الفصل الأول: في العقيدة الإسلامية
لا إله إلا الله
مدخل
الباب الثاني: الغايات، ثمار العهد المكي وخاتمته:
الفصل الأول: في العقيدة الإسلامية
أ- لا إله إلا الله:
كانت معركة انتقال المجتمع المكي من الجاهلية إلى الإسلام -على الرغم من ضخامة المجابهة وطول الزمن- ذات أثر إيجابي أثمرت فيه الدعوة ثمارا طيبة بقيت ركائز للحياة الإسلامية حتى يرث الله الأرض ومن عليها وفي مقدمة هذه الثمار:
إثبات التنزيه والوحدانية لله ﷻ.
وإثبات النبوة والقرآن لسيدنا محمد -ﷺ.
وأن البعث حق إلخ.
١- وأنه بالإضافة إلى ما عالجته في الباب السابق عند الحديث على منهاج التفكير ورأينا كيف أثبت القرآن الوحدانية لله ﷻ: وحدانية الذات والسلطان والتدبير، فإن القرآن الكريم قد عمق مناقشة هذه القضية مع مشركي العرب فلم ينته العهد المكي إلا وقد استقرت فكرة التوحيد في جلاء جلي ووضوح واضح، ولم يبق لمعاند فيها أدنى شبهة، وسأعتصم بإذن الله بقدر الإمكان بالجو القرآني المكي في عرض مناقشات القرآن الكريم للشبهات التي أثارها القوم.
[ ٤٤٦ ]
لقد قالوا:
﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ .
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ١.
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢.
وادعوا أنهم ما يعبدونها إلا زلفى:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣.
والقرآن الكريم يفند هذه الدعوى في موجتين من المناقشة:
_________________
(١) ١ الآيتان ١٥٢، ١٥٣ من سورة الصافات. ٢ الآية رقم ٥ من سورة ص. ٣ من الآية رقم ٣ من سورة الزمر.
[ ٤٤٧ ]
الموجة الأولى تتجه نحو ما يشركون به:
ماذا خلقوا من السموات والأرض؟
ماذا يملكون للبشر من ضرر أو نفع أو رزق؟
ماذا يملكون للبشر من شيء إن جاء عذاب الله؟
وآيات القرآن الكريم حول هذه الأسئلة كثيرة انتخب منها باقة ميسرة كنموذج يصور هذه الموجة التي جابه بها القرآن الكريم ادعاءات المشركين.
[ ٤٤٧ ]
ماذا خلقوا من السموات والأرض؟:
يقول الله تعالى:
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١.
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ٣.
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥.
ماذا يملكون للبشر من نفع أو ضر أو رزق؟
يقول الله تعالى:
﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ،
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٩١ من سورة الأعراف. ٢ الآية رقم ١٧ من سورة النحل. ٣ الآية رقم ٣ من سورة الفرقان. ٤ الآية رقم ١١ من سورة لقمان. ٥ الآية رقم ٤ من سورة الأحقاف.
[ ٤٤٨ ]
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ ١.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٢.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٩٢-١٩٥ من سورة الأعراف. ٢ الآيتان ١٩٧، ١٩٨ من سورة الأعراف. ٣ الآية رقم ١٨ من سورة يونس. ٤ الآية رقم ٤٠ من سورة الروم.
[ ٤٤٩ ]
ماذا يملكون للبشر أن جاءهم عذاب الله؟:
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ ٢.
ولا تنتهي هذه الموجة حتى تحدد إجابات القوم عن الخلق والرزق يعني بدء الإنسان وعناصر وجوده، وفيها يقر المشركون بالألوهية والوحدانية لله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيتان ٤٠، ٤١ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٤٦ من سورة الأنعام. ٣ الآية رقم ٣١ من سورة يونس.
[ ٤٥٠ ]
وإذن فالحقيقة التي يجب أن يقر بها القوم:
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ١.
فإذا سئلوا بعد ذلك عن شركائهم أفحموا وأجاب عنهم القرآن الكريم، فما حيلة العاجز أمام الحق الأبلج؟
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٢.
ثم يكشف القرآن الكريم عن واحدة من مسببات الكفر، وهي فساد منهج التفكير:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٢ من سورة يونس. ٢ الآيتان ٣٤، ٣٥ من سورة يونس. ٣ الآية رقم ٣٦ من سورة يونس.
[ ٤٥١ ]
ثم يتحداهم.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ١.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٢.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٥٦ من سورة الإسراء. ٢ الآية رقم ٥ من سورة الأحقاف. ٣ راجع الشاطبي في الموافقات ج٣ ص٣٥١ والآية رقم ١٧ من سورة الملك.
[ ٤٥٢ ]
الموجة الثانية: في تسميتهم الملائكة بنات الله، وقالوا اتخذ الله ولدا
وقد ناقشهم القرآن الكريم في هذه المسألة من عدة جوانب.
الجانب الأول:
جانب تقاليدهم هم وعاداتهم فهل هم يستبشرون خيرا إذا بشر أحدهم بالأنثى؟
لقد وضح القرآن الكريم بل فضح أساريرهم الحزينة إذا بشر أحدهم بالأنثى يقول الله تعالى:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٥٧-٥٩ من سورة النحل.
[ ٤٥٢ ]
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ١.
﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٢.
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ٣.
وهنا يسألهم القرآن الكريم:
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ، أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ، أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ، فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٤.
هكذا يحاصر القرآن الكريم أسطورتهم في كل مساربها ويحاجهم بمنطقهم وبمنطق البيئة التي يمسكون بتراثها وثقافتها الجاهلية.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٠ من سورة الإسراء. ٢ الآيتان ١٦، ١٧ من سورة الزخرف. ٣ الآية رقم ١٩ من سورة الزخرف. ٤ الآيات من رقم ١٤٩-١٥٩ من سورة الصافات.
[ ٤٥٣ ]
إنهم يعدون ولادة الأنثى محنة ويرونها مخلوقا له درجة دون درجة الذكر، ثم هم يدعون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله، فمن أين جاءتهم هذه الأسطورة، وهم مع الرتبة الدون؛ لأنهم وهم خلق محتاج إلى بارئه الأجل الأعظم، لا يقبلون الأنثى لهم ذرية وامتدادا لحياتهم فهل اختار الله البنات وترك لهم البنين؟ استفتهم عن هذا الزعم السقيم المتهافت.
ويسترسل القرآن في تفنيد أسطورتهم حتى الخاتمة:
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ، وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ١.
فينفي قدرتهم على أن يضلوا من عباد الله إلا من هو محسوب من أهل الجحيم، وإنهم عاجزون عن فتنة قلب مؤمن محسوب من الطائعين.
ولكل مقامه لا يتعداه.
فالملائكة عباد من خلق الله لهم وظائف في طاعة الرحمن، يصفون للصلاة، ويسبحون بحمد ربهم، ويقف كل منهم على درجته لا يتجاوزها، والله هو الله الملك القدوس ذو الجلال والإكرام٢.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٦١-١٩٥ من سورة الصافات. ٢ في ظلال القرآن ج٢٣ ص٧١-٧٢.
[ ٤٥٤ ]
ومثال آخر في حياتهم المعيشية، وهو مثل واضح حاسم لا مجال للجدل فيه:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وهو مثل شامل لكل ما كانوا يتخذونه شريكا من دون الله جنا أو ملائكة أو أصناما أو أشجارا.
إنهم -في العادة الغالبة- لا يرتضون أن يشركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال، ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء أفليس من العجب أن يجعلوا لله شركاء من عبيده، وهو الخالق الرازق وحده؟
إنهم يأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في أموالهم التي هي منحة الله ورزقه الذي ساقه إليهم، أفليس من الضحك أن يأنفوا ذلك لأنفسهم ثم يشركون مع الله واحدا من خلقه؟ وتعبيرات القرآن الكريم دقيقة إنها تخطو بهم رويدا رويدا في ضرب هذا المثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، فهو مثل قريب لا يحتاج إلى رحلة أو جهد في تدبره ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾؟
فهم لا يرضون أن يشاركهم العبيد في شيء من الرزق فضلا عن المساواة بينهم في ملكيته.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٨ من سورة الروم.
[ ٤٥٥ ]
إنهم لا يرضون ذلك لأنفسهم وإذن فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١.
الجانب الثاني: السلطان الإلهي.
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
"لو" مجرد فرض جدلي تفيد امتناع وقوع اللهو؛ لأن الله جل ثناؤه لم يرده أزلا، ولن يكون أبدا هناك لهو لأن الفعل منفي منذ الأزل
_________________
(١) ١ الآيتان ٤٣، ٤٤ من سورة الإسراء. ٢ الآية رقم ١٧ من سورة الأنبياء. ٣ الآيات من رقم ١٩-٢٤ من سورة الأنبياء.
[ ٤٥٦ ]
وهذا تقرير لحقيقة أساسية هي أن اختراع البشر شركاء من دون الله، ونسبتهم ذلك إلى الله تجرؤ لا يملكه العباد؛ لأن الله خلق الكون كله حسب علمه وإرادته، ولم تتوجه إرادة الله إلى مثل هذا اللهو، فلو كانت إرادة الله توجهت للهو ما احتاج الأمر إلى اقتراح لهو من العباد ينسبونه إلى ذاته المقدسة، وذلك استنكار لما وقع منهم، وتهكم بآلهتهم أن لها قدرة على شيء من نشر، إذ من أوليات صفات الإله أن ينشر الأموات من الأرض، فإن الخالقية صفة الله وحده ومن مظاهر الخالقية أن يبعث ما في القبور، وإذن فما قالوه:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
انحراف عن الطريق السواء وتبجح لا يملكون له سندا.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
لقد استقرت شهادة التوحيد؛ استقرت في الدليل واستقرت في الاعتراف واستقرت في صدور الذين آمنوا بها.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٩ من سورة الشورى. ٢ الآية رقم ١٩ من سورة الأنعام.
[ ٤٥٧ ]
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣.
٢- تصحيح التدين:
ومن هذه الثمرة الأساسية "لتوحيد الله جل شأنه" تبدو ظاهرة "التدين الصحيح" كثمرة ملحقة بالثمرة الأولى، فإن القوم لم يكفروا بالله فهم يعتقدون أنه الخالق والرازق والنافع والضار ولكنهم اتخذوا طريقا منحرفا في العبادة أسرفوا في العقيدة حتى وسع إيمانهم مخترعات آبائهم وأجدادهم، فكانت الدعوة في هذا العهد المكي تحاول أن تردهم إلى طريق الله السواء٤.
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٥.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٠٢، ١٠٣ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٣٢ من سورة يونس. ٣ سورة الإخلاص. ٤ راجع الإسلام والعقل ص٩٧، ٩٨. ٥ من الآية رقم ٣ من سورة الزمر. ٦ الآيات من رقم ١١-١٤ من سورة الزمر.
[ ٤٥٨ ]
﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الدين الخالص، القاعدة التي تقوم عليها الحياة كلها بل يقوم عليها الوجود كله، ومن ثم ينبغي أن ترسخ وتتضح وتعلن في هذا الأسلوب الحاسم الجازم: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
والقلب الذي يوحد الله هو الذي يدين لله وحده لا يحني هامته لأحد سواه ولا يطلب شيئا من غيره، ولا يعتمد على أحد من خلقه فالله وحده هو الولي الحميد، وهو وحده القوي المتين وهو وحده القاهر فوق عباده، والعباد كلهم مهازيل ضعاف لا يملكون نفعا ولا ضرا ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا، وإذن فلا حاجة ألبتة إلى أن يحني الإنسان هامته لواحد من المخلوقات المحتاجة بالطبع إلى الله الصمد، فهو وحده المانح والمانع، وهو وحده الغني. والناس جميعا هم الفقراء إلى الله.
والقلب الذي يوحد الله يؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله، ويؤمن إذن بأن النظام الذي اختاره الله للبشر هو طرف من ذلك الناموس الواحد الذي لا تصلح حياة البشر إلا باتباعه، ومن ثم لا يختار غير ما اختاره الله، ولا يتبع إلا شريعة الله المتسقة مع نظام الوجود كله ونظام الحياة كلها.
والقلب الذي يوحد الله يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعته يد الله في هذا الكون من أشياء، ويحيا في الكون بقلب يحس بيد الله في كل ما حوله فيعيش في أنس الله ورعايته، ويشعر بالتحرج أن يشرك بالله شيئا يعلمه أو لا يعلمه.
[ ٤٥٩ ]
وتبدو كذلك آثار التوحيد في التصورات كما تبدو في السلوك، فلا تبدو عقيدة التوحيد كلمة تقال باللسان بل تصير حالا للمرء في تفكيره وسلوكه وقلبه وعقله وجميع أنماط تصرفاته١.
وقد أعلنها القرآن كذلك فيما يتعلق بالنبي -ﷺ- ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وقيمة هذا الإعلان كبيرة جدا؛ لأنها تحوي أصلا لمفهوم التدين وهو الخضوع الكامل والاستسلام التام لجناب الله الأعظم.
إن قيمة هذا الإعلان في تجريد العقيدة من كل شائبة، فالنبي -ﷺ- وهو المصطفى من عند الله هو في هذا المقام عبد لله وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم حسب مراتبهم الأمثل فالأمثل، وترتفع ذات الله ﷾ متفردة فوق الجميع، وعندئذ تتميز العبودية عن الألوهية فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الله الأحد الصمد بلا شريك ولا شبيه ولا ند، وحين يقف سيدنا محمد -ﷺ- في مقام العبودية لله وحده، وهو من هو في تاريخه الطويل الحافل بالقمم الشريفة من الأخلاق، تتلاشى مخترعات الذين أشركوا وتنمحي دعوى شفاعة الأصنام والملائكة ويبقى مفهوم التدين خالصا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾، ليس فيه خلط ولا تشابه، فقد وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا
_________________
(١) ١ راجع الإسلام والإيمان ص٢١٩-٢٢١ في ظلال القرآن ج٢٤ ص١٠ راجع الإسلام والعقل ص١٠٠، راجع المصطلحات الأربعة في القرآن ص١١٥.
[ ٤٦٠ ]
وما أنا من المشركين ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
إنه التجرد الكامل لله بكل خالجة في القلب ونبضة في العرق وطرفة من العين وبكل حركة في الحياة.
إنها تسبيحة التوحيد المطلق والعبودية الكاملة تجمع الصلاة والاعتكاف والحياة والممات وتخلصها لله وحده رب العالمين، فهو المهيمن المتصرف المربي الحاكم إنها تسبيحة في إسلام كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية إلا يعبدها لله وحده، ولا يحتجز دونه شيئا في الواقع ولا في الضمير ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾، فسمع -ﷺ- وأطاع حق السمع والطاعة حتى تفطرت قدماه، وعبد بذلك الطريق المستقيم، فبانت علامات التدين الصحيح٢ وهي مع تلك الهداية نيرة في قوله تعالى:
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
_________________
(١) ١ الآيتان ١٦٢، ١٦٣ من سورة الأنعام. ٢ راجع ظلال القرآن ج٨ ص١٠٠. ٣ الآية رقم ٣ من سورة الأعراف.
[ ٤٦١ ]
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٢.
٣- مفهوم الدين وعناصره:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٣.
إن التوحيد منهج والشرك منهج آخر مقابل ولا لقاء بين المنهجين ألبتة.
التوحيد منهج يتجه بالإنسان مع الوجود كله إلى الله وحده لا شريك له، ويحدد الجهة والمصدر الذي يتلقى منه الإنسان عقيدته وشريعته وأخلاقه وموازين آدابه وقيمه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود.
هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله وحده لا شريك له، ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس غير ملتبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٢ من سورة لقمان. ٢ الآية رقم ٥ من سورة الزمر. ٣ سورة الكافرون.
[ ٤٦٢ ]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ١.
فالآية تستنكر أن يبتغي غير الله حكما في شأن من الشئون على الإطلاق، وتقرر أن الحاكمية لله وحده وتنفي أن يكون هناك أحد غير الله يجوز أن يتجه إليه البشر طلبا لحكم منه في أمر من أمور الحياة، والقرآن كثيرا ما يؤكد هذا المبدأ ويكرره في كل مناسبة.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.
وإذن فالدين هو منهج الله للبشر هو وحي الله إلى أنبيائه ليسلك العباد طريقهم إلى الله٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١١٤ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٤٠ من سورة يوسف. ٣ الآية رقم ٧٠ من سورة القصص. ٤ الآية رقم ٨٨ من سيرة القصص. ٥ راجع المصطلحات الأربعة في القرآن للمودودي ص١٢٥، راجع هذا الدين ص٤، المستقبل لهذا الدين ص٥، ٦، ١٨، ١٩.
[ ٤٦٣ ]
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾ .
وإذا كان الدين هو وحي الله، فإن القرآن الكريم قد حرص على أن يبرز هذا الدين الذي حمله، موكب الأنبياء على التعاقب.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ٢.
﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٤.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ٦.
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٥٦ من سورة الذاريات. ٢ الآية رقم ٩٢ من سورة الأنعام. ٣ الآية رقم ٢ من سورة الأعراف. ٤ من الآية رقم ٢ من سورة النحل. ٥ الآية رقم ٦٤ من سورة النحل. ٦ أول سورة الكهف. ٧ الآية رقم ٢٧ من سورة الكهف.
[ ٤٦٤ ]
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
في هذه الآيات المكية يحدد القرآن مجموعة العناصر التي يكتمل بها الدين الذي يرتضيه الله لعباده.
العنصر الأول: الموحي أو المصدر وهو الله ﷾.
العنصر الثاني: الموحى به وهو الشريعة المرسلة من قبل الله جل شأنه.
العنصر الثالث: الموحى إليه وهو الرسول النبي الذي اصطفاه الله ليبلغ رسالته إلى الناس.
العنصر الرابع: الوحي أو حامل الوحي وهو الملك الذي وكله الله تعالى بالسفارة إلى رسوله المصطفى.
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ .
ينزل: فاعله هو الله جل شأنه.
الملائكة: الموحى معه.
بالروح: الموحى به.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦٥ من سورة الزمر. ٢ الآية رقم ٦٦ من سورة غافر.
[ ٤٦٥ ]
على من يشاء من عباده: الرسول المصطفى.
أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون:
ذلك هو الهدف والغاية التي من أجلها خلق الله الجن والأنس على السواء.
٤- وحدة الدين:
وعلى هذا فإن ثمرة الدعوة الإسلامية في مكة تعلن منذ الفجر الصادق أن كل دين لا يجتمع فيه هذه العناصر فهو دين باطل:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ ١.
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ٢.
وعلى هذا فكل ما حمله الأنبياء عن ربهم هو دين واحد، يتجه إلى غاية واحدة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٤.
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٥.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١١٤ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٦٤ من سورة الزمر. ٣ الآية رقم ٢٥ من سورة الأنبياء. ٤ الآية رقم ٩٢ من سورة الأنبياء. ٥ الآية رقم ٥٢ من سورة المؤمنون.
[ ٤٦٦ ]
فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.
فالآية تقرير لوحدة الوحي، وحدة مصدره، فالموحي هو الله العزيز الحكيم والموحى إليهم هم الرسل على مدار الزمان.
والوحي واحد في جوهره على اختلاف الرسل واختلاف الزمن وهذه الحقيقة تبدو قوية في العهد المكي لتشد أواصر الصلة بين اتباع الوحي في كل زمان ومكان، فهذه أسرتهم تضرب في بطون التاريخ وتمتد جذورها في شعاب الزمن، وتتصل كلها بالله في البدء والنهاية فليتقوا جميعا، وفي مسلم: "الأنبياء إخوة من عَلات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد" ٢.
وإذا كان الذي شرعه الله من الدين للمسلمين الذين آمنوا بمحمد -ﷺ- هو ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى فإن الغاية العظمى هي:
﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ فليقفوا جميعا تحت هذه الراية صفا واحدا، هذه الراية التي رفعها موكب الأنبياء على التوالي:
نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم حتى انتهت إلى سيدنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٣ من سورة الشورى. ٢ مسلم ج٤ ص١٨٣٧ راجع ظلال القرآن ج٢٥ ص٧، ١١ ج٨ ص١١٣.
[ ٤٦٧ ]
وقد أعلن هذه الوحدة من قبل سيدنا يوسف ﵇.
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ١.
كما أعلنها بعد رجل من آل فرعون يكتم إيمانه:
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢.
إنه دين واحد تقرره الدعوة الإسلامية منذ فجرها الصادق في مكة المكرمة، وتعلن أنها هي الخاتمة لهذا الدين، وأنها التاج الأسمى والشرف الأكمل للبشرية أجمعين.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
٥- عالمية الدين:
والدين الذي يدعو إليه سيدنا محمد بن عبد الله منذ أن نزل عليه ﴿اقْرَأْ﴾ هو دين الله للناس كافة وللجن كافة.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٨ من سورة يوسف. ٢ الآية رقم ٣٨ من سورة فاطر. ٣ من الآية رقم ٣٠ من سورة الروم. ٤ الآية رقم ٩٠ من سورة الأنعام. ٥ من الآية رقم ١٥٨ من سورة الأعراف.
[ ٤٦٨ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ١.
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٣.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٥.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٧.
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٨.
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٨ من سورة يونس. ٢ الآية رقم ١٠٤ من سورة يوسف. ٣ الآية رقم ١ من سورة إبراهيم. ٤ الآية رقم ١٠٧ من سورة الأنبياء. ٥ أول سورة الفرقان. ٦ الآية رقم ٢٨ من سورة سبأ. ٧ الآية رقم ٨٧ من سورة ص. ٨ الآية رقم ٥٢ من سورة القلم. ٩ الآيتان ٢٦، ٢٧ من التكوير.
[ ٤٦٩ ]
وقد شهدت الجن بأنها على هذا الدين استجابة لداعي الله.
يقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١.
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ ٢.
٦- تصحيح فكرة أن لله ولدا:
وفي هذا العمر المتقدم للدعوة في كنف البيت العتيق بمكة ظهرت فكرة نفي الولد، سواء كان القائل بهذه الفكرة أهل الكتاب أو بعض العرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله.
والقرآن الكريم في هذه المرحلة المكية يصور الدعوى ثم يرد عليها.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٢٩-٣١ من سورة الأحقاف. ٢ راجع حول هذا كتاب: هذا الدين ص٨٤، ٨٥ والآيات من أول سورة الجن. ٣ الآية رقم ٦٨ من سورة يونس.
[ ٤٧٠ ]
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ١.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٢.
﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣.
ومع أن هذه الآيات تصور الدعوى، وترد عليها، إلا أن القرآن الكريم كذلك خصص الآيات؛ لنفي هذه الأسطورة التي صنعها المشركون، وهذه الآيات ترد هذه الدعوى من جانبين:
جانب السلطان الإلهي.
ثم إقرار الجن الذين جعل لهم المشركون بالرحمن نسبا.
أما فيما يتعلق بالجانب الأول، فيقول الله تعالى:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٨٨-٩٤ من سورة مريم. ٢ الآية رقم ٢٦ من سورة الأنبياء. ٣ الآيتان ١٥١، ١٥٢ من سورة الصافات. ٤ الآية رقم ١٠١ من سورة الأنعام.
[ ٤٧١ ]
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ١.
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٣.
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٤.
إن الذي يبدع هذا الوجود من العدم ما تكون حاجته إلى ولد؟ والولد إنما هو امتداد للفانين وهو عون للضعفاء، وقاعدة التكاثر أن يكون للكائن صاحبة من جنسه، فكيف يكون لله ولد وليست له صاحبة، فقد تفرد ﷻ بالألوهية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥.
على أن الفرض الجدلي الذي يقبله العقل العادي أن الله لو أراد أن يتخذ ولدا لاصطفاه هو جل شأنه من بين خلقه فإرادته مطلقة،
_________________
(١) ١ الآية رقم ١١١ من سورة الإسراء. ٢ الآيتان ٩١، ٩٢ من سورة المؤمنون. ٣ الآية رقم ٢ من سورة الفرقان. ٤ الآية رقم ٤ من سورة الزمر. ٥ الآية رقم ١١ من سورة الشورى.
[ ٤٧٢ ]
والأمر لا يحتاج إلى قرار من البشر أو اقتراح منهم، ولكن مشيئة الله لم تتجه نحو هذا الاصطفاء لأنه الواحد القهار ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾، فهو صاحب السلطان المطلق فأين حاجته إلى خلف؟
وأما الجانب الثاني:
فالجن تنفي ما ادعاه البشر وتبرأ من أساطير الناس.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ ٢.
لقد أقرت الجن بالوحدانية وكذبت الأسطورة التي تزعم أن الملائكة بنات الله جاءته من صهر من الجن.
لقد نزهت الجن وسبحت بحمد الله، فردت ترهات البشر المنحرف، وقد كان للجن أن تفخر بهذا الصهر الخرافي الأسطوري لكنها استنكرت هذا التحريف البشرى، فأعلنتها قذيفة ضخمة تحطم ذلك الزعم الذي حاكه المشركون.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٥٨، ١٥٩ من سورة الصافات. ٢ الآيات من رقم ١-٣ من سورة الجن.
