١- عظماء دافعوا عن الرسول ﷺ
لا تزال الأيدى اليهودية الآثمة تحكم سيطرتها على وسائل الإعلام الكبرى، ولا تألو جهدا فى استغلالها فى السخرية من الرسولﷺ- وتشويه صورة الإسلام، فابتداء من كبريات الصحف العالمية: كالتايمز البريطانية التى أصبحت صحيفة صهيونية خالصة بعد أن اشتراها المليونير اليهودى «روبرت مردوخ»، وكذلك شقيقتها الصنداى تايمز، بالإضافة إلى المجلة الأسبوعية «ويك إند» التى تخصصت بالرسومات الكاريكاتيرية التى تتهكم بالعرب فى لندن وتظهرهم فى أبشع صورة.
وتعتبر النيويورك تايمز من أشهر الصحف الأمريكية وقد اشتراها اليهودى أودلف أوش، وتأتى الواشنطن بوست فى المرتبة الثانية من الخضوع للصهيونية! ونيوز ويك التى بلغ حجم توزيعها ٥، ٤ مليون نسخة عام ١٩٨١ م.
وقد بلغ من تفاقم السيطرة الصهيونية على دور النشر الفرنسية، أن المفكر الشهير «رجاء جارودى» الذى كانت دور النشر الفرنسية تتسابق لنشر
[ ٩٥ ]
كتبه، لم يجد دار نشر واحدة تتبنى كتابه «بين الأسطورة الصهيونية والسياسة الإسرائيلية» . الذى كتبه بعد إسلامه!!
«النفوذ اليهودى فى الأجهزة الأعلامية لفؤاد الرفاعى»
ونظرا لهذا النفوذ التى يبعث الأسى والألم فى نفس كل مؤمن يبتغى العزة لله ولرسوله، كان التصدى لهذا الكيد من المقامات العظيمة التى انبرى لها عدد من العظماء، وبهذا امتدح الله ﷿ المهاجرين بقوله: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (الحشر: ٨)، ونصر رسول الله ﵊ باللسان والسنان والقول والفعل نصرا له فى ذات نفسه، حماية لعرضه، وصونا لحرمته، وإرغاما لأعدائه ومبغضيه، وإجلالا لمقام النبوة من أى قدح. وقد أجمع العلماء على وجوب قتل من سبّ النبىﷺ- أو عابه أو ألحق به نقصا فى نسبه أو دينه.. فحكم من أتى بذلك أن يقتل بلا استتابة لأنه آذى رسول الله بما يستوجب إهدار دمه أن كان مسلما ونقض عهده إن كان ذميا. (الدليل الشافى لابن تغرى بردى ١- ٤٥) .
ولقد أخذ السلاطين على عواتقهم نصرة رسول اللهﷺ-. منه أن صلاح الدين الأيوبى نذر أن يقتل أرناط صاحب الكرك، فأسره وكان سببه أنه مرّ به قوم من مصر فى حال الهدنة، فغدر بهم فناشدوه الصلح، فقال ما فيه استخفاف بالنبىﷺ-، وقتلهم، فجمع صلاح الدين الملوك فلما حضر أرناط، قال: أنا أنتصر لمحمد منك!!
ثم عرض عليه الإسلام فأبى، فحلّ كتفيه بخنجر.
أما ملك الكامل ملك مصر، لما وقع الحصار على مدينة دمياط اتفق أن أحد الكفار قد ألهج لسانه بسبّ النبىﷺ- معلنا به على خنادقهم، وكان أمره قد استفحل وقد جعل هذا الأمر ديدنه، فلما وقعت الوقعة وانتصر المسلمون وكان هذا الكافر من ضمن الأسرى فأخبر الملك بشأنه، فصمم الملك
[ ٩٦ ]
الكامل على إرساله إلى المدينة النبوية، وأن يباشر قتله بذاك المحل الشريف، فلما وصل أقيم ونودى على فعلته بين الناس فتهادته السيوف!!
أما هارون الرشيد فقد حكى عنه العالم أبو معاوية الضرير: كنت أقرأ على أمير المؤمنين الحديث، وكنت كلما قلت قال رسول الله قال: صلى الله على سيدى ومولاى. حتى ذكرت حديث «التقى آدم وموسى» .
فقال عمه: أين التقيا؟
قال: فغضب هارون، وقال: من طرح إليك هذا؟ وأمر به فحبس.
قال: فدخلت عليه فى الحبس، فحلف لى بمغلظات الأيمان، ما سمعت من أحد ولا جرى بينى وبين أحد فى هذا كلام.
فرجعت إلى أمير المؤمنين وأخيرته فأمر به فأطلق من الحبس!!!
وقال لى هارون: توهّمت أنه طرح إليه بعض الملحدين هذا الكلام الذى خرج منه، فيدلنى عليهم فأستبيحهم.
ما ذكره الشيخ أحمد شاكر﵀- عن أحد خطباء مصر، وكان فصيحا متكلما مقتدرا، وأراد هذا الخطيب أن يمدح أحد أمراء مصر عندما أكرم طه حسين، فقال فى خطبته: «جاءه الأعمى فما عبس بوجهه وما تولى! فما كان من الشيخ محمد شاكر- والد الشيخ أحمد شاكر- إلا أن قام بعد الصلاة يعلن للناس أن صلاتهم باطلة، وعليهم إعادتها لأن الخطيب كفر بما شتم رسول الله ﷺ. يقول أحمد شاكر فى كلمة حق: «ولكن الله لم يدع لهذا المجرم جرمه فى الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه فى الآخرى، فأقسم بالله لقد رأيته بعيني رأسى- بعد بضع سنين، وبعد أن كان عاليا منتفخا، مستعزّا بمن لاذ بهم من العظماء والكبراء- رأيته مهينا ذليلا، خادما على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها فى ذلة وصغار، حتى لقد خجلت أن يرانى، وأنا أعرفه وهو يعرفنى، لا شفقة عليه؛ فما كان موضعا للشفقة، ولا شماتة فيه؛ فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لما رأيت من عبرة وعظة» .
[ ٩٧ ]
ومن مناقب الملك فيصل ﵀ فى نصر رسول اللهﷺ- ونصرة الشريعة، ودفع كيد الكائدين بردّ شبههم، ودحض مفترياتهم ما حكاة الدكتور تقى الدين الهلالى، فقال: قبل بضع سنين كنت مقيما فى باريس عند أحد الإخوان، وكنت قد سمعت بأن الطبيب المشهور الجراح موريس بوكاى، ألّف كتابا بين فيه أن القرآن العظيم هو الكتاب الوحيد الذى يستطيع المثقف ثقافة علمية عصرية أن يعتقد أنه حق منزل من الله ليس فيه حرف زائد ولا ناقص!!
وأردت أن أزور الدكتور موريس لأعرف سبب نصرته لكتاب الله ولرسوله، فدعوناه فحضر فورا!!!
فقلت له: من فضلك أرجو أن تحدثنا عن سبب تأليفك لكتابك «التوراة والإنجيل والقرآن فى نظر العلم العصرى»، فقال لى إنه كان من أشد أعداء القرآن والرسول محمد، وكان كلما جاء مريض مسلم محتاج إلى علاج جراحى يعالجه، فأتم علاجه وشفى! يقول له: ماذا تقول فى القرآن، هل هو من عند الله أنزله على محمد؟ أم هو من كلام محمد نسبه إلى الله افتراء عليه؟
فيجيا بنى: هو من عند الله ومحمد صادق!
