(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) «٢» .
(القرآن الكريم)
_________________
(١) - معنى الحرب: يقصد بالحرب كل كفاح يقوم بين القوات المسلحة لدولتين أو أكثر إذا توفّرت لدى إحداها أو لديها جميعا إرادة إنهاء ما يقوم بينها من علاقات سلمية. والحرب إما عادلة أو غير عادلة. أ- الحرب العادلة: الحرب العادلة: هي التي توجّه ضد شعب ارتكب ظلما نحو شعب آخر ولم يشأ رفعه، ويشترط فيها أن تكون مطابقة للقواعد الإنسانية، وتكون لغرض تحقيق سلم دائم، كما يشترط فيها وجوب احترام حياة وأملاك الأبرياء وحسن معاملة الأسرى والرهائن. ب- الحرب غير العادلة: هي التي لم يكن لها سبب عادل يبررها، كأن تدخل دولة في حرب لتغتصب بعض إقليم دولة أخرى أو لتخضعها لحكمها.
(٢) - الآية الكريمة من سورة البقرة ٢: ١٩٠.
[ ٣٧ ]
معنى القتال في الإسلام
هو قتال العدو، لتأمين حرّية نشر الدعوة وتوطيد أركان السلام، مع مراعاة حرب الفروسية الشريفة في القتال «١» .
متى شرع القتال في الإسلام
لم يؤذن للمسلمين في القتال قبل الهجرة من مكة المكرمة الى المدينة المنورة رغم ما ذاقوا من المر وكابدوا من فنون الأسى والضر، فلم يكن من همهم إلا أن ينشروا (دعوة)، ويثبتوا (عقيدة) ويقولوا في حرارة وصدق: ربنا الله فلما اشتد عداء قريش وصمموا على القضاء على الدعوة الاسلامية، وأجمعوا أمرهم على قتل النبي ﷺ، هاجر هو وأصحابه الى المدينة المنورة.
فهل وقف البغي، وخفّت حدّة العدوان؟ كلا، ظلت قريش تحارب المسلمين، وتخرجهم من ديارهم وأموالهم حتى أذن الله للمسلمين في القتال فنزلت فيه أول آية: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّهُ) «٢» .
_________________
(١) - حرب الفروسية: كفاح شرف لا يجوز أن يلجأ المحاربون فيه الى عمل أو إجراء يتنافى مع الشرف. فالشرف العسكري يستلزم احترام العهد المقطوع ويحرم استعمال السلاح الذي لا يتفق استعماله مع الشرف، أو القيام بعمل من أعمال الخيانة. ويجب مواساة الجرحى والمرضى والعناية بهم وعدم الإجهاز عليهم وعدم التعرض لغير المقاتلين وللآمنين من السكان.
(٢) - الآيتان الكريمتان من سورة الحج ٢٢: ٣٩- ٤٠.
[ ٣٩ ]
لقد خرج الرسول ﷺ غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه الى المدينة المنورة، وبذلك بدأ القتال (فعلا) في الإسلام.
أهداف القتال في الإسلام
١- حماية حرية نشر الدعوة:
ليس من أهداف الحرب في الاسلام (نشر) الدعوة، بل (حماية حرية) نشرها، لأن نشر الاسلام بالقوة معناه الإكراه، والله تعالى يقول: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) «١» . ولو كان الفضل في انتشار الإسلام لسيوف أهله ورماحهم، لزال سلطانه من القلوب بزوال سلطان دولته حين ضعف أهله وغلبوا على أمرهم.
ولكنّ هدف الحرب في الاسلام هو حماية العقيدة وتأمين حرية انتشارها بين الناس، وصدّ الاعتداء الخارجي على بلاد المسلمين: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) «٢» .
إن الحرب في الاسلام حرب دفاعية، لا يبدأ المسلمون فيها بالاعتداء على أحد، ولا يقاتلون إلا مكرهين على القتال، ويعتبرون الحرب كفاح شرف لا يجوز أن يلجأ المحاربون فيها الى عمل أو إجراء يتنافى مع الشرف، فهم مقيدون باحترام العهد، والترفّع عن الخيانة، ومواساة الجرحى والمرضى والأسرى والعناية بهم، وعدم التعرّض بسوء لغير المقاتلين والنساء والأطفال
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة البقرة ٢: ٢٥٦.
(٢) - الآية الكريمة من سورة البقرة ٢: ١٩٠.
[ ٤٠ ]
والشيوخ والرهبان والعبيد والفلاحين الخ «١» .
