كانت النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها -كما قال الحافظ الإسماعيلي- فذلك حق لا يجادل فيه، بيد أنها تخلص الروح من أعظم علائقها الماديّة المعوقة للاتصال بالملأ الأعلى في شيء من المجانسة الروحانيّة ليحصل التناسب الروحاني عند بدء الرسالة، ونزول القرآن الكريم!
ثم كيف تكون مدة فترة الوحي من مقدمات تأسيس النبوة، وهي متأخرة قطعًا عن مجيء النبوة وتأسيسها؛ لأنها كانت باليقن القاطع بعد مفاجأة الغار، ونزول أوائل سورة (اقرأ) وقبل نزول سورة (المدثر)؟!
وما قيمة التمثيل الذي جاء به الحافظ الإسماعيلي ليبين عدم تمكن النبي - ﷺ -
[ ٣ / ٦٤٤ ]
من تحقق حاله، وأي محصل له، وهو تمثيل عجيب غريب، جعل النبي - ﷺ - كأي رجل يطلب الراحة من غم ناله، فأراد أن يتخلص منه ويرتاح، ولو بإهلاك نفسه؟!
قال ابن حجر (١): وأما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجيء جبريل، وأشار إلى رواية الطبري (٢)!
قلت: هذا يؤكد رد ذلك القول، فضلًا عن اختلاف الرواية، والتعارض مع الرواية التي أوردناها، وكان على الحافظ ابن حجر أن يشير إلى ذلك، وهو الذي ذكرناه بقوله في رد ذلك البلاغ!
وبهذا نتبين أن فترة الوحي أبعد ما تكون زمنًا ووضعًا وموضوعًا من أن تكون من مقدمات تأسيس النبوة؛ لأن فترة الوحي -كما عرفنا- متأخرة في زمن وقوعها ووضعها في إطار الرسالة بزمن، والمتأخر زمنًا لا يصلح بداهة أن يكون تأسيسًا للمتقدم!
وأبعد ما تكون في موضوعها وحكمتها عن التدرج بالنبي -ﷺ- في الوحي ليمرن عليه؛ لأن كل ما يتصل بالوحي ليس من الشؤون الكسبية التي يتدرج الإنسان في مراتبها ودرجاتها حتى يمرن عليها؛ ولأن التدرج والمران يقتضيان تعدد فترات الوحي، حتى يتحقق المقصود منهما، وفترة الوحي قبل نزول سورة (الضحى) فترة من نوع آخر، كان سببها على الصحيح أن الرسول -ﷺ- اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاتًا، وذلك فيما رواه الشيخان وغيرهما عن جندب بن
_________________
(١) فتح الباري: ١٢: ٣٦١.
(٢) انظر: تاريخ الطبري: ١: ٥٣.
[ ٣ / ٦٤٥ ]
سفيان ﵁ قال (١): اشتكى رسول الله - ﷺ -، فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إِني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ (الضحى)!
وهذه المرأة هي أم جميل العوراء، بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وامرأة أبي لهب (٢)!
وسبق أن ذكرنا قول الحافظ ابن حجر: الحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك ما بينته (٣)!
وعرفنا أن الرسول - ﷺ - قد خوطب قبل فترة الوحي، وقبل أن يأتي إلى أهله في عودته من مفاجأة الغار وتكرار الغط، وبعد أن أقرئ أوائل سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾!
وقد أطال الشيخ عرجون في رده لكلام الحافظ الإسماعيلي بما يتفق وقواعد التحديث أحيانًا وما يختلف أخرى (٤)!
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٠)، ومسلم (١٧٩٧)، وأحمد: ٤: ٣١٢، ومرويات الإمام أحمد في التفسير: ٤: ٣٦٢ (٦٧٩)، وابن جرير: التفسير: ٣: ٢٣١، والطبراني (١٧٠٩ - ١٧١٢)، والترمذي (٣٣٤٥)، وانظر: فتح القدير: ٥: ٤٥٤.
(٢) فتح الباري: ٣: ٩، وانظر: المستدرك: ٢: ٥٢٦ - ٥٢٧.
(٣) المرجع السابق: ٨: ٧١٠.
(٤) انظر: محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٤١٧ - ٤٥٨.
[ ٣ / ٦٤٦ ]
وحسبنا ما سبق في بيان الأقوال في قوله (فيما بلغنا) وفي حذفه؛ لأنه يكون مدرجًا، كما قال الحافظ ابن حجر!
٤٥ - البلاغ في كتب كثيرة:
ومع هذا نجد ذلك البلاغ في كتب كثيرة -غير ما سبق- لها مكانتها، فقد ذكره الحافظ ابن كثير، وسكت عنه (١)، والحافظ ابن الجوزي، وقال: أخرجاه، وسكت عنه محققه (٢)، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وذكر أنه في الصحيحين (٣)، والإمام محمد عبده (٤)، والدكتور مصطفى السباعي (٥)، والشيخ صفي الرحمن المباركفوري (٦)، والشيخ حامد محمود (٧)، والدكتور البوطي، وعلق عليه بقوله: لقد قضت الحكمة الإلهيَّة أن يحتجب عنه الملك الذي رآه لأول مرة في غار حراء مدة طويلة، وأن يستبد به القلق من أجل ذلك، ثم يتحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن يكون الله ﷿ قد قلاه بعد أن أراد أن يشرفه بالوحي والرسالة، لسوء قد صدر منه، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه، وراحت نفسه تحدثه،
_________________
(١) البداية: ٣: ٣، والسيرة النبويّة: ١: ٤١٢.
(٢) الوفا بأحوال المصطفى: ١: ١٦٣.
(٣) مختصر سيرة الرسول - ﷺ -: ٧١ - ٧٢.
(٤) انظر: تفسير جزء عم: سورة الضحى.
(٥) السيرة النبويّة: ٤٦.
(٦) الرحيق المختوم: ٨٠، وهو البحث الفائز بالجائزة الأولى لمسابقة السيرة النبويّة التي نظمتها رابطة العالم الإِسلامي، شعبان ١٣٩٨ هـ، ط. دار الوفاء، المنصورة ١٤١١ هـ ١٩٩١ م.
(٧) منتقى النقول: ١٧٥، وهو البحث الفائز بالجائزة الرابعة لمسابقة السيرة النبويّة التي نظمتها رابطة العالم الإِسلامي، ربيع الأول ١٣٩٩ هـ، ط. أولى ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م.
[ ٣ / ٦٤٧ ]
كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها! .. إلى أن رأى ذات يوم الملك الذي رآه .. (١)!
وهو كلام يجب طرحه من كتب السيرة النبويّة!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الكتب التي نقلت هذا البلاغ وسكتت عنه، أو أعجبت به!
_________________
(١) فقه السيرة: ٧٠ ط. سابعة.
[ ٣ / ٦٤٨ ]
معالم حديث بدء الوحي
[ ٣ / ٦٤٩ ]
معالم حديث بدء الوحي
١ - مكانة العلم في رسالة محمد - ﷺ -
٢ - أوّل مراتب النبوة
٣ - كمال البشرية وميلاد الرسالة
٤ - خصيصة النبوة الخاتمة
٥ - تهافت الملاحدة
٦ - إيمان النبي - ﷺ -
٧ - أم المؤمنين خديجة أعرف بقدر محمد - ﷺ -
٨ - صدق الحديث
٩ - صلة الرحم
١٠ - وتحمل الكلّ
١١ - وتكسب المعدوم
١٢ - وتقري الضيف
١٣ - الإعانة على نوائب الحق
١٤ - أداء الأمانة
١٥ - فراسة الإلهام
١٦ - العلم سرّ الرسالة
١٧ - أهداف الدعوة
١٨ - فترة الوحي
١٩ - موقف الإمام محمد عبده
٢٠ - بناء صرح الرسالة الخالدة
[ ٣ / ٦٥٠ ]
معالم حديث بدء الوحي
وتطالعنا معالم حديث بدء الوحي فيما يلي:
١ - مكانة العلم في رسالة محمَّد - ﷺ -:
بدأت رسالة خاتم النبيّين محمَّد - ﷺ - بأوّل وأعظم عنوان للعلم والمعرفة كُتب في قدر الله على أبرز لوحات التاريخ (١)، يوم أن قالت السماء لنموذج الرسالات الإلهيّة الأعلى محمَّد - ﷺ -: ﴿اقْرَأْ﴾!
هكذا مطلقة، بصيغة الأمر المطلق الذي لا يتقيّد بمقروء معيّن من علوم البشر ومعارفهم وفنونهم وأفكارهم .. ولا تتقيّد بقراءة من كتاب مكتوب بما عرف الناس من طرائق الكتابة، وأساليب تقييد العلم والمعارف الإنسانية .. ولا تتقيد بزمن تقع فيه القراءة .. ولا تتقيّد بمكان معين تجري القراءة بين جنباته!
فهو طلب قراءة فحسب .. والحقائق المطلقة لا يمكن أن تتحقّق في واقع الحياة والوجود الحسّي إلا في صورة من صور جزئياتها .. وليس هناك مقروء معيّن يتحقّق به طلب القراءة في جزئيّة منها!
فهذا الطلب المطلق بهذه الصيغة: ﴿اقْرَأْ﴾!
على ما احتفّ به من أحوال مفاجأة الوحي وجوّها، صريح في تسجيل العنوان الأوّل لرسالة محمَّد - ﷺ - في لوحة الحياة بأخصّ خصائص خلودها، وشمولها شمولًا كاملًا، لا يفوته جيل من الناس، ولا زمن من الأزمان، ولا مكان من الأمكنة، ولا يندّ عنه علم من العلوم التي عرفها البشر في مدارج
_________________
(١) محمَّد رسول الله -ﷺ-: ١: ٢٤١ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٦٥١ ]
(التطوّر) الإنساني، أو التي سيُفتح إلى معرفتها سبلٌ لا عهد للعقل الإنسانيّ بها فيما مضى من السنين والأحقاب، ولا تذهب عنه معرفة من المعارف التي كانت في ماضي الحياة، أو التي ستكون في مستقبلها!
ومعناه: (كن قارئًا)!
فالمقروء في رسالة محمد - ﷺ - تحت عنوانها الأوّل: ﴿اقْرَأْ﴾!
مقروء لا يقرؤه الناس، ولكنهم يقرؤون عنه، وعلم لا يعلمونه تعلّمًا، ولكنهم يعلمون عنه، ومعرفة ليست في متعارف معارف الناس، ولكنهم يتطلّعون إليها!
هو علم حقائق الموجودات المكتوب في كتاب (الكون) وسفر الحياة، وهو معرفة عناصر الكائنات مسطورة في صحف الطبيعة!
وقد تكرّر هذا الأمر المطلق -في أوّل لقاء يقظي بأمين الوحي جبريل ﵇كما أسلفنا- وهو اللقاء الذي بدأت به الرسالة- ثلاث مرات، بصورة واحدة!
ولمّا جاء في المرّة الرابعة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾!
مقرونًا بما يقرأ، لم يجيء مطلقًا بطلب القراءة، على أنه هو المطلوب تحقيق قراءته بالأمر بطلبها؛ وإنما جاء مؤكّدًا لإطلاق الأمر، وتحقيق القراءة في ذاتها على المعنى الذي ذكرناه!
فالنبي - ﷺ - في ردّه على هذا الطلب الغريب على حياته وطبيعة بشريّته
[ ٣ / ٦٥٢ ]
الخاصّة نفى عن نفسه أنه يعرف القراءة، لا طبيعة وجبلّةً، ولا تعلّمًا وكسبًا، فهو أميّ لم يسبق له قط أن قرأ ولا تعلّم القراءة، ولا خطّ بيمينه كتابًا، ثم استبان من مخاطبه أمين الوحي (ماذا يقرأ)؟ و(كيف يقرأ)؟!
وليس وراء الأمر بالقراءة في أوّل وأبرز عنوان في إطار رسالة محمَّد - ﷺ - إلا أن يستعين -على تحقيق ما لم يعرف، ولا هو في طوقه- باسم ربّه، وقد أبرز الاسم الكريم متعلّقًا تعلّقًا مباشرًا بفعل الأمر المطلق بالقراءة، مضافًا إضافة تكريم وتشريف خاصة بخطاب مَن طلب منه أن يقرأ ما لم يخطه قلم بيمين إنسان، فقيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾!
وفي هذه الإضافة التكريميّة لون من الحفاوة السابغة، تبثّ الطمأنينة، ويقين الإيمان في قلب القارئ العظيم الذي سبقت له العناية، فتولّته رعاية الربوبيّة، وتعهّدته بتربيتها الخاصّة، وهو لا يعلم أنه المقصود بتعليمه وتأديبه، تعليمًا إلهيًّا، وأدبًا ربّانيًّا، لم يثافن معلّمًا قط، وهيّأته لا يراد به، وما يراد منه، وهو لا يعلم أنه الرسول خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]
وعموم المشيئة في الآية الكريمة مخصوص به - ﷺ -،ولكنها جاءت كما في الآية لتمثل إطلاق الألوهيّة في كمال إرادتها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]!
ولُباب المعنى: كن قارئًا إعجازًا، ولو لم تكن من القارئين تعلّمًا .. اقرأ
[ ٣ / ٦٥٣ ]
مستعينًا باسم ربّك الذي أعدّك بتربيته معلّما للدنيا، ولا تلتفتنَّ إلى الأسباب، واذكر بقلبك وروحك وعقلك مَن خلقها وسبّبها .. فأنت معلَّم بعلم من عندنا، عليم بعلم غير مكتوب في كتاب، كما يكتب العلماء المعلَّمون .. وأنت قارئ كتابنا الذي كتبناه بقلم كلمتنا الخالقة المبدعة، في صحفنا التي خطّها قلم قدرتنا في لوح الأزل، لتكون هذه القراءة خصيصتك إلى الأبد:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾!
والخلق من الله تعالى إبداع ما لم يشهد الوجود، وإيجاد ما لم يكن له قبل ذلك شهود!
وهذا العموم في المنفعل بالخلق يجعل فعل الخلق المطلق عن التقيّد بذكر مفعوله متشوّفًا لمتعلّقه، لتحقيق معناه، وهو صالح لكل مخلوق، وليس منها فرد جنس أو فرد نوع، أو فرد شخص، بأولى أن يكون متعلّقا لفعل الخلق المطلق -لفظًا- من غيره دون سائر المخلوقات، أجناسًا وأنواعًا وأفرادًا، فهي كلها كالمذكورة في تعلق فعل الخلق بها، وهذا الإطلاق مغاير للإطلاق في فعل طلب القراءة الذي بدأت به الرسالة الخالدة لأنّ فعل القراءة هناك لا يتطلّب التقييد ولا يقبله، وفعل الخلق هنا يستدعيه عامًّا شاملًا مضمرًا كالمذكور!
والمنفعل بالخلق والإبداع عامًّا عمومًا شموليًّا هو (الكون) كله، على إطلاقه وشموله في عناصر تكوينه وإبداعه، فهو بالنسبة لفعل الخلق مفعوله الذي يتحقّق به، وبالنسبة لفعل القراءة مقروؤه الذي لا يتوقّف عليه تحقّقه، ولكن جوّ الأحداث يفرضه!
وهذه إشارة معيّنة تشهد -بمقتضى إطلاق فعل القراءة عن متعلّق معيّن- أن المأمور بقراءته المستعان عليه باسم ﴿رَبِّكَ﴾ في اختصاصك بتربية النبوّة
[ ٣ / ٦٥٤ ]
الخاتمة، وفي تخصيصك بالإضافة التكريميّة مع عموم واقع التربية لكل كائن- إنما هو كتاب الخلق والإبداع، وليس ذلك سوى حقائق الوجود مسطورة في كتاب (الكون) البديع!
٢ - أوّل مراتب النبوّة:
وهنا نتصوّر أوّل مراتب النبوّة (١) في الرؤيا الصالحة الصادقة .. وكأنما كانت هي الباعث المباشر على حبّ الرسول - ﷺ - للخلوة -كما أسلفنا- واعتزال ضوضاء المجتمع، والأنس بالوحدة، لاستجماع الفكر والسبح في ملكوت الله، وجلال بدائع صنعه، ولهذا جاءت بحرف الترتيب الرتبي المتعاقب في ريث ومهل:
ثم حبّب إليه الخلاء!
أي بعد اصطفائه بالنبوّة، وبدء معالمها بالرؤيا الصالحة الصادقة حبّب الله تعالى إلى نفسه الطاهرة المطهّرة الخلوة، ليتفرغّ قلبه وعقله وروحه إلى ما سيلقى إليه من أعلام النبوّة!
وقد اتخذ رسول الله -ﷺ- من (غار حراء) مختلى له ومتعبّدًا -كما عرفنا- لينقطع عن مشاغل الحياة ومخالطة الخلق، استجماعًا لقواه الفكريّة، ومشاعره الروحيّة، وإحساساته النفسيّة، ومداركه العقلية .. تفرّغا لمناجاة مبدع الكون، وخالق الوجود؛ وتمكينًا لأنوار النبوّة من قلبه بالتأمل في مظاهر ملكوت الله!
وقد تحقّق للرسول - ﷺ - بهذه الخلوة من أنوار شهود جلال الله، وجمال
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٥٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٦٥٥ ]
قدسه ما كشف عن روحه العلية أغطية الكثافة البشريّة، فكان - ﷺ - يرى الضوء، ويسمع الصوت، ويكلَّم، ويبشَّر، حتى بلغت به الأنوار القدسيّة آفاق الكمال النبوي، ووقف بها على الدرج الأعلى من مراتب النبوّة، وأتمّ الله تعالى عليه وله نعمة الاستعداد الأسمى لتلقّي رسالة الخلود!
وجاء الملك جبريل أمين الوحي مفاجئًا دون تمهيد لهذا اللقاء الذي لا يماثله لقاء قط بين متلاقيين من المخلوقات!
فهو لقاء بين طبيعتين مختلفتين في التكوين أشدّ الاختلاف .. بين طبيعة مزدوجة الإبداع والخلق، فهي بشريّة روحانيّة هي طبيعة محمَّد - ﷺ -، وطبيعة موّحدة الإبداع في أعلى درجات الروحانيّة والاختصاص العلويّ، هي طبيعة أمين الوحي جبريل -﵇!
وليس بين إنسان من البشر بكل ما فيه من كمال البشريّة وطبيعتها، وملك بكل ما في طبيعته من روحانيّة لها اختصاصها القدسي في الملأ الأعلى، تناسبٌ يقع به اللقاء لتلقّي كلمات الله المنزلة من غيب عزّه وجلاله، إلا إذا تغلّب الجانب الروحاني من الطبيعة المزدوجة على الجانب البشري منها، تحقيقًا للتناسب والمشاكلة!
ومن ثم كان تحبيب الخلوة إلى النبي -ﷺ- بعد بدء النبوّة بوحي الرؤيا الصادقة -كما أسلفنا- أشبه بحضانة لميلاد الرسالة في عهد الإعداد لطور الانتقال إلى تحمّل أعبائها، والقيام بحق تبليغها عامة شاملة للإنسانيّة في مشارق الأرض ومغاربها، بما يختلف عليها من أجيال متتابعة، لا ينقطع توالدها البشري متواردة على مرّ الزمن!
[ ٣ / ٦٥٦ ]
ومن هنا يتجلّى وجه المفاجأة في مجيء الحق، ولقاء الملك، وطلب القراءة ممن لم يكن قارئًا، واستفراغ بشريّته بالغطّ الملائكي المتكرّر مع كل طلب للقراءة التي لم تكن بمفهومها المعهود ممكنة الحصول!
وكأن هذا الغطّ بصورته البليغة البالغة هو في حقيقته إذابة لروابط العناصر الطبيعيّة البشريّة عند الرسول - ﷺ - دون إفنائها إفناء يفقدها وجودها، وإنما هو تفتيت لترابط عناصرها، حتى يخفّ وزنها، إلى جانب الطبيعة الروحانيّة، لتشبعها بأنوار الجلال الإلهي، حتى تنفرد بالحركة الوجوديّة في تلقّي الوحي اليقظي، وأخذ كلمات الله من حاملها الأمين!
وبقاء الطبيعة البشريّة بحقيقتها الأصيلة وراء مشهد تلقّي الوحي اليقظي ضرورة لتبليغ الرسالة، استجابة للتناسب بين الرسول والأمّة؛ لأنّ كل جنس يأنس بجنسه، والجنس إلى الجنس أميل، وإلى ذلك يشير القرآن الحكيم في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]!
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٥]!
وإنما أقدر الله -عزّ شأنه- أنبياءه على رؤية الملك لتلقّي الوحي عنه، بخلقه قدرة خاصّة فيهم، مكّنهم بها من ذلك، معجزة لهم لإبلاغهم رسالات الله، ليبلغوها إلى أممهم، وتلك القدرة نبصرها في تغليب جانب الطبيعة الروحانيّة على جانب الطبيعة البشريّة، وإذابة روابط عناصرها، وتفتيت وشائجها الفرزيّة، لتنفرد الطبيعة الروحانيّة بقوة الوجود الخاصّ الذي يتحقّق به تلقّي الوحي عن الملك المرسل به من عند الله العزيز الحكيم!
[ ٣ / ٦٥٧ ]
وحديث بدء الوحي -كما عرفنا- بدأ في جوّ المفاجأة بلا مهل، فطلب الملك من النبي - ﷺ - أن يقرأ، دون أن يذكر له مقروءًا يقرؤه؛ لأنه لم يزد على قوله: ﴿اقْرَأْ﴾!
هكذا أمر من فعل القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء، أيّ مقروء، فأجابه النبي -ﷺكما تقضي به البداهة في جوّ المفاجأة التي لم يسبقها في هذا اللقاء تمهيد مؤنس- ينفي معرفته للقراءة؛ لأنه أميّ لا يقرأ، فضمّه الملك إليه ضمّةً شديدة، بالغة الشدّة، عصره بها عصرًا بلغ منه منتهى جهده، وطاقة احتماله البشري .. ثم أرسله الملك، وقال له مرّة ثانية: ﴿اقْرَأْ﴾!
هكذا فعل أمر من القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء -أيّ مقروء- فأجابه النبي -ﷺ- هذه المرّة مستفهمًا .. وبعد ذلك -أيضًا- فكان استفهامًا عن الحالة التي يصير بها قارئًا، وهو الأمي الذي لم يعرف القراءة قط، فأخذه الملك وضمّه إليه ضمّةً بالغة الشدّة، استفرغت منه جهده وطاقته، ثم أرسله وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾!
و(ما) في قوله - ﷺ - في المرّة الأولى: "ما أنا بقارئ"! نافية
ومعنى الجواب حينئذ الإخبار بعدم معرفته القراءة، بيانًا لطبيعة أميّته التي وُلد بها، ونشأ عليها، أي ما أنا بعارف للقراءة ولا باشرتها قط؛ لأني أميّ، لم أكن قارئًا قط، ولا تعلّمت قراءة حرف قط، كما جاء صريحًا في بعض الروايات!
و(ما) في المرة الثانية: "ما أنا بقارئ"! استفهامة
[ ٣ / ٦٥٨ ]
يراد بها استبانة ما يقرؤه، والمعنى أيّ شيء أقرأ؟ كما يوضحه مجيء العبارة بصيغة الاستفهام الصريح، استخبارًا عما يريد منه أن يقرأه في مرسل ابن عمير: "ماذا أقرأ"؟!
و(ما) في المرّة الثالثة: "ما أنا بقارئ" استفهاميّة
بمعنى كيف، فهي استخبار عن الحالة التي يكون بها النبي -ﷺ- قارئًا، وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي: "كيف أقرأ"؟! (١)
لأنّ تحقيق القراءة منه بعيد جدًا عن حالته التي وُلد عليها، ونشأ بها!
وجاء الرد بالآيات استجابة لطلب القراءة المطلق:
كن قارئًا إعجازًا، وحقّق القراءة، وأنت على أميّتك، مستعينًا باسم ربّك الذي ربّاك، وأعدّك لرسالتك الخالدة، وليست قراءتك المطلوبة منك أن تقرأ كما يقرأ غيرك تعلّمًا، وإنما أن تقرأ كما يعلّمك الله بعلمه الذي ربّاك في أحضان كرمه، وهو -ﷻ- كما علّم الإنسان بقلم البيان تعلّمًا سيعلّمك بقلم الفضل والإحسان، لتكون معلّم الدنيا برسالتك الخاتمة لرسالات السماء!
وكان هذا أوّل لقاء يقظي بوحي قرآني بين خاتم النبيّين - ﷺ - والروح الأمين جبريل -﵇- وهو لقاء محجّب بستور الغيب!
٣ - كمال البشريّة وميلاد الرسالة:
وقد كان كمال بشريّة محمَّد - ﷺ - ممهدًا لميلاد رسالته .. ذلك أن طبيعة بشريّته التي وُلد بها ميلادًا بشريًّا، ونشأ عليها نشأة إنسانيّة -كما أسلفنا- هي
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ١: ٢٤.
[ ٣ / ٦٥٩ ]
التي عاش بها إنسانًا مع الناس في حياتهم (١)، يعاشرهم، ويتبادل معهم مطالب الحياة التي تقتضيها طبيعة البشر في دائرة أفضل الكمالات التي يمكن أن يكون عليها إنسان في حياته مع الناس!
وهذه الكمالات الإنسانيّة هي التي نشأ عليها، وعُرفت له في قومه وبلده، فتزوّج ووُلد له، وقام على رعاية أولاده وزوجه، وأصهر إلى أكرم قومه، وتعاون في أمور العيش وتكاليف الحياة وأعبائها مع أهله وجيرانه، وسائر قومه، يواسي قرابته، ويحسن إلى خدمه، ويكرم ضيفه، ويبرّ إخوانه وأصدقاءه، ويأكل ويشرب .. وينام ويصحو، ويغضب ويرضى، ويعطي ويأخذ، ويسافر ويحضر، ويثيب على ما يقدم إليه من خير أفضل منه، ودود كريم، حييّ حليم، يصدق الحديث، ويؤدّي الأمانة، وفيّ بالعهد، سليم الصدر، يعين الضعفاء، أغنى الناس بالقناعة، وأجودهم بالعطاء، يألف ويؤلف، عزوف عن الدنيا، لا يزاحم عليها، ولا يخاصم في شيء منها، يلجأ إليه قومه، ويشاركهم في أعمال الشرف والمروءة!
وهو - ﷺ - في ذلك كله من مآثر طبيعته البشريّة لا بدّ أن يكون دائبًا على تبليغ رسالة ربّه، يدعو إلى الله تعالى، ويرغب في الخير، ويعظّم في أنفسهم نعم الله عليهم، ويجاهد أعداء الله، ويقيم موازين العدل!
وهكذا كان يقوم في ظل طبيعته البشريّة بكل ما تتطلبه حياة الناس بما كان لهم من أعراف عادلة، وعادات فاضلة، وأخلاق عالية، وخلائق نبيلة، في حدود كمالاته الإنسانيّة التي نشأ عليها جبلّة وتخلّقًا، مع عظيم قيامه بحق تبليغ رسالته، فلم يقع منه في حياته البشريّة ما يفسد الفطرة الأصيلة
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٨١ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٦٦٠ ]
النقيّة الطاهرة .. لم يقع ما يغمط حق العقل الإنساني في إدراكاته ومعارفه، ولم يقع منه قط ما يخدش وجه الفضيلة، فهو - ﷺ - كما أسلفنا- أكمل البشر خَلْقًا وخُلُقًا، وأعدلهم عملًا، أرسله الله رحمة للعالمين بالهدى ودين الحق!
وهذه الطبيعة البشريّة تعني شخصيّة محمَّد - ﷺ -، التي عرفه الناس عليها، وعرفته الحياة كلها بها، وعرفه التاريخ بخصائصها إنسانًا من الناس، اصطفاه الله نبيًّا ورسولًا، بلّغ الناس رسالة ربّه، فهدى الله به من شاء من عباده، ويهدي لرسالته من يشاء من خلقه!
فهي أحد جانبي طبيعته الزدوجة من عناصر البشريّة وخصائصها الماديّة والروحيّة العامة، التي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا بتكامل تلك الخصائص الإنسانيّة بشقّيها المادي والروحي العام!
وبهذا التصوير يتبيّن وجه اعتبارها جانبًا من جانبي الطبيعة المزدوجة لشخصيّة (محمَّد رسول - ﷺ -)، وبالفواصل الخصائصيّة بينها وبين الجانب الروحاني يتبيّن وجه اعتبارها طبيعة مستقلة بالنسبة إلى خصائص الجانب الروحاني الذي اعتبرناه -بالنظر إلى خصائصه- طبيعة مستقلة، ولكن الوشائج التي تربط بين الجانبين أو الطبيعتين أقوى من الفواصل الخصائصيّة بينهما!
ومن ثم نبصر ميلادًا جديدًا للحياة جدّد معالمها، يوم أن تمّ أول لقاء بملك الوحي يقظة في (غار حراء) .. ذلك الميلاد هو ميلاد الرسالة بخصائصها في أكمل الكمالات الروحانية، وأعظم إشراقاتها العقليّة، وأنوارها العليّة، وتناسباتها الملائكيّة!
هذه الطبيعة الروحانيّة هي الميلاد الجديد، ميلاد (رسالة محمَّد - ﷺ -) الذي كان في الحقيقة ميلادًا للحياة، تجدّدت به معالمها، وتغيّرت به طرائقها،
[ ٣ / ٦٦١ ]
واستقامت على سننه هدايتها، وقامت على دعائمه موازينها، واستنارت بنوره مسالكها، متدرّجة في مراحل نموّها الحضاري والفكري!
هذه الطبيعة الروحانيّة هي التي تلقّى ويتلقّى بها (محمَّد رسول الله -ﷺ-) عن الله تعالى ما يلقيه إليه الملك في وحي اليقظة والمواجهة، وهو - ﷺ - على أكمل مراتب إحساساته، وأتمّ درجات شعوره ويقظة مشاعره، وأعلى إدراكات عقله، وأضوأ إشراقات روحه، وأقرب منازل قربه!
وبهذه الطبيعة الروحانيّة كان يَلْقَى الرسول - ﷺ - أمين الوحي جبريل -﵇- في صور وتشكلات ملائكيّة مختلفة المظهر -كما أسلفنا- تجلّ عن مدارك العقول؛ فلا يُستطاع تحديدها بصورة معيّنة، أو بشكل خاص، يلتزمها في جميع لقاءاته بالرسول - ﷺ -!
ويهذه الطبيعة كان - ﷺ - يتقبّل ما يُلقى إليه من ضروب الوحي في رسالته، ليبلّغه إلى الناس هدايةً ورحمةً، ونورًا وبرًا، وعدلًا ومحبّة، وإخاءً ومساواةً وإيثارًا ومواساةً!
وهذه الطبيعة الروحانيّة باستعلائها على الطبيعة البشريّة تُذيب خصائص البشريّة الماديّة عند الرسول - ﷺ -، اتقاء لاستحواذها عليه، وتغلّب الخصائص الروحانيّة لتكون كاملة التجلّي الباطن، مشرقة الشفافية، ليتحقّق بها التناسب بين طبيعة الملك التي يلقاه عليها الروح الأمين في أكثر حالات وحي اليقظة، وبين طبيعة البشر التي تبقى للنبي -ﷺ- مظاهرها كاملة في تلقي وحي المشافهة، إبقاء على مرتبة التناسب البشري في التبليغ!
[ ٣ / ٦٦٢ ]
٤ - خصيصة النبوّة الخاتمة:
هذه المزاوجة بين الطبيعة البشريّة والطبيعة الروحانيّة خصيصة النبوّة الخاتمة، والرسالة الخالدة، رسالة محمَّد - ﷺ-، فلا تحجب قوّة الإشراق الروحاني عنده منافذ الحسّ البشري من شخصيّته، بل يبقى لكل طبيعة خصائصها عند التبليغ، فالنبي - ﷺ - في هذه المزاوجة بين الطبيعتين بشريّ المظهر، ملائكيّ المخبر، فهو مع الناس ببشريّته الكاملة، وهو مع الملأ الأعلى بروحانيّته الكاملة!
وهذه الطبيعة الروحانيّة مع أنها تذيب خصائص البشريّة عند رسول الله -ﷺ- وتغلِّب عليها الخصائص الروحانيّة كاملة التجلّي الباطني، والإدراك العقلي، والإشراق الروحي -لا تفقد بها بشريّة الرسول - ﷺ - عناصر الإدراك الحسّي، والإحساس الشعوري، ولا تتأثّر منافذ التصوّر بها؛ بل إن هذه المنافذ تكتسب قوة تكون بها في أكمل حالات التنبّه، وأعلى مراتب الوعي -كما سبق في الحديث:
"أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملك رجلًا فيكلّمني فأعي ما يقول"!
قالت عائشة -﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقًا!
وهذه الحالة التي تمثّلها الطبيعة الروحانيّة عند النبي -ﷺ- أشبه في صورتها العكسيّة بحالة الملك، حين يتمثّل رجلًا، فيكلّم النبي -ﷺ-، كما يكلّم الرجل الرجل، فيعي عنه ما يقول!
[ ٣ / ٦٦٣ ]
وتمثُّل جبريل ﵇ في صورة رجل اختيار لشكل بشري تتغلّب فيه مظاهر الطبيعة البشريّة على مظاهر الطبيعة الملائكيّة التي هي باقية كامنة كاملة، كما بقيت طبيعة البشريّة كامنة كاملة عند رسول الله -ﷺ-، حين تلقّى وحي اليقظة والمواجهة، وهذا التمثّل يقع تأنيسًا للنبي -ﷺ-!
وتغلّب مظاهر البشريّة في حالة تمثّل الملك رجلًا لا يقتضي تحوّل روحانيّة الملك إلى طبيعة بشريّة بعناصرها الماديّة، ونوافذ إدراكاتها الحسيّة، ولا يقتضي فناء الحقيقة الملائكيّة، بل إن طبيعة الملك الروحانيّة باقية حال التمثّل في صورة بشريّة على أكمل حالاتها التي لها في الملأ الأعلى، لكنها تكون حين التمثّل مقيّدة بالصورة التي تشكّل فيها عند مجيئه إلى رسول الله -ﷺ-، ليبلّغه عن الله ما أمر بتبليغه، ولا سيّما إذا كان هذا التبليغ، يتعلّق بتعليم الناس أمر دينهم، وينتهي تقيّدها بالصورة التي تمثّلت في إهابها بانتهاء التبليغ والتعليم، كما ثبت في حديث تمثّل جبريل -﵇- فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله -ﷺ- كان يومًا بارزًا للناس، إِذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله!، ما الإِيمان؟ قال: "الإِيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، ورسله، ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر" قال: ما الإِسلام؟ قال: "الإِسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"! قال: يا رسول الله! ما الإِحسان؟ قال: "الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك" قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن ساحدّثك عن أشراطها: إِذا ولدت الأمة ربّتها فذاك من أشراطها، وإِذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك
[ ٣ / ٦٦٤ ]
من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إِلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] ثم انصرف الرجل، فقال: رُدُّوا عليّ، فأخذوا ليّردُّوا فلم يروْا شيئًا، فقال: "هذا جبريل جاء ليعلّم الناس دينهم" (١)!
وقد كانت حالة تغلّب الطبيعة الروحانيّة عند النبي -ﷺ- على الطبيعة البشريّة أشدّ ما كان يلقاه الرسول - ﷺ - في حالات الوحي، وهي التي عُبِّر عنها بصلصلة الجرس، ودويّ النحل -كما أسلفنا- وهي لا تكون إلا في وحي اليقظة!
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦]!
قال: كان رسول الله -ﷺ- يعالج من التنزيل شدّة، وكان مما يحرّك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحرّكهما لكم، كما كان رسول الله -ﷺ- يحرّكهما! وقال سعيد: أنا أحرّكهما كما رأيت ابن عباس يحرّكهما -فحرك شفتيه- فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾! قال: جَمْعُه لك في صدرك وتقرؤه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قال: فاستمِع له وأنصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٧٧٧)، وانظر (٥٠)، وخلق أفعال العباد (٢٦)، ومسلم (٨)، والطيالسي (٢)، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٤، ٤٥، وأحمد: ١: ٢٧، ٢٨، ٥١، ٥٢، وأبو داود (٤٦٩٥، ٤٦٩٦، ٤٦٩٧)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي: ٨: ٩٧، وابن ماجه (٦٣)، وابن خزيمة (١: ٢٥٠٤، ٣٠٦٥)، وابن منده: الإيمان (١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٨٥، ١٨٦)، والبيهقيُّ: الشعب (٣٩٣)، والبغويُّ (٢)، وابن حبّان (١٦٨، ١٧٣).
[ ٣ / ٦٦٥ ]
(القيامة)! ثم إِن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله -ﷺ- بعد ذلك إِذا أتاه جبريل استَمع، فإِذا انطلق جبريل قرأه النبي -ﷺ- كما قرأه (١)!
٥ - تهافت الملاحدة:
وقد تعلّق بهذه الشدّة التي كان يلقاها الرسول - ﷺ - (٢)، عند نزول الوحي عليه في يقظته، ومواجهة الملك -كما أسلفنا- قوم من أحلاس الشرك والنفاق وعبيد الإلحاد والكفر والاستشراق، قديمًا وحديثًا، فنبزوا الرسول - ﷺ - بألقاب السوء، وتقوّلوا عليه، ليشكّكوا في نبوّته ورسالته، مما أوحت به إليهم شياطينهم، من الكذب وقول الزور افتراءً على الله ورسوله!
وقد ردّ الله تعالى عليهم فريتهم وأكاذيبهم، بعد أن حكاها عنهم في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ [الأعراف: ١٨٤]!
وهنا نبصر تصويرًا لتجنّي هؤلاء الفجرة من طغاة الكفر وجهالتهم الضالة، وأنهم قوم بُهت، لا يصدر منهم القول عن نظر وتدبّر، ليعرفوا الحق من الباطل، وليست لهم بصائر يتفكّرون بها في مبادئ الأمور وعواقبها، وقد
_________________
(١) البخاري: ١ - بدء الوحي (٥)، وانظر (٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤)، وخلق أفعال العباد: ٤٥، ٤٦، ومسلم (٤٤٨)، والطيالسي (٢٦٢٨)، والحميدي (٥٢٧)، وابن سعد: ١: ١٩٨، وأحمد: ١: ٢٢٠، ٣٤٣، والترمذي (٣٣٢٩)، والنسائيُّ: ٢: ١٤٩، والكبرى (٩١٧، ٧٩٧٨، ١١٦٣٤، ١١٦٣٥)، وفضائل القرآن (٣)، والتفسير (٦٥٤، ٦٥٥، ٦٥٦)، والطبري: التفسير: ٢٩: ١٨٧، والبيهقي: الأسماء والصفات: ١: ٣٢١، والدلائل: ٧: ٥٦، والبغوي: التفسير: ٤: ٤٢٣، والطبراني: الكبير (١٢٢٩٧)، وابن حبّان (٣٩).
(٢) محمَّد رسول الله -ﷺ-: ١: ٢٨٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٦٦٦ ]
أبرزت الآية الكريمة ذلك في أسلوب إنكاري مفعم بالتقريع والتوبيخ لما أهدروه من مدارك عقولهم، ولِدَمغهم بالكذب والبهتان، والتسجيل عليهم أنهم قالوا قولًا باطلًا، لو تفكّروا فيه، وتدبّروا مداخله ومخارجه لعلموا بطلانه بداهةً!
ذلك أن مَنْ به مسّ من الجنون يصرعه ويتخبّطه لا يمكن أن يصدر عنه كلام في أعلى درجات البراءة البيانيّة باعتراف غطارفة الفصاحة فيهم -كما سيأتي- وهو مع ذلك يحمل في عباراته أجلّ المعاني الإنسانيّة، وأسمى الحقائق الكونيّة، وأدق النظم الاجتماعيّة، وأصدق القضايا العقديّة، وأزكى الآداب الخلقيّة، وأفضل الشرائع التعبديَّة، ثم يبقى دهره كله على أرفع سنن الاستقامة، وزكانة الرأي، وجودة التفكير، لا يخالف قوله فعلُه، ولا تختلف آدابه وأخلاقه، يعرف أعداءه -كما أسلفنا- أمانته وصدق حديثه، وبرّه ووفاءه، وشجاعته ومكارم أخلاقه!
وها هو القرآن الحكيم، قائم بين أظهركم، وفي متناول أيديكم وعقولكم، فاقرؤوه وتعمّقوا فهمه، وحاولوا بكل ما أوتيتم من قوّة، وادعوا معكم شهداءكم من شياطين الإنس والجن لتستخرجوا معنى متهافتًا يشعر بأن من أتى به بعيد عن استقامة المدارك العقليّة، وقد تحدّاهم القرآن بآياته، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]!
والتدبّر طلب المعنى بالقلب والعقل، وذلك هو ما يسمّيه منطق الفلسفة بالنظر والتعقّل، ونتيجته هي العلم اليقين!
وها هو تاريخ محمَّد - ﷺ - .. وتلك أحاديثه وسننه وآدابه وأخلاقه وشريعته، بين أنظاركم، فانظروا وتفكّروا في جوانب ذلك كله، واستخرجوا منه -ولن تستطيعوا- ما يقيم عوج دعاواكم، وأود أباطيلكم، ولكنكم علمتم
[ ٣ / ٦٦٧ ]
أن محمدًا - ﷺ - أرسله الله ليقوّض بنيان الكفر والنفاق، ويهدم صرح الإلحاد، وينذر الذين لوّوا رؤوسهم عن قبول الحق بعذاب الله وبأسه، والذين ينغضون اليوم رؤوسهمِ جحودًا وعصبيّة عمياء ببطش الله وعقابه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٣، ١٤]!
والآيات كثيرة العدد، كاشفة عن الحق، حتى ليبصره كل من له عينان .. وهي مبصرة تقود إلى الهُدى، ومع هذا: ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾!
قالوا ذلك لا عن اقتناع بما قالوا، ولا عن شبهة، إنما قالوا:
﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾!
وقد استيقنت نفوسهم أنها الحق الذي لا شبهة فيه:
﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾!
لأنهم لا يريدون الإيمان (١)، ولا يطلبون البرهان، استعلاء على الحق، وظلمًا له ولأنفسهم بهذا الاستعلاء الذميم!
وكذلك كان كبراء قريش يستقبلون القرآن، ويستيقنون أنه الحق، ولكنهم يجحدونه، ويجحدون دعوة الرسول - ﷺ - إيّاهم إلى الله الواحد!
وكذلك الحق لا يجحده الجاحدون؛ لأنهم لا يعرفونه، بل لأنهم يعرفونه، ويجحدونه، وقد استيقنت ذلك نفوسهم؛ لأنهم يحسّون الخطر فيه على أوضاعهم الباطلة ومغانمهم الدنيا الهابطة، فيقفون في وجهه مكابرين، وهو واضح مبين: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٢٦٣٠ بتصرف.
[ ٣ / ٦٦٨ ]
وعاقبة فرعون وقومه معروفة .. كشف عنها القرآن في مواضع أخرى .. وهنا يشير إليها هذه الإشارة، لعلها توقظ الغافلين من الجاحدين بالحق المكابرين فيه، قبل أن يأخذهم ما أخذ المفسدين!
ويطالعنا قول الحق ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ [سبأ: ٤٦]!
وهنا نبصر دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق (١)، ومعرفة الافتراء من الصدق، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل!
نبصر دعوة إلى القيام لله -﷿- بعيدًا عن الهوى، بعيدًا عن ملابسات الأرض، بعيدًا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب، فتبعد به عن الله، بعيدًا عن التأثّر بالتيارات السائدة في البيئة، والمؤثّرات الشائعة في الجماعة!
