الحمد للَّه الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإنه لما كان علم المغازى والسير من العلوم النافعة الشريفة التى تنافس فيها المتنافسون، وشمر عن ساعد الجد فى تحصيلها العاملون المخلصون.
اذ هو علم يحث المسلم النبيل عل الاقتداء بنبيه المصطفى ﷺ، وإلى التخلق بحقائق أقواله وأفعاله -ﷺ- التى توصله إلى دار السلام، وإنه لعلم نافع عظيم يطلع المسلم خلال دراسته التى درج عليها المحدثون القدماء فى الاسلام -على ما كانت عليه الصورة الاسلامية الحقيقية فى العهد النبوى الشريف وفى العهود الاولى من الخلافة الاسلامية الراشدة.
وليس ثمة شك، أن دراسة هذا العلم والتعمق فيه لهى دراسة
[ ١٠ ]
تعين على تفسير كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله -ﷺ- كما قال عز من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) وقال أيضا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وكما صح عن الصديقة بنت الصديق رضي اللَّه تعالى عنهما فيما روى عنها سعد بن هشام رحمه اللَّه تعالى قال: سألت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، فقلت: أخبرينى عن خلق رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقالت ﵂: كان خلقه القرآن (٣).
فالآيتان الكريمتان والحديث وما فى معناها، يدل دلالة واضحة على أنه -ﷺ- كان صورة واضحة، ومثالا حيا، لما جاء به كتاب اللَّه تعالى من أحكام، وآداب، ومعاملات، فبقى الحال -برهة من الزمن- فى العهد النبوى الشريف، وفيما بعد من الخلافة الراشدة، -على أحسن ما يرام، لقرب العهد به -ﷺ-، ثم تطاول الوقت، وكر الدهر، -وللَّه فى ذلك حكمة بالغة- فاتى على المسلمين
_________________
(١) سورة الاحزاب رقم الآية (٢١).
(٢) سورة آل عمران رقم الآية (٣١).
(٣) رواه أحمد فى مسنده (٤٥، ٩١، ١١١، ١٦٣، ١٨٨/ ٦) ومسلم فى صحيحه فى كتاب المسافرين، وأبو داود فى سننه فى كتاب التطوع، والترمذي فى جامعه فى كتاب البر، والنسائي فى سننه فى قيام الليل، وابن ماجه فى سننه، كتاب الاحكام، والدارمي فى سننه، كتاب الصلاة.
[ ١١ ]
عهد وقعت فيه الكارثة العظمى، والمصيبة الكبرى، مصداقا لقوله -ﷺ-: فيما روى عنه عمرو بن عوف رضي اللَّه تعالى عنه، قال: "فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكنى أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت علي من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم، كما ألهتهم" (١).
فظهر هذا اللهو واضحًا جليًا فى حياة المسلمين بعد أن فقدوا تلك القيادة الرشيدة العالمية، فاستغل الاعداء الماكرون -من اليهود عليهم لعائن اللَّه، ومن لف لفهم من أمم الشرق والغرب فرصة اللهو هذه، فوجهوا خلالها تلك الطعنات الخبيثة، الى صميم رسالتنا الخالدة، والى حاملها -ﷺ-، والى أصحابه البررة الكرام، والى كل من حمل هذا العلم صافيا نقيا.
فأول ما بدأ به هؤلاء الاوباش هو أن أوجدوا جماعة كبيرة فى صفوف المسلمين، بعد أن غذوها غذا ماديا الحاديا يمكن أن يحولوا به مجرى التاريخ الاسلامى الحافل، الى ما أرادوا به من ايقاع الفتن، والشرور، والاضطراب، والى كل ما من شأنه أن لا تبقى هذه الأمة المجيدة على اصالتها، وروحها الطاهرة النقية المهذبة عن طريق الوحى السماوى، ورسالتها السامية الخالدة.
_________________
(١) أخرجه البخارى فى الصحيح، فى عدة مواضع: الجزية (١) مغازى (١٢) رقاق (٧) ومسلم فى الزهد، حديث رقم (٦) الترمذى فى السنن، القيامة، وابن ماجه فتن (١٨) ومسند الامام أحمد، (١٣٧/ ٤، ٣٢٧/ ١).
[ ١٢ ]
فظهر الوضع فى حديث رسول اللَّه -ﷺ- قبل ظهور تلك الفلسفة العلمانية اللادينية التى ضيعت على هذه الامة ثقافتها الدينية، وسياستها الحكيمة، فأخذ هذا الوضع يتطور تطورا خطيرا، ولم يكن محصورا على أحاديث الرسول -ﷺ- فحسب بل فى أحاديث الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، التى توقع بينهم الفرقة، والشقاق.
أخرج الحاكم فى مستدركه، بإسناده عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه تعالى عنه فى قصة وفاة أبي ذر رضي اللَّه تعالى عنه، وفيه، أن عثمان نفى أبا ذر إلى الربذة الحديث (١).
وفى إسناد هذا الخبر، بريدة بن سفيان الاسلمى، وهو شيعي رافضى، كما قال عنه الذهبى فى الميزان: بريدة بن سفيان الاسلمي، قال البخاري: فيه نظر وقال أبو داود: لم يكن بذاك، وكان يتكلم فى عثمان.
وقال الدارقطي: متروك. وقيل كان يشرب الخمر، وهو مقل (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: ليس بالقوي، وفيه رفض من السادسة (٣).
قلت: إن لم يكن هذا الحديث قد بلغ درجة الوضع إلا أنه قريب منه، وهو حديث منكر، وقد أخرجه ابن إسحاق فى السيرة (٤)، ومحمد
_________________
(١) انظر الحاكم فى المستدرك (٥٠ - ٥١/ ٣).
(٢) ميزان الاعتدال للذهبي (٣٠٦/ ١).
(٣) تقريب التهذيب (٩٦/ ١) وتهذيب التهذيب (٤٣٣ - ٤٣٤/ ١).
(٤) سيرة ابن هشام (١٦٨/ ٤).
