التطهير بعد أحد
الموقف العام
١- المسلمون:
كان لا بدّ للمسلمين من أن يقوموا بالتطهير العام في المدينة المنورة وخارجها، حتى يستعيدوا سمعتهم المتميزة بين العرب.
لقد استطاعوا أن يجعلوا من المدينة المنورة (قاعدة أمينة) للإسلام قبل غزوة (أحد)، ولكنّ هذه الغزوة سبّبت لهم مشاكل داخلية وخارجية:
مشاكل داخلية من يهود الذين هم أشد عداوة للذين آمنوا في السراء والضراء، وإن كانت السراء تضطرهم إلى إخفاء نيّاتهم، بينما يعلنون هذه النيات صريحة في الضراء.
وداخلية أيضا من المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام، فانكشفت طوايا نفوسهم قبيل معركة (أحد) وبعدها عندما رأوا الخطر محدقا بالمسلمين!
ومشاكل خارجية من قريش بالدرجة الأولى، إذ أخذت تشنّ حربا دعائية ضد المسلمين، لتظهر نتائج غزوة (أحد) بمظهر يرفع من قيمتها ويحطّ من قيمة المسلمين.
وخارجية أيضا من القبائل المجاورة، أولئك الأعراب الذين يستخذون للأقوياء، فيظهرون بمظهر المسالم الوادع، ويبطشون بالضعفاء بطشا لا هوادة فيه ولا رحمة.
لقد كان على المسلمين أن يعيدوا الكرّة للقيام بالتطهير العام، حتى يعيدوا النظام إلى صفوفهم، وحتى يستعيدوا السيطرة الكاملة على المدينة المنورة وما حولها من القبائل، وحتى يعيدوا هيبتهم على المشركين من قريش والقبائل الأخرى الموالية لها.
[ ٢٠١ ]
٢- المشركون:
فرحت قريش فرحا شديدا بنتائج (أحد) على الرغم من أن نتائجها البعيدة لم تكن في صالحهم، إذ لم يكن انتصارهم فيها إلا انتصارا (تعبويا)، بينما كانت نتائجها إخفاقا (سوقيّا) عليهم، أي أنّ انتصارهم كان ظاهريا فقط بينما كانت حقيقته إخفاقا لهم.
ولكنهم لم يقدّروا حقيقة هذه النتيجة، فراحوا يتباهون بنصرهم، ويعلنونه للعرب في كل مكان.
وكما لم تقدّر قريش نتيجة (أحد) حق قدرها، فان القبائل البدوية المجاورة للمدينة لم تقدر نتيجة (أحد) حق قدرها أيضا، فطمعوا في المسلمين وظنوا أنهم أصبحوا في متناول أيديهم غنيمة باردة.
٣- يهود:
صن يهود أن المسلمين أصبحوا ضعفاء بعد (أحد)، فلا بدّ من انتهاز الفرصة لأخذ ثارات إخوانهم بني قينقاع وثأر كعب بن الأشرف
وأخذوا يبثّون الفزع ويخلقون المشاكل للمسلمين.
أهداف الطرفين
١- المسلمون:
الكفاح ضد تدخل يهود والمشركين في حرية نشر عقيدتهم، والدفاع عن أنفسهم وأموالهم ضد المعتدين.
٢- المشركون ويهود:
القضاء على المسلمين وانتهاب أموالهم.
[ ٢٠٢ ]
سير الحوادث
راجع الملحق (و)
١- سرية أبي سلمة:
أ- قوّات الطرفين:
أولا- المسلمون:
دورية قتال بقوة مائة وخمسين راكبا وراجلا من المهاجرين والأنصار بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
ثانيا- المشركون:
قبيلة بني أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد.
ب- الهدف:
منع بني أسد من الهجوم على المسلمين في المدينة المنورة.
ج- الحوادث:
بلغ النبي ﷺ بعد شهرين من غزوة (أحد)، أنّ طليحة وسلمة ابني خويلد يحرضان قومهما بني أسد بن خزيمة لغزو المدينة المنورة لنهب أموال المسلمين فيها.