[ ٤٧٣ ]
٧- عيسى بن مريم:
وفي خضم نفي أسطورة الولد يصحح القرآن التصور عند أهل الكتاب فيما يتعلق بعيسى١. يقول الله تعالى:
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢.
لقد نطق عيسى ابن مريم بنفسه وبحالته: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، فلم يبق من بعده مجال للأساطير والأوهام، وبتلك التنقية تبدو عالمية الدعوة الإسلامية في مكة بالموضوع، إنها ليست عقيدة لجنس خاص، ولا دعوة لطائفة من الناس، ولكنها إنهاء لسلطة الأساطير البشرية وإحلال للإيمان الإسلامي في الصدور والسلوك، فهي نقلة من عالم الحيوان الذي يعيش فيه البشر إلى عالم الإنسانية الذي يقدس فيه الناس ربهم، وقد حمل هذه العقيدة جعفر بن أبي طالب والذين هاجروا معه إلى الحبشة، فصادفت موقعا ملائما حيث كانت العقيدة عند النجاشي كذلك، فكان ذلك اللقاء دليلا واضحا على عالمية الدعوة بالموضوع، وهو الهدف الرئيسي لها "لا إله إلا الله" كمنهج للعقل والقلب والسلوك والوجدان.
_________________
(١) ١ راجع مناقشة قريش للرسول -ﷺ- في شأن عيسى ﵇ في سيرة ابن هشام ج١ ص٣٥٩، ٣٦٠. ٢ الآيات من رقم ٣٤-٣٦ من سورة عيسى.
[ ٤٧٤ ]
وبذلك فقد قررت النصوص القرآنية منذ ذلك الفجر أنه لا أديان متعددة ولا مقارنة بين أديان، وأن الدين واحد هو نظام الله الموحي به إلى عباده عن طريق سفرائه المرسلين المصطفين الأخيار، وأن الدعوة الإسلامية شاملة للجنس البشري كله في كل صقع وحين، وقد حافظت نصوص القرآن الكريم على ذلك الهدف في العهد المدني فيما بعد، إذ كانت تنادي الناس جميعا وتهتف بهم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.
ودلالة هذا أن الهدف الأساسي للدعوة هو أن يشهد الناس جميعا "أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" فلا يبقى لسان بشر على وجه الأرض، إلا وقد رطب بها، وصعد صوته يدوي بجلالها، ولا يشغل المسلمون أنفسهم بعوارض الحياة الدنيا، ويقبعون في زاوية من الأرض، ويتركون الأساطير تحيا والإشراك يفشو وبناة الأصنام تعيش في سلام.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١ من سورة النساء. ٢ الآية رقم ١ من سورة الحج. ٣ الآية رقم ١٣ من سورة الحجرات.
[ ٤٧٥ ]
إن "لا إله إلا الله محمد رسول الله" هي وظيفة الدعاة اليوم لا سيما هنا في جنوب شرقي آسيا، ماليزيا، سنغافورا، تايلاند، والهند الصينية، حيث توجد الأصنام في الشوارع وعلى قارعة الطريق وفي قلاعها هي وفي بيوتها هي وفي منازل الناس الذين ما زالوا يجهلون الطريق السواء إلى الله الواحد الصمد العزيز الجبار المتكبر سبحان الله وتعالى عما يشركون.
ب- محمد رسول الله -ﷺ:
في صميم أفئدة القوم إقرار بأن محمدا رسول الله.
﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
ولكن القوم أثاروا ضجة كان من البواعث عليها الحسد، وعبادة التقاليد.
وقد تصدى القرآن الكريم لهذه الضجة ليستخلص منهم مكنون صدورهم، وإخراج ما أسروه، وأنهم يعتقدون أن محمدا رسول الله.
والضجة التي أثاروها يمكن تركيزها في ثلاث نقاط:
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢.
﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ٣.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٣٣ من سورة الأنعام. ٢ من الآية رقم ٩١ من سورة الأنعام. ٣ من الآية رقم ٨ من سورة ص. ٤ الآية رقم ٢٥ من سورة المدثر.
[ ٤٧٦ ]
ويتولى القرآن الكريم الإجابة على ضجيجهم وتمتلئ السور المكية بحشد جليل من الآيات التي تفند هذه المزاعم الصغيرة في دوافعها وغاياتها.
أما فيما يتعلق بالضجة الأولى:
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ فإن القرآن الكريم يردها من زاويتين:
١- زاوية اعترافهم بأهل الكتاب.
٢- وزاوية الأساس الدافع لهذه الضجة.
١- أما الزاوية الأولى فيقول الله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ، وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ١.
لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يزعمون أن الله لم يرسل رسولا من البشر، ولم ينزل كتابا يوحى به إلى البشر بينما كان إلى جوار هؤلاء المشركين أهل الكتاب من اليهود الذين يتعاملون معهم
_________________
(١) ١ الآيتان ٩١، ٩٢ من سورة الأنعام.
[ ٤٧٧ ]
في التجارة ويلتقون معهم في الأسواق، ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب، فلم يقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء؟ ذلك منطق العناد واللجاج.
وتمضي آيات أخرى من السور المكية تقرر أن الأنبياء بشر أوحي إليهم من عند الله.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ٢.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ، ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ ٣.
٢- وأما زاوية الأساس الذي دفعهم ليختلفوا هذا الزعم، فهي السنة المشئومة التي وجدوا عليها آباءهم، فقد كانت تلك التعلة هي الداء الدفين الذي جعل الناس من قبل يردون دين الله.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٣ من سورة النحل. ٢ الآية رقم ٢ من سورة الإسراء. ٣ الآيات من رقم ٧-٩ من سورة الأنبياء.
[ ٤٧٨ ]
يقول الله تعالى:
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ١.
وبهذه اللغة كفر قوم نوح وقالوا له:
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٢.
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ ٣.
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ٤.
ويرد القرآن هذه المقالة على لسان الرسل.
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٧ من سورة هود. ٢ من الآية رقم ٢٤ من سورة المؤمنون. ٣ الآية رقم ٣٣ من سورة المؤمنون. ٤ الآية رقم ١٠ من سورة إبراهيم. ٥ الآية رقم ١١ من سورة إبراهيم.
[ ٤٧٩ ]
ويقرر القرآن أن هذه التعلة واحدة من أسباب الكفر:
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ١.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ٢.
والذين في الأرض بشر، وليسوا ملائكة، ولقد كفر أصحاب القرية في سورة يس لهذا المنطق.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ٢.
فارتدت الضجة واستقرت النبوة اصطفاء من الله لمن شاء من عباده المكرمين.
﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ .
ذلك دافع الحسد فـ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، وتلك إرادة الله لا مدخل لواحد من الخلق فيها ألبتة، ويجيب القرآن في بساطة وسهولة:
_________________
(١) ١ الآيتان ٩٤، ٩٥ من سورة الإسراء. ٢ الآيتان ١٤، ١٥ من سورة يس.
[ ٤٨٠ ]
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ، أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ، جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ ١.
إنه الحسد وضيق الصدر دون داع، وبغض الخير دون مبرر، وقد ظهر ذلك في اقتراحهم.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٢.
فرد عليهم القرآن الكريم مستنكرا هذا الاقتراح فهو خروج على الأدب مع جناب الله ﷿ يقول الله تعالى:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣.
إنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا فمعيشتهم منحة من الله، ومراتبهم الاجتماعية تكريم لهم من عند الله لغاية تدبر بها شئون الحياة فدولاب الحياة لا يدور إلا بهذا التفاوت في الرزق وفي المراتب الاجتماعية.
ومحمد -ﷺ- من ذؤابة قريش ثم سن ذؤابة بني هاشم وهم في العلية الرفيعة من العرب، وكانت ذاته الشريفة ﵊ فيما قبل البعثة على الأمثل الرفيع جدا من مكارم الأخلاق
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٨-١١ من سورة ص. ٢ الآية رقم ٣١ من سورة الزخرف. ٣ الآية رقم ٣٢ من سورة الزخرف.
[ ٤٨١ ]
نعم لم يكن زعيما لقبيلة ولا رئيسا لعشيرة، وتلك هي موازين القوم التي دفعتهم ليعترضوا أو ليقترحوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .
وهم أنفسهم يشهدون بذلك قال عتبة بن ربيعة: يابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب١.
وقالها أبو سفيان لهرقل: هو من أوسطنا نسبا٢.
فأي دافع لهم إذن على هذا الاقتراح؟ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، ولقد اختار لها من يعلم أنه لها أهل، وهم يعلمون أنه كذلك أهل لها، فلماذا يقترحون؟ إنه الحسد الذي حاك في الصدور.
ولم يترك القرآن القضية تمر دون أن يثبت النبوة لسيدنا محمد -ﷺ- لتبقى في التاريخ والذمة أن القوم كفروا حسدا وتعنتا ولجاجا.
فردهم إلى حاله وحثهم على دراسة أسراره أنه منذ المولد حتى المبعث وهو معروف السريرة، مكشوف الخطوات في شرف سامق، وعزة أبية، وكما محترم، وما كان يقول هذا القول من قبل، أفإذا جاءهم بالهدى، قالوا: ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ .
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٢٩٣. ٢ فتح الباري ج١ ص٣٨.
[ ٤٨٢ ]
يقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
لقد لبث فيهم من قبل ذلك أربعين عاما ما حدثهم عن نبوة أو رسالة ولا كان يتلو من كتاب.
يقول الله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
إن الحق الذي جاء به محمد -ﷺ- يشهد حاله ويشهد له تاريخه فهو أمي لم يقرأ ولم يكتب وقضى في هذا المستوى أربعين عاما، فإذا ما طلع بين عشية وضحاها فكلم الناس بالوحي وحمل إليهم قانون ربهم إليهم ليعبدوا الله على بصيرة، أفي مثل هذا يقول قائل: إنه ليس بنبي؟
_________________
(١) ١ راجع القرطبي ط الشعب ص١٦٠، ١٨٢، والآيتان ١٥، ١٦ من سورة تونس. ٢ الآيتان ٤٨، ٤٩ من سورة العنكبوت.
[ ٤٨٣ ]
إننا إذا وقفنا قليلا عند هاتين الآيتين، فإننا نجد أن الآية الأولى تنفي وقوع الارتياب من عاقل على فرض أن رسول الله -ﷺ- كان يقرأ ويكتب ذلك؛ لأن معاني القرآن الكريم ومفاهيم الدعوة آيات بينات في صدور أهل العلم١، وقد جعل الله لها من قبل علامات وبشائر، وهي فيما تدعو إليه إنما تتفق مع مطالب الفطرة وتتلاءم مع العقل السليم. يقول أكثم بن صيفي:
إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينا لكان في أخلاق الناس حسنا٢.
وقد استدل هرقل على صدق الدعوة بحال الداعية يقول:
فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله٣ وكذلك النجاشي قالها مؤمنا:
إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة٤.
وقالتها السيدة خديجة راضية مرضية.
وقالها أبو سفيان رغم أنفه٥.
ولهذا يركز القرآن الكريم على أن استيعاب حال الداعية كدليل على صدق النبوة يقول الله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ،
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل ص١٣٢. ٢ التفكير الفلسفي في الإسلام ص٣٠. ٣ فتح الباري ج١ ص٣٩. ٤ فقه السيرة ص١٢٠ في هذا النص، تعبيرات شتى، راجع الكامل في التاريخ ج٢ ص٨١، السيرة لابن هشام ج١ ص٣٣٧. ٥ راجع مقدمة ابن خلدون ج١ ص٣٤٨.
[ ٤٨٤ ]
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ١.
ليست هناك شبهة من هذه الشبهات قائمة على أصل محترم، إنما هي كراهيتهم للحق؛ لأن الرسالة ستسلبهم قيمهم الاجتماعية الباطلة وتلغي أهواءهم المغرورة، والحق لا يمكن أن يدور مع هواهم، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن.
ثم يتصدى القرآن بعد أن أثبت النبوة عن طريق حال الداعية، فيجابه أسئلتهم التي يشاغبون بها ويصدون عن دين الله ببريقها يقول الله تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٢.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ٣.
فرد عليهم في صرامة:
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٤.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٦٨-٧٠ من سورة "المؤمنون". ٢ الآيتان ٨، ٩ من سورة الأنعام. ٣ الآية رقم ٩٠ من سورة الإسراء. ٤ من الآية رقم ٩٤ من سورة الإسراء.
[ ٤٨٥ ]
لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ١.
فيرد عليهم:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا، بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ٢.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ٣.
وقالوا:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ .
ويجب القرآن الكريم:
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآيتان ٧، ٨ من سورة الفرقان. ٢ الآيتان ١٠، ١١ من سورة الفرقان. ٣ في ظلال القرآن ج١٧ ص١٣ ج١٨ ص١٨، ١٩، ٢٠، والآية رقم ٢٠ من سورة الفرقان. ٤ الآيتان ٢١، ٢٢ من سورة الفرقان.
[ ٤٨٦ ]
ولا يترك القرآن الجانب التاريخي كدليل على إثبات النبوة يقول الله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.
هل كان رسول الله -ﷺ- شاهدا ميقات موسى مع ربه؟ حتى يعلم نبأه المفصل كما ورد في سورة الأعراف، وأن بينه وبين هذا الحادث لقرون وأجيال متطاولة.
هل كان رسول الله -ﷺ- مقيما في أهل مدين يتلقى عنهم أخبارهم؟ هل سمع رسول الله -ﷺ- نداء لسيدنا موسى٢.
إنه الوحي وإنها الرحمة التي شاءها الله جل شأنه لعباده لمن شاء منهم أن يستقيم.
يقول ابن خلدون:
النفوس البشرية على ثلاثة أصناف: صنف عاجز بالطبع عن الوصول إلى الإدراك الروحاني.
_________________
(١) ١ الآيات من ٤٤-٤٦ من سورة القصص. ٢ في ظلال القرآن ج٢٠ ص٢٢، ٧٣، راجع النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله ص٣٠، ٣١، الإسلام والعقل ص١٣٠، ١٣٣، راجع التفكير الفلسفي في الإسلام ص٥٥، ٥٩.
[ ٤٨٧ ]
وصنف متوجه بالحركة الفكرية نحو العقل الروحاني والإدراك الذي لا يفتقر إلى الآلات البدنية بما جعل فيه من الاستعدادات لذلك إلخ.
وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيها وروحانيها إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة، وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم١.
وهذا ما اصطلحت عليه سالفا بالبشرية السوية الخاصة بالأنبياء وذلك ما أثبته القرآن الكريم واستدلت بأحواله العقول الكريمة الفياضة بالنور والسناء الوضيء، ولقد كان سيدنا محمد -ﷺ- هو قلادة هذا العقد النبوي، وكان هو وحده -ﷺ- خاتم الأنبياء والمرسلين٢.
إن هذا إلا قول البشر:
النبوة والقرآن نعمتان اختص الله جل شأنه بهما حبيبه سيدنا محمد -ﷺ- وكلاهما مستند إلى الآخر في الإثبات والتقرير فإذا ما ثبتت النبوة فقد ثبت أن القرآن من عند الله، فلا نبوة بغير قرآن ولا قرآن لغيره نبوة.
وقد استفاض القرآن الكريم في إثبات النبوة لسيدنا محمد -ﷺ- وكانت تلك الاستفاضة كافية في إثبات
_________________
(١) ١ مقدمة ابن خلدون ج١ ص٣٥٧، ٣٥٨. ٢ راجع بشائر النبوة الخاتمة.
[ ٤٨٨ ]
أن القرآن من عند الله غير أن لجاج القوم وعنادهم كان قد ملأ الدنيا بالصخب والضجيج مما ادعوه بهتانا، وما نشروه بين القبائل في المواسم والأعياد فأخذ القرآن الكريم يواجه هذه الجحافل الظلماء ليكشف عن الحق.
وللقرآن منهجه الخاص في معالجة الأمور والقضايا:
- فهو يصور أولا ما يدعيه المعارضون.
- ثم يصور موقف النبي -ﷺ- وهو موقف كاف في الرد على المعاندين.
- ثم يقيم البيان على أن القرآن وحي من عند الله جل شأنه بطريقين:
الأول: طريق النص، أنه من عند الله، وأن لا مدخلية للرسول فيه.
الثاني: وطريق التحدي وبهذا يقرر حقيقة القرآن.
ثم يأمر النبي -ﷺ- أن يستمر على ما هو عليه من الحق واتباع ما يوحى إليه من عند ربه، ويؤكد الذين أوتوا العلم من قبله أنه الحق من ربهم.
أ- أما فيما يتعلق بالنقطة الأولى، فقد جمع القرآن الكريم دعاوى القوم وصورها فقال الله تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ
[ ٤٨٩ ]
نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٣.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ٤.
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٥.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٦.
وهي كلها آمال جوفاء وصخب أطفال لا يدركون مستوى مسئولية الخطاب والتعقل٧ ويكفي في هذه المواجهة أن الرسول -ﷺ- يقرأ القرآن وحيا من عند الله. يقول فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز:
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٥ من سورة يونس. ٢ الآيتان ٤، ٥ من سورة الفرقان. ٣ من الآية رقم ٣١ من سورة سبأ. ٤ الآية رقم ٢٦ من سورة فصلت. ٥ الآية رقم ٣١ من سورة الزخرف. ٦ الآية رقم ٢٥ من سورة المدثر. ٧ راجع التصوير الفني لمدلولا هذه الآيات كما شرح في تفسيرها في ظلال القرآن ج٢٩ ص١٩٠.
[ ٤٩٠ ]
والحق أن هذه القضية لو وجدت قاضيا يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس الدعاوي فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع الإقرار الذي يؤخذ به صاحبه.
ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه، إذ أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة؟ نقول: أي مصلحة في أن ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها، فيزداد بها رفعة شأنه، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدا يعارضه ويزعمها لنفسه.
الذي نعرفه أن كثيرا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله، وغلت قيمته، وأمنت تهمته حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينته من تلك الأثواب المستعارة.
أما إن أحدا ينسب لغيره أنفس آثار عقله وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد١.
_________________
(١) ١ راجع النبأ العظيم ص١٤، ١٥، لقد قدم المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز حول هذا الموضوع دراسة أكاديمية ممتازة دافع فيها عن القرآن الكريم فجزاه الله خيرا، غير أن هذا المنهج مع امتيازه وجودته إسلاميا وعلميا، فإنه يغاير من ناحية الطريقة لا من ناحية الهدف، ولا من ناحية الموضوع الأسلوب الذي انتهجه في إبراز ثمار العهد المكي في جوها القرآني وحده.
[ ٤٩١ ]
ب- وأما فيما يتعلق بالنقطة الثانية:
فقد أقر النبي -ﷺ- أن القرآن وحي من عند الله.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١.
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٩ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٥٠ من سورة الأنعام. ٣ الآية رقم ٢٠٣ من سورة الأعراف. ٤ الآية رقم ١٥ من سورة يونس. ٥ الآية رقم ١١٠ من سورة الكهف.
[ ٤٩٢ ]
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٢.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٤.
ج- وأما فيما يتعلق بالنقطة الثالثة:
فمع هذا الإقرار الكافي في صد غارات الصخب التي يشنها الأعداء فإن الله ﷻ يتصدى للمعركة مع الكافرين على حد المنطق القرآني ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، فيقرر القرآن الكريم أن الله أوحى القرآن من عنده إلى نبيه محمد -ﷺ- بطريقين:
الطريق الأول:
أ- طريق النص أنه من عند الله.
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٨ من سورة الأنبياء. ٢ الآية رقم ٧٠ من سورة ص. ٣ الآية رقم ٦ من سورة فصلت. ٤ الآية رقم ٩ من سورة الأحقاف. ٥ الآية رقم ٤٩ من سورة هود.
[ ٤٩٣ ]
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ١.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٢.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ٣.
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ٥.
﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ٦.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآيتان ٢، ٣ من سورة يوسف. ٢ الآية رقم ٨٧ من سورة الحجر. ٣ الآية رقم ٨٢ من سورة الإسراء. ٥ الآية رقم ١٠٦ من سورة الإسراء. ٥ أول سورة الكهف. ٦ أول سورة طه. ٧ الآيتان ١١٣، ١١٤ من سورة طه.
[ ٤٩٤ ]
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ، وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ٤.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٥.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ أول سورة الفرقان. ٢ الآية رقم ٦ من سورة الفرقان. ٣ الآيات من رقم ١٩٢-١٩٩ من سورة الشعراء. ٤ الآية رقم ٦ من سورة النمل. ٥ الآية رقم ٨٥ من سورة القصص. ٦ الآية رقم ٤٧ من سورة العنكبوت.
[ ٤٩٥ ]
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ١.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٢.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ٣.
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٤.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٥.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٦.
﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٧.
﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ
_________________
(١) ١ الآيتان ٢، ٣ من سورة السجدة. ٢ الآية رقم ٦ من سورة سبأ. ٣ الآية رقم ٣١ من سورة فاطر. ٤ الآية رقم ٦٩ من سورة يونس. ٥ أول سورة الزمر. ٦ الآية رقم ٢ من سورة فاطر. ٧ الآيتان ٢، ٣ من سورة فصلت.
[ ٤٩٦ ]
آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ١.
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ٣.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ ٥.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم﴾ ٦.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ٧.
﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ الآيتان ٤٣، ٤٤ من سورة فصلت. ٢ الآية رقم ٣ من سورة الشورى. ٣ الآية رقم ٧ من سورة الشورى. ٤ الآية رقم ٣ من سورة الزخرف. ٥ الآية رقم ٣ من سورة الدخان. ٦ الآية رقم ٢ من كل من سورة الجاثية والأحقاف. ٧ الآيات من رقم ٣-٥ من سورة النجم. ٨ أول سورة الرحمن.
[ ٤٩٧ ]
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ٣.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٤.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ ٥.
هذه الآيات الجمعة التي حشدها القرآن الكريم هي نصوص تثبت أن الله جل شأنه هو الذي أوحى القرآن الكريم إلى عبده ونبيه الخاتم سيدنا محمد -ﷺ- وهي كافية في مواجهة ما يثيره الحاقدون.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٧٧-٨٥ من سورة الواقعة. ٢ الآيات من رقم ٤٠-٤٣ من سورة الحاقة. ٣ الآيات من رقم ١٦-١٩ من سورة الواقعة. ٤ الآيتان ٢٣، ٢٤ من سورة الإنسان. ٥ أول القدر.
[ ٤٩٨ ]
ب- طريق إثبات أن لا مدخلية للنبي -ﷺ- في شيء من القرآن الكريم بالنص القرآني.
يقول الله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢.
الطريق الثاني: التحدي.
ادعى القوم أن القرآن الكريم حديث مفترى، وصور القرآن الكريم هذه المقالة، ورد عليها بما يفحم أصحاب اللجاج، والعنت بقول الله تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ ٣.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٨٦ من سورة القصص. ٢ الآيات من رقم ٤٤-٤٧ من سورة الحاقة. ٣ الآية رقم ٣٥ من سورة هود. ٤ الآية رقم ٢ من سورة السجدة.
[ ٤٩٩ ]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
في هذه الآيات وأمثالها في القرآن الكريم رد عام للدعوى المهرجة التي افتعلها القوم ظلما وعلوا، وما دام الأمر كذلك وأنهم رددوا هذه الدعوى التي لا يمكن إقامة دليل عليها، فقد تصدى الله ﷻ لهم وتحداهم وبلغ رسوله الكريم الأمين الصادق المصدوق أن يأتوا بمثله.
قال الله تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٤ من سورة الشورى. ٢ الآية رقم ٨ من سورة الأحقاف. ٣ الآية رقم ٣٣ من سورة الطور. ٤ الآية رقم ٣٨ من سورة يونس. ٥ الآية رقم ١٣ من سورة هود.
[ ٥٠٠ ]
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ١.
وعلى حسب وجود هذه الآيات في سورها٢ فقد تحداهم الله أولا أن يأتوا بسورة مثل سورة من القرآن، وسمح لهم أن يستعينوا بمن يشاءوا واستطاعوا إن كانوا صداقين في ادعائهم الافتراء.
ثم تحداهم بعشر سور مفتريات ليصححوا زعمهم أن القرآن مفترى، وأباح لهم الاستعانة بمن شاءوا وقدروا معه على خلق عشر سور مفتريات.
والذي يلاحظ هنا أن التحدي الأول ليس فيه قيد الافتراء، فوقع التحدي بسورة واحدة، للدلالة على أنه غير مقدور للبشر الإتيان بشيء مثله.
والتحدي الثاني فيه قيد المفتريات، فوقع التحدي بعقد كامل؛ لأنه لو كان مفترى كما يزعمون لكان أمره سهلا مقدورا، إذ ما يفعله واحد بنفسه يمكن أن يفعله الزاعمون به إنه لأمر جد يسير إذ استعانوا بمن يشاءونه من البشر.
