امتياز الإسلام بحفظ السيرة النبويّة وتراجم الصّحابة والتابعين والأئمة والمتبوعين:
أيها السادة! قلنا فيما سبق: إنّ الحياة المثالية جدير بها أن تكون مشتملة على خصال أربع. وسننظر الآن إلى سيرة محمد ﷺ من هذه النواحي، وأولها أن تكون سيرة «تاريخية» .
لقد شهدت الدّنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتا على الأيام بأنّ الإسلام لم يقتصر على حفظ سيرته ﷺ، بل توسّع في ذلك إلى ما يتعلّق بها من كلّ النواحي، وصان هذه الأمانة القدسية، فلم تلمسها يد الضّياع، ولم تعبث بها عوامل الدّهر، إلى درجة أنّ العالم كلّه يقف من ذلك موقف العجب والاستغراب. والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النّبويّ على حفظ أقوال النبيّ ﷺ، ورواية أحاديثه، وكلّ ما يتعلّق بحياته أدّوها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها، وصاروا يسمّون «رواة الحديث» أو «المحدّثين» و«أصحاب السّير»، وهم طبقات متسلسلة من «الصحابة» و«التابعين» و«تابعي التابعين» حتى وافى القرن الرابع. فلما كملت هذه الذخيرة التاريخيّة جمعا، وكتابة، وتدوينا جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرّواة من الصّحابة والتابعين، ومن بعدهم من العلماء الذين رووا شيئا مما يتعلّق بحياة رسول الله ﷺ، فكتبوا أسماءهم، وكناهم، وأنسابهم، ومنشأهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، وبالجملة أحصوا شؤون حياتهم كلّها، حتى أصبح ما كتبوا في هذا الباب علما مستقلّا سمّي فيما بعد «علم أسماء الرجال» «١» .
_________________
(١) إن العالم الألماني المعروف الدكتور سبرنكر كان في سنة ١٨٥٤ م وما بعدها موظفا في ديوان من دواوين المعارف في أيالة البنغال وأمين السر للجمعية الآسيوية فيها. وقد عني بكتاب المغازي للواقدي، ونشر بعناية فان كرامر وتصحيحه سنة ١٩٥٦، وبعنايته طبع كتاب الإصابة في أحوال الصحابة للحافظ ابن حجر العسقلاني. وقد ادّعى أنّه أول أوربي كتب في سيرة محمد ﷺ معتمدا على المصادر العربية الأولى، ولم يعتمد في تأليفه إلا عليها. ومع أنه- في الحقيقة- لم يكتب كتابه دفاعا عن صاحب الرسالة ﷺ بل كان متحاملا عليه، ومخالفا له، إلا أنه قال في مقدمته-
[ ٦١ ]
عناية الصّحابة بحفظ الحديث النّبويّ وعناية التابعين والأئمة والمتبوعين:
وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ في آخر حياة النّبيّ ﷺ- عند ما حجّ حجّة الوداع- مئة ألف ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ التي أفردت لتدوين أحوالهم خاصّة. وإن التاريخ لم يهتم بتدوين أحوالهم، ولم يحفظ لنا شؤونهم إلا لأنّ كلّ واحد منهم حفظ شيئا من أقوال النبيّ ﷺ، وأفعاله، وتصرفاته، وهديه، وسيرته.
لقد توفي ﷺ سنة ١١ من الهجرة النبوية، وبقي فريق من كبار الصحابة بعده إلى سنة ٤٠ هـ، وبقي بعد ذلك من الصحابة الذين كانوا أحداثا في حياة النبي ﷺ عدد غير قليل، فلما انقرض ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد، وانطفأ كلّ سراج أو قد بنور النبوة. وإليكم أسماء آخر من مات من الصحابة، والبلاد التي ماتوا فيها، وسنوات وفاتهم.
آخر الصحابة موتا المدن التي توفوا فيها سنة الوفاة
١- أبو أمامة «١» الشام ٨٦ هـ
٢- عبد الله بن الحارث بن جزء «٢» مصر ٨٦ هـ
٣- عبد الله بن أبي أوفى «٣» الكوفة ٨٧ هـ
_________________
(١) - بالإنجليزية على كتاب الإصابة المطبوع في كلكته سنة ١٨٥٣- ١٨٦٤ م: «لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة، كما أنّه لا توجد الآن أمّة من الأمم المعاصرة، أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر الذي يتناول أحوال خمسمئة ألف رجل وشؤونهم» .
(٢) هو صدي بن عجلان بن وهب الباهلي، كان مع سيدنا علي ﵁ في «صفين»، وسكن الشام، فتوفي في حمص، وهو آخر من مات من الصحابة رضوان الله عليهم- في الشام.
(٣) هو عبد الله بن الحارث بن جزء الزّبيدي، سكن مصر، وعمي قبل وفاته، وهو آخر من مات من الصحابة بمصر، روى عنه المصريّون أحاديث.
(٤) هو علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، شهد الحديبية، وبايع الرضوان، وشهد خيبر وما بعدها من المشاهد، توفي بالكوفة وهو آخر من مات فيها من الصحابة.
[ ٦٢ ]
٤- السائب بن يزيد «١» المدينة ٩١ هـ
٥- أنس بن مالك «٢» البصرة ٩٣ هـ
وأنس بن مالك هذا الذي كان آخر من بقي من الصحابة كان الخادم الخاص لرسول الله ﷺ، استمرّ في خدمته عشر سنوات متوالية.
الكلام على التابعين وأساتذتهم من الصحابة:
أما التابعون الذين هم تلاميذ الصحابة؛ فيبدأ تاريخ طبقتهم من السنة الأولى للهجرة، ومنهم من ولد في عهد النّبيّ ﷺ لكنه لم يتشرّف برؤيته، أو كان في العهد النّبويّ صغير السن فلم يحظ بالصحبة، ولم يقدّر له أن ينال قبسا من مشكاة النبوة، كعبد الرحمن بن الحارث «٣» المولود سنة ٣ هـ، وقيس بن أبي حازم «٤» المولود سنة ٤ هـ، وسعيد بن المسيب «٥» المولود سنة ١٤ هـ. وهؤلاء التابعون الذين ينزلون المنزلة الثانية بعد
_________________
(١) هو السائب بن يزيد بن سعيد الكندي، مولده قبل السنة الأولى من الهجرة، وكان مع النبي ﷺ يوم حجّ النبي ﷺ حجة الوداع، واستعمله سيدنا عمر ﵁ على سوق المدينة، وهو آخر من مات من الصحابة- رضوان الله عليهم- بالمدينة، وعنه اثنان وعشرون حديثا مرويا.
(٢) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، مولده بالمدينة المنورة، أسلم صغيرا وخدم النبي ﷺ إلى وفاته، ثم رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة، وهو آخر من مات من الصحابة رضوان الله عليهم- بالبصرة، وعنه ألفان ومئتان وستة وثمانون حديثا مرويا.
(٣) هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المدني، كان من ثقات التابعين، ومن أشراف قريش، وهو أحد الأربعة الّذين عهد إليهم سيدنا عثمان ﵁- بنسخ المصاحف توفي بالمدينة عام ٤٣ هـ.
(٤) هو قيس بن عبد عوف بن الحارث الأحمسي البجلي، تابعي جليل، أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبي ﷺ ليبايعه، فقبض ﷺ وهو في الطريق، روى عن الأصحاب العشرة، وهو أجود الناس إسنادا، توفي عام ٨٤ هـ.
(٥) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، توفي بالمدينة عام ٩٤ هـ.
[ ٦٣ ]
الصحابة في نشر الإسلام وتبليغ دعوته، وقد حملوا الرسالة المحمدية إلى الأنحاء النائية، والبلاد المترامية الأطراف، ولم يكن لهم همّ في الدنيا إلا حفظ الدين، ونشر أحكامه، وتبليغ الإسلام، وتعميم سننه وآدابه، والتعريف بسيرة الرسول ﷺ وهديه. وقد ذكر ابن سعد «١» في الطبقات ١٣٩ من التابعين أهل الطبقة الأولى الذين كانوا في المدينة، وأدركوا كبار الصحابة، وسمعوا منهم أحاديث النبي ﷺ، ورووها عنهم. وذكر ١٢٩ من الطبقة الثانية الذين لقوا عامّة الصحابة، ورووا عنهم، أما الطبقة الثالثة من التابعين فهم الذين حظي الواحد منهم برؤية صحابي واحد، أو عدّة من الصحابة، وعدد هؤلاء ٨٧، فمجموع عدد التابعين ٣٥٥ في مدينة واحدة وهي مدينة الرسول ﷺ، فقيسوا على ذلك عدد الذين أخذوا عن الصحابة في بقية المدن الإسلامية التي انتشر الصحابة فيها من مكة إلى الطائف، والبصرة، والكوفة، ودمشق، واليمن، ومصر، وغيرها. وهؤلاء- كما علمتم- لم يكن لهم همّ إلا نشر رسالة الإسلام، وتبليغ أقوال النبي ﷺ، وهديه، وسيرته. وانظروا إلى اهتمام المؤرخين باستيعابهم، واستقصاء أحوالهم في إحصاء الأحاديث المروية عن الصحابة. وإليكم أسماء بعض الصحابة الذين امتازوا بكثرة ما يحفظونه من الحديث النبويّ، وعدد ما روي عنهم منه:
أسماء الرواة من الصحابة عدد مروياتهم سنة وفاتهم
١- أبو هريرة «٢» ٥٣٧٤ ٥٩ هـ
_________________
(١) هو محمد بن سعد بن منيع الزهري، من حفاظ الحديث والثقات، ولد في البصرة، وسكن بغداد وتوفي بها سنة ٢٣٠ هـ، من أشهر كتبه «طبقات الصحابة» يعرف ب «طبقات ابن سعد» .
