دوريات القتال والاستطلاع الاولى «١»
الموقف العام
١- المسلمون:
استقرّ المهاجرون في المدينة المنورة، وآخى الرسول ﷺ بينهم وبين الأنصار، فأصبحوا إخوانا في الله.
ومعنى الإخاء أن تذوب العصبيّات الجاهلية، فلا حميّة إلا للإسلام؛ وأن تذهب فوارق النسب واللون والوطن. وقد ظلت عقود الإخاء هذه مقدمة على حقوق القرابة حتى في توارث التركات الى موقعة بدر، إذ بقي بعدها الإخاء المعنوي وانفصم الإخاء المادي في المواريث.
٢- المشركون ويهود:
أ- المشركون:
يتربّص الأعراب المجاورون للمدينة الدوائر بالمسلمين، ويحاولون انتهاز فرصة سانحة للإيقاع بهم.
_________________
(١) - الدوريات: هي مفارز واجبها جمع المعلومات عن قوة العدو وتسليحه وعن الأرض، وهي نوعان: أ- دوريات استطلاع: وهي المفارز التي تحصل المعلومات دون قتال، لذلك تكون صغيرة العدد سريعة الحركة. ب- دوريات قتال: وهي المفارز التي محصل المعلومات بالقتال، لذلك تكون قوية في عددها وعددها.
[ ٨٣ ]
وتحاول قريش جهدها القضاء على المسلمين في موطنهم الجديد، بعد أن أحفقت في القضاء عليهم بمكة، كما يتمنى مشركو المدينة ومنافقوها أن يتخلصوا من المسلمين الدخلاء الذين استجابوا لله وللرسول ﷺ.
ب- يهود:
طمع يهود أول وصول النبي ﷺ الى المدينة المنورة أن يضمّوه إليهم، فوادعوه وعاهدوه على حرية نشر الدعوة للدين الجديد.
ولكنهم لم يلبثوا حين رأوا أمر المسلمين يستقر ويسمو ويشتد، أن بدأوا يقلبون للمسلمين ظهر المجن ويعملون للوقيعة بينهم؛ فلم يتركوا وسيلة للدس وإثارة البغضاء بين المهاجرين والأنصار ولإيقاظ الأحقاد الماضية بين الأوس والخزرج بذكر يوم (بعاث) ورواية ما قيل فيه من الشعر إلا استغلوها أشنع استغلال.
الهدف الحيوي للدوريات
إشعار المشركين ويهود والمنافقين بقوة المسلمين، لكي يتركوا أحرارا في نشر دعوتهم والدفاع عن عقيدتهم ضد المعتدين.
سير الحوادث (راجع الملحق أ)
سرية حمزة
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتألف من ثلاثين راكبا من المهاجرين بقيادة حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي ﷺ.
[ ٨٥ ]
ب- المشركون:
قافلة تجارية لقريش يحميها ثلاثمائة راكب بقيادة أبي جهل بن هشام.
٢- الهدف:
الوصول الى (العيص) «١» على ساحل البحر الأحمر، لتهديد طريق تجارة قريش بين مكة والشام.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى ساحل البحر الأحمر ناحية (العيص) على الطريق التجارية الحيوية بين مكة والشام، وهددت قافلة قريش التجارية فعلا، إلا أن (مجدي بن عمرو الجهني) حجز بين الطرفين، فعاد المسلمون دون قتال.
سرية عبيدة بن الحارث «٢»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال بقوة ستين رجلا من المهاجرين بقيادة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف.
_________________
(١) - العيص: موضع في بلاد بني سليم به ماء يقال له: ذنبان العيص، وهو من ناحية ذي المروة على ساحل البحر الأحمر بطريق قريش التي كانوا يأخذون منها الى الشام. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٦/ ٢٤٨.
(٢) - عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي: أسلم قديما وكان أسنّ بني عبد مناف يومئذ، وكان أسنّ من رسول الله (ص) بعشر سنين. جرح يوم بدر ومات شهيدا من جرحه. أنظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٠، والإصابة ٤/ ٣٩، وأسد الغابة ٣/ ٣٨٣، والاستيعاب ٣/ ١٠٣٠.
[ ٨٦ ]
ب- المشركون:
أكثر من مائتي راكب وراجل بقيادة أبي سفيان بن حرب، وفي رواية أنه كان على القوم عكرمة بن أبي جهل.
٢- الهدف:
الوصول الى (وادي رابغ) «١» لتهديد تجاره قريش بين مكة والشام.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (وادي رابغ) على الطريق التجارية لقريش بين الشام ومكة، وكان بين المسلمين والمشركين مناوشة، ورمى سعد بن أبي وقاص يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به في الإسلام.
وعاد الطرفان دون قتال، بعد أن أظهر المسلمون للمشركين قوّتهم.
سرية سعد بن أبي وقاص «٢»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتألف من عشرين رجلا من المهاجرين بقيادة سعد بن أبي وقاص.
