الأديان الآخرى تتحرى أقوال أنبيائها والمسلمون يتحرّون أعمال نبيّهم:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] .
سادتي! إنّ جميع الأديان والنّحل حثّت الناس على اتّباع أصحاب هذه الأديان، وأن يقتفوا آثارهم، ويعملوا بأقوال أنبيائهم، لينالوا بذلك رضاء الله ومحبته.
أمّا الإسلام فقد اختار طريقا آخر خيرا من ذلك، وهو أنه قدّم للناس أعمال نبيه، وعرض عليهم التأسّي به في سيرته كاملة ليس فيها خرم، وجعل اتباعهم لتلك السيرة وتأسيهم بصاحبها وسيلة لهم في الحصول على رضاء الله ومحبته؛ لأجل ذلك ترى في الإسلام مرجعين: كتاب الله، وسنة نبيه. فأحكامه تعالى قد جاءتنا في كتابه، وهو القرآن الحكيم، وفي سنة نبيه ﷺ. والسنة في اللغة: الطريقة «١» . والمراد بها في اصطلاح الشريعة الإسلامية: الطريقة التي اختارها الرسول وسلكها عاملا بأحكام الله. فمعنى السنة إذا: الأسوة النبوية، وسيرة الرسول الطاهرة التي أثرت عنه، وبلغتنا كاملة في كتب الحديث الصحيحة. والمسلم لا ينجح في دينه، ولا يكمل في إسلامه إلا باتباع السنّة النبوية وحدها.
وليس من الممكن أن يكون جميع الداخلين في دين من الأديان من طائفة بشريّة واحدة، أو أن يكونوا من شعب إنسانيّ واحد، لأنّ الدّنيا قد قام بنيانها على التنوع في الأعمال والاختلاف في الأفعال، ولولا أنّ الناس مختلفون في مهنهم، ومكاسبهم، وأشغالهم، ومعايشهم، وهم يتعاونون ويساعد بعضهم بعضا؛ لخربت الدنيا. ولا بدّ للعالم من ملك، أو رئيس جمهورية، أو وال يتولّى أمورهم العامّة، وحاكم يحكم بينهم فيما
_________________
(١) والسنة في اصطلاح المحدّثين: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو سيرة، سواء أكان قبل البعثة أم بعدها. (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، للدكتور مصطفى السباعي، ص ٥٩) .
[ ١١٤ ]
يختلفون فيه، وكذلك لا تخلو الدنيا من رعية يرعى أمورهم رئيس، ومن محكومين يحكم فيهم حاكم، ومن خصوم يقضي بينهم قاض بالعدل، ليسود الأمان، ويستتب السّلام. وكذلك الأمم تحتاج إلى أن يكون لها جنود يدافعون عن كيانها، وأن يكون على الجنود ضباط وقادة. وتجد فيهم الفقراء الذين يعانون الشدّة والبؤس كما تجد فيهم الأغنياء من أهل التّرف والسّرف. وفيهم عباد لله يقومون بطاعته في جوف الليل، وزهاد تحرروا من متع الدّنيا، وزخارفها، ومجاهدون في سبيل الله يقارعون الباطل، ويقيمون الحقّ في الأرض، وكذلك ترى في الدنيا العائلين الذين يكدحون لمن يعولونهم، وترى فيها لفيف الأصدقاء المتحابّين، وطوائف التّجار والمحترفين، وأصحاب المصانع والمعامل. وهكذا الدّنيا لا تخلو من قادة الأمم، وساسة الشعوب، وزعماء الأحزاب. وعلى شتّى الطوائف ومختلف الفرق قام نظام هذه الدنيا، وكلّ منهم يحتاج في عمله إلى حياة مثاليّة وأسوة كاملة يقتدي بها؛ ليكون سعيدا في الحياة. والإسلام دعا جميع هذه الفرق، والطوائف، والأحزاب لأن يتّبعوا سنّة محمد ﷺ، ويقتفوا آثاره، ويسلكوا طريقه. ومن تتبّع ذلك يتبين له أنّ السنّة المحمدية تكفي جميع شعوب البشر، وطوائفهم، وفرقهم إذا اتخذوا منها الأسوة والقدوة، ففيها النور الذي يستضاء به في ظلمات الحياة الاجتماعية، وكم من ظلمة حالكة في الحياة! ومن هنا تعلم أن سيرة محمد رسول الله ﷺ جامعة، تجد فيها كلّ طائفة من طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقتدي به، والأسوة التي تأتسي بها. ومن الظاهر الواضح أنّ حياة المحكوم لا تصلح لأن تكون قدوة لحياة الحاكم، كما أن حياة الحاكم لا تصلح لأن تكون قدوة لحياة المحكوم. وكذلك الفقير المعدم لا يتسنى له أن يسير في معيشته على ضوء من حياة الغني المثري. ومن ثم مسّت الحاجة إلى أن تكون الحياة المحمدية جامعة يجد فيها الناس كلّهم على اختلاف طوائفهم الأسوة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها. وإنّ مثلها كمثل الباقة الجامعة لكل أصناف الزهور والورود بجميع ألوانها: ففيها الأحمر القاني، والأبيض النّاصع، والأخضر النّاضر، والأصفر الفاقع.
[ ١١٥ ]
وفي البشر طوائف مختلفة، وفرق شتّى، تحتاج كلّها إلى حياة مثالية تكون نموذجا لها في حياتها ومعيشتها. ولكلّ إنسان من هذه الطوائف أعمال وأحوال تتقلب عليه بتقلب الظروف: بين قيام، وقعود، ومشي، وأكل، وشرب، ونوم، ويقظة، وضحك، وبكاء، وارتداء الملابس، وخلعها، وأخذ، وعطاء، وتعلّم، وتعليم، وقد يموت حتف أنفه، أو يقتل، ويكون محسنا لغيره، أو محتاجا لإحسان الآخرين إليه، وقد يكون في عبادة ربه، أو في معاملة الناس، ومعاشرتهم، وقد ينزل على غيره ضيفا، أو يستقبل الضيف ويقوم له بحقّ القرى. هذه الأحوال وغيرها تطرأ على الإنسان، وتعرض له فيما يتعلّق بجسمه، وجوارحه، فيحتاج في كلّ حال منها إلى هداية نافعة، وأسوة كاملة.
وأعظم من الأسوة في أعمال الإنسان الظاهرة، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب، ومجالات الفكر، ونزعات العواطف، فنحن نشعر بين كلّ حين وآخر بنزعات، وعواطف، تخالج قلوبنا وأفكارنا، فنرضى ونسخط، ونفرح ونحزن، وتعترينا السكينة والطمأنينة، أو القلق والضجر.
وتترتب على هذه الأحوال عواطف مختلفة، ونوازع متعدّدة. وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القوية والنوازع الثائرة، ولا يحظ بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند جموحها، ويحسن التصرّف فيها وقت ثورتها، ومع ذلك فلا بدّ للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور، فيأتمّ به في قهر هذه القوى الثائرة، والعواطف المتوثبة إلى أن تسكن ثورة نفسه، ويسلك في ذلك مسلك قدوته الأعظم، وهو النبي ﷺ؛ الذي يحمل بين جنبيه قلبا زكيا، ونفسا طاهرة، وروحا عالية نزيهة.
حياة محمد ﷺ جمعت ما تفرق في الأنبياء مما امتازوا به:
وهكذا المرء في كلّ خلّة من خلال العزيمة، والشجاعة، والشكر، والتوكل، والرّضا بالقدر، والصبر على النوائب، والتضحية، والقناعة، والاستغناء، والإيثار، والجود، والتواضع، والمسكنة، وسائر ما يطرأ
[ ١١٦ ]
على البشر في منفسح حياتهم، ومدى عيشهم، وما ربما يعتري هذه الخصال في ساعات مختلفة من مضطرب حياة الإنسان؛ فإنه يحتاج في كل ذلك إلى أسوة، وهداية ممّن سبق له العمل بذلك، وأنّى لنا هذه الأسوة الكاملة والهداية التامة إلا في حياة محمّد رسول الله ﷺ.
إنّ حياة موسى ﵇ تمثّل لنا القوة البشرية العظيمة، والبطش الشديد، ولكنّنا لا نعرف في المأثور عنه ما تكون لنا فيه الأسوة من ناحية دماثة الخلق، وخفض الجناح، وسجاحة النفس، وسماحتها.
وفيما نعرفه من حياة المسيح نماذج لسماحة النفس، ورقّة الطبع، ودماثة الخلق، ولين الجانب، لكننا لا نجد فيما وصل إلينا من أخلاقه وأعماله تفاصيل عن شؤون حياته، وأسرته، تحرّك ساكن القوى، وتثير كوامن النفس، وتنبه القوى المتراخية. والإنسان في حياته محتاج إلى هذا وهذا، فكما يحتاج إلى ما يهدىء ثائر قواه، ويسكن جائشها، يحتاج كذلك إلى ما يثير الكامن من هذه القوى، ويهيج ساكنها، وينبه المتراخي منها. إنّه في حاجة إلى حياة يتّخذها قدوة له في هاتين الحالتين المختلفتين، على أن يكون بيد صاحبها ميزان العدل بالقسط تستوي كفّتاه، ولن تجد الجمع بين هاتين الخصلتين المختلفتين جمعا قويما عزيز الوجود إلا في حياة محمّد ﷺ، فإنه هو الذي مثلت حياته أعمالا كثيرة متنوعة، بحيث تكون فيها الأسوة الصّالحة، والمنهج الأعلى للحياة الإنسانيّة في جميع أطوارها؛ لأنها جمعت بين الأخلاق العالية، والعادات الحسنة، والعواطف النبيلة المعتدلة، والنوازع العظيمة القويمة.
إذا كنت غنيّا مثريا؛ فاقتد بالرسول ﷺ عند ما كان تاجرا يسير بسلعه بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين. وإن كنت فقيرا معدما؛ فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب أبي طالب، وحين قدم إلى المدينة مهاجرا إليها من وطنه، وهو لا يحمل من حطام الدّنيا شيئا. وإن كنت ملكا؛ فاقتد بسننه وأعماله حين ملك أمر العرب، وغلب على آفاقهم، ودان لطاعته عظاماؤهم، وذوو أحلامهم. وإن كنت رعيّة ضعيفا؛
[ ١١٧ ]
فلك في رسول الله أسوة حسنة أيام كان محكوما بمكة في نظام المشركين.
