من هدي النبي - ﷺ - في صناعة الشخصية المسلمة
وفيه مباحث:
المبحث الأول: آداب الممادحة
المبحث الثاني: هدي النبي - ﷺ - في المزاح
المبحث الثالث: الوفاء للزوجة وأهل العشرة والمعروف
[ ٩٣ ]
المبحث الأول: آداب الممادحة
مما شاع بين الناس اليوم تمادحهم في المجالس وعلى صفحات الجرائد وفي شاشات الفضائيات، وهذا التمادح بعضه بحق، وكثير منه جاوز الحق وجافاه.
وبداية نقول بأن النبي - ﷺ - مُدح في وجهه، ومدَح هو بعضَ أصحابه في وجوههم، مما يدل على جواز المدح، إذا أُمنت الفتنة منه على الممدوح.
ومن صور ذلك أن النبي - ﷺ - وقف يومًا بين أصحابه، فقال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة».
قال أبو بكر - ﷺ -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ فقال - ﷺ -: «نعم وأرجو أن تكون منهم» (١)،
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٨٩٧)، ومسلم ح (١٠٢٧).
[ ٩٥ ]
فهذا مدح من النبي - ﷺ - لأبي بكر في حضوره، و"فيه من الفقه: أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم على وجه الإعلام بصفاتهم، لتُعرف لهم سابقتُهم وتقدمُهم في الفضل، فينزلوا منازلهم، ويُقدَّموا على من لايساويهم، ويُقتدى بهم في الخير، ولو لم يجز وصفُهم بالخير والثناءُ عليهم بأحوالهم لم يُعلم أهل الفضل من غيرهم، ألا ترى أن النبي ﵇ خص أصحابه بخواص من الفضائل بانُوا بها عن سائر الناس وعُرفوا بها إلى يوم القيامة " (١).
ومدح النبي - ﷺ - عمر بن الخطاب في حضوره فقال: «ما رآك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك» (٢)، "وهذا من جملة المدح، لكنه لما كان صدقًا محضًا وكان الممدوح يؤمن معه الإعجاب والكبر مدح به، ولا يدخل ذلك في المنع، ومن جملة ذلك الأحاديثُ المتقدمة في مناقب الصحابة ووصف كل واحد منهم بما وصِف به من الأوصاف الجميلة" (٣).
_________________
(١) شرح ابن بطال (٩/ ٢٥٥).
(٢) أخرجه البخاري ح (٣٦٨٣)، ومسلم ح (٢٣٩٧).
(٣) فتح الباري، ابن حجر (١٠/ ٤٧٩).
[ ٩٦ ]
ولا يخلو التمادح والثناء على الناس من فوائد، ففيه استنهاض للهمم وتذكير بحق الله بالحمد والشكر على نعمة الذكر الحسن والشهادة الصادقة من المؤمنين، فعن أبي ذر - ﵁ - أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: أريت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال - ﷺ -: «تلك عاجل بشرى المؤمن» (١).
قال النووي: "قال العلماء: معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه، ومحبته له، فيحببه إلى الخلق هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم" (٢).
وهكذا فإن مدح الإنسان في وجهه جائز، إذا أُمنت غائلة هذا المدح، وانضبطت بالضوابط التي وضعها النبي - ﷺ -، والتي تجنب هذه الظاهرة ما تستخره من الفتنة والغرور وفساد قلبه.
وقد استحب العلماء لمن مُدح أن يتواضع لله، وأن يستشعر ضعفه وتقصيره، حتى لا يغلب عليه الكبر والعجب،
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٦٤٢).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٨٩).
[ ٩٧ ]
وقد كان الصحابة ﵃ إذا أُثني عليهم يقولون: (اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون) (١)، وقال بعض السلف: (اللهم إنَّ هؤلاء لا يعرفوني، وأنت تعرفني) (٢).
التمادح المذموم:
ولترشيد ظاهرة التمادح نتأمل هدي النبي - ﷺ - لنقف على المواطن التي يذم فيها مدح الآخرين والثناء عليهم.
وأولها: عدم المدح في حضور الممدوح إذا ظُن أن يؤدي إلى مفاسد تَضر به، كأن تصيبه بالإعجاب أو الغرور، أو غيره من الآفات القلبية، فإن ذلك من الفتنة والإهلاك، لذا لما سمع - ﷺ - رجلًا يثني على رجلٍ ويطريه في المدح في حضوره، فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» (٣).
قال ابن بطال: "حاصل النهي هنا أنه إذا أفرط في مدح آخر بما ليس فيه، لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح (٧٦١)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ح (٥٨٩).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن واحد من السلف لم يسمه (٦/ ٢٢٤).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٦٦٣)، ومسلم ح (٣٠٠١).
[ ٩٨ ]
المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالًا على ما وصف به" (١).
وفي مثل هذه الحالة أمر النبي - ﷺ - بحثي التراب في وجه المادح، ففي حديث المقداد - ﵁ - أن رجلًا جعل يمدح عثمان - ﵁ -، فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال إن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» (٢).
وهذه الأخبار التي تمنع المدح وتذمه لا تتعارض مع ما ذكرناه من أخبار تقتضي الإباحة، فقد جُمع بينهما "أنه إن كان عند الممدوح كمال إيمان وحسن يقين ورياضة، بحيث لا يفتن ولا يغتر ولا تلعب به نفسه، فلا يحرم ولا يكره، وإن خيف عليه شيء من ذلك كره مدحه" (٣).
وأخرج الإمام أحمد أن معاوية كان لا يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات اللاتي يحدث بهن عن النبي - ﷺ -: «ومن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٤٧٧).
(٢) أخرجه مسلم ح (٣٠٠٢).