٢- توطيد أركان السلام:
تكون الأمة بغير جيش قوي عرضة للضياع، إذ يطمع فيها أعداؤها ولا يهابون قوّتها، فاذا كان لها جيش قوي احترم العدو إرادتها، فلا تحدّثه نفسه باعتداء عليها، فيسود عند ذاك السلام: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون
_________________
(١) - لقد أخذ الاسلام بمبدأ التبادل وطبقه تطبيقا كاملا معطيا بذلك أحسن المثل للدول الحديثة. قال تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام، والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) . يقول الإمام محمد عبده في تفسير المنار ٢/ ٢٥٨: (صرّح بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة، وقد استدل الإمام الشافعي بالآية على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به والقصد أن يكون الجزاء على قدر الاعتداء بلا حيف ولا ظلم، ولذلك قال تعالى بعد شرع القصاص والمماثلة: (واتقوا الله) فلا تعتدوا على أحد ولا تبغوا ولا تظلموا في القصاص، بأن تزيدوا في الإيذاء، وأكد الأمر بالتقوى بما بين من مزيتها وفائدتها فقال: (واعلموا أن الله مع المتقين) بالمعونة والتأييد، فإن المتقي هو صاحب الحق وبقاؤه هو الاصلح والعاقبة له في كل ما ينازعه به الباطل) . ويقول الدكتور عبد الفتاح حسن في مجلة المكتب الفني لمجلس الدولة الصادرة سنة ١٩٦٠ ص ٢٧٩: (وأزيد على هذا ما هو أولى بالمقام وهو المماثلة في قتال الأعداء، كقتل المجرمين بلا ضعف ولا تقصير، فالمقاتل بالمدافع والقذائف النارية أو الغازية السامة، يجب أن يقاتل بها، وهذه الشروط والآداب لا توجد إلا في الاسلام) .
[ ٤١ ]
وإن جنحوا (للسلم) فاجنح لها) : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) «١» .
إن السلام في الاسلام (دين)، أما عند غيرهم؟!
إنّ الإسلام كما تدل عليه تسميته دين أمن وسلام، يقوم على أساس الود والتسامح، لا يجيز الحرب إلا في حالات محدودة بحيث تعتبر فيما عداها جريمة.
_________________
(١) - الآية الأولى من سورة الأنفال ٨: ٦٠ والآية الثانية من سورة البقرة ٢: ٢٠٨. انظر الدكتور مصطفى السباعي: نظام السلم والحرب فى الاسلام ص ٧- ٨: أول ما يلاحظ في الاسلام اشتقاق اسمه من مادة (السلام): والاسلام والسلام من مادة واحدة، وليس الاسلام إلا خضوع القلب والروح والجسم لنظام الحق والخير ومن أسماء الله في القرآن (السلام): (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس (السلام) المؤمن المهيمن ) . وتحية المسلمين حين يلقى بعضهم بعضا: (السلام عليكم ورحمة الله)، وهي تحية المسلم لنبيه في الصلاة: (السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته) وتحية المسلم لإخوانه في عالم الخير والحق في الصلاة ايضا: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وشعار المسلم حين ينتهي من صلاته عن يمينه ويساره: (السلام عليكم ورحمة الله)، ومن الذكر الوارد بعد الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام) . وأحد ابواب المسجد الحرام في مكة وأحد ابواب المسجد النبوي في المدينة يسمى: (باب السلام)، والجنة وهي مثوى الطائعين في الحياة الآخرة تسمى: (دار السلام): (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون)، وتحية المؤمنين في الآخرة يوم لقائهم لله هي السلام: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) . ومن تتبع آيات القرآن، وجد ان لفظ (السلم) وما اشتق منه ورد فيما يزيد على (١٣٣) آية، بينما لم يرد لفظ (الحرب) في القرآن كله إلا في ست آيات فقط، ونستطيع ان نؤكد ان فكرة (السلام) تحتل المقام الرئيسي بين اهداف الاسلام العامة، بل يصرح القرآن بأن الثمرة المرجوة من اتباع الاسلام هي الاهتداء الى طرق (السلام) والنور: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل (السلام) ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم) . أقول: هذا هو (السلام) في الاسلام، فأين منه سلام العملاء أدعياء السلام؟!
[ ٤٢ ]
أنواع القتال في الإسلام
١- قتال المسلمين للمسلمين:
هذا النوع من القتال، هو شأن من الشئون الداخلية للمسلمين، فقد فرض القرآن الكريم حالة بغي وخروج على النظام العام تقع بين طوائف المسلمين بعضها مع بعض، أو بين الرعية وراعيها، فوضع لها تشريعا من شأنه أن يحفظ على الأمة وحدتها وعلى الهيئة الحاكمة سلطانها وهيبتها، ويقي المجموع شرّ البغي والتعادي: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «١» .
