الفصل الأول: منهج إثبات وحدانية الله تعالى
تمهيد حول مفهوم الدعوة الإسلامية
الفصل الأول: منهج إثبات وحدانية الله تعالى:
تمهيد: حول مفهوم الدعوة الإسلامية
في مجال الحديث عن الدعوة الإسلامية يتحتم تحديد المفهوم من هذا الاصطلاح لكثرة بريق الشعارات والاصطلاحات في العصر الحديث، إن المواجهة للإسلام وإن غيرها، حتى يتميز جانب الدعوة الإسلامية عن كل ما يغايرها، سواء كان ذلك الغير ملتقيا معها أو كان مخالفا لها.
والدعوة الإسلامية في التصور العادي البسيط ليست مبادئ بيئة خاصة، وليست ظاهرة اجتماعية لظروف خاصة.
ولا هي مثل عليا فقط لجماعة مثالية من البشر.
ولا هي دعوة مادية لإيواء المشردين، وإشباع الجائعين، وكساء العرايا، وإنما هي شيء غير ذلك نعالجه في هذه المحاولة مع بعض المشتغلين بها بحثا ومعملا.
"أ" مع فضيلة الشيخ علي محفوظ:
في كتاب "هداية المرشدين" تحت عنوان "مفهوم الدعوة" قال الشيخ رحمه الله تعالى:
"إن الدعوة إلى الله حياة الأديان، وأنه ما قام دين من الأديان ولا انتشر مذهب من المذاهب، ولا ثبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة.
[ ٢٠ ]
وما تداعت أركان ملة بعد قيامها ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها، ولا تلاشت نزعة من النزعات بعد إحكامها إلا بترك الدعوة، فالدعوة حياة كل أمر عام تدعى إليه الأمم والشعوب، سواء أكان الأمر حقا أم باطلا"١.
ففي كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- محاولة لتوضيح بعض مفهوم الدعوة كحركة تنفيذ وتطبيق للمبادئ المنشودة مطلقا، فهي ظلال عامة لجزء من مفهوم الدعوة بإطلاقها العام، وليس في كلامه بيان عن حقيقة التعريف الذي يجلي مفهوم الدعوة الإسلامية كاصطلاح، وكل ما في كلامه توضيح اتجاه حول مفهوم الدعوة بالنسبة لمبدأ ما كحركة حياة له.
وعلى كل حال فإن الشيخ -﵀- قد فتح لنا الطريق وأعطانا إشارة للتفرقة بين الدعوة كحركة بناء لمبدأ ما وبين المبدأ كفكرة تحتاج إلى هذا البناء.
وإذن:
فإن مفهوم الدعوة غير مفهوم الدين، إذ الدعوة كما يذكر النص السالف: "حياة الأديان"، إنها حركة التبليغ لمبدأ ما، حقا كان أو باطلا "والمبادئ لا يقوم صرحها إلا بالدعوة".
فالدعوة بالنسبة للدين أو للمبدأ عملية إبراز لوجوده وتنفيذه في الواقع الحي الملموس.
_________________
(١) ١ هداية المرشدين ص١٤.
[ ٢١ ]
ونمضي مع الشيخ -﵀- فنجده في موضع آخر تحت عنوان "معنى الدعوة" يقول:
"الدعوة من الدعاء إلى الشيء، بمعنى الحث على قصده، ومنه قول الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ١.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ ٢.
ومثلها الدعاية، وفي كتاب هرقل: "أدعوك بدعاية الإسلام"، أي بدعوته وهي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل الملة الكافرة.
وفي العرف:
حث الناس على الخير والهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليفوزوا بسعادة العاجل والآجل٣.
بهذا التعريف حاول فضيلة الشيخ علي محفوظ -رحمه الله تعالى- أن يضع مفهوما لاصطلاح الدعوة الإسلامية بأنها: الحث على الخير والهدى إلخ.
فأعطانا بهذه المحاولة -في أقل تقدير- أن عملية الدعوة ليست هي الدين نفسه بل هي إيجاد الدين كسلوك واقعي محسوس.
وهذا هو الذي يبدو في تصور مفهوم الدعوة الإسلامية.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٣٣ من سورة يوسف. ٢ من الآية رقم ٢٥ من سورة يونس. ٣ المرجع السالف.
[ ٢٢ ]
ب- مع الأستاذ محمد الراوي:
ولهذا، فإن التعريف الذي وضعه الأستاذ محمد الراوي في كتابه، "الدعوة الإسلامية دعوة عالمية" لم يكن دقيقا لأنه خلط بين مفهوم الدعوة ومفهوم الدين وعبارته.
فما هذه الدعوة إذن؟ بعد أن تمت وكملت على يد خاتم النبيين سيدنا محمد -ﷺ- يمكننا أن نقول: إنه دين الله الذي ارتضاه للعالمين تمكينا لخلافتهم، وتيسيرا لضرورتهم، ووفاء بحقوقهم ورعاية لشئونهم، وحماية لوحدتهم، وتكريما لإنسانيتهم وإشاعة للحق والعدل فيما بينهم هي الضوابط الكاملة للسلوك الإنساني وتقرير الحقوق والواجبات١.
فلم يفصل الأستاذ الراوي بين الدعوة كحركة لبناء الدين عمليا، والدين كضوابط للسلوك البشري تنزل بها الوحي الأمين على النبي المعصوم.
ففي الدراسات التي قام بها فضيلة الدكتور محمد عبد الله دراز تحديد لمفهوم الدين ملخصه بأنه:
"جملة النواميس النظرية التي تحدد صفات تلك القوى الإلهية، وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق عبادتها"٢.
وهذا يغاير في دلالته مفهوم الدعوة الإسلامية.
_________________
(١) ١ الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، ص١٢. ٢ الدين، دكتور دراز ص٤٤.
[ ٢٣ ]
فالتعريف الذي ذكره الأستاذ الراوي لم يميز الدعوة الإسلامية عن مفهوم الدين، بل إنه مزجهما وجعلهما شبه مترادفين.
ولعل العذر الذي يلتمس له أن مفهوم الدعوة الإسلامية قد استخدم استخداما سهلا ميسرا في الأسلوب الخطابي أو في التعبير الحماسي.
بالإضافة إلى أن محاولة شرح مفهوم الدعوة الإسلامية ما زالت ميدانا بكرا لما يشرف بالعمل في روضته باحثون.
غير أن المتصدي للعمل الفكري في مجال الدعوة الإسلامية قمين به أن يبدأ بتحرير المراد من هذا الاصطلاح: الدعوة الإسلامية.
[ ٢٤ ]
تحديد المراد من محاولة التعريف:
ومن الخير أن أجلي موقفي من محاولة تحديد مفهوم الدعوة الإسلامية أنه ليس مسلكا تقليديا لما هو معروف عند المشتغلين بالدراسات المنطقية المتأثرين باستخدام الجنس والفصل. إن في حدودهم التامة أو رسومهم في التعاريف الخاصة بأبحاثهم وعلومهم.
ليس ذلك مسلكي، ولن يكون أبدا، فإنه لا يليق بذاتية الدعوة الإسلامية أن يتواضع فكر الباحث فيها وهو تحت ظلالها لتفترض من أفكار غير قرآنية أجناسا وفصولا يصنع به للدعوة الإسلامية حدودا أو رسوما توضح مفهومها.
ذلك لأن القضية من وجهة نظري: أن الاشتغال بالدعوة الإسلامية حتى في جانبها الفكري، ينبغي أن يكون بعيدا عن التبعية لاتجاهات
[ ٢٤ ]
أجنبية غريبة عن بيئة القرآن الكريم، بعيدة عن المنهج النبوي الكريم، ناشزة عن مقياس ومقومات الروح الإسلامية السليمة.
وإنه في رأيي؛ لمن الوهن في العقيدة أن يرجع في أبحاث إسلامية لا سيما في الدعوة الإسلامية إلى كتاب أو مرجع غير دستورها الأصيل الخالد: "القرآن الكريم، والسنة المطهرة". وما منطق اليونان الذي استعمر الفكر الإسلامي منذ تعريبه وشغف الناس به إلا فساد للفكر الإسلامي، قد أفسد علينا كثيرا من قضايا الفقه والأصول، حتى صارت صناعة التعريف أولى من تحصيل الأحكام وتطبيقها وصارت دراية ذلك أساسا لتقويم العالم، وميزانا لكتابته في تلك الفنون.
وما منطق اليونان على شهرته الممتدة إلا عبث، وانحراف عن الطريق السواء.
إن شأنه في ذلك شأن الفلسفة العقلية التي تبحث في الغيب، فتهوى في جهل سحيق.
وأشهر من تولى كبر هذا المنطق إنما هو "أرسطو" الذي يعتبره بعض المؤرخين أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ، وهو أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم في عالم ما وراء الطبيعة، وكان إخفاق عقله هذا فيما يختص بمعرفة الغيب من أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشري الخطاء١.
_________________
(١) ١ المنقذ من الضلال ص٥٨ تحقيق فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود، راجع كذلك ص١٤٥ وما قبلها من كتاب "التفكير الفلسفي في الإسلام".
[ ٢٥ ]
والدعوة الإسلامية مصدرها ما وراء الطبيعة أنها من وحي الله المعصوم إلى نبيه الخاتم المعصوم فهي لهذا أسمى وأجل.
هي بهذا أرفع وأقدس من المنطق البشري الخطاء على أن تلاميذ أرسطو لم يعجبوا بمنطق شيخهم، ويقول الأستاذ "سانت لانا" بعد أن ذكر الاعتراضات على مذهب أرسطو:
"إن ذلك حمل التلامذة من بعد موته على الإياس من الإلهيات، والتفرغ إلى علم الطبيعة وعلم الأخلاق، اختصوا بهما في القرن الثالث قبل الميلاد، حتى لقنوا بالطبيعيين"١.
فكيف يرضينا نحن الشباب المسلم بله الشبب من علماء الأزهر الشريف أن نأخذ من هذا العبث أجناسا وفصولا مخترعة من العقل البشري الناقص الخطاء لتكون تحديدا لمفهوم دعوة ربانية أساسها الوحي المعصوم؟
على أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- لم يرتض هذا المنطق من قبل كآلة الفكر الإسلامي، فيقول:
"وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيدة بمثل تلك البراهين، فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية، فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه"٢.
_________________
(١) ١ المنقذ من الضلال، ص٥٩. ٢ المنقذ من الضلال ص١٠٣.
[ ٢٦ ]
والإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- يرفض المنطق اليوناني كمادة ثقافية للعقلية الإسلامية، فيقول:
"ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسططاليس"١.
والترتيب الذي صنعه أرسطو بالمنطق كان منسجما مع لغة اليونان التي تحتاج في مجال البرهان بألفاظها إلى منسق.
أما العربية ففيها من القواعد، وأساليب الشرط والجزاء وأدوات الترتيب والعطف والبيان والتمييز والأخبار ما يحكم الربط بين أجزائها، يحكم الربط في جرس موسيقي سليم، ويحكم الربط في التئام المعنى مؤديا غايته مثمرا نتائجه في صورة أبهى وأدق وأحكم من مقدمات أرسطو التي قد تكون كاذبة المضمون، والتي لا تفي بذاتها -ولو كانت صادقة- بالمقاصد الدينية على حد ما ذهب إليه الإمام الغزالي:
"أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة".
"لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل"٢.
فهل بعد هذا يلج داعية مسلم بابا من كتب هؤلاء القوم، سواء في مجال التقعيد الثقافي لفكرة الدعوة أو في مجالها التطبيقي؟
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل ص٣٨ وما بعدها. ٢ المنقذ من الضلال ص١٠٣.
[ ٢٧ ]
فلا مفر إذن من الالتزام بالمنطق الإسلامي للحفاظ على ذاتية الدعوة الإسلامية بالعود إلى مصادرها الربانية التي عصمها الله ﵎.
ومن أوليات هذا الالتزام للتجرد من التبعية مطلقا، تجردا من التبعية في:
- الفكر.
- وفي المنهج.
- وفي القصد.
هذا التجرد يجب أن يكون مخلصا وخالصا لوجه الله وفاء لدينه الحنيف وامتثالا لشريعته الغراء.
يروي الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه- بإسناد صحيح عن سيدنا جابر -رضي الله تعالى عنه- أن سيدنا عمر بن الخطاب أتى النبي -ﷺ- بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي -ﷺ- قال: فغضب، وقال:
"أتتهوكون فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني".
ثم يقوم النبي -ﷺ- خطيبا ليحدد معالم التثقيف للفرد المسلم ومصادر تعليمه فيقول:
[ ٢٨ ]
"يا أيها الناس! إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارا وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكون ولا يغرنكم المتهوكون".
ثم أمر -ﷺ- بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا.
وتتكرر الحادثة ويتكرر نصح النبي -ﷺ- فيتضح أن الاستقلال بالدستورية الإسلامية في التفكير والتثقيف أمر واجب.
يروى أن جريرا قال: جاء أناس من المسلمين بكتب كتبوا فيها ما سمعوه من اليهود، فقال النبي -ﷺ: "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم، إلى ما جاء به غيره" ١.
فجعل ﵊ مجرد الميل إلى وحي آخر لنبي آخر يعتبر ضلالة في العرف الإسلامي فكيف بالجنوح إلى خارج دائرة الوحي الإلهي؟ كيف بالجنوح إلى دائرة الفكر البشري؟ كيف بالجنوح إلى منطق أرسطو الذي ما قدر لله حق قدره؟
وتتكرر الحادثة مرة أخرى -ثالثة- ويتكرر معها نصح النبي ﵊ فتتضح شرعية وجوب الاستقلال بالدستورية
_________________
(١) ١ الإسلام والإيمان ص١٨-٢١ راجع مسند الإمام أحمد ج٣ ص٣٨٧ مسند جابر.
[ ٢٩ ]
الإسلامية في التفكير والبحث، فعن الإمام الزهري -﵁- أن حفصة -رضي الله تعالى عنها- جاءت إلى النبي -ﷺ- بكتاب من قصص يوسف في كشف، فجعلت تقرؤه، والنبي -ﷺ- يتلون وجهه، ثم أعاد عليها ما سبق أن قال للآخرين، وهو:
"والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم، وأنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" ١.
ويستقر الأمر على هذا، على أن الذاتية الإسلامية في البحث منهج واجب.
فقد مر الصحابة يوما على جماعة من اليهود، وهم يتلون التوراة، فتخشع المسلمون فعاتبهم رسول الله -ﷺ- وتلا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
"ج" مع الأستاذ البهي الخولي:
ولقد أحسن بهذا المنهاج الأستاذ البهي الخولي فعرف الدعوة الإسلامية تعريفا بعيدا عن دائرة المنطق البشري، ومهد لذلك بقوله: "فما هي الدعوة مجردة عن التعريف الفني والحد الاصطلاحي؟ ".
_________________
(١) ١ المرجع السابق، ورواية الفتح الكبير: "لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" ج٣ ص٤٩. راجع رواية الإمام أحمد ج٣ ص٣٣٨. ٢ الآية رقم ٥١ من سورة العنكبوت.
[ ٣٠ ]
فقد أدرك ببصيرة المسلم أن الدعوة الإسلامية، بتركيبها لا تنسجم ولا ينبغي أن تنسجم مع قيود المنطق واحترازاته فأطلقها من هذا العقال لأنها ربانية في وجهتها ومنهاجها.
إنها ربانية في كل شيء يتصل بها والمنطق الأرسطي بشرى في كل شيء.
ولهذا فقد عرفها الأستاذ البهي الخولي بتعريف خاص بعيد عن قيود المنطق فقال:
"هي نقل الأمة من محيط إلى محيط"١.
ثم يعلل ذلك بقوله:
"ومن ظنها غير ذلك فقد جهل نفسه ورسالته"٢.
إن الذاتية الإسلامية هي الموقف الطبيعي الذي يجب أن يمارسه وأن يلتزمه المسلم العادي بله الداعية ولعل في الحديث الشريف: "رضيت بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبسيدنا محمد -ﷺ- نبيا ورسولا" ٣.
ما يلزم المسلم باتباع هذه الذاتية، اتباعا في التفكير، وفي السلوك، وفي المشاعر، وفي البحث، ويزكي هذا الاتجاه قول الرسول -ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين" ٤.
_________________
(١) ١ تذكرة الدعاء ص٣٠ الأستاذ البهي الخولي. ٢ تذكرة الدعاء ص٣٠، ٣١. ٣ في رواية أبي داود: "من قال إذا أصبح، وإذا أمسى: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد -ﷺ- نبيا ورسولا، إلا كان حقا على الله أن يرضيه". ٤ أخرجه البخاري ومسلم.
[ ٣١ ]
على بدء نعود ظلال على التعريف:
ونعود بعد هذا إلى محاولة تعريف الدعوة الإسلامية مستخدمين الذاتية الإسلامية منهاجا.
الدعوة عملية إحياء لنظام ما لتنتقل الأمة بها من محيط إلى محيط.
والدعوة الإسلامية على هذا حركة إحياء للنظام الإلهي الذي أنزله الله ﷿ على نبيه الخاتم.
هذا النظام الإلهي قد اتخذ له مجرى في الحياة الإنسانية فكان له: تاريخ يحفظ للدعوة منهاجا.
ودعاة حملوها للناس بمنهاجها الفاضل.
وكان لها غايات حققت بها للبشر حياة ربانية.
فاكتمل لهذه الدعوة في الوجود الإنساني بناء دولة قامت على أسس الإسلام فحققت عبودية الإنسان لربه ونشرت العدل والرخاء والبر للبشر عامة، وصانت الأمن النفسي، والاجتماعي، والسياسي، وأكرمت بني الإنسان قاطبة له، لا فرق بين أبيضهم وأسودهم إلا بالتقوى ورعاية حقوق الله وقد انزوى في ظلالها كل لون للتعصب، وأفلس الشيطان وكسدت بضاعته، وبات حظ الماجنين فيها ضعيفا.
[ ٣٢ ]
فانتشر فيها عبير الخلق الفاضل وشاع فيها الخير والتوادد والبر والتعاطف والتراحم والإيثار، فأدى الإنسان وظيفته التي خلقه الله لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وسجدت لله فيها جباه عزت بطاعة ربها، وهدي بها إلى سبيل الحق وطريق الله خلق كثير.
هذه الدعوة في دولتها الإسلامية الأولى هوجمت في صورة الدولة الإسلامية، هوجمت من عناصر التعصب القومي، والتعصب الديني اليهودي، والمسيحي، والتعصب بالخشوع للفكر غير الإسلامي فتصدعت، تصدعت الدولة الأولى وهي في شرخ صباها ورواء فتوتها فتلاشت بهذا التصدع ركيزة العدل وإن بقي للدعوة أصولها إنجازا لوعد الله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
ومن هنا فإن المفهوم الذي نتصوره ونراه لائقا بتاريخ الوجود الإسلامي هو:
أولا:
جانب الدعوة في مبادئ النظام الإلهي الذي بعث بها سيدنا محمد -ﷺ- ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله.
وأساس هذا الجانب في التصور هو: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٥٦ من سورة الذاريات. ٢ الآية رقم ٩ من سورة الحجر.
[ ٣٣ ]
وملخص هذا الجانب: إحياء الإسلام، وبعثه من أصوله الثقافية النظرية إلى سلوك عمل أخلاقي في الحركة والعمل والتعايش الإنساني ومهمة هذا الجانب، عرض الدعوة كفكرة.
وتطبيقها كسلوك.
وتحتاج هذه المهمة إلى منهاج يستخدم في العرض، وتحتاج كذلك إلى غاية تكون مقياسا صحيحا لمجال التطبيق ومداه.
كما تحتاج إلى داعية يتشرف بالاضطلاع بأعباء العمل في سبيل الله.
ثانيا:
جانب الدعوة في لقائها مع الخصوم:
أ- الخصوم التاريخيين: الذين التقوا بها في حروب الصليب وكان من نتائجها:
١- الاستعمار الثقافي.
٢- التبشير المسيحي.
٣- الاستشراق.
٤- الاستعمار العسكري.
٥- الصهيونية العالمية ويهودها.
[ ٣٤ ]
ب- الخصوم الفكريين: الذين يجابهون الدعوة الإسلامية بمناهج ومبادئ عقدية ضالة مثل:
١- الشيوعية وأسرتها.
٢- الوجودية وأخواتها.
٣- المبادئ الوضعية بتمامها: القاديانية، البهائية، البابية، النصيرية إلخ.
هذان الجانبان:
جانب الدعوة في إحياء مبادئ النظام الإلهي.
وجانب الدعوة في مواجهة الخصوم. لهما هدف.
هذا الهدف هو:
تنفيذ الرسالة الإسلامية، وبعث الوجود الإسلامي لتعود الدعوة الأستاذة. دولة الإسلام إلى سيرتها الأولى، تخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربها مرة أخرى، تخرجهم من الحيرة إلى الطمأنينة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الظلم في صورة العدل، إلى العدل في صورة الإحسان ومن الضعف إلى القوة، ومن الذلة إلى العزة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن عبادة الإنسان إلى عبادة الرحمن.
إن الظلال التي ألقيت على التعريف في هذه المحاولة تتلخص في هذه النقاط لتوضيح المراد من اصطلاح: الدعوة الإسلامية:
أ- الحركة التنفيذية للمبادئ الإسلامية القائمة على أساس من القرآن الكريم والسنة المطهرة.
[ ٣٥ ]
هذه الحركة تتخذ لها منهاجا، وغاية، وداعية.
هذا الداعية ينبغي أن يكون ربانيا يرتفع بالعمل فوق كل الآمال والآلام وهذا الدور هو:
دور البناء.
دور العرض والتطبيق.
وهو باختصار: دور المناهج والغايات.
ب- وبعد ما تكتمل للدعوة مقوماتها في دولتها تحتاج ثمارها هذه إلى صيانة ودفاع تجاه محاولات الخصوم والمجابهين.
وهذا هو:
دور الدفاع والمناصرة.
وهو باختصار: دور مجابهة الخصوم.
[ ٣٦ ]
نتيجة المحاولة:
وإذن فمفهوم الدعوة الإسلامية عندما يطلق كاصطلاح يكون تصوره الحركة الإسلامية في جانبيها: النظري والتطبيقي، من حيث هي حركة بناء للدولة الإسلامية.
ومن حيث هي دفاع عن استمرار وجود الدولة الإسلامية.
وتلك رسالة جد شاقة تحتاج مع عون الله ووعده بالنصر إلى طراز خاص من الدعاة في المستوى الفكري والثقافي والسلوكي والأسري، وأقطار الحياة جميعا، من: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٨٢ من سورة الأنعام.
[ ٣٦ ]
الدعوة الإسلامية:
رسم يسحب إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟
بناء على هذه الخطة فقد استبعدنا ما كتبه المستشرقون عن الإسلام والدعوة حتى ولو كانوا مخلصين تمشيا مع طبيعة الدراسة الذاتية الإسلامية إلى أن يحين اللقاء في دور الدفاع لنلتقي بهم إن شاء الله.
_________________
(١) ١ صدر الموضوع في كتاب مستقل عن سلسلة البحوث الإسلامية بعنوان: بشائر النبوة الخاتمة.
[ ٣٧ ]
الكريم، أنه لا يتأتى مطلقا أن يبشر السابقون من الأنبياء بنبوة محمد -ﷺ- ويعلن ذلك المنصفون من أهل الكتاب ثم ندعي تجاهلا أو تعسفا أو استعلاء بالعقل: إن الرسالة الإسلامية فاجأت المجتمع الإنساني.
وقد كان لها عند اليهود قدر عظيم، وعند النصارى قسمات معروفة، وعند الروم علامات، وعند الحبشة دلائل، وفي العرب إجماع بامتياز محمد -ﷺ- خلقيا على جميع أبناء المجتمع قاطبة.
بل لقد هيأه الله جل شأنه لهذه الرسالة، وانتظرها الفطريون من الحنفاء، وأهل الذكر والمعرفة من الباحثين، كما ثبت أن الأحبار والرهبان والملوك والعظماء كانوا يتناقلون هذه الأخبار ويبحثون عن مولد هذا الدين الحنيف، وقد عاد زيد بن عمرو بن نفيل ليلحق به فمات دونه، وأرادها أمية لنفسه فضل لهواه، فثبت كذلك أن الاصطفاء منحة ربانية يهبها الله لمن يشاء من عباده: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ١، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢.
وقد وهبها الله لحبيبه محمد -ﷺ- على تهيؤ بها دون ترقب وإن ظهرت بوادرها له فليست من رياضاته لاكتسابها بل سبقت له علامة من مانحها جل شأنه بعد أن هيأه الله فعشق أنوارها
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٧٥ من سورة الحج. ٢ من الآية رقم ١٢٤ من سورة الأنعام.
[ ٣٩ ]
فهداه إياها١، قال ابن عطاء: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا﴾ أي محبا لمعرفتي فهداك إلى طريق محبتي وسبيل مودتي، قال صاحب الشفاء: والضال هو المحب٢.
قال في المواهب اللدنية:
"ولو علم بالبشارات الحاصلة قبل ولادته وإخبار الكهنة، وبحيرا، وغيرهم بأنه نبي آخر الزمان لكن صانه الله سبحانه عن اعتقاد ما يخالف ما عنده تعالى من أنها لا تنال بطلب"٣.
على أن قضية الاكتساب للنبوة وعلمه أمر حادث ابتدعته دراسات علم الكلام وهو نظريات العقل في غير مجاله الطبيعي وما طلب واحد من السابقين طريق النبوة مع إدراكه لأوصاف النبي الخاتم حتى أمية بن الصلت ما كان يجتهد في العبادة طلبا للنبوة.
وذلك هو طريق الكسب المراد كلاميا بل اجتهد في معرفة انطباق الأوصاف الخاصة بالنبي الخاتم على صفات نفسه فلما علم أنه ليس هو يئس وانجدل في سريره لا ينام ولا يقوم طوال الليل.
وكان محمد -ﷺ- يربى لها وما كان يرجو أن يلقى إليه الكتاب إلا رحمة من ربه فقد أعده ربه فكانت له لا لغيره وكان هو لها لا لغيرها وكان قدرا مقدورا.
_________________
(١) ١ راجع الشفاء شرحيّ: علي القاري ونسيم الرياض ج٤١ ص٢١٣. ٢ الشفاء ج٤ ص٤٨. ٣ المواهب اللدنية ج١ ص٢٢٠.
[ ٤٠ ]
يقول الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي:
"والنبوة هبة الله لا تنال بالكسب لكن حكمة الله وعلمه قاضيان بأن تمنح للمستعد لها والقادر على حملها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ومحمد -ﷺ- أعد لأن يحمل الرسالة للعالم أجمع، أحمره وأسوده، إنسه، وجنه، وأعد لأن يحمل رسالة أكمل دين، ولأن يختم به الأنبياء والرسل وليكون شمس الهداية وحده إلى أن تنفطر السماء، وتنكدر النجوم وتبدل الأرض غير الأرض والسموات١.
يقول شيخنا الإمام العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود حول إعداد الأنبياء للرسالة:
"يصطفيهم فيعدهم إعدادا خاصا قبل ميلادهم، يعدهم في أصلاب أجدادهم وآبائهم فيتخير الله ﷿ لهم الأجداد والآباء".
يقول الإمام البوصيري عن رسول الله -ﷺ:
لم تزل في ضمائر الكون تختا
ولك الأمهات والآباء
ويستمر مولانا في شرح هذه الحقيقة فيقول:
يعد سبحانه أوعيتهم -الجدات والأمهات- خَلْقا وخُلُقا، ويعد سبحانه الرسل بعد ميلادهم، وسطا وبيئة.
يعدهم على عينه ولتصنع على عيني
ويصطنعهم لنفسه واصطنعتك لنفسي
_________________
(١) ١ راجع مقدمة كتاب: حياة محمد لهيكل باشا.
[ ٤١ ]
ويقول -ﷺ- عن كل ذلك فيما رواه الإمام مسلم: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
لقد رسم الله ماضيهم البعيد ورسم حاضرهم الذي عاشوه طفولة فشبابا فكهولة فشيخوخة منذ الأزل١.
فضاع بذلك صلف العقل الكلامي الذي اشتط في بحث الاكتساب في طلب النبوة، وبقي للنبوة مكانها الرباني: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ومناقشة العلاقات بين الأنبياء وربهم في مرحلة الإعداد لهم أو الإيحاء إليهم ليست من حق العقل البشري أيما كان ذكاؤه وعلمه؛ لأنها مرحلة ذاتية بين مقامين دونهما مقام العقل حتى ولو كان في سامق قمم الاتزان والفطنة.
لقد نزل الوحي بالنبوة وكانت ﴿اقْرَأْ﴾ إعلانا واضحا للاصطفاء ورجف فؤاده -ﷺ- بها غبطة٢، فقد تم اللقاء والإقبال وارتاحت سريرته لهذا الاصطفاء وتأهب لهذا العمل الجليل، وهو به جد سعيد، لقد فتر الوحي بعد بدء إعلان النبوة ليتشوق النبي الكريم إلى لقائه، بعد أن تستقر غبطته باصطفائه، وذلك تقدير الله لحياة نبيه ثم تتابع الوحي ونزلت مواصفات العمل النبوي تزكيته:
_________________
(١) ١ راجع الإسلام والعقل ص١٠٥، ١٠٦، دار الكتب الحديثة. ٢ راجع المواهب اللدنية ج١ ص٢٢١.
[ ٤٢ ]
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ١.
فأوجز الله فيها تزيكة لحاله، وأساسا لدعوته.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ استمر على ما أعددناك به من الكمال النفسي الفذ الذي هيأناك به للرسالة.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ استمر على ما أودعناكه من السلوك السامي الذي درجت عليه من الصغر وشرحنا لك به صدرك.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ بلغ دين الله دون النظر إلى متاع دنيوي فقد وجدناك عائلا فأغنيناك.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أساس تبليغ دعوتك هو الصبر على أذى البشر إرضاء لوجه الله، فهل كان ذلك تبليغ مستندا على أسس وقواعد؟
أو كان مستندا فقط على العون الإلهي بالمعجزات؟
نعم، إن كل حركة في الوجود حتى طرفة العين وخلجة النفس تسيرها إرادة الله جل شأنه.
ولكن هل كانت الدعوة الإسلامية في مكة تعمل دون مناهج؟
لقد كانت الدعوة الإسلامية في مكة تعمل في داخل مجتمع بشري له تقاليده وعاداته وأنظمته وتفكيره، فهل واجهت الدعوة الإسلامية هذا المجتمع بقوة المعجزات التي تقهر العقل فقط؟
_________________
(١) ١ الآيات رقم ١-٦ من سورة المدثر.
[ ٤٣ ]
لقد سبقت الدعوة الإسلامية جميع نظريات الإصلاح الاجتماعي في العصر الحديث بما وضعته من مناهج لبناء مجتمع الدعوة الإسلامية.
فقد استخدمت الدعوة:
١- مناهج لإثبات الوحدانية وللعمل مع الجماعة.
٢- ولفن التبليغ ومراحله.
ومعنى هذا أن النبي -ﷺ- لم ينقل دعوة الله ولم يبلغها للناس جزافا ولا اتكالا على عصمته وتأييد الله له فذلك فهم العجزة وهمة القعيد المتواكل ولكنه -ﷺ- نقلها بالأسلوب الفطن الواعي الذي رسم للعمل الإصلاحي في مستقبل الإنسانية كلها قواعد العمل البناء الذي يحترم ظروف جميع الناس ويداوي بالتؤدة والمودة لا بالقسوة والثورة والجبروت، ويود استجابة من صميم القلب لتنساب جوارح الناس استسلاما في تنفيذ أوامر الله وتلك هي مستويات العمل الفاضل لبناء المجتمع الفاضل وذلك ما حققته الدعوة في هذا الدور الجليل.
ويمكن باختصار أن نقول أن الجو الديني قبل الإسلام في الجزيرة العربية ينقسم إلى قسمين رئيسيين:
١- جو منحرف في التوحيد، عنده إسراف بكثرة الآلهة أو منحرف السلوك في العبادة.
[ ٤٤ ]
ويشمل هذا الجو الديانة اليهودية على قلة نفوذها وضعف تأثيرها١، والديانة المسيحية على تعقدها وغموضها وقلة خطرها وضعف جاذبيتها٢ ثم الوثنية بأصنامها ووثنها ونصبها وهي العقيدة العامة الشاملة للشعب العربي.
وهذا الجو فيه إيمان بالله غير أنه إيمان واسع مبذر في معنى إدراكه الألوهية وإيمان منحرف في توجهه بالعبادة إلى الله.
ب- ثم كان هناك جو خافت لبعض الملاحدة الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ وأولئك يمثلون المرض الخبيث وهم حثالة تافهة لا وزن لها في نظر العلم والأخلاق٣.
وقد ذكر في الشفاء أنه على حد هذا المنطق فأولئك القوم لم يكونوا منكرين للخالق، وعبادته.
ولا يلزم من قول بعضهم حيث قالوا:
﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، إن الدهر خالقهم إذ لم يقل به أحد منهم، بل أرادوا به أن طول الزمان ودورة الدوران يقتضي أن يحيا بعضنا ويموت بعضنا فنسبوا بعض الأفعال إلى الدهر٤.
_________________
(١) ١ التاريخ الإسلامي العام دكتور علي إبراهيم حسن ص١٥٧. ٢ حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، عباس العقاد، دار القلم، ط ثالثة، ص٥٢، ٥٣. راجع تاريخ الإسلام، دكتور حسن إبراهيم حسن، سنة ١٩٦١، ص٥٧٤، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج١ ص١، ٢، راجع الشفاء ج٣ ص٢٩٩، ٣٠٠، شرح نسيم الرياض. ٣ الإسلام والإيمان ص٢١٤. ٤ شرح على القاري ج٣ ص٢٩٩.
[ ٤٥ ]
ويرشح لهذا أن هذا الاتجاه لم يرد تصويره في القرآن الكريم كله إلا مرتين في سورة: "المؤمنون" آية رقم ٣٧، وفي سورة الجاثية١ آية رقم ٢٤ وهذا مما يقوي وجهة النظر القائلة بأن هؤلاء حثالة ليس لها قيمة في المجتمع، أو أنه رأي فطري لجماعة تخاف البعث لسوء الحساب، وهم مع عدم إنكارهم الخالق ينكرون البعث.
جاءت الدعوة الإسلامية إذن وهناك جو مسرف في توحيد الله ضل أصحابه طريق العبادة الصحيحة.
وهناك حفنة تافهة وحثالة متعفنة من المنحرفين عن الفطرة، فقدمت الدعوة الإسلامية لهؤلاء جميعا منهجا ليصلوا إلى الحق في التوحيد ولينزهوا الله جل شأنه عن كل ما سواه مما يشركونه مع جلاله ﷾ هذا المنهج صالح للنوع الواحد بكل خطواته، وخطوة منه صالحة لنوع واحد من البشر.
ذلك لأن القرآن يبني الإنسان من جميع نواحيه النفسية والعقلية والخلقية فهو يخاطبه بكل ما يؤسس فيه عوامل الخير:
يخاطبه نفسيا ووجدانيا.
يخاطبه عقليا وذهنيا.
ويخاطبه عاطفيا إن بالترغيب أو بالتهديد٢.
_________________
(١) ١ راجع معجم الألفاظ والأعلام القرآنية للأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم ج٢ ص٢١٤ ط ثانية ١٩٦٩ المعجم المفهرس للمرحوم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ص٢٦٤، ٢٧٨. ٢ راجع حول هذا الحياة الوجدانية والعقيدة الدينية دكتور محمود حب الله ص٢٨٧.
[ ٤٦ ]
لهذا قام المنهج القرآني على أربعة مراحل، قد تصلح كلها لنوع واحد من الناس وقد تصلح مرحلة واحدة منها لنوع وأخرى لنوع آخر.
وهذه المراحل هي:
أولا: تصوير العقيدة العربية قبل الإسلام.
ثانيا: دعوة المعاندين إلى التجرد من المواريث الثقافية التي تبعدهم عن التفكير السليم في التوصل إلى الحقيقة.
ثالثا: دعوة المعاندين للتفكير بالمشاهدة في آثار قدرة الله جل شأنه وتعريفهم طريقة استخدام هذا المنهج.
رابعا: بعث الوجدان الفطري بالترغيب أو بالترهيب.
تلك هي المراحل الأربع التي رسم بها القرآن الكريم المنهج لمعاندي الدعوة الإسلامية في عهدها المكي وبيانها كالآتي:
[ ٤٧ ]
منهج إثبات الوحدانية لله تعالى
مدخل
منهج إثبات الوحدانية لله تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .
لقد انتهت مرحلة الاصطفاء بالرؤيا واختار الله محمدا -ﷺ- رسولا نبيا للعالمين جميعا، ونزل الوحي عيانا، وصدقه المترقبون له، لقد صدقت به بادئ بدء السيدة خديجة ﵂، لم تتوان فقد كانت تعمل لذلك منذ خمسة عشر عاما وتقدر لهذا اليوم قدره فآمنت، وآمن من بعدها ورقة، فقد كان على علم به؛ صفة ومكانا واستبطاء ورقة نزول ﴿اقْرَأْ﴾ وأنشد شعرا طويلا١ ذكره أصحاب السير فتمت بذلك المؤكدات.
إن البعثة المحمدية لم تكن على غفلة من الزمن والأحداث، وأنه لا يتأتى مطلقا أن يقرر القرآن: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٢، ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٤ إلخ.
ونجد من كلام النجاشي وهرقل وبحيرا ونسطورا تأكيدا لمعرفتهم بمعالم النبي الخاتم من كتبهم على نحو ما جاء في آيات القرآن
_________________
(١) ١ راجع السيرة النبوية لابن كثير ج١ ص٣٩٩، ٤٠٠. ٢ من الآية رقم ٦ من سورة الصف. ٣ من الآية رقم ٨٩ من سورة البقرة. ٤ من الآية رقم ١٤٦ من سورة البقرة.
[ ٢٨ ]
أولا: تصوير العقيدة العربية قبل الإسلام
يكاد يتفق الكاتبون على أن عابدي الأصنام أقروا أنهم عبدوها كوسيلة تقربهم إلى الله.
يقول الشاطبي:
"قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وأشباه ذلك، إنما جرى على معتادهم في اتحاد الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق١.
_________________
(١) ١ الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي إبراهيم بن موسى الغرناطي المتوفى سنة ١٩٠هـ، ج٣ ص٣٥١.
[ ٤٧ ]
ويقول فضيلة الشيخ الخضري:
"كانت العرب تعظم هذه التماثيل وهذه الأحجار لا لاعتقاد أنها آلهة إنما لتقربهم إلى الله سبحانه"١.
قال في شرح الشفاء:
"والعرب على جاهليتها -أي على حالتها التي كانت عليها قبل ظهور النبوة من الجهل بأمور الشريعة وأحوال الديانة- أكثرها يعترف بالصانع، بل جميعها كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولذا جاء النبي -ﷺ- بكلمة التوحيد وهو أن يقولوا: لا إله إلا الله"٢.
وإذن فليست الوثنية العربية إلحادا ولكنها طريق منحرف في التعبد.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ج١ ص٥٥، ط ثانية، راجع كذلك الله كتاب في نشأة العقيدة الإلهية ص١٥٩، راجع السيرة النبوية للدكتور أبو شهبة ص٧٢، ٧٣، ماذا خسر العالم للندوي ص٥٣، راجع كتاب الله للعقاد ص٣١. ٢ شرح علي القاري على الشفاء ج٣ ص٢٩٩. ٣ الآية رقم ٣١ من سورة يونس.
[ ٤٨ ]
ويقول جل شأنه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٨٤-٨٩ من سورة "المؤمنون". ٢ الآية رقم ٦١ من سورة العنكبوت. ٣ الآية رقم ٦٣ من سورة العنكبوت.
[ ٤٩ ]
ويقول تعالى جده:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ويقول عز جلاله:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٣.
ويقول ﵎:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٤.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.
هذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب فيما قبل الإسلام وتوحي بأن كان لها أصل من التوحيد ثم وقع فيها انحراف، ولا عجب فالعرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقد
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٥ من سورة لقمان. ٢ من الآية رقم ٣ من سورة الزمر. ٣ الآية رقم ٣٨ من سورة الزمر. ٤ الآية رقم ٩ من سورة الزخرف. ٥ الآية رقم ٨٧ من سورة الزخرف.
[ ٥٠ ]
كانوا فعلا يزعمون أنهم على دين إبراهيم وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس من النسب، ولم يكونوا يحفلون بديانة مسيحية أو يهودية، مما كان لها وجود ما في الجزيرة العربية إعزازا منهم بأنهم على دين إبراهيم، ولو أنهم كانوا غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقليتهم من التناقض فقد اندفعوا في تيار العبادة عاطفيا وجرتهم التقاليد والمعدات إلى هذا اللون من العبادة، ولكنهم إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض ومسخر الشمس والقمر، ومنزل الماء من السحاب ومحيي الأرض بعد موتها يقولون: الله، هو صانع كل هذا ولكنهم ينحرفون في الطريق إليه فيعبدون الأصنام والكواكب والملائكة ويجعلونها شركاء لله في العبادة وإن لم يجعلوها شركاء له في الخلق وذلك هو التناقض الذي شاء هذا المنهج أن يفضحه١، وحاول أن يطهر النفوس منه لأنه ضعف وانحراف عن السبيل السواء، قال ابن كثير في معناها: "يحتج على المشركين باعترافهم بوحداينته وربوبيته على وحدانية إلهيته"٢.
يقول الدكتور سامي النشار وهو يصور تلك المرحلة: "ولكن كان وراء كل هذا غريزة باطنية في أولاد إسماعيل وتشوف نحو شيء من اللامحدود، فيما وراء الوجود.
وجاءتهم المسيحية من الشمال ومن الجنوب ومشيخة العرب من أولاد إسماعيل يهزون رءوسهم ولا يبدون حراكا.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢١ ص١٦ ط ثالثة بيروت. ٢ ابن كثير ج٢ ص٤١٦.
[ ٥١ ]
وأسرعت اليهودية إليهم وهي تحمل التوراة المحرفة، فأنكرها ووقفوا ينظرون إليها بازدراء، بل ولوا ظهورهم لجماعة منهم أعلنوا أنهم الحنفاء على ملة إبراهيم مختتنين متخذين الوحدانية دينا لهم، ولكن مشيخة العرب نأوا في فردوسهم العجيب وفي لياليهم الصافية في قلب الصحراء عن كل هذا.
كان يكفيهم أن يعبدوا الأصنام زلفى إلى الله.
كانوا يتشوقون إلى صوت النبي الأخير رسول الله -ﷺ- من أنفسهم من ولد إسماعيل يتلو عليهم آياته ويزكيهم"١، اهـ.
وإذن فدعوة محمد -ﷺ- إلى توحيد الله ليست بدعا من الأمر فهي تطهير للفكرة التي آمنوا بها وإزالة للأوشاب والشوائب التي رانت عليها وتنزيه لله جل شأنه عما اخترعوه لأنفسهم من نظام تعبدي لا يتفق مع جلال الله وقدسيته.
فمعنا الآن قضيتان:
الأولى: نسبة العرب إلى سيدنا إبراهيم وتفاخرهم بهذا النسب.
الثانية: ادعاؤهم أنهم على دين إبراهيم٢.
ومن هنا فإن القرآن في معالجته لهذه المرحلة من التفكير قد ركز على استخدام سيدنا إبراهيم ﵇ موقف العداء من كل شيء يعبد سوى الله ﷾.
_________________
(١) ١ نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور علي سامي النشار ج١ ص١، ٢، ط رابعة، عام ١٩٦٩م. ٢ في ظلال القرآن ج٢٥ ص٧٣.
[ ٥٢ ]
وقد استفاض القرآن الكريم في إبراز جهاد سيدنا إبراهيم الذي يدعي العرب أنه جدهم وأنهم على دينه ليبين لهم أنهم مشوشو العقيدة مسرفون في الإيمان.
وقد قدم ذلك في ثلاث خطوات وهي:
١- مناقشة سيدنا إبراهيم للتدين في صورة الكواكب.
٢- مناقشة التدين في صورة الأصنام والأوثان.
٣- إعلانه التبرؤ من كل دين يخالف التوحيد الذي جاء به من عند الله ثم جعلها كلمة عاقبة من بعده لجميع أبنائه.
وحسب ارتباطي في هذه المرحلة بالجو المكي فإننا سنعرض موقف سيدنا إبراهيم ﵇ من خلال الآيات والسور المكية التي يتضح فيها منهج سيدنا إبراهيم ﵇ على نحو ما قعدناه سالفا، وتلك السور هي:
١- الأنعام وترتيبها في النزول ٥٥.
٢- مريم وترتيبها في النزول ٤٤.
٣- الأنبياء وترتيبها في النزول ٧٣.
٤- الشعراء وترتيبها في النزول ٤٧.
٥- الصافات وترتيبها في النزول ٥٦.
٦- الزخرف وترتيبها في النزول ٦٣.
ففي سورة الأنعام مناقشة لعبدة الكواكب.
وفي مريم والأنبياء والصافات مناقشة لعبدة الأصنام والأوثان، وفي الشعراء والزخرف نهاية المطاف وحسم الموقف وتقرير الحقيقة.
[ ٥٣ ]
الأولى: سيدنا إبراهيم وعباد الكواكب:
يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
إنه نموذج لاهتداء الفطرة الإنسانية حين تقرأ في صفحة من صفحات الكون المفتوح، وتتعقل آيات الله الكونية بالعين اليقظة، وبالقلب الواعي وبالحس المبصر وبالوجدان المنير فإذا بالمشاهدة المكررة المألوفة تبدو جديدة كأنما لم يألفها الحس، تنطق الفطرة هنا على لسان جد الأنبياء الذي يدعي العرب وجيرانهم النسبة إليه في النسب والدين، تنطق بالتوحيد لله الأحد.
فها هو ذا وقد كشف الله لبصيرته أسرار الكون الكامنة وأظهر له الدلائل الموجبة للهدى والإيمان، يمثل الفطرة السليمة فأنكر الباطل وخلص إلى الحق.
_________________
(١) ١ الآيات رقم ٧٥-٧٩ من سورة الأنعام.
[ ٥٤ ]
وما كانت هذه أول مرة يرى فيها إبراهيم كوكبا، ولا كانت أول مرة يعرف فيها إبراهيم أن قومه يعبدون الكواكب، ولكن الأسرار المكنونة في تلك الليلة قد أراها الله له فنطق الكوكب بما لم ينطق به من قبل فأوحى إلى خاطره أن يكشف عورة هذا الباطل لعل قومه يهتدون، فقال:
هذا ربي؛ فالكوكب في ارتفاعه وإشعاعات نوره أقرب -في عين الساذج- لأن يكون ربا، فلما أفل -وتلك صفة مرتبطة بالعدم- لم يعد ذلك الكوكب في مشاعر الحس إلها فقال: لا أحب الآفلين، إنه يغيب عن هذه الخلائق فمن ذا الذي يرعاها ويدبر أمرها إذا كان ذلك هو الرب وهو يغيب؟ لا، إنه ليس هو، فالرب لا يغيب، ذلك منطق الفطرة البدهي الذي استشعره في وجدانه الصادق سيدنا إبراهيم دون أن يثير قضية منطقية أو فرضا جدليا، إنما هو منطق الوجدان الصادق والفطرة السليمة في يسر ويقين قالها: لا أحب الآفلين، فالفطرة تعرف ربها وتحبه وتعرف أن ربها لا يغيب.
فلما رأى القمر، وهو نوع من التجربة يتكرر ينسكب نوره في الوجود وينفرد وحده في السماء بأنه مصدر النور للأرض في الظلام ولكن ظاهرة الأفول تلحقه فيعلنها إبراهيم ﵇ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين.
لقد انتقلت مشاعره من كراهية الآفلين إلى طلب العون من ربه الذي لا يراه في القمر ولا في سابقه من الكوكب الآفل.
[ ٥٥ ]
إنه في حاجة إلى عون من ربه الحق الذي يجده فطرته ويدركه بوجدانه ووعيه.
فلما رأى الشمس بازغة وهي أكبر من القمر قال: هذا ربي هذا أكبر، فلما لحقها عنصر العدم وأفلت تبرأ من كل كوكب وقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ .
إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها حرارة وشعاعا يراها سيدنا إبراهيم بفطرته هذه المرة ويرقب تحركها فوجدها تغيب فيعلنها: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ .
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
لقد تم الاتصال الطبيعي بين الفطرة الصادقة الخالصة، والإله الحق وغمر نور الحقيقة قلب سيدنا إبراهيم حتى فاض على العقل والوعي والمشاعر فوجد ربه في إدراكه ووعيه كما هو في فطرته، الذي فطر السماوات والأرض، ليس هو الكوكب اللامع، ولا القمر الساطع ولا الشمس الوهاجة إنما هو الله الذي خلق السماوات والأرض وعندئذ فقد حقت الفاصلة الكاملة بينه وبين قومه فتبرأ مما يعبدون وتوجه إلى الدين الحنيف الذي لا ينحرف أبدا إلى شرك فأعلنها في يقين جازم، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا
[ ٥٦ ]
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . فلا تردد ولا حيرة فما أحسته المشاعر وأدركته الفطرة هو الذي ينجلي للعقل مطابقا للحقيقة التي استقرت في الضمير١.
يقول ابن كثير:
"والحق أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، وبين في هذا المقام خطأهم وخلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة.
فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه "الزهرة" لا تصلح للإلهية فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية.
ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم.
ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، قال: يا قومي إن بريء مما تشركون، أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٧ ص٢٨٧-٢٩٢، ط ثالثة بيروت.
[ ٥٧ ]
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه"١.
وسيان كان سيدنا إبراهيم في هذا الموقف ناظرا أو مناظرا وهو الرأي الذي ارتضاه ابن كثير فإن الحجة على العرب قائمة لأن جدهم إبراهيم قد تبرأ من عبادة ما سوى الله الذي توجه إليه بكل أقطاره.
فلئن كان ناظرا فقد توجه بالفطرة السليمة من قبل الرسالة إلى الله الحق وذلك أكثر إلزاما للقوم وأفحم لهم بالطريق الأولى.
لأنهم ينتسبون إلى رجل رفض الكواكب والأصنام بفطرته التي فطره الله عليها قبل أن يكون رسولا.
ولئن كان مناظرا فقد أقحم قومه وحدد معالم عقيدته التي جعلها في عقبه دينا لأبنائه، حنيفا مسلما، وما كان من المشركين، فهم ينتسبون إلى نبي التوحيد، فأية حجة بعد لمن ينتسب إلى هذا النبي الموحد؟ إن بالنسبة أو بالنسب ثم يدعي أن الكواكب أو ما يشابهها ملة له أو دين٢.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٢ ص١٥١، راجع القرآن العظيم لفضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون ص٤٩. ٢ من مراجع هذا البحث تفسير روح المعاني لشهاب الدين السيد محمود الآلوسي ج٧ ص١٧٣، تفسير الطبري ج٧ ص٢٤٢، طبعة ثانية ١٣٧٣هـ ١٩٥٤م الحلبي.
[ ٥٨ ]
الخطوة الثانية: سيدنا إبراهيم وعباد الأصنام
﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ١.
بهذا اللطف في الحديث والأدب الجم في الخطاب يتوجه سيدنا إبراهيم إلى أبيه الذي يحاول أن ينقذه من الضلالة ويهديه إلى الخير الذي هُدي إليه وعلمه الله إياه٢.
وبألفاظ المحبة والنداء الرخي، يا أبت يسأل في حنان الابن البار لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟ فالأصل في عبادة الإنسان أن يتوجه بها إلى من هو أعلم وأقوى وأعظم من الإنسان، فكيف تتوجه بالعبادة إلى صنم أصم أبكم أخرس قعيد لا ينفع ولا يضر فهو في مرتبة أدنى من الحيوان.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٤٢-٤٨ من سورة مريم. ٢ راجع تفسير الآلوسي ج١٦، ص٨٨.
[ ٥٩ ]
ثم يعزز هذه الدعوة المؤدبة بأنه لا يقول هذا من عندياته إنما هو العلم الذي جاءه من عند الله فهداه، وهو وإن كان ابنا، ولكن المدد الإلهي وهبه من الفقه والمعونة والمدد ما جعله يفقه ويعرف الحق، فهو ينصح أقرب الناس إليه، ولا غضاضة في أن يتبع الوالد ولده، ما دام الولد قد جاءه من العلم ما لم يأت الوالد١.
وبهذا كشف سيدنا إبرهيم لأبيه عن حالتين:
الأولى: تفاهة الأصنام وحقارتها عقليا وواقعيا.
الثانية: المصدر الذي يتلقى منه الدعوة ويعتمد عليه في التبليغ، فينتقل إلى الغاية من الدعوة.
إن الطريق الذي يسير فيه والده هو طريق الشيطان وإبراهيم يريد أن يهديه طريق الرحمن.
ولكن اللطف اللطيف في هذه الدعوة لم يصل إلى قلب المشرك العاتي فجابهها بالاستكبار والتهديد ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ .
جهالة قاسية في مقابل قول مؤدب مهذب رقيق حليم ولكن الداعية لم يغضب ولم يرد أن يفقد بره مع أبيه فرد عليه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ فلا مراء ولا جدل ولا أذى ولا رد مني على التهديد ولكن سأتوجه إلى ربي بالدعاء لعله يهديك٢.
_________________
(١) ١ راجع عبارة الآلوسي ج١٦، ص٨٩-٩١ روح المعاني. ٢ راجع ظلال القرآن ج١٦، ص٤٣-٤٤ راجع تفسير الآلوسي ج١٦، ص٨٨-٩١.
[ ٦٠ ]
وبذلك تتحدد خطوات الداعية في التعامل مع الناس دائما، أن يقدم الدعوة بقلب صادق واثق، وأسلوب رفيع مهذب، وأن لا يجابه التحديات بعنف أو بمثيل لها، وأن يتخذ موقفا ذاتيا حازما، ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ليستمر على طريقته التي يدعو الناس إليها.
يقول ابن كثير حول هذا الموقف:
"واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام واذكر لهم ما كان من خبر إبرهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته وقد كان صديقا نبيا مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام.
فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ طريقا مستقيما١.
واستمر سيدنا إبراهيم وفيا يستغفر لأبيه فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه.
لقد تبرأ سيدنا إبراهيم من أبيه ومن قومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ابن كثير ج٣، ص١٢٣، راجع الآلوسي ج١٦، ص٨٩. ٢ الآية رقم ٧٤ من سورة الأنعام.
[ ٦١ ]
هكذا يقولها إبراهيم لأبيه وهو الموصوف في القرآن الكريم ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ سمح لين رضي الخلق ولكن، الأمر هنا أمر حزم وتمييز بين الحق والباطل فهي العقيدة التي تعلو وتسمو فوق روابط الأبوة والبنوة وفوق مشاعر السماحة واللين والحلم، وإبرهيم قد أراده الله أن يكون هو القدوة للمسلمين، لمن بعده جميعا يأتسون به ويأتسون بموقفه فأعلنها: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
وتطوف بنا آيات سورة الأنبياء حول المعركة الصاخبة التي دارت بين سيدنا إبراهيم ﵇ وقومه وهو يحاجهم بالحسنى والقول الواضح ليهديهم السبيل السواء يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
[ ٦٢ ]
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ .
فهو واثق وثوق الذي يشهد على واقع لا شك فيه أبدا أن الله الحق هو رب الناس ورب السموات ورب الأرض، فالأمر من الوضوح والثبات والاستقرار في نفسه ﵇ بلغ حد أنه يشهد على ذلك وهو واثق متأكد، فإن كل ما في الكون ينطق بوحدانية الخالق الأعظم المدبر، وأن كل ما في الكيان الإنساني ليهتف به: أحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا ولد.
فقابل سيدنا إبراهيم شك التائهين في متاهات الشرك بيقين الصادقين المتثبتين من وحدانية الله الفرد الصمد وهو على ذلك من الشاهدين.
وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد فلا بد من موقف إيجابي تجاه هذا الباطل المتمرد فعزم على أن يكيد لهم، وهنا تجيء آيات سورة الصافات لتشرح الحالة النفسية لسيدنا إبراهيم التي جعلته يتخذ هذا الموقف الإيجابي من قومه ومن الأصنام: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ، فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ، مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٨٨-٩٣ من سورة الصافات.
[ ٦٣ ]
كان للقوم عيد يخرجون فيه يومها إلى الحدائق والبساتين بعد أن يضعوا بواكير الثمار بين يدي أصنامهم لتباركها وبعد أن يتنزهوا يعودون إلى الأصنام ليأخذوا طعامهم المبارك١.
فلما كان ذلك اليوم وكان سيدنا إبراهيم قد يئس من استجابتهم للحق الأبلج وأيقن من انحراف فطرتهم وأن إصلاحها صار عسيرا اعتزم أمرا.
فلما دعوه يوم عيدهم إلى الخروج معهم، قلب نظره إلى السماء، وقال لهم: إني سقيم لا طاقة لي بالخروج معكم إلى المتنزهات، فالذي يخرج إليها إنما هو طالب اللذة والمتعة خالي القلب، وقلبي لم يكن في راحة من أمركم ولا يستروح مشاركة الراحة معكم.
﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تصوير لمدى ما بذله معهم من الجهد ليخرجهم من الظلمات إلى النور فأبوا.
﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إنه مخلص صادق في مواجهة قوم بلداء الحس كاذبي الوجدان.
وذهب سيدنا إبراهيم إلى الأصنام والثمار الجنية أمامهم طيبة شهية كما هي لم يأكلوا منها شيئا فقال لهم متهكما مستهزئا: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾؟
_________________
(١) ١ الوثنيون هنا في ماليزيا وخاصة الذين هم من أصل سيلاني ما زالوا ماكثين على هذه الضلالة بنفس هذا الأسلوب الجاهلي القديم الرجعي.
[ ٦٤ ]
ويستمر سيدنا إبراهيم في تهكمه وهو ممتلئ بالغيظ: ما لكم لا تنطقون؟ ولم تجبه الآلهة الكاذبة فراغ عليهم ضربا وتكسيرا يشفي نفسه من السقم والهم والضيق١، لقد جعلهم سيدنا إبراهيم جذاذا إلا كبيرا لهم كما تتلوا علينا آيات سورة الأنبياء.
لقد تحولت الآلهة المعبودة في يوم العيد إلى قطع صغيرة من الحجارة والخشب وتحول المعبد المقدس إلى مخزن لأكوام من الحجارة والأخشاب المهشمة.
وترك سيدنا إبراهيم الصنم الأكبر دون تكسير لعلهم إليه يرجعون. يرجعون إلى الإله الأكبر يسألونه أحد سؤالين أو هما معا:
١- هل أنت الذي ثرت على الآلهة الصغيرة؟
٢- فإن لم تكن أنت فلماذا وأنت الإله الأكبر لم تتحرك لتدافع عن قداسة الآلهة؟ إنك أيها الأكبر مذنب في كلتا الحالتين.
ومجرد الرجوع إلى الصنم الأكبر تبطل فكرة ألوهيتهم؛ لأن العابد يحاكم المعبود والأدنى يحاكم الأعلى وإذن فقد فسدت قضية التقديس المزعومة للأصنام.
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ .
لعلهم يراجعون القضية من أساسها بعد أن تهشمت الأصنام فيعودون إلى صوابهم ورشدهم ويدركون سخف وتهافت وتفاهة عبادتهم للأصنام٢.
_________________
(١) ١ راجع الآلوسي ج١٧، ص٥٧، ٥٨. ٢ في ظلال القرآن ج٢٣، ص٥٩، ٦٠.
[ ٦٥ ]
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ ١.
لقد هدى الله سيدنا إبراهيم إلى التوحيد وعلم جل شأنه أنه أهل لحمل الأمانة وتوصيل الرسالة ودلت على ذلك٢ مقالته لأبيه وقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ فسماها تماثيل ولم يصفها بما يدعون لها من وصف الألوهية.
واستنكر عكوفهم على عبادتها عكوفا وجدانيا قلبيا وهي سخرية بقلوبهم التي تتحرك بحب حجر قعيد أصم ولكنهم كانوا أغبياء لم يعللوا هذا العكوف وتلك المحبة بمنطلق موزون أو علة كريمة بل قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٥١-٧٠ من سورة الأنبياء. ٢ ابن كثير ج٣، ص١٨٢.
[ ٦٦ ]
وهو جواب ينطق بالبلادة وتحجر العقل وعمى القلب وقوقعة نفوسهم في قوالب ميتة من التقاليد، لقد حكموا على أنفسهم بالسجن ورفضوا حرية الإيمان وانطلاق العقل من عقال التقاليد والموروثات المتحجرة وإزاء هذا كان الرد الصارم، قال: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
إن عبادة الآباء لا تكسب هذه التماثيل قيمة، ولا تخلع عليها قداسة هي غير مستحقة لها في الأصل ولا في الفكر ولا في الواقع المشهود، والقيم أيها القوم لا تنبع من تقاليد الآباء الأقدمين وإنما تصدر عن تقويم طليق موزون يحترم العقل وتوافق عليه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكأنما أحس وجدانهم المتبلد بشيء من نور الحقيقة زعزع الفساد الذي انطوت عليه صدورهم فاتجهوا إلى سيدنا إبراهيم.
قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ .
وهو سؤال ينبئ عن عدم اطمئنان وتعطل في الفكر وتبلد في الروح بسبب الوهم الذي تراكم على قلوبهم من تعظيم التقاليد فهم لا يدرون، أحق ما قاله إبراهيم أم لعب؟ وذلك هو التيه الذي يعيش فيه كل من لا يدين بالتوحيد الخالص الناصع ويقبله العقل المستقيم المستنير، ولقد كان إبراهيم كامل العقل والاستنارة فرد عليهم.
[ ٦٧ ]
وعاد القوم ليروا آلهتهم جذاذا إلا كبيرا لهم، وكان ينبغي أن يرجعوا إلى الصنم الأكبر يسألوه، كيف تحطمت هذه الآلهة وأنت لا تزال هكذا؟ أأنت الذي فعلت؟ أم غيرك؟ ولماذا لم تدافع عن حماك وقدسيتك وأخواتك الصغار من الآلهة؟
كان ينبغي أن يسألوا "الكبير" هذا السؤال ويحاسبوه ويحاكموه لفعلته هذه، ولكن الخرافات التي آمنوا بها قد عطلت عقولهم عن التفكير، وسدت التقاليد عليهم منافذ الفكر كله، وأفسدت المواريث القديمة عن الآباء طريق التأويل والتدبر فإذا بهم يتوجهون بالسؤال إلى مجهول: من فعل هذه بآلهتنا؟ ولأن الكفر مصدر الظلم فقد حكموا عليه بأنه: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وكان المجتمع كله هكذا غبيا معطل الحس فاسد العقل أعمى البصيرة وتذكر من تذكر إيعاد سيدنا إبراهيم للأصنام فقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ وهو أسلوب متساوق مع تفاهة متلفظيه فإبراهيم رفيع الشأن على المنزلة.
قالوا: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ .
لقد أرادوا التشهير به وإعلان فعلته على رؤوس الأشهاد، وهكذا كان المجتمع كله في جانب مع الأصنام المهشمة وكان إبراهيم وحده في جانب مع الله الحق.
وسألوه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟
وهو سؤال الغبي العاجز المتعجل فهل الهشيم المتحطم ما زال يحمل اسم الآلهة؟ وهل يسأل بشر مثلهم أنه حطم آلهة عدة؟
[ ٦٨ ]
وهل يسأل بشر مثلهم أنه تمكن من تحطيم هذه الآلهة في حضرة الإله الكبير؟ ويجيب سيدنا إبراهيم ﵇ متهكما:
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ .
وهي إجابة تتفق مع مستوى عقولهم لا كذب فيها ولا افتراء وإنما هي إجابة متهكم يوجههم إلى العبث في وصف أكوام الحجارة والخشب بآلهة، ويريد أن ينبههم إلى أن هذه التماثيل لا تدري من حطمها أهو أنا أم هو هذا الصنم الكبير الذي ما زال باقيا؟
وأنتم كذلك مثل هذه الأصنام لا تدرون هل أنا الذي حطمها أم كبيرهم، فإذا كان الإله هو مصدر المعرفة والحق فاسألوهم هم لا تسألوني أنا.
وكأنما ومضة نور قد سطعت في غياهب ظلمات قلوبهم فتدبروا جواب سيدنا إبراهيم.
فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾، لماذا تحكمون بالظلم على الفاعل قبل أن تتأكدوا منه ومن فعلته؟ ولماذا تظلمون إبراهيم؟ ١
ولكن الظلام الدامس يذيب هذه الومضة في غياهبه المتراكمة فينتكسون.
_________________
(١) ١ راجع الآلوسي ج١٧ ص٦١.
[ ٦٩ ]
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾؟ وإذن فما معنى هذا يا قوم؟ هل تكون الأصنام آلهة؟ يضيق إبراهيم بهم ذرعا ويجيب في عنف:
﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾؟
تلك الأصنام ميتة يابسة صلبة خرساء لا تملك لكم شيئا من نفع ولا من ضرر وقد رأيتموها مهشمة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. ولا تملك أن تقول عندكم كلمة من فعل هذا بها؟ فلماذا؟ تعبدونها من دون الله أليس لكم عقل تفكرون به؟
أف لكم إنها أنة الداعية وقد ضاق صدره، وبخع نفسه على قومه حسرات من أجل أن يهديهم إلى الصراط المستقيم١.