قرر النبي ﷺ إرسال دورية قتال بقوة مائة وخمسين مسلما من المهاجرين والأنصار بين راكب وراجل، فيهم أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص بقيادة سلمة بن عبد الأسد للقضاء على بني أسد قبل قيامهم بغزو المدينة، وأمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير مطروقة حتى لا يطلع أحد على أخبارهم ونياتهم، فيباغتوا بذلك بني أسد في وقت لا يتوقعونه.
[ ٢٠٣ ]
وسار أبو سلمة حتى وصل الى ديار بني أسد في (قطن) «١» دون أن يعرفوا عن حركته إليهم شيئا فأحاط بهم فجرا فلم يستطع المشركون الثبات وولوا الأدبار.
وبعث أبو سلمة مفرزتين من قواته لمطاردتهم، فرجعتا بالغنائم. وعاد أبو سلمة بقوته إلى المدينة المنورة بعد أن أنجز مهمته.
٢- دورية عبد الله بن أنيس:
أ- قوّات الطرفين:
أولا- المسلمون:
دورية استطلاعية بقوة مسلم واحد هو عبد الله بن أنيس.
ثانيا- المشركون:
بنو لحيان من هذيل بقيادة خالد بن سفيان الهذلي.
ب- الهدف:
منع الأعراب من غزو المسلمين في المدينة المنورة قبل إنجاز تجمعهم وقيامهم بالغزو.
ج- الحوادث:
علم النبي ﷺ أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد قوة كبيرة من الأعراب ب (عرنة) «٢» لغزو المدينة المنورة، حتى ينال شيئا من غنائمها وخيراتها، فبعث عبد الله بن أنيس ليستطلع له خبر خالد ويتأكد من صحة المعلومات التي سمعها الرسول ﷺ عن نياته العدوانية.
_________________
(١) - قطن: جبل بناحية بيد به ماء لبني أسد بن خزيمة. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٥٠.
(٢) - عرنة: واد بحذاء عرفات. أنظر معجم البلدان ٦/ ١٥٦.
[ ٢٠٤ ]
سار عبد الله فصادف خالدا بعيدا عن قومه ومعه بعض النساء، فسأله خالد: (من الرجل)؟ فأجابه: (أنا رجل من العرب سمع بك وبجمعك لمحمد، فجاءك لذلك! ..) .
لم يخف خالد نياته، ولما رآه عبد الله في عزلة عن الرجال وليس معه إلا أولئك النسوة، استدرجه للمسير معه، وعندما سنحت له الفرصة حمل عليه بالسيف، فقتله
وعاد عبد الله الى المدينة المنورة بعد أن تفرّقت جموع الأعراب التي حشدها خالد في (عرنة) لغزو المسلمين، لأنها فقدت قائدها فماتت نياته العدوانية معه.
٣- غزوة بني النضير «١»:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
مسلمو المدينة المنورة بقيادة النبي ﷺ.
ثانيا- يهود:
بنو النضير الذين كانت منازلهم بناحية (الغرس) «٢» وما والاها في ضواحي المدينة المنورة.
ب- الهدف:
التخلص من بني النضير لتآمرهم على اغتيال النبي ﷺ.
_________________
(١) - النضير: اسم قبيلة من يهود الذين كانوا بالمدينة وكانوا هم وقريظة نزولا بظاهر المدينة في حدائق وآطام. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٢٩٥.
(٢) - غرس: في منطقة قباء وبها بئر تديمي. بئر غرس، كان رسول الله (ص) يستطيب ماءها. أنظر معجم البلدان ٦/ ٢٧٦.
[ ٢٠٥ ]
ج- سير الحوادث:
ذهب النبي ﷺ الى منازل بني النضير في ضواحي المدينة المنورة، ليستعين بهم في دية قتيلين معاهدين للمسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ دون أن يعلم بعهدهما «١» .
فلما فاوضهم النبي ﷺ، أظهروا الرضا بمعونته، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم مع عشرة من أصحابه بينهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃.