فترقى القرآن من التحدي بسورة واحدة إلى عشر ملاحظ فيها هذا القيد، فكأنه تنازل مع الزاعمين من التحدي بالقرآن صافيا
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٤ من سورة فاطر. ٢ حول ترتيب هذه الآيات جاء حديث طويل في تفسير المنار ج١٢ من ص٣٢-٤١ كذلك كتب الدكتور محمد أحمد الغمراوي عدة مقالات في مجلة الأزهر خاصة عدد ربيع الأول سنة ١٣٣٩هـ من ص١٨٢-١٨٩ وعدد ربيع الآخر سنة ١٣٨٩هـ من ص٢٤٧-٢٥٤ وفي ظلال القرآن ج١٢ ص٣٩ تعليق على ترتيب الآيات الخاصة بالتحدي، ولكني فضلت إيراد الآيات في جوها القرآني مصورا للعهد المكي بعيدا عن مناقشات العلماء.
[ ٥٠١ ]
ربانيا إلى زعمهم هم فلئن كان حقا كما يزعمون هو قرآن مفترى فما أيسر أن يجاء بمثله، ويجيء بمثله كثير لا قليل، فلما عجزوا بان وتأكد أنه ليس مفترى، ولهذا يأتي التحدي الأخير كاملا كليا جامعا ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، مثله مطلقا في الصفاء والنقاء كما جاء به الوحي وعجزوا عنه في التحدي، أو مثله على حسب زعمهم في ادعاء الافتراء كما جاء في التحدي الثاني، وعجزوا عنه أيضا، فثبت بذلك التحدي أن القرآن وحي من عند الله. إنه تنزيل من حكيم حميد، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين.
وإذن فليوضح القرآن الكريم حقيقة الأمر يقول الله تعالى عقب هذه، الآيات على التوالي:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ رجع تفسير القرطبي ص٣١٨٣، ٣١٨٤ والآية رقم ٣٩ من سورة يونس. ٢ الآية رقم ١٤ من سورة هود. ٣ الآيات من رقم ٣٥-٣٧ من سورة الطور.
[ ٥٠٢ ]
فأظهرت آيات سورة الطور علة نكرانهم لربانية القرآن، أنهم لا يوقنون ولا يؤمنون، ذلك لأنهم لا ينكرون الخالقية لله ولا يجحدون أن السموات والأرض وهم أنفسهم من خلق الله جل شأنه. ولكن من أغلق قلبه عن الإيمان حبب لنفسه إنكار الحق ولو كان الحق أشد نصاعة من وهج الشمس في رابعة النهار.
وإذن فكل ما يدعيه القوم بعد ذلك:
﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ١.
﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ ٢.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّة﴾ ٣.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٤.
﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ٥.
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٦.
﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦٠ من سورة الحجر. ٢ من الآية رقم ١٠٣ من سورة النحل. ٣ من الآية رقم ٧٠ من سورة المؤمنون. ٤ الآية رقم ٥ من سورة الفرقان. ٥ من الآية رقم ٣٢ من سورة الفرقان. ٦ الآية رقم ٣١ من سورة الزخرف. ٧ من الآية رقم ١١ من سورة الأحقاف.
[ ٥٠٣ ]
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ١.
﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ٢.
كل ذلك وأمثاله من دعاوى القوم إن هو إلا إفك وحسد من عند أنفسهم.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وخاتمة المطاف:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٥.
والنقطة الأخيرة:
د- اتبع ما يوحى إليك من ربك:
والجو القرآني نفسه شاهد صدق على أن القرآن من عند الله وأن سيدنا محمدا -ﷺ- تلقاه عن ربه وأمر باتباع ما أوحي إليه.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٠ من سورة الطور. ٢ من الآية رقم ٥ من سورة القلم. ٣ من الآية رقم ١١١ من سورة يوسف. ٤ الآية رقم ٣٧ من سورة يونس. ٥ الآية رقم ٨٨ من سورة الإسراء.
[ ٥٠٤ ]
يقول الله تعالى:
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ٢.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ٤.
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ٥.
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ٦.
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٠٦ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ١٠٩ من سورة يونس. ٣ الآية رقم ١٢٣ من سورة النحل. ٤ الآيات من رقم ٧٣-٧٥ من سورة الإسراء. ٥ الآية رقم ٢٧ من سورة الكهف. ٦ الآية رقم ٩٧ من سورة مريم. ٧ الآية رقم ٤٥ من سورة العنكبوت.
[ ٥٠٥ ]
﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٢.
هذه الحقيقة لا ينكرها الذين أوتوا العلم يقول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٤.
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ٥.
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٦.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٣ من سورة الزخرف. ٢ أول سورة الجن. ٣ الآية رقم ٢٥ من سورة الأنعام. ٤ من الآية رقم ١١٤ من سورة الأنعام. ٥ الآية رقم ١٠٧ من سورة الإسراء. ٦ الآية رقم ١٩٧ من سورة الشعراء. ٧ الآيتان ٥٢، ٥٣ من سورة القصص.
[ ٥٠٦ ]
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ ١.
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
وبهذا ثبت أن القرآن وحي من عند الله وبهذا أيضا ثبت أن محمدًا رسول الله حقا وصدقا.
يقول ابن خلدون: في الغالب تقع الخوارق مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي، ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه، والقرآن هو نفسه الوحي، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه لا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه، وهذا معنى قوله -ﷺ: "ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا يوحى إلي، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
يشير إلى أن المعجزات متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس الوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدق المؤمن وهو التابع والأمة. ا. هـ٣.
وأنا أشهد أن محمدًا حقا وصدقا رسول الله، وأن القرآن كتاب الله أوحي إليه ليكون للعالمين مبشرا ونذيرا.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٧ من سورة العنكبوت. ٢ الآية رقم ٤٩ من سورة العنكبوت. ٣ مقدمة ابن خلدون ج١ ص٣٥١.
[ ٥٠٧ ]
جـ- كذلك الخروج:
من ثمرات العمل الإسلامي في مرحلة تبليغ الدعوة الإسلامية في العهد إثبات عقيدة البعث، وعلى سنة المنهج القرآني نستضيء بما أنزل الله تعالى من أدلة قرآنية واجه بها النبي -ﷺ- مزاعم القوم، والموضوع في صورته الكلية يأخذ أربعة جوانب:
الجانب الأول: تصوير لمقالات المشركين حول فهمهم لعقيدة البعث.
الجانب الثاني: الرد على المعاندين في جو السلطان الإلهي.
الجانب الثالث: الرد على المعاندين في جو حكمة البعث لإقامة العدل.
الجانب الرابع: الرد على المعاندين في جو المشاهدة لإحياء الأرض وإمكانيات العقل في قبوله وإدراكه لعقيدة البعث.
في الجانب الأول: يقدم القرآن الكريم تصويرا لدعاوى القوم ومن نماذج هذه الآيات قول تعالى:
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ١.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ٢.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٩ من سورة الإسراء. ٢ من الآية رقم ٩٨ من سورة الإسراء. ٣ الآية رقم ٦٧ من سورة النمل.
[ ٥٠٨ ]
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ١.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ٢.
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٣.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ٤.
﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ٥.
﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدى﴾ ٦.
تلك مجموعة آراء القوم تصورها هذه النماذج من آيات القرآن الكريم.
وفي الجانب الثاني: يرد الله عليهم:
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا، يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٦ من سورة الصافات. ٢ الآية رقم ٣٥ من سورة الدخان. ٣ الآية رقم ٢٤ من سورة الجاثية. ٤ الآية رقم ٣ من سورة ق. ٥ الآية رقم ٤٧ من سورة الواقعة. ٦ الآية رقم ٣٦ من سورة القيامة. ٧ الآيات من رقم ٥٠-٥٢ من سورة الإسراء.
[ ٥٠٩ ]
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ ١.
﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢.
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٣.
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ، وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ، هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ٤.
﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٥.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٩٩ من سورة الإسراء. ٢ من الآية رقم ١٠٤ من سورة الأنبياء. ٣ الآية رقم ٢٨ من سورة لقمان. ٤ الآيات من رقم ١٨-٢١ من سورة الصافات. ٥ الآيات من رقم ٣٧-٤٠ من سورة الأحقاف. ٦ الآية رقم ٣٣ من سورة الأحقاف.
[ ٥١٠ ]
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ١.
إن المسألة سهلة بسيطة إذا قيست بمقاييس السلطان الإلهي.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ ٢.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ ٣.
وفي الجانب الثالث: يبرز القرآن الكريم الغاية من البعث إنها إقامة العدل في دار الجزاء حيث توفي كل نفس ما كسبت.
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ ٤.
وحول هذه الحكمة تأتي نماذج من آيات الله البينات يقول الله تعالى:
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .
_________________
(١) ١ الآيتان ١٥، ١٦ من سورة ق. ٢ الآيتان ١٦، ١٧ من سورة فاطر. ٣ الآية رقم ٨٢ من سورة يس. ٤ الآيات من رقم ٦-١١ من القارعة. ٥ الآية رقم ٤ من سورة يونس.
[ ٥١١ ]
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ ١.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ ٢.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٣.
وفي الجانب الرابع يعرض القرآن الكريم دليلين:
دليلا من المشاهدة.
ودليلا من العقل.
أما دليل المشاهدة ففي قوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٨، ٣٩ من سورة النحل. ٢ الآيات من رقم ٣-٥ من سورة سبأ. ٣ الآية رقم ٣١ من سورة النجم. ٤ الآية رقم ٣٩ من سورة فصلت.
[ ٥١٢ ]
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ١.
فيجرهم القرآن الكريم إلى ملاحظة هذه العملية الدائمة المتكررة فيما حولهم من الأرض، فكذلك الخروج من القبور على هذه الوتيرة السهلة، فهم في ملكوت الله شيء من الأشياء التي ينزل عليها الماء فتحيا به، ويجف عنها فتموت تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.
وأما دليل العقل والفكر ففي آيات سورة يس:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وأعرج في استخلاص عقلياتها مما جاء في كتاب أستاذنا الإمام الدكتور عبد الحليم محمود:
١- وجود الشيء من جديد بعد كونه وتحلله السابقين ممكن بدليل
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٧-١١ من سورة ق.
[ ٥١٣ ]
مشاهدة وجوده بالفعل مرة، لا سيما أن جمع المتفرق أسهل من إيجاده وإبداعه عن عدم، وإن كان لا يوجد بالنسبة لله شيء هو أسهل وشيء أصعب، هذا الدليل موجود في قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة﴾ .
٢- ظهور الشيء من نقيضه كظهور النار من الشجر الأخضر ممكن وواقع تحت الحس وإذن يمكن أن تدب الحياة في الجسد المتحلل الهامد مرة أخرى وذلك على أساس المبدأ الأكبر، وهو أن الشيء يمكن أن يوجد من العدم المطلق بفعل المبدع الخالق، وهذا الدليل العقلي موجود في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ .
٣- خلق الإنسان أو أحياؤه بعد الموت أيسر من خلق العالم الأكبر بعد أن لم يكن وهذا الدليل موجود في قوله تعالى:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ .
٤- الخلق والفعل مطلقا مهما عظم المخلوق لا يحتاج من جانب الله المبدع لا إلى مادة ولا إلى زمان خلافا للفعل البشري الذي لا يتم إلا في زمان ويحتاج إلى مادة تكون موضوع الفعل وهذا الدليل موجود في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ التفكير الفلسفي في الإسلام مع تصرف ص٧٣، ٧٤.
[ ٥١٤ ]
والقرآن نفسه يشير إلى هذه الأدلة.
ففيما يتعلق بالدليل الأول يقول الله تعالى:
﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ١.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه﴾ ٢.
أما فيما يتعلق بالدليل الثاني يقول الله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ٣.
وفيما يتعلق بالدليل الثالث، يقول الله تعالى:
﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤.
وفيما يتعلق بالدليل الرابع يقول الله تعالى:
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّل﴾ ٥.
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٥١ من سورة الإسراء. ٢ من الآية رقم ١٠٤ من سورة الأنبياء. ٣ الآيات من رقم ٧٠-٧٣ من سورة الواقعة. ٤ الآية رقم ٥٧ من سورة غافر. ٥ من الآية رقم ١٥ من سورة ق. ٦ الآية رقم ٤٠ من سورة النحل.
[ ٥١٥ ]
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
وبذلك يثبت البعث ويستقر عقيدة راسخة في نفوس الصادقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.
ولكن القرآن الكريم لا يترك المسألة تمر دون أن يفضح بواعث هذا الإنكار إنهم ينكرون البعث مع وجود أدلة يشاهدونها بالعين، وينتفعون بها، ويمكن لعقلهم إذا شفى من دائه أن يتعلقها، ولكن العلة إنهم ألفوا ثقافة ودأبوا على تقاليد ربطوا عقولهم وأعناقهم في حبالها فحقت عليهم لعنة الله، إنهم يقولون مقالة السالفين من الكافرين من قوم نوح:
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ، إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ٢.
بمثل هذا المنطق الأعمى قال كفار مكة:
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٧ من سورة الروم. ٢ الآيات من رقم ٣٥-٣٧ من سورة المؤمنون. ٣ الآيتان ٣٢، ٨٣ من سورة المؤمنون.
[ ٥١٦ ]
فليس هناك باعث على الجحود والكفر وإنكار البعث إلا تلك المقالة القديمة التي رددها السالفون من المشركين وهم على آثارهم يهرعون أما يوم البعث فهو حق لا ريب فيه:
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ١.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٢.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٣.
ولله عاقبة الأمور.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٦، ١٧ من سورة غافر. ٢ الآيات من رقم ٦٨-٧٠ من سورة الزمر. ٣ الآيات من رقم ٦-٨ من سورة الزلزلة.
[ ٥١٧ ]
الفصل الثاني: في التشريع والأخلاق والجماعة الإسلامية
أولا: في التشريع والأخلاق
السلطة التشريعية
الفصل الثاني: في التشريع والأخلاق والجماعة الإسلامية
أولا: في التشريع والأخلاق:
من ثمار الشجرة الطيبة في العهد المكي بناء الأسس التشريعية والجماعة الإسلامية التي ستتحمل في المستقبل مسئولية بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ويمكن تركيز وحدات هذه الثمرات في:
أ- السلطة التشريعية.
ب- الأحكام الشرعية والأخلاق.
ج- بدء التدرج في أحكام تتعلق بنظام المجتمع الإسلامي مستقبلا.
أ- السلطة التشريعية:
أما فيما يتعلق بالوحدة الأولى فإن القرآن الكريم قد ألغى سلطة البشر في التحليل والتحريم وجعلها خالصة لله، وفوض رسوله الكريم في تبيان كتابه فانحصرت السلطة التشريعية في وحي الله وسنة رسوله -ﷺ- لا غير، يقول الله تعالى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ١.
كان الجاهليون من العرب يعترفون بوجود الله سبحانه ويقرون بأنه الخالق وأنه الرازق، ولكنهم كانوا يزاولون التحريم والتحليل
_________________
(١) ١ الآية رقم ٥٩ من سورة يونس.
[ ٥١٨ ]
لأنفسهم فيما رزقهم الله فواجههم القرآن الكريم بهذا التناقض، بين ما يعترفون به من وجود الله ومن أنه الخالق والرازق، وبين ما يزاولونه من ربوبية لغير الله تتمثل في التشريع الذي يزاوله نفر منهم، وكانوا يزعمون أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل إنما بإذن من الله لهم، فجاءت الآيات تقرعهم ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير: أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم الله بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها٢.
قال الطبري: فحللتم بعض ذلك لأنفسكم وحرمتم بعضه عليها وذلك كتحريمهم ما كانوا يحرمونه من حروثهم التي كانوا يجعلونها لأوثانهم كما وصفهم الله به فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾، ومن الأنعام ما كانوا يحرمونه بالتبحير والتسييب ونحو ذلك، يقول الله لنبيه محمد -ﷺ- قل "يا محمد" آلله أذن لكم، بأن تحرموا ما حرمتم منه أم على الله تفترون، أي تقولون الباطل وتكذبون؟ ٣
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج١١ ص١٧٧، ١٧٨، راجع القرطبي ص١٣٩٤. ط الشعب. وحول هذا راجع الموافقات للشاطبي ج٥٣١ ص راجع الرسالة المحمدية ص١٣٦. ٢ تفسير ابن كثير ج٣ ص٤٢١. ٣ تفسير الطبري ج١١ ص١٢٧، راجع الآلوسي ج١١ ص١٤٢ في ظلال القرآن ج١١ ص١٧٨، راجع تفسير القرطبي ط الشعب ص٢٥٢٦.
[ ٥١٩ ]
ومن هنا فقد تقرر منذ العهد المكي ألا سلطة لأحد من البشر في التحليل والتحريم، فإن الحاكمية والربوبية وهي مدار التحليل والتحريم صفات خاصة بالله جل شأنه، ومقصد الشرع من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبدا لله اضطرارا، أو بمعنى آخر حتى يسلم وجهه لله وهو محسن.
قال الشاطبي: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى فلا ثالث لهما وإذا كان كذلك فهما متضادان وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده، فاتباع الهوى مضاد للحق، فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى والدخول تحت التعبد للمولى١.
ولهذا جاءت آية سورة النحل قاطعة في هذا الباب: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ .
وترد آية سورة الشورى الأمر كله لله تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
_________________
(١) ١ راجع الموافقات للشاطبي ج٢ ص١٦٨.
[ ٥٢٠ ]
وإذا كانت السلطة التشريعية مردها إلى الله وحده فإن النبي -ﷺ- مفوض من قبل الله جل وعلا ليبين لهم الذي يختلفون فيه قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٤٤ من سورة النحل.
[ ٥٢١ ]
ب- الأحكام الشرعية والأخلاق:
وفي العهد المكي كانت هناك أحكام شرعية لها وزنها في تربية الجماعة الإسلامية، ولها ارتباطها بالعقيدة ولهذا امتازت الشريعة الإسلامية بقدرتها الدائمة على تنظيم المجتمع دائما في كل زمان.
لقد فرض الله الصلاة والصيام والزكاة، فرضها ليدخل العبد في العبودية محققا كلمتي الشهادة، أما تنظيم هذه الواجبات فله مناسبته حسب طبيعة التشريع الإسلامي القائم على التدرج والأخذ بالحسنى وتربية النفوس بالهوينى١.
وكان هناك محرمات: لقد حرم الله من المطعومات ما لم يذكر اسم الله عليه. وحرم قتل النفس، وأكل مال اليتيم والزنا وشهادة الزور؛ لأنه دور الحكم الشرعي هنا كان لتربية النفس، وبذل المجهود الكامل في امتثال حقوق الله ورعايته.
لقد كانت غاية الحكم الشرعي هنا أن يظهر السلوك الإسلامي بالمظهر الأخلاقي الرفيع ليبين للناس أن مستوى الإنسانية الفاضل
_________________
(١) ١ راجع حول هذا الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه ص١٩، ٢١.
[ ٥٢١ ]
إنما هو في التبعية لهذا الدين، وقد ظهر ذلك واضحا في حديث سيدنا جعفر بن أبي طالب مع النجاشي:
حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام١.
وآيات القرآن الكريم في العهد المكي تؤكد ذلك يقول الله تعالى:
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٣.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٣٦ الحلبية ج١ ص٣٧٨، ٣٧٩. ٢ الآية رقم ١١٨ من سورة الأنعام. ٣ الآية رقم ١٢١ من سورة الأنعام. ٤ من الآية رقم ١٤١ من سورة الأنعام.
[ ٥٢٢ ]
وروى الطبري عن العلماء في تفسيرها أقوالا تدور كلها حول "الصدقة الواجبة١.
وجاء في روح المعاني: لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة، وعن الشعبي أن هذا حق في المال سوى الزكاة٢.
ولكن سورة "المؤمنون" فيها حديث عن الزكاة. يقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون﴾ ٣.
وقد وضح ابن كثير معنى الزكاة في العهد المكي وتنظيمها في العهد المدني فقال:
الأكثرون على أن المراد ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة. قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٤. ا. هـ.
قال الشيخ الخضري: ومما فرض بمكة الزكاة، وقلما وجد من الأوامر المكية ذكر الصلاة إلا وبجانبه إيتاء الزكاة واستشهد بآية سورة الأنعام ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، ثم قال: إلا أن هذه الحقوق
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ج٨ ص٥٣ وما بعدها. ٢ روح المعاني ج٨ ص٣٨. ٣ الآية رقم ٤ من سورة "المؤمنون". ٤ تفسير ابن كثير ج٣ ص٢٣٨، ٢٣٩.
[ ٥٢٣ ]
الواجبة لم تفصل بمكة، فقد كان ذلك موكولا لما في النفوس من الجود وبحسب حاجة الناس١. ا. هـ.
وتلك هي السنة الطبيعية للتشريع الإسلامي حتى في عهده المدني:
﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
قال الطبري في تفسيرها: عن ابن طاوس عن أبيه كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء ويحرمون أشياء فقال الله لنبيه قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرما مما كنتم تستحلون إلا هذا٣.
قال الآلوسي: فيه إيذان بأن طريق التحريم ليس إلا التنصيص من الله تعالى دون التشهي والهوى٤. ا. هـ.
فدل ذلك على أن الحصر هنا مراد به مواجهة المشركين الذين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا. وحرموا وحللوا افتراء على الله وإلا فبقية الأحكام الملحقة بهذه الآية موكولة إلى السنة النبوية على نحو ما ذكر عن الإمام الشافعي ﵁ في كتاب الأم٥:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم الإسلامية ج١ ص٩٢. ٢ الآية رقم ١٤٥ من سورة الأنعام. ٣ تفسير الطبري ج٨ ص٦٩. ٤ روح المعاني ج٨ ص٤٣. ٥ راجع كتاب الأم ج٢ ص٢٤١.
[ ٥٢٤ ]
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
لقد حرم الله في هاتين الآيتين الشرك مطلقا: شرك العقيدة وشرك الربوبية، شرك الإيمان وشرك الحاكمية، فإن القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها التصور الإسلامي والإيمان السليم هي أن يعترف الناس بالألوهية والربوبية لله وحده، والربوبية: قوامة وتوجيه وتربية، والألوهية: خالقية وحاكمية، وواجب البشر أن يقرر ويستقر في قلبه أن الله وحده هو المتصرف، وإنه وحده هو المشرع وأنهم يجب عليهم أن يخضعوا لتشريعه في كل ما يأتون ويدعون٢.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٥١، ١٥٢ من سورة الأنعام. ٢ راجع الطبري ج٨ ص٨٢، ابن كثير ج٢ ص١٨٧، ١٨٨ المصطلحات الأربعة في القرآن ص٧٩، ٨٧، ٩٤، راجع القرطبي ط الشعب ص٢٥٧٣.
[ ٥٢٥ ]
إنها تنقية كاملة من أوشاب الشرك والخرافات، وتطهير من استعباد الحكم البشري وارتباط كامل بالله ﷿ في كل لمحة وحين.
وبالوالدين إحسانا:
تأتي رابطة الأسرة بعد رابطة العقيدة تأتي رابطة الأسرة في رحاب الإيمان بالله والخضوع لربوبيته جل شأنه فهو أرحم بالناس من الآباء بالأبناء، ويوصي القرآن في العهد المكي برعاية الأسرة والأبناء، وينهي عن قتل الأبناء لخشية الفقر أو لوجوده فالمتكفل بالرزق هو الله، إن القرآن يريد أن يخلع من قلب البشر اتكالهم على التصور الأرضي في مفهوم الحياة، إن الحياة كلها تسير في ظل ربوبية الله، فلا ينبغي أن يتصرف الفرد من عند نفسه لشهوة أو فكرة أو ذكاء، فهو مأمور أن يخضع للسلطان الإلهي، وتأتي آيات جمة في هذا الموضوع:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ١.
﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآيتان ٢٣، ٢٤ من سورة الإسراء. ٢ الآية رقم ٨ من سورة العنكبوت.
[ ٥٢٦ ]
﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١.
﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
وفي مواجهة قتل الأبناء للإملاق والفقر يقول الله تعالى:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٣.
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ٤.
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٤، ١٥ من سورة لقمان. ٢ الآية رقم ١٥ من سورة الأحقاف. ٣ الآية رقم ١٤٠ من سورة الأنعام. ٤ الآية رقم ٣١ من سورة الإسراء. ٥ الآيتان ٨، ٩ من سورة التكوير.
[ ٥٢٧ ]
وحرم الله الزنا والفواحش كلها:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال الطبري في تفسيرها عن السدي، أما ما ظهر منها فزواني الحوانيت، وأما ما بطن فما خفي.
وعن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسا في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية١، وإلى مثل هذا ذهب الآلوسي.
وفي القرآن المكي آيات مستفيضة في بيان حرمة الزنا، منها قال الله تعالى:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٣.
﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ٤.
تحريم القتل:
﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
هذه هي الجريمة الثالثة٥ يحرمها الإسلام منذ العهد المكي لقد حرم جريمة الشرك ففيه قتل للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
_________________
(١) ١ راجع تفسير الطبري ج٨ ص٨٣ روح المعاني ج٨ ص٥٤. ٢ الآية رقم ٣٢ من سورة الإسراء. ٣ الآية رقم ٧ من سورة "المؤمنون". ٤ من الآية رقم ٦٨ من سورة الفرقان. ٥ المراد بالعدد هنا الترتيب في آية سورة الأنعام ١٥١ التي صدر بها هذا الحديث.
[ ٥٢٨ ]
وحرم جريمة الزنا وهي قتل للجماعة الإنسانية، ثم حرم الجريمة الثالثة وهي قتل الفرد.
