ما هي السّيرة الكاملة الجامعة في الرّسول، وماذا بلغ عن ربّه؟
سادتي! بينت فيما سبق من المحاضرات الستّ أنّ حياة الأنبياء هي التي يجدر أن تتّخذ أسوة، وأنّ سير الرسل هي التي تستحقّ أن تكون قدوة لبني آدم أجمعين من بين سائر الطوائف العليا من الناس، وأنّ السيرة التي تستحقّ أن تكون أسوة لجميع الناس إلى يوم القيامة من بين سير جميع الأنبياء والمرسلين هي سيرة محمّد ﷺ في حياته الشريفة.
ولما تبيّن أنّ سيرة الرسول العربي هي السيرة «المثالية» وفيها الأسوة الكاملة للعالم كلّه، فإنّ لسائل أن يسأل: ما هي الحياة الكاملة، والسيرة الجامعة في هذا الرسول، وأيّ شيء في رسالته للناس من ربّ العالمين، وماذا بلّغ الناس عن ربّه، وما هي الأحكام اللازمة في رسالته التي بعث لأجلها هذا النبيّ الذي ختم الله به رسالاته، وأغناهم به عن أيّ نبيّ يأتي بعده، وكيف أصلح خاتم الرسل برسالته الأحكام السالفة من الأنبياء السابقين، وأكمل ما كان ناقصا منها بسبب مقتضى البيئة، وطبيعة الحال؟
ولا شكّ أنّ الله سبحانه قد بعث كثيرا من الأنبياء في مختلف العصور، وأنزل للبشر أحكاما على ألسنة رسله، وقد قلنا مرارا، وأثبتنا بدلائل واضحة أنّ أولئك الرسل خصّت رسالاتهم ببعض الأمم ولبعض الأزمان، لذلك لم تمسّ الحاجة إلى حفظها من عوامل التصحيف والتحريف، ولم تتعلق عناية الله بصيانتها من أيدي البلى، وعبث الدّهر، ووجدت بعد ضياعها تراجم دخلها كثير من التغيير والتبديل، فبعدت التراجم عن أصلها كلّ البعد، واختلفت، وألحق بها، وزيد فيها كثير ممّا لا أصل له في الصّحف المنزلة، وأنّ ضياع تلك الأصول الأولى دليل واضح على أنّ تلك الرسالات كانت لزمن محدود قد مضى، ولولا ذلك لاقتضت حكمة الله بقاء أصولها.
[ ١٧٨ ]
كفالة الله حفظ الرسالة المحمّديّة لأنها رسالة الحاضر والمستقبل:
أما ما بعث الله به خاتم رسله محمدا ﷺ فقد تولى حفظه، وسيبقى محفوظا من كلّ تحريف، أو تصحيف إلى يوم القيامة؛ لأنّه آخر رسالات الله، وسيبقى للبشر ما بقي في الدّنيا بشر، ولذلك أعلن الله صفة الكمال والتمام لهذه الرسالة، ووعد بحفظها، ولم يعلن مثل ذلك، ولم يعد به في أيّ كتاب آخر من كتبه، وأية رسالة من رسالاته، بل على العكس من ذلك نجد النصّ في سفر التثنية من التوراة «١» .
على أنّ رسالة موسى مؤقتة، وأنّ الله باعث غيره بغيرها «يقيم لك الربّ إلهك نبيّا من وسطك- من إخوتك- مثلي، له تسمعون»، وقال: «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به» «٢» . وقال: «هذه هي البركة «٣» التي بارك بها عبد الله موسى بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران «٤»، وأتى من ربوات القدس، بيمينه نار شريعة لهم» . فهذه الآيات من سفر التثنية في التوراة تدلّ على أنّ الله يبعث نبيّا مثل موسى في يمينه نار شريعة ملتهبة، وأنّ الله يلقي في فمه كلاما، فيكلم الناس بكل ما يوحيه الله إليه. وهذا أوضح دليل على أن شريعة موسى لم تكن آخر الشرائع، ولا أدومها إلى يوم القيامة. وهذا النبي أشعيا يبشر ببعثة نبيّ آخر في الإصحاح ٤٠ من السفر المنسوب إليه، وفي سفر ملاخي بشارة برسول من رسل الله، وكذلك سائر أسفار بني إسرائيل والزّبور تدلّ كلّها على أنّ ما كان عندهم لم يكن آخر رسالات الله، ولا اتصفت شريعتهم بالبقاء والدوام. وادرسوا الأناجيل كذلك؛ فإنكم تجدون في إنجيل يوحنا:
_________________
(١) التوراة (١٨: ١٥) .
(٢) التوراة (١٨: ١٨) .
(٣) التوراة (٣٣: ١- ٢) .
(٤) برية فاران هي التي سكنتها هاجر وابنها إسماعيل ﵇- كما في سفر التكوين (٢١: ٢١) .
[ ١٧٩ ]
«وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطا آخر ليبقى معكم إلى الأبد» «١» وفيه: «إنّ لي أمورا كثيرة أيضا لا أقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما حتى جاء ذاك روح الحق؛ فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنه لا يتكلم من نفسه» «٢» . فهذه الآيات من الإنجيل دالة دلالة ليس فيها إيهام على أنّ ما في الإنجيل ليس آخر رسالات الله، ولم تتمّ به رسالات الله، بل سيأتي بعده نبيّ آخر تكمل به رسالة عيسى ابن مريم، أما الرسالة المحمّدية فلا تنبىء بنبيّ آخر يأتي بعدها، ولا بأنها ناقصة ستكمل بشيء يتلوها، إنّ الرسالة المحمدية تنادي بأنّها كاملة، وأنّها تامّة لا نقص فيها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣] .
ومحمد ﷺ هو القائل «ختم بي النّبيّون»، «ألا لا نبيّ بعدي» «٣»، وأنّه آخر لبنة في بناء النّبوة «٤» . كلّ هذا من الدلائل الساطعة على أنّ رسالة محمد ﷺ هي الرسالة الخالدة من ربّ العالمين لجميع العالمين إلى يوم الدّين.
ولذلك تولى الله حفظها، وصيانتها، وعصمتها، فقال عزّ من قائل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .
الإسلام أول رسالة عامّة في تاريخ الإنسانية:
إخواني! بقي سؤال آخر لا بدّ من الجواب عليه: هل أتى نبيّ آخر غير محمد ﷺ برسالة عامّة لجميع البشر، وهل جاءت من الله رسالة غير الإسلام شملت دعوتها الناس جميعا؟ إن بني إسرائيل قصروا الدّنيا على
_________________
(١) التوراة (١٤: ١٦) .
