قال ابن إسحاق: مرشاس بن قيس- وكان شيخا (يهوديا) قد عسا «٢» عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شابا من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان من قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة- يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم- وغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة- والظاهرة:
الحرة- السلاح السلاح، فخرجوا إليها، وكادت تنشب الحرب.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، بعد أن
_________________
(١) ابن هشام ١/ ٦٦١، ٦٦٢، ٦٦٣.
(٢) عسا الشيخ: كبر.
[ ١ / ٢١٤ ]
هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم؟» .
فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس «١» .
هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثارة القلاقل والتحريشات في المسلمين، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية. وقد كان لهم خطط شتى في هذا السبيل، كانوا يبثون الدعايات الكاذبة، ويؤمنون وجه النهار، ثم يكفرون آخره، ليزرعوا بذور الشكوك في قلوب الضعفاء، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مالي، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء، وإن كان له عليهم يأكلونه بالباطل، ويمتنعون عن أدائه، وكانوا يقولون: إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل «٢» .
كانوا يفعلون كل ذلك قبل بدر، على رغم المعاهدة التي عقدوها مع رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يصبرون على كل ذلك، حرصا على رشدهم، وعلى بسط الأمن والسلام في المنطقة.