الخاتمة
بحث مقارن
تطرقنا في بحث القتال في الإسلام الى المبادىء المثالية التي جاء بها القرآن الكريم الخاصة بأغراض وأهداف وتنظيم الحرب العادلة في الإسلام.
كما أوردنا بعض المصطلحات العسكرية والقانونية استنادا الى أوثق المصادر العسكرية الحديثة وقوانين الحرب والحياد من القانون الدولي.
وكان الهدف من ذلك، هو إعطاء فكرة واضحة عن المبادىء النظرية في أحدث الكتب العسكرية وأوثقها وفي أحدث مصادر القانون الدولي، ثم مقارنتها بالمبادىء المثالية التي جاء بها الإسلام عن الحرب في الإسلام.
وتطرقنا في الفصول التالية الى أعمال الرسول ﷺ العسكرية التي طبّقها (فعلا) في القتال، حتى نفسح المجال لمقارنة هذه الغزوات (العملية) بالمعلومات النظرية التي أوردناها عند بحث موضوع القتال في الاسلام والمصطلحات العسكرية والقانونية سالفة الذكر.
والحق أن أكثر المعلومات العسكرية النظرية وقوانين الحرب والحياد، هذه المعلومات وهذه القوانين هي حبر على ورق في هذا العصر الذي بلغت فيه المدنية درجة عالية من التقدم والرقي، ومع ذلك فقد طبقها الاسلام نصّا وروحا (عمليا) أو طبق أفضل منها قبل أربعة عشر قرنا بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ.
والذين استطاعوا أن يستوعبوا تلك المعلومات النظرية المثالية ويقارنوا بينها وبين أعمال الرسول ﷺ العسكرية، لا بدّ وأن يخرجوا بالنتيجة المتوقعة، مهما تكن أهواؤهم ومبادئهم، وهي أن الرسول ﷺ طبق النظريات
[ ٤٢٩ ]
المثالية (فعلا) في أعماله العسكرية ولم يخرج عن تعاليمها أبدا في غزواته ومعاركه.
وفي هذه الخاتمة، سأتطرق الى التطبيق العملي لنظريات الحرب المثالية بصورة موجزة وبشكل لا يدع مجالا للشك، ذلك التطبيق الذي استطاع الرسول ﷺ أن ينجزه قبل بضعة عشر قرنا بينما عجز عن تطبيقه العسكريون في القرن العشرين.
ومن السهل جدا أن يسمو الإنسان بتفكيره الى درجة مثالية عالية، ولكنه من الصعب جدا أن يطبّق تلك المثاليات (فعلا) وبخاصة في الأعمال العسكرية التي تتوقف عليها مصائر الأمم والشعوب، لأن حالة الحرب ليست من الحالات الاعتيادية التي يستطيع فيها الإنسان أن يسيطر على أعماله في أغلب الأحيان.
وكم أتمنى أن يقرأ هذا البحث غير المسلمين مهما تبلغ درجة عداوتهم للإسلام ليطمئنوا مع المسلمين مهما تبلغ درجة حبهم للإسلام الى أن أعمال الرسول ﷺ العسكرية تنطبق على أرقى وأحدث النظريات العسكرية المثالية وقوانين الحرب والحياد الإنسانية، وليتأكدوا بأنفسهم من الأخطاء الفاحشة التي وقع فيها المتعصبون على الإسلام والمتعصبون للإسلام على حد سواء.
فقد غمز المتعصبون على الإسلام أعمال الرسول ﷺ العسكرية، فقالوا:
إن الإسلام دين قتال يعتمد على الحرب في نشر دعوته، وإن حياة الرسول ﷺ العسكرية لا تخلو من عدوان؛ ولكنّ هذا الغمز خطأ فاحش لا يدل إلا على جهل مطبق أو تعصب ذميم.
وقد ادّعى بعض المتعصبين للإسلام، أن انتصار الرسول ﷺ كان بالخوارق والمعجزات فحسب، ولكنّ هذا الادعاء خطأ فاحش أيضا لا يقل خطورة عن غمز المتعصبين على الإسلام، ولا يدل إلا على جهل بروح الاسلام الصحيح: تلك الروح العملية الواقعية التي ترتكز على الحق الواضح والعقل السليم من جهة وعلى الأمور الروحية من جهة أخرى.
[ ٤٣٠ ]
الى هؤلاء وأولئك أسوق هذا البحث عن الأسباب الحقيقية لانتصار الرسول ﷺ، وعن المقارنة بين النظريات التي جاء بها الاسلام في القتال والأعمال التي طبقها الرسول ﷺ (فعلا)، مع مقارنة أعماله بأحدث قوانين الحرب والحياد الإنسانية، تلك القوانين التي تطابق مبادىء القتال في الإسلام في بعض تعاليمها وتعجز عن السمو الى مبادىء القتال في الاسلام في تعاليمها الأخرى.
مجمل أسباب النصر
قاد الرسول ﷺ ثمانيا وعشرين غزوة «١» خلال سبع سنين بعد هجرته الى المدينة راجع الملحق (م) فقد خرج الى غزوة (ودّان) وهي أول غزوة قادها الرسول ﷺ بنفسه في صفر من السنة الثانية الهجرية، وكانت غزوة تبوك آخر غزواته في رجب من السنة الثامنة الهجرية، وقد نشب القتال بين المسلمين الذين بقيادته، وبين المشركين أو يهود بتسع غزوات من تلك الغزوات وهي:
بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف، بينما فر المشركون في تسع عشرة غزوة منها بدون قتال.
ومع ذلك لم يخفق الرسول ﷺ في أية معركة خاضها المسلمون بقيادته، حتى غزوة (أحد) لم تكن اندحارا للمسلمين من الناحية العسكرية كما أسلفنا سابقا.
ولو لم يكن الرسول ﷺ هو القائد في معركة (أحد) فهل كانت تكون نتائجها خلاص المسلمين من الموقف الخطير الذي أحاط بهم من كل مكان؟
بل لو لم يكن الرسول ﷺ هو القائد في معركة (بدر) و(الخندق) و(حنين)، فهل كان ينتصر المسلمون في كل تلك الغزوات؟
_________________
(١) - في سيرة ابن هشام ٤/ ٢٨٠، أنه قاد سبعا وعشرين غزوة، ولم يدرج غزوة بني قينقاع مع غزواته.
[ ٤٣١ ]
إن الذي يدرس بإمعان غزوات (بدر) و(أحد) و(الخندق) و(حنين) ويطّلع على موقف الطرفين: المسلمين والمشركين، ويدقق في تطور المعركة، يجد بوضوح الأثر الشخصي الفعّال لقيادة النبي ﷺ للمسلمين، ذلك الأثر الشخصي الحاسم الذي لو لم يكن المسيطر الأول على سير القتال، لتبدل وجه التاريخ الإسلامي عما هو معروف به الآن!
فما هي أسباب انتصار الرسول ﷺ في كل معركة خاضها؟
إن انتصار الرسول ﷺ يرجع الى عاملين: العامل الأول هو: تأييد الله تعالى له بنصره المبين. والعامل الثاني هو: أسباب عسكرية فنية، وهذه الأسباب العسكرية تتلخص في أربعة أسباب:
١- قيادة عبقرية هي قيادة الرسول ﷺ.
٢- وجنود متميزون هم المسلمون الأولون.
٣- وحرب عادلة هي حرب المسلمين لأعدائهم.
٤- وأخيرا تردي الحالة العسكرية لأعداء المسلمين من العرب المشركين والروم والفرس.
[ ٤٣٢ ]
السبب الأول قيادة عبقرية هي قيادة النبي ﷺ
١- مجمل صفات القائد:
مزايا القائد الشخصية المثالية، كما ينص عليها كتاب: (نظامات الخدمة السفرية)، وهو من أوثق المصادر العسكرية الحديثة: (ينحصر أهم واجب للقائد في إصدار القرارات.
(ولكي تكون قراراته صحيحة، لا تكفيه الشجاعة الشخصية، ولا الارادة القوية الثابتة ولا تحمّل المسئولية بلا تردد، بل فضلا عن ذلك عليه أن يكون واقفا وقوفا تاما على مبادىء الحرب، وقادرا على إبداء الحكم السريع الواضح، وذا مخيلة مقرونة بمزاج لا تأخذه نشوة الفوز ولا تثبّط عزيمته كارثة الخيبة، وأن يكون سابرا غور الطبع البشري.
(ويتمكن القائد من المحافظة على معنويات قوته وتنفيذ أوامره، بالثقة والولاء اللذين يبعثهما في نفوس رجاله بقدر ما يتمكن من ذلك بوساطة الضبط.
(فالشخصية القوية، ومعرفة الطبع البشري، وأصالة الرأي الموزون، والتفاهم مع المرؤوسين، عوامل أدبية جوهرية في تنشئة الكفاية العسكرية، فعلى القائد أن يغتنم كل فرصة سانحة للاتصال بمرؤوسيه الآمرين وقطعاته، للوقوف على صفاتهم وما فيهم من جدارة) .
هذه هي الصفات المثالية للقائد التي ينص عليها كتاب: (نظامات الخدمة السفرية) .
[ ٤٣٣ ]
وتضيف الى كل ذلك بعض المصادر العسكرية الحديثة، ضرورة تحلي القائد بالقابلية البدنية ليستطيع مشاركة قواته في تحمّل مشاق القتال.
وهناك من يضيف الى كل تلك المزايا: الماضي الناصع المجيد.
إن الصفات المثالية للقائد إذن، هي:
القابلية على إعطاء القرار السريع الصحيح- الشجاعة الشخصية- الإرادة القوية الثابتة- تحمّل المسئولية بلا تردد- معرفة مبادىء الحرب- نفسيّة لا تتبدل في حالتي النصر والاندحار- سبق النظر- معرفة نفسيات مرؤوسيه وقابلياتهم- ثقة قطعاته به وثقته بقطعاته- المحبة المتبادلة بينه وبين قواته- شخصية قوية نافذة- قابلية بدنية- ماض ناصع مجيد.
هذه هي الصفات المثالية للقائد المتميز، هي نتيجة لدراسة شخصيات أبرز القادة في التاريخ؛ لذلك فهي مجموعة من مزايا شخصيات كثيرة لا شخصية واحدة، فليس من الممكن أن تتوفر في شخص واحد، كاهو معروف.
ولكن كل هذه الصفات المثالية قليلة جدا بالنسبة لصفات الرسول ﷺ، إذ هناك صفات أخرى يتحلى بها رسول الله ﷺ لم تتطرق إليها الكتب العسكرية، لأنها صفات يصعب على القادة الاعتياديين التحلي بها، بل هي فوق طاقة البشر بصورة عامة وذوي السلطان منهم بصورة خاصة.
وسنطبّق كل هذه الصفات العسكرية على قيادة رسول الله صلوات الله وتسليمه عليه استنادا الى تاريخه العسكري الذي تحدّثنا عنه في الفصول السابقة، لنرى بصورة جازمة، أن هذه الصفات كلها بل أكثر من هذه الصفات كلها كانت من مزايا قيادة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام.
[ ٤٣٤ ]
٢- تفصيل الصفات:
أ- قرار سريع صحيح:
لا بدّ للقائد أن يصدر قرارا سريعا صحيحا، ليبني خطته العسكرية استنادا الى قراره هذا، ويعمل بموجب تلك الخطة في إدارة رحى القتال.
فكيف يكون القرار سريعا صحيحا؟
يستند إصدار القرار الصحيح السريع الى عاملين: القابلية العقلية للقائد، والحصول على المعلومات عن العدو وعن الأرض التي ستدور عليها المعركة.
وليس هناك من ينكر القابلية العقلية التي كان يتميّز بها الرسول ﷺ، تلك القابلية التي لا يختلف فيها المسلمون وغير المسلمين، فهو الذي بشّر وأنذر وخاطب وناقش عقليات كبيرة ووحّد أمة، فهل يمكن أن يتم ذلك إلا لعقلية راجحة ومنطق سليم؟
أما الحصول على المعلومات عن العدو وعن الأرض، فيكون بوساطة دوريات القتال والاستطلاع وبالعيون والارصاد واستنطاق الأسرى والاستطلاع الشخصي وباستشارة ذوي الرأي.
لقد كان هدف الرسول ﷺ من غزواته وسراياه التي أرسلها قبل غزوة (بدر) الكبرى، هو الحصول على المعلومات عن المنطقة المحيطة بالمدينة والطرق المؤدية الى مكة والتعرّف على سكانها، وعقد الأحلاف معهم.
وفي معركة (بدر) الكبرى، أرسل دورية استطلاعية لمراقبة عودة قافلة أبي سفيان بن حرب، وأرسل دوريات استطلاعية أمام قواته المتقدمة باتجاه (بدر)، وأرسل دوريتي استطلاع قبيل وصول قواته الى (بدر)، بل قام الرسول ﷺ بالاستطلاع الشخصي ليتأكد من قوة قريش والمواضع التي وصلت اليها.
[ ٤٣٥ ]
كما استفاد الرسول ﷺ من استنطاق الأسرى الذين اسرتهم إحدى دوريات استطلاعه قبيل معركة (بدر)، فعلم منهم بأسلوبه الرائع في الاستنطاق:
الموضع الذي وصلته قريش، وعدد قواتها من الرجال.