(٢) التوراة (١٦: ١٢- ١٣) .
(٣) والحديث كما رواه الله أحمد: عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيّين، لا نبيّ بعدي» [مسند الإمام أحمد: ٥/ ٢٧٨] .
(٤) والحديث كما رواه البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة ﵁ «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون هلّا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» [البخاري (٣٥٣٥)] .
[ ١٨٠ ]
أنفسهم فجعلوها محدودة بحدود بلادهم، بل زعموا أنّ إله العالمين هو إله أمّتهم وحدها، وخصّوه تعالى بأنفسهم من دون الناس. لذلك نرى أنبياء بني إسرائيل وأسفارهم لم تعمّم دعوتها لغيرهم من الأمم، ولا تزال الشريعة الموسوية والدّين اليهوديّ مقصورين على الإسرائيليين، لا يتجاوزونهم إلى غيرهم، وأسفارهم لا تخاطب غيرهم، ولا تدعو لآلهتهم إلا أسباطهم، بل إنّ عيسى المسيح لم يرع إلا غنم بني إسرائيل الضّالة، ولم يبلغ رسالته إلا في قراهم، وأرضهم، والمنسوبين إليهم؟
ولم يرغب في إعطاء خبز الأولاد للكلاب.
وكذلك صحائف «ويدا» «١» الهندية، لا تطرق نبرات تلاوتها آذانا غير آذان الأمة الآرية، وجميع النّاس من غير الآريين أنجاس مناكيد، وآذان الشودر «٢» (أي الأنجاس) إذا سمعت آيات (ويدا) فليصب فيها الرّصاص المذاب!
أما الرسالة المحمّدية فهي الأولى، والأخيرة من رسالات الله التي جعلها الله للناس كافة، أحمرهم، وأصفرهم، وأبيضهم، وأسودهم، عربا كانوا أو عجما، من الصين شرقا إلى أقصى الجزائر البريطانية شمالا،
_________________
(١) ويدا: هي الكتب المقدسة التي يدعي الهنادك أنها منزلة على أنبيائهم من السماء، وتجمع مجموعة كتب «ويدا» مبادىء الهندوكية، وهي الكتب الأربعة، منها «ريجي ويدا (Rigveda) «و«ياجورويدا (Yajur veda) «و«ساماويدا (Sama Veda) «و«أترويدا، (Athar Veda) «وكل من هذه الويدات الأربعة يشتمل على أربعة أجزاء هي: «سمهيتا (Samhita) «و«برهمان (Brahman) «و«آرانياك (Aranyaka) «و«أوبانيشاد (Upanis had) «وقد كتبت هذه الويدات الأربعة في لغة سنسكريتية بالأناشيد والأغاني، التي اعتاد الآريون القدماء أن يتغنوا بها، ومن المرجّح أنّ تاريخ تأليفها يرجع إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. (Hinduism p. ٧ by:Lowis Renon) .
(٢) الشودر: ومعنى الكلمة هذه في اللغة السنسكريتية وغيرها في كثير من اللغات الهندية القديمة: المنبوذ، المتروك، المهمل، وتعرف هذه الطبقة في اللغة الهندية الحديثة اليوم، وكذلك في اللغة الأردوية باسم «أجهوت» أي: «المنبوذون» .
[ ١٨١ ]
يستوي فيهم التتار، والإفرنج؛ ذلك لأنّ إله رسول الله محمد ﷺ هو إله جميع الأمم، وهو ربّ العالمين الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: ٢] فهو لأجل ذلك مرسل للإنسانية كلّها رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] فرسالة الإسلام رسالة تعمّ جميع البشر إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ [الأنعام: ٩٠] تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: ١- ٢]، فمحمّد ﷺ نذير للدنيا كلّها، ورسالته تعمّ العالم أجمع، وحينما ينفذ حكم الله فلتكن شريعة الإسلام قائمة ورسالة محمّد نافذة، وقد جاء في سورة الأعراف قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٥٨] وهذه الآية تعلن عموم الرسالة المحمدية إلى كل من يبلغه نداؤها، وتصل إليه دعوتها وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] . فثبت من هذه النصوص أنّ الإسلام وحده هو الذي أعلن عموم دعوته للإنسانية كلّها، وأنّه هو الدّين التامّ الكامل الجامع للمحاسن، ولن يأتي بعده دين غيره، جاء في صحيح مسلم: أنّ رسول الله ﷺ قال: «بعث الأنبياء قبلي إلى أممهم خاصّة، وبعثت إلى الأمم كلّها عامّة» وهذا يؤيد دعواي، والتاريخ يشهد لها شهادة لا ترد، وكما أنّ السيرة المحمّدية كاملة تامّة، وفيها الأسوة لجميع البشر، كذلك دين الإسلام الذي جاء به محمّد ﷺ كامل دائم، وفيه صلاح العالم ورشاده.
الدّين إيمان وعمل، ولم يجتمعا إلا في الإسلام:
ولسائل أن يقول: دلوني على حقيقة الرّسالة المحمّدية التي أكمل الله بها الأديان، وتمّت بها نعمة الله على العالمين، وبها بعث الله خاتم أنبيائه بالسيرة الكاملة، والأسوة الشاملة لجميع البشر مدى الدّهر، والجواب على ذلك أنّ الدّين يشتمل على أمرين: أمر يتعلّق بقلب الإنسان، ويسمى:
(الإيمان): وآخر يتعلّق بجوارحه، وبما يملكه، ويدعى (العمل) . والعمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولها يتعلق بالله وهو العبادة، والثاني يتعلق بما يتعاطاه الناس بعضهم مع بعض وهي المعاملات، ومعظمها القوانين والأصول، والثالث يتعلّق باداب النفس وآداب المجتمع وهي الأخلاق،
[ ١٨٢ ]
فالدّين إذا: عقائد، وعبادات. ومعاملات، وأخلاق، وهذه الأقسام الأربعة اكتملت بالرسالة المحمّدية، وتعاليم خاتم المرسلين، فبلغت الغاية التي ليس وراءها غاية.