(٢) هو أكثر الصحابة- رضوان الله عليهم- حديثا عن رسول الله ﷺ، وهو معروف بكثرة ملازمته لرسول الله ﷺ، وجرأته في السؤال، وحبّه للعلم، ومذاكرته حديث الرسول ﷺ في كل فرصة تسنح له. روى له الإمام أحمد في سنده (٣٨٤٨) حديثا (وفيها مكرر كثير باللفظ والمعنى) -
[ ٦٤ ]
٢- عبد الله بن عباس «١» ١٦٦٠ ٦٨ هـ
٣- عائشة الصديقة «٢» ٢٢١٠ ٥٨ هـ
٤- عبد الله بن عمر «٣» ٢٦٣٠ ٧٣ هـ
٥- جابر بن عبد الله «٤» ١٥٤٠ ٧٨ هـ
٦- أنس بن مالك «٥» ٢٢٨٦ ٩٣ هـ
٧- أبو سعيد الخدري»
١١٧٠ ٧٤ هـ
وعلى هؤلاء يعتمد في نقل السنة النّبوية، وإلى هؤلاء يرجع الفضل في حفظ الرسالة المحمدية، وإنّ رواياتهم هي التي تدلّ على النبوة الواضحة والمحجّة البيضاء، فإذا نظرنا إلى أعوام وفاتهم بدا لنا أنّ الله ﷿ قد
_________________
(١) - وروى له الإمام بقي بن مخلد (٢٠١- ٢٧٦ هـ) في مسنده (٥٣٧٤) حديثا، وله في الصحيحين (٣٢٥) حديثا، وانفرد البخاري أيضا ب (٩٣) حديثا، ومسلم ب (١٨٩) حديثا.
(٢) وقد روي له (١٦٦٠) حديثا، أخرج له الشيخان منها (٢٣٤) حديثا، اتفقا على (٧٥) حديثا منها، وانفرد البخاري ب (١١٠) حديث، ومسلم ب (٤٩) حديثا، وأحاديثه منتشرة في الكتب الستة وكتب السنن.
(٣) روي لها (٢٢١٠) أحاديث، لها في الصحيحين (٣١٦) حديثا، اتفق الشيخان على (١٩٤) حديثا منها، وانفرد البخاري ب (٥٤) حديثا، ومسلم ب (٦٨) حديثا، وأحاديثها في جميع الكتب الستة، وكتب السنن.
(٤) روي عنه (٢٦٣٠) حديثا، أخرج له الشيخان (٢٨٠) حديثا، اتفقا على (١٦٨) حديثا منها، وانفرد البخاري ب (٨١) حديثا، ومسلم ب (٣١) حديثا، وأحاديثه موجودة في الكتب الستة، والسنن، والمسانيد.
(٥) روي له (١٥٤٠) حديثا ومنها روى الشيخان (٢١٢) حديثا، اتفقا منها على (٦٠) حديثا، وانفرد البخاري ب (٢٦) حديثا، ومسلم (١٢٦) حديثا، وله منسك صغير في الحج أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
(٦) روي عنه (٢٢٨٦) حديثا، وأخرج له الشيخان (٣١٨) حديثا، واتفقا منها على (١٦٨) حديثا منها، وانفرد البخاري ب (٨٠) حديثا، ومسلم ب (٧٠) حديثا.
(٧) روي له (١١٧٠) حديثا، أخرج له الشيخان منها (١١١) حديثا، اتفقا على (٤٣) حديثا منها، وانفرد البخاري ب (١٦) حديثا، ومسلم ب (٥٢) حديثا، أحاديثه موجودة في سائر الكتب الستة، وروى عنه جميع أصحاب المسانيد والسنن.
[ ٦٥ ]
نسأ في آجالهم، وأطال حياتهم، وأخّر موتهم، حتى تسنّى لكثير من الناس أن يتلقوا عنهم ما حافظوا من أمانات الحديث النّبويّ، ويعوا أقوالهم، وينشروا رواياتهم، ولم يكن العلم يومئذ إلا معرفة هذه الأمور.
وبه ينالون شرف الدّين، وعزّة الدّنيا، فكان الآلاف من الصحابة يبلغون إلى الجيل الذي بعدهم ما رأوه بأعينهم، وسمعوه باذانهم من أحوال النّبيّ ﷺ، وأقواله، وتشريعه؛ لأنه ﷺ هو الذي أمرهم بذلك، فقال:
«بلّغوا عنّي» «١» و«ليبلّغ الشّاهد الغائب» «٢»، فكانوا يعلمون أولادهم، وإخوانهم، وأصحابهم، وأقرباءهم من الدّين والعلم كلّ ما كانوا يعلمونه، فكان ذلك شغلهم، وهمّهم آناء الليل وأطراف النهار، وفي الغدوّ والآصال، فتعلم النشء الإسلامي الأول حقائق رسالة الإسلام، وتفاصيل حياة الرسول منذ ترعرعوا في بيئاتهم التي كانت ساحات للعلم، ومدارس يتقلّبون في حجرها، وما لبثوا أن قاموا مقام الصحابة، وسدّوا مسدّهم في حفظ هذه الأحاديث، ووعي هذه المرويات، فكان هؤلاء التابعون يحفظونها كلمة كلمة، ويعيدون روايتها بألفاظها دون أن يخرموا منها كلمة. وكما كان رسول الله ﷺ يحرّض الصحابة على أن يبلغوا عنه، ويفقهوا تشريعه، وينشروا دعوته وأحكامه، كان ينهى الناس عن أن يتقولوا عليه ما لم يقل، أو ينسبوا إليه ما لم يفعل، وكان ينذر من يتعمّد الكذب عليه بأنه سيتبوّأ نار جهنم، لذلك كان كبار الصحابة ترتعد فرائصهم وتمتقع وجوههم عند رواية أحاديث الرسول خوفا من أن يكذبوا عليه أو ينحلوه ما لم يقل «٣» . وكان عبد الله بن مسعود إذا قال: «قال رسول الله ﷺ» استقلته
_________________
(١) عن عبد الله بن عمرو أن النبيّ ﷺ قال: «بلّغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار» رواه البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٤٦١) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب «ليبلغ العلم الشاهد الغائب» (١٠٤ و١٠٥) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إثبات الحساب (٢٨٧٦) .
(٣) لذلك نراهم مع كثرة تحملهم عن الرسول ﷺ- لا يكثر من الرواية، حتى إنّ منهم من كان لا يحدث حديثا في السنة، ونرى من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده، ويتغيّر لونه-
[ ٦٦ ]
الرّعدة، وقال «هكذا» أو «نحوذا» «أو قريب من ذا» «١» .
ومن المعلوم: أنّ ذاكرة العرب كانت قوية، وكانوا يحفظون آلافا من الشعر، وينشدونها عن ظهر قلب بلا زيادة ولا نقص. ومن طبيعة البشر أنهم إذا أكثروا استعمال قوة من قواهم تزداد هذه القوة قوة وحيوية. وقد مرن الصّحابة والتابعون على حفظ الأحاديث حتى بلغوا في ذلك شأوا بعيدا، وكانوا إذا سمعوا حديثا وعوه، وحفظوه كما يحفظ الصبيان سورة الفاتحة في هذه الأيام. والمحدّثون كانوا يحفظون ألوفا من أحاديث الرسول؛ بل مئات الألوف، ويكتبون بعد ذلك ما كانوا يسمعون ويحفظون، لكنهم لا يبلغون منزلة الإجلال والإكرام بين العلماء وعند الناس إلا بما يخفونه من المرويات عن ظهر قلب، ولذلك كانوا يخفون كراريسهم وصحائفهم عن الناس ويكتمونها؛ لئلا يظنّ الناس بهم أنهم يعتمدون في علمهم على هذه الصحائف، ولا يحفظون محتوياتها في صدورهم.
المستشرقون وتشكيكهم في رواية الحديث، والكلام على الحفظ والكتابة:
سادتي! إنّ بعض المستشرقين ودعاة المسيحية- وفي مقدمتهم السر وليم ميوروغولد زيهير- أرادوا أن يشكّكوا الناس في رواية الحديث بما
_________________
(١) - ورعا واحتراما لحديث الرسول ﷺ، ومن هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: «ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول بشيء قط «قال رسول الله ﷺ» فلما كان ذات عشية قال: «قال رسول الله ﷺ» قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيها بذلك» (سنن ابن ماجه، ص ٨- الجزء الأول) .
(٢) وقد غفل عن هذا بعض من تصدر للحديث من العصريين حيث عزا أحاديث كثيرة إلى مصادرها بغير لفظها، زاعما أنها «ليست قرآنا نتعبد بلفظه !» . ينبغي لمن يروي حديثا بالمعنى أن يراعي جانب الاحتياط وذلك بأن يتبعه بعبارة: «أو كما قال» أو «نحو هذا» وما أشبه ذلك من الألفاظ، فعل ذلك ابن مسعود، وأنس وأبو الدرداء، وغيرهم ﵃. (منهج النقد في علوم الحديث) للأستاذ الدكتور نور الدين عتر- حفظه الله تعالى ونفع به- ص: ٢٢٨- ٢٢٩ طبعة دار الفكر، (دمشق) .
[ ٦٧ ]
زعموه من أنّ تدوين السنّة بدأ بعد وفاة النبي ﷺ بتسعين سنة، وقد ذكرت لكم فيما سلف كيف كان الصحابة والتابعون يعنون بالأحاديث، ويحفظونها، ويحتاطون في روايتها حتى لا يبقى مجال للشكّ في صحتها وصدقها.
والذي دعا الصحابة إلى ألايقيدوا الأحاديث بالكتابة ثلاثة أمور:
أولها: أنّ رسول الله ﷺ نهاهم في بداية الأمر عن أن يكتبوا عنه غير القرآن؛ لكيلا يلتبس القرآن بغيره، فلما حفظ القرآن، فصار معروفا، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ أذن للصحابة بأن يكتبوا ما يسمعون منه، ومع ذلك بقي الصحابة يحتاطون في ذلك احتياطا شديدا، وكان معظمهم يتحرّجون في كتابة الحديث.
وثانيها: أن الصحابة كانوا يخشون أن يعتمد الناس في الحديث على الكتابة، فيقصّرون في حفظها وتدبّرها مرتكنين على أنّها مكتوبة عندهم، ويمكنهم الرجوع إليها عند الحاجة، وقد وقع الذي ظنوه، فإنه كلّما ازداد الاهتمام بالكتابة والتدوين قلّت العناية بالحفظ، وكذلك كان الصحابة يخشون أن يدّعي كلّ من تكون الأحاديث المكتوبة في متناول يده بأنه عالم، وقد وقع ما كانوا يحذرون.
وثالثها: أنّ العرب كانوا يعدون الاعتماد على الكتابة اعترافا بنقص مواهبهم، وضعف حفظهم، وفي ذلك غضّ من شرفهم، فكانوا يعتمدون على حفظهم، وإذا كتبوا شيئا ممّا يحفظون كتموا أمره.