وإن كنت فاتحا غالبا؛ فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوّه في بدر، وحنين، ومكة. وإن كنت منهزما- لا قدر الله ذلك- فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى، ورفقائه المثخنين بالجراح. وإن كنت معلّما؛ فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صفّة المسجد. وإن كنت تلميذا متعلّما؛ فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيا مسترشدا. وإن كنت واعظا ناصحا ومرشدا أمينا؛ فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النّبوي. وإن أردت أن تقيم الحقّ، وتصدع بالمعروف، وأنت لا ناصر لك، ولا معين؛ فانظر إليه وهو ضعيف بمكّة، لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحقّ، ويعلن به. وإن هزمت عدوّك وخضدت شوكته، وقهرت عناده، فظهر الحقّ على يدك، وزهق الباطل، واستتب لك الأمر؛ فانظر إلى النبيّ ﷺ يوم دخل مكة، وفتحها. وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك؛ فانظر إليه ﷺ وقد ملك ضياع بني النضير، وخيبر، وفدك؛ كيف دبّر أمورها، وأصلح شؤونها، وفوضها إلى من أحسن القيام عليها. وإن كنت يتيما؛ فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله وقد توفيا وابنهما صغير رضيع. وإن كنت صغير السنّ؛ فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية.
وإن كنت شابا؛ فاقرأ سير راعي مكّة. وإن كنت تاجرا مسافرا بالبضائع؛ فلاحظ شؤون سيد القافلة التي قصدت بصرى. وإن كنت قاضيا، أو حكما؛ فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوع الشمس ليضع الحجر الأسود في محله، وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرّة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده منهم الفقير المعدم، والغنيّ المثري. وإن كنت زوجا؛ فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النزيهة لزوج خديجة، وعائشة. وإن كنت أبا أولاد؛ فتعلم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء، وجدّ الحسن والحسين. وأيا من كنت، وفي أيّ شأن كان شأنك، فإنّك مهما أصبحت، أو أمسيت، وعلى أيّ حال بتّ، أو أضحيت؛ فلك في حياة محمّد ﷺ هداية حسنة وقدوة
[ ١١٨ ]
صالحة تضيء لك بنورها دياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أودك، وتقوّم بسنته عوجك. وإنّ السيرة الطيبة الجامعة لشتّى الأمور هي ملاك الأخلاق، وجماع التعاليم لشعوب الأرض، وللناس كافّة في أطوار الحياة كلّها، وأحوال الناس على اختلافها، وتنوّعها. فالسيرة المحمدية نور للمستنير، وهديها نبراس للمستهدي، وإرشادها ملجأ لكلّ مسترشد.
انتباه أحد البراهمة لهذه الناحية من الحياة المحمّديّة:
كان الواعظ الذائع الصيت الأستاذ حسن علي «١» - ﵀- يصدر في (بتنه) قبل خمسين عاما مجلة (نور الإسلام) وقد قال في جزء منها: إن صديقا له من البراهمة قال له: إني أرى رسول الإسلام أعظم رجال العالم، وأكملهم. فقال له الأستاذ حسن علي: وما هي منزلة المسيح عيسى ابن مريم عندك من رسول الإسلام؟ فأجابه: إنّ المسيح ابن مريم عندي في جانب محمّد ﷺ كمثل ولد صغير يتكلم بكلام عذب، ويتحدّث حديثا حلوا عند أعقل أهل زمانه، وأكثرهم حزما. ثم سأله حسن علي: وبماذا كان رسول الإسلام عندك أكمل رجال العالم؟ فأجاب: لأني أجد في رسول الإسلام خلالا مختلفة، وأخلاقا جمّة، وخصالا كثيرة لم أرها اجتمعت في تاريخ العالم لإنسان واحد في آن واحد: فقد كان ملكا دانت له أوطانه كلّها، يصرّف الأمر فيها كما يشاء، وهو مع ذلك متواضع في نفسه يرى أنه لا يملك من الأمر شيئا، وأن الأمر كلّه بيد ربه. وتراه في غنى عظيم تأتيه الإبل موقرة بالخزائن إلى عاصمته، ويبقى مع ذلك محتاجا، ولا توقد في بيته نار لطعام في الأيام الطوال، وكثيرا ما يطوي على الجوع. ونراه قائدا عظيما يقود الجند القليل العدد الضعيف العدد، فيقاتل بهم ألوفا من الجند المدجّج بالأسلحة الكاملة، ثم يهزمهم شرّ هزيمة. ونجده محبّا للسلام، مؤثرا للصلح، ويوقع شروط الهدنة على القرطاس بقلب مطمئن، وجأش هادىء، ومعه ألوف من أصحابه كلّ منهم شجاع باسل، وصاحب حماسة
_________________
(١) أحد كبار الكتاب والوعاظ في الهند في مطلع القرن العشرين، توفي سنة ١٩٢١ م.
[ ١١٩ ]
وحميّة تملأ جوانحه، ونشاهده بطلا شجاعا، يصمد وحده لآلاف من أعدائه غير مكترث بكثرتهم، وهو مع ذلك رقيق القلب، رحيم رؤوف، متعفف عن سفك قطرة دم. وتراه مشغول الفكر بجزيرة العرب كلّها، بينما هو لا يفوته أمر من أمور بيته، وأزواجه، وأولاده، ولا من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم، ويهتمّ بأمر الناس الذين نسوا خالقهم، وصدّوا عنه، فيحرص على إصلاحهم. وبالجملة: إنّه إنسان يهمه أمر العالم كله، وهو مع ذلك متبتل إلى الله، منقطع عن الدّنيا، فهو في الدّنيا وليس فيها، لأنّ قلبه لا يتعلّق إلا بالله، وبما يرضي الله. لم ينتقم من أحد قطّ لذات نفسه، وكان يدعو لعدوه بالخير، ويريد لهم الخير، لكنّه لا يعفو عن أعداء الله، ولا يتركهم، ولا يزال ينذر الذين قد صدّوا عن سبيل الله، ويوعدهم عذاب جهنم. تراه زاهدا في الدّنيا، عابدا، يقوم الليل لذكر الله ومناجاته. كما تتصور من شمائله: أنّه الجنديّ الباسل المقاتل بالسّيف.
وتراه رسولا حصيفا، ونبيا معصوما في الساعة التي تتصوره فيها فاتحا للبلاد، ظافرا بالأمم. وإنّه ليضطجع على حصير له من خوص، ويتكىء على وسادة حشوها من ليف حينما يخطر على بالنا أن ندعوه بسلطان العرب، وننادي به ملكا على بلاد العرب. ويكون أهل بيته في فاقة وشدّة عقب استقباله الأموال العظيمة آتية إليه من أنحاء الجزيرة العربية، فتكون في فناء مسجده أكواما، وتأتيه بنته وفلذة كبده فاطمة تشكو إليه ما تكابده من حمل القربة والطّحن بالرّحى حتى مجلت يداها، وأثّرت القربة في جسمها، والرسول يومئذ يقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم من عبيد الحرب وإمائها، فلا تنال بنته من ذلك إلا دعاءه لها بكلمات يعلّمها كيف تدعو بها ربّها. وجاءه ذات يوم صاحبه عمر، فأجال بصره في الحجرة فلم يجد إلا حصيرا من خوص قد اضطجع الرسول عليه، وأثر في جنبه، وكل ما في البيت صاع من شعير في وعاء، وعلى مقربة منه شنّ معلّق على وتد. هذا كل ما كان يملك رسول الله يوم دان له نصف العرب. فلما رأى عمر ذلك لم يتمالك نفسه من دموع تذرفها عيناه، فسأله رسول الله ﷺ: ما يبكيك يا عمر؟! فقال: ومالي لا أبكي، إنّ قيصر، وكسرى يتمتعان بالدّنيا،
[ ١٢٠ ]
وينعمان بنعيمها، وإنّ رسول الله ﷺ لا يملك إلا ما أرى! فقال له الرسول سلام الله عليه: أما ترضى يا عمر أن يكون ذلك نصيب كسرى وقيصر من نعيم الدّنيا، وتكون لنا الآخرة خالصة من دون الناس؟!
وعند ما أحدق النبيّ ﷺ بجيوشه ليفتح مكة قام أبو سفيان إلى جانب العباس عمّ النبيّ ﷺ ينظران إلى المجاهدين من المسلمين تتقدّمهم الأعلام الكثيرة، وكان أبو سفيان لا يزال على ما كان عليه من المخالفة للإسلام، فراعه ما رأى من كثرة جموع المسلمين ومن انضوى إليهم من القبائل المسلمة، وأنّهم يزحفون على بطحاء مكة كالسيل الجارف لا يصدّه صادّ ولا يمنعه شيء، فقال لصاحبه: يا عباس! إنّ ابن أخيك أصبح ملكا عظيما. فأجابه العباس وهو يرى غير الذي يراه أبو سفيان: ليس هذا من الملك في شيء يا أبا سفيان، هذه نبوّة ورسالة.
وعدي الطّائي «١»، كان سيد طيىء، وحضر مجلس الرسول ﷺ ذات يوم وهو لا يزال على المسيحية، فشاهد إعظام الصّحابة للرسول، وعليهم عدّة الجهاد من الأسلحة واللأمة للدّفاع، فاشتبه عليه أمر النبوة بأمر السّلطان، وتساءل في نفسه: أهذا ملك من الملوك، أم رسول من رسل الله؟ وفيما هو كذلك جاءت إلى النبي ﷺ امرأة فقيرة من إماء المدينة، وقالت له: أريد يا رسول الله! أن أسرّ إليك شيئا. فقال لها: انظري في أي سكك المدينة شئت أخل لك. ثم نهض معها، وقضى لها حاجتها. فلما رأى ابن حاتم الطائي هذا التواضع العظيم من الرسول العظيم، وهو بين أصحابه في مثل عظمة الملك، انجلى عنه ظلام الباطل، وتبيّن له الحقّ واضحا، وأيقن أنّ هذا الأمر من رسالات الله، فعمد إلى صليبه، فنزعه عنه، ودخل مع أصحاب رسول الله ﷺ في نور الإسلام.
_________________
(١) هو عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، أبوه الذائع الصيت الّذي تضرب به الأمثال في الجود والسخاء، وكان عدي نصرانيا فأسلم سنة تسع، وقد ثبت على الإسلام كما ثبّت قبيلته عليه زمن الردّة، وجاء بصدقة قومه إلى أبي بكر﵁-، شهد فتوح العراق، ثم نزل الكوفة، وتوفي بها سنة ٦٨ هـ، وله ستة وستون حديثا مرويا.
