الموقف العسكري العام
المسلمون
١- في مكة المكرمة (الوحدة والتوحيد من أجل الجهاد):
أ- الدعوة سرا:
بدأ العمل للحشد العسكري منذ نزل الوحي على الرسول ﷺ، فأخذ يدعو الناس الى توحيد الله وتزكية نفوسهم وتطهيرها، وتوحيد الصفوف وفناء مصلحة الفرق في مصلحة الجماعة: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) «١» .
عرض الرسول ﷺ الاسلام على آل بيته وأصدقائه الذين يعتمد عليهم، فآمن به الصفوة المختارة الذين كوّنوا النواة الأولى لجيش المسلمين
واستمرت الدعوة سرا ثلاث سنين حتى نزل قول الله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) «٢» .
لقد جاهد الرسول ﷺ في هذه الفترة ليوحد الله ويوحد العقيدة ويوحد الصفوف ويوحّد الهدف.
ب- الدعوة علنا:
أخذ الرسول ﷺ يدعو قريشا الى الاسلام علنا، وابتدأت قريش تظهر خصومتها للدعوة، وأخذت خصومتهم تشتدّ وتعنف كلما زاد عدد المسلمين.
_________________
(١) - الآية الكريمة من سورة الحجر ١٥: ٩٤.
(٢) - الآية الكريمة من سورة الشعراء ٢٦: ٢١٤.
[ ٦٣ ]
اعتبرت قريش المسلمين عصاة ثائرين، فاستباحت في الحرم الآمن الدماء والأموال من المستضعفين المسلمين ممن لا أعوان لهم يدفعون عنهم الظلم والعدوان.
أسلم عمّار بن ياسر وأسلم أبوه وأمّه، فكان المشركون يخرجونهم في الظهيرة الى العراء فيعذبونهم بحرّها، فمات ياسر من العذاب، وأغلظت امرأته القول لأبي جهل، فطعنها بحربة فماتت هي أيضا.
ولاقى مثل هذا العذاب ومثل هذا المصير كثير من المستضعفين.
ولم تكتف قريش بذلك، بل شنّت حربا من السخرية على الرسول ﷺ وعلى أصحابه، فزعموا أن الرسول ساحر، وزعموا أنه كاهن أو شاعر أو مجنون.
وسيطرت قريش على القبائل الوافدة الى مكة المكرمة للحج أو للزيارة أو لأغراض أخرى، فخصصوا جماعة منهم لاستقبال الوافدين لينفروهم عن محمد ﷺ ودعوته.
ولكنّ الرسول ﷺ كان يذهب الى الحجيج في مجامعهم، ويطلب منهم النصرة على مشهد من رجال قريش.
واشتدت مقاومة قريش للمسلمين، فأوعز الرسول ﷺ الى المستضعفين منهم والى قسم من أصحابه أن يهاجروا الى الحبشة، وكان ذلك في السنة الخامسة من مبعثه.
ورأت قريش انتشار الاسلام، فعزمت على عقد معاهدة تعتبر فيها المسلمين ومن يرضى بدينهم أو يعطف عليهم أو يحمي أحدا منهم حزبا واحدا: لا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعون منهم شيئا، ولا يزوجونهم أو يتزوجون منهم؛ وكتبوا ذلك في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة توكيدا لنصوصها، فاضطر
[ ٦٤ ]
الرسول ﷺ ومن معه أن يلتجئوا الى شعب بني هاشم «١»، وانحاز إليهم بنو المطّلب كافرهم ومؤمنهم عدا أبا لهب، فقد آزر قريشا في خصومتها لقومه.
واشتد الحصار على المسلمين، فقلّ غذاؤهم وكساؤهم، وبلغ بهم الجهد أقصاه، ومع ذلك لم تفتر خصومة قريش في حملتها على الاسلام وأصحابه وتأليبها العرب عليهم في كل مكان.
وتحمّل المسلمون هذه المحنة ثلاث سنوات، حتى تيقظ ضمير بعض أفراد قريش، فنقضوا صحيفة القطيعة.
ج- بيعة العقبة الأولى:
قدم سويد بن الصامت «٢» من الأوس الى مكة حاجا، فتصدى له الرسول ﷺ ودعاه الى الاسلام، فقال سويد: (إن هذا القول حسن) ثم انصرف الى المدينة وأخبر قومه بما سمع، ولكنه قتل يوم (بعاث) «٣» عند نشوب القتال بين قومه الأوس وأعدائهم الخزرج من أهل المدينة المنوّرة.