قال: فأقول له: أنا أعتقد أنه ليس من الله وأن محمدا ليس صادقا!! فيسكت.
قال: ومضيت على ذلك زمانا حتى جاءنى الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة السعودية، فعالجته جراحيّا حتى شفى، فألقيت عليه السؤال المتقدم الذكر!!
فأجابنى: إن القرآن حق وأن محمدا رسول الله صادق!!
قال: فقلت: أنا لا أعتقد صدقه!!
فقال الملك فيصل: هل قرأت القرآن؟
فقلت: نعم مرارا!!
فقال: هل قرأته بلغته أم بغير لغته؟ (أى بالترجمة)
[ ٩٨ ]
فقلت: أنا ما قرأته بلغته بل بالترجمة فقط!
فقال لى: إذا أنت تقلد المترجم، والمقلّد لا علم له إذا لم يطّلع على الحقيقة، لكنه أخبر بشيء فصدقه، والمترجم ليس معصوما من الخطأ والتحريف عمدا!! فعاهدنى أن تتعلم اللغة العربية، وتقرأه وأنا أرجو أن يتبدل اعتقدك هذا الخاطئ!
قال: فتعجبت من جوابه! فقلت له: سألت كثيرا من قبلك من المسلمين فلم أجد الجواب إلا عندك، ووضعت يدى فى يده، وعاهدته على أن لا أتكلم فى القرآن ولا فى محمدﷺ- إلا إذا تعلمت اللغة العربية وقرأت القرآن بلغته، وأمعنت النظر فيه حتى تظهر النتيجة بالتصديق أو التكذيب!!
فذهبت من يومى ذلك إلى الجامعة الكبرى بباريس (قسم اللغة العربية) واتفقت مع أستاذ بالأجرة أن يأتينى كل يوم إلى بيتى، ويعلّمنى اللغة العربية ساعة واحدة كل يوم إلا يوم الأحد الذى هو يوم راحتى، ومضيت على ذلك سنتين كاملتين لم تفتنى ساعة واحدة، فتلقيت منه سبع مائة وثلاثين درسا، وقرأت القرآن بإمعان، ووجدته هو الكتاب الوحيد الذى يضطر المثقف بالعلوم العصرية أن يؤمن بأنه من الله لا يزيد حرفا ولا ينقص، أما التوراة والأناجيل الأربعة، ففيها كذب كثير، لا يستطيع عالم عصرى أن يصدقها!
فلله درّهم من سلاطين، كانوا بحق كما قال ابن المبارك:
الله يدفع بالسلطان معضلة عن ديننا رحمة منه ورضوانا
لولا الأئمة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
[ ٩٩ ]
٢- النبىﷺ- كما تحدث عنه المنصفون والعقلاء فى الغرب
الاعتراف بعالمية الإسلام وفضل رسوله على البشرية والحضارة الغربية
سجل أعداء الإسلام فى الفترات الأخيرة خطوة أبعد فى عداوتهم للنبوة حينما هاجم بعض القساوسة الغربيين المهووسين شخص النبى المصطفى ﷺ، ونعته القس جبريل فالويل ب «الإرهابي»، وقال متبجحا: «إنه كان رجل عنف، ورجل حرب»، أما القس الأمريكى بات روبرتسون الذى يقود جناحا قويا فى الحزب الجمهورى- حزب الرئيس جورج بوش- اسمه (التحالف النصرانى)، فقد وصف النبى الكريمﷺ- ب «المعتصب»، وقال الشقى قطع الله لسانه «إنه كان لصا وقاطع طريق»، ووصف القس المسيحى فرانكلين جراهام الإسلام بأنه «دين شرير»، أما القس النمسوى كورت كرين فقد قال إن الإسلام «دين متعصب» .
وهذه التصريحات الموتورة كلها تعبر عن صغر النفس وعدم معرفة حقيقة الإسلام وحقيقة النبوة الناصعة التى شهدت لها مئات بل آلاف الشهادات المنصفة شرقا وغربا، بل إنها تعبر فى حقيقة الأمر عن مدى التعصب الأعمى والتصامم الذى يصاب به بعض أعداء الإسلام الذين لا يزيدون الإسلام إلا سطوعا، ولا يزيدهم إلا شقاء.
[ ١٠٠ ]
ونود هنا أن نقف عند بعض الشهادات التى أنصفت الحقيقة واعترفت بصدق النبوة حتى وإن لم يلمس الإسلام شغاف قلوب أصحابها، وما ذلك إلا لأن الحق والموضوعية يفرضان مقاييسهما على من كان ينشد المعرفة الحقة.
إن المتأمل لما كتب وقيل يدرك أنه لم تحظ شخصية فى التاريخ البشرى العريض بمثل ما حظيت به شخصية النبى الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام من الاهتمام والإشادة والتمجيد من كافة الأعراق والشعوب والطوائف والملل، وفى شتى اللغات. وبالرغم من وجود من حاولوا الطعن فى نبوة الرسول الكريمﷺ- والتشكيك فى رسالته بسبب الحقد على الإسلام وإطباق الجهل بالإسلام على أصحابها والبعد عن الموضوعية العلمية فى البحث والتدقيق، فإن التيار العام ظل يسير فى ناحية التقدير الحقيقى لشخصية محمدﷺ- فى تاريخ البشرية، وفضل رسالته على الإنسانية، بشكل يتوخى الإنصاف والموضوعية بعيدا عن الأحقاد الصليبية وتعاليم الكنيسة فى القرون الوسطى.
وباطلاعنا على ما قيل فى النبىﷺ- من طرف المفكرين والمستشرقين والفلاسفة الغربيين المنصفين نجد أن هؤلاء يمثلون كبار مفكرى الغرب وأعمدة الفكر والفلسفة فيه، وقد حاولوا الوقوف على عظمة الرسول الكريمﷺ-، منبهرين بشخصيته العظيمة ونبل أخلاقه وطهارة حياته وخلوها من كل ما يثلم أخلاقه القرآنية، والبعض منهم اكتفى بوضع شخصية نبى الإسلام فى إطارها الحقيقى الذى يعرفه المسلمون أجمع، دون أن يلمس الإسلام ودعوته شغاف قلوبهم، والبعض الآخر ممن ظلوا بعيدين عن الإسلام تعرضوا للشخصية العامة للنبى كواحد من الأبطال والعباقرة الذين أثروا فى مسيرة التاريخ، لكن فئة من هؤلاء كان اطلاعهم على خصائص شخصية الرسولﷺ- وفضائلها مدخلا إلى البحث فى الإسلام، ومن ثم إلى إعلان إسلامهم على الملأ.
[ ١٠١ ]
عظمة النبى فى عيون الغربيين
فهذا المؤرخ الأوروبى «جيمس ميتشنر» يقول فى مقال تحت عنوان «الشخصية الخارقة» عن النبىﷺ-: « وقد أحدث محمدﷺ- بشخصيته الخارقة للعادة ثورة فى الجزيرة العربية، وفى الشرق كله، فقد حطم الأصنام بيده، وأقام دينا خالدا يدعو الناس إلى الإيمان بالله وحده» .
ويقول الفيلسوف الفرنسى (كارديفو): «إن محمدا كان هو النبى الملهم والمؤمن، ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العالية التى كان عليها، إن شعور المساواة والإخاء الذى أسسه بين أعضاء الكتلة الإسلامية كان يطبق عمليا حتى على النبى نفسه» .
