تأليف
الدكتور سعد المرصفي
[ ٤ / ٨٦٧ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت
تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦
[ ٤ / ٨٧٠ ]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
[ ٤ / ٨٧١ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف)!
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب)!
[ ٤ / ٨٧٢ ]
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[ ٤ / ٨٧٣ ]
مقدمة
صدع خاتم النبيّين - ﷺ - بدعوته إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام، وشقَّق بقوّة عقيدته وتوحيد ربّه إهاب وثنيّتهم، ولطم بتبليغ رسالته وجه شركهم، فتهاوت حجج أصحاب اللجاج الداحضة، وتساقطت وتساقط أصحابها، وظهرت سوآت الشرك وانكشف عوارها، وبدأ جهاد الدعوة يشعُّ ضوؤه في البشريّة، ويطمس آثار الجاهليّة الحمقاء في أوكار النفوس الضالّة!
وحتى يكون الدين كلّه لله، ويحقّ الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون!
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ٢٧ رمضان ١٤٢٨ هـ
٢٧ سبتمبر ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت. سابقًا
* * *
[ ٤ / ٨٧٥ ]
رسالة ورسول
[ ٤ / ٨٧٧ ]
رسالة ورسول
١ - إنذار الأقربين
٢ - الجهر العام
٣ - بين زعماء قريش وأبي طالب
٤ - السخرية والاستهزاء
٥ - التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به
٦ - الاتصال باليهود وأسئلتهم
- السؤال عن الروح
- أهل الكهف
- ذو القرنين
٧ - دستور الحكم الصالح
٨ - إنذار يهود برسول الله ﷺ
٩ - ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾
١٠ - بين الصهيونيَّة والصليبيَّة
١١ - معركة عقيدة
١٢ - إسلام عمر الفاروق
١٣ - عزيمة النبوّة
١٤ - الاضطهاد والتعذيب
١٥ - المساومة والإغراء
١٦ - عقليّة بليدة
١٧ - السمو الروحي
١٨ - رسالة ورسول
١٩ - طمأنينة قلب النبي - ﷺ -
٢٠ - في رحاب سورة (فصلت)
٢١ - عناد المشركين
٢٢ - المعجزة الكبرى
٢٣ - نهاية المفاوضات
٢٤ - الصبر الجميل
٢٥ - تبليغ الرسالة
٢٦ - موقف الوليد ابن المغيرة
٢٧ - نموذج للشر الخبيث
٢٨ - دعاية للرسالة والرسول - ﷺ -
٢٩ - نماذج الخبث البشري
٣٠ - أسلوب الآيات
٣١ - معالم الفجور
٣٢ - خصائص هذا النموذج
٣٣ - رأي آخر
٣٤ - في رحاب سورة (القلم)
٣٥ - معالم خصائص نموذج الفجور
-المعلم الأول
- المعلم الثاني
- المعلم الثالث
- المعلم الرابع
- المعلم الخامس
-مجمع الخبائث
- المعلم السادس
٣٦ - إشهار نموذج الشر
٣٧ - منح في ثنايا المحن
٣٨ - إذاعة الإرجاف
٣٩ - توجيه إلهي
٤٠ - إسلام الطفيل الدوسي
٤١ - نور الهداية
٤٢ - مضاء العزيمة
٤٣ - حوار عقول
٤٤ - آيات من العبر
٤٥ - قوّة الإيمان
٤٦ - المستقبل للإسلام
٤٧ - درس للدعاة
[ ٤ / ٨٧٨ ]
رسالة ورسول
١ - إنذار الأقربين:
سبق أن عرفنا أن النبي - ﷺ - صعد الصفا وهتف داعيًا إلى الله تعالى، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بما جاء به هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبيّة القرابة التي يقوم عليها المجتمع العربي ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله -﷿!
وكان الرسول - ﷺكما أسلفنا- كبير المنزلة في بلده، مرموقًا بالثقة والمحبّة (١)، وها هو ذا يواجه مكّة بما تكره، ويتعرّض لخصام السفهاء، والكبراء .. وأول قوم يغامر بخسران مودّتهم عشيرته الأقربون!
بيد أن هذه الآلام تهون في سبيل الحق الذي شرح الله به صدره، وأمره بتبليغه .. ولا عليه أن تموج مكّة بالغرابة والاستنكار، وتستعدّ لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتةً، وتخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها!
وبدأت قريش تسير في طريقها .. طريق اللدد، ومجانبة الصواب .. ومضى الرسول - ﷺ - في طريقه، يدعو إلى الله تعالى، ويتلطّف في عرض الإسلام، ويكشف النقاب عن مخازي الوثنيَّة، ويسمع ويجيب، ويبيّن ويدافع!
غير أن حرصه - ﷺ - على هداية الأقربين جعله يجدّد مسعاه، محاولًا عرض الإسلام عليهم مرّة من بعد مرّة، فإن منزلتهم الكبيرة في العرب تجعل كسبهم عظيم النتائج!
_________________
(١) فقه السيرة: الغزالي: ٩٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٨٧٩ ]
وهم قبل ذلك أهله الذين يودّلهم الخير، ويكره لهم الوقوع في مساخط الله!
وكانت هذه الصيحة غاية البلاغ، فقد فاصل الرسول - ﷺ - قومه على دعوته!
وكان هذا الطريق الحكيم المحكم هو الاتجاه بالدعوة في علانيتها والجهر بها إلى عشيرة النبي الأقربين!
وهنا يطالعنا مرّة من بعد مرّة قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ (الشعراء)!
ونبصر التوجيه بالدعوة إلى الأقربين، وإنذارهم بطش الله وتخويفهم بأسه ونقمته إذا لم يستجيبوا إلى هدى الله والإيمان به (١)، وإخلاص العبوديّة له تعالى، بخلع الأنداد والشركاء، والتطهّر من أدران الوثنيّة!
وفي هذا حسم لأطماع الأبعدين؛ لأن الناس بمقتضى طبائعهم البشريّة إذا رأوا رسول الله - ﷺ - يبدأ أوّل ما يبدأ معلنًا دعوته بإنذار أقرب الناس إليه، وتخويفهم، والتبرّي من أعمالهم، إذا لم يستجيبوا إلى داعي الإيمان والهداية، كان ذلك أدعى لغيرهم من الأبعدين ألا يطمع أحد في مهادنته، فضلًا عن المداهنة!
وهذا بلا شك أقوى وأوكد للدعوة في بيان إصرارها وعمومها، وأبلغ في النفوس أثرًا؛ لأن الإنذار والتخويف قد يدفع الإشفاق، وقد يدفع إليهما
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١٥٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٨٨٠ ]
الإشفاق، وقد يدفع إليهما الحرص على تنبيه المشاعر والإحساسات الوجدانيّة في مداخل النفس الإنسانيّة، لتوكيد أواصر القربى .. وقد يدفع إليهما تحريك الحميّة القوميّة، وروابط القربى العصبيّة، نفورًا من قبيل الضيم في الصبر على أذى القريب، ولا سيما في البيئات العربيّة التي تتعزّز بنصرة القربى!
وسبق أن ذكرنا قصة إسلام حمزة ﵁!
ومعلوم ما وقع في جميع مواقف أبي طالب، وحَدَ به على رسول الله - ﷺ -، وحمايته له، أن تمتدّ إليه يدٌ بأذى، وقد جعل نحوه دون نحو رسول الله - ﷺ -، فداءً لابن أخيه، بدائع العصبيّة القوميّة، والحميّة القبليّة .. وظل على ذلك إلى آخر لحظة من حياته، وهو على دين قومه، وكانت قريش كلها تهاب أبا طالب وتحترمه، وتحسب لوجوده إلى جانب ابن أخيه محمد - ﷺ - حسابًا منعها أن تقتحم حمايته ومنعته!
ومن أظهر شواهد ذلك موقف سائر المنافقين عامة وخاصة من بني هاشم والمطلّب إلا ما كان من أبي لهب وكان كثرتهم على جاهليّتهم في عقيدة الشرك والوثنيّة التي جاءت رسالة محمَّد - ﷺ - لهدمها وتقويض بنيانها!
ذلك الموقف الذي تجلّى في حادث الحصار والمقاطعة -كما سيأتي- ودخول الشعب، وكتابة صحيفة المقاطعة!
وهنا نبصر الردّ القاطع على من يحاولون تصوير هذا (الدّين القيّم) بأنه ثمرة من ثمار القوميّة العربيّة، ويدعون أن محمدًا - ﷺ - إنما كان يمثل بدعوته التي دعا إليها آمال العرب ومطامحهم في ذلك الحين (١)!
_________________
(١) السيرة النبويّة في ضوء المصادر الأصلية: ١٦٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٨٨١ ]
ونبصر في تباطؤ الناس عن الدخول في الإسلام دليلًا على مدى قوّة وتغلغل العادات والتقاليد في المجتمعات التي تعيش ردحًا من الزمان في الجاهليّة وفساد الفطرة .. وهو وضع يواجهه الدعاة في كثير من المجتمعات قديمًا وحديثًا .. حتى المجتمعات الإسلامية، عندما يخبو فيها صوت الدعوة المهتدية بسنة رسول الله - ﷺ -، تجد أثرًا كبيرًا للعادات والتقاليد في تسيير حركة المجتمع في المجالات المختلفة .. وتجد استنكارًا ممن وقعوا في أسر هذه العادات والتقاليد، لصوت الحق المهتدي بسنّة الرسول - ﷺ - والسلف الصالح، في فهم الإسلام!
ونبصر في خصوصيّة الأمر بإنذار العشيرة، إشارة إلى درجات المسؤوليّة التي تتعلّق بكل مسلم عمومًا، والدعاة منهم خصوصًا، فقد كان الرسول - ﷺ - يتحمّل المسؤوليّة تجاه نفسه، لكونه مكلّفًا .. ويتحمّلها تجاه أسرته وأهله، لكونه مسؤولًا عن أسرته وذا آصرة قربى .. ثم يتحمّل المسؤولية تجاه الناس كلهم بكونه نبيًا ورسولًا من الله -﷿!
ويشترك مع النبي - ﷺ - في المسؤوليّة الأولى كل مكلّف .. وفي الثانية كل صاحب أسرة، أو كل فرد له عشيرة، وفي الثالثة العلماء والحكام (١)!
ونعود إلى الآيات التي معنا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾!
نعود لنبصر وراء إنذار الأقربن برًّا بهم (٢)، وتحريكًا لدوافع حميّة القربى فيهم!
_________________
(١) انظر: البوطي: فقه السيرة: ٨١٨٢.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١٦٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٨٨٢ ]
نعود لنبصر الأمر بإلانة الجانب لعموم المؤمنين، سواء منهم من قرب في نسبه وعصبيّته أو بعد!
نعود لنبصر مكانة الخلْق من ربّهم، فهم جميعًا عباده، وليس بين الله وبين أحد من خلْق نسب ولا قرابة وحسب .. وإنما هو الإيمان والعمل!
وفي هذه الدائرة يختلف الناس اختلافًا واسعًا عريضًا في درجاتهم ومراتبهم من رضاء الله وإسعاده!
نعود لنبصر تلطّفًا بالذين يستجيبون إلى دعوة الإيمان، ويتبعون محمدًا - ﷺ - تقويةً لأواصر القرب الروحي، وأخوّة الإيمان، وأنها هي الأخوة التي اعتبرها الحق -﵎- صلة -كما سيأتي- بين سائر المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (الحجرات)!
لأن ذلك يربط قلوبهم بالدعوة، ويملؤها بمحبّة الداعي، ويعدّ نفوسهم للدفاع عن تبليغ الدعوة، وافتداء الداعي والدعوة بكل ما يملكون من قوّة وعمل!
نعود لنبصر إعلان البراءة من عصيان من عصى، ولو كان أقرب القربى، فمن ساء عمله فلن يضرّ إلا نفسه، وأن قرابته من رسول الله - ﷺ - لا تحميه من سخط الله وعذابه!
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾!
لطيفة بيانيّة من لطائف الأسلوب القرآني، فقد عُلِّقت البراءة في الآية بعمل من عصى، ولم تُعَلَّق بشخصه وذاته .. لأن ارتباط البراءة بالعمل دون
[ ٤ / ٨٨٣ ]
ذوات العصاة وأشخاصهم لا يقطع أواصر القربى والبرّ في الدنيا، والعود إليها بالإحسان إذا عادت إلى الإيمان والطاعة للرسول - ﷺ -، والإيمان هو الموجب للموالاة!
وفي ذلك تقرير لمبدأ اجتماعي عظيم، تقوم عليه دعائم الحياة الاجتماعيّة في الإسلام؛ لأن ربط الموالاة والنفرة بالعمل دون الأشخاص والذوات يفتح باب الأمل أمام الشاردين من دعوة الإيمان والطاعة لله ورسوله!
فالإنكار في الآية، والأمر بالبراءة، إنما توجّه إلى العمل السيئ، لا إلى العامل المسيء، وإن كان عمله السيئ مرتبطًا به، ما دام مقيمًا عليه، لكن هذا الارتباط بين العامل وعمله ليس ارتباط تلازم؛ ولكنه ارتباط بأمر عارض يمكن الانفكاك عنه وتركه!
فإذا ترك العمل الموجب للنفرة، وحل محله عمل يوجب الموالاة، عادت الموالاة وعاد معها ما توجبه من التلطّف، وخفض الجناح، وإلانة الجانب، وصفاء المودّة!
وفي قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾!
إشعار بما في هذا الجهر والإنذار من مشقة التبليغ، وأثقال المواجهة، وإيذان بما سيلقى رسول الله - ﷺ - من أذى وصدّ عن سبيل دعوته ومقاومة له - ﷺ -، ومناهضة لرسالته، من هؤلاء المنذَرين على قرابتهم، وتشابك أنسابهم بنسبه، وامتزاج عصبيّتهم بحسبه .. حتى لا يعتمد في تحمّل أثقال دعوته إلى الله، وفي صبره على ما يلقى من المعاندين الشاردين عن حظيرة الإيمان والهداية، ولو كانوا أقرب القربى، على غير الله القويّ القهّار، العزيز الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يقطع إمداده عنه، وعن جميع حملة رسالاته،
[ ٤ / ٨٨٤ ]
ووارثي عبء تبليغها، من الدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!
وهذا درس إلهيّ من أبلغ وأعمق دروس تربية الداعي إلى الله تعالى في تجرده تجردًا كاملًا، من خطرات الاعتماد على قرابة أو عصبيّة .. لأن روابط القرابة وحميّة العصبيّة، قد يعرض لها من ظواهر البيئة، واهتزازات المجتمع ما يفكها، ويزيل وصائلها .. ولأن حميّة العصبيّة قد يعرض لها من أسباب تنازعها ما يطفئ شعلتها، ويُظلم قبسها، ويذيب وشائج تماسكها، ويحيلها أداة إزعاج، وذلك كما وقع من أبي لهب، عم النبي - ﷺ -، فقد كان دون سائر بني عبد المطلب أعدى أعداء الدعوة الإسلاميّة، وأشدّ أعدائها أذى للرسول - ﷺ -!
وقد نشر هذا المتبوب لواء العداوة للرسالة والرسول - ﷺ - منذ اللحظة التي اصطفاه الله تعالى نبيًّا ورسولًا!
وتجلّى ذلك -كما أسلفنا- في أول موقف وقفه النبي - ﷺ - لتنفيذ أمر الله تعالى له بالجهر بالدعوة، وكان المتبوب أبو لهب شرّ خلق الله موقفًا من الرسالة والرسول - ﷺ - .. كان يتبع النبي - ﷺ -، وهو يمشي إلى منازل الناس ومحافلهم في المواسم، يدعوهم إلى الله تعالى، تبليغًا لرسالته، ليصدّهم عن الاستماع إليه، ولو لم يكن لهذا الخبيث المتبوب من مواقف الخزي والعار، سوى موقفه الذي يدل على فقدانه الشعور بالنخوة الهاشميّة، والحميّة العصبيّة، والغيرة النسبيّة، والعزّة البيتيّة، بانحيازه إلى بطون قريش، تركه إخوته، وبني عمومته، يحصرون في شعب أبي طالب، حصارًا اقتصاديًا قاتلًا، لكان حسبه هوانًا وذلّةً في دنيا الأعزّة الأكرمين!
[ ٤ / ٨٨٥ ]
٢ - الجهر العام:
ويطالعنا الجهر العام بالدعوة لكل من يستطيع صوت الداعي أن يصل إليه من الناس!
يطالعنا قوله جل شأنه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المْشْرِكينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (الحجر)!
وابتدأ رسول الله - ﷺ - سائر قومه، وساكني مكّة، ومن يردها في الأسواق والمواسم بدعوته إلى توحيد الله تعالى .. وخلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام .. وصدعَ بحقّه باطلهم، وشقّق بقوّة عقيدته وتوحيد ربّه إهاب وثنيّتهم، ولطم بتبليغ رسالته وجه شركهم، فسمعوا منه، وتحدّثوا عنه، ولم يبعدوا عنه في أوّل ما أعلنهم بدعوته، ودعاهم إلى رسالته، ولم يردّوا عليه أمره، ولم يعالنوه بشديد العداوة، حتى نزل الوحي الذي بيّن ضلالهم، وسخر من عقولهم، وحطّ من شأن الذين اتخذوا الأوثان آلهة، وتلا عليهم في ذلك من بيان القرآن ما لم يكن لهم به عهد!
ولم يكن لهم معه من صبر، فأعظموا ذلك وأنكروه أشدّ الإنكار، وحاولوا معه - ﷺ - أن يكفّ عن ذلك .. ولكن الرسول - ﷺ - مضى يقرع آذانهم، ويدقّ على أبواب قلوبهم، بقوارع آيات الله تعالى ونذره وزواجره، من السور المكيّة من القرآن العظيم، وفيها من التجبيه والسخرية، وقواطع البراهين على باطل عقائدهم، ما أثارهم على الرسالة والرسول - ﷺ -، فتذامروا عليه، وانتهضوا لمقاومته، والوقوف أمام دعوته!
ولكنهم كانوا يرون حدَب أبي طالب على رسول الله - ﷺ -، ودفاعه عنه،
[ ٤ / ٨٨٦ ]
وحمايته له، وهم يعلمون مكانة أبي طالب فيهم، ويعلمون أن بني هاشم وإخوتهم بني المطلب لا يخالفون عن أمره، ولا يخذلونه في مواقف الجد، ونوازل الأحداث، وأنهم مناصروه على من ناوأه، أو حاول النّيل منه، وهم أشدّ شكيمةً في قومهم على من نابذهم العداوة واللدد!
٣ - بين زعماء قريش وأبي طالب:
ومن ثم عمدت بطون زعماء قريش إلى أبي طالب، يلقونه شاكين إليه ابن أخيه، ومشى إليه منهم وهي من رؤوسهم وزعمائهم (١) .. والرسول - ﷺ - يدعو بقوة لا تقهر، وعزيمة لا تفل!
ومن ثم زاد ملأ قريش سوءًا على سوئهم، وشرى الأمر بين رسول الله - ﷺ -، وبينهم، واشتدّ التأزم، ولحق الحنق قلوبهم، وتباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله - ﷺ - بينها، وشنفوا له، وحضّ بعضهم بعضًا عليه، ورأوا أن عمه أبا طالب لم يعتبهم في شأنه، وازداد حدبه عليه، وحرصه على منعه وحمايته!
وهنا مشوا إليه مرة ثانية، يذكّرونه بأمرهم معه، وما قالوه له في شكايتهم أول مرّة، ويضيفون إلى ذلك لونًا من التهديد والوعيد (٢)!
وروى ابن إسحاق من حديث عقيل بن أبي طالب، أن أبا طالب أرسل عقيلًا إِلى النبي - ﷺ -، فلمَّا حضر قال له عمه: إِن بني عمّك هؤلاء قد
_________________
(١) انظر: ابن هشام: ١: ٣٢٨ من رواية ابن إسحاق بدون إسناد، وابن إسحاق ١٤٥ وسنده معلق.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٣٢٩.
[ ٤ / ٨٨٧ ]
زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم! فحلّق رسول الله - ﷺ - ببصره إِلى السماء، فقال: " أترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم، قال: "فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم، على أن تشتعلوا منها شعلةً" فقال أبو طالب: والله! ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا (١)!
وذكر ابن إسحاق أن قريشًا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله - ﷺ - وإسلامه، وإجماعَه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشَوْا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة، فقالوا له، فيما بلغني (٢):
يا أبا طالب: هذا عُمارة بن الوليد، أنْهَدُ فتىً فتىً قريش وأجمله، فخذه ذلك عَقْله، ونَصْره، واتّخذه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إِلينا ابن أخيك، هذا الذي قد خالف دينَك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم، فَنَقْتله، فإِنما هو رجل برجل، فقال: والله! لبئس ما تسومونني! أُتعطُوني ابنكم أغذوه لكم، وأُعْطيكم ابني تقتلونه! هذا والله! ما لا يكون
_________________
(١) ابن إسحاق: ١٥٥ بإسناد حسن، وقال الهيثمي: "المجمع: ٦: ١٥ رواه أبو يعلى باختصار يسير من أوله، ورجاله رجال الصحيح، وانظر: فقه السيرة: الغزالي: ١١٤ - ١١٥، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: ١٦٧. أما ما رواه ابن إسحاق بسند منقطع: ١٥٤، وابن هشام: ١: ٣٢٩ - ٣٣٠، وفيه: قال رسول الله - ﷺ - ": "يا عم، والله! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته. قال: ثم استعْبَر رسول الله - ﷺ -، فبكى، ثم قام، فلمَّا ولّى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا بن أخي، قال: فأقبل عليه رسول الله - ﷺ -، فقال: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فوالله! لا أُسلمك شيء أبدًا"! والطبري: ٢: ٣٢٦، والكلاعي: الاكتفاء في مغازي المصطفى: ١٨٧ من طريق ابن إسحاق. ومع ذلك فالحديث مشهور، ونقله كثيرون!
(٢) ابن هشام: ١: ٣٣٠ بدون إسناد.
[ ٤ / ٨٨٨ ]
أبدًا! قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله! يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلّص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا! فقال أبو طالب للمطعم: والله! ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعْت خذلاني ومُظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك، أو كما قال: فحقَب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضُهم بعضًا! فقال أبو طالب عند ذلك يعرّض بالمطعم بن عدي، ويَعُمُّ مَن خذله مَن بني عبد مناف، ومَن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه، وما تباعد مِن أمرهم:
ألا قُل لعمرو والوليد ومُطعم ألا ليت حظِّي من حياطتكم بَكْرُ (١)
مَن الخُور حبْحاب (٢) كثيرٌ رخاؤُه يُرَشُّ على الساقين من بوله قطْر
تخلّف خلْف الورد ليس بِلاحق إِذا ملا علا الفيفاء قيل له وبْر (٣)
أرى أخوَيْنا من أبينا وأُمّنا إِذا سُئلا قالا إِلى غيرنا الأمر
_________________
(١) الحفاظ والحفيظة: الغضب، وقال بعضهم: لا يكون الحفاظ إلا في الغضب خاصة، والقول الأول أصح، ويروى من حياطتكم وهي معلومة، والبكر: الفتى من الإبل.
(٢) الخور جمع أخور، وهو الضعيف، وحبحاب يروى بالخاء المعجمة، وبالحاء وبالجيم، قال ابن سراج: بالجيم الكثير الكلام، فاستعاره هنا للرغاء، وبالحاء القصير، وبالخاء الضعيف.
(٣) الفيفاء: القفر، ووبر: دويبة على قدر الهرة.
[ ٤ / ٨٨٩ ]
بَلى لهما أمر ولكن تَجَر جَما (١) كما جُرْجِمت من رأس ذي علق (٢) الصخر
أخُصُّ خُصوصًا عبد شمس ونوفلا هما نبذانا مثل ما يُنبذ الجمر
هما أغْمَزَا لِلْقوم (٣) في أخوَيْهما فقد أصبحا منهم أكفهما صفر (٤)
هما أشركا في المجد من لا أبا له من الناس إِلا أن يُرَسّ له ذكر (٥)
وتيْم ومخزوم وزهرة منهمُ وكانوا لنا مولى إِذا بُغي النصر
فوالله! لا تنفكّ منا عداوة ولا منهم ما كان من نسلنا شَفْر (٦)
فقد سُفهت أحلامُهم وعقولهم وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر
_________________
(١) تجرجما: أي سقطا وانحدرا، يقال: تجرجم الشيء إذا سقط.
(٢) ذو علق: جبل في ديار بني أسد.
(٣) أغمزا للقوم: أي سببا لهم الطعن فيهم، يقال: غمزت الرجل إذا طعنت فيه.
(٤) الصفر: الخالي من الآنية وغيرها.
(٥) يرسّ له ذكر: معناه أن يذكر ذكرًا خفيًّا، يقال: رسست الحديث، إذا حدّثت به في خفاء.
(٦) من نسلنا شفر: أي أحد، يقال: ما بالدار أحد، وما بها شفر، أي ما بها أحد.
[ ٤ / ٨٩٠ ]
أهذا منتهى تقدير الرجوليّة في نظركم يا هؤلاء (١)؟!
تبًّا لهذه الحياة إن كان مثلها الأعلى في شبابها ورجوليّتها وفتوّة فتيانها جسامة بضّة، وجمال مظهر مائع، وميعة شباب تافه، وتمايل أعطاف مرذول!
لقد مشى ملأ الوثنّية الماديّة إلى أبي طالب منتفخة أوداجهم، يقودون فتاهم بشحمه، وبضاضة جسمه، وهم يقولون له:
قد جئناك بفتى قريش، جمالًا ونسبًا ونهادة، ندفعه إليك، فيكون لك نصره وميراثه، فخذه وادفع إلينا ابن أخيك نقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة، وأفضل في عواقب الأمور مغبة، ورجل برجل!
ونظر أبو طالب إلى هذه الأشباح التي تكلمه، وهي تقود فتاها بنسعة الغرور الكذوب!
وحدّث أبو طالب نفسه، هامسًا متعجّبًا من هذه الرؤوس التي لم تركب في تلافيفها أدمغة تعقل، ولا دُسّ في صدورها قلوب تفقه!
وما قيمة جسامة فتاكم، وبضاضة جسمه وجماله وميعة شبابه، وتمايل عطفيه، وتضاحك شدقيه، في ميزان الرجوليّة الجادّة؟!
وما قيمة ذلك في ميزان الفضائل الإنسانيّة التي تعتزّ بها الحياة في حساب مفاخرها فيمن تدّخرهم لإنقاذها من شروركم؟! أفلا تعقلون؟!
بل ما قيمة فتاكم البضّ التيّاه في شرعة وشائج الطبيعة؟! أفلا تفقهون؟!
وكان أبو طالب -كما أسلفنا- قد استجمع أطراف عزائمه، وراجعته حميّته لابن أخيه، وزاده هذا العرض السخيف الأبله قوّةً وشموخًا، وتبدّى له خذلان الطغيان .. وأنهم جاؤوه بدنيّة الدنيا، ورديلة الرذائل، وحطيطة الجبن!
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١٧٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٨٩١ ]
وانتهض أبو طالب للرد عليهم ردًا بدّد غرورهم الأبله، وغمز قناة بلاهتهم، فقال لهم كما عرفنا: والله! لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه!
هذا والله! ما لا يكون أبدًا!
وله قصيدة طويلة عظيمة بليغة جدًا، أفحل من المعلّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها كما يقول الحافظ ابن كثير وقد أوردها الأموي في مغازيه بزيادات، يخبر قومه وغيرهم أنه غير مُسْلم رسولَ الله - ﷺ -، ولا تاركه لشيء أبدًا، حتى يهلك دونه (١)!
_________________
(١) انظر: ابن هشام: ١: ٣٣٨ وما بعدها، والبداية: ٣: ٥٣٥٧. ولم يجد الحافظ ابن كثير: البداية: ٣: ٤١ تفسيرًا لذلك سوى أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبّه حبًا طبيعيًا لا شرعيًّا، وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية؛ إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا اجترؤوا عليه، ولمدّوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربّك يخلق ما يشاء ويختار! وقد قسم خلقه أنواعًا وأجناسًا، فهذان العمان كافران: أبو طالب، وأبو لهب، ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله فيه سورة في كتابه، تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمّن أنه سيصلى نارًا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب! وإشارة الحافظ ابن كثير إلى أن أبا طالب في ضحضاح من نار، إشارة إلى الحديث المتفق عليه عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال للنبي: ما أغنيت عن عمّك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"! البخاري: ٦٣ مناقب الأنصار (٣٨٨٣)، وانظر (٦٢٠٨، ٦٥٧٢)، ومسلم (٢٠٩)، وانظر الفتح: ٧: ١٩٣.
[ ٤ / ٨٩٢ ]
٤ - السخرية والاستهزاء:
وتطالعنا السخرية والاستهزاء من هؤلاء الذين كانوا يسمعون آيات الله تتلى -كما سبق أن عرفنا (١) - يزعمون أن في مقدورهم أن يأتوا بمثلها لو شاءوا، مع وصف هذا القرآن الكريم بأنه أساطير الأولين: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إلَّا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٣١)﴾ (الأنفال)!
وذكر ابن كثير أن القائل هو النضر بن الحارث، لعنه الله (٢)، كما قد نصّ على ذلك سعيد بن جبير، والسدي، وابن جريج، وغيرهم، فإنه لعنه الله كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلّم من أخبار ملوكهم (رستم) و(اسفنديار)، ولما قدم وجد رسول الله - ﷺ - قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان - ﷺ - إذا قام من مجلس جلس فيه النضر، فحدّثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله! أيّنا أحسن قصصًا، أنا أو محمد؟
ولهذا لمَّا أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى، أمر رسول الله - ﷺ - أن تضرب رقبته صبرًا بين يديه، ففعل ذلك، ولله الحمد!
وكان الذي أسره -كما سيأتي- المقداد بن الأسود ﵁!
وتكررت في القرآن الكريم حكايته قول المشركين عن القرآن: إنه أساطير الأولين!
وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن
_________________
(١) وانظر أيضًا: ابن هشام: ١: ٣٨٩ وما بعدها، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٧٠٦٢٠٧، وسبل الهدى والرشاد: ٢: ٤٧٠.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢: ٣٠٤.
[ ٤ / ٨٩٣ ]
يقفوا بها في وجه هذا القرآن (١)، وهو يخاطب الفطرة البشريّة بالحق الذي تعرفه في أعماقها فتهتز وتستجيب، ويواجه القلوب بسلطانه القاهر فترتجف لإيقاعه ولا تتماسك!
وهنا كان يلجأ العلية من قريش إلى مثل هذه المناورات، وهم يعلمون أنها مناورات!
ولكنهم كانوا يبحثون في القرآن عن شيء يشبه الأساطير المعهودة في أساطير الأمم من حولهم، ليموّهوا على جماهير العرب، الذين من أجلهم تطلق هذه المناوَرات، للاحتفاظ بهم في حظيرة العبوديّة للعبيد!
لقد كان الملأ من قريش يعرفون طبيعة هذه الدعوة، مذ كانوا يعرفون مدلولات لغتهم الصحيحة!
كانوا يعرفون أن (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)، معناها إعلان التحرّر من سلطان البشر كافة، والخروج من حاكميّة العباد جملة، والفرار إلى ألوهيّة الله وحده وحاكميّته .. ثم التلقّي في هذه العبوديّة لله عن محمد رسول الله - ﷺ -!
وكانوا يرون الذين يشهدون هذه الشهادة يخرجون لتوّهم من سلطان قريش وقيادتها وحاكميّتها، وينضمّون إلى التجمع الإسلامي الذي يقوده محمد - ﷺ -، ويخضعون لقيادته وسلطانه، وينتزعون ولاءهم للأسرة والعشيرة والقبيلة والمشيخة والقيادة الجاهليّة، ويتوجّهون بولائهم كله لله والرسول، والعُصْبة المسلمة التي تقوم عليها هذه القيادة الإسلاميّة!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٥٠٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٨٩٤ ]
كان هذا المدلول واقعًا يشهده الملأ من قريش، ويحسّون خطره عليهم، وعلى الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي يقوم عليها كيانهم!
وهذا ما كان يقضّ مضاجع الملأ من قريش، فيقاومونه بشتّى الأساليب .. ومنها هذا الأسلوب .. أسلوب ادعاء أن القرآن الكريم أساطير الأولين، وأنهم لو شاءوا لقالوا مثله!
ذلك مع تحدّيهم به مرّة ومرّة ومرّة، وفي كل مرّة يعجزون ويَخْنسون!
والأساطير واحدتها أسطورة، وهي الحكاية المتلبسة غالبًا بالتصوّرات الخرافيّة، وأقاصيص القدامى وبطولاتهم الخارقة، وعن الأحداث التي تتخللها أساسًا تصوّرات الخيال والخرافة!
وقد كان الملأ من قريش يعمدون إلى ما في القرآن من قصص الأوّلين، وفعل الله بالمكذّبين وإنجائه للمؤمنين .. إلى آخر ما في القصص القرآني من هذه "الموضوعات" وقد سجّل القرآن تطاولهم، وردّ عليهم بما يظهر سخف هذا التطاول وكذبه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ (الفرقان)!
وأكذب شيء أن يقول كفّار قريش هذه المقالة، وهم يوقنون في أنفسهم أنها الفرية التي لا تقوم على أساس (١) .. فما يمكن أن يخفى على كبرائهم الذين يلقنونهم هذا القول أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد - ﷺ - شيء آخر غير كلام
_________________
(١) المرجع السابق: ٥: ٢٥٥١ بتصرف.
[ ٤ / ٨٩٥ ]
البشر، وهم كانوا يحسّون هذا بذوقهم في الكلام، وكانوا لا يملكون أنفسهم من التأثّر بالقرآن .. كما كانوا يعلمون عن محمد - ﷺ - قبل البعثة أنه (الصادق الأمين) الذي لا يكذب ولا يخون -كما أسلفنا- فكيف به يكذب على الله، وينسب إليه قولًا لم يقله؟!
ولكنه العناد والخوف على مراكزهم الاجتماعيّة المستمدة من واقعهم الذي يعيشونه، كان يجنح بهم إلى هذه المناورات يطلقونها في وسط جمهور الرب، الذين قد لا يميزون بين الكلام، ولا يعرفون درجته!
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾!
قيل: إنهم عبيد أعاجم ثلاثة أو أكثر، هم الذين كانوا يعنونهم بهذه المقالة! وهو كلام متهافت تافه لا يقف للجدال!
فإن كان بشر يملك أن يفتري مثل هذا القرآن بمعاونة قوم آخرين، فما يمسكهم عن الإتيان بمثله، مستعينين بأقوام منهم، ليبطلوا حجة محمد - ﷺ -، وهو يتحدّاهم به وهم عاجزون؟!
ومن ثم لا يجادلهم هنا ولا يناقشهم في هذا القول المتهافت، إنما يدفعهم بالوصف البارز الثابت: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾!
ظلمًا للحق، ولمحمد - ﷺ -، ولأنفسهم، وزورًا واضح الكذب ظاهر البطلان!
ثم يمضي في استعراض مقولاتهم عن الرسول - ﷺ - وعن القرآن: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾!
ذلك لما وجدوا فيه من قصص الأوّلين التي يسوقها للعبرة والعظمة، وللتربية والتوجيه، وهذا استطراد في دعواهم التي لا تقوم على أساس، ولا تثبت للمناقشة!
[ ٤ / ٨٩٦ ]
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾!
فأين علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك العلم الشامل؟!
وأين أساطير الأوّلين من السرّ في السموات والأرض؟!
وأين النقطة الصغيرة من الخضم الذي لا ساحل له ولا قرار؟!
ألا إنهم ليرتكبون الخطيئة الكبيرة، وهم يدّعون على رسول الله - ﷺ - تلك الدعاوى المتهافتة، ومن قبل يصرّون على الشرك بالله، وهو خلقهم .. ولكن باب التوبة مفتوح، والرجوع عن الإثم ممكن، والله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض، ويعلم ما يفترون وما يكيدون، غفور رحيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٦)﴾!
وقد انكشف هذا النوع من المناورات بعد حين .. وتبيّن أن القرآن بسلطانه القاهر الذي يحمله من عند الله (١)، وبالحق العميق الذي تصطلح عليه الفطرة سريعًا، قد اكتسح هذه الأساليب وتلك المناورات، فلم يقف له منها شيء!
وراح الملأ من قريش في ذعر يقولون:
﴿لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ (فصلت)!
ووجد كبراؤهم يخالس بعضهم بعضًا ليبيت ليلته يستمع خفيةً لهذا القرآن، ولا يملك نفسه من أن تقوده قدماه ليلةً بعد ليلة إلى حيث يستمع لرسول الله - ﷺ - في خفية عن الآخرين، حتى تعاهدوا وأكدوا على أنفسهم العهود، ألاّ يعودوا، مخافة أن يراهم الفتية فيفتنوا بهذا القرآن وبهذا الدّين!
_________________
(١) المرجع السابق: ٣: ١٥٠٤ بتصرف.
[ ٤ / ٨٩٧ ]
على أن محاولة النضر بن الحارث أن يلهي الناس عن هذا القرآن بشيء آخر يخدعهم به عنه، لم تكن هي المحاولة الأخيرة، ولن تكون!
لقد تكرّرت في صور شتّى .. وحاول أعداء الرسالة والرسول - ﷺ - دائمًا أن يصرفوا الناس نهائيًّا عن هذا القرآن، فلما عجزوا حوّلوه إلى تراتيل يترنّم بها القرّاء ويطرب لها المستمعون، وحوّلوه إلى تمائم وتعاويذ يضعها الناس في بيوتهم وسياراتهم وجيوبهم وفي صدورهم وتحت وسائدهم .. ويفهمون أن هذا فقط هو الدين، وقد أدّوا حقّ هذا القرآن وحق هذا الدّين!
لم يعد القرآن في حياة الناس هو مصدر التوجيه .. لقد صاغ لهم أعداء هذا (الدّين القيّم) أبدالًا منه يتلقّون منها التوجيه في شؤون الحياة كلها .. حتى ليتلقّون منها تصوراتهم ومفاهيمهم، إلى جانب ما يتلقّون منها شرائعهم وقوانينهم، وقيمهم وموازينهم!
ثم قالوا لهم: إن هذا الدّين محترم، وإن هذا القرآن مصون، وهو يتلى عليكم صباحًا ومساء وفي كل حين، ويترنّم به المترنّمون، ويرتّله المرتّلون .. فماذا تريدون من القرآن بعد هذا الترنّم وهذا الترتيل؟!
إنها مناورة النضر بن الحارث، ولكن في صورة متطوّرة معقّدة، تناسب تطوّر الزمان وتعقّد الحياة .. ولكنها هي هي في شكل من أشكالها الكثيرة، التي عرفها تاريخ الكيد لهذا الدّين، على مدار القرون!
ولكن العجيب في شأن هذا القرآن، أنه على طول الكيد وتعقّده وتطوّره وترقّيه ما زال يغلب!
إن لهذا الكتاب من الخصائص العجيبة، والسلطان القاهر على الفطرة، ما
[ ٤ / ٨٩٨ ]
يغلب به كيد الجاهليّة في الأرض كلها، وكيد الشياطن من هؤلاء وأولئك الذين يحاربون هذا الدّين، وكيد الأجهزة العالميّة التي يقيمونها هنا وهناك في كل أرض وفي كل حين!
إن هذا الكتاب ما يزال يلوي أعناق أعدائه في الأرض كلها، ليجعلوه مادة إذاعيّة في جميع محطّات العالم!
وحقيقة إنهم يذيعونه بعد أن نجحوا في تحويله في نفوس الكثير من المسلمين إلى مجرّد أنغام وتراتيل، أو مجرّد تمائم وتعاويذ!
وبعد أن أبعدوه حتى في خاطر الكثيرين من المسلمين، من أن يكون مصدر التوجيه للحياة!
وأقاموا مصادر أخرى للتوجيه في جميع الشؤون!
بيد أن هذا الكتاب مازال يعمل من وراء هذا الكيد، وسيظل يعمل .. وما تزال في أنحاء الأرض هنا وهناك عصبة مسلمة تتجمّع على جديّة هذا الكتاب، وتتخذه وحده مصدر التوجيه، وهي ترتقب وعد الله -﷿ - بالنصر والتمكين .. من وراء الكيد والسحق والقتل والتشريد .. وما كان مرّة لابدّ أن سيكون!
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ (الأنفال)!
وهنا نذكر ما رواه البخاري وغيره عن أنس بن مالك ﵁
[ ٤ / ٨٩٩ ]
قال: (١) قال أبو جهل: " ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ "!
فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾!
وأخرج ابن جرير وغيره أنها نزلت في النضر بن الحارث (٢)!
إنه العجب العجاب من عناد هؤلاء المشركين في وجه الحق الذي يغالبهم فيغلبهم، فإذا الكبرياء تصدّهم عن الاستسلام له، والإذعان لسلطانه، وإذا هم يتمنون على الله إن كان هذا هو الحق من عنده أن يمطر عليهم حجارة من السماء، أو أن يأتيهم بعذاب أليم، بدلًا من أن يسألوا الله أن يرزقهم اتباع هذا الحق والوقوف في صفه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾!
وهو دعاء غريب، يصوّر حالة من العناد الجامح الذي يؤثر الهلاك على الإذعان للحق، حتى ولو كان حقًّا!
إن الفطرة السليمة حين تشك تدعو الله أن يكشف لها عن وجه الحق، وأن يهديها إليه، دون أن تجد في هذا غضاضة!
ولكنها حين تفسد بالكبرياء تأخذها العزّة بالإثم، حتى لتؤثر الهلاك والعذاب، على أن تخضع للحق، عندما يكشف لها واضحًا لاريب فيه!
وبمثل هذا العناد كان المشركون في مكّة يواجهون الرسالة والرسول - ﷺ -!
_________________
(١) البخاري: ٦٥ التفسير (٤٦٤٨، ٤٦٤٩)، والبيهقي: "الدلائل": ٣: ٧٥.
(٢) انظر: ابن جرير: ٩: ١٥٢، وابن كثير: ٢: ٣٠٥، والشوكاني: ٢: ٣٢٣.
[ ٤ / ٩٠٠ ]
ولكن هذه الدعوة هي التي انتصرت في النهاية، في وجه هذا العناد الجامح الشموس!
ويعقب السياق على هذا العناد، وعلى هذا الدعاء، بأنهم مع استحقاقهم لإمطار الحجارة عليهم من السماء، وللعذاب الأليم الذي طلبوه.
إن كان هذا هو الحق من عند الله؛ لأنه للحق .. ومع هذا فإن الله ﵎ قد أمسك عنهم عذاب الاستئصال الذي أخذ به المكذّبين قبلهم؛ لأن رسول الله - ﷺ - بينهم، ولا يزال يدعوهم إلى الهدى، والله لا يعذّبهم عذاب الاستئصال والرسول - ﷺ - فيهم .. كما أنه لا يعذّبهم هذا العذاب على معاصيهم إذا كانوا يستغفرون منها .. وليس تأخير العذاب عنهم لمجرّد أنهم أهل هذا البيت، فليسوا بأولياء هذا البيت، إنما أولياؤه المتّقون: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾!
٥ - التطاول على القرآن ومنزله ومن جاء به:
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى (١): ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾!
_________________
(١) البخاري: ٦٥ التفسير (٤٧٢٢)، وانظر (٧٤٩٠، ٧٥٢٥، ٧٥٤٧)، ومسلم (١٤٥)، وأحمد: ١: ٢٣، ٢١٥، والترمذي (٣١٤٥، ٣١٤٦)، والنسائي: ٢: ١٧٧، ١٧٨، والكبرى (٩٩٣، ٩٩٤)، وأبو عوانة: ٢: ١٢٣، والطبري: التفسير: ١٥: ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، وابن خزيمة (١٥٨٧)، والبيهقي: ٢: ١٨٤، ١٨٥، والأسماء والصفات: ١: ٤٠١، والبغوي: التفسير: ٣: ١٤٢، والطبراني (١٢٤٥٤)، وابن حبان (١٧٩٦، ٦٥٦٣).
[ ٤ / ٩٠١ ]
قال: نزلت ورسول الله - ﷺ - مُخْتَفٍ بمكة، كان إِذا صلّى رفع صوته بالقرآن، فإِذا سمع المشركون سَبُّوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيّه - ﷺ - لي: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾!
أي بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسُبُّوا القرآن: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾! عن أصحابك، فلا تسمعهم: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء)!
وإن هي إلا سخافات الجاهليّة وأوهام الوثنيّة .. ومن ثم كان الأمر للرسول - ﷺ - أن يتوسّط في صلاته بين الجهر والخفوت، لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وإيذاء، أو من نفور وابتعاد، ولعل الأمر كذلك؛ لأن التوسّط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف أمام الله!
وفي رواية عن عائشة ﵂ قالت: أنزل ذلك في الدعاء (١)!
قال ابن حجر (٢): هكذا أطلقت عائشة، وهو أعم من أن يكون داخل داخل الصلاة أو خارجها!
وقال: يحتمل الجمع بينهما، بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة، وقد روى ابن مردويه من حديث أبي هريرة: كان رسول الله - ﷺ - إِذا صلّى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنزلت!
وجاء عن أهل التفسير في ذلك أقوال أخر!
_________________
(١) البخاري: ٦٥ التفسير (٤٧٢٣)، وانظر (٦٣٢٧، ٧٥٢٦).
(٢) فتح الباري: ٨: ٤٠٥، ٤٠٦ بتصرف.
[ ٤ / ٩٠٢ ]
٦ - الاتصال باليهود وأسئلتهم:
ولم يقف أمر هؤلاء عند حد هذا السبّ للقرآن ومنزله من وجاء به، فقد اتصلوا باليهود للإتيان منهم بأسئلة تعجيزيّة كما يتصوّرون للرسول - ﷺ -:
- السؤال عن الروح:
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس -﵄- قال (١): قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الرُّوح، فسألوه، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (الإسراء)!