نبصر دعوة إلى التعامل مع الواقع الواضح، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة، ولا مع العبارات المطاطة، التي تبعد القلب والعقل من مواجهة الحقيقة الواضحة!
نبصر دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي، بعيدًا عن الضجيج والخلط واللبس، والرؤية المضطربة، والقبس الذي يحجب صفاء الحقيقة!
وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة .. منهج ميسّر يعتمد على التجرّد من الرواسب والغواشي والمؤثّرات، وعلى مراقبة الله تعالى وتقواه!
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٩١٤ بتصرف.
[ ٣ / ٦٦٩ ]
وهي (واحدة) .. إن تحقّقت صحّ المنهج، واستقام الطريق .. القيام لله .. لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة .. التجرّد .. الخلوص .. ثم التفكّر والتدبّر بلا مؤثّر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجرّدون!
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾!
مثنى ليراجع أحدهما الآخر، ويأخذ معه ويعطي، من غير تأثّر بعقليّة الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجّة في هدوء .. وفرادى مع النفس وجهًا لوجه في تمحيص هادئ عميق!
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾!
فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبّر والرزانة، وما يقول شيئًا يدعو إلى التظنّن بعقله ورشده، إن هو إلا القول المحكم القويّ المبين!
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾!
لمسة تصوّر العذاب الشديد وشيكًا أن يقع، وقد سبقه النذير بخطوة، لينقذ من يستمع، كالهاتف المحذّر من حريق في دار يوشك أن يلتهم من لا يفرّ من الحريق، وهو تصوير فوق أنه صادق، بارع موح مثير!
وتمضي الآيات في الدعوة إلى التفكّر الهادئ البريء .. وسؤال أنفسهم عما يدعو إلى القيام بإنذارهم بين يدي عذاب شديد .. ما مصلحته؟ ما بواعثه؟ ماذا يعود عليه؟ ويأمره أن يلمس منطقهم، ويوقظ وجدانهم إلى هذه الحقيقة في صورة موحية!
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
[ ٣ / ٦٧٠ ]
شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ [سبأ: ٤٧ - ٥٠]!
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾!
خذوا أنتم الأجر الذي طلبته منكم! وهو أسلوب فيه تهكّم، وفيه توجيه، وفيه تنبيه!
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾!
هو الذي كلّفني، وهو الذي يأجرني، وأجره هو الذي أتطلّع إليه، ومن يتطلّع إلى ما عند الله فكل ما عند الناس هيّن عنده هزيل زهيد، لا يستحق التفكير!
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾!
يعلم ويرى ولا يخفى عليه شيء .. فيما أفعل وفيما أنوي وفيما أقول!
ويشتدّ الإيقاع الثالث، وتقصر خطاه!
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾!
وهذا الذي جئتكم به هو الحق القوي الذي يقذف به الله، فمن ذا يقف للحق الذي يقذف به الله؟!
إنه تعبير مصوّر مجسّم متحرّك، وكأنما القدر قذيفة تصدع وتخرق وتنفذ، ولا يقف لها أحد في طريق!
يقذف بها الله ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾!
[ ٣ / ٦٧١ ]
فهو يقذف بها عن علم، ويوجّهها على علم، ولا يخفى عليه هدف، ولا تغيب عنه غاية، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سدّ يعوق، فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور .. ويتلوه الإيقاع الرابع في مثل عنفه وسرعته!
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾
جاء هذا الحق في صورة من صوره، في الرسالة، وفي قرآنها، وفي منهجها المستقيم .. جاء الحق بقوّته وبدفعته وباستعلائه وسيطرته!
﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾!
فقد انتهى أمره، وما عادت له حياة، وما عاد له مجال، وقد تقرر مصيره، وعرف أنه إلى زوال!
إنه الإيقاع المزلزل، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال .. وإنه لكذلك!
فمنذ بعث الله محمدًا - ﷺ - استقرّ منهج الحق واتضح، ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم!
ومهما يقع من غلبة ماديّة للباطل في بعض الأحوال والظروف، إلا أنها ليست غلبة على الحق؛ إنما هي غلبة الناس لا المبادئ، وهذه موقوتة ثم تزول .. أما الحق فواضح بيّن صريح!
والإيقاع الأخير!
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾!
[ ٣ / ٦٧٢ ]
فلا عليكم إذن إن ضللت، فإنما أضلّ على نفسي، وإن كنت مهتديًا فإن الله هو الذي هداني بوحيه؛ لا أملك لنفسي منه شيئًا إلا بإذنه، وأنا تحت مشيئته أسير فضله!
﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾!
ونعود إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾!
نعود لنبصر أنهم أعرف الناس بالرسول - ﷺ -، وأنه لم يفارقهم ولم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، فهل عرفوا عنه طول حياته بينهم شيئًا يخدش إدراكاته العقليّة، وإحساساته ومشاعره الإنسانيّة؟!
لقد صدق الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]!
٦ - إيمان النبي - ﷺ -:
وتلقّي النبي -ﷺ- عن الله -جلَّ شأنه- برسالته، وتقديره لعظمتها، وعرفانه بأثقال أعبائها هو الأساس الذي يقوم على دعائمه بناء رسالته الخالدة .. وهو القوّة التي أمدّ الله تعالى بها خاتم النبيّين - ﷺ - منذ ميلاد رسالته، في أول لقاء يقظي لجبريل أمين الوحي في غار حراء .. ومن ثم حملها مؤمنًا بها أشدّ وأقوى ما يكون إيمان، مغتبطًا بفضلها أعظم ما يكون اغتباط، وقام بأعبائها صبورًا شكورًا، صفوحًا كريمًا، وفيًا بعهدها وما يجب لها، دؤوبًا على تبليغها ونشر هدايتها!
[ ٣ / ٦٧٣ ]
وإيمان النبي -ﷺ- بما أنزل الله من ربّه هو إيمان التلقّي المباشر .. تلقّي القلب النقيّ للوحي العليّ، واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة .. الحقيقة التي تتمثّل في كيانه بذاتها من غير كدّ ولا محاولة، وبلا أداة أو واسطة .. وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها، فلا يصفها إلا من ذاقها، ولا يدركها من الوصف -على حقيقتها- إلا من ذاقها كذلك!
وقد أوتي الرسول - ﷺ - من قوّة الاحتمال والصبر على فوادح الشدائد ما لم يؤته أحد من البشر!
واستحضار رسول الله -ﷺ- أعباء ما كلّفه، وأثقال ما ينتظره في تبليغ رسالته إلى الخلق، حريّ أن يضيء معالم الطريق!
٧ - أم المؤمنين خديجة أعرف بقدر محمَّد - ﷺ -:
ونجد أنفسنا أمام قول أم المؤمنين خديجة - ﵂:
(كلاّ والله! ما يخزيك الله أبدًا، إِنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق)!
هذه الكلمات المشرقة بنور الإيمان الفطري (١)، النابعة من ضمير الغيب، إلهامًا من وحي اليقين بمخايل الحقيقة الكبرى في تصوّر مستقبل محمَّد - ﷺ -، تضيف إلى يقين النبي -ﷺ- وثباته أمام الأحداث، ورباطة جأشه في ملاقاتها، تثبيتًا يزيده قوّة إلى قوّته، ويسرّي عنه ما ألمّ بخياله، ويمسح عن خواطره ما عسى أن يكون طاف بها من تخوّف العقبات في سبيل انطلاقه برسالته؛ بل إن خديجة - ﵂ - تريه بهذه الكلمات المشرقة أنها تستبعد كل الاستبعاد
_________________
(١) محمَّد رسول الله -ﷺ-: ١: ٣٠٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٦٧٤ ]
أن تضعف قواه البشريّة عن تحمّل أثقال ما حُمّل من أعباء الرسالة، وحرصًا منه - ﷺ - على تمكّنه من تبليغ رسالة ربّه، وتخطي ما تصوره من العقبات في سبيل ذلك التبليغ!
وتضيف هذه الكلمات المشرقة إلى ما تحلّى به الرسول - ﷺ - من قوّة اليقين والصبر ضرويًا من المصابرة، تزيد في شحنة عزيمته على المضيّ قدمًا في طريق أداء واجبه نحو هذه الإنسانيّة المعذّبة في الأرض، ليخرجها من ظلمات العبوديّة الوثنيّة بصورها وأشكالها الكافرة بتوحيد الله تعالى، وإفراده بالتعبد له وحده، إلى نور التحرّر والمساواة الإنسانيّة في الحقوق والواجبات!
وكانت كلمات الإيمان الفطري -من الزوجة الأمينة الوفيّة، وزيرة الصدق، ومأنس القلب والروح، أعقل نساء العالمين -تستشرف أفق مستقبل محمَّد رسول الله -ﷺ- في أطوار رسالته بأمل فسيح أفيح، موصول بأخصّ عناصر حياته الخُلُقية، وأفضل فضائل الإنسانيّة النبيلة، مجموعة في طبيعة إنسان، وُلد بها، وشبّ واكتهل عليها، فكانت -كما أسلفنا- معالم لشخصيّته - ﷺ - بين قومه، يعرفونه بها عَلَمًا مفردًا في اكتمالها فيه، وكماله فيها، ولم يعرف فيهم أحد اجتمعت له هذه الخصال دون أن يشوبها إفراط يخرج بها عن مقاييس الفضائل، أو يلحقها تفريط يقصّر بها عن مدى محاسن الشمائل!
والماضي -أبدًا- في حياة المصطفين المخلصين صفحة تكتب فيها الحياة بقلم الغيب المكنون أنباء معالم مستقبلهم في رسالاتهم، الأصفياء هم القادرون على قراءة ما كتب قلم الغيب في صحيفة المصطفين ليقرؤوا في ضوئها معالم مستقبلهم وهم أندرُ في وجودهم من وجود العقل الشفيف الذي يستشفّ بخاصة إدراكه ما وراء الحجب، فيلمح خيط القدر الحكيم، وهو يربط ماضي
[ ٣ / ٦٧٥ ]
من اختير لحمل أعباء الرسالة الإلهيّة بمستقبله بنور المدد الإلهي، ولن تظهر لهذا العقل الشفيف في استشفافه نقط المحن وفوادح النوازل على رقعة حياة هؤلاء المخلصين؛ لأنّ أشعة العزائم المنبعثة من آفاق رسالاتهم، وقوّة الحق الممدّدة لأرواحهم تغطي بظلالها النورانيّة نقط المحن ونوازل البلاء، فلا يراها الناظرون إلا ريثما يتحفّز المخلصون إلى وثبات الإقدام في طريق عزائمهم المؤيّدة بقوى الحق والخير، المستضيئة بنور الهُدى والرشاد!
ويتفاضل المخلصون في ذلك بتفاضل رسالاتهم، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]!
وقال جلّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]!
وكل صاحب رسالة يُعطى من الفضل وقوّة الصبر والمجاهدة على قدر رسالته، وما جعل الله فيها من عموم الخير والإصلاح والهداية .. وعموم رسالة خاتم النبيّين - ﷺ - تشريعًا وزمانًا ومكانًا وأجيالًا وإصلاحًا، جعلها الله أفضل الرسالات الإلهيّة، وجعل رسولها أفضل الرسل، وجعل أمّته أفضل الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]!
وذلك لما أعطيت من فضيلة الوراثة في التبليغ ضمانًا لخصيصة العموم والخلود في رسالة خاتم النبيّن محمَّد - ﷺ -، وكان للرسول -ﷺ- من فضل قوّة الاحتمال ما تميّز به - ﷺ - في مستقبل دعوته!
ومن ثم قال ربّه ﵎: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]!
[ ٣ / ٦٧٦ ]
فهو - ﷺ - مكلّف أن يجمع إلى صبره صبر جميع أولي العزم من المرسلين، وإلى عزيمته في القيام بحق رسالته قُوى عزائمهم في قيامهم بحق رسالاتهم!
ومن هنا قيل له بعد ذكر الأكابر من المرسلين في معرض الثناء عليهم، والحفاوة بهم، وأن الله آتاهم الكتاب والحكمة والنبوّة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]!
فخاتم النبيّين - ﷺ - مأمور من ربّه أن يجمع إلى هداه هدى أولئك الأكابر من المصطفين المخلصين!
فالسيدة خديجة أم المؤمنين - ﵂ - كانت صفوة الندرة في إلهامها قراءة ما كتب قلم الغيب في صحيفة ماضي محمَّد - ﷺ - من أنباء معالم مستقبله في رسالته، فترجمت بكلماتها النورانيّة عنوانات تلك المعالم في مستقبله نبيًّا ورسولًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا!
ولهذا كانت - ﵂ - في سجل الرسالة المحمديّة نفحة من نفحات المدد الإلهي لم تتكرّر ولن تتكرّر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم!
وقد قالت خديجة - ﵂ - وهي تردّ على تساؤله الذي بدا فيه من الإشفاق على مستقبل دعوته التي كُلِّف تبليغها، تستبعد ما عسى أن يكون قد خطر في خواطره: كلاّ، والله! ما يُخزيك الله أبدًا!
كلاّ، يا أكمل الكملة، لن يقع لك ما تتخوّفه على نفسك الزكيّة العليّة من ضعف عن تحمّل أعباء ما شرّفك الله به من رسالة الخلود، ولن تعجز عن القيام بموجبات تبليغها؛ لأنّ الله تعالى هو الذي اختارك لها، وهو أعلم حيث
[ ٣ / ٦٧٧ ]
يجعل رسالته، وقد فطرك على أفضل ما فطر عليه أحدًا من خلقه، فلن يخزيك أبدًا، ولن يحزن قلبك العظيم بوقوع شيء مما تشفق منه وتخافه على نفسك، لأنّ فيك من خصال الجبلّة الكماليّة، ومحاسن الأخلاق الرضيّة، وفضائل الشيم المرضيّة، وأشرف الشمائل العليّة، وأكمل النحائز الإنسانيّة ما يضمن لك الفوز، ويحقّق لك النُّجح والفلاح، وستظفر بطلبتك، وتؤدّي رسالتك، ويخلد ذكرك!
٨ - صدق الحديث:
فأنت الصدوق المصدّق، وأنت الصادق الأمين تصدق الحديث سجيّة، فلا يرد لك قول بشبهة مجانبة الحقيقة والواقع، فإذا قلت قالت الدنيا من حولك: صدقت، فما جرّب عليك أحد كذبًا، فلا يماريك أو يجادلك فيما تقول ممارٍ أو مجادل!
كيف وقد عرف لك ذلك قومك على صلفهم وعنجهيّتهم، وخلافك عليهم في عوائدهم ووثنيّتهم، فدعوك بينهم (الأمين) لا يعرفون لك لقبًا غيره، وقد جهروا علانية في جمعهم معترفين له بهذه الخصلة النبيلة، خصلة الصدق في الحديث، شاهدين على أنفسهم له بها، حينما جمعهم لينذرهم، قيامًا بأمر الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]!
فقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال (١): لمّا
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٧٧٠)، وانظر (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨)، والطبري: جامع البيان: ١٩: ١٢١، وابن منده: الإيمان (٩٤٩، ٩٥٠)، والبيهقيُّ: الدلائل: ٢: ١٨١ - ١٨٢، والبغويّ: شرح السنة (٣٧٤٢)، ومعالم التنزيل: ٣: ٤٠٠ - ٤٠١.
[ ٣ / ٦٧٨ ]
نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾! صعد النبي -ﷺ- على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عديّ" -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إِذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصَدِّقيّ؟ " قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إِلا صدقًا، قال: "فإِني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؛ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد ١: ٢]!
وقد اعترف له بها أبو سفيان بن حرب قبل أن يسلم -كما عرفنا- وسبق أن ذكرنا طرفًا من ذلك!
وصدق الحديث ينزل من الفضائل الإنسانيّة التي تتخذها الحياة معبرًا إلى إدراك الغايات للنفوس السامية، المتسامية بسموّها عن مطالب الأرض، وصغار الأماني، منزلة العنوان من الكتاب، يستسرع الناظر إليه تعرّف ما طوي عليه الكتاب من حقائق الفكر في متقلّبات الحياة، تجذب إليها أنظار المتطلّعين الذين يستشرفون أنوار الكمال من آفاق الحياة!
وإذا كان الصدق سجيّة في حياة إنسان كان صدقه الذي لا تشتبه معالمه آية من آيات الله على أنه إنسان اكتملت خصائصه، واتسقت عناصر إنسانيّته، فلا تميله الأهواء، ولا يخدعه غرور الحياة. فكلمته فصل، وقوله فرقان مبين!
وهكذا كانت سجيّة صدق الحديث في حياة محمَّد خاتم النبيّين - ﷺ -، وهو يعيش بين أحضان مجتمعه إنسانًا كغيره من رجالات قومه، لا يميزه عن آحادهم في عيشه وكدّه في سعيه ثراء مالي، ولا بطش بدني، ولا تسلّط
[ ٣ / ٦٧٩ ]
فكري، وإنما كان امتيازه بينهم أنه المثل الأعلى لمعالي المكارم، ومكارم المعالي، يعرفونه بـ (الصادق الأمين) أكثر مما يعرفه باسمه، لا يمسهم في محافل رذائلهم، ولا يقرب من أندية وثنيّاتهم، ولا ينزل من علياء استقامته إلى مباءات مفاسدهم وشرورهم، تسامى بنفسه -وهو بينهم كأحدهم- عن كل ما يخدش سيرته، أو يقتحم عليه سريرته، عاشرهم في شوارف حياتهم، وخالطهم فيما يأثرون من مفاخر الفضائل الإنسانية فيهم!
فكانت سجيّة صدق الحديث فيه عنوانًا على ما طوى الغيب في كتاب مستقبله في رسالته الخالدة، وكشفت إشراقات إيمان أمّ المؤمنين خديجة -﵂- عن مضامن ما طواه العنوان من جميل صنع الله في أفضاله عليه بإحسانه إليه، وإسباغه أجلّ نعمه عليه إذ أرسله رحمةً للعالمين!
وطارت خديجة -﵂- بأجنحة الإيمان، وصدق اليقين، ويقين التوسم إلى ربض علّيّين، حيث أعدّ الله لها ما أعده للصّديقين، والله يهدي من يشاء من عباده بفضله، وهو العزيز الحكيم!
٩ - صلة الرحم:
وصلة الرحم فضيلة إنسانيّة من أفضل وأشرف الفضائل الاجتماعيّة التي تربط الأفراد والأسر بوشائج الودّ والإخاء، تقرّب البعيد، وتُدني القصيّ، وتردّ الشارد، وتغسل الأحقاد، وتزرع المودّات!
وتتجلّى هذه الفضيلة الإنسانيّة في حسن المعاملة، وإحسان العشرة، ومشاركة البرّ، ومواساة الإحسان، وإيثار الفضل في المنافع، مع نقاء السريرة وبهجة العلانية، ومعاونة المحتاج، وتبادل الخيرات، والعفو عن الزلات!
[ ٣ / ٦٨٠ ]
وهي أقدر الفضائل على توثيق عرى المحبّة بين ذوي القربى، تجمع القلوب على الصفاء، وتشدّ أواصر التآخي، تجمع حول من يتحلّى بها، ويبذل في سبيلها الجود والرحمة، ينفق مما ملكت يمينه، ويبذل في غير منٍّ ولا رياء، لذوي رحمه وقرابته، بالتعاطف والتراحم، وسماحة المكارم، فيحبّونه، ويحبّون الخير عنده، يدافعون عنه إذا حاول أحد النيل منه، يبادلونه المنافع في غير أثرة ولا طمع، يخلصون له الودّ، ويشاركونه بأساءه، ويقاسمونه سرّاءه، يفرحون لفرحه، ويألمون لألمه، إن أحزنه شيء تعرّفوا مصادره فدرؤوها عنه إن استطاعوا، فإن لم يستطيعوا كانوا معه في أحزانه حتى يسرّى عنه!
كذلك كانت هذه الفضيلة الاجتماعيّة مغروسةً في خلائق محمَّد خاتم النبيّين - ﷺ -، تجلّت آثارها واضحة في حياته - ﷺ - قبل نبوّته، فأحبّه من أحبّه منهم .. واستجاب من استجاب لدواعي هذه الفضيلة من محاسن شمائله، فدخلوا معه في حصار الشّعب -كما سيأتي- من آمن منهم بدعوته، ومن لم يؤمن، وصبروا على بلاء هذا الحصار الظلوم الجهول الغشوم وجهده، واحتملوا فيه ما حُملوا من الإجاعة والقطيعة وجهد البلاء، لا لمجرّد العصبيّة القبليّة، والنخوة العنصريّة، فقد أبى أن يشارك في هذه المحنة القاسية كثيرون، وهم أشدّ العرب حميّة وتعصّبًا قبليًّا، ولكن الذين قبلوا أن يستظلّوا بلوائه في الترابط الرحمي إنما صنعوا ذلك تحقيقًا لمقتضيات التواصل مع من عرفوه أوصل الخليقة للرحم، وأبرّ الناس بذوي القربى، محمَّد خاتم النبيّين - ﷺ - الصادق في ودّه ووصله، الأمين في حفاظه لوشائج القربى والرحم!
وسبق أن ذكرنا ما رواه الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة - ﵁ -
[ ٣ / ٦٨١ ]
قال: قام رسول الله -ﷺ- حين أنزل الله -﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتَرُوا لأنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفيّة عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمَّد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا"! وفي رواية لأحمد وغيره بسند صحيح عنه - ﵁ -: جعل يدعو بطون قريش بطنًا بطنًا: "يا بني فلان، أنقذوا أنفسكم من النار"!
حتى انتهى إِلى فاطمة فقال: "يا فاطمةُ بنتَ محمَّد، أنقذي نفسك من النار، لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها ببلالها" (١)!
ومعنى ذلك أن كفركم وعدم قبولكم لدعوتي، والإيمان برسالتي، لا يمنعني من صلة رحمكم في الدنيا، ولا أغني عنكم في الآخرة من الله شيئًا؛ لأنّ صلة الرحم ومودّة ذوي القربى من أصول المكارم الإنسانيّة التي لا يحول دونها في شرعة الفضائل -كفر ولا عصيان!
ولأمر ما جاء التنويه بشأن هذه المكرمة من أصول مكارم الأخلاق لموضعها من سجايا رسول الله -ﷺ- في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]!
_________________
(١) البخاري: ٥٥ - الوصايا (٢٧٥٣)، وانظر (٣٥٢٧، ٤٧٧١)، والأدب المفرد (٤٨)، ومسلم (٢٠٦)، وأحمد ٢: ٣٣٣، ٣٦٠، ٥١٩، والترمذي (٣١٨٤)، والنسائيّ: ٦: ٢٤٨، ٢٤٩، والتفسير (٣٩٧)، والطبري: التفسير: ١٩: ١٢٠، وأبو عوانة: ١: ٩٤، والطحاوي: شرح المعاني: ٤: ٣٨٧، والطبراني: الأوسط (٨٥٠٦)، والبيهقيُّ: ٦: ٢٨٠، والدلائل: ٢: ١٧٧، وابن حبّان: (٦٤٦، ٦٥٤٩).
[ ٣ / ٦٨٢ ]
فقد جعلت الآية الكريمة المودّة في القربى وصلة الرحم أقصى ما يطلبه رسول الله -ﷺ- أجرًا ومكافأة من قومه على ما جاءهم به من هُدى وخير، فهو لا يسألهم مالًا يرزؤهم به، ولكنه يطلب إليهم أن يوادّوه ويصلوا رحمه بأرحامهم!
والمعنى كما قال ابن كثير: قل يا محمَّد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ، والنصح لكم مالًا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شرّكم عنّي، وتذروني أبلغ رسالات ربّي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة (١)!
وروى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾! فقال سعيد بن جُبير: قُربى آل محمَّد - ﷺ -، فقال ابن عباس: عجلتَ، إِن النبي -ﷺ- لم يكن بطنٌ من قريش إِلا كان له فيهم قرابة، فقال: "إِلا أن تصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة" (٢)!
وفي رواية للحاكم عن الشعبي قال: "أكثر الناس علينا في هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾!
فكتبنا إِلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- كان أوسط بيت في قريش، ليس بطنٌ من بطونهم إِلا قد ولده، فقال الله -﷿: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ١١١ - ١١٢.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٨١٨)، وأحمد: ١: ٢٢٩، ٢٨٦، والترمذي (٣٢٥١)، والنسائيّ: التفسير (٤٩٤)، والبغويُّ: معالم التنزيل: ٤: ١٢٤، وابن جرير: ٢٥: ١٥، وابن حبّان (٦٢٦٢).
[ ٣ / ٦٨٣ ]
إِلى ما أدعوكم إِليه، إِلا أن تودّوني بقرابتي منكم، وتحفظوني بها (١)!
وهذا تعظيم لفضيلة صلة الرحم، وهي خليقة من خلائق محمَّد خاتم النبيّين - ﷺ - التي وصفته بها خُلقًا زوجته الأمينة الوفيّة قبل أن يبعث للناس رسولًا!
وقد جاءت رسالة خاتم النبيّين محمَّد - ﷺ - تحمل في هدايتها وآدابها وأخلاقها ترغيبًا في التخلّق بهذه المكرمة العظيمة بما لم تظفر به فضيلة من الفضائل الإنسانيّة التي ينتظمها عقد الفضائل الاجتماعيّة التي تربط وشائج المجتمع بأوثق عرى المودّة والمحبّة، فالقرآن الكريم يقرن تعظيم هذه الفضيلة بتعظيم الله -جلَّ شأنه- في طلب اتقائه فيقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]!
ويروي الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي -ﷺ- قال (٢): "خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بِحَقْوِ الرحمن، فقال لها: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا
_________________
(١) الحاكم: ٢: ٤٤٤ وقال: قال هشيم: وأخبرني حصين عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄- بنحو من ذلك، هذا حديث ولم يخرجاه بهذه الزيادة وهو صحيح على شرطهما، فإن حديث عكرمة صحيح على شرط البخاري، وحديث داود بن أبي هند صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي: وروى حصين عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه (خ م) وقد رويا منه من حديث طاوس عن ابن عباس!
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٨٣٠)، وانظر (٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٥٩٨٧، ٧٥٠٢)، والأدب المفرد (٥٠)، ومسلم (٢٥٥٤)، وأحمد ٢: ٣٣٠، والبغويُّ (٣٤٣١)، والبيهقيّ: ٧: ٢٦، والنسائيُّ: الكبرى (١١٤٩٧)، والطبري: التفسير: ٢٦، ٥٦، والحاكم: ٤: ١٦٢، وابن حبّان (٤٤١).
[ ٣ / ٦٨٤ ]
تَرضَيْنَ أن أصِل مَن وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا ربّ، قال: فذاك"!
قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾!
ولفظ مسلم: "إِن الله خلق الخلق، حتى إِذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما تَرْضَيْنَ أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك"!
ثم قال رسول الله -ﷺ-: "اقرؤوا إِن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]!
وهذا التعظيم لشأن فضيلة صلة الرحم التي جاءت في كلمات النور إلهامًا لأمّ المؤمنين خديجة -﵂- وصفًا لما تحلّى به محمَّد خاتم النبيّين - ﷺ - من أصول المكارم التي لا يُخزي الله -جلَّ ذكره- من وصف بها جبلّة وطبعًا، ليس فوقه تعظيم لمكرمة من أصول المكارم الجبلّيّة التي يهبها الله خُلُقًا وطبعًا لمن يشاء من عباده، لتكون في حياته منائر يهتدي بها المهتدون!
١٠ - وتحمل الكلّ:
ومن كلمات النور التي قالتها أمّ المؤمنين خديجة ﵂ لمحمد خاتم النبيّين - ﷺ -:
وتحمل الكلّ!
[ ٣ / ٦٨٥ ]
فلتهدأ نفسك يا أبا القاسم، فلن يخزيك الله أبدًا، وإنك لبالغ بتوفيق ربّك ما كُتب لك في لوح الغيب من رفعة الذكر، وبلوغ الأمل، فقد حلّاك منذ خلقك فريدًا في نحائزك ومكارم أخلاقك بما جعل لك به في كل قلب مكانًا من السؤدد والسموّ والحبّ!
لقد جعل في مكارم أخلاقك الكريمة أنك تحمل الكلّ الضعيف الذي أعجزته الأيام والليالي، وأقعدته صروف الحياة عن النهوض بحال نفسه، فلم يستطع مزاحمة الضاربين في الأرض سعيًا وراء متطلّبات الحياة، ولم يستطع أن يقوم بضرورات عيشه إلا إذا أعانه ذو مقدرة من أهل المروعات وأصحاب المكارم، الذين يفعلون الخير لأنهم يرونه خيرًا، وأنت يا أبا القاسم ذلك الكريم الذي فطره الله على الخير، فلن ترضى نفسك الكريمة وقلبك الرحيم أن ترى ضعيفًا أثقلت كاهله الحياة، فتخلف عن مسيرتها دون أن تمدّ إليه يد الرحمة بما ينعشه وينهض به، في غير منٍّ ولا أذى!
والإحسان -أبدًا- آسر لمن يقع عنده موقعه، وهؤلاء الضعفى تنعشهم يدك الرحيمة، وتمسح عن كواهلهم أثقال العيش، وتحيي في أنفسهم موات الأمل، وتنعش في أرواحهم رغائب العمل هم عدّة الإيمان؛ لأنّ الإيمان يملك من رصيد الخير ما يعوّض به هؤلاء عما فقدوه من قوّة الاقتدار على مماشاة الحياة، وهؤلاء الضعفى أملك للعمل الشكور يردّون به الجميل، فالإحسان إليهم يحمل ضعيفهم لينهضوا، أو ليُحفظوا من الضياع فضيلة مشكورة عندما تحين فرصة شكرها من غير الجاحدين لفضلي المكارم والمروءات!
وهؤلاء الضعفى هم أتباع الرسل -كما عرفنا- وفي هذا التوافق بين ما حمله الإلهام النوراني بالفراسة الصادقة، والتجربة الحكيمة في كلمات وزيرة الصدق
[ ٣ / ٦٨٦ ]
الزوجة البرّ؛ الأمينة السيدة خديجة -﵂- قبل أن تنشر في آفاق الحياة أشعة شمس النبوّة، وبين ما صدر من أنباء المبشّرات بميلاد رسالة جديدة، قد أظل الناس زمانها، دلالة على أن أمّ المؤمنين - ﵂ - كانت تستملي في كلماتها النورانية التي مسحت بها عن جبين رسول الله -ﷺ- قطرات العرق التي ساقطتها متاعب بشريّته، وقد هاضها روع المفاجأة، وتصوّر أعباء الرسالة، وقوادح تبليغها صحائف الغيب التي قرأت في سطورها بنور إيمانها الفطري، وصادق فراستها، دلائل ما فطر الله تعالى عليه رسوله وحبيبه محمَّد - ﷺ -، من التخلّق بمعالي الأخلاق، وأحاسن الشمائل على معالم مستقبله في رسالته الخاتمة الخالدة!
ولأمر ما ربط الحق -جلَّ شأنه- بين مكارم الأخلاق الفطريّة قبل أن يبعث الله محمدًا - ﷺ - وبين حياة هؤلاء الضعفى في المجتمع البشريّ الظلوم، فجعل الرسول - ﷺ - آسيًا لجراحهم، وجابرًا لكسير قلوبهم .. ومن ثم لا ينسى هؤلاء أيادي الرحمة بهم بعد أن بعث الله محمدًا - ﷺ - نبيًّا، وداعيًا رسولًا، يدعو إلى الله وحده، وإلى عدله ورحمته!
هذا تدبير الغيب، ما كان لأحد فيه اختيار .. فالله تعالى هو الذي فطر رسوله رحيمًا، خلقةً لا كسبًا، وطبعًا لا تطبّعًا، وهو الذي جمّله بخُلق الشفقة على الخلق كافةً، وهو الذي أوجده في مجتمعه الذي نهد فيه، ونشأن بين أحضانه، وهو مجتمع يعيش في حياة تجعله أخصب أرض لزرع الإحسان والمكارم؛ لأنه مجتمع جهل حياة العدل وعاش على جهالة الحياة وروابطها الاجتماعيّة الفسيحة، مجتمع استأثر بخيراته حفنة من غلاظ الأكباد، يأخذون ولا يُعطون، ينهبون ولا يرعوُون، فلا قانون يردع، ولا نظام يحكم!
[ ٣ / ٦٨٧ ]
فإذا جاءهم الله بالرسول - ﷺ - رحمةً وهدىً لينقذ المعذّبين في الأرض من ظلم الطغاة البغاة العتاة، ويقيم الحياة الإنسانيّة على دعائم الإخاء والمساواة، والرحمة والمواساة، فإن عون الله وتوفيقه للرسول -ﷺ- هو الواقع!
١١ - وتكسب المعدوم:
ومن الكلمات النورانيّة لأمّ المؤمنين خديجة للرسول -ﷺ- كما أسلفنا:
(وتكسب المعدوم)!
وقد كان الرسول - ﷺ - قبل البعثة الصورة المتحرّكة للقرآن الناطق في صمته وسكونه، والمعلّم حينما تهتزّ أسلات الألسن بآياته، مضيئة بنور القلوب والعقول والأرواح، فهمًا للرسالة!
ومن ثم كان سخاء الجود إلى ذروة الإيثار من سمات الرسول - ﷺ - قبل أن يكون رسولًا، فما بال الدنيا بك أنت الذي أدّبتهم فتأدّبوا بأدبك؟ وقد تأدّبت بأدب الله الذي تولاك -منذ كنت- بفواضل أدبه فأحسن تأديبك!
ومَن في الوجود الكوني على خلقك الفطري الذي فطرك الله عليه من مكارم الوجود؟ فأنت أجود الناس، ولأنت أجود بالخير من الريح المرسلة!
أو لست أنت الذي تظاهرت عليك بيّنات الألسن بأنك تعطي عطاء من لا يخشى الفقر؟ أو لست أنت الذي عرف لك قومك قبل أن يبعثك الله للناس رسولًا أنك كنت في تحنّثك وتعبُّدِك تطعم من جاءك من المساكين؟
وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: جاء رجل
[ ٣ / ٦٨٨ ]
إِلى النبي -ﷺ- فقال: إِنّي قد أُبدع بي فاحْملني، فقال: "ما عندي"! فقال رجل: يا رسول الله! أنا أدلّه على من يحمله، فقال رسول الله -ﷺ-: "من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله" (١)!
ويروي مسلم وغيره عن أنس ﵁: ما سئل رسول الله -ﷺ- على الإِسلام شيئًا إِلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنم بين جبلين! فرجع إِلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإِن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة!
وفي رواية: أسلموا، فوالله إِن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر (٢)!
وقد كان جوده - ﷺ - لله، وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو محتاج، وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على الإِسلام من يقوى الإِسلام بإسلامه!
والكرم مَجمعةٌ للقلوب، ومجلبة لمحبّة الناس، والكريم لا يُضام، ولا يُخزى، ولا يخذل، يملك بكرمه زمام محبّة الأفئدة، ويستأسر من أكرمهم بإحسانه وفواضله، فيؤثرونه بمودّتهم على كل محبوب .. ولهذا كان في
_________________
(١) مسلم: ٣٣ - الإمارة (١٨٩٣)، والبخاري: الأدب المفرد (٢٤٢)، والطيالسي (٦١١)، وعبد الرزاق (٢٠٠٥٤)، وأحمد: ٤: ١٢٠، ٥: ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٤، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذي (٢٦٧١)، والطحاوي: مشكل الآثار (١٥٤٦)، والبيهقيُّ: ٩: ٢٨، وأبو نعيم: الحلية: ٦: ٢٦٦، وابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله: ١: ١٦، والبغويُّ (٣٦٠٨)، والطبراني: الكبير: ١٧: (٦٢٢، ٦٢٣، ٦٢٤، ٦٢٥، ٦٢٧، ٣٢٨، ٦٢٩، ٦٣٠، ٦٣١، ٦٣٢)، والخطيب: ٧: ٣٨٣، وابن حبّان (٢٨٩، ١٦٦٨).
(٢) مسلم: ٤٣ - الفضائل (٢٣١٢)، وأحمد: ٣: ١٠٨، ١٧٥، ٢٥٩، ٢٨٤، وأبو يعلى (٣٣٠٢، ٣٧٥٠)، وأبو الشيخ: أخلاق النبي -ﷺ-: ٥١، والبغويُّ (٣٦٩١)، وابن خزيمة (٢٣٧١، ٢٣٧٢)، والبيهقيُّ: ٧: ١٩، وابن حبّان (٦٣٧٣، ٦٣٧٤)، وانظر: ابن كثير: الشمائل: ٧٤.
[ ٣ / ٦٨٩ ]
مقدمة من استجابوا للرسالة، الذين وجدوا عنده المواساة والإيثار والرحمة، فأخلصوا له، وتقبّلوا هديه بروح عالية، وتحمّلوا من فوادح الإيذاء والتعذيب -كما سيأتي- ما لم يكن في طاقة بشر!
وقد كانوا بإخلاصهم في طليعة المؤمنين الأثر الحيّ الذي صاحب الدعوة إلى الله في مراحلها وشدائدها وانتصاراتها .. فقد رأوا مكارم الجود الذي عبّرت عنه أمّ المؤمنين خديجة - ﵂ - في كلماتها النورانيّة في صحائف الغيب بالتأمّل الشفيف الذي يقرأ كتاب المستقبل في لوح الماضي القريب!
١٢ - وتقري الضيف:
وهل يملك النفوس الأبيّة إلا تقليدها قلائد المجد في سخاء يملك عليها نخوتها التي تتمثَّل في لقاء الضيف -وهو يقبل على استحياء- ببشاشة الطبع البسّام لمغارم المكارم!
ومغارم الجود عند ذوي الطبع الكريم مغانم، إذا انهملت غيوثها على أرض أصيلة التربة طيّبة الأصالة، ولكنها خاشعة ظمئة، وهل أطيب أرضًا من قلب ضيف يقبل طامعًا، ولكنه متردّد يخشى الجفلة، ويخاف الجفوة، فإذا سمع مرحبًا تناهت عنده إليه المكارم!
ومن ثم كان إكرام الضيف من أعظم الفضائل الإنسانيّة الاجتماعيّة، وهي -وإن تداخلت في عموم مكارم الجود بخصائصها- مستقلّة الأثر في قوّة اجتذاب القلوب، وأسر النفوس، ولا سيّما إذا كانت في بيئة مثل البيئة التي نهد فيها محمَّد - ﷺ -، بيئة الصحارى والجبال، والوديان والقفار، الشحيحة بمطالب العيش، ووسائل الحياة!
[ ٣ / ٦٩٠ ]
ولهذا كانت فضيلة قرى الضيف موضع منافسة المتنافسين في صنائع المعروف، وكانت مما يتمدّح به أجواد العرب، ويتّخذها شعراؤهم ممادح لأجاويدهم، يتّخذون بها قلائد من الفضل المأثور في أعناق الذين يقصدون مكارمهم تحبّبًا إليهم، ونشرًا لحسن الأحدوثة عنهم بين أقوامهم!
والضيف في البيئة العربيّة عابر سبيل يبيت هنا، ويصبح هناك، ويتحدّث حيث يكون، والحديث مع الناس وإلى الناس فنون، وأحبّ فنونه إلى الأسماع، وأحلاها في الأذواق ما كان عن المكارم وصانعيها، وروّادها، تنفسح لهم القلوب، وتهشّ لهم النفوس، وتهفو نحو من تحله المكارم ذراها، وتشتاق إلى لقائه ورؤيته، وتتمنّى لو كانت من حزبه أو أهله، وتتطلّع إلى مشارف مكانه من حُسْن الأحدوثة، وتتحدّث مع نفسها أحاديث الآمال المرجوّة أن لو كانت تستطيع أن تكافئه على صنائعه، ولو لم يكونوا هم موضع إسدائها المباشر؛ لأنّ الخير حبيب إلى كل نفس كريمة، والمكارم أواصر خُلقيّة لا تعرف العصبية لدم، ولا لجنس، ومن يصنع الخير لا يعدم جوازيه!
فإكرام الضيف فضيلة اجتماعيّة، تجمع القلوب على محبّة من يتحلّى بها في غير تكلّف ولا مراءاة، وتستجيب إلى دعوته إذا دعا إلى خير، وترهف الآذان إلى صوته إذا نادى إلى نجدة أو غوث، وتُصغي إلى قوله إذا تكلّم، وتؤمِّن على رأيه إذا ارتأى، فهي من أصول المكارم التي تكسب صاحبها مودَّات القلوب، يحبّه من يعرفه ومن لا يعرفه!
فذكر أمّ المؤمنين خديجة - ﵂ - هذه المكرمة في خلائق محمَّد - ﷺ - التي نهد بها، وعاش في مجتمعه على التخلّق بخلقها، مقصوده أن الله تعالى في جلال حكمته، لا يمنحها إلا لمن يعلم أنه حقيق بآثارها الاجتماعيّة في
[ ٣ / ٦٩١ ]
التأييد والتوفيق، فيما يدعو إليه من الخير والهُدى، فالمتحلّي بها مع سائر أصول المكارم لن يخزيه الله أبدًا، ولا يَخْذله الله أبدًا، وإن محمدًا - ﷺ - لبالغ -بما طبعه الله عليه من أصول مكارم الأخلاق- ما كتب الله له في لوح حياته من قيامه بحقّ تبليغ رسالته على أبلغ وأقوى ما تؤدّي به رسالة إلهيّة ناطها الله ﵎ برسول أعدّه لأعباء هذه الرسالة الخاتمة الخالدة!
١٣ - الإعانة على نوائب الحق:
والإعانة على نوائب الحق فضيلة الفضائل، ومكرمة المكارم، فهي أجمع الفضائل لسائرها، وهي أجمع موارد الخير ومصادره، وهي منقبة مناقب البرّ والمعروف!
قال الحافظ ابن حجر (١): وقولها: (وتعين على نوائب الحق)!
كلمة جامعة لأفراد ما تقدّم، ولما لم يتقدّم!
وقد كانت هذه الخليقة خُلُقًا لمحمد - ﷺ - منذ شبّ عن طوق الطفوليّة، ومشى إلى الشباب مشاركًا رجالات قومه في صنع المكارم، فهو - ﷺ - وكان في عنفوان الشباب، ابن عشرين سنة -يسمع أن عمه الزبير بن عبد المطلب، يدعو إلى عقد حلف لنصرة المظلوم، والتآسي في المعاش، فاجتمعت له بنو هاشم، وزهرة، وتيم، في دار عبد الله بن جدعان، فيسرع - ﷺ - إلى مشاركتهم هذه الكرمة النبيلة، يدفعون بها الظلم عن المظلومين، ويعينون على نوائب الحق، ويتعاقدون متعاهدين بالله ليكونن مع المظلوم، حتى يؤدّى إليه حقّه، وسمّت قريش ذلك التعاقد (حلف الفضول)!
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ١: ٢٥.
[ ٣ / ٦٩٢ ]
وقد امتدح محمَّد - ﷺ - بعد بعثته رسولًا إلى العالمين هذا الحلف، وأخبر أنه حضره في دور إنشائه، وشارك فيه قبل نبوّته وسبق أن ذكرنا ما رواه أحمد وغيره -كما أسلفنا- بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي -ﷺ- قال: "شهدت حلف المطيَّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحبّ أن لي حُمرَ النّعم، وإِنِّي أنكثُه"!
