غزوة حنين «١» وحصار الطائف «٢»
الموقف العام
١- المسلمون:
كان لفتح مكة أكبر الأثر في توحيد شبه الجزيرة العربية كلها تحت لواء الاسلام، كما كان له أثر معنوي عميق في المسلمين والمشركين على حد سواء، فأصبحت شبه الجزيرة العربية قوة موحّدة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد، تعمل بقيادة واحدة، ولم يبق على الشرك إلا قسم من القبائل كقبيلتي هوازن وثقيف، ومن الواضح أن قضية إسلام هذه القبائل أصبحت قضية وقت ليس إلا، لانهيار أكبر حصن للشرك: مكة، ولانهيار أكبر عدو للإسلام: قريش!
٢- المشركون:
سمعت هوازن وثقيف وقسم من القبائل الأخرى بفتح مكة، فقررت أن تقوم بغزو المسلمين قبل أن يقوم المسلمون بغزوهم، وأخذت تحشد قواتها في منطقة الطائف.
ولكن انتشار الاسلام في هوازن وثقيف، جعل الكثيرين من رجال تلك القبيلتين يتخلّفون عن هذا الحشد، إذ تخلّفت كعب وكلاب وأشجع كما تخلفت قبائل أخرى، ورجال من ذوي العقول.
_________________
(١) - حنين: هو واد قبل الطائف بينه وبين مكة ثلاث ليال. انظر معجم البلدان ٣/ ٣٥٤.
(٢) - الطائف: بلد ثقيف ذات مزارع وأعناب ونخل وموز وسائر الفواكه، وبها مياه جارية. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٦/ ١٠.
[ ٣٦١ ]
كان التردد ظاهرا على القبائل المحتشدة، وكان الاختلاف واضحا بينها، ولم تكن معنوياتها عالية على كل حال.
قوات الطرفين
١- المسلمون:
اثنا عشر ألفا بين راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ: ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من المسلمين الذين حضروا فتح مكة.
٢- المشركون:
قبيلة هوازن (عدا عقيل بن كعب بن ربيعة وبشر بن كعب بن ربيعة وبني كلاب بن ربيعة وسائر إخوتهم) ومعظم قبيلة ثقيف بقيادة مالك بن عوف النصري من هوازن.
أهداف الطرفين
١- المسلمون:
ضرب القبائل المحتشدة من ثقيف وهوازن قبل أن يستفحل أمرها وتهدّد مكة نفسها ومن فيها من المسلمين.
٢- المشركون:
القضاء على قوات المسلمين وأخذ المبادأة منهم.
قبل المعركة
١- المسلمون:
سمع الرسول ﷺ بأخبار تحشّد هوازن وثقيف لمهاجمة المسلمين، فأرسل
[ ٣٦٣ ]
عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يذهب الى منطقة تحشد المشركين للتأكد من صحة تلك الأخبار.
وعاد عبد الله الأسلمي من واجبه ليخبر المسلمين بأن قبائل هوازن وثقيف قد أنجزت حشدها في منطقة وادي أوطاس، وأنها تنوي مهاجمة المسلمين. قرر الرسول ﷺ مهاجمة هذه القبائل ليحتفظ بالمبادأة بيد المسلمين، وبدأ بانجاز الاستعدادات الضرورية للحركة.
وبلغ الرسول ﷺ أن عند صفوان بن أمية دروعا وسلاحا فاستعارها من صفوان ليكمل بها تسليح قواته، وكان عددها مائة درع مع أسلحتها؛ ولما أنجز المسلمون استعداداتهم تحرّكوا باتجاه (حنين)، وكانت المقدمة مؤلفة من سليم بقيادة خالد بن الوليد وأمامها القطعات الراكبة من الفرسان، وكان القسم الأكبر مؤلفا من القبائل الأخرى، وأمام كل قبيلة رايتها؛ وكانت الكتيبة الخضراء المؤلفة من المهاجرين والأنصار في مؤخرة القسم الأكبر ومعها الرسول ﷺ.
وصل جيش المسلمين فجرا الى وادي (حنين)، ذلك الجيش الذي قال المسلمون عنه: (لن نغلب اليوم من قلّة) .
٢- المشركون:
حشدت هوازن وثقيف قواتها في وادي حنين (أوطاس) ومعهم نساؤهم وأطفالهم وأموالهم، وقد أراد مالك بن عوف قائدهم أن تكون الذراري والأموال مع المقاتلين، حتى يشعر كل رجل منهم وهو يقاتل أن حرمته وثروته وراءه فلا يفر عنها.
وقد اعترض دريد بن الصمّة وهو فارس مجرب قائلا لمالك: (هل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت الدائرة لك لم ينفعك إلا رجل برمحه وسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك) . فكان جواب مالك: (والله لا
[ ٣٦٤ ]
أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري) .
اضطرت هوازن الى الأخذ برأي مالك، وكان شابا في الثلاثين من عمره قوي الإرادة ماضي العزيمة شجاعا، ولكنه كان سقيم الرأي متهورا سيىء المشورة.
كانت خطة مالك تتلخص باحتلال الهضاب والجبال المشرفة على وادي (حنين) الذي ستسلكه قوات المسلمين، حتى اذا دخلت قوات المسلمين في الوادي، باغتهم المشركون بالرمي عليهم بالنبال من كل جانب لارباك ترتيباتهم التعبوية التي اتخذوها في مسير الاقتراب والتأثير في معنوياتهم، ثم القيام بالهجوم عليهم بعد ارتباك ارتال مسيرهم وإيقاع الخسائر بهم وتحطيم معنوياتهم لإجبارهم على الانسحاب أولا ومحاولة قلب الانسحاب الى هزيمة نكراء.
وأكمل المشركون احتلال هضاب الوادي ومضايقه قبل دخول المسلمين اليه، وكمنوا في مواضعهم المستورة انتظارا لجيش المسلمين.
