من هدي النبي - ﷺ - في صناعة المجتمع المسلم
وفيه مباحث:
المبحث الأول: الميزان في وزن الرجال.
المبحث الثاني: صناعة المعروف.
المبحث الثالث: الهدية.
المبحث الرابع: آداب المداينة.
المبحث الخامس: سلامة المجتمع من الشقاق.
[ ١٣٣ ]
المبحث الأول: الميزان في وزن الرجال
الفخر بالنسب والتباهي به من أوائل المعاصي التي عصي بها الرب ﵎، فحين أمر الله إبليس بالسجود لآدم؛ تكبر وتعالى بأصله الشريف ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (البقرة: ١٢).
وإلى يومنا هذا ما زال من عادة الناس التفاخر بالحسب والزهو بالنسب، فهذا لا يخطِّب ابنته إلا ابن قبيلته، إذ لا يساميه في الشرف أحد، فهو سليل الأماجد، والناس جميعًا دونه سوقة ورعاع.
والفخر على الناس بالحسب والنسب غريب عن مقومات المجتمع المسلم، وهو سمة من سمات الجاهلية التي تنبأ النبي - ﷺ - بديمومة بعض المسلمين على فعلها تأثرًا بالجاهلية وأدرانها «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونَهن: الفخرُ في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنِّيَاحة» (١).
وهكذا فإن ميزان الجاهلية في تقويم الناس واحترامهم يعتمد على الحسب والنسب والمال وأمثال ذلك، وهي أمور لا
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٩٣٤).
[ ١٣٥ ]
تعدو - لو كانت مَزِيَّة - أن تكون بعضَ فضلِ الله على عباده، وهذا مدعاة التواضع والشكر له ﵎، لا الفخرَ على عباده والتكبر عليهم.
وحين بعث النبي - ﷺ -؛ شرع في تصحيح أخطاء الجاهلية وتغيير قيمها الخاطئة، فعالج الأسوةُ الحسنة - ﷺ - هذه الخَصْلة الذميمة التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي وأرسى الموقف الإسلامي الصحيح في مسألة التفاخر بالنسب.
وبداية نقول: إن النبي - ﷺ - أخبر أن الناس جميعًا متساوون في الآدمية، فكلهم أبناء آدم، وهم جميعًا على اختلاف ألوانهم وأجناسهم مكرَّمون بما خصه الله من خصائص الإنسانية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠).
وإذا كان جميع البشر متساوين في الإنسانية، فإنما تتفاوت أقدارهم بأمر زائد على إنسانيتهم، وهو ما يقدمونه بين يدي الله من أعمال صالحة ترفع منزلتهم عنده وعند عباده ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).
[ ١٣٦ ]
ميزان الجاهلية في تقديم أهل الحسب والنسب والجاه:
ولقد شنع النبي - ﷺ - على فعل أولئك الذين يتفاخرون على عباد الله بأحسابهم وأنسابهم، واعتبر صنيعهم من بقية أدران الجاهلية، والمفروض بالمسلم أن يتسامى عليها ويترفع عنها: «إن الله ﷿ قد أذهب عنكم عُبِيَّة الجاهلية وفخرَها بالآباء، [الناس] مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب، ليدَعنَّ أقوام فخرَهم برجال أو ليكونُنَّ أهون على الله من الجِعلان التي تدفع بأنفها النتن» (١).والجِعلان هي الحشرات التي تلامس القاذورات.
وفي رواية أنه قال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده لما يدهده الجُعل بمنخريه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» (٢)، فشبه - ﷺ - "المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعلان، وآباءَهم المفتخرَ بهم بالعذْرة، ونفسَ افتخارِهم بهم بالدفعِ والدهدهةِ بالأنف،
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٥١١٦)، وأحمد في مسنده (٨٥١٩).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ح (٢٧٣٤).
[ ١٣٧ ]
والمعنى أن أحد الأمرين واقعٌ ألبتة: إما الانتهاءُ عن الافتخار، أو كونُهم أذلَّ عند الله تعالى من الجعلان الموصوفة" (١).
ولما كان الفخر بالأنساب عملًا من أعمال الجاهلية؛ فإن النبي - ﷺ - ما فتئ يحذر منه، ويربي أصحابه: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا؛ حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخرْ أحد على أحد» (٢).
ولما رأى النبي - ﷺ - بعضَ التفاخرِ بالنسب بين أصحابه؛ سارع إلى تقويمهم، ومن ذلك خبرُ سعدِ بنِ أبي وقاص الزهري، الذي كان النبي - ﷺ - يخصه بمزيد محبة، لأنه من بني زهرة أهل أمِ النبي - ﷺ -، فكان - ﷺ - يقول لأصحابه عن سعد متحببًا: «هذا خالي، فليُرِني امرؤ خالَه» (٣).
لكن سعدًا حين سمع - ﵁ - النبي يقول فيه ذلك؛ ظن أن له فضلًا على غيره، فنبهه - ﷺ - على خطئه، وبين له فضل الضعفاء ومنزلَتهم عند الله بقوله الذي يرويه لنا مصعبُ بنُ سعد بنِ
_________________
(١) عون المعبود (١٤/ ١٧).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٨٦٥).
(٣) أخرجه الترمذي ح (٢٧٥٢).
[ ١٣٨ ]
أبي وقاص بقوله: رأى سعد - ﵁ - أن له فضلًا على من دونه فقال - ﷺ -: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» (١).
وفي موقف آخر بلغ صفيةَ بنتَ حيي أن حفصةَ بنتَ عمر قالت عنها أنها ابنة يهودي، فبكت صفية لذلك، فدخل عليها النبي - ﷺ - وهي تبكي، فقال: «ما شأنُك؟»، فأخبرته بما قالته حفصة عنها، فقال - ﷺ - مواسيًا: «إنك ابنة نبي [أي هارون لأنها من نسله]، وإن عمك لنبي [أي موسى ﵇]، وإنك لتحت نبي [أي هي زوجة نبي]، ففيم تفخر عليك؟»
ولم يفُتْه - ﷺ - النصح لزوجه المخطئة فقال لها: «اتق الله يا حفصة» (٢).
قال المباركفوري: " قال «اتقي الله» أي مخالفته أو عقابه؛ بترك مثل هذا الكلام الذي هو من عادات الجاهلية" (٣).
ونلحظ هنا أن النبي - ﷺ - أرشد إلى طريقة ينجبر بها كل نسب يظنه البعض سُبة، وهي الانتساب إلى الأب الشريف ولو كان بعيدًا، كما هو الحال في صفية، فهي من نسل هارون
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٨٩٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ح (١١٩٨٤).
(٣) تحفة الأحوذي (١٠/ ٢٦٩).
[ ١٣٩ ]
﵇ الذي مضى قبل الإسلام بألفي سنة، ومثل هذا الأب البعيد لا يعدمه أحد في دنيا الناس اليوم.
وذات مرة انتسب رجلان على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال أحدُهما للآخر: أنا فلان بنُ فلان، فمن أنت لا أم لك؟ فما كان من رسول الله - ﷺ - إلا المسارعة إلى علاج هذا الخلل بذكر قصة مشابهة حصلت زمن موسى ﵇، فقال - ﷺ -: «انتسب رجلان على عهد موسى ﵇، فقال أحدهما: أنا فلانُ بنُ فلان - حتى عد تسعة - فمن أنت لا أم لك؟ فقال الآخر: أنا فلانُ بنُ فلان ابنُ الإسلام.
قال - ﷺ -: فأوحى الله إلى موسى ﵇ أنَّ هذين المنتسبين، أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرُهم، وأما أنت يا هذا المنتسبُ إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثُهما في الجنة» (١).
وهكذا ينبغي أن يدع المتأسون بالنبي - ﷺ - فعلَ الجاهلية وضلالَها بالافتخار بالأحساب والأنساب والأجناس والأعراق والألوان والبلدان، فكلنا بنو آدم، وإنما تتفاوت أقدارنا عند الله بعبادتنا له وتكريمه ﵎ لنا.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ح (٢٠٦٧٤).
[ ١٤٠ ]
إن أكرمكم عند الله أتقاكم:
ولابد لنا هنا من الحديث عما أرساه - ﷺ - بدلًا عن الحسب والنسب من قيم إسلامية، يتفاضل الناس على أساسها فيما بينهم؛ إنه قربهم من الله تعالى وعبادتهم له ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).
هذا المبدأ الإسلامي العظيم رسخه النبي - ﷺ - في أقوال كثيرة ربط فيها الخيرية بالعمل الصالح، ومنها قولُه - ﷺ -: «خيرُكم من تعلم القرآن وعلمه» (١)، وقولُه: «خيرُكم من يرجى خيره ويؤمن شره» (٢)، وقولُه: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (٣)، وقولُه: «خيرُكم إسلامًا أحاسنُكم أخلاقًا إذا فقِهوا» (٤)، وقولُه: «خيرُكم من أطعم الطعام أو الذين يطعمون الطعام» (٥)، ففي هذه الأحاديث ربطٌ للخيرية
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٠٢٧).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٢٢٦٣).
(٣) أخرجه الترمذي ح (٣٧٩٥).
(٤) أخرجه أحمد ح (٩٧٢٠).
(٥) أخرجه أحمد ح (٢٣٤١١).
[ ١٤١ ]
بأعمال صالحة يتعدى نفعُها إلى الآخرين، هي تعلُمُ القرآن وتعليمُه، وحسنُ المعاملة مع الأهل وغيرِهم، وكفُ الشر والأذى، وإطعامُ الطعام.
وذات يوم جلس أصحاب النبي - ﷺ - يتحادثون في أكرم العرب نسبًا، فهذا الموضوع له عمق وأهمية في مخيلة العربي الذي نشأ في البيئة العربية التي ما فتئ الناس فيها يتفاخرون بالأحساب والأنساب، ثم رأوا أن يحسموا أمرهم بسؤال النبي المعصوم الذي يوحى إليه، فقالوا: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ فأجاب النبي - ﷺ - بأخصر جواب وأدقه وأعمقه: «أتقاهم».
لكن الصحابة كانوا يبحثون عن إجابة سؤال آخر، إنهم يريدون معرفة أكرمِ الناس نسبًا وأعلاهُم مقامًا، فقالوا: ليس عن هذا نسألك. فأجابهم - ﷺ - وهو يغرس ميزان الإسلام في صدورهم: «فيوسف، نبيُّ الله ابنُ نبي الله ابنِ نبيِّ الله ابنِ خليل الله».
لقد عاد النبي - ﷺ - للتأكيد على ميزان الخيرية الإسلامي الذي يقدم المرء حسب الإيمان ونسب العقيدة، وهو بالطبع ليس جواب السؤال الذي يسأله الصحابة، لذلك قالوا ثانية:
[ ١٤٢ ]
ليس عن هذا نسألك! فقال - ﷺ -: «فعن معادن العرب تسألون، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا» (١).
قال القاضي عياض: "وقد تضمن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كلَّه عمومَه وخصوصَه ومجملَه ومبانيه؛ إنما هو الدين، من التقوى والنبوة والإسلامِ مع الفقه" (٢).
ولقد تكرر سؤال الصحابة للنبي - ﷺ - عن خير الناس وأفضلِهم في مواطن كثيرة، فما فتئ - ﷺ - في جوابه يؤكد على خيرية العبادة والعمل، فحين جاءه أعرابي فقال: أي الناس خير؟ فأجابه - ﷺ -: «رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره» (٣).
وفي مرة أخرى سأله الصحابة: أي الناس خير؟ فقال وهو يؤكد على أن الخيرية خيرية القيم والعمل: «من طال عمره وحسُن عمله» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٣٥٣).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ١٣٥).
(٣) أخرجه البخاري ح (٦٤٩٤).
(٤) أخرجه الترمذي ح (٢٣٣٠).
[ ١٤٣ ]
وذات مرة قام إليه رجل وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟
فلم يجبه النبي - ﷺ - بأن خير الناس أكثرُهم مالًا وولدًا، ولا أحسنُهم جاهًا أو أكرمُهم نسبًا، بل قال: «خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهُم عن المنكر، وأوصلُهم للرحم» (١)، فالتكريم عند الله والتفاضل والخيرية إنما هو بالتقوى والعمل الصالح، الذي يرفع مقام العبد عند الله، والكريم عند الله ينبغي أن يكون كريمًا عند المؤمنين، والعكس بالعكس.
لقد أراد النبي - ﷺ - وهو يبعث في مجتمع جاهلي القيم، يقدم أهل الدنيا ويؤثِرهم على غيرهم، أراد أن يصحح القيم بروية الحكيم وتأني المشفق الناصح؛ فما زال كذلك حتى خلص المجتمع من أدرانها.
ومن هذه القيم الإسلامية الجديدة قوله - ﷺ - لمن أراد الزواج مخلصًا إياه من قيم الجاهلية: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (٢)،
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٦٨٨٨).
(٢) أخرجه البخاري ح (٥٠٩٠)، ومسلم ح (١٤٦٦).
[ ١٤٤ ]
والمعنى: "أن اللائق بذي الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمحَ نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته، فأَمره النبي - ﷺ - بتحصيل صاحبة الدين، الذي هو غاية البُغية، وقد وقع في حديث عبد الله بنِ عمرو «لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهُن - أي يهلكهُن -، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهُن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمةٌ سوداءُ ذاتُ دين أفضل» " (١).