واستفاد من خبرة أحد أصحابه بخواص مياه آبار (بدر) وأسلوب السيطرة على مياهها، فبدّل معسكره الأول ليلا الى معسكر مناسب يهيىء له السيطرة الكاملة على مياه الآبار.
هذه أمثلة تشبث النبي ﷺ بالحصول على المعلومات من غزوة (بدر) وحدها، وكل غزواته أمثلة على تشبثه بالحصول على المعلومات.
لقد عرف الرسول ﷺ كل نيات أعدائه قبل وقت مبكر، واستطاع أن يقضي على تلك النيات العدوانية قبل أن يستفحل أمرها، فلم يبرم يهود ولا القبائل أمرا إلا وعرف ما أبرموا فورا، واتخذ التدابير الحاسمة للقضاء على نياتهم العدوانية في عقر دارهم، واستطاع في كل مرة أن يفرق شمل أعدائه قبل أن ينجزوا حشد قواتهم للتعرض بالمسلمين.
لقد كان الرسول ﷺ منتبها كل الانتباه لكل حركة داخلية وخارجية، ولم يتهاون لحظة عن جمع المعلومات، فلا عجب إذا كانت قراراته سريعة صحيحة، ولا عجب إذا كانت خططه التي يرسمها استنادا الى تلك القرارات ناجحة الى أبعد حدود النجاح.
ب- شجاعة شخصية:
شجاعة الرسول ﷺ الشخصية بارزة للعيان في كل معاركه التي خاضها، وهي بارزة في كل أعماله العسكرية وغير العسكرية على حد سواء.
قراره قبول معركة (بدر) الكبرى، وهي أول معركة حاسمة خاضها المسلمون، شجاعة نادرة؛ لأن موجود قواته ثلث موجود قوات قريش، ولأن إخفاق المسلمين في هذه المعركة قد يقضي على مستقبل الاسلام.
[ ٤٣٦ ]
وثباته تجاه عشرة آلاف من قوات الأحزاب في غزوة (الخندق) شجاعة نادرة أيضا، خاصة بعد أن نكث يهود عهوهم، فأصبح الخطر يهدد قوات المسلمين من خارج المدينة ومن داخلها.
وقد نزل في غزوة (بدر) الكبرى ليباشر القتال بنفسه، وفي ذلك يقول علي بن أبي طالب ﵁: (إنا كنا إذا اشتد الخطب واحمرّت الحدق، إتقينا برسول الله ﷺ، فما يكون أحد أقرب الى العدو منه؛ ولقد رأيتني يوم (بدر) ونحن نلوذ برسول الله، وهو أقربنا الى العدو) .
وفزع أهل المدينة ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا على فرس لأبي طلحة عرى والسيف في عنقه وهو يقول: (لم تراعوا) !
وفي (أحد) كافح مع جماعة قليلة من أصحابه للخروج من الطوق الذي طوّقهم به المشركون، فاستطاع أن ينقذ المسلمين من فناء أكيد، ولم يكتف بذلك بل قام بمطاردة قريش الى موضع (حمراء الأسد) .
ولو لم يثبت الرسول ﷺ مع عشرة فقط من أصحابه يوم (حنين)، لاستطاعت هوازن وثقيف أن تبيد المسلمين.
تلك مواقف يتصدع منها قلب أشجع الشجعان، ومع ذلك فقد ثبت الرسول ﷺ فيها غير مكترث بما يحدق به من أخطار.
ولولا شجاعة الرسول ﷺ الشخصية التي أظهرها في هذه المواقف وفي غيرها لما انتصر المسلمون أبدا «١» .
_________________
(١) - من أمثلة شجاعته النادرة في غير ساحات القتال، حادثة ذهاب رجالات المشركين الى عمه أبي طالب مهددين متوعدين، فقال له عمه: (يا ابن أخي! إن قومك قد جاءوني فقالوا: كذا وكذا، فابق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق) . فأجابه الرسول (ص): (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك) فيا لها من شجاعة نادرة لا تتيسر عند اشجع الشجعان!
[ ٤٣٧ ]
ج- إرادة قوية ثابتة:
إن صمود النبي ﷺ وحده تجاه التيار الجارف من المشركين منذ نزول الوحي عليه حتى التحاقه بالرفيق الأعلى، دليل على إرادته القوية الثابتة التي لا تتزعزع.
لقد تحمّل الإعراض والتكذيب والأذى والأخطار صابرا محتسبا، وهاجر من بلده الى بلد آخر، واستمر يكافح حتى كوّن له قوة تسانده وتؤمن بالاسلام.
ثم جاهد بهذه القوة أعداءه في الداخل والخارج: في داخل المدينة ضد يهود والمنافقين، وفي خارج المدينة ضد المشركين وعلى رأسهم قريش.
ولكنه صمد لكل هذا العناء مصرّا على مكافحة من حوله من الناس جميعا، حتى يظهر الله دينه، غير مكترث بتفوّق أعدائه على قواته فواقا ساحقا.
إن حياة النبي ﷺ كلها مثال رائع للارادة القوية الثابتة.
د- تحمّل المسئولية:
لم يكن هناك من يشارك الرسول ﷺ في تحمّل المسئولية الضخمة في كل أعماله العسكرية، وغير العسكرية، وما أعظمها من أعمال غيّرت وجه التاريخ.
وأية مسئولية أخطر وأعظم من المسئولية التي كان يتحملها الرسول ﷺ منذ بعثه حتى التحاقه بالرفيق الأعلى!
إن أصحابه كانوا يعاونونه في كل شيء، ولكنه كان يتحمل وحده مسئولية كل شيء.
هـ- نفسيّة لا تتبدل:
لم تتبدل نفسية رسول الله ﷺ في حالتي النصر والإخفاق. لقد كان
[ ٤٣٨ ]
مسيطرا على أعصابه سيطرة أقرب الى الخيال منها الى الحقيقة في أشد المواقف حرجا وفي أحلك الظروف.
لم يكن سهلا السيطرة على الأعصاب عند تطويق المشركين له ولقسم من أصحابه في (أحد) من كل جانب، ومع ذلك سيطر على أعصابه وقاد سفينة المسلمين الى ساحل الأمان.
ولم يكن سهلا السيطرة على الأعصاب يوم (الأحزاب) خاصة بعد غدر يهود؛ ومع ذلك سيطر على أعصابه فصدّ (الأحزاب) وقضى على يهود.
ولم يكن سهلا السيطرة على الأعصاب يوم (حنين)، عند انهزام المسلمين، ولكنه ثبت مع عشرة فقط من أصحابه تجاه التيار الجارف من مطاردة المشركين، وسيطر على أعصابه حتى هزم أعداءه، فعاد أصحابه ليروا أسرى المشركين مكبلين بالأصفاد.
تلك أمثلة من سيطرته على أعصابه في وقت الشدة، أما في وقت الرخاء، فقد كانت سيطرته أروع بكثير مما هي عليه في وقت الشدة.
ومن أمثلة ذلك يوم فتح مكة، فقد رآه المسلمون يومذاك وقد أحنى رأسه على رحله وبدا عليه التواضع الجم، حتى كادت لحيته تمسّ واسطة راحلته؛ وكلما استشعر بأهمية نصره ازداد تواضعا وازداد على راحلته خشوعا.
إن قيمة سيطرة الرسول ﷺ على أعصابه في مثل هذا الموقف الذي يعدّ أكبر نصر للمسلمين، تتضاعف إذا قارناها بمواقف العظمة والجبروت التي أظهرها غيره من القادة عند انتصارهم، فذهب بهم الطيش مذاهب أدت الى كوارث من نتائجها هلاك ودمار كثير من الناس والأموال
لقد بقي رسول الله ﷺ بعد وصوله الى أعلى مراتب السيطرة والسلطان بسيطا في مأكله ومشربه وملبسه وفي حياته كلها كما كان في أول أيامه يوم كان
[ ٤٣٩ ]
يتيما معدما: استمر يأكل نفس النوع البسيط من الطعام ويلبس نفس الرداء الساذج ويسلك في كل تفاصيل حياته نفس البساطة التي اعتادها في أيامه الأولى.
حقا إنه كان يمتلك نفسية لا تتبدل!
وسبق النظر:
المخيلة التي تحسب حساب كل شيء أو سبق النظر أو بعد النظر كلها تعني ضرورة تفكير القائد في كل الاحتمالات القريبة والبعيدة، وإدخال أسوأ الاحتمالات في حسابه، وإعداد الخطط لكل موقف محتمل، حتى يمكن تطبيق تلك الخطط عند الحاجة دون تردد ولا ارتباك.
لقد كان رسول الله ﷺ يتحلى بمزية سبق النظر في كل أعماله العسكرية وغير العسكرية، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
أصرّ الرسول ﷺ على قبول شروط هدنة (الحديبية)، لأنه فكّر وسبق النظر، فعرف بفكره الثاقب أن قبول هذه الشروط نصر للمسلمين؛ فهي تهيىء لهم الاستقرار، وقد رأينا أنّ هذا الاستقرار جعل جيش المسلمين يصبح عشرة آلاف مقاتل في فتح مكة، وكان ألفا وأربعمائة في غزوة (الحديبية) قبل سنتين.
وكانت كل الدلائل تبشّر باستسلام قريش يوم الفتح، ومع ذلك اتخذ الرسول ﷺ كل التدابير الممكنة لمعالجة أسوأ الاحتمالات، فقسّم قواته الى أربعة أرتال، ودخل مكة من جهاتها الأربع بتشكيلات «١» القتال، حتى تستطيع قواته القضاء على كل مقاومة بكل سهولة دون أن تباغت من جهة غير متوقعة، فتكون العاقبة شرا على المسلمين وإحباطا لمحاولات النبي ﷺ السلمية.
_________________
(١) - تشكيلات القتال: التدابير التعبوية للقتال.
[ ٤٤٠ ]
لقد كان الرسول ﷺ يفكر في كل كبيرة وصغيرة، ويعدّ لكل أمر عدّته، ويتخذ كل متطلبات الحذر والحيطة واليقظة؛ لذلك لم يستطع أعداؤه مباغتته في أي موقف في المواقف في غزواته كلها، واستطاع هو أن يباغت أعداءه في أكثر غزواته
ز- معرفة النفسيات والقابليات:
عرف الرسول ﷺ نفسيات وقابليات أصحابه، لأنه ولد بينهم وعاش وترعرع بينهم وكان يعيش بينهم فردا منهم يشاركهم في السراء والضراء.
عرف مزايا الجميع، وكلّف كل واحد منهم بواجب يتفق مع قابليته البدنية والعقلية، لذلك استطاع أكثر أصحابه إنجاز مهمتهم بكفاية وإتقان.
استمال قلوب المؤلّفة قلوبهم بالمال بعد (حنين)، لأن المادة كانت تطغي على جوانب تفكيرهم، إذ لم يستشعروا بعد حلاوة الإيمان. قال صفوان بن أمية: (ما زال رسول الله ﷺ يعطيني من غنائم (حنين) وهو أبغض الخلق إليّ، حتى ما خلق الله شيئا أحب إليّ منه) !
ولكنه حرم الأنصار من غنائم يوم (حنين) لأنهم كانوا أغنياء بإيمانهم العظيم، وقد بكوا حتى أخضلوا لحاهم بالدموع حين قال لهم الرسول ﷺ:
(أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس الى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله الى رحالكم)؟
قال الأنصار: (رضينا بالله وبرسوله قسما)
وأمسك الرسول ﷺ يوم (أحد) بسيف، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه)؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة، فقال: (وما حقه يا رسول الله)؟
قال الرسول ﷺ: (أن تضرب به العدو حتى ينحني) .
[ ٤٤١ ]
قاتل أبو دجانة بهذا السيف قتالا شديدا، فلما دارت الدائرة على المسلمين ترّس «١» بنفسه دون رسول الله ﷺ، فحنى ظهره عليه والنبل يقع فيه.
لقد كان الرسول ﷺ يعرف أن بين أصحابه شجعانا مغاوير فكلفهم بواجبات تحتاج الى الشجاعة كأبي دجانة، وكان يعرف أن بين أصحابه من لا يقوى قلبه على الحرب كحسان بن ثابت، فتركه مع النساء يوم (أحد) والخندق واستفاد من شعره البليغ؛ وكان يعرف أن من بينهم صاحب الرأي والمشورة، ومن بينهم من يستطيع قيادة غيره، ومن بينهم من لا يستطيع أن يكون أكثر من جندي بسيط، فكلّف كل واحد من هؤلاء بواجب يستطيع إنجازه.
إنه لم يحمّل شخصا فوق ما يطيق، وهذا دليل على معرفته نفسيات وخواص وقابليات أصحابه جميعا.
ولعلّ أهم ميزة يمتاز بها الرسول ﷺ على غيره من القادة والرسل، هي أنه كان قديرا على اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب. إنه كان يعرف النفسية البشرية ويقدّرها حق قدرها، ويعرف كيف يوجهها الى ما يناسبها.