هاتان الآيتان الكريمتان تفرضان حالة اختلاف يقع بين طائفتين من المؤمنين، ولا يستطاع حله بالوسائل السلمية، فتلجأ كل منهما الى القوة، فتوجب هاتان الآيتان على الأمة ممثلة في حكومتها أن تنظر فيما بين الطائفتين من أسباب الشقاق، وتحاول الإصلاح بينهما؛ فان وصلت الى ذلك عن طريق المفاوضات وأخذ كل ذي حق حقه، ورد البغي واستقرّ الأمن، فقد كفى الله المؤمنين شرّ القتال؛ وإن بغت إحداهما على الأخرى، واستمرّت على العدوان، وأبت أن تخضع للحق وتنزل على حكم المؤمنين، كانت بذلك باغية خارجة على سلطة القانون متمردة على التشريع الإلهي والنظام؛ فيجب على جماعة المسلمين قتالها، حتى تخضع وترجع إلى الحق.
إن القصد من هذا التشريع، هو المحافظة على وحدة الأمة، وعدم إفساح المجال لتفرقها، لذلك فهذه الحرب طريق (للسلم) وقضاء على البغي والعدوان.
_________________
(١) - الآيتان الكريمتان من سورة الحجرات ٤٩: ٩- ١٠.
[ ٤٣ ]
٢- قتال المسلمين لغير المسلمين:
شرع قتال المسلمين لغير المسلمين لرد العدوان على بلاد المسلمين وحماية الدعوة، وحماية حرية انتشار الدين، والقرآن الكريم حينما شرع القتال نأى به عن جوانب الطمع والاستئثار وإذلال الضعفاء، وتوخّى به أن يكون طريقا الى السلام والاطمئنان وتركيز الحياة على موازين العدل والإنصاف.
وليست الجزية عوضا ماليا عن دم أو عقيدة، وإنما هي لحماية المغلوبين في أموالهم وعقائدهم وأعراضهم وكرامتهم وتمكينهم من التمتع بحقوق الرعاية مع المسلمين سواء بسواء يدل على ذلك أن جميع المعاهدات التي تمت بين المسلمين وبين المغلوبين من سكان البلاد، كانت تنصّ على هذه الحماية في العقائد والأموال. وقد جاء في عهد خالد بن الوليد لصاحب (قسّ الناطف):
(إني عاهدتكم على الجزية والمنعة فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم) «١» .
لقد ردّ خالد بن الوليد على أهل (حمص) وأبو عبيدة على أهل (دمشق)، وبقية القواد المسلمين على أهل المدن الشامية المفتوحة ما أخذوه منهم من الجزية حين اضطر المسلمون الى مغادرتها في ظروف حربية صعبة، وكان مما قال القواد المسلمون لأهل تلك المدن: (إنا كنا قد أخذنا منكم الجزية على المنعة والحماية، ونحن الآن عاجزون عن حمايتكم، فهذه هي أموالكم نردها إليكم) .
لقد كان فرض الجزية في الاسلام أبعد ما يكون عن الاستغلال والطمع في أموال المغلوبين، إذ كانت تفرض بمقادير قليلة على المحاربين والقادرين على العمل فحسب، وكانت على ثلاثة أقسام: أعلاها وهو (٤٨) درهما في السنة على
_________________
(١) - أنظر ايضا نص ما جاء عن الجزية في وثيقة خالد بن الوليد التي صالح بموجبها أهل الحيرة في الخراج لأبي يوسف ١٤٦، والأم للامام الشافعي ٤/ ٩٧- ٩٨. وانظر التفاصيل عن الجزية في خاتمة هذا الكتاب.
[ ٤٤ ]
الأغنياء (حوالي دينارين ونصف دينار عراقي أو عشرين ليرة سورية أو لبنانية أو ٢٤٠ قرشا مصريا) .
وأوسطها وهو (٢٤) درهما في السنة على المتوسطين من تجار وزراع.
وأدناها وهو (١٢) درهما في السنة على العمال المحترفين الذين يجدون عملا.
وهذا مبلغ لا يكاد يذكر بجانب ما يدفعه المسلم نفسه من زكاة ماله وهو بنسبة اثنين ونصف في المائة القدر الشرعي لفريضة الزكاة.