(٣) المجموع، النووي (٤/ ٦٥١).
[ ٩٩ ]
بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح؛ فإنه الذبح» (١)، وذلك "لما فيه من الآفة في دين المادح والممدوح، وسماه ذبحًا لأنه يميت القلب، فيخرج من دينه، وفيه ذبح للممدوح، فإنه يغره بأحواله، ويغريه بالعجب والكبر، ويرى نفسه أهلًا للمِدْحة، سيما إذا كان من أبناء الدنيا أصحاب النفوس وعبيد الهوى" (٢).
وثانيها: أن يؤدي المدح إلى المبالغة، فيحمل من الإطراء ما جاوز الحقيقة أو خرج عن حده إلى التكلف، وقد كرهه النبي - ﷺ - حين سمع من بعض المسلمين ثناء عليه متكلفًا، فقد قيل له: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» (٣).
وفي موقف آخر جاءه رجل فقال: أنت سيد قريش. فقال - ﷺ -: «السيد الله» فقال الرجل: أنت أفضلُها فيها قولًا،
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٦٣٩٥)، وابن ماجه ح (٣٧٣٣)، وحسن الألباني إسناده في صحيح ابن ماجه ح (٣٠١٧).
(٢) فيض القدير، المناوي (٣/ ١٦٧).
(٣) أخرجه أحمد ح (١٢١٤١).
[ ١٠٠ ]
وأعظمُها فيها طولًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ليقل أحدكم بقوله، ولا يستجرُه الشيطان» (١).
وفي موقف ثالث سمع النبي - ﷺ - جارية تغني بشعر في ندب من مات في بدر، فلما قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد؛ قال - ﷺ -: «لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين» (٢) أي من الشعر الذي لا إطراء فيه، وفي هذا الحديث "جواز مدح الرجل في وجهه ما لم يخرج إلى ما ليس فيه .. وإنما أنكر عليها ما ذكر من الإطراء حين أطلق علم الغيب له، وهو صفة تختص بالله تعالى" (٣).
لقد رفض - ﷺ - كل صور الثناء والمبالغة في المدح، الذي يجاوز الحقيقة فقال محذرًا وناهيًا: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله» (٤)، أي: "لاتصفوني بما ليس لي من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله، فكفروا بذلك وضلوا" (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٥٨٧٢).
(٢) أخرجه البخاري ح (٤٠٠١).
(٣) فتح الباري، ابن حجر (٩/ ٢٠٣).
(٤) أخرجه البخاري ح (٣٤٤٥).
(٥) شرح ابن بطال (٩/ ٢٥٤).
[ ١٠١ ]
وفي هذا براءة نبوية من كثير مما يصنعه ويقوله عنه بعض المسلمين، كادعاء بعضهم أنه - ﷺ - يعرف الغيب، أو أنه يحضر بعض مجالسهم ومحافلهم، أو أنه يقدر على دفع الضر أو جلب النفع لهم وهو ميت في قبره، وغيرها مما لم يثبت له ولا عنه - ﷺ -.
وقد اتفق أن خسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابنُ النبي - ﷺ -، فقال بعض الصحابة: إنها خسفت لموت إبراهيم، وهو ربط غير صحيح ينطوي على الإطراء والمبالغة، فقام النبي - ﷺ - فخطب الناس ونبههم على خطأِ ربطهم، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» (١).
وأما ثالث المواضع التي يذم فيها المدح؛ فهو مدح الظالمين، كرئيسِ شركة يظلم عماله أو مديرِ مصنع يأكل حقوق مستخدميه، أو حاكم يظلم شعبه، فالثناء على أمثال هؤلاء يغُرهم ويغريهم بالمزيد من الظلم، وهذا ما يجعل المادح شريكًا في الظلم ومعينًا عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (هود: ١١٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٠٤٦)، ومسلم ح (٩٠١).
[ ١٠٢ ]
ويزداد الأمر سوءًا إذا كان المدح بالباطل وطمعًا فيما عند الممدوح من متاع الدنيا، وهذا من الكذب الذي حرمه الله، وقد كتب معاوية إلى أمِ المؤمنين عائشةَ ﵂: أن اكتبي إلي كتابًا توصيني فيه، ولا تكثري علي، فكتبت له ﵂: سلام عليك، أما بعد، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» (١).
وفي رواية موقوفة على عائشة أنها قالت: (من أرضى الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاّمًّا) (٢).
قال الغزالي: "آفة المدح في المادح أنه قد يكذب، وقد يرائي الممدوحَ بمدحه، ولا سيما إن كان فاسقًا أو ظالمًا" (٣).
وأما رابع صور المدح المذموم فهو مدح الرجل بما لا يدري حقيقته على وجه الجزم، كالحكم على معَيَّن أنه من
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٤١٤).
(٢) أخرجه ابن ابي شيبة ح (٧/ ٢٦٧).
(٣) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٧٨).
[ ١٠٣ ]
الصالحين أو الأتقياء، وهذا مما لا يمكن لأحد القطع فيه، فهو غيب لا يعرفه إلا الله، لذلك ينبغي أن يضيف المادح ما يعلق مدحه بالظن، كقوله: أحسبه تقيًا، أو أظنه من الصالحين.
وهذا الأدب سبق إليه النبي - ﷺ - فقال لمادح عنده: «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يُزكي على الله أحدًا» (١)، أي "لا أقطع على عاقبة أحد ولا على ما في ضميره لكون ذلك مُغيبًا عنه، وجيء بذلك بلفظ الخبر «ولا يزكي على الله أحدًا» ومعناه النهي، أي لا تزكوا أحدًا على الله، لأنه أعلم بكم منكم" (٢).