القتال
١- هجوم المشركين:
دخلت قوات المسلمين وادي (حنين) فجرا، وكان واديا أجوف منحدرا ينحط فيه الركبان كلما أوغلوا، كأنهم يسيرون الى هاوية؛ فلما استقرت أكثر قوات المسلمين في الوادي، رماهم المشركون بوابل من سهامهم، فلم يعرف المسلمون مصدر ذلك الرمي ولا اتجاهه، لأن الظلام كان مخيّما وقتذاك، ولأن مواضع المشركين كانت مخفية تماما؛ فانسحبت مقدمة المسلمين وجرفت أمامها قوات المسلمين الأخرى، فانقلب انسحاب المسلمين الى هزيمة.
ورأى أبو سفيان هزيمة المسلمين فقال: (لا تنتهي هزيمتهم دون البحر)
[ ٣٦٥ ]
وقال آخرون ممن أسلموا حديثا مثل قوله، بل إن شيبة بن عثمان بن طلحة الذي قتل أبوه في غزوة (أحد)، حاول اغتيال الرسول ﷺ في عنفوان هذا الموقف العصيب، ليدرك ثأر أبيه من النبي ﷺ.
وترك المشركون مواضعهم للقيام بالمطاردة بعد انسحاب المسلمين، وكان يتقدم هوازن رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف منحدرون وراءه يطعنون.
وانتشر الفزع بين المسلمين، وازدحمت المسالك بالسابلة، وارتبكت ارتالهم واختلطت القبائل ببعضها، وركبت الإبل بعضها بعضا وهي مولية بأصحابها، وتعقدت الأمور.
٢- هجوم المسلمين المضاد:
ثبت الرسول ﷺ في مكانه، وثبت معه عشرة من أهل بيته ومن المهاجرين «١»، بينهم عمه عباس، وأخذ الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام ينادي الناس إذ يمرون به منهزمين: (أين أيها الناس!؟ أين!؟ هلموا إليّ. أنا رسول الله.
أنا محمد بن عبد الله)، فلا يرد عليه أحد بجواب، لأن الارتباك كان سائدا في صفوف المسلمين الى أقصى الحدود.
عند ذاك أمر الرسول ﷺ عمه العباس- وكان جهير الصوت- أن ينادي:
(يا معشر الأنصار! يا أصحاب البيعة يوم الحديبية) !
وكرر العباس النداء، حتى تجاوبت أصداؤه في جنبات الوادي.
وسمع النداء المهاجرون والأنصار، فأخذوا يكافحون ليبلغوا مصدر الصوت،
_________________
(١) - هم: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والعباس عم النبي (ص) وأبو سفيان بن الحارث وابنه جعفر والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن أم أيمن بن عبيد، قتل يومئذ.
[ ٣٦٦ ]
فرمى اكثرهم درعه وترك بعيره واستصحب معه سيفه وترسه فقط، ليبلغ مصدر الصوت بسرعة ما استطاع الى ذلك سبيلا.
واجتمع حول الرسول ﷺ نحو مائة مسلم وهم يهتفون: (لبيك)، فاستقبل الرسول ﷺ بهم المشركين، وصمدوا في مواضعهم حتى فتر هجوم المشركين.
وكان النهار قد طلع وكان المشركون قد تركوا مواضعهم التي كانوا قد احتلوها في الهضاب والجبال المحيطة بوادي (حنين)، فأدى صمود المسلمين العنيد الى إيقاع بعض الخسائر بالمشركين، مما أدى الى انهيار معنوياتهم وتراجعهم.
ولولا صمود هذا العدد القليل من المسلمين ومشاغلتهم المشركين، لكانت خسائر المسلمين في تلك المعركة كبيرة جدا.
وأخذ عدد المسلمين الصامدين يتزايد، وهناك بدأوا بالهجوم المضاد على المشركين؛ وعندما رأت هوازن وثقيف أنّ المقاومة لا تجديهم نفعا، وأنهم لا يستطيعون صد هجوم المسلمين، انسحبوا من ميدان المعركة تاركين وراءهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين. ولم يكن للمشركين ساقة لحماية الانسحاب، فانقلب انسحابهم الى هزيمة.
٣- المطاردة:
انسحبت أكثر ثقيف باتجاه (الطائف)، وكان معهم مالك بن عوف، وانسحبت هوازن والقبائل الأخرى باتجاه (أوطاس) و(نخلة) «١» .
وقام المسلمون بالمطاردة، وأعلن النبي ﷺ أنّ من قتل مشركا فله سلبه، ووصلت مطاردة المسلمين الى (أوطاس)، فأوقعوا بهوازن هناك خسائر فادحة بالأرواح، كما وصلوا الى (نخلة) فأوقعوا بالمنسحبين الى هناك من هوازن أيضا خسائر فادحة، كما استسلم كثير من المشركين أسرى، ولما عاد حديث والعهد بالإسلام من هزيمتهم رأوا الكثيرين من المشركين أسرى مصفدين بالأغلال.
_________________
(١) - نخلة: واد من الحجاز بينه وبين مكة مسيرة ليلتين. انظر معجم البلدان ٨/ ٢٧٦.
[ ٣٦٧ ]
حصار الطائف
وصل بعض المسلمين بمطاردتهم الى الطائف، التي التجأ إليها المنهزمون من المشركين، وكانت مدينة محصّنة ذات أسوار وحصون قوية ولها أبواب تغلق عليها.
وتجمّعت أرتال المسلمين التي طاردت المنسحبين الى (أوطاس) و(نخلة) - بعد إنجاز واجباتها- برتل المسلمين الذي طارد ثقيفا باتجاه الطائف، لإجبار ثقيف على الاستسلام.
إلا أنّ ثقيفا سدّدت نبالها على المسلمين الذين كانوا قريبين من الحصون، فأوقعوا فيهم بعض الخسائر، فقرر الرسول ﷺ الانسحاب بعيدا عن مرمى النبل، واستقرّ المسلمون في مواضع أمينة هناك.
وفكّر المسلمون في وسيلة يستطيعون بها إجبار الطائف على الاستسلام، فأشار سلمان الفارسي بقذف حصونها بالمنجنيق وبمهاجمة تلك الحصون بالدبابات
رمى المسلمون الطائف بالمنجنيق وتقرّب بعضهم بحماية الدبابات الى سور الطائف ليخرقوه، ولكنّ أهل الطائف استطاعوا إحباط هذا الهجوم، إذ أحموا قطعا من الحديد بالنار، حتى اذا انصهرت ألقوها على الدبابات الخشبية فحرقتهأ؛ فانسحب المسلمون المحتمون بها من تحتها لئلا يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبل بعد انكشافهم من حماية الدبابات.