وتلزمهم الحجة ويعجزون عن الرد، فلا يملكون إلا الأسلوب الغوغائي.
قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فما أحقرها من آلهة تعجز عن دفع الضرر عن نفسها وينتصر لها المتحجرون قلبا الأغبياء عقلا من الضالين من بني البشر.
وتتجمع قوى الضلالة وتتحمس جماهير الكفر قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ .
_________________
(١) ١ راجع الآلوسي ج١٧ ص٦٢.
[ ٧٠ ]
ولكن كلمة أخرى قد قيلت من الله العلي العظيم: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ١.
وكانت: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ ٢.
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ ٣.
وإذًا فيستقر في ذهن السامعين لهذه الدعوة حقيقتان:
الأولى: تهافت وتفاهة وعبث عقيدة الأصنام.
الثانية: أن السبب الكامل لا ينتج بنفسه مهما كان عظيما. فقد ألقي إبراهيم في النار وهي على عظمها لم تكن له إلا بردا وسلاما.
فليترقب المخاصمون في مكة إذن تكسيرا لأصنامهم كما تكسرت الأصنام قديما بيمين جدهم إبراهيم وليعلموا ضعف مكرهم تجاه الدعوة وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال٤.
الخطوة الثالثة: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾
وإذن فقد تحدد الموقف:
﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
﴿رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ راجع ظلال القرآن ج١٧ ص٣٧ وما بعدها، ج٢٢ ص٥٩ وما بعدها. ٢ الآية رقم ٩٨ من سورة الصافات. ٣ الآية رقم ٧٠ من سورة الأنبياء. ٤ من مراجع هذا البحث: التفكير الفلسفي في الإسلام لفضيلة الدكتور عبد الحليم محمود ص٧٨، ٨٠. القرآن العظيم لفضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون ص٦٤، ٦٥.
[ ٧١ ]
وهذه الشهادة تأخذ مجرى مستفيضا من سيدنا إبراهيم في توحيده لله تعالى وجعل هذا التوحيد من ورائه تركة لأبنائه من بعده.
يقول الله تعالى في سورة الشعراء:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ١.
إن كفار مكة يزعمون أنهم على دين أبيهم إبراهيم وأنهم من زرعه والقرآن هنا يتلو عليهم نبأ جدهم الذي استنكر عبادة الأوثان من أبيه وقومه.
لقد خالف إبراهيم أباه وقومه في عبادتهم الأصنام وخالفهم في شركهم، وأنكر عليهم ما كانوا عليه من الضلال.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٦٩-٨٢.
[ ٧٢ ]
وناقشهم بالحسنى ليوقظ قلوبهم الغافلة ويستجيش أفئدتهم المتبلدة.
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ .
﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ .
فأقل ما يتوفر في الإله الذي يعبد أن يكون سميعا أو له سمع على أقل تقدير يكون على مستوى من الحياة مثل الذي يعبد، فهل تسمع أصنامكم؟
ويعترفون بأن أصنامهم صماء، ويتعللون بأنهم وجدوا آباءهم كذلك يعبدون.
يقول الآلوسي:
فكأنهم قالوا: لا يسمعون ولا ينفعوننا ولا يضرون وإنما وجدنا آباءنا يفعلون مثل فعلنا ويعبدونهم مثل عبادتنا فاقتدينا بهم١.
فهم إذًا لا يملكون حجة وجوابهم مخجل، قالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فهو الإشراك في كل زمن في مكة أو فيما قبلها لا يملكون جوابا حريا بالاحترام، ولا يخجلون من كشف عورة عقولهم وتعفنها بارتباطها بما فعل الأولون المنحرفون على غير هدى أو بصيرة.
وأمام هذا التحجر العقلي والخيبة النفسية التي لا يرجى إصلاحها لم يسع سيدنا إبراهيم إلا أن يعلن في حزم:
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ تفسير روح المعاني ج١٩ ص٨٥.
[ ٧٣ ]
فلا مجاملة في العقيدة ولا ضعف أمام المجتمع المنحرف.
وهكذا يعلم القرآن الإنسانية في هذا الفجر السحيق أن الآصرة الباقية المحترمة هي آصرة العقيدة وأن القيمة الأولى في موازين العلاقات الإنسانية هي قيمة الإيمان.
فأعلن إبراهيم استنكاره لما يفعله أبوه وقومه بل وما يفعله آباؤهم الأقدمون، أن كل شرك هو عدو لإبراهيم ويجاهر ﵇ بهذه العداوة لآلهتهم وعقيدتهم هم وآباؤهم الأقدمون.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ فقد كان في الآباء الأقدمين بعض آمن بالله فاستثنى لذلك احتياطا حتى لا ينسحب الحكم على كل ما عبد الأولون المؤمنون الموحدون، ثم هو تحديد للربوبية التي تعهد أنها خاصة برب العالمين ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، ويأخذ سيدنا إبراهيم في وصف هذا الرب الذي يدبر الأمر كله وهو موئل كل حجة وإليه المرجع والمصير في كل شيء.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، هو أعلم بي وبتكويني ومشاعري وحالي ومآلي فهو إذن الذي يهبني الهداية إلى الدين القويم وإلى المنهاج الذي ينبغي أن أسير عليه ليس الآباء الأقدمون هم الذين يهبوننا طريقة التدين أو الصراط السواء.
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، فهو الكفيل الحاني الرءوف الودود البر الرحيم يهب وسائل الحياة كلها.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، إذا لحقني مرض فإنما الشفاء من عنده هو وذلك نموذج لإعلان مفهوم الاعتقاد، فقد نسب إلى الله
[ ٧٤ ]
تعالى كل شيء هو في مقام الأنعام والأفضال. "يطعمني، ويسقيني، ويشفيني".
وتأدب مع ربه فنسب المرض إلى نفسه. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ذلك هو أمر إبراهيم جد العرب الذي يفتخرون بالنسب إليه ويدعون زورا أنهم على ملته.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، فالله الحق هو الذي يملك الموت والحياة وهذا أصل من أصول العقيدة وهو الإيمان بالبعث.
كذلك عرف إبراهيم ربه حق المعرفة وما كان يطمع إلا في:
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .
إنه الشعور بالربوبية وإدراك جلالتها وسلطانها وأية خطيئة لإبراهيم؟
ولكنه لا يبرئ نفسه لأنه في مقام دون مقام الربوبية وإن كان نبيا معصوما.
إنه للأدب والحياء الذي تحلى به إبراهيم وهو شعور التقوى وشعور التحرج وشعور التقدير لنعمة الله تعالى وإدراك أن عمل العبد ضئيل جدا إذا قوبل بإنعام الله وإفضاله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ .
وهكذا يجمع سيدنا إبراهيم عناصر العقيدة الصحيحة:
توحيد الله رب العالمين.
[ ٧٥ ]
الإقرار بتصريفه لشئون البشر.
البعث والحساب بعد الموت١.
فضل الله وتقصير العبد مهما كان أوابا.
وتلك هي محط النزاع بين المكيين ورسول الله محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
قال ابن كثير في تفسيرها:
هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵇ إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمدا -ﷺ- أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له والتبرؤ من الشرك وأهله٢، وجعلها سيدنا إبراهيم كلمة باقية في عقبه.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٩ ص٩١-٩٣. ٢ ابن كثير ج٣ ص٣٣٧ راجع روح المعاني للآلوسي ج١٩ ص٨٤، ٨٥. ٣ الآيات من رقم ٢٦-٢٨ من سورة الزخرف.
[ ٧٦ ]
تقول قريش: المعاندة للتوحيد الذي جاء به محمد -ﷺ- إنها من ذرية إبراهيم وفي خطبة أبي طالب: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد١.
فهذه النسبة حق.
وتدعي قريش أنها على ملة إبراهيم وهذا ما ليس بحق فقد أعلن إبراهيم كلمة التوحيد قوية واضحة لا لبس فيها ولا غموض، ومن أجلها هجر أباه وقومه، وأعلن عدوانه لكل شرك، ووصى بنيه من بعده أن يقولوا: لا إله إلا الله صافية بريئة من شبه الشرك.
وإذن فدعوة التوحيد التي ينكرها المجتمع المكي هي دعوة أبيهم إبراهيم٢.
فلئن كانوا مستمسكين بما كان يعبده آباؤهم فها هو ذا أبوهم إبراهيم الذي يفتخرون بالنسب إليه نبي موحد خالص في التوحيد وقد جعل التوحيد من بعده تركة لأبنائه.
يقول الآلوسي:
"والكلام تمهيد لما أهْلُ مكة فيه من العناد والحسد والإباء عن تدبر الآيات وأنهم لو قلدوا آباءهم لكان الأولى أن يقلدوا أباهم الأفضل الأعلم الذين هم يفتخرون بالانتماء إليه وهو إبراهيم عليه السلام٣،
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ج١ ص٢٠١ ط أولى عام ١٣٢٥هـ. ٢ راجع في ظلال القرآن ج٢٥ ص٧٣، ٧٤، تفسير ابن كثير ج٤ ص١٢٦. ٣ راجع روح المعاني ج٢٥ ص٧٠.
[ ٧٧ ]
لعلهم يرجعون إلى "لا إله إلا الله" فليتزموا بها كما التزم بها أبوهم إبراهيم وبعث بها إليهم محمد الأمين.
وبذلك وضحت عقيدة إبراهيم ولزمت الحجة للمعادنين وكان ذلك سبيل القرآن في معالجة هذه القضية؛ لأنها سوف تكون المنهاج الدائم مع اليهود في مستقبل الدعوة، إذ هم يدعون أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، وهم كذلك ينتمون إلى أصل إبراهيم، فإذا ما ثبت في مكة أن أصول عقيدة إبراهيم هي التوحيد الخالص كان ذلك حجة على الآخرين مستقبلا ممن يدعون أنهم من ذرية سيدنا إبراهيم، ثم لا يسلمون.
فقد كان إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين فهو منهاج يقرر في مكة ليكون في المدينة أمرا ثابتا لا يحتاج إلى مناقشة أو تدليل.
[ ٧٨ ]
ثانيا: دعوة المعاندين إلى التجرد من المواريث الثقافية التي تبعدهم عن التفكير السليم في التوصل إلى الحقيقة
رد العرب أيديهم في أفواههم ورفضوا دعوة التوحيد متعللين بأنهم وجدوا آباءهم على أمة وأنهم على آثارهم مهتدون، وقد ناقش القرآن الكريم في العهد المكي هذه القضية، وعلى طريقة المنهج القرآني في معالجة القضايا، فقد تصدى إليها، واستوى مناقشا من الجذر الأساسي.
فلم يكن العرب وحدهم هم الذين اخترعوا هذه التعلة: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، بل هي تعلة رددها الذين استحبوا العمى على الهدى، من قبل.
[ ٧٨ ]
لقد قالها قوم نوح:
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
فقد رفض قوم نوح الإيمان بنبوته؛ لأنه لم يأتهم خبر من أسلافهم أن النبوة تكون لواحد من البشر.
وهكذا يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب فلا يهتدي الناس لما بين أيديهم من الحق الواضح لأنهم ما زالوا متشبثين بركام الماضي وأوهامه.
ومن المؤسف أن القرآن يدعوهم إلى التحرر من هذا السجن، ويعلمهم ألا يحيلوا أعذارهم على آباءهم وأجدادهم، بل إن القرآن لينعي على هؤلاء أن أعفوا أنفسهم من مؤنة التفكير والعقل؛ لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم عقيدة لا عقل فيها ولا شفاء للصدور٢.
ويا ليت هؤلاء يدركون أنهم جامدون متحجرون، إنما هم يتهمون دعاة التحرر والانطلاق بالجنون أو بالسحر إلخ.
ولما أصر هود على معالجتهم بكل وسيلة أيأسوه وقالوا له:
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ وتعللوا لهذه السخافة٣:
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٤ من سورة المؤمنون. ٢ راجع في ظلال القرآن ج١٨ ص٢٥، التفكير فريضة للمرحوم العقاد ص٢٦، التفكير الفلسفي في الإسلام ص٥٤. ٣ راجع ابن كثير ج٣ ص٣٤٢.
[ ٧٩ ]
وإذن فمثل هؤلاء الجامدين لا يستحقون الحياة ولا العيش فجاءهم نصيبهم:
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
لقد انتهى أمرهم في كلمتين: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ وطوي قوم عاد الجبارون، وطويت مصانعهم، وطوي معهم ما كانوا فيه من نعيم، وما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون١.
وقالها من بعدهم قوم إبراهيم.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٢.
فلم يكن لهم جواب ولا حجة سوى أنها صنيع آبائهم صنعة الضلال والغي، ويتكرر السؤال:
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ٣.
فلم يكن لهم جواب غير:
﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٩ ص١٠٤. ٢ الآيتان رقم ٥٢، ٥٣ من سورة الأنبياء. ٣ الآيتان ٧٢، ٧٣ من سورة الشعراء. ٤ الآية رقم ٧٤ من سورة الشعراء.
[ ٨٠ ]
لم تكن لديهم حجة غير أن يكشفوا عن التحجر الذي يصيب المقلدين بلا وعي ولا تفكير١.
إن الإسلام يرفض أن يستخدم الإنسان التعلة بالتبعية لما كان عليه الآباء في مقابل احترام العقل الذي وهبه الله ليكرم الإنسان به نفسه.
وليقوم به الأشياء بقيمها الحقيقة والإيمان بالله هو أسمى الغايات التي يسعى إليها المرء وهم يعترفون بوجود الله إذا ما سئلوا لكن تحجبهم عن حقيقة الإيمان به سلطة العادات وجبرية التقاليد، وفي مقابل هذا يأمر الإسلام الفرد أن يستقل بمستواه العقلي عن الاستبداد الاجتماعي الموروث في التقاليد والعادات، فليس الإنسان تركة تورث وإنما هو إرادة تعمل ولن تبلغ إرادة الإنسان به مستوى التكريم إلا إذا آمنت بالله إيمانا خالصا من شوائب العادات، والتقاليد وجبرية مواريث الآباء والأجداد.
لقد قالوا لسيدنا إبراهيم:
﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ .
نفس المرض الاجتماعي والتعلة الفاسدة التي تعلل بها من قبل قوم نوح وهود ومنذ الزمن السحيق وهذه العلة مرفوضة لأنها قيد وهمي وكابوس خرافي على العقل الممنوح من الله للإنسان ليفكر به ويستقبل به ما يوحيه الله إلى الأنبياء من أجل هدايته.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٩ ص٩١.
[ ٨١ ]
وبعدما تصل المسألة إلى العرب المعاصرين لبدء الوحي فإن القرآن يحاول أن يخلع هذه العادة من جذورها الغائرة في أعماق النفس فيلومهم على ما كانوا يفعلونه قديما من حقوق ابتدعوها على مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله، وأقاموا هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زاعمين أنها تركة من عند آبائهم حللها إليهم الله١، عندئذ يكذبهم الله ويلغي هذه التبعية الباطلة كما جاء في سورة الأعراف:
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وتمضي الآيات المكية تحطم هذا البيت العنكبوتي الذي طمس البصر، وضلل العقل فتنفي آيات سورة لقمان تعللهم بمسلك آبائهم:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣.
إن هذا الموقف استجابة لدعوة إبليسية شيطانية مصيرها العذاب فهل هم سائرون في الطريق وراء آبائهم حتى جهنم؟ إنها لمسة مخيفة
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٨ ص١٥٧. ٢ الآية رقم ٢٨ من سورة الأعراف. ٣ الآية رقم ٢١ من سورة لقمان.
[ ٨٢ ]
مزعجة موقظة منبهة تعيد الرشد إلى فاقد الوعي، ولكن لمن ألقى السمع وهو شهيد١.
وتطيل آيات الزخرف مع القوم مناقشة هذ التحجر البليد:
بل قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
قال ابن كثير في تفسيرها:
ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة.
ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقتهم إليها أشباههم ونظائرهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل تشابهت قلوبهم٣.
فالقرآن في سورة الزخرف يربط مقالتهم بالمقالات السابقة من الأمم التي أهلكها الله بسبب هذا التحجر المتبلد:
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٤.
فيجلى طبيعة المعارضين عن الهدى إنها طبيعة واحدة تستخدم أسلوبها واحدا ليس هناك حجة لأنهم سدوا منافذ العقل، وألغوا وظيفة.
_________________
(١) ١ راجع حول هذا في ظلال القرآن ج٢١ ص٧٩. ٢ من الآية رقم ٢٢ من سورة الزخرف. ٣ ابن كثير ج٤ ص١٢٦. ٤ الآية رقم ٢٣ من سورة الزخرف.
[ ٨٣ ]
الفكر، وارتبطوا في حبال بالية واهية قائمة حتى ولو جاءهم بما هو أهدى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١.
فهي عقول طمس عليها وقلوب سدت منافذها.
والقرآن يحاون أن يكشف عنها الغطاء ويقطع حبال التبعية الإبليسية فيعقب على مواقف السالفين دائما بعقاب صارخ صارم: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢.
﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ .
إنها مقالة الذين يريدون علوا في الأرض وفسادا ولا يحبون الخير والهدى للناس لقد قالها المتعجرفون من آل فرعون وأذنابه إلى سيدنا موسى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
ولهذا فإن القرآن يجاهد في هذه المرحلة ليخلع معاندو الدعوة أغشية العمى وأتمال التقاليد وصدأ المواريث الثقافية التي حملوها أثقالا ثقالا من الآباء والأجداد الذين لا يعقلون، وتلك خطوة رئيسية
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٤ من سورة الزخرف. ٢ الآية رقم ٢٥ من سورة الزخرف. ٣ الآية رقم ٧٨ من سورة يونس.
[ ٨٤ ]
يحاولها القرآن بعد أن أوضح لهم ملة جدهم إبراهيم الذي يدعون النسبة إليه في النسب والتدين، حتى إذا ما انتهى دور التخلية وتجرد المعاندون من الهوى الموروث وتخلصوا من جبرية العادات وتحرروا من عبودية التقاليد صح لهم أن يرجعوا إلى أنفسهم ويشاهدوا دلائل التوحيد والتنزيه.
ولذلك يأخذ القرآن الكريم في تصوير عواقب هذه التبعية لكل الذين يتعللون بما وجدوا عليه آباءهم:
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ، إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ، وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
إنهم أصحاب عراقة في الضلالة؛ ضلالة التقليد والطاعة العمياء بلا دليل ولا تفكير ولا روية.
فذلك مآبهم مزيج من حميم وغساق يشربونه مع الزقوم جزاء اتباعهم لما وجدوا عليه آباءهم من الضلالة دون تفكير أو برهان، فهم على آثار آبائهم يهرولون وهم سفهاء ملعونون٢.
يقول شيخنا فضيلة الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، ولكن العرب قابلوها بصراع فاتخذت الدعوة الإسلامية من أجل هدايتهم أحكم الوسائل.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٦٧-٧١ من سورة الصافات. ٢ راجع ابن كثير ج٤ ص١١ في ظلال القرآن ج٢٣ ص٥٧.
[ ٨٥ ]
نبهتهم إلى أنه ليس من المنطق أن يكون الإلف، وأن تكون العادة، أو العرف مقاسا للحق، فليس من المنطق إذا قيل لهم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أن يقولوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ .
لأنه من الجائز أن يكون آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.
وليس من المنطق أن يقولوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ .
ثم أضاف الإسلام إلى ذلك تقدير المسئولية الفردية ليجتث بذلك كل محاولة من الفرد لإلقاء التبعة على الجماعة أو على البيئة أو على الآباء والرؤساء.
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ١.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٢.
ومن ثم فقد آثار القرآن الكريم شعورهم نحو الإحساس بهذه المسئولية فإن فردية التبعة ذات أثر حاسم في الشعور الأخلاقي وفي السلوك العملي، فشعور كل فرد بأنه مجزي بعلمه لا يؤاخذ بكسب غيره ولا يستطيع هو أن يتخلص من كسبه، لهو عامل قوي في يقظة
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٨، ٣٩ من سورة النجم. ٢ الآيتان ٧، ٨ من سورة الزلزلة. راجع التفكير الفلسفي في الإسلام ص٥٢.
[ ٨٦ ]
قلبه وعقله ووجدانه ومحاسبة نفسه وفي دفعه للتخلي عن كل أمل خادع في أن ينفعه شيء غير ما عملت يداه.
والآيات القرآنية تصور هذه الحقيقة من جانبين:
جانب أن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ .
وجانب أن الإنسان لا يتحمل وزر الآخرين فلا قلق ولا خوف ولا بأس ما دام قد أدى واجبه بقدر ما يملك وما يستطيع.
إن تعبيرات القرآن الكريم وهي تحاول أن تنقذ العرب المعاندين للدعوة تصور المشهد كأنهم قافلة كل من فيها يحمل أثقال نفسه ويمضي في طريقه وحده واحدا واحدا يسعون حتى الوقفة الحازمة أمام الوزان، وهي وقفة فيها جهد وتعب وهم وثقل وانشغال عن الأهل والأقارب ولا يملك لقريبه عونا فالكل قد شغله حاله وأعيته أثقاله١، ويقول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٢.
ويبرز القرآن الكريم هذه المسئولية في إطار الناموس الكوني والقوانين المستقرة الدائمة ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ .
_________________
(١) ١ راجع ظلال القرآن ج٢٢ ص١٢٤. ٢ من الآية رقم ١٨ من سورة فاطر.
[ ٨٧ ]
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
فكل إنسان قرين ما عمل لا يفارقه، ولا يملك التخلص منه ولا يستطيع كتمانه فهو منشور مكشوف ولا يقدر على تجاهله فهو في عنقه وكفى بنفسه في ذلك اليوم شهيدا على سلوكه.
إنها المسئولية الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها وليس في مقدور أحد أن يخفف حمل أحد ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ٢. ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٣.
ولقد كان ذلك قضاء مبرما وقانونا ثابتا ودينا شرعه الله في صحف إبراهيم الذي وفى.
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٤.
لقد وفى إبراهيم جد العرب المعاندين بكل التزاماته مع ربه، حتى استحق هذا الوصف المطلق ومن جزئيات ما وفى به وبلغه، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فلا تحمل نفس حمل غيرها لا تخفيفا ولا تثقيلا فلا تطوع بل لا تملك نفس هذا التطوع.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٣-١٥ من سورة الإسراء. ٢ من الآية رقم ٢١ من سورة الإسراء. ٣ الآيتان ١٤، ١٥ من سورة القيامة. ٤ الآيتان ٢٨، ٢٩ من سورة النجم.
[ ٨٨ ]
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .
فالله غني عن العباد لا يزيد ملكه بإيمانه ولا ينقص منه شيء لكفرهم.
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ .
يحبه لكم ويعجبه منكم ويجزيكم عليه، وكل مجزى بعمله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وفي النهاية إليه المرجع والمآب:
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١.
هذه هي العاقبة وهذه هو مفرق الطريق ولكل أن يختار عن بينة وتدبر وتفكير، فهل كان لديهم علم أو استعملوا -ولو مرة- والتدبر والتفكر؟
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ٢.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٧ من سورة الزمر. ٢ الآية رقم ٢٣ من سورة النجم.
[ ٨٩ ]
قال ابن كثير:
"ليس لهم مسند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين"١.
وإذن فهم خلو من المعرفة وهم براء من التفكير والتدبر.
وفي الالتفاتة من المخاطب إلى الغائب "سميتموها" "إن يتبعون إلا الظن" منتهى الاستخفاف بعقولهم فكأن حضورهم لا كحضور فقد ألغوا عقولهم ونكسوا على رؤوسهم فأنى يكون لهم احترام أو تقدير؟ وقد جاءهم من ربهم الهدى، وتستمر سورة النجم في كشف سلوكهم العقلي ومستواهم التفكيري: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢.
ليس لهم على صحيح بهذه الدعاوى التي أطلقوها من خيالهم بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع.
والظن أكذب الحديث لا يقوم أبدا مقام الحق ولا يجدي عنه شيئا.
_________________
(١) ١ ابن كثير ج٤ ص٢٠٤. ٢ الآيتان ٢٧، ٢٨ من سورة النجم.
[ ٩٠ ]
فأولى لهم:
أن يخلعوا هذه المواريث:
التبعية للآباء.
الخضوع للعادات والتقاليد.
اتباع الظن الذي لا يغني من الحق شيئا.
أولى لهم، وقد جاءهم من ربهم الهدى، وألا تزر وازرة وزر أخرى، أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟
أولى لهم أن يفكروا، ويتدبروا.
[ ٩١ ]
ثالثا: دعوة المعاندين للتفكير بالمشاهدة في آثار قدرة الله جل شأنه وتعريفهم طريقة استخدام هذا المنهج
ثالثا: دعوة المعاندين للتفكير بالمشاهدة في آثار قدرة الله جل شأنه وتعريفم طريقة استخدام هذا المنهج
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٦١ من سورة العنكبوت. ٢ من الآية رقم ٦٣ من سورة العنكبوت. ٣ من الآية رقم ٢٥ من سورة لقمان.
[ ٩١ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
إن معرفتهم بالله الخالق البارئ المصور موجودة ولكنهم يعبدون الأصنام، لقد عبدوها على حسب ما ادعوه:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣.
وهي علة واهية تستند إلى خنوعهم لجبرية التقاليد وعشقهم تبعية الآباء.
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ٤.
وقد اعترفوا بذلك صراحة:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ٥.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٦.
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٩ من سورة الزخرف. ٢ الآية رقم ٨٧ من سورة الزخرف. ٣ من الآية رقم ٣ من سورة الزمر. ٤ من الآية رقم ٢٨ من سورة الأعراف. ٥ من الآية رقم ٢٨ من سورة الأعراف. ٦ من الآية رقم ٧٨ من سورة يونس. ٧ الآية رقم ٥٣ من سورة يونس.
[ ٩٢ ]
﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ١.
﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٢.
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٤.
وكذلك مبلغ الظن، وقد عاب القرآن هذا المنطق الأعوج الذي يستند إلى الظن.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٥.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٦.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٧.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٨.
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٧٤ من سورة يونس. ٢ من الآية رقم ٢١ من سورة لقمان. ٣ الآية رقم ٢٢ من سورة الزخرف. ٤ من الآية رقم ٢٣ من سورة الزخرف. ٥ من الآية رقم ١١٦ من سورة الأنعام. ٦ من الآية رقم ١٤٨ من سورة يونس. ٧ من الآية رقم ٣٦ من سورة يونس. ٨ من الآية رقم ٦٦ من سورة يونس. ٩ من الآية رقم ٢٧ من سورة ص.
[ ٩٣ ]
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ ١.
﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢.
فهم مسرفون في إيمانهم بالله، مشوشون في فهم العبودية، لجلاله فأشركوا مع جلاله الجن والملائكة والكواكب والأوثان والأصنام والنصب.
ولقد كان في البيئة قبل البعثة رهبان وأحبار ومثقفون يبشرون بالنبوة الخاتمة.
لقد آمن ورقة والنجاشي وكلاهما تعلم المسيحية وتبحر فيها.
وآمن بحيرا ونسطورا وهما من رجال الدين المتخصصين.
وآمن عبد الله بن سلام وهو من كبار علماء اليهود.
وآمن خلق من البشر الذين عاشوا فترة التوعية والتمهيد للدعوة دون أن يقيم الرسول -ﷺ- لهم دليلا ولا طلبوا منه برهانا.
فالجو الإيماني بالله موجود ولكنه مشوش في إدراكه وتنزيهه لله ﷻ.
وإذن فالقرآن عندما يواجه هؤلاء القوم يواجههم على مقتضى حالهم ودعاويهم وأفكارهم، إنه يواجه موجة إسراف في الإيمان بآلهة
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٢٣ من سورة النجم. ٢ الآية رقم ٢٨ من سورة النجم.
[ ٩٤ ]
ويواجه موجة تبذير في العبودية لله، وذلك يتطلب رد هؤلاء المسرفين إلى الاعتدال في التوحيد والتنزيه فيصحح لهم العقيدة ويحدد لهم أسلوب العبادة إنه إله واحد١، خلق فسوى وقدر فهدى، فالق الإصباح جعل الليل سكنا والنهار مبصرا وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا للعباد.
فحق العباد تجاهه أن يعبدوه وحده لا يشركون به شيئا.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
وهم لا ينكرون هذا أبدا ولكنهم يخلطون، والقرآن يحاول أن يهذب فكرتهم تجاه الله الحق الموجود وذلك ما حاولته آيات السور المكية وقررته على مدى ثلاثة عشر عاما مدة العهد المكي للدعوة الإسلامية فأثبتت وحدانية الله جل شأنه وسلطانه الكامل وصفاته الحسنى.
إن القرآن لم يحاول أن يثبت وجود الله لأن وجود الله حق في ذاته والمنطقة العربية في أم القرى ومن حولها لا تعاني من أجل هذه القضية جهدا، فالله موجود عقيدة يؤمن بها كل من في الجزيرة العربية من أصحاب الديانات اليهودية والمسيحية والوثنية.
ولكن التوحيد كان هو المعركة الأساسية لإزالة الشرك وتعليم العباد كيف يعبدون الله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له ولا ولد.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٧ ص٣٢٦. ٢ الآية رقم ٤ من سورة الأحقاف.
[ ٩٥ ]
ولا أقصد بهذا إعلان فكرة جديدة تعارض الاتجاهات الفلسفية التي أنفقت كثيرا من الجهد والعرق والاطلاع والتدوين والطباعة والنشر في التنافس على الأولوية في القدرة على إثبات وجود الله فليس في ذلك شرف لمسلم ولا لباحث، لأن سير الدراسات هذه يملي علينا حقيقة واضحة، أن المجتمع في أم القرى وما يجاورها لم يكن ملحدا بل كان مشركا والإشراك في مفهومه العادي إسناد الألوهية إلى أكثر من واحد واعتقاد أن الله له شريك، والإشراك كان في العبادة لا في الخلق ولهذا توجه القرآن الكريم لتنقية الإيمان بالله من شوائب هذا الشرك ويتضح هذا جليا في أسلوب الدعوة أثناء العهد الملكي.
فالرسول -ﷺ- طول العهد المكي كله لم يستخدم أسلوبا واحدا يثبت به وجود الله ولم يثبت عنه مرة واحدة أنه سئل أو أجاب على سؤال يتعلق بوجود الله.
وما سأل واحد من الصحابة أو من غيرهم في هذا العهد عن وجود الله.
لقد انتهى العهد المكي وليس ثمة سؤال أو جواب عن وجود الله.
بل كان مثله العهد المدني، وقد جاءت وفود اليهود والنصارى إلى الرسول -ﷺ- ولم يثبت تاريخيا ولا علميا أن وجود الله كان مدار حديث بينهما، وما تطوع رسول الله -ﷺ- نفسه بالتحدث عن إثبات وجود الله حتى نودي إلى الرفيق الأعلى.
[ ٩٦ ]
لقد مضت حياة الرسول كلها في العهدين:
المكي والمدني بكاملها ولم يثبت مرة واحدة أن تحدث الرسول -ﷺ- عن وجود الله لا بطريق الإجابة عن سؤال، ولا بطريق التطوع والتبليغ.
والقضية في حد ذاتها لو عرضت لكانت مثار دهشة المجتمع نفسه؛ لأن الإيمان بالله موجود إلى حد الإسراف فيه والتبذير حتى صارت الآلهة أفنانا فلأية علة تثار أدلة وجود الله؟
والقرآن نفسه لم يتخذ إلى ذلك سبيلا بل كل ما فيه من الآيات والدلائل إنما تتوجه إلى إثبات التوحيد وإلغاء الإسراف والكثرة في الإيمان وإذا تأملنا هذه الآيات نجد أنها جاءت لإثبات صفات الله الموجود.
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
_________________
(١) ١ الآية رقم ٥٩ من سورة الأنعام.
[ ٩٧ ]
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
فالآيات هنا تنزه الله جل شأنه عن الشريك وتضفي على العقل الإنساني هيمنة الله الأحد وتهدهد على عقول البشر بنعمائه وآلائه وتقرر أنه وحده ﷻ المنفرد بتدبير هذه الآلاء وأن الذين تدعون من دون الله عجزة لا يخلقون شيئا بل هم مخلوقون خاضعون لسلطانه وجلاله.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٠-٢٠ من سورة النحل.
[ ٩٨ ]
ونستأنس هنا لتأكيد ما وصلت إليه هذه الدراسات في عدم وجود محاولة من القرآن نحو إثبات وجود الله برأي فضيلة مولانا العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود، يقول:
أشهد أن لا إله إلا الله، وجه الإسلام الأذهان في عنف وفي قوة إلى التوحيد لا إلى إثبات الوجود، لقد وجه الأذهان إلى أن الله لا يحتاج في إثباته وفي وجوده إلى دليل وصور -على العكس- هو الدليل على غيره، فغيره ثابت به، والعالم ثابت به، والسموات والأرض والعرش والكرسي، كل ذلك موجود بوجوده ثابت بثباته، والوجود بأكمله محتاج في كل لحظة إليه فضلا عن احتياجه إليه في نشأته الأولى ووجوده الأصلي.
أما في القرآن مما تخيله بعض الناس استدلالا على وجود الله فليس إلا بيانا لمظاهر قدرة الله وعنايته بالعالم ومن ذلك مثلا:
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
إن ذلك وكثيرا غيره إنما يذكر ليبين عظمة الله وجلاله وقدرته، ويبين رحمته بعباده وعنايته بهم.
وما من شك في أنه يمكن أن يؤخذ من ذلك أدلة كثيرة على وجود الله.
وما من شك في أن الأدلة التي تؤخذ من ذلك يمكن أن تصاغ في أسلوب منطقي في قياس يشتمل على المقدمات والنتائج، ويكون
[ ٩٩ ]
متفقا مع قواعد المنطق الأرسطي ومبادئه ولكن ذلك لن يكون قط تصويرا لهدف من أهداف القرآن الكريم.
فالقرآن الكريم لا يضع قط وجود الله موضع الشك حتى يحتاج إلى الاستدلال عليه.
ومن القصص التي تروى على أنحاء شتى وبأساليب مختلفة تتفق في الجوهر وتختلف في الرسم، ما يحكى من أن بعض مشاهير العلماء ألف كتابا ضخما في إثبات وجود الله فأقام له أصدقاؤه حفلة تكريم من أجل عمله هذا الضخم، ومر بهم بعض الصالحين فأخذوا يحدثونه عن عبقرية المؤلف فسأل.
ومتى غاب الله حتى يكون في حاجة إلى إثبات؟
فوجم الجميع، ولم يستطع المؤلف الإجابة وتركهم الرجل الصالح وهو يردد:
قل: الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون١.
هذه شهادة عالم متخصص عاش الفلسفة حياتها بالطول والعرض والعمق والغاية انتهى إلى أن القرآن لا يستشير الإنسان في أية قضية من القضايا التي جاء بها الوحي، ولا يحتكم الوحي إلى الإنسان باعتباره حكما في أي مبدأ من مبادئه، ولا يطلب منه مشورة في أية قاعدة من القواعد التي شرعها. بل هذه الأوهام لا تدور بخلد المتدين قط.
_________________
(١) ١ الإسلام والإيمان: ٢٠٨، ٢١٢.
[ ١٠٠ ]
ذلك أن الوحي نزل على أنه رسالة السماء النهائية إلى العالم ونزل يبلغ أن هذه الرسالة صدق كلها، حق جميعها، ليس فيها مبدأ مشكوك فيه، ولا قضية تحتمل الصدق والكذب، وليس فيها جملة زائدة ولا كلمة ليست في موضعها ولا حرف كان يحسن ألا يوجد، كلا، إنها الحق الخالص من اتبعها فقد اهتدى، ومن حاد عنها فقد انحرف ومن ابتغى الهدى في غيرها أضله الله ومن تركها من جبار قصمه الله، لأنها صراط الله المستقيم ونوره اللألاء.
وكل ما ذكره من التفكير والنظر والتدبر إنما أراد به الاعتبار وأراد أن يقول: تفكروا لتروا أن ذلك هو الحق، انظروا لتعلموا أن ذلك هو الخير، أما إذا رأيتم غير ذلك فإنما العيب في بصركم أو في بصيرتكم، إذا رأيتم غير ذلك فإن الفساد في عقولكم وفي تفكيركم.
إذا رأيتم غير ذلك فاعلموا أن فطرتكم فسدت لانحرافكم وأن قلوبكم ران عليها الإثم فضلت وأن عقولكم قد صدئت فأصبحت لا ترى الحق حقا ولا الخير خيرا وأصبحت من الضلال بحيث ترى الخير شرا، والشر خيرا وأصبح أصحابها كالأنعام بل هم أضل سبيلا، كل ذلك لانحرافكم عن الصراط المستقيم١ إلخ.
تلك نظرة متخصص في الدراسات الفلسفية زهاء ثلث قرن تقريبا نستأنس بها في نفي ما أنفق فيه المخلصون من المنافحين عن الإسلام
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل: ١٤، ١٥.
[ ١٠١ ]
عمرا طويلا في إثبات وجود الله، تلك القضية التي لم تواجهها الدعوة الإسلامية عند بدئها.
لقد بدأت الدعوة الإسلامية بالأمر الإلهي، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وهذه الآية الكريمة التي بدأ بها الله ﷾ الوحي ليس فيها شيء اسمه الاستدلال على وجود الله، وهي بعيدة كل البعد عن جو الاستدلال على وجود الله.
ومسألة الاستدلال على وجود الله والتي كانت تنتظر في مبدأ الوحي -فرضا- والتي لم يكن مبدأ الوحي فيها "العالم حادث" "وكل حادث لا بد له من محدث"، لم يكن هذا أول الوحي، أو هو آية في الوحي أو آية في القرآن.
مسألة وجود الله ﷾ إنما هي ثقافة انحراف ابتدعها الملاحدة وتشبثوا بها، إن الفطرة تعترف تلقائيا بوجود الله.
ومن الملاحظ عبر التاريخ أن الأنبياء جميعا كانوا يأتون لبيان الاعتقاد في وجود الله إذا أمكن هذا التعبير بمعنى أن آدم ﵇، أتى التوحيد ثم انحرفت الإنسانية من بعده.
إلى أي شيء انحرفت؟
لم تنحرف إلى إنكار الله.
ولكنها انحرفت إلى التعدد.
وأتى نوح ﵇ بالتوحيد، ثم انحرفت الإنسانية إلى التعدد أيضا.
[ ١٠٢ ]
وطهر الله الإنسانية تطهيرا كاملا في عهد سيدنا نوح ﵇ وبقي من بقي على التوحيد الخالص، ثم انحرفت الإنسانية فيما بعد إلى التعدد.
وإذن فانحراف البشرية دائما إلى التعدد لا إلى الإنكار، والإنكار لم ينشأ إلا في العصور الحديثة، والله ﷾ يقول:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .
وأنت إذا تصفحت الأناجيل على ما هي عليه من التحريف والتبديل لا تجد فيها مطلقا ما يشير إلى مشكلة اسمها، مشكلة إثبات وجود الله.
وإذا تصفحت التوراة على ما هي عليه من التبديل والتغيير لا تجد فيها مشكلة، اسمها مشكلة إثبات وجود الله.
وإذا تصفحت القرآن الكريم أيضا لن تجد فيه ذلك.
إنما يتحدث القرآن الكريم عن صفات الله، عن هيمنته عن علمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، عن علمه بكل ورقة تسقط، عن علمه بالسر وما هو أخفى من السر، عن إرادته الشاملة عن قدرته التامة. ولكن ذلك ليس حديثا عن إثبات وجود الله١.
فالقرآن الكريم لم يضع وجود الله موضع الاحتمال والفرض.
_________________
(١) ١ الإسلام دعوة إلى العلم من محاضرة لفضيلة الدكتور عبد الحليم محمود في كلية الهندسة بأسيوط إبريل سنة ١٩٧٠.
[ ١٠٣ ]
والاستدلال بالآيات الكونية وغيرها لا يقصد بها نفي طرف في قضية لها طرفان ليثبت الطرف الآخر، وإنما القصد من هذه الاستدلالات توجيه المدارك العقلية والمشاعر الوجدانية إلى جلال سلطانه وعظمة تدبيره١.
إن أمر وجود الله لا يحتاج إلى دليل، إنه أظهر من كل شيء وأوضح من كل أمر، وكما قال بعض الصالحين:
ومتى غاب حتى يكون في حاجة إلى إثبات وكما قال العارف بالله العلامة الثقة أبو الحسن الشاذلي:
ومن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصولة إليه فليت شعري هل لها وجود معه حتى توصل إليه؟ أو لها من الوضوح ما ليس له؟ حتى تكون هي المظهرة له؟
يقول الألوسي: فلا تثبتوا لأنفسكم وجودا مع وجوده لأنه الذي أظهر تعيناتكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا٢.
إن مجرد البدء في إثبات وجود الله هو بدء في الاعتراف بمشروعية إنكاره أو احتمال ذلك وهو غير متصور في بيئة كان فيها من أسلم شعره وكفر قلبه، وكان فيها من سيبعث يوم القيامة أمة وحده، وكان فيها من يقول: "الله أحد".
_________________
(١) ١ القرآن العظيم لفضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون ص١٤. ٢ الألوسي ج٤ ص٢٠٩.
[ ١٠٤ ]
لهذا فإنا سنجنب هذه الدراسة الإملاءات التي غصت بها كتب الفلاسفة من علماء الإسلام احتراما منا لمجرى البحث في جوه القرآني واستيثاقا بأن وجود الله أقوى من كل دليل وأكمل من كل مستويات الفكر الإنساني كلها١.
وسأستعين بالله في تحسس الحركة الفكرية التي دعا إليها القرآن الكريم معاندي الدعوة بعد أن وضح لهم ملة إبراهيم حنيفا مسلما إن كانوا حقا صادقين في الانتساب إليه.
وشدهم من نواصيهم ليخلعوا ثياب التقاليد ويحررهم من ربقة الاستبداد الصنمي.
ثم قدم إليهم آيات في الكون الفسيح عساهم يتهيئون لمرحلة جديدة في علاقاتهم مع الدعوة ينعمون النظر في ملكون الله ونعمه وآلائه خلقا وتنسيقا وتدبيرا أو ترابطا وعناية وقصدا.
فيشاهدون في آثار قدرة الله وحدانيته في الذات والصفات المنفردة
_________________
(١) ١ استفاض الأستاذ المرحوم العقاد في شرح هذه الأدلة راجع كتابه: الفلسفة القرآنية ١٣٤ وما بعدها ط دار الهلال، وكتابه: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص٣٤، ٤٢ وكتابه التفكير فريضة إسلامية ص٦، ٣٣، وكتابه: الله كتاب في نشأة العقيدة الإلهية ص١٥٨، ٢٣٣، ٢٤٣، وراجع كتاب: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن لفضيلة الشيخ نديم الجسر مفتي طرابلس ص٢٧٩، ٢٩٨.
[ ١٠٥ ]
بتدبير هذا الملكوت ويستنبطون بعقولهم ما شاءوا من معاني الأدلة:
* دليل الخلق والإيجاد١ Cosmological Argument.
* أو دليل الإبداع٢ Teleological Argument.
* أو دليل الكمال والسمو٣ Ontological Argument.
فإن فكرة الألوهية في الإسلام هي الفكرة الصحيحة التي بلغت المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية وتضمنت تصحيحا دقيقا لتفكير العقول البشرية على اختلاف مستوياتها وعصورها وقررت بالثقة والطمأنينة ما يجب لله جل شأنه من الكمال والإيمان بوحدانيته وجلال سلطانه وليس من السهل ولا من الممكن أن تخضع الآيات القرآنية لهذا التقسيم الذي نقلناه عن العلماء٤، فإن القرآن لا ينزل على هوى البشر.
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ولكننا ذكرناه تمشيا مع هذا الاتجاه لكي يرى أصحابه أن أدلة القرآن أصدق في دلالاتها من محاولات البشر. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .
_________________
(١) ١ القاموس العصري ص١٦٧. ٢ ص٧٢٥ المصدر السالف. ٣ ص٤٩٦، ص٥٢، راجع الفلسفة القرآنية للأستاذ المرحوم العقاد ص١٣٤، الإسلام والإيمان لفضيلة الدكتور عبد الحليم محمود ص١٨٥ والتفكير الفلسفي في الإسلام ص٦٤، ٧١. ٤ راجع الفلسفة القرآنية للعقاد ص١٣٤، الإسلام والإيمان ص١٨٥، التفكير الفلسفي في الإسلام ص٦٤، ٧١.
[ ١٠٦ ]
أدلة التوحيد والتنزيه:
أولا: وحدانية الذات:
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ١.
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٢.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ،
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٠٢ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٢٢ من سورة الأنبياء. ٣ من الآية رقم ١١ من سورة الشورى.
[ ١٠٧ ]
أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ .
هذه جولة واسعة في صفحة الكون وفي أقطار النفس الإنسانية لا يملك المعاندون إنكار وجودها، ولا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد ليس الكثرة التي يدعونها من دون الله.
ويعرض القرآن الكريم هذه المشاهدات في إيقاعات تملك على العقل مناحي فكره وتلزمه بالحجة، فهو يسأل في تلاحق لا يدع له مجالا للشك.
من خلق السموات والأرض؟
من أنزل من السماء ماء فأنبت به هذه الحدائق ذات البهجة؟
من جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا؟
من يجيب المضطر إذا دعاه؟
من يكشف السوء؟
من يجعل البشر خلفاء في هذه الأرض؟
من يهدي الإنسان في ظلمات البر والبحر؟
من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمة الله؟
_________________
(١) ١ الآيات من رقم: ٥٩-٦٥ من سورة النمل.
[ ١٠٨ ]
من يبدأ الخلق ثم يعيده؟
ثم يرزقكم من السماء والأرض؟
وفي كل مرة يسأل القرآن يقرعهم باستفهام يحوي جميع معاني الاستفهام فهو تقريع للمعاندين، وهو تقرير للموقنين، وهو إرشاد للطالبين ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ .
وبحكم عقيدتهم لا يملكون جوابا يردون به أن هناك مع الله إلها يفعل هذا، وإذن فلماذا تكثر الأرباب من دون الله؟
إن السموات والأرض حقيقة قائمة لا يملك المعاندون إنكارها، ولا ادعاء مشاركة الأصنام والكواكب والجن والملائكة، وما يشركونها في العبادة في خلقها، فالبداهة تصرخ في وجه هذا الادعاء وترده وترفضه، بل ما كان واحد من المشركين يزعم أن هذا الكون قائم بنفسه كما يدعي التافهون في العصر الحديث، وإذن فخلق السموات والأرض على هذا النحو فيه القصد والإبداع، وفيه كذلك التدبير، ويظهر فيه التناسق المطلق الذي لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة، وهو فيه التناسق المطلق الذي لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة، وهو تناسق ملجئ بذاته والتفكر فيه إلى الإقرار بوجود الخالق الواحد، تتضح وحدانيته في آثاره فإن هذا التصميم والتناسق والتدبير لهذا الكون، لا تعدد في طبيعته، ولا تعدد في اتجاهه، ولا تعدد في مصدره، فلا بد وأن يكون صادرا عن إرادة واحدة غير متعددة، إرادة قاصدة لا يفوتها القصد في الكبير ولا في الصغير.
والماء النازل من السماء حقيقة كذلك يستحيل على المعاندين أن ينكروها ولا يمكن لهم تعليلها بغير الإقرار والإذعان بخالق مدبر وفق
[ ١٠٩ ]
الناموس الطبيعي الذي خلقه وقدره ﷻ لنزول المطر بهذا القدر الذي توجد به الحياة، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة، والالتفات هنا إلى المتكلم دون إيراد الضمير لنفي شبهة عودة الضمير إذا ذكر على غير الخالق الأعظم الفرد الصمد الواحد الأحد.
وتدبر آثار الإبداع الإلهي في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب فأمواج من الألوان تتداخل في خطوط متشابكة متناسقة، ووريقات تنظيم متكاثفة مرتبة منمقة تتقاصر دونها عبقرية الفن حديثا وقديما فضلا عن سر تعدد الألوان في الزهرة وفي الورقة الواحدة، ونمو الحياة في الشجر والجذور والأغصان ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ فما يزال سر الحياة في النبات بل وفي الإنسان مستغلقا على المتخصصين فما يملك واحد منهم أن يقرر كيف جاءت هذه الحياة إلى الزهرة أو الحشرة أو الحيوان أو الإنسان فهل مع الخالق الأعظم إله؟ أإله مع الله؟ وإذن فلم يعدلون ويسوون في العبادة بين الخالق الأعظم، وما يزعمون من إشراك؟
والأرض التي جعلها الله قرارا للحياة لو تغير وضعها من الشمس أو من القمر أو تغير شكلها أو حجمها أو دورانها أو محورها أو تغيرت عناصر الجو فيها.
لما كانت الأرض صالحة للحياة والأنهار والرواسي فيها عوامل النماء والحياة وعوامل الاستقرار والثبات١.
_________________
(١) ١ راجع: العلم يدعو للإيمان. تأليف كريس موريسون ترجمة محمود صالح الفلكي ١٩٥٤م النهضة ص٥٣، ٥٥، راجع قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن لفضيلة الشيخ نديم الجسر ص٣١٥، ٣٢٣ ط ثالثة، راجع كذلك: إعجاز القرآن والاكتشافات الحديثة للمهندس عبد الرحمن شاهين ص١٠.
[ ١١٠ ]
والفاصل بين مياه البحرين من الكثافة أو البرزخ الحاجز بين البحرين، فقد جعل الله النهر أخف كثافة من ماء البحر فيظل مجرى كل منهما منفصلا مميزا عن الآخر لو التقيا لا يمتزجان ولا يبغيان، فمن فعل هذا كله؟ أإله مع الله؟ إنهم قوم لا يعلمون، ومصدر الإيمان هو العلم وإدراك النواميس الإلهية ومنها هذا الوحي أساسه العلم فالمعاندون منكرون لهذا الوحي لأنهم لا يعلمون كما أنهم لا يعلمون شيئا عن حقيقة الكون، ثم تتجه الآيات إلى لمسة وهمسة في الوجدان والمشاعر.
من يجيب المضطر؟
في لحظات الكربة والضيق لا يجد البشر لهم ملجأ إلا الله يدعونه فيكشف عنهم السوء عندما يشتد الكرب، وتضعف القوى وتتخاذل الهمم، وتتهاوى المؤزرات ولا يجد الفرد الإنساني له قوة ولا لخلاصه سبيلا، فيتجه إلى الله رب الكون كله فيصرف عنه السوء.
إن لحظة الكرب توقظ الفطرة فتلجأ تلقائيا إلى بارئها فتجده برا رحيما، وتلك حقيقة كائنة في الفطرة الإنسانية يسوقها القرآن الكريم للمعاندين في مجال حقائق الكون كله لعلهم يستبصرون أإله مع الله؟ كلا.
[ ١١١ ]
وتمضي اللمسة القرآنية تستحث المشاعر نحو استخلاف الجنس البشري لهذه الأرض يخلف بعضهم بعضا. إن هذه الخلافة تذكرهم بقصتين:
أ- الطوفان الذي طهر الله به الأرض من الكفرة عبدة الأوثان، والأصنام في عهد نوح.
والمعاندون على هذه الصفة وأسباب إهلاكهم قائمة ومماثلة.
ب- التناسل وهو من منح الله وعطاياه لو شاء لجعل المعاندين عقما.
إن نواميس الاجتماع والاستخلاف مرتبطة بالتناسق الفذ الذي أوجده الله في هذا الكون.
والله هو الذي قدر الموت والحياة واستخلف جيلا بعد جيل ولو لم يحدث هذا الاستخلاف لأبطأ سير الحياة وتعطل عمل العقل والتفكير لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بالمحاولات والتجارب وتجدد أنماط الحياة دون تصادم بين طريقة التفكير للسالفين وطريقة التفكير للحاضرين فلو عاش الكل لتضخم التصادم، وكثرت الاعتراضات وازدحمت الحياة بالشلل وتوقف الركب عن السير.
لعلها حقيقة موجودة يلمسها الفكر ولكنكم قليلا ما تذكرون؟
وهم يسلكون فجاج الأرض، برا وبحرا ويضربون في الأرض بتجارتهم ليلا ونهارا برا وبحرا، فمن يهديهم في ظلمات البر والبحر؟
من أودع في كيانهم القوى المدركة للتعرف على سبل الهداية؟
[ ١١٢ ]
من سخر لهم النجوم ليهتدوا بها وجعلها علامات؟
من وصل فطرتهم وقدرتهم وطاقتهم بفطرة هذا الكون.
من هداهم هذا العقل وتلك الحواس التي تدرك وتعي وتفهم وتستنبط وتنتفع بما سخره الله في هذا الكون من آلاء.
أإله مع الله؟ كلا، تعالى الله عما يشركون.
وتلك الرياح مهما قيل في أسباب تكوينها فلكيا وجغرافيا يبقى تسييرها إلى أماكنها التي قدرت لها حاملة الرزق مبشرة بأسبابه تتجلى رحمة من رحمات الله.
فمن الذي فطرها وسبب لها أسبابها.
أإله مع الله؟ كلا تعالى الله عما يشركون.
وهذه الحقيقة حقيقة الخلق واقع ملموس يشهدون به إذا سئلوا فلا يملكون إنكارا ولا يقدرون على تعليل له غير وجود إله واحد لأن آثار صنعته ملجئة للإقرار بوحدانيته.
من الذي يبدأ الخلق ثم يعيده.
أإله مع الله؟ كلا.
والرزق في السماء هو آثار تابعة لمالك الخلق بدءا وإعادة،
ورزق الناس من الأرض يتمثل في صور منها:
انفلاق الحب والنوى.
وصب الماء من المزن صبا.
واستخراج كنوز البحر والبر.
[ ١١٣ ]
وقوانين طبيعية وكيماوية أودعها الله الواحد القهار في هذه البسيطة فمن ذللها وهيأها؟ أإله مع الله؟ كلا.
ورزق الناس من السماء يتمثل في صور منها:
الضوء والحرارة.
والمطر.
والمد والجزر في البحار.
والهواء والرياح.
من الذي سخرها وأهداها؟
أإله مع الله؟ كلا.
إنهم ليعجزون عن إقامة برهان وهو عجز مستمر منذ طرح هذا السؤال في البيئة الأولى لمولد الدعوة حتى يوم القيامة وفي كل عصر وزمن فإن الفطرة السليمة تنطق ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ .
إنه الله الواحد الأحد الفرد الصمد لا شريك له ولا ولد وهكذا يجلو القرآن الكريم فطرة الإنسان؛ لتصفو صفحة العقل من ترهات التقاليد والعادات، وتتخلص خلايا المخ من مواريث الآباء والأجداد، وهنا يظهر المنهاج القرآني الذي استخدم في هذه المرحلة.
إنه كشف حقائق الكون وحقائق النفس حتى لكأنها تبدو إطارا واحدا يأخذ بالقلوب ويوقظ الفطرة ويجلو العقل ويستجيش الوجدانات ويبرز مركوز الحقائق في المشاعر التي تغشيها الغفلة
[ ١١٤ ]
ويحجبها الجمود وتطمسها موروثات الآباء والأجداد، حتى تظهر الحقيقة حية ثابتة في تصميم هذا الكون وفي أغوار النفس واضحة قوية لا يملك لمعاند معها مراء ولا جدالا، فتنطق وقد صفيت من الركام المعنكب ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١.
وهكذا تبرز طريقة القرآن في منهاج التفكير متسقة مع الفطرة الإنسانية مغايرة لمقولات المناطقة الفاسدة فلا تستطيع أن تجعل آية دالة على الخلق دون القصد، ولا آية دالة على القصد دون العناية ولا آية دالة على العناية دون التدبير للرحمة والرأفة بالعباد، وأن مجرد إثبات الخلق إلى الله يكفي في إثبات القصد والترابط والعناية والتدبير.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٢.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٣.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ ٤.
فكل آية في كتاب الله جل شأنه سيقت لإثبات الوحدانية في الذات هي دليل كوني ودليل رباني، ودليل استعلائي.
وتلك صفة ممتازة للأسلوب القرآني بالإضافة إلى أنه يتوجه إلى:
١- العقل يوقظه عن طريق استجاشة الفطرة.
_________________
(١) ١ راجع حول هذا في ظلال القرآن ج٢٠ ص٨-١٧ ط ثالثة بيروت. ٢ الآية رقم ١٦ من سورة الأنبياء. ٣ الآية رقم ٣٨ من سورة الدخان. ٤ الآية رقم ١٧ من سورة "المؤمنون".
[ ١١٥ ]
٢- وإلى الوجدان يستحثه لينتفض العقل من ثباته.
ويهيج المشاعر بحقائق الكون وحقائق النفس ويضعها جميعا أمام مشاهدات الحس والوجدان.
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
ذلك رد على سؤال سابق:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ .
وهو سؤال استنكار وتهكم؛ لأنهم يعرفون أن آلهة الأرض اتخذت زلفى، ولكن تسميتها آلهة وهي عاجزة عن الفعل بالمشاهدة والواقع هو ما يريد القرآن أن يلفت أنظارهم إليه.
إن الوصف بالألوهية مرتبط بالفعل وانتظام الكون لا يصدر إلا عن إرادة واحدة والإرادة الواحدة لا تصدر إلا عن إله واحد.
والكون قائم على ناموس واحد وترتبط جميع أجزاء الكون بهذا الناموس الواحد، وهو من صنع إرادة واحدة لآله واحد، فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات. إذًا تعددت النواميس تبعا لتعدد الإرادات، والإرادة هي مظهر الذات والناموس مظهر الإرادة النافذة، فإذا ما تعددت النواميس التي تنسق الجهاز الكوني تتصادم وتختلف وتضطرب الموجودات فيفسد العالم على فرض وجوده، وذلك شعور يحس به الفرد إذا تعددت إرادته البشرية نحو فعل شيء معين.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٢ من سورة الأنبياء.
[ ١١٦ ]
وتحس به الأسرة إذا ازدوجت فيها الإرادة المنظمة، وتحس به الدولة إذا تعددت فيها الرياسة، وذلك الإحساس في الواقع البشري إحساس فطري، فما بال هذا الكون عاليا وسافلا وقد أودع من القوانين ما تربط بين أجزائه قوة واحدة صانتها إرادة نافذة واحدة، هي إرادة إله وحد، أتستقر أمور هذا الكون لو تعددت الإرادات النافذة لتعدد الآلهة.
أيعيش الفرد متصفا بالاتزان عند الناس إذا عرف عنه التردد لتعدد إرادته نحو: هل يفعل أولا يفعل؟
أتسعد الأسرة إذا ازدوجت فيها إرادة التنظيم؟
وإذن فكيف يكون العالم علوية وسفلية إذا تعددت الإرادات بتعدد الآلهة؟ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
إن الفطرة السليمة البريئة من أمراض المواريث الاجتماعية لتشهد شهادة فطرية بوحدة الناموس للوجود كله، ووحدة الإرادة النافذة التي أوجدته ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنسق المنظم المرتب الذي لا يطرأ عليه خلل ما دام في رعاية الله١.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ٢.
وإذن يأتي التكليف الطبيعي للبشرية عامة.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٧ ص٢٠، ٢١. ٢ الآية رقم ٤١ من سورة فاطر.
[ ١١٧ ]
﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ١.
هنا يأمر الله أنه لا ينبغي أن يعبد إله سواه؛ لأنه وحده مالك كل شيء وخالق كل شيء ورب كل شيء والتعبير هنا متجه إلى التقرير ولهذا أتى بالوصف "اثنين" لنفي التعدد مطلقا وإتاحة الفرصة للعقل ليفهم مفاد القصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ويتبع قصر الوحدانية على الذات بقصر آخر لازم للأول وهو قصر الرهبة عليه وحده ﷻ دون واسطة أو شبيه أو نظير٢.
إنما هو إله واحد وإنما هو كذلك مالك واحد، وله ما في السموات والأرض، ولا دين منذ الأزل إلا دينه، وله الدين واصبا لازما مستمرا، وهو منعم واحد.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآيتان رقم ٥١، ٥٢ من سورة النحل. ٢ راجع ابن كثير ج٢ ص٥٧٢، راجع في ظلال القرآن ج١٢ ص٧٠-٧١. ٣ الآية رقم ١٧ من سورة الأنعام. ٤ من الآية رقم ١١ من سورة الشورى.
[ ١١٨ ]
ثانيا: وحدانية الصفات:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١.
﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٢.
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥.
﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٦.
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٥٩ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ١٠٣ من سورة الأنعام. ٣ الآية رقم ٤٠ من سورة النحل. ٤ الآيات من رقم ٥-٨ من سورة طه. ٥ الآية رقم ٦٨ من سورة القصص. ٦ من الآية رقم ٨٨ من سورة القصص. ٧ الآية رقم ٣ من سورة غافر.
[ ١١٩ ]
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
العلم:
الذي يتتبع آثار علم الله في إرجاء الكون الفسيح ينطلق خياله من وراء هذا النص القصير مرتادا آفاق المعلوم والمجهول متخطيا عالم الغيب وعالم الشهود وراء هذا الكون المشهود، وأنه في هذا التتبع ليرتعش وهو يستقبل الصور والمشاهد من كل فج وهو يرتاد أستار الغيوب المختومة في الماضي والحاضر والمستقبل، ومفاتحها كلها عند الله لا يعلمها إلا هو ويجول وهو يرتاد بعقله وفؤاده وخواطره في مجاهل البر وغيابات البحر المكشوفة كلها لعلم الله الواسع المحيط بكل أبعادها وخفاياها وأسرارها، ويتتبع الأوراق الساقطة من أشجار الأرض فلا يكاد يحصيها عدا، ولا يعرف زمن سقوطها وعلاته، وعين الله على كل ورقة تسقط هنا وهناك ويلحظ المتجول كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض أنها لا تغيب عن عين الله طرفة عين، ويرقب كل رطب ويابس في عرض هذا الكون وفي طوله يجده لا يستطيع أن يند عنه شيء عن علم الله المحيط.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٩، ٢٠ من سورة غافر. ٢ الآيتان ٣٦، ٣٧ من سورة الجاثية.
[ ١٢٠ ]
إنها جولة تدير الرءوس وتذهل العقول، جولة في آماد من الزمن وفي آفاق من المكان، وفي أغوار من المناظر المنظورة والمحجوبة، المعلومة والمجهولة، إنها جولة بعيدة مترامية موغلة ترسم دقائق هذا الكون في جمل قصيرة يعيا عنها الفكر البشري، ذلك أنه إذا أراد أن يتحدث عن مثل هذا العلم الشامل المحيط فإنه لا يستطيع أن يصور هذا الارتياد في مجموع هذه الآفاق فإن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود مرتبطة بقدرته البسيطة ومعارفه القليلة القلة فإنه ينتزع تصوراته من اهتماماته وهو عادة لا يهتم بإحصاء الورق الساقط من الشجر في كل أنحاء العالم وجهات الأرض، فتأتي الإشارة هنا إلى أن علم الله شامل ومحيط ومحص لكل شيء حتى الورقة التي تسقط من غصنها إلخ.
إن هذا المشهد والمشاهد التي بعده. الحب المخبوء في أغوار الأرض والرطب واليابس في أرجاء البسيطة لا تلحظه البشرية ولا تلم به ولكن هذا المشهد بكلياته وجزئياته منكشف تماما بجملته وأسراره لعلم الله وحده فهو ﷻ المشرف على كل شيء المحيط بكل شيء.
الحافظ على كل شيء الذي تتعلق مشيئته وقدرته بكل شيء الصغير مثل الكبير والحقير مثل الجليل، والمخبوء مثل الظاهر والبعيد مثل القريب، والمزاولون لهذا الإحساس من بني البشر يدركون جيدا أن مثل هذا المشهد لا يخطر على القلب البشري فتدرك أن مصدر هذا الكتاب من عند علام الغيوب الذي وسع علمه كل شيء١.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٧ ص٢٤٦، ٢٥٠ راجع الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن أبو جعفر محمد بن جرير الطبري م٣١٠ ط ثانية ١٣٧٣هـ، ج٧ ص١١٠، ٢١٢، ٢١٣.
[ ١٢١ ]
والعين الخائنة تجتهد دائما في إخفاء خيانتها ولكنها لا تخفى على الله، والسر المستور تخفيه الصدور ولكنه مكشوف لعلم الله، حتى السر الذي لا تدركه العقول مما سيخفيه المرء مستقبلا ولايدركه في يومه مكشوف لعلم الله إنه يعلم السر وأخفى.
إن الله له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، لله ما في الوجود كله، وإذن، فيعلم السر وأخفى، جزء من هذا الذي له ويملكه في السموات وفي الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، وبين المستور في كل هذا والمستور في الصدر انسجام يتسق في الفكر يصور مفهوم العلم لله جل شأنه أنه لا يدع شاردة ولا واردة إلا أحصاها١.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ ٢.
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣.
قال ابن كثير: "أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض والحب والبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج منها من ذلك عدده وكيفيته وصفاته أي الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه شيء"٤.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج١٦ ص٦٤، ٦٥. ٢ الآية رقم ٢ من سورة سبأ. ٣ من الآية رقم ٣ من سورة سبأ. ٤ ابن كثير ج٣ ص٥٢٥.