_________________
(١) - شعب بني هاشم: وهو شعب أبي يوسف بالقرب من مكة المكرمة، آوى إليه رسول الله (ص) وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٥/ ٢٧٠.
(٢) - سويد بن الصامت بن خالد بن عقبة الأوسي: في إسلامه شك، وقد قدم معتمرا فدعاه رسول الله (ص) الى الإسلام فلم يبعد، وقال: (إن هذا القول حسن) ثم انصرف فقتل، فكان رجال قومه يقولون: إنا لنراه مسلما. أنظر ترجمته في التسلسل ٣٨١٢ من الإصابة ٣/ ١٨٩.
(٣) - بعاث: موضع في نواحي المدينة كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٢/ ٢٢٣.
[ ٦٥ ]
وخرج الرسول ﷺ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج، فرأى سبعة رجال من الخزرج عند (العقبة) «١»، فعرض عليهم الاسلام، فأجابوه وصدّقوه.
فلما عاد هؤلاء الى المدينة المنورة، ذكروا إسلامهم لقومهم، ودعوهم الى الاسلام، فانتشر الاسلام في المدينة المنورة.
وبعد عام واحد قدم الى مكة في موسم الحج اثنا عشر رجلا، فلقوا الرسول ﷺ في (العقبة)، فبايعوه على الايمان بالله وحده والاستمساك بفضائل الأعمال والبعد عن الحمية الجاهلية.
وبعث النبي ﷺ مصعب بن عمير «٢» ليتعهّد انتشار الاسلام في المدينة المنورة ويقرأ على أهلها القرآن ويفقههم في الدين، فدخلت في الاسلام جموع غفيرة من أهل (يثرب) «٣» .
إن بيعة (العقبة) أول نجاح عسكري للرسول ﷺ خارج مكة المكرمة،
_________________
(١) - العقبة: هو الجبل الطويل يعرض للطريق فيأخذ فيه وهو طويل صعب الى صعود الجبل، يقع بين منى ومكة، وبين العقبة ومكة نحو ميلين، وعندها اليوم مسجد، ومنها ترمى جمرة العقبة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٧/ ١٩١- ١٩٢.
(٢) - مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري أحد السابقين الى الإسلام، أسلم قديما والنبي (ص) في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، فلما علموا بذلك أوثقوه فلم يزل محبوسا الى أن هرب مع من هاجر الى الحبشة، ثم رجع مع من رجع الى مكة. ولما انصرف الناس من العقبة بعثه النبي (ص) الى المدينة يفقههم. وفي صحيح البخاري: (أول من قدم علينا المدينة مصعب بن عمير وابن أم مكتوم) . شهد بدرا ثم أحدا وكان معه اللواء فاستشهد. وكان أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه، وقد رآه النبي (ص) مرة فبكى للذي كان فيه من النعمة ولما صار إليه من الفقر. أنظر التفاصيل في الاصابة التسلسل ٧٩٩٦ في ٦/ ١٠١، وأسد الغابة ٤/ ٣٦٨.
(٣) - يثرب: مدينة رسول الله (ص) سماها طيبة وطابة كراهية للتثريب، وسميت مدينة الرسول لنزوله بها. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٨/ ٤٩٨.
[ ٦٦ ]
إذ انتشر الاسلام في (يثرب)، فأصبح للنبي ﷺ فيها جنود يعتمد عليهم في الملمات
د- بيعة العقبة الثانية:
لما انتشر الاسلام في المدينة المنورة، خرج منها سبعون رجلا من المسلمين مع قومهم المشركين يريدون لقاء الرسول ﷺ في موسم الحج في مكة؛ فلما وصلوا، واعدوا الرسول أن يجتمعوا به ليلا في (العقبة) .
ومضى ثلث الليل فأخذوا يتسللون جماعات صغيرة الى المثابة «١» في (العقبة)، حتى اجتمع هناك سبعون رجلا من الأوس والخزرج معهم امرأتان: نسيبة بنت كعب أم عمارة «٢» وأسماء بنت عمرو بن عدي «٣» .
وجاء النبي ﷺ ومعه عمّه العباس وهو حينذاك كافر، ولكنه أراد أن يطمئن الى مصير ابن أخيه.