قالوا: أوتينا عِلْمًا كثيرًا، أُوتينا التوراة، ومَن أوتِيَ التوراة، فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فأنزل الله -﷿: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ (الكهف: ١٠٩)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع النبي - ﷺ - في خِرَب المدينة وهو يتوكّأ على عسيبٍ معه فمرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض (٢): سلوه عن الرّوح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء
_________________
(١) أحمد: ١: ٢٥٥، والترمذي (٣١٤٠)، والنسائي: التفسير (٣٣٤)، والكبرى (١١٣١٤)، وأبو يعلى (٢٥٠١)، والحاكم: ٢: ٥٣١، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢٦٩، وابن حبان (٩٩).
(٢) البخاري: ١٣ العلم (١٢٥)، وانظر (٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢)، ومسلم (٢٧٩٤) وأحمد: ١: ٣٨٩، ٤٤٤، والترمذي (٣١٤١)، والنسائي: التفسير (٣١٩)، والكبرى (١١٢٩٩)، والطبري: التفسير: ١٥: ١٥٥، والشاشي (٣٦٩)، والطبراني: الصغير (١٠٠٣)، والواحدي: أسباب النزول: ٢٩٩، وابن حبان (٩٨).
[ ٤ / ٩٠٣ ]
فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الرُّوح؟ فسكت، فقلت: إِنه يوحى إِليه، فقمت، فلمَّا انجلى عنه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء]
قال ابن حجر: في رواية عن ابن عباس عند الطبري، "فقالوا: أخبرنا عن الروح؟ " قال ابن التين: اختلف الناس في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر على أقوال (١):
ثم قال: وقد روى ابن إسحاق في تفسيره بإسناد صحيح عن ابن عباس، قال: الروح من الله، وخلق من خلق الله وصور كبني آدم، لا ينزل ملك إلا معه واحد من الروح، وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح، أي لا يعين المراد في الآية!
وقال الخطابي: حكوا في المراد بالروح في الآية أقوالًا:
قيل: سألوه عن جبريل!
وقيل: عن ملك له ألسنة!
وقال الأكثر: سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد!
وقال أهل النظر: سألوه عن كيفيّة مسلك الروح في البدن، وامتزاجه به، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه!
وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح!
وقال الرازي: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ٨: ٤٠٢ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٠٤ ]
الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، وهل هي متحيّزة أم لا؟ وهل هي حالة في متحيّز أم لا؟ وهل هي قديمة أو حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها ونعيمها؟ وغير ذلك من متعلقاتها؟
وليس في السؤال ما يخصّص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة أو حادثة؟!
والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى ﴿كُنْ﴾ فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه!
قال: ويحتمل أن المراد بالأمر في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الفعل، كقوله:
﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾ (هود)!
أي فعله، فيكون الجواب الروح من فعل ربّي!
وإن كان السؤال هل هي قديمة أو حادثة؟ فيكون الجواب إنها حادثة!
إلى أن قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء، والتعمّق فيها!
وغاب عن هؤلاء أن المنهج الأقوم في هذا الدّين في حدود ما يستطيع الإدراك البشري بلوغه ومعرفته (١)؛ فلا يبدّد الطاقة العقليّة التي وهبها الله للناس فيما لا ينتج ولا يثمر!
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل، ولكن فيه التوجيه لهذا
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٢٤٩ بتصرف.
[ ٤ / ٩٠٥ ]
العقل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه، فلا جدوى من الخبط في التّيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه، والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسرّ من أسراره القدسيّة أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها!
وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود! والإنسان لا يدبر هذا الكون، فطاقاته ليست شاملة، إنما وهب منها بقدر محيطه، وبقدر حاجته، ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقّق ما شاء الله أن يحقّقه، في حدود علمه القليل!
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيرًا أمام ذلك السرّ اللطيف ﴿الرُّوح﴾ لا يدري ما هو، ولا كيف جاء، ولا كيف يذهب، ولا أين كان، ولا أين يكون، إلا ما يخبر به العلم الخبير في التنزيل!
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن يؤذي رسول الله - ﷺكما أسلفنا- وكان قد قدمِ من الحيرة .. ويدَّعي أنه أحسن حديثًا .. ويحدّثهم عن ملوك فارس ورستم وغيرهما .. (١)
قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله! (٢)
قال ابن إسحاق (٣): وكان ابن عباس ﵄ يقول، فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن، قول الله ﷿: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ (القلم)، (المطففين: ١٣).
_________________
(١) انظر السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٣٧٠، والروض الأنف: ٢: ٥٢.
(٢) انظر: السابق.
(٣) السيرة النبوية: ١: ٣٧١ وما بعدها معلقًا، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢٦٩ - ٢٧٠، وأحمد: الفتح الرباني: ١٨: ١٩٦ - ١٩٧، وانظر: الفتح: ٨: ٤٠١.
[ ٤ / ٩٠٦ ]
وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن (١)!
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما:
سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله. فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علمَ ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتَّى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله - ﷺ -، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله. وقالا لهم:
إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا،، فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبيّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فَرَوْا فيه رأيكم!
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب؟
وسلوه عن رجل طوَّاف، قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟
وسلوه عن الرُّوح، ما هي؟
فإذا أخبركم بذلك فاتّبعوه، فإنه نبيّ، وإن لم يفعل، فهو رجل متقوّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم!
_________________
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
[ ٤ / ٩٠٧ ]
فأقبل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعيط بن أبي عمرو بن أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، حتى قدما مكّة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أَمَرُونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبيّ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فرَوْا فيه رأيكم!
فجاؤوا الرسول - ﷺ - فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب!
وعن رجل كان طوّافًا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها!
وأخبرنا عن الرّوح ما هي؟
قال: فقال لهم - ﷺ -:" أخبركم بما سألتم عنه غدًا " ولم يستثن، فانصرفوا عنه.
فمكث رسول الله ﷺفيما يذكرون- خمس عشرة ليلة، لا يُحْدث الله إليه في ذلك وحيًا؟، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجفَ أهل مكة وقالوا: وعَدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة ليلة، قد أصبحنا منها، لا يخبرنا بشيء، مما سألناه عنه، وحتى أحزنَ رسولَ الله - ﷺ - مُكْث الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلّم به أهل مكة!
ثم جاءه جبريل من الله ﷿ بسورة أصحاب الكهف. فيها معاتبته إيّاه على حزنه عليهم. وخبر ما سألوه عنه من أمر الله: الفتية، والرجل الطوَّاف، والروح! (١)
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية: ١: ٣٧٣.
[ ٤ / ٩٠٨ ]
وتعددت الروايات في سبب النزول (١)، ونظرًا لتعدَّد تلك الروايات، نؤثر أن نقف في ظل النص القرآني المستيقن، لنعلم يقينًا أنه كان هناك سؤال قد تعدّدت الروايات في ذكره!
- أهل الكهف:
ويطالعنا مفتح السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ (الكهف).
ونبصر أنه تعالى يحمد نفسه المقدَّسة عند فواتح الأمور وخواتمها، وأنه جلَّ شأنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، وقد حمد نفسه على إنزاله الكتاب العزيز على رسوله محمد - ﷺ -، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيمًا، لا عوج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحًا بينًّا جليًّا، نذيرًا للكافرين، بشيرًا للمؤمنين!
ونبصر بدءًا فيه استقامة، وفيه صرامة .. ومن ثمَّ تتضِّح المعالم، فلا لبس في العقيدة ولا غموض .. ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله !
_________________
(١) انظر: ابن كثير: التفسير: ٣: ٧١ وما بعدها، والمرجع السابق.
[ ٤ / ٩٠٩ ]
وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف عُصِمَ من الدّجال". (١)
ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب ﵁ يقول:
"قرأ رجلٌ الكهف، وفي الدّار دابّة، فجفلتْ تنفْر، فنظر، فإذا ضبابةٌ -أو سحابة- قدْ غشيَتْهُ. قال: فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "اقرأ فلان، فإنّها السكينة تنزّلتْ عند القرآن، أو تنزَّلت للقرآن". (٢)
وفي رواية عن البراء ﵁ قال:
كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصانٌ مربوط بشَطنَيْن، فتغشّته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه تَنْفر، فلمَّا أَصبح أتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال: "تلك السكينة تنزّلتَ بالقرآن" وتعددت الروايات في ذلك. (٣)
_________________
(١) مسلم: ٦ - صلاة المسافرين (٨٠٩)، وأحمد: ٥: ١٩٦، وانظر: ٦: ٤٤٩ - ٤٥٠، والترمذي (٢٨٨٦)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والنسائي: عمل اليوم والليلة (٩٥١)، والبغوي: شرح السنة (١٢٠٤)، وأبو عوانة (٣٧٨٠)، والبيهقي: ٣: ٣٤٩.
(٢) البخاري: ٦١ - المناقب (٢٦١٤)، وانظر (٤٨٣٩، ٥٠١١)، ومسلم (٧٩٥)، والطيالسي (٧١٤)، وأبو نعيم الحلية: ٤: ٣٤٢، والبيهقي: "الدلائل": ٧: ٨٣، والبغوي (١٢٠٦)، وابن حبان (٧٦٩).
(٣) البخاري: ٦٦ فضائل القرآن (٥٠١١)، وانظر (٥٠١٨)، ومسلم (٦٩٥)، وانظر (٧٩٦)، وأحمد: ٣: ٨١، والنسائي: الكبرى (٨٠١٦، ٨٢٤٤)، وأبو عبيد: فضائل القرآن: ٢٧، والحا كم: ١: ٥٥٣ - ٥٥٤، والطبراني: الكبير (٥٦٦)، وانظر: مشارق الأنوار: ٢: ٢٢، والنووي: شرح صحيح مسلم: ٦: ٨٢.
[ ٤ / ٩١٠ ]
ثم تجيء قصة أصحاب الكهف: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ (الكهف).
وهو تلخيص يجمل القصّة (١)، ويرسم خطوطها العريضة، فنعرف أن أصحاب الكهف فتية، آووا إلى الكهف وهم مؤمنون، وأنه ضرب على آذانهم في الكهف، وأنهم بعثوا من رقدتهم الطويلة، وأنه كان هناك فريقان يتجادلان في شأنهم، ثم لبثوا في الكهف .. وقصتهم على غرابتها ليست بأعجب آيات الله، وفي صفحات هذا الكون من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف والرقيم!
ويطالعنا المشهد الأول: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾، بإلهامهم كيف يدبرون أمرهم: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، فإذا هي ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت، معتزّة بالإيمان الذي اختارت: ﴿إِذْ قَامُوا﴾
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٢٦١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩١١ ]
والقيام حركة تدل على العزم والثبات: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو رب لهذا الكون كله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ فهو واحد بلا شريك: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ وتجاوزنا الحق، وحدنا عن الصواب!
ثم يلتفتون إلى ما عليه قومهم فيستنكرونه، ويستنكرون المنهج الذي يسلكونه: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾؟ فهذا هو طريق الاعتقاد: أن يكون للإنسان دليلٌ قويٌّ يستند إليه، وبرهان له سلطان على النفوس والعقول، وإلا فهو الكذب الشنيع؛ لأنه الكذب على الله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾؟
وإلى هنا يبدو موقف الفتية واضحًا صريحًا حاسمًا، لا تردّد فيه ولا تلعثم .. إنهم فتية أشدّاء في أجسامهم، أشدّاء في إيمانهم، أشدّاء في استنكار ما عليه قومهم!
ولقد تبيَّن الطريقان، واختلف المنهجان، فلا سبيل إلى الالتقاء، ولا للمشاركة في الحياة، ولا بدَّ من الفرار بالعقيدة .. إنهم ليسوا رسلًا إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل .. إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها، وهم لا يطيقون كذلك أن يُداروا القوم، ويداوروهم ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة، على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم لله .. والأرجح أن أمرهم قد كُشف، فلا سبيل لهم إلا أن يفرِّوا بدينهم إلى الله، وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة، وقد أجمعوا أمرهمِ فهم يتناجون بينهم: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾
[ ٤ / ٩١٢ ]
وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة، فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم، ويهجرون ديارهم، ويفارقون أهلهم، ويتجرّدون من زينة الأرض ومتاع الحياة .. هؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيّق الخشن المظلمِ. هؤلاء يستروحون رحمة الله، ويحسّون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدّة: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ ولفظه ﴿يَنشُرْ﴾ تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح، فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع، تنتشر فيه الرحمة، وتتسع خيوطها، وتمتدّ ظلالها، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء .. إن الحدود الضيّقة لتنزاح، وإن الجدران الصلدة لترق، وإن الوحشة الموغلة لتشف، فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق!
إنه الإيمان .. وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضيَّة؟!
إن هنالك عالمًا آخر في جنبات القلب المغمور بالإيمان، المأنوس بالرحمن، عالمًا تظلّله الرحمة والرفق والرضوان!
ويطالعنا قوله جلَّ شأنه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ (الكهف).
وهو مشهد تصويري عجيب، ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف، كما
[ ٤ / ٩١٣ ]
يلتقطها شريط متحرّك، والشمس تطلع على الكهف فتميل عليه كأنها متعمدة، ولفظ ﴿تَزَاوَرُ﴾ تصوّر مدلولها، وتلقي ظلال الإرادة في عملها، والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه .. ويعلق على وضعهم بأحد التعليقات القرآنيّة التي تتخلل لتوجيه القلوب ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعّتها وتقرب منهم بضوئها، وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ هو وللهدى والضلال ناموس، فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه الله وفق ناموسه، وهو المهتدي حقًّا، ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضلّ، وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أصله الله إذن، ولن تجد له من بعد هاديًا!
ويمضي السياق يكمل المشهد العجيب، وهم يقلبون من جنب إلى جنب في نومتهم الطويلة، فيحسبهم الرائي أيقاظًا وهو رقود، وكلبهم -على عادة الكلاب- باسط ذراعية بالفناء قريبًا من باب الكهف كأنه يحرسهم، وهم في هيئتهم هذه يثيرون الرعب في قلب من يطلع عليهم، إذ يراهم نيامًا كالأيقاظ، يتقلّبون ولا يستيقظون، وذلك من تدبير الله، كي لا يعبث بهم عابث، حتى يجري الوقت المعلوم!
وفحأة تدب فيهم الحياة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ (الكهف)!
[ ٤ / ٩١٤ ]
ويطالعنا هذا المشهد، والفتية يستيقظون وهم لا يعرفون كم لبثوا منذ أن أدركهم النعاس .. إنهم يفركون أعينهم، ويلتفت أحدهم إلى الآخر فيسأل: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ كما يسأل مِن يستيقظ من نوم طويل، ولابد أنه كان يحسّ بآثار نوم طويل: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾!
ثم رأوا أن يتركوا هذه المسألة التي لا طائل وراء البحث فيها، ويدعوا أمرها لله -شأن المؤمن في كل ما يعرض له مما يجهله- وأن يأخذوا في شأن عمليّ، فهم جائعون، ولديهم نقود فضيّة خرجوا بها من المدينة: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم، ويعرف مخبؤهم، فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجمًا -بوصفهم خارجين على الدّين، لأنهم يعبدون إلهًا واحدًا في المدينة المشركة! - أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب، وهذه هي التي يتقونها، لذلك يوصون أحدهم أن يكون حذرًا لبقًا: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾! فما يفلح من يرتدّ عن الإيمان إلى الشرك، وإنها للخسارة الكبرى!
وهكذا نشهد الفتية يتناجون فيما بينهم، حذرين خائفين، لا يدرون أن الأعوام قد كرَّت، وأن عجلة الزمن قد دارت، وأن أجيالًا قد تعاقبت، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيّرت معالمها، وأن المسلّطن الذين يخشونهم على عقيدتهم قد دالت دولتهم، وأن قصة الفتية الذين فرّوا بدينهم في عهد الملك الظالم قد تناقلها الخلف عن السلف، وأن الأقاويل حولهم متعارضة، حول عقيدتهم، وحول الفترة التي مضت منذ اختفائهم!
وهكذا يسدل الستار على مشهدهم في الكهف ليرفع على مشهد آخر!
[ ٤ / ٩١٥ ]
ونفهم أن أهل المدينة اليوم مؤمنون، فهم شديدو الحفاوة بالفتية المؤمنين بعد أن انكشف أمرهم بذهاب أحدهم لشراء الطعام، وعرف الناس أنه أحد الفتية الذين فرّوا بدينهم منذ عهد بعيد!
ولنا أن نتصوّر ضخامة المفاجأة التي اعترف الفتية -بعد أن أيقن أحدهم أن المدينة قد مضى عليها العهد الطويل منذ أن فارقوها، وأن الدنيا قد تبدَّلت من حولهم، فلم يعد لشيء مما ينكرونه، ولا لشيء مما يعرفونه وجود! وأنهم من جيل قديم مضت عليه القرون، وأنهم أعجوبة في نظر الناس وحسّهم. فلن يمكن أن يعاملوهم كبشر عاديين، وأن كل ما يربطهم بجيلهم من قرابات ومعاملات ومشاعر وعادات وتقاليد .. كله قد تقطع، فهم أشبه بالذكرى الحيّة منهم بالأشخاص الواقعيّة فيرحمهم الله من هذا كله فيتوفاهم!
لنا أن نتصوَّر هذا كله .. أما السياق القرآني فيعرض هذا المشهد الأخير، مشهد وفاتهم، والناس خارج الكهف يتنازعون في شأنهم، على أي دين كانوا، وكيف يخلدونهم ويحفظون ذكراهم للأجيال، وتطالعنا العبرة المستفادة: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ (الكهف). والعبرة في خاتمة هؤلاء الفتية هي دلالاتها على البعث بمثل واقعي قريب محسوس، يقرب إلى الناس قضيّة البعث، فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق، وأن الساعة لا ريب فيها .. وعلى هذا النحو بعث الله الفتية من نومتهم، وأعثر قومهم عليهم!
[ ٤ / ٩١٦ ]
وقال بعض الناس: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ لا يحدّد عقيدتهم ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ وبما كان عليه من عقيدة!
وقال أصحاب السلطان في ذلك الأوان: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ والمقصود معبد، على طريقة أهل الكتاب، في اتخاذ المعابد على مقابر الأنبياء والصالحين .. وكما يصنع اليوم من يقلّدونهم من المسلمين، مخالفين لهدي الرسول - ﷺ - فيما رواه الشيخان وغيرهما أن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لما نزل برسول الله - ﷺ - طَفِقَ يطرح خَميصةً له على وجهه، فإِذا اغْتَمَّ بها كشف عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: "لَعْنَةُ اللهِ على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. (١)
قال السندي: (يُحَذِّرُ): أي أمته، قيل: لأنه يصير بالتدريج تشبيهًا بعبادة الأوثان، وقوله (قبور أنبيائهم)، أي وصلحائهم، كما في رواية مسلم، وإلا فالنصارى ليس لهم إلا نبيّ واحد لا قبر له!
ورواية مسلم عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "إِن أولئك إِذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بَنَوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصُّوَر، أولئك شرار الحلق عند الله يوم القيامة". (٢)
_________________
(١) البخاري: ٨ - الصلاة (٤٣٥، ٤٣٦)، وانظر (١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥، ٣٤٥٤، ٤٤٤٤، ٥٨١٦)، ومسلم (٥٣١)، وعبد الرزاق (١٥٨٨، ٩٧٥٤، ١٥٩١٧، وأبو عوانة: ١: ٣٩٩، والدارمي: ١: ٣٢٦، والبيهقي: ٤: ٨٠، والدلائل: ٧: ٢٠٣، والبغوي (٣٨٢٥)، والنسائي: ٢: ٤٠ - ٤١، وأحمد: ١: ٢١٨، ٦: ٢٧٥. وانظر: ابن سعد: ٢: ٢٥٨ عن الواقدي.
(٢) مسلم: ٥ - المساجد (٥٢٨).
[ ٤ / ٩١٧ ]
ويطالعنا الجدل حول أصحاب الكهف، على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار ويزيدون فيها وينقصون، ويضيفون إليها من خيالهم جيلًا بعد جيل، حتى تتضخَّم وتتحوَّل، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحدث الواحد كلما مرَّت القرون: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ (الكهف)!
فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه، وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة أو أكثر، وأمرهم موكول إلى الله، وعلمهم عند الله، وعند القليلين الذين تثبّتوا من الحادث عند وقوعه .. فلا ضرورة إذن للحديث الطويل حول عددهم .. والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير لذلك يوجّه القرآن خاتمَ النبيّين - ﷺ - إلى ترك الجدل في هذه القضيّة، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم، تمشّيًا مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقليّة أن تبدَّد في غير ما يفيد، وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به علم وثيق وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله، فليترك إلى علم الله!
وبمناسبة النهي عن الجدل في غيب الماضي، يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل وما يقع فيه. فالإنسان لا يدري ما يكون في المستقبل حتى يقطع برأي فيه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ (الكهف)!
[ ٤ / ٩١٨ ]
إن كل حركة وكل نأمة، بل كل نفس من أنفاس الحيّ، مرهون بإرادة الله .. وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة .. وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل، وعقله مهما علم قاصر كليل، فلا يقل إنسان: إني فاعل ذلك غدًا، والغد في غيب الله، وأستار غيب الله دون العواقب!
وليس معنى هذا أن يقعد الإنسان، لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له، وأن يعيش يومًا بيوم، لحظة بلحظة، وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله .. كلا. ولكن معناه أن يحسب حساب الغيب وحساب المشيئة التي تدبره، وأن يعزم ما يعزم ويستعين بمشيئة الله على ما يعزم، ويستشعر أن يد الله فوق يده، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره، فإن وفقه الله إلى ما اعتزم، وجرت مشيئة الله بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس؛ لأن الأمر لله أولًا وأخيرًا!
فليفكر الإنسان وليدبر، ولكن ليشعر أنه إنما يفكر بتيسير الله، ويدبر بتوفيق الله، وأنه لا يملك إلا ما يمدّه الله من تفكير وتدبير، ولن يدعو هذا إلى كسل أو تراخ، أو ضعف أو فتور، بل على العكس يمدّه بالثقة والقوّة والاطمئنان والعزيمة، فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره، فليتقبّل قضاء الله بالرضى والطمأنينة والاستسلام، لأنه الأصل الذي كان مجهولًا فكشف عنه الستار!
هذا هو المنهج الذي يأخذ به الإسلام قلب المسلم، فلا يشعر بالوحدة والوحشة وهو يفكّر ويدبّر، ولا يحسّ بالغرور والتبطر وهو يفلح وينجح، ولا يستشعر القنوط واليأس وهو يفشل ويخفق، بل يبقى في كل أحواله متصلًا بالله، قويًّا بالاعتماد عليه، شاكرًا لتوفيقه إيّاه، مسلمًا بقضائه وقدره، غير متبطر ولا قنوط!
[ ٤ / ٩١٩ ]
ونبصر في تأخير الوحي بالجواب عتابًا رمزيًا من الله لرسوله - ﷺ -، كما عاتب سليمان، فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن نبيّ الله سليمان ﵊ كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفنَّ الليلة على نسائي فلتحملن كل امرأة، ولتلدن فارسًا يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدتْ منهن إِلا امرأةٌ ولدت نصف شقّ غلام، قال نبي الله - ﷺ -: "لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأةٍ منهن فولدت فارسًا يقاتل في سبيل الله". (١)
وكان هذا عتابًا صريحًا، فإن رسول الله - ﷺ - لمَّا سئل عن أهل الكهف -كما أسلفنا- وعد بالإجابة، ولم يستثن، كما نسي سليمان -﵇- فأعلم الله رسوله بقصة (أهل الكهف)، ثم نهاه أن يعد بفعل شيء دون التقيّد بمشيئة الله!
وقوله جل شأنه: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء حقيقي من الكلام الذي قبله وفي كيفيّة نظمه اختلاف للمفسّرين. (٢)
فمقتضى كلام الزمخشري أنه من بقيّة جملة النهي، أي هو استثناء في حكم النهي، أي لا تقولن: إني فاعل إلخ إلا أن يشاء الله أن تقوله، ومشيئة الله تُعلم من إذنه بذلك، فصار المعنى: إلا أن يأذن الله لك بأن تقوله، وعليه
_________________
(١) البخاري: ٩٧ - التوحيد (٤٧٦٩)، وانظر (٣٤٢٤، ٥٢٤٢، ٦٧٢٠)، ومسلم (١٦٥٤)، والحميدي (١١٧٤)، وأحمد: ٢: ٢٧٥، والنسائي: ٧: ٢٥ - ٢٦، والبغوي (٧٩)، والبيهقي: ١٠: ٤٤، وابن حبان (٤٣٣٧)، والطحاوي: مشكل الآثار (١٩٢٥)، وانظر: الفتح ٦: ٤٦.
(٢) التحرير والتنوير: ١٥: ٢٩٥ بتصرف.
[ ٤ / ٩٢٠ ]
فالمصدر المنسبك من ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ مستثنى من عموم المنهيات، وهو من كلام الله تعالى، ومفعول ﴿يَشَاءَ اللَّهُ﴾ محذوف، دل عليه ما قبله، كما هو شأن فعل المشيئة، والتقدير: إلا قولًا شاءه الله، فأنت غير منهي عن أن تقوله!
ومقتضى كلام الكسائي والأخفش والفرّاء مستثنى من جملة ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾، فيكون مستثنى من كلام النبي - ﷺ - المنهي عنه، أي إلا قولًا مقترنًا بـ (أن يشاء الله) فيكون المصدر المنسبك من ﴿أَن﴾ والفعل في محل نصب على نزع الخافض، وهو باء الملابسة، والتقدير: إلا بـ (أن يشاء الله) أي بما يدل على ذكر مشيئة الله؛ لأن ملابسة القول لحقيقة المشيئة محال، فعلم أن المراد تلبسه بذكر المشيئة بلفظ (إن شاء الله) ونحوه، فالمراد بالمشيئة إذْن الله له!
وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبي - ﷺ - من ثلاث جهات:
الأولى: أنه أجاب سؤله، فبيَّن لهم ما سألوه إيَّاه، على خلاف عادة ذلك مع المكابرين!
الثانية: أنه علَّمه علمًا عظيمًا من أدب النبوَّة!
الثالثة: أنه ما علَّمه ذلك إلا بعد أن أجاب سؤله استثناسًا لنفسه ألا يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه، كيلا يتوهّم أن النهي يقتضي الإعراض عن إجابة سؤاله، وكذلك شأن تأديب الحبيب المكرّم، ومثاله ما رواه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام ﵁ قال:
سألت رسول الله - ﷺ - فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم، إِن هذا المال خَضِرةٌ حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذه بإِشراف نفس لم يُبارك له فيه،
[ ٤ / ٩٢١ ]
كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرْزَ أأَحَدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا إِلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إِن عمر ﵁ دعاه ليُعْطِيَه، فأبى أن يَقْبَل منه شيئًا، قال عُمر: إِنّي أشْهِدُكُم يا معشر المسلمين على حكيم أنّي أعرض عليه حقَّه من هذا الفَيْء فيأبى أن يأخذه، فلم يرْزأْ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول الله - ﷺ - حتى تُوفِّي". (١)
فعلم حكيم أن قول رسول الله - ﷺ - له ليس القصد منه منعه من سؤاله، وإنما قصد منه تخليقه بخلق جميل، فلذلك أقسم حكيم ألا يأخذ عن أحد غير رسول الله - ﷺ - شيئًا، ولم يقل: لا أسألك بعد هذه المرة شيئًا!
فنظم الآية أن اللام في قوله ﴿لِشَيْءٍ﴾ ليست اللام التي يتعدَّ بها فعل القول إلى المخاطب، بل هي لام العلّة، أي لا تقولنَّ: إني فاعل كذا لأجل شيء تَعدُ به، فاللام بمنزلة (في)!، و(شيء) اسم متوغل في التنكير يفسره المقام، أَي لشيء تريد أن تفعله، والإشارة بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ عائدة إلى (شيء)، أي إني فاعل الإخبار بأمر يسألونه، و﴿غَدًا﴾ مستعمل في المستقبل مجازًا، وليس كلمة ﴿غَدًا﴾ مرادًا بها اليوم الذي يلي يومه، ولكنه يستعمل في معنى الزمان
_________________
(١) البخاري: ٢٤ - الزكاة (١٤٧٢)، وانظر (٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١). ومسلم (١٠٣٥)، والحميدي (٥٥٣)، وابن أبي شيبة: ٣: ٢١١، والنسائي: ٥: ٦٠، ١٠٠، ١٠١، وابن أبي عاصم: الآحاد والثاني (٥٩٥)، وعبد الرزاق (٢٠٠٤١)، والترمذي (٢٤٦٣)، وأحمد: ٣: ٤٣٤، والدارمي: ١: ٣٨٨، ٢: ٣١٠، وابن حبان (٣٢٢٠، ٣٤٠٢)، والطبراني: الكبير (٣٠٧٨، ٣٠٨٠، ٣٠٨٠، ٣٠٨١)، والبيهقي: ٤: ١٩٦٠، والبغوي (١٦١٩).
[ ٤ / ٩٢٢ ]
المستقبل، كما يستعمل اليوم بمعنى زمان الحال، والأمس بمعنى زمن الماضي، وقد جمعها قول زهير:
واعلمُ عِلْمَ اليوم والأمس قبله ولكني عن علم ما في غدٍ عَمِ
وظاهر الآية اقتصار إعمالها على الإخبار بالعزم على فعل في المستقبل، دون ما كان من الكلام إنشاء مثل الأيمان، فلذلك اختلف فقهاء الأمصار في شمول هذه الآية لإنشاء الأيمان ونحوها، فقال جمهورهم: يكون ذكر ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ﴾ حلًاّ لعقد اليمين، يسقط وجوب الكفارة، ولعلهم أخذوه من معنى (شيء) في قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ إلخ: بحيث إذا أعقبت اليمين بقول ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ونحوه لم يلزم البرّ في اليمين، وروى ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكيم عن مالك أن قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ﴾ إلخ إنما قُصد بذلك ذكر الله عند السهو وليس باستثناء، يعني أن حكم الثنيا في الأيمان لا يؤخذ من هذه الآية، بل هو مما ثبت بالسنة، ولذلك لم يخالف مالك في إعمال الثنيا في اليمين. وهي قول: (إن شاء الله) وهذا قول أبي حنيفة والشافعي!
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ عطف على النهي، أي لا تَعدْ بوعد، فإن نسيت فقلت: إني فاعل، فاذكر ربك، أي اذكر ما نهاك عنه، والمَراد بالذكر التدارك، وهو هنا مشتق من الذُّكر -بضم الذال- وهو كناية عن لازم التذكر، وهو الامتثال، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه)!
[ ٤ / ٩٢٣ ]
وفي تعريف الجلالة بلفظ الرب مضافًا إلى ضمير الخاطب دون اسم الجلالة الْعَلَم من كمال الملاطفة ما لا يخفى، وحذف مفعول ﴿نَسِيتَ﴾ لظهوره من المقام، أي إذا نسيت النهي فقلت: إني فاعل، وبعض الذين أعملوا آية ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في حلّ الأيمان بذكر الاستثناء بمشيئة الله جعلوا قوله ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ترخيصًا في تدارك الثنيا عند تذكر ذلك، فمنهم من لم يحد ذلك بمدّة، وعن ابن عباس: لا تحديد بمدّة، بل ولو طال ما بين اليمين والثنيا، والجمهور على أن قوله ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ لا دلالة فيه على جواز تأخيرِ الثنيا، واستدلوا بأن السنة وردت بخلافه! ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾.
لما أبرّ الله وعد نبيّه - ﷺ - الذي وعده المشركين أن يبيّن لهم أمر أهل الكهف فأوحاه إليه، وأوقفهم عليه، أعقب ذلك بعتابه على التصدّي لمجاراتهم في السؤال عما هو خارج على غرض الرسالة، دون إذن من الله، وأمره أن يذكر نهي ربّه، ويعزم على تدريب نفسه على إمساك الوعد ببيان ما يسأل منه بيانه دون أن يأذن الله به، أمره هنا أن يخبر سائليه بأنه ما بعث للاشتغال بمثل ذلك، وأنه يرجو الله أن يهديه إلى ما هو أقرب من الرشد من بيان أمثال هذه القصة، وإن كانت هذه القصة تشتمل على موعظة وهدى، ولكن الهدى الذي في بيان الشريعة أعظم وأهم، والمعنى وقيل له: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ وهي جملة معطوفة على جملة ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ ويجوز أن تكون عطفًا على جملة ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي اذكر أمره ونهيه، وقل في نفسك ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾، أي ادع الله بهذا!
وانتصب ﴿رَشَدًا﴾ على تمييز نسبة التفضيل من قوله ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا﴾
[ ٤ / ٩٢٤ ]
ويجوز أن يكون منصوبًا على أنه مفعول مطلق مبيّن النوع فعل ﴿أَن يَهْدِيَنِ﴾ لأن الرشد نوع من الهداية، و﴿عَسَى﴾ مستعملة في الرجاء تأدبًا، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من قصة أهل الكهف، بقرينة وقوع هذا الكلام معترضًا في أثنائها، ويجوز أن يكون المعنى: وارج من الله أن يهديك فيُذكرك ألا تَعِدَ وعْدًا ببيان شيء دون إذن الله! (١)
في كلمة ﴿عَسَى﴾ وكلمة ﴿لأَقْرَبَ﴾ الدلالة على ارتفاع هذا المرتقى، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال! (٢)
ويطالعنا قوله جل شأنه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ (الكهف)!
وهذا هو فصل الخطاب في أمرهم، يقرّره عالم غيب السموات والأرض، ما أبصره، وما أسمعه! سبحانه، فلا جدال بعد هذا ولا مراء!
والمعنى أن يقدر لبثهم بثلائمائة وتسع سنين، فَعُبِّر عن هذا العدد بأنه ثلاثمائة سنة، وزيادة تسع (٣)، ليعلم أن التقدير بالسنين القمريّة المناسبة لتاريخ العرب والإسلام، مع الإشارة إلى موافقة ذلك المقدار بالسنين الشمسيّة التي بها تاريخ القوم الذين منهم أهل الكهف، وهم أهل الروم!
وهذا إخبار من الله تعالى عن مقدار لبثهم، قال السهيلي (٤): ولكن لما علم استبعاد قريب وغيرهم من الكفار لهذا المقدار، وعلم أن فيه تنازعًا بين الناس،
_________________
(١) التحرير والتنوير: ١٥: ٣٠١.
(٢) في ظلال القرآن: ٤: ٢٢٦٦ بتصرف. [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا الهامش ورد في المطبوع قبل موضعه الصحيح هذا بصفحات]
(٣) التحرير والتنوير: ١٥: ٣٠٠.
(٤) الروض الأنف: ٢: ٥٧ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٢٥ ]
فمن ثُمَّ قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وقوله: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي إنها ثلاثمائة بحساب العجم، وإن حسبت الأهلة، فقد زاد العدد تسعًا، لأن ثلاثمائة بحساب الشمس تزيد تسع سنين بحساب القمر، فإن قيل: فكيف قال ثلاثمائة سنين، ولم يقل سنة، وهو قياس العدد في العربيّة، لأن المائة تضاف إلى لفظ الواحد، فالجواب أن سنين في الآية بدل مما قبله، ليس على حدّ الإضافة ولا التمييز، ولحكمة عظيمة عدل باللفظ عن الإضافة إلى البدل، وذلك أنه لو قال: ثلاث مائة سنة، لكان الكلام كأنه جواب لطائفة واحدة من الناس، والناس فيهم طائفتان: طائفة عرفوا طول لبثهم، ولم يعلموا كميّة السنين، فعرفهم أنها ثلاثمائة.
وطائفة لم يعرفوا طول لبثهم، ولا شيئًا من خبرهم.
فلما قال: ثلاثمائة معرفًا للأولين بالكميّة التي شكّوا فيها، مبيّنًا للآخرين أن هذه الثلاثمائة سنون، ليست أيّامًا ولا شهورًا، فانتظم البيان الطائفتين من ذكر العدد، وجمع المعدود، وتبيّن أنه بدل، إذ البدل يُراد به: تبيين ما قبله، ألا ترى أن اليهود قد كانوا عرفوا أن لأصحاب الكهف نبأ عجيبًا، ولم يكن العجب إلا من طول لبثهم، غير أنهم لم يكونوا على يقين من أنها ثلاثمائة أو أقل، فأخبر أن تلك السنين ثلاثمائة، ثم لو وقف الكلام ها هنا لقالت العرب، ومن لم يسمع بخبرهم: ما هذه الثلاثمائة؟ فقال كالمبين لهم: سنين، وقد روي معنى هذا التفسير عن الضحاك، وذكره النحاس!
وقال: ﴿سِنِينَ﴾، ولم يقل (أعوامًا)، والسنة والعام، وإن اتسعت العرب فيهما، واستعملت كل واحد منهما مكان الآخر اتساعًا، ولكن بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فرقًا، فخذه أولًا من الاشتقاق، فإن السنة من سنا
[ ٤ / ٩٢٦ ]
يسنو، إذا دار حول البئر، والدابة: هي السانية، فكذلك السنة دورة من دورات الشمس، وقد تسمى السنة: دارًا هذا أصل الاسم، ومن ثم قالوا: أكلتهم السنة، فسمّوا شدّة القحط سنة، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِيِنَ﴾ (الأعراف: ١٣٠).
ومن ثم قيل: أسنت القوم إذا قحطوا، وكأن وزنه (افعتوا)، لا (أفعلوا)، كذلك قال بعضهم، وجعل سيبوية التاء بدلًا من الواو، فهي عنده (أفعلوا). لأن الجدوبة والخصب معتبر بالشتاء والصيف.
وحساب العجم إنما هو بالسنين الشمسيَّة، بها يؤرخون، وأصحاب الكهف من أمّة عجميّة، والنصارى يعرفون حديثهم، ويؤرّخون به، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم، وتمم الفائدة بقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ليوافق حساب العرب، فإن حسابهم بالشهور القمريّة (المحرم، وصفر) ونحوهما.
وانظر بعد هذا إلى قوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ (يوسف: ٤٧).
ولم يقل أعوامًا، ففيه شاهد لما تقدّم، غير أنه قال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ (يوسف: ٤٩).
ولم يقل (سنة)، عدولًا عن اللفظ المشترك، فإن السنة قد يعبّر بها عن الشدّة والأزمة -كما تقدّم- فلو قال: (سنة) لذهب الوهم إليها، لأن العام أقل أيامًا من السنة، وإنما دلت الرؤيا على سبع سنين شداد، وإذا انقضى العدد فليس بعد الشدّة إلا رخاء، وليس في الرؤيا ما يدل على مدّة ذلك الرخاء، ولا يمكن أن يكون أقل من عام، والزيادة على العام مشكوك فيها، لا تقتضيها الرؤيا، فحكم بالأقل، وترك ما يقع فيه الشك من الزيادة على العام!
[ ٤ / ٩٢٧ ]
فهاتان فائدتان في اللفظ بـ (العام) في هذا الموطن، وأما قوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (الأحقاف: ١٥)!
فإنما ذكر السنين، وهي أطول من الأعوام، لأنه مخبر عن اكتمال الإنسان، وتمام قوته واستوائه، فلفظ السنين أولى بهذا الموطن، لأنها أكمل من الأعوام!
وفائدة أخرى: أنه خبر عن السن، والسن معتبر بالسنين، لأن أصل السن في الحيوان لا يعتبر إلا بالسنة الشمسيّة وهكذا!
وقرأ الجمهور ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ بالتنوين، وانتصب (سنين) على البدليّة من اسم العدد، على رأي من يمنع مجيء تمييز المائة منصوبًا، أو هو تمييز عند من يجيز ذلك!
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بإضافة مائة إلى سنين، على أنه تمييز للمائة، وقد جاء تمييزًا لمائة جمعًا، وهو نادر، لكنه فصيح!
واليهود الذين لقَّنوا قريشًا السؤال -كما سبق- يؤرخون الأشهر بحساب القمر، والسنين بحساب الدورة الشمسيّة، فالتفاوت بين أيام السنة القمريّة وأيّام السنة الشمسيّة يحصل منه سنة قمرية كاملة في كل ثلاث وثلاثين سنة شمسيّة، فيكون التفاوت في مائة سنة شمسية بثلاث سنين زائدة قمريّة، كذا نقله ابن عطية (٢) عن النقاش المفسّر!
وبهذا تظهر نكتة التعبير عن التسع السنين بالازدياد، وهذا من علم القرآن وإعجازه العلمي الذي لم يكن لعموم العرب علم به!
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية: ٩: ٢٨٣ وما بعدها تحقيق وتعليق عبد الله الأنصاري، والسيد عبد العال، ط أولى، غرة جمادى الأولى ١٤٠٨ هـ ديسمبر ١٩٨٧ م، الدوحة
[ ٤ / ٩٢٨ ]
- ذو القرنين:
ويطالعنا قول الله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ (الكهف).
وافتتاح هذه القصة بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ يدل دلالة واضحة على أنها مما نزلت السورة للجواب عنه -كما أسلفنا- والسائلون: قريش لا محالة (١). والمسؤول عنه: خبر رجل من عظماء العالم عُرف بلقب
_________________
(١) التحرير: ١٦: ١٨ بتصرف، وانظر: تفسير ابن عطية: ٩: ٣٨٨ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٢٩ ]
﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ كانت أخبار سيرته خفيَّة مجملة مغلقة، فسألوا النبي - ﷺ - عن تحقيقها وتفصيلها، وأذن له الله تعالى أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل، وفي عجيب صنع الله تعالى في اختلاف أحوال الخلق، فكان أحبار اليهود منفردين بمعرفة إجماليّة عن ذلك، فلذلك كان توجيه اليهود! ولم يتجاوز القرآن الكريم ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص، وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمّة من هذه القصّة عبرة حكميّة وخلقيّة، فقال ﷿: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكرًا﴾!
روى الزبير بن بكّار وسفيان بن عيينة في جامعه والضياء المقدسي في صحيحه (١)، كلاهما من طريق آخر بسند صحيح -كما قال الحافظ- عن أبي الطفيل أن ابن الكوّاء، قال لعلي بن أبي طالب ﵁: أخبرني عن ذي القرنين نبيًّا كان أم ملِكًا؟ قال: لم يكن نبيًّا ولا ملِكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا أحبّ الله فأحبَّه، ونصح لله فنصحه .. ومعلوم أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي، ومن البديهي أنه لا يجوز محاكمته إلى التاريخ لسببين واضحين: (٢)
أولهما: أن التاريخ مولود حديث العهد، فاتته أحداث لا تُحصى في تاريخ البشريّة، لم يعلم عنها شيئًا، والقرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس لدى التاريخ علم بها!
_________________
(١) سبل الهدى والرشاد: ٢: ٣٤٨ بتصرف.
(٢) في ظلال القرآن: ٤: ٢٢٩٠ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٣٠ ]
وثانيهما: أن التاريخ -وإن وعى بعض هذه الأحداث- هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف، ونحن نشهد في زماننا هذا الذي تيسَّرت فيه أعمال الاتصال ووسائل الفحص، أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى، ويُنظر إليه من زوايا مختلفة، ويفسّر تفسيرات متناقضة، ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق!
فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص كلام تنكره القواعد العلمية المقرّرة التي ارتضاها البشر، قبل أن تنكره العقيدة التي تقرّر أن القرآن هو القول الفصل، واستفتاء التاريخ في هذا كلام لا يقول به مؤمن بالقرآن، ولا مؤمن بوسائل البحث العلمي على السواء، إنما هو مراء!
لقد سأل سائلون عن ذي القرنين .. سألوا الرسول - ﷺ - فأوحى الله إليه بما هو وارد هنا من سيرته، وليس أمامنا مصدر آخر غير القرآن في السيرة، فنحن لا نملك التوسّع فيها بغير علم، وقد وردت في التفاسير أقوال كثيرة، ولكنها لا تعتمد على يقين، وينبغي أن تؤخذ بحذر، لما فيها من إسرائيليّات وأساطير!
وقد سجل السياق القرآني لذي القرنين ثلاث رحلات:
واحدة إلى المغرب!
وواحدة إلى المشرق!
وواحدة إلى مكان بين السدّين!
ويبدأ الحديث عن ذي القرنين بشيء عنه: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾!
[ ٤ / ٩٣١ ]
لقد مكّن الله له في الأرض، فأعطاه سلطانًا وطيد الدعائم، ويسّر له أسباب الحكم والفتح، وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع .. وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكّنوا فيه في هذه الحياة ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ومضى في وجه مما هو ميسَّر له، وسلك طريقه إلى الغرب!
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾
ومغرب الشمس هو المكان الذي يرى الرائي أن الشمس عنده وراء الأفق، وهو يختلف بالنسبة للمواضع، فبعضها يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف جبل، وبعضها يرى أنها تغرب في الماء كما في المحيطات الواسعة والبحار، وبعضها يرى أنها تغرب في الرمال إذا كان في صحراء مكشوفة على مدّ البصر!
والظاهر أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي -وكان يسمّى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده- فرآى الشمس تغرب فيه!
والأرجح أنه كان عند مصبّ أحد الأنهار، حيث تكثر الأعشاب ويتجمع حولها طين لزج هو الحمأ، وتوجد البرك وكأنها عيون الماء .. فرأى الشمس تغرب هناك ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. ولكن يتعذّر علينا تحديد المكان، وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده، وكل قول غير هذا ليس مأمونًا؛ لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح!
عند هذه الحمئة وجد ذو القرنين قومًا: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾
[ ٤ / ٩٣٢ ]
وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام (١)، أي ألقينا في نفسه تردّدًا بين أن يبادر استئصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل!
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.
٧ - دستور الحكم الصالح:
وهكذا أعلن دستوره في معاملة البلاد المفتوحة .. أعلن للمعتدين الظالمين عذابه الدنيوي وعقابه، وأنهم بعد ذلك يردّون إلى ربهم فيعذبهم عذابًا ﴿نُكْرًا﴾!