[ ١٢٢ ]
فكم من شيء في اللحظة الواحدة يلج في الأرض ويخرج منها وكم من شيء في اللحظة الواحدة ينزل من السماء ويعرج فيها؟
لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إنه وصف أعلى من مستوى تفكير البشر فأنى لهم أن يتحدثوا عن شمول العلم وإحاطته ودقته بمثل ما صورته هذه الآيات وأنها لتدل بألفاظها وأبعادها البعيدة في آفاق الكون والنفس إن الذي يصف نفسه ويصف علمه بما يعلم من الأوصاف التي لا تخطر للبشر على بال١ واحد في كل شيء فهل ما يعبدون من دون الله لهم شيء من هذا؟ كلا، إنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ .
لا تدركه الأبصار:
لم يوهب الإنسان قدرة على إدراك ذات الله ذلك لأن الحادث الفاني بتركيبه يعجز عن أن يرى الأزلي الأبدي. ووظيفة الإنسان على الأرض هي عمارتها باسم الله، وتلك الوظيفة قد أعين عليها الإنسان ووهب مستلزماتها، ورؤية الله لا تدخل في هذه المستلزمات، ويستمر هذا الدليل في كل عصر باقيا قويا مقنعا، ففي العصر الحديث يكثر الحديث عن الذرة وعن الكهرباء والبرتون والنيوترون ولكن واحدا منهم لم ير ذرة ولا كهربا إلخ. فالجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات ليراها المتحدثون جميعا لم يوجد بعد ومع هذا فهي مسلمة لهم مع أن الذرة حادثة والكهرب حادث وهي قوانين مودعة في الكون كل ما يفعله الإنسان أن يكتشفها فقط ومع وجودها فهم
_________________
(١) ١ ظلال القرآن ج٢٢ ص٦٠.
[ ١٢٣ ]
لا يرونها ويثقون في وجودها عن طريق آثارها. فالله لا تدركه الأبصار وتدركه البصيرة في آثاره ونعمائه ومخلوقاته: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ١.
كن فيكون:
كل أمر يريده جل شأنه لا يحتاج في إيجاده إلى زمن ولا مكان ولا مادة إنه يوجد في لمح البصر أو أقرب، إن كل أمر يريده الله تعالى عظم عظمة السموات والأرض أو صغر صغر التلفظ بالنون والفاء مدغمتين على طريقة تجويد آيات القرآن الكريم.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
فهل لما يشركونه بالله في العبادة له شيء من هذا؟
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٣.
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٤ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٨٢ من سورة يس. ٣ الآية رقم ٥٦ من سورة الإسراء. ٤ الآية رقم ١٧ من سورة النحل.
[ ١٢٤ ]
يخلق ما يشاء ويختار:
إن الله جل شأنه يخلق ما يشاء وليس في الكون كله من يملك أو يقدر أن يقترح على الله شيئا، ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا، ولا أن يعدل أو يبدل فيه شيئا.
إنه وحده جل شأنه يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لم يريد من الوظائف والتكاليف والمقامات وليس لأحد الخيرة لا في شأن نفسه ولا في شأن غيره ومرد الأمر كله إلى الله.
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١.
فهل ما يشركه المشركون مع جلال الله في العبادة له شيء من هذا؟
﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٣.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾ .
هذا الكون على اتساعه وانفراج ما بين أبعاده ما نعلم منه وما لا نعلمه ما نراه وما لا نراه، كل هذا الكون كله، كله، كله، هالك زائل ذاهب؛ المال والجاه والسلطان، والقوة والحياة والمتاع، الأرض
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٣ من سورة الأنبياء. ٢ من الآية رقم ١٩٤ من سورة الأعراف. ٣ الآيتان ١٩٦، ١٩٧ من سورة الأعراف.
[ ١٢٥ ]
ومن عليها والسموات ومن فيها وما بينهما مما لا يعلمه إلا الله هالك زائل ويدخل في ذلك ما يعبدونه من دون الله.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ١.
ويبقى وجه ربك وله الحكم يقضي بما يشاء ويحكم كما يشاء، ولا يشركه في حكمه أحد ولا يرد قضاءه أحد ولا يقف لأمره أمر.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ٢.
غافر الذنب:
يعرف الله عباده بصفاته ذات الأثر الموجود في حياتهم ووجودهم. وتلمس آيات القرآن الكريم مشاعر القوم وقلوبهم فيثير الرجاء فيهم أو الخوف والخشية، ويشعرون بأنهم في قبضة رب عزيز لا يغلب ويصرف الأمور بإرادته هو. ولا معقب لحكمه وهو رب عليم يدبر الأمر على خبرة وعلم محيط. محيط بأرجاء الكون كله.
وهو مع هذا غافر الذنب وقابل التوب بر رحيم يعفو عن كثير ويفتح باب التوبة بلا حجاب.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيتان ٢٦، ٢٧ من سورة الرحمن. ٢ الآية رقم ٤٤ من سورة فاطر. ٣ من الآية رقم ٤٤ من سورة فاطر.
[ ١٢٦ ]
ومع عفوه وبره وحلمه فهو شديد العقاب يدمر المتكبرين ويعاقب المارقين الذين لا يعودون ولا يستغفرون. إنه ذو الطول يعطي بغير حساب.
فهل لما يشركون من هذه الصفات شيء؟
إنهم لا يعرفون عن آلهتهم وصفا مضبوطا ولا يتبينون ماذا يسخطها وماذا يرضيها فيعيشون معها في قلق، فهم لا يدرون موضع سخطها ولا موضع رضاها. إن كل ما يقدمونه من الضحايا والذبائح والرقى والتمائم يدفع إليه وهم وتخمين لعلها ترضى!
وجاء الإسلام واضحا ناصعا يصل الناس بخالقهم الواحد يعرفهم صفاته ويبصرهم بمشيئته ويعلمهم كيف يتقربون إليه، وكيف يرجون منه الرحمة ويخشون عذابه ويسألونه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة١.
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٢.
وله الكبرياء في السموات والأرض:
إنه صوت التحميد والتمجيد ينطلق معلنا ربوبية الله وحده في هذا الوجود سمائه وأرضه، إنسه وجنه، طيره ووحشه، علويه وسفليه، نباته وجماده وسائر ما فيه ومن فيه فكلهم في رعاية رب
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٢٤ ص٥٤-٥٥. ٢ الآية رقم ٤٣ من سورة الأنبياء.
[ ١٢٧ ]
واحد يدبرهم ويرعاهم وله الحمد على الرعاية والتدبير وله الكبرياء كذلك، الكبرياء المطلقة في هذا الوجود حيث يتصاغر الكل وينحني الجميع ويستسلم كل متمرد.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١.
ومع الكبرياء والربوبية فلله القدرة القادرة والحكمة المدبرة، وهو العزيز الحكيم، والحمد لله رب العالمين٢.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٩ من سورة النحل. ٢ راجع في ظلال القرآن ج١٥ ص١٤٢-١٤٣.
[ ١٢٨ ]
ثالثا: وحدانية التدبير وتصريف الملك:
أ- التدبير:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ ٢.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦ من سورة هود. ٢ الآية رقم ١١ من سورة فاطر. ٣ الآيتان ٤٩، ٥٠ من سورة الشورى.
[ ١٢٨ ]
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
تلك محاولة يعالج بها القرآن الكريم الاتجاه الفكري عند المعاندين وهي محاولة تتوجه إلى تخليص العبد من هموم ليست في قدرته ولا في استطاعته أن يفعل فيها شيئا مهما تعاون البشر طرا أو انفردوا آحادا.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٩-٢٧ من سورة الروم.
[ ١٢٩ ]
إن الذي يشغل المرء ويفسد عليه قلبه هو انشغاله بما ليس في استطاعته والقرآن في هذه النماذج من الآيات المكية يوضح للعقل منهاج تفكير منظم.
إنه -أي القرآن الكريم- سيقدم له تحديدا لارتباط الإنسان بهذا الكون الذي يعيش فيه وخضوع الكون كله لله رب العالمين.
والارتباط أو العلاقة بوجود الإنسان في هذا الكون مجالها:
الرزق.
والعمر.
والأولاد.
وقد ضمن الله له الثلاثة وليس في مقدور أحد من البشر أن يعبر بالزيادة أو النقص منها شيئا ما.
والرزق والعمر والأولاد دائرات في فلك الكون، والكون كله ساجد مسخر بإرادة الله جل شأنه، فهل لمن يشركونهم في عبادة الله من أصنام وجن وملائكة شيء في هذا التدبير الإلهي؟
الرزق:
أودع الله الأرض التي يعيش عليها كل من يدب الإمكانات القادرة على تلبية حاجات هذه المخلوقات الهائلة الجمة جميعا، وأودع لله في هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض بأية صورة من صور الإنتاج قديما أو حديثا حتى إن بعض
[ ١٣٠ ]
المخلوقات يسر له أن يتنازل رزقه دما مهضوما، وهذا الرزق الممنوح من عطايا الله حق مؤكد مقسم عليه تفضلا من جلاله وكبريائه:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ١.
وهي لفتة عجيبة ترد بصر الإنسان ونفسه وعقله إلى مصدر الرزق الأعلى إلى السماء إلى الله ليتطلع الفرد إلى ما قسم له عند ربه فلا يسلم نفسه إلى أسباب الرزق العادية في الأرض، فتحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ له جنات معروشات وغير معروشات في الأرض، وبذلك ينفك القيد الحديدي الذي تغلغلت فيه تلافيف الفكر وتنطلق إلى خالق الأسباب، ويدرك الإنسان السليم في عقله ووجدانه أن ما يدعونه من دون الله لا يقدرون على شيء، فهم صم بكم عمي لا يرجعون٢.
والقوم مع جحودهم لم يستطيعوا إنكار هذه الحقيقة.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
_________________
(١) ١ الآيتان ٢٢، ٢٣ من سورة الذاريات. ٢ راجع في ظلال القرآن ج٢٧ ص١٩، الإسلام والإيمان ص٢٢٦.
[ ١٣١ ]
وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ١.
العمر:
تتردد كثيرا في القرآن الكريم الإشارة إلى النشأة الأولى من التراب والنشأة الثانية من النطفة ويتردد كذلك الإشارة إلى مراحل كل منهما وكلاهما عنصر لا حياة فيه تتساوق مع حياة الإنسان.
فالتراب عنصر ميت برأي العين.
والنطفة عنصر هامد مبتذل في العرف العادي.
وإن كانت فيه حياة حسب الأبحاث الطبية الحديثة فهي حياة الميكروب الضعيفة العاجزة. إن تغيرت درجة حرارة الجو الذي تعيش فيه ماتت٢.
وعلى كل كيف تلبست الحياة بالعنصر الأول وتلبست الحياة بالعنصر الثاني أما العنصر الأول فهو سر مغلق على البشر وهي حقيقة مشهودة قائمة لا مفر من الاعتراف بها والإقرار بدلالتها على قدرة المحيي القدير.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣١ من سورة يونس. ٢ علم الأجنة في القرآن للدكتور عفيفي محمود، الموسم الثقافي الثاني للأزهر ١٣٧٩هـ، ١٩٦٠م.
[ ١٣٢ ]
أما العنصر الثاني فهو نقلة بعيدة كيف انتقلت خلية مثل الميكروب حجما وحياة إلى خلقه كاملة سوية ثم تشكلت ذكرا أو أنثى حسب ما أودع في النطفة الأمشاج من خصائص أودعها الحكيم الخبير، هذه النقلة من النطفة على ضعفها إلى النوعين المتمايزين بعيدة المدى في إحداث رجة عنيفة في التفكير فأين الخلية الواحدة من ذلك الكائن المعقد التراكيب الدقيق التأليف الكثير الأجهزة المتعدد الوظائف، المختلف في العقل والمزاج واللون والطول والعرض والعواطف.
أين الخلية الضعيفة التافهة من ذلك الإنسان الذي كرمه ربه ونعمه؟
وأين الذين يشركونهم مع الله في العبادة من هذا التدبير الإلهي؟
ومع هذا فما تحمل من أنثى مطلقا بشرا أو حيوانا إلخ، ولا تضع كذلك إلا بعلمه، وعلم الله بكل حمل وكل وضع في هذا الكون المترامي الأطراف شامل ومحيط.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ .
وكيف تصل عبقرية البشر إلى إدراك جميع الأحياء في هذا الكون من شجر وطير وحيوان وإنسان في البر والبحر أو في الهواء على اختلاف أجسامها وأشكالها وأنواعها وأجناسها وديارها وأزمنتها، ليتابع من عمر أو نقص من عمره؟
[ ١٣٣ ]
إن كل فرد من أفراد هذا الحشد لا يعلمه إلا الله خالقه ومدبر أمره، وإن ذلك العلم المحيط بكل ما في الوجود لا يكلف جهدا عسيرا ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
وعمر كل ما في الوجود إذا جاء أجله لا يؤخر ساعة ولا يستقدم ساعة.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٢.
ولا يملك أحد غير الله ﷻ أن يقدم أو يؤخر ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
فأين ما يعبدونه من دون الله وهذا التدبير البديع المحكم الفسيح؟ الأولاد:
الأولاد أو الذرية مظهر من مظاهر العطاء والحرمان وعلامة من علامات المنح والمنع، فمن الذي يهب الذرية؟
إنها رزق من عند الله وهي زينة الحياة الدنيا، وجعلها الله قرينة النفس الإنسانية، فمن الذي يرزق الناس الأولاد؟
لقد افتتحت الآية بأن لله ملك السموات والأرض وهو افتتاح منبه للعقول؛ لإدراك كل جزئية تأتي فيما بعد في محيط هذه الملكية
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢٢ ص١١٤-١١٦، راجع فصل كيف بدأت الحياة من كتاب: العلم يدعو للإيمان ص١٠١. ٢ من الآية رقم ٤٩ من سورة يونس. ٣ من الآية رقم ٤ من سورة نوح.
[ ١٣٤ ]
الإلهية. وذكر ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ترشيح للإيحاء النفسي المطلوب من الافتتاحية بالملكية المطلقة لله تعالى، ثم رتب على ذلك تقسيم الرزق منوعا، وجعل الحرمان مقابلا له لتكتمل يقظة بتفقه الواقع الملموس.
﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ وقد كانوا يكرهونها فكيف ينسبون مثلها إلى الله؟
﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ .
وكل هذا خاضع للسلطان الإلهي، مرتبط بمشيئة الله وحده لا يتدخل في ذلك أحد سواه١.
فأين ما يشركونه مع الله سبحانه من هذا العطاء المحمود؟ أو المنع الذي لا معطي له من بعده.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
ب- وحدانية التصرف في الملك:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ .
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢٥ ص٥٢، ٥٣.
[ ١٣٥ ]
وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ، وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ، إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ، وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ١.
آية السموات والأرض والغيث حقيقة قاطعة في دلالتها على منشئ مدبر، واللمسات في هذه الآيات وفي آيات سورة الروم تحمل الإنسان بكل أقطاره لينتقل من حظيرة الكفر إلى حظيرة الإيمان بالله؛ لأنه أينما حل فهو في كنف الله جل شأنه.
ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، لقد غاب عنهم الغيث ولا غوث لهم بعد انقطاع المطر ووقفوا عاجزين عن سبب الحياة الأول وأدركهم اليأس، ولو دعوا آلهتهم ما سمعوا لهم ولو سمعوا ما استجابوا، فلا قدرة ولا إرادة ولا حركة ألبته، وفي لحظات إدراك اليأس ينزل الله الغيث وينشر رحمته فتحيا الأرض وتنفرج الأسارير وتنفتح القلوب وينبض الأمل ويفيض الرجاء ذلك أن الله هو الولي الحميد المتكفل بولاية خلقه المستحق الحمد بذاته.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٢٨-٣٥ من سورة الشورى.
[ ١٣٦ ]
والسفن الجواري في البحر كالجبال آية حاضرة مشهودة أنها آية تقوم على آيات كلها من صنع الله وتدبيره دون جدال.
فمن الذي أنشأ البحر؟ مَنْ مِنَ البشر أو من آلهتهم؟
ومن الذي أودعه خصائص الكثافة والعمق والسعة وعلم الماء يجري ويحمل السفن الضخام؟
مَنْ مِنَ البشر أو من آلهتهم؟
والسفن ذاتها، من هدى الإنسان إلى صنعها؟ وخلق له مواد بنائها؟ وعلمه كيفية تركيبها؟ ثم من الذي حباها نعمة الطفو ومنحها القوة على التحرك؟
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ .
والصبر والشكر هما قوام النفس الصادقة في السراء والضراء والتحلي بهما من دلائل الإيمان وعلاماته١.
يخرج الحي من الميت، إنها عملية دائبة لا تتوقف هنيهة من ليل أو نهار، وفي كل مكان في الأرض أو في الفضاء أو في أعماق البحار في كل لحظة يتم هذا التحول يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة.
أو يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى حطام أو هشيم يخرج من خلاله حبة جديدة ساكنة تتهيأ بها حياة في المستقبل بالإثبات.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٢٥ ص٣٦-٣٩.
[ ١٣٧ ]
ويوجد غاز ينطلق في الجو فتتغذى به التربة ويتم به الإخصاب.
وتدب الحياة في جنين: طير أو حيوان أو إنسان، إنها دورة دائمة رهيبة عجيبة لو تأملها الحس الواعي والقلب البصير؟
فمن المدبر ومن بيده ملكوت السموات والأرض؟
أما هم إذا سئلوا أجابوا خلقهن الله؟
والزوجية مشاعر مشتركة وصلة فطرية بين الجنسين من بني البشر، فمن الذي أودع في النفوس هذه العواطف والمشاعر المشتركة وجعل فيها سكنا ومودة وراحة للقلب والعقل والجسم والمشاعر، وربط استقرار الحياة والعيش بها؟
واختلاف الألسنة في البشر مع اتحاد مطالبهم ووحدة الغاية من اللسان وهو التعبير عن الحاجة وإدراكها آية بينة وهو اختلاف مرتبط بخلق السموات والأرض فاختلاف الأجواء على سطح الأرض فلكيا، واختلاف المناخ له علاقة باختلاف الألسنة والألوان حتى ولو اتحدت النشأة والأصل في بني الإنسان فمن الذي دبر هذا؟
والنوم بالليل والسعي بالنهار آية تجمع بين ظاهرتين تفضل الله بهما على عبادة وقد خلقهم جل شأنه متناسقين النوم في الليل والعمل في النهار فجعل العمل حاجة تلبيها أضواء النهار وجعل النوم حاجة تلبيها ظلمات الليل، والبشر مثلهم في هذا مثل جميع الأحياء على كوكب الأرض.
[ ١٣٨ ]
إن كل حي في الكون الأرضي يجد ما يلبي حاجته ويسمح له بالحياة. عمل بالنهار ليبتغي الحي من فضل الله، وراحته وسكينته بالليل لينام ويهدأ ليزاول بكرة نشاطه من جديد. فمن الذي يسمع لهذه الآيات؟
والبرق مصدر خوف وطمع وهما شعوران فطريان يتعاوران على النفس البشرية أمام تلك الظاهرة.
والعربي في صحرائه الشاسعة أحوج ما يكون إلى قطرة الماء؟ والبرق علامة الغيث في السحاب ولكنه كذلك علامة الصاعقة التي دمرت قوم عاد.
ففي البرق الخوف والرجاء يوقظان الشعور والتعقل ليدركوا من المدبر لهذا الملكوت الجليل.
والسموات والأرض يقومان في انتظام سليم مقدر الحركات آية من آيات التدبير والتصريف الإلهي، فمن يملك أن يدعي أنه هو أو سواه مطلقا يفعل هذا التدبير والتصريف في قيام السموات والأرض؟
إن السموات والأرض تقومان بأمره ملبيتان طائعتان ساجدتان لأوامر الله جل شأنه دون انحراف أو اضطراب أو تلكؤ.
وكل من الكون، في السموات أو في الأرض قانت إن طوعا أو كرها، إنهم جميعا محكومون بسنن الله في كونه حتى ولو كانوا عصاة مثل معاندي الدعوة في مكة المكرمة فإنما عقولهم تعصي وقلوبهم تكفر ولكنهم مع هذا العصيان والكفر محكومون بالناموس الإلهي
[ ١٣٩ ]
الذي تجري به السموات والأرض. إن الله هو الفعال لما يريد، وهم خلق من خلقه يتصرف فيهم وفق ما يريد تصرفه وتدبيره وهم لا يملكون إلا الخضوع والقنوت.
وله المثل الأعلى في السموات والأرض فهو سبحانه المنفرد بالتدبير والتصرف في الملك، ومنفرد بصفاته الحسنى لا يشاركه فيها أحد وليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم القاهر المدبر بالحكمة والتقدير الرحيم١.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢١ ص٣٤-٤٠.
[ ١٤٠ ]
رابعا: بعث الوجدان الفطري
وبعد هذه الاستفاضة الواسعة الفسيحة في أرجاء الكون وأعماق النفس وإبراز صفات الله بشتى أنواع الأدلة المحسوسة بالعين والمشاهدة بالبصيرة، والمدركة بالمشاعر:
أدلة الخلق.
وأدلة الترابط والقصد.
وأدلة العناية والتدبير.
التي توصل العقل السليم إلى الإيمان بوحدانية الخالق وكمال صفاته الحسنى التي لا يشاركه فيها أحد واستحقاقه وحده جل شأنه العبادة من البشر، بعد هذه الاستفاضة يعرج القرآن الكريم بالقوم بمعاندي الدعوة على نوع خاص من الأدلة هي بعث المشاعر والعواطف.
يهدهد على عواطفهم تارة بكل ملطف ومنبه يمس شغاف قلوبهم باليد الرحيمة الرفيقة الودودة المنعمة لعلهم يستيقظون.
[ ١٤٠ ]
فلما لم يستجيبوا لنداء المودة والإحسان يجذبهم من نواصيهم جذبا مروعا ويشهدهم عاقبة المكذبين من قبل ويصور لهم الضنك والضيق يوم المحشر وأهوال يوم القيامة تلك اللحظات التي لا يملكون فيها شيئا ولو أنفقوا ما في الأرض جميا ما تقبل منهم ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا.
وكثيرا ما تتغير النفوس بالقسر وقليلا ما تلين بالمعروف فزاوج القرآن بينهما؛ فالعبد يقرع بالعصى والحر تكفيه المقالة. ولقد كانت غاية القرآن الكريم في هذه المحاولة هي اطلاع المعاندين على الحق من كل زاوية وبكل وسيلة حتى لا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكفى بالله حسيبا وكفى بالله شهيدا.
والقرآن في هذه الجولة من التدليل على وحدانية الله وصفاته الحسنى يقدم لنا نموذجين:
الأول: إقناع الوجدان بالترغيب أو بالترهيب.
الثاني: إقناع الوجدان بالتجارب التاريخية للسالفين من الأمم الكافرة.
النموذج الأول: من آلاء الله؟
قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ .
[ ١٤١ ]
وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
كان التدين الجاهلي قد عمد إلى بعض الزروع والأنعام فعزلها وقصرها على الآلهة وادعوا أن الله الخالق هو الذي حرم ذلك. فتأتي الآيات هنا لتصحيح فكرتين.
الأولى: أن خالق هذه الجنات بنوعيها هو الله وحده:
الجنات المعروشات التي ذللها الله للإنسان فنظمها وعرشها وتعهدها بالعرائس والحوائط.
والغابات البريات التي نمت بقدرة الله دون تدخل من الإنسان وهي تحمل من الخيرات والجمال والفن ما لا تقدر عليه رعاية البشر في جناتهم المعروشات، وتلك واحدة من عالمية الدعوة.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٤١-١٤٤ من سورة الأنعام.
[ ١٤٢ ]
إذ تصف نوعا خاصا من الغابات لم يعهده العرب ولم يروه وهو هنا في جنوب شرقي آسيا في أندونيسيا والهند الصينية والفلبين وماليزيا آيات بينات على قدرة الصانع وجلال سلطانه.
والقرآن يسوق هذه الجنات بنوعيها لإقامة الدليل على وحدانية الله الذي خلق وأظهر تلك الجنات دون شريك له بأي وجه من الوجوه١ وهو دليل يحسه الفرد بمشاعره ووجدانه ويشعر به في نعم الله وهي تحيط به بما هيأه له من الذكاء والقدرة على العمل وبما سخره له من الشجر والأرض والماء والسحاب ليصنع له ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ .
وما أحاطه به من جنات برية يعجز بقدرته البشرية عن غرسها وسقيها ورعايتها وسبحان الله العظيم فالذي يلاحظ الناس هنا في جنوب شرقي آسيا وهي في ظلال الغابات التي يتساقط عليهم من ثمراتها، عليهم مسحة الكسل والركون إلى الدعة فالمطر ينزله الله من السماء والأرض تنبت ثمارا أشجارها بإذن الله ولا مدخلية للفرد هنا بجهد عظيم أو عادي يذكر.
في حين أن أهل الجنات المعروشات قد حباهم الله من القوة والمناخ ما يسعفهم على التحرك والعمل والزرع والسقي والرعاية فقد علم الله أنهم لن يحصلوا على ثمار جنة معروشة إلا بكد وعرق وجهد فذلل لهم الجو بالمناخ ووهبهم القوة على العمل والسعي.
_________________
(١) ١ راجع روح المعاني ج٨ ص٣٧ تفسير الطبري ج٨ ص٥٠ ط ثانية.
[ ١٤٣ ]
إن المنهج القرآني هنا يكثر من عرض حقيقة الرزق الذي يختص الله بمنحه للناس ليتخذ منه برهانا على ضرورة إفراد الله سبحانه بالتسلط والتصرف والحاكمية والعبادة لجلاله وحده فإن الخالق الرازق الكافل هو وحده الحقيق بأن تكون له الربوبية والسلطان والعبادة.
الثانية: أن سلطة التشريع خاصة بالله وحده.
وهنا يحشد السياق في هذه الآيات مشاهد الزرع والثمار.
والأنعام وما فيها من نعم الله ليرد على عنجهية الجاهليين الذين يدعون أن الله حرم هذا وتلك هي الفكرة الثانية التي يريد القرآن أن يصححها في مجال العقيدة فيبرهن على أن الحاكمية والتحليل والتحريم ليس خاضعا لهوى الكهنة والسدنة والرؤساء، وإنما هو خاضع لسلطان الله جل شأنه على لسان نبيه الخاتم.
وهنا يكشف السياق عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه فيستخرج مكامن الأوهام الجاهلية فيلقي ضوءا على ما أودعه الله في الأنعام من آلاء ونعم ليخجل الجاهليون من عقليتهم لو كانوا منصفين١.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ الآيات.
فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل نعمة الله إليكم وقد خلقها على سننه الكونية ليبقى لكم من نسلها نعم وأفضال ربانية تعيشون بها، من خلقها ومن حرثها؟
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٨ ص٧٢، ٧٣.
[ ١٤٤ ]
والجو الصحراوي حيث ينعدم التحرك الاقتصادي يلقي ظلالا واسعة على فهم هذه النعم حيث يجري الواحد منهم خلف ناقته باحثا لها عن مرعى فيدرك معنى السؤال نبئوني بعلم؟
هذه الشئون لا يكفي فيها الظن ولا التخمين فمن أين جاءكم هذا التحريم؟
هل شهدتم وصية من الله لكم خاصة بهذا التحريم؟ فيرتد الوجدان الصادق والعقل المدرك إلى صواب في العقيدة والعبادة؟
لقد ردهم القرآن بهذه الآيات إلى المصدر الحقيقي للحرث والأنعام التي يتنعمون بها ليعبدوه جل شأنه وذلك لصلاح حالهم ودينهم فالله غني عن العباد عبدوا أو جحدوا.
ومع هذا البيان يبدو عرض نعم الله على عباده أخاذا بالنفوس مسيطرا على الوجدان تنفعل له الأسارير رغبا أو رهبا.
ومع هذا الحنان والرفق تأتي حملة السياط التي تلدغ الوجدان بإيقاعاتها ورنينها وأدواتها الهائلة؛ السموات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأنهار والأمطار والثمار؟
يقول الله تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ،
[ ١٤٥ ]
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ .
هنا لا تعرض قضية التوحيد عرضا فلسفيا ميتا فيزيقيا جافا ميتا إنما نعرضها الآيات في المجال الحركي المؤثر الموحي بالواقعية المشاهدة في الكون ولمسات الفطرة وبديهيات الإدراك مع جمال العرض واتساق النظم البديع.
كل هذه الأكوان: السموات والأرض والماء الذي ينزله الله من السماء والثمرات التي ينبتها الله والفلك التي سخرها الله في البحر وسخر البحر ليحملها وسخر الأنهار تأكلون منها لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها.
والشمس والقمر والليل والنهار وكل نعم الله التي لا تحصى كل هذا سخر للإنسان؟ فكل هذا الكون الهائل سخر لهذا المخلوق الصغير.
وبعد ذلك أيجعلون لله أندادا؟
الخلقية العربية التي تعرف احترام الجميل وذكر المعروف تنكر هذه الآلاء التي منحها الله بلا حساب؟ وتقابلها بالجحود والنكران؟
الإنسان كمخلوق الله يعجز عن إدارة شئون حياته ما لم تدركه رحمة الله وفضله ويحس هذا في كيانه وظروف معيشته أيقابل نعم الله بالكفر والإشراك؟
_________________
(١) ١ الآيات من رقم: ٣٢- ٣٤ من سورة إبراهيم.
[ ١٤٦ ]
هنا يستيقظ عقل خاص فيتطلع إلى الكون حوله فيراه مسخرا له:
إما بقدرته المباشرة حيث ذلل الله لها الأرض، أو بالنواميس التي أودعها الله في الكون وتكفلت بسد حاجات البشر ثم يتدبر فيراه في رحمة الله مغموسا.
لا يستطيع الخروج منها إلا إلى الموت وهنا يرتجف فؤاده ويخشع ويسجد لله شاكرا مسلما حنيفا إن كان من العاقلين١.
وهكذا يقلب القرآن قلوب البشر بين رغبة ورهبة كأنما يهدهد تارة ويؤخر أخرى ليستثير فيهم آصرة الفطرة التي فطر الله الناس عليها ليؤمنوا بالله وحده ويعظموه فيردهم إلى مثل صغير من حياتهم تعجز عنه قواهم ويعجز عنه تصورهم وهو مثل يقع في كل لحظة من ليل أو نهار.
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
كل عالم وباحث ومفكر وفيلسوف وأديب وطبيب وصانع ماهر يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئا صغيرا أو كبيرا أو أدنى من ذلك، فما اكتسبه من خبرات أو علم أو فن بعد ذلك، فإنما هو هبة من نعم الله التي ينعم بها على البشر بالقدر الذي أراده لهم وخلقهم له، وركب فيهم من المدارك والقدرات والذكاء، وجعل لهم بهذا القدر كفاية
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٣ ص١٦٦، ١٦٩.
[ ١٤٧ ]
الحياة على هذه الأرض لعلهم يدركون قيمة هذه النعمة فيعبدون الله وحده ولا يشركون به أحدًا.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ١.
فينبههم القرآن الكريم بلطفه اللطيف وكأنه يربت على عقولهم وعواطفهم، بل كأنه يفتح لهم جفون أعينهم ويمسك بأيديهم إلى الدلائل فيقول لهم في استفهام شامل لكل المعاني:
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وهو مشهد مكرر مألوف، ولكن القرآن هنا ينبههم إلى عجيبة من آثار القدرة الآلهية التي لا يتدبرونها.
فمن الذي يمسك الطير في جو السماء؟
إنها النواميس الإلهية التي أودعها الله فطرة الطير وفطرة الكون، إنها نعمة الله التي وهبها للطير أن يطير وللجو أن يناسب طيرانه.
فالقلب المدرك لهذه العجيبة المكررة يوميا يراها في كل يوم آية على وحدانية الخالق المتصرف في هذا الملكوت المنعم على خلائقه كلها بجليل النعم.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٥ من سورة يوسف. ٢ الآية رقم ٧٩ من سورة النحل.
[ ١٤٨ ]
وهنا يهتز القلب وتقشعر جلود الذين يخشون ربهم.
ويتسلل القرآن إلى المشاعر الإنسانية في كل مستوياتها فينقل الوجدان إلى إدراك أسرار الخلق وآثار نعم الله ومظاهر آلائه على الناس في البيوت، وسيان أصحاب الصحراء القاحلة أو أصحاب الغابات المتكاثفة فإنهم يحسون بقيمة البيوت حيث هي المأوى من الحر والبرد والمطر والرياح فتخطوا الآيات إلى النفوس من باب البيت والسكن لتريهم أي آيات الله ينكرون؟
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ ١.
الطمأنينة في البيوت نعمة يعرفها الآن المشردون من أوطانهم في الشرق الإسلامي خاصة، اللاجئون من أبناء فلسطين الحبيبة وأبناء باكستان الشرقية كما يعرف هذه النعمة المشردون في فتنام وكمبوجا، والعربي القديم يدركها والرجل المعاصر في الغابات اليوم يدركها، والمسافرون عندما تحل بهم آلام السفر يدركونها كذلك هي نعمة يحس بها الإنسان في أي عصر وفي أي مكان، ولكن مفهوم الحاجة إلى السكن
_________________
(١) ١ الآيتان: ٨٠، ٨١ من سورة النحل.
[ ١٤٩ ]
الذي يستجيش به القرآن أسارير البشر هي الحاجة إلى الراحة والاطمئنان والأمن والسلام والحاجة إلى حرمة البيت والحفاظ على أسراره وتلك قد ضمنها الله بالشرع وبالحياء الخلقي الذي أودعه في نفس الإنسان.
وتستمر الآيات في تصوير منح الله للإنسان في نعمة البيت حيث مهد له في الجبال بيوتا وعلمه وسخر له جلود الأنعام ليتخذ منها بيوتا في الظعن وفي الإقامة وفي ثنايا هذه النعمة، ذكرهم بأن الأنعام لها فائدة أخرى، تتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين فتتناسق في الفؤاد نعمتا السكن والأثاث والثياب وكلها من حاجات الإنسان الضرورية له في الحياة.
إنها نعم نأخذ بوجدان الإنسان إلى الشعور بنعمة الطمأنينة والراحة والشعور بها يؤدي إلى الشعور بالاستسلام والراحة والركون إلى خالقها والمنعم بها وفاء وشكرا واعترافا بالجميل ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ .
ولكن الإلف والعادة منعتهم من الإسلام ومنعتهم كذلك من اليقظة فيكرر القرآن لهم النداء والدعوة ويسألهم:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ،
[ ١٥٠ ]
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
الناس يشتاقون بالطبع إلى مشرق الصبح حين يطول بهم ليل الشتاء ويحنون إلى ضياء الشمس بالحاجة عندما تتوارى عنهم فترات وراء مزن السحاب.
فكيف فقدوا الضياء فكان الليل عليهم سرمدا إلى يوم القيامة؟ أما العلم الحديث فيجيب:
إن الشمس هي مصدر كل حياة وحرارتها تبلغ ١٢.٠٠٠ فارنهايت مسطحا، وموقع الكرة الأرضية في بعد عنها يكفي لأن تمدنا هذه الحرارة بالدفء الكافي، ومسافة الأرض من الشمس ثابتة بشكل عجيب ولو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل ٥٠ درجة في سنة واحدة، فإن كل نبت يموت والإنسان يموت حرقا أو تجمدا والكرة الأرضية مائلة بزاوية قدرها ٢٣ درجة فلو تغيرت هذه الزاوية لحدثت أضرار عدة منها:
١- يكون القطبان في حالة غسق دائم.
٢- يصير البخار المنبعث من المحيطات مكدسا في الشمال والجنوب فقط صانعا قارات من الجليد، وقد يترك صحراء بين خط الاستواء والثلج.
٣- تغطي قاعات المحيط بطبقات من الملح لتكون مصبا لمنبع أنهار من صحراء خط الاستواء فتحدث ملاحات من الملح.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٧١-٧٣ من سورة القصص.
[ ١٥١ ]
٤- ويؤثر ذلك في ثقل الكتلة على القطبين فيؤدي إلى فرطحة خط الاستواء أو فورانه.
٥- ويقل المطر في كافة أرجاء العالم١.
والناس بالطبع كذلك يحنون إلى الليل حين يطول النهار في فصل الصيف، ويجدون في ظلام الليل وسكونه راحة وسباتا، وكل ما في الكون من حي يحتاج إلى هذه الراحة وذلك السبات فكيف بالناس لو كان النهار عليهم سرمدا إلى يوم القيامة؟ يجيب العلم:
أ- لو زادت سرعة دوران الأرض حول نفسها أو قلت لأصبح طول النهار ١٢٠ عشرين ساعة ومائة ساعة فاحترق الزرع واختل ميزان العمل في النهار والراحة والنوم في الليل٢.
إن رحمة الله جعلت الليل سكنا والنهار معاشا وجعل ذلك قانونا مسنونا لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون.
لقد هدهد القرآن على مشاعرهم وآنس قلوبهم وأيقظ فطرتهم وحشد لهم رصيدا من العلم واليقين لعلهم يهتدون.
ب- من نقم الله:
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ،
_________________
(١) ١ العلم يدعو للإيمان ص٥٣، ٥٤ كريس موريسون، راجع كتاب قصة الإيمان لفضيلة الشيخ نديم الجسر ص٣٢٢، ٣٢٣. ٢ قصة الإيمان ص٣٢٠، العلم يدعو للإيمان ص٥٣.
[ ١٥٢ ]
قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ، قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ١.
هنا نرى القرآن الكريم يحاكم المعاندين إلى فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية وتلجأ إليها في ساعة الشدة والحرج والضيق ويرسم لهم في مشهد قصير سريع مشاعرهم أمام رؤية الهول والكرب الذي ترتعد له الفرائض فلا يتوجهون ساعتها إلى صنم ولا إلى كوكب ولا ملك وإنما يتوجهون إلى الله الذي تعرفه فطرتهم إلها خالقا بيده الأمر وإليه المصير وهو على كل شيء قدير.
إن تصور الخطر وتذكر الهول يردان النفوس الجامحة ويرققان القلوب الفظة ويذكر أن النفس عند لحظة الضعف بالإنابة إلى الله واللجوء إلى سلطانه.
وهي تجربة يعرفها كل من وقع في ضيق ومرات ضيق الإنسان كثيرة ومتعددة في ظلمات البر والبحر، وعندها تتعرى للإنسان حقيقة آلهته التي يعبدها من دون الله ويجدها خلوا من كل حول ولا يرى لنفسه نجاة إلا بالتضرع إلى الله دون شريك معه ولكنهم بعد هذا يشركون٢.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم٦٣-٦٥ من سورة الأنعام. ٢ في ظلال القرآن ج٧ ص٢٦٦.
[ ١٥٣ ]
بعد ما شاهدوا هذه النعم الجليلة وخلاصهم من الكرب والضيق يعودون إلى نكسة الشرك والضلال فلا يوفون بالعهد ولا يحترمون ما كان منهم من إقرار١.
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الآية.
قد يقدر الوهم للجاهليين أن يدفعوا عنهم العذاب إذا جاءهم من اليمين أو من الشمال فصورت لهم الآية الكريمة أن عذاب الله إذا جاء لا دافع له إنه عذاب غامر من فوق ومن تحت كل فوق سواء ساروا يمينا أو شمالا، وكل تحت سواء هربوا يمينا أو شمالا فهو عذاب غامر للفوقية والتحتية بكل جهاتها فلا مقاومة ولا دفاع ولات حين مناص.
النموذج الثاني: من أحداث التاريخ
وقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ،
_________________
(١) ١ روح المعاني ج٧ ص١٧٨، ١٧٩.
[ ١٥٤ ]
﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.
هي وحدة الدعوة ووحدة الطريق والغاية وباختصار يصور القرآن تكذيبهم للرسل ثم أخذهم بالهلاك والتدمير على سنة الله في أخذ للمكذبين.
لقد أخذوا برجفة زلزلت عليهم بلادهم إثر صيحة مدوية أسقطت قلوبهم في أكعابهم، لقد جاءتهم الصيحة من فوق وجاءهم الزلزال والرجفة من تحت فما كان لهم من ناصري، وكذلك أخذ ربك القرى وهي ظالمة إن أخذه شديد.
لقد أخذ عادا حاصب وهي ريح صرصر عاتية وتطايرت معه حصباء الأرض فقتلهم فكانوا كأعجاز نخل خاوية.
وثمود أخذتهم صيحة فأهلكوا بالطاغية.
وقارون خسف به وبداره الأرض.
وفرعون وهامان غرقا في اليم وجنودهما.
_________________
(١) ١ الآيات رقم ٣٦-٤٠ من سورة العنكبوت.
[ ١٥٥ ]
تلك هي مصارع العتاة البغاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدى القرون فما أغنى عنهم ما كانوا يشركون، فإلى أين تذهبون أيها المعاندون؟
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
إنه تصوير دقيق وعجيب لحقيقة القوى في هذا الوجود التي يسيء كثير من الناس تقديرهم لها وتختل في أيديهم موازينها فلا يعرفون إلى أين يذهبون أو إلى أين يتجهون وعند الحيرة والاضطراب تخدعهم قوة السلطان أو الحكم أو التقاليد والعادات فيحسبونها هي القوى التي تعمل في هذه الأرض فيتوجهون إليها جهلا.
قد تخدعهم سلطة الحكم أو المال أو العلم إن في يد الفرد أو في يد الجماعة فيضلون وذلك هو الداء الذي يجعل الناس في جاهلية سوداء وينسون الاتجاه إلى الله الحق فليس هناك سواء من يحمي وينفع أو يضر، يميت ويحيي، إن كل ما عداه مما يشركون به كحشرة العنكبوت وكل ما لديهم من قوة فهي قوى خيط العنكبوت٢، وسوف يعلمون.
ويكشف القرآن الكريم عن فطرة الإنسان وقد غسلتها المحن فلجأت إلى الله وعن وحدة الموقف من المعاندين دائما وعن سنة الله في محق هؤلاء الجبارين المشركين.
﴿فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ،
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤١ من سورة العنكبوت. ٢ في ظلال القرآن ج٢٠ ص١٢٩-١٣٠.
[ ١٥٦ ]
قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ١.
إنه نموذج مكرر للإنسان في كل عصر إذا فسدت فطرته وضلت واتبع شيطانه واغتر بدنياه هنا يأتي الضر ليغسل الفطرة من ركام الهوى والشهوة وينقيها من العوامل الوراثية المصطنعة التي تحجبها عن الحق الكامن في خلاياها.
إن القرآن يكشف عن سر الابتلاء بالنعم فهي امتحان ليميز الله خبيث النفوس من طيبها، وينبههم إلى الخطر ويحذرهم من الفتنة حتى لا تكون للناس حجة ولا عذر بعد هذا البيان.
ويعرض القرآن هذه المقالة في جوها العام كفلسفة للمشركين دائما في كل عصر قد قالها الذين من قبلهم هي هي الكلمة: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قالها قارون ويقولها كل قارون في المستقبل ولكن النهاية التي يحذر منها القرآن هي ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
لقد اختلت موازينهم وفسدت معايير الحياة التي يتعايشون عليها فضلوا طريق الحق فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون٢.
ويكشف القرآن في آيات أخرى عن طبيعة هذا اللسان إذا مسه الضر وأحاطته المصائب فيلجأ إلى ربه ويتعرف عليه.
_________________
(١) ١ الآيتان رقم ٤٩، ٥٠ من سورة الزمر. ٢ راجع في ظلال القرآن ج ٢٤ ص ٣٨، ٣٩.
[ ١٥٧ ]
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
لا يذكر الإنسان ربه إلا في ساعة العسرة والحرج ولا يثوب إلى فطرته إلا في ساعة الكرب وقد كشف البلاء عن بصيرته وعرت المحن فطرته فإذا أمن نسي وطغى إلا من رحم ربك.
لقد فعلها قوم فرعون مع موسى.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ٢.
فعاقبهم الله:
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيتان ٢٢، ٢٣ من سورة يونس. ٢ الآيتان ١٣٤، ١٣٥ من سورة الأعراف. ٣ الآية رقم ١٣٦ من سورة الأعراف.
[ ١٥٨ ]
وكذلك فعلت قريش:
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
قال ابن مسعود فيها: لما أبطأت قريش عن الإسلام واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، ودعوا الله جل شأنه وتعرفوا عليه وابتهلوا إليه، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، قال ابن مسعود فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم٢.
وهكذا يدمدم عليهم القرآن الكريم ويقسو ويرهب ويتوعد لعل في هذا الأسلوب رادعة لغلو بعد أن ألان القول. وأطال في الأدلة ولون الخطاب.
لقد ذكر لهم القرآن الكريم أنواعا من نعم الله تشعر بها النفس وتحتاج إليها أعضاء الجسم.
وعرض عليهم مقالات المعاندين ونبههم إلى وحدة المصير وكشف لهم قرى النفس وطول الإنسان وسلطان الله وكيف أخذ بالسنين والنقص في الأموال والأولاد وخسف الأرض، ودمر بالصيحة والزلازل أقواما قالوا مقالة قريش فما أغنت عنهم آلهتهم من دونه من شيء وارتدوا على أدبارهم خاسرين.
_________________
(١) ١ الآيتان: ١٠، ١١ من سورة الدخان. ٢ ابن كثير ج٤ ص١٣٨ راجع تثبيت دلائل النبوة ج١ ص٨٢.
[ ١٥٩ ]
هكذا يجيش القرآن الكريم أنواع الأدلة.
أدلة تهدي العقل المستنير.
أدلة تجذب البصيرة المعافاة من أمراض التقليد.
أدلة تطهر النفس الخبيثة وترجعها إلى حظيرة الفطرة والإيمان حتى لا تكون للناس حجة ولا تكون بعد البيان معذرة فإذا ما جحد الناس وضلوا وأصروا على هذه الضلالة وعادوا الدعوة وخاصموها كان لها بعد ذلك مندوحة في منهج جديد.
[ ١٦٠ ]
طريقة استخدام المنهج
مدخل
طريقة استخدام المنهج:
دلل القرآن الكريم على دين إبراهيم كعقيدة عاقبة بعد سيدنا إبراهيم جد العرب فكشف لهم بذلك عن طبيعة الدين الذي يدعون النسبة إليه ويفتخرون بالنسب إلى صاحبه.
ثم كشف عن بصائرهم غطاء الغفلة بما يتبعونه من سنة الآباء والأجداد، وعاب عليهم التقليد واتباع الظن.
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ .
ونصب لهم أدلة التوحيد في عدة نماذج.
ولم يترك القرآن الكريم الجانب العاطفي الوجداني فحشد له نماذج من نعم الله ونقمه تاريخ إهلاك المشركين من الضالين السالفين.
تلك الخطوات كلها مجتمعة أو بعضها تعالج قضية التوحيد والتنزيه وتخاطب المستويات الإنسانية كلها، في الشخص الواحد أو في الجماعة الواحدة فالناس معادن.
معدن تكفيه الكلمة الطيبة وتكفيه المعاريض.
ومعدن مقيد بأمجاد الآباء مفتخر بالنسب حريص على استمرار فقه أبيه.
ومعدن يحب الترف العقلي يناقش أو يجادل يحاجج.
[ ١٦١ ]
ومعدن عاطفي وجداني قد يلين جانبه بالموعظة الحسنة أو تخضع كبرياؤه للتجربة القاسية.
وقد يكون الفرد الواحد هو صاحب نفوس تحتاج إلى هذا الحظ من الأدلة فقدمها القرآن الكريم سهلة ميسرة.
ولكن القرآن الكريم لا يترك الناس على جهالة لا يعرفون كيف يستخدمون هذا المنهج.
لم يتجاهل القرآن طبيعة الإنسان، فقد خلق الإنسان ضعيفا يحتاج إلى معونة، ومع هذا فقد كان أكثر شيء جدلا.
والقرآن يقدم مع المنهج الفكري طريقة استعماله وكيفية الانتفاع به.
[ ١٦٢ ]
أولا: الدعوة إلى البحث في حقائق التاريخ
دعاهم إلى البحث في حقائق التاريخ والكشف عن الضربات القاصمة التي كانت جزاء المارقين من السابقين الذين يمرون عليهم مصبحين وممسين، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على النظر والدراسة في تاريخ الأمم الماضية المجاورة.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٩ من سورة يوسف.
[ ١٦٢ ]
عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ٢.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ٣.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٤.
إن القرآن هنا يسألهم لينشطهم للسير في الأرض بعين مفتوحة، وحس متوفر وقلب بصير؛ لينظروا، ويتدبروا ما كان في الأرض قبلهم من آثار وما تعرضوا له من تدمير؛ لأنهم أشركوا بالله ولم يقدروا قدره.
وبعد أن يسأل لينشط يأمر ويكلف بالنظر.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٩ من سورة الروم. ٢ الآية رقم ٤٤ من سورة فاطر. ٣ الآية رقم ٢١ من سورة غافر. ٤ الآية رقم ٨٢ من سورة غافر. ٥ الآية رقم ١١ من سورة الأنعام.
[ ١٦٣ ]
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٣.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ ٥.
كان العرب يسيرون في الأرض وينتقلون في أرجائها، رحلة الشتاء والصيف ولكنه كان سيرا متعلقا بالعيش، بالرعي بالصيد بالتجارة، ولما عارضوا الدعوة لم يفكروا جديا في حرية بعيدة عن الجاهلية والعمى فنبههم القرآن الكريم إلى تعدين أهداف السير.
لقد سألهم أن يسيروا للتدبر والاعتبار ثم أمرهم أن يبحثوا في آثار الأمم الماضية التي تحل قريبا من دارهم حتى يعرفوا سنن الله وقد تحققت كقانون سرمدي يجربه الله دائما على كل المعاندين.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠١ من سورة يونس. ٢ الآية رقم ٣٦ من سورة النحل. ٣ الآية رقم ٦٩ من سورة النحل. ٤ الآية رقم ٢٠ من سورة العنكبوت. ٥ الآية رقم ٤٢ من سورة الروم.
[ ١٦٤ ]
إن الحوادث شاخصة في الآثار فليسيروا إليها لينظروا جبروت السالفين تأثيرا وأثارا وكيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها.
وهذه نقلة جديدة في حياة الفكر العربي بل الإنساني كله، التوصل إلى الحقيقة عن طريق دراسة وتحليل حوادث التاريخ وأنه الطريق الوحيد الذي يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية الهابط إلى قمة الهداية السامقة١.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٧ ص١٤٢.
[ ١٦٥ ]
ثانيا: ولكن كيف ينظرون؟
إن التفكير وسط الازدحام على الأغلب فيه تشويش على الخاطر وتعويق للفهم وتخليط في الكلام١، والتفكير مع الجماعة مقيد متهم فقد يكون في الجماعة منحرف يخشاه الفرد وقد تكون الجماعة متخلفة عن الفرد فتتهمه بعيب، كيف إذن يتم النظر؟
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٢.
فهي أولا تجريد من الهوى والرأي الشخصي والتبعية لأهواء الآباء والأجداد إنها تحرر من كل قيد على النفس والعقل وتبرئة من المصلحة الخاصة، فهي قومة بعيدة عن ملابسات الأرض، بعيدة
_________________
(١) ١ روح المعاني ج٢٢ ص١٥٤. ٢ الآية رقم ٤٦ من سورة سبأ.
[ ١٦٥ ]
هواتف الحاجة ودوافع الأنانية تلك التي تشتجر في القلب فتنئيه عن رحاب الله.
إنها قومة بعيدة عن التأثر بالتيارات البيئية والمؤثرات المشحونة بها الجماعة البشرية.
إنها دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط لا مع الأقيسة والقضايا والدعاوى التي تروج في وسط المجتمعات، ولا هي عبارات مطاطة تبعد العقل أو القلب أو الوجدان عن مواجهة الحقيقة في بساطتها وقربها ووضوحها، دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي البريء من آفات التعصب، السليم من أمراض المجتمع، دعوة بعيدة عن الضجيج والخلط واللبس والتشدق والاضطراب والغبش الذي يحجب الفطرة ويحجب صفاء الحقيقة، إنها وقفة أو قومة واحدة إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق.
إنها أن تقوموا لله، لا لغرض، ولا لهوى، ولا لمصلحة، ولا لقبيلة، ولا لقومية، ولا لمال، ولا لجاه، ولا لملك، لا لشيء من مثل الأرض، وإنما هي قومة خالصة متجردة لوجه الله.
ثم يفكروا ويتدبروا بعيدا عن المؤثر الخارجي فليعيشوا أثناء التدبر في مواجهة خالصة مع الحقيقة القائمة.
تدبر خاص في جو خاص يضمن للتفكير سلامته وتجرده ويكفل للمفكر حريته أن تقوموا لله مثنى وفرادى.
[ ١٦٦ ]
مثنى ١:
ليراجع الصديق صديقه في إخلاص وأمانة ويأخذ معه ويعطي في غير ما تأثر بعقلية الجماهير الفوضوية الغوغائية التي تهرع وراء الانفعال الطارئ الخاطئ ولا تستعد لتسمع حجة ولا تقبل أن تبدأ لتنصرف بالتي هي أحسن.
وفرادى:
مع النفس وحدها في مقابلة ذاتية يحاسب المرء نفسه يمحص الحقائق في عمق وهدوء. يقلب القضايا، يسترجع التاريخ. يقارن التصرفات.
ما بصاحبكم من جنة؛ فما عرف عنه إلا العقل الراجح والرزانة الوقورة والتدبير الموزون لقد كان قبل بعثته الأمين على الأسرار والودائع، وكان أشرف الناس خلقا وأجودهم سخاء وأنبلهم سلوكا.
لقد كان فوق القمة من الأخلاق والسلوك والمروءة والشجاعة ولم يعرف عنه غير ذلك البتة.
وما يقوله الآن بعد البعثة ليس شيئا يدعو إلى التظنن برشده وعقله، إن هو إلا قول رسول كريم.
_________________
(١) ١ توصلت أخيرا الدراسات الاجتماعية في جامعة أيروا إلى أن ديناميكية الجماعة الثنائية التي أطلقوا عليها اصطلاح: جماعة الطنين تفوق في إمكانياتها الطرق الأخرى؛ لأنها عملية بالنسبة لأهداف الجماعة وديموقراطيتها واشتراك الأفراد في المناقشة المطلوبة، راجع ص١٩٩ القيادة وديناميكية الجماعات؛ ترجمة للدكتور العريان وشهاب، وبهذا يكون القرآن قد قدم أصلح أنواع الجماعات الإنسانية من قبل البحث الاجتماعي الحديث كوسيلة لتطبيق المنهج.
[ ١٦٧ ]
إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنه هاتف يحذر من حريق يكاد يعم قبيلتهم، القبيلة كلها، وهو لمس على شغاف القلوب لعلها تلين١.
هكذا تتحدد في سهولة ويسر طريقة استخدام المنهج:
١- أن يقوموا لله قومة صادقة.
٢- أن يتجردوا في هذه القومة من كل مؤثر خارجي أو أناني.
٣- أن يتكاشف الصديقان بإخلاص.
٤- أو أن يحاسب الفرد نفسه ويكاشف سريرته.
فسوف يسمعون جميعا النداء الحق الأمين ﴿أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ .
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢٢ ص٩١، راجع ابن كثير ج٣ ص٥٤٣، راجع تفسير الطبري ج٢٢ ص١٠٤، ١٠٥ط ثانية.
[ ١٦٨ ]
الفصل الثاني: منهج العمل مع الجماعة
مدخل
الفصل الثاني: منهج العمل مع الجماعة
الدعوة الإسلامية حركة بناء لمجتمع يحقق الخلاقة عن الله في عمارة هذه الأرض بواسطة جهود الإنسان المؤمن الذي يسلم وجهه لله وهو محسن، حركة بناء هي عمل مع الجماعة الإنسانية. والعمل مع الجماعة الإنسانية في العصر الحديث أخذ شوطا بعيدا في الدراسة والتوصيف والتخطيط والإعداد.
والمنهج الإسلامي الذي قدمته الدعوة الإسلامية في عهدها المكي للعمل مع الجماعة هو المنهج الرائد للمعارف الاجتماعية كلها وهو الأصل الذي تدين له جميع الدراسات الاجتماعية المعاصرة فيما يتعلق بالصلة بين الرائد صاحب الدعوة والفكرة والجماعة التي يريد أن ينقل إليها دعوته أو فكرته.
لقد تناولت الدراسات الحديثة في توصيف منهج العمل مع الجماعة مجموعة من المبادئ أو الخطوات التي يلتزم بها الرائد الاجتماعي، وهي بأفرادها أو بمجموعها لقطات من العمل الإسلامي في العهد المكي.
لقد تحدث الكاتبون في الدراسات الاجتماعية عن ثقة الداعية بنفسه، وتحديد أهدافه، وحسن عرضه للمبادئ التي يدعو إليها، وإيجاد استقطاب حول دعوته، والتعرف على المجتمع وتنظيم قيادة
[ ١٦٩ ]
محلية١ إلخ، ومجيء هذه الدراسات مؤخرا يفرض عليها صفة التلمذة للمنهج الإسلامي من جانب، وصفة القرض من جانب آخر، وقد شهد بهذا النطق بصفة عامة كاتبان من الغرب.
إن منهج العمل مع الجماعة الذي قدمته الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة هو وحدة المنهج الأول الذي احترم عقل الإنسان وكرامة الجماعة وقدم خطواته مع الصدق والحق بعيدا عن بريق الدعايات الكاذبة والبيانات المضللة والتمثيليات التي يتقمصها رواد العمل الاجتماعي في العصر الحديث، وقلب معايير الحقيقة وخداع الرأي العام بما لديهم من قدرة إعلامية تخدع الأذن، وتزكم الحس وتشوش على الفكر وتجمد الذكاء٢.
والمنهج الذي قدمته الدعوة الإسلامية في العهد المكي للعمل مع الجماعة قدمته وطبقته وهو المنهج الوحيد الذي أنتج إنتاجا دائما خالدا، هذا المنهج يقوم على ثماني قواعد:
القاعدة الأولى: ثقة الداعية.
القاعة الثانية: تحديد الهدف.
القاعدة الثالثة: التعرف على المجتمع.
_________________
(١) ١ راجع: مبادئ تنمية وتنظيم المجتمع دكتور عبد المنعم شوقي ص٨٧-٩٦. الخدمة الاجتماعية والمجتمع دكتور أحمد كمال أحمد، عدلي سليمان ص١٧٢، ١٨٣. فن خدمة الجماعة دكتور محمد شمس الدين أحمد ط ثالثة ص١٣١-١٥٥. الخدمة الاجتماعية محمد كامل البطريق ص٩٢-٩٣. ٢ ليس من هدفي عمل مقارنة ما أورد على ما يثيره الخصوم للدعوة في العصر الحاضر وأنا بسبيل عرض الدعوة الإسلامية على طبيعتها في عهدها المكي، فإن للخصوم مرحلة ستأتي بعد إن شاء الله.
[ ١٧٠ ]
القاعدة الرابعة: تربية قيادات تعمل معه.
القاعدة الخامسة: عرض الدعوة عرضا واضحا.
القاعدة السادسة: إحداث استقطاب كامل حول الدعوة.
القاعدة السابعة: السلوك المطابق للدعوة.
القاعدة الثامنة: الصبر والتحمل حتى تظهر حقيقة الهدف من الدعوة.
[ ١٧١ ]
أولا: ثقة الداعية
الحديث عن ثقة الداعية هنا، يشتمل على عنصرين:
العنصر الأول: ثقة الداعية في نفسه.
العنصر الثاني: ثقة المجتمع في الداعية.
أما فيما يتعلق بثقة الداعية في نفسه، فقد عبر عنها النبي ﷺ أصدق تعبير:
"والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته" ١.
إن الجو الذي قيلت فيه هذه الجملة المنهجية جو الكثرة العاتية التي تهجم بكلكلها على النبي ﷺ فلو كانت شخصية الرسول ﷺ لا تساوي في وزنها الاجتماعي ثقل المجتمع
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٢٦٦. الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٤ الحلبية ج١ ص٣٢٣.
[ ١٧١ ]
الميكأكئ عليه بالخيل والرجال والرأي والحفيظة لما أمكن أن يضع هذا المعيار الخالد الذي يصور المستوى السامق في عزة النفس والثقة بالله وبالإسلام وبما يدعو إليه مما ينبغي أن يتسلح به الداعية.
لقد كانت ثقة الرسول ﷺ بنفسه كداعية أسلم وجهه لله وهو محسن تفوق قدرة البشر حتى ولو تقدموا علميا أو تكنولوجيا واستطاعوا أن يخلعوا قرص الشمس من فلكها وينتزعوا القمر من هالته وحاولوا أن يقنعوه فيما بعد لو صح لهم أن يضعوا هذه الشمس المخلوعة من فلكها في يمينه، وهذا القمر المنتزع من هالته في يسراه، ما قبل وما وثق وما رضي ولاستمر على دعوته لأنها أحق مما وصلوا إليه لو كانوا يقدرون.
والرسول ﷺ بهذا يحدد مستوى الثقة بالنفس للداعية الإسلامي الذي يضطلع بأعباء العمل للدعوة الإسلامية، وفي نفس الوقت يشاء الله ﷾ أن يكون هذا المستوى من الثقة بالنفس خاصا بالداعية الإسلامي، لأنه مستند في ثقته بالنفس إلى الإيمان بالله العلي الكبير ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
لقد كانت ثقة الأنبياء ولم تكن ثقة الزعماء. إن ثقة الأنبياء رحمة وحنان وثقة الزعماء قسوة وطغيان.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٨ من سورة "المنافقون".
[ ١٧٢ ]
ولله در المناجي:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال:
﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، ولو دعوت علينا لهلكنا من عند آخرنا فقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا، وقلت: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون١.
إنها ثقة الذي نعتته السماء:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ ٢.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ٤.
وأما ثقة المجتمع بالداعية فقد أجمع الناس طرافي مكة المكرمة على أن يفردوه وحده بلقب الأمين، وعادة المجتمع الجاهلي فارغة من الألقاب خالية من تقاليد النياشين، لقد كانت الفروسية وأمارة الشعر تنتزع انتزاعا من ساحات الوغى وأسواق القريض ومعارض الفكر.
_________________
(١) ١ الشفاء شرح علي القاري ج١ ص٢٥٠. ٢ الآية رقم ٤ من سورة القلم. ٣ من الآية رقم ١٢٨ من سورة التوبة. ٤ الآية رقم ١٠٧ من سورة الأنبياء.
[ ١٧٣ ]
ولكن الأمانة لم يكن لها سوق ولا معرض ولا ساحة.
غير أن ثقة المجتمع في أخلاق محمد ﷺ قبل أن يبعث ألزمت المجتمع أن يحمي هذه الشخصية الفريدة فيه فأجمعوا على أن يلقبوه "بالأمين".
يقول ابن هشام:
وكانت قريش تسمي رسول الله -ﷺ- قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين١ وعبارة زاد المعاد تضفي على أبعاد هذه الأمانة أنوارا تبرز قسماتها.
وأما الأمين: فهو أحق العالمين بهذا الاسم فهو أمين الله على وحيه ودينه وهو أمين من في السماء وأمين من في الأرض ولهذا كانوا يسمونه قبل النبوة بالأمين٢.
ولم يكن اسما أو لقبا خاليا من وضعه على محك الأحداث والتجارب فقد اختبرت قريش نفسها في مقدار ما تكنه لهذا الاسم من التقدير والثقة، فلما استحكم الخلاف بينهم عندما تم بناء الكعبة، ووصل الأمر إلى قاب قوسين أو أدنى من الحرب الضروس التي تهلك النسل والحرث وتخرب الديار وتدمر البلاد، ارتضوا أول داخل عليهم ليكون حكما بينهم.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص١٩٨. ٢ زاد المعاد ج١ ص٢٣، راجع الشفاء، شرح نسيم الرياض ج١ ص١٧٩.
[ ١٧٤ ]
إنهم ما كانوا يفكرون في شخصية الداخل بقدر ما حملهم النزاع على أن ينتهوا من هذا النزاع الذي شحن الجو بدخان الحرب، ولو كان غير محمد ﷺ، لاندلعت الفتنة من جديد، وربما قامت الحرب، ولكنها كلمة قالوها وشاء الله أن تكون عليهم حجة إلى يوم القيامة فلما دخل محمد ﷺ قالوا:
هذا الأمين، رضينا، هذا محمد١
هذا الأمين، قد رضينا بما قضى بيننا٢
هذا الأمين، قد رضينا به٣
هذا الأمين، رضينا، هذا محمد٤
هذا الأمين، رضينا، هذا محمد٥
هذا الأمين، وقد رضينا بما قضى بيننا٦
هذا الأمين، قد رضينا به فحكموه٧
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص١٩٧. ٢ الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٢٤. ٣ الكامل في التاريخ لابن كثير ج٢ ص٤٥. ٤ السيرة لابن كثير ج١ ص٢٨٠. ٥ الحلبية ج١ ص١٧٢. ٦ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٣٣٤. ٧ أخبار مكة للأزرقي تحقيق الأستاذ رشدي الصالح ج١ ص١٦٤ مطابع دار الثقة بمكة المكرمة ط ثانية ١٣٨٥.
[ ١٧٥ ]
لقد ابتدءوا بالإشارة إليه باللقب الذي منحوه إياه ثم أعقبوه باسمه الشريف الكريم ثم ارتضوا أي شيء يحكم به بينهم، فقد عرفوه عادلا منصفا لا يداري ولا يماري فأسلموا له القيادة والقيادة، فقالوا: أتاكم الأمين فقاموا له فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه معه، فوضعه هو ﷺ، وأشهدوا التاريخ على أنفسهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم١ قبل البعثة هو الأمين عليهم في مدلهمات الأمور.