_________________
(١) - المثابة: الملجأ. والمثابة: مجتمع الناس.
(٢) - نسيبة بنت كعب الخزرجية الأنصارية أم عمارة: شهدت بيعة العقبة الثانية وكان معها زوجها زيد بن عاصم وابناها منه حبيب الذي قتله مسيلمة الكذاب بعد وعبد الله. شهدت (أحدا) مع زوجها زيد. قالت نسيبة: خرجت يوم (أحد) ومعي سقاء فيه ماء، فانتهينا الى رسول الله (ص) وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت الى رسول الله (ص) فكنت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي. قال رسول الله (ص) عنها: (ما التفت يمينا ولا شمالا يوم (أحد) إلا وأنا أراها تقاتل دوني) . شهدت اليمامة تحت راية خالد بن الوليد ومعها ابنها عبد الله وقطعت يدها في الحرب وجرحت اثني عشر جرحا. أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٨/ ٤١٢، والإصابة ٨/ ١٩٨، والاستيعاب ٤/ ١٩٤٨ في التسلسل ٤١٩٠، وفتح الباري بشرح البخاري ٦/ ٥٩.
(٣) - أسماء بنت عمرو بن عدي الأنصارية السلمية أم معاذ بن جبل، كنيتها أم منيع، كانت مع من شهد العقبة الثانية مع السبعين. أنظر التفاصيل في الإصابة ٨/ ٨، في التسلسل ٤٧.
[ ٦٧ ]
وتكلم العباس وتكلم بعده الرسول ﷺ وتلا القرآن ورغّب في الاسلام، ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فبايعوه على ذلك وهم يقولون: (لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا «١»، فبايعنا يا رسول الله، فو الله نحن أبناء الحروب، وأهل الحلقة «٢» ورثناها كابرا عن كابر) .
وأمرهم الرسول ﷺ أن يخرجوا اثني عشر نقيبا «٣» يكونون على قومهم، فأخرجوا منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس وبذلك بدأ الرسول ﷺ بتنظيم أتباعه خارج مكة المكرمة.
واستمع أحد المشركين- وهو يتجوّل مصادفة بين مضارب الخيام ومنازل الحجيج- ما دار في هذا الاجتماع، فصرخ ينذر أهل مكة: إن محمدا والصبّاء «٤» معه قد اجتمعوا على حربكم.
لم يكترث المبايعون بانكشاف أمرهم، بل أرادوا مهاجمة قريش بأسيافهم، ولكنّ الرسول ﷺ أمرهم بالعودة الى رحالهم لأن الله ﷾ لم يأذن لهم بالقتال بعد
فلما أصبحوا جاءهم رجالات قريش فقالوا: (يا معشر الخزرج! إنه قد بلغنا أنكم جئتم الى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم) .
_________________
(١) - أزرنا: يعني نساءنا، والمرأة يكنى عنها بالإزار.
(٢) - الحلقة: السلاح عامة، والدروع خاصة.
(٣) - النقيب: كبير القوم المعنيّ بشؤونهم. وفي التنزيل العزيز: (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) .
(٤) - الصبّاء: من يتركون دينهم ويدينون بآخر.
[ ٦٨ ]
ولكن مشركي الخزرج الذين لم يكونوا يعلمون بتفاصيل بيعة (العقبة)، حلفوا لقريش: (إنه ما كان من هذا الشيء وما علموه)، فصدّقت قريش.
إن بيعة العقبة الثانية نجاح عسكري آخر للرسول ﷺ.
هـ- الحشد في المدينة المنورة:
أمر الرسول ﷺ مسلمي مكة المكرمة بالهجرة الى إخوانهم في المدينة المنورة، فهاجر المسلمون بالتعاقب تاركين أموالهم وأهليهم هناك.
واجتمع رجالات قريش في (دار الندوة)، وقرّروا أن يأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسطا فتيا، ثم يعطون كل فتى من هؤلاء سيفا صارما، ويرسلونهم لاغتيال الرسول ﷺ، حتى يتفرق دمه في القبائل كلها، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلها، فيرضون بالديّة.
ولكن الرسول ﷺ، علم بهذه المؤامرة فهاجر مع أبي بكر الصديق ﵁ الى المدينة المنورة ليلة تنفيذها، واستطاع الوصول سالما الى المدينة، على الرغم من تشبّث قريش الشديد بالقبض عليه.