١٤ - أداء الأمانة:
والأمانة أجمع مكرمة لمكارم الأخلاق، ولن يكون أمينًا قط من يفقد في أخلاقه مكرمةً من المكارم، فالأمين هو ذو الخلُق العظيم، الجامع لأشتات الفضائل، والأمن هو الكامل في استقامته مع نفسه، ومع جميع الخلق، تجمع القلوب على محبّته، ويثق به من يعرفه ومن يسمع عنه، من شهده ومن غاب عنه، وهذه الثقة تظهره على أسرار الناس، فيعرفها كما يعرف علانيتهم، لا تخفى عليه منهم خافية، يحفظهم في غيبهم كحفظه لهم في شهودهم، يأنسون به، ويركنون إليه في أعمالهم ومصالحهم، ويأمنونه على أعزّ ما عندهم من ودائعهم المادية والقلبيّة، تهجس في خواطرهم الفكرة تريد متنفّسًا بالكلمة، فيخافونها إلا إذا كانت همسًا للأمين، فإن رأى خيرًا أعان عليه، وإن رأى شرا نصح وحذّر!
وقد كان خُلُق أداء الأمانة خُلُقًا أثيرًا في مكارمه - ﷺ -، ولم يعرف لقب الأمين على إطلاقه -كما عرفنا- إلا له - ﷺ -!
وهل يوجد في تاريخ البشريّة أقوى دلالة على تميّزه - ﷺ - بأداء الأمانة من إجماع بطون قريش على الرضا بحكمه وهم يبنون الكعبة المشرّفة أعزّ مفاخرهم
[ ٣ / ٦٩٣ ]
-كما أسلفنا- ومن ثم حين رأوه تهلّلوا بالبشر الوثيق، واطمأنت قلوبهم الواجفة في صدورهم، وسكنت إلا من خفقة الرضا، وقالوا بلسان موحّد الثقة والقبول: هذا (الأمين) رضيناه حكمًا!
١٥ - فراسة الإلهام:
وقد كانت أمّ المؤمنين خديجة - ﵂ - لوثيق معرفتها بأخلاق محمَّد - ﷺ - الفطريّة التي خبرتها فيه بتجاربها وفراستها، وبما كان يخصّه به مجتمعه من الإكبار وحُسْن الأحدوثة على حق حين أقسمت على أن الله لن يخزيه، وأكَّدت ذلك بلفظ التأييد، واستدلَّت بوحي عقلها الرصين على ما أقسمت عليه بأمر استقرائي، فوصفته - ﷺ - بأصول مكارم الأخلاق!
وكانت تلك الكلمات -كما عرفنا- نوعًا من فراسة الإلهام الذي ينظر إلى ما وراء الحجب، خفّفت بها عن رسول الله -ﷺ- ما شعر به من آثار المفاجأة الرهيبة، وقد آب إليها من خلوته ومتعبّده في حراء، فرأت منه - ﷺ - حالًا من مشقّة الجهد، لم تكن تراها عليه من قبل في أوباته إليها، ليتزوّد لخلوته، ويجدّد ببيته وولده وزوجه عهد الحنان والحبّ الذي يعطيه أفضل ما يعطي عامل من عوامل القوّة النفسيّة من مدد يعينه على تحمّل مشاق الوحدة في خلوته التي أحبّها أشدّ الحبّ؛ لما يجد فيها من مجال لسبحات روحه وفكره في أجواز ملكوت الله، وجلال بدائع صنعه، وجلس إليها بعد أن هدأت نفسه، وحدّثها وحدّثته، وسمعت منه جديدًا، لم تكن من قبل تسمعه منه، وكان في هذا الحديث نغم هامسٌ بروحانيّة جديدة، تتلمّس دفء الحنان في أحضان الوفاء!
[ ٣ / ٦٩٤ ]
والرسول - ﷺ - منذ بلغ سنّ الرجوليّة كانت بشائر الغيب، وإرهاصات النبوّة تتوالى عليه، قبل أن يُنبّأ، وكانت خديجة - ﵂ - على علم بالكثير من ذلك!
ثم نبّئ - ﷺ - بوحي الرؤيا الصالحة الصادقة يراها، فتجيء مثل فلق الصبح جلاءً ووضوحًا وإشراقًا .. وتتابع الوحي عليه في مراتبه، ولم يكن يبدو عليه من مشقّة الإجهاد، وتأثّر بشريّته مثل ما بدا عليه، ومن ثم جاءها يرجف فؤاده!
وكانت آمال أمّ المؤمنين خديجة - ﵂ - منذ صارت زوجة الرسول - ﷺ - أعظم من أن تقف عند وحي النبوّة، بل كانت مشاعرها تحلّق حوله في آفاق تطلّعاتها إلى تجلّيات الملأ الأعلى له - ﷺ - في لقاء المواجهة ووحي اليقظة!
وها هو - ﷺ - يبعث رحمةً للعالمين، فيجيئه الحق، ويفجؤه الملك رسولًا إليه من ربّه، مستعلنًا في يقظته، ومحمد - ﷺ - مستغرق في سبحات تفكيره، وحيد في خلوته، لا يتوقّع مما وقع له شيئًا!
١٦ - العلم سرّ الرسالة:
وسرّ رسالة الرسول - ﷺ - المسطور في لوح الوجود -كما أسلفنا- هو العلم بأوسع وأعمق ما يتصوّر العلماء والمفكّرون من أيّ أنحاء الحياة، ومن أيّ جوانب الكون، وعلى أيّ نهج في التفكير!
ومن هنا قال جبريل -﵇- بعد ما أنهى ما أُرسل به إليه في أوّل لقاء المواجهة بوحي اليقظة من إعداده روحانيًّا للنفوذ من حجب الغيب إلى الحقائق العليا، مسطورة في صحف الوجود: ﴿اقْرَأْ﴾!
[ ٣ / ٦٩٥ ]
وأنت أنت على خصيصتك في أخصّ أوصافك من نعت (الأميّة) مستعينًا باسم ربّك الخالق المبدع، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهو أعزّ خلقه وأكرمهم، وجعله بما علّمه سيد الحياة المسخّرة له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [اقرأ ١: ٥]!
فكان هذا بيانًا لما طُلب منه مرات، وهو تحصيل حقيقة القراءة، دون نظر إلى الأسباب المألوفة عند القارئين المعلَّمن العالمين، مستعينًا باسم من سبق إليك إحسانه، فربّاك على موائد فضله وإنعامه، ورعاك بكرمه قبل أن يتشرّف الوجود بطلعتك، وهو ربّك الأكرم الذي تجلّت مظاهر أكرميّته في ظلال أسرار رسالتك العليمة المعلّمة، وهو الذي علّم بالقلم من تأهّل بفكره ليكون في زمرة العالمين، وذلك هو الإنسان مُظهرُ الإبداع الإلهيّ الأعظم في الوجود، فقد علّمه ما لم يعلم، وعلّمك أنت، وجعلك مَظهر الإشراق الروحانيّ الأكمل -كما علّم الملأ الأعلى- لتكون أميّتك المظهر الأعظم في إعجاز رسالتك المعلّمة، وجعل علمك بغير قلم مدَدًا لمن تعلّموا بالقلم، تعلّموا ممّا علمت، وهم صفوة الإنسانيّة، بل صفوة الوجود كله، فالتعليم بالقلم أعظم مظاهر الكرم الإلهيّ السابغ، ومن ثمّ كانت المنّة بالتعليم بالقلم أعظم منن الله تعالى على الإنسانيّة في الحياة، وكان الامتنان بها عليه في أوّل ما نزل من القرآن الكريم!
١٧ - أهداف الدعوة:
ونهض الرسول - ﷺ - مستجيبًا لأمر ربّه، مشمّرًا عن عزيمة لا تفل، نهوض من لا يعرف السكون إلا متحفّزًا ليتحرك، ولا يتحرّك إلا وهو يفكّر في
[ ٣ / ٦٩٦ ]
مسالك ما حُمّله من أعباء رسالة، ليس كمثلها رسالة من رسالات من سبقه من الأنبياء والمرسلين!
فالناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، من دنا منهم ومن بعد، هم أمّة دعوته مكلّف بتبليغ رسالته لهم، واجب عليه أن يدعوهم إلى الإيمان بها ما بلغتهم دعوتها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]!
فهو - ﷺ - رسول إلى العالمين، منذ اللحظة الأولى لتنزّل رسالته!
ودعوته - ﷺ - تستهدف إخراج الناس -كل الناس، بل إخراج الحياة بما فيها ومن فيها- من ظلمات الشرك، وأوضار الوثنيّة، في جميع صورها وأشكالها إلى نور التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، مطهّرين في عقائدهم وأفكارهم وتعبّداتهم، نقيّة عقولهم وقلوبهم من دنس مواريث الآباء والأجداد، مصفّاة أرواحهم من ران الشرور والمفاسد .. وإخراجهم من ظلمات التظالم والفساد إلى نور العدل والإصلاح!
ودعوته - ﷺ - تستهدف إلى جانب ذلك تخليصهم من رذائل الأخلاق، ليكونوا ربّانيّين في حياتهم وأخلاقهم، متحلّي بالفضائل الإنسانيّة الكريمة، مستقيمي السلوك، خيّرين في أعمالهم!
ودعوته - ﷺ - تستهدف تخليصهم من شراسة القسوة الطاغية الباغية التي يصب المتجبّرون في الأرض سياط عذابها على الضعفاء والمستضعفين، اغترارًا بما في أيديهم من لعاعات الدنيا، واستجابة لما في دخائل أنفسهم من شرور الأنانيّة والاستئثار!
[ ٣ / ٦٩٧ ]
ودعوته - ﷺ - تستهدف تخليصهم من مساوئ الأنانية، وسيطرة الغرائز الماديّة في رغائبها وشهواتها، لتقيمهم أئمّة، في مشاهد الإيثار والإفضال، في جوّ من الإخاء الإيماني الذي لا يعرف: هذا لي وحدي، ولكنه يعرف ما يقرؤه في دستور رسالته الخالدة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠]!
والأخوّة تعني المشاركة في جلب المنافع، ودفع المضار، والحياة -في شرعة الإخاء الإيماني- للناس جميعًا، لا يستأثر بشيء منها أحد، فمن احتاج منها أخذ بقدر حاجته وطاقته، ومن وجدها في يده جاد بها وأعطى!
تلك إشارات إلى أهداف رسالة محمَّد - ﷺ -، وغاياتها ومقاصدها، جعلت العلم بجميع فنونه الماديّة والفكريّة، والمعرفة بأنواعها التجريبية والعقليّة وسيلة تحقيقها لكن المجتمع البشري الذي أُرسل فيه وإليه محمَّد - ﷺ - بجميع أممه وشعوبه، وجماعاته وأفراده، لم يكن يعرف هذه الأهداف، ولا يحاول أن يعرفها؛ بل كان هذا المجتمع يعيش على نقائض هذه الأهداف الإصلاحيّة، التي تطلب في قوة حازمة، وعزيمة صارمة، من حاملي أمانتها، ووارثي تبليغ رسالتها أن يعملوا بكل ما أوتوا من طاقات وقوى، على كسر حدة تلك النقائض، ليخرجوا الحياة بمن فيها وما فيها من ظلمات الأثرة، وظلم الأنانية، إلى نور الإيمان والهداية، وعدل المساواة والمواساة، بتطبيق دستور هذه الرسالة الخالدة في واقع الحياة!
١٨ - فترة الوحي:
ونجد أنفسنا أمام فترة الوحي التي كانت لطفًا من الله -﷿ - ورحمةً بخاتم رسله - ﷺ -، ونحن نقرأ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)
[ ٣ / ٦٩٨ ]
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١: ١١]!
وتلك السورة بموضوعها، وتعبيرها، ومشاهدهما، وظلالها وإيقاعها (١)، لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من ود، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتنسم بالرّوْح والرضى والأمل، وتسكب البرد والطمأنينة واليقن!
إنها كلها خالصة للنبيّ - ﷺ -، كلها نجاء له من ربّه، وتسرية وتسلية وترويح وتطمين، كلها أنسام من الرحمة، وأنداء من الودّ، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والخاطر المقلق، والقلب الموجوع!
يروي الشيخان وغيرهما عن جندب بن سفيان - ﵁ - قال (٢): اشتكى رسول الله -ﷺ-، فلم يقُم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمَّد، إِنّي لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قَرِبك منذ ليلتين، أو ثلاثًا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾!
قال ابن حجر بعد أن ذكر بعض الروايات التي لم تثبت: والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي،
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٩٢٥ وما بعدها بتصرف.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٥٠)، ومسلم (١٧٩٧)، وأحمد: ٤: ٣١٢، والبيهقي: ٣: ١٤، والدلائل: ٧: ٥٨ - ٥٩، وأبو عوانة: ٤: ٣٤٠، والطبراني: الكبير (١٧١١).
[ ٣ / ٦٩٩ ]
فإن تلك دامت أيّامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطا على بعض الرواة (١)!
والوحي ولقاء جبريل والاتصال بالله، زاد الرسول - ﷺ - في مشقّة الطريق، وسقياه في هجير الجحود، وروْحه في لأواء التكذيب، وكان الرسول - ﷺ - يحيا بها في هذه الهاجرة المحرقة التي يعانيها في النفوس النافرة الشاردة العصيّة العنيدة، ويعانيها في المكر والكيد والأذى المصبوب على الدعوة، وعلى الإيمان، وعلى الهُدى من طغاة المشركين!
فلما فتر الوحي انقطع الزاد، وانحبس عنه الينبوع، واستوحش قلبه من الحبيب، وبقي للهاجرة وحده بلا زاد، وبلا ريّ!
وقد نزل هذا الفيض من الودّ والحبّ والرحمة، والإيناس والقربى، والأمل والرضى، والطمأنينة واليقين!
ويطالعنا القسم على إنعام الله تعالى على رسوله - ﷺ - (٢)، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمّن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوّته، وعلى جزائه في الآخرة، قسم على النبوّة والمعاد!
وقد أقسم الله تعالى بآيتين عظيمتين من آياته، دالّتين على ربوبيّته وحكمته ورحمته، وهما: الليل والنهار، فتأمّل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربُّه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الضحى ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه!
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ٨: ٧١٠، ١٢: ٣٥٩ وما بعدها.
(٢) بدائع التفسير: ٥: ٢٥٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٠٠ ]
وأيضًا فإن فالق ظلمة الليل على ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوّة!
فهذان للحسّ!
وهذان للعقل!
وأيضًا فإن الذي اقتضت رحمته ألا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم، لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغيّ، بل يهديهم بنور الوحي والنبوّة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم!
فتأمّل حُسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه!
وتأمّل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ، والجلالة التي على معانيها!
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيّه أو قلاه، فالتوديع: الترك، والقلى: البغض، فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه، ولا أبغضه منذ أحبّه، وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقرّ به عينه، وتفرح به نفسه، وينشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى، وهذا يعمّ ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر، وكثرة الأتباع، ورفع ذكره، وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه في موقف القيامة، وما يعطيه في الجنّة (١)!
ونبصر في القسم -كما أسلفنا- بالآنيْن الرائقين (٢)، والربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس، ما يوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعرة المتجاوبة
_________________
(١) انظر: التبيان في أقسام القرآن: ٧٢ - ٧٥، وعدة الصابرين: ١٥٤ - ١٥٥، ومدارج السالكين: ٢: ٤٤٩.
(٢) في ظلال القرآن: ٦: ٣٩٢٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٠١ ]
مع هذا الوجود الجميل الحيّ، المتعاطف مع كل حي، فيعيش ذلك القلب في أنس هذا الوجود، غير موحش ولا غريب فيه فريد!
ونبصر أنسًا له وقعه .. وكأنما يوحي مطلع السورة أن الله قد أفاض من حول رسوله - ﷺ - الأنس في هذا الوجود، وأنه من ثم غير مجفوّ فيه ولا فريد!
ونبصر جميل صنع الله برسوله .. ومودَّته له، وفيضه عليه، واستعادة مواقع الرحمة والودّ والإيناس الإلهي، وهو متاع فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديعِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾!
انظر في واقع حالك، وماضي حياتك، هل ودعك ربك وهل قلاك -حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر؟
ألم تحط يتمك رعايته؟
ألم تدرك حيرتك هدايته؟
ألم يغمر فقرك عطاؤه؟
لقد ولدت يتيمًا فآواك إليه، وعطف عليك القلوب، حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك!
ولقد كنت فقيرًا فأغنى الله نفسك بالقناعة، كما أغناك بكسبك ومال أهلك بيتك عن أن تحسّ الفقر، أو تتطلّع إلى ما حولك من ثراء!
ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصوّرات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها، ولكنك لم تكن تجد لك طريقًا واضحًا مطمئنًا، لا فيما عند الجاهليّة ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى .. ثم هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به!
[ ٣ / ٧٠٢ ]
والهداية من حيرة العقيدة، وضلال الشعاب فيها هي المنّة الكبرى، التي لا تعدلها منّة، وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق، ومن التعب الذي لا يعدله تعب .. وجاءت تذكره وتطمئنه على أن ربه لن يتركه بلا وحي في التّيه، وهو لم يتركه من قبل في الحيرة والتّيه!
إننا نبصر الحنان والرحمة والرضى والشجى، ينسرب من خلال آيات تلك السورة!
١٩ - موقف الإمام محمَّد عبده:
ومع هذا نرى الإمام محمَّد عبده -﵀ - قد وقف موقفًا عجبًا من حديث بلاغ التردّي من رؤوس شواهق الجبال، الذي بيّنا ردّه من قبل، حيث قال:
اتفقت الروايات على أن سبب نزول هذه السورة ﴿والضُّحَى﴾ هو حصول فترة في توالي الوحي على النبي -ﷺ-، فظنّ أو توهّم أو كما قيل إن الله تركه وقلاه .. إلى أن قال: وقد جاء في الصحيح أن النبي -ﷺ- حزن لفترة الوحي حزنًا غدا منه مرارًا، كي يتردّى من رؤوس الجبال، ولكن كان يمنعه تمثّل الملك له، وإخباره بأنّه رسول الله -ﷺ- حقًّا!
وقال: ليس في نسق السورة ﴿وَالضُّحَى﴾ ما يشير إلى أن المشركين أو غيرهم كانوا بعرض من الخطاب، ومن أين للمشركين أن يعلموا فترة الوحي فيقولوا أو يطعنوا؟!
أما الإشارة في نسق السورة إلى أن المشركين كانوا بعرض من الخطاب (١)،
_________________
(١) محمَّد رسول الله -ﷺ-: ١: ٤٥٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٠٣ ]
وإن كانت المواجهة به كانت لرسول الله - ﷺ -، وأنهم علموا فترة الوحي، فقالوا وطعنوا، فهي موجودة في أسلوب السورة وعباراتها وألفاظها!
ذلك أن القرآن الكريم كلام الله الحكيم العليم، وأسلوبه وعباراته وألفاظه لا تقف عند سنن الإحسان البشريّ في براعة البيان، ولكنها تعلو فوق ذلك إلى درجة الإحسان الإعجازي؛ فلا يمكن أن يحل لفظ من خارج ألفاظ القرآن مكان لفظ من ألفاظه في نسقه البياني؛ لأنّ ألفاظ القرآن في نسق آياته هي التي وقع بها التحدّي، وتمّ بها الإعجاز، فلا بدّ أن تكون ألفاظه متّسقة أكمل اتساق مع المعاني التي قُصد أداؤها بها، حتى كأن بين اللفظ والمعنى نسبًا، وقربى دانيةً، وهذا يستبين بالموازنة بين أساليب البيان القرآني في تأدية مقاصده، فأسلوب البيان الزاجر المتوعّد مغاير تمام المغايرة في ألفاظه القارعة لأسلوب البيان الموعد المرغّب في ألفاظه الهامسة!
يلمح ذلك ويشعر به الناظر ذو الحسّ المرهف، والنظر الغوّاص المتعلّق، فيحسّه في جرس اللفظ، ونسق العبارة، واسترسال الأسلوب!
وإذا كانت السورة -كما عرفنا- فلا يتَّسق مع جلال الأسلوب القرآني في روعة بيانه أن يخاطب الله تعالى نبيّه محمدًا - ﷺ -، وقد فتر عنه الوحي بسبب لا دخل لإرادته فيه، والوحي هو صلته بالملأ الأعلى، وطريقه إلى مشاهدة ملكوت الله، واستجلائه آيات إبداعه في الكون، مغافصة دون تمهيد، مقسمًا أعزّ قسم بأنّه لم يترك نبيه وحبيبه ترك قطيعة وإهمال، ولا أبغضه بغضًا يباعده عن مقامات قربه، ومنازل شهوده، بعد أن أحبّه حبًا لم يُنله أحدًا غيره من خلقه، لمجرّد أن الله تعالى أراد أن يلقي الطمأنينة في نفس نبيّه ﷺكما يقول الشيخ الإمام- وهذه الفترة للوحي التي كانت سببًا لنزول سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ لم تكن
[ ٣ / ٧٠٤ ]
هي فترة القلق والخوف والفزع عند النبي -ﷺ-، حتى تحتاج إلى لقاء الطمأنينة في نفس النبي -ﷺ-. ولو فرضنا أن تكون به - ﷺ- حاجة إلى لقاء الطمأنينة في نفسه، فليس مما يتّسق مع سنّة الله تعالى في مخاطبته نبيّه محمدًا - ﷺ - أن يفاجئه الوحي إثر فترة لم تكن أسبابها باختياره بهذه الشدّة التي يشعر بها التعبير بلفظ (ودّع) و(قلى) وإن كانتا في حيّز النفي، والنبي - ﷺ - كان في حاجة إلى التلطف به في الخطاب لمسح ما ألمّ به من قلق وخوف وفزع -كما يقول الشيخ الإمام!
والشدّة التي لاقاها النبي -ﷺ- في بدء الوحي، ومفاجأة الغار -كما أسلفنا- إنما كانت لاستفراغ بشريّته من العلائق الماديّة، وإعداده روحيًّا لتلقّي وحي اليقظة، ونزول القرآن الكريم، وشهود عوالم الملأ الأعلى، الذي أنست نفسه الشريفة بمطالعة أنواره، وشهود آيات إبداعه!
وقد تمّ ذلك كله له - ﷺ - على أتمّ وأكمل مراتب الوحي، وصار - ﷺ - يعيش حياته كلها متشوّقًا إلى لقاء أمين الوحي جبريل -﵇- متشوّقًا إلى ما يلقيه إليه من وحي الله وأمره ووصاياه!
وقول الشيخ الإمام: ومن أين للمشركين أن يعلموا فترة الوحي فيقولوا أو يطعنوا؟ مردود بالحديث السابق الذي لو اطلع الشيخ الإمام عليه وعلى غيره مما يجري مجراه لعلم يقينًا أن من المشركين من كان جيران سوء وعداوة للنبي -ﷺ-، وكان في طليعتهم عمه أبو لهب وزوجه الخبيثة العوراء أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، حمالة الحطب، كما سمّاها القرآن، وكان هؤلاء الأعداء جيران السوء يؤذون رسول الله -ﷺ-، ويتسمّعون عليه، ويرقبون مدخله ومخرجه، وصحوه ونومه، وسائر حركاته وسكناته .. وبيوت العرب يومئذ لم
[ ٣ / ٧٠٥ ]
تكن كثيفة الحجاب، تمنع المتسمّع من السمع، وتحجب الناظر من اللمح، وتحول دون المترقب أن يعرف، وكانوا يسمعون إلى قراءته في جوف الليل، إذا قام لصلاة التهجّد، فلما اشتكى رسول الله -ﷺ-، فلم يقم لصلاته ليلتين أو ثلاثًا، وفقد جيران السوء صوته - ﷺ - بالقراءة في هذه الفترة ظنّوا به ظنّ السوء، وتقوّلوا عليه بالبهتان ما تقوّلوا من الشماتة والطعن، فأنزل الله عليه سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ تنافح عنه، تلطفًا به، وتثبيتًا لفؤاده، وردًا لتقوّلات أعدائه وشانئيه، وتحريكًا لعوامل الشوق والتشوّف إلى مثل ما عهد وسمع وذاق من حلاوة الانّصال بالملأ الأعلى من طريق الوحي!
ومعلوم أن سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ نزلت بسبب فترة الوحي أيّامًا قلائل، لأمر عرض لرسول - ﷺ -، فتحدّث بذلك المشركون حديث الشامت العائب المعيِّر .. فتداركه الله -﷿- بلطفه وتثبيته وتكذيب أعدائه وشانئيه، وتطمين المؤمنين بهديه ورسالته بهذه السورة الكريمة -كما عرفنا- التي تجبه المفترين بنفي ما زعموه، وتعدّد نعم الله الخاصة على نبيّه وحبيبه، وتبشّره بأنّه - ﷺ - لا يزال يزداد شرفًا في رفعة قدره، وفضلًا في علوّ شأنه، وأن مستقبل أمره أجلّ قدرًا وشرفًا من حاضره وماضيه، وأن إنعام الله عليه في نهاياته أعظم من إنعامه عليه في بداياته، وأن الحفاوة به في مدارج رسالته، ومصاعد حياته خيرٌ له من مطالع اصطفائه - ﷺ -!
٢٠ - بناء صرح الرسالة الخالدة:
وبين طرفي مكة من الشمال إلى اليمين على قيد خطوات من (غار حراء) - على نحو فرسخين من شمال مكة على طريق الذاهب منها إلى منى إلى (غار
[ ٣ / ٧٠٦ ]
ثور) -كما سيأتي- على نحو ميلين من يمين مكة، على طريق الذاهب منها إلى اليمين -مشى الزمان بخطا، يسرع مرّة فيوسّعها، ويتّئد أخرى فيقيّدها، وهو يشهد بكل ما فيه من وعي ويقظة بناء صرح الرسالة الخاتمة الخالدة، رسالة محمَّد - ﷺ -، عقيدةً وتأصيلًا في كفاح صبور، وصبر مكافح، على مدى عشر سنين، منذ بدأت أنفاس الرسالة تستهلّ وجودها في الحياة، وتتنزّل آياتها على قلب محمَّد رسول الله -ﷺ- في أعظم لقاء، وأخطر مواجهة، تمّت بين مصطفى الملأ الأعلى أمين أمناء الوحي جبريل -﵇- ومصطفى الكمال البشري أمين أمناء الله في تلقّي كلمته محمَّد - ﷺ -، بعد اكتمال نبوّته في مرحلتها الانفراديّة بمراتب وحيها الخاص على مدى ثلاث سنين قبل استهلال الرسالة؛ لتكون تمهيدًا لانطلاق الإنسانيّة إلى غايتها المقدورة لها في مدارج الكمال الفكري والاجتماعي، مظلّلًا بإشراق الروح، واستقامة العقل!
ولمّا اكتمل البناء العقدي لهذه الرسالة الخالدة، ورسخت دعائمه، وتضافرت دلائله وبراهينه، وتظاهرت آياته، تهاوت في سفحه الوثنيّات متهالكة، تلفظ آخر أنفاسها، وقامت منائر التوحيد تعلن عن جلال الله تعالى وكبريائه، سامقة سامية، مشرقة مضيئة -تنادي الشرك بوثنيّاته مستصرخًا جنده، جند الشيطان في بأس بليد، وتدبير جازم أثيم، وعناد جحود، توهّمًا من ذوي الرؤوس الخاوية، والبطون المكتظّة، أن يصدّوا بنفخ أفواههم تيّار الإيمان بالحق، وهو يجري في محيط الحياة مزمجرًا كاسحًا أوضار الوثنيّات البليدة، شامخًا بعرنينه الأشمّ، باذخًا بفضله، فتخيلوا وخالوا، وتوهّموا وائْتَمروا وتَجمّعوا ليبَلغَوا أربًا صوره الحقد الكفور!
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ
[ ٣ / ٧٠٧ ]
كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (التوبة)!
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (الصف)!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح)!
وكان ربّ محمَّد - ﷺ - لهم بالمرصاد، فأبلغه مكرهم وكيد تدبيرهم، وحاطه بعنايته، وتولاّه برعايته، حتى أبلغه مأمنه، وآواه إلى كنفه، وكنفه بمعيّته في نهاية المقام التأسيسي لرسالته، وأدخله آمنًا، بصحبة صدّيقه في (غار ثور)، على بعد خطوات من (غار حراء)، حيث بدأ نور الرسالة يسطع هاديًا مشرقًا، إذ بشّره بنصره، وإعلاء كلمته: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ (التوبة)!
وسبق أن عرفنا أن الدعامة الأولى في بناء صرح الرسالة الخاتمة الخالدة، رسالة محمَّد - ﷺ - هي (الكلمة) وهي في حقيقتها الإلهيّة، ومكانها من الرسالة، وواقعها من تاريخ الحياة، أضخم عنوان لأعظم حقيقة في وجود الحياة الإنسانيّة وتطوّرها، وهذه الحقيقة هي (العلم) بأوسع ما يمكن أن يتصوّره خيال، أو يتّسع له واقع الحياة في الوجود!
[ ٣ / ٧٠٨ ]
وهي دعامة غريبة عجيبة، لم يسبق لها وجود في بناء الرسالات الإلهيّة التي سبقت رسالة محمَّد - ﷺ -، ولم يعرف تاريخ الرسالات الإلهية أن رسالة منها قام أساس بنائها على (الكلمة)، وهي في منطوقها كلمة واحدة، ولكنها بمضمونها تنطوي على حقائق الحياة والكون إلا رسالة الإِسلام الخاتمة!
هذه الكلمة ﴿اقْرَأْ﴾ كانت نبعًا نميرًا في صحراء الحياة القاحلة الجديدة حسًّا ومعنى، وقد تفجّرت من هذا النبع النمير عيون حياة جديدة، عريضة مخصبة، مادّة وفكرًا وروحانيّة، وسعت الدنيا بأقطارها وحذافيرها، عدلًا ورحمةً، وهدى ونورًا، وعلمًا ومعرفةً، وإصلاحًا وخيرًا وبركةً!
وكانت شمسًا في أفق الحياة، أشرقت بأضوائها آفاق الكون فأنارت الوجود على رحبه، وأدفأت المقرورين بحرارة أشعّتها، وهدت الحيارى الشاردين من لفح المظالم في لذعات سموم الطغيان والاستبداد الظلوم، إلى ظلّ من العدل المواسي، والتعاون المبرور، والإخاء الكريم!
والكلمة المقروءة لابدّ أن تكون مكتوبة، ومن هنا كان اختيار كلمة ﴿اقْرَأْ﴾ لتكون بما فيها من ومض الروحانيّة العليا دعامة لأساس رسالة محمَّد - ﷺ -، وهي رسالة عامة شاملة خاتمة مهيمنة؛ فلا بد أن يقوم صرح بنائها على دعامة لها سرّ خلودها، دعامة فينانة لا ينفد ماء نبعها، ولا ينقطع مددها، أبديّة الرفد، سرمديّة الصفد، لا ينضب معينها، ولا ينشف عودها، ولا تيبس جذورها، فهي غضّة نضرة ما بقيت الحياة، وهي دانية القطوف، ظلّها ممدود، وأثرها في الحياتين محمود!
[ ٣ / ٧٠٩ ]
معالم في طريق الدعوة
[ ٣ / ٧١١ ]
معالم في طريق الدعوة
١ - القرآن كلام الله
٢ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾
٣ - مكانة التوحيد
٤ - أثر التوحيد
٥ - السابقون الأوّلون.
٦ - ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾
٧ - وصايا قرآنية
- ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
- بين البخل والسرف.
- كيف عالج القرآن رذيله والبخل
- الطهر من داء الحرص والشح
- فريضة الكسب
-منابع الكسب
- أهداف الكسب
- آداب الكسب
- اختيار الكسب الصالح
- نظام البذل والإنفاق
- اختيار مادة العطية
- مقدار العطاء
- وجوه البذل
- أسلوب البذل
- بواعث البرّ والإحسان
- طهارة القلوب من الغل والحسد
- طهارة القلوب المنحرفة
- طهارة القلوب من الشرِّ والأنانية
٨ - سياسة الاسْتِسْرار
٩ - قوّة الإيمان
[ ٣ / ٧١٢ ]
معالم في طريق الدعوة
ونجد أنفسنا أمام معالم في طريق الدعوة إلى الله، ونحن نطالع ما يلي:
١ - القرآن كلام الله:
سبق أن ذكرنا قصة بحيرى الراهب، التي رواها الترمذي بسنده، كما رواها غيره!
وذكرنا -أيضًا- الاختلاف في اسم بحيرى وعقيدته!
وعرفنا أن النفس يمكن أن تطمئن إلى سفر النبي -ﷺ-، مع عمه أبي طالب، وهو في التاسعة، أو العاشرة، أو الثانية عشرة من عمره، على اختلاف الروايات!
وعرفنا -أيضًا- أن النبي -ﷺ- كان من الزكانة والفطنة، ولقانة القلب، ولطف الخُلُق، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثقوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمحل الأرفع!
ولا يمكن أن تمرّ هذه الرحلة ثم لا تترك أثرًا في نفس الرسول - ﷺ -، وهو في هذه السن، تأخذ حيزًا من حياته وتفكيره .. ولكنه الأثر الذي تتّسع له حياة طفل في هذا العمر، مع ما عرفنا من رعاية الله -﷿ - له!
وأبصرنا أنه - ﷺ - كان موجّهًا إلى لون من الحياة المباركة الطيّبة، يملؤها الإحساس بعظمة الكون وعظمة مدبّره جل شأنه، والشعور بسلطان قدرته المبسوط على الوجود!
ومع ذلك انتهز المستشرقون والمغرضون هذه الفرصة -كما أسلفنا- فصنعوا
[ ٣ / ٧١٣ ]
من الحبّة قبّة، وأسّسوا عليها بناءً متهاويًا، حيث زعموا أن الرسول - ﷺ - قد تلقّى رسالة التوحيد النقيّة، من عالم نصراني، اختلف في اسمه وفي عقيدته!
وأغرب من هذا أن أحدهم ألف كتابًا أسماه (مؤلف القرآن) زعم أن بحيرى قد لقّن الرسول القرآن كله في هذا الوقت القصير!
وفاته أن الرسول - ﷺ - لم يكن قد بعث!
وسبق أن ذكرنا طرفًا من الردّ على هذا التهافت!
وقد ذكر أقوال هؤلاء من كتبهم بشيء من التفصيل أستاذنا المرحوم الدكتور محمَّد عبد الله دراز، وردّ ودحض تلك المفتريات فأجاد وأفاد (١)!
ونجد أنفسنا أمام بيان (مفهوم القرآن)، ونحن نقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ (القيامة)!
ثم صار علمًا شخصيًا لذلك الكتاب الكريم (٢)، يطلق بالاشتراك اللفظي على مجموعه، ويطلق على بعضه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)!
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (الأعراف)!
وروعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدوّنًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه!
_________________
(١) انظر: مدخل إلى القرآن الكريم: عرض تاريخي وتحليل مقارن: ١٢٩ وما بعدها، دار القلم، الكويت.
(٢) النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن: د. محمَّد عبد الله دراز: ١٢ - ١٤ بتصرف.
[ ٣ / ٧١٤ ]
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعيْن لا في موضع واحد، أعني أنه يجب أن يُحفظ في الصدور والسطور جميعًا، أن تضلَّ إحداهُما فتذكّر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المُجْمَع عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقةَ لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر!
وبهذه العناية المزدوجة -التي بعثها الله في نفوس الأمة الإِسلاميّة اقتداءً بنبيها - ﷺ - بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر: ٩)!
ولم يُصبْهُ ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السّنَد، حيث لم يتكَفّل الله بحفظها، بل وكَلَها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ (المائدة: ٤٤)!
أي بما طُلب إليهم حفظه!
والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماويّة جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدّقًا لما بين يديه من الكتب ومُهَيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًا مسدَّها، ولم يكن شيء منها ليسدَّ مسَدَّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسّر له أسبابه، وهو العلم الحكيم!
وإذا رجعنا إلى أصل الأسماء وجدنا أن مادتي (ك ت ب)، و(ق ر أ) تدوران على معنى الجمع والضم مطلقًا!
[ ٣ / ٧١٥ ]
وهذا لا يعني فقط أن هذا المسَمّى جامعٌ للسور والآيات، أو أنه مجموع تلك السور والآيات، من حيثُ هو نصوص مؤلفة على صفحات القلوب، أو من حيث هي نقوش مصفوفةٌ في الصحف والألواح، أو من حيث هي أصواتٌ مرتَلةٌ منطوقةٌ على الألسنة، بل يعني شيئًا أدق من ذلك كله، وهو أن هذا الكلامَ قد جمع فنون المعاني والحقائق، وأنه قد حُشدت فيه كتائبُ الحكم والأحكام!
ومن أسمائه كذلك: (الفرقان)، و(الذّكْر)، و(التنزيل)!
وقد تجاوز صاحب البرهان حدود التسمية فبلغ بعدّ تها خمسةً وخمسين، وأسرف غيره في ذلك حتى بلغ بها نيفًا وتسعين (١)!
واعتمد هذا وذاك على إطلاقات واردة في كثير من الآيات والسور، وفاتهما أن يفرقا بين ما جاء من تلك الألفاظ على أنه اسم، وما ورد على أنه وصف، ويتضح ذلك على سبيل التمثيل، في عدِّهما من الأسماء لفظ (كريم) ولفظ (مبارَك) أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ (الواقعة)!
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (الأنبياء)!
ولا شك أنهما وصفان .. ولقد أفرده بعضهم بالتأليف!
وعرَّفه علماء الشريعة فقالوا:
(القرآن هو كلام الله تعالى، المنزل على محمَّد - ﷺ -، المتعبَّد بتلاوته)!
وبعضهم يزيد على هذا التعريف قيودًا أخرى، مثل المتواتر، أو المعجز، أو المتحدَّى بأقصر سورة منه، أو المكتوب بين دفتي المصحف، أو المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس!
_________________
(١) مناهل العرفان: ١: ١٥ بتصرف.
[ ٣ / ٧١٦ ]
والواقع أن هذه القيود يقصد بها زيادة إيضاح بذْكر بعض خصائص القرآن الكريم التي يتميّز بها عما عداه (١)!
والتعريف الذي ذكرناه جامعٌ مانعٌ، لا يحتاج إلى زيادة قيد آخر!
ومعلومٌ أن للقرآن صفات، لا يشاركه فيها غيره من كلام الله تعالى أو كلام البشر!
أما بالنسبة لكلام الله فهناك الكلام الإلهيّ الذي استأثر الله به، أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به، لا ليُنْزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى مُنْزلًا، بل الذي أنزل منه قليل من كثير (٢): ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ (الكهف)!
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (لقمان: ٢٧)!
وهناك ما أُنزل على الأنبياء السابقين، كالصُّحف المنزلة على إبراهيم -﵇-!
والتوراة المنزلة على موسى -﵇!
والإنجيل المنزل على عيسى -﵇!
والزّبور المنزل على داود -﵇!
_________________
(١) انظر: المرجع السابق.
(٢) انظر: النبأ العظيم: ١٥.
[ ٣ / ٧١٧ ]
وأما بالنسبة لكلام البشر فهذا واضح، وذلك كوصف كونه عربيًا الذي يشاركه فيه الحديث الشريف، وكوصف كونه متواترًا الذي يشاركه فيه بعض الأحاديث!
ومن ثم ذكر العلماء مزايا للقرآن الكريم، منها:
١ - القرآن معجزة باقية على مر الدهور، محفوظة من التغيير والتبديل، متواترة اللفظ في جميع الكلمات والحروف والأسلوب!
٢ - حرمة روايته بالمعنى!
٣ - حرمة مسّه للمحدث وتلاوته لنحو الجنب!
٤ - تَعيُّنه في الصلاة!
٥ - تسميته قرآنًا!
٦ - التعبّد بتلاوته، لكل حرف منه عشر حسنات!
٧ - امتناع بيعه في رواية عن أحمد وكراهيته عند الشافعية!
٨ - تسمية الجملة منه (آية)، ومقدار من الآيات مخصوص (سورة)!
٩ - القرآن الكريم ما كان لفظه ومعناه من عند الله﷿- بوحي جليّ (١)!
ذلكم هو القرآن الكريم:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (الشعراء)!
_________________
(١) أصول الحديث: علومه ومصطلحه، د. محمَّد عجاج الخطيب: ٢٩.
[ ٣ / ٧١٨ ]
ولم يكن للرسول - ﷺ - فيه من عمل بعد ذلك إلا الوعي والحفظ والقراءة والتبليغ، والبيان والتفسير، والتطبيق والتنفيذ (١)!
أما ابتكار معانيه، وصياغة مبانيه، فما هو منها بسبيل، وليس له من أمرهما شيء: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم)!
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ (الأعراف)!
ويقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يونس: ١٥)!
وأمثال هذه الآيات كثيرٌ في شأن إيحاء المعاني -التي ترتبط بالألفاظ- ثم يقول في شأن الإيحاء اللَّفظي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يوسف: ٢)!
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ (الأعلى)!
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة)!
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (العلق)!
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (٢٧)﴾ (الكهف)!
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ (المزمل)!
فانظر كيف عبّر بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون القرآن عربيًّا، وكلُّ أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة!
_________________
(١) النبأ العظيم: ٢٠ - ٢٤ بتصرف.
[ ٣ / ٧١٩ ]
القرآن إذن صريحٌ في أنه لا صَنْعَةَ فيه لمحمد - ﷺ -، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه!
والمحجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على ذلك!
وهذه القضيّة لو وجدت قاضيًا يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادةَ شاهدٍ آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس (الدعاوى) فتحتاج إلى بيِّنة، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدوّ في قبوله منه!
أيُّ مصلحة لمن يتحدّى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييده في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا؟!
الذي نعرفه أن كثيرًا من الناس يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خفّ حمله وعلت قيمته وأمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة!
أما أن أحدًا ينسب لغيره أنفَسَ آثار عقله وأعلى ما تجود به قريحته، فهذا ما لم يَلده الدهر بعد!
وإن من تتبع سيرة الرسول - ﷺ -، في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خَلوته وجَلْوته، لا يشك في أنه كان أبعدَ الناس عن المُداجاة والمواربة .. وأن سرَّه وعلانيته كانا سواء في دقة الصدق، وصرامة الحق، في جليل الشؤون وحقيرها .. وأن ذلك كان أخص
[ ٣ / ٧٢٠ ]
شمائله وأظهرَ صفاته، قبل النبوة وبعدها، كما شهد بذلك أحباؤه وأعداؤه (١) إلى يومنا هذا؟!
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ (يونس)!
ولقد كانت تنزل بالرسول - ﷺ - نوازلُ من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجتُه القصوى تلحّ عليه أن يتكلّم، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مجالًا ومقالًا، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعهما الليالي والأيام، ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرؤه على الناس!
ألم يُرْجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة - ﵂ - وأبطأ الوحي، وطال الأمر -وما كان أقساه- والناس يخوضون، حتى بلغت
_________________
(١) انظر مثلًا ما كتبه توماس كاريل الإِنجليزي في كتاب (الأبطال) .. وما كتبه الكونت هنري دي كاستري الفرنسي في خواطره وسوانحه عن الإِسلام .. ثم اقرأ شهادة قريش التي سجلها أبو سفيان وهو في الجاهلية بين يدي هرقل عظيم الروم لمّا سأل هرقل، من حديث طويل رواه الشيخان وغيرهما: (فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة! ثم قال هرقل: فإِن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه)! البخاريُّ: ١ - بدء الوحي (٧)، وانظر (٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١)، والأدب المفرد (١١٠٩)، وخلق أفعال العباد (٦٣، ٦٤)، ومسلم (١٧٧٣)، وأحمد: ١: ٢٦٢ - ٢٦٣، وانظر: الترمذي (٢٧١٧)، وابن منده: الإيمان (١٤٣)، والبيهقيُّ: "الدلائل": ٤: ٣٨١ - ٣٨٣. وسيأتي في بحث: الإعجاز البياني: قول عتبة لقريش: وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب! هكذا شهد الأعداء قبل الأحباء!