ويسجل الشعر العربي هذه الحادثة بانفعالاتها وتوجساتها والخوف من سوء عاقبتها فيقول هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
تشاجرت الأحياء في فصل خطة جرت بينهم بالنحس من بعد أسعد
تلاقوا بها بالبغض بعد مودة وأوقد نارا بينهم شر موقد
فلما رأينا الأمر قد جد جده ولم يبق شيء غير سل المهند
رضينا وقلنا العدل أول طالع يجيء من البطحاء من غير موعد
ففاجأنا هذا الأمين محمد فقلنا رضينا بالأمين محمد٢
_________________
(١) ١ من حديث رواه أحمد والحاكم وصححه، راجع الفتح الرباني ج٢٠ ص٢٠٠. ٢ راجع السيرة النبوية لابن هشام تحقيق شلبي، السقا الإبياري ج١ ص١٩٧ حاشيته.
[ ١٧٦ ]
وبيت القصيد في هذا الرضا.
أولا: أن أبا أمية بن المغيرة هو الذي اقترح التحكيم لأول داخل، وهو يومئذ أسن قريش كلها.
وقبول رجل مثل هذا له وزنه الاجتماعي والتاريخي.
ثانيا: أن المتخاصمين لم يشذ منهم واحد في قبول التحكيم.
ثالثا: أنهم لم يناقشوا الرسول -ﷺ- في تحديد طرف الثوب لكل وكيل قبيلة.
رابعا: أنه هو وحده الذي رفع الحجر من الثوب أو من ثوبه ووضعه بيده المباركة الشريفة الطاهرة.
صحيح وقع نزاع من رجل شاء أن يعاون الرسول ﷺ بحجر يشد به الركن عندما نحاه العباس وقدم هو الحجر، ولكنه نزاع بعد الرضا بالتحكيم وتنفيذه وهو نزاع لم يثر شبهة ما حول إجماع الناس على قبولهم حكم رسول الله -ﷺ.
ثم هو نزاع من رجل إبليسي، أو هو إبليس تشبه برجل كما ذهب إلى ذلك ابن١ سعد في الطبقات والأرزقي٢ في أخبار مكة.
لقد كانت صيحة أخرس وفعلة شيطان وكانت خرقاء جوفاء لم تحمل في أعقابها أثرا، واستقرت الثقة الكاملة من المجتمع في محمد ﷺ، هذا الأمين قد رضينا به.
_________________
(١) ١ راجع الطبقات الكبرى ج١ ص١٤٦. ٢ أخبار مكة للأرزقي ج١ ص١٦٤.
[ ١٧٧ ]
ويضع الناس أنفسهم مع رسول الله -ﷺ- مرة أخرى في بدء الدعوة- على محك الثقة تجاهه لما ناداهم:
"يا بني فهر! يا بني عدي! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا١.
لقد أراد أن يتفق معهم على شرط يكون عليهم حجة قبل أن يبلغهم رسالة الله وقد علموا أنه نبي مرسل وأنه ليكلم من السماء فوضع فرضا من الفروض، لو أنه أخبرهم خبرا خطيرا يهدد مستقبل حياتهم أكانوا مصدقين؟ فأجابوه: نعم، وأجابوها مع دليل يقويها ويؤكدها أجابوه بتاريخه المعروف المشهور الواضح الثابت المستقر عندهم "ماجربنا عليك إلا صدقا".
وتستمر هذه الثقة حتى مع وجود النزاع الحاد والخصومة المستحكمة التي بدءوا بها واستمرءوها.
لقد قال لهم النضر بن الحارث يوما، وهو من أشد المتحمسين لعداء الدعوة وله دور إيجابي في معاندة آيات الوحي الصادق، قال لهم: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر٢ إلخ.
_________________
(١) ١ فتح الباري، ج١٠ ص١١٩ باب: وأنذر عشيرتك الأقربين. راجع القرآن والنبي، لفضيلة الدكتور عبد الحليم محمود ص١٨٣ وما بعدها، ط. دار الكتب الحديثة. ٢ ابن هشام ج١ ص٢٢٠-٣٠٠.
[ ١٧٨ ]
ولقد قالها أبو سفيان لهرقل، حين سأله:
هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
فقال له: لا.
قال: فهل يغدر؟
فقال له: لا١.
لقد وقفوا منه موقف الخصم الفاجر، وقلبوا له جميع الاتهامات إلا الكذب والغدر، لقد شهدوا له بالأمانة والصدق، وتأكدوا من سموا أخلاقه، وحتى مع نذالتهم هم في خصومتهم معه كانوا يتركون ودائعهم عنده بعد أن آذوا أصحابه، وحبسوه ثلاثة أعوام في شعب بني هاشم وأرادوا قتله، وكانت مع كل هذه المواقف المتغطرسة في لجاجة الباطل من جانبهم كانوا يتأكدون أنه الأمين الصادق وكانت ودائعهم عنده، وخلف عليا ﵁ في فراشه ليلة الهجرة ليرد ودائعهم إليهم.
يقول ابن هشام:
"أما علي فإن رسول الله -ﷺ- فيما بلغني، أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله -ﷺ- الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله -ﷺ- ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته -ﷺ"٢.
_________________
(١) ١ راجع فتح الباري ج١ ص٣٨. ٢ ابن هشام ج١ ص٤٨٥ راجع الرسالة المحمدية للعلامة السيد سليمان الندوي ص٧٢.
[ ١٧٩ ]
وما تنتهي ثقتهم فيه أبدا حتى مع الحروب التي أثاروها على الدعوة بعد الهجرة فما زالوا في قرارة أنفسهم يعتقدون أنه صادق وأنه أمين وأنه على الحق ففي الشفاء للقاضي عياض..
أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد؛ أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا غيري وغيرك، فقال له: والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط١.
فيقسم ويؤكد ويثبت الصدق بطريقين: الإيجاب والسلب معا ثم يؤكد ذلك بالتأكيد الأخير "قط".
لقد كانت ثقة المجتمع في الداعية مبنية على وضوح في سلوكه ومعرفة تامة بأخلاقه ومعاملة مستمرة تظهر في كل يوم جليل خلقه، ونفيس صدقه، وعظيم وفاته، ورفيع محبته للناس جميعا.
ولقد كانت ثقة الداعية بنفسه قائمة على ثقته بربه، وثقته بالحق الذي يدعو إليه وثقته بنصر الله.
وتلك هي التي تعوز جميع قادة العمل الاجتماعي في العصر الحديث، وتلك التي امتازت بها نظم العمل مع الجماعة في منهج الدعوة الإسلامية منذ ذلك الفجر البعيد٢.
_________________
(١) ١ الشفاء شرح علي القاري ج١ ص١٨١ الدرر ص٩٢. ٢ راجع اكتساب ثقة الأهالي في كتاب مبادئ تنمية وتنظيم المجتمع دكتور عبد المنعم شوقي ص٩١ مع ملاحظة أنه ليس في قصدي ربط مقارنة بين عمل البشر ووحي السماء.
[ ١٨٠ ]
ثانيا: تحديد الهدف
لقد جمعهم رسول الله -ﷺ- في مؤتمر عائلي خاص وأعطاهم من الأمان والراحة ما أنسهم ثم قال لهم: "الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، ثم قال:
"إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعلمون، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا" ١.
فهو نبي لهم وللناس عامة.
يدعو إلى توحيد الله.
والإيمان بالبعث والحشر والحساب والجنة والنار.
وهو في سبيل هذا لا يسألهم أجرا وقد حدد لهم هذا بوضوح:
"ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم" ٢.
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ لابن الأثير ج٢ ص٦١. ٢ ابن هشام، ج١ ص٢٩٦.
[ ١٨١ ]
لقد عرضوا عليه فعلا الدنيا بحذافيرها.
لقد عرضوا عليه الملك.
وعرضوا عليه المال.
وعرضوا عليه الرياسة والشرف١.
فرفضها كلها.
لقد رفضها رفضا قويا، لأنها ليست واحدة من أهداف الدعوة.
لقد رفضها بأسلوبه النبوي الأخاذ ورفضها بما أوحي إليه من عند ربه.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ٢.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٣.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٤.
﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ راجع شرح المواهب للإمام الزرقاني ج١ ص٢٥٧، السيرة الحلبية ج١ ص٣٤٠، راجع الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٣. ٢ الآية رقم ٥٧ من سورة الفرقان. ٣ الآية رقم ٤٧ من سورة سبأ. ٤ الآية رقم ٨٦ من سورة ص. ٥ الآية رقم ٢٣ من سورة الشورى.
[ ١٨٢ ]
يقول الطبري في معنى بعض هذه الآيات:
ما أتبع إلا وحي الله الذي يوحيه إلي وتنزيله الذي ينزله علي في كل ما أقول لكم وأدعوكم إليه١.
إني لم أسألكم على ذلك جعلا فتتهموني وتظنوا أني إنما دعوتكم إلى اتباعي لمال آخذه منكم٢.
يقول البغوي:
لا أسألكم أجرا فتتهموني، ومعنى قوله "فهو لكم" أي لا أسألكم شيئا كقول القائل مالي من هذا، فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء٣.
إنما الذي يريده هو اهتداء الإنسان إلى ربه وتقربه إلى الله الحق، إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا. هذا وحده هو أجره، يرضى قلبه الطاهر ويستريح وجدانه النبيل أن يرى أهله والناس عامة قد اهتدوا إلى صراط الله العزيز الحميد.
وينفي الرسول -ﷺ- ذلك مرة أخرى في إطار منهج الدعوة العام الذي سلكه موكب الأنبياء من قبل.
_________________
(١) ١ بتصرف الطبري ج٧ ص١٩٩. ٢ الطبري ج٢٢ ص١٠٥. ٣ معالم التنزيل لأبي محمد الحسين بن مسعود الغراء البغوي ج٥ ص١٩٥ ط ثانية م حلبي.
[ ١٨٣ ]
فيردد لقريش وللدنيا كلها من بعد ما قاله إخوانه الأنبياء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
لقد قالها نوح.
وقالها هود.
وقالها صالح.
وقالها لوط.
وقالها شعيب.
وهو نص واحد لا يتغير ولا يتبدل:
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
لقد طمأنهم النبي -ﷺ- أنه لا يريد شيئا من حطام الدنيا فما له فيها من مأرب وما يطلب منهم أجرا جزاء دعوتهم وهدايتهم إلى الله، إنما هو يطلب أجرا من رب الناس الذي كلفه دعوة الناس إلى الصراط المستقيم.
ذلك هو طريق الأنبياء جميعا وهو تنبيه يبدو أنه كان ضروريا للدعوة الصحيحة حتى تتميز عما عهده الناس من الكهان ورجال الأديان من استغلال الدين لسلب أموال العبادة، وهو توضيح لطبيعة الدعوة وبيان للشرف النبيل الذي يصطلح به الداعية المنتسب إليها٢.
_________________
(١) ١ "١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠" من سورة الشعراء. ٢ في ظلال القرآن ج١٩ ص٩٩، ١٠٠.
[ ١٨٤ ]
وينفي الرسول -ﷺ- كذلك أن تكون الدعوة مصدر تمويل وارتزاق، لقد ضمن الله ﷾ الرزق لكل مخلوق.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١.
فالدعوة الإسلامية ليست هدفا يرتزق الناس بها.
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
فنفى أن هاتيك الخزائن مفوضة إليه يتصرف فيها كيفما شاء استقلالا أو استدعاء.
ونفى أنه لا يقول بعلم الغيب فذلك من خواص الألوهية.
ونفى أنه يدعي الملكية٣.
لقد نفى ذلك مع وضوحه تبريا عن كل باطل يشوش على هدف الدعوة التي تقصد إلى توحيد الله تعالى وتنزيهه.
وعرضوا عليه أن يكذب عن سب آلهتهم ثم يقتسموا معه العبادة سنة وسنة، لآلهتهم سنة وللذي يدعو إليه سنة أخرى٤.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦ من سورة هود. ٢ الآية رقم ٥٠ من سورة الأنعام. ٣ روح المعاني ج٧ ص١٥٥. ٤ فتح الباري ج١٠ ص٣٦٤، أسباب النزول للواحدي ص٥٠٥، راجع ابن هشام ج١ ص٣٦٢.
[ ١٨٥ ]
ولكنه رفض.
ورفض بجزم يحيط بالذات والزمن معا.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ١.
فهو لا يعبد ما يعبدونه لما هو عليه من النبوة، وهم لا يعبدون ربه الذي يدعو إليه؛ لأنهم وقت الخطاب كافرون، فانتفى في زمن الخطاب معهم التقاء في العبادة الصحيحة التي يدعو إليها محمد -ﷺ.
وبرهن على أن هذا النفي ليس تعصبا منه وذلك للصفة القائمة في كل طرف، فهو متصف بالنبوة فلا يمكن أن يكون عابدا لآلهتهم.
وهم متصفون بعبادة باطل منذ الجاهلية فلا لقاء، وإذن فلكلٍ دينه٢.
_________________
(١) ١ سورة الكافرون. ٢ تثبيت دلائل النبوة ج١ ص٤٠ المرحوم الدكتور إبراهيم سلامة له رأي في تفسير هذه الآيات ملخصه أنها رد على ما عرضوه على النبي -ﷺ- اعبد أربابنا أسبوعا نعبد ربك شهرا، اعبد ربنا شهرا نعبد ربك سنة، فرفض كل واحدة بآية إلخ. راجع ص٥٠، ٥٢ من كتاب خلق ودين ط أولى ١٣٧٣هـ، راجع الحلبية ج١ ص٣٤٠.
[ ١٨٦ ]
وهو فيصل التفرقة بين هدف الدعوة الصحيحة وكل دعوة ضالة تريد أن تخدع المخلصين ببريق الألفاظ ومعسول السموم.
ثم تلى عليهم الهدف من آيات الله البينات.
توحيد الله:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٢.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٩ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٥٦ من سورة الأنعام. ٣ الآية رقم ٧٣ من سورة الأنعام. ٤ الآيتان ١٠٢، ١٠٣ من سورة الأنعام. ٥ الآيتان ١٦١، ١٦٢ من سورة الأنعام.
[ ١٨٧ ]
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
ولتبعثن كما تستيقظون:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيات من ٣-٥ من سورة يونس. ٢ الآيات من رقم ٥٥-٥٧ من سورة يونس. ٣ الآية رقم ٣٦ من سورة فصلت.
[ ١٨٨ ]
﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ولتحاسبن بما تعملون:
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ ٢.
وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا:
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٦ من سورة الجاثية. ٢ الآيات من رقم ٦-١١ من سورة القارعة. ٣ الآيات من رقم ١٠٦-١٠٨ من سورة هود.
[ ١٨٩ ]
لقد حدد الرسول -ﷺ- هدف الدعوة بوضوح تام ونفى كل شبهة وجابه كل محاولة تريد الانحراف بهدف الدعوة وذلك التحديد للهدف والوضوح فيه هو ما يعوز جميع أنماط للعمل الاجتماعي في العصر الحديث.
وشتان ما بين هدف يتوجه إلى الله وهدف يريد أن يصيب دنيا أو امرأة ينكحها.
"إن الرائد لا يكذب أهله".
والله ما كذب أهله ولا كذب أحدًا من الناس بل كان لهم رحمة وهدى للعالمين.
[ ١٩٠ ]
ثالثا: التعرف على طبيعة المجتمع
التعرف على المجتمع: عاداته، وتقاليده، وأنماط الثقافة فيه جزء من وظيفة الأخصائي الاجتماعي الذي يؤهل للعمل مع الجماعة في حقل الخدمة الاجتماعية.
ووسيلة المتعرف على المجتمع هي الدراسة كما شرحها الكاتبون في فن خدمة الجماعة، ولكن التعرف الذي يحتاج إليه علم فن خدمة الجماعة١ هو تعرف سطحي ويحتاج إلى زمن، ثم هو تعرف على المجتمع من جانب الخادم الاجتماعي أو الأخصائي الاجتماعي وهنا تبرز
_________________
(١) ١ راجع مبادئ تنمية وتنظيم المجتمع دكتور عبد المنعم شوقي ص٩٤، الخدمة الاجتماعية محمد كامل البطريق ص١١١-١١٢ ط ثانية ١٩٦٢م الأنجلو، دراسات في تنظيم المجتمع دكتور سيد أبو بكر حسانين ص٨٧ أولى ١٩٦٩، فن خدمة الجماعة دكتور محمد شمس الدين أحمد ص٥٠-٥١ ط ثانية ١٩٦٣.
[ ١٩٠ ]
علمية المنهج الإسلامي في العمل مع الجماعة بصورة أجل، وأسمى، وأشمل، وأوسع؛ لأنها تأخذ في مفهوم التعرف على المجتمع التبادل المعرفي بين طبيعة المجتمع وطبيعة الداعية.
لقد تعرف النبي -ﷺ- على طبيعة المجتمع بأسلوب الممارسة والاشتراك، وهو نمط أقوى في إدراك حقائق الأمور من الدراسات المستعجلة التي يحاول إتقانها الأخصائيون في العصر الحديث.
لقد عاش النبي -ﷺ- مع المجتمع الذي سينقل إليه الدعوة عيشة المستوعب لثقافة البيئة دون أن يغامس حياة المجتمع في اتجاهاتها التي تؤثر مستقبلا عليه، فهو لم يغفل، ولم ينغمس فيها بل عاش حياة المجتمع الفاضلة، فكان راعيا للغنم عند أمه حليمة.
وكان راعيا للغنم عند قريش على قراريط١.
وكان تاجرا معهم في السوق٢.
وكان قاضيا لهم في مدلهمات الأمور عند وضع الحجر الأسود٣، واشترك معهم في حلف الفضول٤.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص١٦٧، الحلبية ج١ ص١٤٩، وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٢٥، البيهقي ج١ ص٣٣٦ دلائل النبوة. ٢ ابن هشام ج١ ص١٨٧، الحلبية ج١ ص١٥٧، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٢٩-١٣٠. ٣ ابن هشام ج١ ص١٩٧، الحلبية ج١ ص١٧٢. ٤ ابن هشام ج١ ص١٣٣، الحلبية ج١ ص١٥٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٢٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٥٧.
[ ١٩١ ]
لقد عاش معهم الحياة الاجتماعية في مستواها العفيف.
وعاش معهم الحياة السياسية في مستواها العادل الواضح.
وعاش معهم الحياة الاقتصادية في مستواها الأمين الحلال.
ومع هذا فما سجد لصنم قط، ولا حلف باللات والعزى، ولا احتفل بعيد لهم، ولا شرب لهم خمرا، ولا طعم لهم ذبيحة ذبحوها على النصب١.
لقد عصمه الله جل شأنه منذ اختاره لهداية البشر رسولا مبشرا ونذيرا.
لقد كانت لديه ممارسة كاملة بالجانب الرفيع من ثقافة المجتمع، وكانت عنده حصانة فطرية لا يقدر معها على الانجذاب إلى ثقافة لا تتفق مع سويته التي خلق ليكون للعالمين نذيرا.
فهو لم يندمج كليا فيغامس حياة المجتمع كلها.
ولم ينعزل عنها فيجهلها كلها.
لقد كان موجودا في أوساطها لا في وسطها، فهو في المجتمع يشترك مع فضليات الأخلاق، وعظام الأمور، وهو في المجتمع يرى وينأى عن شرور البشر.
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم الإسلامية ج١ ص٦٥ الشيخ محمد الخضري ط ثامنة ١٣٨٢هـ، ابن هشام ج١ ص١٨٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٥٥، الدلائل للبيهقي ج١ ص٣١٣-٣١٥، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٥٠-٢٥٢، راجع الخصائص الكبرى للسيوطي ج١ ص٢٢١-٢٢٦، ٢٢٧-٢٤٦، الشفا شرحي: نسيم الرياض وعلي القاري ج٣ ص٢٧٩-٢٨٠.
[ ١٩٢ ]
لقد كان إيجابيا مع الحياة الفاضلة.
وكان سلبيا بالطبع مع الحياة التي لا تتفق مع طبيعته، فقد عصمه الله من كل سوء. لقد كان منفتحا على المجتمع كله بذاته وطهارته، وكان هو كذلك معروفا للمجتمع، لقد كان معروفا منذ اللحظة الأولى التي ولد فيها.
وكان معروفا في فترة رضاعه.
وكان معروفا في فترة حضانته مع أمه.
وكان معروفا في فترة حضانته مع جده وعمه.
لقد كان معروفا وهو طفل.
وكان معروفا وهو غلام.
وكان معروفا وهو شاب.
معروفا بالأمانة، والخلق الرفيع، وكان محل الإكرام والتقدير والتبجيل من كل أطراف المجتمع.
ولم يحظ نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولم يحظ قط زعيم من الزعماء في الغابر والحاضر والمستقبل بانكشاف تام لحياته الفاضلة، وتعرف كامل على شخصيته الكبيرة الفذة إلا محمد -ﷺ.
لقد قال فيه أبوه من الرضاع وهو لا يزال طفلا صغيرا:
والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة١.
_________________
(١) ١ الحليبة ج١ ص١٠٧، المواهب ج١ ص١٢، ابن هشام ج١ ص١٦٣، دلائل البيهقي ج١ ص١٠٩.
[ ١٩٣ ]
وقالت فيه أمه حليمة:
لما دخلت به -ﷺ- إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته -ﷺ- واعتقاد بركته في قلوب الناس١.
وقالت أمه آمنة:
والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لابني لشأنا٢.
وقال فيه رجال من نصارى الحبشة:
إن هذا الغلام كائن له شأن نحن نعرفه٣.
وقال فيه جده عبد المطلب:
يا بركة لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة٤.
وقال عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه فمال اليتامى عصمة الأرامل٥
_________________
(١) ١ المواهب ج١ ص١٤٥ الحلبية ج١ ص١١٠. ٢ ابن هشام ج١ ص١٦٥ الحلبية ج١ ص١١٣. ٣ ابن هشام ج١ ص١٦٧، الحلبية ج١ ص١١٤، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٣٢. ٤ الحلبية ج١ ص١٣١، الطبقات الكبرى ج١ ص١١٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٤٠. ٥ المواهب ج١ ص١٩٣ وفيها شعر طويل، الحلبية ج١ ص١٣٨، دلائل البيهقي ج١٢ ص٢٢٣، الخصائص ج١ ص٢١٤، ٣١١.
[ ١٩٤ ]
وقال بحيرى:
فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا، ورويناه عن آبائنا، واعلم أني قد أديت لك النصيحة١.
وقالت خديجة ﵂:
يابن عم! إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وحسن حديثك٢.
وقال له ورقة:
ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه٣.
وقد كان الخصوم معه أشهد الناس بكماله وسموه ورفعته وطهارته. يقول أبو جهل: والله إن محمد لصادق وما كذب محمد قط٤.
وقال النضر بن الحارث:
قد كان محمد فيكم غلاما أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة٥.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص١٤٢، ابن هشام ج١ ص١٨٢. ٢ ابن هشام ج١ ص١٨٩، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٦٣. ٣ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٤. ٤ أسباب النزول للواحدي ص٢١١. ٥ ابن هشام ج١ ص٢٩٩.
[ ١٩٥ ]
وقال له عتبة:
يابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السعة في العشيرة والمكان في النسب١.
ويقول الوليد بن المغيرة:
إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة٢.
لقد كان معروفا لأبناء مجتمعه القريب، وكان معروفا لأبناء مجتمع دعوته البعيد، فقال فيه النجاشي:
أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى٣.
وقال فيه كسرى:
فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه٤.
والقرآن الكريم يضع هذا الانفتاح بكلتا شطريه في موضع الاستدلال على صدق نبوته -ﷺ.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥.
﴿لَبِثْتُ﴾ فوجودي مشهود كله لكم.
﴿فِيكُمْ﴾ وأنتم مشهودون لي.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٩٣. ٢ ابن هشام ج١ ص٢٧٠. ٣ الحلبية ج١ ص٣٧٧ الخصائص ج١ ص٢٨٠. ٤ فتح الباري ج١ ص٤٠-٤١. ٥ الآية رقم ١٦ من سورة يونس.
[ ١٩٦ ]
والحياة مكشوفة بيننا، وأنتم تعرفون عني كل شيء، حتى كيف تزوجت؟ وكيف سافرت؟ وكيف عاشرتكم؟
وأنتم مكشوفون لي عادة وسلوكا وأخلاقا.
ولهذا نفى القرآن عنهم في هذا الاستفهام التأنيبي المزلزل، نفى عنهم التعقل، فإن حياة محمد -ﷺ- معلومة لهم لا تحتاج في إدراك نبوته إلى علم، فأمانته وصدقه وسطته ونسبه مشهورة معروفة معلومة، وهي كلها تؤهل مع تاريخه المجيد لأن يكون للعالمين رسولا.
ولكنهم لا يعقلون ما يعلمون.
يقول الأستاذ الندوي:
وحياة محمد -ﷺ- من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده، وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم، وهو في حياته لم يحتجب عن عيون قومه.
إن جميع شئون وأطوار حياته: من ولادته، ورضاعه، وطفولته إلى أن صار يافعا وشابا، كل ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله، وقد علم التاريخ عن هذا النبي -ﷺ- باشتغاله في التجارة وكيفية زواجه، وعلم الناس سجاياه في صداقته وفي وفائه للناس قبل النبوة.
واتصلوا به حين اتخذوه أمينا وأقاموه حكما فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه من الكعبة، ثم وقفوا على أمره حين حبب
[ ١٩٧ ]
الله إليه الخلوة فاعتزلهم في غار حراء، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من رب العالمين، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود أخذ يدعو الناس إليه ويبلغ ما أنزل عليه١.
فليست هناك لحظة من حياة الرسول -ﷺ- ولا لحظة من حياة المجتمع الجاهلي غابت عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا غاب عن المجتمع، فكان التعرف على المجتمع شاملا بالممارسة التي تعوز فن خدمة العمل مع الجماعة في العصر الحديث.
وبات ذلك المنهج نظريا وتطبيقيا خالصا بالأسبقية التاريخية، والعملية ملكا للدعوة الإسلامية تبز به جميع أنماط العمل مع الجماعات.
_________________
(١) ١ الرسالة المحمدية للسيد سليمان الندوي ط ثانية ص٦٤.
[ ١٩٨ ]
رابعا: تربية قيادة
مدخل
رابعا: تربية قيادة
دار الأرقم بن الأرقم.
اختيار القيادة.
الجهر بالمبادئ فجأة عملية خطيرة مراهقة لا يوصى بها المشتغلون في حقل الخدمة الاجتماعية.
وإعداد القيادة داخل المجتمع قبل إعلان المبادئ جزء من منهج العمل مع الجماعة توصي به، وتؤكده الدراسات الاجتماعية التي نيط بها وظيفة التغيير الاجتماعي المرغوب فيه١.
_________________
(١) ١ دراسات في تنظيم المجتمع ص١٥٥، الخدمة الاجتماعية والمجتمع ص١٧٩.
[ ١٩٨ ]
وهذا المبدأ قد أسسته من قبل الدعوة الإسلامية في "دار الأرقم بن الأرقم" حيث اختار النبي -ﷺ- الأشخاص الذين توسم فيهم الاستجابة للدعوة١، ثم تعهدهم بعيدا عن المجتمع وثقافته بالتربية والإعداد.
وأول من اختارهم رسول الله -ﷺ- ألصق الناس به من آل بيته وأصدقائه، فآمنت خديجة ﵂، وزيد بن ثابت مولاه، وعلي بن أبي طالب، وصديقه الحميم أبو بكر، وورقة بن نوفل٢.
ثم راح رسول الله -ﷺ- ينتخب الأخيار المصابيح ويدعوهم إلى الإسلام يعاونه في ذلك سيدنا أبو بكر ﵁، فقد تعرف على وظيفته بفطرته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه٣.
واتخذت هذه المرحلة دورا سريا حتى تكتمل التربية للقيادة بعيدا عن جاذبية المجتمع التي تضغط دائما على المبادئ في مهدها لتموت، ولذا فقد كان النبي -ﷺ- يتخير الأشخاص أولا، ثم ينبئهم عن الضغط الاجتماعي، حتى تسربت مبادئ الإسلام إلى المجتمع كالنور يقهر الظلام رويدا رويدا.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٢٧، سيرة الرسول عزة دروزة ج١ ص١٧٨، وراجع من حضارة الإسلام ج١ ص١٩. ٢ فقه السيرة لفضيلة الشيخ محمد الغزالي ص٩٧-٩٨ الحلبية ج١ ص٣٠٢ وما بعدها ص٣٠٦، الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٩، المواهب اللدنية ج١ ص٢٤٤-٢٤٥. ٣ ابن هشام ج١ ص٢٥٠ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٩.
[ ١٩٩ ]
يقول في ذلك ابن هشام:
ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله ﷿ أمر رسوله -ﷺ- أن يصدع بما جاء به١.
وتأتي هذه القضية واضحة في قصة إسلام سيدنا علي ﵁. روى البيهقي:
ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك فوجدهما يصليان فقال علي:
ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله -ﷺ: "دين الله اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته وتكفر باللات والعزى".
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب، وكره رسول الله -ﷺ- أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره فقال له:
"يا علي إذا لم تسلم فاكتم"، فمكث على تلك الليلة حتى جاء فقال: ما عرضت علي يا محمد؟ فقال رسول الله -ﷺ: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم فمكث علي يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه، ولم يظهره٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٩. ٢ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤١٤، ابن كثير ج١ ص٤٢٨.
[ ٢٠٠ ]
واستمر على هكذا مستخفيا يصلي مع رسول الله -ﷺ- في شعاب مكة بعيدا عن أعين الناس، حتى عثر عليهما أبو طالب يوما وهما يصليان، فقال أبو طالب لعلي: أي بني! ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنت بالله ورسوله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، قال ابن هشام: فزعموا أنه قال له: إنه لم يدعك إلا إلى الخير فالزمه١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٤٧ الحلبية ج١ ص٣٠٦ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٨ تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٤.
[ ٢٠١ ]
مستوى تربية القيادة:
وكانت تربية النبي -ﷺ- لهذا الرعيل على المستوى الرفيع سيكولوجيا ووجدانيا ويقدر ما أتيح له ﵇ ماليا واقتصاديا.
لقد أخذ الداعية الأول -ﷺ- على نفسه مسئولية إعداد قيادة يصل بها الفكر إلى أرفع مستويات العقيدة وضوحا وشمولا. كما أخذ على نفسه مسئولية حمايتها من الجو الذي تتعرض له إن عنَّ لواحد منها في هذه المرحلة شيء من ذلك.
أما المستوى الوجداني الذي وصلت إليه التربية فإن سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو شاب في التاسعة عشر من عمره يمثله، وقد كرهت أمه دخوله في الإسلام، وكان بها بارا رفيقا مهذبا،
[ ٢٠١ ]
فهددته، لا تأكل ولا تشرب حتى يكفر ويرتد، وإلا ماتت فعير بها، فيقول لها:
تعلمين والله يا أمه، لو كان لك مائة نفس تخرج نفسا نفسا ما تركت دين هذا النبي -ﷺ- فكلي إن شئت أو لا تأكلي، فأكلت١.
لقد كان روحانية سعد أكبر من تقاليد المجتمع وروحانية المعاني القديمة للأسرة، لقد تزيا قلبه بثوب قشيب من الإيمان، فخلع رداء المعادات الأسرية وبات كلام أمه:
"لا أقرب طعاما ولا شرابا حتى أموت وتعيرك العرب بأنك قاتل أمك" سفسطة لا معنى لها، وبات كذلك رأي المجتمع في مفهوم آصرة القرابة فارغا من معنى الحق ما لم يقم على أساس العقيدة والإيمان.
ولقد بلغت الحماسة الدينية بسعد هذا أن كان أول من أراق دما في الإسلام ففي تاريخ الطبري:
فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي -ﷺ- في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين، وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام٢.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣١٢-٣١٣، أسباب النزول للواحدي ص٣٥٦-٣٥٧، تفسير روح المعاني ج١٩ ص١٣٩. ٢ تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٨، الحلبية ج١ ص٣١٩.
[ ٢٠٢ ]
لقد ارتفعت قيم العقيدة في صدور الرجال إلى درجة تفوق وتعلو وتسمو فوق كل المعاني الاجتماعية التي درج عليه القوم.
دخل حصين على النبي -ﷺ- كواسطة من قبل قريش ليحدث رسول الله -ﷺ- في شأن الدعوة وكان ولده عمران ﵁ أحد تلاميذ مدرسة الأرقم بن الأرقم ضمن كتيبة الدعوة التي يربيها النبي -ﷺ- فما وقف لوالده ولا أحس باحترام في نفسه لرجل كافر قطعت العقيدة أواصر الود بينهما حتى ولو كان ذلكم الرجل هو أبوه.
ويعرض الرسول -ﷺ- الإسلام على حصين فيسلم فيقوم إليه ولده عمران فيقبل رأسه ويديه ورجليه ويبكي النبي -ﷺ- من صنع عمران، وقال: دخل والد "حصين" وهو كافر فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم وفى حقه وقد دخل من ذلك في نفس رسول الله -ﷺ- رأفة وإشفاقا١.
وهكذا تعلو الصلة في الله فوق كل المعايير الاجتماعية والأسرية، وتبقى الرابطة الأساسية هي الرابطة في الله وهي العروة الوثقى مهما كان هناك انعطاف وتعاطف، وجداني بين الولد وأبيه وأمه فإن العقيدة أعلا وأسما ووشيجة الإيمان أقوى وآصل تقوى بالإيمان ويقطعها الكفر وتسقط الطاعة، وتعلو
_________________
(١) ١ الحلبية، ج١ ص٣١٨ حياة الصحابة ج١ ص٥٥.
[ ٢٠٣ ]
وشيجة الإيمان بالمسلم فوق كل الأواصر وتنفد جميع وسائل الكفر التي تجاهد بسلطة الأبوة والأمومة ليرتد المسلم عن دينه.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
لقد بات ذلك واضحا في شعور سعد وعمران، وكل تلاميذ مدرسة الأرقم بن الأرقم.
وكان ذلك هو مستوى تربية القيادة وجدانيا تلك التي قبلت عن رغبة تحمل أعباء الرسالة، ولو كان ثمن ذلك الأهل والوطن والأقربين.
وكان إعداد القيادة فكريا شاملا لمستوى الرسالة والدعوة لقد كان النبي -ﷺ- يبلغهم الوحي، وكانوا بالسليقة والفطرة أقدر الناس على تفهم أسلوب القرآن، وكانت صدورهم أكرم وعاء طاهر نقي صاف، يعي ويحفظ ما جاء به الوحي الأمين، وكانت عقولهم وقرائحهم نقية صافية واسعة الفهم عميقة الإدراك يظهر ذلك
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٥ من سورة لقمان. ٢ من الآية رقم ٨ من سورة العنكبوت.
[ ٢٠٤ ]
جليا في المناقشة التي دارت بين النجاشي وسيدنا جعفر بن أبي طالب ﵁ وكان موضوعها:
ما هو هذا الدين؟
وما هو الرأي في عيسى؟
لقد شرح له جعفر بن أبي طالب حقيقة هذا الدين كما تعلمه في مرحلة تربية القيادة بمدرسة الأرقم بن الأرقم، لقد قال للنجاشي:
بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا لتوحيد الله، وأن لا نشرك به شيئا، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم، والدماء.
ونهانا عن الفحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام، فآمنا به وصدقناه، وحرمنا ما حرم علينا، وحللنا ما أحل لنا فتعدى علينا قومنا فعذبونا١ إلخ.
فيذكر جعفر للنجاشي النظرية والتطبيق معا.
ثم يقرأ على النجاشي القرآن فيبكي هو وأساقفته ثم يقول مقالته التاريخية:
"إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة".
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ ج٢ ص٨٠، الروض الأنف ج٣ ص٢٤٦.
[ ٢٠٥ ]
ثم حدد له بآيات القرآن رأى الإسلام والمسلمين في عيسى أنه:
هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فيستدر هذا الشرح الواضح أريحية النجاشي فيقولها واضحة صريحة:
"ما عدا عيسى ما قلت هذا العود"١.
وقد يصاب الاتباع في هذه المرحلة بضيق اقتصادي حتى يعوزهم ما يسد الرمق، ويذهب حر الظمأ، فكان النبي -ﷺ- يتكفل في هذه المرحلة من إعداد القيادة بالإنفاق على من تدور عليه دائرة العوز، يقول البيهقي:
وقد كان رسول الله -ﷺ- إذا أسلم الرجل والرجلان ممن لا شيء لهما ضمهما رسول الله -ﷺ- إلى الرجل الذي في يده السعة فينالا من فضلة طعامه٢.
يشهد لذلك أن خالد بن سعيد لما أسلم انتهره أبوه وغضب عليه وحلف ليمنعنه القوت، فانصرف خالد إلى رسول الله -ﷺ- فكان يلزمه ويعيش معه٣.
وقد قال خالد لأبويه:
إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به.
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٨١، الروض الأنف ج٣ ص٢٤٧. ٢ دلائل البيهقي ج٢ ص٤ راجع مقالة عمر بن الخطاب في الحلبية ج١ ص٣٦٦-٣٦٧. ٣ الحلبية ج١ ص٣١٧-٣١٨، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٢٤.
[ ٢٠٦ ]
وتلك قاعدة أساسية في تربية الدعاة أن يعزفوا عن الحياة وزينتها ويرغبوا إلى الله وما عنده، وهو أيضا مستوى مفروض في تربية الداعية توصل إليه تلاميذ المدرسة الأولى للدعوة في دار الأرقم بن الأرقم.
ولقد سأل النبي -ﷺ- أبا ذر وقد جاء من بعيد يستطلع أمر الإسلام دون أن يسأل أحدا من كفار قريش وبات ما شاء الله له أن يبيته في مكة، فلما قدم على النبي -ﷺ- قال له: "فمن كان يطعمك؟ "، قال: ما كان من طعام إلا ماء زمزم١.
وهو سؤال يكشف عن منهج خاص في إعداد القيادة، وهو رعاية الجانب الاقتصادي بالقدر الذي يكفل لهم الحياة الإنسانية، ويبلغهم القدرة على أعباء العمل والجهاد.
لقد كان النبي -ﷺ- في المرحلة الأولى من تلقيه الرسالة يجهز قيادة تحمل معه مسؤلية نشر الدعوة حتى لا تجابه الدعوة بادئ بدء بالإعراض من كل أفراد المجتمع، واتخذت تربية هذه القيادة جوا سريا.
اختار فيهم الأفراد الصالحين للإعداد.
وأبعدهم عن الضغط الاجتماعي حتى تصفو نفوسهم وقرائحهم وتنجلي صدورهم وأفئدتهم بالقرآن والمشاهدة النبوية.
وعرض لهم الدعوة في شمول فسيح فيما يتعلق بالعقيدة والإيمان.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣١٥.
[ ٢٠٧ ]
ووصل بهم إلى الدرجة الطبيعية أن اختاروا الله ورسوله على جميع القيم والمعايير والأوامر في المجتمع الجاهلي.
وهيأ لهم القدر المالي الذي يسعفهم على العيش لينئيهم عن ضغط المعاندين وأذى الكافرين.
وفي هذا الجو من العرض تبدو هنا ظاهرة واضحة، هي أن الدعوة لم تكن سرية كما ذكر ذلك جلة الكاتبين في التاريخ والسيرة.
فقد كانت مكة كلها على علم بأن محمدا يكلم من السماء.
وقد نقل أبو سفيان إلى أمية بن الصلت خبر نبوة محمد بعد أن رجع إلى مكة، وأخبرته هند بأمر النبوة.
وكان "ورقة" يستعجل نبوة محمد بشعر مستفيض.
وزيد بن عمرو، وبحيرا ونسطورا وميسرة وخالد بن سعيد وجمع غفير من الناس يعلمون أن نبوة خاتمة ستظهر.
قال في الخصائص:
قال العباس: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب فيهم أبو سفيان بن حرب، فورد كتاب من حنظلة بن أبي سفيان فيه أن محمدا أقام بالأبطح فقال: "أنا رسول الله أدعوكم إلى الله"، ففشا ذلك في مجلس اليمن، فجاءنا حبر من اليهود، فقال: بلغت أن فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال؟ قال العباس:
فقلت نعم: قال أنشدك هل كانت لابن أخيك صبوة وسفهة؟ قلت: لا وإله عبد المطلب، ولا كذب، ولا خان، وإن كان اسمه عند قريش "الأمين".
[ ٢٠٨ ]
قال: فهل كتب بيده؟ قال العباس فظننت أنه خير له أن يكتب، فأردت أن أقول: نعم، فخشيت من أبي سفيان أن يكذبني ويرد علي، قلت لا يكتب، فوثب الحبر وترك رداءه، وقال: ذبحت يهود١.
قال في الوفا:
عن ابن عفيف الكندي عن أبيه عن جده، قال: كنت امرأ تاجرا فقدمت للحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، قال: فوالله إني لعنده بمنى إذا رجل خرج من خباء قريب منه ينظر إلى الشمس، فلما رآها قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء، فقام معه يصلي.
قال: فقلت للعباس: يا عباس ما هذا؟
قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
قلت: من هذه المرأة؟
قال: امرأته خديجة بنت خويلد.
فقلت: من هذ الفتى؟
قال: علي بن أبي طالب ابن عمه.
قلت: فما هذا الذي يصنع؟
_________________
(١) ١ الخصائص ج١ ص٢٤٦.
[ ٢٠٩ ]
قال: يصلي فهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى، وهو يزعم أنه تفتح له كنوز كسرى وقيصر.
وكان عفيف -وهو ابن عم الأشعث بن قيس- يقول -وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه: لو أن الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه١.
بل إن صاحب السيرة الحلبية يجعل دخول دار الأرقم بن الأرقم نتيجة أو إثر حادث التقاتل الذي وقع بين المسلمين ونفر من المشركين الذين عابوا على المسلمين صلاتهم، وشح فيها سيدنا سعد بن أبي وقاص رجلا وأراق دمه فيقول:
فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بلحي بعير فشجه فهو أول دم أريق في الإسلام، ثم دخل -ﷺ- وأصحابه مستخفين في دار الأرقم بن الأرقم بعد هذه الواقعة فإن جماعة أسلموا قبل دخوله -ﷺ- دار الأرقم٢.
قال ابن كثير:
ثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر.
قال: رأيت رسول الله -ﷺ- وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر.
_________________
(١) ١ الوفا ج١ ص١٦٧-١٦٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٢٩. ٢ الحلبية، ج١ ص٣١٩.
[ ٢١٠ ]
وروى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود قال: أول ما أظهر الإسلام سبعة: رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وعمار وأمه سمية وبلال والمقداد١.
ولقد ثبت أن أناسا كانوا يأتون رسول الله -ﷺ- وهو مستخف منهم عمرو بن عبسة السلمي.
قال فيه ابن كثير:
أتيت رسول الله -ﷺ- في أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذ مستخف فقلت: ما أنت؟ قال: "أنا نبي"، فقلت: وما النبي؟ قال: "رسول الله"، قلت: الله أرسلك؟ قال: "نعم"، قلت بما أرسلك؟
قال: "بأن تعبد الله وحده لا شريك له، وتكسر الأصنام، وتصل الأرحام"، قال: قلت: نعم ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا؟ قال: "حر وعبد" يعني: أبا بكر وبلال، قال: فكان عمرو يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام٢.
وهذا واضح في أن الدعوة نفسها كانت معروفة للناس ولكن الذي وصف بالسرية في هذه المرحلة هو العمل لها، وهو الذي نسميه مرحلة إعداد القيادة كجزء من منهج العمل مع الجماعة.
وهذا واضح في النصوص التي ساقها العلماء.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٣٦. ٢ ابن كثير ج١ ص٤٤٢-٤٤٣.
[ ٢١١ ]
قال صاحب الوفا١:
عن الزهري قال: دعا رسول الله -ﷺ- إلى الإسلام سرا وجهرا فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء.
فالنص فيه تصوير لعمل الدعوة بمرحلتين: سرا وجهرا، أما الدعوة نفسها فمعروفة للناس ولم يقفوا منها موقف العداء إلا عندما اتسعت رقعتها وشكلت خطرا على المواريث الثقافية التي يؤلهها البشر.
قال في الوفا تكملة النص السالف:
فكان كذلك حتى عاب آلهتهم التي كانوا يعبدونها، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، فشاقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم١.
والدليل الواضح على أنه لا سرية في الدعوة، بل في العمل من أجلها أن الدعوة، حتى بعد أن صدع الرسول -ﷺ- بها ما زالت تعمل في جو الحذر والاستخفاء.
قال ابن كثير:
فأسلم عمر يوم الخميس فكبر رسول الله -ﷺ- وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة.
_________________
(١) ١ الوفاء ج١ ص١٨١.
[ ٢١٢ ]
فقام عمر فقال: يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق؟
ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ قال: "يا عمر! إنا قليل قد رأيت ما لقينا" ١.
وكان إسلام عمر على ما هو معروف في السنة السابعة من البعثة، وهذا يبرهن على أن القوة الإسلامية كانت معروفة واضحة، ولكن العمل لها هو الذي كان سرا، وذلك منهج معروف في قواعد العمل مع الجماعة في العصر الحديث، وذلك ما تحتاجه الدعوة في الظروف المعاصرة٢.
وإذن فليس من الجيد علميا أن يقال: سرية الدعوة فإن الحق الذي سجله التاريخ هو وضوح الدعوة واشتهارها، وسرية العمل لها إعداد القيادة وتربية لهم؛ ليحملوا مع الداعية وظيفة العمل عند الصدع بها عامة، والجهر بها للناس كافة.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٤١. ٢ راجع سيرة الرسول ج١ ص١٦٢ عزة دروزة. الدرر في اختصار المغازي والسير ص٥٨.
[ ٢١٣ ]
خامسا العرض الواضح:
نجاح أية دعوة واستمرارها يتوقف على مقدار عرضها واضحا صادقا يضمن لها الوضوح، والنفقة في المستقبل١.
وواضح في العصر الحديث أن أهداف الدعوات لا يفصح عنه، ويستخدم الزعماء شعارات براقة يخفون وراءها الهدف الأسود حتى
_________________
(١) ١ من حضارة الإسلام للأستاذ عبد العزيز سيد الأهل ج١ ص١٣-١٥.
[ ٢١٣ ]
إذا ما أتيح لهم إعلانه بأسلوب القهر أو السيطرة، وإلغاء العقل، والإرادة، والكرامة، فإنهم لا يألون جهدا في ذلك، ويفسرون نداءاتهم الأولى بعذب من الحديث المخادع الكاذب، وبذلك لا تلبث أن تنفض الناس، والجماهير من حولهم كما هي طبيعة الزبد يذهب جفاء، وتبقى الحسرة والغيظ والكمد والحيرة والآلام والضيق والعسر للناس من بعد.
ولذلك فإن الدعوة الإسلامية حرصت، وهي تقعد منهج العمل مع الجماعة على أن يكون الهدف من الدعوة واضحا، اتخذ عرض الدعوة زمنا فسيحا زهاء ثلاثة عشر عاما على ما رواه العلماء١، واتخذت لذلك أسلوبا واضحا جليا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم.
ووضوح العرض هنا يراد منه:
وضوح الهدف.
ووضوح الدليل.
أما وضوح الهدف، فقد استفاض النص المعصوم أن القرآن الكريم، أو الأثر النبوي الشريف في تحديد المراد من الدعوة الإسلامية.
لقد كان تحديد الهدف بارز المعالم، فصيح المنطق قوي الأسلوب.
وكان مع ذلك جديا لا هزل فيه، وكانت جديته صريحة يعزب معها كل لون من التجاهل أو التناسي أو التعامي أو التغافل أو التثاقل
_________________
(١) ١ ابن كثير ج١ ص٣٨٩ الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٥ راجع مسلم كتاب الفضائل ج٤ ص١٨٢٥ راجع فتح الباري ج٨ ص١٦٤ باب مبعث النبي -ﷺ. راجع التاج الجامع للأصول ج٣ ص٢٥٦ المحبر ص١٠.
[ ٢١٤ ]
إلى هوى النفس ووسوسة الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
لقد قال الرسول -ﷺ- في استفاضة طويلة يحكيها ابن هشام:
"ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" ١.
وتلا عليهم القرآن الكريم تلاوة مرتلة وحدد لهم الدعوة:
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ، قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٢.
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ،
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٩٦، ٢٩٧، المواهب اللدنية ج١ ص٢٥٧، الحلبية ج١ ص٣٤٠. ٢ الآيات من ٥٦-٥٨ من سورة الأنعام.
[ ٢١٥ ]
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
ولقد نقى هذا الهدف من كل شائبة حتى صار قانونا سرمديا إذا حادت عنه الدعوة ضل القائمون عليها طريق الرشاد.
لقد نقى رسول الله -ﷺ- هدف الدعوة من عرض الحياة الدنيا قل أو عظم، قل:
﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٤.
كما نفى أن تتخذ الدعوة مصدرا للإثراء والتجارة.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٦١-١٦٤ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٣ من سورة الأعراف. ٣ الآية رقم ٣ من سورة يونس. ٤ راجع تحديد الهدف المرحلة الثانية من هذا الفصل الثاني، وراجع الشفاء شرح علي القاري نسيم الرياض فصل أو فصاحة اللسان وبلاغة القول ج١ ص٣٨٥ وما بعدها.
[ ٢١٦ ]
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
لقد قال لهم في قوة وصرامة:
ترون هذه الشمس؟
قالوا: نعم.
قال: فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة١.
وأما وضوح الدليل فهو قائم على وضوح اللفظ وشمول الدليل على عناصر الإقناع، وهي قبول العقل لها، إحساس الوجدان بصدقها، تصويرها لحقائق مسلمة.
واللفظ القرآني والنبوي قد اشتملا على هذه الركائز.
أما عن اللفظ النبوي فقد أحاطه الله بالعصمة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى﴾، وأما اللفظ القرآني فقد استفاض القرآن نفسه في ألفاظه وآياته بذلك.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ٢.
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٣.
﴿تِلْكَ آَيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ،
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٦٣. ٢ الآية رقم ٩٢ من سورة الأنعام. ٢ من الآية رقم ١١ من سورة هود.
[ ٢١٧ ]
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ٥.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ ٦.
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ٧.
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ، مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ، أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ،
_________________
(١) ١ الآيتان ١، ٢ من سورة يوسف. ٢ الآية رقم ١٠٣ من سورة النحل. ٣ من الآية رقم ٨٢ من سورة الإسراء. ٤ الآية رقم ١٠٦ من سورة الإسراء. ٥ الآيتان ١، ٢ من سورة الكهف. ٦ الآية رقم ١١٣ من سورة طه. ٧ الآية رقم ٩ من سورة الأنبياء.
[ ٢١٨ ]
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ١.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين﴾ ٢.
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ، وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ، هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
﴿وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾ ٥.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٦٦-٧٠ من سورة "المؤمنون". ٢ الآية رقم ٢ من سورة الشعراء. ٣ الآيات من رقم ١٩٣-١٩٩ من سورة الشعراء. ٤ الآيتان ١، ٢ من سورة النمل. ٥ الآية رقم ٧٧ من سورة النمل. ٦ الآيتان ٢، ٣ من سورة القصص.
[ ٢١٩ ]
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ﴾ ٤.
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٥.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٦.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٧.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦ من سورة العنكبوت. ٢ الآيتان ٢، ٣ من سورة لقمان. ٣ الآية رقم ٢ من سورة السجدة. ٤ الآية رقم ٦٩ من سورة يس. ٥ الآية رقم ٢٩ من سورة ص. ٦ الآيتان رقم ١، ٢ من سورة الزمر. ٧ الآية رقم ٢٣ من سورة الزمر. ٨ الآية رقم ٢ من سورة غافر.
[ ٢٢٠ ]
﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣.
﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤.
﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ ٥.
﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٦.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآيتان ٢، ٣ من سورة فصلت. ٢ الآيتان ٤١، ٤٤ من سورة فصلت. ٣ الآية رقم ٥٢ من سورة الشورى. ٤ الآيات من رقم ٢-٤ من سورة الزخرف. ٥ الآيات من رقم ١-٣ من سورة الدخان. ٦ الآيتان ١، ٢ من سورة الجاثية والأحقاف. ٧ الآية رقم ٦ من سورة الجاثية.
[ ٢٢١ ]
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ ٣.
ولقد شهد القوم بهذا.
لقد قال فيه عتبة بن ربيعة:
قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم.
وقال فيه الوليد بن المغيرة:
والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة.
إن عليه لطلاوة، وإن له لنورا، وإنه يعلو، وما يعلى عليه.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٢ من سورة الأحقاف. ٢ الآيتان ٢٩، ٣٠ من سورة الأحقاف. ٣ أول سورة ق.
[ ٢٢٢ ]
والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه، مغدق في أسفله وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى عليه١.
تقول الروايات: إن عتبة بن ربيعة أمسك بفم رسول الله -ﷺ- وناشده الرحم أن يكف عن القراءة عندما وصل قوله تعالى:
﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُود﴾ ٢.
وقال لقومه: قد علمتم أنه لا يكذب أبدا فخفت نزول العذاب عليكم فأطيعوني واعتزلوه٣.
وصدق الله العلي العظيم:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٤.
قال في الشفاء:
فإنهم لا يكذبونك، لا ينسبونك إلى الكذب ولا يتهمونك به ولا ينكرون أمانتك وديانتك.
قال علي كرم الله وجهه: قال أبو جهل للنبي -ﷺ: إنا لا نكذبك في الصدق والأمانة ولكن نكذب بما جئت به من القرآن٥
_________________
(١) ١ الوفاء ج١ ص٢٠٣ راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٩، دلائل النبوة للبيهقي ج١. ٢ ص٤٤٦ المواهب اللدنية ج١ ص٢٥٠، راجع الحلبية ج١ ص٣٣٩. ٣ المواهب ج١ ص٢٥٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٣، الحلبية ج١ ص٣٤٠، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٥٠، ٤٥١. ٤ الآية رقم ٣٣ من سورة الأنعام. ٥ الشفاء ج١ ص١٧٨-١٧٩.
[ ٢٢٣ ]
قال ابن كثير في تفسيرها:
لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر، ولكنهم يعاندون الحق، ويدفعونه بصدودهم١.
وأما شمول الدليل على عناصر الإقناع فقد عرضنا نماذج لها في الفصل الأول من هذا الباب شملت:
أدلة التوحيد والتنزيه.
ووحدانية الصفات.
ووحدانية التدبير.
ووحدانية التصرف في الملك.
كما شملت بعث الوجدان الفطري لإدراك وحدانية الله ﷻ إلخ.
وهي كلها أدلة للخلق والقصد والإبداع والتدبير.
وهي كلها دون تحذلق أو تشدق تشمل كل أنواع الأدلة:
العقلية.
والوجدانية.
والفطرية الأولى.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ،
_________________
(١) ١ راجع تفسير ابن كثير ج١ ص١٢٩.
[ ٢٢٤ ]
فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
إن هذا السياق يشبه في تدافعه وإيقاعاته على العقل والحس مجرى النهر، وهو يتدافع بالأمواج المتلاحقة لا تفر واحدة منها حتى تأتيها لاحقة تدفعها من الخلف، وتتشابك معها في مجراها المتصل.
وهي كلها في تدافعها وتشابكها تسمو فوق حد الروعة الباهرة، وتأخذ على النفس كل أقطارها، وتغلق على النفس كل دروب الهرب وهي تهزها بالروعة الباهرة، والحيوية الدافعة، وتقول للإنسان: هذا
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٩٥-١٠٣ من سورة الأنعام.
[ ٢٢٥ ]
هو ربك الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، فيشاهد السامع كأنما الآي تنبثق عن مدلولاتها في التماع لآلاء مشرق تتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ يبلغ آفاق الروعة.
واللفظ القرآني في آيه قوي الدلالة على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في عقيدة الإسلام.
ها هو ذا المرء يقف أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل ومن النهار، إنها خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذه المواد الهامدة.
﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾ لا ندري كيف ينبثق؟ ولا ندري من أين جاءت؟ اللهم إلا إنها من عند الله وانبثقت بقدرته.
وها هو ذا المرء يقف أمام دورة الفلك العجيب الدائبة السرمدية الدقيقة ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحَ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ .
ويقف كذلك أمام نشأة الحياة في النبات ويشاهد من التدفق النوراني للآيات، يشاهد الأمطار الهاطلة والزروع النامية، وأثماره اليانعة تحشد له الحياة حشدا ليتأمل، ويشاهد ليعي الحس المتحفز، والقلب المتفتح.
وكأنما الوجود يرى لأول مرة حيا شابا مزهرا معطرا متحركا تدب أوصاله الحركة، ينطق بذاته عن وحدة خالقه، دالا بآياته على انفراده جل شأنه بالربوبية والملك والتدبير.
[ ٢٢٦ ]
حتى ليبدو للعاقل -والسياق يواجه بهذه الآيات جماعة المشركين- أن الشرك غريب على الفطرة، غريب على فطرة الوجود وغريب على فطرة الإنسان، فينطق القلب السليم، ويشهد الحس الواعي وتنشد العواطف الكريمة إلى تلك الحقيقة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١.
ومع هذا فقد قدم القرآن الكريم عرض الدعوة في أسلوب عبقري التسلسل في مجموعة السور المكية التي سجلت حياة الدعوة الإسلامية في ظلال البيت العتيق.
ففي سورة الأنعام عالج القرآن قضية العقيدة على أنها القضية الكبرى، والقضية الأساسية فهي القاعدة الرئيسية للعبودية الصحيحة لله رب العالمين.
وعالج مع قضية العقيدة قضية الطعام. فالطعام يغذي القلب بالدم والقلب محل الاعتقاد، فإذا ما طهر مما ذبح على الأصنام والأوثان والنصب، فقد خلص القلب لنور الحقيقة، أما إذا تغذى القلب بلحوم النصب والأصنام، فقد قسي وأظلم. وقد سمعت فضيلة مولانا الدكتور عبد الحليم محمود أثناء زيارته للكلية الإسلامية بماليزيا أستاذا زائرا، أن أكل لحم الخنزير مفسد للأخلاق يجعل العرض والشرف أمرا هينا.
ولهذا عالجت سورة الأنعام قضية الطعام لأنه ذا صلة بالاعتقاد صحة وفسادا.
_________________
(١) ١ من التصرف في ظلال القرآن ج٧ ص٣٠٨-٣١١ راجع حول هذا من حضارة الإسلام ج١ ص١٦-١٧.
[ ٢٢٧ ]
وتأتي سورة الأعراف، فتعالج موضوع العقيدة بطريق آخر، إنها تعرض العقيدة في مجال التاريخ البشرى، مجال رحلة البشر كلها من آدم وقصته، مع المدى المتطاول تسير السورة مع موكب الإيمان من لدن آدم إلى سيدنا محمد ﵊، تعرض هذا الموكب وهو يحمل "لا إله إلا الله" ويمضي بها على مدار التاريخ مواجها بها البشرية جيلا بعد جيل، ويرسم سياق السورة في تتابعه: كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى؟ وكيف خاطبها هذا الموكب وكيف جاوبته؟
وكيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد؟ وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله؟
وكيف كانت عاقبة المكذبين، وعاقبة المؤمنين في الدنيا والآخرة؟ ١
وسورة الفرقان:
فيها أدلة الرسالة وضحد لافتراءات الكافرين.
وسورة الشعراء:
فيها إثبات للرسالة بطريق آخر، إنها تثبت الرسالة بالجوار والتسلسل والقرابة.
وسورة النمل:
إثبات للوحي كفضل من عند الله يمنحه لمن يشاء كما منح داود وسليمان ملكا ونبوة.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٨ ص١٠٤.
[ ٢٢٨ ]
وسورة القصص:
تحديد لمدى ما يملكه البشر بالمال والسلطان إن جاءه محق الله وغضبه.
وسورة العنكبوت:
تعرض حاصل نتائج الدعوة التي بلغها الأنبياء وعاقبة المكذبين.
وسورة الروم:
تدريب للعواطف على تخير صداقة الجانب الإلهي، وفيها محاصرة للفرد بعديد من الأدلة على صدق رسالة سيدنا محمد -ﷺ.
وسورة لقمان:
رد على المواجهة الثقافية وتعليم للبشر وتحديد لقدرتهم بالنسبة لسلطان الله وجلاله.
وسورة سبأ:
حصر الحمد لله وحده، ودعوة الكافرين للتفكير المنظم، ليصلوا إلى الحق الذي يجحدونه ظلما وعلوا.
وسورة فاطر:
بيان كامل عن السلطان الإلهي، وأن الناس جميعا فقراء إلى الله.
وسورة يس:
مثل عملي للطائعين بالفطرة، وإن لم يأتهم دليل، ولا أقيمت لهم حجة، ومثل كذلك للمعاندين الجاحدين دين الله للهوى والبغي..
وسورة الصافات:
تصفية وجلاء لحقيقة الدين من العبث البشري.
[ ٢٢٩ ]
وسورة ص:
مقارنة بين أحوال المؤمنين الطائعين وأحوال الكافرين الذين ردوا الحق انحرافا وعبثا وغيا.
وسورة الزمر:
تحديد لموقف المسلم وبيان لطبيعة سلوكه ومداه.
وسورة غافر:
النموذج العملي لهذا الموقف الذي حددته من قبل سورة الزمر.
وسورة فصلت:
إثبات للرسالة في إطار السلطان الإلهي.
وسورة الشورى:
توضيح لحقيقة الدين ووحدته وهيمنة الرسالة المحمدية على كل ما سبقها من رسالات.
وسورة الزخرف:
بيان لهيمنة الكتاب الكريم الخاتم على كل الكتب السماوية الأولى ومعالجة لعديد من قضايا التدين التي ابتدعها البشر انحرافا وجذافا..
وسورة الدخان:
قرع للمشاعر وهز عنيف للقلوب، وجذب للبشر من نواصيهم ليدخلوا في دين الله الحنيف.
[ ٢٣٠ ]
وسورة الجاثية:
هجوم على القلب، وضرب في الأحاسيس والمشاعر ليستيقظ ضمير الإنسان وتسلم فطرته حتى يعود إلى رحاب ربه حيث الأمان والراحة.
وسورة الأحقاف:
تقريع وتأنيب للمعاندين المتجافين مع الفطرة والطبع المتزن الذي أحست به الجن، فأسلموا لما سمعوا كتابا يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم دون أن يطالبوا النبي -ﷺ- بدليل أو برهان.
لقد فهمت الجن معاني القرآن فآمنوا ورجعوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإيمان.
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
لقد عرضت الدعوة الإسلامية عرضا واضحا تفردت به على طول الزمن.
لقد فهمها الجن قبل البشر ولسانها هو لسان القرآن، عربي مبين.
ولقد أحاط اللفظ القرآني بجميع جلال المعاني في جاذبية انسيابية حلوة تستجيب لها العاطفة النيرة، وينشد إليها القلب الصادق، ويتلذذ حلاوتها الوجدان السليم.
لقد عرض اللفظ القرآني الدعوة مستوعبا لكل أجزاء الموضوع متخذا كل زاوية من زوايا الفكر والوجدان والتاريخ في جملة ما ساقه، حتى لا تكون للناس حجة بعد هذا التوضيح الواضح.
_________________
(١) ١ الآيتان ٣١، ٣٢ من سورة الأحقاف.
[ ٢٣١ ]
وليس هناك أدنى شك في أن عرض الدعوة الإسلامية امتاز وحده بالوضوح الدائم على طول الزمن الممتد، وأن غيرها من الدعوات لم ينل هذا الحظ؛ لعجز البشر عن توضيح هدفه، وفساد صنعة التعبير التي تصدر عن الإنسان فشتان ما بين وحي معصوم هو كلام الله المجيد.
وإنشاء مرذول هو كلام البشر الوضيع.
[ ٢٣٢ ]
سادسا: إيجاد استقطاب حول الدعوة
من عوامل منهج التغيير الاجتماعي إيجاد استقطاب من البيئة حول الدعوة أو المبادئ.
والدراسات الاجتماعية تركز اهتماما بالغا في منهج العمل مع الجماعة على حدوث تغيير في البيئة، ينشد به الناس حول المبادئ المرغوب في تنفيذها، كعنصر أساسي من عناصر النجاح المطلوب.
والاستقطاب أنواع فقد يكون جزئيا، وقد يكون كليا حسب مقدار الداعية وثقله الاجتماعي والفكري.
ولا تعرف الحياة الإنسانية والفكرية على السواء داعية قط أحدث استقطابا كاملا حوله وحول دعوته غير سيدنا محمد -ﷺ- فلقد أنشد نحوه ونحو دعوته أجيال من العلماء والمفكرين منذ نشأ في جوار البيت العتيق حتى أذن له بالجوار في الرفيق الأعلى.
لقد استقطب محمد -ﷺ- حوله الفكر الإنساني كله سواء المسلمون الصادقون أو المسلمون المتهوكون أو الكافرون المنصفون أو الكافرون المتعصبون.
[ ٢٣٢ ]
لقد ألف في سيرته ومبادئه خلق كثير.
لقد ألف فيه كاتبو اللسان العربي.
وألف في كاتبو اللسان الإنجليزي.
وألف فيه كاتبو اللسان الفرنسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الأندونيسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الماليزي.
وألف فيه كاتبو اللسان الفارسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الصيني والياباني.