وترامت أخبار المهاجر العظيم الى المدينة، فكان أهلها يخرجون كل صباح لاستقباله، فإذا اشتد الحرّ عادوا الى بيوتهم؛ فلما وصل قريبا من المدينة، خرج أهلها لاستقباله بالسلاح، ولبست المدينة حلّة العيد
إن هجرة الرسول ﷺ الى المدينة المنورة معناها: اجتماع القائد بجنوده في قاعدتهم الأمينة وبهجرة رسول الله ﷺ الى المدينة المنورة نشأت الدولة الاسلامية، فتاريخ هذه الدولة مقترن بالتاريخ الهجري، وباستقراره ﵊ في المدينة ظهر عنصر (السلطة) متركزة في شخصه الكريم باعتباره الرئيس الأعلى لجماعة المسلمين التي اتخذت المدينة المنورة مقرا لها وقاعدة أمينة.
[ ٦٩ ]
٢- في المدينة المنورة: (الجهاد من أجل الوحدة والتوحيد) .
أ- بناء المسجد:
انتخب الرسول ﷺ موضعا لبناء مسجده في المدينة المنورة، وبدأ بناءه باللبن، والحجارة واشترك مع أصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم، فتم بناء المسجد: فراشه الرمل والحصى، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع.
وتم ببناء هذا المسجد بناء (الثّكنة) «١» الأولى في الاسلام
ب- الاخوّة:
آخى الرسول ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، حتى يتعاونوا على أسباب العيش ويكون الجميع يدا واحدة تعمل لهدف واحد.
آخى بين عبد الرحمن بن عوف «٢» وسعد بن الربيع «٣»، فقال سعد لعبد الرحمن:
_________________
(١) - الثكنة: مجتمع الجند، جمع ثكن وثكنات.
(٢) - عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي يكنى أبا محمد، كان اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله (ص): عبد الرحمن. ولد بعد الفيل بعشر سنين أي سنة أربع وأربعين قبل الهجرة (٥٨٠ م)، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله (ص) (دار الأرقم)، وكان من المهاجرين الأولين، جمع الهجرتين جميعا: هاجر الى الحبشة وهاجر الى المدينة. آخى الرسول (ص) بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله (ص)، وبعثه الرسول (ص) الى (دومة الجندل) الى بني كلب وأوصاه بوصاياه لأمراء سراياه. كان أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب ﵁ الشورى فيهم. وصلى رسول الله (ص) خلفه في سفرة وقال عنه: (عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء وأمين في الأرض) . وكان أمين رسول الله (ص) على نسائه. كان يحترف التجارة والبيع والشراء فاجتمعت له ثروة كبيرة: تصدق يوما بقافلة فيها سبعمائة راحلة تحمل الحنطة والدقيق والطعام، ولما حضرته الوفاة أوصى بألف فرس وخمسين ألف دينار في سبيل الله، وله في الصحيحين خمسة وستون حديثا. وقد توفي بالمدينة المنورة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة (٦٥٢ م) . أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٣/ ١٢٤، والإصابة ٤/ ١٧٦، تسلسل ٥١٧١، وأسد الغابة ٣/ ٣١٣، والاستيعاب ٢/ ٨٤٤، التسلسل ١٤٤٧، والأعلام ٤/ ٩٥.
(٣) - سعد بن الربيع الخزرجي الأنصاري: أحد النقباء، شهد بيعة العقبة الأولى-
[ ٧٠ ]
(إني أكثر الأنصار مالا، فاقسم مالي الى نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمّها لي، أطلّقها؛ فإذا انقضت عدّتها، فتزوجها)
هذا مثال من الإيثار الذي كان نتيجة لهذا التآخي.
وظلت عقود الإخاء مقدّمة على حقوق القرابة في توارث التركات الى موقعة (بدر)، حيث استقرّ أمر المسلمين؛ فألغى التوارث بعقد الأخوّة ورجع الى زوي الرحم
إن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد: يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد، بإمرة قائد واحد.
ج- المعاهدات «١»:
عقد الرسول ﷺ معاهدة بين المسلمين من جهة ويهود والمشركين من أهل المدينة المنورة من جهة أخرى، وادعهم فيها وأقرّهم على دينهم وأموالهم.