[ ٣ / ٧٢١ ]
القلوب الحناجر، والنبيُّ - ﷺ - لا يستطيع إلا أن يقول وهو على المنبر فيما رواه الشيخان وغيرهما من حديث طويل: "فوالله!
ما علمت على أهلي إِلا خيرًا" (١)!
حتى نزل صدرُ سورة النور بعشر آيات معلنًا براءتها، ومُصدرًا الحكم المُبْرم بشرفها وطهارتها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ (النور)!
_________________
(١) انظر: البخاريُّ: (٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤٦٩٠، ٤٧٥٠، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥) وأيضًا (٢٦٣٧، ٢٦٦١)، وخلق أفعال العباد: ٥٢، ومسلم (٢٧٧٠)، وأحمد: ٦: ١٩٤ - ١٩٧، والطحاوي: شرح معاني الآثار: ٤: ٣٨٣، وشرح مشكل الآثار (٧٤٧)، والطبراني: الكبير: ٢٣: (١٣٤)، والبيهقي: ١٠: ٤١، والدلائل: ٤: ٦٤ - ٧٢، وأبو داود (٤٤٧٤، ٤٤٧٥)، والترمذي (٣١٨٠)، وأبو يعلى (٤٩٢٧)، وابن حبّان (٤٢١٢، ٧٠٩٩).
[ ٣ / ٧٢٢ ]
وإن الإنسان ليقف متململًا أمام هذه الصورة (١) الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول - ﷺ -، وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة -﵂- وهي فتاة في تلك السنّ المليئة بالحساسية المرهفة، والرفرفة الشفيفة!
فها هي عائشة الطيّبة الطاهرة .. ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها، ونظافة تصوّراتها .. ها هي ذي ترمى في أعزّ ما تعتزّ به .. ترمى في شرفها، وهي ابنة الصدّيق الناشئة في البيت الطاهر الرفيع، وترمى في أمانتها .. وترمى في وفائها، وهي الحبيبة المدللة من ذلك القلب الكبير .. الناشئة في حجر الإِسلام، من أول يوم تفتّحت عيناها فيه على الحياة .. وهي زوج رسول الله -ﷺ-!
ويا لله! وهي تفاجأ بالنبأ .. ويا لله! لها ورسول الله - ﷺ - .. وأبو بكر - ﵁ - .. وعندما تصل الآلام إلى ذروتها يتنزّل القرآن الكريم ببراءة بيت النبوّة الطيّب الرفيع، ويكشف الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم!
وتطالعنا الآيات القرآنيّة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾!
فهم عصبة متجمّعة ذات هدف واحد .. وذلك ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق العميق اللئيم!
وبعد ذلك نبصر تطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد:
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٤٩٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٢٣ ]
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾!
فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله -ﷺ- وأهل بيته .. ويكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف .. ويبّين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة المسلمة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فهي عندئذ لا تقف عند حدّ .. إنما تمضي صعدًا إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرّج وكل حياء!
أما الآلام التي عاناها رسول الله -ﷺ-، وأهل بيته، والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن التجربة، وضريبة الابتلاء، الواجبة الأداء!
وإن الإنسان ليدهش -حتى اليوم- كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة كهذه في جوّ الجماعة المسلمة حينذاك، وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في جسم الجماعة، وتسبّب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق!
لقد كانت معركة ضخمة خاضها رسول الله -ﷺ-، وخاضتها الجماعة المسلمة يوم ذاك .. معركة ضخمة خاضها رسول الله -ﷺ-، وخرج منها منتصرًا كاظمًا لآلامه الكبار، محتفظًا بوقار نفسه، وعظمة قلبه، وجميل صبره، فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاذ صبره، وضعف احتماله!
ولو استشار كل مسلم قلبه يومها لأفتاه .. ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه .. والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا المنهج في مواجهة الأمور بوصفه أول خطوة في الحكم عليها: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾!
[ ٣ / ٧٢٤ ]
نعم، كان هذا هو الأولى .. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا .. وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في مثل هذه الحمأة!
وتمضي الآيات ترسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام، واختلّت القاييس، واضطربت القيم!
ومرة من بعد مرة نبصر فضل الله ورحمته في ختام تلك الآيات:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾!
إن الحدث لعظيم، وإن الخطر لجسيم .. وإن الشرّ الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء، ولكن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته .. ذلك ما وقاهم السوء .. ومن ثم يذكرهم به المرّة بعد المرّة، وهو يربّيهم بهذه التجربة الضخمة!
ومع كل هذا ماذا كان يمنع النبي -ﷺ- لو كان أمر القرآن إليه كما يزعم الجاهلون -أن يتقوّل ما يحمي عرضه ويذبّ بها عن عرينه، وينسبه إلى الوحي، لتنقطع ألسنة المتخرصين (١)؟!
ولكنه - ﷺ - ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله!
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ (الحاقة)!
_________________
(١) انظر: زاد المعاد: ٣: ٢٥٦ وما بعدها، وفضل أم المؤمنين عائشة - ﵂ - في كتب الحديث: فضائل الصحابة، وخصائصها الأربعين في كتاب: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: بدر الدين الزركشي.
[ ٣ / ٧٢٥ ]
ومفاد هذه الآيات من الناحية التقريرية أن محمدًا - ﷺ - صادقٌ فيما أبلغ، وأنه لو تقوّل بعض الأقاويل التي لم يُوحَ بها إليه، لأخذه الله على هذا النحو الذي وصفته الآيات، ولمّا كان هذا لم يقع -كما يشهد الواقع- فهو لا بدَّ صادق!
وتلك قضيّة وراءها إيحاءاتٌ وإيماءات وإيقاعات شتى!
حين نتصور الأخذ باليمين، وقطع الوتين!
وحن نتصور جدّيَّة الأمر التي لا مجال فيها لمجاملة أحد كائنًا من كان، ولو كان هو الكريم عند الله الأثير الحبيب!
وحين نتصور التذكرة للمتقين، والحسرةَ على الكافرين!
حقًّا، إنه ليس مجرد اليقين، ولكنه الحقُّ في هذا اليقين!
إنه كلامُ الله -﵎- بلفظه ومعناه!
قل: صدق الله، وصدق رسول الله!
٢ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾:
ويطالعنا قول الحق ﵎:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (المائدة)!
[ ٣ / ٧٢٦ ]
لقد كان أهل الكتاب (١) يستكثرون أن يدعوهم إلى (الدّين القيّم) نبيّ ليس منهم .. نبيّ من الأميّين الذين كانوا يتعالون عليهم من قبل ويتعالمون؛ لأنهم هم أهل الكتاب وهؤلاء أميّون!
فلما أراد الله الكرامة لهؤلاء الأميّين بعث منهم محمدًا - ﷺ - خاتم النبيّين، وجعل فيهم الرسالة الأخيرة، الشاملة للبشر أجمعين!
وإذا هؤلاء أعلم أهل الأرض، وأرقاهم تصوّرًا واعتقادًا، وأقومهم منهجًا وطريقًا، وأفضلهم شريعةّ ونظامًا، وأصلحهم مجتمعًا وأخلاقًا!
وهذا كله من فضل الله تعالى عليهم، ومن إنعامه بهذا الدّين وارتضائه لهم!
وما كان للأميّين أن يكونوا أوصياء على هذه البشريّة لولا هذه النعمة، وما كان لهم -وليس لهم بعد- من زاد يقدّمونه للبشريّة إلا ما يزوّدهم به هذا (الدّين القيّم)!
وفي هذا النداء الإلهي ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾! يسجل عليهم أنهم مدعوّون إلى الإِسلام .. مدعوّون للإيمان بهذا الرسول - ﷺ - ونصره وتأييده، وقد أخذ ميثاقه، وسجل شهادته بأن هذا النبي الأميّ هو رسوله إليهم، وإلي الناس كافة -كما أسلفنا- فلا مجال لإنكار رسالته من عند الله .. ولا مجال للادعاء بأن رسالته مقتصرة على العرب، وليست موجهة إلى أهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٢: ٨٦١ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٢٧ ]
فهو رسول الله إليكم، ودوره معكم أن يبيّن لكم ويوضح ويكشف، ما تواطأتم على إخفائه من حقائق كتاب الله الذي معكم .. سواء في ذلك اليهود والنصارى .. وسبق أن ذكرنا طرفا من ذلك!
وقد أخفى النصارى الأساس الأوّل للدين (التوحيد)!
وأخفى اليهود كثيرًا من أحكام الشريعة، كرجم الزاني، وتحريم الربا كافة!
كما أخفوا جميعًا خبر بعثة محمَّد خاتم النبيّين - ﷺ -!
ويبيّن -أيضًا- طبيعة ما جاء به هذا الرسول، ووظيفته في الحياة البشريّة، وما قدّر الله من أثره في حياة الناس!
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾!
وليس أدق ولا أصدق ولا أدل على طبيعة هذا الكتاب (الْقرآن) وطبيعة هذا المنهج (الإِسلاَمِ) من أنه (نُورٌ)!
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ (النساء)!
وهنا نبصر نورًا تتجلّى تحت أشعته الكاشفة حقائق الأشياء واضحة (١)، ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل محدّدًا مرسومًا .. في داخل النفس وفي واقع الحياة سواء .. حيث تجد النفس من هذا النور ما ينير جوانبها .. فترى كل
_________________
(١) المرجع السابق: ٨٢٢ بتصرف.
[ ٣ / ٧٢٨ ]
شيء فيها ومن حولها واضحًا .. وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة؟!
وحين يعيش الإنسان بروحه في الجوّ القرآني فترة، ويتلقّى منه تصوّراته وقيمه وموازينه، يحسّ يسرًا وبساطةً ووضوحًا في رؤية الأمور، ويشعر أن مقرّرات كثيرة كانت قلقةً في حسّه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء، وتلتزم حقائقها في يسر، وتنفي ما علق بها من الزيادات المتطفّلة لتبدو في براءتها الفطريّة، ونصاعتها كما هي في ميزان الحق!
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾!
والاعتصام بالله ثمرة ملازمة للإيمان به .. متى عرفت النفس حقيقة الإيمان .. فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده .. وهؤلاء يدخلهم الله في رحمة منه وفضل .. رحمة في هذه الحياة الدنيا -قبل الحياة الأخرى- وفضل في هذه العاجلة قبل الفضل في الآجلة .. فالإيمان هو الواحة النديّة التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق والشرود .. كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع، في كرامة وحريّة ونظافة واستقامة .. حيث يعرف كل إنسان مكانه على حقيقته .. ويشعر بأنّه عبد لله وحده وسيّد مع كل من عداه .. وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام (الدّين القيّم)!
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾!
وكلمة ﴿إِلَيْهِ﴾ تخلع على التعبير حركة مصوّرة؛ إذ ترسم المؤمنين ويد الحق تنقل خطاهم في الطريق إلى الله على استقامة، وتقرّبهم إليه خطوةً
[ ٣ / ٧٢٩ ]
خطوةً .. وهي عبارة يجد مدلولها في نفسه من يؤمن بالله على بصيرة، فيعتصم به على ثقة .. حيث يحسّ في كل لحظة أنه يهتدي، وتتضح أمامه الطريق، ويقترب فعلًا من الله كأنما هو يخطو إليه في طريق مستقيم!
إنه مدلول يذاق .. ولا يعرف حتى يذاق!
ويبصر المؤمن حقيقة النور في قلبه وفي كيانه وفي حياته وفي رؤيته للأشياء والأحداث والأشخاص .. ويجدها بمجرد أن يجد حقيقة الإيمان في قلبه!
ويبصر نورًا تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف، ويشرق كل شيء أمامه، فيتضح ويتكشف ويستقيم!
ثقلة الظن في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم، وعرامة الشهوة والنزوة .. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلّى .. تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة!
واللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردّد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه!
كل أولئك يشرق ويضيء!
يتجلّى الهدف، ويستقيم الطريق إليه، وتستقيم النفس على الطريق!
﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾!
وصفان لما جاء به محمَّد - ﷺ -!
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾!
سلام الفرد!، وسلام الجماعة!، وسلام العالم!، وسلام الضمير!
،
[ ٣ / ٧٣٠ ]
وسلام العقل!، وسلام الجوارح!، سلام البيت والأسرة!، وسلام المجتمع والأمّة!، وسلام البشر والإنسانيّة!، السلام مع الحياة!، والسلام مع الكون!، السلام مع الله ربّ الكون والحياة!
السلام الذي لم تجده البشريّة إلا في هذا (الدّين القيّم)، وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته!
حقًّا، إن الله يهدي بهذا الديّن الذي رضيه من يتبع رضوانه ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ كلها في هذه الجوانب جميعها!
ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق (سبل الحرب) في الجاهليات القديمة أو الحديثة .. من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهليّة في أعماق الضمير .. وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهليّة وأنظمتها وتخبّطها في أوضاع الحياة!
وقد كان المخاطبون بهذه الكلمات أول مرّة يعرفون من تجربتهم في الجاهليّة معنى هذا السلام .. إذ كانوا يذوقونه مذاقًا شخصيًّا، ويلتذّون هذا المذاق المريح!
وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة، والجاهليّة من حولنا ومن بيننا تذيق البشريّة الويلات .. من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونًا بعد قرون!
ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا .. ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطّم أخلاقنا وسلوكنا، وتحطّم مجتمعاتنا وشعوبنا .. بينما نملك الدخول في السلم الذي نبصر معالمه حين نتبع رضوان الله، ونرضي لأنفسنا ما رضيه الله لنا!
[ ٣ / ٧٣١ ]
إننا نعاني من ويلات الجاهلية، والإِسلام منا قريب .. ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإِسلام في متناول أيدينا لو نشاء .. فأيّة صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟ ونؤثر فيها الحرب على السلام؟!
إننا نملك إنقاذ البشريّة من ويلات الجاهليّة وحربها المشبوبة في شتّى الصور والألوان .. ولكننا لا نملك ذلك قبل أن ننقذ نحن أنفسنا .. وقبل أن نفيء إلى ظل السلام، حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه، فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾!
والجاهلية كلها ظلمات .. ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات .. وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه .. وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس .. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين .. والنور هو النور!
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٧٥)﴾!
مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها .. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه .. مستقيم إلى الله، لا يلتوي ولا تلتبس فيه لحقائق والاتجاهات والغايات!
٣ - مكانة التوحيد:
ومعلوم أن التوحيد قاعدة العقيدة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء)!
[ ٣ / ٧٣٢ ]
ومعلوم أن الأحديّة عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (سورة الإخلاص)!
وليس هناك حقيقة إلا تلك الأحديّة (١)، وليس هناك وجود إلا هذا الوجود .. وكل موجود يستمدّ وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمدّ حقيقته من تلك الحقيقة الذاتيّة!
وهي أحدية الفاعليّة .. وإذا استقرّ أمر تلك العقيدة، ووضح هذا التصوّر، خلص الجنان في الإنسان من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلّق آخر .. وخلص لله -جلَّ شأنه!
ولا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود .. ولا حقيقة لفاعليّة إلا تلك الإرادة .. وعلام يتعلّق الجَنان بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليّته!
وحين يخلص جنان الإنسان من الشعور بغير هذه الحقيقة الواحدة، ومن التعلّق بغيرها .. يتحرّر من جميع القيود، وينطلق من كل الأوهاق .. يتحرّر من الرغبة، وهي أصل قيود كثيرة .. ويتحرر من الرهبة كذلك .. وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئًا متى آمن بالله؟ ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعليّة إلا لله؟
ومتى استقرّ هذا التصوّر الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها .. وهذه درجة يرى فيها الجنان قدرة الله في كل شيء يراه .. ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئًا في الكون إلا هذه القدرة؛ لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا هذه القدرة!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٤٠٠٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٣٣ ]
وهنا تنسكب في الجنان الطمأنينة!
و(الدّين القيم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، يريد من الناس أن يسلكوا الطريق إلى هذه الحقيقة، وهم يكابدون الحياة الواقعيّة بكل خصائصها، ويزاولون الحياة البشريّة بكل معالمها، والخلافة الأرضية بكل مقوّماتها!
ومن هنا ينبثق منهج كامل للحياة، قائم على ذلك التفسير وما يشيعه في النفس من تصوّرات ومشاعر واتجاهات!
منهج للعبادة!
ومنهج للتلقّي!
ومنهج للتحرّك!
وهو منهج رفيق طليق .. الأرض فيه صغيرة، والحياة الدنيا قصيرة، ومتاعها زهيد قليل .. والانطلاق من هذه الحواجز والشوائب غاية وأمنية .. وليس معنى هذا الاعتزال ولا الإهمال، ولا الكراهية ولا الهروب .. إنما معناه المحاولة المستمرّة، والكفاح الدائم لترقية البشريّة كلها، وإطلاق الحياة البشريّة جميعها .. ومن ثم فهي الخلافة والقيادة بكل أعبائها .. مع التحرّر والانطلاق بكل مقوّماتهما!
يروي الترمذي وغيره بسند صحيح عن أبيّ بن كعب: أَن المشركين قالوا لرسول الله -ﷺ -: انْسُبْ لنا ربّك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾!
فالصمد: الذي لم يَلِدْ ولم يُولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله -﷿- لا يموت، ولا يورث:
[ ٣ / ٧٣٤ ]
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾!
قال: لم يكن له شبيهٌ ولا عِدْل، وليس كمثله شىِء (١)!
ويروي البخاريُّ وغيره عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾! يردّدها، فلما أصبح جاء إِلى رسول الله -ﷺ-، فذكر ذلك له -وكأن الرجل يتقالها- فقال رسول الله -ﷺ-: "والذي نفسي بيده! إِنها لتعدل ثلث القرآن" (٢).
قال ابن حجر (٣): حمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث، فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار، ويستأنس لهذا بما أخرجه أبو عبيد من حديث أبي الدرداء قال:
جزأ النبي -ﷺ- القرآن ثلاثة أجزاء:
فجعل قل هو الله أحد جزءًا من أجزاء القرآن!
_________________
(١) الترمذي (٣٣٦٤)، وأحمد: ٥: ١٣٤، والبخاري: التاريخ الكبير: ١ (٧٧٨)، والطبري: التفسير: ٣٠: ٣٤٢، وابن خزيمة: التوحيد: ٤١، والحاكم: ٢: ٥٤٠ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقيُّ: الأسماء والصفات: ١: ٤١٩.
(٢) البخاريُّ: ٦٦ - فضائل القرآن (٥٠١٣)، وانظر (٦٦٤٣، ٧٣٧٤)، ومالك: ١: ٢٠٨، وأحمد: ٣: ٣٥، وأبو داود (١٤٦١)، والنسائيُّ: ٢: ١٧١، والكبرى (١٠٦٧، ١٠٥٣٤)، وعمل اليوم والليلة (٦٩٨)، والبغويُّ (١٢٠٩)، والطحاوي: مشكل الآثار (١٢١٧، ١٢١٨)، وأبو يعلى (١٥٤٨)، وابن عبد البر: التمهيد: ١٩: ٢٢٦، ٢٣٠، والبيهقيُّ: ٣: ٢١، وابن حبّان (٧٩١).
(٣) فتح الباري: ٩: ٦١، وانظر: كتاب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن من أن (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن، لشيخ الإِسلام ابن تيمية، وهو كتاب قيّم!
[ ٣ / ٧٣٥ ]
هذا، وافتتاح السورة بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعد فعل القول (١)، وقد عرفنا أن السورة نزلت على سبب السؤال، فكانت جوابًا على سؤال السائلين، فلذلك قال الله له: ﴿قُلْ﴾، فكان للأمر بفعل ﴿قُلْ﴾، تلك الفائدة!
وضمير ﴿هُوَ﴾، ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده، وإذا سمعه الذين سألوا تطلّعوا إلى ما بعده!
ويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ أيضًا عائدًا إلى الربّ في سؤال المشركين حين قالوا: (انْسُبْ لنا ربك)!
وقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ معناه أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم، وهي الإلهّية المعروفة، فإذا قيل: ﴿الله أَحَدٌ﴾ فالمراد أنه منفرد بالإلهيّة، وإذا قيل (الله واحد)؛ فالمراد أنه واحد لا متعدّد، فمن دونه ليس بإله، ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته!
فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله، تعليمًا للناس كلهم، وابطالًا لعقيدة الشرك، وُصف الله في هذه السورة بـ ﴿أَحَدٌ﴾ ولم يوصف بـ (واحد)؛ لأنّ الصفة المشبّهة نهايةُ ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربيّ المبين!
وقال ابن سينا: إن ﴿أَحَد﴾ دالّ على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك أصلًا، لا كثرة معنويّةً، وهي كثرة المقوّمات، والأجناس، والفصول، ولا كثرةً حسيّة، وهي كثرة الأجزاء الخارجيّة المتمايزة عقلًا، كما في المادّة والصورة، والكثرة الحسيّة بالقوّة أو بالفعل، كما في الجسم، وذلك
_________________
(١) التحرير والتنوير: ١٥: ٦١٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٣٦ ]
متضمّن لكونه سبحانه منزّهًا عن الجنس والفصل، والمادّة، والصورة، والأعراض، والأبعاض، والأعضاء، والأشكال، والألوان، وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة، والبساطة الحقّة اللائقة بكرم وجهه -﷿- أن يشبهه شيء، أو يساويه سبحانه شيء، وتبيينُه:
أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلًا أولى بالواحديّة مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي لا ينقسم انقسامًا عقليًا أولى بالواحديّة من الذي ينقسم انقسامًا بالحسّ بالقوة ثم بالفعل، فـ (أحد) جامع للدلالة على الواحديّة من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة في موصوفه!
قال ابن القيم (١): فهو توحيد منه لنفسه، وأمر للمخاطب بتوحيده، فإذا قال العبد: ﴿قُلْ هُوَ الله أحد (١)﴾ كان قد وحّد الله بما وحّد به نفسه، وأتى بلفظ ﴿قُلْ﴾ تحقيقًا لهذا المعنى، وأنه مبلّغ محض، قائل لما أمر بقوله .. وهذا بخلاف قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ (الفلق)!
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ (الناس)!
فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة، لا تبليغ لقوله .. فإن الله لا يستعيذ من أحد، وذلك عليه محال، بخلاف قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾!
فإنه خبر عن توحيده، وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنّه الواحد الأحد، فتأمّل هذه النكتة البديعة، والله المستعان (٢)!
وقال: في سورة الإخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي، وإثبات
_________________
(١) بدائع التفسير: ٥: ٣٦٧ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر: بدائع الفوائد: ٢: ١٧٢.
[ ٣ / ٧٣٧ ]
الأحدية لله، المستلزمة نفي كل شركة عنه، وإثبات الصمديّة المستلزمة كل كمال له، مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها، أي: تقصده الخليقة، وتتوجّه إليه، علويّها وسفليّها، ونفي الوالد والولد والكفء عنه، المتضمّن لنفي الأصل والفرع، والنظير والمماثل، مما اختصّت به، وصارت تعدل ثلث القرآن، ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال، وفي نفي الكفء التنزيه عن التشبيه والمثال، وفي الأحد نفي كل شريك لذي الجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد (١)!
وقال: فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾: متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للربّ تعالى من الأحديّة المنافية المشاركة بوجه من الوجوه، والصمديّة المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمديّة، وغناه وأحديّته ونفي الكفء المتضمّن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير!
فتضمَّنت هذه السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه!
وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك!
ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر! ونهي! وإباحة!
والخبر نوعان:
خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته، وأحكامه!
_________________
(١) انظر: زاد المعاد: ٤: ١٨٠.
[ ٣ / ٧٣٨ ]
وخبر عن خلقه!
فأخلصت سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ الخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي!
٤ - أثر التوحيد:
ونجد أنفسنا أمام الحديث عن أثر التوحيد في تكوين الشخصية الإِسلاميّة للأمّة الوسط الخيّرة، ونحن نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن ربيعه بن عباد الدِّيلي، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- بصرَ عيني بسوق ذي المجاز يقول: "يا أيها الناس، قولوا: لا إِله إِلا الله تُفْلحوا"! ويدخل في فجاجها، والناس مُتقصِّفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت، يقول: "أيها الناس، قولوا: لا إِله إِلا الله تُفْلحوا"! إِلا أن وراءه رجلًا أحول، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إِنه صابئ كاذب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمَّد بن عبد الله، وهو يذكر النبوّة، قلت: من هذا الذي يكذّبه؟ قالوا: عمّه أبو لهب .. الحديث (١)!
وقد تحمل الرسول - ﷺ - في تبليغ دعوته إلى هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، ما تحمّل، مما تعجز الكلمات عنه!
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-:
_________________
(١) أحمد: ٣: ٤٩٢، وانظر: ٤: ٦٣، ٣٤١، ٥: ٣٧١، ٣٧٦، وأخرجه ابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (٩٦٤)، والطبراني: الكبير (٤٥٨٢)، والحاكم: ١: ١٥، وانظر: ٢: ٦١١ - ٦١٢، والنسائيُّ: ٨: ٥٥، والبيهقيُّ: ٥: ٣٨٠ - ٣٨١، والدلائل: ٥: ٣٨١، والدراقطني: ٣: ٤٤ - ٤٥، وابن أبي شيبة: ١٤: ٣٠٠، والطبراني: الكبير (٨١٧٥)، وابن حبّان (٦٥٦٢)، وابن ماجه (٢٦٧٠)، والهيثمي: المجمع: ٦: ٢٣.
[ ٣ / ٧٣٩ ]
"لقد أوذيتُ في الله، وما يُؤذي أحدٌ، وأْخِفْتُ في الله، وما يُخاف أحدٌ، ولقد أتَتْ علىِّ ثلاثةٌ من يوم وليلة، وما لي وبلالِ يأكله ذو كبد، إِلا ما يُواري إِبْطَ بلالٍ" (١)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂: أنها قالت للنبي -ﷺ-: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إِذ عرضتُ نفسي على ابن عبدِ ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إِلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مَهمومٌ على وجهي، فلم أسْتفِق إِلا وأنا بِقَرن الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإِذا فيها جبريلُ، فناداني فقال: إِن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إِليك ملَك الجبال لتأمُره بما شِئتَ فيهم، فناداني ملَكُ الجبال، فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمَّد، فقال ذلك فيما شِئْتَ، إِن شِئْتَ أَنْ أُطْبق عليهم الأخشبَيْن، فقال النبي -ﷺ-: بل أرجو أنْ يُخرْجَ الله مَن أصلابهم مَن يَعبُدُ الله وحده، لا يُشركُ به شيئًا" (٢)!
_________________
(١) أحمد: ٣: ١٢٠، ٢٨٦، والضياء: المختارة (١٦٣٤)، وابن أبي شيبة: ١١: ٢٦٤، ١٤: ٣٠٠، وعبد بن حميد (١٣١٧)، وأبو يعلى (٣٤٢٣)، والترمذي (٢٤٧٢)، والشمائل (١٣٧)، والبيهقيُّ: الشعب (١٦٣٢)، وابن ماجه (١٥١)، وأبو نعيم: الحلية: ١: ١٥٠، والبغويُّ (٤٠٨٠)، وابن حبّان (٦٥٦٠).
(٢) البخاريُّ: ٥٩ - بدء الخلق (٣٢٣١)، وانظر (٧٣٨٩)، ومسلم (١٧٩٥)، وابن خزيمة: التوحيد: ٤٧ - ٤٨، والآجري: الشريعة (٤٥٩)، والبيهقيُّ: الأسماء والصفات: ١٧٦، والنسائيُّ: الكبرى كما في التحفة: ١٢: ١٠٦، وابن حبّان (٦٥٦١)! والأخشبان -كما قال ابن حجر-: الفتح: ٦: ٣١٦ هما جبلا مكة (أبو قبيس)، والذي يقابله، وكأنه (قعيقعان)، وقال الصفاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على =
[ ٣ / ٧٤٠ ]
وقد بُعث الرسول - ﷺ - (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، وبلاد الشام في الشمال خاضعة للروم (١)، يحكمها أمراء من العرب من قبل الفرس!
وليس في أيدي العرب إلا الحجاز ونجد وما إليها من الصحاري القاحلة، التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!
وكان في استطاعة الرسول - ﷺ -، وهو الصادق الأمين الذي حكّمه أشراف قريش قبل ذلك في وضع الحجر الأسود، وارتضوه حكمًا .. والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسبًا .. كان في استطاعته - ﷺ - أن يثيرها قوميّةً عربيّةً، تستهدف تجميع قبائل العرب، التي أكلتها الثارات، ومزّقتها النزاعات، وأن يوجهها وجهة قوميّة لاستخلاص أرضها المغتصبة من الامبراطوريات المستعمرة، الرومان في الشمال، والفرس في الجنوب، وإعلان راية العربيّة والعروبة -كما يدعو دعاة القومية- وإنشاء وحدة قويّة في كل أرجاء الجزيرة!
وكان المؤمّل حينئذ أن يستجيب له العرب، بدلًا من أن يعاني ثلاثة عشر عامًا في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!
وربما قيل: إن الرسول -ﷺ- كان خليقًا أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة .. وبعد استجماع السلطان في يديه والمجد فوق مفرقه- كما يقول
_________________
(١) = (قعيقعان)، ووهم من قال: هو (ثور) كالكرماني، وسميا بذلك لصلابتهما، وغلظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقًا واحدًا .. وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي -ﷺ- على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٩)! وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
(٢) في ظلال القرآن: ٢: ١٠٠٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٤١ ]
الساسة- أن يستخدم هذا في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه الله -﷿- بها، وفي تعبيد الناس لسلطان ربّهم بعد أن عبّدهم لسلطانه!
ولكن الحق ﵎ وجه الرسول - ﷺ -، منذ بدء الدعوة -كما عرفنا- إلى أن يصدع بـ (لا إله إلا الله)!، وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له العناء!
وبعث الله ﷿ محمدًا - ﷺ - (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، والمجتمع العربيّ كأسوأ ما يكون توزيعًا للثروة والعدالة .. وكان في استطاعته - ﷺ - أن يرفعها رايةً اجتماعيةً، وأن يثيرها حربًا على طبقة الأشراف، وأن يطلقها دعوةً تستهدف تعديل الأوضاع وردّ أموال الأغنياء على الفقراء!
ولو دعا هذه الدعوة لانقسم المجتمع العربيّ صفّين: الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة، في وجه طغيان المال وأصحابه، بدلًا من أن يقف المجتمع كله صفًا في وجه (لا إله إلا الله)! التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس!
وربما قيل: إن الرسول - ﷺ - كان خليقًا بعد أن تستجيب له الكثرة، وتوليه قيادها، فيغلب بها القلة من الناس ويسلس لها مقادها .. ومن ثم يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربّه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربّهم بعد أن عبّدهم لسلطانه!
ولكن الله -﷿- يريد أن نعلم أن العدالة الاجتماعيّة لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصوّر اعتقادي شامل كامل، يردّ الأمر كله لله، ويقبل عن رضي وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة في التوزيع، ومن تكافل بين الجميع،
[ ٣ / ٧٤٢ ]
ويستقرّ معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أن ينفّذ نظامًا يرضاه الله، ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء!
فلا تمتلئ قلوب بالطمع، ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا، وبالتخويف والإرهاب!
ولا تفسد القلوب، وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي نراها قد قامت على غير (لا إله إلا الله)!
وبعث الرسول - ﷺ - والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربيّة في الدرك الأسفل، في جوانب منه شتى، مما هو معلوم، إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدويّة!
وكان في استطاعة الرسول - ﷺ - أن يعلنها دعوة إصلاحيّة، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس، وتعديل القيم والموازين!
وكان واجدًا وقتها -كما يجد كل مصلح أخلاقيّ في أيّة بيئة- نفوسًا طيبة، يؤذيها هذا الدنس، وتأخذها الأريحيّة والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير!
وربما قال قائل: إنه - ﷺ - لو صنع ذلك فاستجابت له -في أول الأمر- جمهرة صالحة، تتطهّر أخلاقها، وتزكو أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها .. بدلًا من أن تثير دعوة (لا إله إلا الله)! المعارضة القويّة منذ أول الطريق!
ولكن الله -﷿- يريد أن نعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرّر القيم، والسلطة التي ترتكن إلى هذه
[ ٣ / ٧٤٣ ]
الموازين والقيم، كما تقررّ الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين!
وحين تقررّت العقيدة الحقة -بعد الجهد الشاق- وتقررّت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة .. وعرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. تحررّ الناس من سلطان العبيد، ومن سلطان الشهوات سواء .. وتقررّت في القلوب عقيدة: (لا إله الله الله)! صنع الله بها وبأهلها كل شيء!
تحرّرت الأرض من الرومان والفرس .. لا ليتقررّ فيها سلطان العرب .. ولكن ليتقرّر فيها شرع الله!
لقد تطهّرت من الطاغوت كله: رومانيًّا وفارسيًا وعربيًا على السواء!
وتطهّر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته، وقام النظام الإِسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعيّة باسم الله وحده، ويسمّيها راية الإِسلام، لا يقرن إليها اسمًا آخر، ويكتب عليها: (لا إله إلا الله)!
وتطهّرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح .. لأنّ الرقابة قامت هنالك في الضمائر؛ ولأن الطمع في رضي الله وثوابه، والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة!
وارتفعت البشريّة في نظامها، وفي أخلاقها، وفي حياتها كلها .. إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل (الدّين القيم)، دين الأمّة الوسط الخيرة!
ولقد تمّ هذا كله؛ لأنّ الذين أقاموا هذا الدّين في صورة دولة ونظام وشرائع
[ ٣ / ٧٤٤ ]
وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدّين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق، وعبادة وسلوك .. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدّين وعدًا واحدًا، لا يدخل فيه الغلب والسلطان .. ولا حتى لهذا الدّين على أيديهم .. وعدًا واحدًا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا .. وعدًا واحدًا هو الجنة. هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان، في كل زمان وفي كل مكان، وهو: (لا إِله إِلا الله)!
فلمّا أن ابتلاهم الله فصبروا .. ولمّا أن فرغت نفوسهم من حظّها .. ولمّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض .. كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدّين بجهدهم!
ولمّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم، ولا اعتزاز بشيء من عرض الدنيا .. علم أنهم قد أصبحوا أمناء على العقيدة التي يتفرّد فيها الحق -جلّ شأنه- بالحاكميّة في القلوب والضمائر، والسلوك والمشاعر، والأرواح والأموال، والأوضاع والأحوال .. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم ولا لجنسهم، وإنما يكون السلطان في أيديهم لله، ولدين الله، وشريعة الله؛ لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إيّاه!
ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء، وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها:
(لا إِله إِلا الله)!
[ ٣ / ٧٤٥ ]
ولا ترفع معها سواها .. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، والمبارك الميسّر في حقيقته!
إن هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، يقوم على قاعدة الألوهيّة الواحدة .. كل تنظيماته وكل تشريعاته، تنبثق من هذا الأصل الكبير .. وإن نظامه يتناول الحياة كلها، ويتولّى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان .. في عالم الشهادة، وعالم الغيب المكنون عنها .. في المعاملات الظاهرة المادية وفي أعماق الضمير .. ودنيا السرائر والنوايا سواء!
هذا جانب من سرّ هذا (الدّين القيّم) ومنهجه، في بناء النفس وامتداده، يجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمولها واستغراقها لشعاب النفس ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضمانًا من ضمانات الاحتمال والتناسق في كل تلك المعالم!
ومتى استقرت عقيدة: (لا إله إلا الله)! في الأعماق الغائرة البعيدة، استقرّ معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثّل فيه: (لا إله إلا الله)!
وتعيّن أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرّت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداءً لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته!
فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان .. وبمثل هذا الاستسلام تلقّت النفوس المؤمنة، في المجتمع الإِسلامي الأوّل، تنظيمات هذا (الدّين القيم) وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور وصوله إليها، ولا تتلكّأ في تنفيذه بمجرّد تلقّيها له!
[ ٣ / ٧٤٦ ]
وهكذا أبطلت الخمر، وأبطل الربا، وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهليّة كلها .. أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من رسول الله -ﷺ- .. بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطانها، ودعايتها وإعلامها .. فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات .. بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات!
وجانب آخر من حقيقة هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، يتجلى في هذا المنهج القويم .. إنه منهج عملي واقعيّ حركيّ جاد .. منهج يحكم الحياة في واقعها .. منهج يواجه الواقع ليقضي فيه بأمره .. يقرّه أو يعدّله أو يغيّره من أساسه .. ومن ثمّ فهو لا يشرع إلا لحاجات واقعة فعلًا، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكميّة الله -﷿- وحده!
إنه ليس نظريّة تتعامل مع الفروض!
إنه منهج واقعيّ يتعامل مع الواقع!
ومن ثم لا بدّ أولًا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقرّ عقيدة: (لا إله إلا الله)!، وأن الحاكمية لله!
وحين يقوم هذا المجتمع فعلًا، تكون له حياة واقعيّة، تحتاج إلى تنظيم وتشريع .. وعندئذ فقط يبدأ هذا (الدّين القيّم) في تقرير النظم .. لقوم مستسلمين أصلًا لقواعد هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة!
ومن ثم نبصر المسلمين في مكّة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم، وما كانت لهم حياة واقعيّة مستقلّة هم الذين ينظمونها بشريعة الله .. ولم يكن لهم إلا هذه العقيدة، وهذا الخُلق المنبثق من تلك العقيدة بعد
[ ٣ / ٧٤٧ ]
استقرارها في الأعماق البعيدة .. فلما صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان تنزّلت الشرائع، وتقرر النظام الذي يواجه حاجات المجتمع الواقعية، والذي تكفل له الدولة بسلطانها الجدّيّة والنفاذ!
ولم يشأ الله -﷿- أن ينزل عليهم النظام الإِسلامي ليختزنوا معالمه جاهزة، حتى تطبق بمجرّد قيام الدولة في المدينة! ذلك أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته، لصوغه في قالبه الخاص، وفق حجمه وشكله وملابساته!
والله -﷿- يريد أن يكون هذا الدّين كما أراده .. عقيدة تملأ الجَنان في الإنسان، وتفرض سلطانها في الضمير!
ومن ثم تخلص النفوس لله، وتعلن عبوديّتها لله!
والقرآن الكريم لم يعرض هذا الأمر في صورة (نظريّة)!، ولا في صورة (لاهوت)!، ولا في صورة جدل كلامي كالذي عُرف فيما يسمى علم (الكلام)!
لقد كان يخاطب فطرة (الإنسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطريّة مما ران عليها، وعطّل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلفى الموحيات المؤثرة، وتستجيب لها!
كان هذا القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حيّة واقعيّة .. مع الركام المعطّل للفطرة .. في نفوس آدمّية حاضرة واقعة!
كان يواجه واقعًا بشريًّا كاملًا بكل ملابساته الحيّة، ويخاطب الكينونة البشريّة بجملتها في خضمّ هذا الواقع!
[ ٣ / ٧٤٨ ]
ولم يكن (اللاهوت) هو الشكل المناسب؛ لأنّ العقيدة تمثل منهج حياة واقعيّة للتطبيق العملي، ولا تقبع في الزاوية الضيّقة التي تقبع فيها الأبحاث (اللاهوتيّة النظريّة)!
كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركةً ضخمة مع الجاهليّة من حولها، كما يخوض معركة ضخمة في ضميرها وأخلاقها وواقعها!
ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة، لا في صورة (نظريّة)، ولا في صورة (لاهوت)، ولا في صورة جدل كلامي .. ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثّل في الجماعة ذاتها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصوّرها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعيّ وفق هذا التصوّر، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية .. كان هذا النموّ ذاته ممثّلًا تمامًا لنموّ البناء العقديّ، وترجمة حيّة له .. وهذا هو منهج هذا (الدّين القيم) الذي يمثّل حقيقته كذلك!
ومرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكّي لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العمليّ للحركة الإِسلاميّة، والبناء الواقعيّ للجماعة المسلمة .. لم تكن مرحلة تلقّي (النظريّة)! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعديّ للعقيدة وللجماعة، وللحركة، وللوجود الفعلي معًا!
ومن ثم فالقرآن الكريم لم يقض ثلاثة عشر عامًا في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزّل للمرة الأولى .. كلا! فلو أراد الله -﷿- لأنزله جملة واحدة، ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشر عامًا أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا (الحقيقة الإِسلاميّة)!
[ ٣ / ٧٤٩ ]
ولكن الله -جلّ شأنه- كان يريد بناء الجماعة، وبناء الحركة، وبناء العقيدة في وقت واحد.، كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة!
كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو صورة العقيدة!
كان يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة .. ومن ثم لم يكن بدّ أن يستغرق بناء العقيدة هذا المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة .. حكى إذا نضج التكوين العقدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعى لهذا النضوج!
إن العقيدة الإِسلاميّة يجب أن تتمثّل في نفوس حيّة، وفي تنظيم واقعي، وفي حركة تتفاعل مع الجاهليّة من حولها، كما تتفاعل مع الجاهليّة الراسبة في نفوس أصحابها .. بوصفهم كانوا من أهل الجاهليّة قبل أن تدخل العقيدة إلى نفوسهم، وتنتزعها من الوسط الجاهليّ، وهي في صورتها تشغل من القلوب والعقول ومن الحياة -أيضًا- مساحة أضخم وأوسع وأعمق مما تشغله (النظرية)، وتشمل -فيما تشمل- مساحة (النظريّة) ومادتها، ولكنها لا تقتصر عليها!
إن التصوّر الإِسلاميّ للألوهيّة وللوجود الكونيّ وللحياة وللإنسان، تصوّر شامل كامل، ولكنه كذلك تصوّر واقعي إيجابيّ!
قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ (الإسراء)!
[ ٣ / ٧٥٠ ]
فالفرق مقصود، والمكث مقصود كذلك .. ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حيّة)، لا في صورة (نظرّية معرفيّة)!
ونحن لا نملك أن نصل إلى التصوّر الربانيّ والحياة الربانيّة إلا عن طريق المنهج الذي قام عليه المجتمِع الإِسلامي .. ومنهج التفكير والحركة في بناء المجتمع الإِسلامي يجب أن يتمثّل وفق معالم المجتمع الذي قام عليه المجتمع الإِسلامي الأول!
رجاء أن نبصر معالم طريق النصر، وانتشار (الدّين القيم)، كما انتشر بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ!
ويندهش عقل الناظر في أحوال البشر، عندما يرى أن هذا الدّين يجمع إليه الأمّة العربية من أدناها إلى أقصاها في أقل من ثلاثين سنة، ثم يتناول من بقيّة الأمم ما بين المحيط العربي والصين في أقل من قرن واحد، وهو أمر لم يعهد في تاريخ الرسالات والرسل، ولذلك ضلّ كثير في بيان السبب الذي اهتدى إليه المنصفون في سرعة انتشار هذا الدّين، فبطل العجب (١)!
ابتدأ (الدّين القيّم) بالدعوة إلى الله، ولقي من أعداء أنفسهم أشدّ ما يلقى حقّ من باطل، وأوذي الرسول - ﷺكما سبق- بضروب الإيذاء التي يعجز الخيال المحلّق عن تصوّرها!