وفي أثناء تبسّط بعضهم معه في الحديث، رأى أن بعضهم يأتمرون به، فيذهب أحدهم الى ناحية، ويبدو عليهم كأنهم يذكرون مقتل كعب بن الأشرف، ثم يدخل أحدهم وهو عمرو بن جحاش البيت الذي كان النبي ﷺ مستندا إلى جداره.
حينذاك رابه أمرهم وزاده ريبة ما كان يبلغه سابقا من حديثهم عنه وائتمارهم به، فترك موضعه بالقرب من الجدار، وقفل راجعا إلى المدينة وحده.
ولما استبطأه أصحابه، قاموا للتفتيش عنه، فرأوا رجلا مقبلا من المدينة المنورة، فأخبرهم أن النبي ﷺ هناك، فأسرعوا يلحقون به. فلما ذكر ما رابه من أمر يهود ومن اعتزامهم الغدر به، تنبّهوا الى حركات يهود التي تدل على مؤامرتهم للقضاء على حياة النبي ﷺ.
وقد عرف- بعد- أن عمرو بن جحاش هو الذي أراد قتل النبي ﷺ بإلقاء حجر الرحى عليه من عليه من فوق سطح الجدار الذي كان النبي ﷺ تحته.
واستدعى النبي ﷺ محمد بن مسلمة ﵁ وقال له: (اذهب الى
_________________
(١) - هما رجلان من بني كلاب قد كان لهما من رسول الله (ص) أمان، فقتلهما عمرو بن أمية الضمري في طريق عودته من بئر معونة بعد أن قتل المشركون أصحابه كلهم، وهو لا يعرف أمان رسول الله (ص) لهما. فلما قدم على رسول الله (ص) وأخبره بمقتل أصحاب بئر معونة وأخبره بأنه قتل العامريين فقال النبي (ص): (بئس ما صنعت! قد كان لهما مني أمان وجوار، لأديتهما الى قومهما) . أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٥٣.
[ ٢٠٦ ]
يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي! لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. لقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه)
لم يجد يهود مناصا من الخروج، فأخذوا يتجهّزون للرحيل، إلا أن منافقي المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ أرسلوا إليهم: (أن اثبتوا ونحن ننصركم على محمد وصحبه)
عند ذاك عادت لليهود ثقتهم بأنفسهم، واستقرّ رأيهم على القتال، وبعثوا للنبي ﷺ من يقول له: (لن نخرج، فافعل ما بدا لك) ! ثم احتموا بحصونهم ونقلوا الحجارة الى شوارعهم وأقاموا منها متاريس وخنادق للاحتماء وراءها في القتال، وكدّسوا أرزاقا تكفيهم لمدة سنة في حالة حصارهم؛ وكان الماء متيسرا لديهم باستمرار.
تحرّك المسلمون بقيادة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام الى ديار بني النضير، فحاصروهم عشرين ليلة، كانوا أثناءها يحتلون شارعا بعد شارع ودارا بعد دار نتيجة لقتال الشوارع والمدن.
ولما رأى الرسول ﷺ إصرار يهود على القتال مستفيدين من حصونهم القوية، أمر أصحابه أن يقطعوا نخل يهود وأن يحرقوه «١»، حتى لا تبقى يهود حريصة على القتال طمعا في المحافظة على أموالها.
_________________
(١) - راجع قانون الحرب والحياة من القانون الدولي. الاحتلال الحربي: دخول قوات الدولة المحاربة إقليم العدو ووضعها هذا الاقليم تحت سيطرتها الفعلية، والدولة بهذا الإجراء تنقل ميدان القتال الى أرض العدو، والعدو يتحمل- نتيجة لهذا الاحتلال- كل أضرار الحرب المادية وما يترتب على قصف القنابل من خسائر أو تستلزمه الاجراءات العسكرية من إتلاف مزارع أو نسف جسور، وهو الذي يتحمل فوق هذا الاضرار المالية الجسيمة التي تترتب على قيام الحرب في إقليمه، فأرضه الداخلة في ميدان القتال يتعطل زرعها، ومبانيه واملاكه وتجارته يتعطل استغلالها، أضف الى كل ذلك ما تملكه الدولة المحاربة من حقوق مالية في الارض المحتلة من بينها حقها في أن تفرض الضرائب فيها وأن تلزم سكانها بدفع الاعانات الجبرية، وان تستولي منهم على ما تحتاج اليه لجيوش الاحتلال.