أعلن الرسول ﷺ أنه سيعتق كل عبد يأتيه من الطائف، ففرّ إليه حوالي عشرين من عبيد أهلها، فعرف منهم أن المواد الغذائية كثيرة جدا لدى ثقيف، لذلك آثر أن يرفع الحصار عن الطائف بعد أن استمر حوالي شهر واحد، تاركا أمر استسلام ثقيف الى الزمن، خاصة وأن الكثيرين من رجالها اعتنقوا الإسلام.
[ ٣٦٨ ]
خسائر الطرفين
١- المسلمون:
كانت خسائرهم كبيرة جدا في الأرواح. أنظر الملحق (م) .
٢- المشركون:
كانت خسائر المشركين في الأرواح كبيرة جدا، أما خسائرهم في الأموال فكانت:
أربعة وعشرين ألف بعير.
أربعين ألف شاة.
أربعة آلاف أوقية من الفضة.
ستة آلاف نسمة من السبي.
أسباب التخلي عن محاصرة الطائف
يمكن إجمال أسباب تخلي المسلمين عن محاصرة الطائف بما يلي:
١- قوة حصون الطائف وشجاعة بني ثقيف وتكديس المواد الغذائية فيها، كل ذلك جعل استسلامها للمسلمين صعبا يحتاج الى مدة طويلة.
٢- أصبحت الفترة بين ترك المسلمين المدينة في رمضان حتى حصار الطائف والبقاء هناك حوالي شهر واحد، أصبحت الفترة حوالي شهرين تقريبا، وهذه المدة ليست قليلة بالنسبة للمسلمين الذين دخلوا الإسلام حديثا، مما جعل بعضهم يرغب في سرعة العودة الى ديارهم، كما أن الوقت ثمين بالنسبة للرسول ﷺ لتوطيد دعائم الاسلام.
٣- قرب حلول الشهر الحرام (ذي القعدة) .
[ ٣٦٩ ]
٤- انتشار الاسلام في ثقيف مما جعل دخول ثقيف كلها في الاسلام أكيدا لا يحتاج إلا إلى الوقت.
وقد نظمت مقاومة المسلمين ضد ثقيف بعد إسلام مالك بن عوف، حيث استعمله الرسول ﷺ على من أسلم من قومه، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أنمار عليه، حتى ضيّق عليهم الخناق، فالتجأوا الى الرسول ﷺ وأسلموا
الغنائم
١- التكديس:
بعد انتهاء معركة حنين، كدّس الرسول ﷺ الغنائم في موضع (الجعرانة) «١»، حتى يتفرغ للمطاردة وحصار الطائف، ثم يعود بعد ذلك الى توزيعها على أصحابه والمؤلفة قلوبهم.
٢- التوزيع:
بقيت الغنائم غير موزّعة مدة طويلة، لأن الرسول ﷺ كان ينتظر قدوم وفد من هوازن إليه تائبين، ولكنه اضطر الى تقسيم الغنائم بعد أن بلغ انتظاره لهوازن حوالي شهر واحد، دون أن يحضر إليه أحد، خاصة وأن الأعراب وحديثي الإسلام أخذوا يلحّون على الرسول ﷺ طالبين تقسيم الغنائم.
وشرع النبي ﷺ بتقسيم الغنائم، وبدأ بالمؤلفة قلوبهم، فأعطاهم أوفى العطاء وأجزله:
أخذ أبو سفيان مائة من الإبل وأربعين أوقية من الفضة، فقال: (وابني معاوية)؟ فمنح مثلها لمعاوية. فقال: (وابني يزيد)؟ فمنح مثلها لابنه يزيد.
_________________
(١) - الجعرانة: هي ماء بين الطائف ومكة وهي الى مكة اقرب. انظر معجم البلدان ٣/ ١٠٩.
[ ٣٧٠ ]
وأقبل رؤساء القبائل وأصحاب الطمع يتسابقون الى ما يمكن أخذه، وشاع أن النبي ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وأوجس الناس خيفة إن أفشى النبي ﷺ هذه الأعطيات لمن يفدون عليه أن تنقص حصّتهم من الغنائم، فألحوا في أن يأخذ كلّ فيئه. وأكبّ عليه الأعراب يقولون: (يا رسول الله! أقسم علينا فيئنا)، فقام الرسول ﷺ الى جنب بعير، فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين إصبعيه، ثم رفعها، فقال: (أيها الناس! ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة، إلا الخمس والخمس مردود عليكم) .
وقد كان نصيب المؤلفة قلوبهم من هذه الغنائم أوفى نصيب، أما المسلمون الأولون من المهاجرين والأنصار، فقد كان نصيبهم لا يكاد يذكر.
٣- إعادة السبي:
بعد قسمة الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما، وسألوا رسول ﷺ أن يردّ عليهم سبيهم وأموالهم، فخيرهم الرسول ﷺ بين أبنائهم ونسائهم وبين أموالهم، فاختاروا أبناءهم ونساءهم، فقال الرسول ﷺ: (أما ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم، وإذا ما صليت الظّهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله الى المسلمين وبالمسلمين الى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم) .
نفّذت ذلك هوازن، فأجابهم الرسول ﷺ: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم) . قال المهاجرون: (وما كان لنا فهو لرسول الله)، وكذلك قال الأنصار.
ولكنّ الأقرع بن حابس عن تميم وعيينة بن حصن عن فزارة، رفضا إعادة السبي، كما رفض عباس بن مرداس، هنالك قال النبي ﷺ: (أما من تمسك منكم بحقه من السبي، فله بكل إنسان ستة فرائض من أول سبي أصيبه) .
وهكذا ردّ المسلمون كلّ السبايا الى هوازن.