[ ١٢١ ]
وفي الجملة: إنّ كلّ ما ذكرته آنفا ليس من الإطراء في الثناء ولا من المبالغة في المدح، بل هو من حقائق الواقع التي سجّلها التاريخ بأصحّ ما استطاع أن يسجّل به حقائقه. ومما لا ريب فيه أنه لا يستحق إنسان أن يكون قدوة للعالم في جميع مناهج الحياة إلا إذا اجتمعت فيه الخلال الشريفة كلّها، والخصال الإنسانية الكاملة بأجمعها ممّا يحتاج إليه الناس في معايشهم، فتكون لهم في سيرته أمثلة كثيرة، وفي هديه أمور متنوعة، تستنير بها كلّ طائفة من طوائف الناس، وكلّ فرقة في كلّ أمّة من أممهم، فيتخذون في أنفسهم سننا، وآدابا، ومناهج من حياته الشريفة لحياتهم الاجتماعية والعائلية، وبذلك يكون الشخص العظيم المقتدى به هاديا للناس بأعماله، وأخلاقه، وخصاله عند ما يكون في حالات الغضب، أو الرحمة، أو الجود، أو الفاقة، أو الشجاعة، أو رقّة القلب، فيهتدون به في هذه الأحوال بدنياهم كما يهتدون به بصحة الاعتقاد وسلامة العبادة لآخرتهم. فهو يجمع إلى إسعاد الناس في آخرتهم إسعادهم في حياتهم الدّنيا وأحداثها اليومية، فييسر لهم خلافة الله على الأرض كما يدلّهم على مقام الكرامة في ملكوت السّماء. وهو مع ذلك يسنّ لهم السّنن، ويشرّع لهم الأحكام لينظموا حياتهم في الأرض والسماء. وإن العفو، والمسامحة، واللين، وخفض الجناح للآخرين من قوام الحياة الإنسانية، ولا يسعد الإنسان إلا بلين القول، والعفو عن الناس، وخفض الجناح لهم، ومن كان نصيبه وافرا من هذه الخصال كان المعلم العظيم، والمحسن الكبير، وإني أسائلكم فأجيبوني: هل هذه الخصال وحدها هي التي تكون في الإنسان، أم تكون في أضدادها أيضا؟ أليس في خصال الإنسان الغضب بجانب ما فيه من رحمة، والعداوة بجانب الصداقة والخلّة، والطّمع مع القناعة، والشّره مع العفّة. أليس ينزع إلى الثأر كما يميل إلى العفو، أليس هذا كله مما تقتضيه جبلّة الإنسان وغريزته؟ إنّ المعلم الكامل هو الذين يستطيع أن يعتدل بين هذه الأحوال والخصال المتضادّة، ويقيم الميزان في هذه النزعات والعواطف حتى يكسر سورتها، ويخفف من شدّتها، ويكون عادلا معتدلا، فتكون له من سجاياه الطيبة مطية كريمة تبلغ به الغاية
[ ١٢٢ ]
القصوى من الحقّ. أما الذين يزعمون أنّ ملاك أديانهم، وقوام نحلهم العفو واللين فحسب، وليس في سيرة رسلهم إلا المسامحة وخفض الجناح، فأنبئوني- بفضلكم- كم يوما عمل أتباعهم بهذه السيرة في مجتمعهم، وإلى متى استمرّوا على هذا الهدي في حياتهم الاجتماعية بين زمن قسطنطين أول الملوك المسيحيين إلى يومنا هذا، وأيّ ملك مسيحي عمل في دولته بسيرة نبيه؟
لقد قامت للأمّة المسيحية دول كثيرة في بقاع الأرض، فخبروني أيّ دولة مسيحية سنّت لرعيتها قوانين تلائم سيرة رسولها من العفو عن الجناة، واللين لمن أغلظ، وخفض الجناح لمن اشتدّ؟ وإذا لم تكن في سيرة رسول من رسل الله أسوة لأتباع ذلك الرّسول أنفسهم؛ فكيف يكون حالها؟!
ما أعطى الله الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد ﷺ وحده:
وإذا رجعت إلى حياة نوح ترى الغيظ، والحنق على الكفر وأهله، وعلى الشرك ومن يدين به. وترى في حياة إبراهيم جهادا في تحطيم الأصنام، وإبطال عبادة الأوثان. وفي حياة موسى قتالا للمشركين بالله، وقد سنّ للمؤمنين به سننا اجتماعية، وقوانين ملكية. وترى المسيح عيسى ابن مريم يعفو، ويصفح، ويلين للناس، ويخفض لهم جناحه، فتمتلىء نفسك إعجابا بعفوه وعفته. وأما سليمان ﵇ فيعجبك بجلالته، وسلطانه، وأبهة ملكه. وتمثل لك حياة أيوب معاني الصّبر على المكاره، وشكر الله على الرغائب. ويملؤك يونس إعجابا بإنابته إلى الله، وندمه على ما فرط منه. ويوسف ﵇ يهديك كيف يقوم الإنسان بدعوة الحقّ وهو أسير عان، وكيف يصون نفسه، ويستمسك بعفافه حين تراوده امرأة ذات جمال، وجلال، ومال، وعظمة. وفي حياة داود درس عظمة، وصحيفة عبرة؛ إذ يبكي من خشية الله، ويحمده، ويدعوه متضرعا إليه. وفي سيرة يعقوب أسوة للمرء فيما يرجوه من رحمة الله، والثقة به، والتوكل عليه عند ما تظلم الدنيا في عينيه. أما سيرة محمد ﷺ فإنّها تجمع ذلك كلّه، وتشتمل على جميع هذه الخصال، وتعمّ الأخلاق الكريمة
[ ١٢٣ ]
بحذافيرها وما تفرّق منها في سيرة نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسليمان، وداود، وأيوب، ويونس، ويوسف، ويعقوب عليهم الصلاة والسلام، فكأنّ السيرة المحمدية بحر لجيّ تنصبّ فيه جميع الأنهار، وتتصل به كل البحار من سير الأنبياء والرسل، وهداهم، وسننهم.
روى الخطيب البغدادي «١» في تاريخه بإسناد ليّن: أن نداء سمع عند مولد النبيّ ﷺ أن طوفوا بمحمد جميع البلاد، واغطسوه في قعر البحار ليعرف العالم كلّه، ثم اذهبوا به إلى جميع الإنس، والطير، والحيوان، وأعطوه من خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلّة إبراهيم، ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وبلاغة صالح، وحكمة لوط، وشدّة موسى، وصبر أيوب، وطاعة يونس، وجهاد يوشع، ولحن داود، وحب دانيال، ووقار إلياس، وعفّة يحيى وزهد عيسى، واغمسوه في بحر أخلاق الرّسل كلّهم.
والعلماء الذين رووا هذه الرواية في كتبهم أرادوا بها أن يعربوا عن حقيقة سيرة الرسول، وأنّها كاملة جامعة، وأنّ ما أعطي الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد ﷺ وحده، وأن ما تفرّق من مكارم الأخلاق في الرّسل قد اجتمع فيه ﷺ.
مقارنات بين النبي ﷺ وإخوانه الأنبياء:
تأمّلوا سيرة محمّد ﷺ؛ تجدوا فيها كلّ ما كانت به حياته المثالية كاملة.
أليس الرسول المكيّ الذي خرج من بلده مهاجرا إلى يثرب يشبه الرسول الإسرائيليّ الذي خرج من مصر يريد مدين؟ أليس الذي انزوى في غار حراء يعبد ربه كالذي قصد جبل سيناء ليناجي ربّه؟ إن هذا يشبه ذلك مع فارق بينهما، وهو أنّ عيني محمد كانتا مفتوحتين وعيني موسى كانتا مغمضتين،
_________________
(١) هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب، أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين، كان فصيح اللهجة، ولوعا بالمطالعة والتأليف، توفي سنة ٤٦٣ هـ، ومن أشهر كتبه «تاريخ بغداد» و«الكفاية في علم الرواية» .
[ ١٢٤ ]
وأنّ رسول الإسلام كان ينظر في داخله، ورسول بني إسرائيل كان ينظر إلى خارجه.
إنّ عيسى ﵇ في ذهابه إلى جبل الزيتون ليلقي عظته يشابه محمدا ﷺ وقد ارتقى جبل الصفا لينادي معاشر قريش. والذي قاتل مشركي بلاد العرب في بدر، وحنين، ويوم الأحزاب، وتبوك يشبه موسى الذي قاتل المؤابيين، والعموريين، والآموريين.
وإنّ الرسول محمدا ﷺ دعا على سبعة رجال من أعيان مكة فهلكوا، وموسى دعا على فرعون ومن التف حوله حين رأوا بأعينهم آية بينة من الله مرّة بعد أخرى، لكنّهم لجّوا في عتوّ ونفور؛ ولم يؤمنوا به، فهلكوا مغرقين في البحر الأحمر، فتشابهت سنة الرسول محمد وسنة الرّسول موسى عليهما الصّلاة والسلام.
إنّ محمدا نبيّ الله دعا بالخير لمن أراد قتله من المشركين يوم أحد، وإنّ عيسى ﵇ لم يدع على أحد وما زال يبغي الخير لأعدائه، أليس هدي محمد رسول الله ﷺ يشابه من هذه الناحية هدي عيسى رسول الله ﷺ؟
وإنّ محمدا رسول الله ﷺ حين تراه في فناء المسجد يقضي بين الناس بالحقّ ويحكم بالعدل، أو في ساحات الحرب يقاتل الكفار والمشركين، فكأنك ترى موسى رسول الله وهو يجاهد أعداءه، ويقاتل الذين يعبدون الأوثان.
وحين ترى محمدا رسول الله يعبد ربّه، ويتضرّع إليه في خلوة عن الناس، إمّا في حجرة منفردة، أو في مغارة الجبل، وقد أرخى الليل سدوله، فكأنك ترى عيسى وقد خلا بنفسه يوحّد الله، ويناجيه بالعبودية له.
ولو رأيت نبي الإسلام وهو يذكر الله دائما، ويحمده، ويسبّحه في البكور والآصال وفي كلّ حال- فإذا بدأ بالأكل بدأه باسم الله، وإذا فرغ منه حمد الله، وإذا جلس مع أحد كان التذكير بالله من عمله في ذلك المجلس، وإذا نام نام وهو يذكر ربه، ويستعرض آلاءه عليه- فكأنك برؤية نبيّ الإسلام قد رأيت النبيّ صاحب الزبور في ترتيله محامد الله ونعمه. وكأنك ترى سليمان في جنوده وعليه جلال الملك، وأبهة السلطان حينما ترى
[ ١٢٥ ]
محمدا بين أصحابه، وقد فتح مكة، ودخلها تحت رايات المجاهدين بأيديهم السيوف مصلتة لإقامة الحقّ، والعوالي السمر مشرعة لتقويض دعائم الباطل. أما إذا رأيته وهو محصور مع ذويه في شعب أبي طالب، وقد منع دخول الطعام والشّراب إليه من الخارج، فكأنك ترى يوسف الصديق وهو في سجن مصر يعاني شدائد الظالمين، ويكابدها.
إنّ موسى قد جاء بالأحكام، وداود امتاز بدعاء الله، والتغني بمناجاته، وعيسى بعث ليعلم الناس مكارم الأخلاق، والزهد في الدنيا، وأما محمد رسول الله ﷺ فقد جاء بكل ذلك بالأحكام، ودعاء الله، والتوجيه إلى مكارم الأخلاق، والحضّ على الزهد في الدنيا وزينتها، وكلّ هذا تجده في القرآن الحكيم لفظا ومعنى، وفي السيرة المحمدية قدوة وعملا.