[ ٢٠٨ ]
وجزع يهود وانتظروا عبثا إسراع عبد الله بن أبيّ أو القبائل الأخرى المعادية للمسلمين لنجدتهم، فسألوا محمدا ﷺ أن يؤمّنهم على أموالهم ودمائهم وذراريهم، حتى يخرجوا من المدينة المنورة.
وافق الرسول ﷺ على مصالحتهم بشرط أن يخرجوا من المدينة، ولكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال أو طعام أو شراب ليس لهم غيره؛ فخرج بعضهم إلى (خيبر) «١» وبعضهم الى ضواحي الشام، وتركوا للمسلمين وراءهم مغانم كثيرة من سلاح بلغ خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا، وغلالا عظيمة، كما أصبحت أرضهم للمسلمين.
٤- غزوات ذات الرقاع «٢»:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
أربعمائة راكب وراجل بقيادة النبي ﷺ.
ثانيا- المشركون:
بنو ثعلبة وبنو محارب من غطفان.
_________________
(١) - خيبر: ناحية على ثمانية برد من المدينة المنورة لمن يريد الشام، يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ٤٩٥.
(٢) - ذات الرقاع: الرقاع اسم شجرة في موضع الغزوة سميت بها، وقيل لأن أقدام الصحابة نقبت من المشي فلفوا عليها الخرق. وقيل بل سميت برقاع كانت بألويتهم. أنظر معجم البلدان ٤/ ٢٦٨.
[ ٢٠٩ ]
ب- الهدف:
القضاء على بني ثعلبة وبني محارب المحتشدين لغزو المدينة المنورة أولا، ولأخذ ثأر شهداء المسلمين في بئر معونة «١» ثانيا.
ج- الحوادث:
إتّصل بالنبي ﷺ أن جماعة من غطفان بنجد يحتشدون لغزو المدينة المنورة، لذلك خرج بأربعمائة راكب وراجل حتى نزل (نخلا) «٢» حيث اجتمع بنو محارب وبنو ثعلبة من غطفان.
وعلى الرغم من ضخامة عدد هؤلاء الأعراب، إلا أن مباغتة النبي ﷺ لهم أربكتهم، فتفرقوا تاركين وراءهم نساءهم وأموالهم.
_________________
(١) - حديث بئر معونة. يراجع سيرة ابن هشام: قدم المدينة أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله (ص)، فعرض عليه رسول الله الإسلام ودعاه اليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام. وقال: (يا محمد! لو بعثت رجالا من أصحابك الى أهل نجد فدعوهم الى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك) . فقال رسول الله (ص): (إني أخشى عليهم أهل نجد) . قال أبو براء: (أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس الى أمرك) . بعث الرسول (ص) المنذر بن عمرو في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين.. فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فلما نزلوها بعثوا بكتاب رسول الله الى عامر بن الطفيل، فلما أتاه الكتاب لم ينظر في كتابه حتى علا الرجل الذي جاء بالكتاب، فقتله ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه الى ما دعاهم اليه، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم فأجابوه الى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد فانهم تركوه وبه رمق. وبئر معونة: بئر بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم وكلا البلدين منها قريب، إلا أنها الى حرّة بني سليم أقرب. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٢/ ٧ و٨/ ١٠١.
(٢) - نخلا. قال ياقوت: منزل من منازل بني ثعلبة من المدينة على مرحلتين. وكان هذا المنزل شجرة بعبدها العرب تسمى (فرات الرقاع) لذلك سميت هذه الغزوة باسم (فرات الرقاع) .