أما المؤمنون الصالحون فلهم الجزاء الحسن، والمعاملة الطيّبة، والتكريم والمعونة والتيسير!
وهذا هو دستور الحكم الصالح. فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم، والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء .. وحين يجد المحسنُ في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسنًا، ومكانًا كريمًا وعونًا وتيسيرًا، ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة .. عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج .. أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم، مقدّمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون، فعندئذ تتحوّل السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد، ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد!
_________________
(١) التحرير والتنوير: ٦: ٢٨.
[ ٤ / ٩٣٣ ]
ثم عاد ذو القرنين من رحلة المغرب إلى رحلة المشرق، ممكنًا له في الأرض، ميسَّرة له الأسباب:
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ وما قيل عن مغرب الشمس يُقال عن مطلعها، فالمقصود هو مطلعها من الأفق الشرقي في عين الرائي، والقرآن لم يحدّد المكان. ولكنه وصف طبيعته وحال القوم الذين وجدهم ذو القرنين هناك:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ أي أنها أرض مكشوفة، لا تحجبها عن الشمس مرتفعات ولا أشجار، فالشمس تطلع على القوم فيها حين تطلع بلا ساتر .. وهذا الوصف ينطبق على الصحاري والسهوب الواسعة، فهو لا يحدّد مكانًا بعينه، وكل ما نرجحه أن هذا المكان كان في أقصى الشرق، حيث يجد الرائي أن الشمس تطلع على هذه الأرض المستوية المكشوفة، وقد يكون ذلك على شاطئ إفريقيا الشرقي، وهناك احتمال لأن يكون المقصود بقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ أنهم قوم عراة الأجسام لم نجعل لهم سترًا من الشمس!
ولقد أعلن ذو القرنين من قبل دستوره في الحكم، فلم يتكرّر بيانه هنا، ولا تصرّفه في رحلة المشرق، لأنه معروف من قبل، وقد علم الله كل ما لديه من أفكار واتجاهات!
ونبصر ظاهرة التناسق الفني في العرض .. فإن المشهد الذي يعرضه السياق مشهد مكشوف في الطبيعة: الشمس ساطعة لا يسترها عن القوم ساتر، وكذلك ضمير ذي القرنين ونواياه كلها مكشوفة لعلم الله .. وهكذا يتناسق المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآني الدقيقة!
[ ٤ / ٩٣٤ ]
الطغاة
المستضعفون
﴿(٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣﴾.
ولا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ولا ما هما هذان السدان، كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين سدّين صناعيين، تفصلهما فجوة أو ممر، فوجد هنالك قومًا مختلفين: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
وعندما وجدوه فاتحًا قويًّا، توسّموا فيه القدرة والصلاح .. عرضوا عليه أن يقيم لهم سدًّا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فسادًا، ولا يقدرون هم على دفعهم وصدّهم .. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم!
وتدور القصة وأطرافها ثلاثة: (١)
الطغاة: ولا يظهرون أمامنا في القصة، ولا يشتركون فيها إلا من بعيد، كخطر قائم يهدّد سلامة الشعب الآخر.
المستضعفون: الذين يتعرّضون لإغارة الطغاة. القائد بقوّته المؤمنة التي وضعها في خدمة العدل. ويدور الحوار بين القائد والشعب:
_________________
(١) كتابنا: العمل والعمال بين الإسلام والنظم الوضعية العاصرة: ١٥٣ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٣٥ ]
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ (الكهف).
العرض المقدّم أن يجمع الشعب مالًا ليقدّمه إلى القائد، ليتولّى مسؤوليّة السدّ: عليهم المال، وعليه أن يوفّر المواد والعمل!
ولكن القائد العادل لم يقبل هذا العرض، فليس مهمته مجرّد إنشاء سدّ، وإن كان يحول دون الطغيان، ويحتمي وراءه المستضعفون، فرد عليهم:
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾.
ما مكّني فيه ربّي خير مما تعرضون عليَّ .. أريد منكم أن تشاركوني في بناء السدّ، أيديكم في يدي، وسواعدكم معي، وسنبني السدّ معًا متعاونين، وستبنون نفوسكم وأنتم تبنونه، وتجدون حقيقتكم وسط الجهد والعرق، لا أريد أن تبقى لكم أيد لا تحسن إلا تقديم المال .. والشكوى .. وانتظار من يحمل عنها مسؤوليتها، أريد أن تعملوا!
وما أكرم قوله: ﴿فَأَعِينُونِي﴾ كأنه المحتاج إلى العون ﴿بِقُوَّةٍ﴾ كأنه المحتاج منهم، مع أنهم المحتاجون إلى العون والقوّة!
هكذا نفخ فيهم القائد من روحه، أراهم أنهم قادرون على أن يعملوا .. وأن يعملوا بقوة: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أمر تجد فيه الدعوة التي تحسّها في قول الحق جلَّ شأنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ (البقرة)!
[ ٤ / ٩٣٦ ]
وفي سرعة ينتقل القائد من التوجيه العام إلى تحديد خطوط العمل: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قطع الحديد، اذهبوا وابحثوا عنها في أرضكم، وجّهوا ما بين أيديكم منها إلى الهدف الكبير، إلى بناء السدّ الذي يحول بينكم وبين أعدائكم!
ولك أن تتصوَّر كيف تحوّل المستضعفون إلى أرضهم يثيرونها بحثًا عما فيها من معادن!
لك أن تتصوّر الأيدي التي كانت لا تُحْسن إلا دفع الخراج وتقديم المال، تحاول أن تشتري به سلامتها إلى أيد خشنة طهّرهَا العمل!
وهذه الجباهُ التي كانت تذل أمام طغيان يأجوج ومأجوج، انحنت على أرضها تخرج منها كنوزها من المعادن، وتستخرج في الوقت نفسه ذاتها، وتعثر على حقيقتها .. وتجلّت فيها طاقة كبيرة كانت مقهورة تحت أطباق الذل!
لقد أعانها القائد على أن تكتشف ذاتها عندما وجهها إلى العمل الدائب، والاعتماد على النفس، وعلى أساس من الإيمان والتعاون الواعي!
ويتجمع الحديد ليسدّ بين الجبلين، ويرتفع صوت القائد: ﴿انفُخُوا﴾ كلمة واحدة آمرة!
لقد نفخ فيهم القائد من روحه فاندفعوا إلى العمل!
وها هم ينفخون الحديد الخامد فيلتهب كما التهبت نفوسهم، ثم يرتفع صوته الآمر مرة أخرى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ نحاسًا مذابًا .. فكان هناك مجموعة أخرى كانت مختصة بإعداد النحاس المصهور في نفس الوقت الذي كانت فيه المجموعة الأولى مكلّفة بإعداد الحديد ثم صهره، حتى تجعله
[ ٤ / ٩٣٧ ]
نارًا، وفي مرحلة معيّنة من مراحل العمل يصبّ القائد النحاس المصهور على الحديد الملتهب!
هنا يصبح السدّ قطعة واحدة، كما يصبح الشعب سبيكة واحدة، عن طريق العمل الدائب، وارتفاع معنوياته، وعمله المنظم من أجل هدف كبير، مع تماسك السدّ، وتماسك الشعب!
هذا بالصهر!
وهذا بالعمل!
وبعد أن يفرغ القائد والشعب من الإنشاء ينتقل إلى مرحلة ختاميّة، هي اختبار العمل بعد إتمامه، ويأمرهم القائد: حاولوا أن تتسلّلوه، حاولوا أن تخترقوه ونقرأ التسجيل الإلهي لهذه المحاولة: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾!
وعندنا في اللغة العربيّة قاعدة أن زيادة المبنى في الكلمة تدل على زيادة المعنى، ولا شك أن محاولة صعود السد أيسر من محاولة اختراقه، ولهذا قال الله في الأولى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾، وفي الثانية: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ بزيادة حرف التاء! وبعد هذا كله يرتفع صوت القائد: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ إيمان يرد الأمر فيه إلى الله تعالى، دون انتظار ثناء منهم، أن فتح أمامهم طريق العمل الجاد المشترك من أجل هدف كبير!
ونبصر رحمة الله تمثّلت في تحوّل أمة من شعار:
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾
إلى أمة شعارها:
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
[ ٤ / ٩٣٨ ]
أمة لا تشتري سلامتها، ولكن تصنع سلامتها!
أمة لا تشتري السدّ، ولكن تصنع السدّ!
وقيادة تنفخ في الأمة فاعليّة وإيجابيّة، تستطيع بهما أن تتحوّل إلى أرضها تبحث فيها عن كنوزها، وتكتشف ذاتها من خلال العمل!
أمّة تتحوّل إلى جيش عمل منظّم عالم بخبايا أرضه، يقف أمام النار الملتهبة. ويرفع السد معتمدًا على ربّه، متجمعًا وراء قيادته، منظّمًا صفَّه، ومحدّدًا مراحل العمل وتوقيته الدقيق!
الاعتماد على النفس رحمة من ربّي!
تنظيم العمل رحمة من ربّي!
صهر الحديث والنحاس رحمة من ربّي!
اختبار العمل بعد الانتهاء منه رحمة من ربّي!
وهكذا تتمثّل رحمة الله عملًا إيجابيًا، ومشروعات تقيمها الإرادة المؤمنة الواعية، والجموع المنظمة إلى حياة أفضل!
وهكذا يتمثل دستور الحكم الصالح، ومنهج العمل الصالح .. وحين يجد العامل المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسنًا، ومكانًا كريمًا، وعونًا وتيسيرًا .. ويجد المعتدي على دستور الحكم الصالح، ومنهج العمل الصالح، جزاء إفساده عقوبة زاجرة .. يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإعداد والعمل والإنتاج، والابتكار والإبداع. حيث استخدمت طريقة هذا السدّ حديثًا في تقوية الحديد، فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته
[ ٤ / ٩٣٩ ]
وصلابته، وكان هذا على يد ذي القرنين قبل أن يعرف العلم البشري ذلك بقرون لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وحيث يتمثّل النموذج الطيب للحاكم الصالح، الذي سار في الأرض شرقًا وغربًا، دون أن يتكبّر أو يتجبّر، ودون أن يطغى أو يتبطّر، ودون أن يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والشعوب، ودون أن يعامل الشعوب معاملة الرقيق، كما يفعل المستعمرون في عالمنا المعاصر شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا .. وإنما قام هذا الرجل الصالح، الخبير في بناء السدّ، ينشر العدل، ودرء العدوان، والدعوة إلى التخطيط العلميّ الفذ، والعمل المتقن، والإنتاج والإبداع!
ولسنا في حاجة إلى بيان مكانة التخطيط في الدعوة، والهجرة، والجهاد .. فذلك ما سنعرض له في حينه بعون الله تعالى وتوفيقه!
٨ - إنذار يهود برسول الله - ﷺ -:
وإذا كانت تلك الآيات قد حملت إلينا الإجابة على تلك الأسئلة -كما عرفنا- فلماذا لم يؤمن اليهود برسول الله - ﷺ -؟
وهنا يطالعنا إنذار يهود برسول الله - ﷺ - فيما قاله ابن إسحاق (١): حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه قالوا:
(إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لمَا كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون
_________________
(١) ابن هشام: ١: ٢٧٠.
[ ٤ / ٩٤٠ ]
قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبيّ يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله - ﷺ - أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعّدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنَّا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزّل هؤلاء الآيات من البقرة:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ (البقرة).
وقال: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود ابن لبيده أخي بني عبد الأشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان سلمة من أصحاب بدر، قال:
كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته، حتى وقف على بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ من أحدث من فيه سنًّا، عليّ بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي -فذكر القيامة والبعث، والحساب والميزان، والجنّة والنّار، قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يَرَوْن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! أوَ ترى هذا كائنًا، أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنّة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يُحلف به، ولَوَدّ أن له بحظّه من تلك النّار أعظم تَنُّور في الدّار، يُحمونه ثم يُدخلونه إيّاه فَيُطَيِّنُونَهُ عليه، بأن يَنْجُو من تلك النّار غدًا، فقالوا له: وَيْحَكَ يا فلان! فما آية ذلك؟ قال: نبيٌّ مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكّة واليمن، فقالوا: ومتَى تراه؟ قال: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال: إن يَسْتَنْفِد هذا الغلام عمره يُدركه، قال سلمة: فوالله ما
[ ٤ / ٩٤١ ]
ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدًا رسوله - ﷺ -، وهو حَيٌّ بين أظهرنا، فآمنّا به وكفر به بغيًا وحسَدًا، قال: فقلنا له: ويْحك يا فلان! ألَسْتَ الذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ولكن ليس به! (١)
وقال: وحدثني عاصم بن عُمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة، قال لي: هل تدري عَمَّ كان إسلام ثَعْلَبَة بن سَعْيَة، وأسيد بن سَعْيَة، وأسدُ ابن عُبَيْد، نفرٍ من بني هَدْل، إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليّتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام، قال: قلت: لا والله، قال: فإن رجلًا من يهود من أهل الشام يقال له: ابن الهَيّبان، قدم علينا قُبيل الإسلام بسنين، فَحَلّ بين أظهُرنا، لا والله ما رأينا رجلًا قطّ لا يُصلّي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنّا إذا قَحطَ عنّا المطر قلنا له: اخرج يا بن الهَيَّبان فاستسْق لنا، فيقول: لا والله، حتى تَقدِّموا بين يدي مَخْرَجكم صدقة، فنقول له: كم، فيقول: صاعًا من تَمْر، أو مُدَّيْن من شعير، قال: فنخرجها، ثم يَخْرج بنا إلى ظاهرة حَرَّتنا فيستسقي الله لنا. فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمرّ السحاب ونُسقى، قَد فعلَ ذلك غير مرّة ولا مرّتين ولا ثلاث، قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلمّا عرف أنه مَيّتٌ قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: إنك أعلم، قال: فإنّي إنما قدمت هذه البلدة أَتوكّفُ خروج نبيّ قد أظلّ زمانه، وهذه البلدة مُهَاجره، فكنت أرجو أن يُبعث فأتبعه، وقد أظلّكُم زمانه، فلا تُسْبَقَنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يُبعث بسفك الدماء،
_________________
(١) السابق: ٢٧١، وصرح ابن إسحاق بالسماع، وسنده متصل ورجاله ثقات، وأحمد: ٣: ٤٦٧، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٧٤ - ٧٥، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٧٨ - ٧٩، والطبراني الكبير: ٧: ٤١ - ٤٢، وقال الهيثمي: رجاله ثقات: المجمع: ٨: ٢٤، والحاكم: ٣: ٤١٧ - ٤١٨ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي!
[ ٤ / ٩٤٢ ]
وسبْي الذراري والنساء ممّن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه، فلما بُعث رسول الله - ﷺ - وحاصر بني قريظة قَال هؤلاء الفتْيَة، وكانوا شبابًا، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم!
قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود! (١)
ويطول بنا الحديث لو حاولنا مزيدًا من إنذار يهود برسول الله - ﷺ -!
ولقد كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن الإسلام (٢) وإبائهم الدخول فيه، أن عندهم الكفاية من تعاليم أنبيائهم، وأنهم ماضون على شريعتهم ووصاياهم .. فهنا يفضحهم القرآن، ويكشف عن حقيقة موقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ووصاياهم، ويثبت أنهم هم هم كلما واجهوا الحق، الذي لا يخضع لأهوائهم!
وقد واجههم القرآن بالكثير من مواقفهم مع نبيّهم موسى ﵇، وقد آتاه الله الكتاب، وقد توالت رسلهم تترى، يقفو بعضهم بعضًا، وكان آخرهم عيسى ﵇، وقد آتاه الله المعجزات البينات، وأيّده بروح القدس!
وقد نزل فيهم -كما أسلفنا- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ
_________________
(١) ابن هشام: ١: ٢٧٢ وصرح ابن إسحاق بالسماع، وفيه جهالة شيخ من بني قريظة، وأبو نعيم: "الدلائل": ٢٣ - ٢٤ باختلاف يسير، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٨٠ - ٨١ من طريق ابن إسحاق.
(٢) في ظلال القرآن: ١: ٨٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩٤٣ ]
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ (البقرة). وكيف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل ولآخرهم عيسى ﵇؟
كان هذا الذي يستنكره عليهم، والذي لا يملكون هم إنكاره، وكتبهم ذاتها تقرّره وتشهد به: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ (البقرة)!
ومحاولهُ إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارئ والنزوة المتقلّبة، وظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة، وانطمست فيها عدالة النطق الإنسانيّ ذاته .. المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت، غير المصدر الإنسانيّ المتقلّب، مصدر لا يميل مع الهوى، ولا تغلبه النزوة .. وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضى والغضب، والصحة والمرض، والنزوة والهوى، لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى!
ولقد قصّ الله على المسلمين من أنباء بني إسرائيل في هذا ما يحذّرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض، والأمانة التي ناطها بهم الله، فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، وطرحوا منهج الله وشريعته، وحكموا أهواءهم وشهواتهم، وقتلوا فريقًا من الهداة، وكذّبوا فريقًا، ضربهم الله بما ضرب به هؤلاء من قبل من الفرقة والضعف، والذلّة والهوان، والشقاء والتعاسة .. إلا أن يستجيبوا لله ورسوله، وإلا أن يخضعوا أهواءهم لشريعته وكتابه، وإلا أن يفوا بعهد الله معهم ومع أسلافهم، وإلا أن
[ ٤ / ٩٤٤ ]
يأخذوه بقوّة، ويذكروا ما فيه لعلهم يهتدون!
ذلك كان موقفهم مع أنبيائهم، يبيّنه ويقرّره، ثم يجابههم بموقفهم من الرسالة الأخيرة والشعبي الخاتم، فإذا هم هم، كأنهم أولئك الذين جابهوا الأنبياء من قبل: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾!
ويعنف الأسلوب ويشتد، ويتحوّل -في بعض المواضع- إلى صواعق وحمم .. يجبههم جبهًا شديدًا بما قالوا وما فعلوا، ويجرّدهم من كل حججهم ومعاذيرهم، التي يسترون بها استكبارهم عن الحق، وأثرتهم البغيضة. وعزلتهم النافرة، وكراهتهم لأن ينال غيرهم الحق، وحسدهم أن يؤتي الله أحدًا من فضله، جزاء موقفهم الجحودي المنكر من الإسلام ورسوله الكريم!
قالوا: إن قلوبنا مغلقة، لا تنفد إليها دعوة جديدة، ولا تستمع إلى داعية جديد!
قالوها تيئيسًا لخاتم النبيين - ﷺ -، من دعوتهم إلى الدّين القيّم، أو تعليلًا لعدم استجابتهم لدعوة محمد - ﷺ -!
ويطالعنا الرد على قولهم: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي إنه طردهم وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم، فهم قد كفروا ابتداء فجازاهم الله على الكفر بالطرد وبالحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ أي قليلًا ما يقع منهم الإيمان بسبب هذا الطرد الذي حقّ عليهم جزاء كفرهم السابق، وضلالهم القديم .. أو هذه حالهم: أنهم كفروا فقلما يقع منهم الإيمان، حالة لاصقة بهم يذكرها تقريرًا لحقيقتهم .. وكلا المعنين يتفق مع المناسبة والموضوع!
[ ٤ / ٩٤٥ ]
وقد كان كفرهم قبيحًا، لأنهم كفروا بالنبي الذي ارتقبوه، واستفتحوا به على الكافرين، أي ارتقبوا أن ينتصروا به على من سواهم، وقد جاءهم بكتاب مصدّق لما معهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾! وهو تصرّف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته .. ومن ثم يصبّ عليهم اللعنة ويصمهم بالكفر: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾!
ويفضح السبب الخفي لهذا الموقف الشائن الذي وقفوه، بعد أن يقرّر خسارة الصفقة التي اختاروها: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾!
بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا .. لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما، يكثر أو يقل، أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها، ولكن هذا هو الواقع، وإن بدا تمثيلًا وتصويرًا!
لقد خسروا أنفسهم في الدنيا، فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز .. ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة، بما ينتظرهم من العذاب المهين .. وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه!
وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لخاتم النبيين - ﷺ - أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، وكان هذا بغيًا منهم وظلمًا، فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب، وهناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم!
[ ٤ / ٩٤٦ ]
وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيّقة التي تحيا في نطاق من التعصّب شديد، وتحسّ أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها، ولا تشعر بالوشيجة الإنسانيّة الكبرى، التي تربط البشريّة جميعًا!
وهكذا عاش اليهود في عزلة يحسّون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة، ويتربّصون بالبشريّة الدوائر، ويكنّون للناس البغضاء، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن، ويذيقون البشريّة رجع هذه الأحقاد فتنًا يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض، وحروبًا يثيرونها ليأخذوا من ورائها الغنائم، ويرووا بها أحقادهم التي لا تنطفئ، وهلاكًا يسلطونه على الناس .. وهذا الشرِّ كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾!
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾.
وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن والإسلام .. كانوا يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهو وحده الحق، ثم يكفرون بما وراءه، سواء ما جاءهم به عيسى ﵇، وما جاءهم به محمد خاتم النبيين - ﷺ -!
والقرآن الكريِم يعجب من موقفهم هذا، ومن كفرهم بما وراء الذي معهم ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾!
وما لهم وللحق؟ وما لهم أن يكون مصدّقًا لما معهم! ماداموا لم يستأثروا هم به؟
[ ٤ / ٩٤٧ ]
إنهم يعبدون أنفسهم، ويتعتدون لعصيبّتهم .. لا بل إنهم ليعبدون هواهم، فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به .. ويلقن الله خاتم النبييِّن - ﷺ - أن يجبههم بهذه الحقيقة، كشفًا لموقفهم وفضحًا لدعواهم: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾!
ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصوّرين العجيبين: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾! إنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾ ولم يقولوا ﴿عَصَيْنَا﴾، ففيم إذن حكايته هذا القول عنهم هنا؟
إنه التصوير الحيّ للواقع الصامت كأنه واقع ناطق .. لقد قالوا بأفواههم ﴿سَمِعْنَا﴾، وقالوا بأعمالهم ﴿عَصَيْنَا﴾، والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته، وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق .. وهذا التصوير الحيّ للواقع يومئ إلى مبدأ كلي من مبادئ الإسلام: إنه لا قيمة لقول بلا عمل .. إن العمل هو المعتبر، أو الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة، ومناط الحكم والتقدير!
فأما الصورة الغليظة التي يرسمها: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾! فيظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة، وتلك الصورة المجسمة لتؤديه، وهو حبّهم الشديد لعبادة العجل، حتى لكأنهم أشربوه إشرابًا في القلوب!
هنا تبدو قيمة التعبير القرآنيّ المصوّر، بالقياس إلى التعبير الذهني المفسّر .. إنه التصوير .. السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل!
لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة .. (إنهم شعب الله المختار) .. إنهم
[ ٤ / ٩٤٨ ]
وحدهم المهتدون .. إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة .. إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة نصيب!
وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد - ﷺ - لا نصيب لهم في الآخرة .. والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووِعود القرآن لهم! وهنا يطالعنا قوله جلّ شأنه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة).
ويعقب على هذا التحدّي بتقرير أنهم لن يطلبو الموت، لأنهم يعلمون أنهم كاذبون، ويخشون أن يستجيب الله لهم فيأخذهم .. ويعلمون أن ما قدّموه من عمل لا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة، وعندئذ يكونون قد خسرو الدنيا بالموت الذي طلبوه، وخسروا الآخرة بالعمل السيئ الذي قدّموه .. ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدّي، فهم أحرص الناس على حياة، وهم والمشركون في هذا سواء:
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (البقرة).
لن يتمنّوه؛ لأن ما قدّمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب، ولا يؤمنهم من عقاب .. إنه مدّخر لهم هناك، والله عليم بالظالمين وما كانوا يعملون!
وليس هذا فحسب .. ولكنها خصلة أخرى في يهود، خصلة يصوّرها القرآن صورة تفيض بالزراية، وتنضح بالتحقير والمهانة: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ أيّة حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميّزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام!
[ ٤ / ٩٤٩ ]
إنها يهود، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس .. وعنت الجباه جبنًا وحرصًا على حياة .. أيّ حياة! ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾!
يودّ أحدهم لو يعمرّ ألف سنة، ذلك لأنهم لا يرجون لقاء الله، ولا يحسّون أن لهم حياة غير هذه الحياة .. وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحسّ النفس الإنسانيّة أنها لا تتّصل بحياة سواها، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة .. إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة .. نعمة يفيضها الإيمان على القلب .. نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني، المحدود الأجل الواسع الأمل، وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلوة، إلا وحقيقة الحياة في روحه قاصرة أو مطموسة .. فالإيمان بالآخرة -فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى، هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيويّة، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض، إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى المرتقى السامي الذي يِتجه صعدًا إلى جوار الله!
ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لخاتم رسله - ﷺ - يتحدّاهم به، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة).
وفي قصة هذا التحدّي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود .. سمة
[ ٤ / ٩٥٠ ]
عجيبة حقًّا .. لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغًا يتجاوز كل حدّ، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل .. لقد سمعوا أن جبريل ﵇ ينزل بالوحي من عند الله على خاتم النبيين محمَّد - ﷺ - .. ولمّا كان عداؤهم لمحمد - ﷺ - قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لجّ بهم الضغن أن يخترعوا قصّةً واهيةً، وحجّةً فارغةً، فيزعموا أن جبريل عدوّهم؛ لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب، وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد - ﷺ - من جراء صاحبه جبريل! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا، فميكائيل ينزل بالرخاء والمطر والخصب!
إنها الحماقة المضحكة، ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة، وإلا فما بالهم يعادون جبريل؟ وجبريل لم يكن بشرًا يعمل معهم أو ضدّهم، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير؟ إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصي الله ما أمره!
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾.
فما كان له من هوى شخصي، ولا إرادة ذاتيّة في أن ينزل على قلبك .. إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك .. والقلب هو موضع التلقّي، وهو الذي يفقه بعد التلقّي، ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ .. والقلب يعبر به في القرآن عن قوّة الإدراك جملة، وليس هو العضلة المعروفة بطبيعة الحال: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾!
والقرآن يصدّق في عمومه ما سبقه من الكتب السماويّة، فأساس دين الله
[ ٤ / ٩٥١ ]
واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الرسالات الإلهيّة .. وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة، التي تتفتح له وتستجيب .. وهذه حقيقة ينبغي إبرازها!
إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس، وتفتح له من أبواب المعرفة، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان، ومن ثم يجد الهدى، كما يستروح فيه البشرى، وكذلك نجد القرآن يكرّر هذه الحقيقة في مناسبات شتى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (البقرة) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (يونس) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وبنو إسرائيل لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون .. وكانوا -كعادتهم في تفريق الدّين وتفريق الرسل- قد فرّقوا بين ملائكة الله الذين يسمعون أسماءهم وأعمالهم، فقالوا: إنهم على صداقة مع ميكائيل، أما جبريل فلا! لذلك جمعت الآية التالية جبريل وميكائيل وملائكة الله ورسله، لبيان وحدة الجميع، ولإعلان أن من عادى أحدًا منهم فقد عاداهم جميعًا، وعادى الله سبحانه، فعاداه الله، فهو من الكافرين: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (البقرة).
ثم يتجه الخطاب إلى الرسول - ﷺ - يثبته على ما أنزل عليه من الحق، وما آتاه من الآيات البيّنات، مقرّرًا أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسقون المنحرفون، ويندّد ببني إسرائيل الذين لا يستقيمون على عهد .. سواء عهودهم مع ربهم وأنبيائهم من قبل، أو عهودهم مع رسول الله - ﷺ -، كما يندّد بنبذهم لكتاب الله الذي جاء مصدّقًا لما معهم:
[ ٤ / ٩٥٢ ]
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠١]!
لقد كشف القرآن هنا عن علّة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البيّنات التي أنزلها الله .. إنه الفسوق وانحراف الفطرة، فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات، وهي تفرض نفسها فرضًا على القلب المستقيم .. فإذا كفر بها اليهود أو غيرهم فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة، ولكنهم لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون!
ثم يلتفت إلى المسلمين، وإلى الناس عامة، مندّدًا بهؤلاء اليهود، كاشفًا عن سمة من سماتهم الوبيئة .. إنهم جماعة مفكّكة الأهواء -رغم تعصّبها الذميم- فهم لا يجتمعون على رأي، ولا يثبتون على عهد، ولا يستمسكون بعروة، ومع أنهم متعصّبون لأنفسهم وجنسهم، يكرهون أن يمنح الله شيئًا من فضله لسواهم، إلا أنهم مع هذا لا يستمسكون بوحدة، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تندّ منهم فرقة فتنقض ما أبرموا، وتخرج على ما أجمعوا: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾.
وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد، وأخيرًا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع خاتم النبيين - ﷺ - أول مقدمه إلى المدينة -كما سيأتي- وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معيّنة .. بينما
[ ٤ / ٩٥٣ ]
كانوا هم أوّل من أعان عليه أعداءه، وأوّل من عاب الإِسلام، وحاولوا بثّ الفرقة والفتنة في الصفّ المسلم، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه!
وبئس هي خلّة من اليهود! تقابلها في المسلمين خلّة أخرى على النقيض!
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث طويل عن إبراهيم التّيْمي عن أبيه قال:
قال علي -﵁ -: .. وفيه: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلاٌ" (١).
وهكذا نبصر المسلمين تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد، ولا ينقص أحد عقده إذا أبرم، ولقد كتب أبو عبيدة ﵁، وهو قائد لجيش عمر -﵁ -، وهو الخليفة يقول: إن عبدًا من أهل بلد بالعراق، وسأله رأيه، فكتب إليه عمر: إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا .. فوالهم وانصرفوا عنهم.!
وتلك سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة .. وذلك فرق ما بين اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١]!
_________________
(١) البخاري: ٨٥ - الفرائض (٦٧٥٥)، وانظر (٣١٧٢)، ومسلم (١٣٧٠)، وأحمد: ١: ٨١، والترمذي (٢١٢٧)، وأبو داود (٢٠٣٤)، وأبو يعلى (٢٦٣، ٢٩٦)، والبيهقي: ٥: ١٩٦، والبغوي (٢٠٠٩)، وابن حبان (٣٧١٦، ٣٧١٧).
[ ٤ / ٩٥٤ ]
وكان هذا مظهرًا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه، فلقد ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم -كما سبق أن عرفنا- أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه، وأن ينصروه ويحترموه، فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، خاسوا بذلك العهد، ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم، يستوي في ذلك النبذ كتاب الله الذي معهم، والذي يتضمّن البشرى بهذا النبيّ وقد نبذوه، والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضًا!
وفي الآية ما فيها من سخرية خفيّة، يحملها ذلك النصّ على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فلو كانوا هم المشركين الأمييّن لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهومًا لأنهم لا يعرفون! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب! هم الذين عرفوا الرسالات والرسل! هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور .. وماذا صنعوا؟!
إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم! .. والمقصود طبعًا أنهم جحدوه، وتركوا العمل به، وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم، ولكن التعبير المصوّر ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحسّ، ويمثل عملهم بحركة ماديّة مخيّلة، تصوّر هذا التصوّر تصويرًا بشعًا زريًّا، ينضح بالكنود والجحود، ويتّسم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحّة، ويدع الخيال يتمثّل هذه الحركة العنيفة .. حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور!
٩ - ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾:
ويطالعنا قول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة: ٨٢]!
[ ٤ / ٩٥٥ ]
لقد كانت الأمة المسلمة تتلقّى هذا القرآن الكريم لتقرّر، وفق توجيهاته وتقريراته (١) -خطّتها وحركتها، ولتتّخذ وفق هذه التوجيهات والتقريرات- مواقفها من الناس جميعًا .. ومن ثم كانت تَغْلِب ولا تُغلَب؛ لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربّانيّة المباشرة، مذ كان نبيها - ﷺ - يقودها وفق الإرشادات الربّانيّة العلويّة!
وهذه الإرشادات الربّانيّة العلوّية لا تزال، والتقريرات التي تضمنها ذلك الكتاب العزيز لا تزال، والذين يحملون دعوة الإِسلام اليوم وغدًا خليقون أن يتلقّوا هذه التقريرات وتلك الإرشارات الربَّانيّة العلويّة كأنهم يخاطبون بها اللحظة، ليقرّروا على ضوئها مواقفهم من شتّى طوائف الناس، وسن شتّى المذاهب والمعتقدات والآراء، ومن شتّى الأوضاع والأنظمة وشتّى القيمِ والموازين .. اليوم وغدًا وإلى آخر الزمان! ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾!
إن صيغة العبارة تحتمل أن تكون خطابًا للرسول - ﷺ -، وأن تكون خطابًا عامًّا خرج مخرج العموم؛ لأنه يتضمّن أمرًا ظاهرًا مكشوفًا يجده كل إنسان، وهي صيغة لها نظائرها في الأسلوب العربي الذي نزل به القرآن الكريم .. وهي في كلتا الحالتين تفيد معناها الظاهري الذي تؤدّيه!، فإذا تقرّر هذا فإن الأمر الذي يلفت النظر في صياغة العبارة هو تقديم اليهود على الذين أشركوا، في صدد أنهم أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا، وأن شدّة عداوتهم ظاهرة مكشوفة، وأمر مقرّر، يراه كل من يرى، ويجده كل من يتأمل!
_________________
(١) السابق: ٢: ٩٥٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩٥٦ ]
نعم إن العطف بالواو في التعبير العربي يفيد الجمع بين الأمرين، ولا يفيد تعقيبًا ولا ترتيبًا .. ولكن تقديم اليهود هنا، حيث يقوم الظن بأنهم أقلّ عداوة للذين آمنوا من المشركين -بما أنهم أصلًا أهل كتاب- يجعل لهذا التقديم شأنًا خاصًّا غير المألوف من العطف بالواو في التعبير العربي!
إنه -على الأقل- يوجّه النظر إلى أن كونهم أهل كتاب لم يغيّر من الحقيقة الواقعة، وهي أنهم كالذين أشركوا أشدّ عداوةً للذين آمنوا! .. ولا ينفي هذا احتمال أن يكون المقصود هو تقديمهم في شدّة العداء على الذين أشركوا!
وحين يستأنس الإنسان في تصير هذا التقرير الربّاني بالواقع التاريخيّ المشهود منذ مولد الإِسلام حتى اللحظة الحاضرة، فإنه لا يتردّد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائمًا أشدّ وأقسى وأعمق إصرارًا، وأطول أمدًا، من عداء الذين أشركوا!
لقد واجه اليهود الإِسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإِسلام بالمدينة، وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمّة .. وتضمّن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنّها اليهود على الإِسلام، وعلى رسول الإِسلام - ﷺ -، وعلى الأمة المسلمة في تاريخه" الطويل، والتي لم تَخْبُ لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرنًا، ولا تزال حتى اللحظة يتسعّر أوارها في أرجاء الأرض جميعًا!
ولمَّا غلبهم الإِسلام بقوّة الحق -يوم أن كان المسلمون أهلًا للنصر- استداروا يكيدون له بدسّ المفتريات في كتبه -لم يسلم من هذا الدسّ إلا كتاب
[ ٤ / ٩٥٧ ]
الله الذي تكفّل بحفظه سبحانه- ويكيدون له بالدسّ بين صفوف المسلمين، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإِسلام، ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار، ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض .. حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإِسلام في كل شبر على وجه الأرض، وهم الذين يستخدمون الصليبيّة والوثنّية في هذه الحرب الشاملة، وهم الذين يقيمون الأوضاع، ويصنعون الأبطال الذين يتسمّون بأسماء المسلمين، ويشنّونها حربًا صليبيةً صهيونيّةً هنا وهناك!
وصدق الله العظيم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾!
إن الذي ألّب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة، وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم، وبين قريش في مكّة، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة .. (يهودي)!
والذي ألّب العوام، وجمع الشراذم، وأطلق الشائعات، في استشهاد عثمان -﵁-، وما تلاها من النكبات .. (يهودي)!
والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله - ﷺ -، وفي الروايات والسير .. (يهودي)!
ثم إن الذي كان وراء النعرات القوميّة في دولة الخلافة الأخيرة، ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل (الشريعة) عن الحكم، واستبدال (الدستور) بها في عهد (السلطان عبد الحميد)، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي (أتاتورك!) .. (يهودي)!
[ ٤ / ٩٥٨ ]
وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإِسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه (يهودي)!
ثم لقد كان وراء النزعة الماديّة الإلحاديّة .. (يهودي)!
ووراء النزعة الجنسيّة (يهودي)!
ووراء معظم النظريات الهدّامة لكل المقدسات والصوابط (يهود)! (١)
ولقد كانت الحرب التي شنّها اليهود على الإِسلام أطول أمدًا، وأعرض مجالًا، من تلك التي شنّها عليه المشركون والوثنيّون -على ضراوتها- قديمًا وحديثًا!
والمعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عامًا في جملتها .. وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول! أما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنيّة الهنديّة والإِسلام ضراوة ظاهرة، ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونيّة العالميَّة التي تعدّ الماركسيّة مجرّد فرع لها، وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإِسلام في طول الأمد، وعرض المجال، إلا معركة الصليبيّة -كما سنرى- فيما يأتي!
فإذا سمعنا الله تعالى يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾!
ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا .. ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي، فإننا ندرك طرفًا من حكمة الله في تقديم اليهود على الذين أشركوا!
_________________
(١) انظر فصل: (اليهود الثلاثة: ماركس وفرويد ودوركايم في كتاب: التطور والثبات: محمَّد قطب، دار الشروق!
[ ٤ / ٩٥٩ ]
إنهم هذه الجبلّة النكدة الشرّيرة، التي ينغل الحقد في صدورها على الإِسلام وعلى نبيّ الإِسلام، فيحذر الله نبيّه وأهل دينه منها .. ولم يغلب هذه الجبلّة الشرّيرة إلا الإِسلام وأهله يوم أن كانوا أهله! ولن يخلّص العالم من هذه الجبلّة النكدة إلا الإِسلام يوم يفيء أهله إليه!
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾!
ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالًا للشك في أنها تصوّر حالة معيّنةً، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعيّن، فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلون منها مادّة للتميّع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة، وموقف هذه المعسكرات منهم .. لذا نجد من الضروري أن نتابع تصوير هذه الآيات لهذه الحالة الخاصة التي ينطبق عليها ذلك الحكم الخاص!
إن الحالة التي تصوّرها هذه الآيات هي حالة فئة من الناس ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، هم أقرب مودّة للذين آمنوا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾!
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحدّ، ولا يدع الأمر مجهلًا ومعمّمًا على كل الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إنما يمضي فيصوّر موقف هذه الفئة التي يعنيها: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ [المائدة: ٨٣، ٨٤]!
[ ٤ / ٩٦٠ ]
فهذا مشهد حيّ يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس، الذين هم أقرب مودّة للذين آمنوا .. إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزّت مشاعرهم، ولانت قلوبهم، وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرًا عن التأثر العميق القويّ بالحق الذي سمعوه، والذي لا يجدون له في أوّل الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير .. وهي حالة معروفة في النفس البشرية، حين يبلغ بها التأثّر درجةً أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع، ليؤدّي ما لا يؤدّيه القول، وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق القوي!
ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع، ولا يقفون موقفًا سلبيًّا من الحق الذي تأثّروا به هذا التأثّر عند سماع القرآن، والشعور بالحق الذي يحمله، والإحساس بما له من سلطان .. إنهم لا يقفون موقف المتأثّر الذي تفيض عيناه بالدمع، ثم ينتهي أمره مع هذا الحق! إنما هم يتقدّمون ليتخذوا من هذا الحق موقفًا إيجابيًّا صريحًا .. موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به، والإذعان لسلطانه، وإعلان هذا الإيمان، وهذا الإذعان، في لهجة قويّة عميقة صريحة: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾!
إنهم أوّلًا يعلنون لربّهم ايمانهم بهذا الحق الذي عرفوه، ثم يدعونه سبحانه أن يضمّهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق، وأن يسلكهم في سلك الأمّة القائمة عليه في الأرض .. الأمّة المسلمة، التي تشهد لهذا الحق بأنه الحق، وتؤدّي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر .. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمّون إلى هذه الأمّة المسلمة، ويشهدون ربّهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعه هذه الأمة، ويدعونه سبحانه أن يكتبهم في سجلّها .. ثم هم
[ ٤ / ٩٦١ ]
بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوّق عن الإيمان بالله، أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به، ولا يأملوا بهذا الإيمان أن يقبلهم ربهم، ويرفع مقامهم عنده، فيدخلهم مع القوم الصالحين: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾!
فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق .. موقف الاستماع والمعرفة، ثم التأثّر الغامر، والإيمان الجاهر .. ثم الإِسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة، مع دعاء الله سبحانه أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق، الذين يؤدّون شهادتهم سلوكًا وعملًا وجهادًا لإقراره في الأرض، والتمكين له في حياة الناس .. ثم هو وضوح الطريق في تقديرهم وتوحدّه، بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد، هو طريق الإيمان بالله، وبالحق الذي أنزله على رسوله، والأمل بعد ذلك في القبول عنده والرضوان!
ولا يقف السياق القرآني عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودّة للذين آمنوا من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل الله إلى الرسول - ﷺ - من الحق، وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح، بالإيمان المعلن، والانضمام إلى الصفّ المسلم، والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال، والدعاء إلى الله أن يقبلهم في الصفّ الشاهد لهذا الحق على هذا النحو، مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين!
لا يقف السياق عند هذا الحدّ في بيان أمر هؤلاء الذين يقرّر أنهم أقرب مودّة للذين آمنوا، بل يتابع خطاه لتكملة الصورة، ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلًا: ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾!
[ ٤ / ٩٦٢ ]
لقد علم الله صدق قلوبهم وألسنتهم، وصدق عزيمتهم على المضي في الطريق، وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدّين القيّم الذي دخلوا فيه، ولهذا الصفّ المسلم الذي اختاروه، واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة -بكل تكاليفها في النفس والمال- منّة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونه إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضيّ فيه، ورجاءهم في ربّهم أنه يدخلهم مع القوم الصالحين!
لقد علم الله منهم هذا كله، فقبل منهم قولهم، وكتب لهم الجنّة جزاء لهم، وشهد لهم سبحانه بأنهم محسنون، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين: ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾!
والإحسان أعلى درجات الإيمان والإِسلام .. والله ﷻ قد شهد لهذا الفريق من الناس بأنه من المحسنين!
إنه فريق خاص محدّد الملامح، هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾!
فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه، بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة، وهو فريق لا يتردّد في إعلان استجابته للدّين القيم، والانضمام للصف المسلم، والانضمام إليه بصفة خاصّة في تكاليف هذه العقيدة، وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها، والجهاد لإقرارها وتمكينها .. وهو فريق علم الله منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين!
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحدّ في تحديد ملامح هذا الفريق
[ ٤ / ٩٦٣ ]
المقصود من الناس الذين نجدهم أقرب مودّة للذين آمنوا، بل إنه ليمضي فيميّزه من الفريق الآخر من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾! ممن يسمعون هذا الحقّ فيكفرون به ويكذّبون، ولا يستجيبون له، ولا ينضمون إلى صفوف الشاهدين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾!
(المائده)!
والمقصود قطعًا بالذين كفروا وكذّبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ثم لا يستجيبون .. والقرآن الكريم يسمّيهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف، سواء في ذلك اليهود والنصارى، ويضمّهم إلى موكب الكقّار مع المشركين سواء، ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل الله على رسوله من الحق، وفي موقف الامتناع عن الدخول في الدّين القيم الذي لا يقبل الله من الناس دينًا سواه .. نجد هذا في مثل قول الله تعالى:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ (البينة)!
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]!
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة)!
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (المائدة)
فهو تعبير مألوف في القرآن الكريم، وحكم معهود .. وهو يأتي هنا للتفرقة بين فريقين من الذين ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، وللتفرقة بين موقف كل منهما تجاه الذين آمنوا، وللتفرقة كذلك بين مصير هؤلاء وأولئك عند الله .. هؤلاء
[ ٤ / ٩٦٤ ]
﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾! ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾!
وليس كل من ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إذن داخلين في ذلك الحكم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن في دون تمامها .. إنما هذا الحكم مقصور على حالة معيّنة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضًا، ولا ملامحها مجهلة، ولا موقفها متلبّسًا بموقف سواها في كثير ولا قليل!
وقد وردت روايات في تحديد من هم النصارى المعنيّون بذلك، قال ابن كثير: قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم، وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنيّة، وقصّة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة -كما سيأتي- وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وقد بعثهم النجاشي إلى النبي - ﷺ - ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي: فهاجر النجاشي فمات في الطريق، وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلّى عليه النبي - ﷺ - يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة .. وتعددت الروايات في ذلك (١).
_________________
(١) انظر: ابن كثير: التفسير: ٢: ٨٥، والقرطبي: التفسير ٦٠: ٢٢٥، وتفسير المنار: ٧: ٢ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٦٥ ]
١٠ - بين الصهيونية والصليبيّة:
ويطالعنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (المائدة)!
وقوله جلّ شأنه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨]!
وقوله ﷿: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ (البقرة)!
وقد صدّق الواقع التاريخي ما حذّر الله الأمّة المسلمة إياه، من اليهود والنصارى سواء!
وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكرة للإسلام منذ اليوم الأوّل لهذا الدّين القيّم، في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة!
وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإِسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم .. فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبييّن أنهم اتخذوا من الإِسلام موقف العداء منذ عهد الرسول - ﷺكما سيأتي- في هذه الدراسات تحت عنوان: (الرسول - ﷺ - والنصارى وجهًا لوجه)!
وحسبنا أن نذكر موقف العداء منذ واقعة (اليرموك) -كما سجل التاريخ-
[ ٤ / ٩٦٦ ]
بين جيش المسلمين وجيوش الروم- فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه، وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإِسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك، يلاقون من ظلمها الوبال!
