ثمرات الحديبية
الموقف العام
١- المسلمون:
أتاح الاستقرار الذي كان من ثمرات هدنة الحديبية للمسلمين، التفرّغ للتبشير بالدعوة الإسلامية داخل شبه الجزيرة العربية كلها وخارجها، فأوفد الرسول ﷺ دعاته الى الملوك والأمراء والرؤساء النابهين يدعوهم الى الإسلام.
وقد أصبحت المنطقة الكائنة جنوب المدينة أمينة بالنسبة للمسلمين، ولم يبق أمام الرسول ﷺ بعد الحديبية غير خصمين: يهود في منطقة (خيبر) وما حولها، والأعراب في شمال المدينة المنورة.
وكان الموقف يتطلب القضاء على هذين الخصمين ليتفرغ المسلمون بعد إكمال حشد قواتهم الى خصمهم الأكبر: قريش، والى هدفهم الرئيس: مكة المكرمة.
٢- المشركون:
لقد كسدت تجارة قريش قبل الهدنة، فأرادت بعد عقدها أن تعود الى إرسال قوافلها التجارية على طريق مكة- الشام، بعد أن حرمت من سلوكها مدة طويلة.
وفعلا تحركت قوافلها الى الشام، ولكن أبا بصير وأصحابه المغاوير «١»
_________________
(١) - ترجمة لكلمة Commando الانكليزية.
[ ٢٩١ ]
الذين ردّهم المسلمون الى قريش تنفيذا لشروط هدنة الحديبية؛ حدّدوا حرية حركة قواقل قريش الى الشام، فأخذوا يتعرضون بكل قافلة تمر بهم فيقضون على حراسها ويعبثون بأموالها، بعد أن تركوا أهلهم وأموالهم بمكة، وآثروا الجهاد دفاعا عن عقيدتهم على العودة الى أهليهم وذويهم.
ولم تنعم قريش بنعمة الاستقرار إلا بعد أن سألت الرسول ﷺ بإلحاح شديد أن يؤوي إليه أبا بصير وأصحابه متنازلة بمحض إرادتها للمسلمين عن شرط الهدنة، الذي يقضي بردّ المسلمين الذين يقصدون المدينة بدون موافقة أوليائهم الى قريش.
٣- يهود:
استمرّ يهود (خيبر) وما جاورها على تحريض القبائل وجمع الأحلاف ضد المسلمين وقذف الإسلام بالنهم الباطلة وإيواء أعداء المسلمين والغدر بالمسلمين كلما وجدوا الى ذلك سبيلا.
لقد كانوا موطن خطر يتهدد المسلمين في شمال المدينة المنورة، وقد حرمتهم الهدنة من معاونة قريش، فاستمالوا غطفان لمعاونتهم عندما يتهدّدهم خطر المسلمين.
إنهم ينظرون الى مصلحتهم الخاصة، ولا يبالون لكي يحصلوا عليها أن يستخدموا أية وسيلة
الهدف الحيوي للمسلمين
إكمال حشد قوى المسلمين استعدادا لمعركة الإسلام الحاسمة ضد قريش.
[ ٢٩٢ ]
غزوة خيبر «١»
١- أسباب الغزوة:
أ- أسباب مباشرة:
القضاء على تحريض القبائل العربية يهود ضد المسلمين.
ب- أسباب غير مباشرة:
القضاء على يهود نهائيا في منطقة المدينة المنورة للتخلص من أقوى أعداء المسلمين في المنطقة الشمالية، ولتكون تلك المنطقة أمينة عندما يحين موعد محاسبة قريش.
٢- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
ستمائة وألف رجل بينهم مائتا فارس بقيادة الرسول ﷺ، وهي القوات التي حضرت غزوة (الحديبية) .
ب- يهود:
يهود خيبر الذين يقدّرون بألف وأربعمائة نسمة بقيادة سلّام بن مشكم.
٣- الهدف:
القضاء على يهود للتخلص من المشاكل الخطيرة التي يعملون على خلقها وإثارتها ضد المسلمين.
_________________
(١) - خيبر: ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام. يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير. وأسماء حصونها: حصن ناعم، والقموص، والشق، وحصن النطأة، وحصن السلالم، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة. أما لفظ خيبر فهو بلسان يهود، معناه: الحصن. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ٤٩٥. وخيبر: نسبة الى خيبر بن مهلهل من العمالقة، وخرجت منه قبيلة خيبر التي اعتنقت اليهودية.
[ ٢٩٣ ]
٤- سير الحوادث:
أ- الأعمال التمهيدية:
أقام الرسول ﷺ حوالي الشهر الواحد في المدينة المنورة بعد عودته من (الحديبية)، ثم تحرّك بأصحابه الى مواضع (الرّجيع) من أرض غطفان، ليحول بين تعاون يهود خيبر وغطفان حلفائهم في قتال المسلمين؛ إذ استطاع يهود أن يضمنوا معاونة غطفان لهم إذا داهمهم الخطر، وبهذه الحركة استطاع الرسول ﷺ إيهام غطفان بأن الهجوم موجّه ضدهم وأن قوات المسلمين توشك أن تطوّقهم.
وعاد الرسول ﷺ الى خيبر، ولكنه أرسل مفرزة من أصحابه لمباغتة ديار غطفان بعد أن تركتها قوات غطفان الضاربة لمعاونة يهود. ونجحت هذه المفرزة في إلقاء الرعب في ديار غطفان، مما اضطر هذه القبيلة الى الإسراع بالعودة الى ديارها لحمايتها من تهديد المسلمين، وتركت يهودا وحدهم أمام المسلمين. وهكذا نجحت خطة الرسول ﷺ في عزل يهود عن غطفان حلفائهم.
ب- القتال:
وصلت قوات المسلمين قرية (خيبر) ليلا، فلم يعرف يهود أنهم أصبحوا مطوّقين بقوات المسلمين إلا عند خروج قسم من الفلاحين صباحا ليباشروا أعمالهم، فلما رأوا جيش المسلمين عادوا أدراجهم «١» .