وألف فيه كاتبو اللسان الأوردي إلخ.
ولقد بلغت هذه المؤلفات في كل لغة حدود المئات، حتى صار في كل مكتبة ومعهد وجامعة ودولة وجنس ولغة كتاب عن الإسلام، وعن نبيه الكريم.
فصار أمر الإسلام واضحا كل الوضوح ليس فيه سر مكتوم، ولا أحاجي يغمض تفسيرها، ففي أيدي الناس على اختلاف ألسنتهم وجنسياتهم تاريخه ودعوته ومبادؤها وسلوكه ومنهاجه، وهم يعلمون من أمر محمد -ﷺ- كل صغيرة وكبيرة منذ ولادته ورضاعه وشبابه حتى بعثته.
[ ٢٣٣ ]
وأن قبره المعطر الكريم لأثبت في سنده التاريخي من كل تواريخ العظماء وجميع أصحاب الدعوات.
فماذا يعرفه الناس عن ذرادشت وكوفشيوس؟
وماذا يعرفه التاريخ عن سولون وسقراط؟
وماذا يعرفه التاريخ عن موسى وعيسى؟
أما قبر محمد -ﷺ- فهو منزله الذي كان يعيش فيه، وتلقى فيه الوحي، وخرج منه للجهاد الخالص في سبيل الله، وهو المشكاة التي شع نورها على الدنيا بأسرها.
ولا يزال المسلمون ينشدون إلى الروضة الشريفة وهم على ثقة أن هنا كان يجلس النبي -ﷺ- وكان يستقبل الوفود، ويدرب الجيش على السلاح، ويلقي مواعظه وتوجيهاته، فتنشد قلوبهم الطيبة مع الذكريات العظيمة، وهم يؤمنون أن هنا كان النبي محمد -ﷺ- معلم البشر أجمعين١.
ومنذ القدم والرسول -ﷺ- قد رسم للعمل مع الجماعة منهج الاستقطاب كعامل مثير مغير للبيئة إلى الاتجاه الأفضل المرغوب فيه.
لقد قلقلت الدعوة الإسلامية كل الثقافات الموروثة في البيئة العربية؛ لتحل محلها تصورا جديدا في العقيدة، والأخلاق، والمعاملات. وقد أنشد المجتمع تلقائيا إلى هذا الاستقطاب الذي أحاط بالمنطقة كلها منذ فجر الإرهاصات بالنبوة.
_________________
(١) ١ راجع حول هذه المعاني: الرسالة المحمدية للأستاذ سليمان الندوي، ص٥٩، ٦٣.
[ ٢٣٤ ]
يروي ابن هشام: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس! فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: نقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر؟ قال: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا: نقول: ساحر. قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا على ذلك١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٧٠-٢٧١ دلائل النبوة ج١ ص٦٤٧-٤٤٨ الوفاء ج١ ص٣٠٢.
[ ٢٣٥ ]
إن معنى هذا أن النبي -ﷺ- أحدث استقطابا حول الدعوة وصل إلى أطراف البيئة، إذ خشيت جماعة الكافرين في مكة من انجذاب الحجاج القادمين من الخارج الذين سمعوا عن الإسلام إلى الدخول فيه، فألهب ذلك قلوب قريش خوفا وهلعا وحيرهم في التعرف على رأي يتفقون عليه؛ ليكون وسيلة إعلام مضادة يشككون بها في دعوة الإسلام.
وما تحير الوليد بن المغيرة على علو منزلته وشرفه في القوم إلا لمعرفته بالحق الذي جاء به محمد -ﷺ- ولكنه العمى الذي يختم به الشيطان على القلوب والصدور، ومع أنه قد نفى السحر أولا لكنه لم يجد له مخرجا من استخدامه إفكا وتعنتا ضد الدعوة الإسلامية.
ومع هذا فإن الأحداث التي وقعت فيما بعد تبرهن على فشل المواجهة التي شنها الكافرون وأن الاستقطاب الذي أحدثته الدعوة الإسلامية حول مبادئها قد أثمر.
ففي الخصائص الكبرى: أن الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله -ﷺ- بها فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه.
[ ٢٣٦ ]
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئا، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله، فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله -ﷺ- قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟
فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فتبعته، فقلت: إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فاعرض علي أمرك فعرض علي الإسلام، وتلا القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت١.
لقد اختار القوم كلمة السحر كدعاية مشوهة، ولكن الاستقطاب الذي نشرته الدعوة كان له جاذبية أقوى، فانشد الطفيل على الرغم مما قالوه عنده وانجذب إلى معرفة الحق الذي جاء به سيدنا محمد -ﷺ- فلما سمع وهو رجل لبيب شاعر لا يغيب عنه تمييز الحق من الباطل أسلم، وكان إسلامه خيرا عميما على الإسلام.
_________________
(١) ١ الخصائص ج١ ص٣٣٦، الحلبية ج١ ص٤٠٣، الوفاء ج١ ص٢٠٤، ٢٠٥، السيرة لابن كثير ج٢ ص٧٢، ٧٣.
[ ٢٣٧ ]
والنضر بن الحارث اللبيب المتفيهق، وهو من أشد الأعداء للإسلام ونبيه ﵊ تزلزله جاذبية الاستقطاب، فيقول في حيرة وغيظ وكمد:
يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، فقد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بحنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش! فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم١.
هكذا كان عمق الاستقطاب في النفوس تصديقا وجدانيا داخليا متفقا عليه من جميع الكافرين.
إنه ليس مجنونا ولا كاهنا ولا شاعرا ولا ساحرا. ولكنهم مع هذا الانجذاب الوجداني يكابرون ويجادلون بالباطل، ولكن القافلة تسير غير آبهة بمعوق.
قدم ضماد مكة، وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقي من الرياح فسمع سفهاء الناس يقولون: إن محمدا مجنون فقال: آتي هذا الرجل
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٩٩، ٣٠٠، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٤٨، ٤٤٩ الشفاء ج٢ ص١١٠، ١١١.
[ ٢٣٨ ]
لعل الله أن يشفيه على يدي. قال: فلقيت محمدا فقلت: إني أرقي من هذه الرياح وإن الله يشفي على يدي من يشاء فهلم. فقال رسول الله -ﷺ: "إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله". فقال ضماد: أعدهن علي، فأعادهن. فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشرك فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، ولقد بلغن قاموس البحر فهلم يدك أبايعك على الإسلام فبايعه١.
لقد فشلت أسلحة الدعاية وخابت مساعي المتهوكين وما زالت القافلة تسير غير آبهة بمعوق.
ففي السيرة لابن هشام: أن عشرين رجلا، أو قريب من ذلك من النصارى قدموا على رسول الله -ﷺ- وهو بمكة حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه عن رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة.
فلما فرغوا من مساءلة رسول الله -ﷺ- عما أرادوا دعاهم رسول الله -ﷺ- إلى الله ﷿ وتلا عليهم
_________________
(١) ١ الخصائص الكبرى ج١ ص٣٣٤، حياة الصحابة ج١ ص٥٣، الوفا ج١ ص٢٠٠، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٣، الحلبية ج١ ص٣٨٤، السيرة لابن كثير ج٢ ص٤٠، دلائل النبوة للبيهقي ج٢ ص١٠، ١١.
[ ٢٣٩ ]
القرآن فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم١.
لقد خرج أبو جهل وجماعته على حدود الأدب في مجابهة هذا الوفد الكريم الذي جاء مستجيبا لنداء الله وانجذب بالروحانية التي استقطب بها نبي الدعوة سيدنا محمد -ﷺ- بيئات الدعوة في مكة وخارجها.
ولئن كانت أطراف الجزيرة من بعيد قد أنشدت في وثاق حبيب إلى الدعوة فإن القوم في داخل مكة قد أنشدوا إليها كذلك غير أنهم يحملون صدور أصدئة وقلوبا مظلمة وعقولا متحجرة، وآذانا صماء وعيونا عمياء، وأفئدة خاوية.
فقد روى ابن هشام:
أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة؛ ليستمعوا من رسول الله -ﷺ- وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع
فيه وكل لا يعلم
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٣٩١، ٣٩٢ الحلبية ج١ ص٣٨٤ السيرة لابن كثير ج٢ ص٤٠.
[ ٢٤٠ ]
بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى وصل أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك.
قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي
[ ٢٤١ ]
رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه١.
ينطق النص بمقدار العمق الذي أحدثه الاستقطاب حول الدعوة الإسلامية حتى أنشد إليها ثلاثة من كبار القوم ومن فحول الكفر دون إرادة ولا وعي ودون موعد ولا اتفاق، فلما كشفهم الصباح مرات ثلاث تعاهدوا وحلفوا على الكفر والضلالة.
ومفهوم هذا النص أنه ليس في الوجود الفكري والإصلاح الاجتماعي رجل قط غير محمد -ﷺ- استطاع أن يحدث استقطابا لا شعوريا حول الدعوة والداعية إلى درجة شد الخصوم من عناقيد أفكارهم بالليل ليباتوا ثلاث ليال سويا يستمعون فيها القرآن حتى أحسوا بلذة روحانية ملكت عليهم مشاعرهم فعاودوا الكرة مرات ثلاث حتى عاودهم ما ران على قلوبهم من قبل، فأغمضوا أعينهم عن نور الحقيقة وأغلقوا قلوبهم عن دخول الإيمان.
ولقد أكسبت هذه المعارضة الدعوة الإسلامية انتشارا في البلاد والقبائل التي كانت تفد للحج كل عام.
يقول ابن هشام:
تفرقوا، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره، وجعلوا يقولون
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٣١٥، ٣١٦، الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٥، ٢٨٦، السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٦، دلائل النبوة البيهقي ج١ ص٤٥٢، ٤٥٣.
[ ٢٤٢ ]
ذلك في رسول الله -ﷺ- لمن لقوا من الناس وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله -ﷺ- فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها١.
وفي الخصائص عن مسلم عن أبي ذر قال: انطلق أخي أنيس إلى مكة ثم أتاني فقال: لقيت رجلا بمكة يزعم أن الله أرسله، قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: إنه شاعر وساحر وكاهن، وكان أنيس أحد الشعراء فقال: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وصفت قوله على أقراء الشعراء، فوالله ما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون٢.
فساعدت قريش بهذه المعارضة على توسيع رقعة الاستقطاب، والناس فطريا مجبولون على حب الاستطلاع، وكل قاطن في بيته بعيد عن الجاذبية القرشية، فهو طليق التفكير من ضغط العادات، وجاذبية التقاليد، فسوف يفكر بأسلوب سليم نقي من غوغائية الجهالة الجاهلة التي يعيش، فيها أبو جهل والوليد وعتبة والنضر وأبو سفيان والأخنس بن شريق.
لقد آمن ضماد من أزد شنوءة ومثيله في الصحة النفسية والسلامة العقلية الطفيل بن عمرو من أول مرة يستمعون فيها إلى آي الذكر الحكيم وقد جاءوا من بعيد، كما آمن معهم وفد نجران الذي قال لأبي جهل وهو يسفه عليهم: سلام عليكم.
_________________
(١) ١ يتصرف ابن هشام ج١ ص٢٧١، ٢٧٢. ٢ الخصائص ج١ ص٢٨٧، وراجع الشفا ج٢ ص٤٩٨، راجع مسلم ج٤ ص١٩٢٠ تخريج المرحوم الأستاذ عبد الباقي.
[ ٢٤٣ ]
ولم يؤمن النضر بن الحارث ولا أبو جهل ولا الوليد، وقد اتفقوا على أن الذي يقوله محمد ليس مثل كلام البشر، وأنه لا يكذب قط أبدا. فقد حاولوا أن يخلعوا أنفسهم من استقطاب الإيمان الذي حاصرهم وجدانيا، فأغلقوا دونه القلوب والأسماع، ولكنهم فتحوا بهذا الموقف العنيد آفاقا فسيحة، ونشروا بهذا الجحود والمكابرة والمواجهة استقطابا شاملا في أنحاء البيئة من قريب ومن بعيد، يقول ابن هشام:
فلما انتشر أمر رسول الله -ﷺ- في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله -ﷺ- حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك كلما كانوا يسمعون من أحبار اليهود وكانوا حلفاءهم ومعهم في بلادهم، فلما وقع ذكره بالمدينة، وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف.
قال أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف -وكان يحب قريشا- قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشًا فيها عن الحرب ويذكر فضلهم وأخلاقهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله -ﷺ- ويذكرهم بآلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده عنهم١.
هكذا آثار الرسول الكريم -ﷺ- بيئة الدعوة باستقطاب شامل كامل ساعدت في اتساع رقعة الجبهة المعارضة ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وتلك واحدة من امتيازات الدعوة الإسلامية يوم أن تكون خالصة لوجه الله يأتيها نصره من حيث لا نعلم.
_________________
(١) ١ يتصرف ابن هشام ج١ ص٢٨٢، ٢٨٣.
[ ٢٤٤ ]
وما أحوج الدعوة الإسلامية في العصر الحديث إلى هذا المستوى من العمل ينجذب إليها الناس كافة، إذ يسمعون عنها سلوكا مطبقا ووجودا عيانا فيه الخلاص والطمأنينة والأنس والسعادة، تعلو فيه أسماء الله الحسنى، وتخضع فيه النفوس كلها لجلال الله العظيم.
[ ٢٤٥ ]
سابعا: السلوك المطابق للمبادئ
"أفرغت يا أبا الوليد؟ ".
بهذا الأدب الجم واستعمال الكنية في مخاطبة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وبنداء رخي هادئ يتحدث الرسول -ﷺ- إلى عتبة مجيبا عليه بعد أن تحدث طويلا، وأفرط في الحديث، وذكر كلاما يثير الحليم ويهيج العفيف ويغضب الحر. لقد تحدث عتبة بكلام بذيء غير موقر، لقد عرض فيما عرض على النبي -ﷺ:
"أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا وأخذا.
وإن كان إنما بك من الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا"١.
هذا عرض رجل جاهل لا يعرف أقدار الناس، ولا منازل الرجال، فقد عرفت قريش محمدا -ﷺ- في شبابه أعف الرجال
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج٣ ص١٤٩، الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٣، الوفا بأحوال المصطفى ج١ ص٢٠١.
[ ٢٤٥ ]
نفسا وأطهرهم قلبا وأنقاهم خاطرا وما هفا هفوة صغيرة، فقد عصمه الله، وكان هو الأمين وحده دون سائر شباب قريش وشيوخها أجمعين.
لقد كان أرضاهم وهو صغير، فماذا حدث لعقولهم بعد أن جاءهم بالروح الأمين؟
مقالة شنعاء، وقحة، بذيئة، جافية، جامدة، عمياء، قالها عتبة بن ربيعة ويستحق في مقابلها ردا مساويا لها جفوة وقسوة وإيلاما، ولكن الداعية الأول -ﷺ- يقدم في رده برهانا على أنه لا يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه.
لقد أبرز النبي -ﷺ- مبادئ الدعوة في رده "أفرغت يا أبا الوليد" في هدوء هادئ، واتزان رزين، وصفح كريم، وعفو صادق.
يقولها رسول الله -ﷺ- معلنا بها أن مبدأ العمل مع الجماعة في نظر الدعوة هو مطابقة سلوك الداعية إلى المبادئ الإسلامية، فتلا عليه القرآن حتى وصل إلى قوله تعالى:
﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ .
فأمسك عتبة بفم رسول الله -ﷺ- خوفا من نزولها، فإنه يعلم أن محمدا لصادق، وأنه ما كذب أبدا، فبات ذلك في التاريخ شهادة عليه، وأن ساعة أن عرض ما عرضه على النبي -ﷺ- كان غير كريم السجية، وغير صادق في مسعاه، وأن رد النبي -ﷺ- بات في سجلات التاريخ
[ ٢٤٦ ]
شهادة رائعة الدلالة على أن الإسلام ما يرجو للبشرية إلا خيرا يحقق لها السعادة والأمن والتكريم١.
ولم يكن ذلك الحلم مرة واحدة لقد كان منهجا في أسلوب العمل للدعوة، لقد ذهب رسول الله -ﷺ- إلى الطائف يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وهي دعوة صريحة في احترام الإنسان نفسه وتوقيره لذاته أن يتوجه بالعبادة إلى الله الحق الذي يملك السموات والأرض، وترفع الإنسان عن الانحطاط الذي يزاوله بالسجود إلى حجر أو خشب صنعه بيده، ثم هو لا يملك لنفسه قطميرا من خير أو شر، وهي دعوة تتفق مع العقل العادي الذي يفكر تفكيرا عاديا مستقيما، وكذلك هي دعوة إلى الحق فيما كان عليه الآباء الأطهار سالفا قبل الانحراف الذي جره عمرو بن لحي٢، ولكن القوم آذوا رسول الله -ﷺ- بصورة شنيعة قاسية لا تتفق مع الواجبات الأخلاقية لضيف أو قريب أو عابر سبيل.
لقد سلطوا عليه سفهاءهم وعبيدهم، فجعلوا يسبونه، ويصيحون به، ويرضخونه بالحجارة حتى أدموا رجليه، وهم يضحكون.
السلوك العادي هنا أن تنفجر النفس غيظا وحنقا، وأن يود الإنسان أن لو كان معه قوة السماء والأرض لينتصر لنفسه من هذه الأهزوءة
_________________
(١) ١ راجع القصة في السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٥، السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٤، ٥٠٥، المواهب اللدنية ج١ ص٢٥٦، السيرة الحلبية ج١ ص٢٣٩، الوفا ج١ ص٢٠١، الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٣، ٢٨٤. ٢ الحلبية ج١ ص١١.
[ ٢٤٧ ]
التي فعلها قوم ثقيف، وتأتي قوة السماء بجنودها وتستأذن رسول الله -ﷺ- في أن تطبق الأخشبين على قوم ثقيف، وهذه القوة إذ تأتي إنما تأتي في لحظة حرارة النفس والموقف ما زال ملتهبا، وتأتي وهي تقص عليه الوقائع التي حدثت كأنما تعلل مجيئها بإقامة العدل.
إن الله قد سمع قول قومك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
ويقول ملك الجبال للنبي -ﷺ:
أنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بما شئت، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين١.
ولكن الإسلام دعوة لصلاح الناس، والنبي -ﷺ- رحمة للعالمين، فهل تبقى المبادئ الإسلامية نظرية فقط؟ هنا يأتي دور التطبيق فيقول النبي -ﷺ:
"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا" ٢. ويصفح رسول الله الصفح الجميل ويدعو دعاء
_________________
(١) ١ هما جبلان تارة يضافان لمكة وتارة يضافان لمنى، فيقال: أخشبا مكة وأخشبا منى، وهما أبو قيس وقعيقعان "بالتصغير" ويسميان أيضا الجبجبان. راجع الشفا شرح نسيم الرياض ج٢ ص٨٢. ٢ الشفا ج٢ ص٨٢ الدرر ص٦٧، ٦٨، الحلبية ج١ ص٣٩٥-٣٩٦، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٥٢، المواهب اللدنية ج١ ص٢٩٨، الخصائص الكبرى ج١ ص٤٥٢، مسلم ج٣ ص١٤٥٠، ١٤٥١.
[ ٢٤٨ ]
نديا رخيا أخاذا بالنفس، والمشاعر والوجدان يعلم الداعية في كل زمن كيف يكظم غيظه، ويعفو عن قومه ويدعو ربه:
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب، فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" ١.
وحق لملك الجبال أن يقول للنبي -ﷺ: أنت كما سماك ربك رءوف رحيم٢.
وصدق صاحب الهمزية:
جهلت قومه عليه فأغضى وأخو الحلم دأبه الإغضاء
وسع العالمين علما وحلما فهو بحر لم تعيه الأعياء
ولم يكن ذلك في مكة فقط، وهي موضوع الحديث والدراسة، بل إن هذا المنهج استمر مع الدعوة في كل ظروفها يخلصها لله، ويجعل
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٠، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٤٥. ٢ الحلبية ج١ ص٣٩٦.
[ ٢٤٩ ]
كل حركة فيها ابتغاء وجه الله، ويبرهن في كل مصيبة يأتي بها الأعداء أن الدعوة ما تقصد إلا تكريمهم وتوقيرهم وإعزازهم واحترامهم، ففي الشفا:
روي أن النبي -ﷺ- لما كسرت رباعيته وشج وجهه الكريم يوم أحد شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت الله عليهم.
فقال ﵊:
"إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت داعيا ورحمة، اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون" ١.
إنهم حقا لا يعلمون طريق الحق فما زالوا في غواية النفس، ولا يعرفون قدر النبي -ﷺ- فما زالوا في حجاب من الجاهلية الأولى ولا يعرفون حقيقة الإسلام فقد طمسوا قلوبهم بثقافة الأجداد، وجعلوا على سمعهم ختما، وران على قلوبهم ما كان به يأفكون.
لقد كان السلوك المطابق هو منهج العمل مع الجماعة الذي كان يوصي به رسول الله -ﷺ- القيادة التي تحمل معه في حقل الدعوة الإسلامية مسئولية العمل، لما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي وعاد إليه قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأبطئوا عليه، فأنف الطفيل منهم ذلك الإبطاء، فهو رجل وجيه في قومه وإنه للبيب ذكي مشهور بالألمعية
_________________
(١) ١ الشفا ج١ ص١٤.
[ ٢٥٠ ]
والفطنة والرجاحة، وما كان يظن أن قومه يلبثون مليا إذا دعاهم إلى الإسلام حتى يجيبوا داعي الله، فلما أبطئوا عليه جاء إلى رسول الله -ﷺ- بمكة، فقال له: يا رسول الله! إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم.
لقد ضاقت نفس الداعية، ونفد صبره، وكره من قومه الاستمرار في الضلالة والانحراف، ولكنه هو ذاتيا واثق من دعوته ومبادئه، فاستعان برسول الله -ﷺ- أن يدعو الله عليهم ليهلكهم.
ولكنه منطق لا يتفق مع عالمية الإسلام واستمراره إلى يوم القيامة، فليس بعد الإسلام دين آخر، حتى يهلك هؤلاء، ثم يأتي قوم آخرون، ولهم نبي آخر كما فعل بأشياع الكافرين في الغابر.
إنه دين خاتم ورسالة سرمدية إلى يوم القيامة، ومنهج يربي ويسوس ويبني لخير الإنسانية كلها.
ولهذا قال النبي -ﷺ:
"اللهم اهد دوسا".
ثم قال للطفيل:
"ارجع إلى قومك، فادعهم، وارفق بهم" ١.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج٢ ص٧٤، الحلبية ج١ ص٤٠٣، ٤٠٤، الروض الأنف ج٣ ص٣٧٨، الروض الأنف ج٣ ص٣١٧، الوفا ج١٢ ص٢٠٦.
[ ٢٥١ ]
لقد كان الخلق الفاضل والمؤانسة والوداد والصفح هي أسلوب العمل مع معاندي الدعوة حتى تبرز معالم الإسلام وحقائقه وأفضاله؛ ولهذا كان الرسول -ﷺ- دائما ودودا، رءوفا صفوحا، وكان لا ينادي الواحد من أعداء الدعوة إلا بالكنية المؤدبة والاسم اللطيف.
ففي الخصائص الكبرى، عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفنا رسول الله -ﷺ- أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ- لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هلمّ إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله ".
إن سلطة محمد في قومه معروفة، ومكانته مشهورة، ومركزه وحده فريد في القوم، وأبو جهل واحد من كبار أعداء الله ورسالته، ولكن أسلوب التعامل هنا هو أن يظهر الداعية أخلاقيات الدعوة عمليا، فيناديه الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: "يا أبا الحكم! " ١، إن اسمه المشهور به: عمرو بن هشام بن المغيرة ابن أخ الوليد بن المغيرة٢ من أسرة تعادي الله ورسوله وجماعة المسلمين، ولكن الداعية الأول -ﷺ- يبسط إليه القول في لين وسماحة ومودة كسلوك عملي لمحاسن الإسلام، وتطبيق وجودي لأخلاقياته حتى يظهر للخصم أن المعركة ليست أنانية، وإنما هي لخير الخصم نفسه أن يثوب إلى الله الذي خلقه وأنعم عليه بعديد الآلاء.
_________________
(١) ١ الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٦. ٢ الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٠ تعليق.
[ ٢٥٢ ]
ولذا فما كانت تحمل نفس رسول الله -ﷺ- ألما لواحد من المجابهين للدعوة العتاة القساة في تصرفاتهم نحو المسلمين الأول، فلقد كان يدعو ربه أن يعز الإسلام بأحد الرجلين اللذين أطنبا في السخرية بالإسلام والمسلمين، ففي الدلائل للبيهقي:
"اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" ١.
قال في الخصائص رواية عن الطبراني: عن أنس أن رسول الله -ﷺ- دعا عشية الخميس فقال:
"اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام". فأصبح عمر يوم الجمعة فأسلم٢.
ولقد كان عقبة بن أبي معيط من كبار المستهزئين بالإسلام وبالمسلمين وكان كثير الأذى لرسول الله -ﷺ- قال فيه -ﷺ:
"كنت بين شر جارين أبي لهب وعتبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي".
ومع هذا فإن صاحب الحلبية يروي أن رسول الله -ﷺ- كان يكثر من مجالسة عقبة بن أبي معيط٣، ليدعوه إلى الإسلام.
_________________
(١) ١ الدلائل للبيهقي ج٢ ص٣، راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج٣ ص٢٦٧. ٢ الخصائص الكبرى ج١ ص٣٣٣، راجع الحلبية ج١ ص٣٦٧، المواهب ج١ ص٢٧٢. ٣ الحلبية ج١ ص٣٥٣.
[ ٢٥٣ ]
لقد كان رسول الله -ﷺ- على المستوى الرفيع. تحمل أعباء الرسالة، وكان عمله الكريم نبراسا لمنهجية العمل مع الجماعة في المستقبل، وقد أثبت القرآن الكريم ذلك بقول الله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢.
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير﴾ ٣.
ولقد وصفه الله جل شأنه بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
قال ابن كثير في تفسيرها: عن قتادة: سئلت عائشة عن خلق رسول الله -ﷺ- قالت: كان خلقه القرآن٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١١٢ من سورة هود. ٢ الآية رقم ١٩٩ من سورة الأعراف. ٣ الآية رقم ١٥ من سورة الشورى. ٤ الآية رقم ٤ من سورة القلم. ٥ تفسير ابن كثير ج٤ ص٤٠٣، راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٣٦٤.
[ ٢٥٤ ]
يقول شيخنا العارف بالله فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود: وحقيقة الأمر أن رسول الله كان في كل ما يأتيه، وكل ما يدعيه قرآنا مطبقا، ومن هنا كان قوله ﷾ في بيان ذلك في شأنه -ﷺ:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ١.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ .
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ ٣.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ .
كانت تأتيه الدنيا فينفقها وهو جالس، أتى إليه صلوات الله وسلامه عليه سبعون ألف درهم فوضعها، كما يروي هارون بن رباب على حصير، ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها٤.
لقد كان رسول الله -ﷺ- مثالا وأسوة لتطبيق مبادئ الدعوة سلوكيا حتى كانت حقيقة نفسه الشريفة من حقيقة الرسالة، وكانت عظمة نفسه الزكية من عظمة هذه الرسالة.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٥ من سورة يونس. ٢ الآية رقم ١٨ من سورة الجاثية. ٣ الآية رقم ٣٧ من سورة الرعد. ٤ الإسلام والعقل ص١٢٤، ١٢٥.
[ ٢٥٥ ]
إن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية أبعد من كل مدى يملكه مجهر مكبر بشري، وقصارى ما يملكه راصد لعظمة محمد -ﷺ- التي يراها ولا يقدر على تحديدها أنه كان لهذه الرسالة نبيا فلولاه ما كانت لغيره ولو كانت ما كانت إلا له.
إن محمدا -ﷺ- وحده هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة إنه وحده الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفحة الله في كيانه هو، هو الذي أعد خاصة لهذه الرسالة الكونية العالمية حتى لتتمثل في شخصيته الحية، إنه وحده أهل لهذا المقام الرفيع ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ ولهذا فقد كان خلقه القرآن، وكان وصفه العظيم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ وليس غير محمد -ﷺ- يطيق هذا الثناء من جلال الله وهو ثابت لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ولا تأرجحت شخصيته فوق كل دليل، وتلك هي السوية البشرية للأنبياء، وكان هو وحده الأسوة الحسنة التي يتأسى بها الدعاة في كل عصر وحين.
ولقد شهد في العصر الحديث بهذه الأسوة وتطبيق مبادئ الدعوة رجل من الأذكياء المنصفين من متمذهبي البراهمة سئل: بماذا كان رسول الإسلام عندك أكمل رجال العالم؟ فأجاب: لأني أجد في رسول الإسلام خلالا مختلفة وأخلاقا جمة وخصالا كثيرة لم أرها اجتمعت في تاريخ العالم لإنسان واحد في آن واحد، فقد كان ملكا دانت له أوطانه كلها يصرف الأمر فيها كما يشاء، وهو مع ذلك متواضع في نفسه يرى أنه لا يملك من الأمر شيئا، وأن الأمر كله بيد ربه.
[ ٢٥٦ ]
وتراه في غنى عظيم تأتيه الإبل موقرة بالخزائن إلى عاصمته، ويبقى مع ذلك محتاجا، ولا توقد في بيته نار لطعام الأيام الطوال، وكثيرا ما يطوي على الجوع.
ونراه قائدا عظيم يقود الجند القليل العَدد الضعيف العُدد، فيقاتل بهم ألوفا من الجند المدجج بالأسلحة الكاملة، ثم يهزمهم شر هزيمة، وتجده محبا للسلام مؤثرا للصلح، ويوقع شروط الهدنة على القرطاس بقلب مطمئن، وجأش هادئ، ومعه ألوف من أصحابه كل منهم شجاع باسل وصاحب حماسة وحمية تملأ جوانحه.
ونشاهده بطلا شجاعا يصمد وحده لآلاف من أعدائه غير مكترث بكثرتهم، وهو مع ذلك رقيق القلب رحيم رءوف متعفف عن سفك قطرة دم.
وتراه مشغولا بجزيرة العرب كلها بينما هو لا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده، ولا من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم، ويهتم بأمر العالم كله، وهو مع ذلك متبتل إلى الله منقطع عن الدنيا فهو في الدنيا وليس فيها؛ لأن قلبه لا يتعلق إلا بالله وبما يرضي الله١.
لقد كان رسول الله -ﷺ- أسبق الناس إلى عمل ما يأمر به، يقول الشيخ الندوي:
ومن أفضل سيرته وأعلاها أنه بعدما أوحي إليه لم يأمر أتباعه وأصحابه بأمر إلا وقد سبقهم إلى العمل به٢.
_________________
(١) ١ الرسالة المحمدية ص٨٧. ٢ الرسالة المحمدية ص١٠٨.
[ ٢٥٧ ]
ولقد حدد بذلك رسول الله -ﷺ- قاعدة من قواعد منهج العمل مع الجماعة، وهي اتحاد السلوك مع المبادئ التي يدعو إليها، ولهذا استحق هذا المنهج صبرا طويلا على مشقة التبليغ وعداوة المكابرين.
[ ٢٥٨ ]
ثامنا: الصبر وتحمل المشاق
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ١.
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين﴾ .
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ٣.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ٤.
﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه﴾ ٥.
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٩ من سورة يونس. ٢ الآية رقم ٤٩ من سورة هود. ٣ الآية رقم ١٢٧ من سورة النحل. ٤ من الآية رقم ٢٨ من سورة الكهف. ٥ من الآية رقم ٦٥ من سورة مريم. ٦ الآية رقم ١٣٠ من سورة طه.
[ ٢٥٨ ]
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ١.
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٢.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ﴾ ٣.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ٤.
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٥.
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ٦.
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٧.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ٨.
﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ ٩.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦٠ من سورة الروم. ٢ الآية رقم ١٧ من سورة ص. ٣ الآية رقم ٥٥ من سورة غافر. ٤ الآية رقم ٧٧ من سورة غافر. ٥ من الآية رقم ٣٥ من سورة الأحقاف. ٦ الآية رقم ٣٩ من سورة ق. ٧ الآية رقم ٤٨ من سورة الطور. ٨ الآية رقم ٤٨ من سورة القلم. ٩ الآية رقم ٥ من سورة المعارج.
[ ٢٥٩ ]
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ ١.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾ ٢.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٣.
من أساسيات العمل مع الجماعة أن تبرز الأهداف التي يُدعى إليها في جو طبيعي، بعد أن يتحلى بها الدعاة سلوكا عمليا.
وقد التزمت القيادة في ظلال العمل المكي بالسلوك المطابق للمبادئ الإسلامية، تنقية للدعوة في صورتها العملية من أدنى شائبة تحسب عليها، ذلك بأن الفرد المسلم هو مرآة الإسلام.
ولهذا فإن الدعوة الإسلامية في عهدها المكي قد تجنبت صداما مسلحا حتى تعطي فرصة كاملة لإبراز معالم الدعوة وحقيقة الإسلام، ولذلك التزمت بالصبر الإيجابي الذي يزاول العمل في إخلاص مع التحمل لشدائد الأمور.
ولو سمح القرآن الكريم للجماعة الإسلامية بالدفاع عن النفس في هذه المرحلة، لما أمكن للدعوة أن تُري للناس على طول الحياة أنها دعوة لخير الإنسانية، ولكانت مشادات في محيط الأسرة بين الولد ووالده والعبد وسيده والمرأة وزوجها، ولصح للكافرين يومها أن يقولوا: إن محمدا -ﷺ- يفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠ من سورة المزمل. ٢ الآية رقم ٧ من سورة المدثر. ٣ الآية رقم ٢٤ من سورة الإنسان.
[ ٢٦٠ ]
وليس ذلك هو الهدف ولا هو المنهج كذلك، ولذلك أكد القرآن في هذا العهد المكي ضرورة التحلي بالصبر كمنهج، وهو صبر إيجابي يزاول أعمال الدعوة مع التحمل لأذى الكافرين.
ماذا يكون يا ترى لو وقعت المعارك في كل بيت؟ أيكون هذا هو الإسلام؟ أيكون ذلك هو الهدف الذي يدعو إليه محمد ﷺ؟
لقد قيلت دون حرب أو مقتلة أو معركة: إن محمدا يفرق بين المرء وزوجه.
لقد قيلت مع الأمر بالكف عن القتال، لقد قيلت مع الأمر بالتزام الصبر فماذا يقال يا ترى لو أن القرآن الكريم أذن بالقتال في هذا العهد؟ هنا تبرز حكمة التذرع بالصبر كواحدة من أساسيات العمل مع الجماعة وهذا هو الداء الذي تعانيه الدعوة الإسلامية في العصر الحديث.
إنه لا بد من مرحلة طويلة يبرز فيها بالسلوك العملي، أن دعوة الإسلام دعوة لخير الإنسان ولكرامته وعزته واحترامه، ولن تبرز هذه المعالم، إلا إذا صفى الدعاة أنفسهم من كل شبهة تعوق هذه المعالم عن الظهور، ولهذا يتكرر الأمر بالصبر في السور المكية على النحو الذي ذكرنا له نماذج، ليعلم المشتغلون بالدعوة الإسلامية أن من منهج العمل مع الجماعة لتبليغ الدعوة "الصبر الطويل" الذي يمكن الغير من التعرف على امتيازات الإسلام.
[ ٢٦١ ]
وقد جعل الله ابتلاء الدعاة في كل عصر تدريبا تربويا ليخلصهم إلى طاعته وينقيهم من كل شبهة ويمحصهم من كل آفة.
﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ .
توجد هذه المظاهرة كقانون إلهي.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .
وهي اختيار واختيار يصفي الله به العاملين والمبلغين رسالاته، ولقد كان من معالم هذا الطريق.
أن سيدنا نوحا ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله جل شأنه وهو عمر يتيم في حياة الدعوة، لم يتكرر بعد -والله أعلم- ولكن قومه وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون.
وسيدنا إبراهيم ﵇ لبث عمرا مديدا لم يحدده القرآن الكريم، وكانت نتيجة جهاده، فآمن له لوط فقط، وترك قومه وتبرأ منهم وقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
وسيدنا موسى ﵇ ترهق حياته أعصاب المتتبع لها، فهو يولد في جو يشيع فيه فرعون الرعب والإرهاب والذعر، وتقوم حكومته بإعدام أطفال بني إسرائيل ويولد موسى في هذا الجو القاسي
[ ٢٦٢ ]
الرهيب ويرمي في البحر في تابوت من الخشب ويلقيه اليم إلى ساحل فرعون العاتي القاسي المتجبر الذي أصدر أوامر الإعدام على الأطفال الرضع، وإذن فكيف ينجو موسى؟
ويلقي الله العلي العظيم في قلب آسيا رقة ورأفة بموسى فتقول لهم: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، وهي إشارة بعيدة إنها هي المتحدثة هي القائلة: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فالمنفعة لها لصنفها لمؤمنات مثلها.
ويعاف موسى الأثداء كلها، وكانت أخته تقصه ثم تدخل القصر وتقول لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ .
ويعود موسى إلى أمه كما وعد الله جل شأنه.
كيف كانت أخت موسى تقصه؟
وكيف استطاعت أن تصل إلى مستوى المشورة والتناصح للقصر الفرعوني؟
وكيف لا يشك في موسى وقد عاد إلى بيت من بيوت بني إسرائيل؟
ذلك كله أمر الله وجلاله وقدرته يقدمها القرآن في العصر المكي نموذجا لمضايق العمل الإسلامي، وكيف ينقيها الله من عتو الجاهلين.
ثم يشب موسى ويدعو إلى الإصلاح، وتضطره الظروف إلى الهجرة وفي الطريق لا تتركه الأحداث هادئا فيرى على ماء مدين
[ ٢٦٣ ]
امرأتين تذودان والناس في شح لم يرحموا ضعفهما ولا قلة حيلتهما، وهو رجل عابر سبيل فتأخذه الشفقة والرحمة امتثالا لمبادئه العليا فيسقى لهما ويبرز هنا كذلك سؤال: كيف استطاع موسى أن يمنع الناس عن الماء وهم جمع في بلادهم وهو رجل غريب؟ وكيف انصاع الناس له؟ ذلك أمر الله وقدره، يلحظ فيه الداعية كيف ييسر الله للمخلصين كل سبيل يسهل إلى الخير ويحقق النفع للناس.
وفي مدين يمكث عشر حجج يرجع بعدها مع أهله فتأتيه الرسالة بطريق الخطاب المباشر دون قدرة على الرؤية ويتحمل قولا ثقيلا:
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ .
ويبدأ موسى بتنفيذ أمر ربه وتكون طريقة الخلاص من فرعون جد شاقة فيؤمر من عند ربه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ .
وحتى بعد الخلاص أثناء السير قال له أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ من شدة الهلع والخوف.
حتى إذا ما نجو قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ .
فتمر دعوة موسى ﵇ في تسلسل من الصعوبات والامتحانات والابتلاءات ذلك لأن طبيعة الدعوة دائما تحتاج إلى صبر في عرضها وصبر على مجابهة خصومها، ولهذا رفض رسول الله -ﷺ- أن يستنصر بالدعاء على كفار مكة أن يبيدهم الله بهلاك من عنده نظير ما فعلوه في جماعة المسلمين، ففي البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان وإسماعيل قالا: سمعنا قيسا
[ ٢٦٤ ]
يقول: سمعت خبابًا يقول: أتيت النبي -ﷺ- وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك دينه، ويوضع المنشار على ما مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله"، زاد بيان: "والذئب على غنمه" ١.
وفي رواية زاد: "ولكنكم تستعجلون" ٢.
لقد كانت المدرسة النبوية تربي القيادة على أمثل مستوى يجردها من كل هوى وشائبة لتخلص الطوايا والنفوس لله رب العالمين، وكانت هذه التربية تتمشى مع التوجيه القرآني: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ .
فكانت توجيه القلوب والحواس إلى رضوان الله وإلى الصبر والتحمل حتى يأذن الله بما يشاء لهذه الطليعة الأولى في حياتها الدنيا وفي حياتها الأخرى على السواء.
كان الرسول -ﷺ- يرى عمارا وأمه وأباه ﵃ يعذبون أشد العذاب في مكة فما كان يزيد على أن يقول لهم: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".
_________________
(١) ١ البخاري فتح الباري ج٨ ص١٦٥، ١٦٦، المواهب اللدنية ج١ ص٢٦٦، دلائل البيهقي. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٦، الفتح الرباني ج٢٠ ص٢٢٢، راجع فتح الباري ج٧ ص٤٣١، ٤٣٢.
[ ٢٦٥ ]
وفي رواية: "صبرا آل ياسر! اللهم اغفر لآل ياسر" ١.
إن العمل للدعوة الإسلامية يرتبط بمنهج الصبر وقانون التحمل للمشاق ذلك بأن الصبر جهاد والجهاد فريضة والصبر واحد من ألوان هذا الجهاد.
إن جهاد النفس على وساوس الشيطان نوع من الجهاد.
والجهاد بالصبر على المكاره في مواجهة أعداء الإسلام نوع من الجهاد والتغلب على شهوة الحياة الدنيا العاتية نوع من الجهاد.
والدعوة الإسلامية في دور العرض تحتاج إلى نوع خاص من الجهاد هو جهاد الصبر لتمحص المسلم وتجرده من كل شهوة وهوى، وتتأكد من صلاحيته للعمل الإسلامي، بعيدا عن كل لون ثقافي يتأثر به، مثل:
الثأر، والعصبية للجنس والوطن، أو حب الدنيا وإيثار الراحة.
إن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد لقوم معينين وسط ظروف معينة، هي ظروف المجتمع العربي الجاهلي الذي يؤثر في حياته مواريث الآباء والأجداد، فكان من أهداف هذه التربية تدريب الذات العربية على الصبر واحتمال الشدائد التي لا يصبر عليها بالعادة من الضيم على شخصيته أو من يلوذون به حتى يخلص جسده وعقله وقلبه ووجدانه وفكره لله رب العالمين، وحتى يتجرد من ذاته وذات من
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٣٧.
[ ٢٦٦ ]
يلوذون به فلا تكون الذات هي المحور لحياته، ولا هي الدافع لتحركه في وجوده.
وكانت كذلك تربية على ضبط الأعصاب حتى لا يندفع الرجل العربي وراء حماسته لأي مؤثر يشعل حميته، وحتى لا يهتاج لأول مهيج وذلك حتى يتم الاعتدال في طبيعته وحركته.
وكانت كذلك تربية على أن يتبع أسلوب حياة جديدة تحت قيادة جديدة يرجع إليها في كل شيء، ويأخذ عنها جميع أمور حياته ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره به مهما يكن الأمر مخالفا لمألوفه وعادته ومواريثه، وقد كان ذلك هو حجر الأساس في إعداد شخصية الرجل العربي لإنشاء نواة المجتمع الإسلامي الذي يخضع لقيادة موجهة من الوحي بعيدا عن السلطان البشري الضال المزيف.
إن إعداد النفوس وتربيتها بناء صعب يحتاج إلى زمن طويل وصبر طويل لكي يعطي فرصة واسعة لمن وضع نفسه في موضع الخصومة ليتفكروا ويتأملوا ويبحثوا أسباب ردهم للدلائل والبراهين التي طال شرحها وطال عرضها، ويبحثوا كذلك أسباب تخلق المسلمين بالصبر مع القدرة على اتخاذ موقف دفاعي كما حدث من عمر بن الخطاب ﵁ الذي بدل عنفه على المسلمين قوة لهم، وغير ظلمه إياهم عدلا لمبادئهم ودعوتهم بعد أن استروحت نفسيته عبير الدعوة واستنشقت رئتاه نسيم الإيمان، فتذوق حلاوة الإسلام، فانقاد في قوة عارمة وعاد من تجبره ليكون للمسلمين عونا ومعينا ومساعدا ونصيرا، وتلك واحدة من آثار منهج الصبر، وشاء الله أن يكون ذلك دائما هو
[ ٢٦٧ ]
طابع العمل في الدعوة لما يعلمه جل شأنه من أن بعض المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم ويعذبونهم ويؤذونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الله، ومن قادة الدعوة المخلصين.
هذه الخلقية التي تحتاجها الدعوة في مرحلة العرض تحتاج كذلك إلى إيمان بالتفويض المطلق إلى الله جل شأنه في تسيير مجريات النصر وأسبابه للدعوة الإسلامية، فإن النصر معناه ووقته وسببه والذين سيشهدون ملابساته أمور موكولة إلى الله وحده، فإنها مقادير عليا تخضع للسلطان الإلهي فحسب ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
وما على الدعاة إلا أن يخلصوا للعمل لوجه الله حسب منهاج الدعوة وإن يؤدوا واجبهم ثم يذهبوا وواجبهم هنا هو أن يختاروا الله ورسوله والقرآن الكريم، غاية وزعيما ودستورا، وأن يؤثروا العقيدة على كل متاع الحياة في أوج عظمتها وأن يستعلوا بالإيمان على المفتنة في أشد قسوتها وأن يصدقوا الله في العمل والنية ثم بعد ذلك ليفعل الله بهم وبأعداء دينهم ما يشاء.
وإذن فإنه لمن الخطأ الكبير في عصرنا الحديث أن نسأل متى نصر الله؟
إن نصر الله لا بد آت إنه وعده الكريم ولن يخلف الله وعده أبدا ولكن مفهوم النصر ليس هو التسلط ولا الحكم وليس هو المال والجاه، وليس موطنه الحياة في الأرض فقط.
إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها وليس هو الحياة الدنيا وحدها وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال، بل
[ ٢٦٨ ]
إن الملأ الأعلى يشاركه في أحداث الأرض ويشهد عليها، ويزنها بميزان خاص غير ميزان الأرض في نوع من أجيالها بل في أجيالها جميعا، والملأ الأعلى يضم مع الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم الأرض من الناس، وما من شك أن ثناء الملائكة والملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأعظم وأجل وأنفس وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم وموازينهم على الإطلاق، وبعد ذلك هناك الآخرة وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال الأرض إن طوعا وإن كرها، ثم هو لا ينفصل عنه لا في الحقيقة الواقعة ولا في الحس المؤمن فيما يتعلق بهذه الحقيقة، فالمعركة إذن لم تنته، وخاتمتها الحقيقية لم تجئ بعد، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها في الأرض في وقت ما أوفى الأوقات كلها غير دقيق، بل وغير صحيح لأنه حكم على الشطر الصغير الأدنى والشطر الزهيد الطائش وصدق الله العظيم:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ١.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٧ من سورة غافر. ٢ الآيتان ٤٢، ٤٣ من سورة إبراهيم.
[ ٢٦٩ ]
نعم لم تعد الحياة الدنيا هي الخاتمة للمطاف ولا هي موعد الفصل في الخلاف، كما أن الحياة وكل ما يتعلق بها من لذائذ وآلام ومتاع وحرمان لم تعد هي القيمة العليا في الميزان.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٣.
ومرة أخرى نعود إلى مفهوم النصر لنراه قضاء مقضيا ووعدا نافذا من الله تعالى:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ٤.
بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مطرودا مكذبا، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب وفيهم من يلقى في الأخدود وفيهم من يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد وضيق في الرزق فيسألون: فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٢ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٦٤ من سورة العنكبوت. ٣ الآيتان ١٦، ١٧ من سورة الأعلى. ٤ الآية رقم ٥١ من سورة غافر.
[ ٢٧٠ ]
ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ويفعل بها الأفاعيل، ولكن الناس يخطئون إذ يقيسون الأمور بميزان ظاهري محدد ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير.
إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمن وحيز محدود من المكان. وهذه مقاييس بشرية صغيرة.
فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة في الزمان والمكان ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان، ولو نظرنا إلى قضية الإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك وانتصارها مرتبط بانتصار أصحابها إذ ليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيه ويختفوا هم ويبرز هو.
والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينه معهودة قريبة الرؤية والمنال لأعينهم، ولكن النصر له صور شتى، وقد يلتبس بعضها بصورة الهزيمة عند النظرة القصيرة أو السطحية.
فسيدنا إبراهيم -﵇- وهو يلقى في النار هو من غير شك في منطق الإيمان أنه كان على قمة النصر عندما ألقاه الكفار في النار كما أنه انتصر مرة أخرى عند ما قيل للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم.
هذه صورة والأولى صورة وهما في الظاهر بعيد من بعيد أما في الحقيقة فهما قريب من قريب وكلاهما نصر من عند الله.
[ ٢٧١ ]
والحسين ﵁ وهو يستشهد، كان في تلك الصورة مفجعة عظيمة من جانب، ولكنها كانت من جانب آخر نصرا عظيما له.
في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة، فأما في الحقيقة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصرا، فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو القلوب له وتجيش بالغيرة والفداء من أجله كالحسين بن علي ﵁ يستوي في ذلك المتشيعون وغيرهم من كثير من المسلمين.
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر إيمانه ودعوته ولو عاش ألف عام كما نصرها الحسين باستشهاده.
وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة ويحفز الألوف إلى الأعمال الجليلة بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه فتبقى دائما حافزا محركا للأبناء والأحفاد، بل ربما كانت محركا لخطا التاريخ كله على مدى الأجيال، وذلك نصر كبير بحمد الله.
إننا اليوم في حاجة كبيرة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور والقيم لمعنى النصر قبل أن نسأل: متى نصر الله؟ وأين وعد الله؟
إن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثانية. لقد
[ ٢٧٢ ]
انتصر رسول الله -ﷺ- لأن هذا النصر يرتبط بمضي إقامة العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض، فإن هذه العقيدة لا يتم تمامها إلا إذا هيمنت على حياة الجماعة البشرية في كل تصرفاتها من قلب الفرد الواحد، حتى الدولة القائمة على الحكم بإذن الله، وقد شاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة عليه أفضل الصلاة والسلام في حياته؛ ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ويتركها من بعده حقيقة مقرة في واقع تاريخي ملموس مشهود، ومن هنا اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية؛ لأن الله أراد هذا ورتبه؛ ذلك لأن وعد الله قائم برسله والذين آمنوا معهم فلا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق عليها هذا الوعد.
وثمة اعتبار آخر أن كثيرا ما يتجاوز الناس في إدراك حقيقة الإيمان، وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله، وأن هناك أشكالا من الشرك خفية لا يخلص منها القلب إلا حين يتوجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضائه وحده، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه، فلا خيرة له إلا ما اختاره الله له: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ربُّ العَالمينَ﴾ ١.
ويلتقي هذا كله بالثقة والطمأنينة والرضا والقبول، وحين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة فلم يجد في نفسه محلا لسؤال يقدمه بين يدي الله العلي العظيم، ولن يجد من نفسه جرأة يقترح على الله صورة
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٩ من سورة التكوير.
[ ٢٧٣ ]
معينة من صور النصر أو صور الخير التي تريدها نفسه، بل إنه ليكل كل شيء إلى جناب الله صاحب الملك والتصرف، ويلتزم ويتلقى كل ما يمليه عليه أنه خير، وذلك وحده نصر على الهوى والذات والشيطان، وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه١، وأساس ذلك النصر الداخلي هو الصبر الطويل واحتمال الشدائد حسبة لوجه الله الكريم، ويضرب القرآن الكريم في العهد المكي لهذه المعاني مثلا أصحاب الأخدود في سورة البروج.
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٢.
لقد استحق أصحاب الأخدود هذا الغضب من الله في حالة السلطان الذي كانوا يملكونه، وهذه صورة ظاهرة لمفهوم نصر الكافرين، ولكنها صورة الهزيمة المنكرة.
وكانت صورة المؤمنين الظاهرة صورة هزيمة، ولكنها في الحقيقة واحدة من صور النصر، فوزن الحادثة وما استحقته من نقمة وغضب لم ينته بعد، فوراءه حساب الله الكبير المتعال.
وتبقى في التاريخ روعة الإيمان المستعلي على الفتنة المنتصر بالعقيدة على الطغيان.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢٤ ص٧٩-٨١. ٢ الآيات من رقم ٤-٨ من سورة البروج.
[ ٢٧٤ ]
ويبقى تجرد المؤمنين من لذائذ الحياة نصرا فوق الشهوة ويبقى استعلاؤهم فوق الآلام نصرا على قوة المعتدين.
ومن هنا فإن بلاء الدعوة في العصر الحديث هو تكرار هذا السؤال: متى نصر الله؟
إن قيم الجهاد لا ترتبط بثمن يقبض أو رجاء ينتظر، إن قيم الجهاد هي فقط لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
وإنه من الخطأ أن يفهم الدعاة أن معنى النصر هو تحقيق مطالب الحياة بالحكم أو بالجاه أو بالمال، إنه من الخطأ أن يجعل الدعاء موازين النصر موازين الأرض المحدودة السطحية الفانية، بل إن المعنى الذي يجب أن يفهم عن النصر هو المعنى الذي تقدمه سورة "أصحاب الأخدود" الذين انتصرت أرواحهم على الخوف والألم، وانتصرت أجسادهم على جاذبية الحياة ونعمها.
وانتصرت قلوبهم على الفتنة الطاغية، فكانوا شرفا للجنس البشرى كله. ذلك ما تحتاجه الدعوة والداعية في العصر الحديث، وذلك ما طبقته طلائع التبشير هنا في منطقة جنوب شرقي آسيا، إذ يعيش الواحد منهم أربعين عاما في قرية صغيرة في الغابات يعيش معهم بخلق طيب ويقدم لهم المساعدات ويدعوهم في رفق ويستقطبهم حوله حتى يحبوه، ثم يجعلهم بعد ذلك مسيحيين.
ولقد شاهدت في يناير سنة ١٩٧١ أثناء السيول التي اجتاحت عاصمة ماليزيا "كوالا لمبور" رجال الكنيسة من المبشرين وهم
[ ٢٧٥ ]
يخوضون لجج الفيضانات، ويحملون الغذاء والكساء والدواء للمصابين، وعلماء الإسلام في بيوتهم يتختمون بالذهب ويجلسون في هدوء آمنين، فلما انتهى البلاء واستوت على الجودي لهج الناس المسلمون بالثناء على المبشرين، وثاروا ساخطين على علماء الإسلام، فهل يملك رجل الكنيسة منهج عمل مع الجماعة مثل ما يملك العالم الإسلامي؟
إن الفارق الوحيد هو الإعداد والتربية وذلك هو داء الداعية الإسلامي وواجب معاهد الإسلام في العصر الحديث.
قال رسول الله -ﷺ:
"عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" ١.
وقد تكفل الله لهذا المؤمن أن سيجعل له منزلة ورضوانا ومحبة.
_________________
(١) ١ مسلم كتاب الزهد والرقائق ج٤ ص٢٢٩٥، راجع السراج المنير ج٢ ص٤٣٠ الفتح الكبير ج٢ ص٢٢٢.
[ ٢٧٦ ]
الفصل الثالث: مراحل الدعوة
تمهيد:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١.
إنها أول ما نزل على الإطلاق تبدأ باسم الله. وتوجه الرسول -ﷺ- أول ما توجهه في بعثه رسولا يبلغ دعوة الله التي اختير لها، وتوجهه وقد اتثقت بالوحي صلته بالملأ الأعلى، توجهه إلى أن يقرأ باسم ربه، فهو مصدر الخير كله والكمال كله ولا تتحقق للإنسان ذاتيته البشرية المعتدلة إلا إذا كان فعله وعمله من عند ربه وابتغاء وجه ربه، فيتحول بذلك خط التاريخ كله تحولا ما وقع قط، ولن يقع مثله فيما بعد أبدا.
وكان ﴿اقْرَأْ﴾ مفرق الطريق بين علم الضلالة الجاهلية ولو كانت في أرقى حضارات المادية وبين علم الربوبية، فإن فيه النقلة البعيدة من الظلام إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الشك إلى اليقين، فإن مصدر التعليم الرباني هو الله ﷻ، منه يستمد الإنسان كل ما يعلم وكل ما يفتح به من أسرار هذا الوجود، وأسرار نفسه وأسرار الحياة التي يعيشها.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١-٥ من سورة العلق.
[ ٢٧٧ ]
من ذلك المصدر الوحيد باسم ربك يتلقى البشر علمهم في أول لقاء مشهود بين الوحي والرسول النبي؛ ليبدأ في تعليم البشر إياها.
ولقد كانت هذه الحقيقة التي تلقاها قلب الرسول النبي -ﷺ- في اللحظة الأولى المشهودة هي التي ظلت تصرف شعوره ولسانه وعمله واتجاهاته طول حياته بوصفها قاعدة الإيمان الأولى:
﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وقد عرف العلماء السابقون هذه الحقيقة، أن الرسول النبي الذي سيحمل العلم الرباني إلى البشرية كلها هو المنعوت في كتبهم بسمات خاصة.
وقد نطق بالرسالة من قبل مجيئها راهب في الطريق هو "جرجيس": بحيرا مترهب نصراني على ما يرويه صاحب التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول -ﷺ:
فجاء الراهب وهم يحملون رحالهم فصار يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي -ﷺ- وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول الله رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين١.
_________________
(١) ١ التاج ج٣ ص٢٤٧.
[ ٢٧٨ ]
وتتكرر المقالة من راهب آخر هو "نسطورا" على ما رواه صاحب السيرة الحلبية:
فدنا إلى النبي -ﷺ- سرا من ميسرة، وقبل رأسه وقدمه وقال:
آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة، ثم قال: يا محمد! قد عرفت فيك العلامات كلها خلا خصلة واحدة وأوضح لي عن كتفك، فأوضح له فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ فأقبل عليه يقبله ويقول:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى بن مريم١.
وقد نطق بتلك الوحدة بين الرسالة والنبوة "ورقة بن نوفل" وهو عالم جليل، في الأديان قال في الحلبية:
فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فإني أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، فإنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك، ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك٢.
والروايات في كتب السنة والسيرة تفيد أن الحجر كان يلقي السلام على رسول الله -ﷺ- قبل البعثة بصفة الرسالة.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص١٥٨. ٢ الحلبية ج١ ص٢٨٠.
[ ٢٧٩ ]
قال في التاج:
وقال علي رضي الله تعالى عنه: كنت مع النبي -ﷺ- بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول:
السلام عليك يا رسول الله.
وابن هشام يؤكد هذه الرواية في سيرته، يقول:
كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر رسول الله -ﷺ- بحجر ولا شجر إلا قال:
السلام عليك يا رسول الله.
قال ابن كثير في سيرته:
قال: "فرفعت رأسي إلى السماء، فأنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي، وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها
_________________
(١) ١ التاج ج٣ ص٢٤٩. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٣٤، راجع الوفا ج١ ص١٦١.
[ ٢٨٠ ]
فقالت: يا أبا القاسم! أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ؟ ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة"١.
لقد كان مفهوم النبوة والرسالة متحدا في الماصدق، متحدا في الوظيفة التي بعث من أجلها خير المرسلين وخاتم النبيين؛ لأن العقل في هذه المرحلة كان يتلقى معلوماته من ثقافته العربية التي ليس فيها هرأ المنطق الأرسطي.
ويؤكد وحدة الرسالة والنبوة مفهوما وماصدقا ما رواه الإمام مسلم ﵁ في باب إسلام عمرو بن عبسة، وهو يسأل النبي -ﷺ- عن معنى النبي، فقال له رسول الله ونص الفقرة من الحديث الشريف.
فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: "نبي"، فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله"، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء"، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حر وعبد"، فقلت: إني متبعك٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٠٣، ٤٠٤. ٢ مسلم ج١ ص٥٦٩ حديث رقم ٨٣٢، راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٤٢، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٢١.
[ ٢٨١ ]
وما دام الاستعمال قديما قد جرى على اتحاد النبوة والرسالة في الماصدق والمفهوم وصح عن سيدنا رسول الله -ﷺ- تفسيره كلمة "نبي" بمعنى "رسول"، فلماذا جنح العلماء إلى المفارقة بينهما؟
ليجنح علماء الكلام١ إلى التفرقة بين الرسول والنبي بعموم وخصوص مطلق، فإنهم قد جهلوا بترك لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطو.
ولكن لماذ يجنح إلى هذه التفرقة علماء السيرة؟
لقد قال في السيرة الحلبية:
يا ليتني فيها جذعا، أي يا ليتني في زمن الدعوة إلى الله، أي إظهارها الذي جاء به بناء على تأخر الدعوى التي هي الرسالة عن النبوة٢.
وهو تفسير مراعي الحد المنطقي ولهذا أعاد الضمير في كلمة "فيها" إلى الدعوة ولو أنه أعاده على ما يفهم من السياق وهي المعارك التي ستدور بين النبي -ﷺ- وبين الكفار، والتي يتمناها ورقة لينصر الله نصرا مؤزرا، "لكان أجود وأفضل واللغة تجريه والقرآن نفسه يسمح به في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أصول الدين أبو اليسر البزدوي ص٢٢٢، كتاب الفقه الأكبر ص٥٨. ٢ الحلبية ج١ ص٢٧٧، ٢٩٨. ٣ تفسير الطبري ج٢٣ ص١٥٥، روح المعاني ج٢٣ ص١١٢، الخازن والبغوي ج٦ ص٥٥، راجع شذور الذهب ص٣٢ تحقيق الشيخ محيي الدين.
[ ٢٨٢ ]
وكذلك في المواهب اللدنية يجعل الرسالة متأخرة على النبوة، فيقول: نبوته ﵊ كانت متقدمة على إرساله؛ لأن نزول ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إنما كان بعد النبوة١.
وكان يمكن التسليم بهذا التفسير لو افتتحت السورة بيا أيها النبي قم فأنذر، لكنها لم تفتتح بذلك بل بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ .
والمدثر هو صاحب الرسالة التي يؤمر بتليغها بقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ويدل على ترجيح هذا التفسير أسلوب صاحب المواهب وشارحها، وهو يرى مقالة ورقة، يقول:
إنه -أي ورقة- قال: أبشر فأنا أشهد -أقر وأذعن- أنك الرسول الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل تأكيد زيادة في تطمينه، وأنك ستؤمر بالجهاد -علم ذلك من الكتب القديمة لتبحره في علم النصرانية- وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. وفي آخر هذا الحديث: فلما توفي، قال -ﷺ: "لقد رأيت القيس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني"، فهذا تصريح منه بتصديقه برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم٢.
ولكن الذي يؤسف أن الشارح يستدرك على هذا الشرح الطبيعي المتسق مع الذاتية الإسلامية بقوله:
لكن يجوز أنه قاله قبل الرسالة لعلمه بالقرائن٣.
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ج١ ص٢٣٧. ٢ المواهب ج١ ص٢٤٢. ٣ المواهب ج١ ص٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٢٨٣ ]
وهل القرائن التي كانت مصدر شهادة ورقة لديها تفرقة بين النبي والرسول؟ مع العلم بأن التفرقة حديثة لما دخل لسان أرسطو في لغة العرب فأفسد منطق المسلمين١.
ولقد عقد القاضي عياض ﵁ في كتاب الشفا فصلا عن النبوة والرسالة، وذكر اختلاف العلماء التقليدي في حقيقة النبي والرسول٢، وسار فيه على النمط الذي سلكه علماء الكلام مع أنه قد ذكر في جملة عابرة له معنى لطيفا لو سار عليه في توضيح مفهوم النبوة والرسالة، لكان أقرب للذاتية الإسلامية؛ لأنه يفيد الوحدة بين الرسالة والنبوة، وكان أبعد عن لسان أرسطو الذي جهل الناس به.
قال القاضي عياض:
وحط الله عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم.
ففي العبارة توضيح لمصدر الإرسال ولوظيفته.
فالنبوة تأخذ عن الله الوحي.
والرسالة تبلغ الناس ما جاءهم من عند الله.
وكذلك هو اتحاد الماصدق والمفهوم من حيث التبليغ، إذ هو يحتاج إلى مصدر يأخذ عنه وجهة ينقل إليها، وذلك هو ما يفهم من تفسير النبي -ﷺ- "نبي" بمعنى "رسول" في حديث
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل ص٤٣، ٤٨. ٢ الشفا ج٢ ص٤٥١، ٤٥٤، ج١ ص١٤٦، ٣١٧.
[ ٢٨٤ ]
إسلام عمرو بن عبسة الذي رواه مسلم، وعلى هذا فقد كانت ﴿اقْرَأْ﴾ و﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ حقيقتان لمصدر الوحي والجهة التي سينقل إليها.
فالنبوة اصطفاء من عند الله.
والرسالة نقل ما أوحي إلى الناس.
وكلاهما كالنور وشعاعه.
وكلاهما في الجسد الواحد كاليد اليمنى واليد اليسرى تعطي وتأخذ.
وما جهل الناس بالاختلاف في حقيقة النبوة والرسالة إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطو١.
لقد قال الحجر له قبل البعثة:
السلام عليك يا رسول الله.
وقال الراهب.
أشهد أنك رسول الله.
وقال له ورقة:
أشهد أنك نبي مرسل٢.
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل ص٣٤، ٤٨. ٢ راجع الوفا ج١ ص١٦١، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٠٣، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٣٤، المواهب ج١ ص٢١٩.
[ ٢٨٥ ]
وقال له جبريل:
يا محمد أنت رسول وأنا جبريل.
وقالت خديجة ﵂:
والله إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
والإضافة إلى الأمة فيها معنى الرسالة.
وقال هو -ﷺ- نبي يعني رسول الله.