وفي درس عملي آخر ربى النبي - ﷺ - أصحابه على تفضيل الناس بحسب ميزان الله الذي يتساوى عنده الشريف والوضيع، فلا يتفاضلون عنده وعند عباده إلا بالتقوى، فقد جلس - ﷺ - بين أصحابه، فمر عليه رجل (٢)، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. قال: فسكت رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ١٣٥)، الحديث رواه ابن ماجه ح (١٨٥٩).
(٢) لم يرد في هذه الرواية اسم الرجل، لكن جاء رواية أخرى أنه عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس.
[ ١٤٥ ]
ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا يُنكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله.
فقال - ﷺ -: «هذا خير من ملئ الأرض مثل هذا»، وفي رواية للحديث عند الروياني في مسنده أن اسم هذا الفقير جُعيل، وأن النبي - ﷺ - قال: «فجُعيل خير من ملئ الأرض مثل هذا» (١).
وجعيل بن سراقة الضمري من فقراء المسلمين، وكان رجلًا صالحًا دميمًا قبيحًا، أسلم قديمًا، وشهد مع رسول الله أُحدًا (٢).
يقول ابن حجر: "وفي الحديث بيان فضل جُعيلٍ المذكور، وأن السيادة بمجرد الدنيا لا أثر لها، وإنما الاعتبار في ذلك بالآخرة كما تقدم، أن العيشَ عيشُ الآخرة، وأن الذي يفوته الحظ من الدنيا؛ يعاض عنه بحسنة الآخرة .. تبين من سياق طرق القصة أن جهة تفضيله إنما هي لفضله بالتقوى" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٠٩١).
(٢) انظر: عمدة القاري (٢٩/ ٢٢٥).
(٣) فتح الباري (١١/ ٢٧٨).
[ ١٤٦ ]
وكما حرص النبي - ﷺ - على إرساء قيم الإسلام العظيمة في المجتمع المسلم، وفق مبدأ التفاضل بالتقوى فإنه حرص على تخليصه من قيمة جاهلية، وهي التفاخر والتشريف بالحسب أو النسب أو المال أو اللون، فالناس عند الله سواء، لا فرق بين أبيضهم وأسودِهم، ولا بين غنيهم وفقيرِهم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١).
وخلال سني دعوته - ﷺ - أرى الصحابة نماذج عملية في تفضيل بعض فقراء المسلمين وضعفائهم على غيرهم من أهل الجاه والمنزلة؛ لسابقتهم في الإسلام والعمل الصالح، ومن ذلك أنه - ﷺ - دفن شهداء أُحد أزواجًا، فكان إذا أوتي باثنين منهم سأل، ولعله يعلم جواب سؤاله: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟»، فإن أشير إلى أحدهما، قدمه في اللحد (٢). تقديمًا لمن قدمه الله تعالى.
والتفضيلُ لأهل القرآن ليس خاصًا بالأموات في قبورهم، بل هو تفضيل يرفعهم في الدنيا قبل الآخرة، فقد كان النبي - ﷺ - يقدم أهل القرآن في الإمارة على غيرهم، كما أمَّر قارئ القرآن ابن
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (١٣٤٣).
[ ١٤٧ ]
أم مكتوم الضرير على المدينة في بعض أسفاره، كيف لا وهو - ﷺ - القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١).
ولو أصخنا السمع إلى أبي هريرة - ﵁ - لسمعناه يقص علينا نموذجًا آخر من تربية النبي - ﷺ - لأصحابه على التحاكم إلى ميزان الخيرية والتقوى، فقد بعث سرية من السرايا، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على شاب من أحدثهم سنًا فسأله: «ما معك يا فلان؟» فأجاب الشاب: معي كذا وكذا وسورةُ البقرة. فقال - ﷺ -: «أمعك سورة البقرة؟» قال: نعم، قال: «فاذهب فأنت أميرهم» (٢)، فلم يتأخر به سنه، كيف وقد قدمه الله بما آتاه من قرآنه.
والقارئ في سيرة النبي - ﷺ - تستوقفه قصة عجيبة، فقد مر أبو سفيان سيد قريش قبيل إسلامه على سلمانَ وصهيبٍ وبلالٍ في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها.
فسمع أبو بكر الصديق مقالتهم، فرفق بسيد العرب وكبير قريش، فقال معاتبًا: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدِهم؟
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٠٢٧).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٢٨٧٦).
[ ١٤٨ ]
ثم أتى النبي - ﷺ - يشكوهم عنده، ويخبره بما قاله سلمان وبلال لأبي سفيان، فقال له - ﷺ - مستفهمًا: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم؛ لقد أغضبت ربك».
ذعر الصديق لما سمع، فانطلق يسارع في خطاه إلى هؤلاء الضعفة الذين يغضب الله لغضبهم، فأتاهم، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. ويغفر الله لك يا أُخي (١).
قال النووي: "وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وفي هذا فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقتِه هؤلاء، وفيه مراعاة قلوبِ الضعفاء وأهلِ الدين وإكرامُهم وملاطفتُهم" (٢).
ولئن كان الناس يعيرون بالفقر والمسكنة؛ فإن النبي - ﷺ - نبه أصحابه إلى أنهما ليسا منقصة لأحد، لا بل قد يكونان سببًا في النجاة ورفعة الدرجات، كيف لا والفقراء أسبق من غيرهم إلى الجنة: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» (٣)، لذلك كان - ﷺ - كثيرًا ما يدعو الله
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٥٠٤).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٦٦).
(٣) أخرجه مسلم ح (٢٩٧٩).
[ ١٤٩ ]
بقوله: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» (١) لقد أراد - ﷺ - "إظهارَ تواضعه، وافتقارَه إلى ربه، إرشادًا لأمته إلى استشعار التواضع، والاحترازِ عن الكبر والنخوة، وأراد بذلك التنبيه على علو درجات المساكين وقربِهم من الله تعالى" (٢).
إن بعض هؤلاء الذين نزدريهم لفقرهم ومسكنتهم أفضلُ من كثيرين ممن نحتفي بهم ونصدِّرهم في المجالس ونسارع إلى تزويج بناتنا لهم: «رُبّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (٣)، وفي رواية: «ألا أخبركم بشر عباد الله؟ الفظُّ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد الله؟ الضعيفُ المستضعَف ذو الطمرين، لو أقسم على الله لأبر الله قسمه» (٤).
قال النووي: "قوله: «الأشعث» الملبدُ الشعر، المغبرُ غير مدهونٍ ولا مرَجَّل، وقوله: «مدفوعٍ بالأبواب» أي لا قدْر له عند الناس، فهم يدفعونه عن أبوابهم، ويطردونه عنهم
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٣٥٢).
(٢) تحفة الأحوذي (٧/ ١٦).
(٣) أخرجه مسلم ح (٢٦٢٢).
(٤) أخرجه أحمد ح (٢٢٩٤٧).
[ ١٥٠ ]
احتقارًا له، و[لكن هذا العبد المحتقر من الناس] لو حلف على وقوع شيء؛ أوقعه الله إكرامًا له بإجابة سؤاله، وصيانتِه من الحنث في يمينه، وهذا لعِظَم منزلته عند الله تعالى، وإن كان حقيرًا عند الناس" (١).
وقد فقه أصحاب النبي - ﷺ - هذا الهدي النبوي، وأقاموه منهجًا في حياتهم، فقدموا في سائر أمورهم من تقدمهم بالعمل الصالح، ولو كان فقيرًا أو عبدًا أو مولى، ومن ذلك أنه: (لما قدم المهاجرون الأولون العُصبَة [موضعٌ بقباء] قبل مقدم رسول الله - ﷺ -؛ كان يؤمهم سالمُ مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا) (٢)، فلم يمنعه تأخر نسبه عن تقدم أشراف العرب وإمامتهم في أعظم فرائض الإسلام.
وبعد هجرة الرسول - ﷺ - قدّم النبيُّ سالمًا على سائر الصحابة بما معه من القرآن، فكان يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة (٣).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٧٥).
(٢) أخرجه البخاري ح (٧٥٦٣).
(٣) انظره في صحيح البخاري ح (٧١٧٥).
[ ١٥١ ]
وكذلك عرف عمر بن الخطاب - ﵁ - لبلالٍ الحبشي الأسود منزلته وسبْقه إلى الإسلام وعذابه في سبيله، فكان يقول: (أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا) يعني بلالًا (١).
وحين دوّن عمر - ﵁ - الدواوين، وكتب للناس رواتبهم، لم يلتفت إلى أحسابهم وأنسابهم، بل قدَّمهم بحسب سبقهم في الإسلام وقربِهم من رسول الله - ﷺ -، ففرض للمهاجرين الأولين السابقين إلى الإسلام خمسةَ آلاف، وللأنصار الذين آمنوا بعدهم أربعةَ آلاف، ولأزواج النبي ﵇ اثني عشر ألفًا، ثم فرض للناس على قدر منازلهم وقراءتِهم للقرآن وجهادِهم (٢).
وأما صغار الصحابة كعبدِ الله بنِ عمر، فأعطاهم ثلاثة آلاف، فدخل ابن عمر على أبيه مستعتبًا فقال: يا أبتِ فرضت لي ثلاثةَ آلاف، وفرضتَ لأسامةَ بنِ زيد أربعة آلاف، وقد شهدتُ مع رسول الله ما لم يشهد أسامة، فبيَّن عمر لابنه سبب زيادة عطاء أسامةَ ابنِ المولى على ابنِ الخليفة، وقال: (لأن زيدًا [والدَ أسامة] كان أحبَّ إلى رسول الله - ﷺ - من أبيك، وكان
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٧٥٤).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٢٦).
[ ١٥٢ ]
أسامة أحبَّ إلى رسول الله - ﷺ - منك، فآثرت حبَّ رسول الله - ﷺ - على حبي) (١).
وإذا تبين لنا هذا الهدي النبوي فإن الواجب علينا أن نجري مراجعات صادقة في مفاهيمنا وموازيننا، ونستهدي بها بدلًا من موازين الجاهلية التي تجعلنا نفاضل بين الناس وفق القيم الدنيوية الرخيصة من جنس وجنسية ولون وقوم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٣٨١٣).
[ ١٥٣ ]
المبحث الثاني: صناعة المعروف
صناعة المعروف خَصلة جليلة وخَلَّة كريمة، وهي خدمة الآخرين وقضاء حوائجهم المختلفة ونفعُهم بصور النفع المختلفة، كالإطعامِ وسقاية الماء وسدادِ الديون، أو الإصلاحِ بين المتهاجرين منهم، أو بذلِ الشفاعةِ والجاه، أو سائرِ المصالح التي يحتاجها الناس، وهو ما نسميه صناعة المعروف للآخرين.
وقضاء حوائج الناس خَلّة كريمة صنعها الأنبياء من قبل، وقد دعا الله ﷿ حبيبه - ﷺ - والمؤمنين من بعده إلى الاقتداء بهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٩٠).
وهم صلوات الله وسلامه عليهم كانوا أكثر الناس نفعًا للخلق، فهذا موسى ﵇ يسقي للمرأتين المديانيتين ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٤).
وأما عيسى ﵇ فيقول عن نفسه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ (مريم: ٣١) أي جعلني نفاعًا للناس أينما اتجهت وحللت.
[ ١٥٤ ]
ونبينا - ﷺ - كان أكثرَ الناس نفعًا للآخرين وأشدَهم حرصًا على قضاء الحوائج، فقد قيل لعائشة ﵂: هل كان النبي - ﷺ - يصلي وهو قاعد؟ قالت: (نعم، بعد ما حطمه الناس) أي أتعبوه بكثرة حوائجهم التي يقضيها لهم - ﷺ - (١).
وتصفه أم المؤمنين خديجة في أول بعثته، فتقول: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (٢).
وهكذا كان - ﷺ - نفاعًا للناس حتى حطمه الناس بقضاء حوائجهم، وكيف لا يكون كذلك، وهو - ﷺ - القائل: «أحب الناس إلى الله ﷿ أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا (في مسجده بالمدينة المنورة) .. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٧٣٢).
(٢) أخرجه البخاري ح (٤)، ومسلم ح (١٦٠).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وحسّن الألباني إسناده في السلسلة الصحيحة ح (٩٠٦).
[ ١٥٥ ]
ومن قضائه لحوائج الناس ما رواه مسلم من قصة امرأة أتت النبي - ﷺ - وفي عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فلم يضجر النبي - ﷺ - منها لخفة عقلها، بل قال: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها (١).
ويصفه عبد الله بن أبي أوفى بقوله: (كان رسول الله - ﷺ - يكثِر الذكر، ويُقِل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة) (٢).
فضل صناعة المعروف:
وقد رغب النبي - ﷺ - في صناعة المعروف، لأنها عبادة لا غناء لنا عنها، نحتاجها في منافع الدنيا قبل الآخرة، إذ هي سبب في قضاء حاجاتنا وتفريج كروبنا، قال - ﷺ -: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٣٢٦).
(٢) أخرجه النسائي ح (١٤١٤)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (٥٨٣٣).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٤٤٢)، ومسلم ح (٢٥٨٠).
[ ١٥٦ ]
ويخبر الأسوة الحسنة - ﷺ - أن الله يدفع بصناعة المعروف ميتة السوء التي كثرت في هذا الزمان بين موت فجأة وحادث طريق، وغير هذا وذاك: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب» (١).