_________________
(١) - راجع قانون الحرب والحياد من القانون الدولي: الحصار: الإحاطة بقرية أو بلد، سواء كانت محصنة أم غير محصنة مدافعا عنها أم غير مدافع، لمنع الدخول والخروج منها حتى تضطر الى التسليم. ولا يؤثر على هذه القاعدة، إن من نتائج الحصار تجويع سكان المنطقة غير المقاتلين من النساء والأطفال، بل ليس من واجب القوات المحاصرة إخطار أهل المنطقة بالحصار المزمع لتمكين المدافعين من إخلائها منهم، ولا من واجبها أن تسمح لهؤلاء بالخروج إذا طلب إليها ذلك، لأن بقاء هذا الفريق الكبير من المدنيين مع المدافعين عن المنطقة المحاصرة يزيد في متاعبها ويعجل في التسليم. وليس هناك مانع من أن يقوم المحاصرون بإجراءات أخرى تعجل في سقوطها، كقطع موارد المياه ومهاجمتها بالسلاح.
[ ٢٩٤ ]
وبدأ قتال المدن والأحراش بين المسلمين ويهود، ولم يكن هذا القتال سهلا، لأن (خيبر) محصّنة تكتنفها البساتين، ولأن يهود خيبر أقوياء مسلحون أغنياء.
أدخل يهود أموالهم وعيالهم حصني (الوطيح) و(السلالم)، وأدخلوا ذخائرهم حصن (ناعم)، ودخلت قواتهم حصن (نطأة) .
وابتدأ هجوم المسلمين بشدة من أول يوم للتأثير على معنويات يهود، حتى بلغ عدد جرحى المسلمين في هذا اليوم خمسين جريحا.
وخرجت مفرزة من يهود لمقاتلة المسلمين بالعراء بقيادة الحارث بن أبي زينب بعد أن قتل سلّام بن مشكم، ولكنّ الخزرج اضطروهم بهجوم مضاد الى الالتجاء الى حصونهم.
واستمات المسلمون في الهجوم، واستمات يهود في الدفاع، إذ كانوا يعلمون علم اليقين أن اندحارهم معناه القضاء الأخير عليهم في شبه الجزيرة العربية.
ركز المسلمون هجومهم الرئيس على حصن (ناعم) وبقيت قوات المسلمين الثانوية تشاغل الحصون الأخرى، كي تمنع قوات يهود من التعاون فيما بينها وتحرمها من معرفة اتجاه الهجوم الرئيس للمسلمين.
واستمر الهجوم العنيف على حصن (ناعم) ثلاثة أيام: بقي يهود داخل الحصن في اليومين الأولين، وخرجوا منه في اليوم الثالث للقتال خارجه بعد تشديد الحصار عليهم في اليومين السابقين، فانتهز المسلمون فرصة خروجهم ودارت حول الحصن معركة في العراء قتل فيها قائد يهود الحارث بن أبي زينب، فاستسلم حصن (ناعم) المنيع للمسلمين.
أثّر سقوط هذا الحصن في معنويات يهود، فاستسلم بعده حصن (القموص) بعد قتال عنيف، ولكنّ إعاشة المسلمين نفدت، فوجهوا هجومهم الرئيس على حصن الصعب بن معاذ الذي كان يهود قد كدّسوا فيه أرزاقهم وكثيرا من
[ ٢٩٥ ]
المواد الغذائية، فاستطاعوا الاستيلاء على هذا الحصن، واستفادوا من مواد الإعاشة المتيسرة فيه، مما خفف عنهم وطأة المشكلة الإدارية.
واستمات يهود بعد ذلك في الدفاع عن حصونهم الأخرى، والحق أن دفاعهم عن حصونهم كان دفاعا مستميتا!
وركز المسلمون هجومهم على حصن (الزبير)، ولكنه استعصى عليهم؛ فقرروا قطع الماء عنه، وبذلك اضطروا يهود المدافعين فيه على الخروج عنه، فقاتلهم المسلمون في العراء وقضوا على أكثرهم، وألجأوا الباقين من يهود الى الفرار.
وأخذت الحصون تسقط بالتعاقب بيد المسلمين، حتى سقطت الحصون كلها إلا حصني (الوطيح) و(السلالم)، وكانا آخر حصنين منيعين ليهود.
وتجمعت قوات المسلمين كلها حول هذين الحصنين، وضيّقوا الحصار عليهما، وحين ذاك طلب يهود الصلح على أن يحقن المسلمون دماءهم.
وقبل رسول الله ﷺ استسلامهم بشرط حقن دمائهم، وأبقاهم على أرضهم على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم فيها، لأن موقف المسلمين لم يكن يساعد على الاستغناء عن قسم من قواتهم لزراعة الأرض.
لقد كانوا بحاجة الى كل قادر على حمل السلاح للدفاع عن الإسلام.
٥- خسائر الطرفين:
أ- المسلمون:
واحد وعشرون شهيدا مع كثير من الجرحى. أنظر الملحق (ح) .
ب- يهود:
كانت خسائرهم في الأرواح كبيرة جدا، كما خسروا أموالهم وأملاكهم.
[ ٢٩٨ ]
نهاية يهود في شبه الجزيرة العربية
١- يهود فدك «١»:
بعث الرسول ﷺ بعد انتهاء معركة (خيبر) الى أهل (فدك) من يهود يدعوهم الى الاسلام أو الاستسلام للمسلمين، وكانت معنوياتهم ضعيفة جدا فصالحوا المسلمين بنفس شروط (خيبر) دون قتال.
٢- يهود وادي القرى «٢»:
عاد المسلمون الى المدينة على طريق (وادي القرى) فأنجز يهود هناك استحضاراتهم للقتال.
ونشبت معركة محدودة استمرت بضع ساعات انتهت باستسلام يهود للمسلمين، حيث فتحت (وادي القرى) أبوابها عنوة فصالحهم الرسول ﷺ على ما صالح عليه يهود (خيبر) .