أما التيّار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط -إلا في الظاهر- منذ التقى الإِسلام والرومان على ضفاف اليرموك!
لقد تجلّت أحقاد الصليبيّة على الإِسلام وأهله في الحروب الصليبيّة المشهورة طوال قرنين من الزمان .. كما تجلّت في حروب الإبادة التي شنّتها الصليبيّة على الإسلام والمسلمين في الأندلس .. ثم في حملات الاستعمار والتبشير على الممالك الإسلاميّة في إفريقيا أوّلًا ثم في العالم كله أخيرًا!
ولقد ظلّت الصهيونيّة العالميّة والصليبيّة العالميّة حليفتين في حرب الإِسلام -على كل ما بينهما في أحقاد- ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العلم الخبير: ﴿بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾!
حتى مزّقوا دولة الخلافة الأخيرة، ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدّين عروة عروة، وبعد أن أجهزوا على عروة (الحكم) ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على الباقي!
ثم هاهم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنييّن، فيؤيّدون الوثنيّة حيثما وجدت ضدّ الدّين القيّم، عن طريق المساعدات المباشرة تارةً، وعن طريق المؤسسات الدوليّة التي يشرفون عليها تارةً أخرى! وليس الصراع بين الهند وباكستان على (كشمير) وموقف الصليبيّة منها ببعيد!
[ ٤ / ٩٦٧ ]
وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولّى سحق حركات الإحياء والبعث الإِسلاميّة في كل مكان على وجه الأرض، وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة، ودق الطبول من حولهم، ليستطيعوا الإجهاز على الإِسلام، في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذي يلبسون أردية الأبطال!
هذا موجز سريع لما سجّله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرنًا، من مواقف الصهيونيَّة والصليبيّة تجاه الدّين القيّم، لا فرق بين هذه وتلك، ولا افتراق بين هذا المعسكر وذاك في الكيد للإسلام، والحقد عليه، والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمان!
وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغدًا، فلا ينساقوا وراء حركات التميّع الخادعة أو المخدوعة .. دون متابعة لتقريرات القرآن الكريم عامة، ودون متابعة للواقع التاريخي الذي يصدّق هذا كله .. ثم تتخذ من ذلك وسيلةً لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التي تضمر لهم الحقد وتبيت لهم الكيد، الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات جهدها، وهي بصدد الضربة الموجهة إلى جذور العقيدة!
إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئًا أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة، مهما قلّ عددها وعدّتها، فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة، وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة، ولكن ضررهم لا يقلّ -حينئذ- عن ضرر أعدى الأعداء، بل إنه ليكون أشدّ ضررًا!
[ ٤ / ٩٦٨ ]
١١ - معركة عقيدة:
وعلينا أن ندرك أنها معركة عقيدة .. وقد استطاع اليهود ومن يشايعهم من النصارى ومن على شاكلتهم أن يقيموا لهم دولة، يساعدهم هؤلاء وأولئك بالأموال والأسلحة .. ! وهذا واقع أليم، استغله اليهود .. ومن ثم سجَّلت حرب ١٩٦٧ ما سجَّلت مما يندى له الجبين، وقد كنت آنذاك وراء القضبان، في ليمان أبي زعبل، وليمان مزرعة طره!!
وكان في مقدمة هذه الحرب -كما تناقلت وسائل الإعلام- بعض أحبارهم يقودون الدبابات التي قدمها لهم هؤلاء وأولئك، بينما أسقط المسلمون من حسابهم العامل الديني، والرباط الروحي، ووقفوا من المعركة موقف الشعارات القوميّة .. وكانت الهزيمة التي عاش المسلمون أحداثها المريرة!
ومعلوم أن الأحزاب والحركات العربيّة العلمانيّة الملحدة قد أخفقت في جميع أعمالها؛ لأنها كانت منذ نشأتها -ولا تزال- تعمل بمعزل عن الشعوب المؤمنة!
كما أنها عجزت عن إدراك الاختلاف الكبير بين الدّين القيّم الذي هو دين ودنيا، وعقيدة وجهاد، بين الكهانة التي أرغمت حكومات غير المسلمين على اعتناق العلمانيّة!
هذا جانب، وجانب آخر مهم، وهو أنها تعرف تاريخ الإِسلام، وأنه دين ودولة، ولكنها تحاربه بتلك الشعارات البرّاقة والمبادئ الهدّامة!
وعلينا أن نعود عودًا حميدًا إلى فقه السيرة النبوية، ونربط الحاضر بالماضي، ونرى معالم قضيّتنا مع أحفاد القردة والخنازير واضحة، يصوّرها الكتاب
[ ٤ / ٩٦٩ ]
والسنة، وأنها ليست مجرّد صراع كما يدعيه الغافلون، ويسميه العابثون، بل معارك خاصة بهم في حياة الرسول - ﷺ -، ينطق بذلك القرآن الكريم، كما ينطق الواقع التاريخي، في القديم والحديث سواء!
- ونرى اليهود في العصر الحاضر قد تجمّعوا في الأرض المقدّسة!
- وهذا التجمع قد أفادنا، حيث تجمّعوا تحت راية عقيدتهم، وإن كانت قد أصابها التزييف والتحريف والتخريف!
- وهذا يتطلب مواجهتهم تحت راية الدّين القيّم!
- وأفادنا، حيث تملّكوا أسباب القوّة والبطش، كما يشهد الواقع الأليم!
- وهذا يتطلب ضرورة الأخذ بكل الأسباب الممكنة، والأمة الإِسلاميّة تملك القدرة على ذلك!
- وأفادنا، حيث رأيناهم قد تجمّعوا من كل أنحاء الدنيا، ليتحقق فيهم إذن الأبد الذي تحققّ منذ ظهوره، فبعث الله عليهم في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من يَسُومهُمْ سوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف)!
وهنا تتحقق فيهم النبوءة الصادقة (١) في قوله - ﷺ - فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة، حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراء اليهودي: يا مسلم! هذا يهوديٌّ ورائي فاقتله".
وفي رواية لمسلم عنه - ﷺ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة
_________________
(١) انظر كتابنا: الرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه: ٤: ٢٨٧١ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٧٠ ]
حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ خلفي فتعالى فاقتله، إِلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود" (١). واليهود يعرفون هذا، ومن ثم فهم يزرعون حول ما يقيمون من مستوطنات شجر الغرقد، ولكن الوحي يذكر بأن النصر حق!
وفي رواية عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "تقاتلكم اليهود، فَتُسَلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهوديّ ورائي فاقتله" (٢).
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ (الروم)!
١٢ - إسلام عمر الفاروق:
هذا، وكان عُمر بن الخطاب من ألدّ خصوم الإِسلام، وكان معروفًا بحدّة الطبع، وقوّة الشكيمة، وكثيرًا ما لقي بعض المسلمين منه صنوفًا من الأذى والتنكيل (٣)!
_________________
(١) البخاري: ٥٦ - الجهاد (٢٩٢٦)، ومسلم (٢٩٢٢)، وأحمد: ٢: ٥٣، والطبراني: مسند الشاميين: ٤: ٢٢٧ (٣٢٣٦).
(٢) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٩٣)، وانظر (٢٩٢٥)، ومسلم (٢٩٢١)، وعبد الرزاق (٢٠٨٣٧)، وأحمد: ٢: ١٢١ - ١٢٢، ١٣١، ١٣٥، ١٤٩، والترمذي (٢٢٣٦)، وأبو يعلى (٥٥٢٣)، والبغوي (٤٢٤٦)، والطبراني: الأوسط (٩١٦١)، والآجري: الشريعة: ٣٨١، والبيهقي: ٩: ١٧٥، وابن حبان (٦٨٠٦).
(٣) انظر: السيرة النبويّة في ضوء المصادر الأصلية: ٢١٢ وما بعدها، وأحمد: فضائل الصحابة: ١: ٢٧٨.
[ ٤ / ٩٧١ ]
وحسبنا أن نذكر ما رواه البخاري عن قيس، قال: سمعت سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفَيل في مسجد الكوفة يقول: والله! لقد رأيتني مُوثِقي، وإِنّ عمر لَمُوثقي على الإِسلام قبل أن يُسلم عُمر .. !
وفي رواية: يقول للقوم: لو رأيتُني موثِقي عمر على الإِسلام، أنا وأخته، وما أسلم .. (١)!
قال ابن حجر: والمعنى رأيت نفسي وإن عمر لموثقي على الإِسلام، أي ربطه بسبب إسلامه، إهانةً له، وإلزامًا بالرجوع عن الإِسلام (٢)!
ويطول بنا الحديث في ذكر ذلك!
واختلف في قصة وتاريخ إسلامه!
قال ابن إسحاق: كان إسلام عمر فيما بلغني (٣) أن أخته فاطمة بنت الخطّاب، وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعلها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر!
وكان نُعيم بن عبد الله النحّام، رجل من قومه، من بني عديّ بن كعب قد أسلم، وكان أيضًا يستخفي بإسلامه، فَرَقًا من قومه!
وكان خبّاب بن الأرَت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب، يقرئها القرآن!
فخرج عُمر يومًا، متوشّحًا سيفه، يريد رسول الله - ﷺ -، ورهطًا من أصحابه، قد ذُكروا له، أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريبٌ من أربعين، ما بين رجال ونساء!
_________________
(١) البخاري: ٦٣ مناقب الأنصار (٣٨٦٢)، وانظر (٣٨٦٧، ٦٩٤٢).
(٢) فتح الباري: ٧: ١٧٦.
(٣) ابن هشام: ١: ٤٢٣ وما بعدها.
[ ٤ / ٩٧٢ ]
ومع رسول الله - ﷺ - عمّه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قُحافة الصّدِّيق، وعليّ بن أبي طالب، في رجال من المسلمين -﵃- ممن كان أقام مع رسول الله - ﷺ - بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نُعيم بن عبد الله، فقال له:
أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدًا هذا الصّابئ، الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها، فأقتُله!
فقال له نُعيم: والله! لقد غَرّتك نفسُك يا عُمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمدًا!
أفلا ترجع إلى أهل بيتك، فتُقيم أمرهم! قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: خَتَنُك وابن عمّك سعيد بن زيد، وأختُك فاطمةُ بنت الخطاب، فقد والله! أسلما، وتابعا محمدًا على دينه، فعليك بهما! قال: فرجع عمر عامدًا إلى أخته وختنه، وعندهما خبّاب بن الأرت، معه صحيفة، فيها ﴿طهَ﴾ يقرئهما إيّاها، فلمَّا سمعوا حسّ عُمر، تغيّب خبّاب في مَخْدَعٍ لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمةُ بنتُ الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دَنَا إلى البيت قراءة خبّاب عليهما، فلمَّا دخل قال: ما هذه الهيْنمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئًا، قال: بلى والله! لقد أُخْبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه، وبطش بخَتَنِه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب، لتكُفّه عن زوجَها، فضربها فشجَّها، فلمَّا فعل ذلك قالت له أخته وختَنه: نَعم، قد أسلمنا، وآمنَّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!
[ ٤ / ٩٧٣ ]
فلمَّا رأى عمر ما بأخته من الدّم، نَدم على ما صنع، فارْعَوى (١)، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعْتكم تقرؤون آنفًا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمَّد، وكان عمر كاتبًا، فلمّا قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليَرُدَّنَّها إليها، فلمَّا قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له:
يا أخي إنك نجسٌ، على شركك، وإنه لا يمسّها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها ﴿طهَ﴾ فقرأها، فلما قرأ منها صدرًا قال:
ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!
فلمَّا سمع ذلك خبّاب خرج إليه، فقال له:
يا عُمر، والله! إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه، فإني سمعته أمس، وهو يقول:
"اللهم! أيّد الإِسلام بأبي الحكَم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب" (٢)!
فالله الله! يا عمر!
فقال له عند ذلك عمر: فدُلَّني يا خبّاب على محمَّد، حتى آتيه فأُسلم، فقال له خبّاب: هو في بيت عن الصّفا، معه فيه نفرٌ من أصحابه!
_________________
(١) أي رجع، يقال: ارعويت عن الشيء، إذا رجعتُ عنه وازدجرت.
(٢) الحديث رواه ابن إسحاق بلاغًا، والترمذي (٣٦٨١) عن نافع عن ابن عُمر، وزاد: وكان أحبّهما إليه عمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، من حديث ابن عمر، وابن سعد: ٣: ٢٦٧، وأحمد: ٢: ٩٥، وفضائل الصحابة (٣١٢)، وعبد بن حميد (٧٥٩)، والحاكم: ٣: ٨٣، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢١٥٢١٦، وابن حبان (٦٨٨١).
[ ٤ / ٩٧٤ ]
فأخذ عمر سيفه فتوشّحه، ثم عمد إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلمَّا سمعوا صوتَه، قام رجلٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ - وهو فَزع، فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب متوشّحًا السيف، فقال حمزة ابن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه، فقال رسول الله - ﷺ -: "ائْذن له"!
فأذن له الرجل، ونهض إليه رسولُ الله - ﷺ -، حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حجرته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذةً شديدةً، وقال: "ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله! ما أرى أن تنتهي، حتى يُنزل الله بك قارعةً"!
قال عمر: يا رسول الله! جئتك لأُومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله!
قال: فكبّر رسول الله - ﷺ - تكبيرةً، عَرَف أهل البيت من أصحاب رسول الله - ﷺ - أن عمر قد أسلم!
فتفرّق أصحاب رسول الله - ﷺ - من مكانهم، وقد عَزُّوا في أنفسهم، حين أسلم عمر، مع إِسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله - ﷺ -، وينتصفون بهما من عدوهم!
فهذا حديث الرواة من أهل المدينة، عن إِسلام عمر بن الخطاب، حين أسلم (١)!
وذكر ابن إسحاق أن عمر - ﵁ - كان يقول:
كنت للإسلام مباعدًا، وكنت صاحب خَمر في الجاهليّة، أحبّها،
_________________
(١) ابن هشام: ١: ٤٢٣٤٢٧.
[ ٤ / ٩٧٥ ]
وأسرّ بها، وكان لنا مجلس، يجتمع فيه رجال من قريش بالحزْورة، عند دُور آل عمر بن عبد بن عمران المخزومي، قال: فخرجت ليلةً أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، قال: فجئتهم فلم أجد منهم أحدًا، قال: فقلت: لو أني جئت فلانا الخمّار، وكان بمكّة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمرًا فأشرب منها، قال: فخرجت فجئته فلم أجده، قال: فقلت: لو أنّي جئت الكعبة، فطفت بها سبعا أو سبعين، قال: فجئت المسجد، أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله - ﷺ - قائم يصلي، وكان إذا صلّي استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاّه بين الركنين: الركن الأسود، والركن اليماني، قال: فقلت: حين رأيته، والله!
لو أنّي استمعت لمحمد الليلة، حتى أسمع ما يقول! قال: فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لأروّعنّه، فجئت من قبَل الحجْر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويدًا، ورسول الله - ﷺ - قائم يُصلَّي، يقرأ القرآن، حتى قمتُ في قبلته مستقبله، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، قال: فلمَّا سمعت القرآن رقّ له قلبي، فبكيت ودخَلَني الإِسلام، فلم أزل قائمًا في مكاني ذلك، حتى قضى رسول الله - ﷺ - صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن حُسيْن، وكانت طريقه، حتى يَجْزع المسعى (١)، ثم يسلك بين دار عبّاس ابن المطلّب، وبين دار بن أزْهر ابن عبد عوف الزهري، ثم عدى دار الأخنس ابن شَريق، حتى يدخل بيته، وكان مسكنه - ﷺ - في الدار الرَّقْطاء (٢)، التي كانت بيديْ معاوية بن أبي سفيان!
_________________
(١) أي يقطعه.
(٢) أصل الرقطاء: التي فيها ألوان، وكذلك الأرقط.
[ ٤ / ٩٧٦ ]
قال عمر - ﵁ -: فتبعْتُه حتى إذا دخل بين دار عبّاس، ودار ابن أزْهر، أدركته، فلما سمع رسول الله - ﷺ - حسّي عرفني، فظنّ رسول الله - ﷺ - أنّي إنّما تبعتُه لأوذيه فَنَهَمَني (١)، ثم قال:
"ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ "
قال: قلت (جئت) لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله!
قال: فحمدَ اللهَ رسولُ الله - ﷺ -، ثم قال: "قد هداك الله يا عمر". ثم مسح صدري، ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله، ودخل رسول الله - ﷺ - بيته!
قال ابن إسحاق: والله أعلم أي ذلك كان (٢)!
وقال: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عُمر عن ابن عمر، قال: لما أسلم أبي عُمر قال: أيّ قريش أنقلُ للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجُمحي! قال: فغدا عليه! قال عبد الله بن عمر: فغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمْتَ يا جميل أنّي قد أسلمت ودخلت في دين محمَّد؟ قال: فوالله! ما راجعه، حتى قام يجرّ رداءه، واتّبعه عمر، واتبعت أبي، حتى إِذا قام على باب المسجد، صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم في أنديتهم حول المسجد، أَلا إِن عُمر بن الخطّاب قد صبا! قال: ويقول عمر مِنْ خلفه: كذبَ، ولكنّي قد أسلمت، وشهدت أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبده
_________________
(١) معناه زجرني.
(٢) ابن هشام: ١: ٤٢٧، ٤٢٨.
[ ٤ / ٩٧٧ ]
ورسوله! وثارُوا إِليه، فما برَح يُقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم! قال: وطَلحَ (١)، فقعد، فقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله! أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل، لقد تركناها لكم، أو تركَتموها لنا! قال: فبينا هم على ذلك، إِذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلَّة حِبْرة (٢)، وقميص موسى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صَبَا عمر، فقال: فَمَه، رجلٌ اختار لنفسه أمْرًا، فماذا تريدون؟ أتَرْون بني عديّ بن كعب، يُسلمون لكم صاحِبَهُم هكذا! خَلُّوا عن الرجل (٣)! قال: فوالله! لكأنما كانوا ثوبًا كُشِط عنه! قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، مَن الرجل: الذي زجَر القوم عنك بمكّة يوم أسْلمت، وهم يقاتلونك؟ فقال: ذاك، أيْ بُني، العاص بن وائل السَّهمي (٤)! قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم أنه قال: يا أبت، من الرجل الذي زَجَر القوم عنك بمكّة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك، جزاه الله خيرًا؟ قال: يا بنيّ، ذاك العاص بن وائل، لا جزاه الله خيرًا!
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر، أو بعض أهله، قال:
_________________
(١) معناه أعيا، والبعير الطليح هو المعيي.
(٢) الحبرة ضرب من برود اليمن.
(٣) لفظَه هكذا هنا اسم سمّي به الفعل، ومعناه لا يحتاج معها إنى زيادة، وظاهر: معناه عادتهم.
(٤) ابن هشام: ١: ٤٢٩ - ٤٣٠، وسنده صحيح، وابن حبان من طريق ابن إسحاق: موارد الظمآن: ٥٣٥، وأبو نعيم: الحلية: ١: ٤١ وفي سنده أسامة بن زيد بن أسلم، ضعيف: انظر: الميزان: ١: ١٧٤، والبزار: كشف الأستار: ٣: ١٧١، ١٧٢، وقال الهيثمي: "المجمع: ٩: ٦٥ وفيه النضر أبو عمرو متروك.
[ ٤ / ٩٧٨ ]
قال عمر: لمَّا أسلمت تلك الليلة، تذكّرت أيّ أهل مكّة أشدّ لرسول الله - ﷺ - عداوةً، حتى آتيه فأخبره أنّي قد أسلمت. قال: قلت: أبو جهل وكان عمر لحَنْتَمَةَ بنت هشام بن المغيرة، قال: فأقبلت حين أصحبتُ حتى ضربتُ عليه بابه، قال: فخرج إليّ أبو جهل، فقال: مرحبًا وأهلًا يا ابن أختي، ما جاء بك؟
قال: جئت لأخبرك أنّي قد آمنت بالله وبرسوله محمَّد، وصدّقت بما جاء به!
قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبّحك الله، وقبّح ما جئتَ به (١)!
وجعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة .. ومن وجه آخر عقب هجرة الحبشة الأولى (٢)!
وفي رواية للبخاري قال عبد الله بن عمر -﵄-:
لمَّا أسلم عمر، اجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ وأنا غلام فوق ظهر بيتي فجاء رجل عليه قَباء من ديباج، فقال: قد صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جار، قال: فرأيت الناس تصدّعوا عنه، فقلت: مَن هذا؟ قالوا: العاص ابن وائل (٣)!
قال ابن حجر: قوله (وأنا غلام) في رواية أخرى أنه (كان ابن خمس سنين)، وإذا كان كذلك خرج منه أن إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو
_________________
(١) ابن هشام: ١: ٤٣٠.
(٢) انظر: فتح الباري: ٧: ١٨٢.
(٣) ٦٣ مناقب الأنصار (٣٨٦٥)، وانظر (٣٨٦٤).
[ ٤ / ٩٧٩ ]
بسبع؛ لأن ابن عمر .. كان يوم أحد ابن أربع عشر سنة، وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين (١)!
وهنا نذكر ما رواه الترمذي وغيره، بسند حسن عن ابن عمر -﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال (٢): "اللهم! أعزَّ الإِسلام بأحبَّ هذين الرجلين إِليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال:
وكان أحبَّهما إِليه عمر!
ويروي أحمد وغيره عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: فَضَلَ الناسَ عُمر بن الخطاب - ﵁ - بأربع: بذكر الأسرى يوم بدر، أَمَرَ بقتْلهم، فأنزل الله ﷿: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ (الأنفال)! وبذكره الحجاب، أمرَ نساء النبي - ﷺ - أن يَحْتَجبن، فقالت له زينب: وإِنك علينا يا ابن الخطاب، والوحي ينزل علينا في بيوتنا، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣)! وبدعوة النبي - ﷺ - له: "اللهم! أيّد الإِسلام بعُمر"! وبرأيه في أبي بكر، كان أول الناس بايعه (٣)!
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ١٧٨.
(٢) الترمذي (٣٦٨١)، وابن سعد: ٣: ٢٦٧، وأحمد: ٢: ٩٥، وفضائل الصحابة (٣١٢)، وعبد بن حميد (٧٥٩)، والحاكم: ٣: ٨٣، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢١٥، ٢١٦، وابن حبان (٦٨٨١)، وانظر: ابن هشام: ١: ٤٥٢، ٤٢٦، والمجمع: ٩: ٦١، ٦٢.
(٣) أحمد: ١: ٤٥٦ وسنده حسن لغيره، وانظر: فضائل الصحابة (٣٣٨، ٣٣٩)، والبزار (٢٥٠٥) زوائد، والشاشي (٥٥٥)، والطيالسي (٢٥٠)، والدولابي: الكنى: ٢: ١٤٢، والطبراني (٨٨٢٨)، والمجمع: ٩: ٦٧.
[ ٤ / ٩٨٠ ]
وأصبح عمر الفاروق - ﵁ - رجل الإِسلام (١)، وبطل الدعوة الإِسلاميّة التي ستقوّض بنيان الجاهليّة، وتقضي قضاءً مبرمًا على الوثنية في شتّى أشكالها، وتزيل الشرك على اختلاف ألوانه، وتهدم دعائم المجد الماديّ الزائف، وتبخع الطغيان الظلوم، وتبني الحياة من جديد على أسس من العدل والحق والمواساة، بنيانًا يجعل من الإنسانيّة كلها في إخائها وتعاطفها وتوادّها وتعاونها على البرّ والتقوى جسدًا واحدًا، تتقمصه روح واحدة، هي روح البرّ والرحمة!
وصار عُمر الفاروق الرجل الثاني في جميع أصحاب رسول الله - ﷺ -!
فإذا كان أبو بكر الصدّيق - ﷺ - هو الرجل الأوّل في إعادته رَسَن الإِسلام إلى غربه، وفي توطيد أركان الدعوة بعد أن تزلزلت الحياة الإِسلاميّة بوفاة رسول الله - ﷺ -، وبما أعقب ذلك من محاولة تفكّك عروة المجتمع الإسلامي وانفراط عصامه، بموقفه يومئذ من الخلافة والردّة موقفًا انفرد به في تاريخ الإِسلام، حزمًا وعزمًا، وقوة تدبير، وشجاعة قلب، واستقامة رأي، وعلوّ حجّة، وسرعة حركة في التوجيه، وإحكام ضربات حاسمة، ردّت العقول الثائرة إلى مرابضها، والعقول الفاترة إلى ثورتها، وسلطان الإِسلام إلى أفقه، ووحدة المسلمين إلى منهجها في السير برسالة محمَّد - ﷺ - إلى غايتها وأهدافها في فتح القلوب، وإيقاظ العقول!
فإن عُمر الفاروق - ﵁ - هو الرجل الأوّل في إقامة دعائم الإِسلام، نظامًا وحكمًا، لم تعرف الدنيا له مِثْلًا في العدل، وإقامة الحق، واستقامة السلوك، وتطبيق أحكام الإِسلام، على الأفراد، مهما كان شأنهم، وعلى الجماعات، مهما عظم خطرها، وفي تحقيق الأسوة المرئيّة للناس بأبصارهم في نفسه
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ١: ٦٦٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩٨١ ]
وولده وسائر أهل بيته وقرابته أوّلًا، وعامة المسلمين ثانيًا في سواء من أمرهم، لا يتميّز منهم أحد على أحد في الحق فيه، أو إعطائه له!
وعمر الفاروق - ﵁ - أصبح بإسلامه عبقريّ الدنيا بشهادة الرسول - ﷺ - فيما يرويه البخاري عن عبد الله بن عمر من حديث طويل: "فلم أَر عبقَريًّا يَفْري فِريَّه" (١)!
فأي شيء يكون الإعجاز في صنع النفوس، وخَلْقها خلقًا جديدًا، وإبداعها إبداعًا سويًّا، تتسامى به في تفكيرها وعملها وقوّة إيمانها، إذا لم يكن هذا الذي كان لعُمر الفاروق بإسلامه إعجازًا؟!
فإذا قلنا إن إسلام عمر كان نفحةً من نفحات الإعجاز في صنع النفوس الإنسانيّة في رسالة محمَّد - ﷺ -، لم يكن القصد إلى شيء من أساليب المجاز والرمز، ولا إلى شيء من المبالغة التعبيريّة، ونصاعة البيان، في تصوير ما صار إليه عمر الفاروق بإسلامه بعد جاهليّته من عظمة شخصيّة، وعبقريّة فكريّة، وألمعيّة عمليّة، لتضفي على هذا الحدث الخطير في تاريخ الحياة من الألوان ضربًا من الخيال الفضفاض، ولكن القصد إلى حقيقة الإعجاز الإنساني التي تميّزت به هذه الرسالة الخالدة، في صنع النفوس، وتربية الرجال، في مدارس آياتها، ومعاهد آدابها، وهي بطبيعتها الإنسانيّة ومصدرها الإلهيّ في غُنْيَة عن التحدّي بالمعجزات الماديّة التي تُكْره العقول على الإيمان بها؛ لأنها رسالة الإنسان جاء ته لتكشف له الحجب عن حقيقته، حتى يعرف نفسه ومكانه في الحياة، فهي رسالة تخاطب العقل والروح والقلب، وتحرّك الوجدان، وتثير العواطف والشعور والإحساس!
_________________
(١) البخاري: ٦٢ فضائل الصحابة (٣٦٨٢).
[ ٤ / ٩٨٢ ]
هي رسالة الإنسان ليعرف الكون كله .. أُنزلت لتطلب إلى العقل الإنسانيّ في إغراء واعد .. وتطلب إلى كل إدراك شعوري أن يعمل بكل ما أوتي من وسائل، وقوّة علم، ومعرفة ونظر وتفكير، وتجاوب عملية، على استكشاف عناصر الكون الطبيعيّة، وأسراره الروحيّة، إظهارًا لآيات الله، في كل ذرة من ذرّات الحياة فيه، ليهتدي بها الإنسان إلى معرفة خالق الكون، ومدبّر نظامه. معرفة برهانية، لا تعتمد على أوهام وأباطيل، ولكنها تعتمد على منطق الحق الذي تتضافر على الإيمان به قُوى الإدراك في الإنسان، فيخالط بردُ يقينها جذوة الإدراك العقلي في أوْج ذروتها!
كما يهتدي إلى معرفة مكانه من الحياة في هذا الكون العريض العميق، معرفة تقوده إلى أن يقرأ كتاب الكون، مستغرقًا في التأمّل، ليتبّين آيات الله تعالى في خلقه، وتدبيره، ليُخْلِص الإنسان التعبّد لله وحده!
ويهتدي كذلك إلى معرفة طرائق الإفادة من العناصر الطبيعيّة في هذا الكون، ووضعها موضع العمل التجريبي، بجميع ما يكون في استطاعته من أسباب توصله إلى الحصول على أكبر قسط من هذه الإفادة!
والإعجاز في إسلام عمر الفاروق - ﵁ -، هو الإعجاز الذي يحيي القلوب بعد موتها، فيبعثها من مرقدها حيّةً مؤمنةً بعد كُفر، عالمةً بعد جهالة، مهتديةً بهد ضلالة، عاملة ناهضة!
كذلك كان الإعجاز في إسلام عمر الفاروق - ﵁ -، هو الإعجاز الذي أحيا قلبه بعد موته في جاهليّته، فبعثه من مرقده في حمأة الوثنية، مؤمنًا بالله وحده، عالمًا بجلاله، مهتديًا بهديه، عاملًا نهّاضًا في سبيل عقيدته!
وهو الإعجاز الذي يوقظ العقول الغطيطة في مهاد الضلال، لتدرك حقيقة
[ ٤ / ٩٨٣ ]
الحياة على ضوء ما يسوق لها الإيمان بالله تعالى، من إشراق ينير لها طريق السير في دروب الحياة، وكذلك صنع إسلام عمر بعقل عمر، فأيقظه من غفلته، وأراه الحياة كما يراها الإسلام في هديه ورسالته!
وهو الإعجاز الذي يُحيل في لحظة من لحظات الزمن النفوس الجاحدة العاتية إلى نفوس مؤمنة وادعة، تأخذ من الحياة لتعطي، وتعطي لتفيد، وتتحرك لتعلَم، وتعلم لتعمل، وكذلك صنع إسلام عُمر بنفس عمر، فقد أحالها من جحود عات، وعتوّ جاحد، إلى نفس مشرقة الإيمان، عظيمة الإخلاص، أعطت أكثر مما أخذت، وأفادت أكثر مما استفادت، وتحرّكت فعلمت وعلّمت فعملت، فكان في الإِسلام أسوة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت مفخرة المفاخر في تربية الإسلام!
وهو الإعجاز الذي يبدّل في لحظة من لحظات الزمن القسوة الباغية في النفوس الطاغية، رحمةً حانيةً، ورقّةً عاطفةً!
وكذلك صنع إسلام عُمر بشخصيّة عمر، فقد بدّل قسوته وبغيه على أهل الحق والإيمان من المسلمين المستضعفين، رحمةً ورأفةً وإشفاقًا، وفي تاريخ عمر في الإِسلام من الشواهد على ذلك ما لا يُحصى عدًا، وما لا يعرف لغيره من الرجال الذين أوتوا من السلطان والحكم ما أوتي عُمر الفاروق في الإسلام!
وهو الإعجاز الذي يجعل من الصلف المغرور، والغرُور المفتُون عزّةً وكرامةً، وكذلك صنع إسلام عمر في طبيعة عمر، فجعل منه قائدًا يسوس الأمّة بالعزّة والكرامة، ويحبّ أن يرى فيها الشموخ والعزّة!
وهو الإعجاز الذي يجعل من إنسان وُلد ونَهد، وشبّ في جاهلية حمقاء، وبيئة شرّيرة عمياء، وحياة ضالّة جهلاء، إمامًا للإنسانيّة، يهتدي
[ ٤ / ٩٨٤ ]
لها، ويهديها، ويقودها إلى أكمل مراتب الكمال في حياتها، وينهض بها إذ يرفع أمرها إلى أرقى درجات التحضّر الكريم، يسوسها بعدله وحكمته، ويأسو جراحها برحمته، ويحمل عنها عبء مسؤوليّتها بأرفع وأجلّ ما حمل عبقريّ مسؤوليّة أمّة في حياتها!
إنه الإعجاز الذي جعل من أمّة الإِسلام أمّة محسودة؛ لأن العناية الإلهيّة وهبت لها عمر الفاروق، ثاني الراشدين، ليقودها وهي في مطلع حياتها، تتحسّس مواضع أقدامها، فكانت بعدله وسياسته وحكمته وقيادته خير أمة أخرجت للحياة في جميع مظاهر الإصلاح!
بهذا كله وأعظم منه قدرًا، وأكثر عددًا، جاءت رسالة محمَّد - ﷺ -، فكانت خاتمة الرسالات!
وبهذا كله، وأرفع منه وزنًا، وأجلّ منه مرتبةً، وأفضل معنى في مراتب الفكر والنظر، وفي مجالات أنظمة الحياة، أُنزل القرآن العظيم على خاتم النبيّين - ﷺ -، فكان المعجزة الخالدة، والآيات البيّنة، بمعانيه الإنسانيّة، وتشريعاته التعبديّة، وسماحته العقديّة، ونظمه الاجتماعيّة، وهدايته التربويّة، وآدابه الخلقيّة، وروعة أساليبه البيانيّة، وبراعة تحليله للنفوس البشريّة، وكشف دخائلها، وشفائها من أسقامها!
لقد جمع الله تعالى لعمر الفاروق - ﵁ - كل هذه الحقائق والمعاني، وصوّر له كمالاتها في لحظة من الزمن، انفجر منها في داخل بصيرته نور أضاء له ملكوت السموات والأرض، فقرأ من كتاب الكون أصول هدايته كما أسلفنا فآمن بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا ورسولًا!
[ ٤ / ٩٨٥ ]
يروي البخاري عن عبد الله بن مسعود - ﷺ - قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر (١)!
قال ابن حجر: أي لما فيه من الجلد والقوّة في أمر الله!
وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: كان إِسلام عمر عزًا، وهجرته نصرًا، وإِمارته رحمةً، والله! ما استطعنا أن نصلّي حول البيت ظاهرين، حتى أسلم عُمر (٢)!
إلْه عُمر الفاروق شهيد المحراب - ﵁ -!
يروي البخاري عن أبي مُليْكة أنه سمع ابن عباس يقول: وُضع عمر على سريره، فَتَكنَّفَهُ الناس، يَدْعون ويُصلّون قبل أن يُرفع وأنا فيهم فلم يَرُعْنِي إِلا رجلٌ آخذٌ مَنْكبي، فإِذا هو عليٌّ بن أبي طالب، فترحّم على عمر وقال: ما خَلَّفْتَ أحدًا أحب إِليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك! وايمُ الله! إِن كنتُ لأظُنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبْت أنّي كثيرًا أسمع النبي - ﷺ - يقول: "ذهبْتُ أنا وأبو بكر وعُمر، ودخلْتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجْتُ أنا وأبو بكر وعمر" (٣)!
_________________
(١) البخاري: ٦٢ فضائل الصحابة (٣٦٨٤)، وانظر (٣٨٦٣).
(٢) فتح الباري: ٧: ٤٨، وانظر: ابن هاشم: ١: ٤٢٢، وابن سعد: ٣: ٢٧٠، والطبراني: الكبير: ٩: ١٧٨، ١٧٩ ورجاله رجال الصحيح، إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود: انظر: المجمع: ٩: ٦٢، ٦٣.
(٣) البخاري: ٦٢ فضائل الصحابة (٣٦٨٥)، وانظر (٣٦٧٧).
[ ٤ / ٩٨٦ ]
١٣ - عزيمة النبوّة:
ومضَى الرسول - ﷺ - قُدمًا معلنًا عن دعوته بكل ما يملك من وسيلة يعرفها الإعلان والجهر في مجتمعه وبيئته وبلده وقومه (١) .. يناديهم وجه النهار من فوق الجبال -كما أسلفنا-: "إِنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد"!
وقد كان للرسول - ﷺ - في حدب عمه عليه، وقيامه معه، ودفاعه عنه، وحمايته له، ومنعته أن يؤذى عزاء وقوة!
وهنا نبصر عزيمة النبوّة تأبى إلا أن تقول لحياة الظلام: لا .. ولابدّ لهذا الظلام أن يتبدّد، وأن يملأ نورُ الله آفاق الحياة، فيضيء السهل والجبل، ويغمر الأودية والشواهق، ويدخل البيوت، وشري في الطرقات، ويتولّج في حنايا النفوس، وزوايا الضمائر، ويدلف إلى القلوب والعقول، ويوقظ الحياة من سباتها، ويصبح الكون كما أراده الله مسخّرًا للإنسان يستخرج آياته، ويكشف أغطية الجهل وظلمات الوثنيّات عن أسراره!
ويعرف الإنسان حقيقة دوره في هذه الحياة، ويعرف ربّه حق معرفته، ويكفر بالطاغوت، ويؤمن بالحق والعدل، ليصحّح وجوده ووجود الحياة كلها، لتخوض بحار العلم والمعرفة، وتسيح في محيطاتها، وتطير في أجوازها بأجنحة من فيض الله وأمره!
هذا الإيمان الذي نبصره في عزيمة النبوّة، قد امتزج بروح محمَّد - ﷺ - ومشاعره وإحساساته، لم تعرف الحياة له نظيرًا في قوّته وسطوته، وعلوّ جهرته!
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١٦٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩٨٧ ]
هذا الإيمان هو الذي دفع أبا طالب إلى أن يقول -كما سبق لهؤلاء: والله!
ما كذبنا ابن أخي، فارجعوا!
ولابد أن الرؤوس الخاوية قد شعرت بالقوّة التي تجدّدت لدعوة محمَّد - ﷺ - في تبليغ رسالته .. ولابد أنها شعرت بالخطر يتهدّدها في وثنيّتها وشركها، وفي طغيانها المادّي، وسُحتها وربويّاتها وتجارتها ومضارباتها .. فرجفت بهم الأرض من تحتهم، وهم في مجالسهم وأنديتهم .. ونظر بعضهم إلى بعض بعيون زائغة، تدور نظراتها في سهوم وذهول، كالذي يغشى عليه من الموت .. وتملّكهم الهلع والجزع، واستولى عليهم الرعب، واستحوذ على قلوبهم الجبن ومهانة الضعف، وضراعة الذل الحائر، فلم يفكّروا قطّ في تنفيذ وعيدهم وتهديدهم أبا طالب وابن أخيه، حتى يتفانى الفريقان!
وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال (١)!
مرض أبو طالب، فجاءت قريش، فجاء النبي - ﷺ -، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك، وشكوه إِلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: "يا عمّ، إِنما أريد منهم كلمةً تذل لهم بها العرب، وتؤدّي إِليهم بها جزية العجم، قال: كلمة واحدة"!
قال: ما هي؟ قال: "لا إِله إِلا الله"! قال: فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ
_________________
(١) الحاكم: ٢: ٤٣٢ وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه أحمد: ١: ٢٢٧، ٢٢٨، ٣٦٢، والترمذي (٣٢٣٢)، وعبد الرزاق (٩٩٢٤)، وأبو يعلى (٢٥٨٣)، والبيهقي: ٩: ١٨٨، والواحدي: أسباب النزول: ٢٤٦، وابن أبي شيبة: ٣: ٣٥٩، والنسائي: الكبرى (١١٤٣٦)، والطبري: ٢٣: ١٢٥، ١٢٦، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (٢٠٢٩)، وابن حبان (٦٦٨٦).
[ ٤ / ٩٨٨ ]
إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: ونزل فيهم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾!
حتى بلغ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ (ص)!
ونبصر الحقيقة الأولى في هذا القرآن ذي الذكر!
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾!
ويطالعنا الإضراب في التعبير الذي يلفت النظر:
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾!
فهو يبدأ وكأنه انقطاع عن موضوع القسم (١)؛ لأن المقسم عليه لم يذكر، واكتفى بالمقسم به، ثم أخذ يتحدث بعده عن هؤلاء المشركين، وما هم فيه من استكبار ومن مشاقة!
ولكن هذا الانقطاع عن القضيّة الأولى انقطاع ظاهري، يزيد الاهتمام بالقضيّة التي تليه!
وفي مفتتح السورة قسم يدل على أنه أمر عظيم .. وإلى جانب هذا استكبار المشركين ومشاقّتهم في هذا القرآن ذي الذكر، فهي قضيّة واحدة قبل الإضراب وبعده!
ولكن هذا الالتفات في الأسلوب يوجّه النظر بشدّة إلى المفارقة بين تعظيم الله سبحانه لهذا القرآن واستكبار المشركين عنه ومشاقّتهم به، وهو أمر عظيم!
وعقب على الاستكبار والمشاقّة، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم، ممن كذبوا مثلهم، واستكبروا استكبارهم، وشاقّوا مشاقّتهم، ومشهدهم وهم
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٣٠٠٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩٨٩ ]
يستغيثون فلا يغاثون، وقد تخلّى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذّلة، وتخلّوا عن الشقاق، ولجؤوا إلى الاستعطاف، ولكن بعد ذوات الأوان: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾!
فلعلهم حين يتملّون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم، وأن يرجعوا عن شقاقهم، وأن يتمثّلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون، ينادون ويستغيثون، وفي الوقت أمامهم فسحة، قبل أن ينادوا ويستغيثوا، ولات حين مناص، ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص!
يطرق قلوبهم تلك المطرقة، ويوقع عليها هذا الإيقاع، قبل أن يعرض تفصيل تلك العزّة وهذا الشقاق، ثم يفصل الأمر، ويحكي ما هم فيه من عزّة وشقاق!
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾!
هذه هي العزة: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾!
وذلك هو الشقاق: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾!
وقصة العجب من أن يكون الرسول بشرًا قصة قديمة، مكرورة معتادة، قالها كل قوم من أمثالهم وتعلّلوا بها منذ بدء الرسالات، وتكرّر إرسال الرسل من البشر، وظل هؤلاء وأمثالهم مع هذا يكرّرون الاعتراض!
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾!
[ ٤ / ٩٩٠ ]
وأوجب شيء وأقرب شيء إلى الحكمة والمنطق أن يكون المنذر منهم بشرًا يدرك كيف يفكّر البشر، وكيف يشعرون، ويحسّ ما يعتلج في نفوسهم، وما يشجر في كيانهم، وما يعانون من نقص وضعف، وما يجدون من ميول ونزعات، وما يستطيعون أو لا يستطيعون من جهد وعمل، وما يعترضهم من عوائق وعقبات، وما يعتريهم من مؤثِّرات واستجابات!
بشرًا يعيش بين البشر، وهو منهم، فتكون حياته قدوة لهم، وتكون لهم فيه أسوة، وهم يحسّون أنه واحد منهم، وأن بينه وبينهم شبهًا وصلةً، فهم مطالبون إذن بالمنهج الذي يأخذ به نفسه، ويدعوهم لاتّباعه، وهم قادرون على الأخذ بهذا المنهج، فقد حقّقه أمامهم بشرٌ منهم في واقع حياته!
بشرًا منهم، من جيلهم، ومن لسانهم، يعرف مصطلحاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتفصيلات حياتهم، ويعرفون لغته، ويفهمون عنه، ويتفاهمون معه، ويتجاوبون وإيّاه، ومن ثم لا تقوم بينه وبينهم جفوة من اختلاف جنسه، أو اختلاف لغته، أو اختلاف طبيعة حياته، أو تفصيلات حياته!
ولكن أوجب شيء وأقربه إلى أن يكون، هو الذي كان دائمًا موضع العجب، ومحطّ الاستنكار، وموضوع التكذيب!
ذلك أنهم كانوا لا يدركون حكمة هذا الاختيار، كما كانوا يجهلون تصوّر طبيعة الرسالة، وبدلًا من أن يروها قيادةً واقعيّة للبشريّة في الطريق إلى الله، كانوا يتصوّرونها خياليّة غامضة محوطةً بالأسرار التي لا يصح أن تكون مفهومة هكذا أو قريبةً!
كانوا يريدونها مُثُلًا خياليّة طائرةً لا تُلمس بالأيدي، ولا تبصر في النور، ولا تدرك في وضوح، ولا تعيش واقعيّة في دنيا الناس!
[ ٤ / ٩٩١ ]
وعندئذ يستجيبون لها كالأسطورة غامضة، كما كانوا يستجيبون للأساطير التي تؤلف عقائدهم المتهافتة!
ولكن الله أراد للبشريّة وبخاصة في الرسالة الأخيرة أن تعيش بهذه الرسالة عيشةً طبيعيةً واقعيّةً، عيشةً طيبةً ونظيفةً وعاليةً، ولكنها حقيقة في هذه الأرض، لا وهمًا ولا خيالًا ولا مثالًا طائرًا في سماء الأساطير والأحلام، يعزّ على التحقيق، ويهرب في ضباب الخيالات والأوهام!
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾!
قالوا كذلك استبعادًا لأن يكون الله قد أوحى إلى رجل منهم!
وقالوه كذلك تنفيرًا للعامة من الرسالة والرسول - ﷺ -، وتهويشًا على الحق الواضح في رسالة محمَّد - ﷺ - الذي يعرفونه حق المعرفة: إنه ساحرٌ كذّاب!
إنما كان هذا سلاحًا من أسلحة التهويش والتضليل، وحرب الخداع التي يتقنها الكبراء، ويتخذونها لحماية أنفسهم ومراكزهم من خطر الحق الذي يتمثّل في هذه العقيدة، ويزلزل القيم الزائفة، والأوضاع الباطلة التي يستند إليها أولئك الكبراء!
إنها حرب الدعاية ضد الرسالة والرسول - ﷺ -؛ لحماية أوضاعهم بين الجماهير في مكّة، ولصدّ القبائل التي كانت تفد إلى مكّة في موسم الحج، عن الرسالة والرسول - ﷺ -!