وأقيم في وجهه - ﷺ - ما كان يصعب تذليله من العقاب، لولا عناية الله، وعذب المستجيبون له، وحرموا الرزق، وطردوا من الدار، وسُفكت منهم دماء غزيرة -كما هو معلوم- غير أن تلك الدماء كانت عيون العزائم تتفجّر
_________________
(١) رسالة التوحيد: ٩٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٥١ ]
في صخور الصبر، يثبّت الله -﷿- بمشهدها المستيقنين، ويقذف بها الرعب في أنفس المرتابين، فكانت تسيل لمنظرها نفوس أهل الرّيب، وهي ذوب ما فسد من طباعهم، فتجري من مناحرهم مجرى الدم الفاسد من المفصود، على أيدي الأطباء الحاذقين: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦)﴾ (الأنفال)!
تألّبت الملل المختلفة ممن كان يسكن جزيرة العرب وما جاورها على (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، ليحصدوا نبته، ويخفقوا دعوته، فما زال يدافع عن نفسه، دفاع الضعيف للأقوياء، والفقير للأغنياء، ولا ناصر له، إلا أنه الحق بين الأباطيل، والرشد في ظلمات الأضاليل، حتى ظفر بالعزّة، وتعزّز بالمنعة!
وقد وطئ أرض الجزيرة أقوام من أديان أخر، كانت تدعو إليها، وكانت لهم ملوك وعزّة وسلطان، وحملوا الناس على عقائدهم بأنواع من المكاره، ومع ذلك لم يبلغ بهم السعي نجاحًا، ولا أنالهم فلاحًا!
وضمّ (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، سكان القفار العربيّة إلى وحدة لم يعرفها تاريخهم، ولم يعهد لها نظير في ماضيهم، وكان النبي - ﷺ - قد بلغ رسالته بأمر ربّه إلى من جاور البلاد العربيّة .. فسخروا وامتنعوا، وناصبوه وقومه الشرّ .. فبعث إليهم البعوث في حياته، وجرى على سنته الأئمة من صحابته، طلبًا للأمن، وإبلاغًا للدعوة، فاندفعوا في ضعفهم وفقرهم يجعلون الحق على أيديهم، وانهالُوا به على تلك الأمم في قوتها ومنعتها، وكثرة عددها، واستكمال أهبها وعددها، فظفروا منها بما هو
[ ٣ / ٧٥٢ ]
معلوم .. وكانوا متى وضعت الحرب أوزارها، واستقرّ السلطان للفاتح، عطفوا على المغلوبين بالرّفق واللّين، وأباحوا لهم البقاء على أديانهم، وإقامة شعائرها، آمنين مطمئنّين، ونشروا حمايتهم عليهم، يمنعونهم مما يمنعون منه أهلهم وأموالهم!
وشهد العالم بأسره أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، كان يعدّ مجاملة المغلوبين فضلًا وإحسانًا، عندما يعدها غيرهم ضعةً وضعفًا .. ورفع الدّين القيم الإتاوات، ورد الأموال المسلوبة إلى أربابها، وانتزع الحقوق من مغتصبيها، ووضع المساواة في الحق عند التقاضي بين المسلم وغير المسلم!
وبلغ أمر المسلمين فيما بعد أن لا يقبل إسلام من داخل فيه إلا بين يدي قاض شرعيّ بإقرار من المسلم الجديد أنه أسلم بلا إكراه ولا رغبة في دنيا!
وحمل المسلمون إلى الناس كتاب الله وشريعته، وألقوا بذلك بين أيديهم، وتركوا الخيار لهم في القبول وعدمه!
وظهر الإِسلام على ما كان من جزيرة العرب، من ضروب العبادات الوثنيّة، وتغلّب على ما كان فيها من رذائل الأخلاق، وقبائح الأعمال .. وظهر أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، هو الدّين عند الله .. فلم يجد أهل النصفة منهم سبيلًا إلى البقاء على العناد في مجاحدته، فتلقّوه شاكرين، وتركوا ما كان بين قومهم صابرين، وأوقع ذلك من الرّيب في قلوب مقلّديهم ما حرّكهم إلى النظر فيه، فوجدوا لطفًا ورحمةً، وخيرًا ونعمة!
وسطع (الدّين القيّم) على الديار التي بلغها أهله، فلم يكن بين أهل تلك الديار وبينه إلا أن يسمعوا كلام الله ويفقهوه .. وانتشر بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ!
[ ٣ / ٧٥٣ ]
وسيظل التاريخ يذكر كيف اهتزّ إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرغّ الباطل في الرغام!
وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل، وورثوا عرش هذا، وتاج ذاك!
واندفعوا بقوة هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي، وأقاموا دولة إسلاميّة في أسبانيا، ووصلوا إلى فيينا!
وهذا ما شهدته الدنيا، وسجله التاريخ!
وصدق الله العظيم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (التوبة)!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ (الفتح)!
وما يزال هذا الذين ظاهرًا على الذين كله -حتى بعد انحساره السياسي في العصر الحاضر عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض المتوسط (١) .. وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب!
أجل، ما يزال دين التوحيد ظاهرًا على الدّين كله، من حيث هو دين، فهو الدّين القوي بذاته، القويّ بطبيعته .. الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله!
بما
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن: ٦: ٣٣٣١.
[ ٣ / ٧٥٤ ]
في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصيلة، ولما فيه من تلبية يسيرة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدّم!
وما يزال هذا الدّين ظاهرًا على الدّين كله في حقيقته .. وغير المسلمين يدركون تلك الحقيقة ويخشونها .. ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب!
ترى، هل آن لأمّة التوحيد، خير أمّة أخرجت للناس، أن تدرك هذه الحقيقة .. رجاء أن نرى خلفًا صالحًا لسلف صالح .. وتعود إلينا سيرتنا الأولى! اللهم وفق!
٥ - السابقون الأوّلون:
ونجد أنفسنا أمام طليعة السابقين الأوّلين إلى الإيمان (١) .. زوج النبي - ﷺ - الوفيّة الأمينة، أعقل نساء العالمين، أم المؤمنين السيدة خديجة -﵂ - وأرضاها، التي كانت على أكمل المعرفة ببشائر نبوّته - ﷺ -، بل كانت متطلّعةً إلى اصطفائه نبيًا ورسولًا، حتى اختاره الله تعالى لنبوّته ورسالته رحمة للعالمين!
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
وقد أجمع أهل العلم من أئمّة الإِسلام على أن أم المؤمنين خديجة -﵂ - وأرضاها كانت أول البشر قاطبةً، إيمانًا بالله ورسوله (٢)!
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ١: ٥٠٨ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر: سبل الهدى والرشاد: ٢: ٣٠٠.
[ ٣ / ٧٥٥ ]
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله!، هذه خديجة قد أتت معها إِناء فيه إِدامٌ أو طعام أو شراب، فإِذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشرها ببيت في الجنّة من قصب، لا صخَبَ فيه ولا نَصَب (١)!
وهكذا كانت خديجة -﵂ - أول من آمن بالله وبرسوله، وصدّق بما جاء منه، فخفّف الله بذلك عن نبيّه - ﷺ - .. لا يسمع شيئًا مما يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له، فَيَحْزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها، تثبّته وتخفّف عليه، وتصدّقه، وتهوّن عليه أمر الناس (٢)!
وروى الحاكم بسنده عن عائشة -﵂ - أن النبي - ﷺ - قال: "لا تسبّوا ورقة، فإِنّي رأيت له جنّة أو جنّتين" (٣)!
وفي رواية للطبراني عن أسماء بنت أبي بكر، أن النبي -ﷺ - سُئل عن ورقة بن نوفل، فقال: "يبعث يوم القيامة أمّةً وحده" (٤)!
وقال ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى فيما كانت خديجة ذكرت له من أمور رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٢٠)، وانظر (٧٤٩٧)، ومسلم (٢٤٣٢)، وأحمد: ٢: ٢٣١، والفضائل (١٥٨٨)، والحاكم: ٣: ١٨٥ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم! والنسائي: الفضائل (٢٥٣)، والكبرى (٨٣٥٨)، وأبو يعلى (٦٠٨٩)، والطبراني: ٢٣: ٨، ٩، ١٠، وابن أبي شيبة: ١٢: ١٣٣، وابن حبان (٧٠٠٩).
(٢) انظر: السيرة النبويّة: ابن هشام: ١: ٣٠٥ مكتبة المنار: الأردن - الزرقاء.
(٣) الحاكم: ٢: ٦٠٩ - ٦١٠ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٤) المجمع: ٩: ٤١٦ قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٧٥٦ ]
يا للرّجال وصرف الدهر والقدر وما لشيء قضاه الله من غِيرِ
حتّى خديجة تدعوني لأخبرها وما لها بخفيّ الغيب من خَبرِ
جاءت لتسألني عنه لأخبرها أمرًا أراه سيأتي الناس من أخر
فخبّرتني بأمر قد سمعت به فيما مضى من قديم الدهر والعصرِ
بأن أحمد يأتيه فيخبره جبريل إِنك مبعوث إِلى البشرِ
* * *
فقلت علّ الذي ترجين ينجزه لك الإِله فرجّي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقًا عجبًا تقف منه أعالي الجلد والشعر
[ ٣ / ٧٥٧ ]
إِنّي رأيت أمين الله واجهني في صورة أُكملت من أهْيب الصور
ثم استمرّ وكان الخوف يذعرني مما يسلّم ما حولي من الشجر
فقلت ظنّي وما أدري أيصدقني أن سوف تبعث تتلو منزل السور
وسوف آتيك إِن أعلنت دعوتهم من الجهاد بلا منّ ولا كدَر (١)
ثم قفَّى خديجة في السبق إلى حظيرة الإيمان برسالة محمَّد - ﷺ - بيت النبوّة، المتقلّب على فراش الإيمان، الناهد في مهد أكرم المكارم، عليّ بن أبي طالب - ﵁ - وأرضاه!
آمن في سنّ الصبا قبل أن يبلغ الحلم، فشبّ معه الإيمان حتى خالط مشاعره ووجدانه، وملأ قلبه، وأفعم بالنور روحه، وكانت العناية الربّانيّة قد ساقته إلى حجر رسول الله - ﷺ -!
قال ابن إسحاق: كان من نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، وكان مما صنع الله، وأراد به من الخير أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول الله - ﷺللعباس عمّه، وكان من أيسر
_________________
(١) الحاكم: ٢: ٦٠٩ وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر: البداية: ٣: ٩ وجاء من طريقين حسنهما ابن كثير.
[ ٣ / ٧٥٨ ]
بني هاشم: يا عبّاس، إِن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إِليه، فلنخفِّف عنه من عياله، آخُذُ من بنيه رجلًا وتأخذ أنت رجلًا فنكلهما عنه!
فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إِنا نريد أن نخفِّف عنك من عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه!
فقال لهما أبو طالب: إِذا تركتما لي عقيلًا فاصنعا ما شئتما!
قال ابن هشام: ويقال: عقيلًا وطالبًا!
فأخذ رسول الله - ﷺ - عليًّا فضمّه إِليه، وأخذ العبّاس جعفرًا فضمّه إِليه، فلم يزل عليّ مع رسول الله - ﷺ -، حتى بعثه الله -﵎- نبيًّا، فاتّبعه عليّ - ﵁ -، وآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه (١)!
قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شُرحْبيل بن كعب بن عبد العزّى بن امرئ القيس الكلبي، مولى رسول الله - ﷺ -، وكان أوّل ذَكرٍ أسلم، وصلّى بعد عليّ بن أبي طالب (٢)!
والقول بأسبقيّة أمّ المؤمنين خديجة وبناتها من رسول الله - ﷺ - إلى الإِسلام (٣)، وأسبقيّة عليّ - ﵁ -، وزيد بن حارثة، من كل مَن كان يظلّهم سقف بيت رسول الله - ﷺ -، في رعاية الزوجيّة، والأبوّة، وحضانة التربية والولاء -لا يعارض قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن جاء بعدهم
_________________
(١) المرجع السابق: ٣١٣.
(٢) المرجع السابق: ٣١٤.
(٣) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ١: ٥١٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٥٩ ]
من الأئمّة، بأسبقية أبي بكر الصدّيق - ﵁ - .. لأن إسلام أسرة رسول الله - ﷺ -: زوجه وبناته، وربيب رعايته وتربيته ابن عمه، ومولاه وحبّه- كان إسلام الفطرة النقية الطاهرة، التي ولدت في مهد الإيمان، ونشأت بين أحضان النبوّة، حيث شاهدت أكرم مكارم الأخلاق، ورأت معالم النبوّة وآياتها الإرهاصيّة، تتجلّى في حياة النبي -ﷺ - قبل نزولها .. ثم رأت معالم الوحي، وسمعت آيات الله تتلى في بيتهم، والحكمة تتنزّل بينهم، وشهدت النبي - ﷺ -، وهو الزوج الحبيب الأكرم، والأب الودود المحبّ الحبيب، والحاضن المربّي الشفيق، والمولى الرحيم الرفيق، والمعلّم المهذّب المؤدّب، والمشرّع السمح الحكيم، والرسول المصدّق الأمين، ينزل عليه الوحي بآيات الرسالة وشرائعها وأحكامها وآدابها، فإذا هو - ﷺ - صورة حية متحركة لهذه الآيات والشرائع والأحكام والآداب، فيأخذون عنه خُلُقه وعمله مشاهدة ومحاكاة، ويسمعون منه ما يأمر به ويرغّب فيه من الخير، وما ينهي عنه وينفر من مقاربته من الشر، فيتشرّبون من يقينه وإيمانه وحكمته وآدابه وشرائعه ما تطيق قلوبهم وأرواحهم حمله، وتترسم عقولهم ما تستطيع إدراكه من مشاهد النبوّة والوحي، وإشراق الرسالة، وينهضون إلى القيام بجوارحهم أداء لما يطلب من الجوارح!
فسبق هؤلاء الغرّ الميامين إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والتصديق برسالة النبي - ﷺ - فطري طبيعي، تقتضيه الفطرة النقيّة، والطبيعة الناهدة بين أحضان الخير والهدى؛ لأن في ذلك تحقيقًا لما يشهدونه في واقع حياة الأب والزوج والمربّي، والرسول الصادق المصدّق من أدب وخُلق وعمل، ليصنعوا منه صورة أنفسهم وعقولهم، وأرواحهم ومشاعرهم وإحساساتهم، تحبّبًا إليه، واستجابة له، وإيناسًا لخوالجه، وتقربًا إلى الله تعالى!
[ ٣ / ٧٦٠ ]
وهذا هو أصدق ضروب الإيمان، فهو إيمان استجابة لدوافع الفطرة المطهَّرة التي لا تُدفع، وهو إيمان ينبع من الامتزاج بحياة قام بنيانها على الإخلاص المؤمن بكل حركة يشهدونها من النبي - ﷺ - .. لم يكن إيمانًا عن دعوة تبليغيّة منه - ﷺ - لأسرته، ومجتمع بيته وأهله؛ لأنهم لم يكونوا في حاجة إلى دعوة وتبليغ، ضرورة تكيّفهم بكل ما يرون ويسمعون في هذا البيت الكريم، وضرورة تقبّلهم لكل ما يشهدون من الخير تقبّل الفطرة النقيّة، وطبيعة النشأة الحاكية، وتصديق الإيمان والإِسلام!
قال ابن إسحاق: فلمَّا أسلم أبو بكر - ﵁ -، أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان أبو بكر رجلًا مألوفًا لقومه، محبّبًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشرّ، وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلي الإِسلام، مَنْ وثق به من قومه، ممّن يغشاه، ويجلس إليه (١)!
قال: فأسلم بدعائه -فيما بلغني- عثمان بن عفّان .. والزبير بن العوّام .. وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم!
وكان إسلام الصدّيق - ﵁ - أوّل تحرّك إيجابيّ في سير الرسالة، وأوّل أثر عمليّ للدعوة التبليغيّة للإيمان بالله تعالى، وتصديق رسوله فيما جاء به من الحق والهُدى، وأوّل ثمرة جنيّة ظهرت في دوحة تبليغ الرسالة!
فقد آمن الصدّيق - ﵁ - لحظة دُعي إلى الإيمان، لم يكن يتلبّث لينظر، ولم
_________________
(١) السيرة النبويّة: ابن هشام: ١: ٣١٧.
[ ٣ / ٧٦١ ]
يتوقّف ليفكّر ويعزم، ولم يتردّد ليستشير ويستهدي، لأن دلائل صدق النبي -ﷺ- كانت متوافرةً لديه، وكامنة في حنايا نفسه، ممتزجةً بحسّه وشعوره، تملأ قلبه وعقله وروحه!
وهنا يتجلّى للمتأمّل في أحداث الرسالة فيصل ما بين إيمان الفطرة النقيّة الصافية، التي نهد الإيمان معها، ونهضت معه، وهي ترى وتسمع شواهد الأحداث، ونداء الوقائع، ودلائل الإرهاصات، قبل تنزّل الرسالة، وبين إيمان العقل العليم الذي دُعي بين يدي براهين الصدق فاستجاب، وبُلّغ الرسالة فأجاب، ونظر فما استراب!
فإيمان الفطرة الذي سبقت به خديجة -﵂ - ومن معها في ساحة بيتها اطمئنان إلى نور الحق يغمر النفس، ويشغلها في حدود طاقتها بموجبات الإيمان الناشئ في مهد الرسالة، انتظارًا لما ينجلي عنه أفق الدعوة بظهور شمس الهداية، وإشراق أضوائها التي تظهر بها معالم الطريق إلى الله!
وإيمان العقل العلم، الذي دُعي إلى التصديق بالرسالة، وهو مغمور بأنوار دلائل صدق الداعي، وهداية الدعوة، فلبّي وأجاب، والذي بُلّغ بالرسالة، وهو يشهد بشائرها فاستجاب -إيقان الحق الذي دُعي إلى الإيمان به، وتحمّل مسؤووليّته في الدعوة إليه، وتبليغ رسالته!
ومن هنا كان إيمان أبي بكر - ﵁ - إيمان الدعاء إلى الله -﷿- وتبليغ الرسالة، وتحمّل مسؤوليّة النيابة والوراثة في هذا الدعاء والتبليغ، لتسير الرسالة في طريقها قويّة متحرّكة مع الزمن حركة إيجابيّة، تجذب القلوب والعقول إلى ساحة الإيمان بالله، والتصديق برسالة محمَّد - ﷺ -، وهكذا كان
[ ٣ / ٧٦٢ ]
إيمان أبي بكر الصدّيق - ﵁ -، فهو منذ أجاب إلى الإِسلام أقام نفسه داعيًا إلى الله، يبلّغ دعوة رسول الله - ﷺ -، متحمّلًا مسؤوليّة النيابة والوراثة في الدعوة والتبليغ!
وخصيصة أبي بكر الصدّيق - ﵁ - في ذلك أنه كان أوّل من تحمّل هذه المسؤوليّة؛ لأنه كان أوّل مؤمن يطيق حملها، والقيام بأعبائها باعتباره الشخصيّة الوحيدة التي كانت بعرض التكليف بهذا التحمّل إذ ذاك!
والذين استجابوا لله وللرسول من السابقين الأولين لم يكونوا كلهم ولا أكثرهم من الضعفاء والأرقّاء والفقراء، وحواشي بيوتات مكّة، وأتباعها الملتَقطين فتات موائدها -كما شُهر ذلك على ألسنة وأقلام السطحيّين من الباحثين- بل كانوا في كثرتهم الكاثرة من صميم أبناء بيوت قريش وبطونها، وعِلْية شبابها!
وسيأتي تفصيل ذلك!
وهم معروفون بأسمائهم وأنسابهم، وييوتهم، وقبائلهم، فما شُهِر من أن الذين سبقوا إلى الإيمان بدعوة محمَّد رسول الله - ﷺ -، ومتابعته على دينه، وتصديق رسالته، كانوا من الأرقّاء، والموالي، والمستضعفين والمحرومين كلام -وإن ورد في بعض الروايات كما سبق- لا يصحّ على إطلاقه -اغترارًا بما فيه من بريق مناصرة الإِسلام للضعفاء، وتخليص الأرقاء من رقّ العبوديّة الظالمة، وتحرير الفقراء من أغلال الاستغلال الجماعي الجائر- تأثّرًا بالمذاهب الاجتماعيّة الضالّة الفاسدة، التي غرّرت بطوائف الشعب الغرِّيرة الكادحة تحت اسم العمّال والمحرومين، وأقاموا على دعائم هذا التغرير الخبيث الماكر الثورات
[ ٣ / ٧٦٣ ]
الاجتماعيّة الخادعة الشرّيرة المفسدة الملحدة، متمثّلة في الشيوعية الفاجرة التي تسوق الشعوب بسياط من بشاعة القسوة والعذاب الذي لا يطاق!
فهذا وإن كان في واقع الإِسلام ومبادئه وشرائعه التي أنزلها الله لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ونصرة المظلوم، وإتاحة العيش الكريم لكل إنسان على أرض الله، لكنه ليس هو واقع السابقين الأوّلين من طلائع المؤمنين بدعوة الإِسلام، فكانوا أوّل من آمن برسالة محمَّد - ﷺ -، واهتدوا بهديه، وكانوا اللبنات الأولى في صرح هذا (الدّين القيّم)!
وليس هو واقع الإِسلام في هدايته العامة التي جاءت لهداية الإنسانيّة كلها، وتحريرها من ربقة الشرك والوثنية وإدخالها في حظيرة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبوديّة الخالصة، وتخليصها من ذلّ الظلم الاجتماعي الذي فرضه عليها حفنة من الطغاة البغاة العتاة، فساقوها بسياط الظلم إلى مهاوي العبوديّة لهم، ولما في أيديهم من حطام الدنيا!
٦ - ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾:
وبعث الله تعالى محمدًا - ﷺ - رسولًا إلى العالمين، وأمره بالإنذار العام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ (المدثر)!
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن يحيى قال (١): سألت أبا سلمة:
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٩٢٤)، وانظر (٤٩٢٢، ٤٩٢٣)، والتاريخ الكبير: ١: ٣١٢ - ٣١٣، ومسلم (١٦١)، وأحمد: ٣: ٣٠٦، ٣٢٥، ٣٧٧، ٣٩٢، والطيالسي =
[ ٣ / ٧٦٤ ]
أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾! فقلت: أنبئت أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أول؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت!: أنبئت أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾! فقال: لا أخبرك إِلا بما قال رسول الله - ﷺ -: قال رسول الله - ﷺ -: "جاورت في حراء، فلمَّا قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فإِذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني وصبّوا عليّ ماءً باردًا، وأنزلت عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ (المدثر)!
وحديث بدء نزول الوحي مشهور -كما أسلفنا في حديث بدء الوحي- والمراد بالأوليّة هنا -كما قال ابن حجر (١) - أوليّة مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، لا أن المراد أنها أوليّة مطلقة، فكأن من قال أوّل ما نزل ﴿اقْرَأْ﴾ أراد أوليّة مطلقة، ومن قال إنها ﴿الْمدَّثِّر﴾ أراد بقيد التصريح بالإرسال!
قال الكرماني: استخرج جابر: أول ما نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ باجتهاد، وليس هو من روايته!
والصحيح ما سبق في حديث بدء الوحي!
_________________
(١) = (١٦٨٨، ١٦٩٣)، والطبري: ٢٩: ١٤٣، وأبو عوانة: ١: ١١٣، ١١٤ - ١١٥، وأبو يعلى (١٩٤٨، ١٩٤٩، ٢٢٢٥)، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٢٧٨، والبيهقي: الدلائل: ٢: ١٣٨، ١٥٥، ١٥٦، والواحدي: أسباب النزول: ٢٩٥، والترمذي (٣٣٢٥)، والنسائي: الكبرى (١١٦٣٢، ١١٦٣٣)، والتفسير (٦٥١)، وابن حبان (٣٤، ٣٥).
(٢) فتح الباري: ٨: ٦٧٨.
[ ٣ / ٧٦٥ ]
٧ - وصايا قرآنيّة:
ويطالعنا النداء العلويّ الجليل، للأمر العظيم الثقيل .. نذارة هذه البشريّة وإيقاظها، وتخليصها من الشرّ في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان .. وهو واجب ثقيل سياق، حين يناط بفرد من البشر -مهما يكن نبيًا ورسولًا- فالبشرية امتلأت من الضلال والعصيان، والتمردّ والعتوّ، والعناد والإصرار، والالتواء، والتفصّي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود (١)!
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾!
والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصّد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون .. وفيه تتجلّى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئًا حين يضلّون، ولا يزيدون في ملكه شيئًا حين يهتدون، غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية، ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشرّ الموبق في الدنيا، وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله!
ثم يوجه الله رسوله في خاصّة نفسه، بعد إذ كلّفه نذارة غيره:
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾!
فهو وحده الكبير، الذي يستحقّ التكبير، وهو توجيه يقرر جانبًا من التصوّر الإيماني لمعنى الألوهيّة، ومعنى التوحيد!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٧٥٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٦٦ ]
إن كل أحد، وكل شيء، وكل قيمة، وكل حقيقة .. صغير .. ! والله وحده هو الكبير .. ! وتتوارى الأجرام والأحجام، والقوى والقيم، والأحداث والأحوال، والمعاني والأشكال، وتنمحي في ظلال الجلال والكمال، لله الواحد الكبير المتعال!
وهو توجيه للرسول - ﷺ - ليواجه نذارة البشريّة، ومتاعبها وأهوالها وأثقالها، بهذا التصوّر، وبهذا الشعور، فيستصغر كل كيد، وكل قوّة .. وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة، هو الكبير .. ومشاق الدعوة وأهوالها في حاجة دائمة إلى استحضار هذا التصوّر، وهذا الشعور!
وبعد ذلك يطالعنا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾!
وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخُلق والعمل .. طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يلمّ بها أو يمسّها .. والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقّي من الملأ الأعلى .. كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة، وهي بعد هذا وذلك ضروريّة لملابسة الإنذار والتبليغ، ومزاولة الدّعوة في وسط التيّارات والأهواء والمداخل والدروب .. وما يصاحب هذا ويلابسه من أدران وأخلاط وشوائب .. تحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة؛ كي يملك استنقاذ الملوّثين دون أن يتلوّث، وملابسة المدنّسين من غير أن يتدنّس .. وهي لفتة دقيقة عميقة إلى ملابسات الرسالة والدعوة والقيام على هذا الأمر بين شتّى الأوساط، وشتّى البيئات، وشتّى الظروف، وشتّى القلوب!
وبعد ذلك يطالعنا قوله جل شأنه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾!
[ ٣ / ٧٦٧ ]
والرسول - ﷺكما عرفنا- كان هاجرًا للشرك، ولموجبات العذاب، حتى قبل النبوّة، فقد عافت فطرته السليمة ذلك الانحراف، وهذا الركام من المعتقدات الشائهة، وذلك الرجس من الأخلاق والعادات، فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خوض الجاهلية .. ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة، وإعلان التميّز الذي لا صلح فيه ولا هوادة .. فهما طريقان، مفترقان لا يلتقيان، كما يعني التحرز من دنس هذا الرجز -والرجز في الأصل هو العذاب، ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب- تحرزّ التطهر من مس هذا الدنس!
ويوجّهه إلى إنكار ذاته وعدم المنّ بما يقدّمه من الجهد، أو استكثاره واستعظامه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾!
وهو - ﷺ - سيقدّم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء .. ولكن الله يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدّمه ويستكثره ويمتنّ به .. وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحسّ بما تبذل .. فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه، بل حين لا تستشعره من الأصل؛ لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه، فهو فضل يمنحها إيّاه، وعطاء يختارُهَا له، ويوفّقها لنيله، وهو اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله، لا المنّ والاستكثار!
ويوجهه أخيرًا إلى الصبر لربّه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾!
وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت، والصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة .. معركة الدعوة إلى الله، المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب، ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات، وتدفعهم شياطين الأهواء!
[ ٣ / ٧٦٨ ]
وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله، ويتّجه به إليه احتسابًا عنده وحده!
وقد كانت الوصيّة الأولى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾! نبراسًا قويًّا أضاء لنا رقعة الوجود -كما يقول المرحوم الدكتور دراز (١) - فأرانا فيها مكاننا ومكانتنا، وحدّد لنا فيها وجهة سيرنا وقبلتنا .. ثم كانت هُتافًا عاليًا هتف بنا أن نوجّه إلى هذه القبلة أبصارنا وبصائرنا .. قالت لنا -وما أصدق وأعدل ما قالت:
أيها الإنسان، لئن كنت قد هبطت من علياء الفردوس إلى هذه الأرض المتواضعة، لقد هبطت إليها واقفًا على قدميك، ولم تهبط إليها مكبًّا على وجهك ولديك!
ألم تر كيف خُلقت منصوب القامة، مرفوع الهامة؟ فجعل نصيب الأرض منك أن تطأها برجلك ونعلك!
أمَّا ناصيتك، فقد بقيت مرفوعةً إلى السماء، تذكّرك بما هنالك ومن هنالك، مِن وطنك وأهلك!
إن هذا الرأس المرفوع يتأبّى لك بفطرته أن تنكّسه وتقلب وجهه، خضوعًا لشيء من المخلوقات، أو ركوعًا لأحد من المخلوقين!
أيها الإنسان، لئن كان لك في هذه الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين، لقد علمت أنك سوف تخرج منها إلى مستقر آخر، متى جاء هذا الحين .. فهل تحبّ أن تعرف حقيقة مصيرك ونهايتك؟!
_________________
(١) من خلق القرآن: ١٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٧٦٩ ]
ما عليك إذن إلا أن تنظر إلى أسلوب مسيرك في بدايتك، فإن كنت ممن يسيرون رافعي رؤوسهم، متطلّعين إلى الأفق الأعلى، فإن الأبرار الطائعين الفاعلين كل خير في عليّيّن: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ (المطففين)!
ولفظ ﴿عِلِّيِّينَ﴾ يوحي بالعلوّ والارتفاع (١)!
وإن كنت ممن ينكّسون رؤوسهم أمام صنم الدنيا؛ فإن الفجّار العصاة في سجّين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ (المطففين)!
والفجار هم المتجاوزون للحدّ في المعصية والإثم (٢)!
هكذا يكون المستقرّ في النهاية، حيث يتوجّه البصر في البداية: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ (الملك)!
والذي يمشي مكبًّا على وجهه إما أن يكون هو الذي يمشي على وجهه فعلًا، لا على رجليه في استقامة، كما خلقه الله، وإما أن يكون هو الذي يعثر في طريقه فينكب على وجهه، ثم ينهض ليعثر من جديد (٣)!
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن: ٦: ٣٨٥٨ وما بعدها.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٣٨٥٧.
(٣) انظر: المرجع السابق: ٣٦٤٤.
[ ٣ / ٧٧٠ ]
وهذه كتلك حال بائسة تعاني المشقّة والعسر والتعثّر، ثم لا تنتهي إلى هدى ولا خير ولا وصول!
وأين هي من حال الذي يمشي مستقيمًا سويًا في طريق لا عوج فيه ولا عثرات، وهدفه أمامه واضح مرسوم؟!
إن الحالة الأولى هي حال الشقي المنكود الضال عن طريق الله، المحروم من هداه الذي يصطدم بنواميسه ومخلوقاته؛ لأنه يعترضها في سيره، ويتخذ له مسارًا غير مسارها، وطريقًا غير طريقها، فهو أبدًا في تعثّر، وأبدًا في عناء، وأبدًا في ضلال!
والحال الثانية هي حال السعيد المهتدي إلى الله، الذي يسير وفق نواميسه في الطريق اللاحب المعمور، الذي يسلكه موكب الإيمان والحمد والتمجيد .. وهو موكب هذا الوجود بما فيه من أحياء وأشياء!
إن حياة الإيمان هي اليسر والاستقامة والقصد .. وحياة الكفر هي العسر والتعثر والضلال!
فأيّهما أهدى؟
وهل الأمر في حاجة إلى جواب؟
إنما هو سؤال التقرير والإيجاب؟
أيها الإنسان، إن لك في السماء مكانًا يناديك، ففرّ إليه، بل طر إليه .. أقم وجهك للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، ولا تكونن من المشركين: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾!
[ ٣ / ٧٧١ ]
لكن هنا يتساءل المتسائلون، ويتعجّب المتعجّبون: بأيّ جناح تطير هذه الأرواح إلى مستقرّها الأرفع، بعد أن حملت من أوزار المادّة وأثقالها ما أوهن أجنحتها؟!
وكيف تطمع هذه الأرواح أن تعود كرّة أخرى إلى ذلك الرفيق الأعلى، وقد أصابها منذ هبطت إلى هذا الكوكب، من غبار الدنيا وغبرتها، ومن شعثها وقترتها، ما يباعد بينها وبين ذلك الأفق الأقدس الأطهر؟!
يتساءلون ويعجبون .. إنهم يرونه بعيدًا، ولكن القرآن الكريم يراه قريبًا جدّ قريب!
ها هو ذا يرشد الأرواح إلى طهورها الذي يردّ إليها اعتبارها!
ها هو ذا يهيئ للأرواح معراجها الذي يعيدها إلى عزّة مكانها، وشرف جوارها!
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (القمر)!
نعم، لقد كانت الوصية الأولى حداءً للأرواح يدعوها إلى الملأ الأعلى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾!
فجاءت هذه الوصيّة الثانية، تنصب للأرواح معراجها الذي تعرج فيه، لتلبية ذلك النداء: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾!
إنه لمعراج حقًا، ولكن أليس حسب الكسالى مثبطًا أنه معراج؟!
ومعلوم أن واجب الطهر ليس عمل ساعة، وإنما هو قرين العمر، وليس شغل يوم، ولكنه مشغلة الدهر!
[ ٣ / ٧٧٢ ]
إن الغبار متلاحق متواصل، لو ترك في أوقات متوالية تراكمت طبقاته، وتزايدت مشقاته!
وهو غبار أخّاذ نفّاذ، ينفذ من ظاهر الأغشية والأغطية، إلى باطن الصناديق والأوعية!
وهو غبار تتداعى أجزاؤه، وتتجاذب أطرافه، حتى ليفضي اليسير منه إلى الكثير، والصغير منه إلى الكبير!
ألا فلندع جانبًا هؤلاء الكسالى، الذين كره الله انبعاثهم فثبّط عزائمهم، ولننظر إلى فضل الله علينا وعلى الناس؛ إذ جعل لنا في كل مرحلة من مراحل هذا الغبار الثائر، سبيلًا إلى التنزّه عنه، أو إلى التطهّر منه!
ذلك أن هذا الغبار -وإن نفذ من غلاف إلى غلاف، وإن اقتحم على النفس أسوارها، حجابًا بعد حجاب- لا يبلغَ جهده أنَ يصل إلى جوهرها الكمين في قراره المكين، كلا، ولو فعل .. إذن لسقط التكليف، ورفعت التبعات، وزالت حجّة الله على الناس!
وإنما قصارى أمره -ما دام زمام المسؤوليّة في أيدينا- أن يسدّ على النفس منافذ حسّها من قريب أو بعيد، وأن يغشى زجاجة نورها بحجاب رقيق أو غليظ فيدسّها ويخفيها .. ولكن ما هو إلا أن تزال عنها تلك الغشاوات والحجب، فإذا هي قد تجلّى نورها، وتدفّق ماء حياتها، وعادت كما كانت إلى السير!
ترى، ما كنه تلك الثياب التي أمرنا بتطهيرها؟
أما الحرفيّون الماديّون فإنهم يفهمون منها أدنى معانيها إلى حسّهم، ذلك
[ ٣ / ٧٧٣ ]
اللباس الذي تتوارى به أبداننا، أما المتفقّهون في أسرار اللغة والدّين، فإنهم يفهمون منها شمائل الأخلاق: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ (الأعراف)!
والقول الجامع أن النفس يحيط بها أربع طبقات، كل واحدة منها تعد ثوبًا لها: أدناها إلى جوهرها طبقة الصفات والأحوال النفسيّة، وهذا هو ثوب الشعار!
ثم يلي ذلك ثلاث طبقات من الدثار: طبقة السير والأعمال!
ثم طبقة البنية والجثمان!
ثم طبقة الملبس!
والقرآن الكريم يناشدنا أن نحرص على طهارة الطبقات الأربع جميعًا، بل على طهارة كل ما نلامسه ونباشره من مكان ومصلّى ومسكن، وعلى التحلّي بكل حسن جميل، والتخلّي عن كل دنس ذميم، حسيًا كان أو معنويًّا:
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٠)!
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأنعام: ١٥١)!
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٣١)!
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ (الحج)!
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ (التوبة)!
[ ٣ / ٧٧٤ ]
ولمَّا كانت عناية القرآن دائمًا بالجوهر والمخبر أشدّ منها بالصورة والمظهر، كان الهدف الأوّل الذي تتجه إليه الوصيّة ها هنا، هو الجانب الروحي الخُلُقي، جانب السيرة والسريرة!
وهذا هو ما فهمه الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين!
وإنه لطهر شامل للمظهر والمخبر معًا!
ترى، أما آن لنا أن نقبس من هذا الطهر ما يضيء أمامنا معالم الطريق؟!
بين البخل والسرف:
والشأن في المسلم أن يوقن أن حصر همّه في جمع المال وتعديده يشقيه تَعَبًا ويعييه، وأنه لا محالة مفارقه يومًا ما تركةً، ليستمتع به من لم يكن يهمه ولا يعنيه، وأنه سيلاقيه أخيرًا، لا ملكًا ولا انتفاعًا، ولكن عذابًا واصبًا في الآخرة، فوق ما كان همًا ناصبًا في هذه الدنيا!
ومن ثم ينفعه إيمانه، ويتبدّل حرصه الشديد على المال إنفاقًا في سبيل الله، وزهدًا في متاع الحياة، وتتحوّل عبوديّته له سيادة وسلطانًا عليه، وتنفرج أنامله المعقودة، وتنبسط كفّه المقبوضة، ويصبح شعاره: أنفق .. أنفق .. بعد أن كان مثله: أمسك .. أمسك!
لكن، ألست ترى أن حلّ هذه المشكلة الأولى، هو نفسه إثارة لمشكلة أخرى؟!
ألست ترى أن السلامة من هذا الداء، هي بعينها مدرجة، ومزلقة إلى واد آخر؟!
[ ٣ / ٧٧٥ ]
لقد كفينا آنفًا من مرض الإمساك والتقتير .. ألسنا بهذا العلاج نسلط عليه جراثيم من فصيلة الإسراف والتقتير؟!
كلا، إن القرآن الحكيم لم يدع هذه النزعة الجديدة تنطلق انطلاقها، وتجاوز مداها .. لقد وضع أمامها سدودًا وحواجز تقف بها دون طرفها الأقصى، كما وضع أمام النزعة الأولى سدودًا وحواجز تقف بها دون طرفها الأدنى، فكما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾!
قال عقبها في نفس الآية: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: ٢٩)!
ومن صفات عباد الرحمن نقرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ (الفرقان)!
هما إذن طرفان ذميمان، خيرهما شر، وموردان يفيضان، أحلاهما مر .. بلى على التعيين والتحديد!
إن هذا المرض أفحش ضررًا وأعظم خطرًا، وإن اشتركا في أصل الضرر والخطر .. فالممسك والمسرف كلاهما يضع المال في غير موضعه .. غير أن الممسك يضعه في مكان عزيز حريز فما يدرينا؟ لعل الله يقيض لهذا المال بعد ذلك، من يثيره في مكمنه، ويوجّهه الوجهة السديدة التي يرضاها الخُلق والدين!
أما المسرف فإنه حين وضعه في غير موضعه وضعه في مضيعة، لقد بعثره وبدّده واستهلكه وأهلكه، فلا سبيل إلى إعادته وتصحيح وجهته!
الممسك يفوّت مصلحة المال إلى أمد، والمسرف يفوّتها إلى الأبد!
[ ٣ / ٧٧٦ ]
الممسك يعلّقها ويعطلّها، والمسرف يمحوها ويبطلها!
الممسك -بقعوده عن الإنفاق في الخير- يضر من طريق سلبي، والمسرف -بإنفاقه في سبيل الشر- يضرّ من طريق لا حدود لها!
الممسك شيطان ساكن ساكت، والمسرف شيطان متحرك ناطق، عامل دائب!
لا جرم أنه كان في حكم الله تعالى أحق باسم الشيطان: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ (الإسراء)!
هكذا نبصر رذيلتي الإمساك والإسراف، كأنهما من فصيلتين مختلفتين .. وفي الحق لا يختلفان إلا في بادئ الأمر وفي رأي العين .. أما في نظر الحكمة الفاحصة التي تعيش الأشياء من أعماقها، فإنهما يبدوان فصيلة واحدة من المرصد الخلقي، مردها إلى جرثومة واحدة!
نعم، إن محور الشرّ في داء البخل، ليس في حفظ المال وصيانته، لكن في حبسه عن مصارفه، كما أن موطن الضرر في داء الإسراف، ليس في إنفاق المال وبذله، ولكن لما أنفق في غير موضعه، كان ذلك حرمانًا لأهله ومستحقّيه، وهذا هو بيت القصيد في نظر الحكيم!
هكذا رجع الداء إلى أصل واحد، وعنصر واحد، وهو حبس المال عن وجوهه وحرمان أرباب الحقوق منه، سواء أبقي في يد صاحبه فسميّناه بخلًا وإمساكًا، أم تبدّد في أيد أخرى، فسميناه تبذيرًا وإسرافًا، فهذا الإسراف نفسه هو في نظر الفضيلة إمساك؛ لأنه حبس للمال عن أهله، وهذا التبذير هو التقتير بعينه على الوجوه الأخرى، التي هي أحرى بالإنفاق!
[ ٣ / ٧٧٧ ]
ترى، ما تلك الوجوه الحريّة بالإنفاق؟ والتي إذا لم نبذل المال فيها كان ذلك وصمة لنا بإحدى الرذيلتين؟ وإذا بذلنا المال فيها، كان ذلك طهرًا لنا من الدنسين جميعًا، وشفاءً لنا من الدائنين كليهما، في دفعة واحدة؟ يجيب المتطرفّون من أهل الأثرة والأنانية: نفسك .. نفسك .. ومن ورائك الطوفان!
ويجيبنا المتطرّفون من أهل الإيثار والغيريّة: احرق شمعتك .. احرق شمعتك لتضيء للناس، وأهلك نفسك ليحيا الناس!
أما القرآن الكريم، فإنه يجيبنا بحكمته الجامعة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: ٧٧)!
نعم، إنها الموازنة، تراعى فيها الحقوق كلها، وتؤذى فيها الواجبات جميعها .. إن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا!
يروي البخاري وغيره عن أبي جحيفة عن أبيه قال:
آخى النبي - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال له: كل، قال: فإِني صائم! قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل! فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: ثم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن: فصليّا، فقال له سلمان: إِن لربّك عليك حقًا! ولنفسك عليك حقًا! ولأهلك عليك حقًا! فأعط
[ ٣ / ٧٧٨ ]
كل ذي حقّ حقّه! فأتى النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال له النبي - ﷺ -: "صدق سلمان" (١)!
أما الغيريون المترفون، فإليهم يوجّه نداء القرآن الكريم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ (الأحقاف)!
نعم، إنها موازنة، ليست موازنة عدديّة، تتكافأ فيها الأرقام في كل باب، ولكنها موازنة رشيدة، تختلف باختلاف الناس وثرواتهم وأعبائهم، وسائر ملابساتهم .. موازنة تراعى فيها مصالح الدنيا والآخرة جميعًا، على بصيرة وعلى قدر: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ (الرحمن)!