ولو أصخنا السمع إلى خبرة رجل جرب الحياة وخبَرها، لرأينا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - يسدي النصح لأولئك المسارعين بالمدح والثناء على الآخرين بحق وبغير حق، فقد سمع - ﵁ - رجلًا يثني على آخر، فقال له عمر: (أسافرت معه؟) قال: لا، قال: (أخالطته في المبايعة؟) قال: لا، قال: (فأنت جاره صباحُه ومساؤه؟) قال: لا، فقال عمر: (والله الذي لا إله إلا هو ما أراك تعرفه) (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٦٠٦١)، ومسلم ح (٣٠٠٠).
(٢) فتح الباري، ابن حجر (١٠/ ٤٧٧).
(٣) إحياء علوم الدين (٣/ ١٦٠).
[ ١٠٤ ]
وإذا كان المدح للناس شهادة نشهدها لهم بين يدي الله علام الغيوب، وشهادة لهم عند الناس، تُبنى عليها بيوت أو تجارات أو غيرُها من المصالح، فحري بالمسلم أن لا يشهد إلا عن علم، وأن لا يشهد إلا بحق، وأن ينأى عن الإطراء والمبالغة، والقطع بما لا يعلم، فهذه من آفات المدح التي تجعله مذمومًا.
[ ١٠٥ ]
المبحث الثاني: هدي النبي - ﷺ - في المزاح
الأصل في المسلم أن يكون جادًا، إذ لم يخلقنا في هذه الدنيا للعبث واللعب، لكن الجد لا يدوم إلا إذا خالطه شيء من المزاح، الذي هو بمثابة الملح من الطعام، فبالمزاح والدعابة تزهو علاقات الناس وتزدان مجالسهم، إذا لم يجاوز قدره، فكما يقولون: الشيء إذا جاوز حده انقلب إلى ضده.
وكما نهى - ﷺ - عن الإفراط في كل أمر ولو كان حسنًا؛ فإنه قد نهى عن الإفراط في المزاح، لما يجر إليه من غفلة القلب وقسوته، وشغله عما خلق له من عظائم الأمور «ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» (١)، والمزاح سبب رئيس من أسباب الضحك.
وإذا كان الإكثار من الضحك مذمومًا، فإن أصلَه غيرُ ممنوع، فقد كان النبي - ﷺ - يستمع إلى ضحك أصحابه، ويشاركهم بالتبسم يقول جابر بن سمرة: (كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، وكانوا
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٣٠٥)، وابن ماجه ح (٤١٩٣)، وأحمد ح (٧٧٤٨).
[ ١٠٦ ]
يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم - ﷺ -) (١).
وحتى يتمكن الصحابة الكرام من التمازح؛ فإن النبي - ﷺ - كان لا يلتفت إذا مشى، وكان ربما تعلق رداؤه بالشجرة أو الشيء، فلا يلتفت حتى يرفعوه، لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون، وكانوا قد أمنوا التفاته - ﷺ - (٢) فالصحابة يعرفون قدر النبي - ﷺ - فيهابون المزاح أمامه، وهو لا يريد أن يضيق عليهم فيما أحله الله لهم.
المزاح المذموم:
والمزاح يصبح حرامًا إذا صاحبه مخالفة شرعية، كالكذب والترويع وغيرها مما بينه رسول الله - ﷺ -، فقد يخرج صاحبه عن الغاية التي شرع لأجلها.
فالبعض يمزح، ويكذب في مزاحه، ويعلله بأنه كذب أبيض، يقصد أن إضحاك الحضور وبعث السرور في نفوسهم، ولم يدر المسكين أن الكذب لون واحد محرم، سواء أكان هذا
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٦٧٠).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ح (٣٢١٦)، قال الهيثمي: إسناده حسن، مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٣).
[ ١٠٧ ]
الكذب لإضحاك الناس أم لغيره، فقد قال - ﷺ -: «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له» (١)، وفي رواية لأحمد «إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بأسًا إلا ليضحك بها القوم؛ فإنه يقع فيها أبعد ما بين السماء والأرض» (٢).
ويضمن النبي - ﷺ - الجنة لمن فعل ثلاث خصال، ومنها ترك الكذب في المزاح، يقول - ﷺ -: «أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (٣).
وهكذا فالمزاح مباح ما لم يتلبس بالكذب، وقد كان نبينا - ﷺ - يمزح ولا يكذب، قال له أصحابه: يا رسول الله إنك تداعبنا! فقال: «إني لا أقول إلا حقًا» (٤).
ومما يجعل المزاح حرامًا أن يتلبس بترويع الآمنين وتخويفهم، كالاختباء للشخص؛ ثم مفاجأته بقصد تخويفه
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٣١٥)، وأبو داود ح (٤٩٩٠)، الدارمي ح (٢٧٠٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ح (٢٣١٥).
(٢) أخرجه أحمد ح (١٠٩٠٣).
(٣) أخرجه أبو داود ح (٤٨٠٠).
(٤) أخرجه الترمذي ح (١٩٩٠)، وأحمد ح (٨٣٦٦).
[ ١٠٨ ]
للضحك من ذلك، ومثله ترويعه بإخفاء جواله أو مفاتيح سيارته أو غيرها، بقصد الضحك والممازحة.
ولمن أراد أن ينظر هدي محمد - ﷺ - نذكر أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يسيرون مع رسول الله في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال - ﷺ -: «ما يضحككم؟» فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نُبُل هذا ففزع. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا» (١) أي "لا يحل لمسلم أي يفزع مسلمًا؛ وإن كان هازلًا كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى أو أخذ متاعه؛ فيفزع لفقده، لما فيه من إدخال الأذى والضرر عليه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢).
وقال - ﷺ -: «لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ صاحبه جادًا ولا لاعبًا، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه؛ فليردها عليه» (٣).