ومعنى هذا أن الإسلام منذ فجره يحمي الإنسان من الاعتداء عليه في فطرته وأسرته وذاته حتى يضمن الطمأنينة والانطلاق الحيوي للإنسان في ظلال ربه وكنف دستوره لا يؤذى بشيء إلا حين يتعدى هذه الحدود التي شرعها الله له، فليس على الإنسان في الأرض وصاية إلا من عند الله وليس للإنسان أن يطيع أحدا إلا في الله ودمه محترم وتصرفاته مكفول لها التحرك ما دامت في حوزة الربوبية لله رب العالمين.
وتأتي آيات في السور المكية تقوي هذا الحكم "تحريم قتل النفس دون حد شرعي" يقول الله تعالى:
﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ١.
﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٢.
وبهذا فقد سبق الإسلام -لأنه وحي الله- جميع القوانين البشرية في تقرير حق الإنسان في الحياة وتأكيد كرامة الجنس البشري وارتفاع مكانته على سائر المخلوفات:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٢ من سورة الإسراء. ٢ من الآية رقم ٦٨ من سورة الفرقان. ٣ الآية رقم ٧٠ من سورة الإسراء.
[ ٥٢٩ ]
في شئون المال:
﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
ما أظن أن الجماعة الإسلامية في مكة كانت قد بلغت حدا من التجمع يمكنها من تنظيم مجتمع له سيادة وحرية كاملة في إدارة شئونه، ومع هذا فإن رعاية اليتامى والحرص على تنمية أموالهم ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ كانت من الأحكام التي شرعها الإسلام في مكة وهي هي بمستواها المكي توجد في العهد المدني. يقول الله تعالى:
﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ ١.
وإذن فلا غرو أن قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم.
وفي هذا الجو من رعاية أموال اليتامى يقرر العهد المكي مبدأ أساسيا في سياسية الإنفاق وهو مبدأ "الوسط في النفقة" أو الاعتدال في تصريف الأموال أو الاقتصاد وعدم التبذير، وبذلك يحفظ الإسلام الجماعة الإسلامية من هزة اقتصادية سواء كان ذلك في عهد الرخاء والسراء أو في عهد الحاجة والضراء.
وتسبق الدعوة الإسلامية بهذا المبدأ جميع أنظمة الاقتصاد إذ حجم الإنفاق له دخل في المشكلة الاقتصادية، ولقد شاء الله تعالى أن يعلم المسلمين منذ اللحظة الأولى أن التوسط في النفقة يحمى المجتمع
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٤ من سورة الإسراء.
[ ٥٣٠ ]
الإسلامي من الضيق الاقتصادي يقول الله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ١.
﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ٢.
ولهذا جعل القرآن الكريم في العهد المكي هذا المبدأ من سمات المؤمنين يقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٣.
وقد وضح القرآن في العهد المكي أن توزيع الأرزاق، ونسب الثراء موكل إلى الله جل شأنه وحده. يقول الله تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ٥.
وتلك الحقيقة غابت عن أعين الاقتصاديين في العصر الحديث فباتوا يتخبطون في تخير مذهب لتوزيع الثروات، ولن يفلحوا أبدا.
_________________
(١) ١ من الآيتين ٢٦، ٢٧ من سورة الإسراء. ٢ الآية رقم ٢٩ من سورة الإسراء. ٣ الآية رقم ٦٦ من سورة الفرقان. ٤ الآية رقم ١٢ من سورة الشورى. ٥ الآية رقم ١٩ من سورة الشورى.
[ ٥٣١ ]
ثم أكد لهم أن سيادة الأمة الإسلامية هي جزء من النشاط الإسلامي في تملكهم واستخدامهم خيرات هذه الأرض التي سخرها الله تعالى لهم. يقول الله تعالى:
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٣.
فدلت رسالة الإسلام بهذه الثمار اليانعة في العهد المكي -عهد التدريب والتربية والإعداد- على أن موقف الجماعة الإسلامية هو موقف السيد الجليل على هذا الكون الذي سخر له.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٣، ١٤ من سورة النحل. ٢ الآية رقم ١٢ من سورة فاطر. ٣ الآية رقم ١٥ من سورة الملك. ٤ راجع الرسالة المحمدية ص١٣٤، ١٣٥، الآية رقم ١٢ من سورة النحل.
[ ٥٣٢ ]
الوفاء والعدل والإحسان:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
لقد كان الوفاء في الكيل والميزان بالقسط من أهم الأحكام الشرعية والأخلاقية التي قررها العهد المكي. يقول الله تعالى:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٢.
وقد استفاضت السور المكية في شرح هذه الخلفية على لسان الأنبياء السابقين، ففي سورة الأعراف قال شعيب لقومه من مدين:
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
وقال لهم في سورة هود:
﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٥٢ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٣٥ سورة الإسراء. ٣ من الآية رقم ٨٥ من سورة الأعراف. ٤ الآيات من رقم ٨٤-٨٦ من سورة هود.
[ ٥٣٣ ]
وقال لهم في سورة الشعراء:
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .
وقد هدد الله المطففين وتوعدهم فقال جل شأنه:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وإذا قلتم فاعدلوا:
لقد جعل الإسلام منذ العهد المكي العدل أساسا للعلاقات والتعامل بين المسلمين وقد حرم شهادة الزور وبرأ منها الأخلاق الإسلامية يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ٢.
إن العدل يكفل لكل فرد وكل جماعة قاعدة التعامل القائمة على الاستقرار والثقة البريئة من الميل مع الهوى، ولا تتأثر بالحب والبغض ولا تتبدل لعلاقة النسب والمصاهرة والغنى والفقر والضعف والقوة، إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع وتزن بميزان واحد للجميع، لهذا جاءت الآيات المكية تقرر العدل قاعدة للعلاقات الإسلامية. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أول سورة المطففين. ٢ الآية رقم ٧٢ من سورة الفرقان. ٣ الآية رقم ٩٠ من سورة النحل.
[ ٥٣٤ ]
وهذا العدل الذي يدعو إليه القرآن في العهد المكي متفق مع عالمية الإسلام نفسه، فقد جاء القرآن الكريم لينشئ أمة وسطا وقيما ربانية وموازين ثابتة للإنسانية كلها "إنسانية واحدة" بعيدا عن التعصب لقبيلة أو أمة أو جنس، إنما هي آصرة واحدة ورابطة فريدة، "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، يجتمع عليها الأسود والأبيض والأحمر والأصفر من أجل تحقيق العبودية الكاملة نحو الله رب العالمين١.
ومن ثم كان الأمر بالعدل هو الأساس الذي ضمن به الإسلام منذ العهد المكي سلامة الآصرة التي تحقق للناس جميعا انتظام العلاقات على أساس متين ﴿وِإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ .
ويهتم الإسلام بالإحسان ففيه تلطيف من صرامة العدل الجازم ما لم تنتهك محارم الله، وهو باب مفتوح لقاعدة الإيثار والود ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، ففي الإحسان مجال للتسامح في بعض الحقوق وتشريع لمستوى خاص من الأخلاق للذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو تشريع لمن شاء أن يأخذ بالرحمة، وهو أسلوب في التعايش والأخذ والعطاء، وتبادل المنافع والحقوق والواجبات، ثم هو عنصر التكافل الاجتماعي وآصرة إيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي.
وقد كان الوفاء بالعهد منذ العهد المكي قبل أن تولد الدولة الإسلامية وتعقد مع جيرانها معاهدات والتزامات، كان خلقية يُسأل
_________________
(١) ١ هذا الدين ص٧٦، ٧٨.
[ ٥٣٥ ]
عنها الفرد المسلم وقد عُني به القرآن الكريم أيما عناية يقول الله تعالى:
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ ٣.
ويجعل العهد صفة من صفات المفلحين:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون﴾ ٤.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون﴾ ٥.
لقد تشادّ الإسلام في مسألة الوفاء بالعهود منذ العهد المكي، فلم يتسامح فيه أبدا، لأن الوفاء بالعهد قاعدة الثقة التي ينفرط بدونها عقد الجماعة وينهدم صرحها.
وبذلك فقد ضمن القرآن المكي للجماعة الإسلامية أسس الحياة الصحيحة، وكانت ثمار العهد المكي سواء كانت قواعد كلية كما يقول الكاتبون٦ في تاريخ التشريع، أو كانت أحكاما تنظر تدرجها على سنة
_________________
(١) ١ الآية رقم ٩١ من سورة النحل. ٢ الآية رقم ٩٥ من سورة النحل. ٣ من الآية رقم ٣٤ من سورة الإسراء. ٤ الآية رقم ٨ من سورة "المؤمنون". ٥ الآية رقم ٣٢ من سورة المعارج. ٦ الموافقات للشاطبي ج٤ ص٢٣٦ تاريخ التشريع الإسلامي للسايس ج٣٠، ٣١ تاريخ التشريع الإسلامي الخضري ص١٤، ١٥، تاريخ الأمم الإسلامية ج١ ص٨٥، ٩٢.
[ ٥٣٦ ]
المنهاج القرآني فقد كانت ثمارا مرتبطة بالعقيدة كدستور للتعاشر الإنساني كله في كل زمان ومكان.
ولم تنتقل الدعوة من مكة إلا وقد زرعت في أرض خصبة مجموعة المبادئ الإسلامية التي تشكل القانون الإلهي للإنسان حيث يكون.
المسئولية والتوبة:
كان العهد المكي عهد بناء للتصور الإسلامي الذي يحدد أبعاد المعركة التي يخوضها المسلم ليحقق عبوديته لله جل شأنه، ومع أن نظام الدولة بعد لم يكتمل له مقومه من مجتمع وحكومة وأرض يقوم عليها المجتمع وحكومته لرعاية هذا النظام الرباني، فإن الدعوة الإسلامية في مكة كانت تعلم المسلمين أبعاد المسئولية، وتدربهم على العودة إلى الله دائما في كل وقت وحين، فكانت آيات القرآن المكي دروسا مفيدة في تربية الجماعة الإسلامية على تحمل المسئولية، وهي عنصر أساسي، للجهاد في سبيل الله الذي بدأ بإعلان الصبر، وتحمل المشاق في مواجهة غضبة كاذبة محمومة من المعتدين الجاهلين.
في المسئولية:
وحول المسئولية يقول الله تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٦٤ من سورة الأنعام.
[ ٥٣٧ ]
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ١.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢.
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٣.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٤.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٥.
ولئن كانت هذه الآيات تصور المسئولية في الدنيا والآخرة، فإن القرآن يقرر أن مبدأ هذه المسئولية، هو مبدأ ديني منذ بعث الله للناس رسلا يهدونهم إلى الصراط المستقيم. يقول الله تعالى:
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٥ من سورة الإسراء. ٢ من الآية رقم ١٥ من سورة الإسراء. ٣ الآية رقم ٣٦ من سورة الإسراء. ٤ الآية رقم ٧ من سورة الزمر. ٥ الآية رقم ١٨ من سورة فاطر. ٦ الآيات من رقم ٣٦-٤١ من سورة النجم.
[ ٥٣٨ ]
فهو دين موصول أوله بآخره، ثابتة أصوله وقواعده، يصدق بعضه بعضا على توالي الرسالات والرسل وتباعد المكان والزمان، فهو في صحف موسى، وهو في ملة إبراهيم قبل موسى، هو هو لا تحمل نفس حمل أخرى لا تخفيفا ولا تثقيلا، ولا تملك نفس أن تتطوع، فتحمل عن غيرها شيئا من أثقالها:
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ، يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ١.
فلا مفر فإنما هو الحساب والجزاء والتذكير لمن ينسى، سوف يذكر بما قدم وأخر، وسوف لا يقبل منه اعتذار فقد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، فعلى كل فرد أن يهدي نفسه إلى الخير ويقودها إلى النجاة.
التوبة:
ومع هذه الصرامة في إدراك مدى المسئولية في الدنيا والآخرة، فإن الله وهو البر الرحيم يفتح أبواب التوبة لمن أناب إليه إن عائدا من ذنب أو راغبا في تقرب. يقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١١-١٥ من سورة القيامة. ٢ الآية رقم ٥٤ من سورة الأنعام.
[ ٥٣٩ ]
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ٢.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ٤.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ٥.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ٦.
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٥٣ من سورة الأعراف. ٢ الآية رقم ٣ من سورة هود. ٣ الآية رقم ١٦٩ من سورة النحل. ٤ الآية رقم ٦٠ من سورة مريم. ٥ الآية رقم ٦٠ من طه. ٦ الآيتان ٧٠، ٧١ من سورة الفرقان. ٧ الآية رقم ٦٧ من سورة القصص.
[ ٥٤٠ ]
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١.
وتقرر الآيات في سورة هود أن التوبة مبدأ ديني رحم الله به عباده وبلغته رسله وأنبياؤه إلى الناس. يقول الله تعالى:
﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٢.
هكذا قال هود لقومه عاد.
وقال صالح لقومه ثمود:
﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ٣.
وقال شعيب لقومه مدين:
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٤.
هذه التوبة من الذنوب قررها الوحي كمبدأ، وبلغها الأنبياء كما قررت ذلك آيات سورة هود، وكان سيدنا نوح قد علم قومه ذلك من قبل. يقول الله تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٥ من سورة الشعراء. ٢ الآية رقم ٥٢ من سورة هود. ٣ من الآية رقم ٦١ من سورة هود. ٤ الآية رقم ٩٠ من سورة هود. ٥ الآيات من رقم ١٠-١٢ من سورة نوح.
[ ٥٤١ ]
ومع هذا فإن التوبة ليست من الذنب فقط، فقد تكون طاعة لله وتعبدا لجلاله، توحي بذلك الآية الكريمة في سورة المزمل:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ١.
فالتوبة هنا لمسة التخفيف الندية تمسح على التعب والمشقة بالحنان والرأفة، وهي دعوة التيسير الإلهي على النبي الكريم -ﷺ- وعلى المؤمنين معه وقد علم الله منهم خلوصهم لطاعته، فهي توبة لا عن ذنب بل عن طاعة، صبروا عليها حتى انتفخت أقدامهم من القيام الطويل بالليل، فعطف ربهم عليهم وخفف عنهم وهو وحده الذي يقدر الليل والنهار، فيطيل ويقصر في أحدهما، والمؤمنون مع هذا ماضون على ما هم عليه من قيام الليل: نصفه أو ثلثه، وربهم لا يريد بهم العنت ولا المشقة٢، فتاب عليهم بعد أن تزودوا بالطاعة، وتدربوا على المشقة في عبادته، مع الحب فيها والرغبة إلى التقرب من جلاله، فكانت التوبة هنا في هذا الفجر الصادق من العام الأول لحياة الدعوة إيحاء بأن التوبة طاعة ورحمة وحنان وأنس من الله لبعض أوليائه المخلصين في طاعته، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٢٠ من سورة المزمل. ٢ راجع في ظلال القرآن ج٢٩ ص١٧٧، ١٦٨.
[ ٥٤٢ ]
هكذا يقدم العهد المكي مجموعة من المبادئ والنظم والأحكام والأخلاق التي تهيئ الجماعة الإسلامية لحمل رسالة الله، وقد قدمت بسلوكها دليلا عمليا في الفكر والتطبيق على أن دين الله هو قانونه الذي ارتضاه للبشر؛ ليؤدوا رسالتهم نحو ربهم كما تؤدي وحدات الكون كله رسالتها حسبما شرع الله لها من قوانين.
وموجز ما أثمرت الدعوة الإسلامية في مكة من غايات على غرار ما سلف بيانه:
أولا: حصر السلطة التشريعية في الوحي وتفويض رسول الله -ﷺ- في تبيين ما نزل إلى الناس.
وهذا يستدعي إلغاء سلطة البشر في التحليل والتحريم، ورفض كل دعوى يدعيها البشر أنهم حللوا أو حرموا بإذن من الله افتراء عليه.
ثانيا: أن العهد المكي امتاز بمجموعة من الأحكام بعضها له صفة الحكم الشرعي الثابت كتحريم ما ذبح على النصب ما لم يذكر اسم الله عليه.
وبعضها احتاج إلى تفصيل أو اكتمال بعض أجزائه حسب نمو الجماعة الإسلامية مثل الصلاة والزكاة والصوم، فهي أحكام شرعية واجب على المكلف أن يفعلها غير أن عدد الصلاة في اليوم والليلة وعدد ركعات كل صلاة يحتاج إلى تفصيل يأتي فيما بعد، والزكاة والصوم كذلك هي أحكام واجبة، غير أن أنواع الزكاة ومقدارها وأيام الصوم الواجبة لما تحدد بعد، وتلك سنة الله في تربية الجماعة الإسلامية وبنائها وإعدادها.
[ ٥٤٣ ]
كذلك حرم الزنا ما ظهر منه وما بطن، أما الآثار المترتبة عليه مما يحتاج إلى سلطة حكومية لم توجد بعد في فترة العهد المكي فقد انتظرت مناسبتها هناك في المدينة المنورة أما الحكم فهو هو الزنا حرام البتة.
وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق حكم شرعي ثابت مستقر، وبقي ما يستتبعه هذا التشريع من آثار عندما يوجد المجتمع الذي يحتاج إلى ما يستتبعه هذا الحكم من تفصيل أو عقوبات.
وحرم الله مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وهو نفس الحكم الذي فصلته سورة النساء، فالحكم بحرمة التصرف في أموال اليتامى بغير حق ثبات والتصرف فيها بالحق قررته سورة النساء.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ١.
وهذا شرح وتفصيل لقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ .
فالتصرف بالتي هي أحسن مأذون فيه وذلك ما وضحته سورة النساء. و﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ تبيان للمرحلة التي لا ينبغي أن يسلط الولي يده في التصرف في أموال اليتامى، وذلك ما قررته الآيات في العهد المكي.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦ من سورة النساء.
[ ٥٤٤ ]
والوفاءُ بالعهد. وإقامة العدل أحكام قررها الإسلام في العهد المكي واستقرت على ما هي عليه في العهد المدني.
وكذلك رعاية الأسرة والأبناء له مثل هذا المستوى والتفصيل في سورة النور الذي يتعلق بالعورة، ومخالطة الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بالوالدين إلخ، إنما استلزمته الحياة الإسلامية في المدينة حيث استقرت الأسرة الإسلامية في كنف الدولة الإسلامية التي قامت واستقرت بعد فتح مكة حيث زال الشرك نهائيا، ولم يبق إلا تأمين الحدود على الدولة الشابة ثم الانطلاق لتبليغ الرسالة إلى الأمم المجاورة.
والمسئولية التي قررها العهد المكي هي هي كما جاءت في العهد المدني وكذلك التوبة بجانبيها: توبة من الذنب، وتوبة للطاعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ ١.
قال الإمام الشاطبي:
المشروعات المكية وهي الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة غير مقيدة وجارية على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول، وعلى ما تحكمه قضايا مكارم الأخلاق من التلبس من كل ما هو معروف عن كل ما هو منكر في محاسن العادات فيما سوى ما العقل معزول عن تقريره جملة من حدود الصلاة وما أشبهها، فكان أكثر ذلك موكولا إلى أنظار المكلفين في تلك العبادات ومصروفا إلى اجتهادهم
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٢ من سورة البقرة.
[ ٥٤٥ ]
ليأخذ كل بما لاق به وما قدر عليه من تلك المحاسن الكليات، وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها للواحد المعبود من إقامة الصلوات فرضها ونفلها حسبما بينه الكتاب والسنة، وإنفاق الأموال في إعانة المحتاجين ومواساة الفقراء والمساكين من غير تقدير مقرر في الشريعة، وصلة الأرحام قربت أو بعدت على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب ومراعاة حقوق الجوار، وحقوق الملة الجامعة بين الأقارب والأجانب، وإصلاح ذات البين بالنسبة إلى جميع الخلق، والدفع بالتي هي أحسن، وما أشبه ذلك من المشروعات التي لم ينص على تقييدها بعد، وكذلك الأمر فيما نهى عنه من المنكرات والفواحش على مراتبها في القبح، فإنهم كانوا مثابرين على مجانبتها مثابرتهم على التلبس بالمحاسن، فكان المسلمون في تلك الأحيان آخذين فيها بأقصى مجهودهم وعاملين على مقتضاها بغاية موجودهم، وهكذا بعدما هاجر رسول الله -ﷺ- إلى المدينة.
إلا أن خطة الإسلام اتسعت ودخل الناس في دين الله أفواجا ربما وقعت بينهم مشاحنات في المعاملات ومطالبات بأقصى ما يحق لهم في مقطع الحق، أو عرضت لهم خصوصيات ضرورات تقتضي أحكاما خاصة أو بدت من بعضهم فلتات في مخالفة المشروعات وارتكاب الممنوعات، فاحتاجوا عند ذلك إلى حدود تقتضيها العوارض الطارئة، ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات، وتقييدات تفصل لهم بين الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات، إذا كان أكثرها جزئيات "يعني إضافية" لا تستقل بإدراكها العقول السليمة فضلا عن غيرها
[ ٥٤٦ ]
فأنزل الله تعالى ما بين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان تارة بالقرآن وتارة بالسنة، فتفصلت تلك المجملات المكية، وتبينت تلك المحتملات وقيدت تلك المطلقات، ليكون ذلك الباقي المحكم قانونا مطردا واصلا مستنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليكون ذلك تماما لتلك الكليات المقدمة، وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلا من الله ونعمة، فالأصول الأولى باقية لم تتبدل ولم تنسخ لأنها في عامة الأمور كليات ضروريات، وما لحق بها وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات، وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية مبينة على الاتصاف من النفس، وبذل الجهد في الامتثال بالنسبة إلى حق الله أو حقوق الآدميين، وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات والرخص والتخفيفات، وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات، فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة، وما أشبه ذلك مع بقاء الكليات المكية على حالها، ولذلك يؤتى بها في السور المدنية تقريرا وتأكيدا، فكملت جملة الشريعة والحمد لله بالأمرين، وتمت واسطتها بالطرفين١.
هكذا يقرر الشاطبي أن الأحكام في مكة كانت كلية؛ فالصلاة حكم شرعي كلي، والصوم حكم شرعي كلي، والزكاة حكم شرعي كلي، بمعنى أنه يحتاج في المستقبل إلى تفصيل غير أنه يؤخذ على تعبيرات الشاطبي أنه ذكر أن تنفيذ هذه الأحكام كان موكولا إلى اجتهادهم
_________________
(١) ١ الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي ج٤ ص٢٣٣، ٢٣٧.
[ ٥٤٧ ]
وهذا لا يتفق مع غاية التشريع في العهد المكي الذي رفض أن يكون للبشر سلطة تشريعية، والأليق أنه كان يقول: ومصروف ذلك إلى طاقتهم ليأخذ كل بما لاق به، إذ إن هذه الطاقة التي تربى عليها سيدنا أبو بكر وعمر وعثمان قد دربتهم على التبرع السخي في سبيل الله حتى بعد فرض الزكاة، فسيدنا أبو بكر ﵁ تبرع بكل ماله في غزوة العسرة، وعمر تبرع بنصف ماله، وعثمان جهز ثلث الجيش١، فغاية العهد المكي من تشريع الزكاة هي تدريب الطاقة المؤمنة في نفس الفرد المسلم على مثل هذا التصرف عندما تحل الدولة المسلمة أزمة يجد المسلم طاقته فوق تنفيذ الحكم الشرعي الذي لا يسعفه الدولة أو المجتمع في ظروف الحرج والضيق والشدة.
كذلك فإني لا أوافق على تعبير الإمام الشاطبي: "على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب إذ ليس للعقل في مجال الشرع استحسان أو استقباح، وإنما مجاله التنفيذ والخضوع".
وهذا هو مراد الإمام الشاطبي: إن الأحكام التي شرعت مطلقة في العهد المكي وترك تنفيذها لدى الجهد للفرد المسلم، وخضوع عقله للنص الشرعي، وهذا ما شرحه بعد إذ يقول:
"وإذا نظرت إلى أوصاف النبي -ﷺ- وأفعاله تبين لك فرق القسمين وبين ما بين المنزلتين، وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة وانصافهم بمقتضى تلك الأصول وعلى هذا القسم
_________________
(١) ١ محمد رسول الله -ﷺ- "رضا" ص٣٣٦، ٣٣٧ راجع عبارة الدر ص٢٥٣، راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير ج٢ ص٢٧٧.
[ ٥٤٨ ]
عول من شهر من أهل التصوف، وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول وأصحابه، وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات، والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات فأجروها. بالأصول الأولى على حسب ما استطاعوا وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك فعاملوا ربهم في الجميع ولا يقدر على ذلك إلا الموفق الفذ"١.
ويمضي الإمام الشاطبي في بيان استمساك الصحابة بتنفيذ هذه المبادئ الكلية كأحكام شرعية مقررة، فيقول:
"كان المسلمون قبل الهجرة آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أداهم إليه احتياطهم، فسبقوا غاية السبق حتى سمعوا السابقين بإطلاق، ثم لما هاجروا إلى المدينة، لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم الكليات، ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما منعوا به من الأخذ بحظوظهم، وهم منها في سعة ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فعلى تقرير هذا الأصل من أخذ بالأصل الأول واستقام فيه كما استقاموا فطوبى له، ومن أخذ بالأصل الثاني فبها ونعمت، وعلى الأول جرى الصوفية الأول، وعلى الثاني جرى من عداهم، ومن هنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نحلتهم المعروفة.
فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهم شرعا، فيظن الظان أنهم شادّوا على أنفسهم
_________________
(١) ١ الموافقات ج٤ ص٣٣٨.
[ ٥٤٩ ]
وتكلفوا ما لم يكلفوا ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة، وحاشا لله ما كانوا ليفعلوا ذلك، وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة، وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة، لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام، ونصوص التنزيل المكي الذي لم ينسخ، وتنزيل أعمالهم عليه تبين لك أن تلك الطريق هي التي سلك هؤلاء، وباتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر، فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال: أما على مذهبنا فالكل لله وأما على مذهبكم فخمسة دراهم، وما أشبه ذلك علمت أن هذا يستمد مما تقدم، فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله، ولم يبين فيه الواجب من غيره١.
أقول على هامش الموضوع: ومن هنا كانت دعوة أبي ذر الغفاري ﵁، ومن هنا تأثر أبو ذر بالعهد المكي، فقال بوجوب إنفاق الفائض في سبيل الله، وليس دون ذلك مؤثر أو دافع له على دعوته.
هكذا شاء الله جل شأنه أن تكون أغلب الأحكام الشرعية في هذا الطور المكي كلية عامة لتربي الجماعة الإسلامية على أبعد مدى يفهم من الحكم الكلي، ولتدخر هذه الطاقة التي دربوا عليها لمستقبل الأمة يوم نحتاج إلى ذلك.
وبهذا يسبق الإسلام جميع نظريات علم الاجتماع، والقانون البشري التي تتحدث عن السلطة في المجتمع، فلم يشاء الله تعالى أن ينزل التشريع الإسلامي مفصلا، ليختزنه المسلمون حتى يطبق مرة واحدة بمجرد النقلة
_________________
(١) ١ الموافقات ج٤ ص٢٣٩، ٢٤٠.
[ ٥٥٠ ]
إلى المدينة وقيام الدولة الإسلامية في طابة فإن هذا المسلك ليس منهاجا للقرآن ولا للإسلام، فإن الإسلام لا يفترض المشكلات افتراضا، ثم يقدم لها الحلول.
ولكنه يواجه الواقع حيث يكون، ويهذب الأمة في المجتمع حين يوجد المجتمع، ويتكون من اللبنات الصالحة التي يربيها على الأكمل والأمثل من الخلق والفهم والإدراك والعقيدة الصافية، وبناء المجتمع الإسلامي لا يقوم بصيحة أو بتكوين سياسي إنما يقوم صرحه على العقيدة والأخلاق، فمتى استقرت لا إله إلا الله محمد رسول الله في الأعماق الغائرة استقر بها في نفس المؤمن النظام الذي تتمثل فيه هذه العقيدة، وتغذيه بنظامها الذي ترتضيه النفوس وتستسلم له حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلات هذا النظام، فالمطلوب أولا هو الاستسلام لله، وبمقتضى هذا الاستسلام بالرضى والقبول والانشراح لا تجد صدور المسلمين حرجا فيما فرض لله عليهم بعد ذلك، ولا تتلكأ الجماعة الإسلامية في تنفيذ ما حلل لها أو حرم عليها فيما بعد.
وهكذا نجح الإسلام في العهد المكي بخلق هذا الاستسلام يغرس لا إله إلا الله محمد رسول الله كأساس للحياة يتقبل معه المسلمون كل ما يشرعه الله من حلال أو حرام.
وهكذا كان هذا العهد المكي عاملا مساعدا في بناء المجتمع الإسلامي فيما بعد بالمدينة، ونجاحه في إلغاء الخمر والربا والميسر والرق والتقاليد الجاهلية كلها، دون مضاعفات تهز المجتمع أو ثورات تشوشر على التشريع أو تكره الناس في القانون نفسه.
[ ٥٥١ ]
لقد نجح الإسلام في المدينة في محاربة هذه الأمراض دون كثير من الجهد والسلطة والإعلام كما تفعل الحكومات الأرضية الحديثة؛ ذلك لأن ثلاثة عشر عاما كانت تجاهد فيها الدعوة الإسلامية لخلق إيمان في صدور الجماعة الإسلامية يملك على المسلمين كل شيء في صدورهم وجوارحهم ويستسلمون لله رب العاملين، وهم راغبون إلى الله مؤتنسون برضوانه، وقد تدربوا على سمو كامل من الخلق والأحكام التي تقبلوها بكلياتها فربت فيهم الطاعة إلى غير ما حدٍّ، ما دام ذلك يرضي الله ورسوله وجماعة المسلمين.
ومن هنا فإن الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ينبغي أن ترجع إلى هذا المنهج حيث تعمل على إيجاد "لا إله إلا الله" في الصدور كنور يجذب الوجدان والأعضاء إلى خضوع كامل للسلطان الإلهي، ورغبة جياشة في الخضوع لتشريع الله وحده، وإنكار كل سلطان بشري ونظام أرضي يريد أن يفتن الناس عن هذا الصراط المستقيم.
إن القلوب يجب أن تخلص لله أولا وتعلن عبوديتها لجلاله وحده، وتقبل عن حب ورغبة في قبولها شرعه على ما يريده ويشاؤه وترفض أي شرع آخر غيره من ناحية المبدأ والموضوع والغاية، فإذا ما اكتمل لهذا التصور أبعاده في القلب والسلوك قامت الجماعة الإسلامية١ التي تخاطب بتفصيلات ذلك الشرع لتنفذه برغبتها المنبثقة من إخلاصها في العبودية لله وحده، والتحرر من ربقة السلطان البشري، وذلك ما ينبغي أن تتوجه إليه الدعوة الإسلامية في العصر الحديث لا سيما في
_________________
(١) ١ راجع حول هذا في ظلال القرآن ج٧ ص٨٥-٩٠.
[ ٥٥٢ ]
جنوب شرقي آسيا حيث توجد مع النعرة الإسلامية الدائبة في الصباح جحافل الأصنام التي تعبد من دون الله، دون أن تسمع صيحة واحدة "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، وكسروا الأصنام واعبدوا الله ربكم وحده لا شريك له.
إنها صيحات خرساء مشوبة بعواطف ممزوجة بكثير من الطيش، "نريد دولة إسلامية" والأكثرية هنا بوذية رسمية يحميها القانون والمجتمع الذي يعبدها من دون الله.
ما أحوج الأمة الإسلامية إلى العودة إلى هذا المنهاج حتى تستعيد من جديد ذاتيتها: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ١ "،
وليت شعري لو أنصف المتحمسون للدعوة الإسلامية هنا في جنوب شرقي آسيا، فأخذوا أنفسهم بعهد مكة الجليل فكسروا الأصنام، وربوا جماعة الإيثار، واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم وصبروا حتى تعلو كلمة الله، وتنظف الشوارع والحدائق والبساتين والحقول من قصور الأصنام، ويسمع الوجود كله نداء خاشعا تستجيب له القلوب والعقول.
إنه لا إله إلا أنا فاعبدون، فذلك أنقع للإسلام من الخبط السياسي المشبوه.
_________________
(١) ١ رواه الشيخان. راجع اللؤلؤ والمرجان ج١ ص٥ كتاب الإيمان.
[ ٥٥٣ ]
بدء التدرج في الأحكام:
جـ- بدء التدرج في أحكام تتعلق بنظام المجتمع الإسلامي مستقبلا:
على طبيعة المنهاج القرآني في التربية والبناء حيث يأخذ النفوس
بالهوينى، ويربت عليها بالحنان، ويقودها إلى السعادة في رفق يخطو بها واحدة واحدة، ويسير معها رويدا رويدا لا يفاجئها ولا يكرهها، ولكنه يمهد ويقدم ويخطو، ثم يعلو بها قليلا قليلا حتى تكتمل الدوحة، ويزهر البستان، وينتج الثمر المبارك، وتؤتي الحديقة أكلها بإذن ربها، تلك هي طبيعة المنهاج القرآني في البناء والتأسيس وتبليغ الدعوة وبناء الجماعة، وقد شاء الله تعالى أن يمهد للتشريع منذ العهد المكي، يمهد للتشريع الذي يعالج قضايا المجتمع فإن معنى الدخول في الإسلام هو قبول التقاليد والعادات الإسلامية التي سيبدل الله بها تقاليد وعادات الصناعة البشرية التي قامت على تصورات ليس لله فيها نصيب.
والدخول في الإسلام هو دخول في نظامه ورضا بكل ما جاء به، وقبول لكل ما ينهى عنه وفي المستقبل سوف يقوم مجتمع رباني تبنى لبناته في مكة، وسوف يحتاج هذا المجتمع إلى تغيير في التقاليد الموروثة عن الجاهلية التي زعمت أن لها حقا في التشريع للأخلاق والعبادة، وكان في أمس ما يحتاجه المجتمع مستقبلا القضاء على ثلاثة أمراض اجتماعية وهي:
الخمر، والربا، والرق.
وكان لا بد للجماعة الإسلامية في مكة أن تتهيأ منذ حياتها الأولى، وهي قوية التمسك بالعقيدة، وهي شديدة التمسك بشهادة التوحيد، وهي عزيزة قوية في صبرها على مجابهة المبغضين للربانية التي حققوها بالخضوع للمنهاج الإسلامي، كان لا بد وأن تعطي صورة ما عن
[ ٥٥٤ ]
مستقبل هذه الأمراض الثلاثة، فجاءت الآيات القرآنية في مكة تمهد لذلك وتهيئ العقول لخطوات تثري فيما بعد.
الخمر:
أما فيما يتعلق بالخمر يقول الله تعالى:
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
فيلقي ظلالا ذات معنى رفيع على الثمرات المنبثقة عن الحياة التي وهبها الله بالماء الذي أنزله من السماء، ثم يتخذ الناس منه سكرا ورزقا حسنا فيلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر، وأن الخمر ليس لها نصيب من الاتصاف بالرزق الحسن، والعربي يفهم أن في المعاريض مندوحة عن التصريح، فيلحظ من خلال تفيؤ ظلال هذا المعنى أن هذه توطئة لحكم سيأتي، ويرشح لهذه التوطئة لفظ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ فالسكر من الثمرات الطيبات، فيه تدخل إرادة الإنسان وهو مشاهد معروف، وعجز الآية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مرشح ثان يفيد أن هذه التوطئة للحكم القادم، إنما يلحظها ويدركها العاقلون الذين يدركون أن الله الذي صنع لهم هذا الرزق، ووهبهم أسباب الحياة، هو الذي يستحق العبودية لجلاله وحده٢.
يقول فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز:
ذلك أن القرآن في معالجته لهذه الأمراض المزمنة لا يأخذها بالعنف والمفاجأة بل يتلطف في السير على مراحل مترتبة متصاعدة.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٦٧ من سورة النحل. ٢ راجع في ظلال القرآن ج١٤ ص٧٨.
[ ٥٥٥ ]
كلنا نعرف ما كان منه في شأن الخمر، وأنه لم يبطله بجرة قلم بل لم يحرمه تحريما كليا إلا في المرحلة الرابعة من الوحي، أما المرحلة الأولى التي نزلت في مكة، فإنها رسمت الوجهة التي سيسير فيها التشريع، وأما المراحل الثلاث التي نزلت بالمدينة، فكانت أشبه بسلم أولى درجاته بيان لآثار الخمر، وأن إثمه أكبر من نفعه إلخ١.
فالعقلية الإسلامية وهي في حرارة العقيدة تتحمس لقانون الله تدرك أن السكر في أقل درجاته لا يستحق أن يوصف بالرزق الحسن إنه إنتاج صناعة بشرية تدخلت فيه إرادة البشر، فمنعته من هذا الوصف الجميل، وقد أنشأ الإسلام مزاجا ومذاقا خاصا عند الجماعة الإسلامية في مكة جعلها تتأفف من كل شيء لا يذكر اسم الله عليه، فهي عندما تسمع هذه المقابلة قد يتهيج مزاجها فتتأفف من السكر لأنه ليس رزقا حسنا، وتبقى المسألة هكذا في الحسن والتذوق والمزاج حتى تثري بعد ذلك الخطوات التالية في العهد المدني الحازم.
الربا:
كان من عادة الجاهلية تنمية أموالهم عن طريق الربا، وهذا الربا به نوعان٢: ربا البيع، وربا الهدية، فكان بعضه يهدي جزءا من ماله إلى الأغنياء الأثرياء طمعا في أن ترد له الهدية مضاعفة، نوع من أساليب تنمية المال في الجاهلية، ولفظ الربا عام يشمل أنواعه كلها، وهو عمل ممقوت أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا؛ لأنه يجعل الحياة جيفة
_________________
(١) ١ راجع رسالة الربا في نظر القانون الإسلامي ج١ الأزهر ١٩٥١م. ٢ راجع تفسير ابن كثير ج٣ ص٤٣٤.
[ ٥٥٦ ]
يتقاسمها المتصارعان عليها من أرباب الملكية وعمال الصناعة أو من الغني المرابي والفقير المضطر، إنه نظام عقيم لا يلد، وهو نظام لا يحترم أخوة ولا عطفا ولا إنسانية، فهو نظام فاسد من كل وجه قل أو كثر، إنه عقيم رديء لا بركة فيه ولا خير.
ومنذ العهد المكي والقرآن يحاول بطريقته الهادئة الرقيقة أن يحث الناس بأن طريق الربا طريق فاشل غير مرغوب فيه دينيا من الله ﷾، كأسلوب تتعامل به الجماعة الإسلامية وجاءت آية الروم تنفي في صراحة أن الربا مرضي عنه من الله تعالى، يقول الله تعالى:
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١.
فنفت الآية الكريمة أسلوب التعامل الربوي كنظام لتنمية المال ووضعت بديلا مباركا هو الزكاة فإن العقيدة التي ما زالت حارة في نفوس القوم تحملهم على إدراك أبعاد ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾ إنه غايتهم القصوى وأمنيتهم العزيزة ورجاؤهم الفريد، وما دامت الزكاة هي التي ستقربهم من غايتهم وأملهم ورجائهم، فكم تكون فرحتهم وكم يكون تسارعهم إلى الامتثال؟
وكذلك كم يكون بغضهم للربا وكرههم للمرابين؟
وبذلك تتهيأ النفوس المؤمنة الصادقة لاستقبال خطوات الحكم الحازم الأخير في الربا وهي مستسلمة راضية قريرة العين مطمئنة الفؤاد، قوية الاعتقاد والثقة والطمأنينة بالله العلي العظيم.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٩ من سورة الروم.
[ ٥٥٧ ]
الرق:
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ١.
لقد كان الرق عاما في الجزيرة العربية وفي العالم كله، وحياة الأرقاء كانت تعاني من قسوة الأسياد الجبابرة، والدعوة الإسلامية دعوة أعلنت تكريم الإنسان ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٢.
ولكن الرق مشكلة عالمية إنه مشكلة اجتماعية ومشكلة أخلاقية كذلك، وسوف يلغيه الإسلام في المستقبل، سوف لا يسمح به الإسلام في دولته ومجتمعه القادم، فأعلن منذ العهد المكي أن العقبة التي تتحول بين المؤمن والجنة هي فك الرقبة.
وقد سبق سيدنا أبو بكر إلى اقتحام هذه العقبة، فأعتق الذين أسلموا من موالي الطغاة.
لقد كان ﵁ الأول دائما في اقتحام العقبات، ولقد كانت الملابسات الحاضرة في البيئة تجعل من العمل قاعدة لوثبات اقتحام العقبة في سبيل الله.
أما الأحكام المتعلقة بالعتق والآثار المترتبة عليه وروافد القضاء عليه والتخلص منه، فتلك مكملات سوف يتعهد بها العهد المدني، ويومها لن يجد المسلمون خصاصة ولا حرجا ولا ضيقا به، إنهم سوف يتسابقون على اقتحام العقبة وفك الرقبة حسبة وابتغاء وجه الله الكريم.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١١-١٣ من سورة البلد. ٢ الآية رقم ٧٠ من سورة الإسراء.
[ ٥٥٨ ]
ثانيا: في الجماعة الإسلامية
بدأ سيدنا رسول الله -ﷺ- في تكوين الجماعة الإسلامية بمكة لتكون النواة والأساس والركيزة للمجتمع الإسلامي في المستقبل، وحين بدأ الرسول الأمين الخاتم ﵊ تربية هذه الجماعة كان يعلم أن مدى رسالته وهدفها هو القضاء على الجاهلية في كل اتجاهاتها وفي كل أمكنتها وأزمنتها، ومن ثم فقد أعد هذه الجماعة على مفهوم عالمية هذا الدين، لقد رباهم بالقرآن الكريم على وحدة الدين ووحدة الرسالة ووحدة المؤمنين في كل زمان ومكان.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.
وكانت التربية على هذه الوحدة من العمق والاستجابة بحيث كانت الجماعة الإسلامية تحس بالحب لجميع أهل الكتاب.
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٢ من سورة الشورى. ٢ الآيات من رقم ٢-٥ من سورة الروم.
[ ٥٥٩ ]
وبهذه العالمية قضى الرسول -ﷺ- على العصبية الجاهلية في نفوس المؤمنين وجعل آصرة العلاقة ورباط الود "لا إله إلا الله محمد رسول الله" مهما اختلفت اللغات والأوطان والجنسيات.
وهذه التربية على مفهوم العالمية للجماعة الإسلامية هي الأساس الأصيل الذي تقوم عليه دعامة المجتمع الإسلامي في المستقبل، حيث بعث محمد -ﷺ- للأبيض والأسود والأحمر والأصفر والناس كافة، لقد بعث محمد -ﷺ- ليحيي كرامة الإنسان.
ولقد كانت التربية على عالمية مفهوم الدعوة أساسها أن المجتمع لا يقوم على قاعدة واحدة وهي قاعدة العبودية لله وحده في كل أموره وشئونه.
وهذه العبودية تتمثل في التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي التشريع والقانون.
وقد قرر الوحي الأمين أن التصور الاعتقادي:
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١.
﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٠٨ من سورة الأنبياء. ٢ الآيتان ٥١، ٥٢ من سورة النحل.
[ ٥٦٠ ]
وليس عبد الله ألبتة من لم يجعل حياته كلها لله وحده:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
ولا تصح العبودية مطلقا ما دام الفرد يتلقى القوانين التي تنظم حياته من غير القرآن الكريم.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣.
هذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي ولكن المجتمع الإسلامي لا يقوم على هذه القاعدة في يوم وليلة أو بصيحة وحماسة، بل لا بد من نواة وجماعة من الناس تنشأ ولو صغيرة، تنشأ محققة هذه القاعدة فتقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله.
إنها لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادة والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع، ثم تأخذ في تنظيم حياتها عمليا على أساس هذه العبودية الخالصة لوجه الله، فتنقي قلبها من الاعتقاد الزائف، وتنقي
_________________
(١) ١ الآيتان ١٦٢، ١٦٣ من سورة الأنعام. ٢ الآية رقم ٣ من سورة الأعراف. ٣ من الآية رقم ٢١ من سورة الشورى.
[ ٥٦١ ]
شعائرها من التوجه لغير جناب الله الأجل، وتنفي شرائعها من الخضوع لما سوى الله عندئذ تكون النواة قد صلحت ليبني بها المجتمع الإسلامي. ولهذا كانت مهمة الرسول -ﷺ- مركزة حول بناء هذه الجماعة، فآخى بين أفرادها منذ العمل المكي على المواساة وإقامة الحق والعبودية لله الأحد١.
وقد أرسى القرآن الكريم قواعد هذه العبودية فعمق في شعور الرعيل الأول أن كل شيء في الوجود مرتبط بمشيئة الله وتحت سلطانه وتصرفه وقدرته.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
وإن الله وحده هو الذي يهب الرزق والعمر والولد.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٤.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ المحبر ص٧٠. ٢ الآية رقم ٨٢ من سورة يس. ٣ الآية رقم ١٢ من سورة الشورى. ٤ الآيتان ٤٩، ٥٠ من سورة الشورى. ٥ من الآية رقم ٣٤ من سورة الأعراف و٦١ من سورة النحل.
[ ٥٦٢ ]
وقد بسط الله لهذه الجماعة في الفهم والذكاء ونورانية القلب والمشاعر مما جعلهم يفهمون حقيقة الدنيا حتى ولو كانت في أوج عظمتها وكبريائها، فإنها متاع الغرور، وهي ظل زائل، وعرض تافه قصير العمر خفيف الوزن معدوم المعنى.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
فبات في ضمير الجماعة، وفي عقلها أن هذه الحياة الدنيا لا أمن فيها، ولا اطمئنان إليها ولا ثبات ولا استقرار على وجهها، ولا يملك الناس من أمرها شيئا.
هذه هي الحياة الدنيا وفي الصفحة الباقية الخالدة:
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
فيا لبعد الشقة بين دار تطمس في لحظة مثل طرفة عين ودار للسلام باقية خالدة يهدي إليها الله من يشاء من عباده المخلصين.
وبهذا فقد نقى رسول الله -ﷺ- بصيرة ومشاعر وعقلية نواة المجتمع الإسلامي من كل غرض دنيوي، لقد طهرهم من
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٤ من سورة يونس. ٢ الآية رقم ٢٥ من سورة يونس.
[ ٥٦٣ ]
فكرة التبعية لغير الله وأكد أن آجالهم وأرزاقهم وأولادهم نعمة من منح الله جل شأنه وأن دار السلام الخالدة تستقبل المخلصين، وأن الدنيا عمر هباء وزينتها زخرف براق والمغرور بها فارغ الحجر وصفر اليدين من زاد ينجيه يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومها لله الواحد القهار.
وكان على هذه الجماعة التي تعد لتكون مصدر ترعرع المجتمع الإسلامي في المستقبل كان عليها أن تقدم الدليل على هذه العبودية المجردة لله وأنها بدعوتها إلى دار السلام لا تكره ولا تحب إلا في الله فألزمها القرآن الكريم بالعفو عن ظلم الذين لا يرجون أيام الله.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
فهو توجيه كريم للذين آمنوا ليتسامحوا مع الذين لا يرجون أيام الله تسامح المغفرة والعفو وتسامح القوى والاستعلاء وتسامح الارتفاع والترفع عن مهاترات الماجنين المشركين.
والواقع أن القرآن الكريم هنا يلفت نظر الجماعة الإسلامية إلى أن الذين لا يرجون أيام الله مساكين ضعاف العقل والبصيرة، ولهذا فهم يستحقون العطف أحيانا لأنهم حرموا من رحيق النبع الفياض
_________________
(١) ١ الآيتان ١٤، ١٥ من سورة الجاثية.
[ ٥٦٤ ]
الذي يزخر بالنداوة والرحمة والأنس والقوة والعزة والثراء، نبع الإيمان بالله والطمأنينة إليه، والتوكل عليه، والاحتماء بركنه الشديد، واللجوء إلى مدد في ساعات الضيق والكربة، ومن جانب آخر فهو توجيه إلى الجماعة الإسلامية لتترك الأمر كله لله يتولى القضاء والفصل فيه، وبذلك يهون تحمل المساءات والنزوات الحمقاء من المطموسين عن النبع الإيماني السلسبيل المؤنس.
وتمضي الجماعة الإسلامية في غير ما ضيق ولا ثقل، وهي تحمل المشعل الهادي وتسير تدعو إلى الله على بصيرة، وهي تستعذب هذه الرحلة في سبيل الله، وقد جاءتها النداءات الربانية تملؤها يقينا وثباتا.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١.
فتدرك الجماعة الإسلامية أن النهوض بواجب الدعوة إلى الله في مواجهة الجاهلية التي تعتز بقوميتها وثقافتها وعنصريتها واستكبارها على الحق أمر شاق، ولكن شأنه عند الله عظيم، فما أحسنها من كلمة وما أعظمها من رسالة.
﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ الآيات رقم ٣٣-٣٥ من سورة فصلت.
[ ٥٦٥ ]
فكلمة الدعوة هي أحسن كلمة تقال على وجه الأرض، وتصعد إلى الله في مقدمة الكلم الطيب، ولكن شرط ذلك العمل الصالح الذي يصدق الكلمة، ويكون لها دليلا، ثم استسلاما تتوارى مع الذات، والأماني حتى تصبح الدعوة وحدها خالصة لله ليس للداعية فيها شيء غير التبليغ، ولا على الداعية بعد ذلك أن تتلقى كلمته بالإعراض أو بسوء الأدب أو بالإنكار، فهو إنما يتقدم بالحسنة ويضيء الطريق ويحنوا على المحجوبين المطموسين، ويعطف عليهم، ويود لهم رحيقا سلسبيلا يروي ظمأ قلوبهم، ويجلو صدأ نفوسهم، ويرجعهم إلى الله، فهو إذن في المقام الرفيع فلا تستوي حسنته إذن بسيئات العميان، ولذا فقد علم القرآن هذه الجماعة ألا ترد على سيئات القوم إلا بحسنات الأبرار.