[ ٣٧١ ]
سرايا الدعوة
سرية الطفيل بن عمرو الدّوسي الى ذي الكفّين «١»
لما أراد رسول الله ﷺ السير الى الطائف، بعث الطفيل بن عمرو الدّوسي في شوال سنة ثمان الهجرية الى (ذي الكفين) صنم عمرو بن حممة الدّوسي يهدمه، وأمره أن يستمدّ قومه ويوافيه بالطائف؛ فخرج سريعا الى قومه، فهدم (ذا الكفين) وجعل يحشّ النار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبّادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حششت النار في فؤادكا
وانحدر معه أربعمائة من قومه سراعا، فوافوا النبي ﷺ بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق، فأفاد المسلمون منهما في حصار الطائف.
سرية عيينة بن حصن الفزاري الى بني تميم
بعث رسول الله ﷺ عيينة بن حصن الفزاري في المحرم سنة تسع الهجرية الى بني تميم وكانوا بين (السّقيا) «٢» وأرض بني تميم، وبعث معه خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار.
وهجم عيينة عليهم صباحا فانهزم بنو تميم، فأخذ المسلمون منهم أسرى من
_________________
(١) - ذو الكفين: كان لدوس ثم لبني منهب صنم يقال له: ذو الكفين، فلما أسلموا بعث النبي (ص) الطفيل بن عمرو الدوسي فحرقه. أنظر كتاب الأصنام للكلبي ص ٣٧.
(٢) - السّقيا: من أسافل أودية تهامة، وهي أيضا قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلا. أنظر معجم البلدان ٥/ ٩٤.
[ ٣٧٢ ]
الرجال والنساء والأطفال، ولكن النبي ﷺ أعادهم جميعا الى وفد بني تميم الذي حضر المدينة المنورة.
سرية خالد الى بني المصطلق «١»
بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط في أوائل السنة التاسعة الهجرية الى بني المصطلق يصدّقهم، فلما رأوه أقبلوا نحوه يتلقونه بالجزور والغنم فرحا به، فولى راجعا الى المدينة وأخبر النبي ﷺ أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة.
بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتثبّت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلا، وبعث عيونه فأخبروه أن القوم متمسّكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يعجبه، فرجع الى النبي ﷺ وأخبره الخبر، فنزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)، نزلت في الوليد ابن عقبة «٢» .
سرية قطبة بن عامر بن حديدة الى خثعم
بعث رسول الله ﷺ في صفر سنة تسع الهجرية قطبة بن عامر بن حديدة في
_________________
(١) - المصطلق: هو لقب جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، بطن من خزاعة. راجع فتح الباري بشرح البخاري ٧/ ٣٣٢.
(٢) الأغاني ٤/ ٣٥٦- ٣٥٧، وتفسير ابن كثير ٨/ ١١- ١٢، وبهامشه تفسير البغوي ٨/ ١٠، وتفسير الزمخشري ٣/ ١٢١، والآية الكريمة من سورة الحجرات ٤٩: ٦.
[ ٣٧٣ ]
عشرين رجلا الى حيّ من خثعم بناحية بيشة «١» قريبا من (تربة) «٢» بناحية (تبالة) «٣»، وأمره أن يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة من الإبل يتعقبونها فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم وجعل يصيح فقتلوه، وتريثوا حتى نام القوم فشنوا عليهم الغارة واقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا، إلا أن المسلمين انتصروا أخيرا فساق قطبة النعم والشاء والأسرى الى المدينة المنورة.
سرية الضّحّاك بن سفيان الكلابي الى بني كلاب
بعث رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة تسع الهجرية جيشا الى (القرطاء) «٤» عليهم الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزج (زجّ لاوه) «٥» فدعوهم الى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأصيد أباه سلمة، وسلمة على فرس له في غدير بالزج، فدعا أباه الى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبّه وسب دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه فوقع الفرس على عرقوبيه فارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه.
_________________
(١) - بيشة: اسم قرية غناء في واد كثير الأهل من بلاد اليمن، وبين بيشة وتبالة أربعة أميال من جهة اليمن. وبيشة أيضا واد يصب سيله من الحجاز حجاز الطائف ثم ينصب في نجد. أنظر معجم البلدان ٢/ ٣٣٤.
(٢) - تربة: واد يأخذ من السراة ويفرغ في نجران. أنظر معجم البلدان ٢/ ٣٧٤.
(٣) - تبالة: موضع ببلاد اليمن. أنظر معجم البلدان ٢/ ٣٥٧.
(٤) - القرطاء: جماعة من بني كلاب، وهم قرظ وقريظ وقريظ بنو عبد بن أبي بكر ابن كلاب.
(٥) - زج لاوه: موضع نجدي. أنظر معجم البلدان ٤/ ٣٧٨.
[ ٣٧٤ ]
سرية علقمة بن محرّز المدلجي الى الحبشة
بلغ رسول الله ﷺ أن ناسا من الحبشة رآهم أهل (جدّة) «١»، فبعث إليهم علقمة بن محرّز في ثلاثمائة رجل وذلك في شهر ربيع الآخر سنة تسع الهجرية، فانتهى الى جزيرة في البحر الأحمر، فهربوا منه. فلما رجع تعجل بعض القوم الى أهلهم فأذن لهم، فتعجل عبد الله بن حذافة السّهمي فيهم فأمّره على من تعجّل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها ويصطنعون، فقال: (عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار)، فقام بعض القوم وهمّوا أن يتواثبوا فيها، فقال: (اجلسوا! إنما كنت أضحك معكم)، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (من أمركم بمعصية فلا تطيعوه) .
سرية علي بن أبي طالب الى الفلس «٢» صنم طيّىء
بعث رسول الله ﷺ في ربيع الآخر سنة تسع الهجرية علي بن أبي طالب الى (الفلس) صنم طيّىء ليهدمه، وبعث معه خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا (الفلس) وخرّبوه وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم الطائي الذي هرب الى الشام.
وعاد علي بن أبي طالب الى المدينة المنورة بعد ذلك، فمر النبي ﷺ بأخت عدي بن حاتم، فقالت له: (إن رأيت أن تخلّي عنا ولا تشمت بنا أحياء
_________________
(١) - جدة: مدينة في الحجاز، وهي ميناء مكة المكرمة، تقع غرب مكة على البحر الأحمر، وهي اليوم مدينة كبيرة عامرة.