ومن أعظم الترويع وأمقته إلى الله رفعُ السلاح في وجه المؤمن ولو بالمزاح، فكم من مزاح انقلب إلى مأساة، لعدم
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ح (٢١٩٨٦)، ونحوه أبو داود ح (٥٠٠٤).
(٢) فيض القدير، المناوي (٦/ ٥٧٩).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ح (١٧٢٦١) وأبو داود ح (٢١٩٤).
[ ١٠٩ ]
الوقوف عند حدود الهدي النبوي: «لا يشير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» (١).
وفي حديث آخر من الوعيد ما فيه مزدجر لكل من ألقى السمع وهو شهيد: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (٢).
كما يذم المزاح إذا اقترن بمنكرات يفعلها البعض، فتهدم الأسر أحيانًا وتهدم الدين في أحيانَ أخرى.
وأما ما يهدم الأسر فهو ما دأب عليه بعض الأزواج من جعل الحلف بالطلاق فاكهة لمجالسهم، فإذا أراد من زميله أن يكمل عشاءه حلف عليه بالطلاق؛ فلربما أكل الزميل فسعدت الأسرة، ولربما امتنع فوقعت المصيبة وتشتت الأبناء، وكذلك إذا أراد هذا العابث التأكيد على حضوره لموعد ما أقسم بالطلاق، ولربما أراد ممازحة زميل له، فطلق زوجته هازلًا في ذلك، أو لربما زوج بعضهم ابنته لصديقه وهو يمزح في ذلك
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٦١٦).
(٢) أخرجه البخاري ح (٧٠٧٢)، ومسلم ح (٢٦١٧).
[ ١١٠ ]
كله ولا يقصده، وقد قال النبي - ﷺ -: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (١).
وأما ما يهدم الدين من المزاح، فهو ما خرج عن دائرة الشرع وضوابطه، وأوقع صاحبه في أبواب الكبائر، ونراه عند كثيرين اليوم، ممن لا يجدون مادة لطرفتهم وظُرْفهم إلا الدين وما يتعلق به من مقدسات، فالبعض يطلق نكاتًا وطُرفًا يتلبسها الاستهزاء ببعض القرآن أو الأنبياء أو الأحكام الفقهية أو العلماء حملة الدين، وهذا باب خطير حذر منه القرآن، واعتبره نوعًا من النفاق.
وقد وقع هذا النوع من المزاح من بعض المنافقين يوم تبوك حين استهزؤوا برسول الله - ﷺ - وأصحابه حين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء.
فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فسألهم، فأقروا واعتذروا إليه بأنهم كانوا يمزحون ويهزلون، وأنهم لم يقولوا هذا جادين، فأنزل الله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (١١٨٤)، وأبو داود ح (٢١٩٤)، وابن ماجه ح (٢٠٣٩).
[ ١١١ ]
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٤ - ٦٥) (١).
قال القاضي ابن العربي: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًا أو هزلًا، وهو - كيفما كان - كفر، فإن الهزْل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل" (٢).
والإمام ابن تيمية ينقل اتفاق المسلمين على أن كفر مرتكب الإساءة إلى النبي - ﷺ - ولو بالهزل: " قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له [- ﷺ -] كفر مبيح للدم .. ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه .. أو لا يقصد شيئًا من ذلك، بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك، فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سبًا، فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (٣).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٣٣).
(٢) نقلًا عن الجامع لحكام القرآن (٨/ ١٩٧).
(٣) الصارم المسلول (١/ ٥٢٦).
[ ١١٢ ]
وأما ما نراه من بعض الناس من استخدام آيات القرآن في غير ما نزلت له من المزاح واللغو من غير الوقوع في الاستهزاء، فإن أقل ما يقال في فعل هؤلاء أنه مكروه، قال النووي: "يكره من ذلك ضرب الأمثال في المحاورات والمزح ولغو الحديث، فيكره في كل ذلك تعظيمًا لكتاب الله تعالى" (١).
وقد استقبح القرآن الكريم اتهام اليهود لموسى ﵇ بالهزل والمزاح حين أمرهم بذبح البقرة فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، أي أتمازحنا وتهزل معنا؟ وما درى هؤلاء أن الهزل لا يكون في مثل هذا، فالدين والوحي والبلاغ عن الله هو أبعد ما يكون عن هذا الباب، لذا أجابهم موسى ﵇ بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: ٦٧).
والبعض يتجنب المزاح الحرام، لكنه لا يمتنع عن مجالسة أهله، ولربما شاركهم بالتبسم والاستماع، وهذا باب من الحرام والمشاركة في الإثم، وقد حذر الله منه في القرآن فقال لنبيه - ﷺ - وللمؤمنين من بعده: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ٨٦)، فالخوض مع هؤلاء
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ١٦٤).
[ ١١٣ ]
يعرضهم لسخط الله ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (المدثر: ٤٢ - ٤٥)، فالجلوس مع هؤلاء الهازلين ومشاركتهم الضحكَ على طرفهم التي جعلت من الدين مادة للسخرية سبب في استجلاب مقت الله، وهو نوع من المشاركة والرضا بما يصدر منهم ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء:١٤٠).
قال الطبري في تفسيره: "وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثله، يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم، وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه" (١).
_________________
(١) جامع البيان (٩/ ٣٢٠).
[ ١١٤ ]
ولما كان الاستماع إلى المزاح الحرام يشرك السامع في المعصية، فإن النبي - ﷺ - لم يرض به في مجلسه، بل استنكره، فقد صعد ابن مسعود - ﵁ - على شجرة، فنظر أصحابه إلى ساقه وكانت نحيلة جدًا، فضحكوا من ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما تضحكون! لرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد» (١).