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ (البقرة)!
كيف عالج القرآن رذيلة البخل؟!:
وإذا كنا قد عرفنا أن القرآن الكريم حين أمرنا أن نطهّر ثيابنا أرادها منا طهارة شاملة كاملة، حسّية ومعنويةً، ظاهرةً وباطنة .. وعرفنا -كذلك- أيّ نوع من الطهر خصّه القرآن بمزيد من عنايته، وجعل له الصدارة في طليعة دعوته .. وتبيّن لنا أن حملته التطهيريّة الأولى كانت مركّزة على مكافحة
_________________
(١) البخاري: ٣٠ - الصوم (١٩٦٨)، وانظر (٦١٣٩)، وأبو يعلى (٨٩٨)، والترمذي (٢٤١٣)، وابن خزيمة (٢١٤٤)، والبيهقي: ٤: ٢٧٦، والدراقطني: ٢: ١٧٦، وأبو نعيم: ١: ١٨٨، وابن حبان (٣٢٠).
[ ٣ / ٧٧٩ ]
جذوره في أعماق النفس، ولكن مخالبه تنشب في أحشاء الأمة والدولة، ذلك هو داء الشح والبخل، أو الإمساك والتقتير .. فإن القرآن قد مضى يكشف لنا عن مصادره ومنابعه، فأرانا كيف ينظر الأشحّاء إلى حطام الدنيا من خلال عدسة مكبّرة مزورة، وكيف أورثتهم هذه النظرة الخاطئة ارتفاعًا فاحشًا في درجة حبّهم لهذا الحطام: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ (الفجر)!
هكذا وضع القرآن يدنا على رأس المرض وجرثومته .. فهل تراه بذلك قد أدّى كل مهمّة الطبيب، وقام بكل رسالته؟!
كلا، لقد بقي شطرها الأخير والخطير .. إذ ما يجدي وصف المرض وتشخيصه إذا لم توصف الوسائل الناجعة لعلاجه أو الوقاية منه؟!
فلننظر الآن كيف عالج وضع القرآن قدمنا على جادة الطريق لنزاول هذا العلاج؟!
إنه علاج يتألّف من ثلاثة عناصر:
عنصر يزوّد القول بالحقائق الأوليّة!
وعنصر يمدّ الإيمان بالحقائق الغيبيّة!
وعنصر يغذّي العزائم بالوسائل العملية!
ولقد يأخذك العجب، كيف يكون في الدنيا عاقل تغيب عنه بعض الحقائق الأوليّة، ويحتاج إلى التزوّد منها؟!
ولكن، أليست النفسيّة الشحيحة من شأنها أن تستر عن صاحبها هذه الحقائق؟ فالبخيل إذا استولى حبّ المال على قلبه، أصبح مرهف الإحساس به،
[ ٣ / ٧٨٠ ]
إلى حد أنه يعدّه جزءًا متمّمًا لجسمه وروحه، فإذا دعوته إلى الإنقاص منه، أحسّ كأن روحه بدأت تستلّ من بدنه، وجعل ينظر إليك نظر المغشيّ عليه من الموت، نظرات كلها توسّل والتماس، كأنه يقول:
رويدك .. رحماك!!
رفقًا بي، لا تمس لي طعامًا ولا شرابًا ولا درهمًا ولا دينارًا!!
إن كل فلذة تقتطعها من مالي، إنما هي عضو تنشره من جسمي! فإن هلك مالي هلكت نفسي، وإن بقي مالي بقيت!!
إنه ليرخي أمامي حبل الأمل، وينسيني محتوم الأجل!!
إني لأستمدّ من زيادته واكتماله قوة وفُتوّة، ومن بقائه شعورًا بالبقاء والخلود!
هكذا قد يصل حبّ المال بصاحبه إلى نسيان هذه الحقيقة الأولى، وهي أنه لم يكتب لبشر قبله الخلود، وأنه لم يكن تخليد المال تخليدًا لصاحبه في عهد من عهود البشريّة، فيكشف القرآن عن بصره هذه الغشاوة ليوقظه من هذه النومة العميقة: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا ﴾ (الهمزة)!
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ (القصص: ٧٨)!
فإذا لم يكن من الخالدين لينتفع بهذا المال في حياته! ولم يدخل في حسابه يومًا أن يبرّ به أهلًا ولا ولدًا!، ولا أن يمنح منه الآخرين عونًا ولا رفدًا، ولا أن
[ ٣ / ٧٨١ ]
يكتسب به ثناءً ولا حمدًا!، ففيم إذن يجمع هذا المسكين، أيحسب أن ماله سيحمله معه إلى قبره؟!
هل غابت عنه هذه الحقيقة الأخرى؟
ألم يعلم أن الميّت يتبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله؟ وأن اثنين يرجعان، ولا يبقى معه إلا واحد، يرجع عنه أهله وماله، ولا يبقى إلا عمله!
يروي الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يتبع الميّت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله" (١)!
وصدق الله العظيم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنعام: ٩٤)!
لا خلود إذن أيّها الكانزون، لتتمتّعوا بأموالكم في هذه الحياة، ولن تخلد هذه الأموال معكم في أكفانكم، لتؤمّنوا بها وحشة قبوركم!
تلك حقائق أولية، يعرفها كل ذي إدراك سليم، مؤمنًا كان أو ملحدًا!
وإنه ليكفي أدنى الانتباه ليتعيّن بها للأشحّاء مبلغ العبث، بل مبلغ السخف والسفه في تجميع هذه الأموال التي سيفارقونها، ولا ينالون منها شيئًا، لا من قبل ولا من بعد!
أما المؤمنون بالحقائق البّينة، فقد ادّخر القرآن الحكيم لهم منها نذرًا أخرى،
_________________
(١) البخاري: ٨١ - الرقاق، ومسلم (٢٩٦٠)، والحميدي: المسند (١١٨٦)، وأحمد: ٣: ١١٠، والنسائي: ٤: ٥٣، وابن المبارك: الزهد: ٦٣٦، والترمذي (٢٣٧٩)، وابن حبان (٣١٠٧).
[ ٣ / ٧٨٢ ]
تنبئهم أن هذا الضّنّ والمنع ليس عبثًا وسخفًا وحرمانًا عاجلًا فحسب، بل هو إلى ذلك جرم كبير، وشرّ مستطير: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٠)!
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ (التوبة)!
ألا فليوازن الكانزون بين شهوة الاكتناز ولذته الحاضرة العابرة، وبين عواقبه الوخيمة في الدار الآخرة!
هكذا زودنا القرآن الكريم بمجموعتين من الحقائق:
حقائق من عالم الغيب!
وحقائق من عالم الشهادة!
من شأن التأمّل فيها أن يحلّ عن قلوبنا عقدة هذا الحب الأعمى، وأن يطهّر ثيابنا من درن الطين اللازب!
غير أن هذا العلاج المزدوج، إن استطاع أن يحكّ من ثيابنا جرم هذا التراب، فلن يستطيع أن يمحو عنها آثاره، وان استطاع أن يحلّ عن قلوبنا عقدة هذا الحبّ، فلن يقطع عنا حباله!
[ ٣ / ٧٨٣ ]
فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلا سبيل إلى تبديلها، بل ولا خير في تبديلها؛ إذ لو انقلب حبّ المال مقتًا له وازدراءً، وأصبحت قيمته في نظر الناس هباءً فأيّ جهد يحمد للمرء في بذله، وأيّ فضل له في التضحية؟!
من الخير إذن أن يبقى فينا شيء من حبّ المال -وسيبقى لا محالة- قويًّا أو ضعيفًا أو مناوبةً بين القوّة والضعف!
ومن هنا نعرف السرّ في أن القرآن الحكيم لم يقتصر على هذا العلاج النفسي المزدوج، ولم ينتظر أن يبلغ به غايته القصوى، ولا أن يصل بحبّ المال فينا إلى حدّه الأدنى، بل أخذ يمدّنا بعلاج ثالث عملي، نزوّد به عزائمنا!
ذلك هو أن نُدرّب أنفسنا على بذل المال وإنفاقه مراغمةً ومقاومةً، مراغمةً لأهوائنا، ومقاومة لرغائبنا، حتى يصبح التزهّد زهدًا، والتسخّي سخاءً، والتكرّم كرمًا، والتطبّع طبعًا!
أليس أفضل الصدقة صدقة الصحيح والشحيح، الذي يخشى الفقر، ويأمل الغنى؟!
أليس البر هو إيتاء المال على حبّه؟!
أو ليس الأبرار هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (الإنسان)!
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر)!
[ ٣ / ٧٨٤ ]
الطهر من داء الحرص والشح:
هذا، وعيوب النفوس وآفاتها، ومطالب الأعمال وسؤالها، أكثر من أن يحصيها العدّ، وأشق من أن يقضى عليها بجملة واحدة من الجهد، وعلينا أن نجاهد عيوبنا في داخليّة نفوسنا، وفي صميم حياتنا الفرديّة، ونكافح عيوبًا في أسلوب معاملاتنا تمسّ حياتنا في الجماعة!
وقد اختار القرآن الكريم لونًا مركبًا من نوعين: نوع ينبت خلقًا في أرض القلب، ثم تخرج ثمرته عملًا له أعظم الأثر في كيان المجتمع .. ويجمل بنا أن نتصفح السور الأولى التي جاءت في طليعة الوحي، بل التي نزلت في الصدر الأول كله من الحياة النبويّة!
وعدد السور المكيّة بضع وثمانون سورة، إذا استثنينا منها السور المتصلة بالعقيدة والقصص والكونيّات وما إليها، من الحقائق النظريّة، أو المبادئ الكليّة، وهي زهاء نصف هذا العدد، وجئنا إلى النصف الآخر الذي ورد فيه شيء من الوصايا العمليّة المفصلة .. فإننا سنرى عجبًا .. سنرى أرباع هذه الصور، أو على وجه التحديد ثلاثًا وثلاثين سورة توجّه حملتها لاستئصال مرض بعينه، إما على الإفراد أو بضميمة أمراض أخرى إليه!
أتدري ما هذا المرض؟!
إنه مرض الشح والمنع للخير .. مرض الإمساك خشية الإنفاق .. مرض انطواء الأغنياء على أنفسهم .. وإغماض عيونهم عما حولهم من حاجات الأمّة والأفراد .. مرض الإسراف في حبّ المال .. مرض الحرص على العض على هذا الحطام بالنواجذ!
[ ٣ / ٧٨٥ ]
ونبصر ثورةً غاضبةً على النفوس الشحيحة، والثروات المكنوزة، والأموال المضمومة على أهلها، أو على أبواب استحقاقها، وفي الوقت نفسه دموع رحمة وحنان على اليتيم والمسكين والأسير والرقيق والسائل والمحروم، فمن شاء أن يستمع إليه، وهي في ثورة غضبها على ذلك المجتمع المادي الحريص الشحيح الكنوز، فليستمع إلى هذه الصيحات المزمجرة:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ (سورة الهمزة)!
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (فصلت: ٧)!
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ (سورة التكاثر)!
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (سورة الماعون)!
﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ (المدثر)!
[ ٣ / ٧٨٦ ]
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ (الحاقة)!
ومن سرّه أن ينظر إلى الآيات الكريمة، وهي تقطر حنانًا ورحمةً على الفئات البائسة المحرومة، فليستمع إلى هذه المناشدة الحارّة العطوفة:
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ (البلد)!
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ (الفجر)!
هكذا يضع القرآن الحكيم يدنا من أول يوم على موطن الداء الدوي، ومكمن المرض العضال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾!
ها هنا رأس كل خطيئة .. ها هنا رأس كل دنيّة .. إنه مرض ذو شعبتين:
شعبة تنخر في نفسيّة الفرد، وشعبة تفتّ في كيان الأمّة والدولة!
فالإسراف في حبّ المال إذا نبت في قلب امرئ أذلّ عنق صاحبه، وهوّن عليه كل مهانة في سبيل طلبه، وقعد به عن كل مكرمة في أسلوب إنفاقه، فأصبح هو السيّد المالك، وأصبح هو العبد المملوك .. ومن زرع الحرص حصد
[ ٣ / ٧٨٧ ]
التنافس والتحاسد، ثم انشقاق الخصام، ثم تقطيع الأرحام، ثم سفك الدماء، ثم ما شئت من محن تتوارثها الأجيال!
والشح مرض وبائي سريع العدوى والانتقال .. وإذا تفشّى في أمّة، وقف دولاب حركتها، وتعوّق سير نهضتها، وبدأت الشيخوخة تدبّ في أعضائها، وطمع فيها أعداؤها، بل غدت نهبًا للمطامع، وسلعةً يسومها كل مشتر وبائع!
الشح إذن داء تتولّد منه أدواء .. إنه عشّ تفرخ فيه الأورام، ووكر يسكن فيه وحي الشيطان، ينفخ الشيطان في روع صاحبه ليزّين له فاحشة البخل، وليجعله من خوف الفقر في فقر، يقول له:
أمسك عليك مالك، إن المال شقيق الروح، وعماد الحياة!
والله لا يأمر أحدًا أن يبذل كل ماله، وأن يذر نفسه وعياله عالة يتكفّفون الناس، إنما يريد منا أن ينفق كلٌّ من فضل ماله، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وذلك ليجعل متعتين وسعادتين:
متعة بالاستغناء عن الغير، ومتعة بإغناء الغير!
سعادة مباشرة نتذوّقها .. وسعادة أخرى هي صدى للسعادة التي ننشرها، والله بعد ذلك يعد المنفق خلفًا، والممسك تلفًا، على رغم أنف الشيطان: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ (البقرة)!
فريضة الكسب:
هذا، والآيات الحكيمة تعالج من النفوس أبوابها المغلقة، حتى فتحت أغلاقها، وعقدها الموثقة، حتى حلّت وثاقها!
[ ٣ / ٧٨٨ ]
كرهت إليها خلّة الضّنّ والإمساك، وحبّبت إلينا شيمة البذل والإنفاق -كما عرفنا- وما برحت تحبّبنا في هذه، وتبغضنا في تلك .. حتى خشينا أن يكون الانطلاق في بذل المال انطلاقًا إلى غير مدى، وأن يكون الزهد على غير هدًى .. وإذا بالحكمة القرآنيّة تضع الأمور في نصابها .. وإذا هي حين فتحت الكنوز أقامت الحرَّاس على أبوابها، لورودها وصدورها، وتنظيمًا لوجوه توزيعها توزيعًا بالقسط، يوفّر على النفس حظها المقسوم، ويؤدّي للغير حقّه المعلوم، لا حرمان ولا تقتير، ولا إضاعة ولا تبذير، وكان بين ذلك قوامًا!
هذه الوصيّة الثنائيّة، هل تراها وصيّة عاملة شاملة؟ وهل كل فرد من الناس أهل لأن يوجه إليه خطابها؟!
أليس في الناس المرزوق والمحروم؟!
أليس فيهم الواجد والفاقد؟!
فمن لم يجد ما ينفقه أو يمسكه، كيف يقال له: لا تمسك ولا تقتر، ولا تسرف ولا تبذر!
إنها إذن وصيّة واحدة لشَطر واحد من شطري الأمّة، فما خطب شطرها الثاني؟!
إنها وصيّة لأرباب الأموال، فما بال من لا مال له؟!
هل أعدّ القرآن الحكيم لهم وصيّة مقابلة؟!
نعم، وإنها بدورها لوصيّة ثنائية، تهدي كذلك إلى طهارة مزدوجة .. وصيّة من لم يجد، أن يجد ليجد، ثم وصيته ألا يتطلّع إلى ما في يد
[ ٣ / ٧٨٩ ]
الواجدين .. دعوة إلى شرف العمل الكاسب، الذي يغني صاحبه، وينشر الغنى من حوله على العاجزين، ثم دعوة إلى أشرف نوعي الغنى وأكرمهما!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "ليس الغنى عن كثرة العَرض، ولكن الغنى غنى النفس" (١)!
والتسامي عن موقف الحاجة والضراعة، وعن ذلّ السؤال والالتماس؛ بل عن التشهّي والتمنّي لما في أيدي الناس!
بهاتن الوصيّتين الذهبيّتن جاء الذكر الحكيم في آية، ما أحرانا أن نتدبّرها، وأن نزن أنفسنا بميزانها: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ (النساء)!
يقول الله تعالى لهؤلاء الذين يمدّون أعينهم إلى ما عند غيرهم: إنكم في التماس الخير لأنفسكم، تتركون الفجاج الواسعة الآمنة، وتميلون إلى المسارب الضيّقة الموحشة .. إنكم تتركون النهر الدافق وتستقون من الغدير!
ما لكم وما في أيدي الناس؟!
فإنما من عندي نالوا رزقهم، وإن أبوابي مفتوحة لكم ولهم!
تحوّلوا عن هذا الطريق؛ فإنه طريق شائك غير مسلوك، وقد مهّدت لكم بدلا منه طريقين مسلوكين، فولوا وجوهكم شطرهما!
_________________
(١) البخاري: ٨١ - الرقائق (٦٤٤٦)، والأدب المفرد (٢٧٦)، ومسلم (١٠١٥)، والحميدي (١٠٦٣)، وأحمد: ٢: ٢٤٣، ٢٦١، ٣١٥، ٣٣٨، ٣٨٩، ٣٩٠، ٤٣٨، والترمذي (٢٣٧٣)، وابن ماجه (٤١٣٧)، وأبو يعلى (٦٢٥٩، ٦٥٨٣)، والطحاوي: شرح المشكل (٦٠٥٢)، والشهاب القضاعي (١٢٠٧، ١٢١٠، ١٢١١)، وابن حبان (٦٧٩).
[ ٣ / ٧٩٠ ]
دونكم الأرض الواسعة، جعلتها لكم ميدان الكسب والعمل، فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقي .. دونكم السماء الرفيعة، جعلتها لكم قبلة الدعاء والأمل، فإيّاي فادعوا، وفضلي فالتمسوا!
تلك وصيّة الله .. فماذا كان الموقف منها؟!
واأسفاه، لقد وقف كثيرون منها موقف الإباء العنيد، فلا إلى ميدان الأعمال يبرزون، ولا إلى قبلة الآمال يتوجّهون، ولكنهم يحطون أنظارهم على طرف أنوفهم، ويفتحون أعينهم على رزق الجار والقريب والصاحب والزميل، يحصونه ويعدّونه عدًا، ثم يقولون: أهؤلاء، منّ الله عليهم من بيننا؟!
هكذا يصنع الناس!
هكذا يصنع الفاقد للشيء، ينفق عمره في التطلّع إلى حظ واجده .. وهكذا يصنع المقلّ .. يضيّع وقته في حساب رزق المكثر .. ولعله لو دقّق الحساب لوجد نفسه قد أوتي ما هو أعزّ قدرًا وأغلى ثمنًا .. ولكنه ينسى الكنز الذي في يده، ويتطلّع إلى الزخرف في يد صاحبه .. وهبه لم يؤت من الحظوظ ما يعادل تلك الحظوظ الماديّة أو يزيد، فهل حسب أن سعة الرزق عند الآخرين تضيق عليه هو رزقه؟!
وهل يخشى أن سعة الرزق عند الآخرين تنقص من ينابيع الثروة شيئًا فشيئًا، فحرص أن يزاحمهم عليها قبل أن يستنفذوها؟!
يا هذا، إن خزائن الله لا تنفد، وإن معين نعمته لا ينضب، فما بالك تزاحم الخلق على شربهم من هذا الحوض الضيّق المحدود، وأمامك ذلك النهر العذب الذي لا ساحل له ولا حدود؟!
[ ٣ / ٧٩١ ]
يروي مسلم وغيره عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ -، فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي! إِنّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم مُحَرَمًا فلا تظالموا! يا عبادي! كلكم ضالّ إِلا من هديته، فاستهدوني أَهْدكم! يا عبادي! كلكم جائعٌ إِلا من أطعمته، فاستَطعموني أُطْعُمِكم! يا عبادي! كلكم عارٍ إِلا من كَسَوْتُه، فاسْتكسُوني أَكسُكُمْ! يا عبادي! إِنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغْفر لكم! يا عبادي! إِنكم لن تبلغُوا ضرِّي فَتَضُروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني! يا عبادي! لو أن أوّلكم وآخركم، وإنسَكُم وجنَّكمْ، كانوا على أتْقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئًا! يا عبادي! لو أن أوّلكم وآخركم، وإِنْسكمْ وجنَّكُمْ، كانوا على أفْجر قلب رجل واحد، ما نَقَص ذلك من مُلكي شيئًا! يا عبادي! لو أن أولكم وآخِركمْ، وإِنْسكُمْ وجنَّكُمْ، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كل إِنسان مسألته، ما نَقَص ذلك مما عندي إِلا كما يَنْقُص المخْيَطُ إِذا أُدخل البحر! يا عبادي! إِنما هي أعمالكُم أحْصيها لكُم، ثم أوَفيَكُمْ إِيّاها، فمن وجد خَيْرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلُومنَّ إِلا نفسه" (١)!
_________________
(١) مسلم: ٤٥ - البر (٢٥٧٧)، والبخاري: الأدب المفرد (٤٩٠)، وأحمد: ٥: ١٦٠، وأبو نعيم: الحلية: ٥: ١٢٥، ١٢٦، والحاكم: ٤: ٢٤١، وليس من شرطه، وقال الذهبي: هو في مسلم، والطيالسي (٤٦٣)، وعبد الرزاق (٢٠٢٧٢)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، وابن حبان (٦١٩)، والنووي: الأذكار: ٣٥٥ - ٣٥٦ وقال: رجال إسناده مني إلى أبي ذر ﵃، كلهم دمشقيون، فاجتمع في هذا الحديث جمل من الفوائد، منها صحة إسناده ومتنه، وعلوّه وتسلسله بالدمشقّيين -﵃- وبارك فيهم، ومنها ما اشتمل عليه من البيان لقواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه، والآداب، ولطائف القلوب وغيرها، ولله الحمد!
[ ٣ / ٧٩٢ ]
ألا، من كان ملتمسًا في رزقه الفضل، فمن الله وحده إذن فليلتمسه، ومن كان مطالبًا فيه بالحق والعدل، فليطلبه من نفسه، من جِدّه وجهده، من كدِّ يمينه وعرق جبينه!
هكذا يقرر القرآن الحكيم حقّ العمل، أعني حق كل عامل في ملك ثمرة عمله، ونتاج كسبه، يقرّر القرآن حقًّا طبيعيًّا، وإنما هو حق وضعي، ومنحة إلهيّة، وعطيّة من الله!
نعم، قرّر القرآن الحكيم حقّ العمل .. هذه واحدة .. ثم يقرّره حقًّا عامًّا، يستوي فيه الذكر والأنثى .. هذه ثانية!
ولكنه مع ذلك يقرّره حقًّا جزئيًّا، للفرد الكاسب منه نصيب، وللأبوين نصيب .. فهذه ثالثة!
مبادئ ثلاثة، سبق القرآن الحكيم بها أحدث النظريّات الاقتصاديّة، وأعدل المبادئ الاشتراكيّة: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾!
هما إذن خطّان لا ثالث لهما .. طريق مسدود، وطريقان مفتوحان!
لا تسأل الناس! ولا تحسد الناس! ولا تتمنّى ما في أيدي الناس!
هذا هو الطريق المحظور، ولكن عليك بالعمل، وفي الله الأمل!
هذان الطريقان مفتوحان:
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ (النساء)!
[ ٣ / ٧٩٣ ]
منابع الكسب:
هذا، وكم ناشد القرآن الحكيم واجد المال أن يبذله .. ! وكم ناشد فاقد المال أن يسعى إليه ويحصله!
غير أن لبذل المال أساليب شتى، ولكسب المال طرائق متنوّعة .. وليس كل بذلك خليقًا بالحمد، ولا كل سعي جديرًا بالشكر، قرّب عطاء، خير منه الحرمان، وربّ قاعد عن طلب المال خير من ساع إليه!
نعم، إن في البذل تطهيرًا للنفس من رذيلة البخل، وإن في الكسب ترفعًا بالكرامة عن ذل الحاجة، ولكن شيئًا من ذلك لن يكون طهرًا وشرفًا حقًّا، إلا إذا كان طهور المادة شريف الأداة، حتى لا يكون غسلًا للنجس بالنجس ومحوًا للسيّئة بسيئة مثلها، أو بما هو أسوأ منها!
لا جرم، كان للكسب قوانينه وآدابه، وكان للبذل قوانينه وآدابه!
وهي توجيهات تتناول الكسب من جهات ثلاث:
من جهة وسيلته، ومن جهة غايته، ومن جهة أسلوبه وطريقته!
والمرء إذا شغفه حبّ المال، قد يندفع إلى التماسه من كل طريق، اغتنامًا لكل ريح هبّت، واقتناصًا لكل فرصة أقبلتْ، لا يستشير عقله في مقاييس النفع والضرّ، ولا يستغني قلبه في معايير الخير والشر، بل يخبط في سعيه خبط عشواء، فتراه يجمع من المال ما قلّ أو كثر، دون أن يوازن بين الجهد الذي يبذله والربح الذي يحصله، وتراه يقتحم في سبيل ذلك من المخاطر ما خفي وظهر، لا يبالي ما يصيبه منها في يومه أو غده القريب والبعيد!
[ ٣ / ٧٩٤ ]
هذه الدفعة الطائشة الحمقاء، قد تهدأ عن صاحبها قليلًا، فتتركه يستعرض أبواب المكاسب، ثم ينتقي منها وينتخب، ويأخذ منها ويذر، ولكنها توحي إليه سرًا قاعدة الاختيار!
إنها تدعوه إلى أن يوازن بين وجوه الكسب، أيّها أكثر ريعًا وأوفر ربحًا، وأيّها أقلّ غَرَرًا وأيقن نجاحًا!
هكذا، نزعة مبصرة هنا، ودفعة عمياء هناك!
ولكنها في كلتا الحالين انبعاثة ماديّة خالصة، لا أثر فيها للقيم المعنوية، ولا للاعتبارات الإنسانية .. ماديّة غليظة القلب، ساقطة الهمّة، منهومة البطن، لا تتورع أن تستمدّ حياتها من فنون الحيل والمكر، والجور والغدر، والكذب والتزوير، والملق والنفاق، والرشوة والقمار، وغيرها من ألوان الإثم والسحت!
إنها لا يعنيها شرف الوسيلة، ولا طهارة اليد، ولكن يعنيها ضمان الحصيلة، ووفرة العدّ!
ويجيء القرآن الكريم، فيصدر أمره بإغلاق هذه الأبواب الفاجرة كلها .. فلنستمع إليه حين ينهى عنها، وحين يحذّر وينقر منها، ولنستمع إليه حين يشدّد النكير على أصحابها، أولئك الذين يأكلون التراث أكلًا لمًّا، لا يبالون من أين جمعوه، انتهابًا واغتصابًا، أو غشًّا وخداعًا، أو امتصاصًا من دم اليتيم: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (البقرة)!
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الروم: ٣٩)!
[ ٣ / ٧٩٥ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (النساء)!
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (آل عمران)!
ثم يجمع القرآن الكريم هذه القوانين المفصّلة، فيردّها إلى قانون كليّ أعلى، يضع معيار العاطفة الرحيمة، وميزان الفطرة السليمة، مكان تلك الموازين الجشعة الأثيمة، يقول لنا:
الشأن كل الشأن ليس في كثرة العدد، ولكن في طبيعة المعدود .. قليل طيّب مبارك فيه، خير من كثير ممقوت لا بركة فيه: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة: ١٠٠)!
أجل، هذا هو قانون القيم ودستورها الأعلى .. إنه لا يسري على الأموال وحدها، ولكنه ينطبق كذلك على الأقوال والأعمال، والأحكام والآراء، ونظم الشورى والدفاع، وسائر شؤون الجماعة والفرد، في السلم والحرب:
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩)!
﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ (الأنفال)!
هكذا يجب أن نصحّح نظرتنا إلى قيم الأشياء، فإن الجودة فوق الكثرة، والنوع قبل العدد!
[ ٣ / ٧٩٦ ]
ولسنا ننكر مع ذلك أن العامل العددي إذا انضم إلى العامل النوعي كان ذلك خير الخير، ولكنه إذا انحاز كل واحد منهما إلى جانب غير جانب صاحبه فإن الفوز في النهاية للقوّة المعنويّة، على تلك الكثرة العدديّة، التي تتجمّع في رأي العين، ولكنها غثاء كغثاء السيل، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى!
ألا فلنهتد بهدي هذا الدستور الأعلى، في شأن مكاسبنا وثرواتنا!
ألا فليعلم المكثرون أنهم هم المقلّون .. المكثرون من السحت والحرام، إن أكلوا منه نبت لحمهم طعمة للنار، وإن تصدّقوا به لم يتقبّل منهم؛ لأن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيّبًا، وإن تركوه لذريّتهم كان مصيره المحق والدمار، ولو بعد حين، وإن دَعَوْا ربّهم وفي أجوافهم أو على أجسادهم منه شيء، فهيهات أن تجاب دعوتهم!
يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أيها الناس! إِن الله طيّب لا يقبل إِلا طيّبًا، وإِن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ (المؤمنون)! وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٧٢)!
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إِلى السماء! يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنى يُستجابُ لذلك؟ " (١)!
_________________
(١) مسلم: ١٢ - الزكاة (١٠١٥)، والبخاري: رفع اليدين (٩٤)، وأحمد: ٢: ٣٢٨، والدارمي (٢٧٢٠)، وعبد الرزاق (٨٨٣٩)، وعلي بن الجعد (٢٠٩٤)، والبيهقي: ٣: ٣٤٦، والترمذي (٢٩٨٩)، والبغوي (٢٠٢٨).
[ ٣ / ٧٩٧ ]
ألا وليعلم المقلّون أنهم هم المكثرون، المقلّون تحرّيًا للحلال الطيّب في مكاسبهم؛ فإن أكلوا منه أكلوا هنيئًا مريئًا، وإن أنفقوا منه تقبّل منهم وضوعف لهم، وإن تركوه لذريّتهمِ تولى الله حفظه لهم: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ (الكهف: ٨٢)!
وأخيرًا، إن دعوا ربهم كانوا أحرياء أن يستجاب لهم: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ (المائدة).
أهداف الكسب:
ونجد أنفسنا أمام أهداف الكسب بعد أن طهرت الأداة، وأصلحت الوسيلة، حيث يجب أن نطهّر الباعث ونصحّح النيّة، وننظّم الأسلوب، ونهذّب الخطّة، على الوجه الذي يرضاه الله!
ومن ثم يجب أن نسائل أنفسنا: ماذا نبغي من وراء هذا الكسب؟
ذلك أن للكسب بواعث شتّى، وأغراضًا متفاوتة، تردي صاحبها وتوبقه، ونيّة تنجي صاحبها وتعتقه، ونيّة تنجيه وترفعه إلى أعلى عليّين!
وهكذا ترى الناس -على حسب نياتهم- في درجات ثلاث: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات!
أتريد مثالًا من النية الفاجرة المردية؟ ما عليك إلا أن تفتح عينيك لترى!
فهذه فئة من الناس، إنما تطلب المال لتطغى به على العباد، ولتنشر به في الأرض الفساد!
[ ٣ / ٧٩٨ ]
وهذه فئة أخرى تسعى إلى المال، لتغامر به وتقامر، أو لتخالل وتخادن، أو لتنفقه في ألوان المسكر والمخدّر!
وهذه فئة ثالثة تطلب المال، لا لتبطش بيدها، ولا لتفجر بجارحتها، ولكنها آثمة القلب، أسيرة للهوى الخفي، تريد أن تباهي بثروتها وتفاخر، وأن تنافس بها وتكاثر: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ (الإسراء)!
هذه أمثلة من البواعث الملتوية، لا نقتبسها من الفروض العقليّة، ولكن نستمدّها من صحيفة الواقع، ومن تقليب النظر في سيرة الجمهور الكادح!
ها هم أولاء يكتسبون عيشهم بعرق الجبين، بكدح الذهن أو كدّ اليمين، فإذا فتشت صدورهم لتعرف نوازعها إلى العمل، وأهدافها من السعي والتنقيب، لا تجد في أكثرها معنى إنسانيًّا ولا روحيًّا!
إنه ليس يهم الحديث على الأهل والولد!
وليس يهم الرعاية لحق الله والوطن!
ولكنه النزول على حكم الشهوات الجامحة، في صورة من هذه الصور أو أمثالها!
ستجد أكثرهم يلتمسون الرزق من حلّه، ولكن هدفهم هو إنفاقه في غير محله! إنهم يتخذون نعمة الله أداة لمعصية الله!
إنهم يطلبون الثروة ليحوّلوها عن طريقها، ويضعوها في يد غير مستحقيها!
ألا تدخل معي إلى بيت من بيوتهم لتنظر في وجوه أهليهم وأولادهم؟!
[ ٣ / ٧٩٩ ]
وارحمتاه لهذه الأكباد الطاوية، والأجساد العارية!! تتلفت طول يومها، وتقضي جلّ ليلها، تشوّقًا إلى كافلها وعائلها، وهو عنهم في شغل بين قرناء السوء، يغرق ماله في كؤوس الصهباء، أو يحرقه ويذره دخانًا في الهواء، أو يدفنه في بالوعة الموائد الخضراء!
يا حسرتا على الجهود الضائعة، والقوى المنهوكة، والثروة المبدّدة!! على حين أن الشعوب من حولنا، تزدهر ثروتها ازدهارًا، وتستعر قوتها استعارًا، بل تكاد تنفجر انفجارًا!
فيا ليت شعري، متى يفيق أبناء هذا الجيل من سكرتهم، ويتنبهون إلى ما يراد بهم؟!
متى يصون كل منهم ثروته وقوّته، ويأخذ للمجد أهبته وعدّته؟!
على أننا الآن، لسنا بصدد البحث في تحديد اللون الطائش من السلوك، وهذا الأسلوب المنحرف من أساليب الحياة، هو الذي يداعب نفوس الجماهير عندنا، وهو الذي يحرّك همّتهم إلى السعي، ويغريهم بالجدّ في الكسب!
إنهم يغبطون السفهاء المسرفين، يتمنّون أن يكون لهم مثل ثروتهم، ليسرفوا كإسرافهم، يقول كل منهم: يا ليت لي مثل ما أوتي فلان! إنه لذو حظ عظيم!
أما أني لو كنت مكانه، لكنت أشدّ منه بطشًا بقوّتي، وأكثر استمتاعًا بثروتي!
فهم من قبل أن ينفقوا، بل من قبل أن يكسبوا ما ينفقون، محاسبون على هذه النيّة الفاجرة!
[ ٣ / ٨٠٠ ]
إنهم منذ الآن مأزورون غير مأجورين!
إن عليهم مثل أوزار المسرفين العابثين!
ومن كان في شك من ذلك فليقرأ:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (القصص)!
فلم يهدّد العالين المسرفين وحدهم، ولكنه توعّد الذين يريدون العلوّ والفساد، فتلك هي النيّة المردية الموبقة، وصاحبها ظالم لنفسه!
أما النيّة المنجية المعتقة، فإنها على درجتين:
درجة مقتصدة، تدرأ عن صاحبها الذم واللوم؛ ولكنها لا تستوجب له مدحًا ولا ثوابًا .. وحدّ هذه المرتبة أن يكون همّ العامل من كسب الحلال، هو أن ينفقه في الاستمتاع بالحلال، لا يفكّر فيما وراء ذلك!
ودرجة عالية رفيعة، تستوجب لصاحبها الثّناء، وتكفل له أحسن الجزاء، ذلك أن يكون حظّ نفسه تابعًا لحقّ الله عليه، وأن يكون حقّ نفسه مغمورًا في حقوق غيره: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص)!
أولئك هم السابقون السابقون .. ترى الواحد منهم يجدّ ويسعى امتثالًا لأمر الله، وقيامًا بالأعباء التي تفرضها عليه الحياة، ليعفّ نفسه وأهله -أول كل شيء- عن الحرام، وليغنيهم وإيّاه عن ذلّ السؤال .. ثم ليعود بفضله على
[ ٣ / ٨٠١ ]
العاجزين والمحرومين .. ثم ليزيد في ثروة أمّته وقوّتها .. وأخيرًا ليزيد في ثروة الأرض وازدهارها كلها، تحقيقًا لحكمة الله الذي استخلف الإنسان على الأرض واستعمره فيها!
تلك هي النيّة الفاضلة الكاملة التي ترفع صاحبها إلى أعلى عليّين:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨]!
يروي الشيخان وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إِنما الأعمال بالنيات، وإِنما لكل امرئ ما نوى " الحديث (١)!
آداب الكسب:
هذا، وقد جاءت هداية القرآن الكريم تجنبنا سبل السحت أي الآثم، وتقود خطانا في سبيل الرزق الحلال السائغ، وما إن وضعنا قدمنا على حافة هذا المنهل المورود، وتطلعنا إلى ما فيه من رزق طيّب، حتى أخذت تناوشنا النوازع والدوافع المختلفة، وتراودنا الأهداف والمقاصد المتنوّعة!
وإذا الهداية القرآنيّة تبرز أمامنا مرة أخرى، لتقود خطوات قلوبنا، كما
_________________
(١) البخاري: ١ - بدء الوحي (١)، وانظر (٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣)، ومسلم (١٩٠٧)، والطيالسي (٤٨، ٤٨٨)، وعبد الرزاق (٩٥٦٧)، وسعيد بن منصور (٢٥٤٣)، وأحمد: ٤: ٣٩٢، ٤٠١، ٤٠٥، ٤١٧، وعبد بن حميد (٥٥٣)، وأبو داود (٢٥١٧، ٢٥١٨)، والترمذي (١٦٤٧)، وابن ماجه (٢٧٨٣)، والنسائي: ٦: ٢٣، والطحاوي: شرح المشكل (٥١٠٦)، والبيهقي: ٩: ١٦٧، ١٦٨، وأبو نعيم: الحلية: ٧: ١٢٨، والبغوي (٢٦٢٦)، وابن حبان (٤٦٣٦)، وانظر كتابنا: أضواء على حديث "إنما الأعمال بالنيات".
[ ٣ / ٨٠٢ ]
قادت من قبل خطوات أقدامنا .. صوّرت لنا القلوب على اختلاف نزعاتها، وتنوعّ أهدافها من الكسب، فإذا منها الآثم الذميم الذي تحرّكه شهوة الطغيان والعدوان، أو نزعة العبث والإسراف، أو حبّ التنافر والتكاثر!
وإذا منها الغافل الذي لا يعنيه إلا حظ نفسه من المتاع المباح .. وإذا منها الراشد النبيل، الذي يتطلّع إلى أوسع الآفاق وأسمى الدرجات، يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة ولا ينسى نصيبه منها!
هكذا قبل أن نسعى لطلب أرزاقنا .. عرفنا في أي طريق نضع أقدامنا، ومتى وصلنا إلى حقل العمل .. وقبل أن نكدح فيه بأيدينا وأذهاننا، عرفنا كيف نوجّه قلوبنا ونيّاتنا .. وسيلة مشروعة أو غاية مبرورة!
أدبان نقتبسهما من القرآن الحكيم .. هل بقي وراءهما شيء من آداب الكسب؟
نعم، فما تلك إلا وصيّة أوّل الطريق .. وإن طريق الكسب طويل متشعّب، قد يمتدّ بامتداد الأجل، وقد يتعرّج بتعاريج القوة والضعف واليأس والأمل .. ذلك أن للجهد فترات وله نزوات، وأن للحظ إقبالًا وإدبارًا، وللقلب في كلتا الحالين تقلّبات .. أفتتركنا هداية القرآن عند أول الطريق، وتدعنا نهبًا لما يصادفنا فيه من هذه العوامل المختلفة، ليعالجها كل امرئ منا بوحي ساعته أو ميزان طبعه ومزاجه؟!
حاشا لله الرحمن الرحيم: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]!
ألا فقد رسم القرآن الحكيم لنا منهج السير الحكيم بإزاء هذه التطوّرات في جهودنا البدنيّة، وبإزاء هذه التقلّبات في حالاتنا النفسيّة!
[ ٣ / ٨٠٣ ]
أما جهودنا البدنّية، فإنه يحارب منها طرق فترتها ونزوتها، ويكافح فيها حدّي رخاوتها وحدّتها!
هل رأيت أولئك المترفين الذين يشكون الكلال والملل من ساعات يسيرة يقضونها في العمل؟!
أولئك الذين يعملون قليلًا ويلهون طويلًا؟!
أولئك الذين إذا عملوا مسترخين متهاونين، غير جادّين ولا مجيدين؟!
ولذلك لم يجدوا مطلبهم في مكانهم .. لم يجمعوا في أنفسهم همّة تبعثهم على النقلة إليه والرحلة في طلبه!
هؤلاء جميعًا يقبل القرآن الحكيم عليهم جميعًا .. فيبعث فيهم راكد الهمّة، وينفخ فيهم روح السعي والإقدام .. ويوقظ فيهم باعث الإجادة والإتقان: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [التوبة: ١٠٥]!
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]!
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ١٠)!
وهل رأيت في الطرف المقابل أولئك الكادحين المنهومين المتكالبين، الذين استمرؤوا الدنيا والنفع والمادة فاستعبدتهم، وأنفقوا فيها ليلهم ونهارهم، ووهبوها همّتهم وقوّتهم؟!
[ ٣ / ٨٠٤ ]
إرهاق لا يعرف منهم رفقًا ولا استجمامًا .. وإلحاح لا يحفظ لهم وقارًا ولا كرامة .. وتبذّل لا يبدو فيه أثر لنعمة الله عليهم .. واستغراق لا تأخذ فيه أسرتهم حظّها من الإيناس والمودّة، ولا عقولهم حظّها في الثقافة، ولا نفوسهم حظّها في المتعة البريئة، ولا أرواحهم من الصلة بالمثل العليا!
ألا تراهم! قد يسمعون داعي الله إلى مناجاته وهم عنها لاهون، اشتغالًا بشؤون الوارد والصادر، وحساب الأرباح والخسائر، كأن هذه اللحظات المعدودة التي قد يؤدّون فيها حق ربّهم، هي التي ستقلب الغنم غرمًا، وتحوّل الربح خسرًا، وما دروا أن الحقيقة ضد ذلك، وأن التقوى مفتاح خفي من مفاتيح الرزق، وأن الله لا يبارك عملًا مباحًا، إذا كان يلهي صاحبه عن واجبه!
ألا إن هذا مثل من الإسراف، الذي يعود به طلب المباح اشتغالًا بالحرام!
ألا إن هذا نموذج من العدوان الذي قال الله في شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (المائدة)!
نعم، إن على رأس هؤلاء المعتدين أولئك الذين يتوجه إليه القرآن الكريم بندائه القوي وإنذاره الشديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ (المنافقون)!
أما المؤمنون الصادقون فإنهم كما وصفهم الله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ (النور)!
[ ٣ / ٨٠٥ ]
هكذا وضع القرآن الكريم لنا أسلوب السعي والعمل، لا متوانيًا متراخيًا، ولا مجهودًا مكدودًا، ولكن أسلوب الجد القاصد الراشد، في تنظيم جهودنا البدنيّة، يكمله توجيه أعمق منه في تنظيم حالاتنا النفسيّة!
اختيار الكسب الصالح:
وما أعظم النعمة علينا بهذا القرآن الحكيم!! .. إنه قائدنا ما أحكم قيادته!! وهاد ما أكمل هدايته!!: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)!