[ ١٣ ]
ابن جرير الطبري فى تاريخه (١) وكما سترى الكلام على هذا الحديث فى موضعه من هذه الرسالة، فى وفاة أبي ذر رضي اللَّه تعالى عنه بالتفصيل (٢).
هكذا بدأ هذا الهجوم على الاسلام، منذ أول يوم عن هذا الطريق اللاذع الرهيب الذى اتخذه المستشرقون، اساسا قويا، ومنهاجا صلبا فى الهجوم على الاسلام بعد أن مهد لهم الطريق، عن هؤلاء الوضاعين الكذابين المنتسبين الى الاسلام -والاسلام منهم براء- فنشط هؤلاء المستشرقون نشاطا مرموقا فى مهمتهم الشيطانية فى الهجوم الشنيع الخفي الذى لا يتمكن من إدراكه أحد إلا من رزقه اللَّه تعالى، علما واسعا، وثقافة عالية.
أورد المستشرق الالماني جوزيف هوروفتس فى ترجمة ابان بن عثمان الاموى رحمه اللَّه تعالى بعد أن ساق فى ترجمته عدة روايات مختلفة بطرق فنية رائعة مع ذكر مصادرها كما سيأتى فحاول أخيرا أن يتكلم بشئ خفي يمس به عدالة هذا التابعى الإِمام فلم يجد ما يبرر به إمام النقد العلمى إن وجه إليه، فحاول -بطريق فنى رائع أجمل- فى أن يأتي بشئ يقربه عينه ويثلج صدره، ويطفئ غيظه فأتى فى ترجمة ابان بن عثمان هذه العبارة (ولم تقصر عناية أهل المدينة على العلوم الدينية وحدها، بل عنوا أعظم عناية بالموسيقي والشعر).
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٣٧١/ ٢).
(٢) انظر الفصل الثاني والثلاثين ص ٣٠٣ - ٣٠٩.
[ ١٤ ]
ومن الخطا أن يظن أنه لا توجد صلات بين العلماء والشعراء، وإن علماء الدين كانوا جميعا معادين للشعر، بل وجد فى المدينة نفسها اعلام من العلماء الدينيين قد برزوا فى قول الشعر، وأشهر مثل لذلك تتحقق فيه هذه الصلة، عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، حفيد عتبة بن مسعود، وهو ممن حارب مع النبي- فى أحد، وقد خصص أبو الفرج الاصبهاني فى "كتاب الاغانى" فصلا لعبيد اللَّه هذا، وأورد طائفة من شعره، وفعل مثل ذلك ابن سعد أيضا فى طبقاته، وهو معدود من فقهاء المدينة السبعة، وحينما تيّمَه حب هذلية حسناء دعا الفقهاء الستة الآخرين فى اشعاره التى يخاطبها بها، ليشهدوا على قوة حبه الذى برح به قال:
أحبك حبا لو علمت ببعضه لجدت عليّ ولم يصعب عليك شديد
وحبك -يا أم الصبي- مدلهى شهيدى أبو بكر، وأى شهيد
ويعلم وجدى القاسم بن محمد وعروة ما القى بكم، وسعيد
ويعلم ما أخفى سليمان علمه وخارجة يبدى لنا ويعيد
متى تسألى عما أقول فتخبرى فللحب عندى طارف وتليد (١)
قلت: من العجب جدا أمر هذه الابيات التى هي ترجمة صحيحة عن نفسية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة إن صح الاسناد إليه.
فعلينا أن نرجع الى ترجمة عبيد اللَّه هذا المذكور حتى نعرف عن شخصيته، وحقيقته هل هذه الابيات تتفق مع ترجمته؟ أو هناك فى دس
_________________
(١) انظر المغازى الأولى ومؤلفوها جوزيف هورفتس ترجمة حسين نصار ٦ - ٧ الطبعة الحلبية الاولى سنة ١٣٦٩ هـ بمصر.
[ ١٥ ]
من دسائس الأعداء الماكرين؟ قال الحافظ ابن حجر فى ترجمته: قال الواقدى: كان عالما، وكان ثقة فقيها، كثير الحديث، والعلم، شاعرا، وقد عمى، وقال العجلى: كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي ثقة، رجل صالح جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو زرعة: ثقة مأمون، امام.
وقال ابن حبان فى الثقات: كان من سادات التابعين.
وقال ابن جرير الطبرى: كان مقدما فى العلم، والمعرفة بالاحكام، والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرا مجيدا.
وقال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء العشرة، ثم السبعة الذين تدور عليهم الفتوى، وكان عالما فاضلا مقدما فى الفقه، تقيا، شاعرا محسنا، لم يكن بعد الصحابة الى يومنا فيما علمت فقيه أشعر منه ولا شاعر أفقه منه.
وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عبد اللَّه حيا ما صدرت الا عن رأيه انتهي كلام الحافظ ملخصا (١) قلت وهو من رجال الكتب الستة وقد أخرج له البخاري جملة من الاحاديث فى الاحكام، قبل أن ندرس اسناد هذه الابيات نقف هنا قليلا، ونسأل الاستاذ جوريف هوروفتس كيف أدخلت هذه الابيات المنسوبة الى عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبة فى ترجمة أبان بن عثمان، وأنت تتكلم على مؤلفى المغازى الأولى، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه لم يكن مؤلف المغازى مع اعترافك؟
_________________
(١) تهذيب التهذيب (٢٣ - ٢٤/ ٧)
[ ١٦ ]
ب - وهل هناك ارتباط وثيق مع المعاني التى تحمل هذه الابيات فى طياتها مع الشخصية المباكة التى ترى ما قيل فى ترجمتها؟
ثم السؤال الأخير:
جـ - هل درست اسناد هذه الابيات؟
وأنا أتولى الجواب:
أ - لا مناسبة أبدا بين ايراد هذه الابيات فى ترجمة ابان بن عثمان بن عفان رحمه اللَّه تعالى. الا للنيل من شخصية مماثلة فى الزهد، والورع، واسقاط عدالته.