[ ٢١٠ ]
احتمل المسلمون ما استطاعوا من غنائم، وعادوا بها أدراجهم الى المدينة المنورة؛ ولكنهم كانوا في طريق عودتهم حذرين من قيام المشركين بهجوم مضاد عليهم، فتناوبوا الحراسة ليلا وبقوا حذرين نهارا، ولكنّ المشركين لم يقوموا بعمل ما!
وعاد الرسول ﷺ بصحابته الى المدينة المنورة بعد غياب خمسة عشر يوما.
٥- غزوة بدر الآخرة:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
ألف راكب وراجل بقيادة النبي ﷺ.
ثانيا- المشركون:
أكثر من ألفي رجل من قريش بقيادة أبي سفان بن حرب.
ب- الهدف:
كسر معنويات قريش والتغلّب عليها لإظهار قوة المسلمين للمشركين ويهود.
ج- الحوادث:
خرج الرسول ﷺ بعد أن مضى عام كامل على يوم (أحد) مع أصحابه الى موضع (بدر) ليلاقي قريشا هناك، كما وعد أبا سفيان بن حرب بعد غزوة (أحد)، حين سمعه يقول: (يوم بيوم بدر، والموعد العام المقبل في بدر) .
كان العام عام جدب، وكان أبو سفيان بن حرب يودّ لو يؤجل لقاء المسلمين الى عام آخر، فبعث رجلا الى المدينة يقول للمسلمين: (إن قريشا جمعت جيشا لا قبل لجيش في العرب بمواجهته لتحاربهم به حتى تقضي عليهم قضاء لا يعد ما تمّ ب (أحد) الى جانبه شيئا) . لكن الرسول ﷺ لم يكترث بهذا الوعيد وأصرّ على الخروج.
[ ٢١١ ]
وصل المسلمون (بدرا) وانتظروا قريشا هناك، ولكنّ المشركين الذين خرج بهم أبو سفيان من مكة تردّدوا بين الإقدام والإحجام، فآثروا السلامة وعادوا أدراجهم الى مكة بعد أن قطعوا مسيرة مرحلتين منها.
وعاد المسلمون الى المدينة بعد أن طال انتظارهم للمشركين ثمانية أيام ب (بدر)، وقد محت غزوة بدر الآخرة كل أثر سيء لمعركة (أحد) داخل المدينة المنورة وخارجها على حد سواء.
٦- غزوة دومة الجندل «١»:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
ألف راكب وراجل بقيادة النبي ﷺ.
ثانيا- المشركون:
القبائل البدوية التي تقطن منطقة (دومة الجندل) .
ب- الهدف:
منع القبائل القاطنة منطقة (دومة الجندل) من قطع الطرق ونهب القوافل والقضاء على حشودها لمهاجمة المدينة المنورة.
ج- الحوادث:
خرج النبي ﷺ بألف من المسلمين، يكمن بهم نهارا ويسير ليلا، حتى يباغت قبائل (دومة الجندل) في وقت لا يتوقعونه.
_________________
(١) - دومة الجندل: خصن على سبع مراحل من دمشق تقع بين دمشق والمدينة المنورة، فيها حصن مبني بالجندل لذلك سميت بدومة الجندل، وهي حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طيء. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٤/ ١٠٦.
[ ٢١٢ ]
تقع دومة الجندل على الحدود بين الحجاز والشام، وقد قطع المسلمون المسافة بين المدينة وبينها بخمس عشرة مرحلة، فلما وصلها الرسول ﷺ فرّت القبائل المحتشدة فيها خوفا من لقاء المسلمين، كما فرّ أهل (دومة الجندل) فلم يجد المسلمون أحدا منهم، فأرسلوا دوريات قتال واستطلاع للحصول على (التّماس) «١» بالمشركين وللحصول على المعلومات عنهم، حتى يقوم المسلمون بمطاردتهم، ولكن ذهبت جهود هذه الدوريات أدراج الرياح، لأن القبائل وأهل (دومة الجندل) فروا بعيدا واختفوا عن الأنظار.
وعاد المسلمون الى المدينة المنورة بعد أن أقاموا في (دومة الجندل) بضعة أيام.
٧- غزوة بني المصطلق:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
قواتهم تقدّر بألف مسلم بين راكب وراجل معهم ثلاثون فرسا بقيادة النبي ﷺ.