قال ابن إسحاق (١): ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفرٌ من قريش، وكان
_________________
(١) ابن هشام: ١: ٣٣٤ - ٣٣٦ معلقًا، والطبري موقوفًا على ابن عباس، وقد صرح بالسماع: ١٤: ١٥٧، وأبو نعيم أيضًا عن سعيد بن جبر: الدلائل: ١: ٢٣٢، وعبد بن حمد، وابن =
[ ٤ / ٩٩٢ ]
ذا سنٍّ فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدَم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضًا، ويردّ قوله م بعضُه بعضًا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقمْ لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم، فقولوا أسمعْ، قالوا: نقول: كاهن، قالَ: والله! ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهّان، فما هو بزَمْزَمة الكاهن ولا سجعه (١)، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأَينا الجنون، وعرفناه، فما هو بخَنْقه (٢)، ولا تَخَالجُه (٣)، ولا وسوسته (٤)، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشَاعر، لقد عرفنا الشعر، كل رجَزه وهَزجه وقريضه ومقبوطه ومبسوطه (٥)، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساجر، لقد رأينا السُّحّار وسحْرهم، فما هو بنفْثهم ولا عقْدهم (٦)، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس، قالَ: والله! إن لقوله لحلاوةً، وإن أصله لعَذْق (٧)، وإن فَرْعه لجَنَاه (٨)!
_________________
(١) = المنذر، وابن أبي حاتم مختصرًا: الدر المنثور: ٦: ٢٨٢، والواحدي من غير طريق ابن إسحاق: ٢٩٥ مختصرًا.
(٢) الزمزمة: كلام خفي لا يفهم، والسجع: أن يكون الكلام المنثور نهايات كنهايات الشعر.
(٣) يريد الاختناق الذي يصيب الجنون.
(٤) التخالج: اختلاع الأعضاء وتحركها من غير إرادة.
(٥) الوسوسة: ما يلقيه الشيطان في نفس الإنسان.
(٦) الرجز والهزج والقريض والمقبوض والمبسوط: أنواع من الشعر.
(٧) إشارة إلى ما كان يفعل الساحر من أن يعقد خيطًا ثم ينفث عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ (الفلق)!
(٨) العَذق: الكثير الشعب والأطراف في الأرض.
(٩) أي فيه تمر يُجنَى.
[ ٤ / ٩٩٣ ]
قال ابن هشام: ويقال لغَدَق وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرِّق بين المرء وأبيه، وبن المرء وأخيه، وبن المرء زوجته، وبن المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبُل الناس (١)، حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحدٌ إلا حذّروه إيّاه، وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة، وفي ذلك من قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ (المدثر)!
ويروي الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ (٢): أن الوليد بن المغيرة جاء إِلى النبي - ﷺ -، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إِن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا، قال: لِم؟ قال: ليعطوكه، فإِنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمتْ قريش أنّي من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله! ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله! ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا! ووالله! إِن لقوله الذي يقول حلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإِنه ليعلو وما يُعلى عليه، وإِنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك، حتى تقول فيه! قال: فدعني أفكّر، فلما فكّر، قال: هذا سحرٌ يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾!
_________________
(١) أي بطرقهم، واحدها سبيل.
(٢) الحاكم: ٢: ٥٠٦، ٥٠٧ وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٩٩٤ ]
ذلك كان شأن الملأمن قريش في قولهم (١): ساحر كذّاب، وهم يعلمون أنهم يكذبون فيما يقولون، ويعرفون أن الرسول - ﷺ - لم يكن بساحر ولا كذّاب!
وعجبوا كذلك من دعوته إيّاهم إلى عبادة الله الواحد، وهي أصدق كلمة وأحقّها بالاستماع: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾
ويصوّر التعبير القرآني مدى دهشتهم من هذه الحقيقة الفطريّة القريبة: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾!
كأنه الأمر الذي لا يتصوّره متصوّر!
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾!
حتى البناء اللفظي ﴿عُجَابٌ﴾ يوحي بشدّة العجب وضخامته وتضخيمه!
كما يصوّر طريقتهم في مقاومة هذه الحقيقة في نفوس الجماهير، وتثبيتهم على ما هم عليه من عقيدة موروثة متهافتة، وإيهامهم أن وراء الدعوة الجديدة خبيئًا غير ظاهرها، وأنهم هم الكبراء العليمون ببواطن الأمور، المدركون لما وراء هذه الدعوة من خبيء!
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٣٠٠٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩٩٥ ]
فليس هو الدّين، وليست هي العقيدة، إنما هو شيءآخر يراد من وراء هذه الدعوة!
شيء ينبغي أن تدعه الجماهير لأربابه، ولمن يحسنون فهم المخبّآت، وإدراك المناورات!
وتنصرف إلى عادتها الموروثة، وآلهتها المعروفة، ولا تعني نفسها بما وراء المناورة الجديدة!
فهناك أربابها الكفيلون بمقاومتها، فلتطمئن الجماهير، فالكبراء ساهرون على مصالحهم وعقائدهم وآلهتهم!
إنها الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة البغاة العتاة جماهيرهم عن الاهتمام بالشؤون العامّة، والبحث وراء الحقيقة، وتدبّر ما يواجههم من حقائق خطرة، ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسهم خطر على الطغاة، وخطر على الكبراء، وكشف للأباطيل التي يغرقون فيها الجماهير، وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في الأباطيل!
ثم يموّهون على الناس بظواهر العقيدة القريبة منهم، عقيدة أهل الكتاب، بعد ما دخلت إليها الأساطير التي حرفتها عن التوحيد الخالص، فيقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾!
وكانت عقيدة التثليث قد شاعت .. وأسطورة العُزير قد شاعت .. فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾!
ولقد حرص الإِسلام حرصًا شديدًا على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على
[ ٤ / ٩٩٦ ]
العقائد التي سبقته .. حرص هذا الحرص؛ لأن التوحيد حقيقة أوّليّة كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله، ويشهد بها هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة .. ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشريّة كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها!
ونعود إلى مطلع سورة (ص) لنبصر جهالات أحلاس الوثنيّة وعبيد المال (١)، وأنهم بلغوا من بلادة العقل أنهم يقلّدون الملل المنحرفة عن الحق، يتخذونها إمامًا في عقيدتهم الإلحادية الشركة ممن حرّفوا كلام الله عن موضعه، وجعلوا للكون آلهة، فلما قيل لهؤلاء الذين يعيشون بعقليّة مستعارة، لا يملكون منها سوّى ترداد ما سممعوا بغير تعقّل قولوا:
"لا إله إلا الله"!
لم تتّسع بلادة عقولهم التقليديّة المستعارة أن يكون إله الخلق إلهًا واحدًا، وعجبوا مما قيل لهم تقريرًا لوحدانيَّته وتفرده بالإخلاص في التعبّد له، ولهذا قالوا ما قالوا -كما سبق- فأنزل الله تعالى في تسفيه أحلامهم وبيان بلادة عقولهم هذه الآيات، تنعى عليهم ما أهدروه من معالم إنسانيّتهم، وما فضّلهم الله به عن البهائم من نعمة العقل!
هذا، والنبي - ﷺ - حين سمع مقالتهم، وأدرك مخادعتهم، وأنهم لا يريدون بما طلبوه سواء ولا نصعة، وإنما يريدون تعويق الدعوة عن سيرها، أراد أن يضع أمام عقولهم صورةً واضحةً لحقيقة رسالته في أسلوب بين موجز أشدّ ما يكون إيجاز الإعجاز؛ لأن هذا هو واقع رسالة محمَّد رسول الله - ﷺ -!
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١٨٣ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ٩٩٧ ]
"لا إله إلا الله"!
إننا نبصر عزيمة النبوّة التي تنزع من عقول هؤلاء حواجز البلادة التي تحجب عنهم ضياء الحق .. فالنبي - ﷺ - لم يطلب منهم شيئًا أكثر من أن يخرجهم من ظلمات الجهالة العقليّة .. وضلالات الوثنيّة إلى بؤرة الضياء الفكري، والإشراق الروحي، ومنبع الهداية، فهو - ﷺ - لم يدعهم إلا إلى كلمة واحدة، هي رأس الأمر كله في رسالته التي يدعو إليها؛ لأنه - ﷺ - لم يتعرّض في موقفه هذا إلى مآثمهم الخلُقية، ولا إلى مفاسدهم الاجتماعيّة، ولا إلى مظاهر الطغيان وعتوّ الاستبداد حيث يعيشون، ولم يسألهم مالهم وثرواتهم، ولا سألهم شرفًا فيهم، فهم أعلم الناس برفعة شرفه وسموّ حسبه .. وإنما عرض عليهم الدعامة العظمى التي تنبثق منها جميع فضائل رسالته .. لتيسير تقتلها والإيمان بها، والهُدى هُدى الله، فلم يقبلوا ما عرضه عليهم، وانصرفوا وهم أشدّ عداوةً له، ولددًا بخصومته، وأضرى سفاهةً، وأشرى أذى، وأخبث طويّةً!
لقد كانت هذه المرحلة من الدعوة مرحلة العزيمة الماضية القويّة التي لا تتزحزح، والصبر الذي لا ينفد، والكفاح الذي لا يتردّد؛ لأنها مرحلة التأسيس للعقيدة، وبناء صرح الرسالة، وإقامة دعائم الدعوة إلى الهُدى والحق، فلو وهنت عزيمة المبلَّغ شيئًا من الوهن، فمالت إلى المهادنة، وتخلّى الصبر المكافح لحظة عنها، وتخفّفت من النضال نَفَسًا واحدًا لوجد خصومها مداخل إلى تعويقها عن سيرها وعرقلة مسيرتها!
وقد كان النبي - ﷺ - على أتمّ العلم بهذا كله .. وقد أعد نفسه له ولأكثر منه .. ومن وراء هذا العلم علمه - ﷺ - بما يملأ قلوب زعماء الوثنيّة من شرور
[ ٤ / ٩٩٨ ]
ومفاسد، بيما تنطوي عليه جوانحهم من الحقد الأسود، والشنآن العظيم، فزاده ذلك صمْدًا في قوّة إيمانه برسالته إيمانًا تمثّل إعجازه ومتانة نسجه، وقهر عزّته، في قوله - ﷺكما أسلفنا وهو يحلّق ببصره إلى السماء: "أترون هذه الشمس" قالوا: نعم، قال: "فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم، على أن تشتعلوا منها شعلة"!
إنها عزيمة النبوّة!
١٤ - الاضطهاد والتعذيب:
ونعود إلى حديث بدء الوحي .. نعود لنذكر مرّة من بعد مرّة قول ورقة للنبي - ﷺ -: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جزعًا، ليتني أكون حيًّا إِذ يُخرْجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: "أَوَ مُخْرِجيَّ همْ؟ " قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قَطّ بمثل ما جئت به إِلا عُودي، وإِن يُدركني يومك أنصرك نصْرًا مُؤزرًا، ثم لم يَنْشب ورقةُ أن توفيّ، وفتر الوحي!
نعود لنبصر معلمًا من معالم الرسالة في البلاء، مع أن الرسول - ﷺ - يعرف مدى مكانته بين قومه!
وهنا يطالعنا ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلّي عند الكعبة، لأطانَّ على عُنقه، فبلغ النبيّ - ﷺ - فقال:"لو فعل لأخذته الملائكة"
وفي رواية: "لأخذته الملائكة عيانًا"
وفي رواية: فلم يفجأهم منه إِلا وهو -أي أبو جهل- ينكص على عقبيه،
[ ٤ / ٩٩٩ ]
ويتقي بيديه، فقيل له: فقال: إِن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال النبي - ﷺ -: "لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (١)!
وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم، فقال: واللاّت والعُزّى لئنْ رأيتُه يفعل ذلك، لأطانّ رقبته، أو لأعفِّرنّ وجهه في التراب! قال: فأتَى رسولَ الله - ﷺ -، وهو يصلّي، زَعَم ليطَأ على رقبته! قال: فما فَجِئهُم منه، إِلا وهو ينكص على عقبيْه، ويتقّي بيديه! قال: فقيل له: ما لَكَ؟ فقال: إِن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهَوْلًا، وأجنحة! فقال رسول الله -ﷺ -: "لو دنا مِنّي لاخْتَطَفَتْه الملائكةُ عُضوًا عضْوًا" قال: فأنزل الله -﷿- لا ندري في حديث أبي هريرة، أو شيءٌ بلغه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ (العلق)!
زاد عُبيْد الله في حديثه، قال: وأمره بما أمره به!
_________________
(١) البخاري: ٦٥ التفسير (٤٩٥٨)، وابن أبي شيبة: ١٤: ٢٩٨، وأحمد: ١: ٢٤٨، ٢٥٦، ٣٢٩، ٣٦٨، والبزار: كشف الأستار (٢١٨٩)، والترمذي (٣٣٤٨، ٣٣٤٩)، والنسائي: التفسير (٨١، ٧٠٤، ٧٠٥)، والكبرى (١١٠٦١، ٢١٦٨٤)، وأبو يعلى (٢٦٠٤)، والطبري: التفسير: ٣٠: ٢٥٥، ٢٥٦، والطبراني: الكبير (١١٩٥٠)، والواحدي: أسباب النزول: ٣٠٣، والبيهقي: ٢: ١٩٢، وانظر: فتح الباري: ٨: ٧٢٤.
[ ٤ / ١٠٠٠ ]
وزاد ابن عبد الأعلى: فليدع ناديه، يعني قومه (١)!
ونبصر التشنيع والتعجيب في صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى (٢) .. ونبصر الرجعة إلى الله في كل شيء، وفي كل أمر، وفي كل نيّة، وفي كل حركة، فليس هناك مرجع سواه، إليه يرجع الصالح والطالح، والطائع والعاصي، والمحق والمبطل، والخيّر والشرّير، والغنيّ والفقير .. وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى .. ألا إلى الله تصير الأمور .. ومنه النشأة إليه المصير!
ونبصر التشنيع والتعجيب ونحن نتصوّر هذا الأمر المستنكر، كيف يقع؟
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾!
ونبصر التهديد:
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾!
ويروي البخاري وغيره عن عروة بن الزّبير، قال: سألت عبد الله بن عمروٍ، عن أشدّ ما صنع المشركون برسول الله -ﷺ -، قال: رأيت عُقبة بن أبي مُعيْطٍ، جاء إِلى النبي - ﷺ -، وهُو يصلّي، فوضع رداءً في عُنقه، فَخَنَقه
_________________
(١) مسلم (٢٧٩٧)، وأحمد: ٢: ٣٧٠، والطبري: التفسير: ٣٠: ٢٥٦، والبيهقي: ٢: ١٨٩، والبغوي: معالم التنزيل: ٤: ٥٠٧، ٥٠٨، وأبو نعيم: الدلائل (١٥٨)، وابن حبان (٦٥٧١)، وانظر: الدر المنثور: ٨: ٥٦٥.
(٢) في ظلال القرآن: ٦: ٣٩٤٢ بتصرف.
[ ٤ / ١٠٠١ ]
به خَنْقًا شديدًا، فجاء أبو بكر، حتى دفعه عنه، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (غافر: ٢٨)!
وفي رواية: قال: قلت له: ما أكثر ما رأيْتَ قريشًا أصابت من رسول الله - ﷺ -، فيما كانت تُظْهرُ من عداوته، قال: قد حَضَرْتُهم وقد اجتمع أشرافهم في الحِجْر، فذكروا رسول الله - ﷺ -، فقالوا: ما رأيْنا مِثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قطّ، سفَّه أحلامنا، وشَتَم آباءنا، وعابَ ديننَا، وفرّق جماعتنا، وسبَّ آلهتنَا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إِذ طلع عليهم رسول الله - ﷺ -، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مرّ بهم غَمزوه ببعض يقول! قالوا: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى! فلمَّا مرّ بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى! ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسُ محمَّد بيده، لقد جئتكُم بالذّبح"! فأخذت القومَ كلمته، حتى ما منهم رجل إِلا كأنما على رأسه طائرٌ واقع، حتى إِن أشدَّهم فيه وصَاةً قبل ذلك لَيرْفؤُهُ بأحسن ما يجد من القول، حتى إِنه ليقول: انَصِرفْ يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله! ما كنت جهولًا! قال: فانصرف رسولُ الله - ﷺ -، حتى إِذا كان الغَدُ، اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتُم ما بلغ منكم، وما بلغكُم عنه، حتى إِذا ما بادأكُم بما تكرهون تركُتموه، فبينما هم في ذلك، إِذ طلع عليهم رسول الله - ﷺ -، فوثبوا إِليه وثبةَ رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لمِا كان يبلغهم عنه من عيْب آلهتهم ودينهم! قال: فيقول رسول الله - ﷺ -: "نَعم، أنا الذي أقول
[ ٤ / ١٠٠٢ ]
ذلك" قال: فلقد رأيت رجلًا منهم أخَذَ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصدّيق - ﵁ - دونه، يقول وهو يبكي: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾! ثم انصرفوا عنه، فإِن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشًا بلغتْ منه قط!
وفي رواية قال: ما رأيت قريشًا أرادوا قتل رسول الله - ﷺ - إِلا يومًا رأيتهم وهم جلوس في ظلّ الكعبة، ورسول الله - ﷺ - يصلّي عند المقام، فقام إِليه عقبةُ بن أبي مُعَيْط، فجعل رداءه في عنقه، ثم جذبه، حتى وَجَب لرُكبَتيْه - ﷺ -، وتصايَحَ الناس، فظنّوا أنه مقتول! قال: وأقبل أبو بكر - ﵁ -، يشتدّ حتى أخذ بِضَبُعَي رسول الله - ﷺ - من ورائه، وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟! ثم انصرفوا عن النبي - ﷺ -، فقام رسول الله - ﷺ -، فلمَّا قضى صلاته، مَرّ بهم وهم جلوسٌ في ظلّ الكعبة، فقال: "يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده ما أُرسلتُ إِليكم إِلا بالذَّبْح" وأشار إِلى حلقه، فقال له أبو جهل: يا محمَّد، ما كنت جهولًا، فقال رسول الله - ﷺ - "أنْتَ منهم" (١)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله: أن النبي - ﷺ - كان يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إِذ قال بعضهم لبعض: أيُّكم يجيء بِسَلَى جزور بني فلان، فيضعه على ظهر محمَّد إِذا سجد! فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي - ﷺ - وضعه على ظهره بين كتفيه،
_________________
(١) البخاري: ٦٢ فضائل الصحابة (٣٦٧٨)، وانظر (٣٨٥٦، ٤٨١٥)، وخلق أفعال العباد (٣٠٨)، وأحمد: ٢: ٢١٨ وسنده حسن، والبزار كما ذكر ابن حجر: الفتح: ٧: ١٦٨، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢٧٥، وانظر: المجمع: ٦: ١٥١٦، وابن حبان (٦٥٩٩)، وأبو يعلى: ١: ٣٤٣.
[ ٤ / ١٠٠٣ ]
وأنا انظر لا أُغني شيئًا، لو كانت لي مَنَعةٌ. قال: فجعلوا يضحكون، ويُحيلُ بعضهم على بعض، ورسولُ الله - ﷺ - ساجدٌ لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمةُ، فطَرحَت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: "اللهُمّ!
عليك بقريش"! ثلاث مرات، فشقّ إِذْ دعا عليهم قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة! ثُمّ سَمَّى: "اللهم! عليك بأبي جهل، وعليك بعُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عُقبة، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط"! وعدّ السابع، فلم نحفظه! قال: فوالذي نفسي بيده! لقد رأيت الذين عدّ رسولُ الله - ﷺ - صرعى في القليب، قليب بدر! وفي رواية: غير أن أميّة تقطعت أوصاله، فلم يلق في البئر (١)!
ويروي أحمد وغيره بسند حسن عن ابن عباس ﵄ قال: إِن الملأ من قريش! اجتمعوا في الحِجْر فتعاقدوا باللات والعُزّى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإِسافِ: لو رأينا محمدًا، لقد قُمنا إِليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتّى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة ﵂ تبكي، حتى دخلتْ على رسول الله - ﷺ - فقالت: هؤلاء الملأ من قريش، قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إِليك فقتلوك، فليس منهم رجلٌ إِلا قد عرف نصيبه من دمِك، فقال: "يا بُنَيَّة، أريني وَضُوءًا" فتوضّأ، ثم دخل عليهم
_________________
(١) البخاري: ٤ الوضوء (٢٤٠)، وانظر (٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠)، ومسلم (١٧٩٤)، وأحمد: ١: ٣٩٣، ٤١٧، وابن أبي شيبة: ١٤: ٢٩٨، والطيالسي (٣٢٥)، وابن خزيمة (٧٨٥)، والبيهقي: ٩: ٧٨، و"الدلائل": ٢: ٢٧٩، ٣: ٨٢، والنسائي: ١: ١٦١، والكبرى (٨٦٦٨، ٨٦٦٩)، وأبو عوانة: ٤: ٢٢٠، ٢٢٢، ٢٢٤، واللالكائي: أصول الاعتقاد (١٤١٨، ١٤١٩)، والبزار (٢٣٨٩، ٢٣٩٨) زوائد، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٣٤٩، ٣٥٠، وابن حبان (٦٥٧٠).
[ ٤ / ١٠٠٤ ]
المسجد، فلما رأوْه قالوا: ها هو ذا، وخَفَضُوا أبصارهم، وسقطتْ أذقانهم في صدورهم، وعُقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إِليه بصرًا، ولم يقُم إِليه منهم رجل، فأقبل رسول الله - ﷺ -، حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضةً من التراب، فقال: "شاهت الوجوه" ثم حَصَبهم بها، فما أصاب رجُلًا من ذلك الحَصى حصاةٌ إِلا قتل يوم بدرٍ كافرًا (١)!
وسيأتي مزيد بيان لذلك!
ويرى ابن كثير أن غالب ما وقع للرسول - ﷺ - من اعتداء جسدي، وما يشبه ذلك، كان بعد وفاة عمه أبي طالب (٢)!
ويروي أحمد وغيره بسند حسن عن عبد الله قال: أوّل من أظهر إِسلامه سبعة: رسول الله -ﷺ -، وأبو بكر، وعمّار، وأمّه سميّة، وصهيب، وبلال والمقداد! فأمّا رسول الله - ﷺ -، فمنعه الله بعمّه أبي طالب! وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه! وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدْراعَ الحديد، وصَهَرُوهم في الشمس، فما منهم إِنسان إِلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إِلا بلال، فإِنه قد هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعْطوه الوِلْدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكّة، وهو يقول: أحدٌ، أحدٌ (٣)!
_________________
(١) أحمد: ١: ٣٠٣، ٣٦٨، والحاكم: ١: ١٦٣، ٣: ١٥٧ مختصرًا، وأبو نعيم: الدلائل (١٣٩)، والبيهقي: الدلائل: ٦: ٢٤٠، وابن حبان (٦٥٠٢).
(٢) انظر: البداية: ٣: ١٤٨.
(٣) أحمد: ١: ٤٠٤، وفضائل الصحابة (١٩١)، وابن أبي شيبة: ١٢: ١٤٩، ١٤: ٣١٣، وأبو نعيم: الحلية: ١: ١٤٩، ١٧٢، وابن عبد البر: الاستيعاب: ١: ١٤١، والحاكم: ٣: ٢٨٤، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٨١ - ٢٨٢، والشاشي (٦٤١)، وابن ماجه (١٥٠)، وابن حبان (٧٠٨٣).
[ ٤ / ١٠٠٥ ]
ويروي الحاكم وغيره بسند صحيح عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - مرّ بعمّار واهله، وهم يعذّبون، فقال: "أبشروا آل عمار، وآل ياسر، فإِن موعدكم الجنّة" (١)!
قال ابن إسحاق: كانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذّبونهم برمضاء مكّة، فيمرّ بهم رسول الله - ﷺ -، فيقول فيما بلغني: "صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنّة"
فأما أمّه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإِسلام (٢)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن خبّاب - ﵁ - قال (٣): كنتُ قَيْنًا في الجاهليّة، وكان لي على العاص بن وائل ديْنٌ، فأتيتُه أتقاضاه، قال: لا أُعطيك حتى تكفر بمحمد - ﷺ - فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث! قال: دَعْني حتى أموت وأبْعث، فسأوتَى مالًا وولدًا فأقضيك،
_________________
(١) الحاكم: ٣: ٣٨٨، ٣٨٩، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر: ابن هشام: ١: ٣٩٥، وذكره الهيثمي: المجمع: ٩: ٢٩٣، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وقال الألباني: حسن صحيح: فقه السيرة: الغزالي: ١٠٧، ١٠٨، وانظر: الفتح الرباني: ٢٠: ٢٢٠، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٢٨٢.
(٢) ابن هشام: ١: ٣٩٥، وانظر: البيهقي: الدلائل: ٢: ٢٨٢، والإصابة: ٦: ٣٣٢، ٣٣٣ (٩٢٠٩).
(٣) البخاري: ٣٤ البيوع (٢٠٩١)، وانظر (٢٢٧٥، ٢٤٢٥، ٤٧٣٢، ٤٧٣٣، ٤٧٣٤، ٤٧٣٥)، ومسلم (٢٧٩٥)، وأحمد: ٥: ١١٠، ١١١، والطيالسي (١٠٥٤)، والترمذي (٣١٦٢)، والنسائي: التفسير (٣٤٢)، والطبري: التفسير: ١٦: ١٢٠، ١٢١، والطبراني: الكبير (٣٦٥٠، ٣٦٥١، ٣٦٥٢، ٣٦٥٣، ٣٦٥٤)، والبيهقي: ٦: ٥٢، والدلائل: ٢: ٢٨٠، ٢٨١، والبغوي: التفسير: ٣: ٢٠٧، ٢٠٨، وابن حبان (٤٨٨٥).
[ ٤ / ١٠٠٦ ]
فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ (مريم)!
ويروي البخاري وغيره عن خبّاب قال: شَكوْنا إِلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسّد بُرْدةً في ظلّ الكعبة قلنا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تَدْعوا لنا؟ قال: وكان الرجل فيمن قبلكم، يُحفر له في الأرض، فيُجعلُ فيه، فيُجاءُ بالميشار فيُوضع على رأسه، فيُشقُّ باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشَط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه من عظمٍ أو عصب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله! ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إِلى حضْرموت، لا يخاف إِلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١)!
١٥ - المساومة والإغراء:
وانتقل المشركون إلى أسلوب المساومة والإغراء، وهو أسلوب خطير، فقد قال ابن إسحاق:
حدثني يزيد بن زياد بن محمَّد بن كعب القرظي قال: حدَّثت أن عتبة ابن ربيعة، وكان سيّدًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله - ﷺ - جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمَّد فأكلمه
_________________
(١) البخاري: ٦١ المناقب (٣٦١٢)، وانظر (٣٨٥٢، ٦٩٤٣)، والحميدي (١٥٧)، وأحمد: ٥: ١٠٩، ١١١، ٦: ٣٩٥، وأبو داود (٢٦٤٩)، وأبو يعلى (٧٢١٣)، والطبراني: (٣٦٣٩، ٣٦٤٠، ٣٦٤٦، ٣٦٤٧)، وأبو نعيم: الحلية: ١: ١٤٤، والبيهقي: ٩: ٥، و"الدلائل": ٦: ٣١٥، والنسائي: الكبرى (٥٨٩٣).
[ ٤ / ١٠٠٧ ]
وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيّها شاء، ويكفّ عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله - ﷺ - يزيدون ويكثرون. فقالوا: يا أبا الوليد، قم إليه فكلّمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا ابن أخي، إنك منّا حيث قد علمت من السِّطة (١) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا (٢) تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطبّ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له: حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله - ﷺ - يستمع منه قال: "أقد فركت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: "فاسمع مني" قال: أفعل، فقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (فصلت: ٤).
ثم مضى رسول الله - ﷺ - فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول
_________________
(١) أي من الشرف، يقال فلان من سطة قومه، أي من أشرافهم.
(٢) الرئي -بفتح الراء وكسرها- ما يتراءى للإنسان من الجن، والتابع هنا من يتبع الجن.
[ ٤ / ١٠٠٨ ]
الله - ﷺ - إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك"!
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنّي قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه. فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأي، فاصنعوا ما بدا لكم! (١).
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلي والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر عن جابر ابن عبد الله قال: "اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٣٦٢ - ٣٦٤، وقد صرح بالسماع، وسنده منقطع، ورواه ابن أبي شيبة: المصنف: ١٤: ٢٩٥ - ٢٩٧ من غير طريق ابن إسحاق، فيه الأجلح، وفيه كلام، والبيهقي: الدلائل بمثل رواية ابن أبي شيبة: ٢: ٢٠٢ - ٢٠٣، وأبو يعلى، وفيه الأجلح، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره. وبقية رجاله ثقات. قال الهيثمي: المجمع: ٦: ١٩ - ٢٠ لم أجده في مسند أبي يعلى، وانظر: عبد بن حميد: المنتخب: ٣٣٧ (١١٢٣)، وحسن الألباني إسناده، فقه السيرة: ١١٣، هامش، وقال عن إسناد ابن إسحاق؛ حسن مرسل، ورواه ابن أبي شيبة من غير طريق ابن إسحاق، والبيهقي بمثل رواية ابن أبي شيبة، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٢٣٤، وأبو يعلى: ٣: ٣٤٩ (١٨١٨)، وانظر: المجمع: ٦: ٢٠، والمطالب العالية (٤٢٨٥)، وابن كثير: التفسير: ٤: ٩٠، وما بعدها، والبداية: ٣: ٦٢ وما بعدها، والدر المنثور: ٥: ٣٥٨.
[ ٤ / ١٠٠٩ ]
والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ما يردّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أثبت يا أبا الوليد، فأتاه فقال: يا محمَّد، أنت خير أم عبد الله، أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله - ﷺ -، قال: فإِن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإِن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا، وشتتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما تنتظر إِلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إِلى بعض بالسيوف، يا رجل إِن كان بك حاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإِن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجنك عشرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "فرغت؟ " قال: نعم، فقال رسول الله -ﷺ -: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" فرجع إِلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إِلا كلمته، فقالوا: فهل أجابك؟ قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئًا مما قال. غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال؟ قال: لا والله، ما فهمت شيئًا مما قال، غير ذكر الصاعقة! (١)
_________________
(١) فتح القدير للشوكاني: ٤: ٤٨٥ نقلًا عن ابن أبي شيبة: المغازي (١٨٤٩)، وأبي يعلى (١٨١٨)، وصححه الحاكم: ٢: ٢٥٣، ٢٥٤، ووافقه الذهبي، وأبي نعيم: "الدلائل": =
[ ٤ / ١٠١٠ ]
أولها
ثانيا
وأخرج أبو نعيم، والبيهقي، كلاهما في الدلائل عن ابن عمر قال: "لما قرأ النبي - ﷺ - على عتبة بن ربيعة: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ أتى أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني في هذا اليوم واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلامًا ما سمعت أذني قط كلامًا مثله، وما دريت ما أردّ عليه! (١)
وهكذا تعددت الروايات!
١٦ - عقليَّة بليدة:
ونبصر في عرض عتبة على رسول الله - ﷺ - (أربعة أمور) أيها شاء أعطيه، في سبيل أن يكف عنهم، ويتوقف عن عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وتضليل آبائهم: (٢)
أولها: إن كان محمَّد - ﷺ - يريد بما جاء به من دعوته إلى توحيد الله، وخلع الأنداد، وترك عبادة الأصنام، مالًا جمعوا له من المال حتى يكون أكثر قريش مالًا وثراءً!
ثانيًا: إن كان محمَّد - ﷺ - يريد بما جاء به من رسالته شرفًا ولّوه عليهم وبايعوه سيدًا لهم، فلا يقطعون أمرًا من أمورهم دون أن يكون محمَّد - ﷺ - شاهده وصاحب الكلمة العليا فيه!
_________________
(١) = ١٨٤، ١٨٥، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢٠٤، ٢٠٥، وقال الهيثمي: المجمع: ٦: ٢٣ فيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات!
(٢) السابق، نقلًا عن أبي نعيم: الدلائل: ١٨٧، ١٨٨، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٢٠٥، ٢٠٦.
(٣) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١٩٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠١١ ]
ثالثها
رابعها
ثالثها: إن كان محمَّد - ﷺ - يريد بما جاء به ملكًا ملكوه عليهم، وجعلوا على مغرفه تاج الملك، وبايعوه ملكًا على سائر قريش ومن ورائها جميع العرب الذين يدينون بتعظيم قريش التي جعلوا إلى بيتها بيت أبويهما إبراهيم وإسماعيل حجهم وأكبر مواسمهم!
رابعها: إن كان هذا الذي يأتي محمدًا رئيًا وتابعًا من الجن، تسلّط على مشاعره، فلا يستطيع ردّه عنه، وغلب عليه، فلا يستطيع مقاومته، والانفكاك عنه بذلوا في طلب الطب له من أموالهم حتى يبرأ منه!
أفلهذه الأدمغة التي نخرها سوس الوثنيَّة البليدة المتهافتة، فأفسدها حسًّا ومعنى، فلم يبق في تلافيف خلاياها ذرة من تعقّل وتفكير يستقيم! يا ويح قريش من عقلائها؟ أهذا كل ما تمخضت عنه عقليَّة عتبة، عاقل قريش؛ لينهي به أزمتها مع محمَّد - ﷺ -! ومرة أخرى أفلهذه الجماجم النخرة التي تحملها رقاب عريضة الأقفية، ما هذا يا أبا الوليد؟ وأنت من أقرب قريش نسبًا إلى محمَّد - ﷺ - وأعرف الناس بمدخله ومخرجه!
١٧ - السمو الروحي:
ومحمد - ﷺ - رسول رب العالمين إلى البشريَّة كلها، أمره الله تعالى أن ينذر أول من ينذر عشيرته الأقربين -كما أسلفنا- فدعاهم وأبلغهم رسالة ربّه أكمل وأرفق ما يكون التبليغ، ولم يسألهم أموالهم، وما سألهم إلا المودة في القربى، وما كان محمَّد قط في حاجة إلى شرف فوق شرفه في قومه وبيته، وقريش كلها تعرف له هذا الفضل، وتذعن به لبيته ونبعته! ولم يعرف عنه قط أنه تطلع إلى ملك الدنيا، فلم يحفظوا عنه قط أنه طلب إليهم أن يجعلوه ملكًا على بلدهم!
[ ٤ / ١٠١٢ ]
وما قَدْر الملك عليهم وعلى قريتهم وبلدهم، وهي التي يملكون أمرها؟! وأي ملك هذا؟ ملك قرية متقارية الأكتاف، ويقطعها الرجل مشيًا في زمن لا يستغرق ساعة من نهار، ليس فيها من مظاهر الرياسة بله الملك سوى هذه العنجهيات الجوفاء تملأ الأدمغة النخرة، فمحمد - ﷺ - عاش منذ مهده وشبوبيتّه ورجوليّته على سمع قومه وبصرهم، فلم يطلب من أحد منهم شيئًا مما يتصل بالدنيا، ولما بعثه الله تعالى برسالته رحمة للعالمين، لم يعنت قومه، ولم يسألهم دنياهم ولازاحمهم عليها، وكان أبعد الناس عن زخرفها وحطامها والتكثّر منها! وإنما سألهم أن يطهروا أنفسهم وعقولهم وقلوبهم من رجس الوثنية، ووضر الشرك .. سألهم أن يوحّدوا الله في تعبّدهم، وأن يخلعوا من أعناقهم عبادة الأحجار والأوثان، كل ذلك في كلمة واحدة، إذا قالوا وعملوا بمضمونها وحقيقتها ملكوا الدنيا بها!
١٨ - رسالة ورسول:
ولم يكن في دنيا مكة، ودنيا العرب، صاعدين ونازلين، مشرّقين ومغرّبين، ولا كان في دنيا سائر الناس وراء العرب شمالًا وجنوبًا رجل أصحّ عقلًا وأسدّ فكرًا، وأطهر قلبًا، وأنور روحًا، وأكمل جسمًا، وأعلى في نقاء البشريّة وصفائها كعبًا من محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي الذي اختاره الله تعالى في أكمل البشريّة سنًّا وعقلًا وفكرًا وقلبًا وروحًا، نبيًا ورسولًا إلى العالمين، يدعوهم إلى الهدى، ويخرجهم من الظلمات إلى النور!
ولكن ملأ المادية الوثنيّة من طواغيت قريش لم تقنعهم كلمات عتبة ابن ربيعة إلى محمَّد - ﷺ -، بل شكوا في صباءة عتبة؛ إذ لم يرجع إليهم من
[ ٤ / ١٠١٣ ]
سفارته أممًا، بل وجّه إلى بيته -كما في روايات أخرى- ولم يخرج إليهم، معتزلًا مجلس ناديهم، فذهبوا إليه وسألوه عن اعتزاله عنهم، وعنتوه في موقفه منهم، حتى أكرهوه على شيء لم يكن ليختاره لو كان له خيار .. أكرهوه على أن يحلف ألا يكلّم محمدًا - ﷺ - أبدًا؟؟ عجيب عاجب، ومنطق معكوس! أهذا منطق العقل -يا عاقل قريش، ومختارها لحل عقدة حياتها في أشدّ أزماتها؟ وما شأن محمَّد - ﷺ - في موقفك مع قومك، وموقف قومك منك؟ ولا سيما موقف غميز الرجولة، وطريد الكرامة، ولعن المروءات صاحبك أبي جهل، إذ أحرجك وعنتك بكلماته الفاجرة حتي تخرج عن عقلك، وتقسم ألا تكلّم محمدًا - ﷺ - أبدًا؟ وهل خلْت يا عاقل قريش، فتخيلت أن محمدًا - ﷺ - في حاجة إلى مكالمة عبيد الماديّة الوثنيّة، وأنت أحد ساداتهم، إن لم يؤمنوا با لله، ويكفروا بالطاغوت، ويستمسكوا بعروة دعوته الوثقى، ويحرّروا عقولهم وقلوبهم من التعبّد للماديّة في شتى أشكالها؟ أفما كانت العزّة العربيَّة والكرامة القرشيّة، والشهامة العبشميّة تقتضيك بداهة أن يكون موقف المقاطعة، هذا الذي اتخذته لنفسك أو حُملت عليه حملًا، فوقفته من محمَّد - ﷺ -، وهو لا دخل له في حرجك- أن يكون حريًّا به منك صاحبك غميز الرجوليّة أبو جهل، فهو الذي عيّرك بالبطنة والبؤس والحاجة إلى طعام محمَّد - ﷺ -، وطعام محمَّد - ﷺ - غير مضنون به على عامة أو خاصة، وغير محجور على غني أو فقير، ولا ممنوع منه عاجز أو فقير، ولا يذاد عنه مسكين أو طريد، وكل طعام في ميزان الجود والمروعة لعاعة الدنيا وسدّ رمقها، فلا يقدره فوق ذلك إلا شبع زريّ، وبخل شريّ، وضنٌّ بغيّ!
ولكنها الماديّة الوثنية في كل زمان ومكان وعصر ومصر وجيل وقبيل، لا
[ ٤ / ١٠١٤ ]
تؤمن إلا وهي مشركة، ولا نعقل إلا وهي آفنة، ولا تتصرّف إلا وهي مأفونة مخذولة! وأين شجاعة عاقل قريش عتبة بن ربيعة التي كانت تحلّيه، وفي ظلها اختارته قريش ليسفر بينها وبين محمَّد - ﷺ - ليخلصها من أزماتها؟ تلك الشجاعة التي تبددّت هباء في أعاصير الجبن والهلع، عندما لقيه لعين الرجوليّة أبو جهل، وهو يجبهه ويسخر منه ويهزأ به، حتى استنزله من أفق تعقله إلى مهاوي العصبيّة الجهول، والعناد الكفور!
لقد عبّر عتبة لقومه حين سألوه عن سفارته إلى محمَّد - ﷺ -، وقد سمع منه ما سمع من آيات القرآن الحكيم تعبيرًا أزكم أنوفهم، حتى قال لهم في الرواية التي معنا صادقًا غير مصدّق: (هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم).
١٩ - طمأنينة قلب النبي - ﷺ -:
وتطالعنا صورة من وقع الإنذار من فم رسول الله - ﷺ - على قلب رجل لم يؤمن! ونبصر أدب النفس الكبيرة (١)، وطمأنينة القلب المؤمن، وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر الصغيرة التي يعرضها عليه، وقلبه مشغول بما هو أعظم. حتى لتبدو هذه الخواطر مقزّزة تثير الاشمئزاز .. ولكن الرسول - ﷺ - يتلقّاها حليمًا، ويستمع كريمًا، مطمئنًا هادئًا ودودًا، لا يعجل عتبة عن استكمال هذه الخواطر الصغيرة، حتى إذا انتهى قال في هدوء وثبات وسماحة: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟ " فيقول أبو الوليد: نعم! فيقول النبي - ﷺ -:"فاسمع مني". ولا يفاجئه بالقول حتى يقول: أفعل!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٣١١٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠١٥ ]
وعندئذ يتلو رسول الله - ﷺ - في ثقة وطمأنينة وفيي امتلاء روح قول الله تعالى كما سبق.
حقًّا إنها صورة تلقي في القلب المهابة، والثقة، والمودّة، والاطمئنان، ومن ثم كان يملك قلوب سامعيه الذين قد يقصدون إليه أول الأمر ساخرين أو حانقن - ﷺ - وصدق الله العظيم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤).
٢٠ - في رحاب سورة (فصلت):
هذا، وكان جواب النبي - ﷺ - على عرض عتبة في لقائه منفردًا سفيرًا من ملأ الماديّة الوثنيّة أن قرأ عليه -كما عرفنا- مقدمة سورة فصلت (١)، وهي من طلائع التنزيل، ونموذج من أرفع نماذج البيان القرآني في روعة الأسلوب، وبراعة الإعجاز الشامل لإعجاز الأسلوب، وطرائق الأداء، واتساق الصياغة البيانيّة، والشامل لإعجاز الهداية والحقائق الكونيّة، والمعاني الإصلاحيّة، والمعارف الفكريّة، والعلوم العقليّة، لما اشتملت عليه من عرض لآيات الكون في بعض جوانبه، وما تضمنته من رهبة الإنذار، وروعة الإرهاب للذين يلحدون في آيات الله، ويكفرون بما أنزل الله من كتاب يدعوهم إلى الرشد والخير، وبما حوته من حوار وحجاج، وقصص وأحداث، مليئة بالعبر التي توقظ الضمير، وتوجه العقل إلى النظر في آيات الله، حتى يتبيّن للناظرين بعين الاعتبار أن الذي أنزل على محمَّد - ﷺ - هو الحق، جاءهم به من عند ربهم، مما يقتضينا أن نجمل في إيجاز معبّر بيان حقائق هذه السورة الكريمة ومعانيها التي تجلّت فيها حكمة اختيار رسول الله - ﷺ - لها جوابًا على ما عرضه سفير طواغيت
_________________
(١) محمَّد رسول الله: ٢: ١٩٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠١٦ ]
الماديّة الوثنيّة عتبة ابن ربيعة على رسول الله - ﷺ -، ليقنعه باختيار ما يشاء من لعاعات الدنيا فيعطاه، ويكفّ عن قريش ودعوتها إلى الله وتوحيده، فلا يسمعها في أنديتها قوارع رسالته، ولا يزعجها بشآبيب إنذاراته!
ومن البيّن الذي لا يحتاج إلى موقف متأمل أن الأمور التي عرضها سفير قريش عتبة بن ربيعة على رسول الله - ﷺ - ليختار منها ما يشاء فتعطيه إيّاه قريش ثمنًا لكفّه عنها، وتركها غارقة في أرجاس ماديّتها الوثنيّة، وشركها الكفور، كانتَ أرفع مناصب الدنيا، وأجلّ ما يطلبه الطامعون في زخارفها، الطامحون إلى مشارفها وعلوّها! فهي أمور ماديّة أرضيّة، ليس فيها رائحة من شرف العقل، وكرامة الفكر. وإشراق الروح، انتزعها عباهلة المادية الوثنيّة من أعظم ما تسمو إليه حياتهم الماديّة الظالمة المظلمة! وقد أراد الرسول - ﷺ - بقراءة ما قرأ على مسامع سفير قريش عتبة بن ربيعة، وجعلها جوابًا له عن عروضه الماديّة التي عرضها عليه، ليختار منها ما يشاء أن يزعج ضميره، ليستيقظ من غطيط نومه الوثني، ويفيق من سكرته الجاهليّة، ويصحو من غفلة عنجهيّته، وضلالات مواريثه، عسى أن يكون في ذلك فتح مغاليق قلبه وقلوب من وراءه من غطاريف الوثنية المادية، فتؤمن قلوبهم بما يتجلى لها من الحق، وبما تعرف من حججه ودلائله، وبما تفقه من براهينه التي جاءهم بها رجل أمّي من أنفسهم، وهم أعرف به من معرفتهم بأبنائهم وأنفسهم!
ولا شك أن الحديث إلى رجل منفردًا أدعى إلى الأناة والتفهم، وتعمق الفكر، وبسط الحوار وتنوّعه في أودية الإقناع والتثبّت، ولا سيما إذا كان المتحدّث إليه يحمل مخايل التعقّل، وحكمة التدبر لا يسمع، وقد كان الظن كذلك بعتبة، فقريش بعثته سفيرها إلى النبي - ﷺ -، لأنها رأته أعقلها وأعلمها بما
[ ٤ / ١٠١٧ ]
هنالك من علومها ومعارفها التي تشفّ لها عما تريد معرفته من محمَّدﷺ - ودعوته! ورسوله - ﷺ - رأى بحكمة تسديد الله له في سير رسالته، وتوجيهه في تبليغ دعوته أن إسماع عتبة شيئًا من آيات القرآن الحكيم فرصة لا تتاح مع المجموع المختلطة التي تغلب عليها أصوات الغوغاء، فترتفع على أفكار المتعقلين، وغالبًا ما تكون المجموع الجماهيريّة المختلطة جامعة إلى جانب الرجل المتفكر أعدادًا من الحمقى والسفهاء المتسرعين بالكلمة يلقونها دون مبالاة بما تنتهي إليه والغوغاء لا يضبط لها رأى، ولا يقام لنعيقها ميزان، ولا يعرف لها تدبر في فكر! ومن هنا كانت الحكمة في إجابة عتبة عن مساءلاته وعروضه في اختصاصه بقراءة هذه السورة الكريمة، وقد تحقق مرمى نظر رسول الله - ﷺ - في تحقيق أثر قراءة ما قرأ الرسول - ﷺ - في عقل عتبة وتفكيره، فنقله إلى قومه وملئهم، وتأثر العقل ليس من صلات تأثر القلب الذي يتولد منه الإيمان، وتنبع من أرومته الهداية، فلم يؤمن عتبة، ولكنه صدقهم إذ قال لهم:
(قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به .. !)