وهذه الجماعة الأولى التي تعهدها القرآن الكريم والرسول العظيم بهذه التربية كانت سمات وخصائص قيادية تدربت عليها وتعلمتها حتى إذا انتقلت إلى طور آخر من أطوار الجهاد في تبليغ الدعوة لم تحتج إلى تنظيم، فقد كانت مرحلة مكة مرحلة الإعداد والتربية، وكان من مقدمات هذه الخصائص قوله تعالى:
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ،
[ ٥٦٦ ]
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
لقد كانت البشرية في حاجة إلى قيادة راشدة تنقذ الناس من الجاهلية العمياء التي كانت تخوضها لا سيما بعد أن تفرق الذين أوتوا الكتاب واختلفوا لا عن جهل بما أنزل الله إليهم بل عن معرفة ويقين، ولكنهما اختلفوا بغيا بينهم وحسدا فضلوا وأضلوا، فاحتاجت البشرية إلى قيادة جديدة راشدة، تأخذ بيدها إلى العروة الوثقى إلى الصراط المستقيم، وتقود ركب الحياة إلى طريق السعادة ورضوان الله ورحمته، وكانت الجماعة الإسلامية في مكة هي القافلة التي أعدت وربيت وجهزت لتحمل هذا الشرف، وجاءت هذه الآيات المكية في سورة الشورى تصور خصائص هذه الجماعة التي ولاها الله ﷾ مهمة هذا الإصلاح، ومع أن هذه الآيات مكية نزلت قبل قيام الدولة لكننا نجد أن مميزات الجماعة هنا لتحمل خصائص المجتمع الذي ستبنيه هي، ستبنيه بما لديها من أخلاق ومعرفة وسلوك وتطبيق أبرزت به العبودية الخالصة لله وأعلنت به سمات المجتمع الذي سيولد في المستقبل إن شاء الله.
نجد في هذه الآيات المكية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ مما يوحي أن وضع الشورى في حياة الجماعة الإسلامية أعمق من مجرد كونها فكرة سياسية، فالشورى طابع أساسي للجماعة الإسلامية كلها،
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٣٦-٤٠ من سورة الشورى.
[ ٥٦٧ ]
يقوم عليها أمر المسلمين، ولا ينبغي لمسلم، ولا لجماعة مسلمة أن تخرج على هذا المبدأ.
فرسول الله -ﷺ- في غزوة أحد نزل على مشورة الشباب المتحمس يوم مناقشة خطة الدفاع عن المدينة، ولما لبس لأمة الحرب، وأحس الشباب أنهم مارسوا أسلوبا قاسيا في مناقشة الرسول ﵊ قالوا استكرهنا رسول الله -ﷺ- فلنرد الأمر إليه، فلما خرج إليهم متقلدا سيفه ندم الطالبون لخروجه على ما صنعوا وقالوا ما كان ينبغي لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت، فقال ﵊: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" ١.
يقول الآلوسي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا بعدك فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شيء؟ قال: "اجمعوا له العابد من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد" ٢، ومن ثم كانت الجماعة الإسلامية في مكة تحمل من خصائصها الذاتية مبدأ الشورى كطابع أصيل للجماعة فوق أنه نظام سياسي للدولة فيما بعد.
ونجد في هذه الآيات المكية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ .
_________________
(١) ١ محمد رسول الله، لرضا ص١٩٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٥٠ الدرر ص١٥٤. ٢ روح المعاني ج٢٥ ص٤٦.
[ ٥٦٨ ]
وقد كانوا في مكة مأمورين بالصبر في مواجهة الأذى وكف الله أيديهم عن الظالمين تخليصا لعقيدتهم من الاتهام بالفوضى، وفرصة للمعاندين أن يثوبوا إلى رشدهم فما يتحمل هؤلاء العذاب وهم قادرون على رد العدوان بمثله إلا لأنهم لا يبتغون من وراء عقيدتهم شياء إلا تحقيق العبودية لله وحده، ولكن الآية هنا في مكة تبرز صفة الجماعة الإسلامية بأنهم إذا بغى عليهم ينتصرون، وفيه يلمح المسلم اليقظ أن انتصار المسلمين في مكة على بغي الكافرين قد بدأ بالصبر وتحمل الأذى وأن طبيعة الدعوة الإسلامية دائما أن ترد الاعتداء ولا تعتدي أبدأ حتى في العهد المدني ما كان القتال وهو صورة من صور الجهاد إلا ردا على اعتداء الكافرين، وتثبت القاعدة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وقاعدة الجهاد في المدينة "ولا تعتدو إن الله لا يحب المعتدين".
والجهاد بصورتيه الماضيتين: في مكة والمدينة أساسه تحقيق العبودية لله من جميع البشر ليس وراء ذلك طمع في مال أو شرف أو جاه أو سمعة..
وتقع هاتان الصفتان وسط صفات أساسية حقوقوها نأصبحوا في حظيرة العبودية لله واعترفوا بسلطانه الجليل فأطاعوه طاعة عمياء مطلقة، وأعطوه من أنفسهم المقادة واستسلموا لحكمه وجعلوا أهواءهم
_________________
(١) ١ من الآية رقم: ١٩٠ من سورة البقرة.
[ ٥٦٩ ]
فيما يريده منهم حتى أصبحوا له عبيدا لا يملكون مالا ولا نفسا ولا تصرفا ما إلا برضاه، فهم لا يحاربون ولا يصالحون إلا لله وبإذنه، ولا يرضون ولا يسخطون، ولا يعطون ولا يمنعون إلا من أجله وفي سبيله ولا يصلون ولا يقطعون شيئا إلا إذا وافق أمره، هذا هو الإيمان الذي تشير إليه الآيات المكية، وتجعله صفة أساسية للجماعة التي رباها رسول الله -ﷺ- واختارها الله جل شأنه لقيادة البشر.
فهم: على ربهم يتوكلون.
فتوكلهم في كل ضرب من ضروب الحياة مقصور على ربهم الذي اختارهم ورباهم ورضي عنهم ورضوا عنه، فهم مستيقنون أن لا أحد في الوجود يفعل فعلا ما إلا بمشيئته ولا يمكن أن يقع شيء ما في ملكه إلا إذا أراده.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ ٢.
وهذا الشعور ملازم لمعنى لا إله إلا الله ثم هو ضروري لكل أحد يتصدى العمل في الدعوة الإسلامية عليه أن يقف رافع الرأس لا يحنيها إلا الركوع أو سجود لله، وهو مطمئن القلب لا يرجو ولا يرهب أحدًا سوى الله.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٠ من سورة الإنسان. ٢ الآية رقم ٢٩ من سورة التكوير.
[ ٥٧٠ ]
وهم ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ إنهم أطهار القلب نظفاء السلوك، وذلك أثر طبيعي للإيمان، وضرورة أساسية من ضروريات القيادة الراشدة، وقد حققت الجماعة الأولى هذه الصفات، فارتفعت بالإيمان المرهف فوق كل بريق الحياة حتى بلغت مستواها القيادي وحققت معنى العبودية لله واكتمل لها الإيمان الصافي والتوكل الثابت واجتناب الفواحش، وحققت المغفرة عند الغضب والاستجابة لله، وإقامة الصلاة والشورى والإنفاق والانتصار، والعفو والإصلاح والصبر.
ومما رزقناهم ينفقون، فالجهاد في كل مرحلة يحتاج إلى بذل وإنفاق ولا بد منه تطهيرا للقلب من الشح، وتنظيفا له من هواية عده وجمعه واستعلاء على حبه وتملكه، وتوكلا على الله وثقة فيما عنده ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ .
وهذه صفة لازمة للجماعة التى ستتولى القيادة الراشدة لتحقيق العبودية.
إن البذل في سبيل الدعوة له مهمتان:
١- إقامة التكافل الاجتماعي بين أفراد الدعوة.
٢- تمرين النفس على التخلص من شهوة المال والتوكل على الله والثقة فيما عنده حتى تطهر النفس من كل علائق الدنيا التي تشوب الجهاد أو تعوقه أو تضعف العزم عليه.
وهكذا نؤسس الجماعة الإسلامية الأولى التي نيط بها الجهاد المقدس لبناء المجتمع، الإسلامي في المدينة المنورة.
[ ٥٧١ ]
لقد تحلت بكل صفات القيادة الراشدة حتى إذا ما تحركت فيما بعد لتحقيق العبودية لله ما كان يمكن أن يتوجه إليها اتهام من عاقل.
فهي جماعة حققت في ذاتها الخضوع الأمثل للسلطان الإلهي.
وهي الجماعة التي طهرها الله من كل ذنب وإثم ونقاها من كل سوء وعيب.
وهي الجماعة التي غفرت سيئات المعتدين.
وهي الجماعة التي أقامت الصلاة لذكر الله وحده.
وهي الجماعة التي تدربت على الشورى في كل أمر يحز بها، فهي بعيدة عن الغوغائية والثورية والتهريجية.
وهي الجماعة التي إذا طهرت قلبها من الشح وحب المال وأنفقت ما عندها ابتغاء مرضات الله.
وهي الجماعة التي إذا أصابها البغي انتصرت بالصبر على جحافل أذى المشركين؛ لأنها وحدها التي تعرف كرامة الإنسانية.
وهي الجماعة التي غضت بصرها عن سيئات المحجوبين عن نور الحقيقة لأنها تحقق العبودية لله.
إنها أخلصت حياتها كلها لله، وطهرت قلبها من كل وسوسة تحجبه عن نور الحق، وارتفعت بإيمانها فوق مغريات المشركين، واستجابت لله في نفسها ومالها وكل شئون حياتها، وصبرت على أذى
[ ٥٧٢ ]
المعتدين حسبة لله، وقد كانت تستطيع أن تقاوم، وأن ترد الكيل بالكيل والصاع بالصاع، ولكنها خضعت لسلطان ربها، فهي لم تؤذن بعد بالقتال كأسلوب للجهاد، لقد جاهدت مجاهدة شاقة وجابهت قسوة الاعتداء باليقين الثابت، وحققت لا إله إلا الله منهجا سلوكيا. فأبرزت خصائص هذه الدعوة كما شاهدها الله فيهم فأعلنوا بسلوك عملي
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ١.
ولكن المجتمع الجاهلي كان لا يريدها، وآثر ما كان يعبده آباؤه، فصارت المحاولة عسيرة لإيجاد مجتمع إسلامي من عناصر هؤلاء القوم، فلم يبقى إلا نقلة مجتمع خصب تؤدي فيه الجماعة الإسلامية دورها في قيادة رشيدة؛ لتحقيق العبودية لله على وجه الأرض كلها، ومن هنا انتظر المسلمون الأوائل مع رسول الله -ﷺ- الإذن لهم بالهجرة إلى وطن٢ جديد؛ ليستعدوا للموقف الفاصل.
قطعت الدعوة الإسلامية في مكة عقدا كاملا جاهدت فيه جهادا قاسيا لتعلم الناس وظيفتهم التي خلقوا لها، وأكدت الدعوة في هذه الحقبة أنها تريد أن يحقق الناس عبوديتهم لله وحده.
عبودية العقيدة والتوحيد.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٩ من سورة الإسراء. ٢ من مراجع هذا البحث الجهاد في الإسلام ص٥٢، ٧٨ في ظلال القرآن ج٢٥ ص٣٩-٥٠.
[ ٥٧٣ ]
عبودية التحليل والتحريم.
عبودية التقاليد والعادات.
عبودية القلب والجوارح.
اعترافا منهم بالجميل للخالق الأعظم الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير. وتكريما لذواتهم وارتقاء بكرامتهم.
وأعلنت الدعوة طول هذا العقد من الزمن أنها بالناس كافة، إنها ربانية، إنها قانون الله لكل من على الأرض إلى يوم القيامة، ورفضت الدعوة أن تنضوي تحت لواء قبلي عنصري قومي، ومع أن القوم كانوا على معرفة بحقيقتها وصدقها وربانيتها، إلا أنهم جابهوها حسدا وعلوا وظلما وعتوا وبغيا واستعلاء وما تركوا نوعا ما من أساليب الاضطهاد والتنكيل والتعويق إلا مارسوه.
لقد مارسوا التعذيب البدني والأدبي.
ومارسوا الحصار الاقتصادي.
وما ازداد الداعية منهم قربا إلا فروا منه فرارا، ولم يشأ الله جل شأنه أن يشرع الجهاد بالسيف في هذه الآونة، والله أعلم حيث يشرع، ولا يملك عالم أن يجزم بما أراده الله من حكمة في عدم تشريع القتال للجماعة الإسلامية في مكة ما دام القرآن الكريم لم يكشف لنا عن أسرار تلك الحكمة.
[ ٥٧٤ ]
والاحتمال الذي يمكن أن يدرك مع الاستغفار من الخوض في ذكر هذه الاحتمالات أنه:
١- يا ربما كانت الجماعة الإسلامية في هذه الفترة لو شرع لها القتال لانسابت في غرائزها الأولى، فقامت حرب جاهلية مثل حرب داحس والغبراء.
ومهمة الدعوة في هذا العهد المكي تربية قيادة تصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم حتى يخلص المسلم من دوافع ذاته، ويتجرد من شخصه، فلا تعود ذاته ولا دوافع نفسه هي محور الحياة في نظره، فإن محور الحياة الجديدة هو العقيدة فلا يندفع ولا يتهيج إلا إذا مست العقيدة، أما هو فلا يتأثر بشيء كما كانت طبيعته من قبل، ويؤثر هذا في تكوين الجماعة فيما بعد حيث يتمرن كل فرد على ضبط أعصابه واحترام انتسابه للجماعة، فلا يتحرك إلا بعد إذن من القيادة التي يجب أن يرجع إليها في كل أمر من شئون حياته.
٢- وربما كان ذلك؛ لأن حرية التحرك للداعية وتبليغ الدعوة ما زالت مباحة والرسول -ﷺ- تحميه سيوف بني هاشم، وتجواله وتحركه إلى الطائف ومواسم الحج ومقابلة الأفراد ما زال طليقا وتشريع الحرب في هذه الآونة يثير فوضى تشوه الدعوة وأهدافها.
٣- وربما كان للبيت العتيق من الحرمة ما لا يجوز معه تشريع قتال تستباح فيه حرمة الكعبة، وتدور رحى الحرب في كنفها شهورا
[ ٥٧٥ ]
وسنوات وقد حبس الله عنها الفيل من قبل، وما أحلت لنبي من قبل اللهم إلا ساعة من نهار يوم فتحها.
٤- ويا ربما كانت قلة المسلمين يوم ذلك لا تسعف السياسة العسكرية اللهم إلا إذا عاد المسلمون من الحبشة، وانضم عدد المسلمين في البطحاء، فينكمش المسلمون في رقعة، ويا ربما انتهت الجماعة الإسلامية يومها، فلم يقم على الأرض للإسلام فيما بعد دولة.
هذه الاحتمالات التي لا يمكن أن يقطع بها عالم مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله، ومقاصد شرعه هي في نظري -والله أعلم- من الأسباب التي جعلت الجماعة الإسلامية في مكة تكف يدها عن القتال، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة وتصبر على ما يقدم لها من الأذى ولا تستعجل١.
والدعوة الإسلامية في هذا العهد المكي كانت قد نجحت في إعداد قيادات انتشرت في رحاب الأرض تنتظر يوم اللقاء.
لقد كان النجاشي في الحبشة وعنده كتيبة من كتائب الله يؤمنون بالإسلام، وهي قاعدة أمنية آمنة مستقرة.
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي وأهله وذووه دعاة لدين الله في شرقي الجزيرة على شاطئ خليج عمان.
وكان أبو ذر الغفاري في غفار "كنانة" مسلما داعيا متحمسا مجاهدا مجاهرا يقدر على قطع طريق تجارة قريش لو شاء.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٩ ص١٧٦، ١٧٨، الجهاد في الإسلام ص٧٤.
[ ٥٧٦ ]
وكان ضماد من أزد شنوءة يعلن في قومه مبايعته رسول الله -ﷺ.
وهناك عمر بن عبسة في عبس بالشمال.
وكان الناس في نجران قد أسلموا وقالوها صريحة: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
إذن هناك صفحتان متقابلتان متضادتان:
صفحة الوجود الإسلامي في مكة حيث أفسد الناس صدورهم.
وصفحة الكواكب المضيئة المنتشرة في ربوع البلاد١ تنتظر يوم اللقاء بالقيادات الراشدة.
وإذن فلا بد من قاعدة ومهجر.
كان الحال في مكة قد بلغ غايته في القسوة والانحراف لقد مات أبو طالب وهو سند كبير للدعوة، وماتت السيدة خديجة ﵂ وهي الأنس للداعية، والممول للعمل الإسلامي، وأول الناس على الإطلاق تصديقا وإيمانا وإسلاما، وكان لموتهما عند المشركين فرحة، فقد غاب عمودان أساسيان من أعمدة التحرك الإسلامي، فزاد القوم في التنكيل بالداعية وأصحابه، وكان حادث الطائف في قسوته وصفاقته وعمهه، فأصبحت حياة الدعوة في مكة كشجرة طيبة في أرض جدباء، وإذن فلا بد من نقلة بعيدة عن هذا الجو، لا بد من جو خالص من
_________________
(١) ١ في دوس وبني عبد القيس شرقا، وفي الحبشة غربا، وفي أزد ونجران جنوبا، وفي الأوس والخزرج شمالا، وفي الوسط غفار وأسلم. راجع الخريطة المرفقة.
[ ٥٧٧ ]
الخضوع للإبليسية لا بد من جو صافي هادئ، أناسه أبرياء من أمراض أهل مكة عسى أن تقدم الدعوة به دليلا عمليا على اتساقها وانسجامها مع طبيعة البشر كأصل أصيل؛ لسعادة الناس في الدنيا والآخرة.
ولهذا جاءت آيات مكية ترشح لهذه النقلة إذ يأذن الله لرسوله الكريم يقول الله تعالى:
١- ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ ١.
يعني المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة٢.
قال الآلوسي: والمراد بهم على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد بن حميد عن سعد بن المسيب، أهل المدينة من الأنصار٣ وفي الطبري عن ابن عباس:
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ﴾ يعني أهل مكة، يقول: إن يكفروا بالقرآن ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني أهل المدينة والأنصار٤.
٢- ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ٥.
قال ابن كثير: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٨٩ من سورة الأنعام. ٢ تفسير ابن كثير ج٢ ص١٥٠. ٣ تفسير الطبري ج٧ ص٢١٦. ٤ تفسير الطبري ج٧ ص٢٦٤. ٥ الآية رقم ٥٦ من سورة العنكبوت.
[ ٥٧٨ ]
حيث يمكن إقامة الدين بأن يوحدوا الله، ويعبدوه كما أمرهم وعبارات الآية الكريمة تمسح هاجس الأسى عن نفوس المسلمين، ففي مفارقة الوطن وحشة١. ومن هنا تمس ألفاظ الآية الكريمة قلوب الجماعة الإسلامية بهذا النداء الحبيب ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم تمليها مرة أخرى بهذا الأمل المشرق ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ وما دامت كلها أرض الله، فإن أحب بقعة منها إلى نفس المؤمن هي البقعة التي يجد فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه٢.
٣- ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣.
قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان.
قال الطبري: يقول الله تعالى جل ذكره: وأرض الله فسيحة واسعة فهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام، ثم روي عن مجاهد قوله: فهاجروا واعتزلوا الأوثان٤.
فبات في ذهن الجماعة الإسلامية أنها بعد اكتمال فترتها التدريبية في مكة سوف تنقل إلى أرض واسعة فسيحة تحقق فيها العبودية
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٣ ص٤١٩. ٢ في ظلال القرآن ج٢١ ص٤١. ٣ الآية رقم ١٠ من سورة الزمر. ٤ تفسير الطبري ج٢٣ ص٢٠٣.
[ ٥٧٩ ]
الكاملة لله رب العالمين، وإذن فليتجهز القوم إلى نقله سيؤذن لهم بها إن شاء الله.
وقد اتخذت مرحلة التجهيز إلى هذه النقلة خطوتين رئيستين:
الخطوة الأولى: ربانية أعدها الله وجهزها لتصفية الجماعة الإسلامية حتى تتحمل بصدق وإخلاص القيادة الراشدة لبناء المجتمع الإسلامي في المدينة وهي الإسراء والمعراج.
الخطوة الثانية: نبوية من تحرك الداعية نفسه، وهي لقاء العقبة مع نواة المجتمع الإسلامي من أهل المدينة الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم من رحاب البيت العتيق، ثم لا يجدون في صدروهم حاجة نحو ضيافة كتيبة الله التي صبرت على جهاد مرير زهاء ثلاثة عشر عاما، ويؤثرون على أنفسهم في المال والأرض والأهل، إرضاء وحسبة وحبا في الله العلي العظيم.
والذي أود أن أذكره بسرعة هنا أن العنصرية التي كانت تشكل الجو الاجتماعي في مكة من ثلاث مجموعات:
١- مجموعة بني هاشم وأحلافهم.
٢- ومجموعة بني عبد شمس وأحلافهم.
٣- ومجموعة بني مخزوم وأحلافهم١.
_________________
(١) ١ دراسات في العصر الجاهلي ص١٠٠.
[ ٥٨٠ ]
وقد اندحرت كلها واستطاعت حركة الجهاد الإسلامي بالثبات والصبر على تبليغ مبادئ الدعوة. أن تلغي هذه المجموعات وأن تستعلي عليه بعالمية الدعوة الإسلامية وسمو رسالتها١، فكان من كل مجموعة قيادة ورعيل مسلم مؤمن موحد بالله يحمل مشعل الإسلام وينتظر لحظة الانضمام إلى الكتائب التي تحشد أجنادها وتستعد للموقف الفاصل يوم يهزم الجمع ويولون الدبر.
_________________
(١) ١ راجع أسماء من هاجروا من بني مخزوم وغيرهم في رواية ابن هشام ج١ ص٤٦٨ وما بعدها، راجع هذا الدين ص٧٨-٨٠.
[ ٥٨١ ]
الفصل الثالث: خاتمة العهد المكي
التجهيز للهجرة:
أولا: الإسراء والمعراج
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ٢.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٣.
وظيفة الدعوة الأولى هي أن تنشئ نظاما يتبع المنهاج الإسلامي الذي اختاره الله، وهذا النظام يحتاج في إنشائه إلى أمة تمثله وتقوم عليه.
وغاية المنهاج الإسلامي هي عبودية الناس لربهم وحده، وهذا يستلزم القضاء على الجاهلية، والجاهلية في أي عصر هي عبودية
_________________
(١) ١ أول سورة الإسراء. ٢ الآيات من رقم ١٠-١٢ من سورة النجم. ٣ من الآية رقم ٦٠ من سورة الإسراء.
[ ٥٨٢ ]
الناس للناس، وأساس العبودية في كلتا الحالتين هو الخضوع والتشريع.
وعبودية الناس جميعا لله وحده تكون بتلقيهم منه وحده العقيدة والشريعة والأخلاق وموازين التعاشر الاجتماعي.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
والإسلام بهذا المفهوم هو تكريم للإنسان وتحرير له من سلطة الإنسان المتجبر، والدعوة الإسلامية في مكة قد حوصرت، وسُد في وجهها الطريق، فكان لا بد من بحث عن قاعدة جديدة تنتقل إليها الجماعة التي حققت العبودية لله، وكان لا بد من التأكد من سلامة كل أفراد الجماعة وصلاحيتهم لهذه النقلة التي ستنشئ منهاجا جديدا في مواجهة أعداء الله حتى تنفذ مراحل الدعوة مستقبلا في جو مأمون من الاضطراب بعيد عن التهم منزه عن المطاعن، فكان لا بد من اختيار المسلمين عامة في مكة من أجل انتخاب القيادة الراشدة التي ستنقل مع النبي -ﷺ- إلى المدينة المنورة، وكانت مادة الامتحان من نوع غريب يقصد إلى إبراز مدى إيمان الفرد المسلم ومقدار تمسكه بدينه، لقد كانت غاية هذا الامتحان هي التعرف على مدى استسلام الوجه لله من كل فرد، واختبار عقله ووجدانه إلى أي مدى يستجيب للنص المعصوم، فكان حادث الإسراء والمعراج
_________________
(١) ١ الآيتان رقم ١٨ و١٩ من سورة الجاثية.
[ ٥٨٣ ]
هو مادة الامتحان، وإلى ذلك أشار الإمام القشيري ﵁ في رسالته بجملة قصيرة قال: فجعل ذلك بالليل امتحانا للخلق١. يقول فضيلة مولانا الدكتور عبد الحليم محمود:
ومن الثمار التي جنتها الأمة الإسلامية والتي كانت من مقاصد إذاعة النبأ، انفصال ضعاف النفوس والشاكّين والمترددين، انفصال كل هؤلاء عن الأمة الإسلامية النائشة.
لقد كفر -عند سماع النبأ- من كفر بعد إسلامه، وارتد من ارتد بعد إيمانه وما كان هؤلاء -لو بقوا- إلا عاملا من عوامل الضعف أكثر من أن يكونوا عاملا من عوامل القوة، إن هؤلاء المكيين الذين آمنوا وصبروا على الحوادث القاسية، على التعذيب، وعلى الآلام، وعلى الفتنة في جميع مظاهرها.