إن إسقاط الجزية عن الفقير والصبي والمرأة والراهب والمنقطع للعبادة والأعمى والمقعد وذوي العاهات أكبر دليل على أن الجزية يراعى فيها قدرة المكلفين على دفعها، كما أن تقسيمها الى ثلاث فئات دليل على مراعاة رفع الحرج والمشقة في تحصيلها، وقد جاء في عهد خالد لصاحب (قس الناطف):
(إني عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذي يد: القوي على قدر قوته، والمقل على قدر إقلاله) .
ليس ذلك فحسب، بل أعفى الإسلام دافع الجزية من الخدمة في الجيش.
والذمي الذي يقبل التطوع في الجيش الإسلامي تسقط عنه الجزية، وهذا معناه أن الجزية تشابه البدل النقدي للخدمة العسكرية في عصرنا الحاضر.
كما ضمن الإسلام إعالة البائسين والمحتاجين من الذميين. جاء بعهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: (وأيما شخص ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله) .
إن فرض الجزية لا يحمل معنى الامتهان والإذلال، ومعنى (صاغرون) في آية الجزية: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) «١»، هو الخضوع، إذ من معاني الصغار في اللغة الخضوع، ومنه أطلق (الصغير) على الطفل لأنه
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة التوبة ٩: ٢٩.
[ ٤٥ ]
يخضع لأبويه ولمن هو أكبر منه؛ والمراد بالخضوع حينئذ الخضوع لسلطان الدولة، بحيث يكون في دفع الجزية معنى الالتزام من قبل أهل الذمة بالولاء للدولة، كما تلتزم الدولة لقاء ذلك بحمايتهم ورعايتهم واحترام عقائدهم.
ولا توجد آية في القرآن الكريم تدل أو تشير الى أن القتال في الإسلام لحمل الناس على اعتناقه.
وقد نصّ القرآن الكريم بوضوح على طريقة معاملة المسلمين لغير المسلمين:
(لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) «١» .
واقرأ الآية الكريمة، وهي من أواخر القرآن نزولا، فهي تحدّد أيضا علاقة المسلمين بغيرهم: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ، وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) «٢» .
من ذلك يفهم أن علاقة المسلمين بغير المسلمين هي: برّ، وقسط «٣»، وتعاون، ومصاهرة.
_________________
(١) - الآيتان الكريمتان من سورة الممتحنة ٦٠: ٨- ٩.
(٢) - الآية الكريمة من سورة المائدة ٥.
(٣) - القسط: العدل.
[ ٤٦ ]
تنظيم القتال في الإسلام
١- تقوية المعنويات:
يعمل الاسلام على تقوية معنويات المقاتلين في سبيل الله، فيعدهم بمضاعفة أجر العاملين وثواب المجاهدين، لأنهم يقاتلون في سبيل إنقاذ الضعفاء والبر بالإنسان ومقاومة الجبروت والطغيان، ولدحض عوامل الشر والإفساد:
(فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا. الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا) «١» .
واستأصل الاسلام جميع النواحي التي ينبعث من قبلها الجبن والخور، وحثّ المؤمنين على الجهاد في سبيل الله والحق، في سبيل الخير والسعادة، فلا الآباء ولا الأبناء ولا الإخوان ولا الأزواج ولا العشيرة ولا الأموال ولا التجارة التي يخشى كسادها ولا المساكن، لا شيء من ذلك كله يصح أن يحول بين المؤمنين وبين ما تقتضيه محبّة الله ورسوله من تضحية وجهاد: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) «٢» .
_________________
(١) - الآيات الكريمات من سورة النساء ٤: ٧٤- ٧٦.
(٢) - الآية الكريمة من سورة التوبة ٩: ٢٤.
[ ٤٧ ]
بمثل هذا الأسلوب القوي، حارب الاسلام عوامل الضعف ونزعات الخوف، وغرس في نفوس الأمة خلق الشجاعة والتضحية والاستهانة بزخرف الحياة في سبيل الحق ونصرته: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) «١» .
لقد توخّى الاسلام تقوية الروح المعنوية، وقد كانت المعنويات العالية ولا تزال، من أهم مزايا الجيوش ذات القيمة العسكرية الرفيعة، كما أنها من أهم مبادىء الحرب.
٢- إعداد القوة المادية:
حثّ الإسلام على الاهتمام بناحيتين: القوة والرباط.
فأما القوة فتتناول العدد والعدّة، وهذا يتّسع لكل ما عرف ويعرف من حشد الرجال وإعداد آلات الحرب ووسائل القتال ومواد التموين والقضايا الإدارية الأخرى.