سادتي! وأحبّ أن ألفت أنظاركم إلى ناحية أخرى من نواحي السيرة المحمدية تدلّ على جامعيتها:
إنّ في الدّنيا نوعين من المدارس: نوع يختص بفرع واحد من فروع المعرفة، كالطبّ، أو الهندسة، أو التجارة، أو الصناعة، أو الفنون الحربية، أو الزراعة، أو الحقوق، أو اللغة والآداب. ونوع يجمع هذه المعاهد العلمية كلها، فمن قصده استطاع أن ينتسب إلى أيّ فرع شاء من فروع المعارف الإنسانية. وهذا النوع الثاني هو الذي تهرع إليه طوائف الطلبة من جميع البلاد، فيجد فيه كلّ منهم ما تميل نفسه إلى التخصص فيه من العلوم، وبهذا سمّيت مجموعة هذه المعاهد باسم (الجامعة)، ومنها يتخرّج قضاة المحاكم، والأطباء، والمهندسون، وقادة الجند، والناهضون بعلوم الزراعة، أو الصناعة، أو التجارة، والمتخصصون بالآداب وعلومها، والثقافة العليا وفنونها.
ومن البيّن الواضح للمتأملين أنّ المجتمع الإنساني لا يتمّ كماله، ولا تسعد حياته بضرب واحد من العلوم، ولا بصنف خاصّ من أهل الحرف والصناعات، بل يحتاج إلى مجموع ذلك كلّه. وإذا استقصينا ما يعرفه التاريخ من سير الأنبياء، ولا حظنا ما خلفوه من ثمرات أشجارهم،
[ ١٢٦ ]
عملا بقول المسيح: «من ثمارهم تعرفونهم»، فإننا نجد لهؤلاء المعلمين الربّانيين، والأنبياء والمرسلين تلاميذ ومهتدين، فالواحد منهم يكون له عشرة تلاميذ، وآخر منهم يكون له عشرون تلميذا، ونرى لبعضهم ستين، أو سبعين، ومئة أو مئتين، وألفا أو ألفين، ونادرا ما يكون لأحد الأنبياء من التلاميذ والأصحاب ما يبلغ خمسة عشر ألفا. أما المدرسة الأخيرة من مدارس النبوّة، وهي مدرسة خاتم النبيين محمد ﷺ، فقد كان تلاميذها يعدون بمئات الألوف.
وإذا أردت أن تعلم من هم تلاميذ المدارس النبوية الآخرى؟ ومن أين جاؤوا إليها؟ وفي أيّ البلاد ولدوا؟ وما مبلغهم من العلم؟ ثم كيف كانت أخلاقهم؟ وكم أخذوا من أخلاق نبيهم وشمائله؟ وكم كان تأثير تعليم نبيهم فيهم؟ وما هي سيرتهم وهداهم؟ وكم صلحت أعمالهم بإصلاح رسولهم لهم؟ فإنك لن تجد لأسئلتك هذه أجوبة عليها إلا فيما يتعلق باخر مدارس النبوّة، فإنك تجد لها جوابا على كلّ سؤال من هذه الأسئلة كلّها بالتفصيل، وتستطيع أن تقيد في دفترك أسماء تلاميذ هذه المدرسة، وأماكن ميلادهم، ووصف ما تعلموه منها، ومبلغ تأثرهم بأخلاق نبيهم، ومعرفتهم بأحواله وشؤونه- كلّ ذلك تجده مسجلا، مدوّنا، مضبوطا بوضوح وجلاء.
وهلم بنا نعرّج على جهة أخرى: إنّ جميع أصحاب الملل والنّحل يدّعون أنّ أبوابهم مفتحة للجميع. فتعالوا نر من منهم كانت دعوته عامة لجميع الناس، وأبوابه مفتحة لمختلف الأمم والطوائف البشرية بلا استثناء. ومن منهم كانت حلقته في عهده مقصورة على رجال من أمة واحدة، وعلى طائفة خاصّة من تلك الأمّة. إنّ جميع أنبياء بني إسرائيل لم تتجاوز دعوتهم بلاد العراق، أو بلاد الشام، أو بلاد مصر، أي أنّهم لم يخرجوا من الأرض التي كانوا يسكنونها، ولم يوجهوا دعوتهم إلا لأمتهم من بني إسرائيل. ولذلك لا ترى في مدارس عيسى ﵇ رجلا غير إسرائيلي، لأنه إنما كان ينشد الغنم الضالة من بني إسرائيل «١» وإنما اقتصر
_________________
(١) متى ٧: ٢٤.
[ ١٢٧ ]
على بني إسرائيل لئلا يلقي رغيف الصبيان إلى كلاب «١» . وأصحاب الأديان في الهند لم يكن يخطر ببالهم أن يخرجوا من أرض الأمة الآرية المقدسة «٢» .
نعم لقد نشر ملوك البوذية دينهم في خارج الهند، وبلّغوا دعوة بوذا إلى الأمم الآخرى، لكن ذلك جاء بعد زمن الدّعوة من أتباعها المتأخرين عنها، كما فعل الذين نشروا المسيحية فيما بعد خارج دائرة إسرائيل. أما أصحاب الدعوة الأولون فقد خلت صحائف حياتهم من تعميم الدّعوة حتى تشمل جميع بني آدم.
مدرسة محمد ﷺ كانت جامعة للطوائف وعامة للأمم:
والآن تعالوا نشاهد مدرسة الرسول العربيّ الأميّ: أيّ طالب هذا؟ هذا أبو بكر، هذا عمر، ذاك عثمان، وذلك عليّ، وهذان طلحة «٣»، والزبير «٤» . ومن هؤلاء؟ هؤلاء تلاميذ من قريش البطاح بطاح مكة، وذانك من غير قريش، إنهما أبو ذر «٥» وأنيس «٦» من تهامة من قبيلة غفار، وهذان
_________________
(١) الإنجيل.
(٢) باك أريه ورت.
(٣) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التميمي القرشي المدني، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، شهد أحدا وثبت مع الرسول ﷺ، وبايعه على الموت، شهد الخندق وسائر المشاهد، قتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة﵂- ودفن بالبصرة، وله ٣٨ حديثا مرويا.
(٤) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، صحابي شجاع، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من سلّ سيفه في الإسلام، وهو ابن عمة النبي ﷺ، شهد بدرا، وأحدا، وغيرهما، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب، قتل يوم الجمل بوادي السّباع، والواقع قريبا من البصرة سنة ٣٦ هـ.
(٥) هو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار أحد كبار الصحابة، يضرب به المثل في الصدق، وهو أول من حيّا الرسول ﷺ بتحية الإسلام، هاجر بعد وفاة الرسول ﷺ إلى الشام، فسكن دمشق، توفي سنة ٣٢ هـ، روى البخاري ومسلم ٢٨١ حديثا له.
(٦) هو أنيس بن مرثد الغنوي، صحابي، وهو ممن شهد فتح مكة، وكان عين النبي ﷺ في غزوة حنين بأوطاس، توفي سنة ٢٠ هـ.
[ ١٢٨ ]
أبو هريرة وطفيل «١»، جاآ من اليمن من إحدى قبائلها، وتسمّى دوس، ومن هذان؟ هذا أبو موسى «٢»، وذاك معاذ بن جبل «٣»، قدما من اليمن من قبيلة أخرى، وهذا ضماد بن ثعلبة «٤» من قبيلة الأزد القحطانية، وهذا خبّاب بن الأرت «٥» أخو تميم. ومن أي قبيلة هؤلاء القوم؟ منقذ بن حبان «٦»، ومنذر بن عائذ «٧» من قبيلة عبد القيس استجابا لهذه الدّعوة، ووفدا إليها من البحرين على الخليج الفارسي. وفيهم عبيد «٨» وجيفر «٩» من
_________________
(١) هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص الدوسي الأزدي من أشراف الصحابة، استشهد في اليمامة سنة ١١ هـ.
(٢) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، أبو موسى من بني الأشعر، من كبار الصحابة، استعمله الرسول ﷺ على زبيد وعدن، توفي بالكوفة سنة ٤٤ هـ، وكان أحسن الصحابة صوتا في التلاوة، وله ٣٥٥ حديثا مرويا.
(٣) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، كان من أعلام الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستة الّذين جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ، بعثه رسول الله ﷺ قاضيا ومرشدا لأهل اليمن، توفي سنة ١٨ هـ، وله ١٥٧ حديثا مرويا.
(٤) هو ضماد بن ثعلبة الأزدي، كان صديقا للنبي ﷺ في الجاهلية، وكان رجلا يتطبب، ويرقي، ويطلب العلم، وكان من السابقين إلى الإسلام.
(٥) هو خباب بن الأرتّ بن جندلة بن سعد التميمي، صحابي، وهو أول من أظهر إسلامه، ولما أسلم عذّبه المشركون ليرجع عن دينه، شهد المشاهد كلها، توفي بالكوفة سنة ٣٧ هـ، وله ٣٢ حديثا مرويا في الصحيحين.
(٦) هو منقذ بن عمر بن حبان الأنصاري الخزرجي، صحابي، كان يخدع في البيع، وكان لا يدع التجارة، فقال له رسول الله ﷺ: «إذا ابتعت شيئا فقل: لا خلابة» عاش مئة وثلاثين سنة.
(٧) هو المنذر بن عائذ بن المنذر بن الحارث، وهو الّذي قال له النبي ﷺ: «إنّ فيك خلقين يحبهما الله ورسوله: «الحلم والأناة»، قيل: إنّ النبي ﷺ قال له: «يا أشجّ» فهو أول يوم سمي فيه الأشج.
(٨) انظر الترجمة التالية.
(٩) هو جيفر بن الجلندى الأزدي، كان رئيس أهل عمان هو وأخوه عبيد بن الجلندى، أسلما على يد عمرو بن العاص، ولم يريا النبيّ ﷺ، كان إسلامهما بعد غزوة خيبر.
[ ١٢٩ ]
سادة عمان. وفيهم فروة «١» من معان في بلاد الشام. ومن هؤلاء الغرباء؟
هذا بلال «٢» من بلاد الحبشة، وهذا الأبيض يدعى صهيبا «٣» الرّومي، وهذا اسمه سلمان «٤» الفارسي من إيران، وهذا أخو الدّيلم يدعى فيروز الدّيلمي «٥»، وهذا سيخب ومركبود «٦» من الأمة الفارسيّة. فها أنتم ترون نماذج لمن تتلمذ على نبيّ الإنسانية النبيّ الأمي العربي خاتم المرسلين، لقد كانت حلقة هدايته مفتوحة لكلّ الأمم من شتّى طوائف البشر.
إنّ صلح الحديبية الذي اتفق عليه المسلمون والمشركون في سنة ٦ للهجرة كان من شرائطه أن يكفّ كلّ من الفريقين عن القتال، وذلك ما يدعو إليه الإسلام؛ لأنه دين السلام والوئام، وللمسلمين أن يبلغوا دينهم أينما أرادوا.