ب - لا تتفق هذه المعاني القبيحة التى تشم منها رائحة الزنا مع شخصية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه المذكور المترجم لها آنفا.
جـ - اما الاسناد فهو كاد أن يكون موضوعا كما سترى.
قال أبو الفرج الاصبهاني (١):
حدثنا محمد بن جرير الطبرى، والحرمى بن العلاء، ووكيع، قالوا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى اسماعيل بن يعقوب، عن أبي الرتاد، عن أبيه، قال: قدت المدينة امرأة من ناحية مكة، من هذيل، وكانت جميلة، فخطبها الناس، وكادت تذهب بعقول أكثرهم، فقال فيها عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبة بن مسعود ثم ساق الابيات المذكورة.
_________________
(١) الأغانى (٩٦/ ٨) طبعة بولاق.
[ ١٧ ]
قلت: ننظر الآن ما مدى قيمة هذا الاسناد الذى يأتى الجرح الشديد عن طريقه فى التابعى المذكور، وقد ثبت لدينا عدالته بإجماع المحدثين الذين مر ذكرهم عند الحافظ فى التهذيب؟
رجال الاسناد:
ابن الفرج الاصبهانى: قال الخطيب فى تاريخه باسناده الجيد عن محمد الحسن بن الحسين النوبختى يقول: كان أبو الفرج الاصبهانى، أكذب الناس، كان يدخل سوق الوراقين وهي عامرة، والدكاكين مملؤة بالكتب، فيشترى شيئا كثيرا من الصحف، ويحملها إلى بيته، ثم تكون رواياته كلها منها، ثم قال الخطيب وكان أمويا يتشيع (١).
وقال الذهبى فى سير أعلام النبلاء: كان وسخا زريا (٢).
قلت: وفى اسناد هذه الابيات رجل آخر مجهول، وهو ذكوان القرشي، ولم أجد له ترجمة فى المراجع التى بين يدى، الا ما قال فيه الحافظ ابن حجر: قيل: ان أباه أي عبد اللَّه بن ذكوان القرشي -كان اخا أبي لؤلؤة قاتل عمر (٣).
ومهما يكن من أمر، فإن هذه الابيات لا تجوز أن تنسب الى
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب (٣٩٨/ ٤٤٠/ ١١).
(٢) نقلا عن الاعلام لخير الدين الزركلى (٨٨/ ٥).
(٣) تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر (٥٠٣/ ٥).
[ ١٨ ]
عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن طريق هذا الاسناد الذى كاد أن يكون موضوعا.
ولا ذنب للمستشرق الالمانى على نقلها مع جهل حال رجال الاسناد، ولكن الذنب على من وضع هذه الرواية -لمجرد كون عبيد اللَّه المذكور شاعرا-، ونسبها الى ذاك التقى الزاهد الثقة الامام.
ولقد وجد كتاب المستشرق جوزيف هوروفتس مملوءا بهذه السخافات الواهية، والحكاية المكذوبة التى لا تخلو منها صفحة من صفحات الكتاب، الا أن هذا المثالي الواحد فيه كفاية على رد كتابه، وعلى ما درجوا عليه، من وضع مخططات جهنمية، وأساليب ماكرة، لتدمير الثقافة الاسلامية، وهم فى ديارهم، وجامعاتهم التى لم تؤسس إلا على هذا الأساس، لكى تؤدى لهم هذه الخدمات على يد من يفد إليهم من ديار المسلمين، بعد أن يمنحوهم تلك الشهادات التى هى فى الواقع شهادة فى الاستشراق وللاستشراق، ولم تكن شهادة علمية يرضى اللَّه تعالى عنها، والمؤمنون، وأما موقف من حمل تلك الشهادة من المسلمين فلربما أن يكون الحامل لها كشافا عوراتهم، وخبيئاتهم للمسلمين إن شاء اللَّه تعالى، كما فعل الفيلسوف الاسلامى، وشاعر الشرق الاسلامى الدكتور محمد اقبال رحمه اللَّه تعالى فى كتابه الفذ "بانك درا" (١) إلا أن
_________________
(١) هو كتاب ألفه الدكتور فى اللغة الاردية بعد عودته من أوربا، وطبع عشر مرات فى لاهور، نشره ابنه جاويد اقبال، وهو عبارة عن أحاسيس، ومشاعر نحو امجاد الاسلام والمسلمين الماضية وانطباعات حملها الدكتور فى نفسه، نحو تأخر هذه الأمة المجيدة، في أشعار رقيقة، كف عما يقوم به الغرب والشرق من أعمال شنيعة ضد الاسلام والمسلمين.
[ ١٩ ]
هذا الموقف نادر جدا بالنسبة لما هو حال شباب المسلمين اليوم، قال محمد بن سيرين -أحد أئمة التابعين الكبار، فيما روى مسلم فى مقدءطة صحيحه باسناده عنه، قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وقال ابن المبارك: الاسناد من الدين، ولولا الاسناد، لقال من شاء، ما شاء (١).
هناك رواية أخرى، أخرجها مسلم فى مقدمة صحيحه أيضا، وهى صالحة للمتابعات والشواهد، قال أبو عقيل صاحب بهية: كنت جالسا عند القاسم بن عبيد اللَّه، ويحيى بن سعيد، قال فقال يحيى: للقاسم: يا أبا محمد: إنه قبيح على مثلك، عظيم أن تسأل عن شئ من أمر هذ، الدين فلا يوجد عندك عنه علم، ولا فرج، أو علم، ولا مخرج؟
فقال له القاسم: وعم ذاك؟
قال: لانك ابن أمامى هدى، أبى بكر، وعمر، قال: يقول له القاسم: أقبح من ذاك عند من عقل عن اللَّه، أن أقول: بغير علم، أو آخذ، عن غير ثقة، قال: فسكت فما أجابه (٢).