وهكذا فالمزاح يحرم ويكره حين تتلبسه المحرمات والمكروهات، ولكنه مباح حين يبرأ من هذه الرزايا وأمثالها، بشرط أن لا يجاوز قدره.
صور من مزاح النبي - ﷺ -:
وقد أجاز العلماء المزاح، ونقل المناوي أنه "قيل لابن عيينة: المزاح سبة؟ فقال: بل سُنَّة، ولكن من يحسنه، وإنما كان [- ﷺ -] يمزح، لأن الناس مأمورون بالتأسي به والاقتداء بهديه، فلو ترك اللطافة والبشاشة، ولزِم العبوس والقطوب لأخذ الناس من أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من الشفقة والعناء، فمزح ليمزحوا، ولا يناقض ذلك خبر «ما أنا من دد،
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٩٢٢)، والبخاري في الأدب المفرد ح (٢٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ح (١٠٥).
[ ١١٥ ]
ولا الدد مني» فإن الدد اللهو والباطل، وهو كان إذا مزح لا يقول إلا حقًا" (١).
وقد مزح النبي - ﷺ - مع أصحابه، فكيف كان - ﷺ - يمزح، ولم كان يمزح، هل لمجرد الضحك والتسلي، أم كان له - ﷺ - في مزاحه مقاصد سامية؟
لا ريب أن مزاح النبي - ﷺ - مبرء عن العبث؛ مشتمل على مقاصد عظيمة ودروس تربوية بليغة، ما أحرانا أن نعمل على تلمسها من خلال تتبع بعض صور مزاحه - ﷺ -.
وأول ما يلوح لنا من هذه المقاصد في تحببه - ﷺ - لأصحابه ومؤانسته لهم، وقد نبه عليه النووي بقوله: "المزاح المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة، فإنه يورث الضحك والقسوة، ويشغل عن الذكر والفكر في مهمات الدين، فيورث الحقد، ويسقط المهابة والوقار.
وما سلم من ذلك هو المباح الذي كان المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعله، فإنه إنما كان يفعله نادرًا
_________________
(١) فيض القدير (٣/ ١٨)، والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح (٧٨٥)، والطبراني في الأوسط ح (٤١٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ح (٤٦٧٣).
[ ١١٦ ]
لمصلحة، كمؤانسة وتطييب نفس المخاطب، وهذا لا منع منه قطعًا، بل هو مستحب" (١).
ومن مزاحه - ﷺ - الذي يتحبب به إلى أصحابه أنه قدم إليه صهيب الرومي وهو رمد العين، وبين يدي النبي - ﷺ - تمر وخبز، فقال لصهيب: «أدن فكُل»، فأخذ صهيب يأكل من التمر دون الخبز، فقال له النبي - ﷺ - مازحًا: «تأكل تمرًا وبك رمد؟!» قال: إني أمضغ من ناحية أخرى. فتبسم رسول الله - ﷺ - (٢).
وفي مرة أخرى دخل رجل على النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله احملني، قال النبي - ﷺ - مازحًا: «إنا حاملوك على ولد ناقة»، فظن الرجل أن النبي - ﷺ - يحمله على ابن صغير للناقة فقال: وما أصنع بولد الناقة، فقال - ﷺ -: «وهل تلد الإبل إلا النوق» (٣).
وفي رجوع النبي - ﷺ - من غزوة تبوك جلس في قبة صغيرة، فأتاه عوف بن مالك الأشجعي يستأذن في الدخول عليه، يقول عوف: فسلمتُ، فردَّ وقال: «ادخل».
_________________
(١) الأذكار، ص (٣٢٧).
(٢) أخرجه أحمد ح (١٦١٥٥)، وابن ماجه ح (٣٤٤٣).
(٣) أخرجه أبو داود ح (٤٩٩٨)، والترمذي ح (١٩٩١).
[ ١١٧ ]
فلما رأى عوف صغر القبة قال للنبي - ﷺ - ممازحًا: أكلي يا رسول الله؟ قال: «كلُّك»، فدخل - ﵁ - (١).
وجاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - تقول له: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة. فقال لها: «يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز».
ولم تفطن المرأة لمزاح النبي - ﷺ - معها، فانزعجت، وبكت ظنًا منها أن العجائز من أمثالها لا يدخلون الجنة، فلما رأى ذلك - ﷺ - منها بيَّن أن العجوز لن تدخل الجنة عجوزًا، بل ينشئها الله خلقًا آخر، فتدخلها شابة بكرًا، وتلا عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (الواقعة: ٣٥ - ٣٧) (٢).
ومن مزاح النبي - ﷺ - بقصد التحبب وتطييب النفس مزاحُه مع أعرابي ذميم الخِلقة، يستنكف الكثيرون عن المزاح مع مثله، أما النبي - ﷺ - الذي يزن الرجال بميزان الله؛ الإيمان
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٥٠٠٠) وأحمد ح (٢٢٨٤٦)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٤٠٤٢).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ح (٥٥٤٥)، وهناد بن السري في الزهد ح (٢٤)، والترمذي في الشمائل ح (٢٣٨)، وحسنه الألباني في تحقيقه لشمائل الترمذي ح (٢٠٥).
[ ١١٨ ]
والتقوى، فلا يستنكف عن ممازحة هؤلاء، بل لعلهم أحق به لضعفهم وإعراض الناس عنهم.
والقصة يحكيها أنس بن مالك، فيذكر أن زاهرًا من أهل البادية، كان النبي - ﷺ - يحبه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه النبي - ﷺ - يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وزاهر لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني. من هذا؟
فالتفت، فعرف النبي - ﷺ -، فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي - ﷺ - حين عرفه، وجعل النبي - ﷺ - يقول ممازحًا: «من يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله: إذًا والله تجدني كاسدًا. فقال - ﷺ -: «لكن عند الله لست بكاسد» أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ» (١).