كان المحدّثون يرون أنّ الحفظ في الصدور أصون من التدوين في السّطور؛ لأنّ ما يتناقله الناسخون بالكتابة معرّض للتّحريف، وأما ما يتلقّاه الحافظون الضابطون عن الحافظين الضابطين؛ فإنه لا يتطرّق إليه الخطأ، ولا يصيبه أيّ تحريف.
وإني لأكشف القناع لأول مرة في ناديكم هذا بأن من زعم أنّ الأحاديث النبوية لم تدوّن إلى مئة سنة أو تسعين سنة قد أخطأ، والتاريخ يعارضه، والسبب في هذا الخطأ ظنهم أنّ أول كتاب في الحديث النبوي كتاب الموطأ
[ ٦٨ ]
لمالك بن أنس، وأول كتاب في السيرة كتاب المغازي لابن إسحاق «١»، وهذان الإمامان الجليلان كانا متعاصرين، وتوفي الأول سنة ١٧٩ هـ والثاني سنة ١٥١ هـ، فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير، والأمر ليس كذلك، فإن بواكير التدوين ابتدأت قبل ذلك بكثير، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٠١ هـ عالما جليلا ولي إمارة المدينة، ثم استخلف سنة ٩٩ هـ، وقد عهد إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «٢» - الذي كان إماما في الحديث والخبر- أن يبدأ في تدوين سنن النبي ﷺ وأخباره؛ لأنه خاف على العلم أن يرفع شيئا فشيئا وخاف درس العلم وعفاءه «٣»، وقد ذكر هذا في تعليقات البخاري والموطأ لمالك والمسند للدّارمي. فقام بذلك أبو بكر بن حزم، وكتبت الأحاديث والأخبار والسنن في القراطيس، وأرسلت إلى دار الخلافة بدمشق، ونسخت في الصّحف والكتب، وبعث بها إلى البلاد الإسلامية، وكبريات المدن يومئذ. فأبو بكر هذا الذي علمتم مكانته من العلم والفضل وكان قاضيا بالمدينة المنورة، هو الذي اختاره عمر بن عبد العزيز لهذا العمل الجليل، لعلمه، وفضله، ولأنّ خالته عمرة كانت من كبريات تلاميذ أمّ المؤمنين عائشة، وكان ما روته خالته عمرة عن أمّ المؤمنين عائشة محفوظا عنده، فأوعز إليه عمر بن عبد العزيز بتدوين مرويات خالته، وقد اختصّها بالذكر في كتابه إليه.
كتابة الحديث في العهد النّبوي:
وإنّي لا أعدو الحقّ إذا قلت: إنّ كتابة الحديث، والسنن، والأخبار،
_________________
(١) «مختصر جامع بيان العلم» للحافظ ابن عبد البر ص ١٣٨، طبع مصر.
(٢) هو قاضي المدينة، وأميرها. كان أعلم أهل المدينة بالقضاء، وله خبرة بالسّير. توفي سنة (١٢٠ هـ) عن نيّف وثمانين سنة. شذرات الذهب (٢/ ٩٠) والعبر؛ للذهبي (١/ ١٥٢) .
(٣) نصّ رسالة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الموجهة إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن حزم: «انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة فاكتبه فإني خشيت دروس العلم، وذهاب أهله» (ابن سعد ٨: ٣٥٣)، والتاريخ الصغير للبخاري (١٠٥) وسنن الدارمي (١: ١٢٦) .
[ ٦٩ ]
والسيرة قد بدىء بها في عهد النّبي ﷺ، فقد جاء في باب كتابة العلم من صحيح البخاري: أنّ رسول الله ﷺ أمر، فكتبت خطبته التي خطبها يوم فتح مكة إجابة لسؤال صحابيّ من اليمن يدعى أبا شاه «١» . وقد أرسل رسول الله ﷺ رسائله إلى الملوك التي يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكلّها كانت مكتوبة، والكتاب الذي أرسله إلى المقوقس ملك مصر قد وجد ملصقا بدفّة كتاب في أحد الأديرة المسيحية في مصر، ويغلب على الظنّ أنه هو أصل الكتاب المرسل من النّبيّ ﷺ، وخطّه عربيّ قديم، وعبارته وترتيب كلماته التي في الخاتم هي عين ما يروى في الأحاديث، وهذا من أصدق الأدلّة على صدق الأحاديث المروية وصحتها. ويقول أبو هريرة:
ما من أحد أحفظ منّي لخدمة رسول الله ﷺ، ولا أكثر منّي رواية له، غير عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنّه كان يكتب كلّ ما يسمع من النّبيّ ﷺ ولم أكن أكتب «٢» . وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب ورسول الله ﷺ يقول في الغضب والرّضا فأمسكت، حتّى ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال:
«اكتب، فو الّذي نفسي بيده ما خرج منه إلّا حق!» وأومأ بأصبعه إلى فيه حين قال ذلك «٣» . وسمى عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته هذه (الصادقة) «٤» وكان يقول: لقد حبّب الحياة إليّ أمران: أحدهما هذه
_________________
(١) لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام رسول الله ﷺ فخطب خطبته، « فقام أبو شاه- رجل من اليمن- فقال: اكتبوا لي يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: اكتبوا لأبي شاه » . (البخاري [٢٤٣٤]) .
(٢) والحديث في البخاري ومسند الإمام أحمد: (ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثا عنه منّي إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنّه كان يكتب ولا أكتب) (البخاري [١١٣] ومسند الإمام أحمد (٧٣٨٣) .
(٣) مسند أحمد: (١٦٢) و(١٩٢)، وسنن أبي داود (٢٢) وجامع بيان العلم، الجزء الأول، ص ٧١.
(٤) هي «الصحيفة الصادقة» وهي من أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي، كتبها وجمعها عبد الله بن عمرو بن العاص﵁- من رسول الله ﷺ، وقد-
[ ٧٠ ]
«الصّادقة» .. ثم قال: وأما الصادقة فهي صحيفة ما كتبت فيها إلا ما سمعت أذناي من رسول الله ﷺ. ويقول مجاهد: رأيت عند عبد الله بن عمرو كتابا، فسألته: ما هذا؟ فقال: هذه «الصّادقة» فيها ما سمعته من رسول الله ﷺ ليس في ذلك بيني وبين رسول الله ﷺ أحد «١» .
وفي صحيح البخاري: أنّ النبي ﷺ أمر بعد هجرته إلى المدينة أن يحصى له كم عدد الذين يلفظون بالإسلام، فأحصوا، فكان عددهم خمسمئة وألفا. وأمر ﷺ، فكتبت أحكام الزكاة، وما تجب فيه، ومقادير ذلك، فكتبت مشروحة مفصلة في صفحتين، وبعث بصورة ذلك إلى أمراء البلاد وولاتها، وبقيت محفوظة في بيت أبي بكر الصديق، وأبي بكر بن عمرو بن حزم «٢» . وكان عند عمال الزكاة رسائل فيها أحكام الزكاة. وكان عند عليّ صحيفة في قراب سيفه، كتبت فيها أحاديث تتعلق بالأحكام، ورآها الناس لما سألوه عن ذلك «٣» .
وفي هدنة الحديبية التي كانت بين المسلمين ومشركي قريش أمر رسول الله ﷺ عليّا، فكتب كتاب الهدنة في نسختين أعطى المشركين نسخة منها وبقيت النسخة الآخرى عند النبي ﷺ «٤» .
ولما ولّى رسول الله ﷺ عمرو بن حزم اليمن، وبعثه إليها؛ أعطاه أحكاما مكتوبة في الفرائض والصدقات والدّيات «٥» وتلقّى عبد الله بن حكيم
_________________
(١) - اشتملت على ألف حديث كما يقول ابن الأثير («في أسد الغابة» ٣/ ٢٣٣)، وإذا لم تصل هذه الصحيفة- كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة في مسند الإمام أحمد [انظر مسند عبد الله بن عمرو بن العاص في مسند أحمد]، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهد الرسول ﷺ.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٢: ١٢٥.
(٣) الدارقطني في كتاب الزكاة ٢٠٩.
(٤) البخاري (١٠٨٤ و: ١٠٢٠) .
(٥) ابن سعد في المغازي، ص ٧١.
(٦) كنز العمال، الجزء الثالث، ص ١٨٦.
[ ٧١ ]
كتابا من رسول الله ﷺ فيه أحكام الحيوانات الميتة «١» ولما أراد وائل بن حجر أن يرجع إلى بلاده حضر موت؛ ناوله رسول الله ﷺ كتابا فيه أحكام الصلاة، والصوم، والربا، والخمر وغير ذلك «٢» ولما وجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب السؤال إلى أصحاب رسول الله ﷺ إن كان عند أحد منهم سنة عن النبي ﷺ في نصيب المرأة من دية زوجها قام الضحّاك بن سفيان «٣» فقال: نعم عندنا كتاب من رسول الله ﷺ يبين فيه ذلك «٤» .
وكتب عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى المدينة يسأل عن كتاب رسول الله ﷺ في أحكام الصدقات، فوجدت نسخته عن آل عمرو بن حزم «٥» .
وكان مروان «٦» قد خطب في الناس، فذكر مكة وحرمتها، فقال رافع بن خديج «٧» بصوت يسمعه الناس: والمدينة حرم حرّمها رسول الله ﷺ، وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني إن شئت نقرئكه فعلنا. فناداه مروان:
أجل قد بلغنا ذلك «٨» .
وأرسل الضحاك بن قيس «٩» كتابا إلى النعمان بن بشير «١٠» يسأله فيه عن
_________________
(١) المعجم الصغير، للطبراني، ص ٢١٧.
(٢) المعجم الصغير، للطبراني، ص ٢٤٢.
(٣) هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب الكلابي، صحابي، كان نازلا بنجد، وولاه الرسول ﷺ على من أسلم هناك من قومه، استشهد في قتال أهل الردة سنة ١١ هـ.
(٤) الدارقطني الجزء الثاني، ص ٤٨٥.
(٥) الدارقطني، ٤٥١.
(٦) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، خليفة أموي، وهو أول من ملك من بني الحكم بن أبي العاص، توفي في دمشق بطاعون سنة ٦٥ هـ.
(٧) هو رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الأوسي الحارثي، صحابي، شهد أحدا والخندق، توفي في المدينة سنة ٧٤ هـ، له ٧٨ حديثا مرويا.
(٨) مسند الإمام أحمد ٤: ١٤١.
