، داعيا إلى الإسلام، لا مقاتلا. فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: «صبأنا صبأنا» فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيرا، فأمر يوما أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبيّ ﷺ، فذكروا له، فرفع ﷺ يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» - مرتين- «١» .
وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله ﷺ عليا فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ ﷺ فقال: «مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فو الله لو كان أحد ذهبا، ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته «٢»» .
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٤٥٠، ٢/ ٦٢٢.
(٢) أخذنا تفاصيل هذه الغزوة من ابن هشام ٢/ ٣٨٩ إلى ٤٣٧، وصحيح البخاري ١/ كتاب الجهاد وكتاب المناسك و٢/ ٦١٢، إلى ٦١٥، ٦٢٢، فتح الباري ٨/ ٣ إلى ٢٧، وصحيح مسلم ١/ ٤٣٧، ٤٣٨، ٤٣٩، ٢/ ١٠٢، ١٠٣، ١٣٠، وزاد المعاد ٢/ ١٦٠ إلى ١٦٨، ومختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص ٣٢٢ إلى ٣٥١.
[ ١ / ٣٧٧ ]
تلك هي غزوة فتح مكة، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى على كيان الوثنية قضاء باتا، لم يترك لبقائها مجالا ولا مبررا في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ماذا يتمخض عنه العراك والإصطدام الذي كان دائرا بين المسلمين والوثنيين، وكانت تلك القبائل تعرف جيدا أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق، وكان قد تأكد لديهم هذا الإعتقاد الجازم أي تأكد قبل نصف القرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيت، فأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول.
وكان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به وكلم بعضهم بعضا، وناظره في الإسلام، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام، حتى إن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاثة آلاف إذا هو يزخر في هذه الغزوة في عشر آلاف.
وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس، وأزالت عنها آخر الستور التي كانت تحول بينها وبين الإسلام. وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسي والديني كليهما معا في طول جزيرة العرب وعرضها، فقد انتقلت إليهم الصدارة الدينية والزعامة الدنيوية.
فالطور الذي كان قد بدأ بعد هدنة الحديبية لصالح المسلمين قد تم، وكمل بهذا الفتح المبين، وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تماما، وكان لهم فيه السيطرة على الموقف تماما. ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى الرسول ﷺ فيعتنقوا الإسلام، ويحملوا دعوته إلى العالم، وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين.
[ ١ / ٣٧٨ ]
المرحلة الثالثة
وهي آخر مرحلة من مراحل حياة الرسول ﷺ، تمثل النتائج التي أثمرتها دعوته الإسلامية بعد جهاد طويل وعناء ومتاعب وقلاقل وفتن واضطرابات ومعارك وحروب دامية، واجهتها طيلة بضعة وعشرين عاما.
وكان فتح مكة هو أخطر كسب حصل عليه المسلمون في هذه الأعوام، تغير لأجله مجرى الأيام، وتحول به جو العرب، فقد كان الفتح حدا فاصلا بين المدة السابقة عليه وبين ما بعده، فإن قريشا كانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره، والعرب في ذلك تبع لهم، فخضوع قريش يعتبر القضاء الأخير على الدين الوثني في جزيرة العرب.
ويمكن أن نقسم هذه المرحلة إلى صفحتين.
١- صفحة المجاهدة والقتال.
٢- صفحة تسابق الشعوب والقبائل إلى اعتناق الإسلام.
وهاتان الصفحتان متلاصقتان تناوبتا في هذه المرحلة، ووقعت كل واحدة منهما خلال الآخرى، إلا أنا اخترنا في الترتيب الوضعي، أن نأتي على ذكر كل من الصفحتين متميزة عن الآخرى، ونظرا إلى أن صفحة القتال ألصق بما مضى، وأكثر مناسبة من الآخرى قدمناها في الترتيب.
[ ١ / ٣٧٩ ]
[١- صفحة المجاهدة والقتال.]
غزوة حنين
إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شد لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم تمتنع عن الإستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها بطون هوازن وثقيف، واجتمعت إليها نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال- وكلها من قيس عيلان- رأت هذه البطون من نفسها عزا وأنفه أن تقابل هذا الإنتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك بن عوف النصري، وقررت المسير إلى حرب المسلمين.