فدل ذلك على أن الرسالة والنبوة متحدان في الماصدق. وليس من المعقول أن يكون هناك نبي غير رسول. فمهمة الأنبياء هي توحيد الله الذي يتعلق به الإرسال والبعث.
وقد ذكر في شرح الشفا١ أدلة القائلين بهذه الوحدة ومنها:
واستدلوا على تساويهما بقوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ .
لأنه علق فعل الإرسال بهما فإذا أرسل النبي لزم أن يكون الرسول نبيا والنبي رسولا، وإليه أشار بقوله: فقد ثبت لهما معا الإرسال.
وقد جرى الاستعمال القرآني في مكة والمدينة المنورة على هذا الأساس،
فجميع الأحكام الشرعية التي هي من سمات الرسالة فيما يدعيه علماء الكلام مبتدأ بنداء رخى كريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ .
_________________
(١) ١ الشفا شرح نسيم الرياض ج٢ ص٤٥٣.
[ ٢٨٦ ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ ٣.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ٤.
فلو كان اصطلاح الرسول مرادا هنا لخاطبه بـ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ . إنها أحكام شرعية.
كذلك في مكة أول البعثة نزل عليه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ٥.
وإذن فالنبي رسول والرسول نبي وقد بدأت الرسالة بالاصطفاء وأعد النبي -ﷺ- بمنهج تربوي خاص بالتكاليف ربانية خاصة قبل أن يبدأ دعوته وذلك هو طبيعة المنهج القرآني؛ أن يمهد ويخطو وئيدا ويتحرك متئدا؛ لأنه يربي ويبني ويرفق ويحنو، فلا يأخذ الناس جزافا، ولا يأتيهم بغتة، ولا يتصرف معهم على عجل، ولله در الشاعر:
داويت متئدا وداووا طفرة وأخف من بعض الدواء الداء
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١ من سورة الأحزاب "مدنية". ٢ الآية رقم ١ من سورة الطلاق "مدنية". ٣ الآية رقم ١ من سور التحريم "مدنية". ٤ من الآية رقم ٦١ من سورة التوبة "مدنية". ٥ الآية رقم ١٥ من سورة المزمل "مكية".
[ ٢٨٧ ]
لقد كانت رسالة النبي محمد -ﷺ- هي نبوته، وكانت نبوة رسول الله -ﷺ- هي رسالته فهو خاتم الأنبياء وهو خاتم المرسلين، وكل نبي كذلك هو رسول ونبي ذاتا ووظيفة.
وبهذا الفهم نكون قد أبرزنا ذاتية المفهوم للنبوة والرسالة في الجو الإسلامي، وأغلقنا به شرا مستطيرا على من يدعي النبوة فيما بعد من أمثال الفئة الضالة من القاديانية وأشباهها.
واتقينا فتنة التفاضل بين النبوة والرسالة١. واسترحنا من خزعبلات العموم والخصوص.
وأوصدنا باب البحث عن صفة الذين آمنوا بالنبي -ﷺ- قبل أن يبدأ في تبليغ الدعوة٢، فقد انتقل حالهم إلى الله جل شأنه، وهو وحده صاحب الملك والتصريف، والبحث في هذه المسائل تهوكٌ وبعدٌ عن طبيعة الإسلام، وجريٌ وراء تفكه فكري لا يليق بإسلام الوجه لله.
لقد جاءت الرسالة أو النبوة؛ ليعيش أهل الأرض في كنف الله، ورعايته المباشرة يتطلعون في كل أمر من أمورهم إلى وحي من عند الله يتحركون به، ويحسون بيد الرحمة تمتد إليهم في كل حين لتنقل خطاهم خطوة خطوة إلى الصراط المستقيم.
_________________
(١) ١ أثارَ شارح الشفاء هذه المسألة، راجع ج١ ص٣١٧ من كتاب الشفاء للقاضي عياض. ٢ راجع الحلبية ج١ ص٢٧٧-٢٨٧، المواهب اللدنية ج١ ص٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٢٨٨ ]
وكان القائد للبشرية كلها قد أعد بعد الرسالة بمنهج خاص.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ١.
هكذا دبر الله لمحمد -ﷺ- هذه الفترة التربوية يعده فيها لحمل الأمانة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة، قيام الليل، ترتيل القرآن، ذكر الله إلخ.
فإن الاتصال بالملأ الأعلى سيستمر لتبليغ شرع الله إلى الناس كافة، وهذا الاتصال لا بد وأن تسبقه تهيئة خاصة يتم فيها التجرد المطلق لله؛ لتستوعب الروح الطاهرة فيوضات الأنس الإلهي والمدد الإلهي والصلة الإلهية، وحتى تذوب المعاني الأرضية كلها وتصفى النفس من كل صغيرة لا تتفق مع نورانية الحق وجلال الله الأكبر، كانت الأوامر الإلهية تربي سيدنا محمد -ﷺ- وتعده بمنهج تدريبي قوي يتصل فيه بالله والناس نيام، ويذكر فيه اسم ربه وقد سكن الوجود وغاب النائمون، ويرتل القرآن ترتيلا يصل بصوته النبوي أجواء الأرض بأسماع السماء.
ويمضي الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه يقوم الليل إلا قليلا، ويرتل القرآن ترتيلا، ويذكر اسم ربه بكرة وأصيلا حتى جاءه الحق بتنفيذ الوظيفة.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١-٨ من سورة المزمل.
[ ٢٨٩ ]
فبدأ دعوته إلى الله١.
واتخذت الدعوة أربع مراحل على نحو ما جاء في القرآن الكريم:
١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢.
٢- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٣.
٣- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٤.
٤- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٥.
وهي:
مرحلة إعداد القيادة.
مرحلة الأهل والأقارب.
مرحلة العرب عامة.
مرحلة البشرية كلها.
وأشهد أنه قد بلغ الدعوة بهذه المراحل كلها، وهو ما زال في ظلال مكة والبيت العتيق.
_________________
(١) ١ نزول ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قبل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وإعلان هذا المنهج التربوي بعد الاختبار والاصطفاء يلغي البحث المتعلق باكتساب النبوة، ويجعله في غير محل له مطلقا؛ لأن كثرة العبادة وقوة الرياضة النفسية جاءت بعد الاصطفاء والرسالة، وهذا يفيد أن الاكتساب ليس طريقا مسلوكا، ولا مفروضا لتقدم الاصطفاء على كثرة الرياضة وقوة العبادة. ٢ الآية رقم ٢ من سورة المدثر. ٣ الآية رقم ٢١٤ من سورة الشعراء. ٤ الآية رقم ٧ من سورة الشورى. ٥ من الآية رقم ١ من سورة إبراهيم.
[ ٢٩٠ ]
ضابط التقسيم:
ما هو أول ما نزل من القرآن؟
هل هو ﴿اقْرَأْ﴾ .
هل هو ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ﴾ .
لقد دافع ابن حجر في فتح الباري عن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن لما سأله يحيى بن أبي كثير عن أول ما نزل فقال: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله -ﷺ- قال:
"جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء باردا"، قال: "فدثروني وصبوا عليّ ماء باردا"، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
قال ابن حجر في هذه الرواية نقلا عن الكرماني: استخرج جابر أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
ثم قال: ويحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يفيد السبب أي هي أول ما نزل من القرآن بسبب متقدم، وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم
[ ٢٩١ ]
وهو احتمال بعيد في نظر ابن حجر كذلك هنا رأي آخر في أن أول ما نزل "المزمل" أن فيها ذكر قيام الليل، وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي.
بخلاف "المدثر" فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١ إلخ.
ما ذكره ابن حجر في الدفاع عن هذه الروايات ليرجح أن أول ما نزل هو "اقرأ" كما جاء في رواية السيدة عائشة ﵂ في بدء الوحي٢.
وإذا كانت معرفة ما نزل بتاريخه في هذه الفترة المكية قد شاء الله تعالى أن يستأثر بعلمها، فلم يبق لي بعد أن كثر الحديث بين العلماء في تحديد أول ما نزل إلا ما اتفق عليه العلماء، وهو ترتيب سور القرآن الكريم على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن٣.
وقد لاحظت أن اتخاذ ترتيب السور على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن وحده كضابط لتقسيم مراحل الدعوة، قد لا يساعد على تحقيق
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١٠ ص٣٠٤، ٣٠٥، إرشاد الساري ج٧ ص٤٠٣، المواهب ج١ ص٢٢٠، ٢٢٢، الحلبية ج١ ص٢٨٥، أسباب النزول للواحدي ص٤٧٥، روح المعاني ج٢٩ ص١١٥، التاج ج٤ ص٢٥٢ ٢٥٥، راجع تفسير الطبري ج٢٩ ص٩٠، الخازن ج٧ ص١٧٢، تفسير ابن كثير ج٤ ص٤٤٠، التفسير الحديث ج١ ص٩٢، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٣٩٣، ٣٩٧، السيرة لابن كثير ج١ ص٤١٣، مناهل الفرقان ج١ ص٨٦، ٨٨ تاريخ التشريع للشيخ السايس ص٤٠، ٤١، الكامل في التاريخ ج١ ص٤٩، ٥٠. ٣ راجع الإتقان للسيوطي ج١ ص٦٨، ٧٢. ٣ راجع الإتقان للإمام السيوطي ج١ ص٧٢، ٧٣، التفسير الحديث ج١ ص١٤، ١٥.
[ ٢٩٢ ]
فائدة، إذ في سورة متقدمة يوجد ذكر للدعوة العامة قبل الدعوة الخاصة، فسورة الأعراف مثلا تأخذ في التسلسل المتفق عليه عند العلماء رقم ٣٩، والشعراء ٤٧، ومع هذا ففي الشعراء: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وفي الأعراف: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ .
فأضفت إلى ترتيب السور الذي اتفق عليه العلماء دلالة الآية على الأمر بالتبليغ، أو بأنها إخبار عن حدوده، ومعالمه، وآفاقه.
وعلى هذا فالضابط الذي سأعتمد عليه -إن شاء الله- في تقسيم مراحل تبليغ الدعوة هو:
الترتيب المتفق عليه بين العلماء لسور القرآن الكريم.
ومدلول الآية: أمر هو أو إخبار؟
فإن اجتمع الترتيب، والدلالة على الأمر بالتبليغ كانت الآية علامة مرحلة من مراحل تبليغ الدعوة.
وهي في نظري قدر ما وصلت إليه كالآتي:
[ ٢٩٣ ]
مراحل تبليغ الدعوة:
١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١ المدثر "٧٤".
وهذا دور العمل السري واختيار الرعيل الأول وإعداد القيادة التي تتحمل مع النبي -ﷺ- نشر الدعوة.
_________________
(١) ١ الآيتان ٢، ٣ من سورة المدثر.
[ ٢٩٣ ]
٢- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء "٤٧".
وهو بدء بالعمل الجهري بعد أن أمر النبي -ﷺ- بالجهر بالدعوة. قال في إرشاد الساري: لأن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم٢.
٣- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٣ الشورى "٦٢".
وهو على ما قاله الطبري مكة ومن حولها شرقا وغربا٤.
وهو دور دعوة العرب.
٤- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٥ إبراهيم "٧٢".
وهو دور العمل على المستوى الإنساني كله.
وقد اخترت هذه الآيات كضابط لمراحل تبليغ الدعوة لأنها في سورها المتسلسلة حسب اتفاق العلماء فيها أمر بالإنذار، وفيها سير طبيعي مع منهجية القرآن الكريم التي تأخذ بالتدرج في التربية، والإعداد حتى في العصر المدني نجد التدرج سمة التشريع الإسلامي٦ على نحو ما ذكره الكاتبون في تاريخ التشريع الإسلامي.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤-٢ من سورة الشعراء. ٢ إرشد الساري ج٧ ص٢٧٩. ٣ من الآية رقم ٧ من سورة الشورى. ٤ الطبري تفسير ج٧ ص٢٧١، روح المعاني ج١٩ ص١٣٤. ٥ من الآية رقم ١ من سورة إبراهيم. ٦ تاريخ التشريح. الخضري بك ص ١٧ تاريخ التشريع الشيخ السايس ص٥٣.
[ ٢٩٤ ]
حقيقة هناك آيات تدل على عالمية الدعوة في سورة الأعراف "٣٩" آية رقم "١٥٨"، ولكنها أخبار عن أبعاد الرسالة وشمولها للناس كافة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، والأخبار ليس كالأمر بالتبليغ في اتخاذه ضابطا يصطلح عليه في تقسيم مراحل تبليغ الدعوة كذلك في سورة الفرقان "٤١" آية رقم "١" دلالة على هذا العموم، ولكنه كذلك إخبار عن حدود الرسالة وآفاقها العالمية.
وفي سورة سبأ "٥٨" آية رقم "٢٨"، وهي في نفس الاتجاه الذي يعلن ويخبر أن الإسلام رسالة للعالمين لا لبيئة ولا لقومية خاصة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وكذلك في سورة الأنبياء "٧٣" آية رقم "١٠٧":
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
وفي سورة الأنعام "٥٥" آية رقم "٩٢" ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ مما يفيد تبليغ الدعوة إلى العرب ولكنها جاءت في وسط الآية التي تتوجه إلى الإخبار عن صفة القرآن الكريم، أنه كتاب مبارك مصدق الذي بين يديه.
[ ٢٩٥ ]
وإذن فلم يبق على ما وصلت إليه بعون من عند الله إلا الآيات الدالة على الأمر بالتبليغ حسب ورودها ووجودها في السور المتسلسلة باتفاق العلماء، ولعله مما يقوي هذا الضابط الذي أذهب إليه الحديث الشريف الذي أورده شارح الشفاء١:
"بعثت إلى الناس كافة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا لي فإليّ وحدي".
ذكره السيوطي في جامعه الصغير.
ففي الحديث خمس دعوات:
واحدة للناس كافة.
وواحدة للعرب.
وواحدة لقريش.
وواحدة لبني هاشم.
وواحدة لذاته الشريفة.
_________________
(١) ١ الشفاء شرح علي القاري ج١ ص٣٠٠، راجع السراج المنير ج٢ص١٤٣ من حديث ابن سعد عن خالد بن سعدان مرسلا.
[ ٢٩٦ ]
فإذا استثنينا الدعوة الأخيرة؛ لأن الله تعالى فتح به لدينه في كل صوب وحدب بقيت أربع دعوات، للناس كافة وللعرب ولقريش ولبني هاشم.
فإذا ما تتبعنا أحداث التاريخ، وجدنا قريشا وبني هاشم، قد أدخلهما النبي -ﷺ- في عشيرته الأقربين يوم أن صعد على الصفا وجعل ينادي:
"يا معشر قريش! -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد -ﷺ- سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا" ١.
قال ابن جرير في شرح الحديث في رواية موسى بنت طلحة عن أبي هريرة عنه مسلم واحد: دعا رسول الله -ﷺ- قريشا فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب كذلك، يا معشر بني هاشم كذلك، يا معشر بني عبد المطلب كذلك " الحديث، وقد ذكر صاحب الحلبية أنهم بنو هاشم وبنوا المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١٠ ص١٢٠ راجع محمد رسول الله -ﷺ- محمد رضا ص٨٢، راجع روح المعاني ج١٩ ص١٣٥، الطبري ج١٨ ص١١٩، ١٢٠، الوفا ج١ ص١٨٢، ١٨٣، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٦. ٢ الحلبية ج١ ص٣١٩.
[ ٢٩٧ ]
فكان ذلك عونا لي على أن أجعل قريشا، وبني هاشم المذكورين في الحديث السالف مرحلة واحدة داخلة ضمن ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .
وعلى هذا فأطوار الدعوة في مكة زمنيا اثنتان:
١- الدعوة وهي في ظل العمل السري ومدتها ثلاثة أعوام.
٢- الدعوة وهي في ظل العمل الجهري ومدتها عشرة أعوام١.
ومراحل تبليغها أربعة:
١- مرحلة واحدة في دور العمل السري وهي مرحلة إعداد القيادة وثلاث مراحل بعد قوله تعالى:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهي:
١- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .٢- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ .
٣- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ .
أما ما ذكره صاحب زاد المعاد في فصل ترتيب الدعوة، ففيه تداخل إذ قد جعل إنذار قومه مرحلة ثالثة، وجعل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ مرحلة سابقة عليها، وهما واحد لا فرق بينهما كما أنه
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٨، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٠، راجع فتح الباري ج٨ ص١٦٤، صحيح مسلم ج١ ص١٨٢٦، محمد رسول الله. محمد رضا ص٧٧، ٨٢، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٣٩٠.
[ ٢٩٨ ]
جعل النبوة مرحلة داخل أقسام الدعوة مع أن الدعوة هي وظيفة النبوة على الرأي القائل بالفرق بين الدعوة، وهي الرسالة وبين النبوة، ولهذا لم أحظ بشرف التبعية لابن القيم الجوزية في تقسيمه للدعوة، ونص عبارته:
"فصل في ترتيب الدعوة، ولها مراتب":
المرتبة الأولى: النبوة.
المرتبة الثانية: إنذار عشيرته الأقربين.
المرتبة الثالثة: إنذار قومه.
المرتبة الرابعة: إنذار قوم ما آتاهم من نذير من قبلهم وهم العرب قاطبة.
المرتبة الخامسة: إنذار جميع من بلغته من الجن والإنس إلى آخر الدهر١.
ولو أنه قصد بمرحلة النبوة مرحلة العمل الفردي السري للدعوة الإسلامية، وجعل المرحلة الثانية والثالثة مرحلة واحدة هي: دعوة أهله وأقاربه كما هو واضح من تحديد الرسول -ﷺ- لمدى الأهل والأقربين في ندائه لقريش، وبطونها يوم نزلت هذه الآية، لكان متمشيا مع النصوص القرآنية التي توحي بمدلولها
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج١ ص٢٠، راجع الوحي إلى رسول الله محمد -ﷺ- ص٦٦، ٦٧.
[ ٢٩٩ ]
ووجودها في السور بتسلسلها على التدرج في التبليغ وهو المنهج الطبيعي الذي دائما يستخدمه القرآن الكريم وهو كذلك منهج يتمشى مع طبائع الأشياء يتدرج من الأدنى إلى الأعلى، ويتصاعد من القليل إلى الكثير، حتى يشمل الدائرة التي يهدف إليها.
ولكن ابن القيم الجوزية قسم مراتب الدعوة هكذا دون اعتماد على أصل أو ضابط، ولعل عذره أن العمل الأكاديمي للدعوة الإسلامية لما يتهيأ له بعد الجو العلمي الذي يسمح بمثل هذه الدراسات وعلى كل فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه.
كذلك لم أحظ بشرف المتابعة للتقسيم الذي ذكره شيخي فضيلة الدكتور المرحوم العلامة محمد بن فتح الله بدران طيب الله ثراه وتغمده برحمته وأفسح له في قبره وتقبل عمله في الصالحين.
لأنه وصل مرحلة إعداد القيادة وهي مرحلة العمل السري للدعوة بمرحلة، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهي المرحلة التي نفذ بها الرسول -ﷺ- أمر الله تعالى بأن يصدع بما يؤمر قال ابن هشام: ثم إن الله ﷿ أمر رسوله -ﷺ- أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادئ الناس بأمره وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله -ﷺ- أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين، فيما بلغني من مبعثه. ثم قال الله تعالى له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ ١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٦٢، راجع الطبري ج١٤ ص٦٨، محمد رسول الله -ﷺ- محمد رضا ص٨٢، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٨.
[ ٣٠٠ ]
قال في شرح المواهب:
ما زال النبي -ﷺ- مستخفيا هو والمسلمون في دار الأرقم حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فجهر هو وأصحابه١.
فدل ذلك على أن العلاقة بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ هي علاقة التنجيز للأمر، قال في المواهب: قيل معناه أفرق بين الحق والباطل لأن الصدع الفرق بين الشيئين٢.
فجعل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ مرحلة.
وجعل: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ مرحلة قسيمة للمرحلة الثانية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾، مع أن ﴿فَاصْدَعْ﴾ ليست مرحلة التبليغ بل هي مرحلة زمنية في التبليغ، والفرق بينهما أن مرحلة التبليغ لها حد تعمل فيه كالأفراد، أو البيئة الخاصة أو البيئة العامة أو الناس جميعا.
أما مرحلة في التلبيغ فهي المرحلة الزمنية الفاصلة بين أسلوبي العمل للدعوة أسلوب العمل بالطريقة السرية، أو بالطريقة الجهرية. والذي يمثل المرحلة في التبليغ هو ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ لأنه يأمر النبي -ﷺ- أن ينتقل بالعمل من طريقته السرية إلى طريقة جديدة وهي الجهر الذي يفصل بين الحق والباطل.
كذلك جعل فضيلته الإسراء والمعراج مرحلة في الدعوة مع أنهما معجزتان للنبي -ﷺ- ولهما أسرار خاصة في مجال
_________________
(١) ١ و٢ المواهب ج١ ص٢٤٩.
[ ٣٠١ ]
العمل للدعوة، وليسا قسما من أقسام الدعوة لا من حيث العمل لها أو من حيث تبليغها.
وعلى كل حال فإن تقسيم فضيلته مراحل الدعوة في العهد المكي -حسبما استخلصته -إلى خمس مراحل١، كان له أثر طيب في إلقاء أضواء على تفهمي خاصة لهذا التقسيم، فجزاه الله خيرا وغفر له ورفعه مكانا عليا إن شاء الله.
وفضيلة الدكتور محمد أبو شهبة يذكر للدعوة طورين: الطور السري والطور الجهري٢، ولكنه لم يتحدث عن مراحل التبليغ.
فقد أصاب المحز في جانب تقسيم الدعوة إلى طورين حسب العمل الزمني، ولكنه ترك تقسيمها من الناحية التوجيهية، وهي مراحل التبليغ، ولعل العذر الذي يلتمس لفضيلته أنه اتخذ المنهج التقليدي المألوف للكاتبين أسلوبا لعرضه السيرة النبوية في مجال تخصصه من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
فلم يكن لي كذلك شرف متابعته في التقسيم الزمني فقط؛ لأنه وضع تاريخي لا مفر منه لمن يتصدى لدراسة هذه الفترة المكية في عمر الدعوة الإسلامية.
وأيما كان فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه وهدى بفقهه إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ الفلسفة الحديثة في الميزان ص٤٥٢-٤٥٥. ٢ السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ص٢٨٩، ٢٩٨.
[ ٣٠٢ ]
مرحلة التبليغ الأول: إعداد القيادة
مدخل
مرحلة التبليغ الأول: إعداد القيادة
انتشارها وعملها:
بالنبوة المعصومة والرسالة الممنوحة من الله تعالى لسيدنا محمد -ﷺ- دعا إلى الإسلام في بدء أمره سرا، وهذه الدعوة في هذه المرحلة جزء أساسي من منهج العمل مع الجماعة، وقد رأينا في الفصل السابق إلى أي حد وصل مستوى هذا الإعداد، لقد ارتفع المسلمون الأوائل بدعوة الإسلام إلى أرفع مستوى تهون دونه الحياة نفيسها وجليلها.
لقد كانت غايتهم القصوى هي الله وحده، وقائدهم المعصوم هو محمد -ﷺ- لا غيره، وكان القرآن الذي يترى دستورهم المفدى.
لقد استعذبت أرواح هؤلاء الأوائل رسالة الإسلام فمنحوها النفس والنفيس، وآثروها على كل الوجود، وسموا بأنفسهم فوق المجتمع الجاهلي بمادياته ومعنوياته.
هذه القيادة التي رباها سيدنا محمد -ﷺ- لتتحمل نشر الدعوة الإسلامية، أريد لها أن تنتشر في ربوع الجزيرة، والإسلام ما زال في مكة يسير وئيدا بين الأصفياء المختارين حتى إذا ما ظهرت الدعوة جهرا وأذن للنبي -ﷺ- بأن يصدع بها كانت القيادة في شتى أنحاء الجزيرة العربية وخارجها
[ ٣٠٣ ]
أعلام هداية تساند وتؤيد وتصدق وتدعو وتنشر دعوة الله، فتظهر رقعة العمل للدعوة على مساحة شاسعة مترامية الأطراف، وقد وجدت في كل ناحية منها داعية يثق في صدق برسالته، ويجاهد في صدق لنشر دعوته، فتشتعل الجزيرة ساعتئذ بمشاعر من النور، والإيمان تتلاقى مع صوت الحق الذي يصدع به رسول الله -ﷺ- في مكة "أم القرى" ومركز الإرشاد لجميع الدعاة.
وهنا نجد قيادة الدعوة بعد أن أعدت القيادة كمنهج للعمل مع الجماعة أمرت بعضهم بالتوجه إلى ديارهم يدعون إلى الإسلام، حتى يسمعوا بظهور النبي -ﷺ- فيلحقوا به، ويتضح هذا في عدة نماذج منها:
[ ٣٠٤ ]
النموذج الأول:
في مكة المكرمة كانت ظاهرة اشتراك القيادة التي أعدها ورباها سيدنا رسول الله -ﷺ- قوية الدلالة على منهجيتها في العمل للدعوة.
فسيدنا أبو بكر ﵁ يدعو إلى الإسلام كل من يتوسم فيه خيرا ويعرف عنه صلاحا من أمره، لقد كرس جهده الكريم لنشر الدعوة الإسلامية، وقاد أصدقاءه إلى مركز الإرشاد إلى سيدنا رسول الله -ﷺ- ليعلمهم الإسلام، ويتلو عليهم القرآن، ويمنحهم من فيوضات النبوة قبسا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.
وكان النجاح حليف سيدنا أبي بكر ﵁، فقد أسلم بدعايته عثمان بن عفان.
[ ٣٠٤ ]
والزبير بن العوام.
وسعد بن أبي وقاص١.
وكان يتحمل مؤنة الضيوف الذين يفدون على رسول الله -ﷺ- فقد كانت له ضيافات لا يفعلها أحد، وعندما سمع قصة أبي ذر الغفاري، وأنه بات عديدا من الأيام يعيش على ماء زمزم استأذن رسول الله -ﷺ- في أن يستضيفه عنده. يقول في الحلبية:
"إن أبا بكر قال يا رسول الله ائذن لي في إطعامه الليلة، قال أبو ذر: فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أول طعام أكلته"٢.
قال الطبري في تاريخه:
"ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله ﷿ وإلى رسوله، قال: وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما كان فيهم من خير أو شر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه، وتجاربه، وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه وجلس إليه فأسلم على يديه
_________________
(١) ١ راجع السيرة لابن هشام ج١ ص٢٥٠، ٢٥١، الحلبية ج١ ص٣١٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٥٥٩. ٢ الحلبية ج١ ص٣٠٩، ٣١٦، دلائل البيهقي ج١ ص٤٥٧، محمد رسول الله أتين دينه ١١٧.
[ ٣٠٥ ]
فيما بلغني عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله -ﷺ- حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلوا وصدقوا برسول الله -ﷺ"١.
ولقد كانت أعمال أبي بكر رضي الله تعالى عنه للدعوة الإسلامية أبعد من نشرها بالموعظة والحكمة والبيان والشرح، وأبعد من إيواء الضيوف فقد تجاوزت أريحيته الكريمة هذه الحدود، فوظف ثروته لشراء العبيد الذين ارتفعوا بقلوبهم المؤمنة على مستوى أسيادهم الأحرار الذين غاظهم هذا السمو العقلي، والروحي في إيمان عبيدهم، فراحوا يسمونهم العذاب ألوانا وأشكالا.
يقول ابن هشام:
"ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم،
عامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وأم عيسى، ولبيبة جارية بني مؤمل المؤملية، وزنيرة".
وذكر في شرح المواهب اللدنية أنه أعتق:
أبا فكيهة، وأم بلال٢.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج١ ص٣١٧، راجع المواهب اللدنية ج١ ص٣٤٥، ٣٤٦، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤١٨، راجع الدرر ص٤٠، ٤١. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣١٧ ٣١٧، المواهب ج١ ص٢٦٦-٢٦٩، الحلبية ج١ ص٣٣٦، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٦-٧٠، الدرر ص٥٤٧، المحبر ص١٨٣، ١٨٤، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٣.
[ ٣٠٦ ]
وتستمر هذه الأريحية القائدة تعمل للدعوة بذكائها وجاهها ومالها، فأبو بكر رضي الله تعالى عنه هو الذي اشترى راحلة السفر لهجرة رسول الله -ﷺ- ودفع ثمن أرض المسجد الأول الذي أسس على التقوى من أول يوم في المدينة المنورة.
ويوم تبوك تبرع بكل ما يملكه وما ترك لأولاده إلا الله ورسوله. قال فيه النبي -ﷺ:
"إن أَمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر" ١.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٨ ص١٣، الفتح الكبير ج١ ص٣٧٥.
[ ٣٠٧ ]
النموذج الثاني:
لما أسلم الطفيل بن عمر الدوسي على الرغم من الجهد الذي بذلته قريش حتى لا يدخل الطفيل في دين الإسلام، أدرك الطفيل أنه بدخوله في هذا الدين صار متحملا مسئولية العمل له، فقال للنبي -ﷺ: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا أرجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا فيما أدعوهم إليه.
فقال: "اللهم اجعل له آية" ١.
هنا نجد مسألتين:
الأولى: أن الرجل حمل نفسه مسئولية العمل للدعوة، وأنه يطلب عونا من الله يساعد في نشرها.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٣٨٢، ٣٨٣، الخصائص الكبرى ج١ ص٣٣٦-٣٣٩، حياة الصحابة ج١ ص٢٠٥، ٢٠٦، السيرة لابن كثير ج٢ ص٧٢-٧٤.
[ ٣٠٧ ]
الثانية: أن الرسول -ﷺ- دعا له الله أن يجعل له الآية التي تعينه على نشر الرسالة.
وإذا مضينا نستطلع عمل الطفيل كداعية نجده قد دعا إياه وزوجته، ثم دعا قومه، وما زال بأرض دوس، حتى هاجر رسول الله -ﷺ- إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدم على النبي -ﷺ- بمن أسلم معه من قومه وكانت عدتهم تقرب من ثمانين بيتا من دوس.
وتستمر الحماسة القيادية في نفس الطفيل، فبعد فتح مكة يطلب من رسول الله -ﷺ- أن يرسله إلى صنم عمرو بن حممة ليحرقه، فأحرقه وجعل يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار فؤادكا١
واستمر الطفيل رائدا مجاهدا مخلصا للدعوة حتى كان أحد أبطال الجيش الإسلامي الذي حارب طليحة الكذاب في حروب الردة عهد خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه٢.
_________________
(١) ١ راجع أخبار مكة للأزرقي ج١ ص١٣١. ٢ ابن هشام ج١ ص٣٨٤، ٣٨٥، الروض الأنف ج٣ ص٣٧٦، ٣٧٧، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٣٥٣ ج٢ ص١٠٨، ١٥٧، السيرة لابن كثير ج٢ ص٧٥.
[ ٣٠٨ ]
النموذج الثالث:
ولما أسلم أبو ذر الغفاري قال له النبي -ﷺ:
"اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك، فأخبرهم يأتوني، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل" ١.
يقول البيهقي:
فقال رسول الله -ﷺ:
"إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله أن ينفعهم بك وبأجرك فيهم؟ ".
فانطلق أبو ذر بهذه الشحنة من التوجيه النبوي يدعو إلى الله.
قال البيهقي يحكي جهاده وتنفيذه لما أمر به النبي -ﷺ:
فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا فقال لي: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، قال: فما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت قال: ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفار، فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله -ﷺالمدينة وكان يؤمهم خفاف بن أيما بن رحضة الغفاري، قال: وكان سيدهم يومئذ، وقال بقيتهم إذا قدم رسول الله -ﷺ- المدينة فأسلم بقيتهم.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣١٦.
[ ٣٠٩ ]
وجاءت أسلم، فقالت: يا رسول الله أخواننا، نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلمنا، فقال رسول الله -ﷺ: "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله" ١.
هكذا تبدو أهمية نشر القيادة في أنحاء الجزيرة العربية وتبدو أهمية مساهمتها في العمل للدعوة الإسلامية فقد خفف الطفيل بن عمرو الدوسي وأبو ذر الغفاري عن مركز الإرشاد في مكة أعباء ثقل العمل في تلك الديار وكانوا رصيدا بشريا محترما عندما هاجر الرسول -ﷺ- إلى المدينة فكانوا بذور شجر يترعرع في سرعة، وينمو بقوة في ظلال النبوة الكريمة عندما أذن الله لرسوله -ﷺ- بالهجرة ليستبدل منهجا جديدا بعد أن وضعت لبنة البناء العظيم للأمة الإسلامية في مكة المكرمة.
وهكذا يبدأ التبليغ بإعداد القيادة في مدة أعوام ثلاثة من العمل السري للدعوة، ويتم فيها عليا تواؤم الدعوة مع الطبيعة الإنسانية فلا يبقى لمعترض تعلة فقد آمن بيت الرسول -ﷺ- جميعا.
وآمن صديقه أبو بكر، وغلامه زيد، والمنتظرون لبعثته الشريفة منذ زمن، مثل: ورقة، وبحيرا، ونسطيرا، وعلماء النصارى،
_________________
(١) ١ راجع دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٥٧-٤٥٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٤٧-٤٥١، صحيح مسلم باب في فضائل أبي ذر ﵁ ج١٩١٩ فتح الباري ج٨ ص١٧٤، ١٧٥، الحلبية ج١ ص٣١٦-٣١٧.
[ ٣١٠ ]
فلم يبق لواحد من بعد ذلك شبهة اعتراض لو كان ما يدعو إليه محمد حقا لكان أولى الناس به زوجه وغلام بيته وصديقه١.
أما وقد آمن هؤلاء جميعا وآمن معهم خلق آخر بدعوتهم إياهم، فقد انسد باب الافتراض والتعلة وأغلق كل ثقب شيطاني للالتواءات الإبليسية التي يتذرع بها المطمسون عن نور الحقيقة المحجوبون عن خيرات الإسلام، وبات الحق واضحا يدلل على وضوحه وصدقه إيمان السيدة خديجة منذ اللحظة الأولى، وإيمان ورقة منذ أن علم بالوحي إلى رسول الله -ﷺ- وإيمان الصديق ساعة أن دعى دون كبوة أو تردد، وإيمان علي دون مشورة أبي طالب، وإيمان زيد بن حارثة دون بحث أو نظر، وإيمان الطفيل رغم الدسيسة وإيمان أبي ذر وتحديه لمجتمع مكة.
وبذلك فقد اكتمل للدعوة في كل موطن قيادة تعمل وتجاهد في سبيل نشر الإسلام الحنيف وهي تثق في لحظة الظهور التي وعدهم بها رسول الله -ﷺ.
ومن هنا فقد حان للدعوة بعد هذا أن تأخذ طريقها للانطلاق والظهور، فأذن الله جل شأنه لنبيه أن يصدع بما يوحي إليه، فابتداء الركب النوراني يأخذ مراحله الثلاثة:
لعشيرته الأقربين.
للعرب.
للعالمين جميعا.
_________________
(١) ١ راجع فقه السيرة ص٩٩ محمد رسول الله -ﷺ- اثين دينه ص١١٧.
[ ٣١١ ]
فتسلسلت مراحل التبليغ؛ لتكون كل واحدة منها كالتمهيد، التقديم لما بعدها أخذا بالتدرج الذي انتهجته الدعوة في كل عمل تشريعي يبني ويهذب ويعلم.
وما أحوج الدعوة الإسلامية هنا في جنوب شرقي آسيا إلى مثل هذه القيادة؛ لتحد من الإسراف في عبادة الأصنام التي ما زالت تشكل جاهلية كاملة في مفهوم العقيدة حيث تكثر وتتعدد دور عبادة الأصنام للهنود والصينيين والسيلانيين وينفق على بنائها مال كثير١، إن الأصوات التي تعلو هنا بإنشاء دولة إسلامية لما تعرف بعد، إن أول خطوة يجب أن تتخذ هي إنهاء سلطة الأصنام وتنزيه عبادة الله جل شأنه من هذا الشرك التافه الذي لا يتفق مع كرامة الإنسان ووظيفته ولا يتلائم مع منطق العقل ومشاعر الوجدان.
ولو أن الدراسات التي تجري هنا في جنوب شرقي آسيا تعتمد على طبيعة منهج الدعوة الإسلامية لاتخذت سياسة إعداد القيادة أسلوبا جديا لمناهضة الأصنام التي تملأ الشوارع والحقول، وتفسد على الناس علاقتهم بالله الحق الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء قدير.
إن مرحلة بناء القيادة جزء أساسي في منهج العمل مع الجماعة لنشر الدعوة، وهو في نفس الوقت مرحلة أساسية لتبليغ الدعوة قبل الجهر بها حتى تجد الفكرة لها أنصارا يحمونها، ويدافعون عنها، ويضحون
_________________
(١) ١ وافتنا وزارة التعمير والإنشاء بإحصائية سرية عن قيمة المبالغ التي تنفق على بيوت الأصنام، ولولا أنها سرية لنشرتها.
[ ٣١٢ ]
من أجلها فيضمن لها بذلك قاعدة في داخل المجتمع تعمل لها، وتدعو إليها، وتخفف عن الداعية الرائد كثيرا من الأعباء.
وأن ذلك لمن أحوج ما تحتاج إليه الدعوة في العصر الحديث. قيادة تؤمن في صدق وإخلاص بأن الله غايتها، والرسول زعيمها، والقرآن الكريم وحده هو دستورها، والجهاد الخالص لوجه الله سبيلها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها، وإذا وجدت تلك القيادة فيومها يبدأ الطريق إلى تحقيق رسالة الإسلام التي تتركز في قوله تعال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٩ من سورة محمد.
[ ٣١٣ ]
مرحلة التبليغ الثاني: وأنذر عشيرتك الأقربين
قال البيهقي في دلائله:
لما نزلت هذه الآية على رسول الله -ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال رسول الله -ﷺ: "عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت عليها، فجاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك"، قال علي: فدعاني، فقال: "يا علي، إن الله قد أمر أن أنذر
[ ٣١٣ ]
فصمت عن ذلك، ثم جاءني جبيل ﵇ فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك"، قال: "فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام وأعد تعب لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب"، ففعلت فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله -ﷺ- منها قطعة فشقها بأسنانه، ثم رمى بها نواحيها وقال: "كلوا باسم الله"، فأكل القوم حتى نهلوا عنه، ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم يأكل مثلها، ثم قال رسول الله -ﷺ: "اسقهم يا علي"، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله -ﷺ- أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله -ﷺ- فلما كان الغد قال رسول الله -ﷺ: "يا علي! عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم"، ففعلت ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله -ﷺ- كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله -صلى الله
[ ٣١٤ ]
عليه وسلم "يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة" ١.
هذه محاولة أولى مع عشيرته الأقربين وخطوة أساسية في وسيلة تبليغ الدعوة عن طريق اللقاء الشخصي، وهو أجدى وسائل العمل الاجتماعي في كل عصر وحين، ولهذا كرر النبي -ﷺ- اللقاء بعشيرته في الحلبية: فجمعهم رسول الله -ﷺ- ثانيا وخطبهم، ثم قال لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا، والله يا بني عبد المطلب ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة"، فتكلم القوم كلاما لينا غير أبي لهب فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه والله السوأة، خذوا على يده قبل أن يأخذ على يده غيركم فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم وإن منعتموه قتلتم.
فقالت أخته صفية عمة رسول الله -ﷺ- رضي الله تعالى عنها: أي أخي! أيحسن بك خزلان ابن أخيك.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٢٨، ٤٢٩، وهذه الرواية نظيفة من الزيادة التي رواها الطبري في تفسيره ج١٩ ص١٢١، ١٢٢، وردها ابن كثير في السيرة ج١ ص٤٥٩، والحلبية ج١ ص٣٢٢، ولهذا لم أعتمد على رواية الطبري في التفسير راجع الوفاء ج١ ص١٨٤، ١٨٥، الخصائص الكبرى ج١ ص٣٠٦- ٣٠٩، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٢-٦٣، تفسير بن كثير ج٣ ص٣٥١.
[ ٣١٥ ]
فوالله ما زال العلماء يخيرون أنه يخرج من بني عبد المطلب نبي، فهو هو، قال: هذا والله الباطل والأماني، وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش، وقامت معها العرب فما قوتنا بهم فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس، فقال أبو طالب، والله لنمعنه ما بقينا.
ثم دعا النبي -ﷺ- جميع قريش، وهو قائم على الصفا وقال: "إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سنح" "سفح" هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذبوني؟ "، قالوا ما جربنا عليك كذبا، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، إني لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد" ١.
والنص الذي ساقه صاحب الحلبية يفيد أن النبي -ﷺ- كان يلح في دعوة أهله وعشيرته٢، وكان يزاوج في استخدامه لوسائل التبليغ بين الحديث الشخصي والندوة والمؤتمر المؤقت، فهو يتحدث إليهم في جو عائلي ويكرر هذا اللقاء، ثم يصعد على الصفا ويناديهم، ففي البخاري:
لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي -ﷺ- على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر! يا بني عدي! " لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرأيتكم
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٢١. ٢ راجع روح المعاني ج١٩ ص١٣٥.
[ ٣١٦ ]
لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ "، قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ١.
وبذلك يتم توصيل الدعوة إلى عشيرته الأقربين، وسورة النقاش التي دارت بين صفية بنت عبد المطلب، وأبي لهب "عبد العزى بن عبد المطلب" أثر طبيعي لدعوة الرسول -ﷺ- لهم وهو، انفعال أو تفاعل داخل الجماعة مطلوب حصوله؛ لأن الإقناع لا يتم إلا عن طريق المناقشة الضيقة التي تعطي وتأخذ وتقيم الأدلة وتناقش البراهين٢. وقد حجت صفية أخاها أبو جهل فلم يخرج من المأزق إلا بغلظة التعبير "كلام النساء في الحجال".
لقد ثبت بهذه النصوص:
أن نقل الدعوة من طورها السري إلى طورها الجهري، كان بإذن من عند الله حيث أمر -ﷺ- بأن ينذر عشيرته الأقربين، فثبت أن الدعوة تسير في رعاية الله وكنفه.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١ ص١١٨-١٢٠، راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٦، تفسير الطبري ج١٩ ص١٢١ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٣١، الوفا ج١ ص١٨٣. ٢ راجع القيادة ودينامكية الجماعات ص١٩٩.
[ ٣١٧ ]
وأن الرسول -ﷺ- استخدم في هذه المرحلة وسيلتين للتبليغ:
١- اللقاء الشخصي فيما صنعه سيدنا علي ﵁ من طعام مرات تمكن في آخرها رسول الله -ﷺ- من تبليغ رسالته.
وهذه الرواية على ما ذكره ابن كثير في سيرته أو ما ذكره الطبري في تفسيره تفيد حدوثها تاريخيا بغض النظر عن الزيادة التي لم يقبلها ابن كثير وصاحب الحلبية١.
٢- والوسيلة الثانية المؤتمر المؤقت على نحو ما ذكره الإمام البخاري فيما نقلته عنه سالفا.
٣- أخبار العلماء السابقين بنبوة سيدنا محمد -ﷺ- وذلك يؤكد مرحلة التمهيد للدعوة.
لقد كلف رسول الله -ﷺ- بإنذار أهله بعد مرحلة التبليغ السري لإعداد القيادة حتى تكون عشيرته لمن سواهم عبرة، فهؤلاء مع قربهم وقرابتهم من النبي -ﷺ- يتهددهم العذاب لو بقوا على الشرك لا يؤمنون، وقد أخرج مسلم والترمذي بإسناده عن أبي هريرة ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٩، الحلبية ج١ ص٣٢٢ ففيهما أنكرا الزيادة المذكورة "أخي ووزيري" ومع رفض الزيادة فالحادثة صحيحة، راجع روح المعاني ج١٩ ص١٣٥.
[ ٣١٨ ]
دعا رسول الله -ﷺ- قريشا فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها".
ففي هذه النصوص توضيح شفاف لكيفية تلقي الرسول -ﷺ- وكيف بلغه لعشيرته الأقربين، ونفض يديه الكريمتين من أمرهم، ووكل موقفهم وشئونهم إلى ربهم، وبين لهم أن قرابتهم له لا تنفعهم شيئا إذا لم ينفعهم عملهم، وبأنه لا يملك لهم من الله شيئا وهو رسول الله، وهذا هو الإسلام في نصاعته: أنه يتقي الوساطة بين الله وعباده، حتى ولو كانوا أقرباء إلى رسول الله -ﷺ- ما لم يكونوا مسلمين١.
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ مع تصرف في ظلال القرآن ج١٩ ص١١٧، من راجع هذا البحث الخصائص ج١ ص٣٠٦-٣٠٩، الوفا بأحوال المصطفى ج١ ص١٨٢ -١٨٥ تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٩-٣٢٢ الطبقات ج١ ص٢٠٠، دلائل النبوة البيقهي ج١ ص٤٣١، ٤٣٢، مسلم ج١ ص١٩٢، ١٩٣، اللؤلؤ والمرجان ج١ ص٥٢. ٢ الآية رقم ٢٢ من سورة لقمان.
[ ٣١٩ ]
مرحلة التبليغ الثالث: لتنذر أم القرى ومن حولها "العرب":
قال ابن هشام:
"كان رسول الله - ﷺ- يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم الله ما بعثه به"١.
وينقل ابن إسحاق عن ربيعة بن عباد ما سمعه في صغره قال:
إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله -ﷺ- يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: "يا بني فلان! إني رسول الله إليكم، فأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به"، قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه عدنية، فإذا فرغ رسول الله -ﷺ- من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفائكم من الجن من بني مالك بن أفيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه قال: فقلت لأبي: يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب٢
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٢، راجع لابن كثير ج٢ ص١٥٨. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٣، الطبري ج٢ ص٣٤٨، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٥٥، ١٥٦.
[ ٣٢٠ ]
قال في الخصائص:
وأخرج الواقدي، وأبو نعيم عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله -ﷺ- بمنى فدعانا فما استجبنا له ولا خير لنا، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي، فقال لنا: أحلف بالله لو صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط رجالنا لكان الرأي، فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ، فأبى القوم وانصرفوا، فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك، فإن بها يهود نسائلهم عن هذا الرجل، فمالوا إلى اليهود، فأخرجوا سفرا لهم، فوضعوه، ثم درسوا ذكر رسول الله -ﷺ- النبي الأمي العربي يركب الحمار ويجتزئ بالكسرة وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالبسط في عينيه حمرة مشرب اللون، فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه، فإنا نحسده ولا نتبعه، ولنا منه في مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه أو قتله، فقال ميسرة: يا قوم إن هذا الأمر بين، فأسلم في حجة الوداع١.
قال في المواهب:
وكان -ﷺيطوف على الناس في منازلهم يقول: "إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا"، وأبو لهب يقول: يا أيها الناس هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم"٢.
_________________
(١) ١ الخصائص ج١ ص٤٥٤، ٤٥٥. ٢ المواهب ج١ ص٢٥٠.
[ ٣٢١ ]
إن رسول الله -ﷺ- لم يأل جهدا في توصيل دعوة الله إلى العرب.
فقد أتى كلبا في منازلهم فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم: "يا بني عبد الله إن الله ﷿ قد أحسن اسم أبيكم"، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
وأتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم كذلك إلى الله، وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم١.
كذلك عرض رسول الله -ﷺ- نفسه على بني عامر فدعاهم إلى الله ﷿، ولكنهم أرادوا أن يتخذوا الدعوة فيما بعد ملكا عضودا لهم، فرفض رسول الله -ﷺ- يقول ابن هشام: فقال رجل منهم يقال له "بيحرة بن فراس" والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش؛ لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت
إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: "الأمر إلى الله حيث يشاء"، قال: فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان أمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٤٢، راجع الوفا ج١ ص٢١٥، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٤٩، الحلبية ج٢ ص٣، ٤ السيرة لابن كثير ج٢ ص١٥٧، ١٥٩. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٤، ٤٢٥، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٠.
[ ٣٢٢ ]
ومرة أخرى يتضح أن هدف الدعوة دائما كان غاية في النقاء من أعراض الدنيا وأن الرسول -ﷺ- كان دائما يؤكده ولا يساوم فيه أبدا، وقال ابن سعد في الطبقات:
فدعا الناس إلى الإسلام يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتذل لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة"، وأبو لهب وراءه يقول: إن تطيعوه فإني صابر، فيردون على رسول الله -ﷺ- أقبح رد ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، ويكلمونه ويجادلونه ويكلمهم ويدعوهم إلى الله، ويقول:
"اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا".
فكان من سمي لنا من القبائل الذين آتاهم رسول الله -ﷺ- ودعاهم، وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وقرارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نضر، وبنو المكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد١.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص٢١٦، ٢١٧، راجع ابن هشام ج١ ص٤٢٤، ٤٢٥، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٣، ٩٤، شرح المواهب ج٣٠٩، دلائل النبوة للبيهقي ج٢ ص١٥٧، ١٦٣.
[ ٣٢٣ ]
وفي سبيل تبليغ الرسالة طاف الرسول ﵊ بعيدا يدعو الناس في ديارهم، لقد ذهب إلى الطائف، وعمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة:
عبد ياليل بن عمرو بن عمير.
ومسعود بن عمرو بن عمير.
وحبيب بن عمرو بن عمير.
لقد جلس إليهم رسول الله -ﷺ- يدعوهم إلى الله، كلمهم بما جاءهم به من الحق والهدى وطلب نصرته على الإسلام، فتفلسفوا عليه لقد ركبوا عقولهم وامتطوا أهواءهم.
قال له متشدقهم: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟
وقال فيلسوفهم: والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام.
ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك.
لقد رفضوا نصرة النبي -ﷺ- فطلب منهم مبدأ عاديا هو مبدأ خلقي يلتزمه الفرد العادي لقد طلب منهم أن يكتموا أمره. ولكنهم لم يفعلوا وأفشوه وتمادوا في الضلالة، وأغروا به عبيدهم وسفهاءهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وهما فيه١.
_________________
(١) ١ مع تصرف ابن هشام ج١ ص٤١٩، ٤٢٠، دلائل البيهقي ج٢ ص١٥٩، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩١ راجع المواهب ج١ ص٢٩٧، ٢٩٨، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٤٤، ٣٤٥.
[ ٣٢٤ ]
وفي لحظة الكرب تبدو طبيعة الداعية أن أمره كله لله وأمره كله خير فهو يفعل ما يؤمر به وينفذ ما جاءه، أما أن يستجيب الناس فتلك مشيئة الله. وتبدو طبيعة الداعية وقد ارتبطت بالجو الرباني يدعو رسول الله -ﷺ- دعاءه الخاشع بكلماته الرخية التي ترطب الفؤاد، وتحل فيه السكينة، وتذهب عن القلب همومه:
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني، أم إلى صديق قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" ١.
وتظهر كذلك طبيعة الداعية وصفاء نفسه وارتفاعها فوق الآلام، وعفوها عن كل زلات المحجوبين عن رحمة الله.
لقد استجاب الله لدعاء نبيه الكريم، وجاء ملك الجبال ليدمرها على ثقيف، ولكن الرسول -ﷺ- يحنو عليهم ويرأف بهم، فيقول في عفو كريم:
"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له"،
_________________
(١) ١ المواهب ج١ ص٣٥٤، ٣٥٥، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩١، ٩٢، الوفا ج١ ص٢١٣.
[ ٣٢٥ ]
قال في شرح المواهب:
وهذا من مزيد شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه١.
ولم تكن جهودا ضائعة ولا دعوة فارغة بل كانت واجبات تؤدى وثمارها مطوية مكنونة في علم الله، فقد استجاب في هذه الحملات رجال من أهل طيبة استروحوا لنسائهم الإيمان في صدورهم، فحملوها إلى قومهم في يثرب طيبة وكان في مقدمة هذه البشائر:
سويد بن الصامت: أخو بني عمرو بن عوف من الأوس قدم مكة حاجا أو معتمرا فعرض عليه رسول الله -ﷺ- الإسلام والإيمان، فقال للنبي ﵊ لعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله -ﷺ: "وما الذي معك؟ ". فقال: مجلة لقمان يعني حكمة لقمان، فقال رسول الله -ﷺ: "أعرضها علي"، فعرضها عليه، فقال: "إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل منه، قرآن أنزله الله ﷿ عليّ هو هدى ونور". فتلا عليه رسول الله -ﷺ- القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال: إن هذا لقول حسن، ثم انصرف، فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتلته الخزرج، وكان رجال من قومه يقولون: إنا لنرى أنه قتل وهو مسلم٢.
_________________
(١) ١ المواهب ج١ ص٢٩٨، راجع الدرر ص٦٨، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٤٥ الحلبية ج١ ص٣٩٥، ٣٩٦. ٢ الدلائل البيهقي ج٢ ص١٦١، ١٦٢، الدرر ص٧٠، راجع السيرة لابن كثير ج٢ ص١٧٣، ١٧٤.
[ ٣٢٦ ]
قال صاحب الحلبية:
وفي كلام بعضهم أنه آمن بالله ورسوله وسافر حتى دخل المدينة إلى قومه، فشعروا بإيمانه فقتلته الخزرج بغتة١.
وإياس بن معاذ وهو فتى من فتيان بني عبد الأشهل قدم مكة مع أبي الحيسر أنس بن رافع الذي جاء يلتمس من قريش حلفا على قومهم من الخزرج عندما تصدى لهم رسول الله -ﷺ- كعادته ليبلغهم الإسلام ويدعوهم إلى الإيمان، قال إياس وهو غلام حدث: يا قوم هذا والله خير مما جئتم له، فغضب عليه شيخ الوفد أبو الحيسر، فأخذ حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجهه٢.
قال في الحلبية: فلما دنا موت إياس صار يحمد الله ويسبحه ويهلله وتكبره حتى موت٣.
قال البيهقي: قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضرني من قومي أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره، ويحمده، ويسبحه، حتى مات وكانوا لا يشكون أنه قد مات مسلما.
كان قد استشعر من الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ما سمع٤.
_________________
(١) ١ الحلبية ج٢ ص٧. ٢ راجع السيرة لابن كثير ج٢ ص١٧٥، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٥ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٣. ٣ الحلبية ج٢ ص٧. ٤ الدلائل للبيهقي ج٢ ص١٦٣، راجع السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٨.
[ ٣٢٧ ]
وهكذا تنتقل الدعوة وئيدة حسب طبيعتها لتقرر مبدأ عاما "لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم".
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ١.
وتستمر ثمرات هذا الكفاح المضني، والجهد الشاق الذي بذله رسول الله -ﷺ- في تبليغ الدعوة في هذه المرحلة، فتنتقل الثمرات من إنتاجها الفردي إلى إنتاج جماعي لكأنما شاء الله لها في عهدها المكي أن تبدأ فردية، وتنتقل إلى الجماعة جهرية وشاء لها كذلك أن تكون ثمارها هكذا واحدة، ثم جماعة قد اختارهم الله واختصهم دون ذلك القوم الذين دعوا فلم يستجيبوا.
يقول ابن هشام:
فلما أراد الله ﷿ إظهار دينه وإعزاز نبيه -ﷺوإنجاز وعده له خرج رسول الله -ﷺ- في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا.
قال لهم رسول الله -ﷺ: "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب
_________________
(١) ١ التغابن.
[ ٣٢٨ ]
وعلم وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله -ﷺ- أولئك النفر، ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك.
ثم انصرفوا عن رسول الله -ﷺ- راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا١.
وهذا النص يوضح عدة حقائق سبق عرضها في هذ الدراسة ومنها:
أهمية مرحلة التمهيد بالدعوة فقد كان حديث اليهود وتوعدهم لهذا البطن من الخزرج جعلهم يتبادلون الشورى فيما بينهم ليسبقوا اليهود ويفسدوا عليهم خطتهم فآمنوا وصدقوا.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٤٢٨، ٤٢٩، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٤، الوفا ج١ ص٢١٧، المواهب ج١ ص٣١١، ٣١٢.
[ ٣٢٩ ]
وإن هؤلاء النفر لما عادوا تحملوا مسؤلية العمل للدعوة، وهو جزء أساسي في منهج التبليغ، والعمل مع الجماعة، وقد حمل التاريخ الإسلامي لهؤلاء النفر مجهودا مشكورا ونشاطا رائعا مخلصا، في نشر الدعوة بعد عودتهم إلى يثرب طيبة.
يقول ابن هشام:
فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله -ﷺ- ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبقى دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله -ﷺ.
وبذلك فقد تم توصيل الدعوة إلى أصقاع الأمة العربية، نعم رفضها المطموسون بظلام الجاهلية، ولكن قبلها المشرقون بصفاء النفس الممنوحون نعمة السمع، وشاء الله لهم أن يكونوا لها أجنادا مصطفين أخيارا. والله ذو الفضل العظيم١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٤٣٠، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٧٨، الدرر ص٧١، الطبقات الكبرى ج١ ص٢١٩، الدلائل للبيهقي ج٢ ص١٧٤، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٦، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٥، الوفا ج١ ص٢١٧.
[ ٣٣٠ ]
مرحلة التبليغ الرابع: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور "عالمية الدعوة"
قال في الحلبية:
فجمعهم رسول الله -ﷺ- ثانيا وخطبهم ثم قال لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا
[ ٣٣٠ ]
ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة"١.
ويقول كذلك على لسان سيدنا علي ﵁:
ثم جمعتهم له -ﷺ- فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا ثم قال لهم: "يا بني عبد المطلب إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة" ٢.
منذ اللحظة الأولى للدعوة الإسلامية وهي عالمية.
إنها قانون الله للإنسان.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٣.
هذا قانون خاص بالشمس والقمر، والليل والنهار٤.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ٥.
ذلك قانون النهر والبحر وكثافة المياه٦.
_________________
(١) ١ و٢ الحلبية ج١ ص٣٢١، ٣٢٢. ٣ الآية رقم ٤٠ من سورة يس. ٤ راجع العلم يدعو للإيمان ص٥٦، ٥٧ قصة الإيمان ص٣٠٣-٣١١. ٥ الآية رقم ٥٣ من سورة الفرقان. ٦ راجع قصة الإيمان ص٣٣٥.
[ ٣٣١ ]
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ١.
ذلك قانون الرياح والأمطار٢.
كل شيء في الوجود يسير وفق قانون رباني:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ ٣.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ٤.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ٥.
تلك بعض القوانين الإلهية التي تحكم الكون الذي يعيش فيه الإنسان والدين هو قانون الله إلى البشر، وقد تمت عموميته بالرسالة الخاتمة. ومن هنا فإن النبي -ﷺ- يحدد وهو في البيئة الأولى، والخطوة الأولى، والحركة الأولى للدعوة الإسلامية، أن الإسلام دعوة الله إلى الناس كافة.
ولم تكن آمالا يطمح إليها فالظروف في مكة كانت قاسية، وليس أمام البصر العادي للناس أن يتنبئوا بعموم رسالة تحارب من الناس في أم القرى، لو كانت دعوة محمد بن عبد الله -ﷺ- دعوة
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٢ من سورة الحجر. ٢ راجع قصة الإيمان ص٣٤٥. ٣ الآية رقم ٤٩ من سورة القمر. ٤ الآية رقم ١٩ من سورة الحجر. ٥ الآية رقم ٢١ من سورة الحجر.
[ ٣٣٢ ]
مصلح أو زعيم أو قائد ما كان يمكن أن يطرح على بساط الخيال يومها يوم ضيقها وعسرتها، أنها تكون للناس كافة.
أما وهي ربانية.
أما وهي قانون الله إلى الناس كافة.
أما ويحملها نبي عارف حدود رسالته ودعوته.
فقد أعلنها:
"إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة".
ذلك لأنه يملك على هذا الصدق الذي يبلغه:
أمر تبليغ.
ونصوص أدلة.
أما أمر التبليغ الذي كلفه وهو في مكة بالدعوة العامة للناس كافة، فقول الله جل شأنه:
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١.
وأما النصوص التي اعتصم بها الرسول -ﷺ- هذا التبليغ العام فهي:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ أول سورة إبراهيم. ٢ من الآية رقم ٩٠ من سورة الأنعام.
[ ٣٣٣ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١.
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦.
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٧.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٨.
وهذه كلها سورة مكية تأتي فيها هذه النصوص أضواء على الحدود الشاملة العامة الكاملة لمحيط الكرة الأرضية كميدان لتبليغ الدعوة، وهي لا تزال في مكة تقابل من الجحود والنكران ألوانا ولكنها في
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٥٨ من سورة الأعراف. ٢ الآية رقم ١٠٤ من سورة يوسف. ٣ الآية رقم ١٠٧ من سورة الأنبياء. ٤ أول سورة الفرقان. ٥ الآية رقم ٢٨ من سورة سبأ. ٦ الآية رقم ٨٧ من سورة ص. ٧ الآية رقم ٥٢ من سورة القلم. ٨ الآية رقم ٢٧ من سورة التكوير.
[ ٣٣٤ ]
هذا الضيق المستحكم من البشر تعلن أنها "للناس كافة" فتلك طبيعتها وحقيقتها وأبعادها التي يحددها القرآن في أسلوبين منذ الأيام المبكرة في ظل الكعبة المشرفة:
أسلوب الأمر بالتبليغ.
وأسلوب الأدلة والنصوص.
وهي هكذا شاملة لجنس البشر؛ لأنها قانون الله له لا تعرف وطنا ولا قوما ولا لغة ولا مناخا ولا إقليما. لا تعرف إلا الكرة الأرضية تملكها لتكون كلها في طاعة الله كقانون يجب أن يسود ويطبق في حياة الإنسان أي إنسان على هذه الأرض؛ لأنه واحد من هذا الكون الذي يسير وفق قوانين ربانية لا يحيد عنها إلا بإرادة الله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات.
هكذا أرادها الله وهكذا اتجهت الدعوة منذ أيامها الأولى، وكذلك تتجه في كل عصر ووطن إلى آخر الزمان، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
والله وحده الذي أرادها هكذا، وهو صاحبها وراعيها، وهو وحده المدافع
عنها وحاميها، وقد بدأ رسول الله -ﷺ- التبليغ العام بالهجرة إلى الحبشة وينبغي أن نتصور الأمور هنا بمقاييس الزمن الذي كانت تقع فيه الأحداث لا بمقاييس العصر الحاضر.
لقد كان النبي -ﷺ- يعلم أن الله قد هيأ لدينه أناسا وأن النجاشي رجل لا يظلم أحد عنده، وأنه يؤمن بأن عيسى نبي
[ ٣٣٥ ]
قد بشر به فوجه البعثة١ الأولى من المهاجرين إلى الحبشة؛ ليعيشوا هناك بدينهم الجديد بعيدا عن سطوة الجبارين من كفار قريش، ولعل المسلمين بسلوكهم وإيمانهم يتركون أثرا، ولو كان قليلا وسط بيئة تعلم أن نبيا خاتما قد أظل زمانه، وفيهم من ينتظر قدومه ومبعثه.
وفي هجرة سيدنا جعفر بن أبي طالب في المرة الأولى٢ دليل واضح على أن الهجرة أريد منها كذلك أن يسمع الناس عن الإسلام بالإضافة إلى بعد المسلمين عن مواطن الأذى.
إذ إن جعفر بن أبي طالب أخا علي بن أبي طالب وعلي لم يهاجر، وأبوهما أبو طالب يدافع عن الدعوة ما قصر يوما في حمياتها، ولا آذى عليا يوم أن رآه يصلي مع رسول الله -ﷺ- خفية بل قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى الخير فالزمه٣.
وإذن فلماذا يهاجر جعفر بن أبي طالب في السنة الخامسة من المبعث ووالده ما زال حيا وما زال منافحا مدافعا عن الدعوة؟
إن أمر هجرته هو أمر تبليغ الدعوة بالطريقة الذاتية لها، وهو ابن عم النبي -ﷺ- وأعلم الناس به وأعرفهم بأحواله وأحقهم بحمل رسالته؛ ولهذا كان هو المتحدث مع النجاشي في شأن الفتنة التي تودها قريش لما أرسلت رسوليها في طلب المهاجرين إلى الحبشة.
_________________
(١) ١ الجهاد في الإسلام محمد شديد ص٤٠٤ مؤسسة المطبوعات الحديثة. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٢٣، راجع السيرة لابن كثير ج٢ ص٦، الدرر ص٥١، الكامل في التاريخ ج٢ ص٧٦، ٧٧، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٣١، ٣ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٤٧.