ويعتبر النبي - ﷺ - صُنَّاع المعروف مفاتيحَ للخير، ويرغب أمته أن تكون على هذا الوصف الجليل بقوله: «إن من الناس مفاتيحَ للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيحَ للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل اللهُ مفاتيحَ الخير على يديه، وويل لمن جعل اللهُ مفاتيح الشر على يديه» (٢).
ويحكي النبي - ﷺ - لأصحابه قصة أقوام عملوا القليل من صناعة المعروف، فكان جزاؤهم كبيرًا عند الله، من هؤلاء رجل أزال الأذى من الطريق «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخذه، فشكر الله له فغفر له» (٣)،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (٨٠١٤)، وحسّن الهيثمي إسناده في مجمع الزوائد (٣/ ١١٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٣٧)، وحسنه الألباني بطرقه في السلسلة الصحيحة ح (١٣٢٢).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٤٧١)، ومسلم ح (١٩١٤).
[ ١٥٧ ]
وفي رواية: «لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» (١).
كما يحكي - ﷺ - قصة رجل آخر صنع معروفًا لحيوان فدخل الجنة: «بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ فأجابهم - ﷺ -: «في كل ذات كبد رطبة أجر» (٢).
وأما ثالث الناجين بصناعة المعروف فرجل سمح يداين الناس ويصبر عليهم في السداد، ويحكي النبي - ﷺ - قصته فيقول: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، فقال الله ﷿: «تجوزوا عنه»، وفي رواية: «فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (١٩١٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٤٦٦)، ومسلم ح (٢٢٤٤).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٠٧٧)، ومسلم ح (١٥٦٠).
[ ١٥٨ ]
قال النووي: "وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدين، وإما بعضه من كثير أو قليل، وفيه فضل المسامحة في الاقتضاء وفي الاستيفاء؛ سواء استوفي من موسر أو معسر، وفضل الوضع من الدين، وأنه لا يُحتقر شيء من أفعال الخير؛ فلعله سبب السعادة والرحمة" (١).
ويؤكد - ﷺ - على أهمية وفضل صناعة المعروف، فكل عَظْم من عِظام الإنسانِ ينبغي أن يُتصدق عنه، وصناعة المعروف هي صدقة من الإنسان على الآخرين، وفيها أيضًا بعض أداء حق الله المنعِم، قال - ﷺ -: «كلُ سُلامى عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته يُحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة» (٢).
وهكذا فصناعة المعروف للآخرين نوع من الصدقة عليهم وعلى النفس، وهي أيضًا شكر للنعمة التي أسداها الله لصانع المعروف، فعن أبي موسى الأشعري أن النبي - ﷺ - قال:
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٢٢٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٨٩١)، ومسلم ح (١٠٠٩).
[ ١٥٩ ]
«على كل مسلم صدقة» فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق».
قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة» (١).
وفي حديث آخر يقول - ﷺ -: «كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تُفرغ من دلوك في إناء أخيك» (٢).
وصناعة المعروف معاملة مع الله قبل أن تكون معاملةً مع الخلق، لذا يبذل المعروف للإنسان ولو كان كافرًا، وقد وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ (الإنسان: ٧ - ١٠).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٤٤٥)، ومسلم ح (١٠٠٨).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٩٧٠).
[ ١٦٠ ]
فقوله: ﴿وَأَسِيرًا﴾ يقصد به الأسير الكافر ولاريب، فالآية توصي بإطعامه الطعام على حبه، قال ابن عباس: "كان أُسراؤهم يومئذ مشركين".
وعقَّب ابن كثير بالقول: "يشهد لهذا أن رسول الله - ﷺ - أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأُسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء" (١).
بل ويبذل المعروف للحيوان أيضًا، فكل ذلك صدقة، يقول - ﷺ -: «ما من مسلم يغرِس غرسًا إلا كان ما أُكِل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، وما أَكل السبُع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطيرُ فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحدٌ [أي يسأله] إلا كان له صدقة» (٢).
وقد صنع النبي - ﷺ - المعروف للحيوان، ولم يمنعه عن ذلك كثرة أعبائه ومشاغله، فقد دخل حائطًا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبيَ - ﷺ - حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي - ﷺ - فمسح ذِفراه فسكت فقال: «من ربُ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٨٤).
(٢) أخرجه مسلم ح (١٥٥٢).
[ ١٦١ ]
فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئِبُه» (١).
التقصير في صناعة المعروف:
وصناعة المعروف تتراوح في حكمها بين المندوب والواجب، بحسب المعروف والحاجة إليه، لذا فالبخل بصناعة المعروف أحيانًا والامتناع عن بذله من مهلكات الأمور، لذا ما فتئت آيات القرآن الكريم تحذر منه، فياللعجب كيف يقصر بعض المسلمين في خدمة الآخرين وهو يسمع آيات القرآن تحكي الوعيد لمن صنع ذلك: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٧).
قال الشوكاني: " قال أكثر المفسرين: ﴿الْمَاعُونَ﴾: اسم لما يتعاوزه الناس بينهم: من الدلو والفأس والقِدر، وما لا يمنع كالماء والملح" (٢).
وفي دركات النار وأَتونها يُسأل أصحابها عن سبب دخولهم النار، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ فيجيبون
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٢٥٤٩).
(٢) فتح القدير (٥/ ٧١٢).
[ ١٦٢ ]
بأن سبب ذلك أمور، من بينها أنهم بخلوا بمعروفهم عن المساكين: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (المدثر: ٤١ - ٤٤).
وفي آية أخرى يعدد الله سواءت أهل النار؛ فإذا من بينها ترك صناعة المعروف: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (الحاقة: ٣٤ - ٣٥).
والذين يقصرون في صناعة المعروف يعاتبهم الله يوم القيامة، ففي الحديث القدسي أن: «الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده.
يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
[ ١٦٣ ]
يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي» (١).
قال النووي: "قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه ﷾، والمراد العبد تشريفًا للعبد وتقريبًا له. قالوا: ومعنى «وجدتني عنده» أي: وجدت ثوابي وكرامتي، ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، لو أسقيته لوجدت ذلك عندي» أي ثوابه" (٢).
وأكد - ﷺ - على خسران وبوار المقصرين في صناعة المعروف في خبر يرويه الصحابي الجليل أنس بنُ مالك - ﵁ - فيقول: استشهد رجل منا يوم أُحد، فوجِد على بطنه صخرةٌ مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئًا لك يا بنيَّ الجنة. فقال رسول الله - ﷺ -: «وما يدريكِ، فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره» (٣)، وكأني به - ﷺ - يقول: إن مما يمنع المرء عن دخول الجنة منع المعروف الذي لا يضره
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٩).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٢٦).
(٣) أخرجه الترمذي ح (٢٣١٦)، وأبو يعلى ح (٣٩٠٨)، واللفظ له.
[ ١٦٤ ]
بذله، ولم يقصد النبي - ﷺ - في هذا الحديث الشهادة بعدم دخول الجنة لهذا الصحابي الذي استشهد وهو رابطٌ حجرًا على بطنه من شدة الجوع.
لكنه - ﷺ - أراد أن يعلمنا أن مما يحجب المرء عن الجنة خصلتان يقع فيهما كثير من الناس، وهما: الثرثرة والكلام فيما لا فائدة منه، ومنع المعروف عن الآخرين والتقصير في بذله.
ومن الوعيد الذي يتوعد الله به أولئك المقصرين في صناعة المعروف - فيما زاد عن حاجتهم ولا يضرهم نقصه - ما يرويه أبو هريرة - ﵁ - من قول النبي - ﷺ -: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم» فذكر منهم «ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» (١).
قال ابن بطال: "وفيه عقوبة من منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ويدخل في معنى الحديث منع غير الماء وكل ما بالناس الحاجة إليه" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٣٦٩).
(٢) شرح ابن بطال (٨/ ٢٧٩).
[ ١٦٥ ]
ومن الفضل والمعروف ما يكون بين الجيران، كأن يحتاج الجار إلى بعض منافع دار الجار التي لا يضره بذلها، يقول - ﷺ -: «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» (١).
لكن أبا هريرة رأى من بعض التابعين استثقالًا وإعراضًا عن هذا الأمر من صناعة المعروف، فقال: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم).
قال العلماء: "وكل ما طلبه جاره من فتح باب وإرفاق بماء أو مختلف في طريق، أو فتح طريق في غير موضعه وشبهِ ذلك؛ فلا ينبغي في الترغيب أن يمنعه مما لا يضره ولا ينفعه ولا يحكم به عليه" (٢).
وهكذا فالتقصير في صناعة المعروف سبب للملامة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، وبخاصة إذا كان بخلًا بما لا يحتاجه، أو بما تشتد إليه حاجة الآخرين.
آداب صناعة المعروف:
وصناعة المعروف عبادة أحاطها النبي - ﷺ - بآداب تضبطها وتحافظ عليها، وأولها أن يعي المسلمون أن بذل المعروف
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٤٦٣)، ومسلم ح (١٦٠٩).
(٢) المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٤٢).
[ ١٦٦ ]
معاملة مع الله، لا توزن بالقلة والكثرة، بل تحمد عند الله على كل حال، فقليلها عنده كثير، وهين العمل عند الرب الكريم كبير «فاتقوا النار ولو بشق تمرة» (١).
يقول جابر بن سليم الهُجيميّ: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، إنّا قوم من أهل البادية، فعلّمنا شيئًا ينفعنا الله ﵎ به؟ فقال - ﷺ -: «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا؛ ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط» (٢).
وبمثل هذا التعليم لأهل البادية علم - ﷺ - أهل الحضر، فقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٣).
ويعلمنا النبي - ﷺ - قبول هذا القليل وعدم انتقاصه في حديث آخر، فيقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٤١٧)، ومسلم ح (١٠١٦).
(٢) أخرجه أحمد ح (٢٠١١٠).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٦)، ومسلم ح (١٠٣٠).
(٤) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٨).
[ ١٦٧ ]
قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على حسن خلقه - ﷺ - وتواضعه وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل" (١).
وأحيانًا يُخذِّل الشيطان الواحد منا عن صنع المعروف، بحجة أن من نصنع له المعروف قد لا يكون محتاجًا، فقد يكون مدعيًا كذابًا اعتاد التسول واحترفه، لكن ينبغي أن لا ننسى أنه قد يكون صادقًا محتاجًا، فلا يصح أن نمتنع عن بذل المعروف، فنعاقب المحتاج بجريرة الكذاب.
وحتى يتجاوز المسلم هذا التخذيل الشيطاني ويستمر في بذل المعروف؛ يسوق - ﷺ - قصة رجل تصدق على غير مستحق للصدقة، وقبِل الله صدقته التي وقعت مرة في يد غني، وأخرى في يد تستحق القطع (سارق)، وثالثة في يد آثمة لامرأة زانية، يقول - ﷺ -: «قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة.
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٢٤٦).
[ ١٦٨ ]
فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، لأتصدقن بصدقة.
فخرج بصدقته فوضعها في يدي غني فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني.
فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله» (١).
قال ابن بطال: "إن الصدقة إذا خرجت من مال المتصدق على نية الصدقة، أنها جازية عنه حيث وقعت ممن بسط إليها إذا كان مسلمًا بدليل هذا الحديث" (٢).
وكما حث النبي على صناعة المعروف، فإنه حذر مما يحبطه ويبطل ثوابه كتلبسه المنَّ والأذى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (البقرة: ٢٦٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٤٢١)، ومسلم ح (١٠٢٢).
(٢) شرح ابن بطال (٣/ ٤٢٣).
[ ١٦٩ ]
ولأجل ذلك يحب الله من عباده إخفاء صدقاتهم ومعروفهم قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ (البقرة: ٢٧١)، فالعبد الذي يُسِر بعمله يحبه الله تعالى، قال - ﷺ -: «إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء» (١)، ويوم القيامة يحشرهم في ظلال عرشه، في يوم لا ظل فيه إلا ظله، فقد ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٢).
بذل الشفاعة باب من صناعة المعروف:
ومن صور صناعة المعروف ما لا يكلف مالًا، ومقصودي بذلُ الشفاعة والجاه بغية كشف كرُبات الناس وحلِّ مشكلاتهم، وقد صنعه - ﷺ - سعيًا في تفريج هموم الناس والتخفيف من معاناتهم، من ذلك شفاعته لعبد يدعى مُغيث عند زوجته السابقة بَريرة، والقصة يرويها البخاري، وفيها أن زوجَ بريرة كان عبدًا يقال له مغيث، وكان يحبها، ففارقته.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٤)، وابن ماجه ح (٣٩٨٩).
(٢) أخرجه البخاري ح (٦٦٠)، ومسلم ح (١٠٣١).
[ ١٧٠ ]
يقول ابن عباس وهو يصور حال هذا الزوج المحب لزوجته السابقة: كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي - ﷺ - للعباس: «يا عباسُ ألا تعجب من حب مغيثٍ بريرةَ، ومن بغضِ بريرةَ مغيثًا؟!».
ثم إن النبي - ﷺ - رفِق بهذا المحب؛ فذهب إلى بريرة يشفع لزوجها عندها، لعلها ترجعُ إليه، فقال لها: «لو راجعتِه» فقالت بريرة: يا رسول الله تأمرني؟ فأجابها - ﷺ -: «إنما أنا أشفع». فقالت: لا حاجة لي فيه (١).