أما الروائى الروسى والفيلسوف الكبير تولتسوى الذى أعجب بالإسلام وتعاليمه فى الزهد والأخلاق والتصوف، فقد انبهر بشخصية النبىﷺ- وظهر ذلك واضحا على أعماله، فيقول فى مقالة له بعنوان «من هو محمد؟»:
«إن محمدا هو مؤسس ورسول، كان من عظاماء الرجال الذين خدموا المجتمع الإنسانى خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه أهدى أمة برمتها إلى نور الحق، جعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقى والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقدم عليه إلا شخص أوتى قوة، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال» .
كارلايل يرد على النصارى والملحدين
ومن هؤلاء الفيلسوف الإنجليزى توماس كارلايل (١٧٩٥ م- ١٨٨١ م)، فقد خصص فى كتابه (الأبطال وعبادة البطولة) فصلا لنبى الإسلام بعنوان «البطل فى صورة رسول: محمد- الإسلام»، عد فيه النبىﷺ- واحدا من العظماء السبعة الذين أنجبهم التاريخ، وقد رد كارلايل مزاعم المتعصبين حول النبىﷺ- فقال: «يزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمدا لم يكن بريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسلطان. كلا وايم الله!، لقد كان
[ ١٠٢ ]
فى فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار والفلوات، المتورد المقلتين، العظيم النفس المملوء رحمة وخيرا وحنانا وبرا وحكمة وحجى وإربة ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوى، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه، وكيف لا وتلك نفس صافية ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين» .
وبعد أن يتعرض بالتحليل النفسى لعظمة نبى الإسلام ونبوته وتعاليمه السامية، يقول: «وإنى لأحب محمدا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع» .
النبى المحرّر
ولقد وقف الكثير من المفكرين والمستشرقين والفلاسفة الغربيين عند جوهر رسالة الإسلام الخالدة التى جاءت لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وتحرير البشرية جمعاء من الشرك والفوضى والعنف والتوحش الذى كان سائدا قبل مجىء الإسلام، ومن ثم نظروا إلى رسالة النبىﷺ- كرسالة للبشرية بأسرها، لأنها رسالة للتحرر والانعتاق وتكسير قيود الظلم والهوان.
من هؤلاء المستشرق الأمريكى إدوارد رمسى الذى قال: «جاء محمد للعالم برسالة الواحد القهار، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فبزغ فجر جديد كان يرى فى الأفق، وفى اليوم الذى أعادت فيه يد المصلح العظيم محمد ما فقد من العدل والحرية أتى الوحى من عند الله إلى رسول كريم، ففتحت حججه العقلية السديدة أعين أمة جاهلة، فانتبه العرب، وتحققوا أنهم كانوا نائمين فى أحضان العبودية» .
ويقول الفيلسوف والشاعر الفرنسى لامارتين: «إن ثبات محمد وبقاءة ثلاثة عشر عاما يدعو دعوته فى وسط أعدائه فى قلب مكة ونواحيها، ومجامع أهلها، وإن شهامته وجرأته وصبره فيما لقيه من عبدة الأوثان، وإن حميته فى نشر رسالته، وإن حروبه التى كان جيشه فيما أقل من جيش عدوه، وإن تطلعه فى إعلاء الكلمة، وتأسيس العقيدة الصحيحة لا إلى فتح الدول وإنشاء الإمبراطورية، كل ذلك أدلة على أن محمدا كان وراءه يقين فى قلبه
[ ١٠٣ ]
وعقيدة صادقة تحرر الإنسانية من الظلم والهوان، وإن هذا اليقين الذى ملأ روحه هو الذى وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة حطمت آلهة كاذبة، ونكست معبودات باطلة، وفتحت طريقا جديدا للفكر فى أحوال الناس، ومهدت سبيلا للنظر فى شؤونهم، فهو فاتح أقطار الفكر، ورائد الإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المحررة للإنسان ومؤسس دين لا وثنية فيه» .
النبىﷺ- والفتوحات الإسلامية
لقد شاع الفكر الغربى ولدى المتأثرين بتعاليم الكنيسة النصرانية ورواسب الأفكار الشعوبية المنحرفة التى روجتها أوروبا عن الإسلام ونبيه وعن المسلمين إبان وبعد الحروب الصليبية، أن الفتوحات الإسلامية قامت على السيف والقهر والتسلط والقسر، ولم تقم على الكلمة الطيبة والدعوة الرفيقة والعقيدة الواضحة، لكن فئة عادلة من مفكرى الغرب لم يقتنعوا بهذه الشائعات وراحوا يتأملون فى تلك العقيدة العجيبة للمسلمين على نشر دينهم بتلك السرعة المدهشة، وذلك الزحف للدخول الكبير للناس أفواجا فى دين الله، فعادوا إلى رسالة النبىﷺ- ليجدوا أنها تقوم على الدعوة اللينة لا على القسر الخشن.
فالمفكر (لورد هدلى) يقف مندهشا عند معاملة النبىﷺ- للأسرى من المشركين فى معركة بدر الكبرى، ملاحظا فيها ذروة الأخلاق السمحة والمعاملة الطيبة الكريمة، ثم يتساءل: «أفلا يدل هذا على أن محمدا لم يكن متصفا بالقسوة ولا متعطشا للدماء؟، كما يقول خصومه، بل كان دائما يعمل على حقن الدماء جهد المستطاع، وقد خضعت له جزيرة العرب من أقصاها، إلى أقصاها وجاءه وفد نجران اليمنيون بقيادة البطريق، ولم يحاول قط أن يكرههم على اعتناق الإسلام، فلا إكراه فى الدين، بل أمنهم على أموالهم وأرواحهم، وأمر بألا يتعرض لهم أحد فى معتقداتهم وطقوسهم الدينية» .
ويقول الفيلسوف الفرنسى (وولتر): «إن السنن التى أتى بها النبى محمد
[ ١٠٤ ]
كانت كلها قاهرة للنفس ومهذبة لها، وجمالها جلب للدين المحمدى غاية الإعجاب ومنتهى الإجلال، ولهذا أسلمت شعوب عديدة من أمم الأرض، حتى زنوج أواسط أفريقيا، وسكان جزر المحيط الهندى» .
أما العالم الأمريكى مايكل هارت فهو يرد نجاح النبىﷺ- فى نشر دعوته، وسرعة انتشار الإسلام فى الأرض، إلى سماحة هذا الدين وعظمة أخلاق النبى ﵊ الذى اختاره على رأس مائة شخصية من الشخصيات التى تركت بصماتها بارزة فى تاريخ البشرية، ويقول: «إن محمدا هو الإنسان الوحيد فى التاريخ الذى نجح مطلقا فى المجالين الدينى والدنيوى، وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا» .
فضل النبىﷺ- على الإنسانية والعالم أجمع
من الحقائق المسلم بها أن الإسلام جاء دينا للعالمين، لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق ومن الجور إلى العدل ومن الفجور إلى التقوى، وكان له الفضل الكبير على الفلسفات والأفكار والقوانين والشرائع الأرضية التى استمدت منه روح العدل والمساواة والتسامح والاعتدال والحرية والأخوة الإنسانية.
وقد أقر العديد من فلاسفة الغرب بهذه الحقيقة فى وقت مارى فيها آخرون وأشاعوا ترهات غير منطقية وغير موضوعية عن الإسلام، ونسبوا ما جاء به من تعاليم وتشريعات إلى نواميس سابقة عليه، وإلى القانون الوضعى الرومانى، وهى ترهات كفى الغربيون المنصفون المسلمين مهمة الرد عليها بأسس علمية. كما أثبت الباحثون المسلمون عوارها وتساقطها وإغراضها.