_________________
(١) - والثانية وشهد (بدرا) وقتل يوم (أحد) . قال رسول الله (ص) يوم (أحد): (من يأتيني بخبر سعد بن الربيع)؟ فقال رجل: أنا. وذهب الرجل يطوف بين القتلى، فقال له سعد: (ما شأنك)؟ قال: بعثني رسول الله (ص) لآتيه بخبرك، فقال سعد: (فاذهب إليه فأقرئه مني السلام وأخبره أني طعنت اثنتي عشرة طعنة، وأني قد أنفذت مقاتلي، وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله (ص) وأحد منهم حي)، فرجع الرجل الى النبي (ص) فأخبره، فقال: (رحمة الله! نصح لله ولرسوله حيا وميتا) . آخى رسول الله (ص) بينه وبين عبد الرحمن بن عوف فأراد أن يناصفه أهله وماله، وكان له زوجتان، فقال له عبد الرحمن: (بارك الله لك في أهلك ومالك! دلوني على السوق) . أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد ٧/ ٦١٢، والإصابة ٣/ ٧٧، التسلسل ٣١٤٧، وأسد الغابة ٢/ ٢٧٧، والاستيعاب ٢/ ٥٨٩، التسلسل ٩٣١.
(٢) - نص المعاهدة: -
[ ٧١ ]
وفي هذه المعاهدة نظّم الرسول ﷺ الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية لسكان المدينة المنورة من المسلمين والمشركين ويهود.
_________________
(١) - بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم إنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم (أي على أمرهم الذي كانوا عليه) يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، (ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار الى أن قال) وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا (أي المثقل بالدين والعيال)، بينهم أن يعطوه بالمعروف وفي فداء أو عقل. ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم (أي طبيعته) أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن. وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم. وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإن من تبعنا من اليهود فان له النصر والأسوة (أي المساواة في المعاملة) غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وأن المؤمنين يبيء بعضهم عن بعض (أي أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض فيما ينال دماءهم) بما نال دماءهم في سبيل الله. وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط (أي قتله بلا جناية كانت منه أو جريرة توجب قتله) مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به إلا أن يرضي ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحلّ لهم إلا قيام عليه، وأنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا (أي جانيا) ولا يؤويه، وإنه من نصره وآواه فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده الى الله والى محمد ﵊، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم، فانه لا يوتغ (أي يهلك ويفسد) إلا نفسه وأهل بيته. وإن ليهود بني النجار ويهود بني الحارث ويهود بني ساعدة ويهود بني جشم ويهود بني الأوس، ويهود بني ثعلبة ولجفنة ولبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف. وإن موالي ثعلبة كأنفسهم. وإن بطانة يهود كأنفسهم. وأن لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وإنه لا يتحجر (أي لا يلتئم جرح) على ثأر جرح وإنه من فتك فبنفسه وأهله إلا من ظلم. وإن الله على أبر هذا. وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة. وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفة. وإن النصر للمظلوم. وإن-
[ ٧٢ ]
نظّم بها الحياة الاقتصادية، فالفقير يجد معاونة من الغني في معيشته وفك ديونه وتحمّل فدائه وديّته.
ونظّم بها الحياة الاجتماعية، فالجار له حرمة من جاره، وسكان المدينة المنورة آمنون فيها من القتل والاغتيال والغدر، ولكل دينه الذي هو عليه، والمجرم ينال عقابه على جرمه دون أن يحول دون تنفيذ العقاب عليه حائل، وليس هناك ما يفرّق بين الصفوف من دين أو أغراض أخرى.
هاتان الناحيتان: الاقتصادية والاجتماعية، واضحتان ومفهومتان في هذه المعاهدة، وإنما يهمنا الناحية العسكرية فيها بالدرجة الأولى.
لقد نصّت المعاهدة على قيادة محمد ﷺ لسكان المدينة المنورة كافة: مسلمين ومشركين ويهود. فإليه يرجع الأمر كله، وله أن يحكم في كل اختلاف يقع بين السكان، وبذلك أصبح النبي ﷺ (قائدا) في المدينة المنورة.
كما نصّت المعاهدة على تعاون أهل المدينة في ردّ كل اعتداء يقع عليها من الخارج، وبذلك توحّدت صفوف أهل المدينة وأصبح لهم هدف، هي الدفاع عن المدينة ضد كل اعتداء خارجي.