_________________
(١) انظر مقدمة صحيح مسلم ص ٨٤، والالماع للقاضى عياض ص ١٧.انظر نفس المصدر ص ٨٧.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ٩٠ - ٩١ بشرح النووى انظر كتاب العلم لابن أبي خيثمة ص ١١٦ و١٣٨ واقضاء العلم العمل للخطيب البغدادى ٢٠٥ - ٢١١.
[ ٢٠ ]
قلت كل هذه الدوافع التى جعلتنى أن أختار هذا الموضوع للتحقيق، والتمحيص، حتى ادرك ما مدى الاصالة التى بقيت عندنا، بعد وقوع تلك المؤامرة التاريخية الخطيرة التى مر ذكرها.
ولست فى ذلك مبتدعا أو محدثا، لما مر بكم بعض تلك النصوص، من مقدمة صحيح مسلم، انظر مقدمة جامع مسانيد الامام أبى حنيفة لابي المؤيد الخوارزمى فى أحاديث موضوعة فى مناقب الامام أبى حنيفة رحمه اللَّه تعالى (١).
ولما كان لوضع الاحاديث فى التشريع الاسلامى على يد هؤلاء الأعداء أثر سئ جدا كما مر بكم بعض الامثلة، هيأ اللَّه تعالى لبقاء هذه الرسالة السامية رجالا مخلصين، يدافعون عنها، ويذبون عن سنة نبيها -ﷺ-، فأتوا بعجب العجاب فى هذا الميدان، فكانت خدماتهم فريدة فى العالم كله، يقول الدكتور اسبرنكر -أحد المستشرقين الالمان- مهما افتخر المسلمون بعلم اسماء الرجال فهو افتخار قليل بالنسبة لما سجل لهم من حياة رجال الحديث، وجمع لهم من هذه الثروة العلمية الهائلة التى لم تعرف أمة من أمم الأرض بهذا العلم سواهم (٢).
ولما تحقق لدى ما اشرت إليه، فى الصفحات السابقة من وجود أحاديث كثيرة موضوعة مكذوبة على رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) ص ١٧ - ٢٢ طبع الكتاب بالهند فى سنة ١٣٣٢ هـ فى مجلدين.
(٢) نقلا عن سيرة البخارى للشيخ عبد السلام المباكفررى فى اللغة الاردية ص ٣١.
[ ٢١ ]
فى مغازيه -ﷺ- وفى غيرها من الاحكام الشرعية، ولآداب المرعية، ونحوها، كذا على أصحابه البررة الكرام وعلى غيرهم من أئمة الهدى كالامام أبى حنيفة، والشافعى، ومالك، وأحمد بن حنبل رحمهم اللَّه تعالى، لذا وجدتنى، أن أختار تحقيق هذا الجزء المهم من مغازى رسول اللَّه -ﷺ- وهي غزوة تبوك، وآخر غزوة غزاها ﷺ فى سنة تسع من الهجرة.
منهج البحث
أما منهج البحث: فهو عبارة عن معرفة الحديث الصحيح، والحسن، والضعيف بجميع أقسامه، من أحاديث مرفوعة، وآثار موقوفة، مقطوعة من أحاديث غزوة تبوك، وبيان الارسال فيها إن وجد، كذا الاعضال، والانقطاع، والتعليق عن طريق الدراسة النقدية، لرجال الاسناد، بناء على قواعد اصول الحديث المعروفة عند أهل الحديث، لا عن طريق التقليد، ثم الحكم على الحديث إما صحة، أو ضعفا حسب ظهور نتيجة الدراسة النقدية.
ثم تخريج الحديث، عن الكتب المسندة من كتب الحديث، والتفسير، والمغازى والسير وغيرها، مما يعتنى أصحابها بالاسناد.
ثم ذكر محل ورودها فى كتب أخرى فى موضوع الاستدلال، أو للشواهد أو نحوها ككتب الفقه، والتفسير، واللغة، والأدب، والبلدانيات ونحو ذلك مما عرف أصحابها بالباع الطويل فى موضوع ما.
[ ٢٢ ]
هذا هو المنهج بالاختصار، وليس الكلام على متن الحديث داخلا فى منهج البحث، لان هذه مرحلة مستقلة وسوف يفرغ لها إن شاء اللَّه تعالى، فى وقت آخر.
العقبات التى واجهت البحث
من الطبيعى جدا، أن هذا البحث على هذا النمط -كما هو واضح لدى أهل هذا الفن لم يبحث من قبل، على هذا النهج، لان كثيرا ما ينقل على الالسنة، أن أحاديث المغازى والسير، وفضائل الاعمال، والملاحم، والرقاق ونحوها، مما وقع فيها التساهل منذ قديم الزمان، فينظر إليها المحدثون القدماء وغيرهم بغير النظرة التى ينظرون بها إلى أحاديث الأحكام، والعقائد، وهذا القول كثرا ما ينسب الى الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى، كما نقله فضيلة الشيخ حسن مشاط فى انارة الدجى فى مغازى خير الورى (١) وعند البحث عن اسناده فوجد عند الخطيب البغدادى إذ قال رحمه اللَّه تعالى باسناده الجيد عن الإمام أحمد بن حنبل:
قال رحمه اللَّه تعالى: إذا روينا عن رسول اللَّه -ﷺ- فى الحلال، والحرام، والسنن، والاحكام، تشددنا فى الاسانيد، وإذا روينا عن النبي -ﷺ- فى فضائل الاعمال، وما لا يضع حكما، ولا يرفعه، تساهلنا فى الاسانيد (٢).
_________________
(١) ص ١٧ الطبعة الأولى.
(٢) الكفاية فى علم الرواية ص ١٣٤.
[ ٢٣ ]
قلت: هذا هو الميزان الصحيح الذى وضعه المحدثون القدماء، وعلى رأسهم جبل السنة وأمام الهدى أحمد بن حنبل الشيبانى رحمه اللَّه تعالى فى الاستدلال بالحديث الضعيف أو استعماله للشواهد، أو المتابعات ولا يمكن حمل قولهم رحمهم اللَّه تعالى على الحديث الضعيف. الذى ضعف اسناده الى حد لا يمكن أن يتحمل ضعفه، أو يتقوى به حديث آخر مثله زيادة على ذلك أن التقسيم الحاضر للحديث الى ثلاثة اقسام معروفة لم يكن الا من وضع متأخرى أهل الحديث، وهو معروف عند أهله، كما قال الامام ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: إن هذا التقسيم إذا كان بالنسبة الى ما فى نفسى الامر فليس الا صحيح، أو ضعيف (١).