يقول الفيلسوف والكاتب الإنجليزى المعروف برنارد شو: «إن أوروبا الآن ابتدأت تحس بحكمة محمد، وبدأت تعيش دينه، كما أنها ستبرئ العقيدة الإسلامية مما اتهمها بها من أراجيف رجال أوروبا فى العصور الوسطى» .
[ ١٠٥ ]
ويضيف قائلا: «ولذلك يمكننى أن أؤكد نبوءتى فأقول: إن بوادر العصر الإسلامى الأوروبى قريبة لا محالة، وإنى أعتقد أن رجلا كمحمد لو تسلم زمام الحكم المطلق فى العالم بأجمعه اليوم، لتم له النجاح فى حكمه، ولقاد العالم إلى الخير، وحل مشاكله على وجه يحقق للعالم كله السلام والسعادة المنشودة» .
ويفند المؤرخ الأوروبى روبرت بريغال مزاعم الغربيين عن تأثر الإسلام بالتشريعات اليونانية الرومانية، فيقول: «إن النور الذى أشعلت منه الحضارة فى عالمنا الغربى لم تشرق جذوته من الثقافة اليونانية الرومانية التى استخفت بين خرائب أوروبا، ولا من البحر الميت على البوسفور (يعنى بيزنطة)، وإنما بزغ من المسلمين، ولم تكن إيطاليا مصدر الحياة فى أوروبا الجديدة، بل الأندلس الإسلامية»، إلى أن يقول: «إن هذه الحقيقة التاريخية لا يمكن للغرب إنكارها مهما أوغل فى التعصب، واستخف به العناد. إن دين أوروبا لمحمد رسول الإسلام غريب ألا يجد محل الصدارة فى نسق التاريخ المسيحى» .
أما وليام موير المؤرخ الإنجليزى فيقول فى كتابه (حياة محمد): «لقد امتاز محمد﵇- بوضوح كلامه، ويسر دينه، وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول، ولم يعهد التاريخ مصلحا أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة فى زمن قصير كما فعل نبى الإسلام محمد» .
هذه مقتطفات من مواقف فلاسفة ومستشرقين أوروبيين وغربيين فى حق المصطفى محمدﷺ- النبى الخاتم، أردنا منها إثبات أن أبناء الحضارة الغربية يقرون بدور الإسلام فى بنائها وتشييد صروحها، وبنبوة محمدﷺ- وصفاته الحميدة وفضله المتصل إلى يوم القيامة على البشرية فى جميع أقطار المعمور، ذلك أن التعصب الأوروبى المسيحى لم يكن خطا صاعدا باستمرار، وإنما وجد هناك منصفون أكدوا الحقيقة بلا لف أو دوران، ولكن الثقافة الغربية السائدة والمتشبعة بقيم التعصب والعناد والتمركز الحضارى حول الذات سعت إلى حجب هذه الحقائق وإخفاء هذه الأصوات حتى لا يتمكن
[ ١٠٦ ]
الشخص الأوروبى العادى من الإطلاع على ما بثه أبناء جلدته من الكبار فى حق الإسلام ونبيه ورسالته العالمية الخالدة، وذلك كله بهدف تحقيق غرضين، الأول إبعاد الأوروبيين المسيحيين عن الإسلام الذى دلل على قدرته على التغلغل فى النفوس وملامسة صوت الفطرة فى الإنسان، فهو يخيف الغرب المتوجس من تراجع عدد معتنقى المسيحية فى العالم، برغم ما ينفقه من الأموال والوقت لتنصير الشعوب، والغرض الثانى ضمان استمرار الصراع بين الغرب والإسلام والقطيعة بينهما لمصلحة الصهيونية والماسونية التى تعتبر نفسها المتضرر الأول والرئيسى من أى تقارب أو حوار بين الإسلام والغرب.
وصدق الله العظيم إذ يقول: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (فصلت: ٥٣، ٥٤) .
مراجع:
مؤثرات عربية وإسلامية فى الأدب الروسى: مكارم الغمرى، عالم المعرفة (الكويت) العدد ١٥٥ نوفمبر ١٩٩١.
الإسلام والمسيحية: أليسكى جورافسكى، ترجمة خلف الجراد. عالم المعرفة (الكويت) العدد ٢١٥، نوفمبر/ تشرين الثانى ١٩٩٦.
الأبطال: توماس كارلايل. ترجمة محمد السباعى. كتاب الهلال. العدد ٣٢٦ صفر ٣٩٨ فبراير ١٩٧٨.
مجلة دعوة الحق (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- الرباط- المملكة الغربية- العدد ٣٥١- ٣٥٢، محرم ١٤٢١- أبريل ٢٠٠٠) .
[ ١٠٧ ]
٣- شهادات غربية منصفة وهذه شخصيات أخرى منصفة وإن كانت غربية
محمد رسول اللهﷺ-
«إن محمداﷺ- كان الرجل الوحيد فى التاريخ الذى نجح بشكل أسمى وأبرز فى كلا المستويين الدينى والدنيوى إن هذا الاتحاد الفريد الذى لا نظير له للتأثير الدينى والدنيوى معا يخوّله أن يعتبر أعظم شخصية ذات تأثير فى تاريخ البشرية» . (العالم الأمريكى مايكل هارث)
إبراهيم خليل أحمد
«هذه حقيقة يثبتها التاريخ: فبينما كان العالم الشرقى والعالم الغربى بفلسفاتهما العقيمة يعيشان فى دياجير ظلام الفكر وفساد العبادة، بزع من مكة المكرمة فى شخص محمد رسول اللهﷺ-، نور وضاء أضاء على العالم فهداه إلى الإسلام» «١» .
«إن سيدنا عيسى﵇- يتنبأ عن الرسول الكريمﷺ- بقوله: «وأما متى جاء ذاك: روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية» «٢» » «٣» .
_________________
(١) محمد فى التوراة والإنجيل والقرآن، ص ٤٧.
(٢) إنجيل يوحنا، ١٦: ١٢،
(٣) محمد فى التوراة والإنجيل والقرآن، ص ٩٨.
[ ١٠٨ ]
«يقول برنابا: «سيأتى مسيا (أى الرسول) المرسل من الله لكل العالم، وحينئذ يسجد لله فى كل العالم وتنال الرحمة..» «١» ..» «٢» .
« كلمة إنجيل كلمة يونانية تعنى بشارة، ولعل هذا هو الذى نستفيده من سيرة سيدنا عيسى ﵇، أنه كن بشرى من الله للرحمة، وبشرى بتبشيره عن المسيا الذى سيأتى للعالمين هدى ورحمة، ألا وهو الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ-» «٣» .
«يقول عيسى﵇- كما جاء فى إنجيل برنابا: «لأن الله سيصعّدنى من الأرض وسيغير منظر الخائن حتى يظنه كل أحد إيّاى. ومع ذلك فإنه حين يموت شر ميتة أمكث لنا فى ذلك العار زمنا طويلا فى العالم ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تزال عنى هذه الوصمة» «٤» ..» «٥» .
_________________
(١) إنجيل برنابا، ٨٢- ١٦- ١٨.
(٢) محمد فى التوراة، ص ١٠٥.
(٣) نفسه، ص ١١٤.
(٤) إنجيل برنابا، ٨٠١١٢- ١٦.
(٥) محمد فى التوراة، ص ١٤١.
