غزوة أحد «١»
الموقف العام
١- المسلمون:
سيطر المسلمون على الطرق التجارية المؤدية من مكة المكرمة الى الشام والى العراق سيطرة تامة، ومنعوا قوافل قريش من سلوك هاتين الطريقين؛ فلم يبق أمام قريش إلا التجارة مع الحبشة، وهي تجارة غير رابحة بالنسبة الى التجارة مع الشام ومع العراق، وبذلك حلّت بتجارة قريش- التي تعتمد عليها في حياتها كل الاعتماد- نكبة قاصمة قاضية.
كما سيطر المسلمون على المدينة المنورة وجعلوا منها (قاعدة أمينة) لدعوتهم وحركاتهم العسكرية المقبلة على حد سواء.
٢- المشركون ويهود
أ- قريش:
حرصت قريش منذ نكبتها الكبرى في (بدر) على الأخذ بثأرها من المسلمين، وصمّمت على الاستعداد عسكريا لاستعادة كرامتها وشرفها.
ولم تغنها غزوة (السويق) شيئا بل زادها فرارها المشين أمام مطاردة المسلمين لها عارا جديدا على عارها في (بدر)، كما أثارت سرية زيد بن حارثة كوامن حقدها الدفين على المسلمين.
_________________
(١) - أحد: جبل شمال المدينة بينه وبينها قرابة ميل واحد. انظر التفاصيل في معجم البلدان ١/ ١٣٣.
[ ١٧١ ]
وقرّر كبراء قريش تخصيص ربح تجارة قافلة أبي سفيان بن حرب التي جرت من أجلها معركة (بدر)، لإنجاز استعدادات معركة الثأر القادمة وإمدادها بالمواد والسلاح والرجال!
ب- مشركو المدينة وما حولها:
أصبح مشركو المدينة ضعفاء جدا، لإسلام أكثرهم وتظاهر الآخرين منهم بالإسلام. كما هابت القبائل المجاورة قوة المسلمين، فحالف أكثرهم المسلمين، وانكمش الآخرون في ديارهم خائفين.
ج- يهود:
لم يبق داخل المدينة بعد طرد بني قينقاع أحد من يهود؛ أما يهود الذين يسكنون في ضواحي المدينة، فقد خافوا بطش المسلمين، خاصة بعد جلاء بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف، فتظاهروا بالمحافظة على عهودهم، ولو أنهم أخفوا نقض تلك العهود في أول فرصة مناسبة.
قوات الطرفين
١- المسلمون:
قوات المسلمين ستمائة وخمسون رجلا وخمسون فارسا بقيادة الرسول ﷺ.
٢- المشركون:
قوات المشركين ألفان وتسعمائة من قريش ومواليها وأحابيشها ومائة من بني ثقيف، منهم سبعمائة دارع فقط، ومع قوات المشركين مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، وهذه القوات بقيادة أبي سفيان بن حرب، وقد استصحب أكثر زعماء قريش معهم نساءهم «١» للتشجيع ورفع المعنويات.
_________________
(١) - عدد النساء من قريش خمس عشرة امرأة، انظر طبقات ابن سعد ٢/ ٣٧.
[ ١٧٢ ]
أهداف الطرفين
١- المشركون:
أخذ ثاراتهم من المسلمين في معركة بدر وسرية زيد بن حارثة، لاستعادة كرامتهم وشرفهم بين العرب.
٢- المسلمون:
الدفاع عن المدينة وصدّ قريش عنها، لتتوفر لهم الحرية الكاملة لنشر الدعوة الى الاسلام بحرية وسلام.
قبل المعركة
١- المشركون:
أ- بعد إنجاز قريش استعداداتها العسكرية للحركة، سلكت طريق مكة- المدينة، حتى وصلت موضعا قريبا من المدينة يسمى (الصّمغة) «١» فأطلقت إبلها وخيلها ترعى زرع الأنصار هناك، وتابعت سيرها حتى بلغت (العقيق) «٢» ثم نزلت عند بعض السفوح من جبل (أحد) على بعد خمسة أميال من المدينة المنورة.
ب- كان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة ابن أبي جهل، وكان اللواء عند طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدّار.
_________________
(١) - الصمغة: أرض غرب جبل أحد من المدينة، انظر التفاصيل في معجم البلدان ٥/ ٣٨٤.
(٢) - العقيق: العرب تقول لكل مسيل ماء شقّه السيل في الأرض فأنهره ووسّعه: عقيق، والعقيق بناحية المدينة، وفي بلاد العرب أربعة أعقة، منها عقيق المدينة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٦/ ١٩٨.
[ ١٧٣ ]
ج- نظّم المشركون قوّتهم للقتال بأسلوب (الصف) وأمّنوا حماية ميمنة الصفوف وميسرتها بالفرسان.
د- بذلت نساء قريش- خاصة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان- أقصى جهودهن لتشجيع قريش وبعث الحماس في نفوسهم لأخذ ثاراتهم من المسلمين.
٢- المسلمون:
أ- بعث العباس عمّ الرسول ﷺ رسالة مع أحد الرجال، يخبر بها الرسول ﷺ عن وقت خروج قريش لقتاله وعن عدد قواتها، فأسرع الرجل بالرسالة حتى قطع الطريق بين مكة والمدينة في ثلاثة أيام، فوجد الرسول ﷺ ماكثا بمسجد (قباء) «١»، فدفع إليه بالرسالة.
ب- قرأ أبي بن كعب الرسالة على الرسول ﷺ، فطلب ألا يبوح بمضمونها لأحد وعاد الرسول الى المدينة المنورة.
ج- بعث النبي ﷺ رجلين من أصحابه «٢» لمعرفة الموضع الذي وصلت اليه قريش، فوجداها قاربت المدينة المنورة، وأطلقت خيلها وإبلها ترعى زروع (يثرب) المحيطة بها.
د- خشي المسلمون عاقبة هذه الغزوة، لأنّ قريشا أكملت استعداداتها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ حروبها، فبات المسلمون من أهل المدينة المنورة وعليهم السلاح بالمسجد كما بات الحراس في مداخل المدينة لحراستها.