تلك القيادة المثلى لا تخص طائفةً من الناس دون طائفة، ولا شأنًا من الحياة دون شأن، ولكنها هداية سابقة شاملة، والمؤمن يشعر بها وهي تلاحقه في كل خطوة، وتضيء له الطريق حيثما توجّه، حين يقدّر ويفكر، وحين يهم ويعزم، وحين يقضي ويحكم، وحين يكدح ويعمل، وحين يفرح أو يحزن، وحين يخاف أو يأمن، وصدق الله العظيم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ (النحل)!
لكل شيء، لأدب الدّين والدنيا، ولخير الآخرة والأولى!
وقبل أن يتوجّه المرء لالتماس رزقه ينادي القرآن الحكيم: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ (المائدة)!
وكانت تلك هي الوصيّة الأولى من وصايا الكسب، وهي طهارة اليد من السحت!
فإذا وضع المرء قدمه في طريق الكسب الحلال، وقبل أن يمضي فيه، وجد
[ ٣ / ٨٠٦ ]
القرآن الحكيم يحدّد له الأهداف الصحيحة في كسب المال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص)!
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (القصص)!
وكانت هذه الوصيّة الثانية طهارة القلب والنيّة متنزّهًا عن نزعات الفجور والأنانية!
فإذا ما وصل العامل إلى حقل العمل، طاهر اليد، نقيّ الصدر، لم يتركه القرآن وشأنه هنالك، بل سار إلى جانبه يتابع حركاته وسكناته، ويراقب فتراته ونزواته، فيشحذ من عزمه إذا وهي أو وهن، ويشدّ من أزره إذا ونى أو سكن .. !
اعمل فسيرى الله عملك .. اتق وأحسن .. !
كما يلطّف من شدته، ويحدّ من حدّته، إذا انهمك في السعي وأفرط، وطغى في جمع المال أو بغى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ (المنافقون)!
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (البقرة)!
هكذا بعد أن طهّر القرآن الحكيم في أول الطريق أيدي العاملين وقلوبهم، سدّد خطاهم في أثناء الطريق، ونظّم جهودهم!
[ ٣ / ٨٠٧ ]
وهداية القرآن للعاملين، وقيادته لخطاهم على طول الطريق لن تقف عند تنظيم جهودهم البدنيّة، ولكنها ستنفذ إلى ما هو أدقّ وأعمق .. إنها تتقصّى حركات نفوسهم، وتستمع إلى خفقات قلوبهم، وخلجات صدورهم، متتبّعة أطوار العمل لديهم، وتقلّبات الأحداث عليهم، فتصف لكل شكوى علاجها، ولكل نجوى جوابها!
كل عامل في هذه الحياة هدف لتقلّبات النجاح والإخفاق، والربح والخسارة، والنصر والهزيمة:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: ٣٥)!
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤٠)!
وقد فطر الإنسان ذا مشاعر وأحاسيس تصبّ في نفسه إما برد الرضى والسرور لما يناله من خير، وإما حرقة الحزن والألم لما يصيبه من أذى وحرمان!
أتدري ما مصير هذه المعاني، إذا تركت وشأنها تعمل في النفس عملها؟!
إليك صورة طبيعيّة لنفسيّة المخفق المهزوم، إذا لم تهد قلبه هداية القرآن، ولم تثبّته سكينة الإيمان .. إنه لو نظر في حاضره لم يجد إلا ضجرًا وألمًا لما يعانيه من نكد الإخفاق، ولو تلفّت إلى ماضيه لم يحسّ إلا حسرةً وندمًا على ما فاته من أخذ العدّة لتجنب هذا الإخفاق، ولو تطلّع إلى مستقبله لم ير فيه شعاعًا من الخير أو النور، وإنما هو ظلام قائم، وشؤم جاثم!
وهكذا يجد مسالك الحياة قد سدّت من بين يديه ومن خلفه، لا مخرج فيها ولا متنفّس .. أليس ذلك هو اليأس القاتل؟!
[ ٣ / ٨٠٨ ]
وانظر الآن إلى نفسيّة الفائز المنتصر:
إن موجة الفرحة بهذا النجاح الحاضر لتغمر حياته من شاطئها، إن نظر إلى أمسه نظمِ إليه معجبًا فخورًا، يقول:
ربِّ أكرمني إذا كنت أهلًا لهذا الإكرام، فقد أخذت للنجاح عدّتي، وما أوتيته من علمي وعملي، وإن نظر إلى غده نظر إليه بملء الثقة والاطمئنان، يقول: لن تبيد هذه النعمة أبدًا، وقد ذهبت السيئات عني إلى غير معاد .. أليس هذا هو الأمل الكاذب والغرور الفاتن؟!
هاتان صورتان نفسيّتان، تتعاقبان على قلب كل عامل، وهما على قلب طالب المال أكثر تعاقبًا وأشدّ تغلّبًا، ما لم يكن له من إيمانه عاصم!
فلنستمع إلى القرآن الحكيم وهو يعالج هاتين الظاهرتين!
لنستمع إليه حين يتوجّه إلى المخفقين المحرومين، وقد برموا بحاضرهم، وندموا على ماضيهم، ويئسوا من مستقبلهم!
ها هو ذا يمسح على صدورهم بكفّ الرحمة، فيبدّل حرارة الهمّ بردًا وسلامًا، ومرارة ندمهم رضىً ويقينًا: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ (البقرة)!
﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (آل عمران: ١٥٦)!
وقالوا: لو كان .. لكان .. إن هذه الحسرات لن تردّ ما فات: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (الحديد: ١٢٢)!
[ ٣ / ٨٠٩ ]
ثم ها هو ذا يفتح أعينهم على نور الأمل: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ (يوسف: ٨٧)!
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (الشرح)!
أما أولئك الذين تأخذهم نشوة الربح والنصر، حتى يأمنوا صروف الدهر، وحتى ينسوا ما مضى لهم من عسر الإخفاق والحرمان، فإن القرآن الحكيم لا يبرح يكشف الغطاء عن أعينهم، ليذكرهم بماضيهم القريب، وليحذرهم من مستقبلهم المطوي في حجب الغيب: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ (الأعراف)!
أم فرحوا بما أوتوا من العلم، واعتمدوا على ما بذلوا من الجهد، فنسبوا الفضل لأنفسهم، وأنكروا يد الله عليهم؟!
يا سبحان الله! ما أسرع ما ينسى الناس!
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (الزمر: ٨)!
كلاّ، أيها الناس، إنه ليس بالجدّ وحده ينال المرء، ورحم الله القائل:
إِذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: ٥٣)!
هكذا يدفع الله عن النفوس المؤمنة محنة اليأس القاتل، وفتنة الغرور الكاذب، ويبدّ لهم منهما أملًا قاصدًا، لا يبطره الظفر، ويفسده الإخفاق!
[ ٣ / ٨١٠ ]
وهكذا تكمل شرعة الهداية القرآنيّة للعاملين!
طهارة في اليد ونزاهة في القصد، وعزيمة صادقة قاصرة في بذل الجهد، ثم أمل صادق فيما يجيء به الغد!
آداب أربعة، يوصي بها الله كل كاسب، وكل عامل، فهل نتبع وصيّة الله؟!
نظام البذل والإنفاق:
وكما أوصانا القرآن الحكيم بالسعي في طلب الرزق أوصانا أن نقوم بإنفاقه وبذله .. بل أحسب أن وصيّته لنا بأولاهما ما كانت إلا تمهيدًا لوصيّته لنا بأخراهما!
أوصانا أن نحصل لكي نستطيع أن نبذل؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه!
وكما أن القرآن شرع للكسب قوانينه وآدابه، كذلك شرع للبذل قوانينه وآدابه!
غير أننا قبل أن نأخذ في عرض هذه القوانين والآداب نحب أن نشير إلى كنه فضيلة البذل التي يدعو إليها القرآن الكريم .. إنها تتمثل في حركتين، أو في حركة ذات اتجاهين:
حركة واردة هابطة إلى المركز!
وحركة صادرة صاعدة إلى المحيط!
حركة تعود بالمال إلى رب المال، متجهة به إلى جهة الإتعاب والاستمتاع الشخصي!
[ ٣ / ٨١١ ]
وحركة تتجه بالمال إلى غير صاحب المال، لتبذله في وجوه البرّ للآخرين!
هذه الحركة الثانية تبدأ في دائرة محدودة ضيّقة، ثم لا يزال يمتدّ قطرها، وينفرج محيطها، حتى تصبح أوسع الدوائر وأشملها!
تبدأ بالأسرة الخاصة الصغرى، حيث أضيق المسؤوليّات، وألزم التبعات، ثم تمتدّ أغصانها بامتداد القرابة والنسب، وتتشعّب أطرافها بتشعّب الصحبة والجوار واشتباك المصالح، واتساع العلوم وانتشار الأخبار .. حتى تصل إلى محيط الأسرة العامة الكبرى .. أسرة الإنسانيّة العالميّة، بعد أسرة الدّين والوطن!
هي إذن حقوق ثلاثة في أموالنا، تتقاضانا أداءها والقيام بها:
حق النفس!
وحق الأسرة!
وحق الجماعة!
فلننظر إلى هذه الحقوق الثلاثة في مرآة القرآن الحكيم، لنعرف مبلغ عنايته، ومدى اهتمامه بكل واحدة منها!
أتدري ماذا سوف نرى؟
سوف نرى عجبًا، بل أعجب العجب!
سوف نرى هذه الحقوق الثلاثة لا تأخذ من عناية القرآن نصيبًا متساويًا؛ بل يتفاوت حظها من هذه العناية تفاوتًا كبيرًا، وأن الذي يظفر من بينه بنصيب الأسد إنما هو حق الجماعة العامة، بينما حق الأسرة يتبوّأ منها مكانًا وسطًا!
[ ٣ / ٨١٢ ]
أما حق النفس؛ فإنه لا يحلّ منها إلا في أدنى المنازل!
أليس يأخذك هاهنا العجب؟!
أليس حق النفس أوجب؟! يليه حق الأسرة؟! الأقرب فالأقرب فلننظر!
الثلاثة في أموالنا، تتقاضانا أداءها والقيام بها:
العالميّة، بعد أسرة الدّين والوطن!
والنسب، وتتشعّب أطرافها بتشعب فروعها؟!
بلى، ولكن هذا هو وضعها في القرآن الكريم، على رغم أنف النفعيّة، الأنانية منها والعصبيّة، بل على رغم القواعد الفقهيّة، وظواهر الأدلة الشرعيّة!
أي والله! إن هذا هو وضع المسألة في القرآن الكريم، عرف الحكمة فيه من عرفها، أو جهلها من جهلها!
ألا فلنستمع إلى كتاب الله حين يتحدّث عن حق الانتفاع بالمال في حظوظ النفس المشروعة؟!
إنه قلما يتحدّث عن حق الاستمتاع بهذه الحظوظ؛ لأنه ليتحدّث عن هذا الحق -إذا تحدّث- حديثًا ليّنًا، لا حضّ فيه ولا تحريض، ولا إيجاب ولا إلزام، وإنما هو الإذن والرخصة في تناول هذه الحظوظ، ورفع الحرج والإثم عن متناولها!
أما حين يتحدث عن حقوق الأسرة، فإننا نسمع منه نبرة جديدةً، يصبّها في قالب الأمر الموجب الملزم .. ولكنها آيات معدودات، لو جمعت كلها لكادت تسعها صفحة واحدة من كتاب الله!
[ ٣ / ٨١٣ ]
وأما حق الجماعة في أموالنا، فحدّث عن البحر ولا حرج .. إن الحديث عنه يواجهنا في كل مكان من القرآن الكريم، في لهجة تشتدّ وتعلو، وتوجب وتحتّم، وتعد وتتوعّد، وتكرّر وتؤكّد!
يا سبحان الله!
ألم يكن حق النفس أولى بهذا التأكيد والتشديد؟!
أو لم يكن حق الأسرة أولى بأن يليه في الحضّ والتحريض؟!
وحق الجماعة البعيدة أولى أن يكون آخرها رتبةً وأبعدها منزلة؟!
إن الإنسان يأخذ بظاهر العلم، ويبني على بادي الرأي .. ولو أَتبع القرآن هداه، لكان كتاب تعليم وكفى، ولكن القرآن ليس خطابًا للعقول وحدها!
إنها خطاب للنفوس تربية وتهذيبًا، وللقلوب علاجًا وتطبيبًا .. فهل للطبيب أن يصف الدواء بغير داء؟!
والإنسان يقول: إن حق النفس أوجب .. وحق الأسرة إليه أقرب .. لقد صدق!
لكن باعث الطبيعة إليهما يسبق داعي الشريعة، وإن الطبيعة لأشدّ حرصًا على حق النفس منها على حق الجماعة .. فأيّ حاجة بنا إذن إلى الإلحاح على كل امرئ في أن يأكل ويشرب، وأن ينتفع بماله في سدّ حاجاته؟!
أليس داعي الجبلّة والغريزة قائمًا في كيان نفسه، يدفعه إلى ذلك دفعًا؟!
إن مهمّة التشريع الحكيم هاهنا ينبغي أن تنحصر في التنبيه على صدق هذا الداعي الجبلّي وسداده، على أن تدعه بعد ذلك يعمل هو في النفس عمله!
[ ٣ / ٨١٤ ]
فإذا انحرفت الفطرة بفعل البيئة أو الوراثة وجعلت تتحرّج وتتأثّم مما لا حرج فيه ولا إثم، فهنالك يجيء دور الشريعة في تصحيح الأوضاع المنحرفة، ورفع النظر الذي وضعته العادات السيئة، والعقائد الباطلة .. وهكذا نرى موقف القرآن الحكيم: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (المائدة)!
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ (الأعراف)!
وكذلك لمَّا كانت لحمة الرحم تجعل من أعضاء الأسرة كائنًا واحدًا، يشعر بشعور واحد، حتى كأن حياة أحدهم امتداد لحياة صاحبه، وكأن حاجة الآخر هي حاجة نفسه، لم يكن بالشريعة حاجة إلى أكثر من تغذية هذا الشعور وتنميته ما دام قائمًا، فإذا اضمحلّ هذا الشعور بتراخي حبال الرابطة الزوجيّة، وتفكّك عرا الأسرة، فهنالك يبرز سلطان القانون، ويرفع صولجانه!
وهكذا نرى الدعوة القرآنيّة إلى القيام بحقوق الأسرة، لا تأخذ طابع الشدّة والصراحة، إلا حيث يبدأ التفسّخ والتفكك في هذه الرابطة بالشقاق وبالفراق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: ٧)!
[ ٣ / ٨١٥ ]
فإذا جاوزنا حقوق النفس، وحقوق الأسرة، وانتقلنا إلى ذلك الميدان الفسيح، بل ذلك العقد المنفرط، إلى محيط الجماعة "الكبرى" الذي لا يسمع فيه صوت لغريزة البقاء الفردي، ولا صوت لغريزة البقاء النوعي، وإنما تُسمع فيه أصوات خافتة للبواعث النبيلة -دينيّة كانت أو إنسانيّة- فهنالك تشتد الحاجة إلى صوت قوي علوي، متجدّد متكرّر، يوقظ هذه المعاني النبيلة من هجوعها!
من أجل ذلك لا نزال نسمع صوت الدعوة القرآنيّة، إلى البذل والإنفاق في سبيل الله، يلاقينا حيثما توجّهنا في ثنايا الآيات وتضاعيف السور!
ثم نرى هذه الدعوة الرشيدة لا تكتفي بأن تجعل هذا البذل ركنًا من أركان الإيمان، ولا تكتفي بأن تجعل به للجماعة في أموال المؤمنين حقّين اثنين:
حقًّا معلوم الحدود والمقادير!
وحقًا آخر غير معلوم الحدود، تحدّده الضرورات النازلة، والحاجات المؤقتة، لإعانة العاجزين، وإغاثة الملهوفين (١)!
اختيار مادة العطيّة:
ونبصر القرآن الحكيم لم يكتف بأن وضع هكذا قانون البذل مفصّلًا، ولكنه أحاطه بسنن سنّها، وآداب شرعها!
ونبصر آداب البذل في اختيار مادة العطيّة، حيث طوى الحديث عن فريضة البذل نفسها، ولم يبق المجال مجال الدعوة إلى البذل والتحريض عليه، ولكن مجال التمييز بين أنواع البذل واختيار أحسنها!
_________________
(١) انظر كتابنا: المسؤوليّة الاجتماعيّة في الإسلام.
[ ٣ / ٨١٦ ]
ولن يكون حديثنا موجّهًا إلى الأشحّاء الكانزين الذين انحرفت فيهم غريزة حبّ التملّك، فأصبح المال عندهم غايةً لا وسيلةً، بل أصبح فيهم يخدم ولا يستخدم .. أولئك الذين يضنّون بالمال على أنفسهم، فلا يبدو عليهم، في مطعمهم وملبسهم، أو في مسكنهم ومركبهم، مظهر لهذه النعمة التي يحبّ الله أن يُرى أثرها عليهم!
وإنما كل السعادة في نظرهم أن يجمعوا المال جمعًا ويعدّوه عدًا، كأن زيادته ستمدّ في آجالهم مدًا!
كلا،ولن يكون حديثنا سوقًا إلى السفهاء المسرفين، الذين انحرفت فيهم نزعة الإنفاق، فجعلت أموالهم وقفًا على أنفسهم، ينفقونها مع قرناء السوء في متعهم الشخصيّة، تاركين أزواجهم وأولادهم وراء ظهورهم، يقاسون نكد العيش، ويكابدون ذلّ الحاجة، كأنهم عن هذه الرعيّة غير مسؤولين!
كلا، ولن يكون حديثنا مع المترفين، أولي النعمة الذين يغمرون بالرفاهية أسرهم، ولكنهم لا تمتدّ أبصارهم إلى أبعد من جيران بيوتهم .. أولئك الذين يأكلون من غير جوع، ويشربون على غير ظمأ، ثم يرفلون هم وأهلوهم في الحرير، ولا يمشون إلا على الفراش الوثير، ومن حولهم بطون طاوية، لا تجد طعامًا ولا شرابًا .. وأجساد عارية، لا تملك كساءً ولا غطاءً، فلا تهتزّ منهم عاطفة لمنظر هذا البؤس والحرمان، ولا تنبسط لهم كفّ بشيء يسدّ جوعة الجائع، أو يواري سوأة العريان!
ولكن حديثنا إلى المنفقين، الذين طهرت نفوسهم من داء الشحّ في مراتبه الثلاث:
[ ٣ / ٨١٧ ]
الشحّ على النفس!
والشحّ على الأسرة!
والشحّ على الجماعة!
نوجّه حديثنا إلى الباذلين، لنقول لهم:
إنهم وقد طهروا من عيب البخل، عليهم أن يتطهّروا من عيوب البذل، فإن للبذل عيوبًا، وأن يتأدّبوا بأدب الإسلام فيه، فإن للبذل في الإسلام آدابًا، فربّ بذل هو شرّ من البخل، وربّ عطاء خير منه الحرمان، كما صرح القرآن!
نعم، إن على الباذل -حين يبذل- أن ينظر في صفة ما يبذل، وفي قدر ما يبذل، وأن يعرف فيم يبذل، وكيف يبذل، ولم يبذل؟!
ثم عليه -في كل واحدة من هذه النظرات- أن يسترشد بهدي القرآن الكريم وتوجيهه الحكيم!
فلنبدأ بالتوجيهات القرآنيّة في انتقاء مادّة البر والعطاء!
كثير من الناس إذا انتخبوا عطاياهم -وبخاصة تلك العطايا التي تجمع بطريقة شعبيّة، لا يلتقي فيها المعطي والآخذ، ولا تعرف فيها شخصيّة المعطي ولا الآخذ، يختارونها من حثالة ما لهم، وسقط متاعهم، يخرجون من الثياب خشنها وغليظها، وباليها ومرقعها، ومن النعال مخصوفها وممزّقها، ومن الطعام ما بدا خبثه وغلثه، وسوسه وعفنه، مستبقين لأنفسهم أجود المال وأطيبه، يجعلون لله ما يكرهون، ولأنفسهم ما يشتهون!!
تلك نفسيّة لا تزال فيها بقيّة من شيمة البخل، تقصر بصاحبها عن رتبة البرّ، كما وصفه الله تعالى، أن نؤتي المال على حبّه، ونطعم الطعام على حبه!
[ ٣ / ٨١٨ ]
ألا نسمع إلى القرآن الكريم، حين يقول بصيغة الحصر: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢)!
والآن، فلننظر في مرآة القرآن، إلى تلك النفسيّة التي تسيء اختيار مادة البرّ والإحسان، إنها في حكم القرآن نفسيّة تستمدّ وحيها من نظرتين خاطئتين:
نظرة استهانة بشأن الآخذ!
ونظرة استئثار ومحاباة لشخصيّة المعطي نفسه!
فالذي يمنّ بالرديء، ويضنّ بالجيد، ينظر إلى الفقراء والمعوزين، فيتراؤون له -من خلال خياله- كأنهم قطيع من الحيوان، حفاة عراة جياع، يسدّ جوعهم أدنى طعام، ويستر عورتهم أحقر كساء؛ بل إنهم لا يطعمون في أكثر من لقمة وستر .. أليس شيء خيرًا من لا شيء؟!
هكذا ينظر إلى الناس من عليائه، نظرة استهانة وبطر، ثم ينظر إلى نفسه، نظرة حرص وحذر، يقول في نفسه:
كيف أوتي الفقير جيد طعامي ولباسي، لأصبح بحاجة إلى بدلٍ منها؟! أأُغنيه وأُفقر نفسي؟!
هذه النظرة الخاطئة بل هذه العقليّات المريضة، يصفها القرآن الحكيم أدقّ وصف، ثم يبطلها، ويعمل على استئصالها!
أما نظرة الحذر والخوف من الفقر، فإن القرآن يصفها بأنها نزغة شيطان، ثم يمحوها من نفس المؤمن بذلك الوعد الكريم، إن الله سيرزق المنفق خلفًا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ (البقرة)!
[ ٣ / ٨١٩ ]
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺقال: "ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إِلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط مُنْفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم! أعط مُمْسكًا تلفًا" (١)!
وأما تلك النظرة المستكبرة المستقلّة، فإن القرآن الحكيم يبدّلها نظرة مؤاخيةً، مواسيةَ مساويةَ: يا صانع المعروف، لا توازن مواضيع صنيعك بأنفسهم، ولكن وازنهم بنفسك!
إنهم إخوتك، منزلتهم منزلتك، قدّر في نفسك أن الذي تمنحه لهم، قُدِّم منحةً لك!
أكنت ترضى أن تأخذ الرديء الدنيء؟!
ألست إن أخذته على استحياء لا تأخذه إلا مغمضًا عينيك عن القذى والأذى؟!
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ (البقرة)!
يا صانع المعروف، افتح عينيك، وامح الغشاوة عن ناظريك، أتظن حين تضع صدقتك في يد الفقير، أنك تضعها في يد الفقير نفسه؟!
_________________
(١) البخاري: ٢٤ - الزكاة (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠)، وأحمد: ٢: ٣٠٦، والبيهقي: الشعب (١٠٧٣٠)، والآداب (٩٥)، والبغوي (١٦٥٧)، والنسائي: الكبرى (٩١٧٨)، وابن حبان (٣٣٣٣).
[ ٣ / ٨٢٠ ]
كلا، إنها تقع في كفّ الرحمن!
إنك تقرض الله بها قرضًا حسنًا!
أفلا تستحيي أن تقرض الله أردأ ما أعطاك، وتضنّ عليه بأجود ما أولاك؟!
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ (التوبة)!
مقدار العطاء:
وهل في القرآن الحكيم توجيهات معيّنة عن مقدار العطاء، كما كان له توجيه معيّن في اختيار صنوف العطاء والتزام جودته؟
وهنا نبصر القرآن في دعوته إلى البذل لم يحرّض الناس يومًا ما على إنفاق المال كله، ولم يدع الغنيّ تأخذه الرأفة على الفقير إلى حدّ نسيان نفسه .. ولو فعل لكان ذلك تحويلًا للثروة من يد إلى يد، ونقلًا للبؤس من جانب إلى جانب .. ولم يكن ذلك هو الإرشاد الحكيم إلى حسن توزيع الثروة بين الأمّة، والتقريب المعقول بين طبقاتها .. وكيف يشجع الإسلام على الفقر، وهو يريد أن يمحو الفقر؟!
أم كيف يقول الأغنياء إلى ذلّ السؤال، وهو يريد أن تكتسب العزّة لجميع المؤمنين؟!
أم كيف يمهّد لأحد سبيل الغنى؟! وهو يدعو إلى الحياة الطّيبة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (النساء: ٢٩)!
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)!
[ ٣ / ٨٢١ ]
يروي البخاري وغيره عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنىً، وابدأ بمن تعول" (١)!
وكلمة الإنفاق من المال غير محدّدة المعالم؛ إنها تتناول القليل، بل أقل القليل، فهل كل عطاء ولو قلّ يحقّق الباذل البرّ؟! ويخلي من تبعة البخل؟!
كلا، ألا نستمع إلى قول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ (النجم)!
هاهنا إذن طرفان ممنوعان؛ لا قلة شحيحة تقصر عن المدى، ولا كثرة سفيهة تقلب الأوضاع، وتسيء إلى ميزان التوزيع .. ولكن وسط بين ذلك!
وما هو القدر الوسط، الذي يحبّه الله ويرضاه؟!
هلا وضع الإسلام في ذلك حدًا يخرج الناس من حيرتهم، وينقذهم من خداع أهوائهم، وسوء تقديرهم؟!
هاهنا يتجلّى نور الهدي النبوي؛ ليبيّن للناس ما نزّل إليهم .. ويضع مقياسين اثنين للحد الأقصى من الصدقات، مقياسًا في ثروة المتصدّقين، ومقياسًا في حاجة المعوزين!
_________________
(١) البخاري: ٢٤ - الزكاة (١٤٢٦)، وانظر (١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦)، وأحمد: ٢: ٢٣٠، ٤٣٥، والنسائي: ٥: ٦٢، والبيهقي: ٤: ١٧٧، وابن أبي الدنيا: العيال (٧)، والخطيب: التاريخ: ٨: ٤٨١ - ٤٨٢، وأبو نعيم: الحلية: ٢: ١٨١، وابن أبي شيبة: ٣: ٢١٢، والدارمي (١٦٥١)، وابن حبان (٤٢٤٣). والظهر -كما قال الخطابي-: أعلام الحديث: ١ - ٧٦٣ قد يزاد به في مثل هذا إشباعًا للكلام .. والمعنى أن أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله، بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية لأهله وعياله، ولذلك يقول: "وابدأ بمن تعول"!
[ ٣ / ٨٢٢ ]
مقياسان كل منهما قائم بنفسه .. مستقل تمام الاستقلال عن صاحبه!
أما المقياس الأول، فإنه يخصّ المقتدرين، ولو امتدادًا نسبيًا متواضعًا، إنه يعني كل من بلغ ماله نصابًا معيّنًا في وقت معيّن!
تلك هي فريضة العشر، أو نصف العشر، في الزروع والثمار عند كل حصاد!
وفريضة ربع العشر من الذهب والفضة في كل عام!
إلى مقادير معيّنة من بهيمة الأنعام في كل حول!
ذلك هو الحق المعلوم الذي أشار إليه القرآن الحكيم في قوله -جل شأنه- في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج)!
وحدّده الهدي النبوي (١) .. نسب لا تختلف باختلاف الحاجات شدّة ولا ضعفًا، ولكنها تؤدّى على كل حال، إلى الدولة نفسها لتتولى صرفها في الوجوه الخاصة أو العامة التي حدّدها الكتاب الحكيم!
وأما المقياس الثاني، فإنه لا يحدّ بنصاب، ولا زمان، ولا مقدار .. إنه يدور على محور الضرورات النازلة، والحاجات المتجدّدة، ويقدر بقدر كل واحدة!
أمام هذه النوازل، ليس لأحد أن يقول:
لقد أدّيت ما عليّ من الزكاة المفروضة، فلتؤدّ الدولة ما عليها!
_________________
(١) انظر: فقه الزكاة.
[ ٣ / ٨٢٣ ]
إن الدولة مهما تتسع مواردها، ومهما تتفتّح عيونها، لا تقف على كل حادثة، ولا تسمع كل استغاثة!
أفنترك الجائع الذي لا يجد ما يسدّ رمقه؟!
والعاري الذي ليس عنده ما يستر بشرته؟!
والضائع الذي لا مأوى له؟!
والجريح الذي ينزف دمه؟!
والمريض يمتد مرضه؟!
حتى تفطن لهم الدولة، وتؤدّي واجبها نحوهم؟!
لقد عرف (الدّين القيّم) لهؤلاء جميعًا حقّهم، فجعل معونتهم في عنق من اطّلع على حاجاتهم .. فإن أعرض عنهم فهو آثم، وإن أعطى دون ما يكفيهم فهو آثم، إلا أن يعجز عن الكفاية؛ فعليه حينئذ أن يستعين بغيره لإحياء هذه النفوس البائسة وإسعافها وإنقاذها: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣٢)!
من هذين الواجبين:
واجب الزكاة المفروضة!
وواجب الإغاثة عند الطوارئ!
يتألف الحدّ الأدنى للبرّ في الإسلام، فمن أداهما جميعًا فقد برئ من إثم الشحّ، وتطهّر من رجسه، ولو بقيت له الألوف المؤلفة، والقناطير المقنطرة!
[ ٣ / ٨٢٤ ]
فقولنا هذا، هو الحدّ الأدنى، ولكن فوقه درجات متصاعدة، رسمها الإسلام، وندب إليها القرآن!
أدناها: ألا يمسك المرء إلا حدّ كفايته، وقدر حاجته هو ومن يعوله، ثم يعمد إلى ما زاد عن هذه الكفاية، فينفقها في التوسعة على الآخرين .. إلى هذه الدرجة السنيّة، يشير القرآن الحكيم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: ٢١٩)!
المرتبة الثانية: وهي الدرجة الوسطى: ألا يستأثر على الناس بشيء من ماله، بل يعد نفسه شريكًا لهم كواحد منهم، لهم في ماله مثل ما له فيه، ولا سيما في أيام المسغبة، وإلى تلك الرتبة الإشارة بقوله عظمت حكمته:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)!
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١)!
المرتبة الثالثة: وهي أعلاها، أن يؤثر أخاه على نفسه، من دون أن يلقي بيده إلى التهلكة .. تلك هي الدرجة العليا، تسمو إليها الأرواح القدسيّة: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر)!
فلينظر المؤمن أن يضع نفسه من هذه النازل كلها!
وليعلم أن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها!
وجوه البذل:
وبعد أن وصّانا القرآن الكريم بالبر والإحسان، رسم لنا الخطة المثلى، التي افترضها الله علينا في هذا الإحسان، فأمرنا أن نتخيّر مبرّاتنا من أطيب أموالنا
[ ٣ / ٨٢٥ ]
وأحبّها إليه، لا من أبخسها وأهونها علينا .. ثم لم يترك لنا الخيرة في تقدير الجزء الذي نبذله؛ بل أشار إلى تحديد الحدّ الأدنى منه بحدّين نسبين: حدّ يتبع مقادير أموالنا قلة وكثرة، يتصاعد بتصاعدها!
وحدّ يتبع ضرورات الناس وحاجاتهم، ويقدر بقدرها!
هكذا تبيّنت لنا حدود الواجب في البرّ، سواء من حيث رتبتها وجودتها، أو من حيث مقدارها وكميتها!
وبقيت جوانب أخرى من هذه المبرّات، جديرة بالبحث والبيان!
ولنتذكر قبل كل شيء أن القرآن الحكيم، حين دعانا إلى بذل المال في وجوهه المختلفة، على النفس وعلى الأسرة، وعلى من وراء ذلك من أبناء الأمّة، لم يسوّ بين هذه الأنواع الثلاثة في أسلوب دعوته، ولكنه اختصّ هذا التصرّف الثالث -أعني شؤون المجتمع- فوجّه إليه جلّ عنايته، وجعله وحده هو عنوان الطهر، ومعيار التزكية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣)!
فمن كانت نفقاته محصورة في نطاق حاجاته وحاجات أسرته، ولمن بذل فيهما عن فيض وسعة، فإنه في نظر القرآن، لا يزال منغمسًا في حمأة الفرديّة والأنانية، ولن يستحق منه لقب الطهر، حتى يخرج حاله عن هذا النطاق المحدود، وحتى يدخل به في محيط الأسرة الكبرى!
هذه الدعوة العامة إلى كل ذي فضل، أن يمدّ بساط فضله خارج نطاق أسرته!
[ ٣ / ٨٢٦ ]
ترى، كيف كنا نفسرها، لو أن الإسلام وقف في بيانها عند هذا الحدّ المجمل؟!
حسبنا أن نلقي نظرة على أخبار الكرم والكرماء، في كل زمان، بل حسبنا أن نلقي نظرة على أساليبنا العصريّة في الدعوة إلى ولائمنا ومآدبنا، ومظاهر توسّعنا في شتّى الملابسات، ألسنا -حين نفكّر في هذا التوسّع الكريم- يتّجه تفكيرنا إلى من هم على شاكلتنا، من الخلطاء والأصدقاء، أو إلى من نعرف من النابهين والكبراء، ناسين أو متناسين من هم دوننا، ومن هم أحق ببّرنا، من الخاملين والضعفاء؟!
ألسنا -في الأعم الأغلب- نطعم المطعومين، ونحرم المحرومين؟!
فلو تركت لنا الخيرة في أسلوب نشر البرّ، ألا تكون هذه الصورة هي أقرب الصور إلى أذهاننا، وأدناها إلى تحقيق فضيلة السخاء في نظرنا؟!
ولكن الله كان أرحم بالأمّة، من أن يكل شريعة برّها إلى حكم كل امرئ في نفسه، بل كان أرحم بها من أن يكتفي في تشريعها ببيان من رسوله ونبيّه - ﷺ -، فسجّلها في كتابه محكمة مفصّلة، جامعة مانعة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (التوبة)!
ثمانية أبواب، حدّدت حاجات الأمّة ومطالبها الرئيسية وفصّلتها تفصيلًا، تناولت به أهمّ شؤون الأمّة، وأهمّ شؤون الدولة، وقالت للباذلين والمنتفعين:
هاهنا فلتولّوا وجوهكم! هاهنا فلتضعوا فضل أموالكم، سدًا لتلك الحاجات، وتحقيقًا لتلك المطالب!
[ ٣ / ٨٢٧ ]
ثمانية أبواب، يكفي أن نطلع على بضعة منها، لنعرف كيف اتخذ القرآن الحكيم من هذه الفريضة الاجتماعيّة، أساسًا لبيان قومي مثالي، يجمع إلى عناصر القوة والحرمة عناصر الحياة السعيدة، والعيشة الرغيدة!
نعم، يريد الله بهذا التشريع، ألا يكون في بلاد الإسلام فرد واحد إلا وله مسكن يؤويه، وأثاث يرتفق به في مسكنه، وله كسوة للشتاء والصيف، وله مركب وخادم إن عجز عن السعي بنفسه، وعنده فوق ذلك ما يكفي لقوته سنة كاملة!
فمن أعوزه شيء من ذلك، فهو في نظر المحقّقين من الأئمة فقير، له علينا الحق في رفعه إلى هذا المستوى!
فإن لم تف حصيلة الزكاة بإبلاغه إلى هذا الحدّ الأدنى، وجب علينا في حلّ أموالنا، ما نوفر له به هذه المرافق الضروريّة، ثم ما يوفر له قوته أولًا، بتهيئة عمل له، يتكسّب به يومًا بيوم!
فهذا هو سهم الفقراء والمساكين!
ثم يريد الله، ألا يكون في بلاد الإسلام، مدين يرهقه الدَّين -الذي استدانه في حلال- ولم يجد له وفاء، أو مدين يثقله دين تحمّل به في برّ الغير، ولو كان عنده وفاء به، بل علينا أن نؤدّي عن المدينين ما يقضي دينهم!
وهذا هو سهم الغارمين!
ثم يريد الله، ألا يكون ببلاد الإسلام غريب، انقطعت به الأسباب عن بلده وماله، إلا آويناه وأرفقناه، وزودناه ما يبلغه موطنه!
[ ٣ / ٨٢٨ ]
وذلك هو سهم ابن السبيل!
ثم يريد الله، ألا يكون تحت يد المشركين أو غيرهم أحد من المسلمين يرسف في قيد الأسر، أو يرزح تحت نير الاستعباد، إلا افتديناه وفككنا إساره، ورددنا إليه حريّته!
وذلك هو سهم الرقاب!
وأخيرًا، يريد الله لدولة الإسلام، أن تكون قويّة الشوكة، عزيزة الجانب، ولذلك افترض علينا في أموالنا ما نمهّد به أسباب قوّتها، وحماية حوزتها!
وذلك هو سبيل الله، أو هو على أبواب سبيل الله!
أرأيت؟ بعد أن وصّانا القرآن الحكيم بالبرّ والإحسان، كيف نظّم لنا طرائق البرّ والإحسان؟
وكيف جعل من هذه الفريضة الاجتماعيّة، بناءً لأمّة مثاليّة، ودولة مثالية؟
ذلكم هو حكم الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (المائدة)!
أسلوب البذل:
حقًّا، ما أحكم نظرة القرآن الكريم إلى معنى البرّ والإحسان!
وما أعمق وما أرفق نظرة هذا القرآن إلى كرامة الإحسان المستحق للإحسان!
وليس الشأن كل الشأن عند الله، في أن ننتخب مادة العطاء ونحسن اختيارها!
[ ٣ / ٨٢٩ ]
وليس الشأن كل الشأن في أن نجزل العطيّة وتوفي مقدارها!
وليس الشأن كل الشأن أن نحسن توزيعها ووضعها في مواضعها: إغناءً للفقير، وإيواء للغريب، وتحريرًا للرقاب، ودفاعًا عن الملّة والدولة!
كل ذلك لا شك جميل، بل كل ذلك واجب محتوم وصّانا به القرآن، وشدّد علينا في الوصّية!
ولكن هذه الوصايا كلها -في جملتها وتفصيلها- ليست إلا شيئًا يسيرًا، إذا قيست إلى العنصر الإنساني، الذي اشترطه القرآن في أسلوب البذل وطريقته!
ذلك هو واجب التلطّف في الأداء، رفقًا بشعور المستحقّين، وصونًا لماء وجوههم، وإبقاءً على عزّتهم وكرامتهم!
نعم، إن الله يرضى منك أن تقضي حاجة المحتاج، ولا يرضى منك أن تجرح شعوره بعطيّتك، أو تمتهن كرامته بقولك أو بفعلك أو بإشارتك، لا قبل العطاء، ولا حين العطاء!
أرأيت إن وضعت منحتك في كفّ الفقير وأنت تنظر إليه، أو تقول له نكرًا؟!
أرأيت إن استكثرت عليه عطيّتك، أو تمنيّت لو أنك أخرت شيئًا منها لنفسك؟!
أرأيت إن استشعرت الفضل عليه، بمالك من اليد العليا، أو أشعرته بموقفه الضارع المستكن؟!
أرأيت إن ذكّرته -ولو بعد حين- بما أسديت إليه من برّك، ومنحته من معروفك؟!
[ ٣ / ٨٣٠ ]
ترى، هل يبقى لك بعد ذلك شيء من الفضل؟!
أم هل تطمع عند الله في شيء من الأجر؟!
هيهات!! لقد أضعت بذلك عملك هباءً، وكنت أنت ومانع الخير سواءً، بل لعل البخل كان خيرًا بذلك، والحرمان أفضل من إحسانك .. فإن كنت في شك من هذا فاقرأ قول الله -﷿-: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ﴾ (البقرة: ٢٦٤)!
إنما الفضل والأجر لمن أنفق نفقته طيّبة بها نفسه، عفيفًا فيها لسانه، مكفوفًا عنها منّه وأذاه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ (البقرة)!
والقرآن الحكيم بعد ذلك لا يكتفي منا بهذا الموقف!
إنه يصف لنا المؤمنين الصادقين، أكرم طبعًا، وأشدّ تواضعًا، من أن يقفوا مع المسكين على قدم المساواة!
إنه يصوّرهم لنا خافضي الجناح، متطامني الظهور، كأنهم يعدّون الفقير صاحب الفضل في قبول برّهم، وفي إتاحة الفرصة لهم لينالوا رضوان الله، فتراهم في ساعة بذلهم أشدّ منه خضوعًا، وأعظم خشوعًا!
إنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ (المائدة)!
[ ٣ / ٨٣١ ]
﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ (المؤمنون)!
يروي الترمذي وغيره بسند صحيح عن عائشة -﵂ قالت (١): سألت رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾! قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون ويُصلّون ويتصدّقون، وهم يخافون ألا تُقْبل منهم: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: ٦١)!
ولقد ضرب الله لنا في كتابه العزيز مثلًا من صنيع أصحاب رسول الله - ﷺ - حين قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (الإنسان)!
وكانوا مع ذلك يقولون: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ الله شرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ (الإنسان)!
هذه الوصيّة الواجبة على المتصدّقين، أن يتّخذوا في عطائهم ذلك الأسلوب الرحيم الكريم، لخجل الرجل الخاضع المتواضع، يضيف القرآن الكريم إليها وصيّة أخرى غير ملزمة، ولكنها يزداد بها الإحسان إحسانًا، وتزيد بها كرامة الفقراء حفظًا وصونًا!
_________________
(١) الترمذي (٣١٧٥)، والحميدي (٢٧٥)، وأحمد: ٦: ١٥٩، ٢٠٥، وابن ماجه (٤١٩٨)، والطبري: التفسير: ١٨: ٢٦، والحاكم: ٢: ٣٩٣، والبغوي: التفسير: ٦: ٢٥، والمزي: تهذيب الكمال: ١٧: ١٤٦.
[ ٣ / ٨٣٢ ]
تلك هي وصيّة الإسرار بالصدقات، وإخفائها عن أعين الناس، بعدًا يباذلها عن بواعث الفخار والرياء، وبعدًا بأخذها عن عوامل الخجل والاستحياء، حتى إنها كلما خفي مكانها، ازداد عند الله ميزانها!
أليس أحد السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّ عرشه يوم القيامة رجل أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه؟!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إِلا ظله: الإِمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة ربّه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إِني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم بشماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه" (١)!
فإذا كان القصد من إعلانها، إثارة باعثة الخير عند الغير، وفتح باب الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، لكي يستن الناس بسنته، فيكون حظ المحتاجين أوفر بهذا التعاون على البرّ، فلا بأس بهذا الإعلان!
كما أنه إذا كان يخشى من دوام إخفائها التعرّض لسوء الظن، وفتح باب التهمة الباطلة، فلا بأس كذلك بأن يعلنها على قدر ما تزول به الريبة، ولا سيما في الصدقات الواجبة!
_________________
(١) البخاري: ١٠ - الأذان (٦٦٠)، وانظر (١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦)، ومسلم (١٠٣١)، وأحمد: ٢: ٤٣٩، وانظر: الترمذي (٢٣٩١)، وابن خزيمة (٣٥٨)، والطحاوي: شرح المشكل (٥٨٤٦، ٥٨٤٧)، والبيهقي: ٤: ١٩٠، ٨: ١٦٢، وابن حبان (٤٤٨٦).
[ ٣ / ٨٣٣ ]
أما إذا لم يكن هنالك باعث صحيح من هذه البواعث وأمثالها، فإن الإسرار بها أكمل وأفضل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١﴾ (البقرة)!
بواعث البرّ والإحسان:
وهل وقفت وصايا البّر عند هذا الحد؟!
هل ينال بالصدقة رضوان الله كاملًا، متى استكملت هذه العناصر فحسب؟!