قلت: فالحديث الضعيف المراد به من قولهم هو الحديث الحسن الذى جعل فى النهاية قسما متوسطا لدى المتأخرين.
فعلى هذه القاعدة المعروفة التى أشرت إليها آنفا وضعت أساس هذه الدراسة المتواضعة متطفلا على مائدة هؤلاء العباقرة الامجاد رحمهم اللَّه تعالى.
وحقا: عند بدء هذه الدراسة واجهتنى بعض المشاكل من نواح متعددة:
أ- إن هذا الموضوع لم يبحث من قبل على هذا النمط، حتى يمكن الاستهداء به ولو فى بعض الأمور.
ب- عدم وجود المشرف الذى يتطلبه البحث فى بداية الأمر، لأن من عرف هذه الدراسة النقدية والتخريجية وعاش فيها وقتا طويلا،
_________________
(١) الباعث الحثيث ص ٢٠.
[ ٢٤ ]
يغفل أحيانا عن معرفة بعض رجال الاسناد، خصوصا إذا اتفقت اسمائهم، واسماء آبائهم، واسماء بلدانهم، وهم فى طبقة واحدة، وقد اتفق أخذهم الحديث عن شيخ واحد، فهناك يحصل الخلط بين اسمائهم، وعدم التمييز بينهم، وهذا من أخطر شئ مرّ عليّ فى هذه الدراسة، انظر ما قاله الحاكم فى علوم الحديث عن هذا الموضوع (١) كيف لا يحصل هذا، وأنا حالي كرجل يلقى نفسه فى اليم ولا يحسن العوم؟
وقد وقع مثل هذا الخطأ عن أمير المؤمنين فى الحديث، الامام أبى عبد اللَّه محمد بن اسماعيل البخارى رحمه اللَّه تعالى فى -تاريخه الكبير، ذاك الجهبذ الكبير، والناقد البصير الذى اتسم كتابه العظيم "صحيح البخارى" بما اتسم به من الدرجة العالية، والمنزلة الرفيعة، من حيث القبول والاقبال عليه، حتى أصبح أصح كتاب بعد كتاب اللَّه تعالى.
قال الامام أبو القاسم الرافعى الكبير باسناده الجيد، عن أبى زيد المروزى، الفقيه، قال: كنت نائما بين الركن والمقام، فرأيت النبي -ﷺ- فى المنام، فقال: يا أبا زيد: إلى متى تدرس كتاب الشافعى، ولا تدرس كتابي؟
فقلت: يا رسول اللَّه: وما كتابك؟
قال: هو جامع محمد بن اسماعيل البخاري (٢).
_________________
(١) علوم الحديث للحاكم ص ٢٢٥ - ٢٢٩.
(٢) التدوين فى اخبار أهل العلم بقزوين ١٦١ - ١٧٨ خ انظر مقدمة فتح البارى ص ٤٦٠.
[ ٢٥ ]
قلت: مع هذه المنزلة الرفيعة، لم يسلم عن الخطأ رحمه اللَّه تعالى تاريخه الكبير فيأتى ابن أبى حاتم الرازى صاحب كتاب الجرح والتعديل المتوفى سنة ٣٢٧ هـ، فيستدرك عليه، فى كتابه بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخارى فى التاريخ (١)، ثم يأتى الخطيب البغدادى المتوفى سنة ٤٦٣ فيكتب كتابا مفصلا، ويسميه موضح أوهام الجمع والتفريق (٢) كأنه يرد على ابن أبى حاتم فى كتابه الآنف الذكر، فى بعض المواضع، ويخطئ البخارى رحمه اللَّه تعالى فى مواضع أخرى، لم يشر إليها ابن أبى حاتم الرازى، وهكذا يأتى الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمى رحمه اللَّه تعالى فيكتب مقدمة جميلة للغاية، على كتاب الخطيب المذكور يدافع فيها عن الإمام البخارى رحمه اللَّه تعالى، ويذكر أوهام الخطيب الخفية.
كما وقع مثل هذا الخطأ بل أقبح منه، ما وقع عن الشيخ محمد زاهد الكوثرى: كتابه، تأنيب الخطيب على ما ساقه فى ترجمة أبى حنيفة من الأكاذيب (٣) ثم استدرك عليه الشيخ العلامة الامام عبد الرحمن بن يحيى المعلمى فى كتابه الفذ "التنكيل بما فى تأنيب الكوثرى من الاباطيل" (٤).
_________________
(١) هو مطبوع بالهند الطبعة الأولى ١٣٨٠ بتحقيق العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمى ﵀.
(٢) هو مطبوع بالهند فى جزئين متوسطين ١٣٧٨ بتحقيق الشيخ المعلمى ﵀.
(٣) طبع الكتاب بمصر الطبعة الأولى، ١٣٦١.
(٤) طبع الكتاب فى جزئين بدمشق نشره العالم السلفى الشيخ محمد نصيف ﵀، الطبعة الأولى أعيد تصويره فى الرياض من قبل الرئاسة العامة لشئون الافتاء والدعوة بعدد كثير جدا.
[ ٢٦ ]
فإذا عرفت هذا -فاعلم أن هذا من أخطر الفنون الاسلامية، ومنه تتسرب العلل غالبا فى الحديث.
ولقد وقع مثل هذه الاوهام عن جملة عن أعلام المحدثين الكبار، كما ستراها إن شاء اللَّه تعالى مفصلا فى طيات هذه الرسالة المتواضعة.
فإذا كان الأمر كما ذكر، فإنا من باب أولى أن يزل قدمى، ويضطرب قلبي، لانى لم أحمل رصيدا علميا كافيا، يمكن لى الاستقلال به.