والمهم في الأمر أنه صلوات الله وتسليمه عليه، كان يذكر أصحابه بأفضل ما فيهم من صفات، ويغض النظر عما يعانونه من نواقص بشرية، ويأمر أصحابه بذكر أصحابه بأفضل ما فيهم.
وبذلك كان ﵊ يبني الرجال ولا يحطم الرجال.
ح- الثقة المتبادلة:
كانت ثقة أصحاب الرسول ﷺ به عظيمة جدا، كما كانت ثقته بأصحابه
_________________
(١) - كان له بنفسه ترسا، أي وقاه بنفسه.
[ ٤٤٢ ]
عظيمة أيضا؛ يكفي أن نذكر موقف المسلمين من صلح (الحديبية)، إذ لولا ثقتهم العظيمة به، لرفضوا هذا الصلح.
أما ثقته بأصحابه فيكفي للدلالة عليها أنه قبل زجّ قواته في معركة (بدر)، بينما كانت قوات المشركين ثلاثة أمثال قوته؛ كما زجّ بهم في معركة (أحد)، بينما كانت قوات المشركين خمسة أمثال قواته الخ.
ولا يمكن أن يقبل القائد الاشتباك في معركة لا يعرف مصيرها ضد أعدائه المتفوقين على قواته فواقا ساحقا، إلا إذا كان ذلك القائد يثق بقواته ثقة عظيمة جدا
ط- المحبة المتبادلة:
ظهرت محبة الرسول ﷺ لأصحابه، ومحبة أصحابه له في كل غزواته، بل في كل موقف له في السلم والحرب.
حسبنا أن نذكر موقف أصحابه منه في معركة (أحد)، حين أحدق به المشركون من كل جانب وصوبوا عليه نبالهم؛ فأخذ المسلمون يصدون عنه النبال المصوّبة عليه بأجسادهم. ولم يقتصر ذلك على الرجال، بل شمل النساء أيضا، فقد ألقت نسيبة الخزرجية سقاءها، واستلّت سيفا وأخذت تذود به عن رسول الله ﷺ، حتى خلصت الجراح إليها، فأصيبت يومذاك بثلاثة عشر جرحا، وأغمي عليها من النزيف؛ فلما أفاقت لم تسأل عن زوجها الذي شهد (أحدا) ولا عن ولديها اللذين كانا يقاتلان مع الرسول ﷺ، بل سألت أول ما سألت بعد أن عاد إليها وعيها: (وكيف حال الرسول)؟
ولما مرض مرضه الذي توفاه الله فيه، اعتكف في بيت عائشة أم المؤمنين ﵂، فرفع الرسول ﷺ الستر المضروب على منزل عائشة وفتح الباب وبرز للناس، فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم ابتهاجا برؤيته.
ولما قبض الرسول ﷺ وتسرب النبأ الفادح، شعر المسلمون أن آفاق المدينة أظلمت عليهم، فتركتهم لوعة الثكل حيارى لا يدرون ما يفعلون.
[ ٤٤٣ ]
لقد كان أصحاب الرسول ﷺ يحبونه أكثر من حبهم أنفسهم، لأن حبهم له دين؛ ولو لم يكن دينا لأحبوه أيضا، لأنه يستحق الحب والتقدير.
أما حب الرسول ﷺ لأصحابه، فيكفي أن نذكر كيف نعى شهداء (مؤتة) وعيناه تذرفان، وكيف أنه رفض ما اقترحه عمر بن الخطاب حول قتل حاطب بن أبي بلتعة، لأنه أرسل كتابا الى قريش يخبرهم فيه بحركة المسلمين لفتح مكة، بل على العكس، أمر الرسول ﷺ أن يذكر المسلمون حاطبا، بأفضل ما فيه.
لقد كان يحب أصحابه حبا لا مزية عليه، فاذا سلّم عليهم لا يكون البادىء أبدا بسحب يده عن السلام، وكان يلقى الناس بوجه باسم متهلل حقا، وكان يمقت الغيبة وكان البادىء دائما أصحابه بالتحية.
ما أعظم هذا الحب المتبادل بين القائد وجنوده! (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) «١» .
ي- الشخصية:
أرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي لمفاوضة الرسول ﷺ يوم (الحديبية)، فعاد الى قريش يقول: (يا معشر قريش! إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإنهم لن يسلموه لشيء أبدا) .
بهذا الوصف الرائع يصف مشرك من أعداء الرسول ﷺ شخصية النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.
فما هي أسباب هذه الشخصية القوية النافذة التي كان يتحلى بها الرسول ﷺ؟
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة المائدة ٥: ٥٤.
[ ٤٤٤ ]
لقد كان الرسول ﷺ متواضعا حليما، رءوفا، رحيما؛ ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، ولا يستطيع أحد أن يديم النظر الى وجهه المنير، ولا يستطيع أحد أن يرد له أمرا أو يتردد في تنفيذه.
إن أسباب قوة شخصية الرسول ﷺ، هي محبته للناس جميعا، ورغبته الشديدة في خيرهم وهدايتهم، وخلقه العظيم.
تقول كتب علم النفس الحديث: (إن الذين يعملون على إفادة أكبر جزء ممكن من المجتمع الانساني، يعتبرون أرقى الشخصيات جميعا، وهم في الغالب أقربها الى درجات التكامل.
(إن درجة تكامل الشخصية تتناسب تناسبا (طرديا) مع اتساع دائرة المجتمع الذي يرمي الفرد الى إسعاده، فأقلها تكاملا التي يسعى صاحبها فقط لإسعاد ذاته، إذ لا بدّ من أن تتعارض نزعاته الذاتية مع نزعاته الاجتماعية في تحقيق غايته الذاتية.
(ويليها من يسعى صاحبها لإسعاد أسرته وأولاده، ثم يليها من يعمل صاحبها على إسعاد أقاربه ويليها من يعمل على إسعاد هؤلاء وأصدقائه، ويليها من يعمل لإسعاد أهل بلده أجمعين.
(وهكذا الى أن تصل الى من همّه الأول والأخير إسعاد المجتمع بأوسع معانيه، وهنا قد نصل الى مرحلة ربما تبدو (مجرّدة) كالبحث عن الحقيقة ومناصرة العدل وخدمة المجتمع) .
هذا نص ما تقوله كتب علم النفس الحديث. أرأيت كيف أنها تقرّر استبعاد إمكان أن يكون هناك إنسان همّه الأول والأخير إسعاد البشر؟
إن الرسول ﷺ فعل ذلك، بل فعل أكثر من ذلك، ومن حق هؤلاء العلماء أن يستبعدوا إمكان وجود إنسان مثالي، كان همّه إسعاد الناس بل إسعاد
[ ٤٤٥ ]
العالمين لأنهم يجهلون سيرة الرسول ﷺ الذي يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) .
فلا عجب أن تكون له كل هذه الشخصية الفذة بكل هذا النور والجلال.
ك- القابلية البدنية:
كانت للرسول ﷺ قابلية بدنية فائقة، وقد رأيت كيف كان يلجأ إليه أصحابه عند حفر الخندق كلما استعصت عليهم صخرة فيسرع إليها لتحطيمها، حيث تتفتّت تحت وطأة مطرقته التي يهوي بها ساعده القوي.
شارك أصحابه في حراساتهم وفي استطلاعاتهم وفي مسيراتهم الطويلة الشاقة في كل فصول السنة، وأظهر في كل ذلك تحمّلا وجلدا يعجز عنه أقوى أصحابه.
لقد كان أروع مثال شخصي لأصحابه في تحمل الصعاب والمشقات.
ل- الماضي الناصع المجيد:
كانت العرب تعتدّ بالنسب، والرسول ﷺ من قريش أشرف العرب ومن بني هاشم أشرف قريش؛ وكذلك هو أشرف العرب حسبا وأفضلهم نسبا من قبل أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن قبل أبيه عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف «١» .
أما سيرته الشخصية قبل بعثته صلوات الله عليه، فلأترك سير وليم موير) Sir William Muir (يتحدث عن ذلك، وقد أوردت هذا الحديث عمدا- على اعتبار أن كاتبه ليس مسلما- حتى استبعد اتهام كاتبه بالتعصب والمغالاة يقول موير: (تجمع كل مراجعنا وأسانيدنا- فيما ينسب الى محمد
_________________
(١) - أبوه من بني هاشم وأمه من بني زهرة، وقريش عشرة أبطن انتهى اليها الشرف على رأسها بنو هاشم وبنو زهرة التي كان منها سعد بن أبي وقاص الزهري فاتح العراق وباني الكوفة وأحد العشرة المبشرة بالجنة.
[ ٤٤٦ ]
في شبابه من سيرة التواضع والاحتشام وطهارة الخلق- على صورة نادرة الوجود بين المكّيين) . ثم يعود فيقول: (وبما وهب له من عقل راجح وذوق رفيع وحرص دقيق وعمق في التأمل، عاش منطويا على نفسه طويلا، متخذا من تأملاته العقلية- دون ريب- شاغلا لوقت الفراغ الذي كان يقتله غيره- من ذوي الطابع الخسيس- باللهو السمج والفجور الماجن والسلوك الخليع. وقد وقع خلق ذلك الشاب القويم ومسلكه الورع والعفّ موقع الحمد والثناء من قلوب قومه جميعا وبإجماعهم عن طيب خاطر نال لقب: (الصادق الأمين) .
ويقول: (ولم يولع محمد بالثراء أبدا ولم تبد منه هذه الظاهرة في أية فترة من فترات حياته الرتيبة الهادئة الوادعة على جلبة الرحلة وضوضاء التجارة وهموم السفر، ولم يكن محمد ليفكر أبدا من تلقاء نفسه في مثل هذه الرحلة، ولكن ما أن اقترح عليه ذلك حتى استشعر نفسه الكريمة على الفور ضرورة البذل لما في وسعه من جهد مساعدة لعمه) .
ويقول واشنجتون آرفنج «١» عنه: (كانت طباع الرسول هادئة متلائمة، وكان يمرح أحيانا ولكنه كان في معظم الأحوال جادا، وإن كانت له ابتسامة خلابة. كانت جميع تصرفات الرسول تدل على رحمة عظيمة، وكان سريع البديهة، قوي الذاكرة، واسع الأفق، عظيم الذكاء. كان الرسول عادلا، فكان يعامل الأصدقاء والغرباء والأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء على قدم المساواة، وكانت عامة الناس تحب الرسول، إذ كان يحسن استقبالهم ويستمع الى شكواهم، كان حسن الطباع حليما رحيما صبورا) .
كانت حياته لا سيما في فجرها المبكر، تتميز بالحنو والعطف على اليتيم والفقير والأرمل والبائس والضعيف والرقيق، ولم يذق الخمر أبدا ولم يلعب الميسر
_________________
(١) - الحق هو انني لا أحب أن أستشهد بأقوال المستشرقين وغيرهم لإثبات عظمة النبي (ص)، ولكنني اضطررت الى إيراد هذين المثالين، لأن هذين الكاتبين غير مسلمين، والفضل ما شهدت به الأعداء.
[ ٤٤٧ ]
يقول موير: (إن أوثق برهان على صدق محمد وإخلاصه، أن كان أسبق الداخلين في الاسلام من ذوي الاستقامة في خاصة أصفيائه وأهل بيته، الذين لا يستطيعون- مع معرفتهم الوثيقة بدقائق حياته الخاصة تفصيلا- أن يفوتهم بحال من الأحوال إدراك ما تنطوي عليه أساليب الأفاكين في نفاقهم، من إسدال السّجف والأستار على ما يأتون من أعمال تتناقض حقائقها في سريرتهم مع ما يدعون إليه جهرا) .
واسمع الى زوجه خديجة أم المؤمنين ﵂ تقول له مشجعة عندما جاءه الوحي: (ابشر يا ابن العم واثبت! فو الذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق) .
واسمع قول الله تعالى فيه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) «١» .
لقد كان ماضي الرسول ﷺ مجيدا مشرفا بإجماع أقوال أصحابه وأعدائه على حد سواء.
م- معرفة وتطبيق مبادىء الحرب «٢»:
كان الرسول ﷺ يعرف مبادىء الحرب بالفطرة السليمة التي تدل على استعداده الفطري الممتاز للقيادة.
وقد طبّق الرسول ﷺ هذه المبادىء في معاركه كلها، مما كان له أثر حاسم في انتصاراته.
لقد تطرقنا عند بحث أعمال الرسول ﷺ العسكرية الى أمثلة كثيرة من
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة القلم ٦٨: ٤.
(٢) - مبادىء الحرب: هي الجوهر الذي ينشىء في القائد (السجية) الصحيحة في تصرفاته في الحرب، وهي العنصر الذي يتكون منه مسلك القائد في أعماله بصورة طبيعية وغير متكلفة. ومبادىء الحرب: هي مبادىء ثابتة لا تتغير أبدا، وهي الأسس القديمة التي ترتكز عليها الحروب في كل زمان ومكان.
[ ٤٤٨ ]
تطبيقه العملي لمبادىء الحرب العشرة: اختيار المقصد وإدامته، والتعرض، والمباغتة، وحشد القوة، والاقتصاد بالمجهود، والأمن، والمرونة، وإدامة المعنويات، والأمور الادارية.