ب- المشركون:
قافلة تجارية لقريش بحماية عدد غير معروف من رجالهم.
_________________
(١) - وادي رابغ: واد يقطعه الحاج بين البزواء والجحفة دون عزور. وهو بين الجحفة وودّان. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٤/ ٢٠٢.
(٢) - أنظر ترجمته في كتابنا: قادة فتح العراق والجزيرة ٢٢١- ٢٦٨.
[ ٨٧ ]
٢- الهدف:
الوصول الى (الخرّار) «١» لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام.
٣- النتائج:
لم يستطع سعد بن أبي وقاص اللحاق بالقافلة، ففاتته، لأن عيون قريش علمت بخروج المسلمين إليهم، فأسرعوا بالحركة قبل أن يداهمهم الخطر.
غزوة ودّان «٢» (وهي غزوة الأبواء)
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتكون من مائتي راكب وراجل بقياده الرسول ﷺ.
ب- المشركون:
قوة من قريش ومن بني ضمرة.
٢- الهدف:
الوصول الى (ودّان) لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام والعمل على التحالف مع القبائل المسيطرة على هذه الطريق.
_________________
(١) - الخرار: موضع بالحجاز قرب الجحفة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ٤٠٧.
(٢) - ودان: قرية قريبة من الجحفة، وهناك ودان بين الأبواء والجحفة، وهي من الجحفة على مرحلة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٤٠٥.
[ ٨٨ ]
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (ودّان) إلا أنها لم تصطدم بقريش، بل لاقت بني ضمرة وعلى رأسهم مخشيّ بن عمرو الضمري وكان سيد بني ضمرة، فوادعه الرسول ﷺ على ألّا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ولا يكثروا عليه جمعا ولا ولا يعينوا عدوا، وكتب بذلك بينه وبينهم كتابا.
غزوة بواط «١»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال من مائتي راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ.
ب- المشركون:
قافلة تجارية لقريش بحماية مائة راكب وراجل يقودهم أمية بن خلف الجمحي.
٢- الهدف:
الوصول الى (بواط) من ناحية جبل (رضوى) على الطريق التجارية لقريش بين مكة والشام.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (بواط)، ولكن عيون قريش علمت بخروج
_________________
(١) - بواط: جبل من جبال جهينة بناحية رضوى. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٢/ ٢٩٧.
[ ٨٩ ]
تلك القوات، فأسرعت قافلتهم بحركتها، وسلكت طريقا غير طريق القوافل المعبّدة، ففاتت القافلة على المسلمين، فرجع الرسول ﷺ ولم يلق كيدا.
وقد بقي المسلمون في (بواط) ما يقارب الشهر الواحد.
غزوة ذي العشيرة «١»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال من مائتي راجل وراكب بقيادة الرسول ﷺ.
ب- المشركون:
بنو (مدلج) وأحلافهم من بني ضمرة وقافلة تجارية لقريش بقيادة أبي سفيان ابن حرب.
٢- الهدف:
الوصول الى موضع (العشيرة) في منطقة (ينبع) «٢» على الطريق التجارية لقريش بين مكة والشام، للتفاهم مع القبائل وإظهار قوة المسلمين للمشركين.
٣- النتائج:
أقام المسلمون شهرا في (العشيرة)، فوادعوا بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة أما قافلة قريش فتملّصت من المرور (بالعشيرة) .
وعاد المسلمون دون قتال.
_________________
(١) - ذو العشيرة: موضع من ناحية ينبع بين مكة والمدينة وهو حصن صغير بين ينبع وذي المروة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٦/ ١٨١.
(٢) - ينبع: قربة غناء فيها حصن ونخيل وماء وزرع، وهي بين مكة والمدينة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٥٢٦.
[ ٩٠ ]
غزوة بدر الأولى
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية قتال تتألف من حوالي مائتي راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ.
ب- المشركون:
قوات خفيفة سريعة أغارت على مراعي ضواحي المدينة المنورة واستاقت قسما من إبل وأغنام المسلمين.
٢- الهدف:
مطاردة قوات المشركين واستعادة الغنم والإبل المنتهبة من المسلمين.
٣- النتائج:
وصلت قوات المسلمين الى (وادي سفوان) «١» قريبا من (بدر) فلم تدرك قوات المشركين، فعادت أدراجها بدون قتال.
سرية عبد الله بن جحش الأسدي «٢»
١- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
دورية استطلاعية بقوة قوامها اثنا عشر رجلا من المهاجرين بقيادة عبد الله
_________________
(١) - وادي سفوان: واد من ناحية بدر. أنظر معجم البلدان ٥/ ٩٠.
(٢) - عبد الله بن جحش الأسدي القرشي، أبو محمد وأمه أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله (ص) . أسلم قبل دخول النبي (ص) دار الأرقم، وشهد بدرا واستشهد يوم (أحد) . أنظر طبقات ابن سعد ٣/ ٨٩، وأسد الغابة ٣/ ١٣١، والاصابة ٤/ ٤٦، والاستيعاب ٣/ ٨٧٧.