قصة مشكلة غريبة
وقعت فى مشكلة غريبة حرت فيها أكثر من شهرين أو أكثر وهى أنى التقيت نصا معلقا، حكم عليه الحافظ ابن حجر فى فتح البارى بالضعف الشديد، فصرت أبحث عن اسناده، حتى أطمئن بدراسته، ونقد رجاله، هل الحافظ رحمه اللَّه تعالى أصاب فيه أو وقع منه تساهل؟ والكتاب الذى أحال علية فى الفتح، هو موجود بمكتبة الحرم المكى (١)، الا انه مطموس بحيث لا يمكن الاستفادة منه بحال من الأحوال، ومع ذلك حاولت فى أن أتحصل ما أشار إليه الحافظ، فلم أنجح، ثم واصلت البحث عنه فى بحار كتب كثيرة فلم أجده الا معلقا عن الاخرين أيضا، حتى عزمت السفر الى الرياض لهذا الغرض لانى علمت أن هناك مصادر مخطوطة، ويمكن لى الاستفادة منها، فلم أجده أيضا، ثم واصلت البحث عنه بطرق أخرى كثيرة، فوجدته فى غير مظانه، وحينئذ فرحت فرحا شديدا وشكرت اللَّه على ذلك، فوضعته فى الصلب، مع أن صاحب المصدر الاخير هو أقدم وأجود من الحافظ ابن حجر الا انى
_________________
(١) هو سند الحافظ أبى يعلى الموصلى المتوفى ٣٠٧ هـ.
[ ٢٧ ]
خالفت قاعدة التحقيق لغرض ما يخفى عليك، وهكذا سرت فى هذه الدراسة بهذا الجوار الكريم، وكانت هناك مشاكل أخرى، الا أنها لم تكن الى حد بعيد تقف موقفا سلبيا عن التقدم فى البحث، وحالي كما ذكرت، فقير فى كل شئ، مضطرب فى التفكير الذى هو وسيلة طيبة -فى سبك تلك المعانى التى أخذتها فى قالب جميل، وزيادة على ذلك، ما هناك من المشاكل العائلية، والعوائق النفسية والتى لا يخلو منها أى انسان، خصوصا فى هذا العصر، وأنا فى حالة كهذه مع التذلل أمام الرب جل وعلا أتمناه الفتح المبين، والطريق المنير فى هذا السبيل سبيل العلم، والمعرفة، والعمل به، والدعوة اليه، مطمئنا الى رحمته، وعدله، وحكمته، وعلمه، وهو الملاذ الوحيد، ومتيقنا فى وعده الكريم، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) فتلك بعض المشاكل بالاختصار.
مخطط السير فى منهج البحث
أ- أما مخطط السير الذى اخترته، فهو عبارة عن جمع المادة المناسبة من أحاديث غزوة تبوك من مصادر عديدة من أمهات كتب السنة وغيرها، مما يعتنى أصحابها بالاسناد.
ب- ثم توزيعها، وسبكها فى هيكل البحث، تحت فصول معروفة
_________________
(١) سورة العنكبوت رقم الآية (٦٩).
[ ٢٨ ]
مناسبة حسب التزتيب الزمنى للغزوة، ولا يخفى عليك أنى اعتبرت الغزوة كلها كباب واحد، ثم قسمت هذا الباب الى ثلاثة وسبعين فصلا، والفصل عبارة عن حادثة معينة وقعت فى الغزوة، وهى عبارة بتعبير أوضح، عن أعمال، وأقوال، وتقريرات نبوية، ومعجزات صدرت عن رسول اللَّه -ﷺ-، أو كرامات صدرت عن بعض الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وما نزل فيها من القرآن الكريم فى شأن هذه الغزوة، وستبدأ الغزوة بالفصل الأول فى وجه تسميتها باسم تبوك، وتنتهى بالفصل الثالث والسبعين فى وفاة عبد اللَّه ابن أبى ابن سلول، هذا ما يتعلق بجمع المادة، ووضعها تحت فصول معروفة.
ج- شكلية الرسالة:
أما شكلية الرسالة، فإنها تخالف ما درج عليه البحث الحديث، لكون هذه الدراسة لم تتفق أبدا فى طبيعتها مع الشكلية الحديثة التى سار عليها بعض من اغتر بالباحثين المستشرقين، لأن همتهم كلها، أو غالبها مصروفة فى هذه الشكليات فقط، وأما العلم وحقائقه فليس عندهم غالبا، الا التحريف والزيغ، وقلب الحقائق العلمية الثابتة التى سار عليها المحدثون الاولون، كما رأيت من صنيع المستشرق جوزيف هوروفتس وأنا لا أنكر فضل هذه الشكليات التى سار عليها هؤلاء، الا أنها أشياء ثانوية، ولذا سرت فى تحقيق هذه الغزوة كما سار عليه الشيخ المحدث أحمد محمد شاكر رحمه اللَّه تعالى
[ ٢٩ ]
فى تحقيقه على تفسير ابن جرير الطبرى (١) وهو أنى وضعت الحديث أو الأثر فى صلب الرسالة، والتحقيق فى أسفلها فى الهامش، وقد يزيد التحقيق عن الأصل، لانه قد توجد هناك ملابسات خطيرة، أو أوهام وقعت فى بعض رجال الاسناد، أو سقط فى بعض الأسماء، ثم آراء المحدثين المختلفة فى بعض رجال الاسناد، ونحو ذلك، ثم تخرج الحديث الذى يشمل الكتب الستة، وغيرها، لذا أعتذر الى من يخفى عليه هذه الظاهرة، فيوجه الى النقد متسرعا غير مبال لما أشرت إليه آنفا من حيث كثرة الهوامش أو التطويل فيها، مع أن الصلب قد يكون عدة أسطر.