مقارنات بما في رسالة الإسلام والرسالات الآخرى:
والآن تعالوا نستعرض الكتب السماوية لنقارن ما فيها من هذه الأقسام الأربعة: أما التوراة، والإنجيل؛ فالذي فيهما من العقائد لا يروي الغليل، ولا يشفي العليل، نعم نجد فيهما ذكرا لوجود الله، وتوحيده، لكننا لا نجد فيهما دليلا يريد ذلك، ولا برهانا يحمل النفوس على التصديق به، كما لا تجد فيهما ذكرا للصفات الإلهية التي تزكو بها الروح الإنسانية، وتطهر بها نفوس البشر، وتنشأ بها محبّة الله، وعرفانه.
فقبل البعثة المحمّدية لم يكن الناس يعرفون هذه الأمور، ولا كشفت لهم الحجب عن حقيقة النبوة، والرسالة، والوحي، والإلهام، والصلة بين الله ورسله، ومكانة الأنبياء ومنازلهم، وكيف يؤمن الناس بالنبوة، وما معنى الإيمان بالأنبياء، وما معنى عصمتهم، هذه المسائل كلّها لم ينكشف أمرها، ولم يقف النّاس على بيانها قبل الرسالة المحمّدية؛ لأننا لم نر نبيا من الأنبياء تصدّى لذلك، وأفاض فيه، أما الجزاء على الأعمال، وأمر الجنّة والنار، والحشر، والنشر، والقيامة والحياة بعد الموت، فكلّ ذلك غامض قليل الوضوح في التوراة، ولا نقرأ عنه في الإنجيل إلا فقرتين في جواب يهودي، والجنّة والنار لا نرى عنهما إلا فقرتين كذلك، بينما الرسالة المحمّدية هي التي أفاضت في هذه الأمور بوضوح عظيم.
مقارنات بين الوصايا العشر والآيات من سورة الإسراء:
وإذا أردت أن تعرف الملائكة من التوراة التبس عليك أمرهم، وقد يشق عليك أن تميّز بين حديث التوراة عن الله وحديثها عن الملائكة «١» .
وذكر فيها الملكان، والتبست في الإنجيل حقيقة روح القدس التباسا
_________________
(١) انظر سفر التكوين (١٨: ١ و١٩: ١) .
[ ١٨٣ ]
تامّا حتى لا يتسنّى للقارئ أن يميز بين الله وروح القدس، بل يصحّ عنده أنه إله، أو ملك، أما الرسالة المحمدية فقد أوضحت أمر الملائكة، وكشفت عنهم الحجب، فأصبح مدلول هذا اللفظ بيّنا واضحا، ومكانة الملائكة وأعمالهم معينة معلومة، وأسماؤهم مذكورة، فهم وسائط بين الله ورسله، وينفذون إرادة الله في تدبير العالم، وتصريف الأمور في الدّنيا، كل ذلك نراه مفصّلا في آي الذكر الحكيم.
هذا في العقائد ما قد فصلته الرسالة المحمدية وأوضحت أمره، أمّا في الأعمال ورأسها عبادة الله، فإن التوراة تتوسع في ذكر القرابين، وآدابها، وشرائطها، وفيها ذكر الصّوم، والأدعية، وفيها ذكر بيت إيل، أو بيت الله، ومع ذلك فإنّ هذه الأمور غير واضحة، ولا تسترعي أنظار الناظرين حتى أنّ منهم من جنح إلى إنكارها، وفيما عدا ذلك فإننا لا نجد في التوراة أنواع العبادات وأقسامها، ولا طرقها، ولا آدابها، ولا تعيين أوقاتها، وليس هنالك عناية تامة بتعليم العبادة للناس، وقد أهمل جانب عظيم من كيفية ذكر الله ودعائه، فلا نرى ما يدلّ على تعليم دعاء خاص لرب العالمين، وكيف يدعو الناس ربهم، ويسألونه حاجاتهم. وترى في الزبور أدعية كثيرة، ومناجاة للربّ طويلة، لكن ليس فيه ذكر لآداب العبادات، وشرائطها، وأوقاتها، أما الإنجيل فقلّما ترى فيه ذكرا للعبادات، بل ليس فيه ذكر للعبادة البتّة. نعم تجد في فقرة منه «١» ذكرا لتقشف المسيح، وصيامه أربعين يوما، وفي الإنجيل أيضا اعتراض اليهود على المسيح بأنّ أصحابه لا يصومون. وفيه ذكر دعاء دعا به عيسى ﵇ في الليلة التي أرادوا صلبه فيها، وفي ذلك الموضع دعاء آخر له، لكننا لا نجد ذكرا لعبادات أخرى.
أما الإسلام ففيه: الصّلاة، والصّوم، والحجّ، مفصلة آداب كلّ منها وشرائطه، وموضحة طرق عبادته وسننها، وهو يرشد الناس إلى كيفية ذكر الله، وبأيّ دعاء يدعون، وبأيّ كلمات بليغة يسألون ربّ العالمين، وقد
_________________
(١) متى (٤: ٢) .
[ ١٨٤ ]
عيّن لهم مواقيت الصلاة، والصّوم، والحجّ، وأحكام هذه العبادات وسننها، وكيف يسألون ربّهم فيها ليستنزلوا رحمته ويستغفروا ذنوبهم، وكيف يتضرعون إليه ويخشعون له ويناجونه في سرّهم ويذكرونه في علانيتهم، وكيف يتوبون إليه معترفين بزلاتهم، منيبين إليه منها متوخين تزكية نفوسهم، وتنزيه أرواحهم، وتطهير قلوبهم، والتقرب إلى ربهم بكلّ ما ينالون به مرضاته، لتكون روح الدّين قائمة وحقيقته ملموسة.