_________________
(١) - اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن (يثرب) حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث او اشتجار يخاف فساده، فان مرده الى الله والى محمد رسول الله. وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة، وأبره، وانه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم (يثرب)، وإذا دعوا الى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه. وإنهم إذا دعوا الى مثل ذلك فان لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصّتهم من جانبهم الذي قبلهم. وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة. وإن البر دون الاثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه. وإن الله أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإن من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم وإن الله جار لمن برّ واتقى.
[ ٧٣ ]
كما أعلنت المعاهدة بصراحة، أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالا لقريش ولا نفسا، وأن اليهود يعاونون المؤمنين في النفقة عليهم ما داموا محاربين، وبذلك أو شك الكفاح بين المسلمين وقريش أن يبدأ.
بهذه المعاهدة استطاع الرسول ﷺ أن يجعل أهل المدينة كلهم على اختلاف أديانهم وميولهم وأهوائهم يدا واحدة على أعدائهم.
لقد أنجز الرسول ﷺ بهذه المعاهدة الاستعدادات كافة لحشد قواته في مكان واحد تحت قيادة واحدة، فأصبحت مهيئة للدفاع عن الاسلام.
لقد عمل في هذه الفترة على الاستعداد للجهاد، فلما أكمل توحيد رجاله بدأ الجهاد.
٣- النتائج:
لقد استطاع الرسول ﷺ أن يلجأ الى المدينة ويحشد قواته فيها، ويوحّد صفوف سكانها على اختلاف ميولهم وأهوائهم ودياناتهم، ويجعلهم كتلة متّحدة للدفاع عنها ضد الغارات الخارجية، وكتلة واحدة للقضاء على الاختلافات الداخلية.
وعلى الرغم من أن المسلمين وحدهم- على قلّتهم يومذاك- هم جيش الرسول ﷺ الذي يعتمد عليه في كفاح أعدائه، إلا أن الرسول ﷺ استطاع أن يغرس فيهم عقيدة راسخة يؤمنون بها كل الإيمان، وأن يجعل لهم أهدافا واضحة كل الوضوح يبذلون في سبيل تحقيقها أرواحهم وأموالهم.
لقد كانت أهدافهم الدفاع عن الإسلام والعمل على حماية حرية انتشاره؛ وفي سبيل الدفاع عن الاسلام وفي سبيل حماية حرية انتشاره بين الناس يبذلون كل غال ورخيص.
[ ٧٤ ]
لقد تهيأ الآن للرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام جيش يجمعه هدف موحّد، يأتمر بأمر قائد واحد، ويستند إلى قاعدة أمينة، وبذلك تهيأت للمسلمين- رغم قلة عددهم- كل أسباب النجاح عند نشوب القتال.
١- العرب:
الشعب العربي يمثل أقدم الشعوب الساميّة وأكثرها نقاء، لانعزاله في الجزيرة العربية، ولم ينجح أحد من الغزاة في دخول هذه الجزيرة، واستمر بقاؤه فيها ردحا طويلا.
والعرب قسمان: عدنانيون، أي عرب الشمال. وقحطانيون، أي عرب الجنوب. وهذا التقسيم لا يستند الى أساس عنصري، بل الى ظروف زمانية ومكانية أدّت الى فروق في اللهجة والثقافة.
وقد أيدت الكشوف الأثرية وجود أربع دول متحضّرة على الأقل في الجنوب، وهي معين وسبأ وحضرموت وقتبان.
كما تكونت في المنطقة الشمالية كثير من الدول العربية المتحضرة كدولة اللحيانيين في منطقة (الحجر) على خليج العقبة، ودولة الأنباط في جنوبي سورية، ومملكة تدمر في بادية الشام، ودولة المناذرة على حدود العراق، ومملكة الغساسنة في الشام، ومملكة كندة في نجد.
وكانت لهذه الممالك حضارات راقية، ولكنّ حضارة العرب قبل الإسلام تدهورت، فانحطّ المستوى الديني، وتحكمت فيهم بعض العادات، كالعصبية والثأر
كانت أبرز القبائل العربية وأقواها قبيل الإسلام هي قريش التي كانت
[ ٧٥ ]
تسكن مكة المكرمة، وكان الحكم بمكة بيد الأشراف ورؤساء الأسر وأهل القوة وأصحاب الأموال.