إن هؤلاء المكيين الذين صبروا، وصابروا، وتخلصت أنفسهم من جميع النزعات المادية، ومن جميع الأهواء، فأصبحت خالصة لله وحده، إن هؤلاء المكيين الذين كان في تقدير الله ﷾ أن تقوم عليهم الدولة في نشأتها، والذين من أجل ذلك يجب أن يكونوا مهيئين لأن يصعدوا لكل ما يمكن أن يعترضهم من عقبات، نقول: إن هؤلاء المكيين يجب أن يصفوا تصفية كاملة ومن وسائل هذه التصفية إعلان نبأ الإسراء والمعارج لينتكس من ينتكس، وليبقى من يبقى عن بصيرة وبينة وعن إيمان لا يتزعزع مهما كانت
_________________
(١) ١ كتاب المعراج ص٧٢.
[ ٥٨٤ ]
الحوادث، إيمان بصدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه في كل ما يأتي به، يصدقه بمجرد إنبائه، والمثل الأعلى في كل ذلك إنما هو سيدنا أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- حينما يعلن في غير تردد ولا فتور:
لئن كان قاله فلقد صدق؟ فما يعجبكم من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه١.
لقد كان حادث الإسراء والمعراج محور تمحيص للصادقين في إيمانهم والسطحيين في تصورهم لحقيقة الإيمان، فإن من صدق بنبوة سيدنا محمد -ﷺ- فقد آمن باتصاله بالوحي، والقرآن يأتي من عند الله يحمله الوحي، والنبي -ﷺ- يتلوه على الناس ويخبرهم بأن هذا القرآن من عند الله ﷾، والذين آمنوا يصدقون ذلك مع أنهم لا يرون وحيا ينزل ويصعد، ولكنهم يرون آثاره على النبي -ﷺ- وهو يتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ويسمعون بعد ذلك قرآنا تنجذب إليه نفوسهم، وتقشعر له جلودهم وتلين له قلوبهم، ومقتضى هذا إذن الإيمان بالنبوة وبالوحي، وهذا يستلزم الاعتقاد بأن هناك صلة عليا خارقة للعادة بين النبي -ﷺ- وبين ربه جل وعلا، وإذن
_________________
(١) ١ راجع الإسراء والمعراج سلسلة البحوث الإسلامية ص١٣٣، ١٣٤. الرسول -ﷺ- لمحات من حياته ونفحات من هديه سلسلة البحوث الإسلامية ص١٢٢، ١٢٣، راجع تفسير البيضاوي ج٤ ص٣.
[ ٥٨٥ ]
فلا ضير أبدا أن تنقلب صورة اللقاء بالوحي وتتبدل الحركة من علٍ إلى أسفل، فتصير من أسفل إلى علٍ.
الحركة الأولى يحمل فيها جبريل قرآنا إلى النبي، والحركة الثانية جاء ليحمل فيها محمدا -ﷺ- إلى سدرة المنتهى.
فإن كلا من الحركتين في التصور الإيماني السليم متعادلتان.
وحركة الوحي مطلقا نزولا أو صعودا من ضمنيات الإيمان بالوحي الذي يأتي إلى الرسول -ﷺ- مرارا وتكرارا، وهي من غير شك حركة فوق تصور العقل حتى ولو تقدمت الأبحاث التكنولوجية؛ لأنه لا يمكن للبشر أن يحدد مبدأ حركة الوحي من علٍ ومبدأ صعوده مرة أخرى، إن تحديد نقطة تحرك الوحي ذهابا وإيابا فوق جميع المستويات العلمية والعقلية فهي سمعية لا تحتاج إلى دليل.
والمؤمن الصحيح يتصوركم من بلايين المسافات والأجواء والأجرام قد قطعها سيدنا جبريل ﵇ في أقل من لمحة بصر، وهو يسعى إلى النبي -ﷺ- ليبلغه وحيا من عند الله، فإذا ما قيل لهذا المؤمن الصحيح أن النبي -ﷺ- صعد في مثل هذه اللحظة إلى السموات العلا لم يجد في ذلك غرابة، وقد قرب
[ ٥٨٦ ]
سيدنا أبو بكر هذه الحقيقة إلى الناس: إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه١.
فهو أمر لا يخرج عن حقيقة ما وعاه القلب الصادق من معنى الإيمان ومداه، ومن هنا كانت نقطة الاختبار والامتحان لمن كان له إيمان ثابت ويقين مستقر وإذعان مستسلم فأمن وصدق ورضي، وكانت نقطة الاختبار والامتحان كذلك لمن فكر وقدر وعبس ويسر وزين له سوء عمله فرآه حسنا، فاستبعد واستكبر، وحول هذا يقول ابن هشام: وكان مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله ﷿ في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله ﷾ على يقين، فأسرى به ﷾ كيف شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين، ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد٢.
لقد كان حادث الإسراء والمعراج امتحانا وابتلاء لغربلة الجماعة الإسلامية وتهذيبا لها من ضعاف البصيرة واليقين استعدادا للهجرة ومنهجا جديدا يستعد فيه الحق للموقف الفاصل.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٩٩ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٦. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٩٦-٣٩٨.
[ ٥٨٧ ]
وهذه قاعدة ينبغي أن تلاحظ دائما في تنظيمات الجماعات التي تدعي لنفسها أنها تتصدى لتبليغ دعوة الله، فكم من منافق يندس ليخرب وكم من ماجن يتسرب ليفسد، وكم من واهي العقيدة يفرق، وكم من دنيوي يسعد أن يبيع آخرته ودعوته ودينه بعرض بخس زهيد.
وعلى هامش حادث الإسراء والمعراج مما يتصل بمرحلة التمهيد للدعوة الإسلامية فإن الميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء ليؤمنن بمحمد ولينصرنه قد هيأه الله له فرصة يعلن فيها الأنبياء جميعا إيمانهم بالنبي الخاتم ويأتمون به من صلاة تعلن وحدة الرسالة ووحدة الهدف الذي سعى به هذا الموكب الجليل.
يقول ابن هشام:
"فمضى رسول الله -ﷺ- ومضى جبريل ﵇ معه حتى انتهى به الى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأمهم رسول الله -ﷺ- فصلى بهم١.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٩٨، المواهب ج٥ ص٤٩، السيرة لابن كثير ج٢ ص٩٦، الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٢، راجع تفسير الطبري ج١٥ ص٣، ٤.
[ ٥٨٨ ]
وفي الحلبية:
"ولما أقيمت الصلاة ببيت المقدس قاموا صفوفا ينتظرون من يؤمهم، فأخذ جبريل بيده -ﷺ- فقدمه فصلى بهم ركعتين١.
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ .
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ .
لقد حقق سيدنا محمد -ﷺ- مدلول العبودية لله وقابل كل موجات الاعتداء بالصبر الجميل والثبات المكين، فهو الرباني الكامل والعبد الكامل في ربانيته وعبوديته لله رب العالمين، فما جزاء المحقق للعبودية وقد غاب عنه حبيباه: عمه وزوجه، وتكأكأت عليه الأعادي، لقد كانت آخر موجة الغضب الجاهلي صبية من بني ثقيف من الطائف ترميه بالحجارة حتى دمت قدماه الشريفتان، وسامحهم ودعا لهم بالهدى، أفلا يستحق هذا العبد الذي وصف وحده بهذا النعت "عبده"، عبده في الإسراء وعبده عند سدرة المنتهى، فلم يخرج محمد -ﷺ- عن العبودية لله وحده. أفلا يستحق دون سائر البشر جميعا أن تحمله الملائكة على البراق ليصلي إماما بكل الأنبياء؟
ولم يخرج محمد -ﷺ- من العبودية لله وحده، أفلا يستحق أن تقف له الأنبياء والملائكة وأهل السموات جميعا
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٤١٣.
[ ٥٨٩ ]
ينتظرون مقدمه عن سدرة المنتهى، حيث يكون هو وحده "عبد الله"، حيث يكون "عبده" لقد حقق هذا النبي العظيم العبودية لله، حققها قلبا وروحا.
حققها رأفة وسكينة.
حققها صفحا ودعاء.
حققها صبرا ورضا.
فما جزاء هذا عند ربه الكريم؟
أما الإمام القشيري ﵁ فقد أشرق بالجواب إشراقة العارفين يقول:
إن الملك العظيم إذا أراد تخصيص أحد من عباده وولي من أوليائه أشهده من أملاكه وخزائنه ما أخفاه عن غيره ليدل بذلك على تخصيصه، كذلك الحق ﷾ لما أراد إكرام المصطفى -ﷺ- أطلعه على كثير من المخلوقات ما لم يشهده غيره تخصيصا له وتشريفا، ومن ذلك أنه لما طوى الأرض فأراه مشارقها ومغاربها، كذلك أراه الملكوت والسموات والجنة والنار وما أراه تلك الليلة ليزداد به اعتبارا على اعتبار واستبصارا على استبصار١.
إن مسألة المعراج في جوهرها عندما نلاحظ العلاقة بين الله وبين نبيه، هي كما قالها الأستاذ أبو علي الدقاق ﵁:
ليعرفه أنه لا رتبة لأحد فوق رتبته، فيكون أبلغ في باب كرامته٢.
_________________
(١) ١ المعراج للقشيري ص٦٩. ٢ المعراج للقشيري ص٧٠.
[ ٥٩٠ ]
ولا يمر الإسراء والمعراج كحدثين مضيا في التاريخ القديم، ولكنهما كانا كمنهج حياة في العقيدة والأخلاق من جانب ثم يكونان دائما من دلائل النبوة الخاتمة للنبي محمد -ﷺ- فقد أخبر عن أحداث ستقع في مستقبل هذه الأمة، رآها بعينه في الجنة وفي النار فأخبر عنها ليتقيها الورعون، وليصلحها المصلحون، ولينتهي عنها الآثمون وليفقهها الداعون لينذروا قومهم لعهم يحذرون١.
أما النعمة العظمى والتجلي الإلهي الأكبر في ليلة الإسراء والمعراج فإنه الصلاة، إن الصلاة هي الشرف الأسمى للإنسان فهي تصله بالله سبحانه، وهي الوسيلة إلى رضوانه، وباب الفتوح والقبول، وهي المعراج الروحي الذي تتصل فيه أرواح العباد الأطهار بخالقهم جل وعلا.
إنها لحظة المناجاة التي لا تحتاج إلى وسيط ولا شفيع، إنها القربى إلى الله جل شأنه، يأنس فيها القلب بربه وتصل فيها الروح ببارئها وتستريح من وعثاء السفر في الحياة، وتهدأ من صخب الشهوات، وتنجو من وسواس الشيطان.
_________________
(١) ١ لمولانا فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود كتاب جليل عن الإسراء والمعراج، نشر في سلسلة البحوث الإسلامية "الكتاب الثاني والعشرون" من السنة الثانية وهو بحث دائر حول منهجية الإسراء والمعراج للعقيدة والأخلاق، ولقد سعدت كثيرا بالحياة في جو هذا الكتاب مرارا عند طبعه وتصحيحه ثم تدبره بعد نشره، فقد كان الله ﷿ منحنى شرف التكليف بإنشاء هذه السلسلة في ربيع الأول سنة ١٣٨٨هـ. والإشراف عليها وكان هذا آخر كتاب أشرفت على نشره قبل سفري إلى ماليزيا في عام ١٩٧٠م.
[ ٥٩١ ]
وقد شاء الله تعالى أن يشرع تنظيم الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة من عند سدرة المنتهى١؛ لأنها فقط العبادة التي تصعد إلى الله مع الملائكة الذين يتعاقبون في الليل والنهار، وهي وحدها، الصلاة التي تحقق العبودية لله، تسجد الجباه والأيدي والركب والأقدام ويسجد القلب والعقل والفؤاد إجلالا وتعظيما وتمجيدا لله رب العالمين، ومنزلة الصلاة رفيعة، تهبط شرعيتها من منزلة تساويها من عند سدرة المنتهى.
إن الصلاة حبل واصل بين الطائعين في الأرض وخالقهم الأعلى والحبل الذي يصل بين الله وعباده هو الذي يرتضيه لهم ونوع الصلاة التي يتعبد بها المسلم لا يملك أن يقترحها إنما تلقى إليه كما يشاء الله، ولهذا انتدب الله ﷿ حبيبه محمدا -ﷺ- في ليلة الإسراء والمعراج؛ ليوحي إليه تنظيم الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة٢، إعلانا بما للصلاة من منزلة عند الله، وما لها من منزلة عند الطائعين وما لها من حقوق يجب أن تراعى، وهي الفرض الوحيد الذي لا يسقط عن الصحيح والمريض والمسافر والمجاهد٣، ولهذا كانت عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين، وهي الفاصل بين المسلم والكافر، وهي النور الذي يملا القلب والمسجد والبيت، وهي بركة العمر والرزق والعافية والعلم.
يقول شيخنا العارف بالله فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود:
"والصلاة لأهميتها لم تفرض بالطريق العادي لقد كان جبريل ﵇ ينزل بالوحي مبلغا رسول الله -ﷺ- قواعد
_________________
(١) ١ راجع الحلبية ج١ ص٢٩٨، ٣٠٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٤٣. ٢ المواهب ج١ ص٣٠٧ ٣ العبادات ج١ ص١٩١.
[ ٥٩٢ ]
التشريع ومبادئ الأخلاق وأصول العقيدة ومسائلها، فلما حان فرض الصلاة، عدل الله ﷾ عن هذا إلى دعوة رسول الله -ﷺ- ليكون بنفسه في الحضرة الإلهية ليبلغه الله ﷾، بطريق مباشر أمر الصلاة، وكان ذلك إعلانا عن أهمية الصلاة. إنها لم تفرض بالطريق العادي تكريما لها وتشريفا١.
لقد كانت غاية الحدث الجليل، الإسراء والمعراج تصفية الجماعة الإسلامية التي ستتولى القيادة الراشدة قريبا تجهيزا لنقله بالهجرة من مكة إلى طابة حيث تهاجر العناصر القوية الصادقة التي نجحت بامتياز في هذا الاختيار الدقيق؛ لأنها وحدها يوم أن ينضم إلى منهج التبليغ حد السيف تستطيع أن تبرهن على أن الجهاد بالسيف ليس وراءه طمع مادي، ولا شهرة في شهرة ولا رغبة في اكتساب أرض أو استعمار قطر، وإنما فقط لتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون العبودية وظيفة البشر، قد وجدت لها مناخا يحقق فيه الناس عبادتهم لله الواحد القهار.
وكان قدر الله مفعولا واستعدت الجماعة في العام الحادي عشر من البعثة لنقلة تنتظر الإذن من السماء.
_________________
(١) ١ العبادات ج١ ص١٨٩، ١٩٠ لم أشأ أن أطرق بحث: هل كان المعراج بالروح والجسد؛ لأنه لا يتعلق بموضوع الدعوة من حيث المناهج والغايات وأن الحديث فيه قد انتهى دون جديد اللهم إلا أن المعارضين إنما يلحظون في البحث حدودهم البشرية، وأنا من ذلك بريء، والحمد لله.
[ ٥٩٣ ]
ثانيا: النشاط النبوي معاهدات العقبة
يشق النور حجب الظلام حتى ولو كانت ظلمات كثيفة بعضها فوق بعض، فطبيعة النور مشرقة متحركة، وطبيعة الظلام كئيبة راكدة، ولقد كانت الدعوة الإسلامية نورا مشرقا يبدد حجب الظلمات الجاهلية التي كانت تصنعها قريش في معامل الشيطان والنكاية، والتهريج والحصار الاقتصادي والتشهير والفتن، لقد كان رسول الله -ﷺ- يلتقي بالوفود في مواسم الحجيج والعمرة، وفي سلسلة هذه اللقاءات النبوية بأهل النسك التقي ﵊ بوفد من الأنصار، يروي ابن هشام هذا اللقاء بسنده فيقول:
لما لقيهم رسول الله -ﷺ- قال لهم: "من أنتم؟ ". قالوا: نفر من الخزرج. قال: "أمن موالي يهود؟ ". قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ ". قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعمل، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل
[ ٥٩٤ ]
زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله -ﷺ- أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلموا والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك.
فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله -ﷺ- راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.
وكان عدة هؤلاء النفر ستة من الخزرج، فلما قدموا المدينة ذكروا حديث رسول الله -ﷺ- ودعوا الناس إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم١.
فلما كان العام القادم -وأهل المدينة قد تهيئوا- لقبول الدعوة لقي رسول الله -ﷺ- اثني عشر رجلا، فبايعوه البيعة
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٨، ٤٣٠، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٤، ٣٥٥، الطبقات لابن سعد ج٢ ص٢١٩، يلاحظ أن ابن البر جعل هذا اللقاء العقبة الأولى فجعلها ثلاث عقبات ص٧٠، ٧١، وابن الأثير في الكامل جعلها مقدمة للعقبة الأولى ج٢ ص٩٥، ٩٦، وكذلك الطبري ج٢ ص٣٥٥، راجع الحلبية ج٢ ص٨.
[ ٥٩٥ ]
المشهورة ببيعة النساء وقد ذكرها ابن سعد في الطبقات١ قال: فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء:
على ألا نشرك بالله شيئا.
ولا نسرق.
ولا نزني.
ولا نقتل أولادنا.
ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.
قال: "فإن وفيتم لكم الجنة، ومن غشى من ذلك شيئا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".
قال ابن سعد: ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام.
ثم بعث لهم رسول الله -ﷺ- سيدنا مصعب بن عمير٢ بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقهم في الدين.
ولم تقف مهمته عند هذا الحد، فهو مدرك لأبعاد الرسالة، فجعل يدعو إلى الإسلام من لم يشرفه الله بعد ويشرح صدره للإسلام، قال ابن عبد البر: فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص٢٢٠، راجع السيرة لابن هشام ج٢ ص٤٣٣، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٦. ٢ ذكر في زاد المعاد أن رسول الله أرسل عبد الله بن أم مكتوم مع مصعب بن عمير ج٢ ص٥١، وصاحب الحلبية ذكر هذا ثم ضعفه ج٢ ص٩.
[ ٥٩٦ ]
وأسلم في جماعتهم، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وأسلم بإسلامهما جمع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء، لم يبق منهم أحد إلا أسلم١.
قال الطبري: فلما وقف سعد عليهم بعد إسلامه قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة٢.
وبهذا تبدو أهمية القيادة التي أعدها رسول الله -ﷺ- في دار الأرقم بن الأرقم، تبدو أهمية مرحلة الدور السري كما يسميه العلماء، تبدو هذه الأهمية كأسلوب وواحدة من قواعد المنهاج الذي ينبغي أن يستخدم في العمل مع الجماعة عند تبليغ دعوة الله.
لقد كانت هذه الجماعات التي دخلت دين الله أفواجا بالمدينة آثارا من بركة العمل السياسي الذي زاوله الرسول -ﷺ- في لقائه بالعقبة الأولى على نحو ما هو مشهور عند العلماء.
في العام القابل يرجع مصعب بن عمير إلى مكة مع وفود من المسلمين إلى موسم الحج ومعهم زمرة حجاج قومهم من أهل الشرك، قال ابن إسحاق حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب
_________________
(١) ١ الدرر ص٧٣. ٢ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٩، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٧.
[ ٥٩٧ ]
حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله -ﷺ- بالعقبة من أوسط أيام التشريق قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله -ﷺ- لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أو جابر سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله -ﷺ- إيانا العقبة قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله -ﷺ- نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا:
نسيبة بنت كعب أم عمارة.
إحدى نساء بني مازن بن النجار.
وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي.
إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع.
قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله -ﷺ- حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان
[ ٥٩٨ ]
أول متكلم العباس بن عبد المطلب، ثم تكلم رسول الله -ﷺ- فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله! فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.
قال: فاعترض القولَ والبراء يكلم رسول الله -ﷺ- أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول الله -ﷺ- ثم قال:
"بل الدم الدم، والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".
قال كعب بن مالك: قال رسول الله -ﷺ: "فأخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم" ١.
فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا:
تسعة من الخزرج.
وثلاثة من الأوس.
_________________
(١) ١ راجع الروض الأنف ج٤ ص١٢٤ ففيه أن ذلك كان بتوجيه من عند الله ﷿.
[ ٥٩٩ ]
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله -ﷺ- قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي يعني المسلمين".
قالوا: نعم١.
ويؤكد وثيقة البيعة العباس بن عبادة بن فضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف فيقول:
يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا، أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم لهو خزي الدنيا والآخرة.
وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل النفس الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله! إن نحن وفينا "بذلك"؟ قال: "الجنة".
قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج٢ ص٤٣٨-٤٤٧، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٩٢، ٢٥٣، دلائل النبوة للبيهقي ص١٨١-١٩٤، الطبقات الكبرى ج٢ ص٢٢١-٢٢٣، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٨-١٠١، المواهب ج١ ص٣١٥-٣١٨، الحلبية ج٣ ص١٦-١٨. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٤٦، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٦٤، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٩، الطبقات الكبرى ج٢ ص٢٢٢، ٢٢٣.
[ ٦٠٠ ]
وكان أسعد بن زرارة من شباب الخزرج المتوهج المتقد حماسا وإخلاصا الممتلئ إيمانا الفياض باليقين يريد أن يحدد الأمر إلى أبعاده البعيدة فقال:
رويدا يا أهل يثرب! إنا لن نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله -ﷺ- وأن إخراجه اليوم مفارقه لجميع العرب وقتل خياركم.
وإن تعضكم السيوف فأما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ومفارقة العرب كافة، فخذوه، وأجركم على الله تعالى، وأما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه، فهو عذر لكم عند الله ﷿؟
فقالوا: يا سعد! أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا، فبايعناه١.
يقول ابن الأثير:
وكانت البيعة في هذه العقبة على غير الشروط في العقبة الأولى، فإن الأولى كانت بيعة النساء، وهذه البيعة كانت على حرب الأحمر والأسود.
أما نص الأولى: فبايعنا رسول الله -ﷺ- على بيعة النساء، على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. "إن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا
_________________
(١) ١ الحلبية ج٢ ص١٨، فقه السيرة ص١٥٧.
[ ٦٠١ ]
فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم" ١.
إنها بيعة فضيلة وأخلاق وخير وبر على العمل بالمثل العليا ونشرها والدعوة إليها، لقد قيد الوثيقة "ولا نعصيه في معروف" إنها تقرر منذ هذا الفجر الأول للتنظيم الإسلامي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فهي بذلك وثيقة إلهية.
وأما الوثيقة الثانية فقد حدد أبعادها العباس بن فضلة وسعد بن زرارة.
إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود٢.
لقد كان الأنصار رضوان الله عليهم يعلمون عن يقين واضح تكاليف هذه البيعة وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئا في هذه الحياة الدنيا لا مالا ولا جاها ولا ملكا لا وزارة حتى ولا النصر والغلبة إنما وعدوا عليها "الجنة"، وهكذا اختار الله ورسوله السابقين من المهاجرين والأنصار معا، اختاروهم من العناصر الفريدة النادرة؛ ليكونوا القاعدة الصلبة لانطلاق هذا الدين من عقاله في مكة إلى رحابه العالمية في المدينة المنورة.
ولقد دلت هذه البيعة على أن عنصر المبايعين أصيل في طبيعته المتكافئة مع سمو تعاليم هذا الدين، لقد قال عبد الله بن رواحة ليلة العقبة:
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٦ ظن بعض الكاتبين أن هناك علاقة بين هذه النسبة وتسمية بيعة النساء في سورة الممتحنة لما بينهما من تشابه، ولكن التسمية هنا ليس لها ارتباط بالأخيرة؛ لأنها بيعة على فضائل الأخلاق مطلقا. راجع الحلبية ج٢ ص٨. ٢ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٦٣.
[ ٦٠٢ ]
اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل.
لقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول الله -ﷺ- أصفى من العذب الرائق نقاء من أدنى رغبة دنيوية، وما كان لهم من مأرب إلا الجنة، ويوثقون هذا البيع الرابح كثيرا بأنهم لا يقبلون الرجوع فيه أبدًا، ولا يسعدون إذا رجع فيه رسول الله، وقد كانوا على يقين أنهم سيناوئون العرب كلها، وسوف يقتل أشرافهم وتنكه أموالهم، وأنهم لن يروا هدوءا ولا راحة، فسوف يستمرون في قتال الجاهلية الضاربة من حولهم حتى يحققوا العبودية لله وحتى يحققها البشر جميعا، ومع هذا فقد قالوها: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل١.
وبهذا تجهزت الدعوة الإسلامية لنقلة جديدة، ومنهج جديد ووطن جديد نملأ من منارته آذان الدنيا بالنداء الجليل حي على الفلاح.