كلا، لقد بقي عنصر أنفس وأقدس من تلك العناصر كلها!
عنصر لو سلم لها من أول الأمر لسلمت سائر العناصر، ولو بطل أو فسد لحبطت سائر العناصر!
عنصر لا يتصل بمنبع العطاء، ولا بأحقيّته، ولا بمقدار أسلوبه!
عنصر ليس ماديًّا، ولا اجتماعيًّا، ولكنه معنوي نفساني، يسكن في أعماق صدورنا، يدفعنا إلى العدل، وتتحرّك همّتنا إليه، ذلك هو عنصر الباعث أو النيّة، الذي تتحدّد فيه غايات الأعمال ومقاصدها، والذي يدور على ميزان القيم في نظر الخلق والدّين:
يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِن الله لا ينظر إِلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم " (١)!
_________________
(١) مسلم (٢٥٦٤)، وأحمد: ٢: ٢٨٤، ٢٨٥، ٥٣٩، والزهد: ٢٥٩، والبغوي: شرح السنة (٤١٥٠)، وابن ماجه (٤١٤٣)، وأبو نعيم: الحلية: ٤: ٩٨، وابن حبان (٣٩٤).
[ ٣ / ٨٣٤ ]
نعم، إنك لترى العمل، فتراه في ذاته عملًا مبرورًا، فإذا اطلعت على مقاصده وبواعثه، وجدته قد انقلب إثمًا وفجورًا، أو قد تحوّل شغلًا دنيويًّا مباحًا، لا برّ فيه ولا فجور!
من أجل ذلك كان حقًّا على المؤمن -قبل الإقدام على عمل ما- أن يلقي على نفسه هذا السؤال، وأن يلحّ على نفسه في طلب الردّ عليه:
ماذا تبتغين أيّتها النفس من هذا العمل؟!
فإذا ظفر منها بإجابة صحيحة صريحة، غير مخدوعة ولا خادعة، فليعرض هذه الإجابة على مرآة القرآن، وليختبرها بالمعايير التي وضعها القرآن، ليستبين بذلك قيمة عمله، بل ليستبين درجة ايمانه، بل لينكشف له جوهر نفسه، ومعدن روحه، فيعلم:
هل علوّية ربّانيّة هي، أم شيطانيّة ماردة، أم طينيّة باردة؟!
ولعله ليست هناك قضيّة عني القرآن بتحليل بواعثها، وتحديد قيمها، على ضوء تلك البواعث، أشدّ من عنايته بقضيّة البذل والإنفاق، وترتيب منازلها، برّها وفاجرها وما بين ذلك!
والتاريخ القديم والحديث للبشريّة مشحون بالمثل والصور التي ينطبق عليها حكم القرآن: هذا رجل من الناس يغمرك بكرمه، لتسكن إليه وتأمن قائلته، يبدي لك الخير والبرّ، ولكنه يضمر المكر والغدر!
حذار حذار! إنه يسمنك ليأكلك، ويستدرجك ليقتلك، كمثل اليهود، حين دعوا رسول الله - ﷺ - إلى طعامهم، وقد دسّوا له السم في اللحم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ (آل عمران)!
[ ٣ / ٨٣٥ ]
وهذا رجل آخر، يمنحك من فضله ونواله، لا ليكرمك، ولكن ليستعبدك ويستخدمك!
يحاول أن يشتري ضميرك وذمتك، أو لسانك وقلمك، أو يدك وساعدك .. فإن لم يكن يريد أن يضربك؛ فإنه يضرب بك، لا ليضرب بك عند الباطل، وينصر بك كلمة الحق، ولكن ليحارب بك الله ورسوله، ويصدّ بك عن سبيله، فتلك هي النفوس الشيطانيّة، التي وصف الله لنا أمثالها في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ (الأنفال)!
وطائفة من الناس تراها تنفق عن سعة، وتبذل عن سخاء، ولا تبتغي بأموالها شرًا، ولا تضمر لأحد غدرًا؛ ولكنها تخضع لشهوة خفيّة من حبّ الظهور، وطلب السمعة المحبّبة عند الآخرين، فذلك هو الرياء الذي وصفه الله لنا في كتابه المجيد، كيف يحبط الصدقات، كما تهلك النار الزروع والثمار: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ (البقرة)!
وطائفة أخرى تجعل مبرّاتها مقايضة ومبادلة، تسدّ بها دينًا سابقًا من الجميل والمعروف، أو تفتح بها دينًا جديدًا، تتقاضى فيه مكافأة، الحسنة بمثلها أو بأحسن منها .. !
[ ٣ / ٨٣٦ ]
هؤلاء وهؤلاء تجّار يستوفون أجورهم في هذه العاجلة، ولا يبقى لهم منها رصيد، في الآجلة!
وتلك هي النفوس الأرضيّة الطينيّة!
ألا ترى القرآن الحكيم حين وعد الله المتقين الوعد الجميل، اشترط أن تتجرّد صدقاتهم من هذه المبادلات والمعاوضات السابقة واللاحقة؟ هكذا يقول جل شأنه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ (الليل)!
ويقول: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ (الإنسان)!
أما النيَّة المثاليّة في الصدقات، فهي النيّة النقيّة المصفّاة من كل عوض، المتنزّهة عن كل غرض، وإنما يقصد بها وجه الله تعالى خالصًا، وتلك هي النفوس العلويّة الربانيّة، التي وصفها القرآن في غير ما آية:
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٢)!
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (النساء: ١١٤)!
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ (الليل)!
طهارة القلوب من الغلّ والحسد:
وهكذا كانت أول حملة تطهيريّة أعلنها القرآن الحكيم في مكّة -بعد حملته على الشرك والوثنيّة- حملته على ذلك الداء الاجتماعي الوبيل، داء تكديس الأموال وتجميعها، وحبسها من الانتفاع بها في وجوهها المختلفة، لخدمة الفرد والجماعة!
[ ٣ / ٨٣٧ ]
عشرات من السور المكّيّة، كان من أوائل أهدافها تليين تلك القلوب المتحجّرة، وحلّ تلك الأنامل المعقودة، تطهيرًا لها من وصمة الشح والبخل، وتحلية لها بحلية السخاء والبذل!
ثم لم يقصر القرآن دعوته على واجدي المال، مناشدًا إيَّاهم أن يبذلوه، ولكنه دعا كذلك فاقدي المال، أن يجدّوا ليكتسبوه ويبذلوه!
وبعد أن رأينا القرآن يضع أساس فريضة الكسب، وأساس فريضة البذل، رأيناه يرسم لكلتا الفريضتن آدابها ومناهجها، من حيث الوسائل والمقاصد، ومن حيث المصادر والموارد، ومن حيث المقادير والمعايير!
هذه الحملة الواسعة المنظمة، في مكافحة مرض الحرص والبخل، إنما كان هدفها ذلك النوع الذي يعرفه الناس باسمه، وهو ضنّ الإنسان الواجد بشيئه الذي في يده!
غير أن هناك نوعًا آخر، لا يعرفه الناس باسم البخل، وهو مع ذلك شر أنواع البخل، وأذلّ ضروب الحرص، وهو مرض يصاب به الغنيّ والفقير، والواجد والمحروم على السواء، ذلك هو ضنّ الإنسان بشيء غيره، وبما ليس في يده!
ماذا نقول؟!
هل يتصوّر في العقل أن أحدًا يضنّ بشيء غيره، وبما ليس في يده؟!
نعم! وهل الحقد والحسد إلا ذلك؟!
فالحسود لا يبخل على محسوده بما عنده فحسب، بل يكره أن تصل نعمة الله إليه، ولا يرضى أن ينزل الله من فضله عليه!
[ ٣ / ٨٣٨ ]
إنه عدوّ نعمة الله ورحمته، لو استطاع أن يمنعها عن الغير لمنعها، ولو رآها وصلت إليه لتمنّى زوالها، وسعى سعيه لتحويلها!
هذه النفوس الشحيحة الطبع، لو وكلت على خزائن الله؛ لأغلقت أبوابها دون خلق الله، أو لحوّلت قليلًا منها إلى من تشاء، وصرفته عمن تشاء!
هكذا وصفها الله في كتابه الحكيم: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ (الإسراء)!
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ (الزخرف: ٣٢)!
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون: ٧١)!
الحسود إذن ساخط على قضاء الله وقدره، غير راض عن حكمته في قسمته، وهذا أول باب من الكفر والمعصية ظهر في السماء، وأول باب من الكفر والمعصية ظهر في الأرض، حسد إبليس آدم، فأبى أن يسجد له، ثم حسد ابن آدم أخاه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ (المائدة)!
مثل الحاسدين أمام قافلة المقادير، كمثل الكلاب تنبح والقافلة تسير!
من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وقدر الله نافذ على الحالين، لن يرد حسن الحاسدين منه شيئًا، ولن يحول مجراه قيد أنملة!
الحسد إذن محاولة عابثة فاشلة، بل نقول: إنه حركة يائسة، ورمية طائشة،
[ ٣ / ٨٣٩ ]
تفضي إلى عكس مقصودها، ويرجع سهمها إلى نحو راميها، ذلك أنه لا يشفي غلة صاحبه، بل يزيد غلته، ويضاعف كمده وحسرته!
انظر إلى الحسود وهو يشعل نار الحسد، يحسب أنه يحرق بها غيره، وهو بها يحترق، ثم استمع إلى حركات أنفاسه، وهو يتابعها، يظن أنه ينفس بها عن صدره، وهو في الحقيقة يختنق!
ألا إن ذلك هو الانتحار البطيء!
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ (الحج)!
كلا، لن يذهب ما يغيظ، ولكنه يذهب نفسه، ويضحي بحياته:
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ (آل عمران)!
وترى الحاسدين في الناس رجلين، أحدهما أقل إجرامًا، وأيسر علاجًا من صاحبه: رجل يريد أن يسلبك نعمة هو فاقدها، لتتحوّل هذه النعمة عنك إليه!
ورجل يريد أن يسلبك هذه النعمة، ولو كان عنده مثلها أو أضعافها، ولم يتحوّل إليه أوفى نصيب منها!
أما الفئة الأولى، فإن مطلبها الأعظم هو خير نفسها، ولكنها أخطأت السبيل، فالتمسته من طريق حرمان غيرها، حسنت مقصدًا، وساءت وسيلةً!
وأما الفئة الأخرى فقد جمعت بين الرذيلتين: إنها تطلب الشر للغير، ولو لم يصل إليها منه خير، إنها تبغي الشر للشر، قبحت مقصدًا، وساءت سبيلًا!
كيف نطهّر النفوس من هذا المرض بنوعيه؟!
[ ٣ / ٨٤٠ ]
هلم بنا إلى منهل القرآن الحكيم، نغترف منه مادة التطهير!
ولنبدأ بالنفوس التي هي أقبل للدواء، وأدنى إلى الشفاء، تلك النفوس المتعطشة إلى رزقها، ولكنها في طلبها لهذا الرزق، كانت ضيّقة الأفق، قصيرة النظر، قليلة التبصّر والحذر، فأخذت تقتحم الأسوار الممنوعة، وترتع في الحمى المحرم، تزاحم أرباب الحمى بمناكبها، وتدوسهم بأقدامها، تريد أن تطردهم من دارهم، وأن تأخذ هي مكانهم!
فلنسمع إلى صوت الهدى، وهو يناشدها ليردّها إلى الطريق السوي:
أيتها النفوس الشرود!!
لفتة يسيرة، ترى أنك تقحّمت المضيق، وتنكّبت الطريق، تاركة وراءك الآفاق الفساح، والرزق الهنيء المباح!
أحسبت أن رزق الله قد ضاق حدوده، وانحصرت موارده في هذا الذي بأيدي الناس؟!
كلا، إن أرض الله واسعة، فاسلكي سبلها ذللًا، وإن سماء الله أوسع، فأوسعيها رجاءً وأملًا!
أيها الناس: لقد أبدلكم الله بهذا الطريق الضيّق الموحش، طريقين اثنين واسعين آمنين!
دعوا إذن هذا التشهّي والتمنّي لما في أيدي الخلق!
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾!
ولكن دونكم ميدان الكسب والعمل، ففيه متسع للسالكين!
[ ٣ / ٨٤١ ]
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْن ﴾!
ثم دونكم قبلة الرجاء والأمل، ففيهما متسع للسائلين: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ (النساء)!
طهارة القلوب المنحرفة:
للناس قلوب .. وقلوب .. قلوب مؤتفكة منقلبة .. وقلوب منحرفة كثيرًا .. وقلوب منحرفة يسيرًا!
قلوب مؤتفكة منقلبة: تطلب الشرّ للغير، ولو لم ينلها منه خير .. إنها تحبَّ الشرّ للشرّ!
وقلوب منحرفة كثيرًا: تبتغي لنفسها الخير، ولو من طريق حرمان الغير، فالغاية عندها تبرر كل وسيلة!
وقلوب منحرفة يسيرًا: تحبّ لنفسها الخير مع الغير، ولكنها تحطّ جل نظرها عند الخير الأدنى، ولا تتسامى به إلى الخير الأعلى!
هاهنا إذن أزواج ثلاثة، في حاجة إلى الطبِّ والعلاج!
ومن اتخذ القرآن الحكيم إمامًا وهاديًا، فسوف يجد فيه الطبيب الذي يشخص الداء، والصيدلاني الذي يحضر له الدواء، من كل ما يشكو أو يحاذر!
فأما القلوب المؤتفكة المنقلبة، فتلك هي القلوب المظلمة القاتمة، المنطوية على بغض الخلق، وكراهية الخير لهم، تلك التي لا يعنيها نفع ذاتها، بقدر ما يعنيها ضرر غيرها .. راحتها وهناءتها في أن ترى نعمةً عنك مزالةً، أو محنةً إليك مجلوبةً، أو خيرًا عنك ممنوعًا، أو مصابًا بك نازلًا .. وغيظها وشجوها في
[ ٣ / ٨٤٢ ]
أن يصادفك حظ، أو يحالفك توفيق، أو ييسّر لك أمر، أو يرتفع لك ذكر، أو يساق إليك رزق، أو يجري على يديك نفع!
إن مرض هذه القلوب ليس هو الحسد فحسب، ولكنه مرض مركب، وما الحسد إلا إحدى شعبتيه، حسد في السراء، وشماتة في الضراء، فأصحابه أبدًا في همّ، مقيم ملازم، تسوؤهم مسرّتك، وتسرّهم مساءتك، إنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (آل عمران: ١٢٠)!
إن مرضهم ليس هو الحسد، ولكنه أصل الحسد ومنبته، إنه الغلّ والحقد والضغينة، والغلّ والحقد والضغينة أسماء مترادفة أو تكاد لتلك العداوة الكمينة، التي يمسكها صاحبها في صدره، ويتربّص بها الفرص المواتية، لتنفث سمومها، وترمى سِهامُها!
هل من شأن المؤمن أن يحتفظ بهذا الضغن لأخيه المؤمن؟!
أليس المؤمنون كما وصفهم الله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩)!
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤)!
وهل من شأن الإنسان أن يحتفظ بهذا الضغن لأخيه الإنسان؟!
كل بشر يحبّ ويكره، ويرضى ويغضب، ويوالي ويعادي، ولكن العاقل لا يوالي أحدًا جملةً، ولا يُعادي أحدًا جملةً، إنه يحبّ منه شيئًا ويكره شيئًا، يرضى منك عن خُلق ويسخط خُلقًا، يؤيّدك في رأي ويخالفك في رأي غيره، يحبّذ منك قولًا أو فعلًا، وينقم منك قولًا أو فعلًا آخر!
[ ٣ / ٨٤٣ ]
والعاقل يحبّ حبيبه هونًا ما، عسى أن يكون بغيضه يومًا ما، ويبغض بغيضه هونًا ما، عسى أن يكون حبيبه يومًا ما. فكما يجب علينا فيمن نحبّ ألّا نقلب عيوبهم محاسن، حتى نعدّهم خيرًا خالصًا، كذلك يجب علينا فيمن لا نحبّ ألا نقلب محاسنهم عيوبًا، حتى نتخذهم عدوًا خالصًا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨)!
لو كان في العالم مخلوق هو شرّ كله لكي يُعادَى، كان ذلك إبليس وحده، على أن إبليس قد يصدق وهو كذوب (١)!
فلو عادينا من أعماله شيئًا لعادينا صدقه لو صدق؛ لأنه ليس بصديق لنا!
ألا وإن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنّى وجدها!
ألا وإن العاقل حليف الحق، ينصر عليه، ويساعد صاحبه، أنّى كان!
هكذا يجب أن نتبيّن مواقع حبّنا وبغضنا في شأن معاملة أعدائنا، فما الظن بأوليائنا؟!
عجبًا، كيف يحمل المؤمن لأخيه ضغنًا وحقدًا، ويبيت له السوء، ويصرّ عليه، ويتربّص به الدوائر، ويبتهج بوصول الشرّ إليه؟!
فكأنه يأنس بخذلان أخيه، ووصول النقمة إليه، ولا يراعي الصالح، ولا يذكر أخوّة الإيمان، التي يشير إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)!
بل لا يذكر الأخوّة الإنسانيّة، التي ذكرها الله في كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (الأعراف: ١٨٩)!
_________________
(١) انظر: البخاري (٢٣١١، ٣٢٧٥، ٥٠١٠).
[ ٣ / ٨٤٤ ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء)!
ألا من أحسّ في صدره بشيء من الضغينة لأخيه المسلم، بغير جناية، أو لخلّة يسيرة بدرت منه قهرًا، ثم تاب عنها وأناب، فليبادر إلى معاملة نفسه بتوجيهات القرآن الكريم، وبهدي محمد - ﷺ -، فإن استعصى عليه الأمر، ولم تنجح فيه تلك المجاهدات النفسيّة، فليتوجّه إلى الله بقلبه ضارعًا وسائلًا إيّاه -جلّت قدرته- بأن يحول حاله إلى أحسن منها، فهو الذي علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان!
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر)!
طهارة القلوب من الشرّ والآنانية:
وإذا كنا قد عشنا في رحاب الآيتين الكريمتين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر)!
فإننا عرفنا الجانب المثالي، جانب العزيمة والتجرّد الخالص، وبقي الجانب العملي، جانب الرخصة والاستثناء!
وعرفنا أن الحقد هو جريمة القلوب المنقلبة، والنفوس المتنمّرة، التي تنطوي على العداوة والبغضاء، تمسكها وتصرّ عليها، ملتمسة لعدوّها كل مكروه وبليّة، محاذرة أن تجده في خير ونعمة!
وعرفنا أن الحسد إذا لم ينبت في أرض الحقد، فإنه ينبت في أرض الجشع
[ ٣ / ٨٤٥ ]
والطمع، وهو خطيئة القلوب المنحرفة، والنفوس الطفيلية النزعة، التي يسيل لعابها على الخير الذي في أيدي الناس، فتشتهيه وتتمناه لنفسها، ولو انتزاعًا من ملك غيرها!
هما إذن جرثومتان اثنتان، يكمن فيهما أصل الداء، تلك العداوة التي توحي بمعنى الشر للأعداء، وتلك الأنانية التي تسرف في حب الخير للغير!
فننظر الآن في مدى القدرة الإنسانيّة على التخلّص من الجرثومة الأولى، أعني نزعة الكراهية والبغضاء، هل في طاعة الفطرة البشريّة أن تتجرّد من هذه النزعة، تجرّدًا كليًّا، في كل حال؟!
هيهات .. دلني على واحد من البشر لا يكره ولا يعادي أقل لك: إنه إذن لا يحبّ ولا يوالي، وإنه إذن لا يحبّ الشرّ، بل حبّ الخير في طبعه .. فهو إذن يحبّ الحق والخير، وبالتالي يحبّ أهل الحق وأهل الخير ويواليهم، وهو إذن يكره الإثم والعدوان، ويكره أهل الإثم والعدوان ويعاديهم، ومتى كانت الكراهية والبغضاء تحدث على مبادئ وأسباب صحيحة، فإن من شأنها أن تستقرّ وتستمرّ، ما دامت أسبابها موجودةً، ومن شأنها كذلك أن تستتبع آثارها!
فكيف إذن يطالبنا القرآن بأن نمحو من قلوبنا البغض لكل أحد، حتى للمجرمين؟!
وكيف يحرم علينا إرادة الشر للشقيّ؟! وعدم الحبّ للأشرار والمعتدين؟!
وإن أخص ما تمتاز به وصايا القرآن أنها -مع سموها ونبلها- لا تتطلّب المحال، ولا تتشبّث بالخيال!
[ ٣ / ٨٤٦ ]
إنها -مع مثاليّتها- عمليّة واقعيّة، لا تحمل النفوس على ضدّ طباعها، ولا تكلّف نفسًا إلا وسعها!
وما الوصيّة التي نحن بسبيلها إلا واحدة من تلك الوصايا الحكيمة الجامعة بين المثاليّة والواقعيّة!
إنها لا تحظر البغض كله، ولا تحرّمه جملة؛ إنها تحظر عليك أن تبغض أخاك لمجرّد هواك، لغير ذنب جناه، ولكن حنقًا ونفاسة عليه، وإنها تحرّم عليك أن تكره الخير لأخيك، طالما أنه لم يستعن بهذا الخير على شيء يغضب ربّك أو يؤذيك!
ولكنها لا تمنع أحدًا من أن يبغض الإثم وأهله، وأن يمقت البغي وشقيقه الظلم!
أما علمت أن من علامة الإيمان الحبّ في الله، والبغض في الله، والرضا في الله، والسخط في الله؟ قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: ٢٢)!
نعم، إن دعوة القرآن الحكيم -في جوهرها- دعوة حبّ ووئام، ولكنها في الوقت نفسه دعوة عدل ونظام!
إنها تغضب للحرمات المنهوكة، والدماء المسفوكة، وللحقوق والأمانات المضيّعة، وهي بذلك تطالبنا أن نردّ الحق إلى صاحبه، وعلينا أن نأخذ الجاني بذنبه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ٤١)!
على أننا لو تأمّلنا في نظرة الإسلام إلى عقوبة الباغي وجدناه لا يرى فيها
[ ٣ / ٨٤٧ ]
إرادة شرّ به، بل أراد سعيًا في خيره، ونصرًا له على نفسه، هكذا سماه الرسول - ﷺ - فيما رواه البخاري وغيره عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: "انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا، قال: "تأخذ فوق يديه".
وفي رواية: فقال رجل: يا رسول الله! أنصره إِن كان مظلومًا، أفرأيت إِذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإِن ذلك نصره" (١)!
بل إن المعجزة الرادعة التي تمحق طغيان البغي، لا يرى فيها القرآن خيرًا للباغي فحسب، بل يرى فيها خير المجتمع كله، بل أساس حياته الصالحة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩)!
ثم يرى في هذه العقوبة الرادعة ترضيةً محبوبةً للنفوس المؤمنة، الحريصة على صيانة الحق والعدل في الأرض، واستمع لأمر الله -﷾-: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (التوبة)!
هكذا، بعد أن وضع القرآن قانون المحبّة والرحمة، وجعله هو العزيمة الأولى، رخّص لنا عداوة من يستحقّ العداوة، وعقوبة من يستحقّ العقوبة!
_________________
(١) البخاري: ٤٦ - المظالم (٢٤٤٣، ٢٤٤٤)، وانظر (٦٩٥٢)، وأحمد: ٣: ٢٠١، والترمذي (٢٢٥٥)، وعبد بن حميد (١٤٠١)، والبيهقي: ٦: ٩٤، ١٠: ٩٠، وأبو نعيم: الحلية: ١٠: ٤٠٥، وتاريخ أصبهان: ٢: ١٤، والبغوي (٣٥١٦، ٣٥١٧)، والطبراني الصغير (٥٧٦)، والقضاعي (٦٤٦)، وابن حبان (٥١٦٧، ٥١٦٨).
[ ٣ / ٨٤٨ ]
الوصية الأولى
الوصية الثانية
الوصية الثالثة
الوصية الرابعة
غير أنه لكي يفضي بنا إلى صدور الرخصة، ولا يدعنا نتجاوز قدر الضرورة، وصّانا بأربع وصايا:
الوصيّة الأولى: التحقّق والتثّبت من وقائع الذنب، حتى لا نأخذ بالشبهة أو الظن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ (النساء)!
الوصيّة الثانية: ألا نأخذ جارًا بظلم جاره، ولا أحدًا بذنب أخيه، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (النجم)!
الوصيّة الثالثة: أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، قال تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤)!
الوصيّة الرابعة: وقف الجزاء متى توقّف الجاني عن جنايته، وذلك بالكفّ عن عقوبة المتهمين، قال تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ (البقرة)!
٨ - سياسة الاستسرار:
ورأى الرسول - ﷺ - بتسديد الله وتوفيقه (١)، وحكمة توجيه دعوته في سيرها، وتبليغ رسالته، أن لا يبادي قومه بعداوة، وأن لا يعلن إليهم دعوته في
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٣ / ٨٤٩ ]
أول خطواتها، وهو وحيد منفرد في قومه، ليس معه من ينصره منهم، ولا من غيرهم، وهم جميعًا، ومن ورائهم سائر العرب، بل سائر الدنيا، إلْبٌ على هذه الأعمال الهادية الراشدة، التي تعيب وثنيّتهم، وتنعَى عليهم شركهم، وتسفّه أحلامهم، وتندّد بحياتهم الماديّة الظالمة التي يحيونها دون رادع يردعهم عن فجور ظلم يرتكبونه، أو عتوّ بغي يأتونه، حيث لا قانون ولا دين، ولا نظام ولا ضمير!
ورسول الله - ﷺ - ماضٍ في دعوته، لا يصدّه عنها صادّ، ولا يردّه عن سبيلها رادّ، فاستجاب له -كما سبق- من استجاب!
واتخذ الرسول - ﷺ - من (دار الأرقم) في أصل الصفا دار دعوته، ومعهد تلقّي رسالته، جعلها مجمع السابقين إلى الإيمان من أصحابه، وأقبل عليه أهل الصدق من شباب قريش، وغير قريش مؤمنين بدعوته، متّبعين له في دينه، مصدّقين برسالته، مهتدين بهديه، أعزّة في قومهم، كرماء على أنفسهم، وكثروا وتكاثروا، وهم في دار الأرقم مع رسول الله - ﷺ -،وشعَرت بهم، وبخطرهم عليها وعلى حياتها الجاهليّة قريش، ومادت الأرض تحت أقدامها، والتفَت رجال كل بيت في قريش إلى أنفسهم وأسرهم، أبنائهم وإخوتهم، فإذا هم يرون أن محمدًا - ﷺ - قد اجتذب منهم زهرات شبابهم، ومصدر قوّتهم، وعدّة مستقبلهم، فهم عنده ومعه مسلمون، مؤمنون، واعتنقوا عقيدته، عقيدة التوحيد، وهجروا آلهة آبائهم وأسلافهم، وسفّهوا أحلامهم، ووصموا بالدنيّة قومهم، وأصبحوا جند دعوة خاتم النبيّين محمد - ﷺ -، وكتائب رسالته، ودخلوا معه بشظف العيش، وشدّة الحياة وفقرها، بعد الترف والمتعة في بيوتهم بين أهليهم، وفارقوا المال والولد، والإخوة والآباء، والأمّهات
[ ٣ / ٨٥٠ ]
والزوجات، وتبدّلوا بهم محمدًا - ﷺ - وأصحابه، يسمعون للرسول - ﷺ -، ويقولون بقوله، لا يخالفون عن أمره، يلحظون موضع إشارته، ويرمقون نظراته، ويتأدّبون بأدبه .. يحبّونه أكثر مما يحبّون أنفسهم، لا يتردّدون في تحقيق رغبة من رغباته، ولو كان فيها حياة أحدهم، فكانوا منه ومعه، بما لم يكونوا به من أمّهاتهم وآبائهم، ومع أولادهم!
وطارت عقول قريش شعاعًا من أدمغتها، إذْ تمثّلوا هذا في واقعهم، ودارت أفئدتهم في حنايا أضلعهم، وتنفّسوا الصُّعداء غمًّا وهمًّا وكمدًا، وما يغني غمّ الدنيا وهمّها وكمدها شيئًا، فليركبوا رأس الشيطان فجورًا وعتوًا، وليفتكوا بكل من يقدرون عليه من فلذات أكبادهم الذين تابعوا محمدًا - ﷺ -، ولتذهب رحمة الأبوّة، وشفقة البنوّة، راغمةً تحت أقدام آلهتهم، لعلّها ترضى عنهم، كما سيأتي!
وهنا نبصر سياسة الحكمة التي سلكها رسول الله في - ﷺ - بتوفيق الله في استمراره بالدعوة، وهي مشرقة في أفق الحياة .. سياسة حكيمة محكمة، أثمرت ثمراتها في تجميع قوة من المؤمنين الراسخين في ايمانهم، الصادقين في يقينهم، الذين تولاَّهم رسول الله - ﷺ - أوّل ما تولّى بالتربية والتوجيه، حتى فشا (الدّين القيّم) في مكّة، وتسامع به الناس في أنديتهم ومحافلهم، وبدأت قريش -وهي سيّدة مكّة- تحسّ بخطر هذه القوّة يدخل عليها في بيوتها، ويجتذب منها شبابها، ويأخذ بحلاقيمها، فشنّت على المؤمنين بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا ورسولًا، حربًا خسيسةً، لا مواجهة فيها، ووقف المؤمنون من هذه الحرب الفاجرة موقف الصبر والاحتمال، بل موقف الصفح والعفو!
[ ٣ / ٨٥١ ]
واستمرّ هذا الطور السرّي للدعوة ثلاث سنين!
ولا يفوتنا أن نذكر دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كان الرسول - ﷺ - يلتقي فيها سرًّا بالداخلين في (الدّين القيّم)، هي الدار المعروفة الآن بـ (دار الخيزران) عند الصفا، كما قال الشامي (١)!
ولم يكن الأرقم معروفًا بإسلامه، وهو من بني مخزوم التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، ويستبعد أن يلتقي الرسول - ﷺ - في هذه الدار التي هي في قلب العدوّ، وقد كان الأرقم فتىً صغيرًا عندما أسلم ومن ثم تنصرف الأذهان إلى منازل كبار الصحابة (٢)!
وهذه المنطقة تشتد فيها حركة الناس بصورة واضحة، مما يصعب معه إدراك وجود حركة خاصة بأناس يجتمعون في هذه الدار!
وهذه الدار دعيت (دار الإسلام) تصدّق بها الأرقم على ولده، الذي قضى أنها محرّمة بمكانها من الحرم، لا تباع ولا تورث، ولم تزل هكذا حتى كان زمن أبي جعفر (٣)!
وفي سياسة الاستسرار -كما أسلفنا- مشروعيّة الأخذ بالحيطة، والأسباب الظاهرة، وما يقرره العقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل
_________________
(١) انظر: سبل الهدى والرشاد: ٢: ٣٢٠، وقال اللواء إبراهيم باشا: هذه الدار في زقاق، على يسار الصاعد إلى الصفا، وبابها يفتح إلى الشرق، ويدخل منه إلى فسحة سماويّة طولها نحو ثمانية أمتار في عرض أربعة: مرآة الحرمين: ١: ١٩٩ ط. أولى!
(٢) انظر: الرحيق المختوم: ٤٩، وابن سعد: ٣: ٢٤٤، وابن هشام: ١: ٤٢٤، والأصبهاني: المعرفة: ٢: ٣٧٨، والسيرة النبويّة في ضوء المصادر الأصلية: ١٩٥.
(٣) انظر كتابنا: أحاديث الوقف الإسلامي: ٢٨٩ وما بعدها.
[ ٣ / ٨٥٢ ]
الوصول إلى تبليغ دعوة الله تعالى .. على ألا يتغلّب ذلك على الاعتماد والتوكّل على الله (١)!
وسنرى في أحداث السيرة ما يفيدنا في هذا المقام!
٩ - قوّة الإيمان:
وبلغت قوّة الإيمان ببعض هؤلاء السابقين -﵃- أن استولت عليهم حماسة الإيمان، فأبى إلا أن يعلن إسلامه، على ملأ الشرك ومجتمع الكفر، دون أن يحسب أيّ حساب لما يناله من الأذى في سبيل إيمانه!
ويطيب لنا أن نذكر ما رواه الشيخان عن ابن عباس﵄- قال: لمَّا بلغَ أبا ذرٍّ مبعثُ النبي - ﷺ - قال لأخيه: اركبْ إِلى هذا الوادي، فاعلَمْ لي علْم هذا الرجل، الذي يزعم أنه نبيٌّ، يأتيه الخبر من السماء، واسمعْ مِن قوله، ثم ائْتِني! فانْطلقَ الأخُ، حتى قدمِه، وسمِع من قوله! ثم رجَع إِلى أبي ذرٍّ، فقال له: رأيته يأْمُر بمكارِم الأخْلاق، وبكلامٍ ما هو بالشّعر! فقال: ما شَفَيْتنَي ممَّا أردت، فتَزَوَّدَ وحَمَل شَنَّةً له فيها ماءٌ، حتى قدمِ مكّة، فأتَى المسجد، فالتَمسَ النبي - ﷺ -، ولا يعرفه، وكرِه أن يسْأل عنه، حتَّى أدركه بعضُ الليل، فرآه عليٌّ فعرف أنه غريبٌ، فلمَّا رآه تبعه، فلم يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثم احتمل قِرْبَتَه وزاده إِلى المسجد، وظلَّ ذلك اليوم، ولا يراه النبيُّ - ﷺ -، حتى أمسى، فعادَ
_________________
(١) انظر: قواعد الأحكام في مصلحة الأنام: ١: ١١١ - ١١٢، وفقه السيرة: البوطي: ٧٧، وضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: ٢٦١، والسيرة النبويّة في ضوء المصادر الأصلية: ١٦١، والمنهج الحركي للسيرة النبويّة: ٩.
[ ٣ / ٨٥٣ ]
إِلى مضْجعه، فمرَّ به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء! حتى إِذا كان يوم الثالث، فعاد عليٌّ على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألاَ تُحدِّثُني؟ ما الذي أقدمك؟ قال: إِن أعطيْتَني عهدًا وميثاقًا لتُرشِدَنَّني فعلت، ففعل، فأخبره قال: فإِنه حقٌّ، وهو رسولُ الله - ﷺ -، فإِذا أصبحتَ فاتَّبعني، فإِنّي إِن رأيت شيئًا أخاف عليكَ، قُمتُ كأنّي أُريق الماء، فإِن مضيتُ فاتبَّعني حتى تدخلُ مَدْخلي! ففعل، فانطلق يقْفوه، حتى دخل على النبي - ﷺ -، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسْلم مكانه، فقال له النبي - ﷺ -: "ارْجِعْ إِلى قومك، فأخْبرهُم، حتى يأتيك أمْري" قال: والذي نفسي بيده! لأصرُخَنَّ بها بين ظَهْرانَيْهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صَوْته: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا رسول الله! ثم قام القوم، فضربوه، حتى أوجعوه! وأتى العباس، فأكبّ عليه، قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غِفَار، وأن طريق تجارتكم إِلى الشام؟ فأنقذه منهم! ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه، وثاروا عليه، فأكبّ العباس عليه (١)!
لقد أسلم أبو ذرّ ﵁ في وقت كان الرسول - ﷺ - يدعو إلى الله سرًا .. ولكنه يتمثل في الرسول الذي آمن به، وفي الدعوة التي عرف تباشيرها ونطق بها لسانه، يتحدّى كبرياء قريش، وينادي بأعلى صوته:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله!
ويكرر ذلك النداء .. ويحدّث قومه عن الرسالة والرسول - ﷺ -!
_________________
(١) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٦١)، وانظر: ٦١ - المناقب (٣٥٢٢)، ومسلم (٢٤٧٤).
[ ٣ / ٨٥٤ ]
ونجد أنفسنا أمام قول الرسول - ﷺ - فيما رواه الترمذي وغيره بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، أصدق من أبي ذرّ" (١)!
إنه الصدق الجسور .. صدق الباطن، وصدق الظاهر .. صدق العقيدة، وصدق اللهجة!
والصدق ولاء رشيد للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه!
حقًّا، لم يشهد التاريخ بطوله وعرضه .. من الصدق وتحرّي الحقيقة ما شهده في إيمان أولئك السابقين الذين سجّل تاريخهم هذا الصدق الذي يسمو ويتألق!
لم يشهد رجالًا عقدوا عزمهم ونواياهم على غاية تناهت في العدالة والسمو، ونذروا لها حياتهم، على نسق تناهى في الجسارة والتضحية والعطاء .. كما شهد في أولئك الرجال!
لقد جاءوا الحياة في أوانهم المرتقب، ويومهم الموعود .. حين كانت تهيب الحياة بمن يجدّد لقيمها الروحية شبابها وصوابها .. وحين كانت تهيب بمن يضع عن البشريّة الرازحة أغلالها، ويحرّر وجودها ومصيرها!
وننتقل سراعًا إلى صورة أخرى مباركة طيّبة .. ونحن نذكر ما يرويه ابن إسحاق بسند مرسل عن عروة قال: كان أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول الله - ﷺ - بمكة عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اجتمع يومًا أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا: والله!
ما سمعتْ قريشٌ من هذا القرآن يُجْهَر لنا به قط، فَمَنْ
_________________
(١) الترمذي (٣٨٠١)، وابن سعد: ٤: ٢٢٨، وابن أبي شيبة: ١٢: ١٢٤، وأحمد: ٢: ١٦٣، ١٧٥، ٢٢٣، وابن ماجه (١٥٦)، والدولابي: الكنى: ١: ١٤٦، والحاكم: ٣: ٣٤٢.
[ ٣ / ٨٥٥ ]
رجلٌ يُسْمِعَهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إِنا نخشاهم عليك، إِنما نريد رجلًا له عشيرةٌ يمنعونه من القوم إِن أرادوه! قال: دعوني فإِن الله سيمنَعُني! قال: فغدا ابن مسعود، حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام، ثم قرأ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم"! رافعًا بها صوته: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ (الرحمن)! قال: ثم استقبلها يقرؤها، قال: فتأمّلوه، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أمِّ عبد؟ قال: ثم قالوا: إِنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إِليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ! ثم انصرف إِلى أصحابه، وقد أثّروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدًا، قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون (١)!
ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: قال لي النبي - ﷺ -: اقرأ عليّ: قلت: أأقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: لا فإِنّي أحبّ أن أسمعه من غيري "! فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (النساء)! قال: " أمسك "! فإِذا عيناه تذرفان! (٢)!
_________________
(١) السيرة النبويّة: ابن هشام: ١: ٣٨٨، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع. وسنده مرسل عن عروة، وانظر: الطبري: التاريخ: ٢: ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٥٨٢)، وانظر (٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦)، ومسلم (٨٠٠)، وابن أبي شيبة: ١٠: ٥٦٣، وأحمد: ١: ٣٨٠، ٤٣٣، وأبو داود (٣٦٦٨)، والترمذي (٣٠٢٨)، والشمائل (٣١٦)، والبغوي (١٢٢٠)، والطبراني (٨٤٦٢، ٨٤٦٣، ٨٤٦٧)، وابن حبان (٧٣٥).
[ ٣ / ٨٥٦ ]
إننا نبصر قوة الإيمان في حياة هؤلاء السابقين، أهل القرآن، الذين استطاعوا في مثل سرعة الضوء أن يضيئوا الضمير الإنساني بحقيقة التوحيد!
ونبصر كيف دمدم هؤلاء على العالم القديم بإمبراطورياته وصولجانه، وحوّلوه إلى كثيب مهيل؟
ولو لم يكن من آثار الاستسرار بالدعوة، وسداد حكمتها إلا أنها جذبت في أوّل خطواتها إلى ساحة الإيمان بالرسالة والرسول - ﷺ - هؤلاء السابقين لكفاها نُجحًا وتوفيقًا وسدادًا!
وقد جذبت إلى ساحتها في السنة الثانية من البعثة -كما قال ابن حجر (١) حمزة بن عبد المطلب، وهو أعزّ فتى في قريش، وأشد شكيمة، عم رسول الله - ﷺ -، وأخوه من الرضاع، وابن خالته نسبًا ومنزلة، فأمه هالة بنت وهيب ابن عبد مناف بن زهرة، ابن عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف، أم سيّد الخلق، محمد - ﷺ -!!
وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصة إسلام حمزة ﵁، وذكر أن الداعي الأول هو الحميّة القوميّة الغاضبة لدفع الإساءة التي وجّهت ظلمًا لابن أخيه محمَّد - ﷺ -، من أحد أحلاس الغرور الوثنيّ الفاجر، ولكن الله تعالى في تقديره الأزلي، وغيبة المحجوب عن رؤى الناس جعل من هذه الحميّة العصبيّة الخير كله لحمزة ﵁ للإسلام والمسلمين، فأسلم حمزة لما أراده الله به من المنزلة التي هو أهل لها في الإسلام (٢)!
_________________
(١) انظر: الإصابة: ٢: ٣٧ (١٨٢٢).
(٢) انظر: ابن هشام: السيرة النبويّة: ١: ٣٦٠ وما بعدها، وقد صرح بالسماع، وسنده منقطع، وابن سعد: ٣: ٩ من طريق الواقدي، والطبراني عن محمَّد بن كعب القرظي =
[ ٣ / ٨٥٧ ]
وحين أسلم قال:
حمَدْت الله حين هدى فؤادي إِلى الإِسلام والدّين الحنيف
لِدِينٍ جاء من ربٍّ عزيزٍ خبيرٍ بالعباد بهم لطيفِ
إِذا تُليتْ رسائله علينا تَحدَّرَ دَمْعُ ذي اللبِّ الحصيف
رسائل جاء أحمدُ من هُداها بآياتٍ مبيَّنَةِ الحُروف
وأحمد مصطفى فينا مُطَاعٌ فلا تغْشُوهُ بالقول الضعيف
فلا والله نُسْلمه لقومٍ ولمَّا نَقْض فيهم بالسيوفِ
ونترك منهمُ قَتلى بقاعٍ عليها الطير كالوِرْدِ العُكوفِ
_________________
(١) = مرسلًا، ورجاله رجال الصحيح، ورواه عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة مرسلًا، ورجاله ثقات، انظر: "المجمع: ٩: ٢٦٧، والحاكم: ٣: ١٩٢ - ١٩٣، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢١٣ - ٢١٤.
[ ٣ / ٨٥٨ ]
وقد خُبّرت ما صنعتْ ثقيفُ به فجزى القبائل من ثقيفِ
إِلِهُ الناس شرّ جزاء قَوْمٍ ولا أسْقاهُمُ صَوْبَ الخريف (١)
ومضى حمزة ﵁ في طريق الإيمان (٢)، والذود عن الدعوة، حتى بلغ مقامًا رفيعًا، وكان إسلامه عزًا للمسلمين، ومنعةً وقوّة للنبي - ﷺ -، أخذت به قريش، فأصابها المقيم المقعد، وشرقت بإسلامه، فكان شجًا في حلاقيمها، وأذلّ كبرياءها، وظهرت به الدعوة بعد استخفائها، وأعلنت بصوته كلمة الحق بعد استتارها، وجهر بالتكبير لله تعالى على سمع طغاة الشرك، فأراهم حقارة عقولهم في حقارة معبوداتهم، وأراهم عزّة الحق وانتصاره!
وسيأتي مزيد بيان مكانته ﵁!
_________________
(١) الروض الأنف: ٢: ٤٩ - ٥٠، وسبل الهدى والرشاد: ٢: ٣٣٣.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٦٠٩ بتصرف.
[ ٣ / ٨٥٩ ]
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٤]