٣- يهود تيماء «٣»:
استسلم يهود (تيماء) بدون قتال للمسلمين بنفس شروط يهود خيبر أيضا.
٤- النتائج:
القضاء على يهود عسكريا في شبه الجزيرة العربية.
_________________
(١) - فدك: قرية في الحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٦/ ٣٤٢. وهي في شمال المدينة على طريق المدينة- تبوك- الشام.
(٢) - وادي القرى: واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٣٧٥.
(٣) - تيماء: بلد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٢/ ٤٤٢. وتقع في شمال الحجاز.
[ ٢٩٩ ]
سرايا تأديب الأعراب
١- الهدف:
توطيد الأمن في المنطقة الشمالية للمدينة المنورة بصورة خاصة، ومنع غارات الأعراب على المدينة، وحماية الدعاة من غدر القبائل.
٢- الحوادث:
راجع الملحق المرفق، الملحق (ط) .
أ- سرية عمر بن الخطاب الى تربة «١»:
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة سبع الهجرية عمر بن الخطاب ﵁ في ثلاثين رجلا الى عجز هوازن بتربة؛ فخرج ومعه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا، فلم يلق عمر منهم أحدا، فانصرف راجعا الى المدينة المنورة.
ب- سرية أبي بكر الصديق الى بني كلاب بنجد:
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة سبع الهجرية أبا بكر الصديق ﵁ الى بني كلاب بنجد ناحية (ضرّية) «٢» فهاجمهم في الصباح الباكر وقتل منهم وسبى آخرين، ثم عاد الى المدينة المنورة.
_________________
(١) - تربة: واد بالقرب من مكة على مسافة يومين منها. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٢/ ٣٧٤ وهي بناحية العبلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١١٧. وتقع على بعد تسعين ميلا من جنوب شرقي الطائف على الطريق العام من نجد الى اليمن.
(٢) - ضرية: قرية في نجد غامرة قديمة على وجه الدهر في طريق مكة من البصرة. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٥/ ٤٣٢.
[ ٣٠٠ ]
ج- سرية بشير بن سعد الأنصاري الى فدك:
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة سبع الهجرية بشير بن سعد الأنصاري في ثلاثين رجلا الى بني (مرّة) بفدك، فخرج يلقى رعاء الشاء، فسأل عن بني مرّة، فقيل له: إنهم بواديهم، فاستاق النعم والشاء وانحدر الى المدينة المنورة.
وخرج الصريخ فأخبر بني مرّة، فأدركوا المسلمين عند الليل، فرموهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير، فلما أصبحوا حمل بنو مرة على المسلمين فقتلوهم وجرحوا بشيرا حتى ظنّ أنه مات، ولكنه عاد الى المدينة المنورة حيث شفي من جراحه هناك.
د- سرية غالب بن عبد الله الليثي الى الميفعة «١»:
بعث رسول الله ﷺ في رمضان سنة سبع الهجرية غالب بن عبد الله الى عوال وبني عبد بن ثعلبة وهم بالميفعة، وبعث معه مائة وثلاثين رجلا؛ فهجموا عليهم وقتلوا بعضهم ولم يأسروا أحدا، واستاقوا نعما وشاء الى المدينة المنورة.
هـ- سرية بشير بن سعد الأنصاري الى يمن «٢» وجبار «٣»:
بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان بالجناب «٤» قد واعدهم عيينة بن
_________________
(١) - الميفعة: هي وراء بطن نخل الى النقرة قليلا بناحية نجد، بينها وبين المدينة ثمانية برد. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١١٩.
(٢) - يمن: ماء لغطفان على الطريق بين تيماء وفيد. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٥٢٤.
(٣) - جبار: ماء لبني حميس من قضاعة بين المدينة وفيد. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ٤٣.
(٤) - جناب: موضع بعراض خيبر وسلاح ووادي القرى. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ١٤١، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٢٠.
[ ٣٠١ ]
حصن ليكون معهم في الزحف الى المدينة، فدعا رسول الله ﷺ بشير بن سعد في شوال سنة سبع الهجرية وعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا (يمن) و(جبار) وهي نحو (الجناب)، فنزلوا ب (سلاح) «١» ثم دنوا من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا. وتفرّق الرعاء فحذّروا القوم فتفرقوا وخرج بشير حتى أتى منطقتهم فلم يجد فيها أحدا، فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين أسرهما وقدم بهما المدينة فأسلما.
وسرية ابن أبي العوجاء السّلمي الى بني سليم:
بعث رسول الله ﷺ في ذي الحجّة سنة سبع الهجرية ابن أبي العوجاء السّلمي في خمسين رجلا الى بني سليم، فخرج إليهم، فتقدّمه عين لهم كان محذّرهم، فحشدوا جمعهم وقاتلوا المسلمين وأحدقوا بهم من كل ناحية؛ فقاتل المسلمون قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان الهجرية.
ز- سرية غالب بن عبد الله الليثي الى بني الملوّح بالكديد «٢»:
بعث رسول الله ﷺ في صفر سنة ثمان الهجرية غالب بن عبد الله الليثي ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية مؤلفة من بضعة عشر رجلا، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملّوح بالكديد، وهم من بني ليث.
وخرج غالب حتى إذا كان (بقديد) «٣» لقي رجلا زعم أنه خرج الى رسول الله ﷺ يريد الإسلام، فحجزه غالب وقال له: (إن تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة، وإن تكن على غير ذلك نستوثق منك)، وبذلك قطع غالب دابر احتمال أن يكون هذا الرجل عينا لبني الملوح.
_________________
(١) - سلاح: موضع اسفل من خيبر. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٥/ ١٠١.
(٢) - الكديد: موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلا من مكة. انظر معجم البلدان ٧/ ٢٢٤.
(٣) قديد: اسم موضع قرب مكة. انظر معجم البلدان ٧/ ٣٨.