ويعلم النبي - ﷺ - أصحابه ممارسة الشفاعة والتوسط للناس في قضاء الحوائج بطريقة عملية، كان إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجة يقول: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه - ﷺ - ما شاء» (٢)، وفي رواية: «إنَّ الرجل ليسألني الشيء، فأمنعُه حتى تشفعوا فيه؛ فتُؤجروا» (٣).
قال ابن بطال: "الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر، مرغَّب فيها، مندوب إليها، ألا ترى قوله - ﷺ -: «اشفعوا
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٢٨٣).
(٢) أخرجه البخاري ح (١٤٣٢)، ومسلم ح (٢٦٢٧).
(٣) أخرجه النسائي ح (٢٥٥٧)، وأبو داود ح (٥١٣٢).
[ ١٧١ ]
تؤجروا»، فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودَلَّ قوله - ﷺ -: «ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» أن الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه ولم تنجح طُلبتُه، وقد قال - ﷺ -: «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» " (١).
لكن الشفاعة لا تمدح مطلقًا، فإن منها ما هو حسن يحبه الله ويثيب عليه ويجعلُ صاحبه شريكًا في الأجر، وإن منها ما يَمقُته الله ويجعل صاحبها شريكًا في الوزر، وهي الشفاعة السيئة، قال الله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (النساء: ٨٥).
ويشرح الإمام الشوكاني الفرق بين الشفاعتين بقوله: "والشفاعة الحسنة هي: في البرّ والطاعة. والشفاعة السيئة في المعاصي، فمن شفع في الخير لينفع؛ فله نصيب منها، أي: من أجرها، ومن شَفَع في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها، أي: نصيب من وزرها" (٢).
_________________
(١) شرح ابن بطال (٣/ ٤٣٤)، والحديث أخرجه مسلم ح (٢٦٦٩).
(٢) فتح القدير (١/ ٧٤٣).
[ ١٧٢ ]
فالشفاعة الحسنة هي التوسط والسعي في قضاء حوائج الناس من غير الإضرار بمصالح الآخرين وحاجاتهم، وأما الشفاعة السيئة فهي السعي بتحقيق مصالح البعض على حساب الآخرين، كما لو تقدم بعضهم لوظيفة يتنافسون عليها، فشفَع لأحدهم ليقدم على الآخرين بغير موجب إلا معرفته لوجيه شفع له، فهذه من الشفاعة السيئة، لأنها أضرت بالآخرين.
ومن الشفاعة السيئة ما أدى إلى ضياع حقوق الناس وأكلها، كالتوسط والشفاعة في دفع حدود الله عند الحاكم والقاضي، وقد نبه عليه النبي - ﷺ - حين رفض شفاعة أسامةَ بنِ زيد في المرأة المخزومية التي سرقت، وقال لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله؟!».
ثم قام فخطب الناس وقال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيْمُ الله لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت؛ لقطعتُ يدها» (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٤٧٥)، ومسلم ح (١٦٨٨).
[ ١٧٣ ]
وحين يعلمنا النبي - ﷺ - الشفاعة، فإنه يوصينا بأمر آخر لا غناء لنا عنه، وهو الإخلاص فيها لله ﷿، فحين نشفع لأحدهم ونتوسط له؛ فإنا لا نصنع ذلك ترقبًا لنفع دنيوي، كأن يهدي لنا أو أن يتوسطَ لنا في قابل الأيام، أو أن يذكرَنا الناس بالذكر الحسن، فيصفوننا بالشهامة وكثرة الخير، فطلبُ هذه الأمور مما يحبط العمل ويبطل ثوابه، فالله يريد منا الإخلاص في العمل له ﵎: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان: ٩ - ١٢).
وحتى يبقى هذا العمل خالصًا لوجه الله مجردًا من طمع الدنيا؛ فإن النبي - ﷺ - يحذر الشافع من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فقد قال - ﷺ -: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» (١).
ومن أراد أن يستوضح منزلة الإخلاص، فليسمع إلى الحوار الذي جرى بين الرسول - ﷺ - وعدي بن حاتمٍ الطائي الذي كان يضرب به المثل في الكرم، فقد جاء عدي بن حاتم
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٣٥٤١).
[ ١٧٤ ]
إلى النبي - ﷺ - فسأله عن المعروف والخير الذي كان يصنعه أبوه في الجاهلية ابتغاء المدح والذكر الحسن، فقال - ﷺ -: «إن أباك أراد شيئًا فأدركه» (١) أي طلب الأجر من الناس بالثناء، فنال أجره، فليس له عند الله شيء.
وهكذا فإن صناعة المعروف خصلة فاضلة نقدم فيها النفع والخير للناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: ٧٧)، وهي خَلة شريفة إيجابية يتصدق بها المرء على نفسه أولًا ثم على أصحاب الحاجات ثانيًا؛ إنها بعض عطاء الإسلام للحضارة الإنسانية، وبعض تنميته للإنسان، فما أحوجنا إلى هدي الإسلام في زمن طغت فيه الأثرة والأنانية وحب الذات.
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٨٨٨).
[ ١٧٥ ]
المبحث الثالث: الهدية
حرص النبي - ﷺ - وهو المبعوث رحمة للعالمين على تشريع كل ما من شأنه أن يؤلف قلوب المسلمين، فقد أرسله الله بكل بر وخير، وامتن على عباده بما قذفه في قلوبهم من ألفة ومحبة ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ومن هذه الشرائع التي تفتح مغاليق القلوب، وتبذر المحبة، وتفرش الورود والندى بين الناس؛ الهدية، وقد حثَّ عليها النبي - ﷺ - بقوله: «تهادوا، فإن الهدية تذهب وغَر الصدر»، وفي حديث آخر يقول - ﷺ -: «تهادوا تحابُّوا» (١).
هدايا الناس بعضهُم لبعض تولِّد في قلوبهم الوصال
وتزرع في الضمير هوى ووُدًا وتُلبسهم إذا حضروا جمالًا
وقد كان النبي - ﷺ - يهدي ويقبل هدية الآخرين، يقول أبو هريرة: (كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية، ولا يأكل
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٧٩٩٧).
[ ١٧٦ ]
الصدقة) (١)، وتفسيره كما يقول ابن عبد البر: "رسول الله - ﷺ - كان لا يأكل الصدقة وكان يأكل الهدية، لما في الهدية من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة والألفة، وجائز عليها الثواب، فترتفع المِنَّة، ولا يجوز ذلك في الصدقة، وكان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية ويثيب عليها خيرًا منها، فترتفع المنة " (٢).
وقد ندب النبي - ﷺ - إلى التهادي في القليل والكثير، وكان هو - ﷺ - يقبل الهدية ولو كانت زهيدة، وكان يقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت؛ ولو أهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت» (٣)، وفي هذا "حض منه لأمته على المهاداة، والصلةِ، والتأليفِ، والتَحابِ، وإنما أخبر أنه لا يحقِّر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المُهدى، وإنما أشار بالكُراع وفِرسِن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفِرسِن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك" (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٥١٢).
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ٧٠).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٨).
(٤) شرح ابن بطال (٧/ ٨٨).
[ ١٧٧ ]
إن التهادي بالقليل الذي ليس فيه كلفة يدل على تمام المحبة وكمالِها، فقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرنَّ جارة لجارتها؛ ولو فِرسِنَ شاة» (١)، وفي رواية: «تهادوا، فإن الهدية تذهب وحَر الصدر، ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فِرسِن شاة» (٢)، والفرسن هو الحافر، وفي هذا الحديث "الحض على التهادي والمتاحفة؛ ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهابِ الشحناء، واصطفاءِ الجيرة، ولما فيه من التعاونِ على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهلُ على المُهدي لاطراح التكليف" (٣).
وأخبر النبي - ﷺ - أن الهدية من خير العمل عند الله، وأنها تعدل في أجرها عِتق الرقبة، على عظم منزلة العتاق عند الله، فقد قال - ﷺ -: «من منح مَنيحة ورِق [أي فضة] أو منيحة لبن أو هدى زُقاقًا [يعني الدلالة على الطريق]؛ كان له كعدل رقبة - وقال مرة: - كعِتق رقبة» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٦)، ومسلم ح (١٠٣٠).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٢١٣٠).
(٣) شرح ابن بطال (٧/ ٨٥).
(٤) أخرجه أحمد ح (١٨١٩٠).
[ ١٧٨ ]
وحين أعتقت ميمونة بنت الحارث جارية عندها؛ أخبرها النبي - ﷺ - أن إهداءها الجارية إلى بعض أقاربها خير لها من عتاقها، وهو من فاضل العمل عند الله، تقول أم المؤمنين: أشعرتَ يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: «أوفعلتِ؟ .. أما إنك لو أعطيتِها أخوالَك كان أعظمَ لأجرِك» (١).
قال ابن بطال: "وفي حديث ميمونة أن صلة الأقارب أفضلُ من العِتق، على أن العِتق قد جاء فيه أن الله يعتِق بكل عضو منه عضوًا منها من النار، وأن بالعتق تُجاز العقبةُ يوم القيامة". (٢)
ولما أخبر النبي - ﷺ - عن أربعين خصلة تُدخل صاحبَها الجنة، جعل أُولاها إهداء عنز إلى من يستفيد من لبنها ثم يردها إلى صاحبها، فقال - ﷺ -: «أربعون خصلة؛ أعلاهن مَنيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابِها وتصديقَ موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة» (٣).
وقال - ﷺ -: «نِعم المنيحةُ اللِّقْحةُ، الصَفِي منحة [أي الكريمة الغزيرة اللبن]، والشاة الصفيُّ تغدو بإناء، وتروح بإناء»، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٩٢)، ومسلم ح (٩٩٩).
(٢) شرح ابن بطال (٧/ ١١١).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٦٣١).
[ ١٧٩ ]
رواية: «من منح مَنيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة، صَبوحِها وغَبوقِها» (١)، والمنيحة تدور حول معنيين"أحدهما أن يعطي الرجل صاحبَه صلة فتكونَ له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفعُ بحلْبها ووَبرِها زمنًا ثم يردُها" (٢).
كما حث النبي - ﷺ - على إهداء منفعة الفضول التي تزيد عن حاجة صاحبها، ولو كانت أرضًا، يقول جابر - ﵁ -: كانت لرجال منا فضول أرضين فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي - ﷺ -: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحْها أخاه؛ فإن أبى فليمسك أرضه» (٣).
قال الملا علي القاري في شرحه: "ينبغي أن يحصُل للإنسان نفعٌ من ماله، فمن كانت له أرض فليزرعها حتى يحصُل له نفع منها، أو ليعطها أخاه ليحصُل له ثواب، فإن لم يفعل هذين الشيئين فليمسك أرضه، فهذا توبيخ لمن له مال ولم يحصُل له منه نفع" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٦٢٩)، ومسلم ح (١٠٢٠).
(٢) فتح الباري، ابن حجر (٥/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٣٤١)، ومسلم ح (١٥٣٦).
(٤) مرقاة المفاتيح (٩/ ٤٣٣).
[ ١٨٠ ]
ولما خرج - ﷺ - إلى أرض تهتز زرعًا فقال: «لمن هذه؟» فقالوا: اكتراها فلان. فقال: «أما إنه لو منحها إياه كان خيرًا له من أن يأخذ عليها أجرًا معلومًا» (١).
إهداء الطعام
ومما شرع النبي - ﷺ - إهداءه؛ الطعام، وهذا يشمل الغني والفقير، والإطعام أوسع من الصدقة التي هي مخصوصة بالفقير وذي الحاجة، بينما الإطعام يكون للغني والفقير، أي هو نوع عام من الصلة والبر، وهو من أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فهو باب من أبواب الجنة: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واضربوا الهام؛ تورثوا الجنان»، وفي حديث آخر يقول - ﷺ -: «إن في الجنة غرفًا، ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال - ﷺ -: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» (٢).
ولما أتى النبي - ﷺ - المدينةَ المنورة أتاه حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجه
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٦٣٤).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٩٨٤)، وأحمد ح (١٣٤٠).
[ ١٨١ ]
رسول الله - ﷺ - عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به - ﷺ - أن قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام» (١).
بل إن النبي - ﷺ - لما سأله عمرو بن عبسة: ما الإسلام؟ أجابه النبي - ﷺ - بذكر خصلتين عظيمتين، إحداهما إطعام الطعام، فقد قال - ﷺ -: «لين الكلام وإطعام الطعام» (٢).
وأتاه - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله وتصديق وجهاد في سبيل الله وحج مبرور»، فقال الرجل: أكثرتَ يا رسول الله؟ فقال - ﷺ -: «فلين الكلام وبذل الطعام وسَماح وحُسن خلق» (٣).
ولما جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - قال: علمني عملًا يدخلني الجنة؟ فقال - ﷺ -: «لئن كنت أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة .. والمنحة: الوكوف،
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٤٨٥)، ابن ماجه ح (١٢٣٤)، وأحمد في المسند ح (٢٣٢٧٢)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (١٠٩٧).
(٢) أخرجه أحمد ح (١٨٩٤٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٥٥١).
(٣) أخرجه أحمد ح (١٧٣٨٥)، قال الهيثمي: "أخرجه أحمد، وفي إسناده رشدين وهو ضعيف ". مجمع الزوائد (١/ ٦٨).
[ ١٨٢ ]
والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانهَ عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (١).