ومن مزاحه - ﷺ - مع أصحابه أنه كان يقول لهم: «ارموا، من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة» [أي في الجنة] فسأله أحد أصحابه: يا رسول الله وما الدرجة؟ فقال - ﷺ - له مداعبًا: «أما إنها ليست بعتَبة أمك، ولكن ما بين الدرجتين مائة عام» (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٢١٨٧).
(٢) أخرجه النسائي ح (٣١٤٤)، وأحمد ح (١٧٣٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (١٢٨٧).
[ ١١٩ ]
ولكن أهم ما يمزح لأجله العقلاء؛ التربية والتنبيه على الخطأ بعيدًا عن أساليب الجفاء والغلظة والمواجهة بالخطأ، وهذا ما صنعه النبي - ﷺ - مع خوات بن جبير الأنصاري حين رآه جالسًا إلى نسوة بطريق مكة فقال له: «يا أبا عبد الله مالك مع النسوة؟»، فتلعثم خوات، وبدلًا من أن يقر بخطئه ويستغفر قال: يفتلن ضفيرًا لجمل لي شرود.
فمضى رسول الله لحاجته، ثم عاد فلقي خوات فقال له: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّراد بعد؟».
قال خوات: فاستحيت وسكت، فكنت بعد ذلك أتفرر منه؛ حتى قدمت المدينة، فرآني في المسجد يومًا أصلي، فجلس إلي، فطوَّلتُ في صلاتي فقال: «لا تطوِّل، فإني أنتظرُك»، فلما سلمت، قال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟».
فسكتُّ واستحيت فقام، وكنت بعد ذلك أتفرر منه، حتى لحقني يومًا، فقال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟».
وهنا آتى المزاح ثماره في التنبيه على الخطأ والإرشاد؛ فقال خوات معترفًا بالحقيقة: والذي بعثك بالحق ما شرد منذ
[ ١٢٠ ]
أسلمت. فقال - ﷺ - وهو مسرور بإنابة خوات: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم اهد أبا عبد الله». فحسن إسلامه وهداه الله (١).
وهكذا فإنه - ﷺ - كان يمزح مع أصحابه من غير أن يكون هذا ديدنه، وكان مزاحه - ﷺ - بقصد الإيناس والتحبب، لا مجرد الهزل واللعب، وكان في مزاحه لا يقول إلا حقًا، وصدق ابن قتيبة بقوله: "وقد درج الصالحون والخيار على أخلاق رسول الله - ﷺ - في التبسم والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدح والشتم والكذب " (٢)، فهذا أدب النبي - ﷺ - في المزاح وأدب أصحابه من بعده، فقد وصفهم بكر بن عبد الله فقال: "كان أصحاب النبي - ﷺ - يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال" (٣)، فمزاحهم لا يشغلهم عن الحق، ولا يغيِّب علامات الجد والرجولة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (٤٠٨٣)، قال الهيثمي: أخرجه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير الجراح بن مخلد، وهو ثقة. مجمع الزوائد (٩/ ٤٠١).
(٢) تأويل مختلف الحديث، ص (٢٩٤).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح (٢٦٦)، وصححه الألباني في صحيح الأدب ح (٤١)، المقصود بالبطيخ ذو القشرة الصفراء اللينة، فالبدح رميك بكل شيء فيه رخاوة. انظر فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للجيلاني (١/ ٣٦٦).
[ ١٢١ ]
المبحث الثالث:
الوفاء للزوجة وأهل العشرة والمعروف
كلنا يلقى الخير من والديه وزوجه وأساتذته وبعض جيرانه وأحبابه، ثم تدور الأيام، فينسى المرء حق هؤلاء أو بعضهم عليه، ولربما لقي في الشارع أستاذه فأعرض عن السلام عليه، ولربما نسي الواحد فضل زوجه عليه وتعبها في تربية أبنائه ورعاية بيته، فطلقها بعد طول خدمتها له ولأولاده لسبب تافه أو لغير سبب، وأعظم منه جرمًا أن ينسى بعضنا حق والديه عليه وما قدماه له حال صغره، فيعرض عنهما في كبرهما، ولربما أهمل رعايتهما، وأسلمهما إلى دور الرعاية لتقوم بالواجب نيابة عنه.
لذا فنحن أحوج ما نكون للتأمل في خُلة جميلة تزين بها المصطفى - ﷺ -، وهي الوفاء الذي هو حسن العهد، وهو الذي عده النبي - ﷺ - من خصال الإيمان: «وإن حسن العهد من الإيمان» (١).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٦٢)، والبيهقي في الشُعب (٦/ ٥١٧)، وقال البخاري في صحيحه: "باب: حسن العهد من الإيمان".
[ ١٢٢ ]
وقد شرح الشوكاني الحديث بقوله: " «إن حسن العهد» أي الوفاء والخِفارة ورعاية الحرمة «من الإيمان» أي من أخلاق أهل الإيمان ومن خصائلهم أو من شعب الإيمان " (١).
صور من وفاء النبي - ﷺ - لزوجه خديجة:
ولمزيد من التأكيد والغرس لهذا الخلق الفاضل نتذاكر بعض مواقف الأسوة الحسنة لمحمد - ﷺ - في وفائه وحسن عهده لزوجه خديجة ﵂، فقد تزوجها النبي - ﷺ - وهو في الخامسة والعشرين من العمر، بينما بلغت الأربعين حينذاك، وكان زواجه منها ميمونًا، فكانت نِعمَ الأمِّ لأبنائه، كما واسته بمالها، وآزرته برجاحة عقلها وحسن تبعلها، فكانت سيدة الزوجات وقدوتهن إلى يوم الدين.