هـ- جمع الرسول ﷺ أهل الرأي من المسلمين صباح يوم الجمعة ١٥ شوال من السنة الثالثة للهجرة لاستشارتهم في كيفية لقاء العدو.
_________________
(١) - قباء: قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد الى مكة بها أثر بنيان كثير. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٧/ ٢١.
(٢) - هما: أنس ومؤنس ابنا فضالة الظفريين. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ٣٧.
[ ١٧٤ ]
كان رأي النبي ﷺ أن يتحصنوا بالمدينة المنورة وأن يدعوا قريشا خارجها، فإذا دخلتها قاتلهم فيها قتال الشوارع في منطقة يعرفها المسلمون كل المعرفة ولا تعرفها قريش، مما يساعد المسلمين على ضرب قريش وإيقاع الخسائر الفادحة بها، وكان رأي كبار الصحابة مثل هذا الرأي كما كان هذا رأي عبد الله بن أبيّ.
ولكنّ الرجال الذين لم يشهدوا (بدرا) - خاصة الشباب منهم- تحمّسوا للخروج من المدينة وملاقاة قريش خارجها وأيّدهم رجال اشتركوا ببدر، كي لا يرمى المسلمون بالجبن لاضطرارهم الى القتال داخل المدينة، فرأى الرسول ﷺ أن الأكثرية تؤيد الخروج، فقال لهم: (إني أخاف عليكم الهزيمة)، فأبوا مع ذلك إلا الخروج، فنزل على رأي الأكثرية، لأن الشورى كانت أساس نظامه الذي لا يحيد عنه.
وأمر الرسول ﷺ صحابته أن يتهيئوا للخروج، ودخل داره وتقلّد سيفه وارتدى عدّة القتال، ثم خرج الى الناس.
شعر القوم أنهم استكرهوا الرسول ﷺ على رأيهم، وأظهروا الرغبة في النزول على رأيه، إلا أن النبي ﷺ وجد غضاضة في الاضطراب بين شتى الآراء والتردّد في قرارته، فقال: (ما ينبغي لنبي لبس لأمته «١» أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه)
ثم طلب إليهم الصبر عند البأس.
ز- تقدّم النبي ﷺ بألف رجل، حتى نزل (الشيخين) «٢» - موضع في ضواحي المدينة- وهناك رأى مع المسلمين مفرزة لا يعرف أهلها، فلما سأل
_________________
(١) - اللأمة: الدرع. وقد يسمى السلاح كله لأمة.
(٢) - الشيخان: موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول الله (ص) ليلة خرج لقتال المشركين بأحد. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٥/ ٣١٩ وهو في منطقة جبل أحد.
[ ١٧٥ ]
عنها علم أن أفرادها من يهود حلفاء عبد الله بن أبي، فرفض معاونتهم له إلا أن يسلموا أو يعودوا أدراجهم. وقال: (لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك)، فعادوا الى المدينة.
وانسحب بعدهم عبد الله بن أبي مع ثلاثمائة من أنصاره المنافقين، فبقي النبي ﷺ ومعه سبعمائة من أصحابه يستعد بهم لقتال ثلاثة آلاف مقاتل من المشركين.
ح- عسكر المسلمون بالشّعب من موضع (أحد) في عدوة الوادي، جاعلين ظهرهم الى جبل (أحد)، وكانت مجمل خطة الرسول ﷺ للقتال ما يلي:
أولا: وضع خمسين من الرماة بإمرة عبد الله بن جبير «١» في موضع على طريق تؤدي من الجبل الى خلف قواته، وكان هدفه من وضع هذه القوة هو حرمان العدو من الالتفات على قواته من الخلف، ولتكون هذه القوة قاعدة أمينة لقواته، تحمي ظهرها وتستند إليها وتستر انسحابها عند الحاجة.
وأصدر لهذه القوة الأمر الجازم التالي: (أحموا لنا ظهورنا، فإننا نخاف أن يجيئوا من ورائنا، وألزموا مكانكم لا تبرحوه. وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل) .
ثانيا: نظّم أصحابه صفوفا للقتال بهم بأسلوب (الصف)، وتخيّر الأشداء ليكونوا طليعة الصفوف.
_________________
(١) - عبد الله بن جبير الأنصاري: شهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار وشهد بدرا وأحدا، واستعمله رسول الله (ص) على الرماة في أحد لحماية ظهور المسلمين؛ فلما اختلف الرماة وانسحب أكثرهم من مواضعهم لأخذ الغنائم من معسكر المشركين، ثبت عبد الله في مكانه مع نفر لا يبلغون العشرة قاوم بهم هجوم خالد بن الوليد حتى فنيت نبله، فطاعن بالرمح حتى انكسر، فكسر جفن سيفه فقاتل فرسان خالد حتى استشهد بطلا. راجع التفاصيل في طبقات ابن سعد ٣/ ٤٧٥، والإصابة ٤/ ٤٥، وأسد الغابة ٣/ ١٣٠، والاستيعاب ٣/ ٨٧٧.
[ ١٧٦ ]
ثالثا: أصدر أوامره بألّا يقاتل أحد إلّا بأمر منه.
رابعا: أخذ يشجّع أصحابه ويحثّهم على الصبر في القتال.
ط- ولبعث التنافس الشريف بينهم في إظهار البطولة، أخذ الرسول ﷺ سيفا بيده، فقال مخاطبا أصحابه: (من يأخذ هذا السيف بحقّه)؟ فقام اليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة «١» فقال:
(وما حقّه يا رسول الله)؟ فقال الرسول ﷺ: (أن تضرب به العدو حتى ينحني) .
وكان أبو دجانة رجلا شجاعا له عصابة حمراء، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فأخذ السيف وأخرج عصابته الحمراء التي كانوا يسمونها: (عصابة الموت) وعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين على عادته إذ يختال عند الحرب، فلما رآه الرسول ﷺ يتبختر قال: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن) .
ي- بهذه الخطة وبهذا الاندفاع كان وضع المسلمين قبل نشوب القتال في (أحد) .