والقسم الثاني من الأعمال: المعاملات، وتستطيع أن تسمّيها قوانين المملكة، وأصول المعاشرة، وهذا الضرب من الأعمال مفصّل تفصيلا وافيا في رسالة موسى ﵇، وأقرت الرسالة المحمدية أكثره لكنّها خفّفت من شدة أحكامه، ووسّعت ما ضاق منها، فجعلتها صالحة لتكون قوانين عالمية. وكانت دائرة العمل بها محصورة ببني إسرائيل، فلما أضاف إليها الإسلام ما نقص منها؛ أصبحت جديرة بأن يدعو العالم كله لأنه يتخذها قوانين إنسانية عالمية. ونحن لا نرى ذكرا لقوانين المملكة في الزبور، ولا في الإنجيل، وقد نجد في الإنجيل بعض الأحكام في الطلاق، أما الأمور الآخرى فلا أثر لها فيه، مع أنّ الدّين العالميّ الأبديّ الذي يتكفّل بحاجات المجتمع البشري يتحتّم أن يشمل قوانين الدولة، وأصول المعاشرة، ولما كان دين عيسى المسيح ﵇ خاليا من هذه القوانين؛ فقد اضطرت الأمم المسيحية إلى استعارة هذه القوانين من الأمم الوثنية كالإغريق والرّوم، بينما الرسالة المحمدية اكتملت فيها هذه القوانين؛ لأنها نظرت إلى هذا الضرب من حاجات الأمم نظرا ثاقبا حكيما، فاستوعبته من جميع نواحيه مستقصية جهاته كلّها، فلم تترك ناحية منه إلا وقد أتمّتها، فسنّت قوانين كلية أقامتها على أصول جامعة استنبط منها الأئمة المجتهدون والأصوليون من فقهاء العلماء أحكاما لحاجات جدّت، ومقتضيات حدثت، ولا يزالون يستنبطون منها، واستمرّ هذا العمل الفقهي في هذه القوانين ألف سنة من أعمار الدول الإسلامية الراقية، ذات المدنيات الزّاهرة، والحضارات الزّاهية، وعمل بذلك المسلمون في مختلف بقاع الأرض وأقطارها، ولا يعرف العالم كلّه إلى الآن قانونا أعدل
[ ١٨٥ ]
ولا أرحم بالإنسانية ولا أصلح لها من قوانين الإسلام.
والقسم الثالث من الأعمال «الأخلاق» وإنّنا نجد في التوراة أحكاما عديدة تتعلق بالأخلاق، منها سبعة تعد أصولا، وليس في هذه الأصول السبعة إلا أصل واحد إيجابي، وهو الأمر بطاعة الوالدين والبرّ بهما، أمّا الستة الآخرى فكلها سلبية، وهي النواهي: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، لا تشهد على جارك شهادة زور، لا تخادن حليلة جارك، لا تطمع في مال جارك. وبعض هذه الأصول داخل في بعض، فهي في الحقيقة أربعة.
والإنجيل ردّد هذه الأحكام السّبعة كما هي في التوراة وزاد عليها الحثّ على محبة الغير، فجاء بزيادة واحدة على ما في التوراة، أمّا الإسلام فقد جاء بأحكام كثيرة في المعاشرة، وبقوانين مفصّلة في المعاملات، وأفاض فيما كان نهرا حتى جعل منه بحرا، وفي الليلة التي أسري فيها بالرّسول ﷺ أعطى الله أهل الإسلام اثني عشر حكما أساسيا منها واحد في التوحيد، وكلّها مذكورة في سورة الإسراء.
وفيها خمسة إيجابية ندعوها أوامر، وخمسة سلبية تسمّى النواهي:
* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ «١» نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ
_________________
(١) خشية إملاق: خوف فقر وفاقة.
[ ١٨٦ ]
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ «١» ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء:
٢٣- ٣٩] .
١- بر الوالدين وطاعتهما. و٢- إيتاء كلّ ذي حقّ حقّه. و٣- الإحسان إلى اليتامى. و٤- الوزن بالقسطاس المستقيم. و٥- إيفاء الكيل. و٦- الوفاء بالوعد (هذه أمور خمسة إيجابية) .
١- لا تقتل أولادك. و٢- لا تقتل نفسا. و٣- لا تقرب الزنى.
و٤- لا تقف ما ليس لك به علم. و٥- لا تبذر في النفقة واقتصد فيها (وهذه أمور خمسة سلبية) .
فإذا قارنتم بين ما جاء به القرآن من الأحكام الأساسية، وما جاء به الإنجيل والتوراة؛ تتبين لكم حقيقة الرسالة المحمدية، ويتّضح لكم أنها أكملت ما كان ناقصا في الرسالات السّابقة التي لم تهتمّ بذكر الأحكام الأساسية، ولم تقتصر رسالة الإسلام على تكميل هذا النقص، بل عنيت بحل معضلات المجتمع البشري في الأخلاق، ووجهت الإنسانية إلى الطريق المثلى في قواها، ونبّهت الإنسان إلى نقائصه، وعيوبه، وأمراضه النفسية، ووصفت له دواء كلّ داء من أدواء النفوس، وأخذت بيده إلى الجادة الوسطى في الأعمال، والأخلاق، والمعاملات، هذا ما أكملته الرسالة المحمدية من الناحية العملية.
ولو شئنا أن نعبّر عن جميع تعاليم الإسلام بأسلوب موجز، جاز لنا أن
_________________
(١) بالقسطاس المستقيم: أي: بالميزان العدل.
[ ١٨٧ ]
نعبّر عنها بهاتين الكلمتين الوجيزتين: الإيمان، والعمل الصالح «١» فهاتان الكلمتان تشملان جميع ما جاءت به رسالة محمّد ﷺ، وتحيطان بكل ما أكملته من عقيدة، وعمل، وخلق، وحسن معاملة، فهما قوام الإسلام وزبدة ما جاء به محمّد رسول الله، وهما في الواقع قوام الفلاح، والنّجاة، وملاك السعادة. فمن آمن بالله إيمانا لا يزعزعه شيء، وأطاع الله فيما أمر به من حقّ وخير، وعمل بذلك عملا صالحا لا يشوبه سوء، أفلح ونجا. وقد وصف الله في كثير من الآيات شأن المؤمنين الذين يؤمنون بالله، ويعملون عملا صالحا، وبشّرهم تارة بقوله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥] وتارة بأنّهم وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [التوبة: ٢٠] فالفلاح البشريّ، والفوز الإنسانيّ يرجع إلى الإيمان بالله والعمل الصالح بما أمر.
وقد كان بودّنا أن نبسط القول في الإيمان والعمل الصالح، ونوفيهما حقهما من البيان والشرح، لولا أنّ هذا الموقف لا يساعد على ذلك.
والذي يعنينا الآن من الكلام على الرسالة المحمّدية ناحية الكمال فيها، وإتمامها ما كان ناقصا في الديانات السابقة، مما يرجع إلى العقائد والأعمال، فأصلحت ما كان من قبل فاسدا، وردّت البدع الطارئة، وقمعت المفاسد العظيمة الفاشية التي شوهت وجه الإنسانيّة، وكانت بابا لكلّ شرّ، وأصلا لكل فساد، وبذلك سدّت في أصول الدين جميع الثلمات التي تسرّبت منها المفاسد، فكانت سببا في انحطاط الإنسانية عن مستواها الكريم.