[ ١٠٩ ]
آرنولد
وهيا معا لنسمع شهادات أخرى معترفة بالحق « لعله من المتوقع، بطبيعة الحال، أن تكون حياة مؤسس الإسلام ومنشيء الدعوة الإسلاميةﷺ-، هى الصورة الحقة لنشاط الدعوة إلى هذا الدين. وإذا كانت حياة النبىﷺ- هى مقياس سلوك عامة المؤمنين، فإنها كذلك بالنسبة إلى سائر دعاة الإسلام.
لذلك نرجو من دراسة هذا المثل أن نعرف شيئا عن الروح التى دفعت الذين عملوا على الاقتداء به، وعن الوسائل التى ينتظر أن يتخذوها. ذلك أن روح الدعوة إلى الإسلام لم تجىء فى تاريخ الدعوة متأخرة بعد أناة وتفكر، وإنما هى قديمة قدم العقيدة ذاتها. وفى هذا الوصف الموجز سنبين كيف حدث ذلك وكيف كان النبى محمد ﷺ- يعد نموذجا للداعى إلى الإسلام » «١» .
«.. من الخطأ أن نفترض أن محمداﷺ- فى المدينة قد طرح مهمة الداعى إلى الإسلام والمبلغ لتعاليمه، أو أنه عندما سيطر على جيش كبير يأتمر بأمره، انقطع عن دعوة المشركين إلى اعتناق الدين..» «٢» .
« إن المعاملة الحسنة التى تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبىﷺ واهتمامه بالنظر فى شكاياتهم، والحكمة التى كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التى أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف فى جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه مألوفا لديهم، كما جعل صيته ذائعا فى كافة أنحاء شبه الجزيرة سيدا عظيما ورجلا كريما. وكثيرا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبىﷺ- بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعيا إلى الإسلام جادا فى تحويل إخوانه إليه..» «٣» .
_________________
(١) نفس الدعوة إلى الإسلام، ٣٤.
(٢) نفسه، ص ٥٤.
(٣) نفسه، ص ٥٥، عن.Muir (sir Wiliam):Life Of Mahomet،pp. ١٠٧ -٨ (London،١٨٥٨ -،l (
[ ١١٠ ]
واشنجتون إيرفنج
«كان محمدﷺ- خاتم النبيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله ليدعوا الناس إلى عبادة الله» «١» .
«كانت تصرفات الرسولﷺ- فى «أعقاب فتح» مكة تدل على أنه نبى مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح فى مركز قوى. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو» «٢» .
«لقى الرسولﷺ- من أجل نشر الإسلام كثيرا من العناء، وبذل عدة تضحيات. فقد شك الكثير فى صدق دعوته، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحا كبيرا، وتعرض خلال إبلاغ الوحى إلى الإهانات والاعتداآت والاضطهادات، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك وتخلى عن كل متع الحياة وعن السعى وراء الثراء من أجل نشر العقيدة» «٣» .
«برغم انتصارات الرسولﷺ- العسكرية لم تثر هذه الانتصارات كبرياءه أو غروره، فقد كان يحارب من أجل الإسلام لا من أجل مصلحة شخصية، وحتى فى أوج مجده حافظ الرسولﷺ- على بساطته وتواضعه، فكان يكره إذا دخل حجرة على جماعة أن يقوموا له أو يبالغوا فى الترحيب به وإن كان قد هدف إلى تكوين دولة عظيمة، فإنها كانت دولة الإسلام، وقد حكم فيها بالعدل، ولم يفكر أن يجعل الحكم فيها وراثيا لأسرته» «٤» .
«كان الرسولﷺ- ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع فى يديه من غنائم فى سبيل انتصار الإسلام، وفى معاونه فقراء المسلمين، وكثيرا ما كان ينفق فى سبيل ذلك آخر درهم فى بيت المال وهو لم يخلف وراءه دينارا أو درهما أو رقيقا.. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض فى الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة» «٥» .
_________________
(١) حياة محمد، ص ٧٢.
(٢) حياة محمد، ص ٧٢.
(٣) نفسه ص ٣٠٠.
(٤) نفسه، ص ٣٠٢، ٣٠٣.
(٥) نفسه، ص ٣٠٣.
[ ١١١ ]
بارت «١»
«كان من بين ممثلى حركة التنوير من رأوا فى النبى العربىﷺ- أدلة الله، ومشرعا حكيما، ورسولا للفضيلة، وناطقا بكلمة الدين الفطرى، مبشرا به» «٢» .
«كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة فى بوادى وواحات شبه الجزيرة، يعيثون فسادا. حتى أتى محمدﷺ- ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم فى كيان واحد متجانس» «٣» .
بروى «٤»
«جاء محمد بن عبد اللهﷺ-، النبى العربى وخاتم النبيين، يبشر العرب والناس أجمعين، بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة (فى دعوته) لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب، بل أيضا الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد أعداء المسلمين ونشر الدين الحنيف..
وعندما قبض النبى العربىﷺ-، عام ٦٣٢ م، كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعى يسمو كثيرا فوق النظام القبلى الذى كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم فى وحدة قوية، وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة، لم تعرف مثلها من قبل » «٥» .
_________________
(١) رودى بارت Rudi،Part: عالم ألمانى معاصر، اضطلع بالدراسات الشرقية فى جامعة هايدلبرج، وكرس حياته لدراسة علوم العربية والإسلام، وصنف فيها عددا كبيرا من الأعمال، منها ترجمته للقرآن الكريم التى استغرقت منه عشرات السنين وأصدرها بين عامى ١٩٦٣ و١٩٦٦، وله كتاب عن النبى محمدﷺ-.
(٢) الدراسات العربية والإسلامية فى الجامعات الألمانية، ص ١٥.
(٣) نفسه، ص ٢٠.
(٤) إدوار بروى Edourd Perroy: باحث فرنسى معاصر، وأستاذ فى السربون.
(٥) تاريخ الحضارات العام، ٣/ ١١٢.
[ ١١٢ ]
بلاشير
« إن معجزة النبى﵊- الحقيقة والوحيدة هى إبلاغه الناس رسالة ذات روعة أدبية لا مثيل لها، فمن هو ذلك الرجل المكلّف بالمهام الثقيلة العبء وهى حمل النور إلى عرب الحجاز فى أوائل القرن السابع؟ إن محمدا﵊- لا يبدو فى القرآن إطلاقا، منعما عليه بمواهب تنزهه عن الصفات الإنسانية، فهو لا يستطيع فى نظر معاصريه المشركين أن يفخر بالاستغناء عن حاجات هى حاجاتهم، وهو يصرّح بفخر أنه لم يكن سوى مخلوق فان: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (الكهف: ١١٠) . وهو لم يتلق أى قدرة على صنع المعجزات، ولكنه انتخب ليكون منذرا ومبشرا للكافرين. إن نجاح رسالته مرتبط إذن فى قيمتها الإحيائية وإلى شكلها المنقطع النظير. ولم يكن محمد﵊- رغم ذلك، صاحب بيان ولا شاعرا، فإن الأخبار التى روت سيرته لم تحسن الاحتفاظ بذكرى مفاخراته الشخصية، وثمة عوامل تحملنا على الشك فيما إذا كان عرف استعمال السجع، أو أنه تلقى من السماء فنّ ارتجال الشعر. وعندما قال عنه المكّيّون المشركون إنه شاعر، أو حين عرّضوا بأن مصدر الوحى جنّى معروف أزال الله عنه هذه التهمة: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (يس ٦٩: ٧٠)، وهكذا يطرح هذا الوحى البالغ جماله حد الإعجاز، الواثق بحمل الناس بقوة بيانه على الهداية، كظاهرة لا علاقة لها بالفصاحة ولا الشعر» «٢» .