_________________
(١) - سماك بن خرشة الخزرجي الساعدي الأنصاري: مشهور بكنيته، أبي دجانة، شهد بدرا وأحدا وجميع المشاهد مع رسول الله (ص)، وأعطاه رسول الله يوم أحد سيفه، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه)؟ فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: (أنا آخذه بحقه)، فدفعه رسول الله (ص) إليه ففلق به هام المشركين. كان من الشجعان المشهورين بالشجاعة، وكانت له عصابة حمراء يعلم بها في الحرب، فلما كان يوم أحد أعلم بها واختال بين الصفين، فقال رسول الله (ص): (إن هذه مشية يبغضها الله ﷿ إلا في هذا المقام) . وهو من فضلاء الصحابة وأكابرهم له مقامات محمودة في مغازي رسول الله (ص) . استشهد يوم اليمامة بعد ما أبلى فيها بلاء عظيما، وكان لبني حنيفة باليمامة حديقة يقاتلون من ورائها فلم يقدر المسلمون على الدخول إليهم فأمرهم أبو دجانة أن يلقوه إليها ففعلوا فانكسرت رجله فقاتل على باب الحديقة وأزاح المشركين عنه ودخلها المسلمون وقتل يومئذ، وقيل بل عاش حتى شهد صفين مع علي. أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٣/ ٥٥٦، والإصابة ٧/ ٥٧، التسلسل ٣٧١، وأسد الغابة ٢/ ٣٥٢، والاستيعاب ٢/ ٦٥٢، التسلسل ١٠٦١.
[ ١٧٧ ]
سير القتال
١- بدء المناوشات:
أ- قامت مفرزة من قوات قريش بقيادة أبي عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي بالهجوم على قوات المسلمين، فنشبت الحرب، وكان أبو عامر هذا قد انتقل من المدينة الى مكة يحرّض قريشا على قتال محمد ﷺ؛ ولم يكن شهد (بدرا) مع قريش، فخرج الى (أحد) في خمسة عشر رجلا من الأوس ومن عبيد أهل مكة، وكانت المفرزة التي بإمرته مؤلفة من هؤلاء الأفراد فقط، وكان يزعم لقريش أنه إذا نادى أهله المسلمين من الأوس الذين يحاربون في صفوف النبي ﷺ، استجابوا له وانحازوا معه ونصروا قريشا!
خرج أبو عامر مناديا: (يا معشر الأوس! أنا أبو عامر) ! فأجابه الأوس المسلمون: (لا أنعم الله بك عينا يا فاسق) ! .. ثم هاجموه.
ونشب القتال بين الطرفين بعد أن أذن الرسول ﷺ للمسلمين بالقتال.
ب- حاول أبو عامر وحاول عكرمة بن أبي جهل أن يلتفا على أجنحة المسلمين، ولكن المسلمين رشقوهم بالحجارة، ولم يكن من السهل الالتفات على أجنحة المسلمين لاستنادها على هضاب جبل (أحد)، فأخفقت محاولات التفاف المشركين.
ج- هتف حمزة بن عبد المطلب بكلمة التعارف للمسلمين في (أحد):
(أمت أمت) . ثم اندفع الى قلب جيش المشركين.
ونادى حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة: (من يبارز)؟ فخرج إليه علي بن أبي طالب، فقتله.
واندفع أبو دجانة وفي يده سيف النبي ﷺ، وعلى رأسه عصابة الموت، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، حتى شقّ صفوت المشركين؛ ثم رأى إنسانا
[ ١٧٨ ]
يحثّ المشركين على القتال، فحمل عليه بالسيف، فإذا بهند بنت عتبة تولول، فارتدّ عنها أبو دجانة مكرما سيف النبي ﷺ أن يضرب به امرأة
٢- إشتداد القتال (الصفحة الاولى):
أ- اندفعت قريش الى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن قتل من أشرافها وسادتها منذ عام ببدر، وكان من ورائهم نساؤهم يشجعونهم ويحثونهم على الاستبسال، وقد أعدت غير واحدة منهن مولى وعدته بالخير الوفير لينتقم لها ممن فجعها ببدر في أب أو أخ أو زوج أو عزيز، وكانت هند بنت عتبة قد وعدت وحشيا الحبشي مولى جبير خيرا كثيرا إن هو قتل حمزة، كما قال له جبير بن مطعم مولاه، وكان عمه قد قتل ببدر: (إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق) !
وتربّص وحشي بين الصفوف يترصّد حمزة، حتى رآه في عرص للناس يحطم أبطال المشركين، فصوّب عليه حربته وقذفه بها، فأصابت بطن حمزة أسفل سرّته وخرجت من بين رجليه، فاستنسهد على أثرها.
ب- على الرغم من الخسارة الفادحة التي لحقت بالمسلمين باستشهاد حمزة، فإن قواتهم بقيت مسيطرة على الموقف تماما، وأخذ لواء المشركين يسقط بين حين وآخر: حمل عثمان بن أبي طلحة اللواء بعد أن قتل عليّ بن أبي طالب ﵁ طلحة بن أبي طلحة، فلما لقي هذا مصرعه، حمله أبو سعيد بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب أو سعد بن أبي وقاص.
وتعاقب حملة لواء المشركين من بني عبد الدار، حتى قتل منهم تسعة، ثم حمله مولى لهم، وحملته امرأة بعد ذلك لتفرق المشركين عنه.
ج- زحفت صفوف المسلمين على صفوف المشركين بعد تصدّعها، فانهزم المشركون حتى أحاط المسلمون بنساء المشركين وحتى وقع الصنم الذي احتملوه للتبرّك به من فوق الجمل الذي كان يحمله.
[ ١٨٠ ]
وأخذ المسلمون يطاردون المشركين حتى أبعدوهم عن معسكرهم، ثم عادوا يجمعون الغنائم.
ورأى الرماة الذين أمرهم الرسول ﷺ ألّا يبرحوا أماكنهم ولو رأوه وأصحابه يقتلون، فقال بعضهم لبعض: (لم تقيمون هاهنا في غير شيء وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم)؟
واختلفوا فيما بينهم، أيتركون مواضعهم أم يبقون فيها؟ فأصرّ قائدهم عبد الله بن جبير على البقاء وعصاه أكثرهم وانطلقوا، ولم يبق معه غير نفر دون العشرة!