[ ٣٣٦ ]
يقول الأستاذ محمد شديد:
إن الذين هاجروا جميعا إلى الحبشة كانوا جميعا من ذوي القوة والمنعة الذين كان لهم من عصبتهم ما يدفع الأذى عنهم إلى حد كبير١، أما الموالي المستضعفون الذين كانوا يتلقون معظم التعذيب، فلم يهاجر منهم أحد، وظلوا في مكة حتى نهاية العهد، وقد كانوا أحق بالهجرة والنجاة. فلماذا هاجر الأقوياء وبقي المستضعفون إن كان الفرار هو الهدف من الهجرة؟ ولماذا هاجرت نساء من بين أشراف قريش، ولم تتعرض إحداهن لأذى أو فتنة؟
ولماذا هاجر أبو موسى الأشعري ومؤمنو اليمن، ولحقوا بإخوانهم بالحبشة، وقد كانوا بعيدا عن مكان المعركة؟ ولماذا بقي معظم المهاجرين بالحبشة ومعهم جعفر حتى السنة السابعة من الهجرة بعد أن أصبح٢ للإسلام دولة قوية في المدينة وقويت فيها شوكة المسلمين؟
أما جوابي: فقد كانت تلك جهود في تبليغ الدعوة على صعيدها العالمي الطبيعي، بل إن محاولة قريش استرداد المهاجرين هو نفسه دليل على ما أدركوه من إمكان انتشار الإسلام بهذه الهجرة في الحبشة، وخوفهم من بناء قاعدة إسلامية تناهض القرشيين في مكة وإلا فهجرة
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٦٠. ٢ الجهاد في الإسلام ص٤٧، يثبت ابن عبد البر الهجرة لأبي موسى بطريق المصادفة، فيروي أنه كان يريد المدينة، ولكن الريح رمت سفينتهم إلى الحبشة، فاستقر فيها حتى هاجر مع سيدنا جعفر، راجع الدرر ص٥٤.
[ ٣٣٧ ]
المسلمين من مكة كانت راحة لهم من هم تكاثرهم في داخل أم القرى، غير أن الأمر لم يكن في خاطرهم مسألة راحة من أشخاص بقدر ما هو سد الطريق على الدعوة حتى لا تنتشر وتنمو وتفشو، ولقد سقط في يد قريش عندما رجع رسولاها بخفي البعير في يوم مطير، وقرروا أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني عبد المطلب.
يقول صاحب زاد المعاد:
ثم أمر النجاشي فرد عليهما هداياهما ورجعا مقبوحين، فلما رأت قريش أمر رسول الله -ﷺ- يعلو والأمور تتزايد أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله -ﷺ- وكتبوا بذلك صحيفة١.
وعبارة ابن هشام في ذلك صريحة، قال:
فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله -ﷺ- قد نزلوا بلدا أصابوا بها أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله -ﷺ- وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب٢.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج٢ ص٤٦، راجع حول هذا المعنى تاريخ الطبري ج٢ ص٣٣٥. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٥٠.
[ ٣٣٨ ]
وعبارة ابن الأثير جلية كذلك يقول:
ولما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد، وأن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر، وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من عند النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم وأمنهم عنده ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم١.
وعبارة ابن سعد واضحة في ربط المقاطعة بخيبة قريش في مساعيها عند النجاشي قال:
لما بلغ قريشا فعل النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله -ﷺ- وأصحابه وأجمعوا على قتل رسول الله -ﷺ- وكتبوا كتابا على بني هاشم ألا يناكحوهم٢.
هذه النصوص فيها ربط بين كتابة الصحيفة وفشل قريش في مساعيها عند النجاشي وازدهار المهاجرين هناك وانتشار الإسلام.
وعلى هذا فالتفسير المعقول لهجرة سيدنا جعفر بن أبي طالب بالإضافة إلى بعد المسلمين عن الأذى هو إيصال الدعوة إلى أهل الحبشة، وقد أسلم النجاشي بمجرد أن سمع عرض الإسلام من جعفر بن أبي طالب ﵁.
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ ج٢ ص٨٧ راجع الدرر ص٥٥-٥٧. ٢ الطبقات الكبرى ج١ ص٢٠٨.
[ ٣٣٩ ]
وعلى هامش الموضوع فإن السؤال الذي ردده الدكتور هيكل في كتابه:
ومن حق مؤرخ محمد أن يسأل: كيف أمن محمد على أصحابه هؤلاء أن يذهبوا إلى أرض الحبشة، والنصرانية دين أهلها، دين كتاب، ورسولها عيسى يقر الإسلام رسالته، ثم لا يخاف عليهم فتنة كفتنة قريش، وأن تكون من نوع آخر١ يبدو في غير محله؟
والجواب عليه أن الحبشة لها دين وكتاب، ولكن أهلها، وجانب من قساوستها كانوا ينتظرون هذه البعثة المحمدية، ولقد خضلوا اللحى من دمع عيونهم لما قرأ عليهم جعفر سورة مريم، فالمقاييس التي يقاس بها السؤال هي مقاييس عصر المسيحية الاستعمارية الصليبية لا الدين السمح الذي كان أهله ينتظرون محمدا رسولا خاتما كما عرض في مرحلة التمهيد، ومواقف بحيرا ونسطورا.
إن عبارة النجاشي:
مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الذي بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأمر بهدايا الآخرين فردت إليهم٢.
_________________
(١) ١ حياة محمد ص١٥٦ راجع ص٤٤، ٤٥ من كتاب الجهاد في الإسلام ففيه توضيح دقيق في مقابل ما أثاره الدكتور هيكل في كتابه المذكور. ٢ الوفا ج١ ص١٩٧، دلائل النبوة للبيهقي ج٢ ص٦٧، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٠.
[ ٣٤٠ ]
هذا النص كاف في منع افتراض سؤال مثل الذي أثاره الدكتور هيكل باشا.
لقد بلغ رسول الله -ﷺ- الدعوة بقدر ما أذن الله له ومنحه من الفيض والبركة وما أكرمه به من العون والمدد، وإني لأشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حق جهاده -صلى الله عليك وسلم- يا سيدي يا رسول الله فقد نشرت رسالة ربك على العالمين وكنت لهم رحمة أجمعين.
[ ٣٤١ ]
أسلوب التبليغ ووسيلته
مدخل
أسلوب التبليغ ووسيلته:
أسلوب التبليغ:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
ما هو الأسلوب الذي استخدمه رسول الله -ﷺ- في تبليغ دعوة الله، وهو ينقل الدعوة بمنهج عملها مع الجماعة ومنهج التفكير الذي رسمه القرآن الكريم سالفا؟ مناهج الدعوة فكريا واجتماعيا هي الطريقة التي سنها القرآن لتبليغ دعوة الله، فما هو الأسلوب؟ وما هو نوع الكلمة التي نقل بها الرسول -ﷺ- مبادئ الإسلام إلى الناس وهو يتخذ مناهج الدعوة طريقا؟
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٢٥ من سورة النحل.
[ ٣٤١ ]
الحكمة:
إن القرآن الكريم يجيب على هذا التساؤل:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .
الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن هي الأسلوب، وهو نوع الكلمة التي بلغ بها رسول الله -ﷺ- دعوة الله إلى الناس في جميع مراحلها.
وبمنتهى البساطة يدرك الداعية مقدار التواؤم بين المناهج السالفة وطريقة استخدامها في عملية التبليغ بهذا الأسلوب.
ففي المناهج وأسلوب أو نوع الكلمة المستخدمة في التبليغ عنصر أساسي جامع، وهو السلام المطلق والصبر الطويل، حتى يمكن للدعوة أن تبدو على حقيقتها في ثوبها الطبيعي وأهدافها السامية دون تزيين أو انحراف عن جادتها.
والحكمة التي توصف بها الكلمة التي تستخدم للتعبير عن مبادئ الدعوة هي في حيز قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٥٢ من سورة الفرقان.
[ ٣٤٢ ]
ففي القرآن الكريم كل شفاء وغناء يقول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
يقول شيخنا العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود:
ولكن القرآن لم يكن يلقي القول على علاته وإنما يأتي بالقضية مبرهنا عليها بالدليل تلو الدليل، فيرضي العقل ويطمئن النفس ويقود الضمير إلى الإذعان٢.
ويقول الإمام الغزالي في كتابه "إلجام العوام": فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان.
بل أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع، والرجل القوي وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة، ويمرضون بها أخرى ولا ينتفع بها الصبيان أصلا٣.
ففي القرآن الكريم كل كفاية؛ لتوصيل دعوة الله، وتحقيق وحدات المنهج يقول شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود:
إن رسول الله -ﷺ- والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم لا لعجز منهم عن ذلك، فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضا يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض وإذا عارضوا اليهود
_________________
(١) ١من الآية رقم ٨٢ من سورة الإسراء. ٢ التفكير الفلسفي ص ٥٨. ٣ إلجام العوام ص٢٦٦ من مجموعة القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي.
[ ٣٤٣ ]
والنصارى عارضوهم بكلام الله ﷾ في أوثق نص من نصوصه المنزلة وهو القرآن١.
إن الحكمة هنا هي كما استخدمها رسول الله -ﷺ- مع الحصين.
لقد كان الحصين رجلا تعظمه قريش وتجله، فأرسلوه إلى رسول الله -ﷺ- ليكلمه حتى ينتهي عن دعوته، فلما جاء إلى النبي -ﷺ- قال: "أوسعوا للشيخ".
فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرها؟ فقال رسول الله -ﷺ: "يا حصين! كم تعبد من آله؟ "، قال: سبعة في الأرض وواحد في السماء، فقال: "فإذا أصابك الضر لمن تدعو؟ "، قال: الذي في السماء، قال: "فإذا هلك المال من تدعو؟ " قال: الذي في السماء، قال: "فيستجيب لك وحده وتشرك به؟ أسلم تسلم"، فأسلم، فقال رسول الله -ﷺ- لأصحابه شيعوه إلى منزله٢.
والحكمة من الأسلوب الذي واجه به النبي -ﷺ- عتبة بن ربيعة لما عرض على رسول الله -ﷺ- أشياء حتى إذا فرغ منها ما ناقشها رسول الله -ﷺ- ولا جادله فيها، ولكن قال له: "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم. قال: "اسمع مني"، فتلا رسول الله -ﷺ- ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ
_________________
(١) ١ التفكير الفلسفي ص١١٩. ٢ الحلبية ج١ ص٣١٨.
[ ٣٤٤ ]
الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ومضى رسول الله -ﷺ- يقرؤها، فلما سمع بها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه١ حتى انتهى رسول الله -ﷺ- وقام عتبة، وقد تغيرت معالم وجدانه وتقاسيم وجهه، وقال فيه قومه لما رأوه من بعيد: "نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به".
نعم، لقد جاءهم بوجه رق للإسلام ولقد قال لهم صراحة: "والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل، وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به"٢.
والحكمة كأسلوب ووصف الكلمة التي تنتقل بها الدعوة هي أسلوب يؤدي به الداعية رسالته دون فضل يتحدث به أو شهوة في شهرة يعرف بها، وليس له منة على الدعوة، بل الله يمن عليه أن هداه إلى الإيمان.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٤. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٥٠، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٤، ذكر في الخازن ج٤ ص١٢٤، والطبري ج١٤ ص١٩٤، وتفسير المراغي ج١٤ ص١٦١ وابن كثير ج٢ ص٥٩٠، الألوسي ج١٤ ص٢٥٤، وفي غيرها من كتب التفسير معاني للحكمة ولكني أطلقها من كل عقال لتجمع كل وصف يراد منها حسبما هي طبيعة القرآن الكريم.
[ ٣٤٥ ]
إن النظر في أحوال المخاطبين وظروفهم والقدر الذي ينبغي أن يستخدمه الداعية كل مرة في تبليغ رسالته بحيث لا يثقل ولا يشق بالتكاليف قبل أن تستعد النفوس للتحمل الشامل للدعوة، وطريقة المخاطبة والتنويع في الأسلوب حسب مقتضيات الأحوال هو الحكمة التي تريدها الدعوة في العصر الحديث كبديل للحماس المتزايد والاندفاع الملتهب الذي يتجاوز حدود الحكمة فيضر الدعوة على السواء١.
وهي في أدق موازينها؛ العيش في الجو القرآني والهدي النبوي الكريم.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٤ ص١١٠.
[ ٣٤٦ ]
الموعظة الحسنة:
طبيعة الكلمة العاطفية التي تدخل إلى القلوب برفق وأناة وهدوء فتلطف من حرارة الصدر وتعمق المشاعر بلطف وتنعش الوجدان في تؤدة، وتدفع إلى استشعار روحانية الدعوة، فهي ترطيب الفكر الثائر وحل لعقد التقاليد الصعبة، وإنقاذ من حيرة لا شعورية موهومة، وطمأنية تسكن ثورة الجموح، وكثيرا ما هديت القلوب الشاردة بالموعظة الحسنة، وإنها مع الطبائع الخيرة أفضل من الزجر والتأنيب والتوبيخ والتجريح.
وقد حرص القرآن الكريم كثيرا على الموعظة الحسنة كأسلوب ووصف للكلمة التي يتلفظ بها الداعية.
[ ٣٤٦ ]
ومع قسوة العذاب والتنكيل التي شنها أعداء الدعوة في عهدها المكي كان القرآن دائما يحرص على الوصية بالموعظة الحسنة، يقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١.
فليس للداعية أن يرد بالسيئة إذ لا تستوي آثار السيئات وآثار الحسنات، كما لا تستوي كذلك قيمة كل منهما، فإن الصبر والتسامح والاستعلاء على رغبة النفس في مواجهة الشر بمثله قد يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة فتنقلب من الخصومة إلى الولاء، ومن الجماح إلى اللين، وكم تصدق هذه القاعدة فينقلب الهياج إلى وداعة، والغضب إلى سكينة، والتبجح إلى حياء؟
إن الكلمة الطيبة تبقى قاعدة، وأسلوبا في تبليغ الدعوة ترد بنبرتها الهادئة وبسمتها الحانية غاضبا متبجحا مفلوت الزمام.
فإن لم ترده هذه الكلمة الطيبة، فقد بقي للدعوة أنها كانت، ولا تزال تحب له الخير غير أنه هو الذي لا يريد لنفسه ذلك.
وبالموعظة الحسنة يظهر للدعاء أن هدفهم هو حب الخير للناس بهذا الدين وحماية مستقبلهم في الدنيا والآخرة من الضنك والضياع، ثم يظهر لمعارضي الدعوة أو معارضي الخير لأنفسهم سؤال:
لم لا يرد الدعاة السيئة بمثلها وهم قادرون عليها؟
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٢٤ من سورة فصلت.
[ ٣٤٧ ]
إن الذي يمنع الدعاة هو الأسلوب المفروض عليهم، ادفع بالتي هي أحسن السيئة.
وتلك الوظيفة تحتاج إلى سماحة تستعلي على دفعات الغيظ وشحنات الغضب وتحتاج إلى قوة توازن بين الدفع بالتي هي أحسن وبين السماحة التي تستعلي على الآلام والغضب والغيظ.
وهي معادلة دقيقة وصعبة جدا ولكنها لازمة في تبليغ الدعوة حتى يستمر الداعية نشيطا تدفعه الحسنى في المعاملة إلى مزيد من العمل دون حساب لسيئات المناهضين للدعوة.
وفي الإنسان -وخاصة الإنسان العربي- طابع الحياء والشهامة التي تحب أن تعود وتعترف به كفضيلة خلقية لها، ولهذا أشاد القرآن الكريم بالموعظة الحسنة كأسلوب ووصف لنوع الكلمة التي يستخدمها الداعية في تبليغ الدعوة لأنها تتلاءم مع طابع الحياء أو الشهامة التي يتحلى بها الإنسان غالبا ولقد كان من نفحاتها إسلام عمر بن الخطاب، وحمزة بن عبد المطلب١، فقد أرجعتهم إلى صوابهم حسنات المسلمين فانقلبت ضرواتهم على الإسلام له تحمسا وانتصارا، وفتح الله بهما للمسلمين فتحا كريما.
وما أحوج الدعوة في هذا العصر إلى الموعظة الحسنة وخاصة في المجتمعات البدائية التي لا تحتاج في نشر الإسلام إلى أكثر من السلوك الطيب والكلمة الطيبة والمعاملة الطيبة والمعاملة بالمعروف.
_________________
(١) ١ راجع الحلبية ج١ ص٣٣٢، ٣٣٣، ٣٦٧.
[ ٣٤٨ ]
وجادلهم بالتي هي أحسن:
لا تحامل على المخالف.
ولا ترذيل له ولا تقبيح لفكره، وما دام يريد أن يصل إلى الحق؛ فالمجادلة بالتي هي أحسن صفة الكلمة التي ينبغي أن يستخدمها الداعية مع هذا اللون من الناس، ليس هدف الداعية الغلبة ولا المخاصمة ولا الشهرة بالتفلسف. ولكن هدفه توصيل دعوة الله، فإذا احتاج الداعية مع صنف من الناس إلى جدال فليكن الجدال بالتي هي أحسن بالإقناع الموصل إلى الحق في قالب الكلمة الطيبة بعيدا عن الحماس الشارد عن الحجة البيضاء، وكثيرا ما يختلط على النفس البشرية قيمة رأيها وقيمته عند الناس حتى ليصبح التنازل عن الرأي تنازلا عن الهيبة والكيان.
فحدد القرآن الكريم أسلوب التبليغ مع هذا الصنف "الجدال بالحسنى" فإنه هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل بأن ذاته مصونة وقيمته محفوظة وكرامته موقرة، وأن ما يقصده الداعية من مجادلته هذه إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها حسبة لله لا ابتغاء نصر لرأيه وهزيمة لرأي الآخر١.
وبالتي هي أحسن قيد مهم غفل عنه المسلمون، فوقعوا في شباك مكيدة كانت مبيتة للأمة الإسلامية تواطأ عليها أعداؤهم من خارجها، ومن داخلها حتى أضناها الخلاف وضيعها التشدق والجدال٢.
_________________
(١) ١ راجع: في ظلال القرآن ج١٤ ص١١٠. ٢ التفكير فريضة إسلامية ص٤٠-٤٣.
[ ٣٤٩ ]
ثم هو قيد مهم كذلك لأخلاق الداعية الذي أريد له أن يخرج عن إطار المنهج، فيستقر حتى ينفد صبره فيفسد منهجه، ولكي يطامن الداعية من حساسيته واندفاعه كان هذا القيد: التي هي أحسن. ثم كان ختام الآية الكريمة:
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . فلا ضرورة إذن للجاجة في الجدل ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ والأمر بعد ذلك لله رب العالمين.
هذا هو أسلوب الدعوة ودستورها في التبليغ ما دام الأمر في دائرة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإذا ما تغير الموقف وصار الأمر من جهة الخصوم كلاما بالسلاح كان للدعوة أسلوب ومنهج يتفق مع موقف المعاندين بعد أن أفصحت الدعوة لهم عن سموها وأخلاقها وحنوها عليهم طول سنين١.
وقد ذكر الإمام الغزالي ﵁ في كتابه "القسطاس المستقيم":
أن المدعو إلى الله تعالى بالحكمة قوم، وبالموعظة قوم، وبالمجادلة قوم وعلل لذلك بقوله: "فإن الحكمة إن غذي بها أهل الموعظة أضرت بهم كما تضر بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير، وإن المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها كما يشمئز طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي.
_________________
(١) ١ راجع كتابنا: الجهاد في سبيل الله.
[ ٣٥٠ ]
وإن من استعمل الجدال مع أهل الجدال لا بالطريق الأحسن كما تعلم من القرآن كان كمن غذى البدوي بخبز البر، وهو لم يألف إلا التمر، أو البلدي بالتمر، وهو لم يألف إلا البر١.
وهو تصنيف مقبول من جانب إذا نظرنا إلى الأساليب الثلاثة مجزأة، الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ولكن إذا نظرنا إلى أحوال الشخص الواحد، وأنه قد تعتريه حالات ثلاث:
حالة الفطنة.
وحالة الوجدان والعاطفة.
وحالة الكبرياء والذاتية.
أدركنا أن هذه الأساليب الثلاثة تصح لرجل واحد قد يكون في حالة تستدعي الخطاب بالحكمة، أو تستدعي الخطاب بالموعظة الحسنة، أو تستدعي الخطاب بالجدال بالتي هي أحسن.
وقد استخدم النبي -ﷺ- هذه الأساليب مع مفاوضي قريش.
ففي المرة الأولى قرأ عليهم آيات فصلت.
وفي المرة الثانية قال لهم واعظا ومجادلا بالتي هي أحسن: "ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم
_________________
(١) ١ القسطاس المستقيم ص١١، ١٢.
[ ٣٥١ ]
ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، وإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم"١.
يقول أستاذنا الفاضل الدكتور محمود حب الله:
وبما أن الإسلام دين عام، وهو دين منطق وحكمة ولا يهدف نحو تربية حاسة واحدة من حواس الإنسان، بل نحو قوى الإنسان كلها من قلب وعقل وعاطفة، كان من الطبيعي له أن يخاطب كل هذه القوى النفسية ويهذبها لتتضامن جميعها في الإيمان وفي تربية الشخصية الإنسانية الحقة٢.
وبهذا يمكن أن ندرك أن الأسلوب الذي دعت إليه الآية الكريمة هو أسلوب يصلح لطوائف الناس عندما تبرز هذه الخصائص متفرقة، كما أنها كذلك تصلح لواحد من الناس تقويما لجميع قواه العقلية والقلبية والعاطفية، وبذلك تنفرد الدعوة الإسلامية بأسلوبها الخاص بها في استخدام مناهج الفكر والعمل مع الجماعة بأسلوب غاية في التهذيب والبناء لجميع قوى الإنسان الذي تنقل إليه الدعوة ليكون ربانيا في دنياه وآخرته على السواء.
_________________
(١) ١ راجع الحلبية ج١ ص٣٤٠، راجع الشفاء ج٢ ص٥٢٦، ٥٢٧ شرح نسيم الرياض. ٢ الحياة الوجدانية والعقيدة الدينية ص٢٨٧.
[ ٣٥٢ ]
وسيلة التبليغ:
وعلى الرغم من تطور وسائل الاتصال في العصر الحديث التي تستخدم في بث الأفكار والدعوة لمبدأ ما فإن الاتصال عن طريق اللغة والمقابلة
[ ٣٥٢ ]
الشخصية ما زال هو العامل الأساسي في توصيل آية دعوة، لأن اللغة تمثل أهم طريقة للتفاعل الاجتماعي بين الأفراد، وعن سبيلها يمكن الإلمام بمعرفة أحوال الناس والمشاركة في الأفكار والمشاعر والمعتقدات، ونتيجة لهذا يمكن تحديد وتشخيص وحل المشكلات في المجتمع١.
وقد نشطت الدراسات الاجتماعية الحديثة في تصوير وسائل الاتصال بالجماعة عن طريق اللغة التي تعتبر وسيلة أساسية فعالة في توصيل المبادئ للناس.
وقد توصل الدارسون الغربيون والشرقيون إلى وضع عدة وسائل منها:
١- المناقشة في الجماعة الصغيرة، وقد حاولوا وضع تعريف لها فقالوا: إنها تبادل الأفكار والآراء وجها لوجه بين أعضاء جماعة صغيرة نسبيا "وتكون عادة من خمسة إلى عشرين".
وحددوا سمات لهذه الوسيلة منها: إنها تتيح الحد الأقصى من التفاعل المتبادل بين الأعضاء، وأنها تعلم الأعضاء التفكير في حيز إطار الجماعة الذي ينمي الإحساس بالمساواة، وإنها تساعد على انبثاق قيادة٢، ولقد سبق رسول الله -ﷺ- هذه الدراسات منذ أن توجه إلى تبليغ دعوة الله.
_________________
(١) ١ القيادة وديناميكية الجماعات ص٧٨. ٢ القيادة وديناميكية الجماعات ص١٨٣.
[ ٣٥٣ ]
ففي أسباب النزول للواحدي: أن النبي -ﷺ- كان يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية بن خلف ويدعوهم إلى الله تعالى، ويرجو إسلامهم فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله! علمني مما علمك الله، وجعل يناديه ويكرر النداء، ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره١.
٢- جماعة الطنين: وهي وسيلة بديلة عن وسيله "الحابل والنابل" التي تتفتت الجماعة فيها إلى وحدات صغيرة لتيسير المناقشة٢.
وطريقة الطنين هذه يقتصر فيها على عضوين اثنين فقط لمناقشة موضوع ما، وقد سبق القرآن الكريم هذه الدراسة منذ فجر الدعوة حيث دعا المخاصمين إلى أن يقوموا قومة خالصة لله مثنى وفرادى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٣.
٣- الندوة: وهي طائفة من الأحاديث والكلمات أو المحاضرات يعرضها أشخاص لموضوع مشكلة واحدة٤.
_________________
(١) ١ أسباب النزول للواحدي ص٤٧٨. ٢ القيادة وديناميكية الجماعات ص١٩٩. ٣ الآية رقم ٤٦ من سورة سبأ. ٤ القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٠٣.
[ ٣٥٤ ]
وقد سلف أن النبي -ﷺ- لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ أقام لهم ندوة مرتين تكلم أبو لهب في الأولى وعرض وجهة نظره وتكلم رسول الله -ﷺ- في الثانية وشرح لهم دعوته١.
٤- المناظرة: هي محاورة تجري بين شخصين من ذوي المعرفة القادرين على الحديث عن موضوع معين٢.
وقد سبقت الدعوة الإسلامية بهذا الأسلوب في العمل لتبليغ الدعوة كما وقع بين الرسول -ﷺ- وحصين٣، وسبق أن ذكرت كيف أسلم ضماد٤ وقد أسلم عمرو بن عبسة السلمي٥ نتيجة محاورة بينه وبين الرسول -ﷺ- غير أن عنصر المحاورة هنا كان طبيعيا لا يحمل صفة التعصب أو التعنت وهو أمر غير سهل في العصر الحديث.
٥- المقابلة٦: وهي وسيلة متعددة الأساليب بالزيارة أو بالراديو والتلفزيون إلخ.
وقد كان رسول الله -ﷺ- دائما حريصا على أن تتم المقابلة بينه وبين خصوم الدعوة فإنه رغم الأذى الذي كان
_________________
(١) ١ راجع السيرة لابن كثيرة ج١ ص٤٥٨، ٤٥٩. ٢ القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٣٣. ٣ راجع الحلبية ج١ ص٣١٨. ٤، ٥ راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٢، ٤٤٢. ٦ دراسات في تنظيم المجتمع ص١٧ القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٣٩.
[ ٣٥٥ ]
يدأب على تقديمه عقبة بن أبي معيط إلا أن رسول الله -ﷺ- كان يكثر من مجالسته، ولما دعا النبي -ﷺ- لوليمة في بيته أثر عودته من سفر استجاب له رسول الله -ﷺ- وما أكل حتى أنطقه شهادة التوحيد١.
٦- المؤتمرات المؤقتة٢: وقد استخدم النبي -ﷺ- المؤتمر المؤقت في أسلوب الدعوة حين صعد على الصفا يوم أن نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، وناداهم فاجتمع الناس إليه وكانوا بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسولا عنه، ثم قال لهم: "لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ "، قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ٣.
المؤتمرات الدورية وهي مواسم الحج:
وقد كان النبي -ﷺ- يمر على الناس في أسواق الحج يقول لهم: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ٤.
وقد كانت هذه الوسيلة هي ركيزة العمل التمهيدي لنقل الدعوة من مكة إلى طابة المدينة المنورة.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٥٣. ٢ دراسات في تنظيم المجتمع ص١٧٦، القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٩٤. ٣ الوفا ج١ ص١٨٣. ٤ الوفا ج١ ص١٨٢، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٥٥ وما بعدها.
[ ٣٥٦ ]
إن وسائل الدعوة التي استخدمها رسول الله -ﷺ- هي أمنية العاملين في الحقل الاجتماعي في العصر الحديث.
وما يزيد المبشر في المجتمعات البدائية عن هذه الطريقة التي سنتها الدعوة الإسلامية كأسلوب ووسيلة لنشر دين الله، إلا أنه ينفذها فقط.
ويا ليت شعري لو أن بعثات الأزهر الشريف في آسيا وأفريقيا، وهم يكتسبون رزقا واسعا ومركزا جليلا، ليت شعري لو أنهم أخلصوا العمل لله فامتثلوا والتزموا وأحيوا سنة رسول الله -ﷺ- في نشر الدعوة بهذه الوسيلة، والله ما أعوذ الناس يومها بعد ذلك جرعة دواء من يد كافر، ولفتح الله لنا ولدينه في بلاد الله خيرا كثيرا.
وكما قالها رسول الله -ﷺ:
"لقد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة".
ولكن متى كان لليت جواب؟
أو لعل أن يكون لها جواب إن شاء الله.
[ ٣٥٧ ]
الفصل الرابع: معالم في طريق الدعوة
المجابهة
مدخل
الفصل الرابع: معالم في طريق الدعوة
أ- المجابهة:
المجال الذي تعمل فيه الدعوة مجال دقيق وحساس، إنه مجال يمس التقاليد والعادات ويمس الوجدان والفكر، ومع أن الرسول -ﷺ- كان حريصا على تنقية المجتمع من الشرك، ووضح هدفه وغايته بأسلوب رفيع كريم، وتبرأ من كل غرض مادي دنيوي يتنافس عليه من البشر إلا أن القوم كفروا.
لقد كانوا ينتسبون إلى إبراهيم ﵇ وهو نبي موحد ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
وكان النبي -ﷺ- يذكِّرهم بهذه الحقيقة، وكانوا هم كذلك يقرون له بأنه يُكلم من السماء.
قال في الحلبية:
صار كفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان -ﷺ- إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه: إن غلام بني عبد المطلب ليُكلم من السماء، وكان ذلك دأبهم حتى عاب آلهتهم، وسفه عقولهم، وضلل آباءهم حتى أنه مر عليهم يوما وهم في المسجد الحرام
[ ٣٥٨ ]
يسجدون للأصنام فقال: "يا معشر قريش! والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم"، فقالوا: إنما نعبد الأصنام حبا لله لتقربنا إلى الله١.
وهنا يجد الباحث مركز صعوبة العمل في التبليغ عندما يركب الناس هوى النفس، ويقدسون ما كان عليه الآباء والأجداد.
فهم متفقون مع النبي -ﷺ- على أصلين:
إنهم من نسل إبراهيم.
وإنهم خالفوا التوحيد الذي كان عليه أبوهم إبراهيم.
وإذن فلماذا يجحدون؟
إن النبي -ﷺ- أعلنها واضحة صريحة:
"ما جئت أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" ٢.
وبهذا يتحدد للقارئ أو الباحث أن الرسالة الإسلامية لم تكن تهدف إلى مال أو جاه، ولكنها كانت تريد أن تكرم بني البشر بخضوعهم إلى توحيد الله وتنزيهه، فهي لا تأخذ من أحد ماله ولا تعطي لأحد جاها.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٢٢، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣٢٢. ٢ راجع الحلبية ج١ ص٣٤٠-٣٤١، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٦، ٢٩٧.
[ ٣٥٩ ]
لا هي مؤممة لأموال الناس، ولا هي مصدر لتمويل البشر، ولكنها نظام الله الذي يجب أن يعيش عليه البشر، ولهذا حدد القرآن الكريم قضيتين رئيستين:
الأولى: أن النبي -ﷺ- لم يسأل الناس شيئا من أموالهم، يقول الله تعالى:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ١.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ٣.
إنه لا يطلب أجرا وهو كذلك لا يعطي مالا.
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤.
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٨٦ من سورة ص. ٢ الآية رقم ٤٧ من سورة سبأ. ٣ الآية رقم ٥٧ من سورة الفرقان. ٤ الآية رقم ٥٠ من سورة الأنعام. ٥ الآية رقم ١٨٨ من سورة الأعراف.
[ ٣٦٠ ]
الثانية: أن القرآن الكريم رفض كل اقتراح مادي فيما يتعلق بطلب المعجزات كثمن لدخولهم في الإسلام.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُون، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ١.
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ٢.
وإلى جوار هاتين الحقيقتين القرآنيتين يقرر التاريخ موقفين:
الأول: رفض رسول الله -ﷺ- كل مساومة تتجه بالرسالة إلى غير هدفها الأسمى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وفي هذا يحفظ التاريخ المقالة الخالدة لرسول الله -ﷺ- وقد تكأكأ عليه القوم في منزل أبي طالب:
"والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، ما تنازلت عن هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه" ٣.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٧-٩ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٥٩ من سورة الإسراء. ٣ الحلبية ج١ ص٣٢٣، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٢٣، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٦.
[ ٣٦١ ]
الثاني: أن القرشيين مع مجابهتهم دعوة الله، فقد اعترفوا بالرسالة للنبي -ﷺ- على نحو ما ذكره أبو جهل والنضر بن الحارث١، ولكنهم مع هذا جابهوا الدعوة، ووقفوا لها بالمرصاد، وصبوا عليها جام غضبهم مع ما تحلى به رسول الله -ﷺ- من رفيع الخلق، وكريم السجايا، وعظيم الحلم، وطول الصبر، فكانت تلك المجابهة تحدد ظاهرة طبيعية في العمل من أجل الدعوة.
لقد أصبح من مظاهر العمل للدعوة الإسلامية أنه لا بد وأن تعاني مجابهة وخصومة، وقد تكون المجابهة القاسية من أقرب الناس إلى الداعية.
ومن واقع الأحداث التاريخية التي شنها القرشيون على الدعوة تبدو معالم الطريق دائما، وهي كما وقعت منذ فجرها تدور حول:
١- الداعية واتباعه وما قدمه المشركون في مكة من صنوف الأذى للدعوة والداعية، وهي تصوير للمعالم التاريخية للدعوة في عهدها المكي.
٢- الأسباب التي دفعت بهم إلى هذه المجابهة، وتشكل خطا دائما في بقاء هذه المواجهة.
_________________
(١) ١ راجع الشفاء ج١ ص١٨١، ٣١٦ علي القاري، راجع السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٦، ٣١٦.
[ ٣٦٢ ]
٣- النماذج التاريخية التي قدمها القرآن الكريم في هذا الفجر؛ لتبين للناس أن هذه المعالم طبيعية مستمرة في حقل العمل للدعوة.
وحول هذه الدوائر الثلاث نستعين بالله جل شأنه في توضيح هذه المجابهة التي صارت فعلا مضادا لحركة التبليغ.
[ ٣٦٣ ]
أولا: المعالم التاريخية للمجابهة في العهد المكي
١- رفض الدعوة مباشرة دون نظر:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله -ﷺ- حتى صعد الصفا فهتف: "يا صباحاه! "، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا عليه فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ "، قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب عظيم"، قال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ١، والنص واضح في ثلاث حقائق:
١- أن النبي -ﷺ- وصل لهم القول وجمعهم بأسلوب علمي متفق مع قواعد المنهج للدعوة، وقد استنطقهم ثقتهم فيه.
٢- أنهم اعترفوا للنبي -ﷺ- بالصدق في حاضره وماضيه.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١ ص٣٦٨، ٣٦٩، راجع دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٣٠-٤٣٢.
[ ٣٦٣ ]
٣- أنهم لووا رءوسهم لما دعاهم إلى دين الله دون نظر.
فلماذا رفضوها دون نظر؟
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ١.
ما أكثر الآيات الدالة على وحدانية الله جل شأنه المعرِّفة لجلال قدرته؟ إنها مبثوثة في تضاعيف الكون معروضة للأبصار والبصائر في السموات وفي الأرض وفي النفس ذاتها ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ولكنهم لا يرونها ولا يسمعونها ولا يحسون بها.
أما لماذا قالها أبو لهب وهو عم النبي -ﷺ؟
لقد قالها ليشعر بأنه انتقم لنفسه من محمد -ﷺ- فقد قيل: إن أبا طالب لاحى أبا لهب، فقعد أبو لهب على صدر أبي طالب، فجاء النبي -ﷺ- فأخذ بضبعي أبي لهب، فضرب به الأرض، فقال له أبو لهب: كلانا عمك، فلم فعلت بي هذا؟ والله لا يحبك قلبي أبدا٢.
وهو وإن كان منطقا صبيانيا غير أنه مقبول في وسط قوم يتناحرون على الشرف والكرامة، ولهم مفاهيم خاصة لمعنى الشرف والكرامة.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٥ من سورة يوسف. ٢ فتح الباري ج١٠ ص٣٦٨.
[ ٣٦٤ ]
لقد خبأها أبو لهب في صدره زمنا طويلا حتى جاءت لحظة التحويل العظيم من الجاهلية بكل مفاهيمها إلى الإسلام بنورانيته الجليلة، فلم يجد أبو لهب في صدره غير الغل القديم، فنافس الدعوة وطمس قلبه وأعمى عينيه، فكانت هذه واحدة من أسباب المجابهة والكفر معا.
٢- إغراء أبي طالب:
استمر النبي -ﷺ- في دعوته، ومضى يظهر دين الله، ويدعو إليه على بصيرة حتى شرى الأمر، فاحمرت وجنتا المجابهين للدعوة وفكروا في التماس طريق للصد عنها، وكان في مقدمة محاولاتهم إغراء أبي طالب، فسعوا عنده ثلاث مرات:
١- في الأولى قالوا له:
يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، ولكن أبا طالب ردهم ردا رقيقا وانصرفوا وما لإغرائهم عنده أدنى أثر، لقد ضاع جهاد أبطال المجتمع هباء في هذه المرة التي تصدى للعمل فيها مشيخة العرب:
عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.
وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وأبو البحتري: العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
[ ٣٦٥ ]
والأسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصى بن كلاب.
ثم أبو جهل، عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب١.
لقد خابت جولتهم الأولى وردهم الله على لسان أبي طالب بوجوه صفر.
٢- وفي المرة الثانية وقد أخذت الدعوة الإسلامية طريقها إلى القلوب والعقول، فآمن الذين هداهم الله وكتب لهم النجاة واستحقوا العقبى، ورأت قريش في تزايد المسلمين خطرا عليها، واندثارا لدينها الباطل فتجمعوا في مظاهرة متبرمة وقالوا لأبي طالب: "إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين"٢.
وكانت المظاهرة حادة فقالوا كلمتهم، ثم انقلبوا راجعين دون أن يسمعوا من أبي طالب جوابا فعظم على الرجل فراق أهله وعداوتهم، وتلك حالة شعورية في نفس كل فرد عندما يجابه من كبار قومه، وهو فيهم ذو شرف ومنزلة، ولكنه في نفس الوقت يعز عليه كثيرا ولا تطيب نفسه أبدا أن يسلم لهم رسول الله -ﷺ- فأراد الرجل أن يهدئ من ثقل الجاذبية عليه فبعث إلى رسول الله -ﷺ- فقال له:
_________________
(١) ١ راجع السيرة لابن هشام، ج١ ص٢٦٥. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٥.
[ ٣٦٦ ]
يابن أخي: إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
وذلك منطلق لين تبدو منه ضعضعة أبي طالب فظن الرسول -ﷺ- أن عمه قد ضعف عن نصرته، والقيام معه، وأنه قد بدا له فيه بداء.
فحدد الرسول -ﷺ- موقفه ليكون قانونا سرمديا لكل داعية يواجه جاذبية المجتمع الثقيلة:
"والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".
إنها لقاعدة توزن بالحياة كلها إن تكأكأ المجتمع على الداعية، فهو يساوي في ثقله ثقل الثقيل ريشة على كتف بعير أورق هو سيد حمر لنعم، فإذا أبو طالب وقد لمسته شرارة من هذا النور المتوهج يعدل عن لينه ويقول: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا١.
وبهذا يتحدد الموقف من الجانبين: من جانب الكفرة، رفض مطلق للرسالة واقتراح حرب عائلية حتى يتقرر لمن يكون النصر.
ومن جانب النبي -ﷺ- تصميم على الاستمرار في الدعوة وتصميم عمه على ألا يسلمه لشيء أبدا.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٦، الحلبية ج١ ص٣٢٣، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣٢٣-٣٢٧، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٤، الوفا ج١ ص١٩١.
[ ٣٦٧ ]
٣- لقد خابت مساعي مشيخة العرب، وأحسوا بالندامة لعجزهم عن فعل شيء مع أبي طالب، فمشوا مرة ثالثة ومعهم بديل، معهم "عمارة بن الوليد بن المغيرة" وقالوا له: "هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل".
هكذا قالوها في حمق "سلم ابن أخيك نقتله، وخذ ابننا عندك يحيا في كنفك واتخذه ولدا".
منطلق أعمى واقتراح أناني فاسد لم يطقه أبو طالب الذي لا يقل تحمسا للدفاع عن ابن أخيه من حبهم لولدهم عمارة، فقال لهم:
"والله لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا"١.
ولو أنهم أعطوه عمارة بن الوليد ليقتله أبو طالب نظير قتلهم ابن أخيه لكان حقا ما يقولون: "فإنما هو رجل برجل" فأي شيء يسر أبا طالب إن قتل ابن أخيه وعاش ولدهم في خيرات أبي طالب؟
"وإنه لمن الغريب حقا أن يقول المطعم بن عدي بعد مقالة أبي طالب: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا".
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٧، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٢٧، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٤، ٦٥، الطبقات لابن سعد ج١ ص٢٠٢، راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٧٣-٥٧٥.
[ ٣٦٨ ]
فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك.
أي إنصاف هذا يا مطعم؟ ولد يغذى وولد يقتل؟ وأي شيء كان يكرهه أبو طالب؟
ولو كان يكره محمدا -ﷺ- ما طالت معه محاولاتكم في شأن ابن أخيه. إنها الأنانيات العمياء والعواصف الخبيثة التي يمتطيها إبليس فتزين السوء للمعتدين.
ومن هذه السفارات الثلاث تظهر حقيقة تاريخية في هذا الصبح المبكر للدعوة؛ إنها ليست دعوة عنصرية ولا قومية ولا إقليمية ولا محلية، فقد جحدها بادئ بدء أبناء قصي وعبد مناف، وهاجرت الدعوة ديارهم ووكل الله بها قوما ليسوا بها بكافرين، فكانت يثرب هي طابة المنورة التي ترعرع فيها لدين الله مجتمع إسلامي كبير.
٣- مساومة النبي -ﷺ:
لقد فشلت جهود مشيخة العرب مع أبي طالب وما زال الإسلام ينمو ووجهاء من القوم يدخلون في دين الله، فلقد أسلم حمزة بن عبد المطلب إثر معركة مع أبي جهل، انتصر فيها حمزة لابن أخيه١، فغيرت قريش أسلوب المواجهة بالمواعدة إلى المواجهة بالمساومة مع النبي -ﷺ- مباشرة وقد تعددت مرات هذه المساومة.
_________________
(١) ١ راجع ابن هشام ج١ ص٢٩١، ٢٩٢، الكامل في التاريخ ج٢ ص٨٣، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٥٩، راجع المواهب ج١ ص٢٥٦.
[ ٣٦٩ ]
فأرسلوا عتبة بن ربيعة، وكنيته "أبو الوليد"، فكلم النبي -ﷺ- وعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فيعطوها له ويكف عنهم،
وقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله -ﷺ- فقال: "يابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها؛ يابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه".
لقد كان عتبة بهذا العرض يتحدث باسم مشيخة العرب، فقد فوضوه في حسم الأمر والاتفاق مع محمد -ﷺ- على أي أمر يحب.
يقول ابن هشام:
"اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبو البحتري بن هشام، والأسود بن المطلب،
[ ٣٧٠ ]
وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف أول من اجتمع منهم قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم، فجاءهم رسول الله -ﷺ- سريعا، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب نبرئك منه أو نعذر فيك"١.
هذا النص يؤكد أن سفارة عتبة بن ربيعة كانت سفارة عن مشيخة القوم على أن النص المروي عن عتبة آنفا في صدره عبارة تفيد هذه الوكالة.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٥، راجع الإسلام والعقل ص١٢٢ الحلبية ج١ ص٣٤٠ المواهب ج١ ص٢٥٧.
[ ٣٧١ ]
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال:
حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا قال يوما، وهو جالس في نادى قريش ورسول الله -ﷺ- جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش؟ ألا أقوم إلى محمد فأكمله وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟
وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله -ﷺيزيدون ويكثرون فقالوا: بلى يا أبا الوليد١.
وإذن فسفارة عتبة سفارة مفوضة من وجهاء القوم وكبارهم.
ولكن الرسول -ﷺ- يقول لعتبة بعد أن فرغ: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟ "، ثم يتلو رسول الله -ﷺ- الآيات الأولى من سورة فصلت، ويستمع إليها عتبة بإصغاء تام، ثم يعود لقومه ناصحا لكنه غير أمين على وجدانه، فلم يفلح.
٤- أذى النبي -ﷺ:
لقد فشلت قريش وضاقت ذرعا بهذا الفشل، وأشعة الإسلام في كل يوم تمتد إلى قلب أو تدخل بيتا، والمسلمون يتزايدون صلابة وصبرا، ومستويات سفاراتهم كلها قد انتكست وفشلت مساعيهم، فعبروا عن خيبتهم بسلوك صبياني.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٣، الحلبية ج١ ص٣٣٨، المواهب ج١ ص٢٥.
[ ٣٧٢ ]
فأبو لهب يرى في تطليق ابنتي الرسول -ﷺ- رقية وأم كلثوم من ولديه عتبة -وقد أسلم فيما بعد يوم الفتح- وعتيبة، بردا يشفي غليله ويهدئ من ثورته١، وكان يتتبع النبي -ﷺ- ليكذبه٢.
وركانة بن عبد يزيد بن هشام، كان شديد العداوة للدعوة٣ أراح شقوته بمصارعة النبي -ﷺ- فقال له: يابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب، فإن صرعتني علمت أنك صادق، ولم يكن يصرعه أحد فصرعه النبي -ﷺ- ثلاث مرات، فلما غلب دعاه النبي -ﷺ- إلى الإسلام فتقاعس وتعلل٤ وطلب معجزة، ثم تنطع واستمر كافرا.
وعقبة بن أبي معيط بن عمر بن أمية بن عبد شمس يستريح في مناوأته لرسول الله -ﷺ- عندما يلقي سلا جزور على ظهر النبي -ﷺ- وهو ساجد حتى تأتي فاطمة الزهراء البتول فتلقيه عن أبيها٥.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٢٧. ٢ تاريخ الجنس البشري ج٢ ص٦٦، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٤٩، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٤، السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٣، راجع المحبر ص٥٣. ٣ راجع الروض الأنف ج٣ ص٣٨٩، الشفاء ج١ ص٣٨٢. ٤ الكامل في التاريخ ج٢ ص٧٦، الخصائص الكبرى ج١ ص٣٢٢، السيرة لابن كثير ج٢ ص٨٢. ٥ الوفاء ج١ ص١٩٠، فتح الباري ج٨ ص١٦٦، مسلم ج٣ ص١٤١٨.
[ ٣٧٣ ]
وفي الحلبية أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته -ﷺ- وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان، ومرة وضع ثوبا على عنقه وخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- وأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله -ﷺ- وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ١
ويستمر عقبة بن أبي معيط في أفعاله الصبيانية فيبصق في وجه النبي -ﷺ- استجابة لرغبة صديقه اللدود أبي بن خلف لما بلغه أن عقبة نطق بشهادة التوحيد إرضاء لرسول الله -ﷺ- في وليمة كان أعدها عقبة إثر عودته من سفر ودعا إليها الرسول -ﷺ- ورفض الرسول أن يأكل منها حتى يسلم، فلما بلغ ذلك أبي بن خلف، قال له: وجهي من وجهك حرام إن لم تأته فتتفل في وجهه ففعل عقبة فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ٢.
قال في الحلبية: قال الضحاك: لما بزق عقبة لم تصل البزقة إلى وجه النبي -ﷺ- بل وصلت إلى وجهه هو كشهاب نار، فاحترق مكانها وكان أثر الحرق في وجهه إلى الموت٣.
وكانت أم جميل "أروى بنت حرب بن أمية" زوجة أبي جهل وهي سيدة من كبار بيوتات قريش أخت أبي سفيان بن حرب من
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٣٠، فتح الباري ج٨ ص١٦٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٧٠، المواهب ج١ ص٢٥١. ٢ ابن هشام ج١ ص٣٦١، أسباب النزول للواحدي ص٣٤٧. ٣ الحلبية ج١ ص٣٥٣، ٣٥٤.
[ ٣٧٤ ]
أماجد سلالة حرب بن أمية، كانت تتولى بنفسها جمع القاذورات من الطريق لتلقيها على باب منزل النبي -ﷺ- كتعبير عن انفعالاتها السيئة نحو المبعوث رحمة للعالمين١.
ويأتي دور سيد الجهلاء والجاهليين، المغيرة بن هشام المخزومي المعروف في التاريخ بكنيته المشهورة "أبو جهل" لقد كان سفسطائيا في منطقه وسلوكه.
قال أبو جهل يوما لقريش: يا معشر قريش! إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضحت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.
قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله -ﷺ- ينتظره، وغدا رسول الله -ﷺ- كما كان يغدو، وكان رسول الله -ﷺ- بمكة، وقبلته إلى الشام فكان إذا صلى، صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود.
وجعل الكعبة بينه وبين الشام فقام رسول الله -ﷺ- يصلي، وقد غدت قريش، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١٠ ص٣٦٩، راجع من أفعالها ما رواه صاحب الحلبية ج١ ص٣٢٥، رواية الحلبية ج١ ص٣٢٥.
[ ٣٧٥ ]
فاعل، فلما سجد رسول الله -ﷺ- احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما ممتقعا لونه مرعوبا، قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟
قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني١.
لقد كانت بطولة أبي جهل بطولة خيالية، وكان تشدقه بالتوعد تشدقا سفسطائيا، ولم تكن مرة واحدة ينتكس فيها على عقبيه بل كانت مرارا، يرويها صاحب الحلبية وابن كثير في السيرة منها:
أن الأراشي، كان رجلا من رجال خثعم، باع لأبي جهل أجمالا فمطله فدلته قريش على رسول الله -ﷺ- لما يعلمونه من شدة عداوة أبي جهل للدعوة وصاحبها، عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما ذكر الأراشي حاله لرسول الله -ﷺ- قام معه لينصفه من أبي جهل، فلما ضرب باب أبي جهل، خرج وهو ممتقع الوجه حتى لكأنه النقع، وهي الصفرة مع كدرة، فقال له النبي -ﷺ- أعط هذا حقه، فقال أبو جهل: نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له. فدفعه إليه.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٨، ٢٩٩، الخصائص الكبرى ج١ ص٣١٥ الحلبية ج١ ص٣٢٤.
[ ٣٧٦ ]
فلما سأله قومه: ويلك ما رأينا مثل ما صنعت؟ قال: ويحكم! والله ما هو إلا ضرب على بابي، وسمعت صوته، فملئت رعبا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني١.
لقد كان في كل مرة تحيط به الزبانية، وكان ينتكس ويخيب، ولكنه ما زال سادرا في غيه.
لقد كان يقول:
والله لا نصالحك ما بل بحر صوفة٢.
وكان إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه.
هكذا اجتمعت الأصهار والأنساب والرجال والنساء من وجهاء القوم في مكة على مجابهة الدعوة والداعية بعديد من الأذى وصنوف من المساومات.
٥- فتنة الأتباع:
لقد كانت المجابهة مخططا متوجها نحو الداعية ودعوته وأتباعه، فقد حرصت قريش بعد فشلها في التوصل مع النبي -ﷺ- إلى حل يرضي شهوة كفرها على أن تواصل المواجهة ضد الأتباع.
_________________
(١) ١ و٢ الحلبية ج١ ص٣٥٢، ٣٥٣، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٦٩، ٤٧٠، الخصائص الكبرى ج١ ص٣١٧، راجع مواقف أبي جهل تجاه النبي "ص" في الخصائص الكبرى ج١ ص٣١٥، ٣١٧، وفي الحلبية ج١ ص٣٥٢، ٣٥٨، ٣٥٩، الوفاء ج١ ص١٨٩، ١٩٠ السيرة لابن هشام ج١ ص٣١١.
[ ٣٧٧ ]
يقول ابن هشام:
ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله -ﷺ- من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، سيما من استضعفوا منهم يفتنوهم عن دينهم١.
ومن نماذج ذلك:
١- بلال بن رباح:
كان مملوكا لأمية بن خلف، ولكنه كان صادق الإسلام، طاهر القلب، قوي العقيدة، متين الإيمان، وكان أمية كافرا عنيدا أسود القلب غليظ المشاعر دفعته غلظته إلى تعذيب رجل رقيق الحال يملكه كما يملك أي متاع، فكان يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره حتى يرجع عن إسلامه، ويقسم أمية: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى٢.
يقول ابن هشام:
وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٣١٧، الحلبية ج١ ص٣٣٤، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٢، المواهب ج١ ص٢٦٦، راجع الرسالة المحمدية ص١٠٠، ١٠١. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٢، راجع الحلبية ج١ ص٣٣٤.
[ ٣٧٨ ]
العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى١.
قال في المواهب:
وإن بلالا هانت نفسه عليه -في الله ﷿- فلم يبال بتعذيبهم وصبر على أذاهم وهان على قومه -أي مواليه- فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد، وزاد مجاهد في قصة بلال، وجعلوا في عنقه حبلا ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه ليرجع إلى الكفر، والله يعيذه وحسبه بهذا منقبة٢.
قال -ﷺ- لبلال: سمعت دف نعليك في الجنة٣.
كان بلال -رضي الله تعالى عنه- يعرف أن ذلك التعذيب ظاهرة طبيعية في حياة الدعوة فنسي جلده الذي يعذب، وسقاه الله شرابا طهورا فارتفعت أحاسيسه فوق سياط الجلادين، وكلما استشاط غيظهم كانت الكلمات الحلوة النورانية تجوب الفضاء، وتتجاوب معها أجواء البيت العتيق: "أحد أحد" فكانت على أسماع الكافرين سياطا أشد لذعا وأقوى إيلاما وأعنف مواجهة.
ويأتي دور الأخوة الإسلامية، ذلكم الرباط المقدس الذي صنعته
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٣١٨. ٢ شرح المواهب ج١ ص٢٦٧، الدر ص٤٤. ٣ فتح الباري ج٨ ص١٠٠.
[ ٣٧٩ ]
عقيدة التوحيد فيساوم أبو بكر ﵁ أمية بن خلف ويُعتق بلال وينجو١، وبه تزيد جماعة المسلمين، ويكثر سوادها وتبقى إلى الأبد قصة بلال وأمية هي قصة المواجهة بين أتباع الحق وهمزات الشياطين.
٢- عمار بن ياسر:
كانت أسرة عمار بن ياسر، كلها تعذب:
سمية أم عمار، وياسر بن عامر، أبو عمار، وعبد الله أخو عمار.
كانوا جميعا في "زنازن" التعذيب القرشي.
يقول في المواهب:
مات ياسر في العذاب.
وأعطيت سمية لأبي جهل، فطعنها طعنة في موضع يعافه الرجل الأبي فقتلها.
ورمي عبد الله فسقط.
وأما عمار فقد فرج الله عنه بعد طول تعذيبه وقد كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، رؤي في ظهره أثر كالمخيط، فسئل فقال: هذا ما كانت تعذبني قريش في رمضاء مكة، وجاء أنهم أحرقوه بالنار٢.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٣٥. ٢ المواهب ج١ ص٢٦٦، راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٥، السيرة لابن هشام ج١ ص٣٢٠.
[ ٣٨٠ ]
وتفنى الأسرة كلها فداء لدين الله، وتتأبى أسرة عمار بن ياسر على كبرياء قريش، وتقدم للدعوة نموذجا حيا في مكافحة شهوة الكفر، فتستعذب العذاب في سبيل الله، وتنجو من راحة الجسد في كنف الشيطان وتفوز بهذا الوعد الكريم.
عن أم هانئ قالت: فمر بهم النبي -ﷺ- فقال: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. اللهم لا تعذب من آل ياسر أحدا بالنار" ١.
وفتح آل ياسر بشهادة سمية بابا للنصر لا يعرفه إلا الأوفياء المخلصون في الجهاد لتكون كلمة الله وحدها هي العليا، فكانت سمية أول شهيد في الإسلام.
٣- خباب بن الأرت:
خباب بن الأرت من بني تميم أو من خزاعة سبي في الجاهلية، فاشترته امرأة تسمى أم أنمار وكان حدادا يصنع السيوف، صدق برسول الله -ﷺ- فعذبته أم أنمار مشتركة بتعذيبه في الموجة العامة التي شنتها قريش على ضعفاء المسلمين من التعذيب والإرهاب، وقد تناقلت كتب السيرة والحديث شكوى خباب بن الأرت إلى النبي -ﷺ- من كثرة ما يلاقيه وأصحابه من التنكيل، ففي البخاري: عن خباب بن الأرت ﵁ قال:
_________________
(١) ١ المواهب ج١ ص٢٦٦، الطبقات الكبرى ج٢ ص١٣٦، ١٣٧، الحلبية ج١ ص٣٣٧، السيرة لابن هشام ج١ ص٣٢٠، دلائل النبوة ج٢ ص٥٦.
[ ٣٨١ ]
شكونا إلى رسول الله -صلى عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ﷿ أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعلجون" ١.
٤- زنيرة الرومية:
أمة رقيقة الحال ضعيفة الحول معدومة الكنف آمنت بالله وبرسوله -ﷺ- عذبها أبو جهل عذابا مريرا حتى إنه لكان يتعجب من صبرها وصبر أخواتها. يقول في المواهب:
وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء وأتباعهم لو كان ما أتى محمد خيرا وحقا ما سبقونا إليه أفتسبقنا زنيرة إلى رشد؟ ٢
لقد عذبوها وهم أحرار ليستعبدوا قلبها، فرفضت أن تبيع عبوديتها لله إرضاء للأسياد الأحرار، وظلوا يعذبونها حتى عميت، فقالوا: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: والله ما هو كذلك وما يدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على أن يرد علي بصري، فرد الله عليها بصرها صبيحة تلك الليلة، فقالت قريش: هذا من سحر محمد، فاشتراها أبو بكر فأعتقها.
_________________
(١) ١ البخاري ج٧ ص٤٣١، ٤٣٢، دلائل النبوة ج٢ ص٥٧، الحلبية ج١ ص٣٣٦، ٣٣٧، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٦-٤٩٨. ٢ الحلبية ج١ ص٣٣٦، المواهب ج١ ص٢٦٩-٢٧٥.
[ ٣٨٢ ]
فإلى متى سيظل سحر محمد له جاذبية يتشوق الناس إليها؟
وإلى متى سيظل سحر محمد يؤثر على النفوس والقلوب والعقول؟
وإلى متى سيظل سحر محمد حتى يبني لله دولة الحق الأمين؟
هكذا واجهت قريش الدعوة الإسلامية مواجهة سافرة عنيفة استخدمت فيها أسلحة الحرب الدعائية.
والضغط الاجتماعي.
والأذى البدني والأدبي.
ولكن ذلك كله كان واحدا من معالم الطريق عرفها السابقون الأولون فتحملوها وتذوقوا آلامها احتسابا، فقننوا بذلك طريق الدعوة وطوبى لمن صبر وبشرى لمن احتمل.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.
٦- الحصار الاقتصادي:
فشلت قريش في اكتساب نصر ضد الدعوة الإسلامية. وأضيف إلى فشلها هذا اتساع العمل الإسلامي، وخروجه من النطاق العربي إلى النطاق العالمي حيث هاجر المسلمون إلى الحبشة واستقبلهم النجاشي بروح طيبة، ورد سعاية قريش حافية القدمين، فاستقرت جماعة المهاجرين من السابقين في الإسلام في ظل ملك لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق٢ واستقرت عند النجاشي حقيقة الإسلام، فمكن للمسلمين
_________________
(١) ١ سورة فصلت الآية ٣٥. ٢ الحلبية ج١ ص٣٦٠، راجع المواهب ج١ ص٢٧٨.
[ ٣٨٣ ]
من إقامة سعيدة طيبة هادئة، فأرهقت كرامة قريش بهذا الاستقرار وزادها رهقا أن دخل حمزة بن عبد المطلب في الإسلام.
يقول الطبري:
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله -ﷺ- قد عز وأن حمزة سيمنعه١.
وغاظهم كثيرا خيبة عمرو بن العاص وصاحبه عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي في عدم التمكن من العودة بقافلة النور من المهاجرين، وزادهم حنقا إسلام عمر بن الخطاب. يقول الطبري:
فوجهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي مع هدايا كثيرة، وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قِبَله وبأرضه من المسلمين إليهم، فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي، فرجعا مقبوحين، وأسلم عمر بن الخطاب ﵀، فلما أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا، وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبد المطلب، ووجد أصحاب رسول الله -ﷺ- في أنفسهم قوة، وجعل الإسلام يفشو في القبائل وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم، اجتمعت قريش، فأتمرت بينها أن يكتبوا كتابا٢.
هكذا تبدو ظاهرة الفشل وقد زلزلت عقل قريش، وتخبطوا في أساليب الانتقام من الدعوة والداعية، فتعاهدوا على أن يقيموا حصارا
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٣٤. ٢ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٣٥.
[ ٣٨٤ ]
اقتصاديا يشمل جماعة المسلمين وأقرباءهم، يقول ابن الأثير في الكامل:
ولما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد، وإن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر، وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم وآمنهم عنده ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على:
ألا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب.
ولا ينكحوا إليهم.
ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئا.
فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا لذلك الأمر على أنفسهم فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا١.
وما أشبه اليوم بالبارحة، فالمضايقات الاقتصادية والتحفظ في السجون والضغط الاجتماعي على البيوت المؤمنة هو نفس الأسلوب القديم الذي استعملته المواجهة القرشية ضد الدعوة والداعية.
إن شاب قريش وفتاها عمر بن الخطاب قد أعلن إسلامه بطريقة مجاهرة تتحدى جاذبية قريش ومجابهتها، فقد تظاهر المسلمون في
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ ج٢ ص٨٧، راجع السيرة لابن هشام ج١ ص٧٥٠، الحلبية ج١ ص٣٧٤، دلائل النبوة ج٢ ص٨٧.
[ ٣٨٥ ]
موكب تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتنزل عليه السكينة، وتحرسه جنود الله، ويتصدره النبي الأمين الكريم -ﷺ- ويأخذ الموكب اتجاهه نحو الكعبة، وعمر في المقدمة يكبر: الله أكبر الله أكبر، فتنخلع قلوب الكفرة وتموت شهامتهم من رعدة الخوف التي ألمت بهم، وبهذا يكتسب الإسلام "آديولوجية" جديدة، وتتخذ الدعوة لها وضعا خاصا فيه نشوة وعافية وراحة، وتبدو الصورة بعد هذا الموكب الكريم:
١- انتشار الإسلام وسط الأمة العربية اتخذ طريقه رغم أنف قريش.
٢- وانتشاره خارج الوسط العربي إلى حدود الحبشة تحت رعاية ملك كريم مؤمن مسلم رد سفراءهم بالخيبة والندم والحسرة.
٣- صناديد المجابهة وكبراء العمل العدائي للدعوة بدءوا يدخلون في دين الله عن طواعية وحب وتعقل.
٤- احتضان النجاشي لبعض رجالات قريش ونسائها من طغيان قريش نفسها إذا قيس بالخلقية العربية فيه مرارة عار على قريش وخزي لهم.
ولكنهم بدلا من أن يتعقلوا المسائل ويوازنوا الأمور خسارة وربحا ويحصوا ما أراقوه من عرق وتفكير وجلد وحبس وطرد وسب ولعن وحرمان دون فائدة ما، والدعوة لا تزال تعيش وتنمو وتتحرك وتتمدد حتى خرجت من البطون العربية السمراء إلى بطون من الحبشة رحبوا
[ ٣٨٦ ]
بها وآنسوها وهدهدوا على مصابها بالأمن والطمأنينة بدل كل هذا ركبت قريش رأسها، واتخذت طريقا مخبولا لا يقدره فكر دبلوماسي واع، ولا يقدم عليه عقل سياسي حصيف، فقررت الحصار الاقتصادي والاجتماعي على الدعوة والداعية والأتباع ومن لاذ بهم من غير المسلمين.
فما زادت قريش بهذا الخبل تقدما ولا أحرزت نصرا بل انتكست على أعقابها كما تنتكس في كل مرة وكما ينتكس المجابهون للدعوة دائما في كل عصر ومكان، فقد مشى هشام بن عمرو بن الحارث العامري إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا زهير! أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟
أما إني أحلف بالله لو كان أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا، قال: ويحك يا هشام؟ فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال: وجدت رجلا؟ قال: من هو؟ قال: أنا، قال له زهير: أبغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف فقال له: يا مطعم! أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه؟
أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال: أبغنا ثالثا، قال: قد فعلت، قال: من هو؟ قال:
[ ٣٨٧ ]
زهير بن أبي أمية قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى ابن البختري بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك، قال: أبغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعو إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم فاتعدوا له "خطم الحجون" الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها١.
وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان "باسمك اللهم"٢.
وهكذا عندما يسلم الداعية أمره لله، ويبلغ رسالات ربه، ويخشاه، ولا يخشى أحدا إلا الله تأتي أسباب النصر، وينقسم المجابهون على أنفسهم، وينصر الله دعوته بمثل هذا الرجل الفاجر، ويبقى للداعية أنه احتسب جهاده لوجه الله الكريم.
٧- مهاترات بطلب المعجزات:
لم تكن دعوة الإسلام دعوة لقوم أو لجنس، كذلك لم تكن دعوة جيل أو زمن محدد معلوم.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٤١، ٣٤٢. ٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص٨٩، راجع حول هذا دلائل النبوة ج٢ ص٨٠-٨٤، السيرة لابن هشام ج١ ص٣٠٠-٣٧٧، الحلبية ج١ ص٣٧٤-٣٨٣، السيرة لابن كثير ج٢ ص٤٤، راجع المواهب ج١ ص٢٩٠.
[ ٣٨٨ ]
وهي كذلك لم تعتمد في عملها على القهر، والتسلط على العقل أو المشاعر.