[ ٣٠٢ ]
وسار المسلمون حتى أتوا (الكديد) عند غروب الشمس، فكمنوا في ناحية الوادي، فلما نام بنو الملوح شنوا عليهم الغارة واستاقوا النعم، وعادوا الى المدينة المنورة.
ح- سرية غالب بن عبد الله الليثي الى فدك:
بعث رسول ﷺ في صفر سنة ثمان الهجرية غالب بن عبد الله الليثي في مائتي رجل معهم أسامة بن زيد الى مصاب أصحاب بشير بن سعد. راجع ما جاء منها في الفقرة (ج) .
فخرج غالب وخطب أصحابه فقال: (لا تعصوني، فإن رسول الله ﷺ قال:
(من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، وإنكم متى ما تعصوني تعصون نبيكم)، فأغار المسلمون على بني (مرّة) مع الصبح فقتلوا منهم قتلى وأصابوا منهم نعما ثم عادوا الى المدينة، وقد أعطوا بني مرة درسا قاسيا لقتلهم سرية بشير بن سعد.
ط- سرية شجاع بن وهب الأسدي الى بني عامر بالسّيّ «١»:
بعث رسول الله ﷺ في ربيع الأول سنة ثمان الهجرية شجاع بن وهب الأسدي في أربعة وعشرين رجلا الى جمع من هوازن ب (السّيّ) ناحية (ركبة) «٢» من وراء (المعدن) «٣» وأمره أن يغير عليهم، فسار المسلمون ليلا وكمنوا نهارا حتى صبحوهم وهم غارّون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة بعد أن غابت السرية خمس عشرة ليلة.
_________________
(١) - السّيّ: معناه السواء ومنه هماسيان، وهي علم لفلاة على جادة البصرة الى مكة بين الشبيكة والوجرة، وهي في نجد. انظر معجم البلدان ٥/ ٢٠٣.
(٢) - ركبة: هي من أرض بني عامر بين مكة والعراق. انظر معجم البلدان ٤/ ٢٧٨.
(٣) - المعدن: معدن الهردة بنجد في ديار بني كلاب. انظر معجم البلدان ٨/ ٢٩٤.
[ ٣٠٣ ]
ي- سرية كعب بن عمير الغفاري الى ذات أطلاح «١»:
بعث رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ثمان الهجرية كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا الى (ذات أطلاح) من أرض الشام، فوجدوا جمعا من المشركين فدعوهم الى الاسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل؛ فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشدّ القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ، فأخبره الخبر فشقّ عليه ذلك. وهمّ أن يبعث إليهم من يؤدبهم لولا أنه علم بأنهم ارتحلوا الى موضع آخر.
٣- النتائج:
أ- توطيد هيبة المسلمين في المنطقة الشمالية (شمال المدينة) .
ب- حماية الدعاة من غدر القبائل بهم.
ج- انتشار الاسلام بين القبائل الشمالية.
غزوة مؤتة «٢»
١- أسباب الغزوة:
أ- تأديب الأعراب الذين غدروا بدعاة المسلمين ب (ذات أطلاح) على حدود الشام.
ب- تأديب شرحبيل بن عمرو الغساني عامل هرقل «٣» في القسطنطينية على
_________________
(١) - ذات أطلاح: موضع من وراء ذات القرى الى المدينة.
(٢) - مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ١٩٠ وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١٢٨. وهي قرية من قرى الكرك، ولما كان الكرك بداية مقاطعة مؤاب، فهي من مؤاب.
(٣) - امبراطور الروم وعاصمة ملكه القسطنطينية.
[ ٣٠٤ ]
(بصرى) ومن ينصره من القبائل، لسكوته عن اغتيال حامل رسالة الرسول ﷺ إليه.
٢- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
ثلاثة آلاف مسلم بقيادة زيد بن حارثة الكلبي فجعفر بن أبي طالب فعبد الله بن رواحة بالتعاقب.
ب- المشركون والروم:
مائة ألف من الروم بقيادة هرقل قيصر الروم ومثلها من القبائل الموالية بقيادة شرحبيل بن عمرو الغساني، كما نذكر كثير من المصادر التاريخية، ولكنني أعتقد أن هذا العدد مبالغ فيه كثيرا وأن الجيش لم يكن بقيادة هرقل نفسه، بل بقيادة أحد قادة جيوشه.
٣- الهدف:
تأديب القبائل لغدرها بالمسلمين، وإظهار قوة المسلمين للروم والقبائل المتاخمة للشام، ولاستطلاع قوة وكفاية قبائل الحدود المتاخمة لأرض الشام، وقوة وكفاية الروم أيضا، وطبيعة الأرض هناك.
٤- سير الحوادث:
أ- الأعمال التمهيدية:
خرج المسلمون في جمادى الأولى من السنة الثامنة الهجرية، فودّعهم الرسول ﷺ والمسلمون وأوصاهم: (ألا يقتلوا النساء والأطفال ولا المكفوفين وألا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار) .
وصلت قوات المسلمين (معان) «١» من أرض الشام، ولكنّ أنباء حركتهم
_________________
(١) - معان: مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٩٣.
[ ٣٠٥ ]
وصلت الى الروم قبل وصول المسلمين إليهم، فحشدوا قواتهم في (مآب) «١» من أرض البلقاء. فلما علم المسلمون بأمر جموع الروم المتفوقة على قواتهم فواقا ساحقا، تذاكروا بينهم، فرأى بعضهم أن يكتبوا الى النبي ﷺ يخبرونه بالموقف الراهن ويتلقّوا أوامره النهائية؛ ولكنّ أكثرهم رأى أن يمضوا الى هدفهم مهما تكن النتائج. قال لهم عبد الله بن رواحة: (يا قوم! والله إنّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة)
قال الناس: (صدق ابن رواحة) .
ب- القتال:
تحرّك المسلمون نحو جيوش الروم وحلفائهم من القبائل فحصلوا على التماس الأول في قرية (مشارف) «٢» بتخوم البلقاء.