واشترك المنطلقون من الرماة في جمع الغنائم.
٣- هجوم المشركين المقابل (الصفحة الثانية):
أ- انتهز خالد بن الوليد «١» فرصة ترك رماة المسلمين لمواضعهم، وكان على ميمنة خيل المشركين، فهاجم مواضع الرماة التي تركوها، واستطاع إجلاء الباقين منهم عن مواضعهم، لقلة عددهم، وعدم إمكانهم الصمود في موضعهم الواسع بالنسبة لعددهم الذي أصبح قليلا.
ولم يفطن المسلمون لهذه المباغتة، وصاح خالد يعلن لقريش بأنه التفّ وراء المسلمين، فعادت قوات قريش المنهزمة للقيام بهجوم مضاد جبهي على المسلمين، ونادوا بشعارهم: (يا للعزّى! يا لهبل) ! بينما قام خالد بالالتفاف من الخلف، فأصبح المسلمون مطوقين من جوانبهم كافة.
وتحرّج موقف المسلمين، وأصبح خطيرا جدا، خاصة وأن صفوفهم لم تكن رصينة في مواضعها لتستطيع الصمود، إذ تبعثر أفرادها لجمع الغنائم.
_________________
(١) - أنظر سيرة حياته في كتابنا: قادة فتح العراق والجزيرة ٤٧- ٢١١.
[ ١٨١ ]
ب- كانت حركة خالد مباغتة تامة للمسلمين لم يكونوا يتوقعونها، فتبعثر أكثرهم وبقي القليل منهم الى جانب النبي ﷺ «١» يقاتلون ليشقوا لهم طريقا من بين قوات قريش التي أطبقت عليهم من كل جانب.
واستشهد كثير من المسلمين وهم يحاولون شقّ طريقهم، واستطاع المشركون أن يصلوا قريبا جدا من موضع النبي ﷺ، فرماه أحدهم بحجر أصاب أنفه وكسر رباعيّته. وتمالك النبي ﷺ نفسه، وسار مع أصحابه الباقين، فإذا به يقع في حفرة حفرها أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأسرع إليه علي بن أبي طالب وأخذ بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى.
ج- أخذ المشركون يديمون زخم هجومهم للقضاء على النبي ﷺ وأصحابه، ونادى أحدهم: بأنه قتل محمدا؛ ولكن أصحاب النبي ﷺ استماتوا في الدفاع عنه.
كانت أم عمارة نسيبة الخزرجية قد خرجت أول النهار ومعها سقاء لها فيه ماء، تدور على المسلمين لتسقي منهم من استسقى؛ فلما أحاط المشركون بالمسلمين وأصبح الخطر الداهم محدقا بالنبي ﷺ نفسه، ألقت نسيبة سقاءها واستلّت سيفا وأخذت تذود عن النبي ﷺ بالسيف وترمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إليها.
وصدّ أبو دجانة بجسمه النبال المنهالة صوب النبي ﷺ، فحنى ظهره عليه والنبل يقع فيه.
ووقف سعد بن أبي وقاص الى جانب النبي ﷺ يرمي بالنبل دونه، والنبي ﷺ يناوله النبل ويترصّد له إصاباته.
ورمى النبي ﷺ عن قوسه، حتى تحطمت القوس. وتساقط المسلمون
_________________
(١) - ثبت مع الرسول (ص) أربعة عشر رجلا في أصحابه: سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق وسبعة من الأنصار. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٤٢.
[ ١٨٢ ]
حوله صرعى واحدا بعد الآخر مستقتلين في الدفاع عنه حتى استطاعوا شقّ طريقهم عبر صفوف قريش الى رابية مشرفة من روابي جبل (أحد) .
وتركت هذه الاستماتة أثرها في قريش، فتوقف زخم هجومهم قليلا، واستفاد المسلمون من هذه الفرصة السانحة، فصعد النبي ﷺ بهم الى جبل (أحد) .
وفي طريق صعوده رآه كعب بن مالك الذي كان مع المسلمين الذين تفرقوا عنه، لهول صدمة مباغتة قريش لهم، ولانتشار إشاعة مقتل النبي ﷺ، فنادى كعب بأعلى صوته: (يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله)، فلما سمعت قريش صيحة كعب لم يصدقها أكثرهم وحسبها صيحة أريد بها شدّ عزائم المسلمين، إلا أن بعضهم اندفع وراء النبي ﷺ وصحابته.
وتقدم أبيّ بن خلف وهو يقول: (أين محمد؟ لا نجوت إن نجا) . فطعنه النبي ﷺ بحربة الحارث بن الصمة طعنة جعلته يتقلب على فرسه ويعود أدراجه ليموت في الطريق، وهو أول قتيل قتل بيد النبي ﷺ.
د- وصل المسلمون الى هضبة مرتفعة من جبل (أحد)، ولكنّ خالد بن الوليد وصل بفرسانه قريبا منهم، فقام المسلمون عليه بهجوم مضاد، واستطاعوا صدّ قواته.
هـ- ذهبت كل محاولات قريش للقضاء على المسلمين أدراج الرياح، إذ تجمّع المسلمون حول النبي ﷺ وأصبحوا تحت قيادته، بعد أن كانوا متفرقين لجمع الغنائم أولا، ونتيجة لصدمة المباغتة التي أجراها خالد بن الوليد بالالتفاف حول قواتهم وضربها من الخلف ثانيا.