وماذا فعل رسول الإسلام بعد هذه الهدنة العظيمة الخطر الكبيرة الأثر؟
إنّه ﷺ أرسل في نفس تلك السنة كتبا إلى ملوك البلاد المجاورة، دعاهم
_________________
(١) هو فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي كان واليا يقتصر على الشام، أسلم فدعاه قيصر إليه وترك الإسلام، فأنكر فروة ذلك، فحبسه قيصر، ثم أمر بقتله، وقد ضحى بالثروة والحكومة والعزة والجاه والنفس ولم يرض بترك الإسلام، قتل سنة ١٢ هـ.
(٢) هو بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله ﷺ، وأحد السابقين للإسلام، شهد المشاهد كلها مع الرسول ﷺ، توفي بدمشق سنة ٢٠ هـ، وله ٤٤ حديثا مرويا في الصّحيحين.
(٣) هو صهيب بن سنان بن مالك، أحد السابقين للإسلام، سبي صهيب بالروم وهو صغير، وعاش مدة في الروم، لذا اشتهر ب «الرومي»، شهد جميع المشاهد، توفي بالمدينة سنة ٣٨ هـ، وله ٣٠٧ أحاديث مروية.
(٤) هو سلمان الفارسي، كان يسمّي نفسه سلمان الإسلام، أصله من مجوس أصبهان. هو الّذي دلّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب، توفي بالمدائن سنة ٣٦ هـ، وله ٦٠ حديثا مرويا في كتب الحديث.
(٥) هو فيروز الدّيلمي، صحابي يماني، فارسي الأصل، وفد على النبي ﷺ وروى عنه أحاديث، وعاد إلى اليمن وأعان على قتل الأسود العنسي، توفي بصنعاء سنة ٥٣ هـ.
(٦) مركبود: من أبناء الفرس بصنعاء، أسلم في حياة رسول الله ﷺ وقد ذكره بعض النقلة من كبود، وأظنه صحفه بعض النقلة. (أسد الغابة، للجزري، الجزء الخامس، صفحة ١٥١) .
[ ١٣٠ ]
فيها إلى الإسلام، وبلّغهم رسالة الله التي بعث بها إلى الأمم. فبعث ﷺ دحية الكلبي «١» إلى هرقل قيصر الروم، وعبد الله بن حذافة السهمي «٢» إلى خسرو برويز ملك الفرس، وحاطب بن أبي بلتعة «٣» إلى المقوقس عزيز مصر، وعمرو بن أمية «٤» إلى النجاشي ملك الحبشة، وشجاع بن وهب الأسدي»
إلى الحارث الغساني سيد قومه في الشام، وسليط بن عمرو «٦» إلى رؤساء اليمامة. أرسلهم ﷺ إلى هؤلاء الملوك والأقيال بكتب يدعوهم فيها إلى الإسلام، ويبلغهم أنّه أرسل إلى جميع الناس بالهداية العامة الشّاملة.
استعراض نماذج من تلاميذ مدرسة محمد ﷺ:
سادتي! لقد تبين لكم أنّ مدرسة محمّد رسول الله كانت جامعة للناس من جميع الطوائف، وكانت عامّة للأمم على اختلاف ألسنتهم، وألوانهم،
_________________
(١) هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبى، صحابي جليل، بعثه الرسول ﷺ إلى «قيصر» يدعوه للإسلام، كان يضرب به المثل في حسن الصورة، شهد معظم المشاهد، نزل دمشق وتوفي بها سنة ٤٥ هـ.
(٢) هو عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي القرشي، صحابي من الّذين أسلموا قديما، بعثه الرسول ﷺ إلى «كسرى» يدعوه للإسلام، هاجر إلى الحبشة، شهد فتح مصر، وتوفي بها في عهد عثمان ﵁، سنة ٣٣ هـ.
(٣) هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، أحد الصحابة- رضوان الله عليهم- شهد الوقائع كلها مع الرسول ﷺ، بعثه الرسول ﷺ إلى مقوقس صاحب الإسكندرية، توفي بالمدينة سنة ٣٠ هـ.
(٤) هو عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله الضمري، صحابي، شهد مع المشركين بدرا وأحدا، ثم أسلم، شهد وقائع كثيرة، توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ٥٥ هـ، وله ٢٠ حديثا مرويا.
(٥) هو شجاع بن وهب بن ربيعة الأسدي، صحابيّ قديم الإسلام، حضر المشاهد كلها. بعثه الرسول ﷺ رسولا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني (في الشام) يدعوه للإسلام، قتل يوم اليمامة سنة ١٢ هـ.
(٦) هو سليط بن عمرو العامري، هو فيمن هاجر إلى الحبشة مرتين، أرسله الرسول ﷺ إلى رؤساء اليمامة سنة ٧ هـ، قتل باليمامة سنة ١٢ هـ.
[ ١٣١ ]
وطبقاتهم في الثقافة والمجتمع، وأنه لم يكن هناك أيّ قيد يمنع أيّ إنسان من الالتحاق بها، فكأنها مأدبة كريم يدعو الجفلى. فتعالوا نلق نظرة أخرى على هذه المدرسة؛ لنصدر حكمنا الصحيح على حقيقتها، ومكانتها، ومنزلتها من معاهد الهداية والحكمة. ولنر إن كانت خاصّة بعلم دون غيره من العلوم، أم هي جامعة كبرى يجد فيها طلاب المعارف أجمعون كلّ ما ينشدون، ويتعطشون إلى معرفته من حقائق الوجود، ليختاروا منها ما يوافق أذواقهم، ويلائم طباعهم، ويروي ظمأهم. انظر إلى مدرسة موسى ﵇؛ تجدوا فيها عددا من قادة الجيش، أو قضاة المحاكم، أو طائفة قليلة من ذوي المناصب الدّينية، وابحثوا عن تلاميذ عيسى سلام الله عليه؛ تجدوا فيهم طائفة من الزهّاد والنساك، يتنقلون بين سكك فلسطين، ويتجوّلون في شوارع مدنها. أما الذين دخلوا في الإسلام، واتّبعوا محمدا ﷺ؛ فتجدون فيهم أصحمة النجاشي «١» ملك الحبشة، وفروة عظيم معان، وذا الكلاع «٢» رئيس حمير، وفيروزا الديلمي، ومركبود من سادة اليمن ورؤسائها، وعبيدا وجيفرا من ولاة عمان. انظروا مرّة أخرى تجدوا يما يقابل هؤلاء الملوك والولاة والرؤساء بلالا، وياسرا «٣»، وصهيبا، وخبّابا، وعمارا «٤»، وأبا فكيهة «٥» من العبيد
_________________
(١) هو أصحمة بن أبجر الملقب بالنجاشي ملك الحبشة، هو ممن لم ير النبي ﷺ.
(٢) هو ذو الكلاع الحميري، كان حاكما على بعض مناطق اليمن والطائف، وكان ملكا على قبيلة حمير القوية، وكان يدّعي أنه إله ويأمر الناس بالسجود له، ولما أسلم أعتق في يوم واحد ثمانية عشر ألفا من العبيد، وفي عهد عمر الفاروق تخلّى من نفسه عن الحكم، وقدم إلى المدينة المنورة حيث عاش فيها حياة كلها زهد، وتقوى.
(٣) هو ياسر بن عامر المذحجي: صحابي، من السابقين إلى الإسلام. آمن هو وزوجته وابنه عمار، وعذّبهم مشركو قريش، وقتل أبو جهل سمية (زوجة ياسر) . ومات ياسر في العذاب سنة (٧) ق هـ. الإصابة (ت ٩٢٠٩) .
(٤) هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني، هو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به. كان الرسول ﷺ يلقبه «الطيب المطيّب» شهد معظم الوقائع، شهد وقعة الجمل وصفين مع علي ﵁، وقتل في الثانية سنة ٣٧ هـ. وله ٦٢ حديثا مرويا.
(٥) هو أبو فكيهة مولى بني عبد الدار، أسلم قديما بمكة، وكان يعذّب ليرجع عن دينه فيمتنع، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، توفي قبل بدر.
[ ١٣٢ ]
والرقيق والضعفاء، وسميّة، ولسنة، وزنيرة، ونهدية، وأم عبيس من الإماء والضعيفات. وترون كذلك في أصحاب محمد ﷺ ذوي العقول الرّاجحة، والفكر الثاقب، والرأي الحصيف، وأهل الحنكة والتجربة ممّن عرفوا دخائل الأمور، وجربوا شؤون العالم، ووقفوا على أسرار الدنيا، وأداروا شؤون الملك، وساسوا البلاد، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، فهؤلاء حكموا الأمم، فأحسنوا، وأقاموا شرع الله في أرض الله بين مشرقها ومغربها، فاتسعت دائرة حكومتهم إلى شمال إفريقية وثغور الهند، ونسخوا بعدلهم ورحمتهم سلطان عظاماء الملوك، وقوانين الروم والفرس، ونزلوا من قلوب الناس أكرم منزلة بعدلهم، وإنصافهم، ومن صفحات التاريخ الصّادق المرتبة التي لم يبلغها فيه أحد غيرهم، لا قبلهم، ولا بعدهم.
وإلى جانب الخلفاء الراشدين، والملوك العادلين، والسلاطين المنصفين من أتباع الرسول محمد ﷺ ترى طائفة غير قليلة من رؤساء الجند، وقادة الجيوش من أصحاب الرسول كخالد بن الوليد «١»، وسعد بن أبي وقاص «٢»، وأبي عبيدة بن الجراح «٣»، وعمرو بن العاص «٤» ممّن
_________________
(١) هو خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، سيف الله الفاتح الكبير، كان من بين من آمنوا من المشركين، وكان على رأس جيش الكفار في غزوة أحد، فألحق بالمسلمين خسائر فادحة، وخالد بن الوليد هو الّذي بعد إسلامه قاد جيش المسلمين، فهزم مسيلمة الكذاب وفتح بلاد العراق كلها تقريبا ونصف بلاد الشام، توفي بحمص سنة ٢١ هـ، وله ١٨ حديثا مرويا.
(٢) هو سعد بن أبي وقاص، الصحابي الجليل، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم وهو ابن ١٧ سنة، شهد بدرا، وافتتح القادسية، توفي بالعقيق والواقع على عشرة أميال من المدينة؛ سنة ٥٥ هـ، وله ٢٧١ حديثا مرويا في كتب الحديث.
(٣) هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، صحابيّ كبير، فاتح الديار الشامية، وأحد المبشرين بالجنة، وفي الحديث «لكل نبي أمين وأميني أبو عبيدة بن الجراح» شهد المشاهد كلها، توفي بطاعون عمواس سنة ١٨ هـ، وله ١٤ حديثا مرويا.