ولكنّ المسلمين رأوا أن منطقة قرية (مؤتة) - بين الكرك والطفيلة- أنسب لقبول المعركة فيها، وذلك لوجود العوارض الطبيعية التي يستطيعون التحصّن بها نظرا لقلة قوتهم بالنسبة الى الأعداء.
بدأ القتال بين قوتين غير متكافئتين عددا وعددا، وقد لاحظ المسلمون تفوّق الروم وحلفائهم عليهم، ولكنهم لم يكترثوا بذلك.
وبدأ هجوم المسلمين باندفاع زيد بن حارثة ﵁ بالراية إلى صفوف العدو، فحارب مستقتلا مستميتا حتى مزقته رماح العدو.
_________________
(١) - مآب: مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٧/ ٢٤٩. ومآب، مؤاب: لواء الكرك حاليا في الاردن. وليست هناك بلدة باسم مآب، إلا أن تكون الكرك، إذ كان اسمها قديما (كيرك مؤابا. (Cherak Moaba
(٢) - مشارف: قرى قرب حوران منها بصرى من الشام ثم من أعمال دمشق. انظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٦٠.
[ ٣٠٧ ]
وتناول الراية جعفر بن أبي طالب ﵁ واندفع بها فأصيبت يده اليمنى، فتناول الراية بشماله فقطعت أيضا، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد.
وأخذ عبد الله بن رواحة الراية، فقاتل بها حتى قتل أيضا.
وتناول الراية ثابت بن أقرم البلوي، فهتف بالمسلمين: (يا قوم اصطلحوا على رجل منكم)
واصطلح الناس على خالد بن الوليد ﵁.
ج- الانسحاب «١»:
قرّر خالد بن الوليد ﵁ الانسحاب من هذه المعركة لانقاذ قوات المسلمين من المأزق الحرج الذي وقعوا فيه، واستفاد من حلول الظلام، فأعاد تنظيم قواته وألّف مؤخرة قوية لحماية الانسحاب.
قامت مؤخرة المسلمين بقتال التعويق لإحباط مطاردة العدو للمسلمين وإنقاذ القسم الأكبر من قوات المسلمين من التطويق الذي يعقبه الفناء، وقد انتشرت مؤخرة المسلمين في جبهة واسعة وأحدثت ضجة عالية لإيهام العدو بقدوم إمدادات جديدة للمسلمين، ولحرمان العدو من معرفة انسحاب قوات المسلمين حتى لا يطاردها العدو فيكبدها خسائر فادحة، وبذلك استطاعت هذه المؤخرة النجاح في مهمتها، فلم يتكبد المسلمون في انسحابهم خسائر تذكر على الرغم من أن حركة الانسحاب من أصعب الحركات العسكرية، لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين «٢» .
_________________
(١) - الانسحاب: تعبير عسكري يقصد به التملص من القتال بالحركة الى الخلف انتظارا لظروف مناسبة لاستئناف التعرض.
(٢) - مما يذكر أن قادة الالمان كانوا يدرسون خطة انسحاب خالد بن الوليد هذه، ولهم دراسات مفصلة عن هذه الخطة، وعلى رأسها دراسة مولتكه وشليغن عن هذه الخطة.
[ ٣٠٨ ]
وعاد المسلمون إلى المدينة ليستقبلهم أهل المدينة من المسلمين يحثون التراب في وجوههم قائلين لهم: (يا فرّار! أفررتم في سبيل الله)؟!
ولكنّ الرسول ﷺ أجابهم: (إنهم ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله) .
٥- خسائر الطرفين:
أ- المسلمون:
استشهد من المسلمين اثنا عشر رجلا. انظر الملحق (ي) .
ب- الروم والمشركون:
كانت خسائرهم أضعاف خسائر المسلمين مما أثّر في معنوياتهم، ولذلك لم يقوموا بمطاردة المسلمين مطاردة حاسمة تقضي على قواتهم كلها.
٦- النتيجة:
كانت معركة (مؤتة) معركة استطلاعية أفادت المسلمين كثيرا في معرفة خواص قوات الروم وأساليب قتالها، وخواص حلفائها من القبائل وأساليب قتالهم وقوتهم، فأفادوا من هذه المعلومات في قتالهم بعد ذلك ضد الروم.
ولا تعدّ خسائر المسلمين الطفيفة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكرية التي أفادوها من الاطلاع على خواص قوات الروم وحلفائها وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها، مما سنرى أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد.
غزوة ذات السلاسل «١»
١- أسباب الغزوة:
أ- أخذ ثأر المسلمين من القبائل التي اشتركت في غزوة (مؤتة)، وهي من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبليّ وطيء وعذرة.
_________________
(١) - ذات السلاسل: وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١٣١.
[ ٣٠٩ ]
ب- ضرب حشود قضاعة الذين اعتزموا مهاجمة المسلمين في المدينة.
٢- سير الحوادث:
قرّر الرسول ﷺ بعد عودة المسلمين من غزوة (مؤتة) أن يسترد هيبة المسلمين في المنطقة الشمالية للمدينة المنورة، فأرسل عمرو بن العاص يستنفر العرب الى الشام؛ وذلك لأن والدة عمرو من قبائل تلك المنطقة، فمن السهل عليه أن يستميلهم الى جانبه.
فلما وصل ماء (ذات السلاسل) من أرض جذام، خشي كثرة عدوه، فطلب من الرسول ﷺ أن يمده بالرجال، وبقي ينتظر المدد في موضع (ذات السلاسل) .
بعث الرسول ﷺ جيشا من المهاجرين الأولين في مائتين: فيهم أبو بكر وعمر بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵃، وأمره حين وجّهه نجدة لعمرو: (ألّا يختلفا وأن يكونا جميعا) .
ولما وصل أبو عبيدة بن الجراح، قال له عمرو: (إنما جئت مددا لي) .
قال أبو عبيدة: (لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه) !
قال عمرو: (أنت مدد لي) .