عناية الشّرع المحمديّ بكرامة الجنس البشريّ ومكانته من سائر المخلوقات:
وأول مسألة عني بها الشّرع المحمديّ كرامة الجنس البشريّ ومكانته من
_________________
(١) والإيمان الإسلامي بضع وسبعون شعبة، وقد استقصاها أعلام الإسلام فرأوها تدور حول شيئين لا ثالث لهما: الحق، والخير، وكل شعبة من شعب الإيمان الإسلامي لا ريب أنّها تدخل إما في باب الحق، أو في باب الخير، والعمل الصالح هو عمل المؤمن بما هو مؤمن به، فلا يكون العمل صالحا إلا إذا كان من عمل الحق، أو من عمل الخير، وهذا هو الإسلام. (الأستاذ محب الدين الخطيب) .
[ ١٨٨ ]
سائر المخلوقات، وهي مسألة ترجع إلى أمر التوحيد، فالإنسان قبل الإسلام كان يرى نفسه أحطّ منزلة من معظم المخلوقات والموجودات، كان يهاب كلّ ما عظمت جثته، ويطأطىء رأسه لكل ما يبدو له أسود حالكا، أو أبيض لا معا، ولكل ذي لبن سائغ، أو لعاب قاتل، وبلغ خوفه من مظاهر الطبيعة ومن المخلوقات الضّارّة، ورجاؤه من الأشياء التي يرتقب نفعها، أن صار يعبد الحجارة الصمّ والجبال الشّمّ، والبحار الزاخرة، والأنهار الجارية، والأشجار الخضراء، والأمطار الهاطلة، والنيران الملتهبة، والصحارى المخيفة، والأفاعي السّامة، والأسود الزائرة، والبقر الحلوب، والشمس البازغة، والنّجوم الزاهرة، والليالي المظلمة، والأشباح المهيبة، وفي الجملة كان يعبد من المخلوقات كلّ ما يخشى شره، أو يرجو خيره؛ اتقاء لضرره، أو طمعا في خيراته، فلما بعث محمد برسالة الله؛ أعلن لجميع البشر بأنّ هذه المخلوقات كلّها إنما خلقت لهم، ولم يخلقوا لها، وأنّها مسخرة لهم، فلا يليق بهم أن يسجدوا لشيء منها. وقال لهم: أيها الناس، أنتم خلفاء الله في هذا العالم، وقد سخر لكم كلّ ما فيه جميعا، إنّ الدنيا لكم، ولستم لها وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥] .
ولأجل استخلاف بني آدم في الأرض سمت منزلتهم بين جميع المخلوقات، وشرّفهم الله وكرّمهم* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء:
٧٠] فهل يجوز لخليفة الله في الأرض وقد كرمه الله أن يسجد لمن هو دونه، ويعبد ما هو أصغر منه شأنا؟ وكيف يسجد بنو آدم لشيء غير الله والعالم مسخر من الله لهم أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [الحج: ٦٥] . هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩] وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ [النحل: ٥] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [النحل: ١٠- ١١] . فلبني آدم الأرض وما فيها من الشجر، والخضر، ومن الثمر، والزهر، وغيرها من المنافع
[ ١٨٩ ]
والمرافق مما لا يعدّ كثرة، ولا يحصى وفرة، ولهم السماء وما فيها من الشمس، والقمر، والنجوم وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ [النحل: ١٢]، ولهم البحر وفيضانه، والنهر وجريانه وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ١٤] والقرآن الحكيم حافل بكثير من هذه الآيات.
الرسالة المحمدية عرفت الناس بأقدارهم وأنزلتهم منازلهم:
فدلّت الرسالة المحمدية بذلك على أنّ موقف الإنسان من هذا العالم موقف السيد الكريم ممّا سخّر له، وموقف المتوّج بتاج الخلافة الإلهية من كل ما هو مستخلف فيه، فالإنسان مكلّل بإكليل الجلال والعظمة، لا يفوقه شيء من موجودات الكون، والكون كلّه دون الإنسان، وهو نقطة دائرة العالم، وإنسان عينه، والغاية من خلق العالم، ولأجله جعلت الدّنيا.
ومما يثير العجب أن يركع الإنسان لمخلوق، أو يسجد لما هو دونه، أو يعبد شيئا خلقه الله له، وكيف يفعل الإنسان ذلك؛ وقد كرّمه ربه، وشرّفه، وفضله على جميع ما في العالم تفضيلا؟!
ولما جهل الإنسان قدر نفسه جعل يرفع رجالا من أمثاله فوق درجاتهم، ويحلّ أناسا في مكانة رفيعة لا يستحقونها، وقد كان يبلغ الأمر بالإنسان إلى أن يعبد الإنسان. أما رسالة محمد ﷺ فقد عرّفت الناس بأقدارهم، وأنزلتهم منازلهم، وأعطت كلّ ذي حقّ حقه، فلم تنقص من حقّه شيئا، ولم ترفع أحدا من الناس فوق مكانته التي يستحقّها، فكما لم تحطّ عزيزا عن عزته الجدير بها؛ لم ترفع أحدا فوق المقام اللائق به، وبذلك دلّت الإنسان على شرفه وعلائه، وعلّمته أنّه مهما كان رفيعا، وذا سلطة وبأس؛ فإنه لن تبلغ به رفعته أن يعبد كما كان يريد الفراعنة أن يعبدوا، ومهما كان طاهرا عابدا متبتلا؛ فلا ينبغي لإنسان أن يركع له، أو يرجو منه ما لا يرجى إلا من الله، أو يخشاه كخشية الله، ومهما حاز من المال الكثير، والثراء العظيم؛ فليس له أن يستعلي بذلك على إخوانه من خلق الله. إنّ رسالة
[ ١٩٠ ]
محمّد ﷺ قد قطعت الفساد، واجتثت الشرّ من أصولهما، وأعلنت في الناس بوضوح وجلاء هذه الحقيقة: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٦٤] .
وأذاعت في العالم عن الأنبياء أنفسهم، وهم أسمى مراتب البشر أنّهم لا ينبغي لأحد منهم أن يقول للناس كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩] .
ليس في عالم الشهادة أرفع قدرا من الأنبياء، ولا في عالم الغيب أعلى درجة من الملائكة، ومع ذلك لا يجوز أن يتخذ الناس أحدا من الأنبياء، أو الملائكة معبودين لهم وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا «١» [آل عمران: ٨٠] .