وبلغ الإعياء برجال قريش حدا بالغا، وفشلت محاولاتهم الهجومية المتكررة للقضاء على المسلمين نهائيا، فقررت قريش إنهاء القتال
وقبل العودة أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى: (أفيكم محمد)؟ فلم يجيبوه. فقال: (أفيكم ابن أبي قحافة)؟ فلم يجيبوه. فقال: (أفيكم عمر بن
[ ١٨٣ ]
الخطاب)؟ فلم يجيبوه. ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قريش أن قيام الإسلام بهم. فقال: (أما هؤلاء فقد كفيتموهم) فلم يتمالك عمر أن أجاب: (يا عدو الله! إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك ما يسوؤك، وإن محمدا يسمع كلامك الآن) فقال أبو سفيان: (يوم بيوم بدر والحرب سجال) . ثم جعل يرتجز ويقول: (أعل هبل أعل هبل) ! فقال رسول الله ﷺ: (ألا تجيبونه)؟ قالوا: (يا رسول الله بماذا نجيبه)؟! قال:
(قولوا: الله أعلى وأجل) . قال أبو سفيان: (لنا العزّى ولا عزى لكم) ! فقال رسول الله ﷺ: (ألا تجيبونه)؟! فقالوا: (وبماذا نجيبه)؟ فقال:
(قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) .
ولما انصرف أبو سفيان بن حرب ومن معه نادى: (وإن موعدكم بدر للعام القابل) .
فقال النبي ﷺ لرجل من أصحابه: (قل نعم! هو بيننا وبينك موعد) .
وصدق الله العظيم: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ «١» بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
«٢» .
عودة المتحاربين
١- المشركون:
عاد المشركون أدراجهم الى مكة، فلما وصلوا الى موضع (الروحاء) «٣»
_________________
(١) - تحسونهم: تستأصلونهم بالقتل. قال ابن هشام: الحس: الاستئصال، يقال: حسست الشيء: أي استأصلته بالسيف وغيره. أنظر سيرة ابن هشام ٣/ ٦٦.
(٢) - الآية الكريمة من سورة آل عمران ٣: ١٥٢.
(٣) - الروحاء: موضع بالقرب من حمراء الأسد، وهذه على طريق المدينة- مكة، وتبعد عن المدينة ثمانية أميال.
[ ١٨٤ ]
على طريق المدينة- مكة، سمع أبو سفيان بخروج المسلمين لقتاله، فخاف أن يكون النبي ﷺ قد جاء من المدينة بقوات جديدة؛ فمرّ به معن الخزاعي، وكان قد مرّ بمحمد ﷺ ومن معه، فسأله أبو سفيان عن المسلمين، فأجابه معن وكان لا يزال مشركا: (إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه، وكلهم أشد ما يكون عليكم حنقا ومنكم للثأر طلبا ) .
قدّر أبو سفيان أن اندحار قواته إذا اصطدم بالمسلمين ثانية معناه خسارة انتصاره في (أحد) والقضاء على قريش قضاء لا تقوم لها من بعده قائمة أبدا؛ فلجأ الى الحيلة، وبعث مع ركب من بني عبد القيس يقصدون المدينة أن يبلّغوا محمدا: (أن أبا سفيان قد قرر السير إليهم ليستأصل بقيّتهم)، ثم سارع بالرجوع الى مكة.
٢- المسلمون:
بعد عودة المشركين ووصول النبي ﷺ وصحابته المدينة المنورة، قرر النبي ﷺ القيام بحركة جريئة تخفف من وقع الهزيمة في (أحد) وترد الى المسلمين معنوياتهم، وتدخل في روع يهود والمنافقين الرهبة، وتعيد الى المسلمين سلطانهم بالمدينة المنورة قويا كما كان
لذلك لم يخرج إلا بأصحابه الذين شهدوا غزوة (أحد) يوم الأحد ١٦ شوال من السنة الثالثة للهجرة، أي في اليوم الثاني من يوم (أحد)، لمطاردة قوات قريش؛ فلما وصل الى موضع (حمراء الأسد) «١»، وهي على مسافة ثمانية أميال من المدينة وعلى طريق المدينة- مكة، جاءه من يخبره بأن قريشا قررت السير إليه؛ فلم تتضعضع معنويات المسلمين، وقرروا لقاء قريش، وبقوا ينتظرون
_________________
(١) - حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة، اليه انتهى رسول الله (ص) يوم أحد في طلب المشركين. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ٣٣٧.
[ ١٨٥ ]
هناك هذا الوعيد ثلاثة أيام، فلما علموا بانسحاب قريش عادوا أدراجهم الى المدينة.
وبهذه الحركة الجريئة استرد المسلمون كثيرا من مكانتهم التي فقدوها في (أحد) .
خسائر الطرفين
١- المشركون:
قتل من قريش اثنان وعشرون رجلا.
٢- المسلمون:
استشهد من المسلمين واحد وسبعون رجلا. أنظر الملحق (هـ) بأسمائهم.
أسباب النكبة
١- أنصر أم اندحار:
لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة (أحد) نصرا للمشركين واندحارا للمسلمين؛ لأن مناقشة المعركة عسكريا، تظهر انتصار المسلمين على الرغم من خسائرهم الفادحة في هذه المعركة.
ونبدأ المناقشة من الوجهة العسكرية البحتة، لإظهار حقيقة نتائج غزوة (أحد) .
لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم وتعفير لوائهم بالتراب، ولكن التفات خالد بن الوليد وراء المسلمين وهجوم المشركين من الأمام، جعل قوات المشركين تطبق من على قوات المسلمين. هذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر، ولكن بقي النصر بجانبهم الى الأخير.
[ ١٨٦ ]
ذلك لأن نتيجة كل معركة لا تقاس من الناحية العسكرية بعدد الخسائر بالأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي وهو القضاء المبرم على العدو ماديا ومعنويا.
فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديا ومعنويا؟
إن حركة خالد بن الوليد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المضاد وإطباقهم على قوات المسلمين وهم متفوقون بالعدد بنسبة خمسة أمثال المسلمين. كل ذلك كان يحب أن تكون نتائجه القضاء المبرم على كل قوات المسلمين، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة فواقا ساحقا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة بالمائة فقط من موجودها، إلا انتصارا لتلك القوة الصغيرة بدون أدنى شك.
ولا يمكن إعتبار اخفاق القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديا ومعنويا في مثل ذلك الموقف الحرج للغاية، نصرا لتلك القوة الكبيرة على القوة الصغيرة.
ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضا وإلا لما استطاع المسلمون الخروج من المدينة لمطاردة قريش بعد يوم واحد فقط من يوم (أحد)، دون أن تجرأ قريش على لقاء المسلمين بعيدا عن المدينة، خاصة وأن الرسول ﷺ خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت (فعلا) بمعركة (أحد)، دون أن يستعين بغيرهم من الناس.
إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه (بأحد)، نصر عظيم لهم، لأن أول نتائج إطباق المشركين عليهم من كل الجهات كان الفناء التام.
ثم إن معركة (أحد) أتاحت للمسلمين معرفة المنافقين الذين كانوا بين صفوفهم بصورة لا تقبل الشك والمماراة، وهذا مكسب عظيم لا يقدّر بثمن ولا تعدّ خسائرهم بالأرواح الى جانبه شيئا مذكورا.
[ ١٨٧ ]
٢- أسباب خسائر المسلمين:
إن أسباب كثرة خسائر المسلمين في معركة (أحد) هي ما يلي:
أ- عدم المطاردة «١»:
لم يقم المسلمون بالمطاردة في الصفحة الأولى من المعركة بعد انهزام المشركين بعيدا عن معسكرهم، بل انشغلوا بالغنائم. ولو أنهم طاردوا قريشا فورا بعد هزيمتها، لقضوا على قواتها بسهولة، ومن بعد ذلك يعودون لجمع الغنائم.
ب- مخالفة الأوامر:
تنفيذ الأوامر هو الضبط العسكري الذي يعتبر روح الجندية والسبب المباشر المؤدي لكل انتصار في كل معركة، ومخالفة الرماة في ترك مواقعهم والإسراع لجمع الغنائم خطأ كبير وقع فيه المسلمون حينذاك، إذ كشف للعدو ظهورهم فاستفاد خالد بن الوليد من هذه الفرصة السانحة لتطويقهم من الخلف، مما أدى الى الإطباق عليهم من كل الجهات.
ج- المباغتة:
المباغتة مبدأ من أهم مبادىء الحرب، ومعناها ضرب العدو من مكان أو في زمان أو بأسلوب لا يتوقعه، بحيث يمكن تحطيم قوى العدو المادية والمعنوية.
وكان قيام خالد بن الوليد بالالتفاف وراء قوات المسلمين في الوقت الذي انهزم فيه المشركون مباغتة تامة للمسلمين، فارتبكت صفوفهم بدرجة لم يفرقوا معها بين قوات عدوهم وبين قواتهم، كما تحطمت معنويات الكثير منهم وأصبحوا لا يعرفون ما يصنعون.
إن هذه المباغتة أتاحت الفرصة لقريش للقضاء على المسلمين وإبادة قواتهم،
_________________
(١) - المطاردة: تعبير عسكري يقصد به تعقب القوات المعادية المنسحبة لإحداث الخسائر فيها ومحاولة قلب انسحابها الى هزيمة.
[ ١٨٨ ]
ولكنهم لم يستطيعوا الاستفادة من موقفهم المتميز هذا، فضيّعوا هذه الفرصة السانحة لجعل معركة (أحد) حاسمة في نتائجها.
دروس من أحد
١- الحصول على المعلومات:
حصل المسلمون على المعلومات الكافية عن نيات قريش وقوتها وحركتها من رسالة العباس عم النبي ﷺ قبل وقت مناسب من حركة قوات قريش باتجاه المدينة لغزو المسلمين.
كما أرسل المسلمون دوريات استطلاعية قبل معركة (أحد)، فعرفوا مواضع قوات قريش، وأرسلوا دوريات استطلاعية بعد المعركة، لمعرفة اتجاه حركة عودة المشركين.
لقد كان عمل المسلمين في الحصول على المعلومات مفيدا في منع المشركين من مباغتتهم في المدينة.
٢- القيادة:
كان لقريش في معركة (أحد) قائد عام هو أبو سفيان بن حرب، ولم تظهر أية حنكة لهذا القائد في المعركة، كما كانت سيطرته ضعيفة على ما يظهر بدرجة أن نساء المشركين مثلّوا بشهداء المسلمين دون رغبته، فلم يستطع أن يفعل شيئا.
ولو كانت قيادة أبي سفيان على شيء من الكفاية لاستطاع الإيقاع بالمسلمين بعد تطويقهم التام.
أما قيادة النبي ﷺ، فقد ظهرت بشكل ظاهر في هذه المعركة.
انتخب الموضع المناسب للمعركة، وأجبر قريشا على قبول المعركة فيه،
[ ١٨٩ ]
ونظّم خطّة القتال، فانتخب مواضع الرماة لحماية ظهور المسلمين، وخصّص لهذه المواضع قوة كافية للدفاع عنها بإمرة قائد مسئول.
إنّ كل ذلك على أهميته لا يعتبر شيئا بالنسبة الى ظهور عبقرية قيادته عليه أفضل الصلاة والسلام في أثناء القتال خلال الصفحة الثانية من معركة (أحد) حين طوّق المشركون المتفوقون بالعدد الى خمسة أمثال المسلمين، قوة المسلمين القليلة، بعد أن انهارت معنويات الكثيرين منهم لما سمعوا خبر مقتل الرسول ﷺ في المعركة، فلجأوا الى الهضاب بعيدا عن ساحة المعركة، وبقي مع الرسول ﷺ شرذمة قليلة من المسلمين يقاومون وحدهم زخم هجوم قريش في أوج قوته وعنفوانه وفي قمة انتصار قريش.
لقد استطاع الرسول ﷺ بهذا الموقف الصعب للغاية بالنسبة للمسلمين الموفّق للغاية بالنسبة للمشركين، أن يسيطر على الموقف في معركة يائسة جدا، ويقود الباقين من المسلمين لشق طريقهم من بين القوات المعادية المتفوقة المحيطة بهم، ثم يحتل موضعا مشرفا، ويقوم بإعادة تنظيم قواته الباقية ويعيد إليها معنوياتها وبأسها وقوتها، ويصد بها هجمات مضادة شديدة للمشركين، فيحيل الهزيمة المتوقعة الى نصر، لأنه اضطر قريشا الى اليأس من القضاء على المسلمين، بعد أن كان فناء المسلمين أمرا (حتميا)، ثم اضطرهم الى الانسحاب من المعركة بعد اليأس من إبادة المسلمين.