د- التحقيق:
أما التحقيق الذى اخترته، فهو عبارة عن نقد رجال الاسناد، من أوله من ينتهى اليه الاسناد، دون الصحابة، وذلك ان لم يكن الحديث قد أخرجه الشيخان أو أحدهما فقط، وفى مثل هذه الحالة لا حاجة لى فى نقد الرجال، ولو للتعليم تأدبا معهما رحمهما اللَّه تعالى، فإنهما قد جازا القنطرة، كما يقولون.
الا فى حالة واحدة، وهى إذا كان الحديث روى عند البخاري رحمه اللَّه تعالى معلقا فقط، أو روى عند مسلم فى المتابعات والشواهد فسأبحث عن رجال الاسناد، وسأذكر موضع التعليق فى كتب أخرى،
_________________
(١) طبع فى سبعة عشر مجلدا الى سورة الحجر فيما أظن الطبعة الأولى بمصر الناشر دار المعارف بمصر.
[ ٣٠ ]
وللحافظ ابن حجر ﵀ فى تعاليق البخارى كتاب حافل عظيم سماه تغليق التعليق (١) وأما إذا كان الحديث روى عند الإمام أحمد فى مسنده مثلا وعند غيره من الأئمة، وقد أخرجه الشيخان أيضا، ففى مثل هذه الحالة أنا مختار فى أن أبحث عن رجال الإمام أحمد وغيره أو لا أبحث، ولا أقصد حينئذ صحة الحديث، بل هناك أمور كثيرة، منها التمرن على حفظ تراجم رجال الحديث، ومعرفة كتب تراجم الحديث، والتطبيق العملى لما درس فى مصطلح الحديث. وزد على ذلك أن الاسناد قد يكون ضعيفا عند الإمام أحمد وغيره مع أن الحديث مروى عند الشيخين باسانيدهما الصحيحة. وهذه هى الفائدة عن بحث رجال الاسناد، بعد تخريج الحديث، أما إذا كان الحديث لم يرو فى الصحيحين أو فى أحدهما مطلقا. فهنا الزم نفسى على نقد رجال الاسناد، والبحث عنهم، ثم الحكم على الحديث أما صحة أو ضعفا أو نحو ذلك، حسب ما ظهر عن الدراسة النقدية، وأحيانا لا أبحث عن رجال الاسناد اطلاقا فى حديث ما. فأفهم فى مثل هذه الحالة أن رجال الاسناد كلهم ثقات، أو يحتج بحديثهم وقد مر ذكرهم فى الاسانيد السابقة.
وفى ذكر رجال الاسناد فوائد عظيمة نافعة خصوصا إذا كان طالب العلم حديث العهد بهذه الدراسة، لانه قد يخطئ فى تعيين بعض رجال
_________________
(١) هو موجود بمكتبة الحرم المكى فى مجلد واحد، وللعبد الفقير فى وصفه مقالة متواضعة نشرتها جريدة الندوة بعددها الصادر ٣٥١٧ فى ٢٠/ ٤/ ١٣٩١ هـ وفى عدد ٢٢/ ٤/ ١٣٩١ هـ.
[ ٣١ ]
الاسناد، والتمييز بينهم فإذا ذكرهم فقد بزلت ذمته الى حد بعيد، لانه لا يبلغ الدرجة العلمية الكافية التى تمكنه من الحكم على صحة الحديث أو ضعفه بمجرد قوله: هذا حديث صحيح أو حسن، أو نحو ذلك، وأما إذا وضع رجال الاسناد أمام أهل العلم فى بحثه، ثم حكم حسب هذه الدراسة الحاضرة على اسناد معين بالصحة أو الضعف فهذا أسلم له ولدينه، وعلمه فإذا كان مخطئا فى نفس الأمر فى عدم معرفة الرجال أو خلط بين اسمائهم فحينئذ قد يوجه اليه النقد الذى يوجهه الى صوابه، إن شاء اللَّه تعالى.
ثم يوضع التخرج الذى سبقت دراسته قبل نقد الرجال.
فوائد التخرج
أما فوائد هذا النوع من الدراسة، فلا يخفى عليك، ان فى تخرج الحديث لفوائد عظيمة نافعة، لا يمكن استيعابها فى هذه المقدمة الموجزة إلا أنى أذكر لكم بعضا منها على سبيل المثال:
أ- معرفة طرق الحديث المتعددة التى يمكن أن تكون كلها صحيحة فى حالة ما فيحكم على الحديث المروى عن هذه الطرق حينئذ بالتواتر، أو بالشهرة أو نحو ذلك، أو تكون بعض طرقها صحيحة، وبعضها ضعيفة فحينئذ تكون هذه الطرق كلها، أو بعضها فى اعتبار المحدث، فلا يمكن أن يحكم على الحديث الا فى ضوئها، وهذا من أكبر الفوائد.
[ ٣٢ ]
ب- ومنها معرفة الزوائد، واختلاف الالفاظ مثلا، ومعرفة الزيادة فى متصل الاسانيد فإذا عرفت هذا فاعلم أنى، قد اخترت للتخرج منهاجا خاصا، وهو إذا كان الحديث قد أخرجه البخاري فى مواضع عديدة من جامعه الصحيح، كما هى عادته رحمه اللَّه تعالى وتفننه معروف مشهور فى رواية الحديث الواحد، وتقطعه وايراده تحت أبواب فقهية معروفة بأسانيده المختلفة. فإنى إذا وجدت الحديث عنده رحمه اللَّه تعالى بهذه المثابة فسأذكر مواضع الحديث التى ورد فيها عنده رحمه اللَّه تعالى، ثم سأذكر التخرج عن بقية أمهات الكتب الستة ورد فيها عندهم رحمهم اللَّه تعالى، ثم سأذكر التخرج عن بقية أمهات الكتب الستة وغيرهم. ثم أذكر تخرج الحديث من كتب المغازى والسير والتفسير مما يعتنى أصحابها بالاسناد، وبعد انتهاء التخرج، قد أذكر مواضع الحديث فى كتب أخرى فى موضع الاستدلال، وقد لا أذكر، وذلك متروك للحالة التى أعيشها، فهذا هو مخطط السير فى منهج البحث بالاختصار وقد يكون هناك بعض التعديل فى بعض المواضع، عن هذا المخطط، الا أنه نادر، والنادر لا حكم له.