ثانيا- المشركون:
بنو المصطلق من خزاعة، وهم من حلفاء بني مدلج بقيادة الحارث بن أبي ضرار الخزاعي.
ب- الهدف:
القضاء على حشود بني المصطلق قبل تعرضهم بالمدينة المنورة.
_________________
(١) - التماس: اصطلاح عسكري حديث أمعناه: لقاء العدو وقتاله.
[ ٢١٣ ]
ج- الحوادث:
بلغ النبي ﷺ أن بني المصطلق وهم فرع من خزاعة يحشدون جموعهم في منطقة (المريسيع) «١» قرب مكة للهجوم على المدينة وقتل النبي ﷺ، لذلك أسرع النبي ﷺ بالخروج ليأخذهم على غرّة.
جعل لواء المهاجرين لأبي بكر الصديق ﵁، ولواء الأنصار لسعد ابن عبادة ﵁، ونزل المسلمون على ماء قريب من بني (المصطلق) يقال له: (المريسيع)، ثم أحاطوا ببني (المصطلق)، ففرّ من جاء لنصرتهم من القبائل الموالية لهم وقتل من بني المصطلق عشرة ومن المسلمين رجل واحد ثم استسلم بنو المصطلق، فأخذوا أسرى.
وكان لعمر بن الخطاب ﵁ في الجيش أجير يقود فرسه، فازدحم بعد انتهاء المعركة مع أحد رجال الخزرج على الماء، فاقتتلا
فصاح الخزرجي: يا معشر الأنصار!
ونادى أجير عمر: يا معشر المهاجرين!
وسمع عبد الله بن أبي النداء، وكان قد خرج على رأس المنافقين مع المسلمين في هذه الغزوة متظاهرا بالإسلام، فانتهزها فرصة ليشعلها فتنة عمياء بين المهاجرين والأنصار.
ولما علم النبي ﷺ بالحادث، قرّر الرحيل فورا قبل أن يستفحل الأمر.
وانطلق بالناس طيلة يومهم حتى أمسوا، وطيلة ليلتهم حتى أصبحوا، وصدر يومهم الثاني حتى آذتهم الشمس، فلما نزل الناس لم يلبثوا حين مسّت جنوبهم الأرض أن ناموا من فرط تعبهم.
_________________
(١) - المريسيع: اسم ماء في ناحية قديد. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٤١، بين المريسيع وبين الفرع نحو يوم وبين الفرع والمدينة المنورة نحو ثمانية برد. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٦٣.
[ ٢١٤ ]
وأنسى التعب المسلمين فتنة ابن أبي، وعادوا الى المدينة المنورة ومعهم الأسرى «١» والغنائم.
وظن المسلمون أن النبي ﷺ سيعاقب عبد الله بن أبي، الذي قال يومها:
(لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، فجاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي يطلب من النبي ﷺ أن يتولى هو قتل أبيه!
ولكنّ النبي ﷺ عفا عنه قائلا لولده المؤمن الصادق الأمين: (إنا لا نقتله، بل نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) .
لقد غاب رسول الله ﷺ في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال شهر رمضان المبارك.
دروس من غزوات التطهير
١- المسير الليلي:
تحرك الرسول ﷺ ليلا «٢» في أكثر هذه الغزوات، حتى يحول دون انكشاف نياته واتجاه حركة قواته، فيأمن بذلك مباغتة أعدائه مباغتة تامة بالمكان والزمان.
لقد كانت القبائل التي غزاها النبي ﷺ قوية ولها حلفاء وأنصار، فلو أنها عرفت بمسيره لسارعت بالاستعداد للقائه ولاستعانت عليه بحلفائها وأنصارها لمعاونتها يوم اللقاء.
_________________
(١) - منهم من منّ عليه رسول الله (ص) بغير فداء ومنهم من افتدى، فافتديت المرأة والذرية بست فرائض، فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت الى قومها. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٦٤.
(٢) - المسير ليلا: هو السّرى.