فالرسالة المحمّدية رفعت مكانة الإنسان، وقد كانت منحطة من قبل، فصار لا يخضع، ولا يحني رأسه لغير الله، ولا يسجد إلا له، ولا يمدّ يده سائلا غيره؛ إذ لا معطي لمن منعه الله، ولا مانع لمن أعطاه الله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: ٨٤]، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الفرقان: ٢] .
الإسلام وعقيدة التّوحيد:
ثمّ تأملوا أمر التوحيد بعد علمكم بأنّ الرسالة المحمدية رفعت درجة الإنسان، وعرفته بقدر نفسه، إنّ هذه الرسالة أوضحت حقيقة التوحيد، ورفعت عن وجهه الحجب الكثيفة، وأزاحت عنه ظلمات الشرك، فتجرّد من كلّ ما نسجته حوله أيدي الأوهام الباطلة، والعقائد الفاسدة، فليس في تعاليم الإسلام ما يدلّ على أنّ الله أشرك قيصر معه في الحكم، وأنّ قيصر حاكم مثله، فالإسلام محض الحكم كلّه لله، ليس لأحد فيه من نصيب، فله الحكم في السموات والأرض، وله الأمر فيهما.
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية: ٨٠.
[ ١٩١ ]
سادتي! إنّ الإنسان وقد اعتزّ بالخلافة الإلهية على الأرض، وارتشف كأس المحبّة لله وحده، هل يعقل أن يسجد بعد ذلك لغير الله، وهل يخامر قلب المؤمن بالله أيّ خوف من الظلمة، أو النور، ومن المياه، والرياح.
وهل يخشى ملكا عظيما، أو يوجس في نفسه خيفة من صحارى واسعة، أو جبال شامخة، أو أرض رحبة، أو بحار زاخرة، حتى يسجد لها، أو يدعو لها خوفا، أو طمعا، إنّ المؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يبالي بغير الله، ولا يطمع في ثراء ثريّ، ولا يرجو غني إلا من الله الغنيّ عن كل شيء.
انظروا إلى تعاليم الإسلام كيف بلغت بالإنسان ذروة الشرف، وسنام المجد. وتأمّلوا كيف رفعت الرسالة المحمّدية المستوى البشريّ، ووجّهت المجتمع الإنسانيّ نحو الحق والخير.
فطرة الإنسان في الإسلام بريئة في الأصل ولم يولد آثما:
وأمر آخر، وهو أنّ الرسالة المحمدية أذّنت في البشر أنّ الإنسان نزّاع إلى الخير، وأنّ فطرته بريئة في الأصل، ثم تطرأ عليها أعماله، فتجعله آثما مذنبا، أو تقيّا صالحا، فسيئاته التي يقترفها هي التي تؤثّر فيه، فتجعله شيطانا مريدا، كما أنّ حسناته التي تصدر عنه هي التي تجلو نفسه، وتهذّبها، فيكون بها ملاكا طاهرا، إنّ هذه لبشرى عظيمة هتف بها محمّد ﷺ رسول الإسلام في بني آدم، بعد أن كانت الأديان المنتشرة في الهند، والصين من سالف الأيام تنشر الإيمان بالتناسخ وبعث الأرواح- بعد موت أصحابها- في أجساد أخرى أرفع منزلة مما قبلها إذا عملوا أعمالا صالحة، أو في أجساد أذلّ وأحقر ممّا كانت فيه من قبل إذا اجترحوا السيئات، وقد ذهب إلى هذا التناسخ بعض النوكى ممن ينتمون إلى حكماء الإغريق، وجرّ هذا الاعتقاد الفاسد وبالا عظيما على معتقديه، فأصبحت حياته حياة إكراه وإجبار، ولا اختيار له فيما يعمل، فكأنه آلة صغيرة تحرّكها آلة كبيرة، وأنّه ولد مذنبا، بل ولادته في الدنيا نذير له بأنه مجرم آثم.
وجاءت المسيحية فثبتت في الناس عقيدة: أنّ كلّ مولود يحمل من ساعة ولادته خطيئة أبيه الأول آدم، فالمولود يولد آثما مخطئا وإن لم يخطىء في
[ ١٩٢ ]
الواقع، والمخطىء الآثم بجبلّته يحتاج إلى المغفرة من شخص آخر لم يولد آثما، ولم يخطىء بجبلّته، فيفدي هذا الشخص الأخير بنفسه خطيئة بني آدم ليذهب بسيئاتهم، وهذا ما نشرته المسيحية المعروفة عند الناس داعية بني آدم إلى الإيمان بالفادي.
أما محمد رسول الله؛ فقد بشّر الإنسان بأنه يولد غير آثم، ولا مجبول على الخطيئة، ولا مسؤول عن خطيئة أبيه الأول آدم، وأنه يعيش عيشة لا إكراه فيها، ولا إجبار، وهو مخير في حياته بين أن يعمل صالحا إن شاء، فيجني ثمرة صلاحه ونزاهته، وبين أن يعمل عملا سيئا، فيكون بعمله مذنبا آثما وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التين: ١- ٦] .
فالإسلام بشّر بني آدم بأن قوامهم أحسن، وفطرتهم أفضل، وجبلتهم أعدل، وأنهم بعد هذا الإعداد الإلهي إنما يفسدون، أو يصلحون بأعمالهم، وبما يختارونه لأنفسهم وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس: ٧- ١٠] .
وهل من دليل أوضح على حسن جبلة «١» الإنسان ونزاهة فطرته، وطهارة أصله من قول الله فيه إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا «٢» [الإنسان: ٢- ٣] .
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: ٦- ٨] .
الدين والفطرة كلمتان لمدلول واحد:
وإنّ رسول الله الذي يتحرّك لسانه بالوحي، ويصدر منطقه عن إلهام، قد جعل الدّين والفطرة بمعنى واحد، أي: إنهما كلمتان لمعنى واحد،
_________________
(١) الجبلة: الخلقة.
(٢) أمشاج (جمع: مشج): أخلاط ممتزجة متباينة الصّفات.
[ ١٩٣ ]
فأصل الفطرة هي الدين الذي دعي الإنسان إليه، والإثم عارض يعرض للإنسان، ولا حق يطرأ عليه، ويقول الله ﷿: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠] . وفد فسّر الرسول هذه الآيات فيما رواه البخاري في تفسير سورة الروم من صحيحه، فقال ﷺ:
«ما من مولود يولد إلّا على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج كلّ بهيمة صحيحة سليمة هل ترون فيها سكاء» «١» .