وقد أصبح لمكة بسبب موقعها على الطرق التجارية ولسبب حرمتها الدينية أهمية كبيرة، كما أن الناس احترموا قريشا، لأنهم جيران بيت الله الحرام، فلا يجترىء عليهم أحد، وهذا حفظ تجارتهم من تحرّش كثير من البدو.
ولما كانت مكة بواد غير ذي زرع، كان عامة أهلها يشتغلون بالتجارة.
لم يكن عند العرب عقيدة دينية تقوم على أساس صحيح، فقد كانت آراؤهم الدينية ساذجة حينذاك، فاعتقد البدوي أن في الدنيا قوى خارقة تسيطر عليه بتسليطها الجن والشياطين، ويرون أن الجن لهم اتصال بالكهّان والسحرة؛ لذلك كان هؤلاء يتكهنون عن المستقبل، فاهتموا بالسحر والكهانة واستعمل الكهنة لغة مسجّعة مبهمة.
واعتنق قليل من العرب المسيحية واليهودية، وكان قليل منهم موحدين.
لقد كانت الجزيرة في فترة تدهور وانقسام سياسي، وفي فترة ركود حضاري، مرتبكة في سير حياتها الاجتماعية، مضطربة في حالتها الاقتصادية، منحطة في مستواها الديني.
في هذه الظروف ظهر الإسلام، فهاجم الرسول ﷺ النظام القبلي والفردية المتطرفة وإهمال الدين، وحمل على الاستغلال المادي والظلم الاجتماعي، وبذلك كان ظهور الإسلام أكبر ثورة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية ظهرت في العالم عامة، إذ جاء الإسلام دولة ودينا للناس كافة.
٢- الروم:
كان الجيش الروماني مرتكزا على الحكم الإقطاعي، وذلك أن كل نبيل
[ ٧٦ ]
يعدّ قائدا لجماعته، وكان هؤلاء النبلاء يمنحون الأراضي والعقارات الشاسعة لإعاشة أتباعهم. وقد أدى ذلك إلى حدوث حروب داخلية، وبخاصة عندما تضعف الحكومة المركزية في القسطنطينية، فقد كان كل نبيل يطمع في توسيع ملكه وسلطته على حساب غيره من النبلاء، بل كان قسم من النبلاء ينتقضون حتى على الحكومة المركزية في بعض الأحيان.
واعتمد الرومان على الغساسنة والقبائل العربية الأخرى لحماية حدودهم الجنوبية التي تحد الجزيرة العربية وحدودهم الجنوبية الشرقية التي تحد فارس.
وقد اشتدت الاختلافات بين طوائف المسيحيين قبل الإسلام، حتى شملت العامة والخاصة على حد سواء، وحتى اشتغل الناس بالجدل فيها أكثر من اشتغالهم بكل عمل آخر، وشمل هذا الجدل طبقات الناس كافة في مختلف الأماكن والأوقات.
إن المسيطر على الجيش الروماني حينذاك هو الارتزاق، وكثيرا ما كانت أعطيات الجند تتأخر عن مواعيدها لارتباك الحالة المالية للدولة، فيتذمر الجنود، ولم يكن للجيش هدف معيّن يوحّد صفوفه ويسعى لتحقيقه غير الارتزاق.
وهكذا كان جيش الروم جيشا مرتزقا يقوده قادة من النبلاء يتولون مناصبهم غالبا بالوراثة لا بالكفاية والمقدرة.
٣- الفرس «١»:
كانت القوات العسكرية للفرس مشابهة للقوات العسكرية عند الروم، فكان المرازبة والدهاقين يتولون قيادة الجيوش ويتحكمون في الأراضي الشاسعة والعقارات الكبيرة.
_________________
(١) - أنظر التفاصيل في مقدمة كتابنا: قادة فتح بلاد فارس.
[ ٧٧ ]
كما اعتمدوا على المناذرة لحماية حدودهم الجنوبية المتاخمة للجزيرة العربية وحدودهم الجنوبية الغربية المتاخمة للروم.
وكانت العقيدة المجوسية مسيطرة على الفرس وأكثر أتباعهم، ولم يكن للجيش هدف يوحّذ صفوفه ويسعى لتحقيقه غير الارتزاق أيضا كما كانت قيادته غالبا وراثية وقادته يعتمدون على حسبهم ونسبهم وحظوتهم لدى الأكاسرة لا على قابلياتهم العسكرية وكفاياتهم في القتال.