(١) تاريخ الأدب العربى، ٢/ ١٤- ١٥.
_________________
(١) نفسه، ٢/ ٥٠.
[ ١١٣ ]
مارسيل بوازار
«سبق أن كتب كل شيء عن نبى الإسلامﷺ-، فأنوار التاريخ تسطع على حياته التى نعرفها فى أدق تفاصيلها. والصورة التى خلفها محمدﷺ- عن نفسه تبدو، حتى وإن عمد إلى تشويهها، علمية فى الحدود التى تكشف فيها وهى تندمج فى ظاهرة الإسلام عن مظهر من مظاهر المفهوم الدينى وتتيح إدراك عظمته الحقيقية » «١» .
«لم يكن محمدﷺ- على الصعيد التاريخى مبشرا بدين وحسب بل كان كذلك مؤسس سياسة غيّرت مجرى التاريخ، وأثرت فى تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق » «٢» .
«منذ استقر النبى محمدﷺ- فى المدينة، غدت حياته جزآ لا ينفصل من التاريخ الإسلامى. فقد نقلت إلينا أفعاله وتصرفاته فى أدق تفاصيلها..
ولما كان منظما شديد الحيوية، فقد أثبت نضالية فى الدفاع عن المجتمع الإسلامى الجنينى، وفى بث الدعوة وبالرغم من قتاليته ومنافحته، فقد كان يعفو عند المقدرة، لكنه لم يكن يلين أو يتسامح مع أعداء الدين. ويبدو أن مزايا النبى الثلاث، الورع والقتالية والعفو عند المقدرة قد طبعت المجتمع الإسلامى فى إبان قيامه وجسّدت المناخ الروحى للإسلام وكما يظهر التاريخ الرسولﷺ- قائدا عظيما ملء قلبه الرأفة، يصوره كذلك رجل دولة صريحا قوى الشكيمة له سياسته الحكيمة التى تتعامل مع الجميع على قدم المساواة وتعطى كل صاحب حق حقه. ولقد استطاع بدبلوماسيته ونزاهته أن ينتزع الاعتراف بالجماعة الإسلامية عن طريق المعاهدات فى الوقت الذى كان
_________________
(١) إنسانية الإسلام، ص ٤٠- ٤١.
(٢) نفسه، ص ٤٢.
[ ١١٤ ]
النصر العسكرى قد بدأ يحالفه. وإذا تذكرنا أخيرا على الصعيد النفسانى هشاشة السلطان الذى كان يتمتع به زعيم من زعماء العرب، والفضائل التى كان أفراد المجتمع يطالبونه بالتحلى بها، استطعنا أن نستخلص أنه لا بدّ أن يكون محمدﷺ- الذى عرف كيف ينتزع رضا أوسع الجماهير به إنسانا فوق مستوى البشر حقا، وأنه لابد أن يكون نبيا حقيقيا من أنبياء الله» «١» .
« لقد كان محمدﷺ- نبيا لا مصلحا اجتماعيا. وأحدثت رسالته فى المجتمع العربى القائم آنذاك تغييرات أساسية لا تزال آثارها ماثلة فى المجتمع الإسلامى المعاصر..» «٢» .
« مما لا ريب فيه أن محمداﷺ- قد اعتبر، بل كان فى الواقع، ثائرا فى النطاق الذى كان فيه كل نبى ثائرا بوصفه نبيا، أى بمحاولته تغيير المحيط الذى يعيش فيه..» «٣» .
_________________
(١) إنسانية الإسلام، ص ٤٦.
(٢) نفسه، ص ٦١.
(٣) نفسه، ص ٦٦.
[ ١١٥ ]
توينبى «١»
«لقد كرّس محمدﷺ- حياته لتحقيق رسالته فى كفالة هذين المظهرين فى البيئة الاجتماعية العربية (وهما الوحدانية فى الفكرة الدينية، والقانون والنظام فى الحكم) . وتم ذلك فعلا بفضل نظام الإسلام الشامل الذى ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معا.. فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة، بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة، واستولى على العالم بأسره من سواحل الأطلسى إلى شواطئ السهب الأوراسى » «٢» .
« لقد أخذت سيرة الرسول العربىﷺ- بألباب أتباعه، وسمت شخصيته لديهم إلى أعلى علّيين، فامنوا برسالته إيمانا جعلهم يتقبلون ما أوحى به إليه وأفعاله كما سجّلتها السنة، مصدرا للقانون، لا يقتصر على تنظيم حياة الجماعة الإسلامية وحدها، بل يرتب كذلك علاقات المسلمين الفاتحين برعاياهم غير المسلمين الذين كانوا فى بداية الأمر يفوقونهم عددا» «٣» .
_________________
(١) آرنولد توينبى Arnold Toynbee: المؤرخ البريطانى المعاصر، الذى انصبت معظم دراساته على تاريخ الحضارات، وكان أبرزها- ولا ريب- مؤلفه الشهير (دراسة للتاريخ) الذى شرع يعمل فيه منذ عام ١٩٢١ وانتهى منه عام ١٩٦١، وهو يتكون من اثنى عشر جزآ عرض فيها توينبى لرؤيته الحضارية للتاريخ، ولقد وضع المستر سومر فيل- تحت إشراف توينبى نفسه- مختصرا فى جزأين لهذا العمل الواسع بسط فيه جميع آراء المؤلف مستخدما عباراته الأصلية فى معظم الأحيان، وحذف الكثير من الأمثلة والآراء دون إخلال بالسياق العام للكتاب، وهذا المختصر هو الذى ترجم إلى العربية فى أربعة أجزاء، وهو الذى اعتمدناه هنا.
(٢) مختصر دراسة للتاريخ ١٠/ ٣٨١.
(٣) نفسه، ٣/ ٩٨.
[ ١١٦ ]
فيليب حتى
«إن اللغة العربية هى لغة القرآن التى كانت الأساس الذى قامت عليه أمة جديدة أخرجت للناس، أمة جاءت بها بعثة محمدﷺ- من قبائل متنافرة متنازعة لم يقدّر لها من قبل أن تجتمع على رأى واحد. وهكذا استطاع رسول الإسلامﷺ- أن يضيف حدا جديدا (رابعا) إلى المأثرة الحضارية ذات الحدود الثلاثة من الدين والدولة والثقافة، ذلك الحد الرابع الجديد كان (إيجاد أمة ذات لغة فوق اللغات) » «١» .
«إن إقامة الأخوة فى الإسلام مكان العصبية الجاهلية (القائمة على الدم والقرابة) للبناء الاجتماعى كان فى الحقيقة عملا جريئا جديدا قام به النبى العربىﷺ-..» «٢» .
«فى الكتاب المعاصرين لنا نفر يحاولون أن يكتشفوا الأعمال الباهرة «التى حققها محمدﷺ-) أو أن يعالجوا حياته الزوجية على أساس من التحليل النفسى، فلا يزيدون على أن يضيفوا إلى أوجه التحامل وإلى الآراء الهوائية أحكاما من زيف العلم..» «٣» .
«صفات محمدﷺ- مثبتة فى القرآن بدقة بالغة فوق ما نجد فى كل مصدر آخر. إن المعارك التى خاضها والأحكام التى أبرمها والأعمال التى قام بها لا تترك مجالا للريب فى الشخصية القوية والإيمان الوطيد والإخلاص
_________________
(١) الإسلام منهج حياة، ص ١٩- ٢٠.