(٤) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، فاتح مصر، وأحد عظاماء العرب، -
[ ١٣٣ ]
دوّخوا الشرق والغرب، وقوّضوا دولتين عظيمتين كانتا سبّة على الإنسانية ووصمة في جبينها بحكمهما الجائر، واضطهادهما لرعاياهما، فكان هؤلاء القواد من أتباع الرسول ﷺ من أكبر الفاتحين في العالم، ومن أصلب المحاربين عودا، وأشجعهم قلوبا، وأعلمهم بأمر القتال، وتعبئة الجيوش، وإدارة رحى الحروب، وإن أسماءهم لا تزال رمزا للمهابة والجلال في التاريخ العسكري. فسعد بن أبي وقاص هو الذي فتح العراق، واقتحم مملكة فارس، وانتزع فيها التاج عن مفرق كسرى الظالم، وألقى به تحت قدمي الإسلام. وخالد وأبو عبيدة هما اللذان أخرجا دولة الروم وجيوشها من ديار الشام، وطهّرا منهم أرض إبراهيم، وجعلاها في أيدي الوارثين لها من المسلمين، وعمرو بن العاص الذي انتزع مصر وأرض النيل من أيدي الروم الظالمين، وقذف بهم إلى البحر، وسار على أثره عبد الله بن الزبير «١»، وعبد الله بن أبي سرح «٢» متوغلين في شمال إفريقية فتحا، وهداية، وإصلاحا. هؤلاء هم فاتحو الممالك، وقادة الجيوش الذين اعترف بهم بالكفاءة أعداؤهم، وشهد التاريخ بعظمتهم، وعلو كعبهم، وجلال مجدهم.
_________________
(١) - ودهاتهم، وأولي الرأي والحزم والمكيدة فيهم، كان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام، وهو الّذي أرسلته قريش رئيسا لوفد المشركين إلى الحبشة، وذلك لعدائه الشديد للمسلمين، وكفاءته العالية في المعاملات الخارجية. وبعد إسلامه فتح مصر، كان إسلام مثل هذا السياسي القدير والفاتح العظيم من معجزات الإسلام، توفي بالقاهرة سنة ٤٣ هـ، وله ٣٩ حديثا مرويا في كتب الحديث.
(٢) هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، شهد فتح إفريقية زمن عثمان ﵁، وبويع له بالخلافة عقيب موت يزيد بن معاوية، كانت له مع الأمويين وقائع هائلة، قتل سنة ٧٣ هـ، كان من خطباء قريش المعدودين، وله ٣٣ حديثا مرويا في كتب الحديث.
(٣) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، فاتح إفريقية، كان من أبطال الصحابة، وكان من كتّاب الوحي للرسول ﷺ، افتتح ما بين طرابلس الغرب وطنجة، ودانت له إفريقية كلّها، وغزا الروم بحرا، وظفر بهم في معركة «ذات الصواري»، وعاد إلى المشرق، توفي بعسقلان فجأة سنة ٣٧ هـ، وهو يصلّي.
[ ١٣٤ ]
وبجانب هؤلاء القادة الفاتحين الباسلين ترى طائفة أخرى من ولاة المدن، وحكام الأقطار من أصحاب رسول الله ﷺ، مثل: باذان بن ساسان «١» في اليمن، وخالد بن سعيد «٢» في صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية «٣» في كندة، وزياد بن لبيد «٤» في حضرموت، وعمرو بن حزم «٥» في نجران، ويزيد بن أبي سفيان «٦» في تيماء، والعلاء بن الحضرمي «٧» في
_________________
(١) هو باذان الفارسي من الأبناء، وهم من أولاد الفرس الّذين سيرهم كسرى أنوشروان إلى اليمن لقتال الحبشة، فأقاموا باليمن، وكان باذان بصنعاء فأسلم في حياة الرسول ﷺ، وله أثر كبير في قتل الأسود العنسي.
(٢) هو خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، صحابي قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، وعاد منها سنة ٧ هـ، فغزا مع الرسول ﷺ، وحضر فتح مكة، ثم وقعة تبوك، بعثه الرسول ﷺ عاملا على اليمن، فأقام إلى أن استخلف أبو بكر ﵁، فعزله عن اليمن، ودعاه إليه، فجاءه، قتل في وقعة مرج الصفر (قرب دمشق) سنة ١٤ هـ.
(٣) هو المهاجر بن أبي أمية سهيل بن المغيرة المخزومي القرشي، صحابي، شهد بدرا مع المشركين، ولما أسلم كان اسمه «الوليد» فسماه الرسول ﷺ: «المهاجر»، تخلّف المهاجر عن وقعة «تبوك» سنة ٩ هـ فعتب عليه الرسول ﷺ، ثم رضي عنه بشفاعة أخته، واستعمله أميرا على صدقات كندة والصدف. بعثه أبو بكر ﵁ إلى اليمن لقتال من بقي من المرتدّين بعد قتل «الأسود العنسي» فتولّى إمارة «صنعاء» سنة ١١ هـ، توفي سنة ١٢ هـ.
(٤) هو زياد بن لبيد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، خرج إلى رسول الله ﷺ، وأقام معه بمكة حتى هاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، شهد جميع المشاهد، واستعمله رسول الله ﷺ على «حضرموت»، توفي في أول عهد معاوية﵁-.
(٥) هو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، صحابي، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، استعمله الرسول ﷺ على نجران، وكتب له عهدا مطوّلا، فيه توجيه وتشريع، توفي سنة ٥٣ هـ.
(٦) هو يزيد بن صخر (أبي سفيان) بن حرب الأموي، صحابي، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله الرسول ﷺ على صدقات بني فراس في تيماء، له وقائع كثيرة، وأثر محمود في فتوح البلاد الشامية، توفي بالطاعون في دمشق سنة ١٨ هـ.
(٧) هو العلاء بن عبد الله الحضرمي، صحابي، من رجال الفتوح في فجر الإسلام، ولاه الرسول ﷺ البحرين سنة ٨ هـ، وجعل له جباية «الصدقة» وأعطاه كتابا فيه-
[ ١٣٥ ]
البحرين وغيرهم من أتباع الرسول حكموا الأمصار، وتولوا الولايات، فسعد بهم الناس، وذاقوا حلاوة عدلهم، وانتشر بهم السلام، وساد بفضلهم الوئام بين الناس.
وبجانب هؤلاء الولاة العادلين الأبرار، والحكام المنصفين الأخيار ترى في أصحاب رسول الله ﷺ ثلة من العلماء الربّانيين، والفقهاء المتألهين، كعمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس «١»، وعبد الله بن مسعود «٢»، وعبد الله بن عمرو بن العاص «٣»، وأمهات المؤمنين: عائشة، وأم سلمة «٤»، وأبي بن كعب «٥» ومعاذ بن جبل،
_________________
(١) - فرائض الصدقة، وأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم ويردّها على فقرائهم، توفي سنة ٢١ هـ.
(٢) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، صحابي جليل، نشأ في بدء عصر النبوة، فلازم الرسول ﷺ، وروى عنه الأحاديث، سكن الطائف وتوفي بها سنة ٦٨ هـ، وله ١٦٦٠ حديثا مرويا في كتب الحديث.
(٣) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، من كبار الصحابة، فضلا، وعقلا، وقربا من الرسول ﷺ، هو أول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم الرسول ﷺ، ولّي بعد وفاة الرسول ﷺ بيت مال الكوفة، ثم قدم المدينة في عهد عثمان ﵁، توفي فيها سنة ٣٢ هـ، وله ٨٤٨ حديثا مرويا في كتب الحديث.
(٤) هو عبد الله بن عمرو بن العاص، صحابي من أهل مكة، كان يكتب في الجاهلية، أسلم قبل أبيه، استأذن الرسول ﷺ في أن يكتب ما يسمع منه، فأذن له. شهد معظم المشاهد، كان كثير العبادة حتى قال له الرسول ﷺ: «إن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا» . عمي في آخر حياته، توفي عام ٦٥ هـ، وله ٧٠٠ حديث مرويّ.
(٥) هي هند بنت سهيل المعروفة بأم سلمة، من زوجات الرسول ﷺ كانت من أكمل النساء عقلا وخلقا، هاجرت مع زوجها الأول «أبي سلمة بن عبد الأسد» إلى الحبشة، وولدت له ابنه «سلمة»، تزوجها الرسول ﷺ بعد وفاة زوجها، توفيت سنة ٦٢ هـ (وفي سنة وفاتها اختلاف) ولها ٣٧٨ حديثا مرويا.
(٦) هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، صحابي من الأنصار، كان قبل إسلامه حبرا من أحبار اليهود، ولما أسلم كان من كتاب الوحي، شهد جميع المشاهد مع-
[ ١٣٦ ]
وزيد بن ثابت «١»، وابن الزبير ﵃، الذين وضعوا فقه الإسلام، وسنّوا للناس قوانين أنزلتهم من واضعي القوانين للعالم منزلة سامية.
وهناك جماعة خامسة ممن اعتنوا بالرواية، وحفظ الوقائع والحوادث كأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري «٢»، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت «٣»، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب «٤»، وغيرهم من أصحاب الرسول الذين رووا سنن الإسلام، وأحكامه، وحافظوا أوامره ونواهيه، وأحصوا الوقائع والأخبار.
وبجانب أولئك جماعة سادسة يبلغ عددها سبعين صحابيا من أصحاب الصّفّة الذين لم يكن لهم بيت يأوون إليه إلا فناء المسجد، ولم يكن لهم من متاع الدّنيا إلا ما على أجسادهم من أسمال بالية، فكانوا يخرجون إلى الصحراء يحتطبون منها، ويبيعون ما يجمعونه في السوق، ويقتاتون
_________________
(١) - الرسول ﷺ، أمره عثمان ﵁ بجمع القرآن، فاشترك في جمعه، توفي بالمدينة سنة ٢١ هـ، وله ١٦٤ حديثا مرويا.
(٢) هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، من أكابر الصحابة، ومن كتاب الوحي، وكان أحد الذين جمعوا القرآن في عهد الرسول ﷺ من الأنصار، وعرضه عليه، وهو الّذي كتبه في المصحف لأبي بكر ﵁، ثم لعثمان ﵁ حين جهّز المصاحف إلى الأمصار، توفي سنة ٤٥ هـ، وله ٩٢ حديثا مرويا.
(٣) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، أبو موسى، من قبيلة الأشعر، صحابي كبير، استعمله الرسول ﷺ على زبيد وعدن، توفي بالكوفة سنة ٤٤ هـ، وله ٣٥٥ حديثا مرويا.
(٤) هو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي، شهد العقبة وسائر المشاهد، ثم حضر فتح مصر، توفي ببيت المقدس سنة ٣٤ هـ، ومنه ١٨١ حديثا مرويا، منها ٦ ستة متفق عليها عند البخاري ومسلم.
(٥) هو البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي، صحابي من أصحاب الفتوح، أسلم صغيرا وغزا مع الرسول ﷺ خمس عشرة غزوة، توفي سنة ٧١ هـ، وله ٣٠٥ أحاديث مروية في الصحيحين.