وفي مرة أخرى سأل رجل النبيَّ - ﷺ -: أي الإسلام خير؟ فذكر النبي - ﷺ - له هذه الخصلة الفاضلة من خصال الخير وقال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٢)، وفي هذا "الحض على المواساة، واستجلاب قلوب الناس بإطعام الطعام وبذل السلام، لأنه ليس شىء أجلب للمحبة وأثبت للمودة منهما، وقد مدح الله المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨)، ثم ذكر الله جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان: ١١ - ١٢) " (٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (٣٣٨٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (١٢)، ومسلم ح (٣٩).
(٣) شرح ابن بطال (١/ ٦٣).
[ ١٨٣ ]
لقد تشرب الصحابة ﵃ معنى الإطعام الجميل، فسبقوا إليه وأكثروا منه حتى لام بعضهم بعضًا من الإكثار منه، فذات يوم لقي عمر بن الخطاب صهيبًا الرومي، فقال له: أي رجل أنت؛ لولا خصال ثلاث فيك! فقال صهيب: وما هن؟
فقال: اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم، وفيك سرف في الطعام.
فقال صهيب: أما قولك: اكتنيت ولم يولد لك؛ فإن رسول الله - ﷺ - كناني أبا يحيى.
وأما قولك: انتميتَ إلى العرب ولست منهم، وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط، فسبَتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام عرفتُ نسبي.
وأما قولك: فيكَ سرف في الطعام؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خياركم من أطعم الطعام»، فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٣٤١١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٤٤).
[ ١٨٤ ]
ويزداد فضل هذه العبادة حين يكون الإطعام للفقراء والمساكين، فهم أحوج إلى الطعمة من غيرهم، ومن أول ذلك إطعام السائقين والخدم في البيوت، فقد قال - ﷺ - عن هؤلاء: «إن إخوانَكم خَولُكم [أي خدمُكم]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» (١).
وجاء رجل إلى النبي - ﷺ - يشكو قسوة قلبه فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (٢).
هدي النبي - ﷺ - في إهداء الكافر:
وإذا كانت الهدية مفتاحًا من مفاتيح القلوب، فإن لها كبير أثر في استلال الشحناء والعداوة، فقد قال - ﷺ -: «تصافحوا يَذهبُ الغِل، وتهادوا تحابوا، وتَذهبُ الشحناء» (٣)، وقد "ثبت أن النبي - ﷺ - كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة، ومن فضل
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٤٥).
(٢) أخرجه أحمد ح (٧٨٩١).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ح (١٦٨٥).
[ ١٨٥ ]
الهدية - مع اتباع السنة - أنها تزيل حزازاتِ النفوس، وتُكسب المهدي والمهدى إليه رنَّة في اللقاء والجلوس" (١).
ولأجل ذلك فإن الهدية تسن للبر والفاجر، بل والكافر، سواء أكان محاربًا أم مسالمًا، فقد أهدى النبي - ﷺ - وقبل هدايا المشركين، ومن ذلك قول علي - ﵁ - أن كسرى أهدى له - ﷺ - فقبِل، وأن الملوك أهدوا إليه فقبل منهم (٢).
كما قبِل - ﷺ - هديةَ أُكيدر ملكِ أيْلة، فقد أهداه بغلة بيضاء وكساه بردًا (٣).
وأهدى إليه المقوقس بغلة، وقيل قدحًا من زجاج، فقِبل - ﷺ - هديته (٤).
قال ابن قدامة: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب، لأن النبي - ﷺ - قبِل هدية المقوقس صاحب مصر" (٥).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١٩٩).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٥٧٦)، وأحمد ح (٧٤٩).
(٣) أخرجه البخاري ح (١٤٨٢).
(٤) انظر البخاري ح (١٤٨٢)، وأحمد ح (٧٤٩).
(٥) المغني (٩/ ٢٦٢) وانظر: كتاب الأموال، ابن زنجويه (٢/ ٥٩٠).
[ ١٨٦ ]
وكذلك أهدى ذي يزن ملك حِميَر في اليمن إلى رسول الله - ﷺ - حُلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرًا، فقبلها - ﷺ - (١) وفي مقابلها كافأه النبي - ﷺ - على هديته، فاشترى حُلة ببضعةٍ وعشرين قَلوصًا، فأهداها إلى ذي يزن في اليمن (٢).
كما أهدى النبي - ﷺ - تمر عجوة إلى أبي سفيان، وهو بمكة قبل أن يسلم، وكتب إليه يستهديه أُدمًا، فأهدى إليه أبو سفيان (٣).
وأهدى النبيُّ - ﷺ - عمر بن الخطاب - ﵁ - حُلّةً ثمينة، فأهداها عمر - ﵁ - إلى أخيه بمكة كان يومئذ مشركًا (٤)، وفي هذا "دليل لجواز صلة الأقارب الكفار، والإحسان إليهم، وجواز الهدية إلى الكفار" (٥).
ولما قدمت قتيلةُ ابنةُ عبد العزى، وهي مشركة على ابنتها أسماءَ ابنةِ أبي بكر بهدايا ضِبابٍ وأقطٍ وسمن، أبت أسماء أن تقبل هدية أمها وأن تدخلها بيتها، فسألت عائشةُ النبي - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٠٣٤).
(٢) أخرجه أبو داود ح (٤٠٣٥).
(٣) أخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (٢/ ٥٨٩).
(٤) أخرجه البخاري ح (٨٨٦)، ومسلم ح (٢٠٨٦).
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٣٩).
[ ١٨٧ ]
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨)، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها (١).
ولأجل هذا المعنى قال عبد الله بن عمرو لأهله لما ذبحوا له شاة: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٢).
وكما قبِل النبيُّ - ﷺ - هدايا بعض المشركين من أهل الكتاب؛ فإنه رد هدايا غيرهم؛ حين رأى ما يستوجب ردها، يقول: عِياض بنُ حمار: أهديت للنبي - ﷺ - ناقة فقال: «أسلمتَ» فقلتُ: لا. فقال النبي - ﷺ -: «إني نُهيت عن زبْد المشركين» (٣) أي هداياهم وعطاياهم.
قال النووي: "قبِل النبيُّ - ﷺ - ممن طمع في إسلامه وتأليفه لمصلحةٍ يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم، وردَّ هديةَ من لم
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٥٦٧٩).
(٢) أخرجه البخاري ح (٦٠١٥)، ومسلم ح (٢٦٢٤).
(٣) أخرجه أبو داود ح (٣٠٥٧).
[ ١٨٨ ]
يطمعْ في إسلامه ولم يكن في قَبولها مصلحة، لأن الهدية توجب المحبة والمودة ..
قال الطبري: إنما رد النبي - ﷺ - مِن هدايا المشركين ما علم أنه أُهدي له في خاصة نفسه ..
قال القاضي: .. إنما قبل النبي - ﷺ - هدايا كفار أهل الكتاب ممن كان على النصرانية، كالمقوقس وملوك الشام، فلا معارضة بينه وبين قوله - ﷺ -: «لا يقبلُ زبْد المشركين»، وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم بخلاف المشركين عبدة الأوثان» (١).
الهدايا المنهي عنها:
بقي أن ننبه على نوع آخر من الهدايا، وهي الهدايا التي حرمها الأسوة الحسنة - ﷺ - أو نهى عنها لما فيها من التعدي على حقوق الآخرين أو الإضرار بهم.
وأول أنواع الهدايا المنهي عنها هديةُ بعض الأبناء دون بعض، وإيثارُهم بشيء من المال دون إخوانهم، فهذا وإن كان نوعًا من التحبب للابن المهدى إليه؛ إلا أن فيه تجافيًا عن
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ١١٤).
[ ١٨٩ ]
إخوانه وإضرارًا بهم، لذا فمثل هذه الهدية نهى عنها - ﷺ - في قصة النعمان بن بشير ﵄، وفيها أن أباه أعطاه عَطية، فقالت أمه عَمرة بنتُ رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله - ﷺ -، فأتى بشير رسولَ الله - ﷺ - فقال: إني أعطيت ابني من عمرةَ بنتِ رواحة عطية، فأمرَتني أن أُشهدك يا رسول الله. فقال - ﷺ -: «أعطيتَ سائر ولدِك مثلَ هذا؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، قال النعمان: فرجع فردَّ عطيته.
وفي رواية أنه - ﷺ - قال: «فلا تشهدني إذًا؛ فإني لا أشهد على جَور».
وفي رواية قال: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى. فقال - ﷺ -: «فلا إذًا» (١) أي لا تفعل.
وقد حفظ النعمان بن بشير هذا الدرس النبوي الجميل في العدل بين الأبناء في الهدايا، فكان يخطب بعد وفاة النبي - ﷺ - فيقول: قال رسول الله - ﷺ -: «اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم» (٢)، وفي الحديث من الفوائد "الندب إلى التأليفِ بين
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٧٨، ٢٦٥٠)، ومسلم ح (١٦٢٣).
(٢) أخرجه النسائي ح (٢٦٨٧)، وأبو داود ح (٣٥٤٤)، وأحمد ح (١٧٩٥٤).
[ ١٩٠ ]
الإخوة وتركِ ما يوقع بينهم الشحناء، ويورثُ العقوق للآباء وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض، لأن هذا أمر قلبي، وليس باختياري" (١).
وعلى هذا الهدي النبوي في التسوية بين الأبناء في العطية سار الصديق - ﵁ -، فقد أهدى ابنتَه عائشةَ زوجَ النبي - ﷺ - بستانًا له، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من الناس أحد أحب إلي غنىً بعدي منكِ، ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحَلْتُك جادَ عِشرين وسْقًا، فلو كنت جَددْتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليومَ مالُ وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله.
قالت عائشة الصديقة الزاهدة مطيبة لخاطر أبيها: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته (٢).
ومن الهدايا المحرمة أيضًا ما يناله الموظفون من هدايا بعضِ المتعاملين معهم أو المراجعين لهم، فهذه الهدايا ليست أجرًا على عملهم، وإنما هي في حقهم بمثابة الرشوة التي
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١٤٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٧٠).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ح (١٤٧٤).
[ ١٩١ ]
يأكلها صاحبها سُحتًا، وقد قال النبي - ﷺ -: «هدايا العمال غلول» (١).
ونقل الطبراني عن ابن عباس أن رجلًا أهدى إلى عمر - ﵁ - فخذَ جَزور، ثم أتاه بعد مدة ومعه خصم له، فقال الرجل وهو يريد تذكير الخليفة بهديته: يا أمير المؤمنين، اقض لي قضاء فصلًا؛ كما يُفصل الفخِذ من الجَزور.
فضرب عمر - ﵁ - بيده على فخذه، وقال: (الله أكبر، اكتبوا إلى الآفاق: هدايا العمال غلول) (٢).
وحين استعمل النبي - ﷺ - ابن الأُتَبيَّة الأزدي على الصدقة قدم على النبي - ﷺ - فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي.
فكره النبي - ﷺ - مقالته، وقال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يُهدى له أم لا. والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوار، أو شاةَ تيعَر»، ثم رفع - ﷺ - بيده حتى رأينا عُفرة إبطيه: «اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟» (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٣٠٩٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (١٢٩٧٧).
(٢) أخرجه الطبراني، وضعفه الحافظ العراقي. فيض القدير (٦/ ٤٦٢).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٥٩٧)، ومسلم ح (١٨٣٢).
[ ١٩٢ ]
قال ابن بطال: "يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه، وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ ".
وأما ابن المنير فنبه على أنه "يؤخذ من قوله «هلا جلس في بيت أبيه وأمه» جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال، ولا يخفى أن محل ذلك - إذا لم يزد - على العادة" (١).
ولما بعثَ رسول الله - ﷺ - معاذَ بنَ جبل أرسل إليه بعد خروجه، فرجع إليه، فقال: «أتدري لم بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني؛ فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك، فامض لعملك» (٢).
وكان إمام العدل عمر بن عبد العزيز يرفض هدايا العمال ويقول: "كانت الهدية في زمن رسول الله - ﷺ - هدية، وهي اليوم رشوة".
ومن الهدايا المحرمة أيضًا أن يأخذ المرء هدية ممن قضى له بعض أموره وحوائجه، كمن شفع بشفاعة أو توسط بأمر من
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ١٦٧).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٣٣٥).
[ ١٩٣ ]
الخير، فمثل هذا من المعروف، وينبغي أن يكون قربة وعملًا خالصًا لوجه الله مجردًا من طمع الدنيا؛ لذلك فإن النبي - ﷺ - يحذر الشافع وصاحب المعروف من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فيقول: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» (١)، وذلك "لأن الشفاعة الحسنة مندوب إليها، وقد تكون واجبة، فأخذ الهدية عليها يضيع أجرها، كما أن الربا يضيع الحلال " (٢).
وأيضًا فإن من الهدايا التي ترد ولا تقبل، الهدايا التي يحرم الانتفاع بها، كأن تهدى لرجل ساعةً ذهبية أو ثوبَ حرير أو كأسَ خمر وأمثال ذلك، وقد صنعه النبي - ﷺ - حين كان محرمًا، فصاد له الصعب بن جَثامة - ﵁ - حمارًا وحشيًا، وأهداه إليه، فرده عليه - ﷺ -، فلما رأى ما في وجهه [أي من الحزن لرد هديته] قال - ﷺ -: «أما إنا لم نرده عليك، إلا أنا حُرُم».
قال ابن حجر: "وأما حديث الصعب فإن النبي - ﷺ - بيَّن العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرِمًا، والمحرم لا يأكل ما
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٣٥٤١).