[ ٢١٦ ]
ولكنّ المسير الليلي حال بينها وبين ذلك كله، فاستطاع النبي ﷺ بقواته القليلة بالنسبة لقوات تلك القبائل، أن يتغلّب عليها ويقضي على نياتها العدوانية، ويلقي الرعب في نفوسها ونفوس القبائل الأخرى التي سمعت بانتصار المسلمين.
إن الضربة الأولى، لها أثر حاسم على نفسية الأعراب، فإذا أمكن التغلب عليهم في المعركة الأولى تشتت شملهم، وإلا فما أصعب القضاء عليهم!
لقد عرف الرسول ﷺ نفسية القبائل هذه، فحاول القضاء على معنوياتها بضربة مباغتة بالمسير الليلي الذي أدى الى تطبيق مبدأ: المباغتة، أهم مبادىء الحرب على الاطلاق.
٢- الهجوم فجرا:
استطاعت سرية أبي سلمة القيام بهجوم فجري على بني (أسد)، فكان هذا الهجوم مباغتة كاملة أثرت على معنوياتهم، وأجبرتهم على الفرار.
إن الهجوم فجرأ يؤمّن المباغتة، لأن العدو يكون بين نائم لا يفيد في القتال أو مستيقظ غير متهيىء له، وهؤلاء جميعا غير متهيئين للقتال، ولا جدوى منهم للنهوض بأعباء الحرب.
ولكنّ الهجوم فجرا يحتاج الى قوة مدرّبة تستطيع معرفة أهدافها، فلا يصطدم بعضها ببعض، فيؤدي ذلك الى خسائر في الأرواح دون مبرر، مما يدل على تدريب المسلمين تدريبا متميزا على فنون القتال.
كما يحتاج الهجوم فجرا الى قيادة مسيطرة والى ضبط شديد لتنفيذ الأوامر.
إن نجاح المسلمين بهذا الهجوم معناه وصولهم الى درجة عالية في التدريب والضبط، وهما أهم عناصر الجيش القوي الرصين.
[ ٢١٧ ]
٣- قتال المدن والشوارع:
نقل بنو (النضير) الحجارة الى الشوارع، وجعلوا منها متاريس للقتال وراءها، كما دافعوا عن الشوارع والدور دفاعا مستميتا.
وقام المسلمون بتطهير الشوارع والدور والانتقال من شارع الى آخر ومن دار الى أخرى، حتى ضيّقوا الحصار على يهود، وأجبروهم على الاستسلام.
إن قتال المدن والشوارع سهل على المدافع، لأنه يعرف الطرقات ومداخل البيوت ومخارجها، كما أن الشوارع والدور تقدم حماية للمدافعين، لذلك فإن مهمة قتال المدن والشوارع ليست سهلة على المهاجم وتحتاج الى قيادة مسيطرة وضبط متين وتدريب جيد.
إن نجاح المسلمين في قتال المدن والشوارع ضد يهود، يدل بوضوح على أن مستوى قيادتهم وضبطهم وتدريبهم كان رفيعا جدا.
٤- الابداع «١»:
الإبداع هنا، معناه: سرعة الخاطر في إعطاء القرار الجازم الصحيح في المواقف الحرجة، مع تحمّل مسؤولية ذلك القرار مهما تكن النتائج.
وقد كان عمل عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان الهذلي الذي حشد بني لحيان لمهاجمة المدينة إبداعا متميزا أدى الى تشتيت قبيلته، وبذلك قام
_________________
(١) - الإبداع: سبق العدو بالعمل لإرغامه على تبديل الخطة التي اتخذها وإرغامه للانقياد الى رغائبك.
[ ٢١٨ ]
عبد الله بن أنيس وحده مقام قوة كبيرة كان عليها أن تتحرك لمهاجمة بني لحيان، فتبذل جهودا ووقتا ومالا في معركة غير معروفة النتائج.