وأما الرباط فيتّسع لكل ما عرف أيضا من تحصين الحدود والثغور والأماكن الواهنة تجاه العدو، وتهيئة القوة الكاملة فيها لحمايتها.
يهدف الاسلام بالحثّ على إعداد هاتين الناحيتين الى تأمين السلم والاستقرار، وذلك لإرهاب العدو، حتى لا تحدّثه نفسه باستغلال ناحية من نواحي الضعف والتخاذل: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً) «٢» .
كما يحثّ الإسلام على إنشاء المعامل الحربية لصنع الأسلحة، ويذكّر بالحديد بصورة خاصة للاستفادة منه للأغراض العسكرية: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الحجرات ٤٩: ١٥.
(٢) - الآية الكريمة من سورة النساء ٤: ١٠٢.
[ ٤٨ ]
فِيهِ (بَأْسٌ) شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) «١» .
إن الجهاد في الاسلام إنما يتوخى الاستعداد الدائم للمنافحة عن الحق وحمايته، ولتكون لدى المسلمين قوة ضاربة يحسب لها ألف حساب قبل أن يقدم على الاضرار بمصالح المسلمين العليا.
٣- التنظيم العملي للقتال:
أ- الإعفاء من الجندية:
أسباب الإعفاء من الجندية في الاسلام محصورة في الضعف، ويشمل الضعف:
المرض والعجز والشيخوخة وعدم القدرة على الإنفاق: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ «٢») .
لم يجعل الاسلام من أسباب الإعفاء من الجندية حمل الشهادات العلمية، ولا الانتساب الى الجامعات، ولا حفظ القرآن الكريم، ولا دفع البدل النقدي، ولا النبوّة لحاكم كبير مما عهدناه في عصور الانحلال، بل كان العمل في عصر النبي ﷺ والعصور التالية له على عكس ذلك؛ وما كان التفكير في جمع القرآن الكريم، إلا خوفا من أن يذهب بذهاب القرّاء الذين كانوا أكثر القوم إقداما وبسالة في حرب (اليمامة)، وكان إقدامهم وجرأتهم على اقتحام صفوف الأعداء سببا في أن يستحرّ «٣» القتل فيهم.
ب- إعلان الحرب:
حذر القرآن الكريم من انتهاز غفلة العدو وأخذه على غرّة غدرا: (وَإِمَّا
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الحديد ٥٧: ٢٥.
(٢) - الآية الكريمة من سورة التوبة ٩: ٩١.
(٣) - استحرّ القتل: صار حارا أو شديدا، أي كثر القتل.
[ ٤٩ ]
تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) «١» .
فتطلب الآية الكريمة طرح العهد عند توجّس الشر منهم، وتطلب أن يكون هذا النبذ صريحا.
إن المسلمين لا يخونون أحدا ولا يغدرون بأحد، ويعلنون الحرب صراحة على أعدائهم، ثم يشرعون بعد هذا الإعلان في القتال.
ج- الدعوة للجهاد:
حذر الاسلام من التباطؤ في تلبية داعي الجهاد والتثاقل عنه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ؟
أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ.
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) «٢» .
د- عقاب المتخلفين:
عاقب الاسلام المتخلّف عن الجهاد عقابا نفسيا، إذ يهجر المتخلف أهله حتى زوجه، كما يهجره المسلمون جميعا ويقاطعونه، وينظر إليه المجتمع نظرة احتقار وازدراء: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) «٣» .
فقد تاب الله عليهم بعد كل هذا العقاب النفسي ليتوبوا ولا يعودوا الى التخلّف مرة أخرى.
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الأنفال ٨: ٥٨.
(٢) - الآيتان الكريمتان من سورة التوبة ٩: ٣٨- ٣٩.
(٣) - الآية الكريمة من سورة التوبة ٩: ١١٨.
[ ٥٠ ]
إن عقاب المتخلّف يقتصر عليه فقط ولا يشمل أهله وعشيرته ولا سكان قريته، كما حدث في القرن العشرين عند قسم من الدول الكبرى، إذ نزل العقاب الصارم بأهل المتخلّف وعشيرته، وحتى بأهل قريته في بعض الأحيان، بحجّة أن هؤلاء يجب أن يسلموا المتخلّف أو ينالهم العقاب.
هـ- تطهير الجيش:
يأمر الاسلام بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان ومن الذين يختلفون عن أفراده بالعقيدة، حتى يكون الجيش كله مؤمنا بعقيدة واحدة يعمل لتحقيقها ويبذل كل ما يملكه في سبيلها، وبذلك يستطيع الفوز في الحرب:
(وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا) «١»
وأساليب القتال:
ينظم الاسلام مواضعه الدفاعية، ويوزع وحداته على تلك المواضع: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) «٢» .