وسنذكر بعض هذه الأمثلة، للدلالة على تطبيق هذه المبادىء بكفاية نادرة فذة تدعوان الى الاعجاب والتقدير الشديدين.
أولا- اختيار المقصد وإدامته «١»:
كان الرسول ﷺ يختار مقصده بالضبط، ويفكر في أقوم طريقة للوصول إليه، ثم يقرّر خطة مناسبة للحصول عليه.
لقد ظهر مبدأ: (اختيار المقصد) في أول معاهدة عقدها الرسول ﷺ بعد هجرته الى المدينة، تلك المعاهدة المعقودة بين المسلمين من جهة والمشركين ويهود من أهل المدينة من جهة أخرى، فنصّت على أنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن.
إن قريشا أخرجت الرسول ﷺ وأخرجت أصحابه من مكة ظلما وعدوانا، فمن حقه أن تكون قريش (مقصده) الحيوي الذي يختاره.
ولعل من أبرز أمثلة: (اختيار المقصد) ما فعله الرسول ﷺ في غزوة الحديبية.
لقد كان (مقصده) من تلك الغزوة التأثير في معنويات قريش من غير قتال، فخرج محرما واستصحب أسلحة الراكب، فلما علم باقتراب قوات قريش من قواته، ترك الطريق العام الى طريق فرعية وعرة للتملّص من القتال، حتى
_________________
(١) - اختيار المقصد وإدامته: في كل حركة حربية من اللازم اختيار المقصد وتعريفه بوضوح. إن المقصد النهائي هو تحطيم إرادة العدو على القتال. يجب أن توجه كل صفحة من الحرب وكل صفحة منفردة نحو هذا المقصد الأعلى، ولكن لكل منها مقصد محدود يجب أن يعرف بوضوح.
[ ٤٤٩ ]
وصل بقواته الى (الحديبية)، وبقي هناك مصرا على (مقصده) هذا، فأفسح المجال للمفاوضات. وعندما هاجم قسم من المشركين معسكر قواته وألقى المسلمون القبض على المهاجمين، أطلق سراحهم دون أن يلحق بهم أذى.
وبقي مصرا على (مقصده) في عدم محاربة قريش، وفي إظهار نياته السلمية، حتى تمّ له عقد صلح الحديبية، على الرغم من تذمّر قسم من أصحابه من هذا الصلح.
إن الرسول ﷺ كان (يختار مقصده) بدقة تامة ولا ينساه أبدا في كل أعماله العسكرية وغير العسكرية.
ثانيا- التعرّض «١»:
يمكن اعتبار كل غزوات الرسول ﷺ تعرضية ما عدا غزوتي (أحد) و(الخندق)، إذ أن المشركين هم الذين حشدوا قواتهم في منطقة المدينة وتعرضوا بالمسلمين.
لقد استطاع الرسول ﷺ بشتى الأساليب الحصول على المعلومات عن نيات أعدائه قبل وقت مناسب، وبذلك استطاع أن يتعرض بأعدائه ويقضي على نياتهم العدوانية.
إن التعرض ليس معناه التحرّش، بل معناه: الروح الهجومية التي يتحلى بها القائد، لأن الدفاع وحده لا يؤدي الى النصر الحقيقي بل الى نصر موضعي فقط في حالة نجاحه، أما التعرض فيؤدي في حالة نجاحه الى النصر.
ومن المهم أن نذكر هنا، أن مبدأ (التعرض) التي طبقه الرسول ﷺ، كان دفاعا عن الإسلام، وحماية للدين الحنيف، وحرصا على حرية نشره، ولغرض إقرار السلام، وبذلك طبق المبدأ التعبوي القائل: إن التعرض هو أفضل وسيلة للدفاع.
_________________
(١) - التعرض: هو الهجوم على العدو لسحقه، ولا يتم الحصول على النصر إلا بالتعرض وحده.
[ ٤٥٠ ]
ثالثا- المباغتة «١»:
المباغتة هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدا له، والكتمان من أهم الوسائل المهمة التي تؤدي للمباغتة.
إن الكتمان يتم إما بإخفاء استعداداتنا أو بإخفاء نياتنا، أو باستعمال أسلحة جديدة أو باستعمال الأسلحة الموجودة بطريقة جديدة.
والمباغتة إما أن تكون في المكان أو في الزمان أو في الأسلوب، ولقد طبّق الرسول ﷺ مبدأ (المباغتة) بكل هذه الحالات، حتى يمكن اعتبار غزواته نماذج رائعة لتطبيق أساليب المباغتة.
كانت المدينة هي (القاعدة الأمينة) للمسلمين، ولكنها كانت تعج ب (الرتل الخامس) «٢» الذين لا يريدون خير المسلمين، ويعملون على إحباط جهودهم بشتى الطرق والأساليب.
من هؤلاء (الرتل الخامس) يهود والمنافقون وعيون قريش من الأعراب وعيون الروم من الأنباط، وكان كل هؤلاء ينقلون أخبار المسلمين الى أعدائهم كلما استطاعوا الى ذلك سبيلا.
_________________
(١) - المباغتة: المباغتة أقوى العوامل وأبعدها أثرا في الحرب، وتأثيرها المعنوى عظيم جدا، وتأثيرها من الناحية النفسية يكمن فيما تحدثه من شلل متوقع في تفكير القائد الخصم. وفيما يلي بعض الوسائل التي يمكن الحصول بها على المباغتة: ١) بكتمان الاستعدادات للخطط الحربية وبكتمان جسامة القوات الاحتياطية. ٢) بالتنقل السريع للقطعات من نقطة الى أخرى تمهيدا لإنزال الضربة على موضع لا يتوقعه العدو. ٣) باستخدام الأرض الوعرة أو الصعبة أو بعبور الموانع التي تعتبر غير قابلة للعبور. ٤) باستخدام أسلحة جديدة غير متوقعة أو أساليب تعبوية جديدة.
(٢) - الرتل الخامس: كناية عن الجواسيس والوكلاء والعيون والأرصاد.
[ ٤٥١ ]
ولكنّ الرسول ﷺ حرص على كتمان نياته حرصا شديدا، فكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، فينقل (الرتل الخامس) تلك المعلومات الخاطئة الى أعدائه، مما يؤدي الى بلبلة أفكار أعداء المسلمين.
ومن أمثلة الكتمان الشديد، تلك (الرسالة المكتومة) التي أرسل بها مع عبد الله بن جحش.
لقد أمر الرسول ﷺ عبد الله بن جحش ألّا يفتح تلك الرسالة إلا عند وصوله موضع (نخلة) بعد يومين من مسيره، فإذا فتحها وفهم مضمونها مضى في تنفيذها؛ وبهذه الطريقة لم يستطع أحد من أهل المدينة على اختلاف أهوائهم وميولهم، أن يعرف نيات الرسول ﷺ ولا واجب سرية عبد الله وهدفها.
وقد أخفى نياته في غزوة الفتح حتى عن أهله الأقربين وصديقه الحميم أبي بكر الصديق ﵁، وقد دخل أبو بكر الصديق على ابنته عائشة زوج النبي ﷺ وهي تهيىء جهاز الرسول ﷺ، فقال لها: (أي بنيّة! أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهّزوه)؟ قالت: (نعم، فتجهّز) . قال أبو بكر الصديق ﵁: (فأين ترينه يريد)؟ قالت: (والله لا أدري) .
بهذا الكتمان الشديد، استطاع الرسول ﷺ أن يحرّك جيشا كبيرا قوامه عشرة آلاف مسلم لفتح مكة دون أن تستطيع قريش معرفة وقت حركته ولا نياته حتى وصل الجيش الى ضواحي مكة، فاضطرت قريش على الاستسلام.
ومن أمثلة المباغتة في المكان غروة بني لحيان، فقد تحرّك الرسول ﷺ بقواته شمالا باتجاه الشام حتى لا تعرف قريش وبنو لحيان اتجاه حركته الحقيقي، فلما انتشرت أخبار حركة المسلمين الى الشمال، عاد الرسول ﷺ بقواته فجأة باتجاه بني لحيان، وبذلك باغتهم في المكان.
وفي غزوة (خيبر) تحرّك الرسول ﷺ إلى (الرجيع) قريبا من ديار غطفان، وبعد أن أرسل مفرزة صغيرة من قواته الى معسكر غطفان، عاد
[ ٤٥٢ ]
بقواته الرئيسة الى خيبر، وبهذه الحركة أوهم غطفان بأنه يريدهم وأوهم يهود خيبر بأنه لا يريدهم، فباغت الطرفين ومنع تعاونهما في قتال المسلمين.
ومن أمثلة المباغتة في الزمان غزوة بني قريظة، إذ تحرّك الرسول ﷺ إليهم في وقت لا يتوقعونه، فشلّ معنوياتهم واحتفظ هو بالمبادأة حتى نهاية المعركة.
كما أن مسير الاقتراب الذي أجراه الرسول ﷺ في غزوة خيبر بهدوء وسكينة حتى وصل موضع خيبر ليلا وأكمل تطويقها في نفس الليلة دون أن يستطيع يهود معرفة وقت وصوله وتطويقه لقصبتهم، وهذا المسير يعتبر مباغتة في الزمان.
ومن أمثلة المباغتة في الأسلوب، قتال الرسول ﷺ بأسلوب (الصف) في غزوة (بدر) الكبرى تجاه قريش التي قاتلته بأسلوب (الكرّ والفرّ)، ومن الطبيعي أنّ أسلوب (الصف) له الأرجحيّة على أسلوب (الكر والفرّ) من الناحية العسكرية.
كما أن حفر الخندق في غزوة الأحزاب كان مباغتة في الأسلوب أيضا، لأنّ العرب لم تكن تعرف إنشاء الخنادق لغرض الحماية في الحصار.
وقد استخدم المنجنيقات والدبابات في غزوة حصار الطائف، وهذا مباغتة في الأسلوب أيضا.
إن القائد العبقري هو الذي يطبّق مبدأ المباغتة في معاركه، والرسول ﷺ قد طبّق هذا المبدأ في كل معاركه، مما كان له أعظم الأثر على نتائجها الحاسمة.
رابعا- حشد القوة «١»:
منذ نزل الوحي على رسول الله ﷺ فأصبح رسول الله، وهو يعمل جاهدا، في سبيل نشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وانتشار الدعوة معناه ازدياد قوة المسلمين وإكمال حشدهم لاستخدام قواتهم في المكان والزمان المناسبين.
_________________
(١) - حشد القوة: هو حشد أعظم قوة أدبية وبدنية ومادية واستخدامها في الزمان والمكان الجازمين.
[ ٤٥٣ ]
وهجرته الى المدينة من الناحية العسكرية، معناها حشد المسلمين في منطقة واحدة ليكونوا تحت قيادة واحدة.
ولم يبدأ الجهاد في الإسلام، إلا بعد إنجاز حشد المسلمين، إذ أصبح المسلمون بدرجة من القوة يستطيعون معها الدفاع عن الاسلام.
لقد رأينا في بيعة (العقبة الثانية) كيف انكشف للمشركين أمر هذه البيعة، وكيف أظهر الأنصار في حينه عدم اكتراثهم بخطر انكشاف بيعتهم.
قال سعد بن عبادة: (يا رسول الله، والله الذي بعثك بالحق إن شئت، لنحملنّ على أهل (منى) غدا بأسيافنا) .
ولكنّ الرسول ﷺ كان أبعد نظرا وأعمق من أن تؤثر فيه العاطفة، فقال له: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا الى رحالكم)
فلما أنجز الرسول ﷺ كل استعدادات حشد المسلمين في المدينة، وعاهد أهلها من يهود والمشركين، بدأ القتال (فعلا)، لأن قوات المسلمين حينذاك أصبحت من الناحيتين المادية والمعنوية قادرة على حماية الدعوة وصيانة حرية الرأي.
إنّ الرسول ﷺ طبّق مبدأ (الحشد) في كل غزواته، ولم يتردّد أبدا في حشد أكبر قوة مادية ومعنوية في كل معركة خاضها.
خامسا- الاقتصاد بالمجهود «١»:
راعى الرسول ﷺ مبدأ (الاقتصاد بالمجهود) في كل غزواته، ولم يندب قوة لواجب ما إلّا وهي كافية لذلك الواجب من كل الوجوه.
_________________
(١) - الاقتصاد بالمجهود: هو استخدام أصغر القوات للأمن أو لتحويل انتباه العدو الى محل آخر او صد قوة معادية اكبر منها مع بلوغ الغاية المتوخاة. إن الاقتصاد بالمجهود يدل على الاستخدام المتوازن للقوى والتصرف الحكيم بجميع المواد لغرض الحصول على حشد القوى المؤثر في الزمان والمكان الحاسمين.
[ ٤٥٤ ]
إنّ نظرة بسيطة إلى الملحق (ن) ومقارنة قوات المسلمين بقوات أعدائهم، تظهر بوضوح مقدار حرص الرسول ﷺ على تطبيق مبدأ الاقتصاد بالقوة.
سادسا- الأمن «١»:
لقد أمّن الرسول ﷺ حماية قواته في كل غزواته، وبذل غاية جهده لمنع العدو من الحصول على المعلومات، وبذلك طبق مبدأ الأمن.