(٢) - الفلس: في ابن الكلبي بفتح الفاء، وفي طبقات ابن سعد ٢/ ١٦٤ بضمها، وهو صنم لطيء، وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم الذي يقال له: (أجأ) أسود كأنه تمثال إنسان، كانوا يعبدونه ويهدون إليه، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده. أنظر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص ٥٩.
[ ٣٧٥ ]
العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقري الضيف ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط أنا ابنة حاتم طيء)، فقال لها النبي ﷺ: (يا جارية! هذه صفات المؤمنين حقا. لو كان أبوك مسلما لترحّمنا عليه) !
دروس من حنين والطائف وسرايا الدعوة
١- المباغتة:
أ- استخدم الرسول ﷺ في حصار الطائف المنجنيق والدبابة، وبذلك استفاد من سلاحين جديدين في القتال. فما هو المنجنيق؟ وما هي الدبابة؟
يتألف المنجنيق بصورة عامة من عامود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة، يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس. توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تحرّك بواسطة العامود والحبل (راجع شكل المنجنيق)، فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف ويسقط على الأسوار، فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه.
أما الدبابة، فعبارة عن آلة من الخشب الثخين المغلّف بالجلود أو اللبود، تركّب على عجلات مستديرة، فهي عبارة عن قلعة متحركة يستطيع المشاة الاحتماء بها من نبال الأعداء.
هذان السلاحان الجديدان باغت بهما النبي ﷺ أعداءه في الطائف؛ ولكنّ أهل الطائف استطاعوا أن يحرموا المسلمين من فوائد هذين السلاحين، وذلك بأسلوب قذف الحديد المصهور على خشب الدبابات، فاحترقت تلك الأخشاب واضطرّ المحتمون بها الى الفرار، فأصبحوا بعد انكشافهم هدفا مناسبا لرميهم بالسهام، وبذلك أحبطت ثقيف محاولة المسلمين للإفادة من استعمال المنجنيق والدبابة استعمالا مفيدا حاسما.
[ ٣٧٨ ]
منجبيق لرمى النفط
[ ٣٧٩ ]
ب- إن أسلوب احتلال ثقيف وهوازن وادي حنين بشكل مخفي مستفيدين من الأراضي المستورة، أدى الى مباغتتهم للمسلمين مباغتة كاملة.
ولولا صمود النبي ﷺ مع قسم قليل من أصحابه، لاستطاع المشركون استثمار هذه المباغتة المتميزة الى أقصى الحدود.
٢- القيادة:
أي كارثة كان يمكن أن تحل بالمسلمين بعد هزيمتهم في أول معركة حنين، لو لم يكن النبي ﷺ هو قائدهم وقت ذاك؟
لقد كان موقف المسلمين في هزيمتهم عصيبا للغاية: باغتهم العدو من مواضع مستورة في عماية الفجر، وانهالت عليهم النبال من كل جانب، فلما ارتدّوا على أدبارهم طاردهم العدو في ميدان ضيّق لا يتسع للتبعثر الذي يقلّل من الخسائر.
في مثل هذا الموقف العصيب، ثبت النبي ﷺ مع عشرة من أصحابه- عشرة فقط- واستطاع أن يجمّع مائة من المسلمين، ويكوّن منهم (ساقة) «١» يحمي بها انهزام المسلمين من مطاردة المشركين بهؤلاء المائة من الرجال، ثم يقوم بالهجوم المضاد بعد فتور زخم هجوم المشركين ومطاردتهم، فلم يعد المنهزمون من المسلمين إلا بعد فرار المشركين، فوجدوا أسرى المشركين مقرنين بالأغلال.
لم يكن موقف المسلمين حين انهزامهم سهلا، خاصة وأن حديثي الإسلام كانوا أول المنهزمين، بل المشجعين على الهزيمة.
ولم يكن النبي ﷺ يكافح المشركين في موقفه العصيب هذا وحسب، بل كان يكافح كثيرا من أعدائه المتظاهرين بالإسلام الذين كان ضمن جيشه، وقد رأيت كيف حاول أحدهم اغتياله في عنفوان هذا الموقف العصيب.
_________________
(١) - السّاقة من الجيش: مؤخرته. والساقة في المصطلحات العسكرية الحديثة هي القوة المسؤولة عن حماية المؤخرة من العدو، أي هي مؤخرة المؤخرة والجزء القريب بها الى العدو.
[ ٣٨٠ ]
إن نتيجة معركة حنين، مثال رائع لأثر القائد الشخصي على نتيجة المعركة، بل نستطيع أن نقول: ان نتيجة معركة حنين قد كسبها النبي ﷺ وحده بعون من الله.
أما قائد المشركين، فعلى الرغم من شجاعته التي بلغت حد التهور، إلا أنه لم يكن قائدا بالمعنى الصحيح؛ فلم يكن لاستصحاب الأموال والذراري مع المقاتلين أي معنى، ولم يفكر بخطة غير خطة احتلال وادي حنين؛ أما بعد ذلك فقد ارتبك كل شيء في صفوف المشركين، لأنه لم تكن لديهم أية خطة للدفاع أو للانسحاب، حتى أن قائد المشركين لم يستطع تأمين (ساقة) لقواته تحمي انسحابها مما أوقع بقواته خسائر فادحة بالأرواح.
٣- المطاردة:
أ- قام المشركون بمطاردة المسلمين بعد انهزامهم في الصفحة الأولى من غزوة حنين، ولكنّ الصامدين من المسلمين وعلى رأسهم النبي ﷺ، استطاعوا تحديد زخم مطاردة المشركين كما استطاعوا حماية انسحاب المسلمين بدون تدخل المشركين فيه، فكان أول واجب للذين ثبتوا من المسلمين هو قيامهم بواجب (السّاقة) لحماية الانسحاب، وقد نجحت تلك الساقة نجاحا ممتازا إذ لولاها لكانت خسائر المسلمين كثيرة جدا خاصة وأن انسحابهم يجري في منطقة ضيقة لا تساعد على التبعثر الذي يقل من الخسائر.