(٩) هو الضحاك بن قيس بن خالد الفهري القرشي، أحد الولاة الشجعان في عصره، شهد فتح دمشق وسكنها، قتل في مرج راهط، سنة ٦٥ هـ.
(١٠) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، من أجلاء الصحابة، نزل الشام، وشهد «صفين» مع معاوية﵁- وولي القضاء بدمشق. -
[ ٧٢ ]
السورة التي كان رسول الله ﷺ يقرؤها في صلاة الجمعة غير سورة الجمعة، فكتب إليه يقول: كان يقرأ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «١» وكتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن فرقد «٢» كتابا ذكر فيه أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير» «٣» .
وقد ثبت عندي بالدلائل الواضحة أنّ كبار الصحابة ﵃ أرادوا أن يدوّنوا السنن والأحكام، بل قد فعل ذلك بعضهم، وقد جمع أبو بكر في خلافته الأحكام والسنن في كتاب، ثمّ بدا له أن يمحوه «٤» وعزم عمر بن الخطاب أيام خلافته على جمع السنن ثم بدا له ألا يفعل، وقد ذكرنا آنفا: أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص جمع بإذن رسول الله ﷺ ما كان يسمعه منه في صحيفة، وكان الناس يقصدونه ليروها، فيطلعهم عليها «٥»، وأتى عبد الله بن عباس بسجلّ فيه فتاوى عليّ بن أبي طالب «٦» وكان لمرويات عبد الله بن عباس كراريس عدّة، وجاء قوم من أهل الطائف بكراسة منها ليرووها عنه «٧» وكان سعيد بن جبير يكتب روايات عبد الله بن عباس «٨» وبقيت صحيفة عبد الله بن عمرو (الصّادقة) موجودة عند حفيده عمرو بن شعيب «٩» وكانوا يضعفون عمرو بن شعيب لأنّه يروي من الصحيفة، وكان
_________________
(١) - هو أول مولود ولد في الأنصار بعد الهجرة، قتل يوم مرج راهط سنة ٦٥ هـ، وله ١٢٤ حديثا مرويا.
(٢) مسلم في كتاب الجمعة في باب ما يقرأ في صلاة الجمعة (٢٠٣٠) .
(٣) هو عتبة بن فرقد بن يربوع، صحابي، غزا مع الرسول ﷺ غزوتين، وله رواية عنه ﷺ، وروت عنه زوجه أمّ عاصم.
(٤) البخاري في كتاب اللباس في باب لبس الحرير للرجال (٥٨٢٨، ٥٨٢٩، ٥٨٣٠، ٥٨٣٤، ٥٨٣٥) .
(٥) تذكرة الحفاظ للذهبي.
(٦) الترمذي (٥٨٦) .
(٧) مقدمة صحيح مسلم.
(٨) العلل للترمذي، ص ٦٩١.
(٩) الدّارمي ص ٦٩٠.
(١٠) الترمذي (٦١، ١١٣) .
[ ٧٣ ]
ينبغي له أن يروي من حفظه. وجمع وهب التّابعي روايات جابر بن عبد الله، وكانت عند إسماعيل بن عبد الكريم، وضعفوه لأجل ذلك «١»، وروى سليمان بن سمرة بن جندب أنّه كان عند أبيه صحيفة فيها أحاديث، وكذلك روى ابنه حبيب بن سليمان «٢» وجمع همام بن منبه روايات أبي هريرة، وهو أكثر الصحابة رواية، وأوعاهم حفظا لأحاديث الرسول ﷺ، فصارت تعرف صحيفته بين المحدّثين بصحيفة همام «٣»، وقد أوردها الإمام أحمد بن حنبل في الجزء الثاني من مسنده، وكذلك بشير بن نهيك كتب مروياته عن أبي هريرة في كتاب، وقرأه عليه «٤» .
وذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري أنّ أبا هريرة جاء برجل إلى بيته، وأراه أوراقا، وقال: هذه رواياتي. وقال الذي روى ذلك: إنها لم تكن
_________________
(١) تهذيب التهذيب، لابن حجر، الجزء الأول ٣١٦.
(٢) تهذيب التهذيب الجزء الرابع، ١٩٨.
(٣) تلفت الصحف الكثيرة التي جمعها الصحابي الجليل أبو هريرة﵁- إلى صحيفة واحدة هي هذه التي رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه (المتوفى سنة ١٠١ هـ) ثم نسبت إليه فاشتهرت ب «صحيفة همام» وهي في الحقيقة صحيفة أبي هريرة لهمام. ولا يمكننا أن نسلك هذه الصحيفة في عداد ما كتب في العصر النبوي، لأن هماما ولد قبيل سنة ٤٠ هـ وتوفي شيخه أبو هريرة سنة ٥٨ هـ، فلا بدّ أن يكون تدوينه لهذه الصحيفة قبل وفاة شيخه، لأنّ سماعه منه بعد مجالسته إيّاه- أي في منتصف القرن الهجري الأول- وتلك نتيجة علمية باهرة تقطع بتدوين الحديث في عصر مبكر، وتصحح الخطأ الشائع: أنّ الحديث لم يدوّن إلا في أوائل القرن الهجري الثاني. (علوم الحديث ومصطلحه «للدكتور صبحي الصالح» ص ٣١- ٣٢) . ولهذه الصحيفة مكانة خاصّة في تدوين الحديث؛ لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة، كما رواها ودوّنها همام عن أبي هريرة، وعثر على هذه الصحيفة الباحث المحقق الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي- حفظه الله ومدّ عمره- في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين، ونشره محققا، وقد صدرت له الطبعة الأولى من مجمع اللغة العربية بدمشق.
(٤) كتاب العلل للترمذي، ص ٦٩١، والدارمي ص (٦٨)، والبيهقي ص (٦٨١) .
[ ٧٤ ]
مكتوبة بيده «١»، وكان أنس بن مالك- وهو معروف بكثرة الرواية- يقول لأولاده: يا بنيّ! اكتبوا العلم وقيّدوه بالكتابة «٢»، وكان تلميذه أبان «٣» يكتب رواياته بين يديه «٤»، وروي عن سلمى «٥» قالت: رأيت عبد الله بن عباس يستملي أبا رافع «٦» خادم رسول الله ﷺ ما كان ﷺ يفعل، أو يقول «٧» .
والواقدي «٨» وهو من متقدّمي المصنفين في السيرة النبوية يقول: رأيت عند عبد الله بن عباس الكتاب الذي أرسله رسول الله ﷺ إلى المنذر بن ساوى «٩» سيد البحرين مع كتب أخرى «١٠»، وفي تاريخ الطبري: أنّ
_________________
(١) فتح الباري، الجزء الأول ١٨٤- ١٨٥.
(٢) الدّارمي ص ٦٨.
(٣) هو أبان بن عثمان الأموي: أول من كتب السيرة النبوية، وهو ابن الخليفة عثمان. كان من رواة الحديث الثقات، ومن فقهاء المدينة أهل الفتوى. توفي سنة (١٠٥ هـ)، العبر (١/ ١٢٩) .
(٤) الدارمي، ص ٦٨.
(٥) هي سلمى بنت خصفة، زوجة المثنى بن حارثة الشيباني، وتزوجها بعد وفاته سعد بن أبي وقاص، شهدت معه المعارك في القادسية وغيرها، توفيت سنة ٦٠ هـ.
(٦) كان مولى العباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي ﷺ، فأعتقه لما بشّره بإسلام العباس. شهد أحدا وما بعدها. روى عن النبي وعن ابن مسعود، وعنه كثيرون. توفي بالمدينة في خلافة علي. الإصابة (٤/ ٣٩١) .
(٧) طبقات ابن سعد ٢/ ٢: ١٢٣.
(٨) هو محمد بن عمرو بن واقد السهمي الأسلمي، المعروف ب «الواقدي» من أقدم المؤرخين وأشهرهم في الإسلام، ومن حفاظ الحديث، ولي القضاء ببغداد، واستمر فيها إلى أن توفي سنة ٢٠٧ هـ، من أشهر كتبه «المغازي النبوية» و«أخبار مكة» و«فتوح العراق» و«فتوح الشام» .
(٩) هو المنذر بن ساوى بن الأخنس العبدي، أمير في الجاهلية والإسلام، كان صاحب «البحرين» وكتب إليه الرسول ﷺ رسالة يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، مات قبل ردة أهل البحرين سنة ١١ هـ.
(١٠) زاد المعاد، الجزء الثاني، ص ٥٧.
[ ٧٥ ]
عروة بن الزبير «١» كتب جميع ما كان في غزوة بدر مفصّلا إلى عبد الملك الخليفة الأموي «٢» .
وكان عبد الله بن مسعود- وهو الذي كان يكثر الدّخول على رسول الله ﷺ ليلا ونهارا حتى خيّل إلى الناس أنه من أهل البيت- يشكو الناس أنّهم يكتبون منه عن رسول الله ﷺ؛ لأنه كان لا يستحلّ أن يكتب غير القرآن الحكيم حرصا منه على القرآن أن يلتبس به غيره «٣»، ويقول سعيد بن جبير التابعي «٤»: كنت أكتب على الأقتاب ما أسمعه في الليل من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فإذا أصبحت كتبته واضحا «٥» .
وكان أصحاب البراء بن عازب «٦» يكتبون عنده رواياته، وكان نافع «٧» - وقد صحب ابن عمر «٨» ثلاثين سنة- يملي على الناس «٩»،
_________________
(١) هو عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي القرشي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وكبار علمائها، وهو أخو عبد الله بن الزبير لأبيه وأمه، توفي بالمدينة سنة ٩٣ هـ.
(٢) هو عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، كان فقيها واسع العلم، شديد النسك، كثير العبادة، توفي بدمشق سنة ٨٦ هـ.
(٣) الدارمي، ص ٦٧.
(٤) هو سعيد بن جبير الأسدي، من كبار التابعين وأعلمهم، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعن ابن عمر﵄- قال الإمام أحمد: «قتل الحجاج سعيدا وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه» (الأعلام للزركلي، ٣/ ٩٣) .
(٥) الدارمي، ص ٦٩.
(٦) هو البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي، صحابي من أصحاب الفتوح، أسلم صغيرا وغزا مع الرسول ﷺ خمس عشرة غزوة، عاش إلى أيام مصعب بن الزبير، فسكن الكوفة، وتوفي فيها سنة ٧١ هـ، وله ٣٠٥ أحاديث مروية في الصحيحين.