إنّ دوريات الإستطلاع والطلائع والساقات التي كان يؤمّنها الرسول ﷺ في مسير الاقتراب وعند العودة من غزواته، كان لغرض حماية قواته من مباغتة العدو لها.
كما أنّ تأمين الحراسات والعسس هو لحماية قواته أيضا من مباغتة العدو لها.
وكما حرص الرسول ﷺ على الحصول على المعلومات من أعدائه بشتى الوسائل كما رأينا سابقا، فقد حرص على منع العدو من الحصول على المعلومات عن المسلمين بشتى الوسائل أيضا
لقد طبّق مبدأ الكتمان في كل أعماله، وحثّ المسلمين على حفظ الأسرار وعدم إباحتها، وأمر أن يسارع المسلمون بإخباره عن كل حادث مهم.
والحق أن المتتبع لحياة الرسول ﷺ يعجب أشد الإعجاب بمعرفته فورا بكل المعلومات التي تهمه وتؤثر على المصلحة العامة للمسلمين.
كيف عرف برسالة حاطب بن أبي بلتعة تلك الرسالة التي حاول أن يخبر بها قريشا عن حركة المسلمين لفتح مكة؟
كيف عرف بإزماع أبي سفيان بن حرب القدوم الى المدينة لتمديد فترة الهدنة؟
_________________
(١) - الأمن: هو توفير الحماية للقوة ولمواصلاتها لوقايتها من المباغتة ومنع العدو من الحصول على المعلومات.
[ ٤٥٥ ]
كيف عرف كل حركات المنافقين وكل مؤامرات يهود وقضى عليها؟
كيف أحبط كل هذه المؤامرات ومنع افتضاح نيات المسلمين؟
كل ذلك يدل على حرصه الشديد على كتمان نيات المسلمين، وحرمان العدو من الحصول على المعلومات عن أهداف ومقاصد حركات المسلمين.
سابعا- المرونة «١»:
كانت قوات المسلمين تتحرك الى أهدافها بكفاية وسرعة.
لقد استطاعت قوات المسلمين أن تصل الى أهدافها في الوقت المناسب، فتقوم بإحباط نيات العدو العدوانية، قبل أن يكمل العدو استعداداته التي تساعده على النجاح.
وصلت قوات المسلمين الى (دومة الجندل)، وإلى (تبوك)، وإلى ربوع فلسطين وإلى الطائف، وكل هذه الأماكن بعيدة عن قاعدة المسلمين- المدينة، وقد قطعت أكثر هذه المسافات ليلا، وفي ظروف قاسية من ناحية المشاكل الإدارية والطقس، كما استطاع المسلمون أن يستمروا في الحركة ثلاثين ساعة متتابعة عند عودتهم من غزوة بني المصطلق.
وقد رأيت كيف كان الرسول ﷺ مرنا في وضع خططه وفي تنفيذها وكيف أنه يعدّل تلك الخطط عند الحاجة حسب الظروف الراهنة.
_________________
(١) - المرونة: إن المبدأ الذي كان يسمى قبل الحرب العالمية الثانية بمبدأ: (قابلية الحركة)، أصبح يسمى الآن مبدأ: (المرونة)، ذلك لأن (قابلية الحركة) تدل على الحركة المادية وهي صنعة نسبية لا يعبر عنها تعبيرا صحيحا إلا بالمقارنة مع قابلية حركة العدو. إن (المرونة) تعني أكثر من ذلك، إنها لا تتضمن قوة الحركة فحسب بل قوة العمل السريع كذلك؛ فعلى القائد أن يكون مرن الفكر وعليه أن يطبق تلك المرونة عند وضع الخطط لحملته وأن تكون خططه يشكل يمكنه من أن يعدل سريعا حركات قواته حين تضطره الظروف غير المنظورة وغير المتوقعة.
[ ٤٥٦ ]
كل ذلك يدلّ على تطبيق الرسول ﷺ مبدأ (المرونة) وتحريك قواته بسرعة لا تقلّ سرعة وإتقانا عن أقوى جيش حديث في هذا العصر، لأن المسيرات الليلية وقطع المسافات الطويلة والاستمرار في المسير ثلاثين ساعة كاملة دون استراحة يدل على تدريب راق وكفاية متميزة.
ثامنا- التعاون «١»:
لقد رأينا كيف تعاون الرماة مع السيّافة والرمّاحة في غزوة (بدر) الكبرى، فقد نضح الرماة المشركين بنبالهم وأوقعوا فيهم خسائر فادحة سهّلت مهمة هجوم السيافة والرماحة للقضاء نهائيا على مقاومة قريش.
كما رأينا تعاون الفرسان مع المشاة في الغزوات الأخرى.
لقد أمّن الرسول ﷺ مبدأ: (التعاون) في غزواته كلها، وذلك بإعطاء كل سلاح «٢» واجبا يناسبه، كما أن تعاون (الصفوف) فيما بينها تمّ في الوقت والمكان الملائمين، وبذلك أمّن تسهيل مهمة الجميع للوصول الى النجاح المطلوب.
كما أمّن تعاون المسلمين من مختلف القبائل بشكل لم يسبق له مثيل في شبه الجزيرة العربية من قبل: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا ) «٣» .
_________________
(١) - التعاون: هو توحيد جهود كل الأسلحة والقطعات العسكرية لبلوغ الغرض المنشود، وهو النصر في الحرب.
(٢) - السلاح: هو الصنف الذي كان يستعمل في قسم من الجيوش العربية سابقا، فيقال: صنف المشاة، وصنف المدفعية الخ. وبعد توحيد المصطلحات العسكرية في الجيوش العربية من لجنة توحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية الذي بدأت عملها في القاهرة من يوم ٣٠/ ٥/ ١٩٦٨، أصبح يستعمل تعبير: سلاح، بدلا عن: صنف، فيقال: سلاح المشاة، وسلاح المدفعية الخ.
(٣) - الآية الكريمة من سورة آل عمران ٣: ١٠٣.
[ ٤٥٧ ]
تاسعا- إدامة المعنويات:
يمكن تعريف المعنويات: بأنها الصفات التي تميز الجيش المدرّب عن العصابات: بها تظهر الطاعة القائمة على الحب، وتبرز الشجاعة في القتال والصبر على تحمل المشاق، وتبرز كل المزايا التي تجعل الجندي مطيعا باسلا صبورا.
ولست بحاجة الى التحدث عن طاعة جنود رسول الله ﷺ له، تلك الطاعة القائمة على الحب المتبادل والثقة المتبادلة، ولا عن شجاعتهم وجلدهم في القتال وصبرهم على تحمّل المشاق بعزم لا يعرف التخاذل والانهزام.
حسبي أن أذكّر فقط بقصة الحدثين الصغيرين اللذين قتلا أبا جهل في معركة (بدر) الكبرى والتي رواها عبد الرحمن بن عوف ﵁، وحسبي أن أذكّر أيضا بقصة نسيبة الخزرجية (أم عمارة) في معركة (أحد)، وهاتان القصتان معروفتان ورد ذكرهما في محلهما من هذا الكتاب.
فإذا كانت معنويات الفتيان الأحداث من المسلمين والنساء من المسلمات بهذا المستوى الرفيع، فكيف تكون معنويات الرجال؟
إن مما يديم المعنويات هو وجود أهداف يؤمن بها الجنود بصورة خاصة والشعب بصورة عامة، وقد كانت أهداف المسلمين جميعا حينذاك هي إعلاء كلمة الله والعمل على حرية نشر الدعوة الإسلامية بدون تدخّل أحد ونشر لواء العدل والسلام بين الناس كافة، تلك الأهداف التي آمن بها المسلمون إيمانا عميقا وجاهدوا في سبيلها بكل ما يمتلكونه من غال ورخيص.
كما أن صفات القيادة الحقة هي التي تخلق المعنويات وتديمها، فإذا كانت الأمة محظوظة تهيأ لها قائد عظيم حكيم شجاع يبعث الثقة الحقيقية في الأمة.
ولست أعرف قائدا لأمة قديما أو حديثا امتلك صفات القيادة الحقة كما امتلكها الرسول ﷺ، إذ كان في صفاته ومزاياه رجلا يعادل أمة أو هو أمة تعادل رجلا كما يقولون.
[ ٤٥٨ ]
فلا عجب أن يتحلى المسلمون بالمعنويات العالية عندما كانوا ضعفاء يتخطفهم الناس من كل جانب في مكة عقر دارهم، وعندما أصبحوا أقوياء يسيطرون على شبه الجزيرة العربية كلها دون منازع.
عاشرا- الأمور الادارية:
مهما تكن خطة العمليات دقيقة مرنة معقولة، فلا تؤتي ثمراتها المتوقعة إذا تعذر تنفيذها من الوجهة الإدارية، بل يمكن أن نذهب الى أبعد من ذلك بالقول: إن كل خطة مرهونة بإمكاناتها الإدارية.
لقد اهتم الرسول ﷺ بالأمور الإدارية كثيرا في معاركه، فتعاون المسلمون على تزويد المجاهدين بالأرزاق والماء والنقلية والسلاح.
قرن الإسلام دائما الجهاد بالأرواح بالجهاد بالمال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) «١» (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) «٢» (وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٣» (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) «٤» (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً) «٥» .
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة التوبة ٩: ٢٠.
(٢) - الآية الكريمة من سورة البقرة ٢: ٢٦١.
(٣) - الآية الكريمة من سورة الحديد ٥٧: ١٠.
(٤) - الآية الكريمة من سورة الصف ٦١: ١١.
(٥) - الآية الكريمة من سورة النساء ٤: ٩٥.
[ ٤٥٩ ]
بل يلاحظ من تلك الآيات الكريمة، أن المال يقدّم على الأنفس دائما، مما يدلّ على اهتمام الإسلام بالأمور الإدارية.
ويقول القرآن الكريم عن الخيل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) «١» ويقول: (وَالْعادِياتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِياتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) «٢»
ويقول القرآن الكريم في الحديد الذي يعمل منه السلاح: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) «٣» .
لقد أنفق المسلمون الأولون أموالهم في سبيل الله: مات الرسول ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير، وأنفق أبو بكر الصديق ﵁ جميع ماله في سبيل الله وكان يوم أسلم من أغنياء قريش المعدودين، فمات متخللا بعباءته. وأنفق عمر بن الخطاب ﵁ نصف ماله، كما جهز عثمان ابن عفان ﵁ جيش العسرة في غزوة (تبوك) بالإضافة الى الأموال الطائلة التي أنفقها على غيرها من الغزوات. أما آل محمد ﷺ فقد روى الحسن عنهم قال: (خطب رسول الله ﷺ فقال: (والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات) . والله ما قالها استقلالا، ولكن أراد أن تتأسى به أمته) !
لقد أتعب الرسول ﷺ وأصحابه من يريد التأسي بهم من المسلمين بعدهم.
لقد ضحّوا بكل شيء حتى بأبسط ضروريات الحياة في سبيل الله والمصلحة العامة قبل أربعة عشر قرنا، فأين منها تضحيات زعماء الشرق والغرب في القرن العشرين، أولئك الذين يتاجرون بالدفاع عن الفقير والعامل والفلاح بالظاهر
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الأنفال ٨: ٦٠.
(٢) - الآيات الكريمات من سورة العاديات ١٠٠: ١- ٥.
(٣) - الآية الكريمة من سورة الحديد ٥٧: ٢٥.
[ ٤٦٠ ]
وبالكلام فحسب، على حين يعيشون في الحقيقة مترفين في رخاء عظيم على حساب الفقير والعامل والفلاح!!
٣- مزايا اخرى اضافية:
أ- المساواة:
ساوى الرسول ﷺ نفسه بأصحابه في كل شيء، بل استأثر لنفسه دونهم بالخطر ومضاعفة الجهد وتحمّل المسئولية والحرمان الشديد.
حمل الحجارة والتراب والجريد واللبن كأي فرد من المسلمين عند بناء المسجد في المدينة المنورة.
وفي مسير الاقتراب الى (بدر)، قسّم الإبل المتيسّرة وعددها سبعون بعيرا بين أصحابه، وكان من نصيبه مع علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵄ بعير يعتقبونه، تماما كما يفعل أيّ فرد من أفراد قواته.
قال شريكا الرسول صلوات الله وتسليمه عليه في البعير: (نحن نمشي عنك)، قال: (ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) .
وفي غزوة (الخندق)، حفر بيده وحمل الأحجار والأتربة على عاتقه.
قال البراء بن عازب: (كان رسول الله ينقل التراب يوم الخندق، حتى اغبرّ بطنه) .
لقد وارى التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر.
وشارك أصحابه في طعامهم وشرابهم ولباسهم، بل آثرهم بالنفيس من كل ذلك واستأثر دونهم بالخشن.
وتحمل أخطر المواقف بنفسه، ولم يترك أصحابه يتعرّضون للخطر وحدهم.
لقد سخّر نفسه لخدمة أصحابه، بينما سخّر القادة قواتهم لخدمتهم
[ ٤٦١ ]
ب- الاستشارة:
كان الرسول ﷺ يستشير أصحابه في كل المواقف التي لها أثر في مصالح المسلمين عسكرية وغير عسكرية.