(٢) عون المعبود (٩/ ٣٣١).
[ ١٩٤ ]
صِيد لأجله؛ واستنبط منه المهلَب ردَّ هدية من كان ماله حرامًا أو عُرف بالظلم" (١).
مكافأة المُهدي على هديته:
وكما يعلمنا النبي - ﷺ - قبول الهدية؛ فإنه يرشدنا إلى مكافأة مُسديها بهدية مثلِها، وخاصة في الهدايا التي جرى العرف بين الناس على مكافأتها وتبادلها في المناسبات الاجتماعية، كهدايا التهنئة بالزواج والولادة وأمثالِهما، فقد تعارف الناس على أن مثل هذه الهدايا تُكافئ في مناسباتٍ مشابِهة، تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية، ويثيب عليها) (٢).
قال المهلَب: "الهدية على ضربين: فهدية للمكافأة، وهدية للصلة والجِوار، فما كان للمكافأة؛ كان على سبيلِ البيعِ وطريقِه، ففيه العِوَض، ويجبر المُهدى إليه على سبيل العوض، وما كان لله أو للصلة؛ فلا يلزم عليه مكافأة، وإن فعل فقد أحسن" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ٢٢١).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٥٨٥).
(٣) شرح ابن بطال (٧/ ٩٥).
[ ١٩٥ ]
ومن هذا النوع من الهدايا ما جاء في قصة أعرابي وهب للنبي - ﷺ - هدية رجاء المكآفأة، فأثابه عليها - ﷺ -، ثم سأله: «رضيتَ؟» قال: لا. فما زال - ﷺ - يزيده في مكافأة هديته حتى رضي، فقال - ﷺ - وقد استثقل هديته: «لقد هممتُ أن لا أتَّهِب هِبة إلا من قُرشي أو أنصاري أو ثقفي» (١)، وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على "وجوب الثواب على الهدية إذا أَطلق الواهب، وكان ممن يطلُب مثلُه الثواب، كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته - ﷺ -، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يُعطى أكثرَ مما أهدى، فلا أقلَ أن يعوض بنظير هديته" (٢).
وقد أكد - ﷺ - على مبدأ مكافأة الهدية بقوله: «من سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أهدى لكم فكافئوه؛ فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له» (٣).
ولا ريب أن الهدية المبرورة هي الهدية التي يدفعها المهدي، لا ليقابَل من الناس بمثلِها، بل الهدية التي يرجو ثوابها
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٦٨٢).
(٢) تحفة الأحوذي (٦/ ٧٣).
(٣) أخرجه أحمد ح (٥٣٤٢).
[ ١٩٦ ]
من الله فحسب، أي مِن مثل ما كان يهديه - ﷺ -، يقول جابر: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فاشترى مني بعيرًا، فجعل لي ظهره حتى أقدُم المدينة، فلما قدمت أتيته بالبعير، فدفعته إليه، وأمر لي بالثمن.
ثم انصرفت؛ فإذا رسول الله - ﷺ - قد لحقني فقلت: قد بدا له [أي غير رأيه في مسألة شراء البعير]،قال فلما أتيته دفع إلي البعير وقال: «هو لك».
قال جابر: فمررت برجل من اليهود فأخبرتُه، فجعل يعجب، ويقول: اشترى منك البعير ودفع إليك الثمن ووهبه لك؟! فقلت: نعم (١).
لكن أي عجب، إنها أخلاق نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه.
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٣٨٣٩).
[ ١٩٧ ]
المبحث الرابع: آداب المداينة
ما زال الناس يحتاج بعضهم إلى بعض، فيستدين المحتاج من أخيه ما يقضي حاجته، ويرده إليه بعد حين، فتُفرج كربته، ويشاركُه أخوه الذي أدانه فرحته وينال الأجر من ربه.
وقد جعل الله ﷿ هذه الدنيا دارًا للابتلاء، فكلٌ فيها مبتلى، فالبعض يبتليه الله بالعوز والحاجة والضنْك، وآخرون يبتليهم الله بالرخاء والسعة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٥).
فأما أولئك الذين ابتلاهم الله بالخير، فوسع عليهم أرزاقهم، وجعل حاجاتِ الناس إليهم، فيلزمهم شكر المنعمِ ﵎ بالإحسان إلى عبيده، وبذلِ الفضلِ لهم، ومنه إقراض المحتاجين منهمُ القرضَ الحسن، ففي الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته، ومن سعى في قضاء حاجة أخيه؛ قضى الله حاجاته، ومن فرج عن أخيه كُربة؛ فرج الله عنه بها كُربة من كرَب يوم القيامة» (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٤٤٢)، ومسلم ح (٢٥٨٠).
[ ١٩٨ ]
ورغَّب النبي - ﷺ - أمتَّه في إقراض المعسر وعونه في قضاء حاجته، فأخبرهم أن الله جعل تكرر الإقراض معادلًا أجر الصدقة، مع أن المال المقرض مسترد؛ يعود إلى صاحبه، يقول - ﷺ -: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقةٍ مرة» (١).
والممتنع عن إقراض الناس بغير سبب متوعد من الله لمنعه الفضلَ عمن يحتاجُه، ففي الحديث: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم»، فذكر منهم «ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعتَ فضلَ ما لم تعمل يداك» (٢)، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٦).
والأصل في الإنسان أن لا يستدين إلا لحاجة، لأن الدَّين أمانة ثقيلة ومسئولية كبيرة، فعن أبي موسى الأشعري أن النبي - ﷺ - قال: «إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى عنها: أن يموت رجلٌ وعليه دين لا يدع له
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه ح (٢٤٣٠).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٣٦٩).
[ ١٩٩ ]
قضاء» (١)، فسمى النبي - ﷺ - الإقراض ذنبًا؛ لتعلقه بحقوق الآدميين التي مبناها على المشاحة والمطالبة؛ بينما حقوق الله مبناها على المساهلة والمسامحة.
وتبدأ مسؤولية الإنسان عن الدَّيْن عندما يهُم باستدانة أموال الناس، فإن كان عازمًا على أدائها أعانه الله على ذلك، قال - ﷺ -: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (٢)، وفي رواية: «ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون» (٣).
وعنون البخاري هذا الحديث بقوله: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه ليس له أن يتلف أموال "، ومعناه: "الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزهُ عنها، وحسن التأدية إليهم عند المداينة [و] الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد تكون
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٢٩٠١).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٣٨٧).
(٣) أخرجه أحمد ح (٢٤١٥٨).
[ ٢٠٠ ]
من جنس الذنوب، لأنه جعل مكانَ أداء الإنسان أداءَ الله عنه، ومكان إتلافِه إتلافَ الله له" (١).
ولثِقَل أمر الدين وخطورة شأنه كان النبي - ﷺ - يستعين بالله عليه، عن عبد الله بنِ عمرو أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء» (٢).
وذات يوم دخل النبي - ﷺ - المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال: «يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟» فقال أبو أمامة: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله. قال: «أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت قلتَه أذهبَ الله ﷿ همك وقضى عنك دينك». فقال: بلى يا رسول الله.
فقال - ﷺ -: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ
_________________
(١) شرح ابن بطال (٦/ ٥١٣).
(٢) أخرجه النسائي ح (٥٤٨٧)، وأحمد ح (٦٥٨١)، ونحوه عند أبي داود ح (١٥٥٥).
[ ٢٠١ ]
بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».
قال أبو أمامة: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله ﷿ همي، وقضى عني ديني (١).
وحتى يستشعر الصحابة عِظم شأن الدين فإن النبي - ﷺ - صنع أمامهم أمرًا يثير عجبهم واهتمامهم، لقد امتنع - ﷺ - عن الصلاة على بعض أصحابه حين مات وعليه دَين، بل كان إذا قُدِّم إليه ميت لم يصل عليه حتى يسألَ إن كان مَدينًا أم لا، يقول سلمة بن الأكوع - ﵁ -: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - فأتي بجنازة، فقالوا: يا رسول الله صلِ عليها، قال: «هل ترك شيئًا؟» قالوا: لا، قال: «فهل عليه دين؟» قالوا: ثلاثة دنانير. فقال - ﷺ -: «صلوا على صاحبكم».
فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه، فصلى عليه (٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (١٣٣٠).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٢٩١).
[ ٢٠٢ ]
وفي رواية للحديث من طريق جابر أن رسولَ الله كان إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعتِ الدنانير؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتُها يا رسول الله، قال: الآن بردت عليه جلدُه» (١).
والشهيد رغم عِظم قدره وبلائه ومنزلتِه عند الله؛ فإنه لا يَغفِر له دينَه، فقد سأل رجل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله أتكفَّر عني خطاياي؟ فقال ﵊: «نعم، وأنت صابرٌ محتسب، مقبلٌ غيرُ مدبر؛ إلا الدَّين» (٢).
وفي حديث آخر قال ﵊: «يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدَين» (٣).
وذات يوم وضع النبي - ﷺ - راحته على جبهته، وقال: «سبحان الله! ماذا نزل من التشديد؟» فسكت الصحابة وفزعوا.
ثم في الغد قالوا: يا رسول الله! ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: «والذي نفسي بيده، لو أن رجلًا قُتل في سبيل الله، ثم أُحيى، ثم قُتل، ثم أحيى، ثم قُتل وعليه دين ما دخل
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٤١٢٧)، والبيهقي في السنن (٦/ ٧٥).
(٢) أخرجه مسلم ح (١٨٨٥).
(٣) أخرجه مسلم ح (١٨٨٦).
[ ٢٠٣ ]
الجنة حتى يُقضى عنه دينُه» (١)، فالدين يحجب الشهيد على باب الجنة حتى يُقضى عنه دينه.
وحين وجد النبي - ﷺ - سعة من المال؛ تولى سداد ديون المتوفين من الصحابة؛ حرصًا منه - ﷺ - على براءة ذمتهم وسلامة عاقبتهم، فكان يقول: «من حمل من أمتي دينًا ثم جهد في قضائه ثم مات قبل أن يقضيه؛ فأنا وليه» (٢) ويقول: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دَينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته» (٣).
قال النووي: " قيل: إنه - ﷺ - كان يقضيه من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه .. ومعنى هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالًا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي، فعلي نفقتهم ومؤنتهم" (٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي ح (٤٦٨٤)، وأحمد ح (٢١٩٨٧).
(٢) أخرجه أحمد ح (٢٥٢١١).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٢٩٧)، ومسلم ح (١٦١٩).
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ٦١).
[ ٢٠٤ ]
ويرشد النبي - ﷺ - أصحابه وأمته من بعده إلى طريقة تحفظ حقوق الناس عن الضياع وتعين المَدين على سداد دينه، ألا وهي كتابة الوصية التي يبين فيها المدين الحقوق المتعلقة برقبته، لتؤدى عنه لو مات قبل سدادها، فقد قال - ﷺ -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده» (١).
ولهذا الحديث نقل ابن المنذر عن أبي ثور أن الوصية واجبة على من عليه حق شرعي، يُخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كوديعةٍ ودَينٍ لله أو لآدمي (٢).
وأما التنكر للدَين وجحده فذلك من أقبح الإثم وأرذله، فهو مقابلة للحسنة بضدها، وآكل حقوق الناس متوعد بالنار، على الصغير منها والكبير، فحين مات مولى لرسول الله - ﷺ - يدعى كركرة، قال - ﷺ -: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها (٣).
وفي يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٧٣٨)، ومسلم ح (١٦٢٧).
(٢) انظر فتح الباري (٥/ ٣٥٩).
(٣) أخرجه البخاري ح (٣٠٧٤).
[ ٢٠٥ ]
شهيد. فقال رسول الله - ﷺ -: «كلا إني رأيته في النار في بُردة غلَّها، أو في عباءة غلَّها» (١).
ويحوط النبي - ﷺ - مسألة الإقراض بآداب منها ما يتعلق بالمقرِض، وفي أولها: أن يستشعر المقرض فضل الله عليه وتوسيعه عليه في رزقه؛ بما يعينه على عون إخوانه، فيقلبل النعمة بشكر الله والإخلاص له في هذا العمل، وتخليص النية مما يشينها من مراءاة الناس وانتظار تبجيلهم والتطلع إلى قولهم أو المِنَّة على المقترض، فهذا كله لا يصنعه من أراد بقرضه وجه الله تعالى وأجره في الدار الآخرة.
وأعظم ما ينبغي أن يتنزه عنه أكل الربا؛ باشتراط زيادة في المال عند السداد، فهذا من اكبر الكبائر، وصاحبه متوعد بالحرب من الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩)، كما لا يجوز للمقرِض أن يستفيد من مدينه بمنافع أخرى سوى المال؛ كالهدايا وطلب
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (١١٤).
[ ٢٠٦ ]
الشفاعات، وقد روي عن عدد من أصحاب النبي - ﷺ - قولهم: «كل قرض جر نفعًا فهو ربًا» (١).
وقد استنكر عبد الله بن سلام على بعض أهل المدينة النبوية قبولَهم الهدية من المقترِض، وعدَّه من الربا، فقال لأبي موسى الأشعري: إنك بأرض فيها الربا فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حقٌ، فأهدى إليك حِمل تِبنٍ أو حِمل شعير أو حِمل قَتٍ؛ فلا تأخذْه. فإنه ربًا» (٢).