ب- لم يؤمّن المشركون ساقة لحماية قواتهم عندما تجمعت بعض قوات المسلمين وقامت عليهم بالهجوم المقابل الذي انهزم على إثره المشركون، لذلك استطاع المسلمون إيقاع الخسائر الفادحة بالمشركين، كما استطاعوا جعل انسحابهم ينقلب الى هزيمة.
ج- وقد قام المسلمون بمطاردة مثالية استطاعوا بها القضاء على المشركين المتجهين الى (أوطاس) و(نخلة)، بينما حمت أسوار وحصون الطائف رتل
[ ٣٨١ ]
منجنيق لرمى السهام الثقيلة
المشركين الثالث الذي اتجه الى الطائف، وعند ذاك بدأ حصار الطائف بعد تجمّع أرتال المسلمين هناك.
٤- المعلومات:
أ- بعث المسلمون قبل حركتهم في مكة باتجاه حنين أحد رجالهم ليعرف حقيقة حشد هوازن وثقيف ومواضع حشدها وقوتها ونواياها فعاد الرجل بالمعلومات الكاملة عن هوازن وثقيف.
كما أرسل المشركون دوريات استطلاع لمعرفة اتجاه حركة المسلمين والمواضع التي وصلوها وقوتهم، وقد كانت فائدة هذه الدوريات للمشركين كبيرة جدا، لأنهم انجزوا احتلال وادي حنين بشكل ممتاز قبل وصول المسلمين إليهم، وباغتوا أرتال المسلمين حين دخولهم فيه، ولولا دوريات استطلاعهم لما
[ ٣٨٢ ]
استطاعوا معرفة المواضع التي وصلها المسلمون فبنوا خطتهم بالنسبة لتلك المعلومات الصحيحة لكي يباغتوا المسلمين.
لقد كان عمل دوريات استطلاع المشركين متميزا.
ب- إنّ واجب (المقدمة) «١» المهم هو حماية (القسم الأكبر) والحصول على المعلومات عن العدو حتى لا تباغت قوات (القسم الأكبر) .
ولم تنجز مقدمة المسلمين هذا الواجب أبدا، فهي لم تستطع معرفة مواضع المشركين التي احتلوها في وادي حنين، واندفعت المقدمة بسرعة على غير هدى وبصيرة، واندفعت وراءها قوات المسلمين وراء تلك المقدمة لاعتقادها أن اندفاعها هذا أمين وغير خطر، إذ لو كان هناك خطر لما اندفعت المقدمة أو لاستطاعت القضاء عليه.
إنّ من أهم أسباب هزيمة المسلمين في الصفحة الأولى من معركة حنين، هو عدم قيام مقدمتهم بواجبها، فلم تحصل على المعلومات عن مواضع العدو، ولم تمنع مباغتة العدو للقسم الأكبر.
وبذلك أخفقت مقدمة المسلمين يوم حنين في واجبها إخفاقا ذريعا، على الرغم من أنها كانت بقيادة خالد بن الوليد ﵁!
٥- المعنويات:
أ- كانت معنويات المشركين ضعيفة من أول يوم بدأوا فيه بالحشد، فقد تخلّفت أقوى وأشجع قبائلهم، كما تخلّف أكثر رجالهم من ذوي العقول والأحلام. وقد اضطر مالك بن عوف قائد المشركين أن يستصحب النساء والأطفال والأموال مع المقاتلين حتى لا يفرّ أحد من القتال، بل يكافح دفاعا عن عرضه وأمواله إذا لم يدافع عن غرض آخر.
_________________
(١) - المقدمة: قطعات الحماية الأمامية التي تحمي الجيش من العدو في التقدم نحو العدو.
[ ٣٨٣ ]
وظهر التردد في نفوس القبائل المحتشدة للقتال، فاضطر مالك أن يهدد قواته بأن ينفذوا أوامره ويطيعوه أو يلجأ الى الانتحار.
ب- أما معنويات المسلمين، فقد كانت عالية الى درجة الغرور، حتى قالوا يوم حركتهم الى حنين: (لن نغلب اليوم من قلة)، لكنهم غلبوا من (كثرة) مغرورة في الصفحة الأولى من يوم حنين، ولولا ثبات النبي ﷺ لقضي على معظم المسلمين يوم ذاك إن لم يقض عليهم جميعا.
وصدق الله العظيم: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) «١» .
٦- العقيدة:
أ- العقيدة القوية لها أكبر الأثر في النصر؛ فهي توحّد شعور الناس، وتجعلهم يتعاطفون ويقاتلون لهدف معيّن معروف، وقد انتصر المسلمون بعقيدتهم في كل معركة خاضوها، تلك العقيدة التي جعلتهم يبذلون أرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله.
بعد فتح مكة أسلم كثير من رجال قريش، فلما تحرك جيش المسلمين باتجاه حنين، رافقه حوالي ألفين من هؤلاء المسلمين الحديثي الإيمان الذين لم يعرفوا من الاسلام إلا اسمه، إذ لم يمض على إسلامهم وقت كاف لتفهّم تعاليم الاسلام.
رأى حديثو الاسلام في طريقهم مع جيش المسلمين نحو حنين شجرة عظيمة خضراء، فتنادوا من جنبات الطريق: (يا رسول الله! اجعل لنا (ذات أنواط) كما لهم ذات أنواط) «٢» .
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة التوبة ٩: ٢٥.
(٢) - ذات أنواط: شجرة بعينها كان المشركون ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونه بها ويعكفون حولها.
[ ٣٨٤ ]
وذات أنواط شجرة ضخمة يأتونها في الجاهلية كل سنة للتبرك بها، فيعلّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما، ولم يفقه هؤلاء الذين اسلموا حديثا ولم يدخل الايمان في قلوبهم هؤلاء أن جهاد النبي ﷺ كله كان لغرض واحد: هو القضاء على الشرك وإعداء كلمة التوحيد.
بل كان قسم من هؤلاء يحملون أزلامهم معهم.
لذلك فقد سرّهم انهزام المسلمين، بل أظهروا شماتتهم وشجعوا عليه.