والناظر في هذه السورة بعين التأمل والبصيرة يرى أنها قد بدأت بأن القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم، وهو رب العالمين الذي تولى تربية خلقه، ووصف الرحمة المستمد من هذين الاسمين الكريمين في مفتتح السورة اللذين يستوعبان التفضّل بالإنعام ابتداء، ودوام الإحسان من غير انتهاء، فيه إشعار يستقبل المؤمن
[ ٤ / ١٠١٨ ]
من أول وهلة بأن ما جاء في هذا الكتاب المجيد عامة، وفي هذه السورة خاصة من أمر ونهي، ووعد ووعيد وترغيب وترهيب، وقصص وأحداث، وآيات وعجائب، وتوجيه نظر إلى دلائل القدرة الإلهية في آيات الكون في الآفاق وفي الأنفس، إنما هو رحمة من الله تعالى بعباده، يدعوهم بها لينقذهم من الظلمات إلى النور، ويخرجهم من ضلالات الجهالة إلى هدى العلم والمعرفة!
ثم بيّنت السورة أن هذا القرآن فصّلت آياته بأسلوب عربي بيّن يبشّر وينذر، ثم تحدّثت عن فريق من الناس صمّوا آذانهم عن سماع الحق، وأغلقوا دون هدايته قلوبهم عنادًا واستكبارًا في الأرض بغير الحق، وأقاموا على عنادهم، وظلّوا في طغيانهم يعمهون، فلم تتألفهم البشائر، ولم ترْدَعهم النذارة! ثم ذكرت السورة أن محمدًا - ﷺ - بشر مثل سائر البشر في طبيعته البشرية، لا يمتاز عنهم بشيء سوى أنه رسول من الله يوحى إليه بتوحيد الله تعالى، فلا يطلب بما جاء به مالًا، ولا سيادة، ولا شرفًا، ولا ملكًا مما يتطلع إليه عبيد الدنيا، وإنما يطلب من عباد الله أن يستقيموا مع ربهم، فيفردوه بالعبادة ويستغفروه من الذنوب والآثام!
والسورة تخاطب هؤلاء المعاندين بأسلوب تعجبي، ينكر عليهم موقفهم المتبلّد بالجمود من قوارع الآيات، ليوجه عقولهم إلى النظر في الآيات الأرضية!
أولًا: لقربها إلى نظر المخاطبين، ثم تنتقل السورة إلى توجيه النظر!
ثانيًا: إلى الآيات السماويّة، لظهور دلائلها لأبصارهم وسائر منافذ حسّهم وحاجتها إلى التأمّل الصادق المتعمّق ببصائرهِم، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿وقُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ في يَوْميْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ
[ ٤ / ١٠١٩ ]
الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾! (فصلت).
والآيات تذكر خلق الأرض في يومين برهانًا على التوحيد وخلع الأنداد، وأن الله تعالى الذي أبدع بقدرته هذه الأرض هو ربّ العالمين، الذي ربّاهم على موائد فضله وإحسانه، وأنه تعالى حفظ الأرض بما جعل فيها من الرواسي، وأنه بارك فيها بما أمدّها من رحمته، وبما أنشأ فيها من ثمرات وزروع، جعلها قوتًا لعباده، وحفظًا لحياتهم، وتمم ذلك في يومين، وقامت الأرض بما عليها وما فيها في أربعة أيام من أيام الله -﷾!
ثم بيّنت الآيات أن الله تعالى بعلمه المحيط وقدرته القاهرة قصد قصدًا تكوينيًا، فجعل السماء التي كانت دخانًا لا يتماسك ولا يستقر، فسواها بقدرته بناء متماسكًا وسقفًا محفوظًا، في يومين من إيَّامه، وبذلك تمّ عده أيّام للخلق للسموات والأرض ستة أيام، وقد تكرّرت هذه العدة في القرآن الكريم.
ولما استتمت الآيات ذكر براهين القدرة الإلهية الحسية والعقليّة، السماويّة والأرضيّة، المقتضية ببداهة العقل توحيد الألوهية، وتفريد الله تعالى خالق الأرض والسموات، وما جعل فيها من آيات وأسرار بالتعبّد له، ولم يبق لهؤلاء المعاندين الذين خوطبوا بالآيات المذكورة بالأسلوب التعجيبي عذر، ولم تقم لهم في كفرهم وجحودهم حجّة ولا شبهة، جاءهم الوعيد يجلجل بالتهديد،
[ ٤ / ١٠٢٠ ]
والوعيد تخويفٌ وإنذارٌ لكل من يسلك مسلكهم، ويمشي في طريق إلحادهم وكفرهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾!
في تفصيل مرعب مخيف لما حلّ بالمتمردين المعاندين من الأمم السابقة، والعرب كانوا أقوم الناس بفهم القرآن، وأعرفهم بحقائقه ومراميه، وزواجره ونواهيه؛ لأنه على سنة مخاطباتهم ومجاري أساليبهم نزل، وبلغتهم وطرائق صياغاتهم خاطبهم!
ونبصر وجهًا من وجوه اختيار رسول الله - ﷺ - هذه السورة الكريمة لتكون جوابًا على محاصرة عتبة له - ﷺ - في سفارته إليه إجابة لاختيار قريش له، لعلمه بالسحر والكهانة والشعر، فكان لها أثرها العميق في نفس عتبة! وسبق أن ذكرنا تعدّد الروايات في ذلك!
وبعد أن انتهت الجولة على مصارع عاد وثمود، والإنذار بهذا المصرع المخيف المرهوب، وتكشّف لهم سلطان الله الذي لا تردّه قوّة (١)، ولا يعصم منه حصنٌ، ولا يبقي على مستكبر مريد .. يطلعهم على سلطان الله في ذوات أنفسهم، التي لا يملكون منها شيئًا، ولا يعصمون منها شيئًا من سلطان الله، حتى السمع والأبصار والجلود تطيع الله وتعصيهم في الموقف المشهود، وتكون عليهم بعض الشهود!
إنها المفاجأة الهائلة في الموقف العصيب، وسلطان الله الذي تطيعه جوارحهم وتستجيب، وهم يوصمون بأنهم أعداء الله، فما مصير أعداء الله؟ إنهم يحشرون ويجمع أوّلهم على آخرهم، وآخرهم على أوّلهم كالقطيع! إلى أين؟ إلى النار! حتى إذا كانوا حيالها وقام الحساب، إذا شهود عليهم لم يكونوا
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن: ٥: ٣١١٨.
[ ٤ / ١٠٢١ ]
لهم في حساب .. إن ألسنتهم معقودة لا تنطق. وقد كانت تكذب وتفتري وتستهزئ، وإن أسماعهم وأبصارهم وجلودهم تخرج عليهم؛ لتستجيب لربّها طائعة مستسلمة، تروي عنهم ما حسبوه سرًّا، فقد يستترون ويظنون أن الله لا يراهم وهم يتخفون بنواياهم وبجرائمهم! يا للمفاجأة بسلطان الله الخفي، يغلبهم على أعضائهم فتلبي وتستجيب!
ويطول بنا الحديث في عرض ما اشتملت عليه السورة .. ولما استكملت وجوه الدلائل القاطعة مبثوثة في السماء والأرض على وجود الله ووحدانيّته وعظيم قدرته (١)، وظهر أن هؤلاء المعاندين كانوا نماذج للفطرة الفاسدة والعقول الجامدة على تقليد موروث الآباء في جهالة جاهلة، وأنهم لم يستفيدوا من كتاب الكون الذي عرض القرآن الكريم آياته عليهم، واستنهضهم للنظر فيها .. نبّهت السورة في خاتمتها إلى أن الله تعالى سيجعل من سلائل الإنسانيّة نماذج أخرى. يضيء عقولهم، فيكشف لهم بها عن آياته في آفاق الحياة وجوانبها العلويّة والسفليّة، وعن آياته في أنفسهم وما انطوت عليه بنيتهم البدنيّة من أسرار التركيب، وبديع الخلق فيما ظهر منها وما بطن، وعن آياته فيما أودع أرواحهم من الأسرار النورانيّة، وما جعل في عقولهم من الإشراقات الفكريّة، وذلك في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ (فصلت).
_________________
(١) انظر: محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٠٧ وما بعدها.
[ ٤ / ١٠٢٢ ]
٢١ - عناد المشركين:
ولما يئس ملأ قريش من استجابة النبي - ﷺ - لمطالبهم الماديّة الأرضيّة (١)، ووقف مع إيمانه برسالة نفسه عند معاقد عزّته وجميل صبره، مستمرًّا في تبليغ رسالته، قوَّامًا بأمر دعوته، لا يغتر ولا يستحسر .. لجؤوا إلى التعنّت واقتراح المطالب التي دفعهم إليها العناد والكفور، والحسد الحقود، فقالوا له: فإن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضناه عليك، فلا تريد مالًا وثراء، ولا تريد شرفًا وسؤددًا، ولا تريد ملكًا وسلطانًا، فاسأل الله لنا أن يوسَّعَ علينا ديارنا وبلادنا، فيسيِّر عنها الجبال التي تخنقها، ويفجر فيها الأنهار والينابيع، فلم يتحول رسول الله - ﷺ - عن موقفه في وثاقة إيمانه برسالته، وسموّ أدبه في عبوديته لربه ومعرفته بجلاله، ولا اهتزت نفسه ذرّة عن دعائم صبره ومضاء عزيمته، وأقام - ﷺ - في عزم مصمّم، إذا عرضوا دنياهم في الشرف والسيادة والملك والمال والثراء، فأبى أن يقبل منهم شيئًا من أمورهم، فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا، ينزعون على ركيّ الدهش والحيرة، فأدخلوا أنفسهم على حياة رسول الله - ﷺ- الخاصة. وأقحموا تافهات أفكارهم على عيشه وشأنه في صورة عاطفيّة مرذولة زائفة مزوّرة .. ولم يقف الحمق وخرق الرأي وسفه التفكير بملأ الماديّة الوثنيّة عند هذا الحدّ، ولكنهم اشتطوا على أنفسهم، وركبوا شيطان الجهالة وفجور الوثنيّة، فاستنزلوا على أنفسهم سخط الله ولعناته .. وحكى القرآن الكريم عنهم أبشع من هذا فقال: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ (الأنفال).
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢١٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٢٣ ]
ولكن اللطيف الودود الذي أرسل محمدًا رحمة للعالمين، ولم يرسله لعنة على المعاندين الجاحدين، جعل وجوده حصنًا حصينًا من تنزل عذاب الاستئصال في الدنيا بهؤلاء المعاندين الجاحدين، فقال عقب تصوير بشاعتهم يرفع ذكره، وينوّه بمقامه عنده: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾! وجعله أمانًا، ولو ظلوا على كفرهم وشركهم، ثم جعل توبتهم بالإيمان واستغفارهم لما سلف من كفرهم أمانًا بعد النبي - ﷺ - فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (الأنفال).
يروي البخاري وغيره عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال أبو جهل: (١) (اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم). فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ (الأنفال).
ويروي أحمد وغيره عن أبي موسى قال: (٢) أمانان كانا على عهد رسول
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٦٤٨، ٤٦٤٩)، والبيهقي: الدلائل: ٣: ٧٥.
(٢) أحمد: ٤: ٣٩٣ صحيح لغيره، فيه جهالة محمَّد بن أبي أيوب، تفرد بالرواية عنه حرملة بن قيس، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، من رجال (التعجيل)، وحرملة بن قيس، وهو النخعي، قال أحمد: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال ابن معين: ثبت، وهو من رجال (التعجيل) كذلك، وكيع: هو ابن الجراح الرؤاسي. والبخاري: التاريخ الكبير: ١: ٣٢، والحاكم: ١: ٥٤٢ من طريق وكيع بهذا الإسناد، وتحرّف اسم محمَّد بن أبي أيوب إلى عبيد بن أبي أيوب، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وأخرجه الترمذي (٣٠٨٢) مرفوعًا، وتمام الرازي في فوائده (٣١٤٥): الروض البسام، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وللموقوف شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم: ١، ٣٤٢، والبيهقي: شعب الإيمان (٦٥٤) من طريق أسود =
[ ٤ / ١٠٢٤ ]
الله - ﷺ -، رُفع أحدهما، وبقي الآخر: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾.
وذكر القرآن الكريم تعنتهم في اقتراحاتهم المشتطة في مواضع متعددة من سوره وآياته، وأجاب عنها فأفحمهم وأبان عن جهالتهم وعنادهم، وركونهم إلى سفاسف الدنيا في أعلى درجات طموحهم، وأرفع مراتب مطامعهم، وكشف عن خبيء نفوسهم؛ وأنهم قوم لا يعيشون إلا لبطونهم وشهواتهم، لا يرتفعون عن الأرض إلا ليقعوا على رؤوسهم في مهاويها، أخلدوا إلى الأرض لا يريمون عنها، فكانوا كالمعنيين بقول الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ (الأعراف).
ونبصر صورًا من هذه الاقتراحات المتعنتة ونحن نقرأ: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ
_________________
(١) = ابن عامر شاذان عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن محمَّد كعب القرظي، عنه - ﵁ - قال: "كان فيكم أمانان " قال الحاكم: هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد اتفقا على أن تفسير الصحابي حديث مسند، ووافقه الذهبي، قلت: هو صحيح، وليس على شرط مسلم، فأبو جعفر الخطمي وهو عمير بن يزيد الأنصاري لم يرو له مسلم، إنما روى له أصحاب السنن، وهو ثقة، وانظر: الطبري: تفسير الآية، والبيهقي: ٥: ٤٦ وإسناده حسن!
[ ٤ / ١٠٢٥ ]
الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ (الإسراء).
والمتأمل فيما تعنتوا فيه واقترحوه عليه، يرى الحماقة ماثلة في كل حرف مما قالوا، وفي كل كلمة مما اقترحوا، ويرى خرق الرأي، وتفاهة التفكير تتعرّى من رؤوسهم، وتتقاطر من عقولهم، صديد غباء، ويرى دناءة الطموح، وطموح الدناءة، تتعرّى مكشوفة السوآت، بادية العورات، في مقترحاتهم المتعنّتة، فهم لم يطلبوا إلا ينابيع ماء تجري في أوديتهم، ولم يطلبوا إلا جنانًا وحدائق من نخيل وعنب وأنهار تجري خلال تلك الجنات تسقيها، ويأكل منها تنابلة مكة، وهم قعود يهجرون!
فإن لم يك هذا ولا ذاك فصواعق تسقط السماء عليهم قطعًا تدمّرهم كما دمرت إخوانهم الماديّين الوثنيّن قبلهم إذ كذّبوا رسل الله وكفروا برسالاته!
فإن لم تستجب -يا محمَّد- لبطوننا وهوس أفكارنا الماديّة المظلمة فخذ لنفسك من ربك، واطلب منه أن يغنيك عن النّصب والكيد في سبيل المعاش، كما ينصب ويكدّ سائر الناس، فليعطك ربك عزًّا دنيويًّا، وترفًا في العيش، وتنعمًا يرفّهك في بيت منضد مزخرف بالزينة، مموّه بالذهب، مرقش بالفضّة، منمنم بمتاع الدنيا وزينتها!
ويحكي عنهم القرآن الكريم قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَو
[ ٤ / ١٠٢٦ ]
يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾! (الفرقان).
فعقولهم المظلمة لا تستسيغ فهم رسول من عند الله، يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى، وإقامة موازين العدل في الأرض، يعيش ببشريّته كما يعيش سائر البشر، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ليكسب عيشه من كده وعرق جبينه، كما يكسب جميع الشرفاء في أرض الله أرزاقهم وأسباب عيشهم!
وهؤلاء الماديّون الوثنيّون لا يفهمون ما يقولون؛ لأنهم يتناقضون مع أنفسهم، فهم قد عجبوا أن جاءهم رسول يأكل الطعام، وهم أرادوه أن يأكل كما يأكل سائر الناس، ولكن من جنة دانية القطوف، يأكل منها وهو مستلق على ظهره يناغي نجوم الليل، لا يتعب ولا يتحرك، فإن لم تكن جنة فكنز من الذهب ينفق منه ما يشاء، فلا ينفد ولا يبيد!
بلادة عقليّة، وعقليّات بليدة، لا تعرف من الحياة إلا الأكل والطعام والشراب، وحتى هذا الذي تعرفه وتعيش عليه وله لا تريده إلا عسلًا يقطر في أفواههم وهم نائمون، فهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ (محمَّد). وكما قال عز شأنه: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ (الأعراف).
ومن غلوّ هؤلاء الماديّين الوثنيين، وإغراقهم في الطيش والسفه الجهول، وطمس بصائرهم عن معرفة جلال الله وقدرته حق قدره تجاوزهم في تعنتهم كل حد بطلبهم من رسول الله - ﷺ - أن يأتيهم بالله تعالى تحيط به الملائكة
[ ٤ / ١٠٢٧ ]
جهرة حتى يعاينوه معاينة بأبصارهم، تعالى الله عما يقول الجاهلون الظالمون علوًا كبيرًا!
تصوّر ماديّ ترابيّ جهول، لا يدين به إلا عبيد الوثنيّة في كل عصر ومكان من الحياة؛ لأنهم لا يعرفون إلا المادة وصورها وأشكالها!
ومن هذا الغلوّ الجهول الفاجر ما رواه ابن إسحاق، قال: فلما قالوا ذلك لرسول - ﷺ - قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة بن مخزوم، وهو ابن عمة رسول الله - ﷺ -، فهو لعاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمَّد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله، كما تقول، ويصدّقوك ويتّبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل -أو كما قال له- فوالله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إِلى السماء سُلمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إِليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك ميتًا تقول، وايم الله، لو فعلت ذلك ما ظننت أنّي أصدّقك! (١)
جنون وعته؟ وطغيان وسفه، فالماديّون الوثنيّون في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر، لا يريدون بمقترحاتهم المتعنّتة أدلة على صدق دعوة الحق، ولكنهم يريدون العناد الكفور، والكفر العنيد، تملكهم الحسد
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٣٦٧ - ٣٦٨ صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده منقطع، ورواه الطبري: التفسير: ١٥: ١٦٤ - ١٦٦ من طريق ابن إسحاق، دار الفكر، وابن أبي حاتم في تفسيره فيما عزاه إليه السيوطي في الدر: ٤: ٢٠٢ - ٢٠٣، وابن المنذر -أيضًا- والواحدي: أسباب النزول: ١٩٨ - ١٩٩ معلقًا.
[ ٤ / ١٠٢٨ ]
والحقد فعميت أبصارهم، وانطمست بصائرهم، وضلّوا عن رؤية الشمس وهي تخطف بأضوائها أبصارهم، وتحدق بلبها أفئدتهم!
وقد أرشد الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يردّ على تعنتهم المعبّر عن سفه عقولهم وفساد تفكيرهم أبلغ ردّ وأوجزه، وأقطعه لحجّة المعاندين، فقال له:
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ (الإسراء).
فهذا ردّ برهان قاطع، يتضمّن:
أولًا: تنزيه الله تعالى عن أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو ربّ الخلق الذي ربّاهم في أطوار خلقهم، وأطوار حياتهم، وهو ربّ محمَّد - ﷺ - الذي ربّاه لرسالته، فأحسن تربيته، وأرسله للناس هاديًا، وعلّمه ألا يسمع إلى تعنتهم الذي لا يعرف لله وقارًا!!
ثانيًا: بيان أن محمدًا - ﷺ - عبد من عباد الله، لا يزيد في بشريّته على أي فرد من أفراد الناس، يجري عليه في بشريّته ما يجري على سائر البشر، وإنما امتيازه الأعلى في اصطفاء الله له نبيًّا ورسولًا، يهدي إلى الحق ويدعو إلى الله، فليس له أن يتحكم على ربه فيسأله ما لم يأذن له به، وما لم يكن داخلًا في إطار رسالته!
٢٢ - المعجزة الكبرى:
والذي تعنّت به المعاندون بمقترحاتهم الفاجرة أمور لا يقدر عليها أحد من البشر، محمَّد - ﷺ - فمن دونه، وإذا كان سؤالهم يقصد إلى أن يطلب محمَّد - ﷺ - من الله أن يظهر هذه الأمور التي اقترحوها لتكون معجزة له تدل على صدقه فيما جاءهم به من عند الله، ودعاهم إليه في رسالته ودعوته!
[ ٤ / ١٠٢٩ ]
فهذا إمعان في التعنت؛ لأن دلالة المعجزة قاطعة على صدق الرسول - ﷺ - في أيّة معجزة يأتي متحدّيًا، وقد أتى محمَّد - ﷺ - بأعظم معجزة تحدّى بها العالمين، وهي (القرآن الكريم) الذي يتضمن الإعجاز، بما تضمنه من التحدّي وتجبيه المعاندين، فقال لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة).
وقد سجّل التاريخ (١) العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها -كما أسلفنا- حتى أدركت هذه اللغة أشدّها، وتمّ لهم بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها؟ ما هذه المجموع المحتشدة في الصحراء، وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك؟ .. إنها أسواق العرب تعرض فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعتهم، وما هي إلا بضاعة الكلام، وصناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها ونقدها، واختيار أحسنها، والمفاخرة بها، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم، وما أمر حسان والخنساء وغيرهما بخاف على متأدّب! فما هو إلا أن جاء القرآن .. وإذا الأسواق قد انفضت، إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى .. ذلك أنه لم يسدّ
_________________
(١) النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن: ٨٣ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٣٠ ]
عليهم باب المعارضة، بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفرادًا أو جماعات، بل تحدّاهم وكرّر عليهم ذلك التحدّي في صور شتَّى، متهكّمًا بهم، متنزلًا معهم إلى الأخفّ فالأخفّ .. فدعاهم أوّل مرّة أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله!
انظر كيف تنزّل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثل إلى طلب شيء مما يماثل، كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة العامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء، فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلًا على التقريب لا التحديد، وهذا أقصى ما يمكن من التنزّل، ولذا كان هو آخر صيغ التحدّي نزولًا، فلم يجيء التحدّي بلفظ من مثال إلا في سورة البقرة المدنيّة، وسائر المراتب بلفظ (مثله) في السور التي نزلت قبل ذلك بمكة!
وقد أباح لهم في كل مرّة أن يستعينوا بمن شاءوا أو من استطاعوا من رماهم والعالم كله بالعجز في غير موارية، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ (الإسراء).
وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة).
فانظر أيّ إلهاب، وأيّ استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم الباب المؤكد في قوله ﴿ولَن تَفعلُوا﴾، ثم هدّدهم بالنار، ثم سوّاهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألدّاء، وأباة
[ ٤ / ١٠٣١ ]
الضيم الأعزّاء، وقد أصاب منهم موضع عزّتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرةً ينفذون منها إلى معارضته، ولا سلّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا .. حتى إذا استيأسوا من قدرتهم، واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا من الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان!
ومضى عصر نزول القرآن والتحدّي قائم ليجرب كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفي البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن ما عجز عنه أوائلهم، لفعلوا، ولكن ذلّت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل!
ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد، كانوا أشدّ عجزًا وأقلّ طمعًا في هذا المطلب العزيز، فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافةً إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، وكان برهان الإعجاز قائمًا أمامهم من طريقين: (وجداني وبرهاني)، ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليها!
وهذا التحدّي (١)، وهذا التجبيه، مع إبلاس المعاندين ونكوصهم على أعقابهم خائبين دليل قاطع على أن محمدًا - ﷺ - استوفى أرفع درجات التحدّي
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٢٠ بتصرف
[ ٤ / ١٠٣٢ ]
بمعجزته العظمى، ولم تظهر مطلقًا بادرة من بوادر المعارضة، فكان ذلك برهانًا قاطعًا على صدق الرسول - ﷺ -، فلا معنى إذن لطلب معجزات أخرى، والمعجزات الماديّة كالتي طلبها المعاندون تعنتًا ليست من مراقي الإعجاز في رسالة محمَّد - ﷺ -؛ لأن رسالته - ﷺ - رسالة علم وفكر وهدى وخلود، فمعجزتها يجب أن تكون معجزة عقليّة علميّة هاديةً خالدةً، لا ينقطع التحدّي بها زمنًا من الأزمان، ولا جيلًا من الأجيال! ولو كان كل متعنّت يقترح شيئًا على الرسول - ﷺ - تجب إجابته إلى اقتراحه لفتح باب العناد، واقترح كل معاند كفور العناد في كل وقت مقترحات يعنّت بها الرسول - ﷺ -، فيصبح الأمر عبثًا وفوضى، وهذا إفساد للحياة!
قال القرطبي (١): قرأ أهل مكة والشام ﴿قال سبحان ربي﴾ يعني النبي - ﷺ -، أي قال ذلك تنزيهًا لله -﷿- عن أن يعجز عن شيء، وأن يعترض عليه في فعل، وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم!
وقال بعض الملحدين: ليس هذا جوابًا مقنعًا، وغلطوا؛ لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني، وليس لي أن أتخيّر على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأيتهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري، وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير للناس، وإنما التدبير إلى الله تعالى!
_________________
(١) تفسير القرطبي: ١٠: ٣٣١.
[ ٤ / ١٠٣٣ ]
والرسول - ﷺ - في هذا الرد (١) على هذه القراءة يبدأ رده على المعاندين المتعنّتين بتنزيه الله تعالى عن توهمات المعاندين .. ويضيف هذا التنزيه إلى اسم (الرب) بإضافة الإكرام والتكريم، والشرف والتشريف، فكأنه قيل: أنزّه بربّي الذي تعهدني بتربيته وفضله منذ خلقني، وأدّبني برسالته منذ بعثني رحمةً للعالمين عن تعنت المتعنتين؛ لأنه الفعّال لما يريد، إذا شاء شيئًا كان كما شاء، لا يعجزه شيء، يباع الأشياء عن غيب العدم بقدرته، وبعثني رسولًا هاديًا، ومبشرًا ونذيرًا، وقد أنذرت المعاندين وحذّرتهم بطش الله ونقمته، كما حذّرت الأنبياء من قبلي أممهم، وبشرت المؤمنين برحمة الله وفضله ورضوانه!
٢٣ - نهاية المفاوضات:
وانتهى موقف الحوار والمكالمة بين رسول الله - ﷺ -، وملأ المادية الوثنية ممثّلةً في زعماء قريش، وهو الموقف الذي طلبه الملأ، بعد أن تشكّكوا في موقف سفيرهم عتبة بن ربيعة، واتهموه بالصباءة إلى محمَّد - ﷺ -، وأنه لسحره بلسانه -على هذه الصورة التي قدمناها روايةً وتحقيقًا، وتحليلًا وشواهد، ففسد أمر الناس، وشرى الشر بينهم، وتنابذ القوم، وتضاغنوا، وتباعدوا، وتذامرت قريش على رسول الله - ﷺ -، واشتد إيذاؤها له ولأصحابه، نتيجة لما أفعم نفوسهم من اليأس وخيبة الأمل، وأثرًا لما ملأ قلوبهم من الحقد والأضغان والحسد!
فقد يئست الماديّة الوثنيّة ممثلةً في ملأ الطغاة من عباهلة قريش، بعد أن تجلّى
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٢١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٣٤ ]
لها موقف رسول الله - ﷺ - في حوارها معه ومكالمتها إياه، أن تجد عنده هوادةً في عزيمة القيام بأمر دعوته، وصلابته في تبليغ رسالته، كما يئست أن تجد لها منفذًا فيما عرضته عليه من مظاهر دنياها في شتّى أشكالها، وأبلغ ما تطمح إليه النفوس (الترابيّة) من صورها وأشكالها وألوانها!
فأعرض الرسول - ﷺ - عنها متساميًا في عبوديته ربّه، مترفّعًا برسالته عن دناءات دنيا المادية الوثنيّة من مال وثراء، وكنوز، وجنات وعيون، وزخرف وزينة، ومتاع مادي وسيادة، وملك وسلطان، وأبى عليهم إلا أن يقولوا كلمة واحدة (لا إِله إِلا الله)، فإذا قالوها ملكوا بها الدنيا من أطرافها، والحياة من أقطارها شرفًا حقيقيًّا، وسؤددًا وملكًا مؤثّلًا!
٢٤ - الصبر الجميل:
وقد قابل رسول الله - ﷺ - وأصحابه سفه قريش وإيذاءها بأجمل الصبر، وأعلى مراتب العفو والغفران، والإعراض عن المجازاة، والصفح عن الإساءات مع المحاسنة والمصابرة!
ويطالعنا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير (١)، قال: سألت عبد الله ابن عمرو عن أشدّ ما صنع المشركون برسول الله - ﷺ -، قال: رأيت عقبة ابن أبي معيط جاء إِلى النبي - ﷺ -، وهو يُصلّي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (غافر: ٢٨).
_________________
(١) البخاري: ٦٢ - فضائل الصحابة (٣٦٧٨)، وانظر (٣٨٥٦، ٤٨١٥).
[ ٤ / ١٠٣٥ ]
وفي رواية لابن إسحاق وغيره عن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابوا من رسول الله - ﷺ - فيما كانوا يظهرون من عداوته، قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسول الله - ﷺ -، فقالوا: ما رأينا مثل ما صَبَرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا: فبينا هم في ذلك، إِذ طلع رسول الله -ﷺ -، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله - ﷺ -، قال: ثم مضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها. فعرفت ذلك في وجه رسول الله -ﷺ -، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: "أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده! لقد جئتكم بالذبح".
قال: فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إِلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إِن أشدّهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إِنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولًا، قال: فانصرف رسول الله -ﷺ -، حتى إِذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إِذا باداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم به يقولون أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله -ﷺ -: "نعم، أنا الذي أقول ذلك". قال: فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: فقام أبو بكر - ﵁ - دونه، وهو يبكي، ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ
[ ٤ / ١٠٣٦ ]
يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ ثم انصرفوا عنه، فإِن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشًا نالوا منه قط (١). وفي رواية للشيخين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود: أن النبي - ﷺ - كان يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إِذ قال بعضهم لبعض: أيّكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمَّد إِذا سجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى إِذا سجد النبي - ﷺ - وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئًا، لو كانت لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون، ويحيل بعضهم على بعض، ورسول الله - ﷺ - ساجدٌ لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: "اللهم! عليك بقريش". ثلاث مرات، فشق عليهم إِذ دعا عليهم، قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمّى: "اللهم! عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية ابن خلف، وعقبة بن أبي معيط". وعدّ السابع، فلم نحفظه، قال: "فوالذي نفسي بيده! لقد رأيت الذين عدّ رسول الله - ﷺ - صرعى في القليب يوم بدر" (٢)
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٣٥٨ - ٣٥٩، وصرح بالسماع، ورجاله رجال الصحيح، انظر: المجمع: ٦: ١٥ - ١٦ ورواه ابن أبي شيبة: ١٤: ٢٩٧.
(٢) البخاري: ٤ - الوضوء (٢٤٠)، وانظر (٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠)، ومسلم (١٧٩٤)، وأحمد: ١: ٣٩٣، والنسائي: ١: ١٦١ - ١٦٢، واللالكائي: أصول الاعتقاد (١٤١٨، ١٤١٩)، والبزار (٢٣٩٩)، والبيهقي: ٩: ٧ - ٨، والدلائل: ٢: ٢٧٩، ٢٨٠، ٣: ٨٢ - ٨٣، والبغوي (٣٧٤٥)، وابن حبان (٦٥٧٠).
[ ٤ / ١٠٣٧ ]
وسبق أن ذكرنا طرفًا من عظم البلاء على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فصبروا وصابروا ورابطوا!
٢٥ - تبليغ الرسالة:
وكان موقف العناد الكفور (١)، والتعنت الجهول الذي وقفه ملأ قريش في مكالمتهم الجماعيّة المتعنتة حافزًا من حوافز الإفدام ودافعًا من دوافع القوة، وعاملًا من أقوى عوامل الإصرار الحازم والعزم الصارم، دفع رسول الله - ﷺ - إلى بسط دعوته في أكناف مكة وما حولها من محلات العرب ومنازلهم ومجتمعاتهم ومحافل مواسمهم وأسواقهم!
فكان - ﷺ - لا يسمع برئيس قبيلة أو زعيم بيت أو عشيرة من بيوتات وعشائر العرب وبطونهم في منزل من منازل الوافدين على مكة للتجارة أو الحج إلا ذهب إليه يدعوه وقومه إلى الله، ويناديه إلى الهدى ائتنا، ويسمعه من آيات القرآن الكريم ما فيه شفاء للقلوب والأفئدة، ونور للبصائر والأفكار، وكانت قريش بعد فشلها في مكالمته - ﷺ -، وما عرض عليه ملؤها من أمور الدنيا الماديّة تتبعه أينما ذهب، وحيثما ولّى وجهه أو نزل، فإذا سمعوه يدعو إلى الله تعالى بادروه بالتكذيب والاستهزاء، ورموه بالجنون والسحر، وكان أشدّهم عليه -كما أسلفنا- عمه المتبوب أبو لهب .. ومعلوم أن الناس كانوا في جاهليّتهم أشدّ تمسكًا بمواريث الآباء والأجداد، وأشدّ حرصًا على التشبت بمراسم الماديّة الوثنية؛ لا يفهمون لأول وهله إلا ما وافق تراثهم الجاهلي وعاداتهم التقليديّة! فإذا دعاهم رسول الله - ﷺ - إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأنداد وإخلاص
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ١٢٣ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٣٨ ]
العبودية لله وحده والتحرّر من أغلال التعتد للأصنام والزعماء والرؤساء، وبدر أبو لهب بتكذيبه والتحذير من قبول دعوته، سألوا عنه، فقالوا: من هذا وراءه يكذبه، فيقال: عمّه! وتسري هذه في الغوغاء والجماهير التي تعيش بعواطفها وشعور التبعة لكل ناعق، فيقولون معرضين عن هداية الإِسلام: قوم الرجل أعلم به!
وسبق أن ذكرنا حديث: "لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد".
وقد علّمَنَا رسول الله - ﷺ - أن كل أذية تلحق شخصه - ﷺ - في بدنه مهما عظمته وفدحت واشتدّ أثرها لا توضع قط في ميزان مع أيّة أذيّة تعترض طريق الدعوة، وتعوق تبليغ الرسالة مهما ضؤلت!
وعلمنا - ﷺ - أنه كان يودّ الشهادة فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - "انتدب الله لمن خرج في سبيله -لا يخرجه إِلا إِيمان بي وتصديق برسلي- أن أرجعه بما نال من أجرًا وغنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلْف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل" (١).
وسيأتي مزيد من الأدلة في العهد المدني!
وهكذا كان الأذى لرسول الله - ﷺكما سبق وكما سيأتي- والصحابة ﵃، ومن بعدهم من الدعاة إلى الله تعالى، مع تناهي شدته
_________________
(١) البخاري: ٢ - الإيمان (٣٦)، وانظر (٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٣١٧٢، ٧٢٢٦، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣)، ومسلم (١٨٧٦)، ومالك: ٢: ٤٦٠، ٤٦٥، وأحمد: ٢: ٢٤٥، ٣١٣، ٤٢٤، ٤٧٣، ٤٩٦، والنسائي: ٦: ٣٢، والبغوي (٢٦١٤)، والبيهقي: ٩: ٢٤، ١٥٧، وابن ماجه (٢٧٥٣)، وابن حبان (٤٧٣٦).
[ ٤ / ١٠٣٩ ]
وقسوته، بحيث يعجز القلم عن تصويره بحال، وقد شهدت شيئًا من ذلك بنفسي وعايشت ما يعجز الخيال الشاخص عن تصوره، وأحتسب ذلك عند الله تعالى .. إلا أن هذا كله لا يزن شيئًا أمام ما أوذي به رسول الله - ﷺ - في تعويق رسالته، ووضع العقبات أمامها، وهذا درس للدعاة إلى الله .. وأسأل الله الشهادة في سبيله آمين آمين آمين!
بيد أن جماهير القبائل العربيّة، وفيهم عقلاؤهم وحكماؤهم، وذوو رأيهم كانوا يرجعون من مواسمهم، ولا حديث لهم إلا في شأن الرسالة والرسول - ﷺ - وشأن الدعوة إلى الله تعالى!
وكان صدى ذلك يرجع في آفاق مكة، فيصك آذان ملئها وزعمائها، ويلج إلى قلوبها وأفئدتها فيحرقها، فرعبت قريش رعبًا شديدًا، وداخلها خوف أقلقها، فأقامها وأقعدها، فهي قد فشلت في كل ما دبرت وقدّرت في مناهضة دعوة محمَّد - ﷺ -، فقد مكرت به لتقتله - كما سيأتي- وقد دبّرت له كل ما تمخضت عنه قرائح ملئها من السوء والتعذيب والإيذاء .. وها هي ذي ترى بأعينها دعوته تسري إلى العرب في منازلهم، ويتحدث الناس عنها، ويتجاوز الحديث عنها الغوغاء والجماهير إلى الحكماء والعقلاء وذوي الرأي من الشعراء والخطباء والحنفاء الذين أدركوا ذروًا من الحنفيّة ملة إبراهيم ﵇، فتعلّقوا به انتظارًا لبعث خاتم الأنبياء والمرسلين!
٢٦ - موقف الوليد بن المغيرة:
وسبق أن عرفنا كيف اجتمع ملأ قريش وعباهلتها إلى طاغيتهم، شيخ الكفر، أشيب بني مخزوم، ومديان العرب وصاحب ثرائهم، ومالك ناصية
[ ٤ / ١٠٤٠ ]
تجارتهم، وصاحب خزائم ربويّاتهم: الوليد بن المغيرة، وكان قد عتا في سنه، فبلغ من الهرم عتيًّا، وقد حضر الموسم -كما سبق- فقال لهم: (١)
يا معشر قريش، إِنه قد حضر هذا الموسم، وإِن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم، فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة (٢) الكاهن ولا سجعه (٣)، قالوا: فنقَول مجنون، قال: لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنْقَه، (٤) ولا تخالجه (٥)، ولا وسوسته (٦)، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كل رجزه، وهزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، (٧) فما هو بالشعر، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفْثهم ولا
_________________
(١) ابن إسحاق معلقًا: ١: ٣٣٤ - ٣٣٦، والطبري موقوفًا عن ابن عباس، وقد صرح عنده بالسماع ١٤: ١٥٧، وأبو نعيم من طريق ابن إسحاق عن سعيد بن جبير: الدلائل: ١: ٣٣٢، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مختصرًا: الدر المنثور: ٦: ٢٨٢، والواحدي: أسباب النزول من غير طريق إسحاق: ٢٩٥ مختصرًا، وفي سنده إسحاق بن إبراهيم الدبري، انظر: الميزان: ١: ١٨١.
(٢) الزمزمة. كلام خفي لا يسمع.
(٣) السجع: أن تتوافق الفواصل في الحرف الأخير.
(٤) يريد الاختناق الذي يصيب المجنون.
(٥) التخالج: اختلاع الأعضاء وتحركها من غير إرادة.
(٦) الوسوسة: ما يلقيه الشيطان في نفس الإنسان.
(٧) قوله: رجَزه وهَزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه: أنواع من الشعر.
[ ٤ / ١٠٤١ ]
عقدهم (١)، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إِن لقوله لحلاوة، وإِن أصله لعذْق (٢)، وإِن فرعه لجَناه (٣)!
قال ابن هشام: ويقال لغَدق، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبُل الناس (٤) حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذّروه إيّاه، وذكروا لهِم أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بنِ المغيرة، وفي ذلك من قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ (المدثر).
وروى الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عباس ﵄: أن الوليد بن المغيرة جاء إِلى النبي - ﷺ - فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه، فقال: يا عم، إِن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا، قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإِنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال: وماذا أقول؟
_________________
(١) إشارة إلى ما كان بفعل الساحر من أن يعقد خيطًا، ثم ينفث عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقدِ (٤)﴾ (الفلق).
(٢) العذق: الكثير الشعب والأطراف في الأرض، ومن رواه بالغين المعجمة والدال المهملة فمعناه كثير الماء!
(٣) أي فيه تمر يجنى.
(٤) أي طرقهم، واحدها: سبيل.
[ ٤ / ١٠٤٢ ]
فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا!
ووالله، إِن لقوله الذي يقول حلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإِنه ليعلو وما يُعلى عليه، وإِنه ليحطم ما تحته!
قال: والله لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعنِي أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ (المدثر).
وقد أخرج هذا عبد الرزاق عن عكرمة مرسلًا، وابن جرير، وابن إسحاق وابن المنذر وغير واحد (١). هذا، وقصد الوليد بن المغيرة باستماعه للقرآن الكريم، وقوله فيه لأول ما قرعت آياته قلبه وعقله ما قال من مدح وثناء، ثم إنكاره كذبًا بعد ما فكر في دنياه ومكانته من قومه، وتعبير أبي جهل له قصة تحتمل التكرار، وأنها وقعت له أكثر من مرّة، وهذا هو الأظهر والأدرب إلى التوفيق بين روايات القصة، ولا سيما أنها روايات تختلف اختلافًا جوهريًا في تسمية من سمع منه الوليد القرآن!
وتكرار قصة سماع الوليد للقرآن يشبه أن يكون أمرًا طبيعيًّا، وخصوصًا، أن الوليد في عتوّ كفره وجحوده ومكانته الراسية من الماديّة الوثنيّة لا يتعجل الحكم، ولابدّ له من تكرار السماع وتعدّد مصادره، لينظر مقدار الاختلاف والتوافق بين هذه المصادر في أسلوب ما يسمع وحقائقه ومعانيه ومقاصده، فلما
_________________
(١) الحاكم: ٢: ٥٠٦ - ٥٠٧، وانظر: تفسير الشوكاني: ٥: ٣٢٦.
[ ٤ / ١٠٤٣ ]
وجد ما سمع أسلوبًا ومعاني في الهداية، وحقائق في التوحيد، وأصول الفضائل، جاء كلامه في بعض الروايات عن رسول الله - ﷺ - في معرفته بالصدق والأمانة، ومكارم الأخلاق، وبعده عن جميع ما زعمه عليه أعداؤه أعداء رسالته ودعوته من ملأ قريش موحدًا لوثيق معرفة سائر قومه به!
٢٧ - نموذج للشرّ الخبيث:
وقد جعل القرآن الكريم على سنته ونهجه في تصوير الطبيعة البشريّة في جانبيها: جانبي الخير والشر، في نماذج من الأفراد والجماعات تمثّل جوانب الخير والشر، لتكون تلك النماذج مُثُلًا حبة مضروية للأجيال في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، ترى فيها نفسها؛ ليكون ذلك أدعى للتأسي في الخير، وأردع عن الوقوع في حمأة الشرّ -من هذا الطاغية العنيد، الوليد بن المغيرة، نموذجًا لأخبث نوع من الشر الأثيم في طبيعة البشر، ولا سيما وهو في مكانته من زعامة قومه وبلده، فنزل فيه وفي كل من كان على شاكلته في أجيال البشريّة المتعاقبة من عناد للحق، وطغيان الكفر، وفجور الاستبداد، أينما وجد في أرض الله، نزل قول الله تعالى من سورة (المدثر) التي سبق أن عشنا في رحاب مقدمتها:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ (المدثر).
[ ٤ / ١٠٤٤ ]
قال المفسرون
وقال الشوكاني في قوله
ثم أتبع القرآن الكريم ذلك بذكر الجزاء العادل التي ينتظر هؤلاء الفجرة، يقدمهم الوليد وأضرابه من نماذج الشرّ الأثيم، والعناد الكفور، فقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ (المدثر).
قال المفسرون: (١) وهو الوليد بن المغيرة، قال مقاتل: يقول: خلّ بيني وبينه فأنا أنفرد بهلكته، وإنما خصّ بالذكر، لمزيد كفره، وعظيم جحوده لنعم الله عليه، وقيل: أراد بالوحيد: الذي لا يُعرف أبوه، وكان يقال في الوليد ابن المغيرة: إنه دعي! وكون الوليد بن المغيرة هو النموذج المقصود فيما جاء في هذه الآيات من خبائث الصفات، وأرذل الرذائل محل اتفاق إجماعي من المفسرين!
وقال الشوكاني في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾: أي دعني، وهي كلمة تهديد ووعيد، والمعنى: دعني والذي خلقته حال كونه وحيدًا في بطن أمه، لا مال له ولا ولد، هذا على أن وحيدًا منتصب على الحال من الموصول، أو من الضمير العائد إليه المحذوف، ويجوز أن يكون حالًا من الياء في ﴿ذَرْنِي﴾: أي دعني وحدي معه، فإني أكفيك في الانتقام منه، والأول أولى!
٢٨ - دعاية للرسالة والرسول - ﷺ -:
ولما انتهى الوليد إلى ما انتهى إليه من قول الزور والافتراء على الله ورسوله - ﷺ -، فرح البلهاء من ملأ قريش، وتفرّقوا إلى السبل والطرقات، ومنافذ القادمين إلى مكة للتجارات أو للحج، يذكرون لهم أمر رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) تفسير الشوكاني: ٥: ٣٢٣.