(٧) هو نافع المدني، من أئمة التابعين بالمدينة، كان علّامة في فقه الدين، كثير الرواية للحديث، من كبار الثقات التابعين، أصابه عبد الله بن عمر صغيرا في بعض مغازيه، فنشأ بالمدينة، أرسله عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلّم أهلها السنن، توفي سنة ١١٧ هـ.
(٨) أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(٩) الدارمي، ص: ٦٩.
[ ٧٦ ]
وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود «١» أخرج كتابا، وقال: وايم الله هذا ما كتبته يد ابن مسعود «٢» ! وقال سعيد بن جبير: كنا نختلف في بعض الأمور، فنكتب ذلك، ثم نأتي عبد الله بن عمر، فنعرضه عليه، ونخفي عنه ما كتبنا، ولو علم به لكانت الفيصل بيننا وبينه. أي أنه لا يأذن لهم بحضور مجلسه «٣» ويقول الأسود التابعي «٤»: وقعت أنا وعلقمة على صحيفة جئنا بها إلى ابن عمر، فمحاها «٥» . وأنّ زيد بن ثابت- هو من كتبة الوحي- كان لا يرى كتابة شيء إلا القرآن، فاحتال مروان على أن أجلسه بين يديه، وأجلس كاتبا من وراء الستر يكتب ما يقول، وفعل مثل ذلك معاوية بن أبي سفيان ﵁، فاستملاه حديثا، ولكن زيد بن ثابت فطن لذلك، فألحّ بمحوه حتى محي «٦» .
سادتي! لعلّكم سئمتم سماع الأسماء، وضجرتم بهذه الأخبار، ومللتم ما اقتبسته لكم من هذه النصوص، فمعذرة وعفوا. ولكننا قد بلغنا إلى حيث يتبين لنا الطريق واضحا، وتبدو لنا الحقيقة جلية.
لقد حاولت أن أثبت لكم هذه الحقيقة الرّاهنة، وهي أنّه إذا كان لا يوثق إلا بما كتب ودوّن، فأصحاب النبي ﷺ كتبوا بأيديهم في عهده ﷺ، وجمعوا من أحاديثه في حياته، وتركوا ذلك لمن بعدهم، والذين جاؤوا
_________________
(١) أحد الأئمة الكبار، سيىء الحفظ. وثقه أحمد. وقال ابن القطان: اختلط حتى كان لا يعقل، فضعّف حديثه، وكان لا يتميز في الأغلب ما رواه قبل اختلاطه مما رواه بعد. ميزان الاعتدال (٢/ ٥٧٤) .
(٢) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، من أكابر الصحابة- رضوان الله عليهم- ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم الرسول ﷺ، توفي بالمدينة سنة ٣٢ هـ، وله ٨٤٨ حديثا مرويا.
(٣) جامع بيان العلم، ص ٣٣.
(٤) هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، من فقهاء التابعين والحفاظ، كان عالم الكوفة في عصره، توفي سنة ٧٥ هـ.
(٥) جامع بيان العلم، ص ٣٣.
(٦) مسند الإمام أحمد: الجزء الخامس، ص ١٨٢.
[ ٧٧ ]
بعدهم أدخلوه في كتبهم. ولا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن التابعين ﵃ جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون، وبحثوا عن ذلك بحثا طويلا، وبذلوا فيه جهودهم، وسافروا له، وطرقوا أبواب العلماء والمحدّثين، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة، وشقّة بعيدة، ومن أشهرهم محمد بن شهاب الزّهري «١»، وهشام بن عروة بن جبير «٢»، وأبو الزناد «٣»، وغيرهم. إن علماء التابعين- وكانوا يعدّون بالمئات- جابوا البلاد، وجالوا خلال الدّيار، وطووا الصحارى والمفاوز، وشدّوا الرّحال إلى أصحاب النبي ﷺ، وكذلك فعل تلاميذهم، ليرووا أحاديث رسول الله ﷺ، فجمعوا لنا هذه الذخيرة العلمية، وربما سافروا وقطعوا مئات الأميال لحديث واحد. وإنّ محمد بن شهاب الزهري- وهو الإمام في الحديث والسيرة- كتب كل ما سمع ممّا يتعلق برسول الله ﷺ، حتى قال عنه أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام وكان الزّهري يكتب كل شيء «٤» .
ويقول طاووس بن كيسان «٥»: كنت أنا والزّهري رفيقين في طلب العلم، فقلت: لا أكتب إلا السنن، فكتبت ما يتعلق برسول الله ﷺ، وقال
_________________
(١) هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي، من أهل المدينة، أول من دوّن الحديث، كان من أكابر الحفاظ والفقهاء، نزل الشام واستقرّ بها، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: «عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه» توفي بشغب (هو آخر حدّ الحجاز وأول حدّ فلسطين) سنة ١٢٤ هـ.
(٢) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، تابعي من أئمة الحديث، ولد في المدينة، وعاش فيها، زار الكوفة، فسمع منه أهلها، ودخل بغداد، وتوفي بها سنة ١٤٦ هـ. وله نحو أربعمئة حديث مروي.
(٣) هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، المعروف ب «أبو الزناد» أحد كبار المحدثين وفقهاء أهل المدينة، كان ثقة في الحديث عالما بالعربية، فصيحا، توفي بالمدينة سنة ١٣١ هـ.
(٤) جامع بيان العلم، ص ٣٧.
(٥) هو طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني من أكابر التابعين، أصله من الفرس، ومولده ومنشؤه في اليمن، توفي حاجا بالمزدلفة سنة ١٠٦ هـ.
[ ٧٨ ]
الزّهري: أكتب هذا وكلّ ما يتعلق بأصحاب النبي ﷺ، فإنّه من السنة.
فقلت: ليس ذلك من السنة، ولم أكتب ذلك، وكتبه الزهري، ففاز، وخسرت «١»، وهذا قطرة من بحر. وإن المئتين من التابعين كانوا يكتبون الأحاديث والأخبار، والزّهري واحد منهم، وإنّ ما كتبه الزهري وحده بلغ فيما رواه معمر أنّ الدفاتر من علم الزهري حملت على الدواب بعد قتل الوليد، وكانت في خزانته.
التابعون الّذين دوّنوا الحديث:
ولد الزهريّ سنة ٥٠ للهجرة وتوفي سنة ١٢٤ هـ، وهو قرشيّ نسبا، وقد بذل جهده في جمع الروايات عن سيرة النبي ﷺ، وهديه، وأحاديثه حتى لقي في طلب العلم عناء ونصبا، كما يدل عليه قول المؤرخين: إنّه كان يطوف على بيوت الأنصار في المدينة، ويغشى كلّ بيت منها، ويسأل عن أحاديث النبي ﷺ، وهديه، وسيرته كلّ من يلقاه من نساء، ورجال، وشيوخ، وشباب، حتى كان يسأل العواتق في خدورهن عن أحوال النبيّ ﷺ، وأقواله، ويكتبه «٢»، وكان لا يزال بعض الصحابة أحياء في حياة الزهري. ثم تلقّى عن الزهري كثير من تلاميذه العلماء، ويبلغ عددهم المئات، ولم يكن لهم شغل إلا جمع الأحاديث، وأقوال الصحابة، وتعليم الأمّة الإسلاميّة الدّين، ونشر السنّة، وقد انقطعوا كلّهم لهذا العمل، وفرّغوا أنفسهم له.
ومن أعظم الخطأ في تاريخ تدوين الحديث دعوى بعض الناس أنه بدأ بعد المئة، وذلك تبعا لخطئهم في تحديد زمن التابعين. فإنّه لمّا بلغهم أنّ التدوين بدأ في عهد التابعين، وهم يعلمون أنّ بعض الصحابة امتد بهم العمر إلى أواخر المئة الأولى للهجرة، ظنّوا أنّ عهد التابعين يبدأ بعد انقضاء زمن الصحابة، فذهبوا إلى أنّ التدوين بدأ بعد المئة، وهذا كله خطأ. والحقّ أنّ عنوان «التابعين» يطلق على الذين لم يدركوا النبي ﷺ، أو
_________________
(١) طبقات ابن سعد (٢/ ٢: ١٣٥) .
(٢) انظر ترجمة الزهري في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني.
[ ٧٩ ]
ولدوا في أواخر عهده فلم يروه، وإنما رأوا أصحابه، وأخذوا عنهم، وعلى أقل تقدير يعدّ تابعيا من ولد بعد وفاة النبي ﷺ (ربيع الأول سنة ١١)، وأعمال التابعين التي تنسب إليهم يبدأ عهدها من سنة ١١ هـ، وليس من المحتم ألا ينسب إلى التابعين إلا ما صدر عنهم بعد وفاة آخر الصحابة بقاء على قيد الحياة، فاخر الصحابة بقاء على قيد الحياة امتدّ زمنه إلى أواخر المئة الأولى للهجرة، وأعمال التابعين- ومنها البدء بتدوين الحديث- ينبغي أن تنسب إلى زمنهم الذي بدأ من بعد سنة ١١ هـ التي انتقل فيها النبيّ ﷺ إلى الرّفيق الأعلى.
جمع الحديث له ثلاثة أطوار:
والحق أنّ جمع الأحاديث، والأحكام، والأخبار، وتدوينها عند المسلمين له ثلاثة أطوار: الطور الأول: هو الذي جمع فيه الرجال ما عندهم من العلم. والطور الثاني: هو الذي قام فيه أهل كلّ مصر من الأمصار الإسلامية بتدوين ما عند علماء ذلك المصر من العلم في كتب خاصّة بأهل مصرهم. والطور الثالث: هو الذي جمعت فيه علوم الدّين الإسلاميّ كلّها من جميع الأمصار، ودوّنت في الدواوين الكبرى، والمصنفات الجليلة، وهي التي صارت إلينا، ولا تزال بين أيدينا.
والطّور الأول استمرّ إلى سنة ١٠٠ هـ، وامتدّ الطّور الثاني إلى سنة ١٥٠ هـ، وبدأ الطور الثالث من سنة ١٥٠ هـ إلى القرن الثالث للهجرة، أو بعده بقليل. وإنّ الطّور الأول هو الذي كان فيه الصحابة، وكبار التابعين.