[ ١٣٧ ]
بثمنه، وإذا بقي في يدهم شيء أنفقوه في سبيل الله، وفرغوا للدّين، وانقطعوا لتعلم أحكامه وعبادة ربهم.
ثم ارجعوا البصر إلى هؤلاء الأصحاب تروا فيهم زاهدا ناسكا متوكلا على الله كأبي ذر الغفاري الذي لم تظلّ السماء، ولم تقلّ الأرض مثله في صدق اللهجة، وكلمة الحق، وكان لا يدّخر الطعام لغده، ويعدّ ادخاره منافيا للتوكل على الله، ولذلك لقبه الرسول ﷺ بمسيح الإسلام. وفيهم سلمان الفارسيّ، الزاهد، الورع، والتقيّ الصّالح. وفيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي قضى ثلاثين حولا كاملا في عبادة الله، وعرضت عليه الخلافة، فأباها قائلا: لا أتولى خلافة تسفك فيها قطرة من دم المسلمين. وفيهم مصعب بن عمير «١» الذي كان يلبس قبل إسلامه الديباج الثّمين، والحرير الفاخر، ونشأ في حجر النعيم والشرف، وتقلب في بحبوحة العيش ورغده، ثم لبس في الإسلام المسوح، والخشن من الثياب المرقعة، ولما استشهد في سبيل الله لم يكن له ثوب ضاف يستر جسده كلّه، فاضطروا عند دفنه إلى أن يغطوا قدمية بالحشيش. وفيهم عثمان بن مظعون «٢» الذي دعي فيما بعد بأنّه أول ناسك في الإسلام. وفيهم محمد بن مسلمة «٣» الذي قال أيام الفتن: لو دخل علي مسلم بيده سيف مسلول يريد قتلي لم أكن لأقتله دفعا عن نفسي. وأما أبو الدرداء، وما أدراك من أبو الدرداء! فهو القاضي العالم الذي كان يقضي نهاره صائما وليله قائما.
إنّ من أصحاب رسول الله ﷺ من قصصت عليك، ومنهم من لم
_________________
(١) هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف القرشي: صحابي من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرا، وحمل اللواء يوم أحد، فاستشهد، وكان في الجاهلية فتى مكة شبابا، وجمالا، ونعمة، ولما ظهر الإسلام زهد بالنعيم، استشهد في أحد سنة ٣ هـ.
(٢) هو عثمان بن مظعون، صحابي من الشجعان، وذوي الرأي والتقدّم، وممّن هاجر إلى الحبشة، شهد بدرا، توفي سنة ٣٠ هـ.
(٣) هو محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري، صحابي من الأمراء، شهد سائر المشاهد إلا تبوك، استخلفة الرسول ﷺ على المدينة في بعض غزواته، توفي بالمدينة سنة ٤٣ هـ.
[ ١٣٨ ]
أقصص عليك. ومن ذا الذي يستطيع أن يوفي البيان حقه؟! فتعال أرك منهم جماعة من مديري أمور الأمة وساستها المحنكين، كطلحة «١»، والزبير «٢»، والمغيرة «٣»، والمقداد «٤»، وسعد بن معاذ «٥»، وسعد بن عبادة «٦»، وأسيد بن حضير «٧»، وأسعد بن زرارة «٨»، وعبد الرحمن بن عوف «٩»، وفيهم من التجار أصحاب المال الدثر، والثراء الوافر من أهل مكة، أو من أصحاب الحقول والحدائق الغلب من أهل المدينة.
_________________
(١) مرت ترجمته.
(٢) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي (مرت ترجمته) .
(٣) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم، يقال له: «مغيرة الرأي» شهد الحديبية، واليمامة، وفتوح الشام، ولاه معاوية الكوفة فلم يزل فيها إلى أن توفي بها سنة ٥٠ هـ، وله ١٣٦ حديثا مرويا.
(٤) هو المقداد بن عمرو، ويعرف بابن الأسود، صحابي من الأبطال، وهو أحد السبعة الّذين كانوا أول من أظهر الإسلام، وهو أول من قاتل على فرس في سبيل الله، شهد بدرا وغيرهما من المشاهد. توفي قريبا من المدينة سنة ٣٣ هـ، وله ٤٨ حديثا مرويا.
(٥) هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس الأوسي الأنصاري صحابي من الأبطال، كانت له سيادة الأوس، شهد أحدا، فكان ممّن ثبت فيها، ورمي بسهم يوم الخندق، فمات من أثر جرحه وعمره سبع وثلاثون سنة، وحزن عليه الرسول ﷺ، وفي الحديث: «اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» دفن بالبقيع.
(٦) هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الخزرجي، صحابي، كان واحدا من الأمراء الأشراف في الجاهلية والإسلام، شهد العقبة وأحدا، والخندق، لمّا توفي الرسول ﷺ رغب في الخلافة، ولم يبايع أبا بكر﵁- خرج إلى الشام مهاجرا، وتوفي بحوران سنة ١٤ هـ.
(٧) هو أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك الأوسي، صحابي، يعدّ من عقلاء العرب وذوي الرأي فيهم، شهد جميع المشاهد، وفي الحديث: «نعم الرجل أسيد بن الحضير»، توفي بالمدينة سنة ٢٠ هـ، وله ١٨ حديثا مرويا.
(٨) هو أسعد بن زرارة بن عدس النجاري الخزرجي، صحابي من الشجعان والأشراف، توفي بالمدينة سنة ١ هـ.
(٩) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث، من أكابر الصحابة، ومن المبشرين بالجنّة، ومن السابقين إلى الإسلام، كان من الأجواد الشجعان العقلاء، شهد جميع المشاهد، توفي بالمدينة سنة ٣٢ هـ، وله ٦٥ حديثا مرويا.
[ ١٣٩ ]
ولا نتقدم في البيان قبل أن نحيي ذكرى الذين قتلوا منهم في سبيل الله لا لجرم ارتكبوه سوى أن قالوا: «ربنا الله» ثم استقاموا، وما نقموا منهم إلا أن آمنوا بالعزيز الحميد. وفيهم من لم يقتل قتلة يستريح بها، بل قطعت لحومه، وكسرت عظامه، وأوذي في سبيل الله، وهذا ما وقع لهالة «١» ابن أم المؤمنين خديجة من زوجها الأول الذي مزق جسمه تمزيقا، وقطعت أوصاله تقطيعا. وسمية أم عمار التي قتلها أبو جهل بالرّمح. وأما ياسر فقد أوذي بأيدي الكفار إيذاء شديدا إلى أن لحق بربه. وخباب الذي صلبه المشركون.
وزيد «٢» الذي طأطأ رأسه أمام السيف لينال منه كيف يشاء، ويعمل فيه عمله.
وكذلك حرام بن ملحان «٣»، وأصحابه التسعة والستون الذين قتلوا في ديار الغربة عند بئر معونة بأيدي أعراب من بني عصية، ورعل، وذكوان. وإن مئة رام من بني لحيان جرحوا عاصما «٤» وأصحابه السبعة في يوم الرجيع حتى أثخنتهم الجروح. وقتل أصحاب ابن أبي العوجاء «٥»، وكان عددهم تسعة وأربعين بأيدي بني سليم في السنة السابعة للهجرة. واستشهد كعب بن عمير الغفاري «٦» وأصحابه بذات أطلاح. فانظروا كم صلب لذات الله من أبناء هذا الدين الأولين، وكم قتل لوجهه الكريم، وكم سفك من دمائهم
_________________
(١) هو هالة بن أبي هالة التميمي الأسدي، أمه خديجة بنت خويلد بن أسد، وفي الحديث أنه دخل على النبي ﷺ وهو راقد، فاستيقظ النبي ﷺ فضمّ هالة إلى صدره، فقال: «هالة! هالة! هالة» [الطبراني في المعجم الصغير (١/ ١٩٥)] .
(٢) هو زيد بن الدثنة بن معاوية بن عبيد البياضي الخزرجي، من فقهاء الصحابة، شهد بدرا، وأحدا، قتله مشركو قريش وصلبوه بالتنعيم (الواقع على مسافة من مكة) سنة ٥ هـ.
(٣) هو حرام بن ملحان الأنصاري النجاري، خال أنس بن مالك﵁-، شهد بدرا، وأحدا، وقتل يوم بئر معونة.
(٤) هو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري الأوسي، صحابي من السابقين الأولين من الأنصار، شهد بدرا، وأحدا مع الرسول ﷺ، واستشهد يوم الرجيع سنة ٤ هـ.
(٥) انظر الحديث عنه في كتب السيرة النبوية، أحداث سنة (٧ هـ) .
(٦) هو كعب بن عمير الغفاري، من كبار الصحابة، بعثه الرسول ﷺ أميرا على سرية، نحو «ذات أطلاح» في البلقاء، فقتل فيها سنة ٨ هـ.
[ ١٤٠ ]
في سبيله! فإذا كان من الفخر عند غيرنا أن يصلب واحد في سبيل الله ونجاة خلقه، فنحن قد صلب وقتل مئات من سلفنا الأولين لذات الله تعالى وحده، ولنجاة الإنسانية كلّها من الوثنية، والضلال، والشرك.
إنّ النفس إذا ماتت استراحت، سواء في ذلك أقتلت بحدّ السيف أم بسنان الرّمح، أو صلبت، فهي تذوق سكرة الموت لمحة، وتتألّم ببطش المنية، وزهوق النفس، ثم تستريح، وأكبر من ذلك وأشدّ منه عذابا حياة المكابدين للبغي والظلم أعواما، والصابرين على الأذى في سبيل الله صبرا جميلا، فمنهم من ذاق أنواع العذاب لثباته على قول الحق، ومنهم من وضعت الحجارة المحماة على صدورهم، وصرعوا في الرمضاء وحرّ الهاجرة، وكانوا يتقلبون على ذلك، ويتململون، ويسحبون على وجوههم؛ لينصرفوا عن قول الحق، ويصبؤوا عن عقيدة الإسلام فلا يبالون بذلك، ويصرون على توحيد الله والشهادة بالرسالة المحمدية.
ثم ألم يأتك نبأ الذين حصروا في شعب أبي طالب جياعا كيف كانوا يبيتون الليالي، ويقضون الأيام وهم يقتاتون بأوراق الطّلح بعد أن فني زادهم، وصفر وطابهم، وأعوزهم القوت. إنّ سعد بن أبي وقاص مسّه ألم الجوع في ليلة شديدة من تلك الليالي، فخرج من شعب أبي طالب يطلب شيئا يتبلّغ به ليذهب بعض ما به من ألم السّغب، فلم يجد إلا قطعة جافة من إهاب، فغسلها، وشواها، وأكلها بالماء.