[ ٤ / ١٠٤٥ ]
ويحذرونهم منه .. ولكن الله تعالى جعلهم ألسنة نشر ودعاية للرسالة والرسول - ﷺ - .. وسرى الحديث عن رسول الله - ﷺ - في الناس، يدخل إلى منازلهم، ويلج عليهم محافلهم وأنديتهم، وارتفع الهمس إلى جهر القوّة عن دعوة محمَّد - ﷺ - ورسالته التي جاء بها من عند الله تعالى، ليقوم الناس بينهم بالقسط، في ظل عقيدة التوحيد، وخلع الأنداد، وإخلاص العبوديّة لله وحده، والتحرّر الفكري والاجتماعي الذي يعطي كل إنسان حقّه في العيش الكريم، وحقّه في إطلاق عقله، وإضاءة قلبه، وإشراق روحه!
واشرأبّت الأنظار هنا وهناك تتطلّع إلى رؤية النبي - ﷺ -، والاستماع لما أنزل عليه من القرآن المبين، فلما خرج إليهم بنفسه داعيًا إلى الله، مبلغًا رسالة ربّه، بعد أن سدّت قريش منافذ قبول الهداية على نفسها، خرج مهيًا للاستماع إليه، ولقي - ﷺ - الناس ودعاهم إلى الهدى، فكانوا بين مباعد ومقارب، وقليل منهم من يفتح قلبه للهداية فيقبل الحق مؤمنًا به، وكثير معرض ينظر ويتفكر!
٢٩ - نماذج الخبث البشري:
هذا، والآيات التي أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة -باعتباره نموذجًا لأخبث لون من شرور البشرية التي تنتابها في أجيالها المتعاقبة، وبيئاتها الاجتماعيّة المختلفة تأستيًا بهؤلاء الشرّيرين من نماذج الانحراف البشري، الذين أوتوا من أسباب الدنيا مصادر قيادة الجماهير والغوغاء قيادة طغيان كفور، وفجور مستكبر، واستبداد ظلوم- تصف هذا الطاغية العنيد بأوصاف لا تقصد إلى اختصاصه بها، ولكنها تستهدف تصوير الشكول والصور في الأفراد والجماعات التي تصبّ في قوالبها هذه النماذج الخبيثة، وتضع في إطارها معالمه!
[ ٤ / ١٠٤٦ ]
والآيات الحكيمة المحكمة تبدأ بلون من التهديد المرعب، زجرًا لغرور الفجور الذي أفعمت به نفس هذا الطاغية العنيد، فيقول الله تعالى مخاطبًا نبيه - ﷺ - وهو الذي واجه عتوّ طغيان هذا الكفور، وطغيان أمثاله من أحلاس المادية الوثنية:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ ليكون تهديد نماذج الفجور الوثني بما يصبّ عليهم من النكال والوبال، وشدّة العذاب، مصحوبًا بإشراق الأمل في نفس الداعي إلى الله رسوله الصادق الأمن محمَّد - ﷺ -، وحافزًا من حوافز الصبر على مكاره الطغاة وأذاهم، ودافعًا من دوافع مضاء العزائم في المضيّ قدمًا يسير الدعوة وتبليغ الرسالة، ووعدًا بالنصر المؤزر على جند الباطل مهما تجمعوا وتألّبوا، وعاملا من عوامل تثبيت اليقين في نفوس عامة المؤمنين، وهم في غمرة البلايا والمحن! والتهديد في هذه الآية بيّنٌ في أسلوبها المعجز بروعة بيانه، مع الإيجاز المحكم، فالله تعالى يقول لنبيّه - ﷺ - يسلّيه ويخفف عنه عبء ما لقي ويلقى من شدائد المحن في دعوة هؤلاء الفجّار من عبيد الوثنيّة الماديّة المتهاوية، فكأنه قيل له - ﷺ -: لا تحمّل نفسك نصب التفكير في صدّ تيّار الطغيان في هذا الفاجر الأثيم، ولا يمتلئن قلبك همًّا بدفع سفاهته وغروره، ولا تشغلن بالك به، وامض في طريقك هاديًا مرشدًا، ودعني وإيّاه فأنا وحدي كفيل بردعه ردعًا ينزل به نكال الآخرة والأولى!
٣٠ - أسلوب الآيات:
وأسلوب الآيات في التهديد المزمجر جرى على المعهود في طرائق تخاطب الناس بعضهم مع بعض. وهو نهج القرآن الكريم في مخاطباته، جريًا على السّنَن المألوف، ليكون أفهم وأبلغ في الوصول إلى الغرض المقصود!
[ ٤ / ١٠٤٧ ]
ثم ذكرت الآيتان: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ أن هذا الطاغية الفاجر في كفره لم يكن طغيانه وفجوره عن مظاهر في حياته تدعوه إليهما، وإنما كان فجوره وطغيانه عن نفس خبيثة مولودة معه تكفر الإنعام، وتنكر الإحسان، فهو قد أحسن الله إليه إحسانًا غامرًا، وأنعم عليه إنعامًا فائضًا، فجعل له مالًا ممدودًا، لا ينقطع، عم أصناف المال، وطمّ أرجاء الحياة، وكثر وغمر، ورزقه بنين كثيرين، يحتفون به، فلا يفارقونه لحاجة، فهم أغنياء بثراء أبيهم، وهو مأنوس بهم، فرح بوجودهم حوله، مستقرّ الرضا برؤيتهم!
٣١ - معالم الفجور:
وفي تخصيص الإنعام عليه بالبنين نكتة لطيفة بالنسبة لهذا الطاغية وبيئته ومجتمعه، وما كان معروفًا مشهورًا لدى قومه من كراهية إنجاب البنات، وحبّ إنجاب البنين، فكان حريًّا في شرعة الإنصاف أن يكون شكارًا بنعمة الله عليه، ولكنه لخبث نفسه وسوء نحيزته بدّل نعمة الله كفرًا، وأحلّ نفسه وقومه دار البوار، فاستكبر وتجبر، وطغى بنعمة الله وفجر، وناهض الحق، وقاوم دعوة رسول الله - ﷺ -، فقد أفادت أن الله تعالى بسط له الجاه العريض، ومدّ له المال الكثير، ووطد له الرياسة في قومه، وأطال عمره فيهم، وأعلى كلمته عندهم، فأتمّ عليه نعم المال والجاه والولد، وهذا هو الكمال عند أهل الدنيا، ولا سيما الماديّون الوثنيون! ثم جاءت الآية التالية. ﴿ثُمَ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيد (١٥)﴾ (المدثر).
تقرّر أن هذا الطاغية العنيد -مع هذا السوء الذي أثقل طبيعة حياته- شره النفس، جموعٌ للدنيا، منوع لا ينفقها في خير قط، طموع فهو لا يشبع، لا يكاد
[ ٤ / ١٠٤٨ ]
يفرغ من جمع حتى يتجه إلى جمع، يطلب زيادة من عنده من المال والبنين وبسط العيش!
ثم جاءت الآية بعدها: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ [المدثر].
تزجره عن الانسياق مع مطامع نفسه الخبيثة، وهو على ما هو عليه من خبث الطويّة ومكر السوء، ثم تقرّر الآية الكريمة بعد هذا الزجر بيان الحكمة في إنكار طمعه في الزيادة، والتعجب من حاله، وغروره في فجره وكفوره!
وفي الآية تيئيس له من الزيادة، ووعيد بالنقصان، ولهذا قال المفسرون: ولم يزل الوليد في النقصان بعد قول الله تعالى: ﴿كَلًا﴾ حتى افتقر، وخرف، ومات كفورًا فقيرًا!، ووصفه في الآية بالعنيد لآيات الله بيان لشدّة فجوره وطغيانه، ومجاوزته كل عتوّ وإثم، فالعنيد مبالغة من العناد، وهو مجاوزة الحدّ، وأريد به هنا الذي عرف الحق بقلبه وعقله، وأنكره بقوله وفعله واعتقاده، استكبارًا وغلوًا في الجبروت والكفر، وفي تقديم المتعلّق ﴿لآَيَاتِنَا﴾ على متعلّقه ﴿عَنِيدًا﴾ تخصيص، كأنه قيل لأنه عنيد لآياتنا نحن الذين أنعمنا عليه بشتّى النعم، لا لآيات غيرنا، ممن لم يكن في استطاعته أن ينعم عليه بشيء!
٣٢ - خصائص هذا النموذج:
وفي هذا التخصيص تسجيل لبالغ كفره، وشدّة عتوّه وفجوره، وسوء عناده.
قال الفخر الرازي (١): وفي هذه الآية إشارة إلى أمور كثيرة من صفاته:
_________________
(١) التفسير الكبير: ٣٠: ٢٠٠ بتصرف، دار إحياء التراث، ط ثالثة.
[ ٤ / ١٠٤٩ ]
أحدهما: أنه كان معاندًا في جميع الدلائل الدالة على التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوّة وصحة البعث، وكان هو منازعًا في الكل منكرًا للكل!
وثانيها: أن كفره كان كفر عناد، كان يعرف هذه الأشياء بقلبه، إلا أنه كان ينكرها بلسانه، وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر!
وثالثها: أن قوله ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة!
ورابعها: أن قوله -أيضًا- يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصّة بآيات الله تعالى وبيّناته، فإن تقديره: إنه كان لآياتنا عنيدًا لا لآيات غيرنا، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله، مع كونه تاركًا للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران! ثم جاءت الآية التالية: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ (المدثر).
تقرّر ما أعدّه الله لهذا الطاغية من سوء العذاب في الآخرة، إلى جانب ما أرهقه به من سلب ما أنعم به عليه في الدنيا، كما أفادته كلمة الزجر ﴿كلًا﴾ عن الطمع في الزيادة، وأنه سيعامل بنقيض مقصوده من النقصان والسلب بعد العطاء، والإرهاق تحميل الشدائد وتكليفه إيّاها، ﴿صَعُودًا﴾ مثل لما يلقى المرهق من أثقال العذاب ومشاقه وصعائده مما لا يطاق مثله، وهو مأخوذ من قولهم عقبة صعود وكدود، أي شاقّة المصعد، والمعنى أن الله تعالى توعد هذا الطاغية بأنه سيجد عذابًا شديدًا لا يطيقه، جزاء عناده في كفره وجحوده بإنعام الله عليه!
ثم ذكر الله تعالى حال هذا الطاغية في عتوّه وعناده في كفره، وأن كفره كان كفرًا مقصودًا مرتّبًا قائمًا على التفكير والتقدير، فالطاغية العنيد قد فكر
[ ٤ / ١٠٥٠ ]
وتدبّر، لا ليستبين الحق فيعتقده، والهدى فيتبعه، ويؤمن به، ولكنه فكّر ودبّر، وقدّر وهيّأ أمورًا يردّ بها الحق الذي عرفه، واعترف به، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ (المدثر).
ثم عجيب العقلاء من أمره في تفكيره وتدبيره، سخرية واستهزاء منه؛ لأنه زعم أنه بتفكيره وتدبيره، وتهيئته ما هيئ في نفسه من لغو وفساد، مما يؤثر في سير رسالة الحق، قال تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ (المدثر).
أي هلك وأهلك، وقُهر وغُلب على أمره، وذلّ بعد عزّة في قومه، وافتقر بعد الثراء والغنى، وطُرد طردًا أبديًّا من رحمة الله: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾!
على أيّ حال هيأ ما هيّأ من الزور والبهتان، وركيك التفكير، وسفساف التدبير، ثم أكّد الله تعالى قهره ولعنته، وما باء به من الخسران، فقال -جلَّ شأنه-: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ (المدثر).
أي مع كونه هيّأ في نفسه كلامًا يردّ به على قومه في أمر محمَّد - ﷺ - يأثرونه عنه، ويلقون به وفود العرب محذّرين، لم يستطع أن يقنع نفسه بما فكّر وقدّر ودبّر وهيّأ، فرجع وهو مغيظ محنق ينظر ويفرغ النظر في أمره - ﷺ -، ويطيل التفكير والتدبير، فيزداد غيظًا وحنقًا، وكلما اشتد غيظه وحنقه ضاقت به الدنيا، وضاق بها، قهره الغيظ ﴿عَبَسَ﴾ وقطّب جبينه، واسودّ وجهه، واكفهر سمته، وتغيرّ رسمه، ﴿وَبَسَرَ﴾ كالحًا ممسوخًا عن إنسانيّته، وأخذ عن نفسه وتفكيره، واستولى عليه الدهش، وتملكته الحيرة، فلم يدر ما يقول في أمر محمَّد - ﷺ -، وهو قد أعلن على قومه جهرًا، وأوهم من حوله وهم يتسقطون رأيه، ويستنزلون وحي شيطانه أنهم ما من شيء يتهمون به محمدًا - ﷺ - مما زعموا
[ ٤ / ١٠٥١ ]
قال الفخر الرازي
عليه إلا عرف أنه باطل، وكأنه قد سدّت دونه منافذ التفكير والتدبير والتقدير، فولَّى عن قومه معرضًا مستكبرًا مغيظًا محنقًا، قد أحرق الحق قلبه، وهو يقول كمن يرمي بالقول رميًا لغير قصد، لا يبالي أن يكذّب نفسه، ولا أن يكذّبه قومه: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ (المدثر).
وكان قد قال لقومه وهو يحاورهم ويستطلع ما عندهم في أمر محمَّد - ﷺ - فيما قال لهم: يزعمون أن محمدًا ساحر، لا، والله ما هو بساحر، وقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم!
٣٣ - رأي آخر:
وكأن الطاغية قد تداركه شيء من نفحات الإنسانيّة، فأخذه من الحياء والخجل ما يأخذ الذين بقيت فيهم بقيّة من عقل، وتذكّر أنه كان قد نفى السحر عن محمَّد - ﷺ - ما حكاه القرآن عنه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ (المدثر).
قال الفخر الرازي (١): والمعنى أن هذا قول البشر، ينسب ذلك إلى أنه ملتقط من كلام غيره، ولو كان الأمر كما قال لتمكّنوا من معارضته؛ إذ طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة!
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن الوليد إنما كان يقول هذا الكلام عنادًا منه، لأنه روي عنه أنه سمع من رسول الله - ﷺ - (الم السجدة)، وخرج من عند الرسول - ﷺ -، قال: سمعت من محمَّد كلامًا ليس من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، وإِنه له لحلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِنه يعلو ولا يُعلى عليه!
_________________
(١) التفسير الكبير: ٣٠: ٢٠٢.
[ ٤ / ١٠٥٢ ]
قال الفخر الرازي
وسبق أن أشرنا إلى ذلك!
قال الفخر الرازي: فلما أقرّ بذلك في أول الأمر علمنا أن الذي قاله ها هنا من أنه قول البشر، إنما ذكره على سبيل العناد والتمرّد؛ لا على سبيل الاعتقاد!
وفي سورة (القلم) -وهي من طلائع السابقات المكيّات في سور القرآن- آيات أقرب ما تكون في معانيها وأهدافها إلى آيات سورة (المدثر)، قربًا يكاد يكون وحدةً تؤلف نموذجًا متكامل الصورة في إبراز نوع من الطبائع البشريّة، يمثل في الحياة أخبث أنواع الشرور الكامنة في نفوس بعض الأفراد والجماعات على مرّ الزمان، واختلاف الأجيال، وتطوّر الأفكار!
وقد نقلنا إجماع المفسرين على أن المقصود بآيات (المدثر) مبتدئة بقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ باعتباره نموذجًا لأخبث أنواع الشرور النفسية والاجتماعيّة والعقليّة هو الوليد بن المغيرة المخزومي!
وعلى أساس هذا النقل، وما توحي به الآيات، وما يعطيه جوّها وأحداثها جرينا (١) في تحليلنا للآيات وفي تفسيرها بما يظهر صورة النموذج البشري الشرير، فيجعله مثلًا مضرويًا في شاهد الحياة، ووقائع الأحداث في كل زمان، وكل مكان، وكل جيل من البشر!
٣٤ - في رحاب سورة (القلم):
بيد أن المفسرين اختلفوا في المراد من الآيات من سورة (القلم) باعتباره نموذجًا لمعانيها وحقائقها وأهدافها وآثارها!
_________________
(١) محمَّد رسول الله: ٢: ٢٤٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٥٣ ]
قال القرطبي: ومعظم السورة نزلت في الوليد بن المغيرة، وأبي جهل (١)، وإذا كان هذا الوصف (﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾! (القلم)، وصفًا من أوصاف سورة (القلم) تدفعه به القصة التي تبين أنه كان ينفق ماله رئاء للناس، وتسميعًا بذكره، فإن سائر الأوصاف المذكورة فيها منطبقة عليه: قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ (القلم)!
هذه الآيات تضمنت عدّة أوصاف وصف بها طاغية الماديّة الوثنيّة، وكان خاتم هذه الأوصاف يشبه أن يكون تعيينًا للوليد بن المغيرة، وأنه هو المراد هنا في آيات سورة (القلم)، كما هو المراد في آيات سورة (المدثر) باعتباره نموذجًا في الموضعين لأخبث أنواع الشرّ النفسي والاجتماعي في الطبائع البشريّة، وهذا الوصف المعين بالاختصاص هو قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾! فلم يعرف من طواغيت الوثنيّة في قريش بشهرته بكثرة المال والبنين مثل ما عرف الوليد بن المغيرة، وقد كان هذا الوصف محور فجوره وطغيانه الذي دارت عليه معاني آيات سورة (المدثر)!
وقد افتتحت آيات سورة (القلم) بنهي النبي - ﷺ - نهي تعليم وتشريع عام عموم الأزمنة والأمكنة والأجيال والأحداث، بعد تمهيد بنهي عام، أجمل تحته أقبح وصف اتصف به إنسان، فقيل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾! (القلم) والمكذبون لرسالات الله هم الذين لا يرعون في حياتهم عهدًا، ولا يعرفون
_________________
(١) تفسير القرطبي: ١٨: ٢٢٩، دار إحجاء التراث عام ١٩٦٦ م.
[ ٤ / ١٠٥٤ ]
قانونًا، ولا يستمسكون بشرائع الهداية، ولا يطوون صدورهم على ضمائر تردعهم عن الانغماس في موبقات الحياة ومظالمها ومفاسدها!
وهذا النهي قصد به إلهاب شعور رسول الله - ﷺ -، وتهييج وجدانه، ليكون في موقفه من مداهنة الكافرين كعهد الحياة به أشدّ وأصلب، وأسمى من أن يتنزّل إلى خداع رغائبهم!
٣٥ - معالم خصائص نموذج الفجور:
- المعْلَم الأول:
ثم جاء تفصيل بعض هذا الإجمال بتعيين نموذج الطبيعة البشريّة بوصفه وخصائصه الشرّيرة المعيّنة: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ والحلاّف مبالغة في كثرة الحلف، وامتهان القسم فيما رخص وسفل وهان واستهين، ولا يقع ذلك إلا ممن تولّى حياة الدناءات، وعاش فيها، وهانت عليه إنسانيّته، وانثلمت كرامته، وانعدمت من النفوس الثقة به، وشهر بينهم بالكذب والغشّ والخداع والخيانة، وخبث الطويّة، وملاحاة الناس في معاشرتهم والتحايل عليهم بما يكون وما لا يكون، وما ينبغي وما لا ينبغي!
وليس وراء ذلك وضاعة أو مهانة أو زراية بالنفس أو حقارة، أو ذلة ودناءة، أو رذالة أو نذالة، فالتلازم بين المبالغة في الحلف وكثرته وامتهان القسم، وبين الوضاعة والمهانة في جميع صورها من رذائل الطباع وسفالة الأخلاق من تلازم لا تنفك روابطه النفسيّة، حتى صار عنوانًا على فساد الفطرة ودنس الطبيعة!
[ ٤ / ١٠٥٥ ]
- المعْلم الثاني:
ثم جاء بعد هذا الوصف وصف آخر يحمل خصيصة دامغة لهذا الطاغية في صورته النموذجيّة، ومعه قرينه الذي لا يفارقه، فكانا في تمثيل نموذج الإفساد في الأرض كأنهما غصنان من عوسجة الشرّ الوخيم، يرتبطان بما قدّمته الأولى من وصفَيْ المهانة والمبالغة في كثرة الحلف ارتباط الفرع بالأصل: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ والهمّاز هو العيّاب الذي يتسقط العيوب فيلصمها بالبرآء، ويتلقطها من أفواه الشرّيرين ليضعها على هامات الخيرين، حتى يتساووا معه في شرّيته، كما قال تعالى في وصف طبيعة هؤلاء الباغين للناس التورّط في حمأة الشر والفساد معهم، حتى تعالوا في سوء أطماعهم أن يتناولوا الشمس بأيديهم ليطفئوا نورها بأفواههم، فعتوا عتوًّا كبيرًا، وودّوا لو أن رسول الله - ﷺ - مالأهم ليمالئوه، وداهنهم فيداهنوه، بعد أن دمغهم بتكذيب الأنبياء والمرسلين: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾.
قال ابن عباس وعطية والضحاك والسدي: ودّوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم، وعن ابن عباس أيضًا: ودُّوا لو تُرخَّص لهم فيرخَّصون لك، وقال الفراء وغيره: لو تلين فيلينون لك، والآدّهان: التليين لمن لا ينبغي له التليين!
وقال مجاهد: المعنى ودّوا لو ركَنْت إليهم وتركت الحق فيمالئونك، وقال الربيع بن أنس: ودّوا لو تكذب فيكذبون، وقال قتادة: ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك، ونقل القرطبي اثني عشر قولًا! (١)
وقد أخبر الله تعالى في سورة نزلت برسم هؤلاء المفسدين العيّابين،
_________________
(١) تفسير القرطبي: ٨: ٢٣٠، وانظر: تفسير الشوكاني: ٥: ٢٦٨.
[ ٤ / ١٠٥٦ ]
الهمازين للناس، بأن لهم الويل، أي الخزي والنكال في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة]. والذي يشغل نفسه بتسقط ما يعيب به الناس ليشينهم في مجتمعهم، ويحقرهم بين قومهم، ويسقط مروءاتهم في بيئاتهم لا يزال رأيه الإفساد بين كل متوافقين، والتفريق بين كل متحابّين، والتعكير بين كل متصافين؛ لأن ارتباط الناس بالتوافق والمحبّة ومعاشراتهم بالمصافاة والمودّة يغيظ الهمّاز المشاء بالنميمة، لسوء مخبره، وكراهيته لكل خيريرى عليه الناس!
وهذا هو المشاء بالنميمة الهمّاز اللماز، وصاحب هذه الخليقة الدنيئة مبغض محقور في الدنيا، مطرود من رحمة الله في الآخرة، وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن حذيفة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يدخل الجنّة قتات" (١).
والقتّات هو النمّام، وهو الذي ينقل الحديث على وجه الإغراء بين المرء وصاحبه!
قال العلماء: وينبغي لمن حملت إليه نميمة ألا يصدّق من نمّ له، ولا يظن بمن نمّ عنه ما نقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه، ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وألا يرضى لنفسه ما ينهى النمّام عنه، فينمّ هو على النمّام، فيصير نمامًا. وهذا كله إذا لم يكن في الفعل مصلحة شرعيّة، وإلا
_________________
(١) البخاري: ٧٨ - الأدب (٦٠٥٦)، والأدب المفرد (٣٢٢)، ومسلم (١٠٥)، والحميدي (٤٤٣)، وأحمد: ٥: ٣٩٧، ٣٣٢، ٣٨٩، ٣٩٢، ٣٩٧، ٤٠٢، ٤٠٤، والطيالسي (٤٢١)، وأبو داود (٤٨٧١)، والترمذي (٢٠٢٦)، وابن أبي الدنيا: الصمت (٢٥٤)، وابن حبان (٥٧٦٥)، والطبراني: الكبير (٣٠٢١)، والأوسط (٤٢٠٤)، والصغير (٥٦١)، والقضاعي (٨٧٦)، والبيهقي: ٨: ١٦٦، ١٠: ٢٤٧، والآداب (١٣٧)، والبغوي (٣٥٦٩).
[ ٤ / ١٠٥٧ ]
فهي مستحبّة أو واجبة، كمن اطلع على شخص يريد أن يؤدي شخصًا ظلمًا، فحذّره منه! (١)
- المعلم الثالث:
ثم عقبت الآية من سورة (القلم) هذه الأوصاف بثلاثة أوصاف تصم الطاغية العربيد بأخبث أوصاف نماذج الطبيعة الشرّيرة: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ وهو قادر عليه يمسكه عن مواضع البرّ والإصلاح، وينفقه تبذيرًا وإسرافًا في مواطن السوء والإفساد، فهو في حقيقته شحيح بخيل، لا تنتفع الحياة الصالحة من وجوده بشيء، ولا يصل إلى أحد منه خير يصدّ عن الحق، ويعاند الهدى، ثم هو بعد ذلك ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ ظلوم كفّار، لا يقف في ظلمه وتعدّيه عند حد!
- المعْلم الرابع:
وهو في بطشه واستبداده متجاوز لكل حد، مبطل كذوب، فاجر عنيد، كثير الإثم في محاربته لله ورسوله، لا يتوقى شرًا، ولا يتحذّر من بغي، ولا يتحرّز من عتوّ، فهو مجمع القبائح والفضائح، وموئل الدنايا والرذائل!
ولا تنهي الآيات وصفها بهذه الأوصاف المهينة، حتى تتلقّاه مما شوّه خلق الله في صورته وسمته، وسحنته الخلقية ﴿عُتُلٍّ﴾ أي جاف، غليظ الطبع، شره، بطن، أكول شروب، فاحش العشرة، متفحش سيء المعرفة، لئيم النفس، خبيث الطبع، حقود كنود، يخاصم في غير حق فيفجر، ويعتدي فلا يبالي أن يخون ويغدر، ثقيل الظل جحود، كفور لكل نعمة، نكّار لكل إحسان!.
_________________
(١) الإحسان: ١٣: ٧٩، وانظر: فتح الباري: ١٠: ٤٧٣.
[ ٤ / ١٠٥٨ ]
- المعْلَم الخامس:
وهو بعد ذلك الذي تقدّم من أوصاف السوء والقبائح (زَنِيمٍ) أي مشهر بلؤم الطبع، ودناءة النفس، وسوء الخلق، يتحامى الناس القرب منه اتقاء بغيه وعدوانه وبذائه، وهذا الوصف القبيح الذي أربى في فحشه على فحش ما سبقه من نعوت الخبث والشرّ، يجعل المتصف به يستشعر المهانة في نفسه، فيتكلف التعاظم الكذوب ليداري سوآته، ويشمخ مستكبرًا ليخفي مهانته، ويسرع إلى الظلم يرتكبه، وإلى الطغيان يدّرعه ليغطي حقارته وضآلة شخصيّته، فالزنيم هو الشرّير الظلوم عظيم الشرّ الجفور، الذي يأكل فلا يشبع، ويمنع الخير أن يصل إلى غيره، ولو كان آتيًا من غيره، يمنع غيره أن يصل في سعيه إلى خير!
وهذان الوصفان ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ متلازمان في وجودهما، فالزنيم عتلّ، والعتلّ زنيم، وهما جماع الرذائل والقبائح، وهنا نذكر ما رواه الشيخان عن حارثة بن وهب الخزاعي، عن النبي - ﷺ -: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ " "كل ضعيف، لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ" (١).
قال القرطبي: (٢) هذا التفسير من النبي - ﷺ - في العتلّ قد أربى على أقوال
_________________
(١) البخاري: ٧٨ - الأدب (٦٠٧١)، وانظر (٦٦٥٧)، ومسلم (٢٨٥٣)، وأحمد: ٤: ٣٠٦، وابن أبي شيبة: ٨: ٥١٦، وأبو داود (٤٨٠١)، والترمذي (٢٦٠٥)، وابن ماجه (٤١١٦)، والبغوي: شرح السنة؛ (٣٥٩٣)، والطيالسي (١٢٣٨)، والبيهقي: ١٠: ١٩٤، والشعب (٨١٧٣، ١٨٧٤، ١٠٤٨٤)، والطبراني: الكبير (٣٢٣٦) من طريق الأعمش، (٣٢٥٧) من طريق مسعر، كلاهما عن معبد، والنسائي: الكبرى (١١٦١٥)، والتفسير (٦٣٥)، وأبو يعلى (١٤٧٧)، وابن حبان (٥٦٧٩)، والمزّي: تهذيب الكمال: ٢٨: ٢٣٣.
(٢) تفسير القرطبي: ١٨: ٢٣٤ بتصرف.
[ ٤ / ١٠٥٩ ]
المفسرين، ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجوّاظ أنه الفظّ الغليظ .. ثم قال: ففيه تفسيران مرفوعان .. وقد قيل: إنه الجافي القلب .. والزنيم: الملصق بالقوم الدعي .. وكان الوليد دعيًّا في قريش وليس من سنخهم (١). وأيّامًا كان فنكاح الجاهلية فيه أشياء لا تدخل تحت ضبط اجتماعي يَضبطها، ولا تتقيّد بوضع ديني يوجهها!
- مجمع الخبائث:
وفي قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ إشارة إلى أن وصف هذا الطاغية بالعتل الزنيم، بعد وصفه بما تقدم من النقائص والقبائحِ قد جمعت له مخابث الصفات ومقابحها، قال الفخر الرازي: (٢) قوله ﴿بَعد ذَلِكَ﴾ معناه أنه بعد ما عدّ له من المثالب والنقائص فهو عتلّ زنيم، وهذا يدل على أن هذين الوصفين، وهو كونه عتلًا زنيمًا أشدّ معايبه؛ لأنه إذا كان جافيًا غليظ الطبع قسا قلبه، واجترأ على كل معصية!
- المعْلَم السادس:
ثم جاء بعد هذه الأوصاف والمثالب ما يبين أن ما أوتيه هذا الطاغية من النعمِ، فكفره وجحد إحسان الله إليه فيه، وذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ هو الوصف الذي كان مظهر طغيانه وفجوره، واغتراره بما أوتي من نعم، وكفران النعمة إذا انضم إلى كفران المنعم كان من أعظم النقم الموجبة لسخط الله وبطشه، والتي تؤدي بصاحبها فتهلكه من حيث يريد السلامة، وتذله من حيث يريد العزّة!
_________________
(١) السنخ: الأصل.
(٢) التفسير الكبير: ٣٠: ٨٥.
[ ٤ / ١٠٦٠ ]
وهذا الوصف كان هو الوصف المعيّن في سورة (القلم) لإرادة الوليد ابن المغيرة بموضوعيّته لأوصاف الآيات، كإرادته بموضوعية أوصاف آيات (المدثر)؛ لأن هذا الوصف كنفسه إذ جاء هناك في أوصاف الطاغية بصورة الامتنان في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ ولم يشتهر في قريش بكثرة المال والبنين أحد شهرة الوليد بهما، وكل الذين ذكرهم المفسرون لنزول آيات (القلم) فيهم: الأخنس بن شريق، والأسود بن عبد المطلب الأسدي، وعبد الرحمن بن الأسود، وأبو جهل، ولم يكن فيهم من عرف بما عرف به الوليد في كثرة المال والبنين!
فالوليد بن المغيرة هو نموذج الأوصاف والقبائح التي ذكرت في السورتين:
سورة (المدثر) وسورة (القلم)، فلا ينبغي العدول عن هذا الظاهر إلى أقاويل أخرى!
ثم عقّبت الآيات هذه الأوصاف وما ختمت به من الغرور الفاجر بنعمة الله التي أضفاها عليه من المال الوفير وكثرة البنين -وهما نعمة النعم في الدنيا وزينتها التي يتنافس عليها أهلها- بما كان نتيجة طبيعيّة لتلك المثالب والنقائص الخُلُقيّة والخَلْقيّة والقبائح الاجتماعيّة، من اجترائه على خبيثة الخبائث بوصف آيات الله إذا تليت وسمعها بأنها أساطير الأولين وخرافاتهم، وتكذبهم في أسمارهم، وهذا كالذي جاء في سورة (المدثر) من قول الطاغية فيما حكاه الله عنه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾.
وهذا التوافق في المعنى بين ما جاء في سورة (المدثر) من وصف القرآن باطلًا بأنه سحر يؤثر، وبين ما جاء في سورة (القلم) من وصفه باطلًا بأنه
[ ٤ / ١٠٦١ ]
أساطير الأوّلين، هو الدليل على أن الآيات في السورتين تعني نموذجًا واحدًا للشرور، تمثل في شخص الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لما كان متوافرًا فيه من عتوّ الطغيان وفجور الكفر والاغترار بما أوتي من مال وبنين!
٣٦ - إشهار نموذج الشر:
ثم بعد أن أنهت الآيات وصف الطاغية في عناده بالقبائح التي لازمته في حياته، ووصمته في تاريخه، وطاردته بعد هلاكه، ذكر الله تعالى ما توعّده به باعتباره نموذجًا لتلك القبائح من الخزي في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.
ومعنى النموذجيّة في تصوير من اتصف بهذه القبائح أن كل ما يتصوّر أن يقع على الصورة الفرديّة لهذا النموذج هو واقع في الدنيا والآخرة بجميع من كان على شاكلته من الوثنيّن، أينما وجدوا وحيثما كانوا في أي زمان ومكان ومن أي جيل!
والوسم في اللغة: العلامة المحسوسة، تكون في الحيوان من كيّه بالنار، أو خدش في عضو من أعضائه، أو قطع في أذنه يُعلَّم بها ليعرف، والخرطوم هو أنف الحيوان، ثم استعير لأنف الإنسان كما يستعار المشفر للشفة، وهذا لتقبيح الوصف به!
قال المبرد (١): الخرطوم ها هنا الأنف، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به؛ لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة، لأشباه تلك
_________________
(١) تفسير الفخر الرازي: ٢٩: ٨٦ بتصرف.
[ ٤ / ١٠٦٢ ]
الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافًا، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافز!
والوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحميّة، واشتقّوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف، وحمي أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة؛ لأن السمة على الوجه شيخ، فكيف على أكرم موضع من الوجه!
والآية من قبيل الكناية، فالمقصود التعبير بالوسم وإرادته لازمة، وهو الشهرة، وهي هنا شهرة بالمذام والقبائح؛ لإفادة غاية الإذلال والمهانة في الدنيا والنكال والخزي وسوء العذاب في الآخوة!
قال الرازي: وفي الآية احتمال آخر عندي، وهو أن ذلك الكافر إنما بلغ في عداوة الرسول - ﷺ -، وفي الطعن في الدّين الحق، بسبب الأنفة والحميّة، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحميّة كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحميّة، فعبّر عن هذا الاختصاص بقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾!
فالمقصود بهذا الوعيد إشهار قبائح الطاغية وكسر شهوة عنجهيّته وغروره بتعرية نقائصه وكشف سوآته، حتى يتعالمه الناس ويعرفونه بما دفعه به القرآن، فلا يخفى أمره على أحد، كما لا تخفى الحيوانات الموسومة على خراطيمها!
ولا شك أن هذه المبالغة في مذمة هذا الطاغية العنيد بقيت على وجه الدهر تلازمه وتلاحقه بالخزي والإذلال في حياته، وباللعنات والنكال بعد هلاكه!
[ ٤ / ١٠٦٣ ]
قال القرطبي: (١) وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة، ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه، فألحقه به عارًا لا يفارقه في الدنيا والآخرة!
وهنا نبصر توافقًا في المعنى وموافقة لقول معظم المفسرين .. ومع هذا فهناك كثيرون من أهل الفجور الذين يضيق المقام بذكرهم، قد ذكرهم المفسرون وأصحاب السير! (٢)
٣٧ - منح في ثنايا المحن:
هذا، وقد كانت هذه الفترة من سير الرسالة مشحونة (٣) بشدائد الحق، وفوادح البلاء، وقف فيها الرسول - ﷺ - وحده، يكافح في سبيل دعوته، وتبليغ رسالته، صابرًا محتسبًا، لا يكلّ له عزم، ولا تضعف له إرادة، ولا يملّ ولا يفتر، ولا يهاب مجموع أعدائه على كثرتهم الهائلة، ولا يبالي طغيان قوتهم الفاجرة، ولا يهتمّ بفجور مقاومتهم الطاغية، ولكنه - ﷺ - كان نقاذًا إلى هدفه، لا يكاد يخرج من محنة حتى يدخل في بلاءً أشدّ وأعظم، ولا يلبث أن يودع حادثًا حتى تواجهه أحداث، وقوى الشرّ والجبريّة الطاغية تتابعه أينما حلّ وحيثما توجّه بدعوته، وأصحابه قلة يسومها طغيان الماديّة الوثنيّة سوء العذاب، ويذيقونها شديد الأذى، وهم صابرون محتسبون تأسّيًا برسول الله - ﷺ - في صبره وقوّة عزمه، انتظارًا للفرج من الله في وعده!
_________________
(١) تفسير القرطبي: ١٨: ٢٣٧.
(٢) انظر: محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٥٤ وما بعدها.
(٣) المرجع السابق: ٢٦٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٦٤ ]
٣٨ - إذاعة الإرجاف:
وقد استنفد المشركون معهم كل لون من ألوان العذاب، فلم يصرفهم ذلك عن دينهم وعقيدتهم، كما استنفدوا مع رسول الله - ﷺ - كل عتوّ فاجر، وكل حيلة وتهاون، وكل ترغيب وترهيب، فلم يقعده ذلك عن المضيّ قدمًا في نشر دعوته، وتبليغ رسالته، حتى استيأس الطغاة البغاة العتاة من عزيمته أن تقف دون غايته، فعمدوا إلى تعويق سير الرسالة بنشر الإشاعات الكاذبة، والإرجاف الخبيث، يذيعونه في وفود القبائل العربيّة الوافدة على مكة لحضور الموسم، ولكن الله تعالى كان لهم بالرصاد، فجعل من تدبير شرورهم وإفسادهم خيرًا وإصلاحًا، وعادت الوفود إلى قبائلها وبطونها، وعشائرها في منازلهم ومواطنهم، ومعهم ذكر من رسول الله - ﷺ -، وما يدعو إليه من الخير والهدى، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وإقامة موازين العدل، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده!
وسرى مع ذلك الحديث عناد قريش وطغيانها إلى الآذان في المواسم والمحافل التي تجمع مجموع الخطباء والشعراء والتجار المتحنفين، وتسرّبت إليهم الأنباء عن هدْي رسول الله - ﷺ - وسمته، ومقابلة الأذى بالعفو والصفح الجميل!
وسدّت قريش بطغيانها على نفسها منافذ الإيمان وتقبّل الحق، وعتت عن أمر ربَّها ورسالته، وبغت في الأرض بغير الحق، فلم يبق لديها مسرب للاهتداء، وهنا نقر: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾! (يس).
[ ٤ / ١٠٦٥ ]
ونبصر بيانًا من الله تعالى يعلن على مسامع الدنيا أن هؤلاء الأخباث من طغاة الماديّة الوثنيّة قد طبع الله على قلوبهم، فلن يهتدوا أبدًا، وختم على سمعهم فلن يسمعوا سماع هداية وإرشاد أبدًا، وطمس على أبصارهم فلن يبصروا دلائل عظمة الله ووحدانيّته قائمةَ في مظاهر الطبيعة وآياته الكونيّة، وهي تنادي بلسان حالها قويّةَ قاهرةً، فهم عمي، بكمٌ، صمُّ، لا يرجعون عن غيّهم، وعتوّ كفرهم .. وقد أمر الله تعالى رسوله - ﷺ - أن يعرض عنهم، وأن يتركهم إلى ما أقاموا أنفسهم له، وما وقفوا حياتهم عليه من العكوف على إرادة الدنيا وحطامها لا يريدون غيرها، فهم لا يرغبون في هدى، ولا يريدون حقًا، ولا يرضون أن يسود حياة الناس عدل ولا أن تتداركها رحمة؛ لأن الدنيا وجمعها كانت مبلغ علمهم بالحياة، ومنتهى غايتهم منها، فهم في جهالة جاهلة، ووثنيّة بليدة، وماديّة مظلمة، فقال الله عزّ شأنه لنبيّه - ﷺ -: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ (النجم)، قيل: نزلت في النضر بن الحارث، شيطان الأساطير والخرافات، والوليد بن المغيرة، طاغية السحر المأثور (١)، وهي من باب النماذج الممثلة لصور الشرّ والفساد المركوز في بعض الطبائع البشريّة!
٣٩ - توجيه إلهي:
وكان هذا توجيهًا لرسول الله - ﷺ - إلى الانتقال بدعوته، وتبليغ رسالته، بعيدًا عن عنجهيّة غطارفة قريش، وهم غارقون في وثنيّتهم الفاجرة التي
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي: ١٧: ١٠٥.
[ ٤ / ١٠٦٦ ]
يتاجرون بها العرب من وراء أسوار التنفّج المستكبر، والتعالي العتي بأنهم سدنة البيت الحرام، ومطعمو الحاج، وكان هذا التوجيه نقطة تحوّل في سير الرسالة، انطلقت منه إلى آفاق أرحب من آفاق مكة وقريشها، إلى جوّ أفسح من جوّ الطغيان الفاجر الذي كانت تعيشه قريش في بلدها، فخرج رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه ودعوته على الناس في منازلهم، ويبلغهم رسالة ربهم في مجتمعات مواسمهم وأسواقهم، وقد أصبحوا في ذكر منه - ﷺ -، وذكر من دعوته بما أحدثه طيش ملأ قريش في ترصّدهم لقبائل العرب، يحذّرونهم منه - ﷺ -، ومن سحر كلامه، وفي الناس عقول، وللعقول وزن لما تسمع وما ترى، وقد أبى على كثير من العقلاء كرم إنسانيّتهم أن يلغي عقله، من أجل صيحات حاقدة، تطلقها حناجر بعض الدعاة إلى الشيطان من سفهاء قريش هنا وهناك، يعيبون بها محمدًا - ﷺ -، ويشوّهون بها دعوته، وما جاء به من الهدى والإصلاح، فليسمع العقلاء من محمَّد - ﷺ -، ثم يحكموا .. أما أن يقول الحاقدون من غثاء الماديّة الوثنيّة قولًا، ثم يطلب إلى الناس من غير إعطائهم فرصة النظر الفاحص، والتدبر الباحث، أن يأخذوا هذا القول مقطع الفصل، فهذا ما لا ينبغي للعاقل أن يقبله، وأن يأخذ به نفسه!
وقد كان لهذا التوجيه بالخروج إلى الدعوة إلى مجالها الفسيح، ومواجهة العقول بها مواجهة مباشرة، بعيدةً عن التأثير التقليدي لمواريث الوثنيّة المتحمسة في قريش وملأ طغاتها أثر واسع المدى، عظيم الخطر، وإن كان مختلفًا اختلافًا بعيد الأطراف، ولكنه كان على ما لقي فيه رسول الله - ﷺ - وأصحابه من شدّة ومحن كانت في بعض صورها أشدّ وأعنف مما لقوه من قريش في مكّة -مليئًا بالخير والتقدّم بالدعوة إلى خطواتها القويّة الرصينة التي
[ ٤ / ١٠٦٧ ]
كانت أساسًا لدعائم تكوين المجتمع المسلم، وتحديد خصائصه، وتحصين كيانه، وحماية وجوده! وقد كان هذا التوجيه منفذًا من منافذ سريان الدعوة إلى العقول والقلوب، اتخذ فيه سَيْرُ الرسالة سَمْته إلى تبيث أقدامها راسخةً هادئة، في صبر لا ينفد، وعزائم لا تفتر!
٤٠ - إسلام الطفيل الدوسي:
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - ﷺ -، على ما يرى من قومه، يبذل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش، حين منعه الله منهم، يحذّرونه الناس، ومن قدم عليهم من العرب!
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدّث: أنه قدم مكّة ورسول الله - ﷺ - بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قَدمْتَ بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا، قد أعضل (١) بنا، وقد فرّق جمَاعتنا، وشتّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنّه ولا تسمعن منه شيئًا!
قال: فوالله ما زالوا بي، حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسفًا (٢)، فَرقًا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه!
قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول - ﷺ - قائمٌ يصلّي عند الكعبة،
_________________
(١) أي: اشتد أمره، يقال: أعضل الأمر إذا اشتد ولم يوجد له وجه، ومنه الداء المعضل.
(٢) أي قطنًا.
[ ٤ / ١٠٦٨ ]
قال: فقمت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلامًا حسنًا، قال: فقلت في نفسي وا ثُكْلَ أمّي، والله إني لرجل شاعر ما يخفى عليّ الحسنُ من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته!
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله - ﷺ - إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمَّد، إن قومك قد قالوا لي كذا، وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أذني بكُرْسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولًا حسنًا، فأعرض عليّ أمرك، قال: فعرض عليّ رسول الله - ﷺ - الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولًا قطّ أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبيّ الله، إنّي امرؤٌ مُطاعُ في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإِسلام، فادْع الله أن يجعل لي آيةً تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: "اللهم اجعل له آية" قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيّة (١)، تطلعني على الحاضر (٢)، وقع نورٌ بين عينيَّ مثل الصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع في رأس سوطي، قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنيّة، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم!
قال: فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخًا كبيرًا، قال: فقلت: إليك
_________________
(١) الثنية: الفرجة بين الجبلين.
(٢) الحاضر: القوم النازلون على الماء.
[ ٤ / ١٠٦٩ ]
عني يا أبت، فلستُ منك ولستَ منّي، قال: ولمَ يا بنيّ؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمَّد، قال: أي بنيّ، فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلّمك ما عُلِّمت، قال: فذهب فاغتسل، وطهرّ ثيابه، قال: ثم جاء فعرضت عليه الإِسلام فأسلم، قال: ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عنّي، فلستُ منك ولست منّي، قالت: لم؟ بأبي أنت وأميّ، قال: قلت قد فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمَّد - ﷺ -، قالت: فديني دونك، قال: قلت: فاذهبي إلى حنا ذي الشَّرى -قال ابن هشام: ويقال: حمى ذي الشّرى- فتطهري منه! قَال: وكان ذو الشّرى صَنَمًا لدوس، وكان الحمَى حمَى حَمَوْهُ له، وبه وشل (١) من ماء يهبط من جبل! قال: فقلت بأبِي أنتَ وأمي، أتخشى على الصبيّة من ذي الشّرى شيئًا، قال: قلت: لا، أنا ضامن لذلك، فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإِسلام، فأسلمت! (٢)
ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله! إِن دوسًا عَصَتْ وأبتْ فادْع الله، فقيل: هلكت دوس، قال: "اللهم! اهد دوسًا وائْتِ بهم" (٣).