وكان عمل النبي ﷺ في تحريكه قواته بعد غزوة بني (المصطلق) عندما علم بمحاولة عبد الله بن أبي إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار، واستمرار المسير الشاق لمدة ثلاثين ساعة كان عمل الرسول ﷺ هذا إبداعا متميزا، إذ لولا مسارعته الى الحركة بقواته حتى أنهكها التعب لما استبعدنا بتاتا نجاح عبد الله بن أبي في فتنته.
إن مزية الإبداع من أعظم مزايا القائد القدير.
٥- المعنويات:
حاول المشركون والمنافقون أن ينالوا بدعاياتهم الضارة من معنويات المسلمين بعد أن عجزوا عن أن ينالوا منهم في ساحات القتال.
لقد حاول المشركون أن يؤثروا في معنويات المسلمين، كي لا يطمئنوا الى إرسال دعاتهم خارج المدينة المنورة، وبذلك يجعلون الدعوة تنحصر في محيط ضيّق لا يتسع لآمالها القريبة والبعيدة.
غدر بنو عضل والقارة بمعاونة هذيل بستة من الدعاة في (الرجيع) «١»، وكان بنو عضل والقارة هم الذين طلبوا من الرسول ﷺ إرسال قسم من
_________________
(١) - الرجيع: ماء لهذيل قرب الهدأة بين مكة والطائف. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٤/ ٢٢٨.
[ ٢١٩ ]
دعاته إليهم ليعلموهم الإسلام «١» .
وغدر عامر بن الطفيل من بني عامر مع قسم من الأعراب بأربعين داعيا من دعاة الإسلام في (بئر معونة) بنجد وقضى عليهم إلا رجلا واحدا عاد الى المدينة المنورة يحمل أخبار الشهداء.
فهل أثرت هذه الخسائر في معنويات المسلمين وفي ما هم عليه من صبر وإيمان؟
_________________
(١) - قدم على رسول الله (ص) رهط من عضل والقارة وهم الى الهون من خزيمة فقالوا: (يا رسول الله، إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام) . فبعث معهم عشرة رهط وأمّر عليهم عاصم بن ثابت وقيل: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع غدر المشركون بالمسلمين واستصرخوا عليهم هذيلا، فأخذ أصحاب رسول الله (ص) سيوفهم فقالوا لهم: (إنا والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب بكم ثمنا من أهل مكة، ولكم العهد والميثاق ألا نقتلكم) !! أما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد بن أبي البكير فقالوا: (والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا)، فقاتلوهم حتى قتلوا. وأما زيد بن الدئنة وخبيب ابن عدي وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم. وخرج المشركون بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القيد وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بمر الظهران. وقدموا بخبيب وزيد مكة. أما زيد فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه، وابتاع حجير بن أبي إهاب خبيب بن عدي لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه. قالت قريش عند قتل زيد: (يا زيد، أنشدك الله، أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمدا عندنا مكانك نضرب عنقه)؟ فقال: (لا والله لا أحب أن محمدا يشاك في مكانه بشوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي)، فقال أبو سفيان: (والله ما رأيت من قوم قط أشد حبا لصاحبهم من أصحاب محمد له) . أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٥- ٥٦، وسيرة ابن هشام ٣/ ١٦٠.
[ ٢٢٠ ]
إن استشهاد الدّعاة لم يؤثر في معنويات المسلمين، لأنهم استمرّوا على إرسال دعاتهم وخرجوا لأخذ ثارات هؤلاء الدعاة، حتى لا يعود المشركون الى الغدر بالمسلمين مرة أخرى.
وحاول المنافقون التأثير في معنويات المسلمين بأسلوب آخر، هو أسلوب اختلاق الأخبار الكاذبة، فاختلقوا حديث الإفك بعد غزوة بني المصطلق.
ولم يؤثر هذا الأسلوب أيضا في معنويات المسلمين؛ فلم يبق أمام المشركين ويهود والمنافقين إلا أن يحشدوا كل قواتهم في صعيد واحد لمحاولة القضاء على المسلمين ماديا ومعنويا، كما سنرى ذلك في غزوة الخندق.
[ ٢٢١ ]
هازم الاحزاب
(إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا) .
(القرآن الكريم)
[ ٢٢٣ ]