ب- إن من أسباب هزيمة المسلمين في الصفحة الأولى من يوم حنين، هو وجود هؤلاء المسلمين من قريش الذين لم تطمئن قلوبهم للإسلام بعد، فانهزموا أول المنهزمين وأشاعوا الذعر في النفوس وأثروا في المعنويات.
وليس هناك في الحرب أصعب من السيطرة على الانسحاب، فعندما تنسحب قطعة من القطعات وتراها القوات الأخرى، فإن القوات كلها تنسحب معقبة تلك القطعة المنسحبة بدون تفكير ولا شعور، وهذا ما حصل أول يوم حنين، إذ سيطر على المسلمين المنهزمين تفكير القطيع من الغنم، إذا فعل أحدها شيئا اقتفت بقية القطيع أثره وفعلت فعله.
ج- إن انتصار المسلمين لم يكن لكثرتهم في أي معركة خاضوها، بل كان انتصارهم لعقيدتهم الراسخة، وأكبر درس يمكننا استنتاجه من معركة حنين، هو إخفاق المسلمين على كثرتهم في مستهل المعركة لوجود بعض ذوي العقائد الواهنة بين صفوفهم، بالإضافة الى الأسباب الأخرى.
أما انتصار المسلمين في حنين بعد ذلك فكان بثبات ذوي العقائد الراسخة وقيامهم بالهجوم المضاد، فانتصروا على الرغم من قلّتهم، فقد كانوا مائة رجل كما ذكرت بعض المصادر ولا يتجاوزون المئات كما نصّت عليه بعض المصادر الأخرى
[ ٣٨٥ ]
إن معارك المسلمين مع المشركين كانت معارك عقيدة لا معارك عدد وتسليح.
د- ولم يكن للمشركين أية عقيدة واضحة يضحون في سبيلها بأرواحهم عن طيبة خاطر، فاضطروا الى استصحاب أهليهم وأموالهم معهم، حتى يدافعوا عنها عندما يعجزهم الدفاع عن شيء آخر.
لقد رأيت ثبات النبي ﷺ في أخطر موقف عصيب، ولكنّ مالك بن عوف قائد المشركين آثر الفرار مع أول المنهزمين؛ فقصد الطائف وبقي محصورا هناك، فلما قدم وفد هوازن النبي ﷺ، سألهم عن مالك؛ وحين علم أنه ما زال في الطائف مع ثقيف طلب إليهم أن يبلّغوه: (أنه إن أتاه مسلما ردّ عليه ماله وأهله وأعطاه مائة من الإبل) .
حينذاك لم يتردد مالك حين علم بهذا الوعد، أن أسرج فرسه في سر من ثقيف وفرّ به الى النبي ﷺ فأعلن إسلامه وأخذ ماله وأهله ومائة من الإبل!
٧- حرب الفروسية:
مرّ النبي ﷺ في طريقه بامرأة قتيل، فقال: (من قتلها)؟! قالوا:
(قتلها خالد بن الوليد) . فقال لبعض من معه: (أدرك خالدا فقل له:
إن رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدا عسيفا) «١» . لم يكن قتل المرأة المشركة عمدا، بل كان خطأ في أثناء انهزام المشركين وقيام المسلمين بمطاردتهم، وفي مثل هذا الموقف تقع كثير من الأخطاء العسكرية؛ لأن الحالة النفسية للمنهزمين وللقائمين بالمطاردة على حد سواء تكون غير طبيعية، لذلك حدث مثل هذا الخطأ في قتل امرأة واحدة؛ ومع ذلك فقد أراد النبي ﷺ أن يؤكد أوامره السابقة في اجتناب قتل الضعفاء.
_________________
(١) - العسيف: الأجير.
[ ٣٨٦ ]
إن حرب المسلمين كانت حرب فروسية، تطلب النصر بوسائل شريفة، وتعفّ عن الظلم والعدوان.
٨- القضايا الادارية:
أ- توزيع الغنائم:
أولا: سيطر العامل النفسي بالدرجة الأولى على توزيع الغنائم، فقد أراد النبي ﷺ أن يستميل قلوب رجالات قريش الذين أسلموا حديثا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، كما أراد أن يستميل زعماء القبائل الأخرى، لأن كثيرا من الناس يقادون الى الحق من بطونهم لا من عقولهم «١» .
وقد أغدق النبي ﷺ العطاء على هؤلاء، حتى أصبح النبي ﷺ أحب الناس إليهم وأصبح الاسلام دينهم الوحيد. أما المسلمون الأولون، فقد رأى النبي ﷺ أن يحرمهم من الغنائم، لأن إيمانهم أقوى من أن تؤثّر فيه القضايا المادية، فلما عتب عليه قسم من المسلمين الأولين في ذلك أجابهم: (إنني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما الى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن ثعلب) . قال عمرو: (ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم) .
كان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة، فقد حرموا جميعا أعطيات حنين، فلم يمنحوا شيئا منها قط، فقال قائلهم: (لقي والله رسول الله ﷺ قومه)، فمشى سعد بن عبادة الى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم) !
قال النبي ﷺ: (فيم) !؟ قال سعد: (فيما كان من قسمة هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء) .
_________________
(١) - يطلق على هؤلاء: المؤلفة قلوبهم.
[ ٣٨٧ ]
قال النبي ﷺ: (فأين أنت من ذلك يا سعد)؟ قال: (ما أنا إلا امرؤ من قومي) .
قال النبي ﷺ: (اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، «١» فاذا اجتمعوا فأعلمني) . فخرج سعد، فجمعهم حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له، قال: (يا رسول الله! اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم) .
وقف النبي ﷺ فيهم خطيبا فقال: (يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة «٢» فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم)؟
قالوا: (بلى! الله ورسوله أمنّ «٣» وأفضل) .
قال النبي ﷺ: (ألا تجيبون يا معشر الأنصار)؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله، وماذ نجيبك؟؟ المن لله ولرسوله.
قال النبي ﷺ: (والله لو شئتم لقلتم وصدقتكم: جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك «٤»، وخائفا فأمّنّاك، ومخذولا فناصرناك! أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة «٥» من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم الى ما قسم الله لكم من الاسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس الى رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله الى رحالكم؟ فو الذي
_________________
(١) - الحظيرة: هي في الأصل مكان يتخذ للإبل والغنم يمنعها الانفلات ويمنعها هجمات اللصوص والوحوش.