وعتبة بن غزوان «١» أيضا كان من الذين امتحنوا في شعب أبي طالب بأيدي المشركين، وهو يقول: إني وأصحابي السبعة قد دميت أفواهنا من أكل هذه الأوراق والأشياء التي نقتات بها.
وخبّاب لما أسلم وعلم بإسلامه المشركون ألقوه على الجمر الملتهب، وأمسكوه عليه حتى انطفأ الجمر بالصّديد والقيح الذي سال من ظهر خباب.
_________________
(١) هو عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب الحارثي المازني، صحابي قديم الإسلام، باني مدينة البصرة، هاجر إلى الحبشة، شهد بدرا، وشهد القادسية. بعثه عمر ﵁- إلى البصرة واليا عليها، توفي سنة ١٧ هـ، وله ٤ أحاديث مروية.
[ ١٤١ ]
وبلال كان يذهب به سيده إلى أرض ذات حجارة تلهبها أشعة الشمس في وسط الهاجرة، فيلقيه عليها، ثم يضع على صدره جندلا ثقيلا حارا، وربما شدّ عنقه بالحبل، فيجره جرّا أليما في سكك مكّة.
وكذلك فعل بأبي فكيهة: ربطت رجله بالحبل، وسحب على الأرض، وخنق، وقد وضع مرّة على صدره حجر ثقيل حتى ضاقت أنفاسه، واندلع لسانه.
وكذلك عمّار أوذي إيذاء شديدا، فكان يجندل على الرّمضاء، ويضرب ضربا مبرّحا. بل إن الزبير كان عمه يلفه بالحصير، ويدخّن عليه من أسفل. وسعيد بن زيد كان أهله يضربونه فيصبر. وعثمان كان عمه يضربه. فقابل هؤلاء كلهم البلايا والمحن، وذاقوا العذاب الشديد برباطة جأش، وثبات قلب، وقوة إيمان، فأشربت دماؤهم من هذا الرّحيق الإلهي الذي تناولوه من كأس الإسلام، فلا يتحولون عنه مدى الحياة.
إخواني! تأملوا! أليس هؤلاء هم العرب الذين كانوا في معزل عن العمران يعبدون الأوثان، ويعكفون على الأصنام، وكانوا في جاهلية ضاربين فيها بجرانهم، فما بالهم انقلبت أحوالهم، وتغيّرت شؤونهم؟ إنّ أرضهم لا تزال هي الأرض، وسماؤهم كما كانت، وبلادهم لم تتغير.
فكيف انجلى عنهم ظلام الجهل؟ وكيف نفخ فيهم ذلك الأميّ روح الدّين الحقّ، فأصبح جاهلهم صالحا، ومحاربهم مسالما؟ وماذا علّمهم حتى انقلب الفاسد صالحا، والمفسد مصلحا، والذي لم يكن يحسن شيئا لم يلبث أن صار يدير الملك، ويصرّف شؤون الحكومة، ويسوس أمور الرعايا؟ وكيف نبغ منهم ذوو العقول الراجحة، والآراء السديدة، والأفكار الثاقبة؟ إنّ الرسول الأميّ الأعزل الذي لم يحمل في شبابه سلاحا، ولم يملك من قبل بلادا كيف أقام للأمة العربية- التي لم تكن الأمم تقيم لها في كفّة السياسة العالمية وزنا- دولة ذات عظمة وجلال، واكتشف في نفوس رجالها كنزا من القوة لا ينفد، وكيف جعل هذا الأميّ
[ ١٤٢ ]
من هذه الأمّة- التي لم تكن تعرف الله، ولا تعلم توحيد ربوبيته- عبّادا ناسكين يحيون الليل بذكر الله، ويبلغون رسالاته في النهار.
لقد أخذت بأيديكم، فأريتكم مسجد هذا النبي ﷺ في المدينة، وزرتم معي جامعته النبوية الكبرى زيارة كاملة، فاجتمعتم بأصناف من تلاميذه، ولقيتم من أصحابه العلماء، والفقهاء، وواضعي النظم والأحكام، وتعرفتم بالجندي الباسل، والقاضي العادل، وتشرفتم بزيارة العظماء من ولاته، وحكامه، وتعرفتم بالفقراء، والمساكين، والملوك، والسلاطين، وقابلتم السادة الأحرار، والعبيد الأبرار. وعرضت عليكم نماذج ممّن استشهدوا في سبيل الله، وماتوا ابتغاء مرضاة الله، من الغزاة والمجاهدين، فما هو رأيكم في كلّ ذلك، وبماذا تحكمون؟ إنّ أكبر ظني فيكم أنّكم حكمتم وقطعتم في حكمكم بأنّ محمدا رسول الله ﷺ كان جامعا للكمال البشري، ومثلا أعلى للمحامد الإنسانيّة، والصفات العليا، و:
ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
كيف لا وهي المحاسن المحمّدية المتنوعة، والمحامد النبوية المختلفة، تراءت في أصحابه جميعا، وظهرت في رفقائه، وتجلّت في جلسائه. فبنوره استنار فؤاد الصدّيق الأعظم، وبحكمته امتلأ قلب الفاروق الأكبر وعقله حكمة، وثقوب فكر، وسداد رأي، ومنه اكتسب ذو النورين عثمان الأنور رحمته، وخيريته، وفضائله، ومن بلاغته تفجّر البيان على لسان عليّ كرّم الله وجهه.
وكلّ ما ترى في خالد، وأبي عبيدة، وسعد، وجعفر «١» من تدبير الحرب، وإحكام الرأي في تعبئة الجيوش وزحفها، وما ترى في الصدّيق من العزيمة، والأمانة، وحرية الرأي، وغنى النفس، والزهد في
_________________
(١) هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، صحابي من الشجعان، يقال له: «جعفر الطيار» وهو أخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب﵁- وهو من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، حضر وقعة مؤتة بالبلقاء، واستشهد فيها سنة ٨ هـ.
[ ١٤٣ ]
الأموال والإعراض عن زينة الدنيا وزخارفها، وما تراه من التبتّل إلى الله، والانقطاع له في ابن عمر، وأبي ذرّ، وسلمان، وأبي الدرداء «١»، وما تجد في ابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود من علم جمّ، وفقه عميق في الدّين، ورأي في الأحكام سديد، وما تلاحظه على بلال، وصهيب، وعمار، وخبيب من السكينة، والسّلوى، والطمأنينة، وقويّ الإيمان، والحنين إلى لقاء الله، كل أولئك مقتبس من أنوار محمّد نبيّ الله، ومهبط الوحي، ومحط القرآن، صلاة الله وسلامه عليه، فهو كأنّه الشمس المضيئة تشرق، فتنير بأشعتها قلل الجبال، وبطون الأودية، وصحارى الأرض، ووهادها، وبطاحها، وتتلألأ بضوئها لجج الأنهار الجارية ونباتات الحقول السندسية، كما تلمع بها البقاع القاحلة، والرمال التي لا آخر لها، فيأخذ كلّ منها نصيبه من الضوء على قدره، بل كأنه ﷺ غيث يهطل من سحابة درور، فيصيب الجبال الشماء، والغابات اللفاء، والصحارى القاحلة، والساحات الواسعة، والبطاح العريضة، والحدائق الزاهية، فيسقي جميع ذلك فينبت نباتات شتّى بالأوراق الجميلة، والأزهار المنعشة، والأشجار المتنوعة.
نعم، كان الصحابة- كسائر البشر- متفاوتين في طباعهم، ومواهبهم، وجبلاتهم، لكنهم ائتلفوا جميعا بالإسلام، واتّحدوا، واشتركوا في غاية واحدة، فكانوا يعملون لوجه الله، ويبتغون بعملهم مرضاته ﷿.
سواء في ذلك قضاتهم، وولاتهم، وفقراؤهم، وأغنياؤهم، ورعاتهم، ورعاياهم، وغزاتهم، وشهداؤهم، وجنودهم، وقوادهم، والمعلمون منهم، والمتعلمون، والتجار، والعبّاد، والنّاسكون، فكان الإخلاص رائدهم، وهداية الخلق أملهم، وإصلاح البشر غرضهم، فالصّحابة هداة حيثما حلّوا، وعاملون لإصلاح المجتمع البشري أينما ذهبوا. فإذا اختلفت
_________________
(١) هو عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، المعروف «أبو الدرداء» صحابي من الحكماء الفرسان القضاة، وفي الحديث: «عويمر حكيم أمتي» و«نعم الفارس عويمر» وهو أحد الّذين جمعوا القرآن حفظا على عهد الرسول ﷺ، توفي بالشام سنة ٣٢ هـ، وله ١٧٩ حديثا مرويا.
[ ١٤٤ ]
طبائعهم وتنوعت ألوانهم وتفاوتت مظاهرهم؛ فقد جمعتهم كلمة التوحيد، ووحدة الكتاب العزيز، واتجاههم جميعا إلى قبلة واحدة. فما سلكوا سبيلا، ولا عملوا عملا إلا ابتغوا به إصلاح العالم، وتقويم المجتمع البشريّ، ومواساة بني الإنسان، وإعلاء كلمة الحق، وتقدّم العمران البشريّ نحو السلام، والأمان، ونشر الوئام.
إنّ العالم لا تتمّ هدايته إلا بالمصلح الأخير للدّنيا:
إخواني وخلاني! لقد بينت لكم في هذه المحاضرة ما كان في الرسول الأعظم ﷺ من خلال جامعة، وخصال «جامعية» وقد أشرت إلى مظاهرها العديدة، ونواحيها المختلفة، وأخالكم قد ألفيتم ممّا درستم في طبيعة الكون من ألوان مختلفة، وما عرفتم في طبائع البشر من مواهب شتّى وهذه الدّنيا ليست إلا مظهرا من مظاهر الحياة متنوعة الألوان- أنّ العالم لا يمكن أن تكون هدايته إلا بالمصلح الأخير للدّنيا، وهو خاتم رسل الله محمد ﷺ؛ الذي اجتمعت فيه خلال الإرشاد كلّها، وخصال الإصلاح للنوع البشري بأجمعه، ولذلك قال له الله ﷿: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] فوجه الرسول ﷺ الدّعوة إلى كلّ من يدّعي محبة الله بأن يتبعه، ويطيع أمره، ونادى الملوك في ممالكهم، والرّعاع في شوارعهم، والمعلمين في مدارسهم، والتلاميذ في فصولهم، والفقراء في أكواخهم، والأغنياء في قصورهم، كما دعا المظلومين، والمقهورين، والمخذولين، بل أهاب بالعالم كلّه أن يتبعوا سبيله، ويقتفوا أثره؛ لأن سيرته الشريفة هي المثل الأعلى، وفيها الأسوة الكاملة لكلّ من يحبّ الخير، ويبتغي الصلاح لنفسه.
اللهم صلّ وسلّم عليه وآله وصحبه أجمعين.
[ ١٤٥ ]
المحاضرة السّادسة النّاحية العلميّة من السّيرة المحمّديّة
[ ١٤٦ ]