[ ٩١ ]
ابن جحش. تحركت الدورية في شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجرة رسول الله ﷺ «١»، ومع قائدها رسالة (مكتومة) أمره الرسول ﷺ ألا يفتحها إلا بعد يومين من مسيره فإذا فتحها وفهم ما فيها، مضى في تنفيذها غير مستكره أحدا من أفراد قوته على مرافقته!
كان مضمون الرسالة: (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل (نخلة) بين مكة والطائف، (فترصّد) بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم) .
أطلع عبد الله رجاله على كتاب الرسول ﷺ، وأخبرهم أن الرسول ﷺ نهاه ألا يستكره أحدا منهم على مرافقته فلم يتخلف منهم واحد.
ومضى عبد الله بقوته هذه عدا سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان اللذين ذهبا يطلبان بعيرا لهما ضلّ، فأسرتهما قريش، حتى نزل أرض (نخلة) فمرّت قافلة قريش، فهاجمها المسلمون، فقتل في هذه المعركة من المشركين عمرو بن الحضرمي وأسر المسلمون رجلين «٢» من قريش وفرّ الرابع الى قريش.
وعاد عبد الله بالقافلة والأسيرين الى المدينة المنورة.
ب- المشركون:
قافلة تجارية بحماية أربعة رجال من قريش بقيادة عمرو بن الحضرمي.
٢- الهدف:
الوصول الى (نخلة) واستطلاع أخبار قريش والحصول على المعلومات عنها، كما نصّ ذلك كتاب الرسول ﷺ، ولم يكن الهدف قتال قريش.
٣- النتائج:
أ- أدى (اندفاع) عبد الله بن جحش الى القتال في الشهر الحرام، مما
_________________
(١) - أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ١٠
(٢) - هما: عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان، وفر نوفل بن عبد الله.
[ ٩٢ ]
يخالف تقاليد العرب حينذاك، الى انتهاز قريش فرصة سانحة للدعاية ضد المسلمين.
ولم يكن الرسول ﷺ يريد (قتالا)، بل كان يريد (استطلاعا) .
ب- وقع في هذه الغزوة أول قتيل من المشركين وأول غنيمة وأول أسيرين، وقد فادى الرسول ﷺ هذين الأسيرين فأسلم أحدهما «١» وعاد الثاني أدراجه الى مكة المكرمة.
دروس من الدوريات
١- الاستطلاع:
استطاع المسلمون التعرّف على الطرق المحطية بالمدينة المنورة والمؤدية الى مكة المكرمة خاصة الطريق التجارية الحيوية لقريش بين مكة والشام، كما استطاعوا التعرف على قبائل المنطقة وموادعة بعضها.
٢- القتال:
أثبت المسلمون أنهم أقوياء يستطيعون الدفاع عن أنفسهم تجاه المشركين من قريش والقبائل المجاورة وأهل المدينة غير الموالين للمسلمين، وتجاه يهود.
وأن بإمكانهم الدفاع عن عقيدتهم عند الحاجة.
وقد أراد المسلمون من ذلك أن تترك لهم الحرية الكاملة لنشر دعوتهم دون تدخل أعدائهم.
وقد تحالف المسلمون مع قسم من القبائل العربية المجاورة للمدينة المنورة والتي تقطن حول طريق مكة- الشام التجارية.
_________________
(١) - أسلم الحكم بن كيسان وقتل ببئر معونة شهيدا.
[ ٩٣ ]
٣- الكتمان:
ابتكر الرسول ﷺ أسلوب (الرسائل المكتومة) للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن حركات المسلمين، والكتمان أهم عامل من عوامل مبدأ (المباغتة) «١» وهي أهم مبدأ من مبادىء الحرب. وقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق (للكتمان) قبل أن يفطن إليه الألمان ويستعملوه في الحرب العالمية الثانية «٢» .
٤- الحصار الاقتصادي:
هدّد المسلمون أهم طريق تجارية بين مكة والشام، فأصبحت قوافل قريش غير آمنة حين تسلك هذه الطريق، مما أثّر أسوأ الأثر على تجارة قريش التي تعيش عليها، وهدّد مكة بالحصار الاقتصادي بمحاولة حرمانها من سلوك طريق مكة- الشام بأمان.
_________________
(١) - المباغتة: هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدا له، والكتمان من جملة الوسائل المهمة التي تؤدي الى المباغتة. والمباغتة أهم مبدأ من مبادىء الحرب.
(٢) - يدعي الألمان أنهم أول من ابتكر أسلوب الرسائل المكتومة، ولكن حقيقة ابتكار هذا الأسلوب أوضح من أن يمارى فيه، وهي أن النبي (ص) كان أول من ابتكر هذا الأسلوب قبل أربعة عشر قرنا!
[ ٩٤ ]
الصراع الحاسم بين عقيدتين
(اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني) .
(اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد) .
(محمد رسول الله)
[ ٩٧ ]