٤- النتائج:
على الرغم من كثرة القبائل العربية قبل الإسلام، فانها كانت متفرقة لا تخضع إلا لسيطرة رؤسائها الذين تسيطر عليهم أهواؤهم ورغباتهم الشخصية.
كما أن النظام العسكري في كل من الامبراطوريتين الفارسية والرومية كان فاسدا.
ولم يكن لكل من هؤلاء العرب والفرس والروم أهداف يؤمنون بها ويضحون في سبيل تحقيقها.
لقد كانوا أعدادا ضخمة ولكن بلا نظام، وكان المسلمون قليلين ولكنهم منظمون.
مناقشة الموقف العسكري للطرفين
أصبح واضحا من دراسة الموقف العسكري للطرفين، أن المسلمين- على قلتهم- كانوا أقوى من أعدائهم المشركين والروم والفرس- على كثرتهم- ذلك لأن المسلمين يتميزون على أعدائهم بعقيدتهم الراسخة وإيمانهم العميق بأهدافهم، وبذلهم عن طيبة خاطر كل ما يملكونه في سبيل تحقيق تلك الأهداف.
[ ٧٨ ]
لقد رأينا في الحرب العالمية الثانية وفي كل الحروب القديمة والحديثة، كيف أن المتحاربين يحاولون بشتى الطرق إقناع جيوشهم بعدالة قضيّتهم، ليدفعوا تلك الجيوش الى التضحية في سبيل تلك القضية.
بذل كل من الحلفاء ودول المحور في الحرب العالمية الثانية أقصى جهودهم لإقناع أممهم والشعوب الأخرى بسموّ أهدافهم التي يحاربون من أجلها.
لقد فعل الحلفاء والمحور كل ذلك لغرض واحد: هو جعل جنودهم يقاتلون في سبيل هدف معين، وجعل شعوبهم والشعوب الأخرى تؤمن بهذا الهدف؛ وبهذا وحده يمكن أن يضحّي الجندي بنفسه في ساحات القتال مقبلا غير مدبر وتضحي الأمة بما تملكه ماديا ومعنويا في سبيل تحقيق تلك الأهداف.
إنّ كل جيش يحارب (بعقيدد) لتحقيق هدف (معيّن) لا بد أن (يستقتل) في سبيل عقيدته وهدفه، وبذلك يصعب قهره إذا لم يكن قهره مستحيلا. وقد يخفق في معركة محدودة، ولكن النتيجة مضمونة له على كل حال.
أما الجيش الذي لا عقيدة له ولا هدف، فما أسهل أن تتحطم معنوياته عند الخطر إذا كانت لديه معنويات!!
وما أصدق نابليون حين يقول: (إن العامل المعنوي في الحرب أكثر أهمية من العامل المادي بنسبة ثلاثة الى واحد)
إنّ الموقف العسكري كان بجانب المسلمين نتيجة للاستعدادات الدقيقة المتميزة التي أنجزها الرسول ﷺ. وقد كان الوقت في صالح المسلمين أيضا، لأنه كلما مرّت الأيام ازداد المسلمون عددا وقوة وازداد إيمانهم بعقيدتهم وتفانيهم في سبيلها.
[ ٧٩ ]
إنّ قضية تغلّب المسلمين القليلين على أعدائهم الكثيرين، كانت متوقعة النتائج من الوجهة العسكرية قبل نشوب القتال، نظرا لإعداد قوات المسلمين على نظام رصين مكين، ونظرا لأن نظام أعدائهم كان فاسدا من كل الوجوه.
ولعل في توضيح الموقف العسكري للطرفين ما يعطي بعض الجواب للمؤرخين وللمفكرين العسكريين عن تساؤلهم: كيف تم الفتح الاسلامي بمثل تلك السرعة، فاستطاع المسلمون في خلال ثلاثين سنة فقط من ظهور دعوتهم، أن يكونّوا دولة تمتد من الصين شرقا الى حدود فرنسا غربا والى سبريا شمالا والى المحيط الهندي جنوبا؟
[ ٨٠ ]
الدفاع عن العقيدة
(الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) .
(القرآن الكريم)
[ ٨١ ]