ولم يكتف بذلك بل خرج في اليوم الثاني من المعركة، لمطاردة قوات المشركين، حتى اضطرهم الى استعمال الحيلة بإرسال المعلومات الكاذبة للمسلمين عن إعتزامهم إعادة الكرّة على قوات الرسول ﷺ، فلم يكترث بهذا التهديد وإنما أعدّ العدّة وقرّر لقاء المشركين مهما تكن الظروف والأحوال.
هذه قيادة عبقرية، ظهرت للرسول ﷺ بهذه المعركة بشكل واضح كل الوضوح، كان من بعض نتائجها أنها جعلت النصر الى جانب المسلمين المغلوبين.
[ ١٩٠ ]
وأشهد أنني لم اقرأ في تاريخ الحرب لكل الأمم، موقفا صعبا يائسا كالذي كان فيه المسلمون يوم (أحد)، فاستطاع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، بقيادته الفذة أن يتخلص من هذا الموقف العصيب، وينقذ قواته من فناء أكيد، ثم يعيد إليها ثقتها بنفسها ويعيد إليها قوتها المادية والمعنوية بشكل لم يسبق له نظير، وخلال فترة زمنية محدودة جدا.
إن بروز قيادة النبي ﷺ في معركة (أحد) كان باهرا فذا.
٣- القضايا التعبوية:
أ- مخالفة الأوامر:
أخطأ رماة المسلمين في مخالفتيهم أوامر النبي ﷺ وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم؛ ولولا انسحابهم لما استطاع خالد بن الوليد ضرب مؤخرتهم، ولما استطاعت قريش تطويق المسلمين.
إن مخالفة الأوامر في (أحد)، درس في نتائج كل مخالفة عسكرية للأوامر في الحرب، وإن نتائجها المعروفة كافية لغرس هذا الدرس في النفوس لكي لا يعود أحد لمثلها أبدا.
ب- عدم المطاردة:
بعد كل هجوم ناجح لا بدّ من أن يتتوج بمطاردة عنيفة للقضاء على العدو.
وقد أخطأ المسلمون في عدم مطاردتهم للمشركين بعد فرار المشركين من مواضعهم وابتعادهم عن معسكرهم والتفاف المسلمين حول نساء المشركين ومواشيهم وإبلهم في الصفحة الأولى من يوم (أحد)، ولو طارد المسلمون قوات المشركين الى مسافة عشرة أميال على الأقل لأوقعوا بالمشركين خسائر فادحة، ولا نتهت معركة (أحد) بنتائج في مصلحة المسلمين.
[ ١٩١ ]
ج- أسلوب القتال:
لقد جرى القتال بين الطرفين بأسلوب (الصفوف)، وبذلك استطاعت قريش أن تسيطر على المعركة بشكل أفضل من سيطرتها على المعركة التي تجري بأسلوب الكرّ والفر.
٤- القضايا الادارية:
أ- الإدامة «١» والنقلية:
كان المشركون متفوقين على المسلمين بإدامة قواتهم وإعاشتها وتسليحها وفي نقليتها فواقا محسوسا على المسلمين، مما كان له أثر طيّب على سير القتال لصالح المشركين.
ب- الدفن:
دفن المشركون قتلاهم وتركوا قتلى المسلمين.
ولم يكتفوا بذلك بل مثلّوا بهم أشنع تمثيل، فقد انطلقت هند بنت عتبة والنسوة اللائي معها يمثلن بالشهداء: يجدعن الآذان والأنوف الخ.
أحد في التاريخ
لقد أجمع المؤرخون على اعتبار نتيجة (أحد) نصرا للمشركين على المسلمين.
ولكن الحقائق العسكرية لا تتفق مع ما أجمع عليه المؤرخون.
لقد كان بإمكان المشركين القضاء على قوات المسلمين في معركة (أحد)، بعد أن استطاعوا إحاطتهم من كل الجوانب بقوات متفوقة عليهم فواقا ساحقا.
_________________
(١) - الإدامة: اصطلاح عسكري، معناه: تزويد القوات بكل ما تحتاج اليه من القضايا الادارية تسليحا وتجهيزا وإعاشة ونقلية و الخ.
[ ١٩٢ ]
ومع ذلك استطاع محمد ﷺ أن يشق طريقه بين القوات المحيطة به، ويخلّص تسعة أعشار قواته من فناء أكيد.
إنّ فشل المشركين في القضاء على قوات المسلمين بعد إحاطتهم بقواتهم المتفوّقة يعتبر إخفاقا لهم.
وإن نجاح المسلمين في الخروج من تطويق المشركين بخسائر نسبتها عشرة بالمائة من قواتهم القليلة يعتبر نصرا لهم.
وبالإضافة الى نجاح المسلمين في التخلّص من الفناء التام في معركة (أحد)، فقد نجحوا في معرفة المنافقين بين صفوفهم قبل المعركة وبعدها، مما أتاح لهم القيام بالتطهير العام في صفوفهم بعد (أحد) على هدى وبصيرة
وبذلك تظهر الفائدة العظيمة لغزوة (أحد) للمسلمين.
إنّ نتيجة معركة (أحد) نصر (تعبوي) للمشركين على المسلمين، ولكنها فشل (سوقي) للمشركين. ولا يعدّ النصر التعبوي شيئا يذكر الى جانب الفشل السوقي «١» . وصدق الله العظيم: (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ «٢» فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا «٣» وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) «٤»؟!
_________________
(١) - التعبية: الأعمال العسكرية في المعركة، أو هي الأعمال العسكرية التي تؤثر على سير معركة واحدة. والسوق: هو الاستفادة من المعارك للحصول على الغرض من الحرب، أو هو الأعمال العسكرية التي تؤثر على سير الحرب كلها. ذلك هو تعريف السوق والتعبية بصورة موجزة للغاية تعطي (فكرة) للمدنيين فقط، إذ ان لكل من هذين الاصطلاحين تعريفات كثيرة طويلة تستغرق كثيرا من كتب فن الحرب. ومن ذلك يتضح أن السوق يعني نتائج الحرب كلها بينما التعبية تعني نتائج معركة واحدة محلية.