ويبتكر القتال بأسلوب الصف الذي لم تكن العرب تعرفه حينذاك، بل كانت تقاتل بأسلوب الكرّ والفر: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) «٣» .
إنّ أسلوب الصف يتفق مع أساليب القتال في العصر الحاضر، فهو يؤمّن العمق والاحتياط، ليستطيع القائد معالجة المواقف التي ليست في الحسبان.
ز- الضبط «٤»:
يحثّ الاسلام على السمع والطاعة للقيادة العامة، والثبات في المواقف
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الأحزاب ٣٣: ٢٠.
(٢) - الآية الكريمة من سورة آل عمران ٣: ١٢١.
(٣) - سيرد تفصيل ذلك في غزوة بدر الكبرى. والآية الكريمة من سورة الصف ٦١: ٤.
(٤) - الضبط: إطاعة الأوامر وتنفيذها عن طيب خاطر وباخلاص نصا وروحا.
[ ٥١ ]
وتجنّب أسباب الفشل، والاعتصام بالله وباليقين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) «١»
كما حذّر الاسلام من الفرار وبين سوء عاقبته: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) «٢» .
ح- الكتمان:
حذّر الاسلام من إذاعة الأسرار العسكرية، وجعل إذاعتها من شأن المنافقين، وطلب الرجوع بها الى القيادة العامة، كما طلب من المسلمين أن يتثبتوا مما يصلهم من أنباء قبل الركون إليها والعمل بها: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ، لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا) «٣» .
ويقول القرآن الكريم: (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) «٤» .
_________________
(١) - الآيتان الكريمتان من سورة الأنفال ٨: ٤٥- ٤٦.
(٢) - الآية الكريمة من سورة الأنفال ٨: ١٥.
(٣) - الآية الكريمة من سورة الأحزاب ٣٢: ٦٠.
(٤) - الآية الكريمة من سورة النساء ٤: ٨٣.
[ ٥٢ ]
ط- الهدنة «١» والصلح:
أمر الاسلام بتلبية دعوة السلم ووقف الحرب إذا جنح إليها الأعداء، وظهرت منهم علامات الصدق والوفاء: (وَإِنْ جَنَحُوا (لِلسَّلْمِ) فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) «٢» .
_________________
(١) - راجع قانون الحرب والحياد. الهدنة: اتفاق يبرم بين الفريقين المتحاربين بوقف القتال مدة يتفق عليها فيما بينهما، والهدنة إما هدنة عامة أو محلية أو جزئية. فالهدنة العامة يسري وقف القتال فيها على جميع القوات المتحاربة، ويشمل جميع مناطق القتال؛ والهدنة المحلية أو الجزئية هي التي يقتصر وقف القتال فيها على بعض القوات المتحاربة دون بعضها الآخر. شروط الهدنة وآثارها: تعقد الهدنة في العادة كتابة، ولكن لا يوجد ما يمنع قانونا من عقدها شفهيا، وينص عقد الهدنة على مبدأ قيامها وانتهائها، ويتوقف القتال حال إعلان الهدنة، كما ينص بعبارة واضحة على شروط الهدنة. نقض الهدنة أو انتهاؤها: اختلف الشراح فيما بينهم على الآثار المترتبة على حصول إخلال من أحد الطرفين يبيح للطرف الآخر نقض الهدنة لهذا السبب والعودة الى أعمال القتال مباشرة. وكان من رأي فريق من الشراح: أن أي إخلال يقع من أحد الطرفين يبيح للطرف الآخر العودة الى أعمال القتال مباشرة ودون سابق إنذار. أما الشراح المحدثون فيرون أن حصول إخلال يبيح للطرف الآخر أن يعلن الطرف المخل بنقض الهدنة ولا يبيح له العودة الى أعمال القتال مباشرة. وتنتهي الهدنة بانتهاء المدة المحددة لها، فاذا لم ينص في اتفاقية الهدنة على تاريخ معين لانتهائها، جاز لكل من الطرفين استئناف القتال بعد إعلان الطرف الآخر وفقا لما هو منصوص عليه في الاتفاقية من الشروط.
(٢) - الآيتان الكريمتان من سورة الإنفال ٨: ٦١- ٦٢.
[ ٥٣ ]
ي- الأسرى:
خيّر الاسلام القائد بين أن يمنّ على الأسرى ويطلقهم من غير فدية أو مقابل، أو يأخذ منهم الفدية من مال ورجال، وذلك على حسب ما يرى من المصلحة: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) «١» .