(٢) نفسه، ص ٥١.
(٣) نفسه، ص ٥٤.
[ ١١٧ ]
البالغ وغير ذلك من الصفات التى خلقت الرجال القادة فى التاريخ. ومع أنه كان فى دور من أدوار حياته يتيما فقيرا، فقد كان فى قلبه دائما سعة لمواساة المحرومين فى الحياة» «١» .
«إذا نحن نظرنا إلى محمدﷺ- من خلال الأعمال التى حققها، فإن محمدا الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد يبدو لنا بكل وضوح واحدا من أقدر الرجال فى جميع أحقاب التاريخ، لقد نشر دينا هو الإسلام، وأسس دولة هى الخلافة، ووضع أساس حضارة هى الحضارة العربية الإسلامية، وأقام أمة هى الأمة العربية. وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعالة فى حياة الملايين من البشر» «٢» .
جورج حنا
«.. كان محمدﷺ- يخرج من سويعات (لقائه مع جبريل ﵇) بايات تنطق بالحكمة، داعيا قومه إلى الرجوع من غيّهم، والإيمان بالإله الواحد الكلّى القدرة، صابّا النقمة على الآلهة الصنمية، التى كان القوم يعبدونها فكان طبيعيا أن يحقد عليه أشراف العرب ويضمروا له الشر، لما كان فى دعوته من خطر على زعامتهم، وهى ما كانت قائمة إلا على التعبد للأصنام التى جاء هذا الرجل يدعو إلى تحطيمها. لكن محمداﷺ- لم يكن يهادن فى بث دعوته، ولم يكن يسكت عن اضطهاد أشراف قريش له، بل كان يتحداهم، فيزدادون حقدا عليه وتامرا على حياته. فلم تلبث دعوته حتى تحولت من دعوة
_________________
(١) الإسلام منهج حياة، ص ٥٤.
(٢) نفسه، ص ٥٦.
[ ١١٨ ]
سلمية إلى دعوة نضالية. إنه لم يرض بأن يحوّل خدّه الأيسر لمن يضربه على خدّه الأيمن.. بل مشى فى طريقه غير هيّاب، فى يده الواحدة رسالة هداية، يهدى بها من سالموه، وفى يده الثانية سيف يحارب به من يحاربوه. لقد آمن به نفر قليل فى بداية الدعوة، وكان نصيب هذا النفر مثل نصيبه من الاضطهاد والتكفير كان هؤلاء باكورة الديانة الإسلامية، والشعلة التى انطلقت منها رسالة محمدﷺ- «١» .
«كان محمدﷺ- فى المدينة أكثر اطمئنانا على نفسه وعلى أتباعه ورسالته مما كان فى مكة.. كانت يثرب مدينة العامة التابعة، لا مدينة الخاصة المتبوعة. والعامة دائما أقرب إلى اقتباس كلمة الحق من الخاصة، لاسيما إذا كانت كلمة الحق هذه، تحررها من عبوديتها للخاصة» «٢» .
«محمد بن عبد اللهﷺ- كان ثائرا، عندما أبى أن يماشى أهل الصحراء فى عبادة الأصنام وفى عاداتهم الهمجية وفى مجتمعهم البربرى.
فأضرمها حربا لا هوادة فيها على جاهلية المشركين وأسيادهم وآلهتهم. فكفره قومه واضطهدوه وأضمروا له الموت. فهاجر تحت جنح الليل مع نفر من أتباعه، وما تخلى عن النضال فى نشر دعوته، وما أحجم عن تجريد السيف من أجلها. فأخرج من جاهلية الصحراء عقيدة دينية واجتماعية تجمع بين مئات الملايين من البشر فى أقطار المعمورة» «٣» .
_________________
(١) قصة الإنسان، ص ٧٦.
(٢) نفسه، ص ٧٧.
(٣) نفسه، ص ٢٥٢.
[ ١١٩ ]
أميل درمنغم
«.. إذا كانت كل نفس بشرية تنطوى على عبرة وإذا كان كل موجود يشتمل على عظة فما أعظم ما تثيره فينا من الأثر الخاص العميق المحرك الخصيب حياة رجل يؤمن برسالته فريق كبير من بنى الإنسان!» «١» .
« ولد لمحمدﷺ-، من مارية القبطية ابنه إبراهيم فمات طفلا، فحزن عليه كثيرا ولحده بيده وبكاه، ووافق موته كسوف الشمس فقال المسلمون: إنها انكسفت لموته، ولكن محمداﷺ- كان من سموّ النفس ما رأى به ردّ ذلك فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد » فقول مثل هذا مما لا يصدر عن كاذب دجال » «٢» .
« تجلت بهذه الرحلة (حجة الوداع) ما وصلت إليه من العظمة والسؤدد رسالة ذلك النبى الذى أنهكه اضطهاد عشر سنين وحروب عشر سنين أخرى بلا انقطاع، وهو النبى الذى جعل من مختلف القبائل المتقاتلة على الدوام أمة واحدة » «٣» .
«إن محمداﷺ- الذى خلق للقيادة لم يطالب معاصريه بغير ما يفرض عليهم من الطاعة لرجل يبلّغهم رسالات الله، فهو بذلك واسطة بين الله رب العالمين والناس أجمعين.. وكان ينهى من عدّه ملكا ولقد نال السلطان والثراء والمجد، ولكنه لم يغتر بشيء من هذا كله فكان يفضل إسلام رجل على أعظم
_________________
(١) حياة محمد، ص ٨.
(٢) نفسه، ص ٣١٨.
(٣) نفسه، ص ٣٥٩.
[ ١٢٠ ]
الغنائم، ومما كان يمضه عجز كثير من الناس عن إدراك كنه رسالته..» «١» .
« الحق أن النبىﷺ- لم يعرف الراحة ولا السكون بعد أن أوحى إليه فى غار حراء، فقضى حياة يعجب الإنسان بها، والحق أن عشرين سنة كفت لإعداد ما يقلب الدنيا، فقد نبتت فى رمال الحجاز الجديبة حبة سوف تجدد، عما قليل، بلاد العرب وتمتد أغصانها إلى بلاد الهند والمحيط الأطلنطى.
وليس لدينا ما نعرف به أن محمداﷺ- أبصر، حين أفاض من جبل عرفات، مستقبل أمته وانتشار دينه، وأنه أحسّ ببصيرته أن العرب الذين ألّف بينهم سيخرجون من جزيرتهم لفتح بلاد فارس والشام وأفريقية وإسبانية» «٢» .
_________________
(١) حياة محمد، ص ٣٦٠.
(٢) نفسه، ص ٣٦٨- ٣٦٩.
[ ١٢١ ]
درّانى «١»
«أستطيع أن أقول بكل قوة أنه لا يوجد مسلم جديد واحد لا يحمل فى نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمدﷺ- لما غمره به من حب وعون وهداية وإلهام فهو القدوة الطيبة التى أرسلها الله رحمة لنا وحبا بنا حتى نقتفى أثره» «٢» .
« وأخيرا أخذت أدرس حياة النبى محمدﷺ- فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الربانى الذى أقام مملكة لله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغير طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة، التى لم تنجب رجلا عظيما واحدا يستحق الذكر منذ عدة قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفا من النفوس الكريمة التى انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية وتعلم الناس أمور الدين الجديد» «٣» .