ولما أكرم الله نبيه - ﷺ - بالنبوة والرسالة كانت أم المؤمنين خديجة أول من صدَّق النبي - ﷺ - وآمن به، ووقفت معه بمالها ومشاعرها وكلِّها إلى أن ماتت ﵂ في العام العاشر للبعثة النبوية، فسمي - ﷺ - عام فراقها بعام الحزن، لبالغ حزنه على موت خديجة ﵂.
_________________
(١) فيض القدير (٢/ ٤٤٦).
[ ١٢٣ ]
وطوال حياته - ﷺ - بقي وفيًا لخديجة لا يفتر لسانه عن ذكرها بالخير والدعاء لها وتذكر جميلها وحقوقها عليه - ﷺ -، فصدق فيه قول الإمام الشافعي: "الحر يحفظ وداد لحظة"، وفي هذا الفصل البديع من فصول سيرة النبي - ﷺ - درس لكل زوج وخاصة ذاك الذي ينسى سراعًا عشرة زوجته، فيسارع إلى طلاقها أو إيذائها ناسيًا سابق جميلها والأيام الجميلة التي قضاها معها.
لكن الجديد الذي أعيى الباحثين في سير الرجال وتراجم العظماء أن يجدوا مثيلًا له؛ الوفاء بعد الوفاة، حيث لا يشعر الميت بمشاعر الحي ولا يدركها، فسرعان ما تذبل هذه المشاعر وتذوي وتطويها ذاكرة النسيان.
وخصلة الوفاء للميت بعد وفاته مأثرة من مآثر النبي - ﷺ -، وخصلة بديعة من خصاله القرآنية، فقد وصفت عائشة ﵂ وفاءه لخديجة وقد ماتت قبل زواجه من عائشة بسنوات، فتقول: (ما غرت على امرأة للنبي - ﷺ - ما غرت على خديجة، لما كنت أسمعه يذكرها .. وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها [أي صديقاتها] منها ما يسعهن) (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٨١٦)، ومسلم ح (٢٤٣٥).
[ ١٢٤ ]
مظهران من مظاهر الوفاء لخديجة الحبيبة الراحلة: ذكرُها بلسان محب لا يمل من ذكر الحبيب ومآثره، وإكرامُ أهلها وذويها وصديقاتها؛ بِرًَّا بها.
وفي رواية أن عائشة ﵂ لما رأت النبي - ﷺ - يكثر من ذكر خديجة ﵂، ويهدي إلى صديقاتها قالت: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فكان الزوج الوفي يرد بالقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» (١).
قال النووي: "في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب" (٢).
وقال ابن بطال: "حسن العهد في هذا الحديث هو إهداء النبي ﵇ اللحم لأجوار [أي جيران] خديجة ومعارفها؛ رعيًا منه لذمامها، وحفظًا لعهدها" (٣).
وتنقل أم المؤمنين عائشة صورة أخرى عجيبة من صور الوفاء للزوجة بعد وفاتها، لا يقف عند ذكر الزوجة بالخير، بل
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٨١٦) و(٣٨١٨)، ومسلم ح (٢٤٣٥).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٢٠٢).
(٣) شرح ابن بطال (٩/ ٢١٦).
[ ١٢٥ ]
يتضمن الدفاع عنها والذب عن حرمتها ولو كان القبر قد غيبها، لكنه لم يغيب حقها وذكراها، وقد صنعه - ﷺ - حين استأذنت عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة، فعرف - ﷺ - استئذان خديجة [أي لشبه صوتهما]، فارتاح لذلك، فقال: «اللهم هالة».
تقول أم المؤمنين عائشة: فغِرت. فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها (١).
فرد عليها النبي - ﷺ - وهو الزوج الوفي الذي لا ينسى محاسن خديجة وسابق فضلها: «ما أبدلني الله ﷿ خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ﷿ ولدها إذ حرمني أولاد النساء».
وفي رواية أن عائشة أدركت وفاء النبي - ﷺ - ومحبته لزوجه الراحلة فقالت: (والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير) (٢)، فأعظم صور الوفاء ديمومة الحب بعد الوفاة، فقد قال رسول الله - ﷺ - عنها بعد وفاتها: «إني قد رزقت حبها» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٨٢١)، ومسلم ح (٢٤٣٧).
(٢) أخرجه أحمد ح (٢٤٣٤٣)، والطبراني في معجمه الكبير ح (١٧٥٥٧).
(٣) أخرجه مسلم ح (٢٤٣٥).
[ ١٢٦ ]
وفي مرة أخرى دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو عند عائشة - عجوزٌ تدعى أم زفر كانت ماشطة لخديجة، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «من أنت؟» قالت: أنا جَثامة المُزنية، فقال: «بل أنت حَسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟» قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
فلما خرجت قالت عائشة: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» (١).
ومن صور الوفاء للزوجة ولغيرها من أصحاب الحقوق الدعاء لهم بعد وفاتهم، فقد كان رسول الله - ﷺ - إذا ذكر خديجة لم يكن يسأم من ثناء عليها والاستغفار لها (٢)، فالاستغفار للميت من خير ما يهدى إليه، وهو دليل وفاء، وحجة صدق في العهد، لا يفرط في فعله كل من يحب النبي - ﷺ - ويتأسى به.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٦٢)، والبيهقي في الشُعب (٦/ ٥١٧).
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (١٨٥٥٥).
[ ١٢٧ ]
الوفاء للأصحاب وغيرهم حال الخطأ والزلل:
والوفاء ليس خاصًا بالزوجة، بل هو خلق كريم يرعاه المرء مع جاره وصاحبه ومع كل ذي مودة وفضل وسابق عشرة.