قال أبو عبيدة: (يا عمرو! إنّ رسول الله قال لي: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك)
أخذ عمرو يطارد القبائل الموالية للروم، فتوغل في ديار قبائل بليّ وعذرة وبلقين وطيء، وكلما انتهى الى موضع فرّت القبائل التي كانت فيه، واستطاع مرة واحدة الاصطدام بجموع من القبائل، ولكنها فرّت لا تلوي على شيء!
وبذلك شتت عمرو بن العاص جموع قبائل الشام، وأعاد هيبة المسلمين الى نفوس القبائل القاطنين هناك.
[ ٣١٠ ]
سرية الخبط «١»
بعث رسول الله ﷺ في رجب سنة ثمان الهجرية أبا عبيدة بن الجراح ﵁ في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار وفيهم عمر بن الخطاب ﵁، الى حيّ من جهينة ب (القبلية) «٢» مما يلي ساحل البحر الأحمر، فأصابهم في الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط وابتاع قيس بن سعد جزرا ونحرها لهم وانصرفوا ولم يلقوا كيدا.
سرية أبي قتادة الأنصاري إلى خضرة «٣»
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة ثمان الهجرية أبا قتادة بن ربعي الأنصاري ومعه خمسة عشر رجلا الى غطفان، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، ثم هجم على حاضر «٤» منهم عظيم فأحاط بهم، فصرخ رجل منهم: يا خضرة! وقاتل منهم رجال فقتل المسلمون بعضهم واستاقوا النعم والشاء وعادوا الى المدينة بعد أن غابوا عنها خمس عشرة ليلة.
سرية أبي قتادة الأنصاري إلى بطن إضم «٥»
لما همّ رسول الله ﷺ بغزو أهل مكة، بعث أبا قتادة الأنصاري في أول
_________________
(١) - الخبط: ورق الشجر.
(٢) - القبلية: سراة فيما بين المدينة وينبع، ما سال منها الى ينبع سمي بالغور، وما سال منها الى أودية المدينة سمي بالقبلية. راجع التفاصيل- في معجم البلدان ٧/ ٢٩، وهي مما يلي ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمس ليال. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١٣٢.
(٣) - خضرة: أرض محارب في نجد. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١٣٢.
(٤) - حاضر: من رمال الدهناء، والحاضر في الأصل خلاف البادي، والحاضر الحي العظيم. انظر معجم البلدان ٣/ ١٩٩.
(٥) - إضم: بين ذي خشب والمروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ١٣٣.
[ ٣١١ ]
شهر رمضان سنة ثمان الهجرية في ثمانية نفر سرية الى بطن (إضم) فيما بين (ذي خشب) و(ذي المروة) وبينها وبين المدينة ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه الى تلك الناحية حتى تذهب بذلك الأخبار فلا يعرف المشركون نياته الحقيقية في مهاجمة أهل مكة.
وصلت السرية هدفها دون أن تلقى كيدا، فلما بلغهم أن المسلمين توجهوا الى مكة انصرفوا حتى لقوا النبي ﷺ.
دروس من ثمرات الهدنة
١- القضايا التعبوية:
أ- المباغتة:
حركة الرسول ﷺ الى اتجاه (الرجيع) وعودته الى (خيبر) وقيامه بارسال مفرزة صغيرة الى ديار غطفان ليجبرها على العودة لحماية أموالها وذراريها والنكوص عن معاونة حلفائها يهود في محنتهم، أدّى الى إيهام غطفان بأن الرسول ﷺ يريدهم بقواته، وإيهام يهود بأنه يريد غطفان ولا يريدهم، كل ذلك كان مباغتة كاملة لليهود وغطفان على حد سواء.
كما يعتبر مسير اقتراب «١» قوات المسلمين الى (خيبر) ووصولها ليلا الى منطقة (خيبر) دون أن يستطيع يهود معرفة وصولها، يعتبر ذلك مثالا متميزا لضبط المسير ومباغتة فذّة لليهود.
هذه المباغتة في المكان والزمان حالت دون تعاون يهود مع حلفائهم وضمنت النصر للمسلمين عليهم، بالرغم من استقتالهم ورصانة حصونهم وتيسر قضاياهم الإدارية بشكل متميّز للغاية.
_________________
(١) - مسير الاقتراب: تعبير عسكري يقصد به تقدّم القوة لمجابهة عدو احتل موضعا دفاعيا أو في حالة المسير.
[ ٣١٢ ]
ب- قتال المدن والأحراش:
خطة الرسول ﷺ في الاستيلاء على حصون يهود المنيعة، كانت تتلخص بمشاغلة بعضها بقوات صغيرة، وتركيز الهجوم على حصن واحد بقواته الرئيسة، حتى يتم له الاستيلاء على الحصن، ثم ينتقل بهجومه المركّز الى حصن آخر.
كما أنه قسّم قواته الى أقسام بالنسبة الى قبائلها وبطونها، وجعل لكل قسم منها قائدا، حتى يشتدّ التنافس بين القوات، ولكي يقوم بعضها بالمشاغلة بينما يأخذ الباقي قسطه من الراحة ليستأنف القتال مرتاحا عند الحاجة.
إنّ هذه الخطة تتفق مع أحدث الخطط العسكرية الحديثة في قتال المدن والأحراش.
ولو أنه قاتل بأسلوب (الكر والفر)، أو بأسلوب (الصفوف) في مثل هذا الموقف، لما كتب للمسلمين النصر على يهود.
ج- الانسحاب:
يعتبر نجاح خالد بن الوليد ﵁ في انسحابه من (مؤتة) تجاه قوات متفوقة على قوته فواقا ساحقا، يعتبر هذا الانسحاب عملا عسكريا فذّا.
كما أن أسلوب قتال مؤخرة قوات المسلمين كان رائعا حقّا: احتلت جبهة واسعة لتجبر العدو على الانفتاح على جبهة واسعة أيضا، مما يضعف قواته، وأثارت تلك المؤخرة ضجّة عظيمة، مما جعل العدو يعتقد بوجود قوات كبيرة للمسلمين جاءت مددا لهم.