قال ابن القيم: "المنفعة التي تجر إلى الربا في القرض، هي التي تخص المقرِض، كسكنى دار المقترِض وركوبِ دوابه، واستعمالِه، وقَبولِ هديته، فإنه لا مصلحة للمقترض في ذلك، بخلاف المسائل ذات المنفعة المشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة" (٣).
ومن آداب المقرِض أن يكون حسن الاستقضاء إذا حل وقت السداد، فيطلب ماله بأحسن طريقة وأجمل سبيل، لا أن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبدالله بن سلام وابن عباس موقوفًا (٥/ ٣٥٠)، والمرفوع إلى النبي - ﷺ - لا يصح. انظر صحيح وضعيف الجامع الصغير ح (٩٧٢٨).
(٢) أخرجه البخاري ح (٣٨١٤).
(٣) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٩/ ٢٩٧).
[ ٢٠٧ ]
يفعل ما فعله الحبر اليهودي زيد بن سعنة مع النبي - ﷺ - حين جاء يطلب ماله، فأغلظ في مطالبته وأساء؛ حتى قام إليه عمر - ﷺ - يريد أن ينال منه وأن يعلمه أدب الخطاب مع الأنبياء.
لكن النبي - ﷺ - بحلمه قال لعمر: «يا عمر، أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج: أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمرَه بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه، أما إنه قد بقي من أجله ثلاث، فزده [يا عمر] ثلاثين صاعًا لتزويرك عليه» (١).
وهنيئًا لمن رزقه الله حسن التقاضي، فقد دعا النبي - ﷺ - لصاحب هذا الفعل بالرحمة، فقال: «رحم الله عبدًا سمْحًا إذا باع، سمْحًا إذا اشترى، سمْحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى» (٢).
وأسمح صور التقاضي وأحسنها؛ التجاوزُ عن المعسر وإنظارُه في الدَّين الذي حلَّ سدادُه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢٨٠).
فإنظار المعسر من أفضل ما يتقرب به المسلم إلى ربه، وهو سبب في مغفرة الرب للعبد، يقول - ﷺ -: «تلقت الملائكة روح
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٣٧) والبيهقي في السنن (٦/ ٥٢).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٠٧٩).
[ ٢٠٨ ]
رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن يُنظِروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، فقال الله ﷿: «تجوزوا عنه»، وفي رواية: «فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» (١).
وفي تأكيد هذا المعنى أخرج مسلم عن أبي قتادة - ﵁ - أنه طلب غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال الغريم: إني معسر. فقال أبو قتادة: آللهُ؟ قال الرجل: آلله. فقال أبو قتادة: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من سره أن ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضعْ عنه» (٢).
ومن الكُرب التي يرفعها الله يوم القيامة المكث في حرِّه المديد الشديد، يقول - ﷺ -: «من أنظر معسرًا أو وضع له؛ أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يومَ لا ظلَ إلا ظِلُه» (٣).
وفي إنظار المعسر أجرُ الصدقة بل ضعفُ أجرها، فقد سمع بريدة النبي - ﷺ - يقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يومٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٠٧٧)، ومسلم ح (١٥٦٠).
(٢) أخرجه مسلم ح (١٥٦٣).
(٣) أخرجه الترمذي ح (١٣٦)، وأحمد ح (٨٤٩٤).
[ ٢٠٩ ]
مثلِه صدقةٌ». ثم سمعه يقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مِثليْه صدقة».
فقال بريدة: يا رسول الله! إني سمعتك تقول: «فله بكل يومٍ مثلِه صدقة»، ثم سمعتك تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة»، فقال - ﷺ -: «له بكل يوم صدقة قبل أن يحِلَّ الدين، فإذا حلَّ الدين فأنظره، فله بكل يوم مِثليه صدقة» (١).
كما يعلم النبي - ﷺ - المقترضَ جملةً من الآداب، أولُها: العجلةُ بتسديد الدَين وعدم تأخير السداد عند القدرة على القضاء، فهذا أقل ما نقابلُ فيه معروفَ الدائن ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن:٦٠). وكيف تسمح للإنسان نفسُه أن يماطل في رد الحق إلى من أحسن إليه وفرج بماله كربَه، إنه بذلك يضع نفسه موضع التهمة والإثم، قال - ﷺ -: «ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه» (٢)، أي "يحِل عِرضه بأن يقول: ظلمني ومطلني، ويحل عقوبتَه أي الحبسُ والتعزير" (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٢٥٣٧).
(٢) أخرجه النسائي ح (٤٦٨٩)، وأبو داود ح (٣٦٢٨)، وابن ماجه ح (٢٤٢٧)، وأحمد ح (١٨٩٦٢).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٢٢٧).
[ ٢١٠ ]
وفي حديث آخر يعتبر - ﷺ - التأخر في السداد مع القدرة عليه من الظلم المحرم، فيقول - ﷺ -: «مطل الغني ظلم» (١)، وأما غير الواجد فليس بمأزور.
وإذا حان وقت السداد، ولم يجد المَدينُ ما يرد به دينه، فينبغي عليه أن يجتهدَ في الوفاء بالأجل الذي حدده للسداد، ولو أن يستدين من آخر ليرد للأول، وقد فعل ذلك النبي - ﷺ - حين جاءه أعرابي يتقاضاه دَينًا كان عليه، فأرسل - ﷺ - إلى خولة بنت قيس، فقال لها: «إن كان عندَك تمر فأقرضيْنا حتى يأتيَنا تمرُنا؛ فنقضيكِ»، فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله. فأقرضَتْهُ، فقضى الأعرابيَ (٢).
ويحكي النبي - ﷺ - قصة عجيبة في الحرص على قضاء الدين في أجله، يحكيها ليعلم أمته الحرص على سداد الدين والاجتهاد فيه، إنها قصة رجل من بني إسرائيل سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسلِفَه ألف دينار فقال: «ائتني بالشهداء أُشهِدُهم. فقال: كفى بالله شهيدًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٤٠٠)، ومسلم ح (١٥٦٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٤٢٦).
[ ٢١١ ]
قال: فأتني بالكفيل. فقال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت.
فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركِبًا يركبها يَقدَم عليه للأجل الذي أجَّله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشَبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه، ثم زجَّج موضِعَها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهَدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإني أستودعُكَها. فرمى بها في البحر، وانصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده.
فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة.
ثم قدِم الذي كان أسلفه (أي المدين)، فأتى بالألف دينار [وهو لا يظن أن ماله وصل] فقال: «والله ما زلت جاهدًا في طلب مركبٍ لآتيك بمالك، فما وجدتُ مركبًا قبل الذي أتيتُ فيه.
[ ٢١٢ ]
فقال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ فإن الله قد أدى عنك الذي بعثتَ في الخشبة، فانصرِفْ بالألف الدينار راشدًا» (١).
ومن الآداب التي ينبه - ﷺ - المقترض عليها؛ أن يرُد المَدينُ الدين بأفضل منه، من غير أن يكون هذا شرطًا عليه حين استدان، ولا عُرفًا لازمًا تعارف الناس عليه، حتى لا يكون ذلك من الربا.
يقول جابر بنُ عبد الله - ﵁ -: كان لي على النبي - ﷺ - دين، فقضاني وزادني (٢).
واستدان النبي - ﷺ - من أعرابي، فجاء الرجل إلى النبي - ﷺ - يطلب دينه بجفاء، فزجره الصحابة ورفَق به النبي - ﷺ -، وقال لأصحابه: «اشتروا له سِنًا»، فأعطوه إياه. فقالوا: إنا لا نجد إلا سِنًَّا هو خيرٌ من سِنِّه. قال: «فاشتروه، فأعطوه إياه، فإن من خيركم أحسنَكم قضاءً».
وفي رواية أن الرجل قال: "أوفيتني أوفاك الله" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب الكفالة في القروض.
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٣٩٤)، ومسلم ح (٧١٥).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٣٩٠)، ومسلم ح (١٦٠١).
[ ٢١٣ ]
قال ابن حجر: "وفي الحديث جوازُ المطالبة بالدين إذا حلَّ أجلُه، وفيه حسنُ خلقِ النبي - ﷺ - وعِظَم حِلمه، وتواضعُه وإنصافُه، وأن من عليه دين لا ينبغي له مجافاةُ صاحبِ الحق وفيه جوازُ وفاء ما هو أفضل من المِثل المقترَض؛ إذا لم تقع شرطيةُ ذلك في العقد، فيحرم حينئذ اتفاقًا" (١).
ومما ينبغي للمَدين أن يشكر الدائنَ على إحسانه، ولو بكلمة طيبة؛ يشكر له فيها معروفه، وقد صنعه النبي كما ينقل لنا عبدالله بن أبي ربيعة بقوله: استقرض مني النبي - ﷺ - أربعين ألفًا، فجاءه مال، فدفعه إلي، وقال: «بارك الله تعالى في أهلك ومالك» (٢).
وفي حديث آخر قال - ﷺ -: «إنما جزاءُ السلَف الحمدُ والأداءُ» (٣).
وشرحه المناوي فرأى أنه ينبغي "حمدُ المقترِض للمقرِض والثناءُ عليه وأداءُ حقِه له، قال الغزالي: فيستحب للمَدين عند قضاء الدين أن يحمَد المقضيَّ له، بأن يقول: بارك الله لك في أهلك ومالك" (٤)، فالدعاء للمحسن من أحسن صور مقابلة
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ٥٧).
(٢) أخرجه النسائي ح (٤٦٨٣).
(٣) أخرجه النسائي ح (٤٦٨٣)، وابن ماجه ح (٢٤٢٤).
(٤) فيض القدير (٢/ ٥٧٣).
[ ٢١٤ ]
الإحسان، فقد قال - ﷺ -: «من صُنِعَ إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا؛ فقد أبلغ في الثناء» (١).
وهكذا ففي تلمس هدي النبي - ﷺ - وامتثاله ما يحوط المجتمع من كثير من أسباب الشقاق، ويقارب بين المسلمين، فيحفظ إلفتهم ويزيد محبتهم، ويحقق أخوتهم، فهم كالجسد الواحد ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٠٣٥).
[ ٢١٥ ]
المبحث الخامس: سلامة المجتمع من الشقاق
الاختلاف بين الناس أمر طبعي جِبلِّي، فمازال الناس يختلفون بسبب اختلاف طبائعهم وتصوراتهم للأمور، لكن هذا الاختلاف لا يصح أن يؤدي بالإخوة إلى التشاحن وفساد ذات البين، فالشقاق والتشاحن الذي يقع بين الناس إنما هو في حقيقته بعضُ كيد إبليس الذي يجعل الخلاف الصغير كبيرًا، وما يزال ينفخ في أوداج الواحد فينا حتى يوغرَ صدره ويوقعَه في إخوانه، وقد نبه إلى ذلك النبي - ﷺ - بقوله: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمُهم فتنة، يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا. فيقول: ما صنعتَ شيئًا حتى يجيء أحدُهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين امرأته. فيدنيه منه: ويقول: نِعمَ أنت» (١).
ولبيان مدى حرص الشيطان على الإفساد بين المسلمين نستمع إلى النبي - ﷺ - وهو يقول: «إن الشيطان قد أيِس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (٢)، فهذا الحديث من المعجزات النبوية لما فيه من إخبار بالغيب،
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٨١٣).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٨١٢).
[ ٢١٦ ]
ومعناه: أن الشيطان " آيس [أي أصابه اليأس] أن يعبده أهل جزيرة العرب، ولكنه يسعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوِها" (١)، فالخصام بين المسلمين بعض كيد الشيطان ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١).
والتفرق والشحناء بين المسلمين يفسد على المرء دينه، ويكفي أنه مانعٌ مغفرةَ الله لذنوب العباد، قال - ﷺ -: «تفتَح أبواب الجنة يومَ الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئًا؛ إلا رجلًا كانت بينَه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» (٢).
قال الباجي: " يعني - والله أعلم - أخروا الغفران لهما حتى يصطلحا" (٣).
وفي حديث آخر - وفي إسناده ضعف - أن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ
_________________
(١) نقله عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦/ ٥٧).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٥).
(٣) المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٣٠١).
[ ٢١٧ ]
قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط، وأخَوانِ متصارمان» (١) أي متشاحنان.
وفي مواجهة هذا الخطب الجلل؛ أمر الله بأمرين مهمين أولهما يقطع دابر الخصومة ويسد بابها، وهو حسن الظن بالعباد، والثاني هو الإصلاح بين المتخاصمين.
أولًا: حسن الظن بالآخرين
إن كثيرًا من المشكلات التي تقع بيننا ليس مردها إلى أسباب حقيقية، بل ترجع إلى ظنون يقذفها الشيطان في صدورنا، ننساق إليها، فتكون سببًا في وقوع العداوة وزيادة الشقاق.
والأصل في المسلم السلامة من السوء، والبراءة من التهمة، فقد قال ابن عمر: رأيت النبي - ﷺ - يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خيرًا ً» (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه ح (٩٧١).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٩٣٢).
[ ٢١٨ ]
وقد ذم الله تعالى التعرض للمسلم بما يقدح في سلامته، ولو بالظن، إذا لم يكن لهذا الظن ما يبرره، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢).