وعشرة هؤلاء وأمثالهم من أهل الفضل والود لا تسلم من منغصات واختلاف، فلا تحلو الصحبة أو الجيرة دومًا، بل لابد – بسبب طبيعتنا البشرية -أن يثلمها بعض ما يكدرها، فكيف نصنع إذا وقع شيء من تلك المكدرات؟ هل ننسى ما فات من طويل صحبة لهفوة ساعة؟ ما هو منهج النبي - ﷺ - في التعامل مع أهل عشرته إذا عثروا؟
لقد حذر النبي - ﷺ - أولئك الذين ينسون الود ولا يحفظونه وتهددهم بالنار، فقد وقف يومًا بين أصحابه يحدثهم عن رؤيته للجنة والنار، فقال: «وأُريت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن؟» قيل: يكفرن بالله؟ فقال - ﷺ -: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط» (١)، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٠٥٢)، ومسلم ح (٨٠)، واللفظ للبخاري.
[ ١٢٨ ]
هذا الحديث "وعظ وزجر عن كفر الإحسان وجحدِه عند بعض التغيير ومواقعةِ شيء من الإساءة؛ فإنه لا يسلم أحد مع طول المؤالفة من إساءة أو مخالفة في قول أو فعل، فلا يُجحد لذلك كثيرُ إحسانه ومتقدمُ أفضاله" (١).
والنبي - ﷺ - أكمل الناس خلقًا، كان يأمر أصحابه بالتماس المعاذير لأهل الخطأ، وكان يصفح عما يقع فيه بعض أهل عشرته، ممن أحسن وأجاد فيما سبق، فلا ينسى سابقته لخطأ أخطأه أو لهفوة فعلها، فهذا هو حسن العهد الذي نسميه الوفاء.
وقد صنع ذلك النبي - ﷺ - مع من أخطأ من أصحابه، صنعه مع حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل إلى قريش يفشي لهم أسرار جيش النبي - ﷺ - القادم إلى مكة، فأطلع الله نبيه على صنيع حاطب، فدعاه، وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله - ﷺ -، أردت أن يكون لي عند القوم يد يَدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله.
_________________
(١) المنتقى شرح الموطأ، الباجي (١/ ٤٥٤).
[ ١٢٩ ]
فقال النبي - ﷺ -: «صدق، ولا تقولوا له إلا خيرًا .. أليس من أهل بدر .. لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت» (١).
قال الطبري: "في حديث حاطب بن أبي بلتعة من الفقه أن الإمام إذا ظهر من رجل من أهل السِتر؛ على أنه قد كاتب عدوًا من المشركين ينذرهم ببعض ما أسره المسلمون فيهم من عزم، ولم يكن الكاتب معروفًا بالسفه والغش للإسلام وأهله، وكان ذلك من فِعله هفوةً وزلة من غير أن يكون لها أخوات؛ فجائز العفو عنه كما فعله الرسول بحاطب من عفوه عن جرمه بعدما أُطلع عليه من فعله" (٢).
ومثل هذا الخلق الرفيع والسلوك الجميل صنعه الصديق وابنته الصديقة عائشة مع مِسطحٍ وحسان، وكانا قد تكلما فيمن تكلم في الإفك، فغفرا لهما لسابقتهما في الإسلام.
فأما مِسطح فكان قريبًا للصديق، وكان الصديق ينفق عليه، فلما أخطأ مِسطح في خوضه في الإفك توعده الصديق بترك النفقة، فلما ذكَّر الله المؤمنين بسابقته في الإسلام، وأنه - ﵁ - من
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٩٨٣)، ومسلم ح (٢٤٩٤).
(٢) شرح ابن بطال (٥/ ١٦٢).
[ ١٣٠ ]
﴿الْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النور: ٢٢) قال الصديق: (بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي)، فرجع إلى مِسطحٍ بالنفقة التي كان ينفق عليه (١).
وبمثل هذا الأدب النبوي صنعت ابنته الصديقة عائشة ﵂ مع حسان بن ثابت - ﵁ -، فرغم خوضه في الإفك؛ لم تنس الصديقة له سابقته ولا تناست حسن صحبته للنبي - ﷺ - وبلائه في الذبِّ عن الإسلام، فقد سمعت عروة ابن أختها ينال من حسان، فقالت: (يا ابن أختي دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله - ﷺ -) (٢).
وفي رواية أن عروة قال: (كانت عائشة تكره أن يُسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالدَه وعِرضي لعِرض محمدٍ منكم وِفاء) (٣).
وهذا الأدب في الغض عن إساءات المحسنين تعلمه الصديق وابنته من النبي الأسوة - ﷺ -، فقد سمعته عائشة ﵂ يقول: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم؛ إلا الحدود» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٤١٤١)، ومسلم ح (٢٧٧٠).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٤٨٧)، ونحوه في البخاري ح (٤١٤٦).
(٣) أخرجه البخاري ح (٤١٤١).
(٤) أخرجه أبو داود ح (٤٣٧٥)، وأحمد ح (٢٤٩٤٦).
[ ١٣١ ]
بل إن النبي - ﷺ - عرَف للمطعم بن عدي – وهو مشرك أجار النبي - ﷺ - في مكة – إحسانه وسابقة فضله، فحين وقع في يده أُسارى المشركين في بدر قال: «لو كان المطعِم بنُ عَدي حيًا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له» (١).
وهكذا يترجم النبي - ﷺ - معنى الحب الصادق الذي لا يتوقف عند حدود الزمان، ولا يأبه لتصرم السنين والأيام، وفيه أسوة حسنة لكل من ألقى السمع وهو شهيد.
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٤٠٢٤).
[ ١٣٢ ]