لقد حرّم الاسلام قتل الأسير، ومن اسلم امتنع قتله ومن أسلم قبل أسره ولو لخوف فهو كالمسلم الأصلي يحرم دمه أيضا.
ك- المحافظة على العهود:
حثّ الاسلام بصورة خاصة على حفظ العهود، وأوجب الوفاء بها، وحرّم الخيانة فيها والعمل على نقضها، وأرشد الى أن القصد منها إحلال الأمن والسلم محل الاضطراب والحرب، وحذّر أن تكون وسيلة للاحتيال على سلب الحقوق والوقيعة بالضعفاء: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا، تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) «٢» .
شروط القبول للجندية
لا يقبل في جيش المسلمين إلا من تتوفّر فيه الشروط التالية:
١- البلوغ:
اعتبر سنّ البلوغ السادسة عشرة كما هو الحال في أكثر الدول في الوقت الحاضر.
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة محمد ٤٧: ٤.
(٢) - الآيتان الكريمتان من سورة النحل ٦: ٤١- ٤٢.
[ ٥٤ ]
ولا يقتصر التجنيد على الرجال البالغين، بل يشمل النساء البالغات «١» أيضا، فقد استصحب الرسول ﷺ النساء في غزواته، بل كان يصحب معه أزواجه بالاقتراع.
_________________
(١) - يكون واجبهن في القتال تموين المقاتلين والعناية بالمرضى والجرحى ونقلهم من الميدان والاشتراك في القتال إن حزب الأمر وأملت الضرورة القصوى ذلك. انظر صحيح الإمام البخاري: (باب غزو المرأة في البحر)، وفيه: أن ابنة ملحان تزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحر مع بنت فرظة. وانظر: (باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه)، وفيه عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن النبي (ص) كان إذا اراد أن يخرج أقرع بين نسائه، فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي (ص)، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع النبي (ص) بعد ما أنزل الحجاب. وانظر باب: (غزو النساء وقتالهن مع الرجال) وفيه عن أنس ﵁ قال: (لما كان يوم (أحد) انهزم الناس عن النبي (ص)، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب، وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم وترجعان فتملآنها ثم تجيآن فتفرغانه في أفواه القوم) . وانظر باب: (حمل النساء القرب الى الناس في الغزو)، وفيه: أن عمر بن الخطاب قال عن أم سليط: (كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) . وتزفر: اي تحمل وبمعنى آخر تخيط. وانظر باب: (مداواة النساء الجرحى في الغزو) وفيه عن الربيع بنت معوذ قالت: (كنا مع النبي (ص) نسقي ونداوي الجرحى ونردّ القتلى) . وانظر باب: (رد النساء الجرحى والقتلى) وفيه عن الربيع بنت معوذ قالت: (كنا نغزو مع النبي (ص) فنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى الى المدينة) . قال الفقهاء: إن الجهاد فرض كفاية ولا يجب على اصحاب الأعذار لأعذارهم ولا يجب على المرأة لأنها مشغولة بحق زوجها، وحق العبد مقدّم على حق الله. ويدل هذا على ان الزوج إذا أذن لامرأته أن تخرج مجاهدة او اخذها معه في الجهاد لا يكون عليه ولا عليها من بأس في ذلك. ويدل ذلك ايضا على أن المرأة اذا لم تكن ذات زوج تشتغل بحقه فهي والرجل في وجوب الجهاد سواء هذا كله إذا لم يهجم العدو، فإذا هجم العدو وجب على جميع الناس ان يخرجوا للدفاع عن الحوزة. انظر بعض التفاصيل عن ذلك في فتح الباري بشرح البخاري ٦/ ٥٧- ٦٠، طبعة بولاق بمصر سنة ١٣٠٠ هـ.
[ ٥٥ ]
ولم يعترض أحد على اشتراك النساء في الحرب على عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، فلما جاء العباسيون ظهر بعض الفقهاء فأضافوا الى شروط الخدمة العسكرية شرطا خامسا وهو (الذكورة)، فحرموا الجيش من عنصر فعّال يزيد في عدده ومعنوياته، وهذا منهم انحراف لا يقرّه الإجماع.
٢- الاسلام:
ليدافع عن بلاد المسلمين عن عقيدة وإخلاص، والعقيدة من أهم أسباب النصر، لأن الانسان بدون عقيدة لا يمكن أن يقاتل قتالا مستميتا، ولا يمكن أن يصمد صمودا عنيدا، لذلك لا يمكن أن ينتصر أبدا.