والطور الثاني هو الذي كان فيه صغار التابعين، وتابعو التابعين. والطور الثالث هو عهد المحدّثين، وأئمة السنة، كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام مسلم صاحب الجامع الصحيح، والإمام الترمذي، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم من المحدّثين. وما جمع في الطور الأول دوّن في كتب الطور الثاني، وما دوّن في الطور الثاني جمع، ونظم في كتب الطور الثالث. ونرى أمامنا أكثر ما جمع في الطورين الثاني والثالث مدونا في كتب كثيرة تشتمل على آلاف من الأوراق هي في الواقع من أثمن الذخائر
[ ٨٠ ]
العلمية في العالم، بل لا يوجد في جميع ذخائر الدنيا العلمية أوثق منها سندا، وأصحّ تاريخا ورواية. ولقد صدق الأستاذ الكبير العلامة الشيخ شبلي النعماني «١» حين قال: (لما أرادت الأمم الآخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها، ورواياتهم كان قد فات عليهم زمن طويل، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد، فحاولوا كتابة شؤون أمّة قد خلت، ولم يميزوا بين غثّ ذلك الماضي وسمينه، وصحيحه وسقيمه، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار، ولا أسماءهم، ولا تواريخ ولادتهم، فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم، ويلائم بيئتهم، وينطبق على مقاييسهم.
ثم لم يمض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات معدودة كالحقائق التاريخية المدوّنة في الكتب، وعلى هذا المنهاج السّقيم صنّفت أكثر الكتب الأوربية مما يتعلق بالأمم الخوالي وشؤونها، والأقوام القديمة وأخبارها، والأديان السالفة، ومذاهبها، ورجالها.
أما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها، وأصولا متقنة يتمسّكون بها، وأعلاها ألّا تروى واقعة من الوقائع إلا عن الذي شهدها، وكلّما بعد العهد على هذه الواقعة فمن الواجب تسمية من نقل ذلك الخبر عن الذي نقله عمّن شهد، وهكذا بالتسلسل من وقت الاستشهاد بالواقعة، والتحدّث عنها إلى زمن وقوعها، والتثبت من أمانة هؤلاء الرواة، وفقههم، وعدالتهم، وحسن تحمّلهم للخبر الذي يروونه، وإذا كانوا على خلاف ذلك وجب تبيينه أيضا. وهذه المهمّة من أشقّ الأمور، ومع ذلك فإنّ مئات من المحدّثين تفرّغوا لها، ووقفوا أعمارهم على تحرّي ذلك، واستقصائه وتدوينه، وطافوا لأجله البلاد، ورحلوا بين الأقطار، باحثين دارسين لأحوال الرواة، وكانوا يلقون المعاصرين لهم من الرواة؛ لينقدوا أحوالهم، وإذا اطمأنوا إلى سيرة فريق منهم سألوهم عما
_________________
(١) هو أستاذ العلامة المؤلف، كان من كبار الباحثين والمؤرخين المصلحين في الهند، وقد سبقت ترجمته في صفحة (٥) .
[ ٨١ ]
يعرفونه من أحوال الطبقة التي كانت قبلهم، وقد اجتمع من هذا المجهود العلمي العظيم علم مستقلّ من العلوم الإسلامية، أطلق عليه فيما بعد عنوان (أسماء الرجال) فتيسّر لمن أتى بعدهم أن يقفوا على أقدار مئات الألوف من الحفّاظ، والعلماء، والرواة، وغيرهم.
علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم:
هذا فيما يتعلق بالرواية وحملتها، وهنالك علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم، وأنّ له أصولا محكمة، وقواعد متقنة اتخذوها لنقد المرويات، وتمييز صحيحها من سقيمها، وغثّها من السمين، والرّاجح من المرجوح، وقد تحرّى علماء السّنّة في هذا الأمر الحقّ وحده، وتمسّكوا فيه بالمحجّة البيضاء، وكل ما يؤدي إليه الصدق، فكان عملهم هذا من مفاخر الإسلام، وأنت تعلم أنّ ممّن تحمل الرواية رجالا من الولاة، والحكام، والأمراء الذين يخشى جانبهم، ويحذر الناس بطشهم وجبروتهم، فكان المحدّثون يلتزمون فيهم قول الحقّ، وينزلونهم في المنازل التي يستحقّونها، ولا يبالون بما قد يصيبهم من مكروه بسبب هذه المصارحة بما يرضي الله ويصون أمانات الإسلام. وكان وكيع «١» محدّثا كبيرا، وكان أبوه عاملا للدولة على بيت المال، فكان إذا روى عن أبيه شيئا عضده برواية راو آخر، فإذا انفرد أبوه برواية خبر توقّف وكيع عن الأخذ بذلك حتى تعضده رواية أخرى. فهل رأيت مثل هذا الاحتياط، ومثل هذه المبالغة في التثبت عند أهل ملّة أخرى غير ملّة الإسلام؟ ويقول الإمام معاذ بن معاذ «٢»: رأيت المسعودي في سنة ١٥٤
_________________
(١) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أحد حفاظ الحديث، كان محدث العراق في عصره، أراد الرشيد أن يوليه قضاء الكوفة، فامتنع ورعا، قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما رأيت أحدا أوعى منه، ولا أحفظ، وكيع إمام المسلمين» . توفي بفيد راجعا من الحجّ سنة ١٩٧ هـ.
(٢) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي، من الأثبات في الحديث، قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما رأيت أعقل من معاذ، كأنه صخرة!»، توفي بالبصرة سنة ١٩٦ هـ.
[ ٨٢ ]
هـ «١» يطالع كتابا، يعني أنه قد تغيّر حفظه «٢» . ومما يثير العجب والاستغراب أنّ الإمام معاذ بن معاذ تقدّم إليه رجل بألف دينار على ألا يكتب في كتابه شيئا عن رجل سماه، فلا يوثقه، ولا يجرحه، بل يسكت عنه، فرفض الإمام ذلك المال بشدّة، وقال: إنّي لا أكتم الحق «٣»، فهل يعرف أحد في تاريخ البشر مثالا للاحتياط في العلم والأمانة للحقّ والاستقامة على منهج الصّدق أعلى من هذا المثال؟ على أنّ جميع مرويات السنة لا تزال محفوظة كما هي إلى زماننا هذا، وإنّ قواعد النقد الموضوعة، وأحوال الرواة الممحّصة، قد يسّرت لكلّ من شاء حتى في زماننا هذا وفي كل زمان أن يميز بها بين الصحيح والسقيم، والغثّ والسمين، والرّاجح والمرجوح، والقويّ والضعيف.
ستة مصادر لسيرة النبيّ ﷺ وهديه:
سادتي: لقد شغلت شطرا من وقتكم الثمين بإيراد هذه الأمور العلمية التي قلّما يستطيبها السّامعون، لكنّي فيما أظنّ قد استعرضت لكم أنحاء مختلفة من السّيرة النبوية، ومثلت أمامكم جوانبها التاريخية المتنوعة، وأريد أن ألفت أنظاركم إلى المصادر التي أخذت عنها سيرة النبي ﷺ وهديه، وكيف دوّنت تلك المصادر وجمعت،
[المصدر الأول من مصادر السيرة النبوية: ما اقتبس من القرآن الحكيم]
وإنّ أهمّ ما في سيرته ﷺ، وأوثقها، وأكثرها صحة هو ما اقتبس من القرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من عزيز حميد، وهو الذي لم يشك في صحته العدوّ اللدود فضلا عن الحبيب الودود. والقرآن يقصّ علينا جميع مناحي السيرة النبوية، وطرفا من حياته ﷺ قبل النبوة، فيذكر لنا يتمه، وفقره، وتحنثه، كما يذكر لنا شؤونه بعد النبوة من هبوط الوحي الإلهي عليه، وتبليغه إيّاه، والعروج به، وعداوة الأعداء، وهجرته، وغزواته، وفي القرآن الكريم ذكر أخلاقه ﷺ، كلّ ذلك تراه مذكورا في
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الملك بن مسعود، توفي سنة ١٦٥ هـ.
(٢) تهذيب التهذيب، الجزء السادس، ص ١١.
(٣) نفس المرجع.
[ ٨٣ ]
القرآن ببيان واضح، وأسلوب متين رائق، ومن ذلك تعلمون أنّه لم تتطرّق أذن التاريخ سيرة رجل بأحسن، ولا أصحّ، ولا أوثق من سيرة محمّد ﷺ.
والمصدر الثاني من مصادر السيرة النبوية «١»: كتب الحديث
، وهي كتب حفظت لنا من أقوال النبي ﷺ، وأفعاله، وأحواله ما يبلغ مئة ألف حديث، وقد امتاز الصحيح منها عن الضعيف والموضوع، والقوي منها عن غير القوي. ومن الكتب المصنفة في الحديث الكتب الستة الصحاح التي محّص العلماء كلّ ما ورد فيها، وذكروا شواهده، ومتابعاته، حتى لم
_________________
(١) تأتي كتابة السيرة النبوية- من حيث الترتيب الزمني- في الدرجة الثانية بالنسبة لكتابة السنة النبوية، فلا جرم أن كتابة السنة- أي الحديث النبوي كانت أسبق من كتابة السيرة النبوية عموما، إذا السنة بدأت كتابتها كما هو معلوم، في حياة رسول الله ﷺ بإذن بل بأمر منه ﵊، وذلك بعد أن اطمأن إلى أن أصحابه قد تنبهوا للفارق الكبير بين أسلوبي القرآن المعجز والحديث النبوي البليغ، فلن يقعوا في لبس بينهما. أما كتابة حياة رسول الله ﷺ ومغازيه بصورة عامّة فقد جاء ذلك متأخرا عن البدء بكتابة السنة، وإن كان الصحابة يهتمون بنقل سيرته ومغازيه شفاها. ولعلّ أول من اهتم بكتابة السيرة النبوية عموما، هو عروة بن الزبير المتوفى ٩٢ هـ ثم أبان بن عثمان المتوفى ١٠٥ هـ، ثم وهب بن منبه المتوفى ١١٠ هـ ثم شرحبيل بن سعد المتوفى سنة ١٢٣ هـ، ثم ابن شهاب الزّهري المتوفى ١٢٤ هـ. إنّ هؤلاء يعدّون، ولا ريب، في مقدمة من اهتموا بكتابة السيرة النبوية، غير أن جميع ما كتبه هؤلاء قد باد وتلف مع الزمن، فلم يصل إلينا منه شيء، ولم يبق منه إلا بقايا متناثرة، روى بعضها الطبري، ويقال: إنّ بعضها الآخر- وهو جزء مما كتبه وهب بن منبه- محفوظ في مدينة هايدلبرج بألمانيا. ولكن جاء في الطبقة التي تلي هؤلاء من تلقّف كلّ ما كتبوه، فأثبتوا جلّه في مدوناتهم التي وصل إلينا معظمها بحمد الله وتوفيقه، ولقد كان في مقدمة هذه الطبقة محمد بن إسحاق المتوفى عام ١٥٢ هـ، وقد اتفق الباحثون على أن ما كتبه محمد بن إسحاق يعدّ من أوثق ما كتب في السيرة النبوية في ذلك العهد ولئن لم يصل إلينا كتابه «المغازي» بذاته، إلا أن أبا محمد عبد الملك المعروف بابن هشام قد جاء من بعده، فروى لنا كتابه هذا مهذبا منقحا، ولم يكن قد مضى على تأليف ابن إسحاق له أكثر من خمسين سنة (فقه السيرة النبوية، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي مع اختصار، ص ٢٢٦) .