إلى طابة:
لقد اكتملت الترتيبات إلهيا ونبويا لنقلة الكتيبة التي حشدها ربها وأعدها نبيها لتحتمل شرف البناء العالمي للدولة الإسلامية التي تقوم على أساس "لا إله إلا الله محمد رسول الله" كمنهاج للحياة العقلية والأخلاقية والتشريعية والاجتماعية والعلمية.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج١٠ ص٩٢، ٩٣.
[ ٦٠٣ ]
فقد انتشر للإسلام في كل بقاع الجزيرة العربية وخارجها صوت يدوي وقائد يدعو.
كان في الحبشة على الشاطئ الغربي للجزيرة العربية المهاجرون فيهم من كبار رجال قريش عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب.
وكان في الطرف الشرقي للجزيرة عمرو بن الطفيل الدوسي.
وكان في وسطهما أبو ذر الغفاري وعمرو بن عبسة في الشمال تقريبا لقد كانت هنا قيادات تخشاها قريش كما جاء في البخاري، في حديث إسلام أبي ذر الغفاري: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام١؟
قال ابن حجر: وغفار هذه من بني كنانة.
وكان في جنوب الجزيرة العربية "نجران" وفد النصارى الذين أسلموا فانتشرت كواكب الإيمان في بقاع الجزيرة تنير الوجود الإنساني٢، ثم صارت يثرب على أهبة كاملة لاستقبال تلك الجماعة برسالتها فلم يبق إلا الإذن من القيادة التي تتحرك بوحي السماء وجاء الوحي بإذن للجماعة الإسلامية فقط بأن تهاجر٣.
يقول ابن هشام:
أمر رسول -ﷺ- أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها،
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٨ ص١٧٥. ٢ انظر الخريطة المرفقة التي تبين مستوى انتشار الإسلام في ظل العهد المكي في داخل الجزيرة وخارجها. ٣ ابن هشام ج١ ص٤٦٨ وما بعدها.
[ ٦٠٤ ]
واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: إن الله ﷿ قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله -ﷺ- بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة١.
وكان قد انطلق أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، مهاجرا إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة ثم عاد إلى مكة فآذته قريش، فكان أول من نفذ أمر رسول الله -ﷺ- بالهجرة إلى المدينة، ثم هاجر عامر بن ربيعة خليف بن عدي، ومعه امرأته ليلى ابنة أبي حشمة، قال ابن سعد: فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله -ﷺ- أرسالا فنزلوا على الأنصار في دورهم وآووهم وآسوهم٢.
لقد سلمت الكتبية الأولى وانتقلت من جو الجاهلية المتعجرفة إلى جو الأخوة الفسيحة صدرا وكرما وإيمانا وحبا وإيثارا إلى جو الذين يحبون من هاجر إليهم ويؤثرون على أنفسهم إخوانهم، ولو كان بهم خصاصة وخلت مكة إلا من القيادة التي تنتظر الإذن لها بالرحيل، ففي البخاري:
وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله -ﷺ: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٦٨، راجع المواهب ج١ ص٣١٨ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢١٥، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٦. ٢ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢١٥، الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠١، الطبقات ج١ ص٢٢٦، السيرة لابن هشام ج١ ص٤٦٨-٤٧٠، الدرر ص٨١.
[ ٦٠٥ ]
ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله -ﷺ- ليصحبه وعلف راحلتين كانا عنده١.
فالداعية إذن لا يتحرك إلا بالوحي إنه لا ينطق عن الهوى ولا يتحرك عن داعية نفسه إنما هو وحي يوحى.
وانتظر رسول الله -ﷺ- ومعه أصفياؤه الذين سيتولون مسئولية إنهاء الأعمال والأمانات ويصفوا كل العلاقات مع المجتمع الجاهلي.
كان في مكة "عليٌّ"؛ لرسالة خطيرة هي رسالة التضحية والوكالة عن رسول الله -ﷺ- ليبيت في السرير المشرف الزكي العبق الطاهر المقدس ليواجه في حداثة سنه جلبة الشباب الطائش الأحمق، ويا لها من شجاعة وقوة وعزيمة. واحد من شباب الإسلام في سنه الصغيرة يجابه بثبات مكين وإرادة حادة جموع الشباب من قبائله الكثيرة التي عزمت في إصرار على أن تقتل المرتدي هذه البردة الزكية الخضراء ومن خلفهم رأي عام يساعد ويساند ويجيش الفتن ويفرح بيوم النصر.
وكان في مكة الصديق الذي جهز أهله وماله كله من أجل صحبة حبيبه، فاضت لها عيناه فرحا يوم أنبئ بها، ويأتي الإذن للنبي الكريم بالهجرة، ولنستمع للسيدة عائشة ﵂ وهي تروي للتاريخ أعظم حدث غير وجه الحياة من البريق الجاهلي إلى الحق الإسلامي الذي صان كرامة الإنسان وعزه وربطه بالعبودية لله وحده.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٢ ص٢٣٤، ٢٣٥، راجع الحلبية ج٢ ص٣٤.
[ ٦٠٦ ]
قالت عائشة١: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله -ﷺ- متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذ الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله -ﷺ- فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي -ﷺ- لأبي بكر: "أخرج من عندك؟ "، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله! قال: "فإني قد أذن لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال رسول الله -ﷺ: "نعم".
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله -ﷺ- بالثمن٢.
ومع ما في النص من آداب اجتماعية كثيرة تحدد تقاليد الزيارة ومواعيدها، وآداب الدخول والاستئذان، والحيطة في الحديث ذي الشأن، فإن النص يدل صراحة على أن الهجرة كانت أمرا إلهيا انتظره الرسول -ﷺ- لتتم نقلة القيادة إلى طيبة حتى تكتمل للجماعة الإسلامية التي سبقت بالرحيل كل إمكانيات العمل في المرحلة الجديدة.
_________________
(١) ١ راجع الروض الأنف ج٤ ص٢٠٢ وما بعدها. السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٤ الحلبية ج٢ ص٣١. ٢ فتح الباري ج٨ ص٢٣٦، راجع المواهب ج١ ص٣٢٦، ٣٢٧، راجع زاد المعاد ج٢ ص٥٢.
[ ٦٠٧ ]
وفي رواية ابن إسحاق والمواهب: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله! قال: "الصحبة"، قالت عائشة: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ١.
كان جبريل صاحب الوحي وصاحب البراق قد استعد وتهيأت جنود السموات والأرض لحماية الموكب الوحيد في عمر الدنيا الذي ينتقل من المجتمع الظالم إلى إخوانهم في الله أصحاب الميمنة السابقين بالإيمان والفضل والمؤازرة، وكانت قريش سادرة في غيها عابثة بأحلامها مغرورة بأمانيها، فاجتمعت في "البرلمان الجاهلي" في دار الندوة، وهي كما قال في الحلبية: كانت قريش تجتمع فيها للمشاورة في أمورها، ولا يدخلها إلا من بلغ الأربعين، ولا زالت هذه الدار في يد بني عبد الدار حتى كان حكيم بن حزام، فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم، فلامه عبد الله بن الزبير ﵄، وقال: أتبيع مكرمة آبائك وشرفهم، فقال حكيم ﵁: ذهبت المكارم إلا التقوى، والله لقد اشتريتها في الجاهلية "بزق خمر"، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أن ثمنه في سبيل الله تعالى فأينا المغبون٢.
في هذا البرلمان الجاهلي الذي اشتري بزق خمر، اجتمعت رءوس الجاهلية بجاذبيتها وعنفوانها تناقش الآثار التي تستتبع هجرة المسلمين
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٥، المواهب ج١ ص٣٢٧، راجع الفصل السابع في الهجرة من كتاب النبوة والرسالة في التاج الجامع للأصول ج٢٦٣، ٢٦٩. ٢ الحلبية ج١ ص١٧ المواهب ج١ ص٣٢١، راجع الروض الأنف ج٤ ص١٩٨ وما بعدها.
[ ٦٠٨ ]
من مكة فقد أدركوا أن للمسلمين اليوم دار ومنعة، وعرفوا أنهم الآن أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة أو اجتمعوا في "زق الخمر" يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله -ﷺ- حين خافوه١؟ ولقد كانوا عميا وحمقى وأغبياء، فالذي اجتمعوا له اليوم قد قاله لهم من قبل كبيرهم عقبة "يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس٢، ولكنهم يومها قالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد، وقالها أكثم بن صيفي:
إن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلا كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه٣.
جدول الأعمال:
لقد كان ينبغي أن يكون جدول المشاورة أو جدول الأعمال حاويا لكل الأحداث التي مضت.
كان ينبغي أن يكون حاويا:
مقالة عقبة: فأمسكت بفيه فأنشدته الرحم أن يكف، وقد علمت أن محمدا -ﷺ- إذا قال شيئا لم يكذب٤.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٠. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٤. ٣ راجع الباب الأول الفصل الأول نموذج الحكماء. ٤ الحلبية ج١ ص٣٤٠.
[ ٦٠٩ ]
ومقالة "أبي جهل": والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء أن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب، قالوا: منا نبي والله لا أفعل١.
وكان عليهم أن يتفهموا ما عرضه عليهم رسول الله -ﷺ- أول الأمر: "يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة ٢، إني لرسول الله إليكم خاصة والناس كافة" ٣.
وكان عليهم كذلك أن يتدبروا ما قاله لهم يوم أن آذوه وأهانوا أصحابه والمجاهدين بالصبر والثبات معه:
"أتسمعون يا معشر قريش! أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح".
وأخذت هذه الكلمة يومها من القوم مأخذها حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وضاء قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا فما أنت بجهول٤.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٧. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٩. ٣ الحلبية ج١ ص٣٢١. ٤ الخصائص الكبرى ج١ ص٣٦٠، الحلبية ج١ ص٣٣٠.
[ ٦١٠ ]
وكان عليهم كذلك أن يضعوا في قائمة المشاورة قول الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ١.
ولكن الحمق والضلالة والتهريج والعمه الذي ران على قلوبهم وأفئدتهم، والوقر الذي أصم آذانهم دوخهم، فغلى دم الحقد والبغضاء في عقولهم فحاصوا حيصة إبليسية زكاها الشيطان بوسواسه اللعين، وحضرها بشبحه الكاذب ودخل معهم في "زق الخمر"، وكان في المجلس عتبة بن ربيعة، وأبو سفيان والنضر بن الحارث، وأبو جهل ابن هشام، وأمية بن خلف، لقد اجتمع الزعماء والقادة الذين يمثلون النظام الأرضي بكل طينيته وإبليسيته وكانت المحادثات تدور حول: "ما نأمن على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا".
وطالت صياحاتهم وهياجهم وصخبهم، ثم قال لهم الشيخ الإبليسي، قال أبو جهل الذي يمثل الجهالة الجاهلية في كل عصر وحين: "نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا"٢.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٥ من سورة النصر. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨١، ٤٨٢، المواهب ج١ ص٣٢١، ٣٢٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠٢، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٧ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٢٩، الحلبية ج٢ ص٢٨ الدرر ص٨٥، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٧١، ٣٧٢، الروض الأنف ج٤ ص٢٠١.
[ ٦١١ ]
ورضي القوم، وبارك إبليس المعية أبو جهل، وتفرق القوم وهم على ذلك مجمعون، والله أعلم بما يبيتون، لقد أحكم الجاهليون خطتهم: أحكموها متجاهلين ما توعدوا به أنفسهم من قبل، أحكموها في غفلة من ضميرهم الذي يثق أن محمدا لرسول الله، أحكموها وهم في غفلة مما عقلوها سالفا، أنه قد جاءهم بالذبح، لقد أحكموا الخطة والله من ورائهم محيط، وجاء سيدنا جبريل وقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي تبيت عليه، وفي عتمة الليل اجتمعت الثورة الجاهلية على الباب يرصدون متى ينام؟ فيثبون عليه، إنهم لا يقدرون على مواجهته يقظا، وظنوا أنهم يقدرون على مواجهته نائما، فهم لهذا يرصدون متى ينام، ونام "علي" في وسط هذا الجو الذي يملأ مكة رعبا، وتسجى ببردي رسول الله -ﷺ- الأخضر١ الحضرمي، لقد تسجى بالحماية والستر والرعاية والأمان، وهو في طمأنينة مستقرة، وفؤاد أجل استقرارا من الطود العظيم.
لقد نام "علي" وهو يتدثر الإيمان في قلبه ويتسجى ببردي رسول الله -ﷺ- والشباب محيط بالدار يتدثر قلبه بالغيظ والحنق والكراهية ويتوثب بالسيف الصارم، وفي هذا الجو ينفتح الباب، ويخرج رسول الله -ﷺ- وهو يتلو:
﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ
_________________
(١) ١ من رواية ابن الأثير ج٢ ص١٠٣، وفي الطبقات: الأحمر ج١ ص٢٢٨، راجع الحلبية ج٢ ص٢٨، ٢٩.
[ ٦١٢ ]
الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١.
وحصبهم بالتراب، فلم يبق فيهم رجل جليد نسيب وسيط في قوم أبي جهل وأتباعه إلا وضع على رأسه ترابا وناموا أو داخوا أو شلوا أو مسخوا.
لقد سحبت قوتهم وعميت عيونهم حتى جاءهم آت ممن لم يكن معهم فقال لهم ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته٢.
هذه هي نتيجة القرار البرلماني الأرضي الذي يستمد نظامه من الطين حبات حصى نثرها رسول الله -ﷺ- على رءوس الجيش الفتى الذي جاء لينفذ قرار التنظيم الأرضي.
ويسلم "علي" من المؤامرة ويبقى في مكة ليصفي بقيات العلاقات ويؤدي الأمانات التي كان يحفظها الجاهليون عند محمد رسول الله -ﷺ- ليقينهم أنه وحده الأمين الصادق٣.
_________________
(١) ١ راجع السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٢ والآيات من رقم ١-٩ من سورة يس. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٣ راجع الحلبية ج٢ ص٢٩، ٣٠، السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٣٠، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٨ المواهب ج١ ص٣٢٣ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٧٣. ٣ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٨٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠٣.
[ ٦١٣ ]
وينطلق الركب النبوي ومعه الصديق الوفي إلى غار ثور أو جبل ثور، وتبقى سرية المخابرات الإسلامية في مكة. عبد الله بن أبي بكر يتسمع ما يقول الناس فيها نهارا ليبلغ الأخبار إليهما ليلا، وعامر بن فهيرة يرعى الغنم نهارا ثم يريحها عليهما في الغار عند المساء، وأسماء بنت أبي بكر تجهز الزاد وتذهب به في ثياب الليل الأسمر.
ولم يكن أبو بكر رفيقا مؤنسا بل كان فدائيا حبيبا إليه أن تكون روحه فداء رسول الله -ﷺ- لقد دخل الغار أولا لينظر ما فيه من حشرات وينظف منزل النبي -ﷺ- ثم هو يترقب الحركة والهمسة والصوت ووقع القدم وخلجات المتجسسين بينما النبي -ﷺ- يصلي١.
وجاءت قريش ومعها الخبراء في اقتفاء الآثار، كرزين علقمة وسراقة بن جعشم وحكمت فلسفتهما وعبقريتهما أن آثار الأقدام انتهت إلى غار ثور، ولكنه بعد ذلك لا يدري أيمينا أم يسارا اتجه الركب، أم صعد الجبل٢.
يقول ابن كثير:
اقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه٣.
_________________
(١) ١ الحلبية ج٢ ص٣٨. ٢ المواهب ج١ ص٣٣٠. ٣ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٣٩ راجع المواهب اللدنية ج١ ص٣٣٢.
[ ٦١٤ ]
كان فتيان قريش من كل بطن يحيطون الغار بعصيهم وهراواتهم وسيوفهم وحماسهم وكراهيتهم ومرارة هزيمتهم البارحة، وقال لهم حكماؤهم وفلاسفتهم ووجهاء القوم عندهم: "إلى باب الغار انتهى وقع الأقدام"، فلماذا لم يدخلوا الغار؟
لقد اقترح بعضهم أن يقتحم الغار ويفتشه، ولكن الذكي الألمعي الرائد الفيلسوف العظيم أمية بن خلف قال لهم: وما أربكم إلى الغار إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد؟ ١
لماذا لم يفترض الفيلسوف الماهر أن تلك الراءة والشجرة والحمامتان الوحشيتان سحر من سحر محمد، فيسمح للجيش الجرار المتحمس لتنفيذ قرار برلمان زق الخمر بتفتيش الغار فيا ربما وجدوا أربتهم.
لقد كانوا من الحمق بحيث لا يعقلون ما يريدون، ولا يفهمون ما يودون ألم يقل لهم في مكة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، فلماذا لم يقدروا على إزالتها وتفتيش ما بداخل الغار؟ لقد أضلهم الله على علم وختم على سمعهم وأبصارهم، فمن يهدهم من بعد الله؟
وعادت قريش:
عاد أعضاء البرلمان الجاهلي الأرضي العبقري وعادت حفالة الشباب الجليد النسيب الفتي، وعادت فلاسفة القيافة والأثر بخيبة أمل لا مثيل لها في التاريخ، ولكن الكفر لا تهدأ ثورة دمه، فإذا ما غلى
_________________
(١) ١ الحلبية ج٢ ص٤٠. ٢ العنكبوت: ٤١.
[ ٦١٥ ]
حقده فلا يهدأ حتى ينسكب على الأرض هدر، فأعلنوا جائزة مالية كبرى لمن يأتي بالركب أسيرا أو قتيلا١، وتظهر عندئذ الأنانية وحب الذات، وتضيع قيمة الرأي العام وتتلاشى قيمة القرار البرلماني الذي اتفق عليه في "زق الخمر"، فلم يكن المهم الآن هو تنفيذ القرار ولكن المهم الأسمى هو الحصول على المنحة "مائة ناقة" رأسمال كبير في صحراء قاحلة، فيا لها من صفقة يسيل لها لعاب الماديين، ويأتي رجل يقول: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفا، إني لآراهم محمدا وأصحابه، ولكن سراقة يريد أن يحظى وحده بالمنحة الكبيرة فيومئ بعينيه للمتكلم: "أن اسكت"، ويوهم على القوم ويمتطي جواده ويريد أن يلحق بالركب الذي تحفه رعاية الله وتحرسه الملائكة وتغشاه الرحمة وتنزل عليه السكينة وتسخر له جنود السموات والأرض ليكون في الأمن والطمأنينة والأنس بالله.
وعلى بركة الله، وعلى نور منه، وهدى وصراط مستقيم ينطلق الركب النبوي المهاجر إلى الله.
النبي الرسول الخاتم رحمة الله للعالمين جميعا.
والصديق الصديق السابق.
وعامر بن فهيرة الحادي للركب الأمين.
_________________
(١) ١ راجع التاج الجامع ج٣ ص٢٦٧.
[ ٦١٦ ]
وعلى رمال الطريق السوي يتهادى أجل موكب: ناقتان تحملان أعظم رجل في الوجود الإنساني كله.
جاء يعلم الناس كرامتهم، ويرد إليهم إنسانيتهم، ويدلهم على الصراط المستقيم، ويضمن لهم سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة لا يريد منهم جزاء ولا شكورا، ولا يكون فيهم ملكا ولا جبارا، ولكنه بالمؤمنين رءوف رحيم.
وينطلق سراقة تدفعه شهوة المال وظمأ الثروة، ويجري وهو يلهث، والركب النبوي تحوطه الرعاية الإلهية حتى يصل الركب إلى دار أم معبد عاتكة١ بنت خالد الخزاعية، فيقيل عندها يوم الثلاثاء ويطلبون منها لبنا أو لحما يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا وقالت لهم: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى، فنظر رسول الله -ﷺ- إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم، فسألها -ﷺ: "هل بها من لبن؟ "، فقالت: هي أجهد من ذلك، فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟ "، فقالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حليبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها، ومسح ضرعها وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط -أي يشبع الجماعة حتى يربضوا- فحلب فيه ثجا -حلبا قويا- وسقى القوم بعد أن سقى أم معبد حتى رويت ورووا، ثم شرب -ﷺ- آخرهم، وقال: "ساقي القوم آخرهم شربا"، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللا بعد نهل ثم حلب فيه أخرى وغادره عندها
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٢٣٢.
[ ٦١٧ ]
وذهبوا فيما لبث أن جاء أبو معبد زوجها، فلما رأي اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاة عازب حبال ولا حلوب بالبيت؟ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق وسيم قسيم في عينيه دعج وفي صوته صحل أحور أكحل أزج أقرن حلو المنطق١، فقال هذا والله صاحب قريش لو رأيته لاتبعته ولأجتهدن أن أفعل.
قال ابن كثير: قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله -صلى الله عليه وسلم٢.
هكذا يستدل الأصفياء على صدق النبوة بحال النبي -ﷺ- ففي اللحظة التي كان يتسابق فيها سراقة مع هواه، ويسرع من أجل أمنيته كانت أم معبد وزوجها في بحبوحة من الإخلاص والصدق وصفاء من القلب ونظافة من وسوسة الشيطان، لقد أحسا ببركة النبي -ﷺ- فنطقا بهذه البركة واستدلا بها على صدق نبوته فأسلما وهاجرا.
أما سراقة فقد أخلد إلى الأرض واتبع ما وجد عليه آباءه واستمر بفرسه يجري حتى لحق بالركب النبوي الكريم.
ومرى أخرى تلتقي ثورة الأرض بجنود السماء وطغيان العقل ببركة الوحي، وينادي سراقة بن جعشم أصحاب الركب
_________________
(١) ١ راجع معاني هذه الأوصاف كتاب الشفاء ج١ ص٣٢٨ شرحي: علي القاري ونسيم الرياض. ٢ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٦٣، رجع الحلبية ج٢ ص٥٣.
[ ٦١٨ ]
ليردهم بزعمه، ولكن جنود الأرض التي أخلد إليها تعيبه وتؤدبه وتهزمه وتهزأ به.
يقول ابن هشام:
فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله -ﷺ- لأبي بكر: "قل له: وما تبتغي منا؟ ".
قال: فقال ذلك أبو بكر.
قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك.
قال: اكتب له يا أبا بكر١.
وباء سراقة بمثل ما رجعت به قريش من قبل، بيد أن كرم النبي -ﷺ- وهو أجود من الريح المرسلة كان أوسع من وعود قريش وأعظم عفوا عن المسيء، فرد سيئات سراقة ووعود قريش الواهية بقرار نبوي صادق تهتز له جوانح سراقة فرحا، ويتيه بها على الزمان فخرا. قال ابن الأثير:
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٩، ٤٩٠، راجع الطبقات ج١ ص٢٢٢، المواهب اللدنية ج١ ص٣٤٦ وما بعدها.
[ ٦١٩ ]
فلما أراد أن يعود عنه قال له رسول الله -ﷺ: "كيف بك يا سراقة إذا سورت بسواري كسرى؟ ".
قال: كسرى بن هرمز؟
قال: "نعم".
فعاد سراقة، فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب إلا قال: كفيتم ما ههنا، ولا يلقى أحدا إلا رده١.
ويمضي الركب النبوي في أمان الله وعنايته، تنتظره الجماعة الإسلامية الراشدة، ويطول سفر الركب، وتطول فترات الانتظار والقلوب متشوقة، والعواطف منجذبة والعيون تطيل شعاعها إلى آفاق الحرة إلخ.
ولأصاحب بروحي موكب رسول الله -ﷺ- وأشرف بمتابعة وعثاء ركبه بعد أن قال يوم الثلاثاء في قديد، وعاد سراقة بسواري كسرى، وانطلق الركب النبوي إلى طابة تنتظره الوفود الوفية وهي تنشد لحن الوفاء:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع٢
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠٧، المواهب ج١ ص٣٤٧، راجع الحلبية ج٢ ص٤٨. ٢ المواهب اللدنية ج١ ص٣٥٩ الحلبية ج٢ ص٥٨.
[ ٦٢٠ ]
ويمضي الركب الظافر ليقود الحياة إلى:
عبودية مطلقة لله وحده.
عبودية العقيدة والإيمان.
عبودية التشريع والقانون.
عبودية الأخلاق والعادات.
عبودية القلب والعقل.
عبودية الفرد والأسرة.
عبودية الدولة والمجتمع.
عبودية الحكم فيها لله رب العالمين.
ويمضي الركب الظافر ليحشد للحق أجناده، ويعتد للموقف الفاصل حتى تكون كلمة الله هي العليا، وتخفق الراية الربانية على وجه الأرض كلها:
لا إله إلا الله محمد رسول الله١.
_________________
(١) ١ من مراجع هذا الفصل السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٤٨٠، ٤٩٠، المواهب ج١ ص٣١٨، ٣٤٩، فتح الباري ج٨ ص٢٣١، ٢٤٢، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٧، ٢٣٢ الخصائص الكبرى ج١ ص٤٦٧، الدرر ص٨٠-٨٨، السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٣٣-٢٤٩ الرسول -ﷺ- لمحات من حياته ونفحات من هدية ص١٣٧-١٣٩، الوفاء ج١ ص٢٣٥-٢٤٥، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ج١ ص٤٩٤، ٥١٥.
[ ٦٢١ ]