ثمرة الرسالة
أما الثمرة التى تقدمها هذه الرسالة المتواضعة فإنها ثمرة ذات جوانب عديدة:
[ ٣٣ ]
أ- منها ما تتعلق بصورة العلم الرائعة التى اطلعت عليها، خلال دراستى هذه فوجدت، ان العلم الذى أصبح الآن لدى كثير من شباب المسلمين، سوقا تجاريا يباع فيه، ويشترى، ويكسب رواءه مكاسب مادية عظيمة، وشهرة عالية رفيعة، وجاها مرموقا لدى مجموعة طيبة ثرية فى المجتمع، فلا أثر له حينئذ الا ما كان من هذا القبيل -الا ما شاء اللَّه تعالى.
أما صورة العلم التى تلمع فى الصادر التى اطلعت عليها خلال هذه الدراسة، خصوصا فى رجال الحديث، فإنها أورع صورة مثالية، جعلتنى بحمد اللَّه تعالى -انظر الى هذا العلم بنظرة أخرى غير ما كنت أراه قبل بدء الدراسة، أراه الآن اخطر مسئولية يحملها المسلم امام ربه جل وعلا، ولذا لا اطمع كثيرا فى حمل هذه الشهادة، خوفا من عدم قدرتى لاداء هذه الامانة العلمية كما أراده اللَّه تعالى منى، ومن كل مسلم.
وهذه أكبر ثمرة تقدمها الرسالة بالنسبة لشخصيتى الحقيرة.
ب- ومنها ما تتعلق بالكشف عن جملة أحاديث متنوعة الاسانيد لغزوة تبوك منها ما هي صحيحة ومنها ما هي حسنة، ومنها، ما هي ضعيفة، ومنها ما هي موضوعة مكذوبة على رسول اللَّه -ﷺ- وغير ذلك كما ستراها فى مواضعها من هذه الرسالة.
جـ- الاطلاع على بعض المخطوطات النادرة فى الحديث، ورجاله كما ستشاهدها فى جريدة المصادر والمراجع، وكذا المطبوعة منها، باقسامها المتنوعة.
[ ٣٤ ]
د- بعض الاطلاع على نفسيات المحدثين خلال تجريحهم، وتعديلهم لراوٍ ما من رواة الحديث، ويظهر ذلك جليا فى أسلوبهم التعديلى والتجريبى وخلال دراسة تراجمهم المختلفة.
هـ- التمرن على التطبيق العملى فى هذه الدراسة المتواضعة لما درس نظريا من قواعد اصول الحديث، وحفظ بعض تراجم رجال الحديث.
و- الولع المستمر الذى جعلنى لا أصبر عن التزود بالعلم والمعرفة، حتى عزمت على أنى ساقف على هذه الثغرة الاسلامية المفتوحة التى يوجه منها السهام المسمومة الى رسالة الاسلام، مدافعا عن حوضة الدين، ورسالة السماء الاخيرة، واكشف عما وضعه المستشرقون ومن قبلهم من الملاحدة من مناهج موبوءة، ومبادئ دراسية استشراقية، ولم تكن هي الا مظاهر خلابة يكمن فى طياتها عداء سافر للاسلام والمسلمين.
* * *
[ ٣٥ ]
رموز الرسالة
أما رموز مصادر الرسالة فإنى لم أضعها لكثرة المصادر، والمراجع لانه يتحم عليّ بوضع الرموز الشاملة لجميع الكتب المستعملة، وهذا قد يؤدى الى الارتباك فى الرجوع الى المصادر، وهذا واقع كثيرا ومجرب ولذا انصرفت عن هذا العمل الى ذكر اسم المصدر كاملا فى الهامش.
وأما رموز رجال الاسناد فهذا مما هو أهون على الجميع معرفته ولذا اخترت الرموز التى اختارها الحافظ ابن حجر لكتابه تقريب التهذيب وهي كالاتى.
فللبخارى فى صحيحه -خ- فإن كان حديثه عنده معلقا "خت" وللبخارى فى الادب المفرد (بخ) وفى خلق افعال العباد "عخ" وفى جزء القراءة "ز" وفى رفع اليدين "ى" ولمسلم "م" لأبى داود "د" وفى المراسيل له "مد" وفى فضائل الانصار "صد" وفى الناسخ "خد" وفى القدر "قد" وفى التفرد "ف" وفى المراسيل "ل" وفى مسند مالك "كد" وللترمذى "ت" وفى الشمائل له "تم" وللنسائى "س" وفى مسند على له "عم" وفى مسند مالك "كن" ولابن ماجه "ق" ونما التفسير له "فق".
فإذا كان الرجل من رجال الكتب الستة فأرمز له "ع" وإذا كان من رجال السنن الأربعة فالرمز له "عم".
[ ٣٦ ]
الإِعتذار
وأخيرا اعتذر إلى الجميع عما وقع منى من السهو والخطأ والزلل اثناء سبك هذه المعلومات فى هذه الفصول التى لم ترتب ولم تنظم بحيث أن تكون رسالة جمعت جميع مقومات النجاح والتفوق، إنما هي جهد مقل وعمل متواضع موجز وانموذج -قد يكون صالحا إن شاء اللَّه تعالى- لدراسة السيرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام فإن وفقت فيها فهو من عند اللَّه ﷿ وتوفيقه وسداده اياي، وإن كان غير ذلك فهو منى ومن نفسى ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
والله ﷿ أسأله أن يتقبل منى هذا العمل القليل الموجز، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، ويعفو عنى ما صدر منى من الخطأ، والتقصير، ويلهمنى الرشد والصواب فى المستقبل، وينفع به اخوانى المسلمين إنه سميع مجيب وبالاجابة جدير.
وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد القادر حبيب اللَّه بن كورو السندى
مكة المكرمة ٣/ ٣/ ١٣٩٢ هـ
_________________
(١) سورة يوسف رقم الآية (٥٣).
[ ٣٧ ]