ورأى العلماء في الآية ما يشير إلى وجود ظن يأثم فيه المرء، وآخر لا يأثم فيه، فاجتهدوا في بيان الفرق بينهما، فقال عيسى بن دينار في الظن المذموم: "يريد ظن السوء ومعناه أن تعادي أهلك وصديقك على ظن تظنه به دون تحقيق، أو تحدث بأمر على ما تظنه فتنقله على أنك قد علمته" (١).
وهكذا فإن الحكم على الناس بمجرد الظن دون استدلال بدليل هو الظن الآثم، وقد قال ﷿: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦).
ومن الظن المحرم ما يؤدي بصاحبه إلى التجسس والتوثق للظنون، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا» (٢)، فالمراد "ترك تحقيق الظن
_________________
(١) المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٢٩٩).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٣).
[ ٢١٩ ]
الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يُقدر عليه لا يُكلف به، ويؤيده حديث: «تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها» " (١).
قال البيهقي: "أراد أن ظن القبيح بالمسلم كهمزه، ولمزه والسخريةِ والهزء به نُهي عنه، وأخبر أنه إثم، ونهى عنه وعن التجسس، وهو تتبع أحواله في خلواته وجوف داره والتعرف لها، فإن ذلك إذا بلغه ساءه وشق عليه، فكان التعرض له من باب الأذى الذي لا موجب له، ولا مرخص فيه قال سهل بن عبد الله: (من أراد أن يسلم من الغيبة، فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور، ومن سلم من الزور سلم من البهتان) (٢).
ومثل هذا المعنى ورد في حديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - بإسناد فيه ضعف؛ لكن معناه صحيح، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: «في الإنسان ثلاثة: الطيرة، والظن، والحسد، فمخرجه
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٤٨١).
(٢) انظر البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٩٤، ٣١٦).
[ ٢٢٠ ]
من الطيرة أن لا يرجع، ومخرجه من الظن ألا يحقق، ومخرجه من الحسد أن لا يبغي» (١).
ومما ينبغي أيضًا الابتعاد عما يجلب سوء الظن ويؤدي إليه، فليس من الحكمة أن يضع المرء نفسه في مواطن الشبهة ثم ينتظر من الناس أن يتلمسوا له المعاذير، ونبينا - ﷺ - كان أبعد الناس عن مواطن الشبهة وسوء الظن، فهو النبي الذي يؤمن الناس بعصمته وتزكيته من قبل ربه، لكنه ورغم ذلك سعى في إظهار براءة حاله وسلامته، لما أتته زوجته صفية تزوره في معتكفه في المسجد في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت معه ساعة، ثم قامت تريد بيتها، فقام النبي - ﷺ - معها يرافقها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله - ﷺ -، فقال لهما النبي - ﷺ -: «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي».
فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما، فقال النبي - ﷺ -: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا» (٢)، وفيه "بيان شفقته - ﷺ - على أمته
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٣)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير ح (٨٤٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٥).
[ ٢٢١ ]
وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم. وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مَخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم" (١).
أما من قصد مواضع الشبهات فقد أحل عرضه واستحق سوء الظن فيه، كمن دخل إلى مكان يظن بداخله السوء أو صاحَبَ الفساق والفجار أو غاب عن الجمع والجماعات، قال ابن بطال: "سوء الظن جائز عن أهل العلم لمن كان مظهرًا للقبيح ومجانبًا لأهل الصلاح وغير مشاهد في الصلوات في الجماعة، وقد قال ابن عمر: (كنا إذا فقدنا الرجل فى صلاة العشاء والصبح أسأنا الظن به) " (٢).
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: (من تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا، وأنت
_________________
(١) فتح الباري (٤/ ٢٨٠).
(٢) شرح ابن بطال (٩/ ٢٢٦)، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ح (٣٣٥٣)، والبيهقي في سننه (٣/ ٥٩).
[ ٢٢٢ ]
تجد لها في الخير محملًا، وكن في اكتساب الإخوان فإنهم جنة عند الرخاء وعدة عند البلاء، وآخ الإخوان على قدر التقوى، وشاور في أمرك الذين يخافون الله) (١).
ومما يحسن التنبيه عليه أنه شاع على ألسنة بعض العوام أحاديث منسوبة إلى النبي - ﷺ - وإلى بعض أصحابه تدعو إلى إساءة الظن بالناس طلبًا للسلامة منهم، فهذه الآثار لا تصح، وإن وجهها بعض العلماء وحملها على معاني جميلة.
ومن ذلك ما نسب إليه - ﷺ -: «الحزم سوء الظن»، ومثله: «احترسوا من الناس بسوء الظن»، وهذان الحديثان حكم عليهما العلماء بالضعف الشديد. قال الألباني عن كليهما: "ضعيف جدًا"، ثم قال عن الثاني منهما: "ثم إن الحديث منكر عندي؛ لمخالفته للأحاديث الكثيرة التي يأمر النبي - ﷺ - فيها المسلمين بأن لا يسيئوا الظن بإخوانهم" (٢).
ثانيًا: الإصلاح بين المتخاصمين
وأما إذا وقعت الخصومة وأوقع الشيطان الإخوة في شباكه فإن الله يأمر المجتمع المسلم إلى المسارعة في الإصلاح
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتابه "الزهد" ح (٨٣).
(٢) السلسلة الضعيفة (١/ ٢٨٨).
[ ٢٢٣ ]
بين المتخاصمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ١٠)، وقد اعتبره من خير القرب والأفعال: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٤)، وكذا قال رسوله - ﷺ -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة». قالوا: بلى. قال: «صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، وفي رواية: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (١).
قال الطِّيبي: "في الحديث حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب الإفساد فيها، لأن الإصلاح سببٌ للاعتصام بحبل الله وعدمِ التفرق بين المسلمين، وفسادُ ذات البين ثُلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها؛ نال درجةً فوق ما يناله الصائمُ القائم المشتغل بخاصة نفسه" (٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٥٠٩).
(٢) عون المعبود (١٣/ ١٧٨).
[ ٢٢٤ ]
قال الأوزاعي: "ما خطوةٌ أحبُ إلى الله ﷿ من خطوة في إصلاح ذات البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءةً من النار".
وقد سارع النبي - ﷺ - إلى هذه الخصلة الجليلة، لما سمع أن بعض أصحابه من أهل قُباء اقتتلوا حتى ترامَوا بالحجارة فقال - ﷺ -: «اذهبوا بنا نصلحُ بينهم» (١)، فذهب النبي - ﷺ - للإصلاح بينهم مما أخره عن صلاة الجماعة التي ليست بأعظمَ من الإصلاح بين المسلمين.
قال ابن حجر: " في هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس وجمعِ كلمة القبيلة وحسمِ مادة القطيعة وتوجهِ الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وفيه تقديمُ مثلِ ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه" (٢).
قال ابن بطال: "فيه: ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع والخضوع والحرص على قطع الخلاف وحسم دواعِي الفُرقة عن أمته كما وصفه الله تعالى" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٦٣٩).
(٢) فتح الباري (٢/ ١٦٩).
(٣) شرح ابن بطال (٨/ ٨٤).
[ ٢٢٥ ]
كما صنعه النبي - ﷺ - مرة أخرى حين حاول الإصلاح بين مغيث وزوجته السابقة بَريرة، فقد فارقته، وكان يحبها.
يقول ابن عباس: كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي - ﷺ - للعباس: «يا عباسُ، ألا تعجب من حب مُغيثٍ بريرةَ، ومن بغضِ بريرةَ مُغيثًا؟!».
وقد رفِق النبي - ﷺ - بمغيثٍ، فذهب إلى بريرة يشفع لزوجها عندها، لعلها ترجعُ إليه، فذهب إليها وقال لها: «لو راجعتِه» فقالت بريرة: يا رسول الله تأمرني؟ فأجابها - ﷺ -: «إنما أنا أشفع». فقالت: لا حاجة لي فيه (١).
ولأهمية الإصلاح بين الناس، أجاز النبي - ﷺ - الكذب بين المتخاصمين بقصد الإصلاح، كأن يذكر على لسان أحد المتخاصمَين مدحًا لخصمه وثناء عليه، من غير أن يكون هذا قوله حقيقة، قال - ﷺ -: «ليس بالكاذب من أصلح بين الناس، فقال خيرًا، أو نَمَى خيرًا» (٢).
تقول أم كلثوم بنت عقبة: (ما سمعت رسول الله - ﷺ - رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٢٨٣).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٩٣٨).
[ ٢٢٦ ]
يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها) (١).
قال ابن العربي: الكذب في هذا وأمثاله جائز بالنص رفقًا بالمسلمين لحاجتهم إليه" (٢).
وهكذا يتبين حرص النبي - ﷺ - على سلامة المجتمع المسلم من منغصات الأخوة ومبطلات الاعمال الصالحات، وفي الإذعان لهديه سعادة المسلم في دنياه وأخراه.
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٦٧٣١).
(٢) فيض القدير (٥/ ٣٧٧).
[ ٢٢٧ ]
خاتمة
إن نظرة متأملة إلى حياة النبي - ﷺ -، ثم أخرى إلى حياتنا تكشف للبليد قبل الحصيف البون الشاسع الذي يفصلنا عن نبينا - ﷺ -، ولست أبالغ إذا قلت: إنه يصدق فينا ما قاله أبو الدرداء عن زمن التابعين - وهو فينا أبين وأصدق -: (لو خرج رسول الله - ﷺ - اليوم إليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة).
لقد اصطفى الله من قبل بني إسرائيل وآتاهم الكتاب والملك والسؤدد ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (الجاثية:١٦)، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ (الأعراف:١٧٣)، فلما خالفوا منهج الله وتنكبوا هدي رسله نزع الله منهم الاصطفاء، وغيَّر حالهم إلى أبأس حال ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٦١)، وهكذا فسنن الله لا تتخلف، ولن تحابينا إذا تنكبنا شرع الله وأعرضنا عن هدي
[ ٢٢٩ ]
رسوله - ﷺ - ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣).
إذا تبين هذا عرفنا سبب تغيير الله حالنا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٥٣)، فهذا الحال جزاء حيدتنا عن دين الله، وعقوبة الله إنما ترفع بالتوبة «إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، وفي رواية أحمد: «ليلزمنكم الله مذلة فى أعناقكم، ثم لا تنزع منكم حتى ترجعون إلى ما كنتم عليه وتتوبون إلى الله» (١).
واللهَ أسأل أن يرجعنا إلى ديننا، وأن يغفر الذنب الذي لأجله سلط علينا أعداءنا، كما أسأله ﵎ أن يقيمنا على سنته - ﷺ -، وأن يحشرنا تحت لوائه، في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٣٤٦٢)، وأحمد ح (٢٧٥٧٣).
[ ٢٣٠ ]
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- تاريخ الأمم والملوك، ابن جرير الطبري (ت ٣١١هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط٢، دار المعارف، مصر.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (ت ٧٧٤هـ)، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٠هـ.
- جامع البيان في تفسير القرآن، ابن جرير الطبري (ت ٣١١هـ)، ط٢، دار المعرفة، بيروت.
- الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، محمد بن سورة الترمذي (ت ٢٧٩هـ)، تحقيق: أحمد شاكر، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة.
- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١هـ)، دار الكتب العربية، بيروت، ١٤١٣هـ.
- زاد المسير في علم التفسير، جمال الدين عبد الرحمن بن علي الجوزي (ت ٥٩٧هـ)، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.
- السلسلة الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني (ت٢٧٥هـ)
[ ٢٣١ ]
تحقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، ط١، دار إحياء الكتب العربية.
- سنن أبي داود، أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ)، دار الحديث، ١٣٩١هـ.
- سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط٢، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ١٤٠٦هـ.
- شرح ابن بطال على صحيح البخاري (ت ٤٤٩هـ)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، ط٢، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٢٣هـ.
- شرح النووي على صحيح مسلم، يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦هـ)، ط١، عالم الكتب، الرياض، ١٤٢٤هـ.
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، أبو الفضل عياض اليحصبي (ت ٥٤٤هـ)، دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٤٠٩هـ.
- صحيح ابن حبان، أبو حاتم البستي، (ت ٣٥٤هـ) ترتيب: علاء الدين بن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وحسين أسد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٤هـ.
- صحيح ابن خزيمة، محمد بن خزيمة (ت٣١١هـ)، تحقيق:
[ ٢٣٢ ]
محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي.
- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ)، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، في تحقيقه لكتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ط٢، القاهرة، دار الريان للتراث، ١٤٠٧هـ.
- صحيح الترغيب والترهيب، محمد ناصر الدين الألباني، ط٥، الرياض، مكتبة المعارف.
- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري (ت ٢٦١هـ)، ترقيم: محمد فؤاد الباقي، ط١، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٧٥هـ.
- عمدة القاري، بدر الدين العيني (ت ٨٥٥هـ)، دار الفكر.
- عون المعبود شرح سنن أبي داود، أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (ت ١٣٢٩هـ)، ط٢، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط٢، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٧هـ.
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ)، دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ.
[ ٢٣٣ ]
- المستدرك على الصحيحين، أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠١هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١هـ.
- المسند، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٤١هـ)، دار إحياء التراث العربي، ١٩٩١م.
- مشكاة المصابيح، محمد الخطيب التبريزي (ت ٧٣٧هـ)، تحقيق: محمد ناصر الألباني، ط٣، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥هـ.
- المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ط٢، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ.
- المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني (ت ٣٦٠هـ)، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، ط٢، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٤٠٤هـ.
[ ٢٣٤ ]