كل ذلك أنقذ قوة القسم الأكبر «١» للمسلمين من التطويق، وسهّل عليهم عملية الانسحاب.
_________________
(١) - القسم الأكبر: تعبير عسكري يقصد به القوة الرئيسة التي تعمل مفارز الحماية المتقدمة على حمايته من مباغتة العدو.
[ ٣١٣ ]
٢- المعنويات:
أثّرت عمرة القصاء في معنويات قريش تأثيرا كبيرا.
وقف كثير من قريش عند دار الندوة بمكة، كما عسكر آخرون فوق الجبال والهضاب المحيطة بها ليشاهدوا دخول الرسول ﷺ وأصحابه مكة والبيت الحرام وسعيهم بين الصفا والمروة.
فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: (رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة) ثم استلم الركن وأخذ يهرول ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت عن قريش.
والتطواف بهذه السرعة إظهار لقوة المسلمين وتكذيب لإشاعات الضعف التي زعمتها قريش للناس.
في هرول وهرول أصحابه حين سعوا بين الصفا والمروة.
ونحر الرسول ﷺ وأصحابه الهدي عند المروة، ثم بقي بمكة ثلاثة أيام وعاد بعدها الى المدينة، وهو لا يشك بتأثير ما رأته قريش من قوة المسلمين ومن ضبطهم وإطاعتهم للرسول ﷺ ومن تعظيمهم للبيت الحرام في معنويات قريش، فلم يكد يترك مكة حتى وقف خالد بن الوليد ﵁ يقول في جمع من قريش قائلا: (لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحقّ على كل ذي لب أن يتبعه) .
وسمع أبو سفيان بن حرب بما كان من قول خالد بن الوليد، فبعث في طلبه وسأله عن صحة ما سمع عنه، فأكد له خالد صحته، فاندفع أبو سفيان الى خالد في غضبه، فحجز عنه عكرمة بن أبي جهل وكان حاضرا! وقال:
(مهلا يا أبا سفيان! فو الله خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه.
[ ٣١٤ ]
أنتم تقتلون خالدا على رأي رآه، وهذه قريش كلها تبايعت عليه، والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم) .
وأسلم من بعد خالد عمرو بن العاص وحارس الكعبة نفسها عثمان بن طلحة ﵃؛ بل ظهر الإسلام في كل بيت من قريش سرا وعلانية.
إنّ عمرة القضاء فتحت أبواب قلوب أهل مكة قبل أن يفتح المسلمون أبواب مكة نفسها بعد حين.
٣- الامانة:
أ- حرص المسلمون على الوفاء بعهودهم كل الحرص، ولم يحاولوا بتاتا أن ينتهزوا الفرص السانحة للقضاء على خصومهم حرصا على الوفاء بتلك العهود.
كان بامكان المسلمين احتلال مكة في أيام عمرة القضاء والبقاء فيها، وفعلا أراد عبد الله بن رواحة ﵁ أن يقذف في وجه قريش بصيحة الحرب، فصدّه عمر بن الخطاب ﵁ وصدّه الرسول ﷺ.
ب- كان المسلمون في غزوة خيبر يعانون أشد العناء من نقص في مواد إعاشتهم حتى جاءت جماعة من المسلمين الى الرسول ﷺ يشكون اليه قلة مئونتهم ويطلبون اليه إعطاءهم ما يسدون به رمقهم، فلم يجد شيئا يعطيهم إياه، وأذن لهم بأكل لحوم الخيل على ندرتها وقيمتها العسكرية الكبيرة حين ذاك.
في هذا الموقف العصيب، أقبل عبد حبشي بغنمه على رسول الله ﷺ فأسلم، ثم قال: (يا نبي الله! إن هذه الغنم عندي أمانة)، وكانت هذه الغنم تعود الى يهودي من (خيبر) . قال له الرسول ﷺ: (أخرجها من عندك وارمها بالحصباء، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك)
فعل العبد ما أمره به الرسول ﷺ، فرجعت الغنم الى صاحبها، فعلم اليهودي أن غلامه أسلم.
[ ٣١٥ ]
إنّ مثل هذه الأمانة في مثل هذا الموقف تدعو الى الإعجاب والتقدير الشديدين.
٤- إكمال الحشد:
أ- الهدف:
حشد أكبر قوة ممكنة من المسلمين للقيام بالعمل الحاسم: فتح مكة وتوحيد شبه الجزيرة العربية، لتكون القاعدة الأمينة لحركات المسلمين المقبلة، لنشر الإسلام بين الناس كافة، وتأسيس الدولة الإسلامية.
ب- عودة مهاجري الحبشة:
التجأ قسم من المسلمين الى الحبشة قبل هجرة الرسول ﷺ الى المدينة فرارا من أذى قريش، وبقوا هناك بضعة عشر عاما، حتى أصبح سلطان المسلمين قويا، ولم يبق هناك مبرر لبقائهم في الحبشة بعيدين عن إخوانهم المسلمين الذين يحتاجون لمعاونتهم في نشر الدعوة وتوطيد دعائم الإسلام.
وفعلا بعث الرسول ﷺ الى النجاشي يطلب إليه إعادة مهاجري الحبشة، فعادوا الى المدينة بعد فتح (خيبر) مباشرة، ففرح المسلمون بقدوم هؤلاء المهاجرين، واندمجوا بقوات المسلمين ليقوموا بواجبهم في الجهاد.
٥- نشر الاسلام:
دعوة الملوك والأمراء والرؤساء للإسلام.
راجع الملحقين المرفقين الملحق (ك) والملحق (ل) حول دعوة الملوك والأمراء والرؤساء المسيطرين على البلاد العربية حين ذاك، من النصارى الذين كانوا يدينون بدين الروم، ومن المجوس الذين كانوا يدينون بدين الفرس.