إنّ البشرى التي بشّر بها الرسول ﷺ بني آدم أنّ كل إنسان مختار فيما يفعله، غير مكره عليه، ولا مجبر، وليست حياته الحاضرة نتيجة لحياته الماضية، فمن آمن بالرسول؛ فقد تغيّرت وجهة نظره إلى أعماله، فلا هو كئيب واجم ظنّا منه بأنه مكره على عمل هو استمرار لحياة سالفة.
فكلّ من آمن بالرسالة المحمّدية أصبح بفضلها حرّا طليقا من الأوهام الباطلة، والعقائد الفاسدة؛ التي قيّدت حياة البشر، وغلّت أيديهم.
الناس سواسية في الإسلام والدنيا كلّها لله وحده:
إنّ الدنيا قبل بعثة رسول الإسلام ﷺ توزعتها عقائد باطلة، وأوهام سخيفة، فكان أهل كل دير في مملكة من الممالك يحسبون أنّ مملكتهم هي الدّنيا كلّها، فكان براهمة الهند، ومتصوفوها يرون أنّ بلادهم هي أرض الله الممتازة، وما خرج عنها لا نصيب له من رحمة الله، لأنّ الله لا يريد الخير إلا لقطّان بلادهم، وأمر الرسالة الإلهية، والهداية الربانية، قد اختصّ به بعض البيوتات من سدنة المعابد، لا يعدوهم أبدا، وكذلك فإن زردشت يحسب أنّ الإله إنما يعنى بأمر بلاده المقدسة وحدها، وبأهل وطنه الأخيار، ولا تعنيه بلاد أخرى، ولا أمّة أخرى،
_________________
(١) روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «مامن مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة﵁- فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم: ٣٠] [البخاري (١٣٥٨)] .
[ ١٩٤ ]
وبنو إسرائيل يظنّون أنّ رسالات الله خاصّة ببعض أسباطهم، وأنها حقّهم الموروث.
أما الإسلام؛ فقد وسّع على الإنسانية ما ضيّقه الآخرون، وأعلن أنّ الناس كلّهم سواسية، وأنّ دعوة الله غير مخصوصة ببلاد دون أخرى، فمشرق الدّنيا، ومغربها، وشمالها، وجنوبها، وفلسطين، وفارس، والهند، كلّ قد خلا فيها رسول أو نبيّ، وأنّ الله تعالى تستوي عنده الأمم، واللّغات في بعثة الأنبياء، فشمس النبوة أشرقت على البشر جميعا، وتلألأت فيهم أنوار الرسالة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] .
وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧] لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ
[الروم: ٤٧] فاليهود لا يؤمنون بنبيّ ليس منهم، والنّصارى لا يوجبون على أنفسهم الإيمان بنبيّ من بني إسرائيل أو غيرهم، ولا يرون إذا لم يؤمنوا ببعض الأنبياء أنّ ذلك يخلّ بشيء من دينهم، وكذلك الهنادك لا يعتقدون بأنّ الإلهام الإلهيّ، والوحي الربّانيّ نزل على بلاد غير بلادهم، وهكذا شأن المجوس أتباع زردشت فإنّهم يذهبون إلى أنّ الدّنيا كلّها مظلمة سوداء، فلا نور إلا ببلادهم بلاد النّار.
وأنّ سكانها أجمعين من خلق الله، وأنّ الأقوام على اختلافها سواسية في نعمه وآلائه، وكلّهم نالوا نصيبا من دعوته وحظا من رحمته، وما من بلاد عمرتها أمة إلا وقد أضاء فيها نور من هداية الله، وبعث فيها نبيّ دعاها إلى الحق، وبلّغها أوامر الله، ونواهيه.
الإسلام سوّى بين جميع الأنبياء ودعا إلى الإيمان بهم جميعا:
وقد علمت مما سلف أنّ الإسلام فرض على كلّ من دخل فيه أن يؤمن بجميع أنبياء الله، ورسله، وبالكتب السّماوية؛ التي أوحى الله بها من قديم الزمان، وليس بمسلم من لم يؤمن بالأنبياء كلّهم، وبالكتب المنزلة على الرسل المبعوثين من قبل، فالرّسل الذين سمّاهم الله في القرآن يجب على المسلم أن يؤمن بهم إيمان تفصيل، والذين لم تذكر أسماؤهم يؤمن المسلم بهم إيمان إجمال بأنهم كانوا صادقين، هداة للبشر، وكانوا ينابيع الخير
[ ١٩٥ ]
والحكمة، وقد وصف الله المسلمين بأنّهم وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: ٤]، وفي موضع آخر من البقرة وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]، وفي سورة البقرة أيضا: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] فليس للمسلم أن يؤمن ببعض الرسل، ويكفر ببعض، وقد خاطب الله المسلمين جميعا بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: ١٣٦] .