إنها دعوة عامة للبشر وهي دين الله الخاتم للناس جميعا، ثم هي دعوة قائمة على الحجة الواضحة والبيان النير، لقد كانت دعوة بالدليل الذي يحترم العقل وقدمت له وسائل المعرفة واضحة جلية متعددة الألوان مثاني تلون البراهين؛ ليستجيب العقل والقلب والوجدان والإحساس حتى يكرم الإنسان ذاته بالإيمان بالله، ويقدر قدر نفسه بعيدا عن الشركة العامة مع الحيوانات إن لم يكرم نفسه بالإيمان بربه الذي خلقه وعدله، وأكرمه، في أحسن صورة ما شاء الله ركبه، ثم جعل له عينين ولسانا وشفتين وهداه النجدين، وبعث في مشاعره إحساسا فطريا بالحنين إلى الإيمان بالله الأحد الفرد الصمد.
ومع أن القوم لا يختلفون في هذا مع الدعوة والداعية، وأنهم دائما يفتخرون بالنسب إلى "إبراهيم" ﵇، ولكنهم جابهوا الدعوة بعنف متغيظ محموم، فلما فشلت المجابهة بألوانها المتعددة واستعلت الجماعة الإسلامية بإيمانها فوق كل ضغوط العمل العدائي من كفار قريش لم يسع قريش إلا أن يسلكوا سبيل المهاترات فاتجهوا إلى أسلوب منحرف على المنهج الإنساني الكريم، لقد سألوا رسول الله -ﷺ- أن ينزل على هواهم، ويعمل في الأرض لهم معجزات، لقد طلبوا آيات مادية، وزعموا أنها إن جاءتهم يؤمنون.
[ ٣٨٩ ]
يقول ابن هشام:
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحق أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول١.
ولكن الرسول -ﷺ- يرد عليهم بقوله:
"ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم".
فيعودون لمثل ما قالوا، قالوا:
فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك: سل أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٦. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٧.
[ ٣٩٠ ]
فقال لهم رسول الله -ﷺ:
"ما أنا فاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".
ولكنهم يستمرون في المهاترات فيقولون: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل.
فقال لهم رسول الله -ﷺ:
"ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل".
قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك، فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: "الرحمن"، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، أو تهلكنا١.
عندئد لا مجال للرد عليهم ولا الاستماع منهم.
يقول ابن هشام:
فلما قالوا ذلك لرسول الله -ﷺ- قام عنهم٢.
_________________
(١) ١ و٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٨، ٢٩٨، راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٧٨-٤٨١.
[ ٣٩١ ]
ولكن بقية من هذا الفكر الرجعي الجاهلي ما زالت تريد أن تلاحق الرسول -ﷺ- تطيل في المماحكة والمراء والمهاترة.
لقد قام مع النبي -ﷺ- عبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة وهو ابن عمة النبي -صلى الله على وسلم- أمه عاتكه بنت عبد المطلب، وكان المفروض أن يقول عبد الله هذا كلاما لينا يسري به عن رسول الله -ﷺ- بحكم القرابة القريبة وصلة الرحم، ولكنه كان واحدا من الرجعيين لقد كان منكرا رجعيا ممتازا فقال: يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك١.
وإذن فلم يطلب عبد الله بن أبي أمية معجزة؟ إن كان الأمر هو الإصرار على المماحكة والمجابهة وإغلاق العقل وقفل البصيرة وكراهية الحق؟
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٨، راجع في هذا الموضوع، السيرة الحلبية ج١ ص٣٤٤-٣٦٤، راجع هذا البحث في تفسير الطبري ج١٥ ص١٦٤-١٦٦.
[ ٣٩٢ ]
لقد كشفت هذه المقالة عن دوافع طلب المعجزة، وفضحت المخطط الفكري الرجعي تجاه الدعوة الإسلامية: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُون﴾ ١.
ولم تكن مقالة عبد الله بن أمية مقالة يتيمة لقد كانت رأس فتنة يتحدث بها الرجعيون لقد قالها زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث. وأبي بن خلف، والعاص بن وائل، قالوا: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس، ويرى معك٢، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:
﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٣.
ويسجل القرآن هذه المرحلة من العمل العدائي الذي واجه به الرجعيون دعوة الإسلام يقول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية ٣٣. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٩٥، راجع حول طلب المعجزات، تفسير ابن كثير ج٣ ص٦٢-٦٤ تفسير الطبري ج١٥ ص١٥٩-١٦٦. ٣ الآيتان ٨، ٩ من سورة الأنعام.
[ ٣٩٣ ]
وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ١.
لقد قصروا إدراكهم عن التطلع إلى آفاق الإعجاز القرآني فراحوا يطلبون تلك الخوارق المادية ويتعنتون في اقتراحاتهم الدالة على الطفولة العقلية، أو يتبجحون في حق الذات الإلهية بلا أدب ولا تحرج، لم ينفعهم تصريف القرآن للأمثال، والتنويع فيها؛ لعرض حقائقه في أساليب شتى تناسب شتى العقول والمشاعر وشتى الأجيال والأطوار، فأبى أكثر الناس إلا كفورا، وعلقوا إيمانهم بالرسول -ﷺ- على تعللات مادية: يفجر لهم من الأرض ينبوعا إلخ.
فتبدو طفولة الإدراك والتصور الرجعي الجاهلي في هذا التعنت الساذج، وتبدو معالم تخبطاتهم ومماحكاتهم في تسويتهم بين بيت من زخرف وعروج إلى السماء، أو بين تفجير ينبوع من الأرض ومجيء الله جل شأنه وتعالى جده ومعه الملائكة قبيلا٢ إن الذي يجمع في تصوره بين هذه المقترحات كلها إنما هو رجل مختل العقل فاقدا لعنصر الاتزان والتعقل في تفكيره.
يقول السهيلي:
وذكر ما سأله قومه من الآيات وإزالة الجبال عنهم، وإنزال الملائكة عليه وغير ذلك جهلا منهم بحكمة الله تعالى في امتحانه
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآيات من ٨٩-٩٣. ٢ في ظلال القرآن ج١٥ ص٩٧.
[ ٣٩٤ ]
الخلق وتعبدهم بتصديق الرسل، وأن يكون إيمانهم عن نظر وفكر في الأدلة، فيقع الثواب على حسب ذلك، ولو كشف الغطاء وحصل لهم العلم الضروري بطلت الحكمة التي من أجلها يكون الثواب والعقاب، إذ لا يؤجر الإنسان على ما ليس من كسبه كما لا يؤجر على ما خلق فيه من لون وشعر ونحو ذلك، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضي النظر فيه العلم الكسبي، وذلك لا يحصل إلا بفعل من أفعال القلب، وهو النظر والدليل وفي وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول، وإلا فقد كان قادرا سبحانه أن يأمرهم بكلام يسمعونه ويغنيهم عن إرسال الرسل إليهم، ولكنه سبحانه قسم الأمر بين الدارين، فجعل الأمر يعلم في الدنيا بنظر واستدلال وتفكر واعتبار؛ لأنها دار تعبد واختيار، وجعل الأمر يعلم في الآخرة بمعاونة واضطرار١.
يقول صاحب الحلبية:
وإذا كانت الحجج والبراهين لم تفدهم شيئا من الهدى، فطلب الهدى منهم بتلك الحجج تعب لا يفيد شيئا، وإذا ضلت العقول عن طريق الحق مع علم منها بتلك الطرق، فأي قول يقوله العظماء٢.
وقد جاءت هذه الآيات في سورة الإسراء بعد قوله تعالى:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ .
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج٣ ص١٥٢. ٢ الحلبية ج١ ص٣٤٧.
[ ٣٩٥ ]
قال الواحدي:
سأل أهل مكة النبي -ﷺ- أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له:
إن شئت أن تستأتي بهم لعلنا نجتبي منهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم؟ قال: لا، بل أستأتي بهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ١.
قال السهيلي:
إن التكذيب بالآيات نحو ما سألوه من إزالة الجبال عنهم، وإنزاله الملائكة يوجب في حكم الله ألا يلبث الكافرين بها، وأن يعاجلهم بالنقمة كما فعل بقوم صالح وبآل فرعون، فلو أعطيت قريش ما سألوا من الآيات وجاءهم بما اقترحوا ثم كذبوا لم يلبثوا، ولكن الله أكرم محمدا في الأمة التي أرسله إليهم، إذ سبق في عمله أن يكذب به من يكذب ويصدق به من يصدق وابتعثه رحمة للعالمين، بر وفاجر، أما البر، فرحمته إياهم في الدنيا والآخرة وأما الفاجر، فإنهم أمنوا من الخسف والغرق وإرسال حسبان عليهم من السماء٢.
لهذا فإن الدعوة الإسلامية لم تعتمد على إعجاز مادي؛ لأنها خالدة إلى يوم القيامة، وعامة لكل جيل من البشر في أي مكان على وجه البسيطة.
_________________
(١) ١ أسباب النزول ص٢٧٧، ٢٧٨، تفسير الطبري ج١٥ ص١٥٧، ١٠٨، راجع تفسير المعاني ج١٥ ص١٠٣، ١٠٤. ٢ الروض الأنف ج٣ ص١٥٢، ١٥٣.
[ ٣٩٦ ]
والمعجزات المادية تأتي لرسالات محدودة وقوم مخاطبون بإصلاح أنفسهم من نبي خاص لهم فإذا لم ينصاعوا حقت عليهم الإبادة كمثل الذين خلوا من قبل.
على أن الخوارق ليست مما يغني النبي في دعوة المكابر المفتون، فإنه يزعم أنها ضرب من السحر١.
ولقد انصدع قلب أبو جهل رعبا لما طرق النبي -ﷺ- بابه وأمره أن يسدد الدين الذي عليه للأراشي. وأطاع وخضع ودفع الدين، ولكنهم فسروا هذا الانصياع بالسحر.
ومرة أخرى يتوعد أبو جهل رسول الله -ﷺ- بإلقاء حجر عليه ويمضي ليفعل فإذا هو راجع يلبس ثوب الخوف وخفي الهلع، فلما سئل وأجاب عما رآه قالوا لقد سحرك.
وعقبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة لما سمعا القرآن ورقت أفئدتهما وهشوا وبشوا للكتاب العزيز، قالوا لهما: لقد سحركما.
وقد ضرب القرآن الكريم أمثلة للذين كانوا يشاهدون الآيات ثم لم يؤمنوا بها، لقد ضرب المثل بقوم ثمود الذين جاءتهم الناقة وفق ما طلبوا واقترحوا وكانت آية واضحة لكنهم ظلموا بها وأوردوها مورد الهلكة فأخذهم الله أخذة رابية، وأهلكوا بالطاغية.
هذه التجارب اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بخوارق مادية؛ لأنها رسالة الإنسان على وجه الأرض، إنها رسالة
_________________
(١) ١ حقائق الإسلام وأباطيل خصومة ص٥٨.
[ ٣٩٧ ]
الأجيال المتعاقبة جميعا، وهي رسالة الرشد البشري تخاطب في الإنسان مداركه وعقله ووجدانه جيلا إثر جيل، إنها رسالة تحترم الإنسان وتميزه ببشريته عن كل ما خلق الله من ذي روح ونفس رطبة.
وآية هذا الخطاب هي معجزة القرآن ذاته وهو كتاب مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أبدا، إنه يرسم منهجا كاملا للحياة، ويخاطب الفكر والقلب ويلبي الفطرة القوية، ثم يبقى مفتوحا للأجيال المتعاقبة كلها تقرؤه وتتدبره وتؤمن به وتطبقه إلى يوم القيامة لتحظى في الدارين بالسعادة ورضوان الله١.
أما الخوارق التي وقعت للرسول -ﷺ- فإنها لم تتخذ إطار المعجزة التي تقوم برهانا على صدق الرسالة والنبوة، وفي مقدمتها انشقاق القمر.
فهو على الرغم من أنه حدث وقع تاريخيا وثبت بالسنة على نحو ما رواه البخاري: انشق القمر ونحن مع النبي -ﷺ- بمنى فقال: "اشهدوا"، وذهبت فرقة نحو الجبل. وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله: انشق القمر بمكة. وتابعه محمد بن مسلم عن ابن نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله٢.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج١٥ ص٤٩. ٢ فتح الباري ج٨ ص١٨٣، راجع اللؤلؤ والمرجان ج٣ ص٢٨٠، باب انشقاق القمر مسلم ج٤ ص٢١٥٨.
[ ٣٩٨ ]
وهو حادث واجه به القرآن الكريم جماعة المشركين في حينه، ولم يُرو عنهم تكذيب لوقوعه، فهو قد وقع فعلا بصورة يتعذر معها التكذيب، حتى ولو على سبيل المراء الذي كانوا يتذرعون به، غير أنه روي عنهم أنهم قالوا: سحرنا، ولكنهم أنفسهم اختبروا الأمر فعرفوا أنه ليس سحرا، قال في الحلبية:
فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان سحر القمر أي بالنسبة إليكم فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا أهل الآفاق، وفي لفظ: انظروا ما يأتيكم به السفار، حتى تنظروا هل رأوا ذلك أم لا؟ فأخبروا أهل الآفاق، وفي لفظ: فجاء السفار وقد قدموا من كل وجه، فأخبروهم أنهم رأوه منشقا، فعند ذلك قالوا: هذا سحر، فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ١.
لكن كون هذا لانشقاق تم كاستجابة لطلب المشركين في مكة فذاك قدر لا يصح التسليم به؛ لأن النصوص القرآنية الصريحة تمنعه، ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾، فمفهوم هذه الآية أن حكمة الله اقتضت منع الاستجابة لهم بالخوارق المادية لما كان من تكذيب السابقين الأولين بها.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٤٣.
[ ٣٩٩ ]
وفي كل مناسبة طلب المشركين آية من رسول الله -ﷺ- كان الرد بالرفض.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ﴾ ١.
تلك هي المطالب:
فأما الجواب فهو: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
فالقول بأن انشقاق القمر كان استجابة لطلب المشركين خارقة قول متجاف مع النص القرآني والموقف النبوي الذي وضحته آيات سورة الإسراء ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
ويقوي هذا الفهم موقف الإمام ابن حجر من طرق الحديث التي تذكر أن انشقاق القمر كان عقب سؤال المشركين، قال ابن حجر: "ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس"٢.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٩٠-٩٣ من سورة الإسراء. ٢ فتح الباري ج٨ ص١٧٧.
[ ٤٠٠ ]
وعلى ذلك فقوله في روايته: أن أهل مكة سألوا رسول الله -ﷺ- أن يريهم آية من المراسيل كما قال ابن حجر لأن أنسا لم يدرك هذه القصة، وقد جاءت هذه القصة من حديث ابن عباس وهو أيضا ممن لم يشاهدها لكن روايته ليس فيها الصدر الذي جاء في رواية أنس١.
وعلى هذا فطلب المعجزات لم يلب من الله ولا من رسوله -ﷺ- لأنه اتجاه يبعد الرسالة الخاتمة من أساسياتها وينئيها عن وظيفتها ويبعد العقل والقلب عن آيات الله القائمة في النفس والآفاق وفي التاريخ والكون.
أما ما وقع لرسول الله -ﷺ- فكان إكراما من الله لرسوله -ﷺ- لا دليلا لا ثبات رسالته ونبوته.
يقول: المسلم الفرنسي اتين دينه
إن معجزة الأنبياء الذين سبقوا محمدا كانت في الواقع معجزات وقتية وبالتالي معرضة للنسيان السريع بينما نستطيع أن نسمي معجزة الآيات القرآنية "المعجزة الخالدة" ذلك أن تأثيرها دائم ومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة كتاب الله، وفي هذه المعجزة نجد التعليل الشافي للانتشار الهائل الذي أحرزه الإسلام ذلك الانتشار الذي لا يدرك سببه الأوربيون؛ لأنهم يجهلون القرآن، أو لأنهم لا يعرفونه إلا من خلال ترجمات لا تنبض بالحياة فضلا عن أنها غير دقيقة.
_________________
(١) ١ اللؤلو والمرجان ج٣ ص٢٨٠.
[ ٤٠١ ]
أن الجاذبية الساحرة التي يمتاز بها هذا الكتاب الفريد بين أمهات الكتب العالمية لا تحتاج منا نحن المسلمين إلى تعليل ذلك أننا نؤمن بأنه كلام الله أنزله على رسوله١.
ومن ثم فإن هذا الرجل الفرنسي العظيم يقول عن انشقاق القمر:
أننا لا نستطيع تصديق تلك المعجزة المزعزعة؛ لأنها تتنافى صراحة مع الكثير من آيات القرآن يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ .
وما أقل تأثير المعجزات فيما مضى من التاريخ، لقد عبد بنو إسرائيل العجل بعد أن أنقذهم موسى بمعجزته من لجة البحر، ومن طغيان فرعون، وما كان أهل مكة المشركون ليتأثروا بالمعجزة أكثر من غيرهم من بني البشر فإن الطبيعة الإنسانية واحدة. اهـ٢.
غير إنني لا أملك أمام الكثرة الكثيرة من الأحاديث الصحيحة إلا أن أقول: إنه ليس في الوسع تكذيب حادثة انشقاق القمر لكنها وقعت لا على أنها دليل في مواجهة مطالب المشركين لإثبات الرسالة، بل هي وقعت كما تقع خوارق كثيرة لرسول الله -ﷺ.
ولو سلمنا بأن حادثة انشقاق القمر كانت استجابة لمطلب المشركين لبقي سؤال عسير الجواب، لماذا لم يستجب القرآن ورسول الله -ﷺ- لباقي مطالب القوم فيا ربما كانوا يسلمون؟
_________________
(١) ١ محمد رسول الله. اتين دينه ص١٣٨. ٢ المرجع السالف ص١٣٥.
[ ٤٠٢ ]
وهذا هو ما نفته الآيات البينات: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ .
ولم ترسل الآيات لتحمل الناس على الإيمان وإنما ترسل كما قال الله جل شأنه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ .
على أن القوم كانوا لا يكذبون رسول الله -ﷺ- ولا يعتقدون في قرارة أنفسهم أنه ليس رسولا، فلقد كانوا يقولون إذا مر عليهم: إن غلام بني هاشم هذا ليكلم من السماء، فكانوا على ذلك حتى عاب آلهتهم التي كانوا يعبدون، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا كفارا، فغضبوا لذلك وعادوه١.
فالقوم ليسوا في حاجة إلى معجزة مادية وخارقة تخسف بهم الأرض حتى يصدقوا ويؤمنوا، فإنهم ليعرفونه نبيا رسولا كما يعرفون أنفسهم وأولادهم، ولكنهم مهاترون مكابرون، وصدق الله العلي العظيم:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الدرر ص ٣٨، السيرة لابن هشام ج١ ص٣٦٤، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٢٢، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٩٩، المواهب ج١ ص٢٤٨. ٢ الآية رقم ٣٣ من سورة الأنعام.
[ ٤٠٣ ]
ثانيا: لماذا كفرت قريش؟
تدل المرحلة التمهيدية في الباب الأول والثاني١ على أن مرحلة التوعية كانت لها وظيفة هامة في توعية المجتمع؛ لاستقبال الرسالة الخاتمة والحياة الدينية في مكة في هذا الوقت السابق على البعثة كان فيها نظام حنيفي موحد.
والقوم كانوا ينتسبون إلى جدهم الأكبر إبراهيم المسلم الحنيف.
والمنهج الذي ملكته الدعوة له أصالة ذاتية في الحصول إلى ثمار جيدة النوع والمحصول، ولكن قريشا جابهت الدعوة مجابهة عنيدة عنيفة فلماذا؟
لما رفضت قريش دعوة الله؟
أرفضتها عن اعتقاد في عدم صحتها؟
أم رفضتها لأسباب أخرى؟
أما الإجابة على السؤال الأول: فإنها لم ترفض الدعوة اعتقادا في عدم صحتها.
فالوليد بن المغيرة يشهد ويقسم:
والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة٢.
_________________
(١) ١ راجع هذا الموضوع في كتاب: بشائر النبوة الخاتمة سلسلة البحوث الإسلامية. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٧٠.
[ ٤٠٤ ]
وعتبة بن ربيعة يقول لقومه:
قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم١.
والنضر بن الحارث وهو رأس العداء للدعوة يقول لقومه وقد أصابتهم "حيرة وتلجلج": "يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا، والله ما هو بساحر"٢.
وقد أرسلت قريش وفدا منها إلى أحبار اليهود يسألونهم عن محمد -ﷺ- لقد بعثوا وفدا مكونا من عضوية النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، وكلاهما يكن للدعوة والداعية بغضا وكرها ويريد بجدع الأنف أن يصل إليهما بسوء، وسألا أحبار اليهود، فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم.
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٤. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٠٠-٣٠٨، راجع الحلبية ج١ ص٣٤٧.
[ ٤٠٥ ]
وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟
وسلوه عن الروح ما هي؟
فإذا أخبركم بذلك، فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم١.
ورجع الوفد وسألوا النبي -ﷺ- ونزل القرآن الكريم حسبما شاء الله أن يوحي إلى نبيه، وعرفوا أنه الحق، ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا.
وإذن فقريش رفضت دعوة الإسلام لا عن اعتقاد في عدم صحتها، ولكنها رفضت الدعوة لعلل وأسباب أخرى يمكن تركيزها في الأسباب الرئيسية التالية:
١- الاستعلاء والتكبر.
٢- جبرية التقاليد والعادات.
٣- العنصرية القبلية أو القومية الخاصة.
٤- جاهلية المقاييس.
٥- الحساسية الخاصة: الحسد، والخوف على مصير الآباء.
٦- ضعف الإرادة أمام تعاليم الإسلام.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٩، ٣٠٠.
[ ٤٠٦ ]
تلك هي جملة من الأسباب التي يمكن أن تفسر لنا لماذا كفرت قريش وردت دعوة الله، وهم يعلمون أنها الحق المبين من ربهم ورب جدهم إبراهيم ﵇.
١- الاستعلاء والتكبر:
في أوبة من رحلة بعيدة دار حديث بين أمية بن أبي الصلت، وأبي سفيان بن حرب.
قال أمية لأبي سفيان:
يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفقة فنتحدث؟
قال أبو سفيان: نعم.
وفعلا الرجلان وتحدثا عن شأن النبوة القادمة المنتظرة.
قال أمية: إني كنت أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه فكنت أظن، بل كنت لا أشك أني أنا هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحدًا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس هو حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه.
قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضربة فأوحى إلى رسول الله -ﷺ- وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذي كنت تنعته؟
قال: أما أنه حق فأتبعه.
قلت: ما يمنعك من اتباعه.
[ ٤٠٧ ]
قال: ما يمنعني إلا الاستحياء من نساء ثقيف إني كنت أحدثهن أني هو ثم يرينني تابعا لغلام من بني عبد مناف١.
إنه الحسد والكبر إنه كان يريد أن يكون هو النبي، وأراد أن يكون النبي من قبيلته، ثم هو يتكبر أن يتبع محمدا -ﷺ- خوفا على كبريائه من فتيات قريش يعيرنه أنه صار تابعا بعد أن كان يدعي أنه النبي المنتظر.
واستمع رجال ثلاثة من قريش إلى النبي -ﷺ- في جوف الليل، وهو يصلي ويقرأ القرآن وعاودوا هذه المرة ثلاثا دون اتفاق منهم على اللقاء على الرغم من اتفاقهم على عدم العودة وهؤلاء الثلاثة هم: أبو سفيان بن حرب وأبو جهل والأخنس ابن شريق.
فلما كانت المرة الثالثة وتعاهدوا ألا يرجعوا إليها ذهب الأخنس بن شريق يسأل أبا جهل رأيه فيما سمع، فقال أبو جهل:
"ماذا سمعت: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه"٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص١٢٩، ١٣٠. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣١٦، راجع الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٦.
[ ٤٠٨ ]
هي عنصرية قبلية وحسد قومي واستعلاء وتكبر أن يخضع بنو مخزوم لبني عبد مناف، ولكن الرسالة أسمى من كل ما جال في خاطر أبي جهل١.
ومرة أخرى يتنفس أبو جهل الصعداء، ويقول وهو محموم الصدر إلى الوليد بن المغيرة:
والله إني لأعلم أنه صادق.
فقال له الوليد: "مه" وما دلك على ذلك؟
قال: يا أبا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن؟ والله إني لأعلم أنه صادق.
قال الوليد: فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به.
قال أبو جهل: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا.
إن أبا جهل يخشى بنات قريش كما كان يخشاهن أمية أنه ترفع تدفع إليه مقاييس عاطفية تضع في حسابها كلام النساء، فترتعد منهن وتتأبى على الله ورسوله من أجل كلامهن فما أبخس المقياس، وما أتعس حظ الجاهلين:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، اسْتِكْبَارًا
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ج٢٥ ص١٥٧.
[ ٤٠٩ ]
فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ١.
٢- جبرية العادات والتقاليد:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٢.
﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ ٣.
كانت الدعوة الإسلامية نقلة جديدة لحياة الإنسان في التصور والسلوك في العقيدة والأخلاق والمعاملات، وقد درج الأولون على أسلوب خاص ارتبط في أذهانهم ومشاعرهم بالمواريث الاجتماعية التي يمجدون فيها الآباء والأجداد.
فإذا تليت عليهم آيات الله البينات قالوا:
﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ٤.
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ٥.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية من رقم ٤٢، ٤٣ من سورة فاطر. ٢ الآية رقم ٥٣ من سورة الأنبياء. ٣ الآية رقم ٧٤ من سورة الشعراء. ٤ من الآية رقم ٤٣ من سورة سبأ. ٥ من الآية رقم ٢٨ من سورة الأعراف. ٦ من الآية رقم ٢١ من سورة لقمان.
[ ٤١٠ ]
إنهم دائما يتعللون:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.
وقد ظهر ذلك في سلوكهم وأقوالهم:
كان عتبة بن ربيعة سيدا في قومه قال لهم يوما وهو جالس في نادي قريش:
يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقالوا له: بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه٢.
وقام عتبة وعرض ما عرض على رسول الله -ﷺ- حتى إذا فرغ، قرأ عليه النبي -ﷺ- آيات من سورة "فصلت" وصغى إليها عتبة جيدا وعاد إلى قومه، وقد هش وجدانه وبش قلبه يتذوق ما لحلاوة الإيمان، ولكنه ما أسلم ولا آمن ولا رضي عنه، لأنه أوثق نفسه بأغلال ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
وكذلك شأن الوليد بن المغيرة ريحانة قريش ووحيدها في الشرف والسؤدد، اجتمع إليه نفر من قريش وقد حضر الموسم فقال لهم:
يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٢ من سورة الزخرف. ٢ السيرة لابن هشام ج ١ ص ٢٩٣.
[ ٤١١ ]
ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به.
قال: بل أنتم فقولوا أسمع؟
قالوا: نقول كاهن.
قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.
قالوا: فنقول مجنون.
قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.
قالوا: فنقول شاعر.
قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول ساحر.
قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول
[ ٤١٢ ]
فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك١.
الآن يثبت الوليد بن المغيرة صفة السحر مع أنه كان قد نفاها ونفى كل صفة قدمها القوم من قبل وحكم بأنهم لن يقولوا قولا مما قالوه إلا عرف بأنه باطل، ثم وصف القرآن بأن له الحلاوة وأن فرعه لجناة إلخ.
فلماذا انتكس الوليد؟
لقد انتكس كما انتكس ابن أخيه أبو جهل في حمأة التقاليد وجبرية العادات، فما استطاعوا أن ينقبوها ليخلصوا إلى دين الله الحق المبين.
٣- العنصرية القبلية "القومية":
كان أمية بن أبي الصلت ينتظر نبوة في العرب لقد كان يتمناها لنفسه، فلما بعث رسول الله -ﷺ- أخبره أبو سفيان بن حرب صديقه ونديمه ثم سأله:
فأين أنت منه يا أبا عثمان؟
فقال أمية: والله ما كنت لأؤمن برسول من غير ثقيف أبدا٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٧٠، ٢٧١، راجع الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨١. ٢ الحلبية ج١ ص٣٥٦.
[ ٤١٣ ]
إنها كلمة الجاهلية: لكذاب ربيعة خير عندي من صادق مضر.
هي الداء الذي يعانيه الحق وأنصاره من العاطفيين القوميين أو العنصريين الأرضيين.
وكان لأبي جهل مثل هذا المنطق فيما يرويه المغيرة بن شعبة قال:
إن أول يوم عرفت رسول الله -ﷺ- إني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله -ﷺ- فقال رسول اللهﷺ- لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هل إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله".
فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل أنت تريد أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك.
إنه يقسم بالله أنه لو كان يعلم أن ما يقوله محمد -ﷺ- حق لاتبعه، فهل هو لا يعلم أنه حق؟ فلنرجع إليه ثانية لنراه بماذا يعقب على مقاله هذا في حديثه مع المغيرة حسبما يروي؟
فانصرف رسول الله -ﷺ- وأقبل علي فقال:
والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء أن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء،
[ ٤١٤ ]
فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي والله لا أفعل١.
إن أبا جهل يؤكد معرفته للنبوة وأن ما يقوله رسول الله -ﷺ- حق مشهود له، ولكنه ما زال يردد عصبيته لقومه وقبيلته، وأن النبوة شرف ضاع من بني مخزوم كما ضاع من بني ثقيف.
إن أبا أمية وأبا جهل معا يعرفان أن محمدًا رسول الله حقا وصدقا، ولكن قوميتهما وعنصريتهما وتعصبهما لقومهما أضاع عليهما نعمة الإيمان وحلاوة الإسلام.
٤- جاهلية المقاييس:
أ- اقتراح نبي خاص:
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٢.
لقد كان رسول الله -ﷺ- من ذؤابة قريش، ثم كان من ذؤابة بني هاشم، وبنو هاشم في العلية من العرب، وكان رسول الله -ﷺ- سناما في الذؤابة العلية معروفا بسمو الخلق في بيئته قبل البعثة، لكنه ما كان زعيم قبيلة، ولا كان رئيس عشيرة لم يكن واحدا في مشيخة العرب وبيئتهم تعتز بمثل
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٦-٥٠٧، راجع حول هذا كتاب تاريخ مكة السباعي ص٤٨ وما بعدها. ٢ الآية رقم ٣١ من سورة الزخراف.
[ ٤١٥ ]
هذه القيم فاعترضوا بقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وذلك تخبط في القيم والموازين، فاختيار الأنبياء واصطفاؤهم فضل يؤتيه الله ﷿ لمن شاء من عباده ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وقد شاء الله جل شأنه أن لا يجعل لهذه الرسالة الأخيرة سندا من خارج طبيعتها ولا قوة من خارج حقيقتها، فاختار لها رجلا ميزته الكبرى الخلق، وهو من طبيعة هذه الدعوة، وسمته البارزة التجرد، وهو من حقيقة هذه الدعوة.
لم يختره ولم يجعله زعيما لقبيلة ولا رئيسا لعشيرة ولا صاحب جاه أو ثراء، حتى لا تلتبس قيمة من قيم هذه الأرض بقيم الدعوة الربانية النازلة من السماء، ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلى هذه الأرض لا تتفق مع حقيقتها في شيء، ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة، ولكي لا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف.
ولكن القوم كانت قد غلبت عليهم مقاييس الأرض، وضلوا في شعاب هذه المقاييس، فلم يدركوا الدعوة، فخلطوا في القيم والموازين: قيم الأرض وموازينها وقيم الدعوة وموازينها، وظنوا أن الوحي ينزل على هواهم فاقترحوا أحد رجلين للرسالة: الوليد بن المغيرة عم أبي جهل أو عروة بن مسعود الثقفي١، فرد الله عليهم موازينهم.
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٤٧.
[ ٤١٦ ]
يا عجبا ما لهم هم ورحمة الله وهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ولا يحققون لأنفسهم رزقا؟ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
فحتى رزق هذه الأرض الزهيد نحن الذين أعطينا هم إياه، وقسمناه بينهم وفق حكمتنا وتقديرنا لعمران هذه الأرض ونمو الحياة٢.
فما بالهم يدسون أنوفهم في نعمة عليا، اصطفى الله جل شأنه لها من ربى لها وأعد لرسالتها، وكانت له منذ الأزل، وكان هو لها منذ كان علم الله العزيز الحميد.
لقد كان القوم يعيشون في ظل مقاييس الجاهلية؛ إن الرياسة مرتبطة بالجاه والثروة، وإن الشرف بالأغنياء فقط، فضلوا بذلك عن سواء السبيل، وتلك واحدة من أسباب إعراض قريش عن دعوة الله.
الخوف من الضياع الاجتماعي والاقتصادي.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٢ من سورة الزخرف. ٢ راجع في ظلال القرآن ج٢٠ ص٧٦، ٧٧. ٣ الآية رقم ٥٧ من سورة القصص. .
[ ٤١٧ ]
قال الواحدي:
"نزلت في الحارث بن عثمان بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي -ﷺ- إنا لنعلم أن الذي تقول الحق، ولكن يمنعنا من اتباعك أن العرب تتخطفنا من أرضنا لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم١.
قال الخازن: نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي -ﷺ- إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ .
وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم٢.
فهي نظرة سطحية أرضية محدودة تمليها المقاييس الجاهلية وتوحي بها شيطانية الفروض العقلية والهوى النفسي.
فهم لا ينكرون أن الذي جاء به محمد هو الهدى ولكنهم يخافون.
مجرد خوف.
مجرد ظن.
_________________
(١) ١ أسباب النزول للواحدي ص٣٥٣، راجع روح المعاني ج٢١ ص٩٧، تفسير الطبري ج٢١ ص٩٤، سيرة الرسول ﷺ دروزه ج١ ص٢٢٠. ٢ الخازن ج٥ ص١٧٨، راجع تفسير ابن كثير ج٣ ص٣٩٥.
[ ٤١٨ ]
مجرد شعور كاذب، يخافون أن يتخطفهم الناس، إنهم كانوا أيام الجاهلية في أمان ورد الله أبرهة الأشرم عن البيت الحرام، وهم يومئذ في تشوش من التوحيد، ومع هذا فقد آنسوا فضل الله ورحمته. إنه وحده الحامي وهو وحده المدافع.
وإن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطف ريشة من جناح طائر ما لم يأذن بذلك الله، وهي في كنف الله وفي رحاب البيت العتيق، فلماذا يخافون أن تتخطفهم الناس؟
إن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذ خذلهم الله، وهي كذلك لا تملك أن تضرهم إذا نصرهم الله.
إن العلة هي أن الإيمان لم يخالط قلوبهم، ولو خالطهم لتبدلت نظرتهم لمفهوم القوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه. وأن هدى الله موصول بالعزة، وأن هذه الوصلة حقيقة منشؤها أن الله هو الخالق، وهو المدبر، والذي يتبع هداه يستمد منه العون والحول والقوة، ويأوى بذلك إلى ركن شديد في واقع الحياة١.
٢- احتقار صنف من الناس:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٢ ص٨٠، ٨١. ٢ الآية رقم ١١ من سورة الأحقاف.
[ ٤١٩ ]
قال في المواهب:
كان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء واتباعهم لو كان ما أتى محمدًا خيرا وحقا ما سبقونا إليه، أفتسبقنا زنبرة إلى رشد؟ ١ لقد كان إسراع الفقراء والموالي إلى الإسلام مغمزا في نظر الكبراء المستكبرين فراحوا يقولون: لو كان هذا الدين خيرا ما كان هؤلاء أعرف منا به ولا أسبق منا إليه، فنحن في مكاننا وسعة إدراكنا وحسن تقديرنا أعرف منهم بالخير.
لقد كان الاعتزاز الأجوف بالمراكز الاجتماعية والمنازل الاقتصادية
حاجبا لهذه الحفنة من الإيمان، وهو تصور لا يتفق مع معايير الإسلام، فإن الحقيقة التي يجاهد الإسلام في تركيزها في تصور البشر أن تستمد الأرض موازينها من الدعوة من السماء من عند الله، وهو أمر عظيم جدا عسير على الناس أن يتقبلوه إلا بمعركة، كانت العقيدة هي بدؤها حتى يخلص الناس لربهم ويتطهروا من قيم الأرض، وجلابيب العادات والتقاليد.
إن الميزان الذي ثقل على القوم هو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
فهي القيمة الحقيقية التي يزن بها الإسلام أقدار الناس، وهي المعيار الذي يتفاضل الناس به، وما سوى ذلك فهو قتاد لا وزن له ولا معنى وإذن فقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ﴾ تعلة مرتبطة
_________________
(١) ١ المواهب ج١ ص٢٦٩.
[ ٤٢٠ ]
بجاهلية المقاييس التي لا تقرها قواعد، ولا تقيم لها وزنا، وقد قالها الذين كفروا من قبل فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.
٥- الحساسية:
أ- الحسد. يقول ابن هشام:
فلما جاءهم رسول الله -ﷺ- بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدّث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا على الله، وتركوا أمره عيانا، ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم:
﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم١.
كان التطلع إلى الشرف عامل من عوامل الانحراف، قوته مقاييس الجاهلية الأولى واستقبلته بعض النفوس بالأنانية السوداء المردية، وكان من صورتها ومن ضحاياها أمية بن أبي الصلت الذي ردد في شعره توحيدا خالصا، وتمنى نبوة تخبره بما بعد الموت:
ألا رسول لنا منا يخبرنا ما بعد غايتنا من رأس محيانا٢
ولكنه يكفر لأن النبوة لم تنزل عليه.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٣١٣. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص١٣٣، ١٣٤، راجع كتابنا: بشائر النبوة الخاتمة. سلسلة البحوث الإسلامية.
[ ٤٢١ ]
قال ابن كثير: إن أمية قدم المدينة بعد بدر يريد لقاء رسول الله -ﷺ- فلما قيل له إن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما ابنا خاله قد قتلا في غزوة بدر، وهما الآن يرقدان في القليب جدع أذني ناقته وقطع ذنبها وتهيج بشعر سفيه، ثم رجع إلى مكة وترك الإسلام١.
فيالها من تفاهة وياله من صدأ يفسد النفس التي نطقت غابرا بالتوحيد، فلما جاءها الحق الذي تعرفه حسدت الناس على ما أتاهم الله من فضله.
وما تزال الدعوة الإسلامية حتى يومنا هذا تعاني من هذا الداء الدفين "الحسد" وما أتى الله به بعض دعاته من التوفيق لخدمة رسالة نبيه محمد بن عبد الله -ﷺ- فهل لهؤلاء إلى خروج من سبيل؟
ب- الخوف على آبائهم في الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ٢.
كانت هذه الآيات ونظائرها مما يصور اليوم الآخر، وما فيه من عذاب شديد للكافرين تزعج قلب الرجل المكي؛ لأنه مرتبط في تدينه الوثني بما كان عليه الآباء والأجداد.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص١٣٣، ١٣٤. ٢ الآيات من رقم ٣٣-٤٢ من سورة عبس.
[ ٤٢٢ ]
فكانت تتزلزل قوائم عقله إذا تتلى عليه آيات فيها مصير الذين مضوا على الكفر، وهي مغالطة سول لهم الشيطان بها أن يجابهوا الدعوة ويكذبوها حتى يسلم آباؤهم من هذا الوعيد الشديد.
لقد كانت المشاعر المنحرفة والعقلية الخطابية تريد أن تقاوم الدعوة بهذا الفقه الأعرج الأعمى؛ لتقنع نفسها أن آباءهم الذين مضوا كانوا على شيء من الدين، وتلك حساسية جوفاء فإن الرسالة الإسلامية قد قررت:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١.
وذلك قانون نظمته الدعوة حتى تخف هذه الحساسية المرهفة نحو الآباء الذين ماتوا قبل البعثة، وكانوا في حياتهم على ضلالة لعدم بعث رسول يهديهم إلى طريق الصحيح.
وهي فرصة نفسية تقدمها الدعوة ليتعرفوا منها على حقيقتها وطبيعتها؛ لينقذوا أنفسهم من الظلمات والجاهلية التي يتخبطون فيها، ولكنهم حلوا وزينوا لأنفسهم التعلل بما كان عليه الآباء وزينوا لأنفسهم بالمغالطة مجابهة الدعوة؛ لينقذوا آباءهم من يوم القيامة وما أعد فيه للكافرين فضروا أنفسهم بذلك في معمعة الشيطان، وغمرتهم الإبليسية بموجها العاتي، فغرقوا في الضلالة ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٥ من سورة الإسراء.
[ ٤٢٣ ]
٦- ضعف الإرادة أمام سمو التعاليم الإسلامية:
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ١.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
لقد كانت تعاليم الإسلام ومبادئ الدعوة في هذا العهد المكي تنقية كاملة للإنسان من أوشاب الشرك وأوشاب الخرافة، وتنقية للمجتمع من ضلالات الجاهلية، وتنقية للحياة كلها من عبودية العباد، واتجاه بالحياة كلها إلى الله وحده.
لقد كان الشرك في كل صوره هو المحرم الأول وهو المنكر الأول.
_________________
(١) ١ الآيتان ٨، ٩ من سورة التكوير. ٢ الآيتان ٥٨، ٥٩ من سورة النحل. ٣ الآيتان ١٥١، ١٥٢ من سورة الأنعام.
[ ٤٢٤ ]
وكان التوحيد على إطلاقه هو القاعدة الأولى التي لا غنى عنها ومن أجل ذلك جاءت تنقية الإنسان عقلا وقلبا، وتنقية المجتمع والحياة جميعا في ظلال هذا التوحيد، والخضوع الكامل لله وحده، فالتوحيد هو القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بربه على بصيرة، وترتبط بها الجماعة بالمعيار المستقر العادل، فلا تطل فيها شهوة تعكر الأمن والإيمان، ولا تبرز نزوة تفسد المجتمع والحياة.
وكانت تلك النقلة تعني إقامة العدل لكل من في الحياة، وهو عدل قائم على أساس أن الله وحده هو المتصرف في الكون، وهنا تتصاغر النفوس التي تحب النشوز عن ربقة الخضوع لله، وتنطلق في حرية الفوضى والانزلاق لتعيش مع الشيطان والهوى، وترد دين الله ودعوته.
ولا تزال النفوس حتى اليوم وفي داخل الجماعة الإسلامية ترتعب من حكم الإسلام؛ لأنه قيد على انحرافاتها، وعدل يفضح ظلمها، وكمال يغطي نقصها ورحمة تخزي قسوتها وسمو يصغر نقصها.
ولقد تصاغرت نفوس الكفار أمام هذا السمو الجليل لمبادئ الدعوة.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
[ ٤٢٥ ]
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ١.
ولكنها أثقال على نفس الكفرة ناءت بحملها، فتثاقلوا إلى أرض الهوى ووكر الشيطان فكفروا بأنعم الله، وصدوا عن سبيله، فخطوا بذلك معالم الطريق التي تبدوا دائما كظاهرة في العمل لنشر دعوة الله.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٦٣-٧١ من سورة الفرقان.
[ ٤٢٦ ]
ثالثا: النماذج القرآنية لمعالم الطريق
وكان من رحمة الله ﷾ بالجماعة الإسلامية الأولى أن قدم لها زادا روحيا تتبلغ به حتى يأتيها نصره وفرجه، فقدم القرآن الكريم في العهد المكي للدعوة الإسلامية مجموعة من الزاد الروحاني تتزود به جماعة السابقين الأولين على مجابهة عدوها ويحدد به القرآن الكريم طبيعة الطريق ومعالمه، وأنها هكذا شاقة وصعبة وهي هكذا قد خاضها الذين سبقوا من الأمم ويخوضها في مكة مع رسول الله -ﷺ- بلال وسمية وعمار وزنيرة وخباب، وسيخوضها من بعدهم كل من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويتمسك بالوفاء لهذه التعاليم فإن القضية من أولها هي اختيار الله ورسوله على قيم الحياة
[ ٤٢٦ ]
الدنيا، وقد كانت العادة التي قضى الله بها أن يكون الذين في جانبه قلة ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ١.
وستبقى للدعوة هذه الميزة ليبلو الله الذين آمنوا ويمحصهم ويمحق الكافرين.
والنماذج التي اخترتها كقواعد تبرز معالم الطريق هي نماذج في مواجهة:
- التسلط البشرى على عباد الله المستضعفين.
- موازين المال والثراء في مواجهة تعللات الكفرة من قريش.
- الإيمان دون سؤال أو طلب دليل.
- أبعاد المعركة بين الداعية وخصومه.
١- في مواجهة السلطة:
جاءت سورة القصص المكية التي نزلت، والمسلمون مستضعفون والمشركون هم أصحاب الجاه والتسلط لنضع الحد الحقيقي لميزان القوى وميزان القيم.
لقد نزلت سورة القصص لتقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود هي قوة الله وحده، وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون هي قيمة الإيمان بالله وحده، فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه، ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة، ولو ساندته جميع القوى التي على ظهر هذه الأرض، ومن كانت له قيمة الإيمان كان الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس ينفعه شيء ألبتة.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٣ من سورة سبأ.
[ ٤٢٧ ]
ومن ثم يقوم كيان سورة القصص على قصتين:
واحدة في البدء هي: قصة موسى وفرعون.
وواحدة في الختام هي: قصة قارون مع قومه.
والقصة الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان، قوة الطاغية الديكتاتور المتجبر مع كمال يقظته وحذره وفي مواجهتها، في مواجهة هذه القوة الطاغية الطفل الصغير "موسى"، وهو رضيع لا حول له ولا قوة ولا ملجأ له ولا وقاية، وقد علا فرعون في الأرض واتخذ أهلها شيعا وقال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وخافوه وصدقوه، ولكن قوة فرعون وجبروته وحذره ويقظته وجنوده لا تغني عنه شيئا فلم يتمكن من موسى وهو طفل، لقد رعته عناية الله ووقته قدرته ﷻ وهو طفل مجرد من كل حيلة، وفرعون عات جبار، لكن موسى كان في حراسة القوة الحقيقية ترعاه العناية الربانية، وتدفع عنه السوء وتعمي عنه العيون وتتحدى به فرعون وجنوده تحديا سافرا، فتدفع به إلى حجره وتدخل به عليه عرينه بل تقتحم به عليه قلب امرأته، وفرعون مكتوف اليدين إزاءه مكفوف الأذى عنه.
والقصة الثانية تعرض قيمة المال ومعها قيمة العلم، المال الذي يستخف القوم، وقد خرج عليهم قارون في زينته، وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء.
والعلم الذي يعتز به قارون، ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال، ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم
[ ٤٢٨ ]
خزائنه ولا تستخفهم زينته، بل يتطلعون إلى ثواب الله، ويعلمون أنه خير وأبقى، ثم تتدخل يد الله فتخسف بقارون وبداره الأرض لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه، وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا واضحا كما تدخلت في أمر فرعون، فألقته في اليم هو وجنوده، فكان من المغرقين.
وإذن فإلى أين يتجه كفار مكة بثرائهم وأموالهم؟
ومن يحميهم أن تخطفهم الناس من حول البيت العتيق؟
لقد ساق الله لقريش ومن يسير على دربها هذا النموذج ليبين الله أين يكون الأمن وأين تكون المخافة؟ ويعلم الله البشر أن الأمن إنما هو في جوار الله، ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس.
وإن الخوف إنما هو في البعد عن جوار الله، ولو تظاهرت أسباب الأمن التي تعارف عليها الناس وجاءت قصة قارون في سورة القصص تقرر وتؤكد هذه الحقبة في صورة الغرور بالمال والعلم الزائف١، فبقي ذلك نموذجا دائما لعلامات الطريق.
٢- في مواجهة الثراء والمادة:
وها هو ذا صاحب الجنتين في سورة الكهف المكية تمتلئ نفسه بهما زهوا، فينفض كالديك ويختال كالطاووس ويتعالى على صاحبه الفقير ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢ ص٣٥-٣٧. ٢ الآيات من رقم ٣٤ من سورة الكهف.
[ ٤٢٩ ]
ويخطوان معا إلى الجنتين وملء نفسه البطر وملء جنبيه الغرور وملء قلبه العتو، لقد نسي الله، ونسي شكره على نعمه، وظن أن هاتين الجنتين لن تبيدا أبدا، وأنكر قيام الساعة، وافترض أنها ستجيء، فساعتها سيجد هنالك الرعاية والإيثار، أليس هو من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد وأن يكون جنابه في الآخرة ملحوظا.
ودخل جنته -هكذا- وهو ظالم لنفسه فقال: ما أظن أن تبيد هذه أبدأ وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا.
غرور يخامر عقول ذوي الجاه والسلطان والثراء، إن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان محفوظ ملحوظ، إنه جهل وأحلام أطفال، وعقول عصافير.
فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر ولا جنة عنده ولا ثمر، فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه، فهو يجيب صاحبه المتبطر المغرور منكرا عليه كبره وبطره يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم ﷻ، وينذره عاقبه البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو خير من جنته وثمارها.
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ .
[ ٤٣٠ ]
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ١.
وهكذا يبرز النص انتفاضة عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي بالمال والنفر، ولا تداري الغني والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، ولا تجهل في التعبير عن عزتها وإيمانها بربها.
وهكذا يرتسم في طريق الدعوة أن المؤمن لا بد وأن يستشعر أمام الجاه والمال، أنه عزيز وأن ما عند الله خير وأبقى، خير من الحياة بقضها وقضيضها، وأن فضل الله عظيم، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب المتبطرين ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ ٢.
الثمر كله مدمر والجنة خاوية محطمة وصاحبها يقلب كفيه ندما وحزنا وأسفا، إنه نادم على إشراكه بالله، وهو الآن يعترف
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٣٧-٤١ من سورة الكهف. ٢ الآية رقم ٤٢ من سورة الكهف.
[ ٤٣١ ]
بربوبيته ووحدانيته فهل كان في هذا النموذج ردع لريحانة قريش وصاحبه الوليد بن المغيرة صاحب بساتين الطائف وعروة بن مسعود الثقفي، وقد اختالا بحدائقهما وما لهما؟
هل في ذلك ردع لكل ريحانة من أساطين الجاه والثروة؟
والمبطرين نعمة الله من القوارين الكثيرين في العصر الحديث؟
وهكذا كانت تتغذى قلوب المسلمين الأوائل: بلال وصهيب وعمار وخباب، فاحتقرت موازين أبي جهل والوليد وأبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وارتفعوا بإيمانهم فوق قيم الأرض التي ارتبطوا فيها.
وكان جاه الله أعظم من جاههم.
وصبر الضعفاء أقوى من تجبر الأقوياء.
فانفردوا بحلاوة الإيمان ونصر الله القريب١.
٣- في مواجهة المهاترات:
نوع فريد من البشر إذا سمع الحق اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب وكانت له استجابة لا يتلوى فيها:
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ،
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٥ ص٩٤، ٩٥.
[ ٤٣٢ ]
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ١.
إنها استجابة فطرية سليمة مستقيمة فيها الصدق والبساطة والحرارة، وفيها استقامة الفهم، واستقامة الإدراك، ثم فيها التلبية الروحية متينة الوعي واضحة الصراط.
إنه رجل من أقصى المدينة يسمع دعوة الله، فيأتي مسرعا مجيبا ملبيا ولم يطق عليها سكوتا، ولم يقبع في داره وهو يرى الضلال والجحود، ولكنه يسعى بالحق الذي استقر في وعيه وفي ضميره وتحرك في شعوره يسعى به إلى قومه الذين يكذبون ويجحدون، لقد جاء يسعى من أقصى المدينة ليؤدي واجبه ليوجه قومه إلى الحق أو يقاوم اعتداءهم الذي سيصبونه على المرسلين.
إنها استجابة دون مهاترات بطلب دليل أو خارق مادي.
وهي استجابة سعى بها الرجل صاحب الفطرة السليمة.
وإذن فما بال قريش وقد سعى إليها محمد -ﷺ- وعرض هو نفسه عليها قبيلة قبيلة وفردا فردا، وهو من هو نسبا وخلقا ووفاء وعهدا وأدبا وأمانة وحلما، وهو منهم، يعرفون عن حياته كل شيء، وهي كلها سنام في ذروة الطهارة والعفاف والكمال الفريد.
بذلك تغذت أرواح الأوائل من المسلمين، فكان لها سلوى من سطوة جبار عنيد مناع للخير معتد أثيم.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٢٠-٢٣ من سورة يونس.
[ ٤٣٣ ]
٤- أبعاد المعركة:
كانت موجة الإرهاب، والتعذيب التي نشرتها قريش، وإشاعتها فائقة حدود الأخلاق والقدرة العظيمة، ولقد استشهدت فيها أم ياسر وأبوه، وعدد آخر هاجر إلى الحبشة، واستمرت معركة العقيدة ثلاثة عشر عاما، إذا حسبت بمقاييس الزمن في نظر الإنسان العجول كانت فطرة طويلة، وكانت لا تبشر ولا يرتجي من ورائها نصر، وهنا تبدو أبعاد المعركة كواحدة من المعالم في الطريق.
إن رسالة الإسلام هي رسالة السلطان الإلهي الذي ينبغي أن يستقر في الأرض ليعبد الناس ربهم على هدى وبصيرة وما على الداعية إلا أن يبلغ دعوة الله بمنهجها وقواعدها وغاياتها، أما أبعاد المعركة بينه وبين أعداء الدعوة فهي أبعاد بعيدة حتما سيكون له فيها النصر إن شاء الله.
وسورة البروج تأتي في الدور المكي لتقدم للفكر الإسلامي أبعاد المعركة.
إن الرواية تنتهي أحداثها في أيام قصار تملأ القلب بشحنة من الكراهية لبشاعة الفعلة وفاعليها، كما تستجيش فيه التأمل فيما وراء الحادث ووزنه عند الله، وما استحقه فاعلوها من نقمته وغضبه فهو أمر لم ينته بعد عند هذا الحد فوراءه حساب الله، "ذلك الفوز الكبير" بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه وهي الخاتمة الحقيقية للموقف، فلم يكن ما وقع منه إلا طرفا من أطرافه لا يتم به تمام، وهذه هي الحقيقة التي يهدف إليها هذا التعقيب على حادث أصحاب البروج؛ لتستقر في قلوب القلة المؤمنة في مكة وفي قلوب فئة مؤمنة تتعرض فيما بعد للفتنة والتعذيب على مدى القرون.
[ ٤٣٤ ]
ويكون من معاني النصر التي يتشرف بها الداعية أنه استعلى على الفتنة وانتصر لعقيدته على الحياة الطاغية وانتصر على أوهام الجسم وجاذبية الأرض، فقد كان في مكة المؤمنين في سورة البروج أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم والخسف بعقيدتهم، ولكن كم كانوا هم يخسرون أنفسهم في الدنيا وفي الآخرة.
وكم كانت البشرية كلها تخسر عندما يقتل معنى زهادة الحياة بلا عقيدة وبشاعتها بلا حرية وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد؟ إنه لمعنى كريم جدا ومعنى كبير جدا أن ينهزم الطغاة أمام أرواح الشهداء وإنه لربح كبير جدا ألا تحرق النار عقيدتهم وإن وجدوا مسها في أجسادهم لتنتصر العقيدة ولو حرق الجسد.
وهذا المعنى الجليل نفسه نصر مؤزر للشهداء، وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب كريم، ولأعدائهم الطغاة حساب عقيم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٠، ١١ من سورة البروج.
[ ٤٣٥ ]
إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث وليس نهاية المطاف، فالبقية آتية هناك والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه والفصل فيما كان بين المؤمنين والظالمين آت، وهو مقرر مؤكد وواقع في يوم الدين.
وهكذا عرفت الجماعة الأولى في مكة المكرمة، وتعرف كل جماعة بعدها تتحمل نفس الشرف الذي تحملته الجماعة الأولى أن مجال المعركة ليس هو الأرض فما هي إلا جزء بسيط وفي الآخرة خير لمن اتقى وآثر لقاءه ربه، وعندئذ فلا خوف ولا فزع ومرحبا بالموت في سبيل الله ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ١.
ب- العالمية:
من معالم الطريق للدعوة في هذه المرحلة أنها بدأت عالمية، وأن عالميتها كانت بالنص وبالتطبيق.
النص:
مضى فيما نقلته من النصوص أن صاحب الحلبية نقل نصا وهو يشرح مرحلة ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال فيه:
قال علي: ثم جمعتهم له -ﷺ- فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا ثم قال لهم: "يا بني عبد المطلب إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة" ٢.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٨٥ من سورة البقرة. ٢ الحلبية ج١ ص٣٢٢.
[ ٤٣٦ ]
ومعنى هذا أن عالمية الدعوة بالنص كانت مذكورة مبلغة والنبي -ﷺ- ما زال في مكة، وفي سنواتها الأولى، فكانت عالميتها مقرونة بحياتها منذ أن بلغها الرسول -ﷺ- في مكة.
التطبيق:
في الدراسات السالفة وقفنا جميعا على خبر وفد نجران:
لقد قدموا على النبي -ﷺ- وهو بمكة وهم قوم من النصارى وبلدهم بين مكة، واليمن على نحو من سبع مراحل من مكة وكانت منزلا للنصارى، فلما بلغهم خبر النبي -ﷺ- من المهاجرين إلى الحبشة وفدوا عليه -ﷺ- فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به، وعرفوا منه ما هو موصوف في كتابهم١.
إن إيمان هؤلاء النصارى يوضح إدراكهم لوحدة الدين في مفهومه، وأن رسالة محمد -ﷺ- كانت عامة لجميع الناس وأن كل ملة قبله قد بطلت بدعوته، ووفودهم على رسول الله -ﷺ- ثمرة من ثمرات الهجرة إلى الحبشة مما يقوي
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٨٣.
[ ٤٣٧ ]
الرأي أن الهجرة إلى الحبشة كانت أسلوبا من أساليب تبليغ الدعوة في مرحلة عالميتها، وأن دخول النجاشي نفسه في الإسلام علامة من علامات أن عالمية الدعوة مصاحبة لبدئها لا تنفصل عنه أبدا.
قال النجاشي:
يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيدون على ما تقولون أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل.
النجاشي حبشي الجنسية نصراني التدين ليست بينه وبين العرب صلة جامعة ولا نسب في الديار، فلماذا يؤمن؟
إنه أدرك أن كل ما على الأرض من دين، وكل ما عليها من جنس بشرى لا بد وأن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فتلك واجب البشر أجمعين.
[ ٤٣٨ ]
رابعا: المجابهة الثقافية
إذا كانت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث تعان من الغزو الفكري بأنواعه المتعددة، فقد كانت الدعوة منذ عهدها المكي مستهدفة لمثل هذا اللون من المجابهة.
إذا جابه الغزو الفكر الشيوعي الكذاب، والصليبي الحقود، واليهودي الماكر الخبيث دعوا لله الخاتمة التي جاء بها سيدنا محمد -ﷺ- فإن هذه المواجهة استمرار لأسلوب طبيعي في معاندي لا فرق بين قديم فيه أو حديث.
فلقد أعلنت قريش مجابهة ثقافية ضد الدعوة الإسلامية، وكان لها جانبان كلاهما أخطر من الآخر في محاولة هدم الدعوة.
وهذان الجانبان هما: الجانب السلبي.
والجانب الإيجابي.
أما الجانب السلبي: فقد اتفقت كلمة قريش على اللغو في القرآن الكريم، ولقد حكى الله تعالى عنهم هذا الموقف، إذ يقول الله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
يقول ابن هشام في تصوير هذا الموقف:
وكان رسول الله -ﷺ- إذا تلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله، قالوا وهم يهزءون به: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، لا نفقه ما تقول، وفي آذاننا وقر لا نسمع ما تقول، ومن بيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك، فاعمل بما أنت عليه، إننا عاملون بما نحن عليه، إنا لا نفقه عنك شيئا، فأنزل
[ ٤٣٩ ]
الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ١.
وقد تخطوا في سياستهم السلبية هذه دعوة أنفسهم باللغو في القرآن الكريم، وتجاوزوا بها أفراد مكة إلى أفراد المجتمع الخارجي، فعندما حضر الطفيل بن عمرو الدوسي مكة نصحه أصحاب الثورة الثقافية المخاصمون للدعوة الإسلامية بألا يستمع إلى القرآن الكريم حتى ملأ صماخ أذنيه بالقطن كي لا يسمع القرآن إذا حضر إلى الكعبة، وكان ذلك الفعل من الطفيل نتيجة الإلحاح الفكري الغازي المواجه للدعوة الإسلامية من كفار قريش، ولقد فعل الرجل ذلك حرصا منه على عدم سماع شيء من القرآن، غير أن الطبيعة الخيرة لا تملك أمام فطرتها إلا أن تتلألأ مهما حجب لألاءَها ثيابٌ بالية من نسيج الفكر الجاهلي العاري التائه.
يقول الطفيل بن عمرو الدوسي مصورا حالته:
فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا -قطنا- فرقا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله -ﷺ- قائم يصلي عند الكعبة. قال: فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاما حسنا، قال: فقلت في نفسي: وَا ثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله -ﷺ- إلى بيته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا كذا وكذا للذي قالوا.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٧٦ ط مكتبة الكليات الأزهرية.
[ ٤٤٠ ]
والله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولا حسنا، فاعرض عليّ أمرك، قال: فعرض عليّ رسول الله -ﷺ- الإسلام، وتلا عليّ القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: "اللهم اجعل له آية" ١.
وأما الجانب الإيجابي فهو: أن النضر بن الحارث كان يحاول أن يلهي شباب العرب بأنواع من الأدب والشعر والحكايات والقصص كي لا ينتبهوا إلى رواء التلاوة وجاذبية الأسرار في آيات الذكر الحكيم، فهو عمل توجيهي ثقافي إيجابي، فقد كان ينقل قصص فارس وأدبها وحكاياتها ليغري الفكر العربي بهذا اللون من المتع الأدبية حتى لا يجد في فكره ومشاعره مكانا باقيا ليشعر بلذة القرآن الكريم تلك اللذة التي وصفها كبيرهم عتبة بن ربيعة بقوله:
لقد سمعت قولا فلا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم٢.
ووصفها الارستقراطي المدلل الوليد بن المغيرة:
والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٢-٢٣ ط مكتبة الكليات الأزهرية بمصر. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٢.
[ ٤٤١ ]
ومع أن الأريبين: عتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة يصدران حديثهما من القرآن الكريم بالقسم إلا أن طبيعتهما كانت سبخة، فما زالوا على الكفر حتى طهرت سيوف المسلمين وجه الأرض منهم يوم بدر.
كانت قريش تدرك مقدار جاذبية القرآن الكريم للنفس الإنسانية الصافية، فأرادوا أن يعكروها، وأن يشوشوا على الفطرة بشعر فارس وأدبها، فكان النضر بن الحارث يسافر إلى بعيد في بلاد فارس ليجلب أدبا خليعا وشعرا رخيصا؛ ليفسد به فطرة الشباب حتى لا يستمعوا إلى حلاوة القرآن الكريم، وحسن إعجازه.
يقول ابن هشام:
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله -ﷺ- وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله -ﷺ- مجلسا فذكر الله فيه وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه فهلم إليّ، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟ ١
ولقد وضع القرآن الكريم صورة هذه المواجهة في شكل قرار لتتعلم القيادات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية أن هذه المجابهة الثقافية واحدة من ضمن المجابهات العديدة التي يجب أن يتنبه لها المسلمون في كل زمان ومكان.
يقول الله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] .
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٥.
[ ٤٤٢ ]
وهكذا منذ العهد المكي تبدو المجابهة الثقافية علامة من علامات الحذر التي ينبغي أن يفطن لها المسلمون، وأن يأخذوا حذرهم منها ومن أساليب تنفيذها، ومن وسائل التنفيذ، ومن أصحاب الكلمات المعسولة من قيادات المجابهة الثقافية التي تتخذ أسلوب العلم تارة، وأسلوب الانقلاب الثوري تارة أخرى، وأسلوب التقدم الحضاري في صيغ متجددة للإغراء والتضليل والتعمية، وقد يكون للضحك على أصحاب اللحى في كثير من الأحايين.
إن الحركة الإسلامية المعاصرة تحتاج إلى تخطيط بقدر ما تحتاج إلى تبعية لفرقة من الفرق الإسلامية القديمة أو الحديثة.
إنها ليست في حاجة إلى أن تتبع مذهبا لواحد من قادة الدعوة في قرن من القرون سواء كان ذلك القائد في القرون السحيقة أو في القرن المنصرم.
إنما الحركة الإسلامية في حاجة إلى:
أ- إدراك أساليب الأعداء المعاصرين وهم:
- العلمانيون.
- الشيوعيون.
- الصليبيون.
- اليهود.
ب- وضع خطة تشمل مجال:
- التربية.
- والاقتصاد.
- ورياسة العمل العلمي بالجامعات.
- والنقابات المهنية والصناعية.
- والتجارية.
[ ٤٤٣ ]
جـ- تحقيق مبادئ الإسلام من القرآن الكريم والسنة الإسلامية كحقيقة حضارية.
د- الابتعاد عن مجالات الاختلاف والجدل والتفرقة.
هـ- محاولة محاصرة التيارات المعاصرة وإفساد مفعول أساليبها.
وتحقيق ذلك سهل إذا:
أ- خلصت النية لله.
ب- لم تتخذ الدعوة وسيلة للإثراء وجمع المال، وطريقا للمناصب والشهرة والجاه.
[ ٤٤٤ ]