استشارهم في غزواته كافة عدا غزوة (الحديبية)، وأخذ بآرائهم حتى ولو كانت تخالف رأيه كما حدث (فعلا) في غزوة (أحد)، فقد كان يرى البقاء في المدينة المنورة بينما رأى أكثرية أصحابه الخروج.
أما أسباب عدم استشارتهم في غزوة (الحديبية)، فلأنه- كما ذكرنا سابقا- كان يصرّ على نياته السلمية التي تؤمّن له الاستقرار الضروري لانتشار الإسلام، وكان لبعد نظره المذهل حقا يعرف أن نتائج الصلح ستكون خيرا شاملا للدعوة الاسلامية، بينما كان أصحابه يريدون النصر العاجل قبل أوانه.
ج- أساليب جديدة:
طبّق الرسول ﷺ أساليب جديدة في القتال.
طبّق أسلوب القتال ب (الصفوف) في (بدر)، فتغلّب بهذا الأسلوب على قوات قريش التي بلغت ثلاثة أمثال قوّته، لأنهم قاتلوا بأسلوب (الكرّ والفرّ) .
وحفر (الخندق) في غزوة (الأحزاب)، ولم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب.
وطبّق أسلوب قتال المدن والأحراش في غزوة بني النضير وبني قريظة وخيبر، ومن المدهش أن يطبّق الرسول ﷺ نفس الأسلوب الذي يطبّق في الحرب الحديثة في مثل هذا القتال.
واستخدم المنجنيقات والدبابات في غزوة حصار (الطائف)، وكان استعمال هذين السلاحين نادرا عند العرب حينذاك.
[ ٤٦٢ ]
وانتخب (مقرّا) له في غزوة (بدر)، مراعيا شروط انتخاب (المقر)، وأمّن حراسته كما يجري في الحرب الحديثة.
وقسّم الأعمال وأمّن السيطرة على إنجازها، كما حدث في حفر الخندق.
وقام بالهجوم فجرا، ذلك الهجوم الذي يحتاج الى كفاية وتدريب متميزين كما حدث في غزوة بني المصطلق.
وابتكر أسلوب (الرسائل المكتومة)، على حين يفاخر الألمان في العصر الحاضر بأنهم أول من ابتكر هذا الأسلوب.
بل إنه طبّق الحرب الإجماعية بحذافيرها، فحشد كل القوى المادية والمعنوية للأغراض العسكرية، وذلك ليؤمّن حماية الدعوة من أعدائها الكثيرين، بينما لم تعرف هذه الحرب إلا في الحرب العالمية الثانية فقط، واستأثر الألمان بالمفاخرة في ابتكارها.
٤- قيادة مثالية:
رأينا كيف كان الرسول ﷺ يتحلى بكل صفات القائد المثالي، كما تنصّ عليها أوثق المصادر العسكرية الحديثة.
ورأينا كيف طبّق كل مبادىء الحرب بكل كفاية، ورأينا كيف أنه تحلّى بمزايا أخرى لم تنص عليها المصادر العسكرية لاستبعاد المفكرين العسكريين إمكان توفرها في القادة وهم بشر!
ورأينا كيف طبّق أساليب جديدة مبتكرة، واستخدم أسلحة جديدة في القتال.
فأي قائد تحلى بكل هذه المزايا وطبّق كل مبادىء الحرب وابتكر كل هذه الأساليب الحربية؟!
ذلك هو السبب الأول لانتصار المسلمين على أعدائهم، وقديما قالوا: (لم يغلب الرومان الغال ولكن قيصر) .
[ ٤٦٣ ]
السبب الثاني جنود متميزون
١- مزايا الجند المتميّز:
تتلخص مزايا الجندي المتميز بما يلي:
عقيدة راسخة، ومعنويات عالية، وضبط متين، وتدريب جيّد، وتنظيم سليم، وتسليح جيد.
تلك هي مزايا الجندي المتميز في كل زمان ومكان، فهل كان جنود النبي ﷺ يتحلون بهذه المزايا العالية التي تجعلهم جيشا قويا رصينا، وهل كانوا يختلفون في شيء من ذلك عن العرب الذين ينتمون إليهم؟
والحق أن الرسول ﷺ هو الذي جعل جيش المسلمين يتحلى بكل هذه المزايا الرفيعة، فقد بذل غاية الجهد ليغرس كل هذه المزايا في نفوس المسلمين، وبذلك كوّن منهم قوة لا تغلب، وكانوا قبل حين كغيرهم من القبائل الأخرى، تطغى عليهم الأنانية الفردية، ولا يعرفون معنى الضبط والنظام، وليست لديهم عقيدة بالمعنى الصحيح.
ليس من السهل أبدا، أن ينجح انسان في تبديل نفسية رجاله من حال الى حال إلا بعون الله، ونجاحه هذا هو معجزة واقعية أكبر وأعظم من معجزات الخيال.
٢- تفصيل المزايا:
أ- عقيدة راسخة:
آمن المسلمون برسالة النبي ﷺ، فهم يقاتلون لحماية ما آمنوا به من العدوان،
[ ٤٦٥ ]
حتى تكون كلمة الله هي العليا؛ وفي سبيل الدفاع عن عقيدتهم التي آمنوا بها كل الإيمان، تركوا أوطانهم وأموالهم وعرّضوا أنفسهم للخطر، وقاتلوا حتى أولادهم وأهليهم وعشيرتهم.
لقد بذلوا كل شيء رخيصا في سبيل الدين الذي اعتنقوه.
التقى الآباء بالأبناء والإخوة بالإخوة والأهل بالأهل: خالفت بينهم المبادىء ففصلت بينهم السيوف.
كان أبو بكر الصديق ﵁ مع المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن مع المشركين. وكان عتبة بن ربيعة مع قريش، وكان ابنه حذيفة مع المسلمين.
وعندما استشار النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ في مصير أسرى (بدر)، قال عمر: (أرى أن تمكني من فلان، قريب عمر، فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من أخيه عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن الحمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين) .
ولما سحبوا جثة عتبة بن ربيعة الذي قتل يوم (بدر) لتدفن في القليب، نظر الرسول ﷺ الى ابنه حذيفة بن عتبة فاذا هو كئيب قد تغيّر لونه. فقال له: (يا حذيفة! لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء)؟
قال حذيفة ﵁: (لا والله يا رسول الله فما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام؛ فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك) .
وفي غزوة بني المصطلق، حاول عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين أن يثير الفتنة بين المهاجرين والأنصار، فأصدر الرسول ﷺ أمره بالحركة فورا حتى
[ ٤٦٦ ]
لا يستفحل أمر الفتنة. وعند وصول المسلمين الى المدينة، تقدّم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ يطلب من الرسول ﷺ أن يأمره بقتل أبيه لأنه حاول إشعال نار الفتنة، ولكنّ الرسول ﷺ عفا عنه قائلا لولده المؤمن: (إنا لا نقتله، بل نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) .
وفي غزوة بني قريظة طلب يهود حضور أبي لبابة لاستشارته، فسمح الرسول ﷺ له بالذهاب إليهم. وسأله يهود: هل ينزلون على حكم محمد؟ قال لهم: (نعم)، وأشار الى حلقه كأنه ينبههم الى أن مصيرهم الذبح.
لم يعرف أحد من المسلمين بإشارة أبي لبابة هذه الى حلقه حين استشاره يهود، ولكنه أدرك لفوره بأنه خان الله ورسوله بإشارته تلك، فمضى هائما على وجهه حتى ربط نفسه الى سارية في مسجد الرسول ﷺ، وبقي على حاله هذا حتى تاب الله عليه.
وقبيل غزوة الفتح جاء أبو سفيان بن حرب الى المدينة، فقصد دار أم حبيبة ابنته وزوج الرسول ﷺ، لكنها طوت الفراش عن والدها، لأنها رغبت بالفراش عن مشرك نجس ولو كان هذا المشرك أباها الحبيب.
لقد أنفق المسلمون أموالهم في سبيل الله، حتى تخلّل أبو بكر الصديق ﵁ بالعباءة، وكان يملك أربعين ألف دينار قبل الاسلام.
فما الذي يدفع لمتل هذه الأعمال الرائعة غير العقيدة الراسخة والإيمان العظيم؟
وهل يقاتل أصحاب مثل هذه العقيدة كما يقاتل الذين لا عقيدة لهم إلا أهواء الجاهلية وعصبية الأنانية وحب الفخر والظهور؟
إن عقيدة المسلمين بسمو أهدافهم جعلتهم يستميتون في القتال دفاعا عن تلك الأهداف.
[ ٤٦٧ ]
ب- معنويات عالية:
لا قيمة لأي جيش مهما يكن ضخما في عدده، دقيقا في تنظيمه، متميزا في تسليحه ما لم تكن معنوياته عالية.
كان الجيش الإيطالي في الحرب العالمية الثانية مجهزا بأحدث الأسلحة وأشدها فتكا، وكان تنظيمه دقيقا وعدده كبيرا، ولكن معنوياته كانت منهارة؛ فأصبح عبئا ثقيلا على الألمان، فكان الحلفاء يطلقون على المواضع التي يحتلها الإيطاليون تعبير: (الفراغ العسكري)، لأنهم كانوا يستسلمون دون قتال، كلما حاق بهم الخطر الحقيقي أو الوهمي فكان وجودهم وعدم وجودهم سواء.
شجّع الرسول ﷺ أصحابه قبل معركة (بدر) وفي أثنائها وقوّى معنوياتهم، حتى لا يكترثوا بتفوق قريش عليهم في العدد، فكانت معنويات المسلمين عالية في تلك المعركة.
حتى معنويات الأحداث الصغار منهم كانت عالية للغاية كما رأيت في تسابق ابني عفراء لقتل أبي جهل.
هل كان بإمكان المسلمين الانتصار في غزوة (بدر)، والقيام بمطاردة المشركين بعد يوم من غزوة (أحد)، والصمود في غزوة الأحزاب، والإقدام على غزوة (تبوك)، لو لم تكن معنوياتهم عالية جدا؟
وكما عمل الرسول ﷺ على رفع معنويات أصحابه بشتى الطرق والمناسبات، عمل على تحطيم معنويات أعدائه بشتى الطرق والمناسبات أيضا؛ وما كانت غزوة (الحديبية) و(عمرة القضاء) وغزوة (تبوك) إلا معارك معنويات لا معارك ميدان.
إن (عمرة القضاء) فتحت قلوب أهل مكة، لأنها حطّمت معنوياتهم، وغزوة الفتح فتحت أبواب مكة.
[ ٤٦٨ ]
كما أن نتيجة غزوة (تبوك) اندحار معنوي للروم، وبذلك اطمأن العرب الى أن بإمكانهم مقاتلة الروم، وكانوا سابقا يظنون أن ذلك من المستحيلات.
لقد استهدف الرسول ﷺ في كل غزواته تحطيم معنويات أعدائه، بل إنه كان يستهدف تحطيم المعنويات أكثر مما كان يستهدف تحطيم القوى المادية، لأنه كان يطمع دائما في عودة أعدائه الى الصراط المستقيم والهداية، فيحرص على بقائهم أحياء طمعا في هدايتهم: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) .
إن أكثر غزوات الرسول ﷺ كانت معارك معنويات تؤثر في النفوس والقلوب لا معارك خسائر تؤثر على الأرواح والممتلكات.
ويجب ألا ننسى هنا أثر اعتقاد المسلمين بالقضاء والقدر في رفع معنوياتهم لاقتحام الأخطار بشجاعة خارقة، لأن المقدّر سيكون حتما والشهيد في الجنة، وإنما هي إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا) «١» .
ج- ضبط متين:
كان المسلمون يطيعون النبي ﷺ إطاعة لا حدود لها، وينفّذون أوامره حرفيا بدون تردّد وبكل حرص وأمانة مهما تكن ظروفهم صعبة وواجباتهم شاقة.
وليس هناك ما يبرّر ذكر أمثلة على قوة ضبط المسلمين، لأن الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ولأن الإطاعة في الإسلام دين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) «٢» .
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة التوبة ٩: ٥٢.
(٢) - الآية الكريمة من سورة النساء ٤: ٥٩.
[ ٤٦٩ ]
د- تدريب راق:
اهتم الرسول ﷺ بتدريب أصحابه على الرمي وركوب الخيل، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: (من ترك الرمي بعد ما علمه، فإنما هي نعمة كفرها) .
ولم يقتصر الرسول ﷺ على حثّ أصحابه للتدريب المستمر على الرمي وركوب الخيل وهو ما نسميه في الوقت الحاضر: بالتدريب الفردي بل درّبهم على تشكيلات مسير الاقتراب وأساليب القتال وواجبات الحراسات والخفراء، وهو ما نسميه في الوقت الحاضر: بالتدريب الإجمالي.
اتخذ التشكيلات التعبوية المناسبة في مسير الاقتراب في كل غزواته، فأمّن بذلك الحماية اللازمة لقواته وحرم العدو من مباغتتها.