[ ٨٤ ]
يتركوا في النفوس منزع ظفر لمحقق منصف، بل ولا لمدقق جائز. ويتلو الكتب الستّة كتب المسانيد، وأعظمها مسند الإمام أحمد بن حنبل في ستة مجلدات كبار، كلّ مجلّد منها يحتوي على نحو خمسمئة صفحة من القطع الكبير بحروف دقيقة. وقد تضمّن هذا المسند مرويات كلّ صحابي مجموعة ومذكورة على حدة، وفي هذه المجموعات جميع تعاليم الرسول ﷺ، وأحواله، وسيرته غير مرتبة على المواضيع.
والمصدر الثالث: كتب المغازي
، ومعظم ما فيها ذكر الغزوات النبوية، وقد تتضمن أمورا أخرى. ومن المصنفات القديمة في المغازي مغازي عروة بن الزبير «١» المتوفى سنة ٩٤ هـ، ومغازي الزهري المتوفى سنة ١٢٤ هـ، ومغازي موسى بن عقبة المتوفى سنة ١٤١ هـ، ومغازي ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥٠ هـ ومغازي زياد البكائي المتوفى سنة ١٨٢ هـ، ومغازي الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ وغيرهم.
والمصدر الرابع: كتب التاريخ الإسلامي
العام التي تبتدىء بالسيرة النبوية، ومن أوثقها، وأصحها، وأطولها، وأضخمها: طبقات ابن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للإمام أبي جعفر الطبري، والتاريخ الصغير، والتاريخ الكبير لمحمد بن إسماعيل البخاري، وتاريخ ابن حيان، وتاريخ ابن أبي خيثمة البغدادي المتوفى سنة ٢٩٩ هـ، وغيرهم.
والمصدر الخامس: [كتب الدلائل]
الكتب التي ألفت في المعجزات، وتسمّى بكتب الدلائل، ومنها دلائل النبوة لأبي إسحاق الحربي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، ودلائل النبوة لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، ودلائل النبوة للإمام البيهقي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة للمستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، ودلائل
_________________
(١) هذا الكتاب كان مفقودا، وقد أخرجه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي بعد عناء طويل وجهد حثيث، وهو الآن على قيد الطباعة في الأكاديمية البريطانية الإسلامية بلندن بتحقيقه وتعليقاته.
[ ٨٥ ]
أبي القاسم إسماعيل الأصفهاني المتوفى سنة ٥٣٥ هـ، وأضخمها وأبسطها كتائب الخصائص الكبرى للجلال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ.
والمصدر السادس: كتب الشمائل
، وهي مقصورة على ذكر أخلاق النبي ﷺ، وعاداته، وفضائله، وما كان يعمل في يومه من الصباح إلى المساء، وفي ليلة من المساء إلى الصباح. وأشهر هذه الكتب وأولها (كتاب الشمائل) للحافظ الترمذي. وقد كتب كبار العلماء زيادات عليه، أهمّها وأضخمها وأطولها (كتاب الشفا في حقوق المصطفى) للقاضي عياض، وقد شرحه الشهاب الخفاجي، وسمّاه: نسيم الرياض، وصنف في هذا الموضع علماء آخرون، منها: كتاب (شمائل النبي ﷺ) لأبي العباس المستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، و(النور السّاطع) لابن المقري الغرناطي المتوفى سنة ٥٥٢ هـ، و(سفر السعادة) لمجد الدين الفيروز أبادي المتوفى سنة ٨١٢ هـ.
يضاف إلى ما ذكرناه الكتب التي صنفها بعض العلماء المتقدمين في أحوال مكّة المعظمة، والمدينة المنورة، وذكروا فيها ما في هذين البلدين الطيبين من بقاع، وأماكن، وأودية، وجبال، وخطط، وذكروا من تولى إماراتهما بادئين بكلّ ما له علاقة بالنبي ﷺ. وأقدم كتاب في هذا الموضوع (أخبار مكة) للأزرقي المتوفى سنة ٢٢٣ هـ و(أخبار المدينة) لعمر بن شبة المتوفى سنة ٢٦٨ هـ ثم أخبار مكة للفاكهي، وأخبار المدينة لابن زبالة.
ساداتي! لقد عرضت عليكم أسماء الكتب في السيرة النبوية، وذكرت لكم ما صنف في هذا الباب من قديم الزمان، ومنه يعلم القارئ مكانة السيرة المحمّدية من التاريخ، وأنّ هؤلاء المحدّثين والخلفاء الإسلاميين لم يقتصروا على حفظ الروايات عن ظهر قلب، وتقييدها بالكتابة وحسب، بل اتخذ الولاة والخلفاء معاهد لكبار العلماء والأئمة يتولّون التدريس فيها، وأقاموا المباني في المساجد ليشتغل فيها المعلمون والمدرسون من كبار العلماء بتعليم المغازي، وكان عاصم بن عمر المتوفى سنة ١٢١ هـ- وهو
[ ٨٦ ]
حفيد قتادة الصحابي- يدرس في المسجد الجامع بدمشق بأمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ﵁.
كتب السيرة النّبوية تعدّ بالألوف:
والذي ألفه الناس في سيرة النبي ﷺ من عهد الرسالة إلى يومنا هذا في مختلف الأوطان الإسلامية والأجنبية في معظم لغات العالم يعدّ بالألوف، واعتبر ذلك بما صنف باللغة الأوردية الحديثة وحدها في موضوع السيرة النبوية، مع أن الأوردية لم تصر لغة تأليف إلا منذ قرنين على الأكثر، وفي تقديري أنّ ما صنف بها وحدها في السيرة النبوية يبلغ ألفا إن لم يزد عليه «١» .
مرجليوث أشدّ المستشرقين تحاملا على الإسلام:
ودع عنك المسلمين وما صنفوا في سيرة نبيّهم ﷺ، فإنّهم يحبّونه حبّا عظيما، ويقدمون ذلك بين يدي الله فرطا وذخرا لهم يوم القيامة، وتعال ننظر إلى من ألف في سيرته ممّن لا يؤمنون بنبوته، ولا يوقنون برسالته، فإننا نجد في الهند نفسها على اختلاف مللها: من الهنادك، والسيخ، والبرهمو سماج كثيرا من علمائهم قد ألفوا في سيرته ﷺ، أما الأوربيون الذين لا يدينون بالإسلام، ولا يؤمنون بالرسالة المحمدية فقد صنّف منهم في سيرة النبي ﷺ حتى المبشرون من دعاة النصرانية والمستشرقون، عناية منهم بالتاريخ، وإرواء لظمئهم العلمي، ويعد ما ألفوه في ذلك بالمئات.
وكنت قرأت في مجلة «المقتبس» التي كانت تصدر في دمشق قبل نحو أربعين سنة إحصاء لما صنف في السيرة النبوية بمختلف اللغات الأوربية،
_________________
(١) ومن أشهر وأفضل ما ألّف بالأردوية في موضوع السيرة النبوية هو «سيرة النبي ﷺ» (في سبع مجلدات ضخمة) للعلامة شبلي النعماني وتلميذه صاحب هذه المحاضرات العلامة سيد سليمان الندوي، و«سيرة رحمة للعالمين» للقاضي سليمان المنصور فوري في ثلاث مجلدات التي طبعت أخيرا في دار السلام، الرياض نقلها إلى العربية الدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم، وهي من أعظم كتب السيرة تأثيرا، و«النبي الخاتم» للشيخ مناظر أحسن الكيلاني و«رسول رحمت» لمولانا أبي الكلام آزاد.
[ ٨٧ ]
فبلغ نحو ثلاثمئة كتاب وألف كتاب، ولو أضفنا إلى هذا العدد ما صدر من المطابع الأوربية في السيرة النبوية خلال الأربعين سنة بعد ذلك الإحصاء الذي نشرته مجلة «المقتبس» لأربى على ذلك كثيرا. وإنّ مرجوليوث الذي كان أستاذا للغة العربية في جامعة أوكسفورد أصدر في سنة ١٩٠٥ م كتابه (محمد) وجعله حلقة في سلسلة «عظاماء الأمم» وهو لم يكتب كتابه هذا ليثني فيه على رسول الله محمد ﷺ، بل لعلّه لم يؤلف كاتب بالإنجليزية كتابا أشدّ تحاملا على النبي ﷺ مما جاء في هذا الكتاب، وقد حاول مرجليوث أن يشوّه كلّ ما يتعلق بالسيرة الشريفة، وأن يشكّك في أسانيدها، ولم يأل جهدا في نقض ما أبرمه التاريخ، ومعارضة ما حقّقه المحقّقون من المنصفين، لكنه مع كل هذا لم يتمالك عن الاعتراف في مقدمة كتابه بأنّ الذين كتبوا في سيرة محمد ﷺ لا ينتهي ذكر أسمائهم، وأنهم يرون أن من الشرف للكاتب أن ينال المجد بتبوّئه مجلسا بين الذين كتبوا في السيرة المحمدية.
the biographers of the prophet Mohammad from a Long Series it is impossible to end but in Which Would be honourable to find a plaee.
اعترافات كبار المستشرقين حول السيرة النبوية:
وقد كتب جون ديون بورت سنة ١٨٧٠ م كتابا بالإنجليزية في السيرة المحمدية عنوانه (اعتذار من محمد والقرآن Appologey for Mhammad Quran) والذي يقرؤه يخيّل إليه أنّه كتبه بنزعة الإخلاص والإنصاف، ويقول في مقدمته:
لا ريب أنه لا يوجد في الفاتحين، والمشرعين، والذين سنوا السنن من يعرف الناس حياته وأحواله بأكثر تفصيلا، وأشمل بيانا مما يعرفون من سيرة محمد ﷺ وأحواله.