_________________
(١) الوشل: الماء القليل.
(٢) السيرة النبوية: ابن هشام: ٢: ٢٥ - ٢٨ رواه ابن إسحاق معلقًا، وأبو نعيم: الدلائل: ١: ٢٣٨ - ٢٤٠ من طريق ابن إسحاق، والبيهقي: الدلائل: ٥: ٣٦٥ - ٣٦٣، وابن سعد: ٤: ٢٣٧ - ٢٣٩، وفيه الواقدي!
(٣) البخاري: ٥٦ - الجهاد (٢٩٣٧)، وانظر (٤٢٩٢، ٦٣٩٧)، والأدب المفرد (٦١١)، ورفع اليدين (٨٩)، ومسلم (٢٥٢٤)، وأحمد: ٢: ٢٤٣، ٤٤٨، ٥٠٢، والشافعي: ٢: ١٩٩ - ٢٠٠، والحميدي (١٠٥٠)، والبيهقي: الدلائل: ٥: ٣٥٩، والبغوي (١٣٥٢)، والطبراني: (٨٢١٨، ٨٢١٩، ٨٢٢٠، ٨٢٢١، ٨٢٢٢، ٨٢٢٣، ٨٢٢٤).
[ ٤ / ١٠٧٠ ]
قال ابن إسحاق: قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإِسلام، حتى هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله - ﷺ - بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله - ﷺ - بخيبر، حتى نزلت المدينة، بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحقنا برسول الله - ﷺ - بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين. (١)
٤١ - نور الهداية:
تلك واحدة من الأحداث التي كانت أثرًا من آثار العتوّ الوثنيّ الذي ادّاركه ملأ قريش وطغاتها في موقفهم من النبي - ﷺ - (٢)، وهم يحذّرون الناس منه، فجعلهم الله تعالى وهم راغمون كارهون ألسنة دعاية ونشر لدعوته وتبليغ رسالته، فانقلب عليهم قصدهم، وردّ الله كيدهم في نحورهم! وكان الطفيل الدوسي واحدًا من ألبّاء العرب وعقلائهم الذين لم يرضوا لأنفسهم الذلّة والخنوع لطغيان ملأ قريش؛ إذ تلقفوه في قَدَماته مكّة وهم يعرفونه لبيبًا حكيمًا، ذا مكانة مرموقة في قومه، وكلمة مسموعة فيهم، فخافوا عليه وعلى قومه أن تبلغهم دعوة محمَّد - ﷺ - وهداية رسالته، وأن يسمعوا شيئًا مما ينزّل عليه من كلام ربّه نورًا وهدًى للناس ورحمة للعالمين، وهم أعلم الناس بروعة البيان القرآني، وسحر هدايته، وأثرها في العقول والقلوب، فاستقبلوا الطفيل محذّرين، مخوّفين، مرجفين بالباطل والزور .. ولكن الخداع المضلّل، إذا غَشَّى بصيرة العقل المستبصر لحظة أو لحظات فسرعان ما ينبلج في آفاقه ضوء الحقيقة ونور الهداية .. وبهذا كانت دوسٌ وزعيمها الطفيل كتيبةً من كتائب الإِسلام التي
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن هشام: ٢: ٢٨.
(٢) محمَّد رسول اللهﷺ -: ٢: ٢٧٠، وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٧١ ]
شاركت في هزيمة الماديّة الوثنيّة هزيمة منكرة، ونشرت راية التوحيد، وكسرت قناة الطغيان في ملأ قريش كسرة لم تقم لهم بعدها قائمة .. حيث طهرت البلد الحرام من رجس طغيانهم، وأخرج الله من أصلابهم بطولات الدعوة والهداية والفتح المبين!
٤٢ - مضاء العزيمة:
وهذا نموذج من سياسة الحكمة التي انتهجها رسول الله - ﷺ - في تبليغ رسالته، ونشر دعوته بعزيمة لا تعرف التردّد في الأمور، وصبر يحتمل ما لا تحتمل شمّ الراسيات، أوذي ويؤذى فصبر، ويصبر على أذى السفهاء من غوغاء قريش، وسيم بالبلاء من ملئها فلم تفل له عزيمة، ومضى قدمًا في عزيمة ماضية، وصبر صبور، فكان ذلك من أعظم عوامل نشر الدعوة بين مجتمعات العرب في مواسمهم ومنازلهم، وكان هذا الصبر قوّة تدفع بالدعوة إلى آفاق أوسع وأفسح من آفاق مكة وقريشها، وكأنما كان هذا الصبر المكافح يحمل الدعوة إلى الله في أشدّ أزماتها على أجنحة النصر المؤزر على رغم قوى الشرّ المؤلبة لمقاومتها، وكان هذا الصبر الصبور مددًا من القوة لا ينفد، يمدّ الدعوة بقوّة العزائم التي تنهض بها لتبليغ غايتها من العقول والقلوب في غير عجلة متسرّعة، وكان هذا الصبر الجميل يزيد قريشًا طغيانًا وكفرًا وعتوًّا وعنادًا، ويضاعف من أحقاد ملأ الطغاة وأضغانهم على رسول الله - ﷺ -، وعلى أصحابه، ولكنه كان يزيد في قوة إيمان المؤمنين، ويشجّع رسول الله - ﷺ - على الخروج بدعوته من حصار مكة وأهلها وعشائرها التي تقودها الوثنيّة العمياء بزمام العتوّ والكفور!
[ ٤ / ١٠٧٢ ]
٤٣ - حوار عقول:
وكان رسول الله - ﷺ - يصابر القوم، ويصبر على جفوة الجفاة منهم، ويقدّر المهذّبين منهم قدرهم، ويعرف لهم مكانتهم، ولو لم يجيبوه إلى دعوته تشرّعًا بمكارم الأخلاق!
ومن القبائل التي عرض رسول الله - ﷺ - نفسه عليها، ودعاها إلى الإسلام فأبوا: كندة، وفيهم سيّدهم مليح -أو فليح (١) - وبنو عبد الله بن كلب، وبنو حنيفة، وكان ردّهم عليه قبيحًا، (٢) وبنو عامر بن صعصعة، وقال رجل منهم يُدعى بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب .. أرأيت إن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء" قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك! (٣)
ومحارب بن حصفة، وفزارة، وغسّان، ومرّة، وسليم، وعبس، وبنوا النضر، وبنو البكاء، وعذرة، والحضارمة (٤)، وربيعة، وبنو شيبان الذين كان فيهم وعلى رأسهم: مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، وقد تعلّلوا بحجج، منها الرغبة في التريّث لحين أخذ مشورة -من وراءهم- من قومهم!
_________________
(١) ابن إسحاق بإسناد منقطع: ابن هشام: ٢: ٧٣، والسير والمغازي: ٢٣٢، والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: ٢٤٢.
(٢) السابق.
(٣) السابق، ناقلًا عن: ابن سعد: ١: ٢١٦ - ٢١٧ من حديث الواقدي.
(٤) عيون الأثر: ١: ١٥٣ وما بعدها بتصرف، وانظر: محمَّد رسول الله: ٢: ٢٧٥ وما بعدها.
[ ٤ / ١٠٧٣ ]
وكان - ﷺ - كثيرًا ما يصحبه في لقاءاته وفود العرب في منازلهم من الموسم أبو بكر الصديق، وعليّ بن أبي طالب -﵄!
ففي حديث عبد الله بن عباس عند صاحب عيون الأثر وغيره (١) عن عليّ ابن أبي طالب في خروجهما هو وأبو بكر مع رسول الله - ﷺ - لذلك، قال عليّ: وكان أبو بكر في كل خير مقدّمًا فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله - ﷺ - فقال: بأبي أنت وأمّي، هؤلاء غرر في قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، ومثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالًا ولسانًا، وكانت له غديرتان، وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر - ﵁ -، فقال له أبو بكر - ﵁ -: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على الألف، ولن تغلب الألف من قلّة، فقال أبو بكر: كيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم جد، فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوّكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدّ ما نكون غضبًا حين نلقى، وإنا لأشدّ ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرّة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أو قد بلغكم أنه رسول الله، فها هو ذا، فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله - ﷺ - فقال: "أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّي رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني؛ فإن قريشًا قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد".
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٤ / ١٠٧٤ ]
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام).
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضًا يا أخا قريشٍ؟ فقال رسول الله -ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (النحل).
فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذّبوك، وظاهروا عليك، وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: هذا هانئ بن قبيصة، شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش، وإنّي أرى إن تركنا ديننا، واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا، ليس له أول ولا آخر، زلّة في الرأي، وقلّة؛ نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلّة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدًا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر، وكأنه أحبّ أن يشرك في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى بن حارثة، شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا، واتباعنا دينك، لمجلس جلسته إلينا، ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صَريي (١) اليمامة والسمامة (٢)،
_________________
(١) بفتح الصاد تثنية صَرى، وهو الماء الذي يطول اسنقاعه.
(٢) في محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٧٧ (صيري اليمامة والسماوة).
[ ٤ / ١٠٧٥ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: "ما هذان الصريان؟ " فقال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حديثًا، ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت، هو مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤوبك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما أسأتم في الرد، إذ أفصحتم في الصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاط من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا، حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدّسونه؟ ".
فقال النعمان بن شريك، اللهم لك ذا، فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ (الأحزاب).
ثم نهض رسول الله - ﷺ - فأخذ بيدي، فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن، أيّة أخلاق في الجاهليّة؟ ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتجاوزون فيما بينهم (١)
٤٤ - آيات من العبر:
هذه القصة من غرر أحداث السيرة النبويّة في مرحلة الكفاح الصبور (١)، والصبر المكافح؛ لأنها في إطارها الواقعي تصوّر خطوات من سير الرسالة،
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٧٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٠٧٦ ]
وهي في طريقها إلى الإعلان عن نفسها وأهدافها بين وفود العرب القادمين على مكة لحضور الموسم، بعد أن سبقها ذكرها إلى الناس بما أتته قريش من طيش أحمق، ورعونة بلهاء في ترصدها القادمين أفرادًا وجماعات، تحذّرهم رسول الله - ﷺ - أن يسمعوا منه أو يكلموه، خشية أن يجذبهم حديثه إلى متابعته والإيمان بدعوته، وتصديق رسالته!
وكأنما كان ذلك الطيش الأرعن الذي تورّط فيه ملأ قريش بشؤم مشورة طاغيتهم الوليد بن المغيرة، وشيطانهم اللعين: النضر بن الحارث، وغميز الرجولة، فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام، إيذانًا من الله تعالى أن تنطلق دعوة محمَّد - ﷺ - من حصار قريش، فتطرق أبواب العقول والقلوب، على رغم أنف العتوّ العنيد الذي سيطر على عقليّة ملأ قريش وطغاتها من أحلاس الماديّة الوثنيّة، وقد حاولوا بكل ما يملكون من قوى ماديّة شرّيرة، وفجور دعائي عات عنيد، أن يعوقوا سير الرسالة، ويوقفوا مدّ انسياح الدعوة إلى الله تعالى، وسلكوا في سبيل ذلك كل طريق استطاعوا أن يسلكوه، ولم يتركوا أمرًا تخيّلوه عائقًا يمكن أن يصدّ دعوة محمَّد - ﷺ - ويردّ تيّارها عن زحفه مزمجرًا بقوة الحق وقهره إلا أتَوه وفعلوه! ولكن محمدًا - ﷺ - وقد حمّله الله تعالى مصباح الهداية مضيئًا، ينير له الطريق، ويكشف له مسالك السير برسالته قدمًا، لم يزل دؤوبًا وهو منفرد وحيد، يجول في ميدان الكفاح وحده، في قلّة صابرة محتسبة من أصحابه، آمنوا به وبدعوته على خوف من بطش قومهم وجبروتهم، على نشر دعوته إلى توحيد الله ودينه القويم، يدعو إليه كل من لقيه ويلقاه من الناس في أي مكان وزمان ومجتمع!
ولما استيأس رسول الله - ﷺ - من قومه، بعد أن بذل في سبيل هدايتهم كل
[ ٤ / ١٠٧٧ ]
جهد، فصبر على أذيّتهم، وصابرهم، وحاسنهم، وأغضى على سفاهة سفهائهم، وفجور طغاتهم، خرج -كما عرفنا- ومعه صاحبه وصدّيقه أبو بكر، وربيبه، رضيع ثدي النبوّة، عليّ بن أبي طالب -﵄- يعرض نفسه ودعوته إلى التوحيد والعدل على الناس، ويدعوهم إلى الإيمان به وإلى أن يؤووه، وينصروه على ظلم قريش وافترائها الكذب على الله. وتظاهرها على رسوله وهو قائم بأمر الله، ينشر دعوته، ويبلغ رسالته، فأفكت عليه وكذّبته، واستغنت بالباطل من الكفر الفاجر والوثنيّة الماديّة البليدة الظالمة المظلمة، وطرحت الحق وراءها ظهريًا، ولم ترفع له رأسًا، وأقامت على عتوّها وعنادها تتربّص برسول الله الدوائر، وتمكر به وبأصحابه، وتؤذيهم أبشع الإيذاء -كما أسلفنا- متفنّنة في الإساءة والتعذيب، وهم صابرون محتسبون!
ولقي رسول الله - ﷺ - هؤلاء الغرّ البهاليل من شيبان بن ثعلبة، الذين يصفهم الصدّيق أبو بكر - ﵁ -، وهو أعرف العرب بأنساب العرب وشمائلهم، فيقول وقد التفت إلى رسول الله - ﷺ - بعد أن استخبرهم فانتسبوا له: هؤلاء غرر في قومهم، وهذا التعبير في صدقه ودقته مليء بالصور التي تسترعي الانتباه، فهو لم يقل: غرر قومهم، تحفّظًا أن يوغر صدر من عسى أن يكون في مستواهم أو أرفع قدرًا منهم ولم يشهدهم! وهو بهذا الأسلوب البارع قد أدّى حقّ الروعة البيانيّة التي تفتح قلوب هؤلاء الغرّ الميامين؛ لما يرد عليهم من أحاديث الهداية والحق والعدل، ومكارم الأخلاق، ولا توصد باب النظر دون غيرهم! وكان في المقدمة مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وبدأ أبو بكر فأدار الحديث مع مفروق بن عمرو، لغلبته على القوم جمالًا وبيانًا، وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر، ورسول الله -ﷺ - يصغي
[ ٤ / ١٠٧٨ ]
ويسمع، ولا يتكلم، وقرناء مفروق في زعامة قومهم في تنبّه يقظ يسمعون! وسأل أبو بكر مفروقًا عن عدد قومه، وهو لا يريد بالطبع إحصاءً عدديًّا لهم، ولكنه يريد أن يتعرّف على مصدر القوّة فيهم، وفي حروبهم، ليسمع رسول الله - ﷺ - حتى يعلم علم ما إليه قصد من منعة وحماية ونصرة وإيواء! ومن البداهة أن مصدر القوّة لتحقيق هذا الهدف إنما هم الرجال الأشدّاء، ذوو البأس والقوّة وصدق اللقاء في معمعان الوغي ومواقع النضال!
وأجاب مفروق بأن عدد المنعة والحميّة فيهم يزيد على الألف -ولن يغلب الألف من قلّة- وكان لعدد الألف عند العرب روعة في التزيد به والتكثر، وهذا ما كانت بيئاتهم تقتضيه؛ فهم لم تكن لهم حروب عامة جامعة، وإنما كانت حروبهم جزئيّة محصورة متكافئة الأعداد، وسأل أبو بكر - ﵁ - مفروقًا عن المنعة والحميّة فيهم ليعرف مقدار حرصهم على غيرة الجوار وحماية البيضة وحفظ الذمار، فأجاب مفروق جواب الرجل العاقل الذي لا يستفزّه الغرور الأهوج، ولا يتوثبه الطيش الأرعن، ولا تملكه الكبرياء الحمقاء، فلم يندفع إلى التكذّب والإعاء لما ليس هو بكائن عنده وعند قومه، فقال: علينا أن نبذل ما نستطيع من جهد وصبر، وإذا كان لكل قوم جدّ يدّرعونه في مواقفهم، فلنا جدّنا في جهدنا وصبرنا!
وسأل أبو بكر - ﵁ - مفروقًا عن الحرب بينهم وبين عدوّهم، ليستبين خصيصة قومه في لقائهم عدوّهم، فوصف مفروق قومه وصفًا من أبدع ما يوصف به قوم في ميدان البطولة والشجاعة التي لا تتهوّر، ولا تتقاعس، ولكنها بطولة جدّ ساعة الجدّ، فتربو على أمدها في توجيه رحى الحرب إلى مصافّهم في مصافّ الأبطال، فهم غضاب أشدّ ما يكون الغضب إذا لاقوا عدوّهم،
[ ٤ / ١٠٧٩ ]
والغضب شعلة من النار، وهم أشدّ ما يكونون اندفاعًا إلى اللقاء حين يغضبون، فلا يقوم لهم عدوّ، ولا يهزمون وهم سالمون، وزاد مفروق في وصف قومه وصفًا يعرف به أنهم يحبون الوغي في حومته، وأنهم يستعذبون الاقتحام فيه وتقبيل السيوف عند اللقاء، نشأة عليها نشؤوا وتربية بها تربّوا يحبّون السلاح والجياد أكثر من حبهم أفلاذ الأكباد، وكان مفروق رجلًا عاقلًا رزينًا، لا تستفزه رعونة الزعامة في قومه، ولا يغرّه شرف محتده، بل يعلن أن النصر من عند الله، لا يجلبه قوة ولا شجاعة، ولا تجربة، وهو إلى أصحاب الجهد الصبور أقرب منه إلى أصحاب القوة الرعناء، والله تعالى يداول بين الناس، فيوم لك ويوم عليك، يديلنا مرّة فينصرنا، ويديل علينا مرّة أخرى، فينصر عدوّنا علينا، سنة الله في خلقه!
ثم التفت مفروق إلى أبي بكر، بعد أن أنهى حديثه معه، وقال له: لعلك أخو قريش؟ -يعني رسول الله - ﷺ - ولم يكن مفروق قد سبق له أن عرف رسول الله - ﷺ - قبل هذا المجلس، ولكن مفروقًا بدر أبا بكر بهذا التوقّع لما كان قد بلغه من ذكر رسول الله - ﷺ - وذكر دعوته ورسالته، وهنا تتجلّى براعة أبي بكر - ﵁ - في استرعاء الأنظار إلى التعرف على رسول الله - ﷺ - تعرّفًا يمكّن له في القلوب والأبصار، حتى إذا أجرى الحديث معه جرى في واديه وقصده، إذ يتولاه صاحب دعوته، فقال أبو بكر - ﵁ - ليؤكد هذا التعرّف، ويوجّه الأسماع إلى الهدف الذي كان له هذا اللقاء، فقال: أوقد بلغكم أنه رسول الله؟ فها هو ذا مشيرًا إلى رسول الله - ﷺ -!
فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، وفي هذه الجملة يتجلّى صدق اليقين، وأدب النفس، ورصانة العقل، وامتلاك زمام الأمر؛ لأن أبا بكر - ﵁ - إذ
[ ٤ / ١٠٨٠ ]
قال: أو قد بلغكم أنه رسول الله، كان يتكلم بمنطق الإيمان الذي وقر في قلبه برسالة محمَّد - ﷺ -، أما مفروق بن عمرو إذ قال: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإنما كان يتكلّم بمنطق عقله وأدبه، فهو لم يؤمن على كلام أبي بكر بأنهم بلغهم أن محمدًا رسول الله ولم ينف ما بلغهم من رسالته، ولم يصف رسول الله - ﷺ - بما يخدش ذكره أنه رسول الله، ولكنه قارب الصدق مع نفسه، فقال: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، وهذا لا يدخل مفروقًا في ساحة الإيمان برسالة محمَّد - ﷺ - ولا يخرجه من ساحة صدق الإخبار!
ثم أخذ مفروق في استكشاف حقيقة ما بلغه عن رسول الله - ﷺ - من ذكره أنه رسول الله، أرسله ليدعو الناس إلى توحيده، وخلع الأنداد والشركاء، بعد أن عرف شخص رسول الله - ﷺ -، فقال: إلى أي شيء تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله - ﷺ - ليأخذ بزمام الحوار الذي وصل إلى جوهره وغايته، فقال - ﷺ -:
"أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوونى وتنصروني".
وهذا تصديق وتأكيد لقول مفروق: قد بلغنا أنه يذكر أنه رسول الله، وها هو ذا - ﷺ - يذكر على سمع القوم وبصرهم، بل على سمع الدنيا وبصرها أنه رسول الله، ولكن الظالمين جحدوا رسالته، فكذّبوه، وتظاهروا على أمر الله، واستغنوا بالباطل عن الحق، وهذا هو ما دعا إليه قومه، لم يدعهم إلى شيء غيره، وهو ما دعا إليه الناس جميعًا، هي كلمة إذا قالوها سعدوا وأفلحوا، فهو - ﷺ - لم يطلب بدعوته مالًا وثراء، ولا شرفًا ولا سيادة ولا ملكًا وسلطانًا، ولكن الظالمين تظاهروا على أمرِ الله، فكذّبوا رسوله إذ دعاهم إلى توحيد خالقهم فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (ص).
[ ٤ / ١٠٨١ ]
أيهما العجاب، أمركم الذي تعبدون فيه آلهة شتى، أم أمر محمَّد - ﷺ - الذي يدعوكم إلى عبادة الله الواحد الأحد:
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ (يوسف).
ورسالة الله دعوة إلى الحق، لا تقف إذا نوهضت من أعداء الحق، ولا تستكين إذا حوصرت، بل يجب على الرسول - ﷺ - أن يبحث لرسالته عن أرض خصبة التوبة، ليحرثها بدعوته، ومن الله تعالى الإنباث والزرع:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (الواقعة).
وهكذا كان هذا اللقاء بحثًا عن التربة الخصبة التي تؤوي الرسول - ﷺ -، وتنصر الرسالة، إذا آمنت واهتدت .. وسمع مفروق وصحبه من رسول الله - ﷺ - الأساس الذي قامت عليه دعائم دعوته، وسمعوا الأساس الذي له خرج من بلده، وعن قومه، ليلقى الناس به في منازلهم، ليجد من يؤويه وينصره على من ظلمه وكذبه وتظاهر على أمر الله! ولكن مفروقًا انطلق يسأل ويستكشف ما وراء هذه الدعوة التوحيديّة التي تخلعهم من وثنيّتهم، فقال: وإلى أي شيء تدعو يا أخا قريش؟ فانتقل به رسول الله - ﷺ - بالحديث والحوار، وبمن يسمع من الشاهدين إلى أمر جامع بين دعوة التوحيد، والأمر بعليا الفضائل، ومواطن الإحسان، وإلى النهي عن أصول الرذائل والشرور في المجتمع، فتلا عليه رسول الله - ﷺ - قول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا
[ ٤ / ١٠٨٢ ]
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام)!
وظل مفروق وصحبه على موقفهم مع وثنيتّهم وتقاليدهم الجاهليّة جامدين، لا تهتزّ مشاعرهم، ولا تتحرّك عواطفهم، وانتقل مفروق يستزيد من أمور دعوة رسول الله - ﷺ -، فقال يسأل: وإلى أيّ شيء -أيضًا- تدعو يا أخا قريش؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (النحل)!
وهنا فقط اهتزّت أريحيّة كرم النحيزة في الرجل، وثارت عواطفه، وتحرّك وجدانه، وتأثّرت مشاعره لمعاني الآية الكريمة، وتذوّقًا لمكارمها وآدابها، فقال وهو منفعل بأثر ما مسّ قلبه: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد كذب قوم كذبوك وظاهروا عليك، ولكن هذا الانفعال بمعنى الآية شيء والإيمان بالرسالة شيء آخر؛ لأن الإيمان بالرسالة يعتمد على إسلام الوجه لله تعالى، والإذعان المطلق لأمره ونهيه، والدخول في ساحة طاعته دخولًا لا يخالجه شك، ولا تردّد، ولا يحتاج إلى مشورة أحد، ولا إلى استئذان أحد، وموقف مفروق بن عمرو إلى هنا موقف تكرّم مع نفسه، وأدب خلقي مع حياته، بيد أنه لا يرقى إلى آفاق الإيمان بالله ورسوله، ولذلك التفت إلى صحبه وقرنائه في زعامته، وبدأ بصاحب دينهم وسادن وثنيّتهم: هانئ بن قبيصة، لأن الأمر في هذا الحوار كان أمر دين ودعوة إلى رسالة إلهيّة جاءت إلى الناس بدين جديد، يقتضيهم إذا آمنوا به أن يتركوا دينهم الذي هم عليه، والذي تقلّدوه وراثةً عن آبائهم، فكان لابدّ مشاركة صاحب دينهم في الحوار والحديث، ليعرف رأيه فيما سمع من صاحب الدعوة الجديدة الذي سمعوا أنه
[ ٤ / ١٠٨٣ ]
يذكر عن نفسه أنه رسول الله، وأنهم سمعوا في هذا المجلس دعوة إلى جانب توحيد الله تعالى أنه رسول الله، وها هم أولاء يرون رأي العين والقلب فيه، وفي سمْته، وفيما يدعو إليه جديدًا كل الجدة على ما اعتنقوه من وثنيّة بليدة مظلمة، وعلى ما ألفوه وعرفوه في الناس من أخلاق وشيم، فما عسى أن يكون رأي صاحب دينهم فيما رأى وفيما سمع؟!
فليتكلّم هانئ بن قبيصة شيخ شيبان في سنه، وصاحب دينهم في معرفته وعلمه بتقاليد جاهليّتهم، وشدّة حرصهم على التمسّك بوثنيّتهم، وقد قدّمه مفروق إلى النبي - ﷺ - فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، ولعل مفروق بن عمرو أراد مع ذلك أن يستبين أثر ما جرى من الحوار بينه وبين رسول الله - ﷺ - في أنفس قرنائه في زعامة قومه، ولعله كان يطوي بين جوانحه شيئًا من الرضا بالدعوة الجديدة والدّين الجديد، ولم يكن وهو مغلل بسلاسل الوثنيّة والزعامة يستطيع أن يبوح جهرةً بمكنون سرّه، فأراد أن يعرف ما اختلج في أنفس أصحابه دون أن ينفرد بخلافهم!
وتكلم هانئ بن قبيصة، وكان عاقلًا متأنّيًا، متّزنًا حكيمًا، أحكمته التجارب، فقال: إن تركهم دينهم الذي نهدوا في ظلّه، وشبّوا على تقاليده، وشابوا عليه، إلى دين جديد، مهما يكن شأن ما جاء به من مكارم الأخلاق، ومحاسن العمل، لمجرّد مجلس جلسه إليهم رسول الله - ﷺ -، وعرض عليهم دعوته، وأبان عن شمائلها، وفضائل أصولها، ومحا من آدابها لم تكن له مقدّمات ممهّدات، ولا كانت له نهاية ينتهي إليها، وإنما كان أشبه بمجلس تعارف وتلاق، جمعتهم فيه برسول الله - ﷺ - المصادقة التي لم يكونوا هم يقصدونها، وقد سمعوا عنه وسمع منهم، وقالوا وقيل لهم، وعرفوا منه وعرف منهم، ولم
[ ٤ / ١٠٨٤ ]
يكن ذلك بكاف في نظرهم، لبتِّ الحكم في أمر قد يكون من أخطر أمور حياتهم، وحياة قومهم، يرونه زلة في الرأي، وقلّة نظر في العاقبة، والأمر أكبر من أن يؤخذ بالسرعة، لاحتياجه إلى أناة وتريّث ونظر، تقلّب فيه وجوه الرأي، ويجول في أنحائه العقل جولات توزن فيها الأمور بأشباهها، وتقاس المنافع بالمضارّ، وإنما تكون الزلّة مع العجلة!
ثم بيّن هانئ أن هذا الأمر لعظم خطره لا يعنيهم وحدهم، ولا يخصّهم من بين قومهم، بل هو أمرهم وأمر قومهم من ورائهم، والزعامة العادلة هي التي لا تغتاب على الجمهرة فيما يعنيها من الأحداث في حياتها، ولا تستبد في تقرير مصير من قلّدوهم قلائد زعامتهم! ولعل هانئ بن قبيصة أراد أن يعطي رسول الله - ﷺ - صورة تمثّل زعامتهم لقومهم، ولذلك قال: ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدًا، لم يشهدوه ولم يبدوا فيه رأيًا؛ لأن ذلك من المفاسد الاجتماعيّة التي تشتّت جمع الجماعة، وتفرّق شملها، وتبدّد وحدتها، وتمزّق روابط الزعامة، وتحلّ عقدتها، وكان هانئ -كما كان صاحبه مفروق- وقّافًا مع وثنيّة لم يقارب الإيمان بالدّين الجديد، ولم يشرد منه، وسكت عن (لا)، و(نعم)، ولكنه أخذ لنفسه الحيطة، وأعطى الرسول - ﷺ - النَّصَف في عرف تقاليدهم الجاهليّة، وهو في هذا العرف لا تثريب عليه؛ لأنه رجل ما يزال سابحًا في غمرة زعامته الوثنيّة، فقال: ولكنّا نرجع إلى مستقرّنا بين قومنا، ومستودع أسرارنا في ديارنا، وننظر فيما سمعنا منذ اليوم، وينظر معنا قومنا، ويرجع رسول الله - ﷺ - إلى رأيه في عرض دعوته، وتبليغ رسالته، إلى كل من يلقاه من الناس، أداء لموجبات القيام بحق التبليغ، وينظر فيما سمع منّا، فلعلّ الله يجعل له منا ردْءًا يصدقه، ويجمع
[ ٤ / ١٠٨٥ ]
بيننا وبينه في ظلّ رأي قد غبَّ واستوى، والله من وراء ذلك بحكمته وعلمه وتدبيره!
وتكلّم المثنى -وقادة الحرب من أقلّ الناس كلامًا في غير اختصاصهم- ولذلك أمّن المثنى على كلام هانئ، ولكنه زاد على كلام هانئ ما يخصّه في معرفته تقدير القوة الحربيّة التي يخشونها إذا أجابوا دعوة رسول الله - ﷺ - أن يؤووه وينصروه، وبيّن المثنى أن منازل قومه تقع بين أنهار كسرى ومياه العرب، وأن أنهار كسرى لا سبيل إلى اقتحامها، والاعتداء على حرمتها وكسر حدودها، فلذلك إذا وقع كان ذنبًا لا يغفر، ولا يقبل فيه عذر لمعتذر، وأما مياه العرب فأمرها سهل، وذنبها مغفور، وعذرها مقبول. والقوّة عليها مقدورة، ثم بيّن المثنى السبب في صعوبة أمر أنهار كسرى، وأنها جاءت من قبل الوفاء بالعهد، والمحافظة على زمام العقد، فهم قد نزلوا منازلهم على عهد أخذه عليهم كسرى: ألّا يحدثوا حدثًا، وألًا يؤوا محدثًا، والعرب -كما أسلفنا- من أوفى الأمم بالعهد، وأحفظهم لحرمة عقد، وأبعدهم عن الخيانة والغدر، ثم بيَّن المثنى أن دعوة رسول الله - ﷺ - بما قامت عليه من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة .. وخلع الشرك والوثنيّة بكافة ضروبها، وسائر ألوانهما، وإقامة موازين العدل والمساواة بين أبناء البشر في أرجاء الأرض وأقطارها، أمر يكرهه الملوك، وخاصة الأكاسرة الذين كانوا -كما عرفنا- يستعبدون شعوبهم استعباد عبوديّة، يتألهون بها عليهم، فكسرى كان في قومه معبودًا من دون الله تعالى، وكان ملكه قائمًا على الاستعباد المطلق، والعرب ولا سيما المصاقبون للفرس يعلمون ذلك، ويعلمون شدّة حرص الأكاسرة على ملكهم في صورته الاجتماعيّة القائمة التي خضع لها
[ ٤ / ١٠٨٦ ]
شعبهم، وارتضاها حياةً لهم، حتى أخرجهم الإِسلام من ضيقها إلى سعة عدل الله ورحمته!
وقد حفظ تاريخ الدعوة الإِسلاميّة في عهد رسول الله - ﷺكما سيأتي- صورة من هذا الفجور الاستعبادي، وذلك حينما كتب النبي - ﷺ - إلى كسرى يدعوه إلى الإِسلام فيمن كتب إليهم من ملوك الأرض، فكبر على كسرى أن يقوم لله تعالى قائم من العرب يدعو إلى توحيده، ويأتي بدين جديد، يجعل هذا المستكبر على أسوة مع سائر البشر في المساواة والعدالة، فمزّق كتاب النبي - ﷺ -، وتغضب وثار وانتفخت أوداج الكبرياء فيه، وزمجر، وهدر وأرعد وأزبد، وبلغ النبي - ﷺ - موقفه هذا فدعا عليه أن يمزّق الله ملكه، فمزّق الله ملك كسرى، وصارت فارس ملكًا إسلاميًّا، يحمل راية العالم الإِسلامي والمعرفة الإِسلامية، والدعوة إلى الله تعالى! وسيأتي بيان ذلك .. (١)
هذا، والكلام الذي ذكره المثنى في صدد أنهار كسرى وتهيبهم لها يقصد به في صراحة لا تعرف الالتواء والمواربة، وهي خلق يغلب على القادة الحربيّن، بعد أن مهّد له بوجوب المحافظة على العهد أن قوّتهم لا تستطيع أن تقف أمام قوّة كسرى في جبروته، والعهد الذي بينه وبين جيرانه العرب، يعطيه حق أخذ من تحدّثه نفسه بالاعتداء على أنهاره وما وراءها من أرض كسرويه!، كأن هذا جاء اعتذارًا قدّمه المثنى صاحب شيبان وقائدهم عن عدم إمكان إيواء محمَّد - ﷺ - وحمايته ونصرته على كسرى وقومه فيما يقع على حدود أنهاره وبلاده! أما إذا
_________________
(١) انظر البخاري: ٦٤ - المغازي (٤٤٢٤)، وفتح الباري: ٨: ١٢٧، وشرح المواهب اللدنية: ٣: ٣٤١، والطبري: التاريخ: ٢: ٦٥٥، وابن سعد: ١: ٢٦٠، ومجموعة الوثائق السياسية ٥٣، وسفراء النبي - ﷺ -: ١: ٩٤ وما بعدها.
[ ٤ / ١٠٨٧ ]
كان الأمر خاصًّا بمياه العرب فهم قادرون على حمايته في دائرتها، وهم على أكمل استعداد لإيوائه في ديارهم، وحمايته، ونصرته على من يعاونه من العرب كافة، قريش فمن سواها!
٤٥ - قوّة الإيمان:
وهنا موقف للنبوّة، يمثل عظمتها، ويصوّر قوّة إيمان الرسول - ﷺ - برسالته، التي لا تتوقّف عند حدّ أمّة من الأمم، أو شعب من الشعوب، أو جنس من الأجناس، أو طائفة من البشر، أو نظام من النظم الاجتماعيّة في أي شكل من شكول الحكم، فذلك كله يجب أن يدخل في دائرة رسالة محمَّد - ﷺ -، فيجب أن تكون في سيرها منطلقة في وجوه الأرض تنشر دعوتها مهما كانت العقبات التي تواجهها في طريقها، ومهما تكن قوّة العتوّ والجبروت التي تحاول تعويقها عن أهدافها!
ولهذا لما بيّن المثنى بن حارثة صاحب حرب شيبان أنه لا سبيل إلى القدرة على اقتحام أنهار كسرى، وحماية من يتخطّاها بأيّة دعوة -ولا سيما إذا كانت دعوة يكرهها الملوك، وفي طليعتهم الأكاسرة كدعوة رسول الله - ﷺ -، فإن حماية شيبان إذا رأوه في ديارهم تكون حماية جزئيّة خاصة بمياه العرب- تجلّت عظمة النبوّة، وتعاظم جلال الرسالة، وترجم إيمان الرسول - ﷺ - برسالة نفسه عن قوّته ونفاذ عزيمته، وهذا الإيمان هو المعجزة العملية الخالدة لتبليغ الرسالة بلاغًا كاملًا واضحًا، والسير بها إلى غايتها، لتخرج الناس من ظلمات الجهالة والاستعباد إلى نور العلم وحريّة العقيدة والعمل في الحياة، وقد كان بيان المثنى صريحًا متعقلًا، مقدّرًا للموقف من وجهة نظرهم، فكان صورة صادقة في
[ ٤ / ١٠٨٨ ]
صورته المعبّرة عن صدق القصد، بأنه وقومه لا يستطيعون إيواء رسول الله - ﷺ - وحمايته ونصرته على كسرى، وهو -كما يعلمون- في قوّته الحربيّة الهائلة، لكنهم قادرون على حمايته ونصرته مما يلي مياه العرب، وهذه حماية جزئيّة لا سلطان لها إلا على أضعف جوانب الحماية والنصرة، ودعوة محمَّد - ﷺ - ورسالته دين الله الذي يعمّ أقطار الأرض في شرقها وغربها، ويعمّ جميع الأمم والشعوب والأجناس البشريّة، وممالكهم ودولهم، ويعمّ مقاومة القوى التي تقف في سبيل نشر الدعوة، مهما كانت، وكيفما كانت، ولا يمكن أن تتحقق نصرة دين الله وهو بهذا العموم إلا بحياطة عامّة شاملة. لا تهاب أعظم القوى، ولا ترهب سلطانًا لأحد في الأرض غير سلطان الله تعالى!
ولهذا جاء ردّ رسول الله - ﷺ - على المثنى ردًا جميلًا حازمًا، مقدّرًا للقوم صدق صراحتهم، وهم يعلمون موقفه في وحدته، والتماس الإيواء والنصرة أينما وجد لها سبيلًا، فقد حدّد - ﷺ - في ردّه مهمة من ينبري لنصرة دين الله، وأنها يجب أن تكون عامةً شاملةً قويّةً قاهرةً، لا تهاب قوةً من قوى الأرض والبشر! فالنبي - ﷺ - قدّر للقوم إحسانهم في أسلوب حوارهم معه، وردّهم عليه، وبيّن لهم أن جهدهم الجزئي في نصرة دين الله تعالى لن ينصره في دعوته وتبليغ رسالته؛ لأن دين الله في عمومه وخلوده وقوة سلطانه، وما جاء به من توحيد الله تعالى، وإخلاص العبوديّة له، وطرح عباده المخلوقين كيفما كانوا، لن ينصره نصرًا يحقق له أهدافه إلا من حاطه من جميع جوانبه، لا يترك منه جانبًا مكشوفًا، ولا ثغرةً مهدرة، لا تحرسها قوة قادرة، تملك الدفاع عنها وتردّ اعتداء من يحاول اقتحامها مهما كانت قوته وسلطانه!
[ ٤ / ١٠٨٩ ]
٤٦ - المستقبل للإسلام:
وقد أراد النبي - ﷺ - أن يعالج بحكمته مرض الخوف الذي ملأ صدور زعماء شيبان من كسرى وعتوّه وجبروت قوّته الحربيّة، ويهون عليهم شأن هذه القوة التي يرهبونها، ويخافون سطوتها وبطشها، لينزع من قلوبهم المهابة منهم، فهي قوّة منهارة أمام قوّة الإيمان بعقيدة الحق، بل هي قوّة ينخر فيها سوس الفناء، وستتهاوى أمام قوّة الحق والعدل!
ولعل هؤلاء العرب الذين استضعفوا أنفسهم أمام قوّة الأكاسرة سيكون لهم إسهام في كسر حدّة هذه القوّة الماديّة الباطشة بزمجرتها، الجوفاء في حقيقتها؛ لأنها لا ترتبط بقوّة الإيمان بعقيدة الحق والعدل والإصلاح، وتحرير الإنسانيّة من براثن الاستعباد، وكذلك كل قوّة لا تملك في روحانيّتها هذا الارتباط العلوي محكوم عليها بالتفتت والزوال، وسيرثها الذين يقيمون دعائم قواهم على أسس من الإيمان والحق والعدل والإِسلام!
وقد قرأ رسول الله - ﷺ - في كتاب الكون وسنن الله في حياة المجتمع الإنساني أن قوى الشرّ لا بقاء لها، وقد أراد - ﷺ - أن يرفع هؤلاء القوم الذين أخلدوا إلى الأرض، لا يريحونها على أجنحة الأمل الفسيح، ليعدّهم نفسيًّا ليوم يأتيهم وهم يخوضون معارك الشرف والكرامة مع هؤلاء الأكاسرة باسم الإِسلام والعدل، وأنهم سيكسرونهم ويورثهم الله تعالى أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشهم نساءهم، يستولدونهم جيلًا يجري في عروقهم دمهم من أكرم ناحيتيه، ولا يكون ذلك إلا بقوة الإيمان بعقيدة الحق التي لا تطلب من صاحبها إلا حوْطها بما يحفظها، ويستديم صلتها بالله القويّ الأعلى، مالك
[ ٤ / ١٠٩٠ ]
الملك. الذي يؤتي ملكه من يشاء من عباده، وينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، فسبحانه تقدّس، بنعمه وحمده، لا يطلب من عباده على إنعامه غير تسبيحه وتقديسه، فهل أنتم كذلك؟
وهنا بدر النعمان بن شريك -وكان يصغي ويسمع، ويعي ولا يتكلّم- ورأى أن الحوار بلغ نهايته بهذه البشرى الكريمة، فقال: اللهم لك ذا، وعند ذلك أراد النبي - ﷺ - إنباءهم إعجازًا؛ ليجعل ذلك واقعًا وعدًا من الله، فتلا عليهم ما خصّه الله به من نعوت الحمد والكمال، والمجد والنصر المؤزر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ (الأحزاب).
وقد تحقق ما أخبر به رسول الله - ﷺ -، وفتحت فارس، وكان قائد فتحها الأول قائد شيبان، وصاحب حربها المثنى بن حارثة، وكان أبو بكر الصدّيق في خلافته، تأتيه أخباره في غمرة حياة فارس بغاراته عليها، واقتطاع أرضها، فيعجب به قبل أن يعرفه!
ولما انتهى هذا المجلس إلى غايته نهض رسول الله - ﷺ - طيّب النفس بما سمع ورأى من القوم، ليترك أثر المجلس يعتلج في صدورهم، لعلّهم وعساهم!
وقد أعرب - ﷺ - في أرفع بيان، وأبلغ أسلوب، وأصدق كلام، عن محاسن الأخلاق التي رآها في القوم، وهي من أخلاق العرب في جاهليّتهم، وعن أدبهم الاجتماعي بعضهم مع بعض في حوارهم وإصغائهم وحسن استماعهم لما يجري من الحديث، وفي أسلوب مخاطبتهم له - ﷺ -، وهم لمّا يؤمنوا به بعد، وحسن تناولهم للحديث معه - ﷺ -، وفي صدق صراحتهم، وصراحة
[ ٤ / ١٠٩١ ]
صدقهم، وفي تعقلهم، وتأتيهم للأمور من مداخلها في ريث وأناة، فقال - ﷺ - وهو يشدّ على أيدي صاحبيه: الصدّيق أبي بكر، وعلي بن أبي طالب: أيّة أخلاق كانت للعرب في الجاهلية؟ ما أشرفها .. بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم"!
٤٧ - درس للدعاة:
هذا لون من الأحداث التي عرضت للنبي - ﷺ -، وهو يعرض نفسه على الناس في منازلهم، يدعوهم إلى توحيد الله، ويبلّغهم رسالة الله، وقد اخترنا ونختار منها ما كان له أثر قويّ في دفع سير الرسالة إلى أهدافها أو كان له أثر في بيان صور الكفاح الصبور، الذي درج عليه رسول الله - ﷺ - في أطوار دعوته، ليكون من ذلك نماذج لورثة تبليغ الدعوة من بعده - ﷺ -، يحتذونها، ومُثُلًا يتقلّدونها، أداء لما قلّدوه من وجوب القيام بنشر دين الله في أرجاء العالم!
وسبق أن عرفنا في تلك الساعات الأولى التي أشرقت فيها شمس الرسالة، قول ورقة: (يا ليتني فيها جذعًا، ليتني كون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: "أو مخرجيّ هم؟! " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت بها إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا ).
ونتصوَّر مرّة بعد مرّة صور الإيذاء والتعذيب، والسخرية والاستهزاء -كما سبق- مما يعجز الخيال الشاخص عن تصوّره، تتوالى وتتواكب، تهزّ النفوس هزًّا، ولا يتلقّى الحس ذلك إلا بهول وروع!
ألا إنه لأمرٌ أمرّ من كل أمر!
[ ٤ / ١٠٩٢ ]
ونتصوّر مشقّة الصبر أمام انتعاش الاضطهاد والتعذيب وانتفاخ الباطل وتورّمه .. وإمساك النفس على هذا راضيةً مطمئنّة إلى قدر الله -كما عرفنا- لا تتلفّت ولا تتردّد، يقينًا بوعد الله. وطلبًا لمرضاته، وحنينًا إلى رضوانه .. ترقب رعاية القدرة التي لا أمن إلا في جوارها، والتي لا تقرب المخاوف من حماها!
ومن ثُمَّ أبصرنا استعلاء النفس المطمئنّة على الضرَّاء، فلا تصغر، والسرَّاء فلا تبطر، واللأواء، فلا تجزع ولا تضجر .. حيث تشرئب الأعناق، وتهفو القلوب. وتأنس النفوس، وترفرف الأرواح!
ويطالعنا قول الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (العنكبوت).
ونبصر استفهامًا استنكاريًا لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان ليس لها في الجَنان مكان .. ونبصر الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرّد وإخلاص!
ونبصر الحق أصيلًا في طبيعة الكون، عميقًا في تكوين الوجود .. ونبصر الباطل، لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الحق فيدمغه، ولا بقاء لشيء يقذفه الحق فيدمغه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: ١٨)!
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ (يوسف)!
[ ٤ / ١٠٩٣ ]
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٥]