٣- السلامة:
تمتّع الجندي بالصحة الكاملة والعقل السليم، ومن أسباب العجز عندهم المرض المزمن، وهو الذي طال عليه الأمد، والعمى.
٤- الاقدام:
وهو أن يكون قوي البنية، عارفا بالقتال، قادرا على استخدام سلاحه، متحملا مشاق السفر، غير جبان.
النفير
ينقسم النفير قسمين: لكل قسم موضعه الخاص به.
١- النفير العام:
وذلك في حالة الدفاع، أي عند اعتداء العدو على بلاد المسلمين، فعند ذاك يكون النفير عاما، ولا يتخلّف عن الجهاد مسلم إلا ويرمى بالنفاق، ويعاقب بأشدّ العقاب.
[ ٥٦ ]
إن الجهاد في هذه الحالة (فرض عين) «١» كما يعبّر عنه الفقهاء. والنفير العام معناه دعوة جميع القادرين على حمل السلاح للاشتراك في الحرب.
٢- النفير الخاص:
وذلك في حالة التعرض أي في حالة مهاجمة العدو في بلاده «٢» إذ يدعى نفر من الأمة للفتح، وعند ذاك يكون النفير خاصا، وفي هذه الحالة يكون الجهاد (فرض كفاية) «٣»، كما يعبّر عنه الفقهاء والنفير الخاص معناه دعوة بعض القادرين على حمل السلاح للاشتراك في الحرب، أو دعوة القادرين على حمل السلاح في قسم من البلاد.
- الخلاصة
لقد أوضحنا القتال في الاسلام من الوجهة النظرية، وسنرى التطبيق العملي لكل ما أوضحناه في جهاد الرسول ﷺ.
ومن ذلك يتضح أن الاسلام يدعو للقتال كضرورة لحماية حرية التوحيد:
توحيد الله وتوحيد الناس.
إن الاسلام لا يؤمن بالحروب التي تثيرها العصبيّة العنصرية كما يستبعد الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع: حروب الاستعمار والاستغلال والبحث عن الأسواق والخامات واستعباد المرافق والرحال، كما يستبعد الاسلام تلك الحروب التي يثيرها حب الأمجاد الزائفة أو حب المغانم الشخصية.
_________________
(١) - فرض عين: هو النفير العام حسب المصطلحات العسكرية الحديثة.
(٢) - أي في حالة مهاجمة المسلمين بلاد العدو للفتح أو لأغراض أخرى.
(٣) - فرض كفاية: هو النفير الخاص حسب المصطلحات العسكرية الحديثة.
[ ٥٨ ]
إن القتال في الاسلام ليس أساس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وهذا طبيعي في دين لا ينشره أصحابه للتوسع الاقتصادي وللاستغلال، دين يحرم العدوان ويشرع التكافؤ والمساواة بين الناس ويجعل مقياس التفاضل بينهم التقوى والعمل الصالح.
إن السلم في الاسلام هو القاعدة الثابتة والحرب هي الاستثناء «١»
_________________
(١) - أنظر ما قاله الأستاذ هاك في كتابه: مساهمة الإسلام في السلام العالمي، الذي نشره باللغة الإنكليزية في لاهور عام ١٩٣٢: (إن الأمم تبذل الكثير من الجهود وتعقد المؤتمرات لمنع التسليح ومنع الحرب، أو للتقليل من فرص إعلانها. ولكن جهودها باءت بالفشل، ذلك لأن الدول إذ تتعهد، لا تقيد نفسها بالمعاهدة إلا حين تنعدم عندها الوسيلة لنقضها؛ حتى إذا ما توفرت عندها القوة الكافية لذلك، أعلنت أن المعاهدة التي أبرمتها وارتبطت ببنودها حبر على ورق. ويقدم لنا التاريخ كثيرا من الأمثلة على ذلك ولو طبقت أحكام الإسلام فيما يتعلق بالحروب والجهاد تطبيقا كاملا، لوجد العالم فيها جنته التي يبحث عنها بدلا من الجحيم الذي هو مسوق إليه، ليطيع كل منا دعوة الله تعالى التي يقول فيها: (كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، وانظر أيضا مقال الدكتور عبد الفتاح حسن عن ميثاق الأمم والشعوب في الإسلام المنشور في مجلة مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة، السنة الثامنة والتاسعة والعاشرة في ٣٨١- ٣٨٢.
[ ٥٩ ]
قبل نشوب القتال
(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) .
(القرآن الكريم)
[ ٦١ ]