وقاتل بأسلوب (الصفوف) في معركة (بدر) ومعركة (أحد) وفي أكثر غزواته الأخرى ونظّم المواضع الدفاعية وراء الخندق في غزوة الأحزاب وأمّن حراسة النقاط الخطيرة من الخندق.
وقام بقتال المدن والأحراش في قتاله ضد يهود، كما قامت سرية أبي سلمة ﵁ بالهجوم فجرا على بني أسد، والنجاح في هذين القتالين يدلّ على تدريب راق.
كما قام بمسيرات طويلة شاقة في مختلف الظروف والأحوال ليلا ونهارا، مما يمكن اعتباره تدريبا عنيفا.
كل هذا التدريب الفردي والإجمالي والتدريب العنيف جعل تدريب المسلمين راقيا، وجعلهم قادرين على القتال بكفاية في مختلف الظروف والأحوال.
هـ- تنظيم سليم:
كان جيش المسلمين مؤلفا من المهاجرين والأنصار ومسلمي أكثر القبائل
[ ٤٧٠ ]
المعروفة حينذاك، ومعنى ذلك: أن جيش المسلمين كان مؤلفا من كل القبائل العربية لا من قبيلة واحدة، لهذا فإن انتصاره لا يعدّ فخرا لقبيلة دون أخرى، كما أن إخفاق أية قبيلة في التغلّب عليه لا يعدّ عارا عليها، لأن هذا الجيش لم يكن لقبيلة دون أخرى، بل لم يكن للعرب دون غيرهم، إنما كان للاسلام ولمعتنقي هذا الدين من العرب وغيرهم.
إنني أعتقد أن هذا التنظيم الذي لا يخضع إلا للعقيدة الموحّدة فقط دون غيرها من المؤثرات، جعل القبائل كلها لا تحرص على مقاومة جيش المسلمين حرصها على مقاومة قبيلة خاصة، وهذا سهّل مهمة المسلمين في القتال.
وتسليح جيد:
أصبح تسليح المسلمين بالتدريج جيدا، بعد أن كان المشركون متفوّقين على المسلمين بالتسليح حتى انتهاء غزوة الخندق.
يكفي أن نسمع وصف الكتيبة الخضراء التي كان على رأسها النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقد كان أفرادها لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد.
وقد شجّع الرسول ﷺ على صناعة السلاح فقال: (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه المحتسب في عمله الخير، والرامي به، والمعدّ له؛ فارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا) .
[ ٤٧١ ]
السبب الثالث حرب عادلة «١»
١- معنى الحرب العادلة:
(هي حرب توجّه ضد شعب ارتكب ظلما نحو شعب آخر ولم يشأ رفعه.
ويشترط فيها أن تكون مطابقة للقواعد الإنسانية، وتكون لغرض تحقيق سلم دائم، ووجوب احترام حياة وأملاك الأبرياء وحسن معاملة الأسرى والرهائن) .
هذا هو معنى الحرب العادلة كما تنص عليه مصادر قوانين الحرب والحياد من القانون الدولي.
الحرب العادلة إذا، حرب دفاعية لا عدوانية، تستهدف تحقيق سلم دائم، أغراضها إنسانية، تحترم حياة وأملاك الأبرياء، وتعامل الأسرى والرهائن بالحسنى.
إن شروط الحرب في الإسلام قبل أربعة عشر قرنا كانت أكثر عدلا مما تنص عليه مصادر القانون الدولي في القرن العشرين؛ فهي بالاضافة الى ذلك لا تثيرها العنصريات ولا حب الأمجاد، وليست لأغراض مادية أو استعمارية، وتدافع عن حرية الرأي والعقيدة.
وسترى التطبيق العملي لكل هذه الشروط في أعمال الرسول ﷺ العسكرية.
_________________
(١) - لم تعرف التفرقة بين الحرب العادلة وهي مباحة والحرب غير العادلة وهي محرمة إلا في إبان العصور الوسطى، إلا ان هذه الفكرة السامية لم تلبث ان انهارت.
[ ٤٧٣ ]
٢- تفصيل معنى الحرب العادلة:
أ- حرب دفاعية:
ارتكبت قريش كل الظلم والعدوان ضد المسلمين عندما كانوا في مكة، فلم يبق هناك مجال للمسلمين غير ترك أموالهم وأهليهم والهجرة من مكة الى الحبشة أولا وإلى المدينة أخيرا تخلصا من هذا الظلم والعدوان.
هاجر أكثر المسلمين من مكة فرارا بعقيدتهم فقط، تاركين فيها كل ما يملكونه من أهل ومال، وكان أكثر هؤلاء المهاجرين من الذين حمتهم عصبتهم من أن يصيبهم ما أصاب المستضعفين في الأرض من المسلمين الذين عذبتهم قريش ولقوا مصارعهم من جراء هذا التعذيب.
حتى الرسول ﷺ نفسه، لاقى التكذيب والإهانة، واستمع بصبر عجيب الى دعايات قريش الكاذبة ضده ومكافحتها العنيفة للدين الجديد.
وقد نجا الرسول ﷺ من مؤامرة قريش المحكمة التي دبرتها لاغتياله، كما نجا من مطاردة قريش له في هجرته من مكة الى المدينة متحملا المشاق والأهوال.
فأي ظلم وعدوان أكبر من هذا الظلم والعدوان الذي أصاب المسلمين؟
ولكنّ الرسول ﷺ عندما فتح مكة قال لقريش: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) !!
لم يقاتل الرسول ﷺ عدوا إلا مضطرا لقتاله، وكل غزواته كانت لرد اعتداء خارجي أو داخلي أو لإحباط نية اعتداء، ولم يجد من عدو ميلا للسلام إلا بادر الى تشجيع هذا الميل، والارتباط بهذا العدو بالمحالفات.
إن دراسة أسباب غزوات الرسول ﷺ بروح محايدة بعيدة عن الهوى، تثبت أن المسلمين لم يعتدوا على أحد، لأن الله لا يحب المعتدين.
كما أن تلك الدراسة تثبت أن المسلمين لم يريدوا بقتالهم إكراه الناس على الدخول في الإسلام، فقد بقي كثير من رجالات قريش على الشرك بعد الفتح
[ ٤٧٤ ]
وشهدوا مع الرسول ﷺ في غزوة (حنين)، وكان المسلمون يعرفون أن هؤلاء لا يزالون على عقيدتهم الأولى، ومع ذلك لم يجبرهم أحد على تبديل دينهم:
(لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) «١» (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) «٢»؟!
من هؤلاء صفوان بن أميّة وأبو سفيان بن حرب وكلدة بن الجنيد.
ألم يكن بإمكان المسلمين أن يجبروا هؤلاء على اعتناق الإسلام، بعد أن استسلمت قريش وفتحت مكة أبوابها للمسلمين؟؟
إن القول بأن هدف القتال في الإسلام هو نشر الدعوة هراء لا يستند الى الواقع، ولكنّ هدف القتال هو حماية حرية نشر الدعوة، وحماية الدعوة، وإقرار السلام، وشتان بين الهدفين!
ومع أن الحرب الإسلامية دفاعية لأنها بعيدة عن الظلم والعدوان، إلا أن هذا الدفاع غير مستكن «٣»، بل هو دفاع تعرّضي كما يسمى في المصطلحات العسكرية الحديثة، ومعناه أن المسلمين لا يبدأون بالاعتداء، ولكنهم يدافعون عن أنفسهم ضد كل اعتداء بالهجوم المضاد لسحق قوات المعتدين.
ب- حرب لتوطيد السلام:
أظهر مشركو المدينة ويهودها بعيد هجرة النبي ﷺ من مكة الى المدينة ميلا الى السلم، فشجّع الرسول ﷺ هذا الميل السلمي وعقد معهم معاهدة أمّنت لجميع سكان المدينة حرية الرأى والأمن.
وقد حالف الرسول ﷺ كل قبيلة أظهرت رغبتها في السلام كما فعل مع بني ضمرة في غزوة (ودّان) ومع بني مدلج في غزوة (العشيرة) ومع قريش في غزوة (الحديبية) .
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة البقرة ٢: ٢٥٦.
(٢) - الآية الكريمة من سورة يونس ١٠: ٩٩.
(٣) - الدفاع المستكن: الدفاع الثابت المحروم من قابلية الحركة للقيام بالهجوم المضاد.
[ ٤٧٥ ]
بل كان الرسول ﷺ يبذل كل جهده لتحقيق أهدافه السلمية، حتى لو أدّى ذلك الى تذمر قسم من أصحابه، كما حدث في غزوة (الحديبية) .
إن السلام يضمن الاستقرار، وقد انتشر الإسلام في فترة صلح (الحديبية) - وهي فترة سلام- انتشارا عظيما بين الناس لم ينتشره في أيام الحرب، بل إن انتشاره في أيام السلام كان أضعافا مضاعفة لانتشاره في أيام القتال.
إن الجنوح الى السلم دين: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) «١»، فلا عجب إذا رأينا الرسول ﷺ يقبل بل يشجّع كل العروض السلمية التي تقدّم بها أعداؤه في كل مكان وزمان.
إن السلم في الإسلام هي القاعدة الثابتة، والحرب هي الاستثناء.
ولكنّ الإسلام يدعو للسلام لا للاستسلام: يسالم من يسالمه ويعادي من يعاديه، ولكنه لا يعتدي على أحد ولا يظلم أحدا، ولا يرتضي للمسلمين الظلم والعدوان.
ج- حرب إنسانية:
أولا- احترام الأبرياء:
لم يتعرّض الرسول ﷺ بغير المقاتلين في غزواته، وحرص على صيانة واحترام أرواح وأموال الأبرياء.
لما استسلم بنو قريظة، قتل المسلمون الرجال الذين قاتلوهم (فعلا)، لأنهم خانوا عهودهم وعرّضوا المسلمين للفناء. أما الأطفال والنساء من بني قريظة فلم يصابوا بأذى، كما أن الذين ثبتوا على عهودهم من يهود لم يصابوا بسوء أيضا.
والمرأة الوحيدة التي قتلت من بني قريظة، هي التي قتلت مسلما بقذفه
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الأنفال ٨: ٦١.
[ ٤٧٦ ]
بالرحى من فوق سطها، وإنما كان قتلها عقابا لها على جنايتها هذه، كما هو واضح ومعروف.
ولما خرج المسلمون لغزوة (مؤتة) أوصاهم النبي ﷺ بألّا يقتلوا النساء والأطفال والمكفوفين ولا يهدّموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار.
إن البريء لا يؤخذ بجريرة المذنب: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) «١»، هذا هو مبدأ الإسلام الذي لن يحيد عنه.
ثانيا- الأسرى والرهائن:
أسر المسلمون سبعين أسيرا من قريش في غزوة (بدر)، فقسّم ثمانية وستين أسيرا من هؤلاء على أصحابه قائلا: (استوصوا بالأسارى خيرا) .
ثم فادى أغنياء الأسرى بالمال، أما الفقراء فأطلق سراح قسم منهم دون مقابل، وكلّف المتعلمين منهم بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة، ثم أطلق سراحهم بعد تعليمهم هؤلاء الأطفال.
ولكنّ الرسول ﷺ أمر بقتل أسيرين من السبعين أسيرا، لأنهما أجرما في حق المسلمين وعذّبا المستضعفين منهم وشنّعا على الإسلام، فكان قتلهما لجرائمهما لا لأنهما أسيران.
إن هذين الأسيرين كانا (مجرمي حرب) كما يطلق عليهما في التعابير العسكرية الحديثة وعقابهما كان جزاء لما جنت أيديهما من ذنوب وآثام.
كما فادى الرسول ﷺ الأسيرين اللذين وقعا بأيدي سرية عبد الله بن جحش، فأسلم أحدهما وعاد الثاني أدراجه الى مكة آمنا.
_________________
(١) - الآية الكريمة في سورة من سورة الأنعام ٦: ١٦٤، والإسراء ١٧: ١٥، وسورة فاطر ٣٥: ١٨، والزمر ٣٩: ٧.
[ ٤٧٧ ]
ذلك ما طبّقه المسلمون بحق الأسرى، وهو ما ينطبق على أحدث قوانين معاملة الأسرى في العصر الحاضر.
أما الرهائن، فلم يرو التاريخ أن المسلمين اعتدوا عليهم لأن الرهائن أمانة والقرآن الكريم يقول: (لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) «١» .
ثالثا- الجرحى والقتلى:
كان قسم من أسرى المشركين في غزوة (بدر) الكبرى جرحى، وقد اعتنى المسلمون بتمريضهم وعنايتهم بجرحاهم سواء بسواء.
ولم يهمل المسلمون أمر الاعتناء بجرحى أعدائهم في كل غزواتهم، لأن هذا الاعتناء قضية إنسانية، والإسلام دين الإنسانية جمعاء.
وقد دفن المسلمون قتلى المشركين في (بدر) كما دفنوا شهداءهم ولم يتركوهم في العراء.
أما المشركون فقد مثّلوا بشهداء المسلمين في (أحد) أفظع تمثيل.
٣- حرب عقيدة:
أ- لا أغراض شخصية:
لم تعلن الحرب في الإسلام لأغراض شخصية، لأن الإسلام في حقيقته دعوة للمصلحة العامة وتقديم للصالح العام، ولو أدّى ذلك الى تناسي مصالح الأشخاص.
