- ليهدمه- في شهر ربيع الأول سنة ٩ هـ. بعثه رسول الله ﷺ في خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة حاتم مع الفجر، فهدموه وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجد المسلمون في خزانة القلس ثلاثة أسياف وثلاثة أدرع، وفي الطريق قسموا الغنائم، وعزلوا الصفي لرسول الله ﷺ. ولم يقسموا آل حاتم.
ولما جاؤا إلى المدينة استعطفت أخت عدي بن حاتم رسول الله ﷺ قائلة: يا رسول الله، غاب الوافد وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة، مابي من خدمة، فمنّ عليّ، منّ الله عليك. قال: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: «الذي فر من الله ورسوله؟» ثم مضى، فلما كان الغد قالت مثل ذلك، وقال لها مثل ما قال أمس. فلما كان بعد الغد قالت مثل ذلك، فمنّ عليها، وكان إلى جنبه رجل- ترى أنه علي- فقال لها: سليه الحملان. فسألته، فأمر لها به.
ورجعت أخت عدي بن حاتم إلى أخيها عدي بالشام، فلما لقيته قالت عن رسول الله ﷺ: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغبا أو راهبا فجاءه عدي بغير أمان
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ٥٩.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ولا كتاب، فأتى به إلى داره، فلما جلس بين يديه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما يفرك؟ أيفرك أن تقول: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: لا. ثم تكلم ساعة ثم قال: إنما تفر أن يقال: الله أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ قال: لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضالون. قال: فإني حنيف مسلم. فانبسط وجهه فرحا، وأمر به فنزل عند رجل من الأنصار، وجعل يأتي النبي ﷺ طرفي النهار «١» .
وفي رواية ابن إسحاق عن عدي: أن النبي ﷺ لما أجلسه بين يديه في داره قال له:
«إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسيا؟» قال: قلت: بلى. قال: «أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟» قال: قلت: بلى. قال: «فإن ذلك لم يحل لك في دينك» . قال: قلت أجل والله.
قال: وعرفت أنه نبي مرسل، يعرف ما يجهل «٢» .
وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ قال: «يا عدي أسلم تسلم» . فقلت إني من أهل دين.
قال: «أنا أعلم بدينك منك» . فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: «نعم، ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟» فقلت: بلى قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها «٣» .
وروى البخاري عن عدي قال: «بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة ويطلب من يقبله، فلا يجد أحدا يقبله منه- الحديث-» وفي آخره: قال عدي:
فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ. «يخرج ملء كفه» «٤» .
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ٢٠٥.
(٢) ابن هشام ٢/ ٥٨١.
(٣) مسند الإمام أحمد.
(٤) صحيح البخاري انظر مشكاة المصابيح ٢/ ٥٢٤.
[ ١ / ٣٩٣ ]
غزوة تبوك
في رجب سنة ٩ هـ إن غزوة فتح مكة كانت غزوة فاصلة بين الحق والباطل: لم يبق بعدها مجال للريبة والظن في رسالة محمد ﷺ عند العرب، ولذلك انقلب المجرى تماما، ودخل الناس في دين الله أفواجا- كما سيظهر ذلك مما تقدمه في فصل الوفود، ومن العدد الذي حضر في حجة الوداع- وانتهت المتاعب الداخلية واستراح المسلمون، لتعليم شرائع الله، وبث دعوة الإسلام.