سادتي! هل تعلمون أحدا علّم مثل هذا التعليم فسوّى بين الهداة من جميع الملل والنحل في إعظامهم، وإكرامهم، والأدب معهم، والاعتراف بجميلهم، وتصديقهم فيما دعوا إليه من حق؟ وأين ترون مثل هذه الرّوحانية العامّة، والإخاء الشامل؟ أجيبوني بصدق: أليس رسول الإسلام رحمة للعالمين، حيث علّم الناس كيف يرعون شرف الهداة، وعظمة حملة الرّسالات الإلهية، فعمّت دعوته، واتّسعت رحمته حتى نال كلّ شعب من شعوب البشر، وكلّ أسرة من أسرهم نصيبا من ذلك، ولقد اتخذ المتدينون بجميع الدّيانات وسائط ووسائل بينهم وبين الله، معتقدين أنّهم لا يصلون إلى الله المعبود إلا أن يتوسط بينهم من زعموه أهلا لذلك، فكانت السّدنة وخدمة المعابد وسائط الناس إلى الله في قديم الزّمان، وحتى اليهود اتخذوا من سبط لاوي، ومن تناسل منه شفعاء بينهم وبين ربهم، والنصارى جعلوا بعض الحواريين، وخلفائهم من الرّهبان والقسيسين وسائل يتوسلون بهم إلى الله، وقد غلوا في رفع مراتبهم، حتى بلغوا بهم مبلغا لم يبلغه مقرّب عند الله، فزعموا أن ما يربطه هؤلاء الشفعاء في الأرض؛ فهو مربوط في السّماء، وما حلّوه في الأرض؛ فهو محلول في السماء، وأنّ لهم أن يغفروا للناس خطاياهم، ويسقطوا عنهم آثامهم، وأنّ العبادة لا تقبل عند الله إلا بوساطتهم، وكذلك براهمة الهند زعموا أنّهم مخلوقون من يمين الله، وأنهم الوسائط بين الخلق والخالق، وأنّ العبادة الهندوكية لا تقبل إلا بهم، وعلى أيديهم، أما الإسلام فلا يعترف بطائفة
[ ١٩٦ ]
خاصّة من سدنة المعابد، وخدّام المساجد، وأحبار الدّين، وليس في الإسلام رهبانية، ولا يرضى أن تكون فيه فئة تتخذ الدّين مهنة، ومصدر رزق، وليس لأحد أن يعطي، أو يمنع، وما بيد أحد شيء من أمر الحلّ والعقد، بل كلّ ذلك بيد الله، فهو الذي يغفر الذنوب وحده، وليس بين العبد ومعبوده والمخلوق وخالقه أيّ تدخّل لأحد في عبادة الله ومناجاته، ولكلّ مسلم أن يصلي بالناس، وأن يؤمّهم، وأن يذبح أضحيته بيده، وأن يعقد النكاح، ويقوم بجميع أمور الإسلام وأوامره، والإسلام يعلّم أتباعه قول الله ﷿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] وأنّه يجيب دعوة الدّاعين مباشرة، وبلا واسطة، فكلّ مسلم يدعو ربه متى شاء، ويناجيه، ويبثّه حزنه، ويشكو إليه ضرّه بلا أيّ واسطة، فالمسلم هو قسيس نفسه، وهو برهميها حين يعبد ربّه متحرزا من قيود البراهمة والقسيسين.
دين الله بين الذين غلوا في الأنبياء والّذين فرّطوا فيهم:
لقد بعث الله رسله وأنبياءه إلى البشر بالهداية وإصلاح المجتمع الإنسانيّ، ولكنّ الناس أفرطوا فيهم، أو فرّطوا. فمنهم من غلا في تعظيمهم، فرفعهم من منزلة الرّسل، والأنبياء، والهداية إلى منزلة الإله المعبود، أو إلى منزلة شبيهة بذلك، وإنّك لترى في هياكل الشام، وبابل، ومصر تماثيل الكهنة والأحبار تمثل الله ﷿، وتنتحل بعض صفاته، وكذلك الهنادك جعلوا الأنبياء المبعوثين فيهم بالهداية والحكمة آلهة متجسّدة، وكذلك فعل أتباع بوذا، والجينيون بصلحاء ملّتهم، وهداة نحلتهم، فاتخذوهم أربابا، وهذا ما فعله النّصارى بنبيّهم عيسى ابن مريم سلام الله عليه، فاتخذوه ربا، ودعوه ابن الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا، ذلك ما أفرط به الناس في حقّ الأنبياء، وآخرون قصّروا في حقّهم، وفرّطوا، كما فعل بنو إسرائيل في كلّ من تكهن، أو تحدّث عن أمر المستقبل، فجعلوه نبيا. ولا يتوقف مقام النبوّة عندهم إلا على أن يتحدّث أحد كهانهم في أمر المستقبل، أو أن يتوسّم أمرا فيقع، ولا يلزمه أن يكون ممن يتّقي الماثم، فضلا عن أن يكون عند الله معصوما صالحا، لأجل ذلك ترى في صحف بني إسرائيل أمورا منسوبة إلى الأنبياء تنافي
[ ١٩٧ ]
النبوّة، وهي بين أن تكون غير صحيحة، أو يكون من وقعت منهم غير أنبياء.
فلمّا ظهر الإسلام وصف مكانة الأنبياء اللائقة بهم، وعيّن منزلتهم عند الله، وأعلن أنّهم عبيد الله، وليسوا أشباهه، ولا أندادا له، وأن الله لا يتجسّم في صورهم، وأنّهم ليسوا أبناء الله، ولا أقرباءه، إن هم إلا بشر بعثوا إلى بشر، وأنّ جميع أنبياء الله كانوا من قديم الزمان بشرا لا غير، وكذلك قال محمد خاتم النبيين ﷺ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فاستغرب الكفار ذلك، وقالوا: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٤] فقال الإسلام: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [فصلت: ٦] هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٣] وكل هذه آيات من كتاب الله الحكيم.
إنّ الأنبياء مع قرب منزلتهم من الله وشرفهم وعلوّ مكانهم عنده لا يملكون من تدبير العالم شيئا، ولا يقدرون على ما لا يقدر عليه إنسان مثلهم، وكلّ ما صدر عنهم مما عجز عنه الآخرون فبإذن الله وأمره. وقد وصفهم الإسلام بأنّهم وإن كانوا بشرا كغيرهم من البشر إلا أنهم أعلى منزلة وأسمى مكانا من سائر الناس، فهم يكلمون الله، ويوحى إليهم، وقد عصمهم الله من الذنوب، وطهّرهم من رجس الآثام، فكانوا أعفة كرام الأخلاق؛ لتكون على أيديهم هداية المجرمين، والآثمين من الناس، وقد يجري الله آياته وبيناته على أيديهم، ليقوموا بتعليم الناس الصّلاح والرشاد، وليزكّوهم، ويطهّروهم، فيجب لهم على الناس أن يكرموهم، ويعظّموهم، ويعملوا بهدايتهم؛ لأنّ الله أرسلهم هداة مصلحين، وشرّفهم برسالته ووحيه وكلامه.
هذا ما علّمه الإسلام للناس من الاقتصاد، والاعتدال في أمر الأنبياء وفاء بحقّهم بلا غلوّ، ولا تقصير، وهذا ما كان جديرا بالإسلام، لأنه جاء مكملا لتوحيد ربّ العالمين.
[ ١٩٨ ]
إخواني! لقد طال بنا الحديث، ومضى هزيع من الليل «١»، وبقي شيء كثير مما أريد أن أقصّه عليكم، فلنختم هذا الحفل بالصّلاة والسّلام على رسول الله الأمين؛ الذي ختم به تعليمه الأخير للناس إلى يوم القيامة.
_________________
(١) هزيع من الليل: نحو الثلث أو الربع الأول منه.
[ ١٩٩ ]
المحاضرة الثّامنة السّيرة المحمّديّة من النّاحية العلميّة
[ ٢٠٠ ]