ولم تعلن هذه الحرب لأطماع شخصية وحب السيطرة والأمجاد، فقد بعثت قريش عتبة بن ربيعة وهو رجل رزين هادىء، فذهب الى رسول الله ﷺ يقول له: (يا ابن أخي! إنك منّا حيث علمت من المكان والنسب، وقد أتيت
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الأنفال ٨: ٢٧.
[ ٤٧٨ ]
قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها. إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سوّدناك علينا فلا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا) . ولكن الرسول ﷺ لم يكترث بكل هذا الاغراء.
واشتدت عدواة قريش، وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له فقال للنبي ﷺ: (ابق على نفسك وعليّ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق) .
قال الرسول ﷺ: (يا عماه! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته) .
لقد كان الرسول ﷺ يردد دائما قوله تعالى: (قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) «١» . ولم يترفع أبدا عن الفقراء والضعفاء والمساكين والخدم، وسيرته في كل ذلك مضرب الأمثال.
إن حماية حرية نشر العقيدة هي التي أثارت الحرب في الإسلام، ولم يكن من أسباب إثارتها الأغراض الشخصية من بعيد أو قريب.
ب- حرب لا عنصرية:
ليس الإسلام دينا لقبيلة دون قبيلة، ولا لأمة دون أمة، ولا للعرب دون العجم. ولكنه للناس جميعا، للعالمين! (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) «٢»، فالإسلام يعمل لفكرة جليلة، فكرة وحدة الإنسانية تحت لواء الإسلام.
إنه دين يقاوم العصبية والتعصب، ويكافح العناصر والأجناس، لأنه يريد أن يجمع العالم كله على صعيد واحد: لتوحيد كلمتهم وتوحيد الله.
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الكهف ١٨: ١١٠، وسورة فصلت ٤١: ٦.
(٢) - الآية الكريمة من سورة الأعراف ٧: ١٥٨.
[ ٤٧٩ ]
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) «١»، و(ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى)، و(سلمان منا آل البيت)، كلها معناها: إن الإسلام قومية ودين تنصهر فيه كل قومية وكل دين، هو دنيا ودين سيف وكتاب مذهب في الحياة «٢» .
لقد رأينا أن الحرب الإجماعية التي دعا إليها الألمان ترتكز على العنصرية الجرمانية، ورأينا سيطرة التفريق العنصري البغيض بين البيض والسود في الولايات المتحدة الامريكية وفي جنوب إفريقية وغيرها من البلاد، كل هذا يجري في القرن العشرين عصر النور والمدنية والذرّة والصواريخ عابرة القارة.
أما الاسلام قبل أربعة عشر قرنا، فقد قاوم العنصريات والاجناس، ودعا الى توحيد الأهداف، فمن آمن بالإسلام كان دمه وعرضه وماله حراما على المسلمين: (المسلم أخو المسلم) .
كان الرسول ﷺ من قريش، ولكنه قاتل قريشا حين اعتدت على المسلمين؛ وكان عربيا، ولكنه قاتل قومه العرب دفاعا عن الإسلام.
ولما تصدى الروم لعرقلة دعوته، قاتلهم. وعندما التحق بالرفيق الأعلى، قاتل خلفاؤه الفرس والروم وغيرهم من الأقوام والأجناس.
والذين كانوا أعداء المسلمين على اختلاف قومياتهم وأجناسهم قبل إسلامهم، انصهروا بعد إسلامهم بالمسلمين، فأصبح عليهم ما على المسلمين ولهم ما للمسلمين.
إن الاسلام ساوى بين الناس في الدنيا وفي الآخرة أمام الناس وأمام الله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) «٣» .
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الحجرات ٤٩: ١٠. .Islam is a (way of life) and not a (religion) only - (٢) فهو: مذهب في الحياة يشمل القضايا الروحية والمادية وليس دينا يشمل القضايا الروحية فقط، فلينتبه الى ذلك الذين يترجمون كتب الغرب الى العربية عند ترجمتهم كلمة) religion (التي قد تنطبق على المسيحية كدين ولكنها لا تنطبق على الاسلام كدين ودولة وروح ومادة وسيف وكتاب.
(٢) - الآية الكريمة من سورة الحجرات ٤٩: ١٣.
[ ٤٨٠ ]
ج- حرب لا مادية:
لم يكن من أغراض القتال في الاسلام الاستحواذ على المادة والبحث عن الاسواق والخامات واسترقاق المرافق وفرض الاستعمار.
خرج المسلمون للتصدّي لقافلة أبي سفيان بن حرب العائدة من الشام في غزوة (بدر) الكبرى، لأنهم أرادوا أن يحرموا قريشا من طريق مكة- الشام التجارية فيؤثّرون بذلك على حالتها الاقتصادية حتى يخففوا من غلواء عدوانهم على المسلمين.
ولكنّ تلك القافلة أفلتت من أيديهم، ومع ذلك اصطدمت قواتهم بالمشركين، وكان بإمكانهم العودة الى المدينة بأمن وسلام بكل يسر وسهولة.
ولو كانت القضايا المادية هي التي دعتهم للخروج الى (بدر)، لعادوا أدراجهم عندما علموا بوصول قافلة قريش سالمة الى مكة.
وبعد غزوة (حنين)، انتظر الرسول ﷺ حوالي شهر قدوم وفد هوازن إليه، ليعيد إليهم ما غنمه المسلمون من أموالهم، ولكنهم لم يحضروا، فاضطر الى تقسيم الغنائم، وأعاد السبي الى وفد هوازن الذي وصل بعد تقسيم الغنائم على الناس.
ولكن ما هو نصيب الرسول ﷺ من الغنائم؟ إنه الخمس، وهذا الخمس مردود عليهم، لأنه يصرف في مصالحهم العسكرية وغير العسكرية، فهل أبقى الرسول ﷺ لنفسه شيئا من المال؟
قالت عائشة أم المؤمنين ﵂: (لم يمتلىء جوف النبي ﷺ شبعا قط، وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب) .
وقالت: (ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قبض رسول الله ﷺ) .
[ ٤٨١ ]
وقالت: (كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء) .
وقالت: (توفي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي. وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير) .
ذلك ما أبقاه الرسول ﷺ لنفسه ولأهل من متاع الدنيا، ولو كانت له رغبة في المادة، لأبقى لنفسه مال زوجه خديجة، وهو مال كثير!!
إن الأهداف الرفيعة تتعب الأجساد والنفوس في الحصول عليها، وقد أتعب الرسول ﷺ نفسه وأهله وأصحابه في سبيل أهداف الإسلام، ليكون أسوة حسنة للمسلمين في كل زمان ومكان.
٤- حرب مثالية:
إن تعريف الحرب العادلة كما تنصّ عليه مصادر القانون الدولي، بالرغم من أنه حبر على ورق بالنسبة لكل الحروب قديما وحديثا، إلا أنه قاصر عن الوفاء بحق تعريف القتال في الإسلام.
إنّ أصحّ تعبير يمكن إطلاقه على تلك الحرب هو: الحرب المثالية.
مثالية: لأن أهدافها الدفاع عن حرية الرأي وتوطيد أركان السلام:
تصون أرواح وأموال الأبرياء والضعفاء، وتعطف على الأسرى والرهائن، وتواسي المرضى والجرحى، ولا تمثّل بالقتلى بل تدفنهم كقتلاها، ولا تثيرها الأغراض الشخصية ولا العصبية ولا المنافع المادية ولا الاستغلال والاستعمار.
فاذا لم تكن هذه الحرب مثالية، فأي حرب في التاريخ كله يمكن أن يطلق عليها هذا التعبير؟
لا عجب إذن إذا استطاعت هذه الحرب أن تسيطر على العقول بالمثل العليا قبل أن تسيطر على الحصون والقلاع بالسلاح والرجال.
[ ٤٨٢ ]
إن هذه الحرب المثالية، جعلت جراح المغلوبين تلتئم بسرعة، فينضمّون ضائعين الى الغالبين، ليكون الغالبون والمغلوبون جميعا تحت راية واحدة، هي راية الإسلام.
ولو كانت حربا ظالمة لما دام الظلم، لأن الظلم لا يدوم، وإن دام دمّر الغالب والمغلوب؛ فهل يفقه الظالمون ذلك، أم على قلوبهم أقفالها؟!
ولكنها كانت حربا عادلة الى حدود المثالية، فاستجاب العرب لأهدافها العالية، ثم حملوا رسالة تلك الأهداف الى العالم؛ واستجاب لها الفرس والروم وكثير من الأمم والقوميات الأخرى، ثم حملوا بدورهم مشعل هدايتها شرقا وغربا، فاستنار الشرق بنور الإسلام على حين كان الغرب في دياجير الجهل والظلام.
[ ٤٨٣ ]
السبب الرابع ضعف الاعداء
كان أعداء المسلمين ضعفاء على الرغم من كثرتهم، لأن العدد الضخم من الجنود لا قيمة له إذا لم يتحلّ أولئك الجنود بالمعنويات العالية والعقيدة السامية والمثل العليا.
لقد رأينا في بحث الموقف العسكري العام للطرفين: المسلمين وأعدائهم، أن العرب كانوا متفرقين لا يخضعون إلا لسيطرة رؤسائهم الذين تسيطر عليهم الأهواء والعصبيات.
كما كان النظام العسكري عند الروم والفرس فاسدا، ولم يكن لكل هؤلاء الأعداء أهداف معيّنة يؤمنون بها ويضحّون بأرواحهم وأموالهم في سبيلها، كما كان يفعل المسلمون.
ولم تكن قيادة أعداء المسلمين تتحلى بكفاية عسكرية عالية، لأن قيادة القبائل العربية كانت بيد رؤسائها، وقيادة الفرس والروم بيد نبلائها الاقطاعيين، حتى ولو كان أولئك الرؤساء وهؤلاء النبلاء لا كفاية لهم ولا مؤهلات.
إن أسباب ضعف أعداء المسلمين إذن هي: ضعف القيادة التي كانت وراثية على الأغلب، ونظام عسكري فاسد لا يقبل الجنود فيه على القتال إلا بدافع الارتزاق أو بدافع خوف الرؤساء والنبلاء البعيدين عن مشاركة جنودهم في شعورهم وإحساسهم، وعدم وجود أهداف مثالية تؤمن بها قوات العرب والفرس والروم على حدّ سواء.
ولن ينتصر جيش مهما يكن ضخما، إذا كانت كل أسباب الضعف هذه تنخر قيادته ونظامه ومعنوياته.
[ ٤٨٥ ]
الأرض للصالحين
إن النتائج العسكرية لجهاد المسلمين بقيادة النبي ﷺ، كانت متوقعة منذ بدأ هذا الجهاد، لأن الرسول ﷺ أعدّ كل وسائل النصر على أعدائه الكثيرين، ولهذا كان واثقا من النصر، فبشّر به أصحابه في كل مناسبة.
اصطدمت قوتان غير متكافئتين: كان للمسلمين قيادة موحدة مثالية هي قيادة الرسول ﷺ، رشحته لها كفاية قيادية عالية وعبقرية إدارية فذة؛ وكان لأعداء المسلمين قواد لا يتحلون بالكفاية العسكرية رشحتهم لها وراثة الآباء والأجداد. وكان قتال المسلمين دفاعا عن عقيدتهم ولتوطيد أركان السلام، فحربهم عادلة مثالية، بينما كان قتال أعدائهم لتوطيد أركان الظلم والعدوان، فحربهم غير عادلة.
وكان للمسلمين عقيدة راسخة وأهداف سامية معلومة، ولم يكن لأعدائهم عقيدة ولا أهداف تستحق التضحية والإقدام.
تلك هي أسباب انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وتلك هي أسباب انتصار كل قوة في كل زمان ومكان.
إن الأرض يرثها العباد الصالحون، وقد كان المسلمون حينذاك هم العباد الصالحين، فورثوا الأرض ومن عليها وبقوا يحكمونها حتى غيّروا ما بأنفسهم، فتبدّلت الحال غير الحال.
وسيعيدون سيرتهم الأولى بإذن الله، إذا عادوا الى الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء.
لقد قمنا بدراسة حياة سيدنا محمد صلوات الله وتسليمه عليه من الناحية
[ ٤٨٦ ]
العسكرية البحتة، فإن أصبنا في بعض نواحيها فتوفيق من الله؛ وإن أخطأنا في بعض نواحيها فان الكمال لله وحده. وحسبنا أن تكون هذه الدراسة أول دراسة فنية لحياة الرسول ﷺ العسكرية، هذه الحياة التي تستحق دراسة أوسع وأدق، وفيها كل ما يستحق الإكبار والإعجاب.
وأحمد الله توفيقه، وأشكره على تسديده، والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وصلى الله على سيدي ومولاي رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ٤٨٧ ]
الفهارس العامة
١- فهرس الأعلام
٢- فهرس الأماكن
٣- المصادر
٤- المراجع العربية والأجنبية
٥- محتويات الكتاب
٦- محتويات الخرائط والمخططات
[ ٤٨٩ ]