(٢) - العالة: الفقراء.
(٣) - أمنّ: هو أفعل تفضيل من المنة وهي النعمة.
(٤) - آسيناك: أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا.
(٥) - لعاعة: بقلة حمراء ناعمة، شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها.
[ ٣٨٨ ]
نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبا «١» وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار! اللهم إرحم الانصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) .
بكى القوم حتى بللوا لحاهم بالدموع، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا.
ثم انصرف رسول الله ﷺ، وتفرقوا.
لقد حرصت على أن أنقل هذا الحديث كله، كي أبرز بوضوح الحكمة التي أرادها النبي ﷺ من توزيع أكثر الغنائم على المؤلفة قلوبهم، ولكي يظهر الأسلوب الرائع الذي كان يعالج به النبي ﷺ بعض المشكلات التي تعترضه، وكيف يستطيع بهذه المعالجة الحكيمة التخلص من تلك المشكلات بأسلوب مقنع حكيم.
لقد كان كلامه خارجا عن القلب، لذلك فهو يؤثر في القلب، وقد أوتي عليه أفضل الصلاة والسلام جوامع الكلم.
ثانياو في أسلوب جمع الغنائم من الناس والسيطرة عليها ووضعها في محل واحد، مثال قيّم للسيطرة على الغنائم العسكرية وعدم إفساح المجال لتبعثرها في الأيدي دون مبرر.
جمعت الغنائم في موضع (الجعرانة) بين الطائف ومكة بعيدا عن المواضع الخطرة، وتأمّنت حراستها، وسلم المسلمون كل غنيمة أصابوها الى المسؤول عن جمع الغنائم، حتى الإبرة والخيط.
جاء رجل من الانصار بكبة من خيوط شعر، فقال: (يا رسول الله! أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر)، فقال النبي ﷺ: (أما
_________________
(١) - شعب: بكسر فسكون، الطريق بين جبلين.
[ ٣٨٩ ]
نصيبي منها فلك) . فأعادها الأنصاري الى مستودع الغنائم، بل أعاد عقيل ابن أبي طالب إبرة كانت معه الى مستودع غنائم المسلمين.
ان السيطرة على جمع الغنائم ضرورية جدا، وقد نصت التعاليم العسكرية الحديثة على ضرورة السيطرة على جمع الغنائم لئلا تذهب بددا بين الأجناد، ولكن لم تصل الدقة بتاتا في أي وقت من الأوقات وفي أي حال من الأحوال الى ما وصلت إليه الدقة والأمانة التي وصل اليها المسلمون في جمع غنائمهم قبل أربعة عشر قرنا!
ب- الخسائر:
كانت خسائر المسلمين في الأرواح كبيرة عند انهزامهم في الصفحة الأولى من معركة حنين، ولولا ثبات النبي ﷺ مع عشرة من أصحابه، لكانت خسائر المسلمين في الأرواح أضعافا مضاعفة لخسائرهم يومذاك.
وكانت خسائر المشركين بعد هزيمتهم كبيرة جدا، في الأرواح والأموال، خاصة وأنهم لم يؤمنوا ساقة لحماية هزيمتهم.
والدرس المهم من هذا الموقف هو تأمين ساقة قوية للقطعات المنسحبة لحماية الانسحاب، وإلا فالانسحاب ينقلب حتما الى هزيمة، وما أعظم كارثة الانسحاب الذي ينقلب الى هزيمة!
ج- الإعاشة:
كانت تدابير الإعاشة عند المسلمين جيدة، كما كانت تدابير إعاشة المشركين جيدة أيضا، خاصة في حصار الطائف، فقد كدّست ثقيف مواد الإعاشة داخل الطائف، بحيث تكفيها لحصار طويل، لذلك كان من عوامل عودة المسلمين الى مكة قبل استسلام الطائف، هو اعتقادهم بأن ثقيفا لن تستسلم لنقص أرزاقها.
[ ٣٩٠ ]
د- النقلية:
كانت النقلية متيسرة بكميات كافية لدى المسلمين والمشركين على حد سواء، ويكفي أن تطلع على عدد الغنائم من الإبل التي خلّفها المشركون وراءهم لتعرف مقدار النقلية المتيسرة عند المشركين حينذاك.
هـ- التسليح:
كان تسليح المسلمين متميّزا بالدروع والأسلحة الأخرى، وبرز لنا في هذه الغزوة سلاحان جديدان استخدمهما المسلمون هما: المنجنيق والدبابة. كما برز لنا أسلوب جديد في مكافحة الدبابة استخدمه المشركون، هو حرق الدبابة بالحديد المنصهر.
[ ٣٩١ ]
شهداء حنين
١- أبو عامر الأشعري عم أبي موسى الأشعري.
٢- أيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن أخو أسامة بن زيد من الرضاعة.
٣- يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.
٤- سراقة بن الحارث بن عدي بن العجلان من الأنصار.
شهداء غزوة الطائف
١- سعيد بن سعيد بن العاصي بن أمية.
٢- عرفطة بن جنّاب حليف لبني أمية من الأزد.
٣- عبد الله بن أبي بكر الصديق، أصابه سهم فاستمرّ منه مريضا حتى مات منه بعد رسول الله ﷺ في خلافة أبيه.
٤- عبد الله بن أمية بن المغيرة المخزومي أخو أم سلمة أم المؤمنين.
٥- عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي بن كعب.
٦- السائب بن الحارث بن قيس بن عدي.
٧- أخوه: عبد الله بن الحارث السهمي.
٨- جليحة بن عبد الله من بني سعد بن ليث.
٩- ثابت بن الجذع من بني سلمة من الأنصار.
١٠- الحارث بن سهل بن أبي صعصعة من بني مازن بن النجار.
١١- المنذر بن عبد الله من بني ساعدة.
١٢- رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية.
[ ٣٩٢ ]
دولة الاسلام
(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) .
(القرآن الكريم)
[ ٣٩٣ ]