لقد أتاحت مكاتبات الرسول ﷺ لهؤلاء الفرصة لانتشار الإسلام خاصة في
[ ٣١٦ ]
منطقة البحرين وفي اليمن، كما أتاحت الفرصة لعدد عظيم من الناس أن يعرفوا أهداف الدين الجديد وغاياته، مما جعل قلوب كثيرين منهم تهوي إليه سواء تظاهروا بذلك أم أبقوه في طي الكتمان.
إن انتشار الاسلام في اليمن له أهمية خاصة من الناحية العسكرية، فقد جعل قريشا مطوقة بالمسلمين من الشمال والجنوب.
وبذلك تقرر مصير مكة وقريش نهائيا.
٦- القضايا الادارية:
أ- الإعاشة:
كانت مواد الاعاشة قليلة جدا عند المسلمين في غزوة (خيبر)، فجاع قسم منهم، ولم يجد الرسول ﷺ شيئا عنده ليسد به رمقهم، ولكنّ تداعي حصون (خيبر) التي تكدست فيها الأرزاق واستسلامها للمسلمين حسّن موقف الإعاشة عند المسلمين.
أما يهود فقد كان موقف إعاشتهم متميزا.
ب- الماء:
استفاد يهود من الآبار وبعض العيون في غزوة (خيبر) لتموينهم بالماء، وعندما علم المسلمون بذلك، سيطروا على المياه خارج الحصون وحرموا يهودا منها، مما سهّل عليهم استسلام الحصون.
ج- الصحة:
كان جو (خيبر) وخما وفي المنطقة كثير من المستنقعات، فأدى ذلك إلى إصابة المسلمين بالحميات.
وقد أفاد المسلمون من النساء في غزوة (خيبر) لتمريض الجرحى والمرضى.
[ ٣١٧ ]
د- المجندات:
أفاد المسلمون من النساء المتطوعات في غزوة (خيبر)؛ لإدامة المقاتلين بالسهام والنبال، ولتهيئة السويق وتضميد الجرحى والمرضى وتمريضهم.
هـ- الغنائم:
قسمت غنائم (خيبر) بالتساوي بين المقاتلين، وقد كانوا ممن حضر صلح الحديبية وبيعة الرضوان، كما أشرك الرسول ﷺ في الغنائم مهاجري الحبشة العائدين منها توّا الى أحضان المسلمين؛ لأن حالتهم الاقتصادية كانت رديئة للغاية، ولا بد من مكافأتهم لإخلاصهم وعنائهم بهجرتهم الى الحبشة وبقائهم هناك بضعة عشر عاما.
وأسهم للنساء المتطوعات من مواد الإعاشة فقط كما أسهم للرجال.
٧- النتائج:
كانت نتائج فترة هدنة الحديبية ما يلي:
أ- القضاء الأخير على يهود في شبه الجزيرة العربية.
ب- السيطرة على القبائل العربية شمال المدينة المنورة وجنوبها.
ج- التأثير في معنويات قريش وحلفائها مما سهّل فتح مكة.
د- انتشار الإسلام انتشارا عظيما داخل الجزيرة العربية.
كل ذلك جعل المسلمين يعيدون تنظيم صفوفهم على أسس مكينة، وينجزون حشد قواتهم بحيث أصبحت أكبر قوة في شبه الجزيرة العربية كلها.
[ ٣١٨ ]
الملحق (ح): شهداء المسلمين في غزوة خيبر
من قريش ثم من بني أمية بن عبد شمس ثم من حلفائهم:
١- ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو.
٢- ثقف بن عمرو.
٣- رفاعة بن مسروح.
من بني أسد بن عبد العزّى:
٤- عبد الله بن الهبيب (ويقال الهبيب) من كنانة وابن أختهم.
من بني زهرة:
٥- مسعود بن ربيعة (حليف لهم من القارة) .
من الانصار ثم من بني سلحة:
٦- بشر بن البراء بن معرور ومات من الشاة التي سمّ فيها رسول الله ﷺ.
٧- فضيل بن النعمان.
من بني زريق:
٨- مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة.
من الاوس ثم من بني عبد الاشهل:
٩- محمود بن مسلمة بن خالد (حليف لهم من بني حارثة) .
[ ٣١٩ ]
من بني عمرو بن عوف:
١٠- أبو ضيّاح بن ثابت بن النعمان.
١١- الحارث بن حاطب.
١٢- عروة بن مرّة بن سراقة.
١٣- أوس بن القائد.
١٤- أنيف بن حبيب.
١٥- ثابت بن أثلة.
١٦- طلحة بن يحيى بن مليل.
١٧- أوس بن قتادة.
١٨- مبشّر بن عبد المنذر.
من غفار:
١٩- عمارة بن عقبة (رمي بسهم) .
من أسلم:
٢٠- عامر بن الأكوع.
٢١- الأسود الراعي واسمه أسلم (من أهل خيبر أسلم واستشهد) .
[ ٣٢٠ ]
الملحق (ي): شهداء المسلمين في غزوة مؤتة
١- زيد بن حارثة- الأمير الأول.
٢- جعفر بن أبي طالب- الأمير الثاني بعده.
٣- عبد الله بن رواحة- الأمير الثالث.
٤- مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة، من بني عدي بن كعب.
٥- وهب بن سعد بن أبي سرح، من بني حسل، ثم من بني عامر ابن لؤي
٦- عبّاد بن قيس، وهو عبد الله بن رواحة من بني الحارث بن الخزرج.
٧- الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة بن عوف بن غنم بن مالك ابن النجار.
٨- سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول، من بني مازن ابن النجار.
٩- أبو كليب وقيل: أبو كلاب بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول.
١٠- أخوه جابر بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول.
١١- عمرو بن سعد بن الحارث بن عبّاد بن سعد بن عامر بن ثعلبة من بني النجار.
١٢- وأخوه عامر بن سعد من بني النجار.
[ ٣٢٤ ]
عودة المستضعفين
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) .
(القرآن الكريم)
[ ٣٢٩ ]