وألقى ريورند باسورث سميث Basworth smith عضو كلية التثليث في أوكسفورد سنة ١٨٧٤ م محاضرات عن (محمد والمحمدية) في الجمعية الملكية لبريطانيا العظمى، هذا الكتاب أشد تحاملا على النبي ﷺ، ومما جاء فيه: «كلّ ما يقال في الدّين يغلب فيه الجهل ببدايته، ومما يؤسف له
[ ٨٨ ]
أن هذا يصحّ إطلاقه على الدّيانات الثلاث «١» وعلى أصحابها الذين نعدّهم تاريخيين؛ لأننا لا نعمل لهم وصفا أحسن من هذا الوصف، فإنّنا قلّما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوة، والذي نعلمه عن الذين جاؤوا بعدهم واجتهدوا في نشر عقائدهم أكثر من الذي نعلمه عن أصحاب الدعوة الأولين.
فالذي نعلمه من شؤون زردشت، وكونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن سولون، وسقراط. والذي نعلمه عن موسى، وبوذا أقل مما نعلمه عن أمبرس (Ambrase) «٢» وقيصر. ولا نعلم من سيرة عيسى إلا شذرات تتناول شعبا قليلة من شعب حياته المتنوعة والكثيرة. ومن ذا الذي يستطيع أن يكشف لنا الستار عن شؤون ثلاثين عاما هي تمهيد واستعداد للثلاثة أعوام التي لنا علم بها من حياته. إنّه بعث ثلث العالم من رقدته، ولعله يحيي أكثر مما أحيا، وحياته المثالية بعيدة عنّا مع قربها منّا، وإنها تتراوح بين الممكن والمستحيل، بيد أنّ كثيرا من صفحاتها لا نعلم عنها شيئا أبدا، وما الذي نعلمه عن أمّ المسيح، وعن حياته في بيته، وعيشته العائلية، وما الذي نعلمه عن أصحابه الأولين، وحواريه، وكيف كان يعاملهم، وكيف تدرجات رسالته الروحية في الظهور، وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته. وكم وكم من أسئلة تجيش في نفوسنا، ولن يستطيع أحد أن يجيب عليها إلى يوم القيامة؟!
«أما الإسلام فأمره واضح كلّه، ليس فيه سرّ مكتوم عن أحد، ولا غمّة ينبهم أمرها على التاريخ. ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمد ﷺ كالذي يعلمونه من أمر لوثر، وملتن، وإنّك لا تجد فيما كتبه عنه المؤرخون الأولون أساطير، ولا أوهاما، ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرف من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة، فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه، أو يخدع غيره، والأمر كلّه واضح وضوح النهار، كأنه الشمس رأد الضّحى يتبين تحت أشعة نورها كلّ شيء» .
_________________
(١) يريد ديانات «بوذا» و«كونفوشيوس» و«زردشت» .
(٢) أمبرس (٣٣٩- ٣٩٧ ق. م) رئيس أساقفة ميلانو، هدى القديس أوغسطينس، وله أناشيد دينيّة.
[ ٨٩ ]
السيرة النبوية أوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتب في سيرة النبيين:
لقد ألف المسلمون في السيرة النبوية ألوف الكتب، بل أكثر من ذلك، ولا يزالون ماضين في التأليف فيها، وكلّ كتاب في السيرة المحمّدية مهما كان لا ريب أنّه أوضح بيانا، وأوثق رواية، وأكثر صحة من كل ما كتبه الناس في قصص النبيين وسيرهم ﵈. والكتب الأولى في السيرة المحمدية تلقاها عن أصحابها مئون، وآلاف من تلاميذهم، وأتقنوها فهما، وأحكموها فقها ولم يتركوا فيها كلمة غامضة، ولا عبارة معضلة إلا أوضحوا مبهمها، وحلّوا معضلها. وأول كتاب عندنا في الحديث النبوية كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، وقد سمعه من مؤلفه ستمئة من تلاميذه فيهم: الخلفاء، والولاة، والعلماء، والفقهاء، والأدباء، والزهّاد، والنسّاك. والجامع الصحيح لأبي عبد الله بن إسماعيل البخاري تلقاه ستون ألفا من أهل العلم عن تلميذ واحد من تلاميذه وهو الإمام الفربري «١» . فهل في العالم دين احتاط أهله مثل هذا الاحتياط، واهتمّوا مثل هذا الاهتمام في كلّ ما يتعلّق بأمر نبيهم وهدايته، وهل ألف في هذا الباب تأليف أكثر صحة، وأعظم ثقة، وتثبتا، وهل نال مثل هذه الصحّة التاريخية دين غيره، وهل حفظ التاريخ من تفاصيل حياة نبيّ من الأنبياء ﵈ مثل الذي حفظه من سيرة محمّد ﷺ؟!
_________________
(١) هو محمد بن يوسف: صاحب البخاري. كان ثقة ورعا، رحل إليه الناس، وسمعوا منه صحيح البخاري. وهو أحسن من روى الحديث عن البخاري. توفي سنة (٣٢٠ هـ) . شذرات الذهب (٤/ ١٠١) والعبر (٢/ ١٨٩) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ١٠- ١٣) .
[ ٩٠ ]
المحاضرة الرّابعة في السّيرة المحمّديّة من ناحية كمالها وتمامها وإحاطتها بشؤون الحياة البشريّة
[ ٩١ ]
لا تكون حياة أحد كاملة إلا إذا كانت معلومة للناس، وحياة محمد ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة التفاصيل بجميع دخائلها.
سادتي وإخواني! موضوع كلامنا اليوم في أنّ السيرة المحمّدية هي السيرة التامّة الكاملة الشاملة لجميع أطوار الحياة، وما من حياة أحد- مهما بلغت من صحة التاريخ وثبوت الرواية- يصح أن يكون منها للناس أسوة تتبع ومثال يقتدى به إلا إذا كانت متصفة بالكمال، ولا تكون حياة أحد كاملة ومنزهة عن العيوب والمثالب إلا إذا كانت معلومة للناس بجميع أطوارها، ومتجلية لهم دخائلها من كلّ مناحيها. وحياة محمد ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للّذين عاصروه، وشهدوا عهده، وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم، وهو في
حياته لم يحتجب عن عيون قومه إلا مدّة يسيرة ليعدّ عدّته للمستقبل، وليهيّىء الأسباب لحياته القابلة. إنّ جميع شؤونه وأطوار حياته- من ولادته، ورضاعه، وطفولته إلى أن صار يافعا وشابا- كلّ ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله. وقد علم التاريخ عن هذا النبي ﷺ باشتغاله في التجارة، وكيفية زواجه، وعلم الناس سجاياه في صداقته، وفي وفائه للناس قبل النبوة، واتصلوا به حين اتخذوه أمينا، وأقاموه حكما فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه من الكعبة، ثم وقفوا على أمره حين حبّب الله إليه الخلوة، فاعتزلهم في غار حراء، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من ربّ العالمين، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود، فأخذ يدعو الناس إليه، ويبلغ ما أنزل عليه.
وقد رأى التاريخ كيف خالفوه وعاندوه. وهل غاب عن التاريخ ما لقي ﷺ في نشر الإسلام من جهد وعناء، وما قابله به أهل الطائف حين سار إليهم ينهاهم عن عبادة الأوثان؟ ويأمرهم بعبادة الرحمن. وهل نسي التاريخ حين أخبر أهل مكّة- وهم أقلية قليلة من المسلمين وأكثرية ساحقة من المشركين- بخبر العروج به إلى السماء؟ ثم هل خفي عن التاريخ أمر
[ ٩٢ ]
هجرته، ومع من هاجر، والغزوات التي غزاها، والأسباب الباعثة عليها، وموقفه من الهدنة «١» إذا هادن، وعهوده إذا عاهد؟ وما صلح الحديبية بسرّ. والذين طالعوا كتب السيرة النبوية يعلمون ما ذكرنا، وما لم نذكر، وقد وقفوا على كتبه ﷺ إلى الملوك، والأقيال، والولاة، يدعوهم فيها إلى دين الله، دين السلام والوئام، وعرفوا جهاده في سبيل الحق، وما بذله في تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس، إلى أن أكمل الله للإنسانية دينها، وحجّ ﷺ حجّة الوداع، وتوفاه الله إليه. فهل في شيء من ذلك ما يجهله التاريخ، وهل فيما يتعلق بهذا الرسول الأعظم ورسالته ما أسدل عليه ستار من خفاء؟ إنّ كل ما ينسب إليه ﷺ، أو يعزى إليه من حق أو باطل، وصدق أو كذب، وصحيح أو فاسد معلوم بالتفصيل، وواضح أمره للناقدين. وقد يخطر ببال سائل أن يسأل: ما بال المحدّثين حافظوا موضوعات الأحاديث وضعافها، وهلا اكتفوا بالصحيح وأهملوا غيره؟
والذي ينعم النظر في ذلك يبدو له من المصلحة ألايوجه القادحون اللائمة إلى المسلمين بأنّ هنالك مرويات قضوا عليها، وأخبارا نبذوها ليخفوا من أمر نبيهم ما فيه مغمز، كما يطعن الطاعنون في هذه الأيام على الأخبار المسيحية لأجل ذلك. أما المحدّثون الكرام من علماء المسلمين؛ فقد جمعوا كلّ ما له علاقة بالنبي ﷺ صحيحا كان أو سقيما، حقا أو باطلا، وجعلوا لنقده قواعد، وأصّلوا لتحقيقه أصولا، يرجع إليها في تمييز الصحيح من الفاسد، والغثّ من السمين. وهم قد حافظوا شؤون حياة النبي ﷺ، وأحواله، وأخباره كلّها، ولم يتركوا أمرا من أموره، ولا شأنا من شؤونه إلا ذكروه. حتى لقد وصفوه في قيامه، وجلوسه، ونهوضه من النوم، وهيئته في ضحكه، وابتسامه، وعبادته في ليلة ونهاره، وكيف كان يفعل إذا اغتسل، وإذا أكل، وكيف كان يشرب، وماذا كان يلبس، وكيف يتحدث إلى الناس إذا لقيهم، وما كان يحبّ من الألوان، ومن الطيب، وما هي حليته وشمائله، ووصفوا جسده الطاهر وصفا كاملا كأنك
_________________
(١) الهدنة: المصالحة بعد الحرب.
[ ٩٣ ]