(٢) - قرح: جراح.
(٣) - أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين.
(٤) - الآيات الكريمة من سورة آل عمران ٣: ١٣٨- ١٤٢.
[ ١٩٣ ]
الملحق (هـ): شهداء المسلمين في أحد ﵃
١- المهاجرون أ- من قريش ثم من بني هاشم بن عبد مناف بن عبد المطلب:
١- حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ.
ب- من بني أمية بن عبد شمس:
٢- عبد الله بن جحش (حليف لهم من بني أسد بن خزيمة) .
ج- من بني عبد الدار بن قصي:
٣- مصعب بن عمير.
د- من بني مخزوم بن يقظة:
٤- شمّاس بن عثمان.
٢- الأنصار أ- من الأوس ثم من بني عبد الأشهل:
٥- عمرو بن معاذ بن النعمان.
٦- الحارث بن أنس بن رافع.
٧- عمارة بن زياد بن السكن.
٨- سلمة بن ثابت بن وقش.
٩- عمرو بن ثابت بن وقش.
[ ١٩٤ ]
١٠- ثابت بن وقش (والد عمرو وسلمة) .
١١- رفاعة بن وقش (أخو ثابت) .
١٢- صيفي بن قيظي.
١٣- حباب بن قيظي.
١٤- عباد بن سهل.
١٥- الحارث بن سهل بن معاذ (ابن أخي سعد بن معاذ) .
١٦- حسيل بن جابر (اليمان) والد حذيفة بن اليمان.
ب- من أهل راتج (اسم أطم من آطام المدينة) من بني عبد الاشهل أيضا:
١٧- إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو.
١٨- عبيد بن التيّهان.
١٩- عتيك بن التيّهان.
٢٠- حبيب بن زيد بن تيم.
ج- من بني ظفر:
٢١- يزيد بن حاطب بن أمية بن رافع.
د- من بني عمرو بن عوف، ثم من بني ضبيعة بن زيد:
٢٢- أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد.
٢٣- حنظلة الغسيل بن أبي عامر بن صيفي بن النعمان.
٢٤- قيس بن زيد بن ضبيعة.
٢٥- مالك بن أمة بن ضبيعة.
هـ- من بني عبيد بن زيد:
٢٦- أنيس بن قتادة.
[ ١٩٥ ]
ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف:
٢٧- أبو حبّة بن عمرو بن ثابت (أخو سعد بن خيثمة لأمه) .
٢٨- عبد الله بن جبير بن النعمان (أمير الرماة) .
ز- من بني السّلم بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس:
٢٩- خيثمة (والد سعد بن خيثمة) .
٣٠- عبد الله بن سلمة (حليف من بني العجلان) .
ح- من بني معاوية بن مالك:
٣١- سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة.
٣٢- سويبق بن الحارث بن حاطب بن هيشة.
٣٣- مالك بن عميلة (حليف لهم) .
ط- من بني خطمة:
٣٤- الحارث بن عدي.
٣٥- عمير بن عدي.
ي- من بني النجار، ثم من بني سواد بن مالك بن غنم:
٣٦- عمرو بن قيس بن زيد.
٣٧- قيس بن عمرو بن قيس (ابنه) .
٣٨- ثابت بن عمرو بن زيد.
٣٩- عامر بن مخلّد.
ك- من بني مبذول:
٤٠- أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة.
٤١- عمرو بن مطرّف بن علقمة بن عمرو.
[ ١٩٦ ]
ل- من بني عمرو بن مالك بن النجار:
٤٢- أوس بن ثابت بن المنذر (أخو حسان بن ثابت) .
م- من بني عدي بن النجار:
٤٣- أنس بن النّضر بن ضمضم (عم أنس بن مالك خادم النبي ﷺ) .
ن- من بني مازن بن النجار:
٤٤- قيس بن مخلد.
٤٥- كيسان (عبد لهم) .
س- من بني دينار بن النجار:
٤٦- سليم بن الحارث.
٤٧- نعمان بن عبد عمرو.
ع- من بني الحارث بن الخزرج:
٤٨- خارجة بن زيد بن أبي زهير.
٤٩- أوس بن أرقم بن زيد.
٥٠- سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير.
ف- من بني الأبجر وهم بنو خدرة:
٥١- مالك بن سنان (والد أبي سعيد الخدري) .
٥٢- سعيد بن سويد بن قيس.
٥٣- عتبة بن ربيع بن رافع.
ص- من بني ساعدة بن كعب بن الخزرج:
٥٤- ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد.
٥٥- ثقف بن فروة بن البدن.
[ ١٩٧ ]
ق- من بني طريف رهط سعد بن عبادة:
٥٦- عبد الله بن عمرو بن وهب.
٥٧- ضمرة (حليف لهم من جهينة) .
ر- من بني عوف بن الخزرج ثم من بني سالم ثم من بني مالك بن العجلان:
٥٨- نوفل بن عبد الله.
٥٩- عباس بن عبادة بن نضلة.
٦٠- نعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر.
٦١- المجذرّ بن زياد البلوي (حليف لهم) .
٦٢- عبادة بن الحسحاس.
ش- من بني سلمة ثم من بني حرام:
٦٣- عبد الله بن عمرو بن حرام (والد جابر بن عبد الله) .
٦٤- عمرو بن الجموح.
٦٥- خلّاد بن عمرو بن الجموح.
٦٦- أبو أيمن (مولى عمر بن الجموح) .
ت- من بني سواد بن غنم:
٦٧- سليم بن عمرو بن حديدة.
٦٨- عنترة (مولى سليم بن عمرو) .
٦٩- سهل بن قيس بن أبي كعب.
ث- من بني زريق بن عامر:
٧٠- ذكوان بن عبد قيس.
٧١- عبيد بن المعلّى بن لوذان من بني حبيب.
[ ١٩٨ ]
إعادة النظام
(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) .
(القرآن الكريم)
[ ١٩٩ ]