« تحملﷺ- ثلاثة عشر عاما كاملة من المتاعب (فى مكة) دون انقطاع، وثمانى سنوات «٤» (فى المدينة) دون توقف، فتحمل ذلك كله، فلم يتزحزح شعرة عن موقفه، وكان صامدا، رابط الجأش، صلبا فى أهدافه
_________________
(١) الدكتور م. ج درّانى Dr.M.H.Durrani: سليل أسرة مسلمة منذ القدم، أصبح نصرانيا فى فترة مبكرة من حياته وتحت تأثير إحدى المدارس التبشيرية المسيحية، وقضى ردحا من حياته فى كنيسة إنكلترا، حيث عمل قسيسا منذ عام ١٩٣٩ وحتى عام ١٩٦٣ حيث جاءه الإسلام «كما يأتى فصل الربيع»، فعاد إلى دين آبائه وأجداده.
(٢) رجال ونساء أسلموا، ٤/ ٢٧- ٢٨.
(٣) نفسه، ٤/ ٢٨- ٢٩.
(٤) بل عشر سنوات.
[ ١٢٢ ]
وموقفه. عرضت عليه أمته أن تنصبه ملكا عليها وأن تضع عند قدميه كل ثروات البلاد إذا كف عن الدعوة إلى دينه ونشر رسالته. فرفض هذه الإغراآت كلها فاختار بدلا من ذلك أن يعانى من أجل دعوته. لماذا؟ لماذا لم يكترث أبدا للثروات والجاه والملك والمجد والراحة والدعة والرخاء؟ لابدّ أن يفكر المرء فى ذلك بعمق شديد إذا أراد أن يصل إلى جواب عليه» «١» .
«هل بوسع المرء أن يتصور مثالا للتضحية بالنفس وحب الغير والرأفة بالآخرين أسمى من هذا المثال حيث نجد رجلا يقضى على سعادته الشخصية لصالح الآخرين، بينما يقوم هؤلاء القوم أنفسهم الذين يعمل على تحسين أحوالهم ويبذل أقصى جهده فى سبيل ذلك يقومون برميه بالحجارة والإساءة إليه ونفيه وعدم إتاحة الفرصة له للحياة الهادئة حتى فى منفاه، وأنه رغم كل ذلك يرفض أن يكف عن السعى لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة السعى لخيرهم؟ هل يمكن لأحد أن يتحمل كل هذا العناء والألم من أجل دعوة مزيفة؟ هل يستطيع أى مدخول غير مخلص أن يبدى هذا الثبات والتصميم على مبدئه والتمسك به حتى آخر رمق دون أدنى وجل أو تعثر أمام الأخطار وصنوف التعذيب التى يمكن تصورها وقد قامت عليه البلاد بأكملها وحملت السلاح ضده؟» «٢» .
«إن هذه الإيمان وهذا السعى وهذا التصميم والعزم الذى قاد به محمدﷺ- حركته حتى النصر النهائى، إنما هو برهان بليغ على صدقه المطلق فى دعوته. إذ لو كانت فى نفسه أدنى لمسة من شك أو اضطراب لما استطاع أبدا أن يصمد أمام العاصفة التى استمرّ أوارها أكثر من عشرين عاما كاملة، هل بعد هذا من برهان على صدق كامل فى الهدف واستقامة فى الخلق وسموّ فى النفس كل هذه العوامل تؤدى لا محالة إلى الاستنتاج الذى لا مفر منه وهو أن هذا الرجل هو رسول الله حقا. هذا هو نبينا محمدﷺ- إذ كان آية فى
_________________
(١) رجال ونساء أسلمو، ٤/ ٢٩- ٣٠.
(٢) نفسه، ٤/ ٣٠.
[ ١٢٣ ]
صفاته النادرة ونموذجا كاملا للفضيلة والخير، ورمزا للصدق والإخلاخص
(إن) حياته وأفكاره وصدقه واستقامته، وتقواه وجوده، وعقيدته ومنجزاته، كل ذلك براهين فريدة على نبوته. فأى إنسان يدرس دون تحيّز حياته ورسالته سوف يشهد أنه حقا من عند الله، وأن القرآن الذى جاء به للناس هو كتاب الله حقا، وكل مفكر منصف جاد يبحث عن الحقيقة لابدّ أن يصل إلى هذا الحكم» «١» .
سانتيلانا «٢»
«ما كان من محمدﷺ- إلا أن تناول المجتمع العربى هدما من أصوله وجذوره وشاد صرحا اجتماعيا جديدا هذا العمل الباهر لم تخطئه عين (ابن خالدون) النفاذة الثاقبة. إن محمداﷺ- هدم شكل القبيلة والأسرة المعروفين آنذاك، ومحا منه الشخصية الفردية Gentes والموالاة والجماعة المتحالفة. من يعتنق دين الإسلام عليه أن ينسى روابطه كلها ومنها رابطة قرباه وأسرته، إلا إذا كانوا يعتنقون دينه (إخوته فى الإيمان) . فما داموا هم على دينهم القديم فإنه يقول لهم كما قال إبراهيم﵇- لأهله ما معناه: «لقد تقطعت بيننا الأسباب » «٣» .
«كان محمدﷺ- رسول الله إلى الشعوب الآخرى، كما كان رسول الله إلى العرب» «٤» .
_________________
(١) رجال ونساء أسلموا ٤/ ٣٠- ٣١.
(٢) دافيد دى سانتيلانا David de Santillana: (١٩٣١ -١٨٤٥) ولد فى تونس، ودرس فى روما، أحرز الدكتوراه فى القانون، فدعاه المقيم العام الفرنسى فى تونس لدراسة وتدوين القوانين التونسية، فوضع القانونين المدنى والتجارى معتمدا بذلك على قواعد الشريعة الإسلامية ومنسقا إياهما بحسب القوانين الأوروبية. كان على معرفة واسعة بالمذهبين المالكى والشافعى، وفى سنة ١٩١٠ عين أستاذا لتاريخ الفلسفة فى الجامعة المصرية، وله محاضرات قيمة فيها. ثم استدعته جامعة روما لتدريس التاريخ الإسلامى. من آثاره: (ترجمة وشرح الأحكام المالكية)، كتاب (الفقه الإسلامى ومقارنته بالمذهب الشافعى) .. إلخ.
(٣) تراث الإسلام (إشراف سير توماس آرنولد)، ص ٤٠٥- ٤٠٦.
(٤) نفسه، ص ٤٠٦.
[ ١٢٤ ]
هنرى دى فاسترى
«إن أشد ما نتطلع إليه بالنظر إلى الديانة الإسلامية ما اختص منها بشخص النبىﷺ- ولذلك قصدت أن يكون بحثى أولا فى تحقيق شخصيته وتقرير حقيقته الأدبية علّنى أجد فى هذا البحث دليلا جديدا على صدقه وأمانته المتفق تقريبا عليها بين جميع مؤرخى الديانات وأكبر المتشيعين للدين المسيحى» «١» .
«ثبت إذن أن محمداﷺ- لم يقرأ كتابا مقدسا ولم يسترشد فى دينه بمذهب متقدم عليه..» «٢» .
«.. ولقد نعلم أن محمداﷺ- مرّ بمتاعب كثيرة وقاسى آلاما نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، فقد خلقه الله ذا نفس تمحّضت للدين ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكى يهرب من عبادة الأوثان ومذهب تعدد الآلهة الذى ابتدعه المسيحيون وكان بغضهما متمكنا من قلبه وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة فى جسمهﷺ- ولعمرى فيم كان يفكر ذلك الرجل الذى بلغ الأربعين وهو فى ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا فى العقل بحدة التخيّل وقوة الإدراك إلا أن يقول مرارا ويعيد تكرارا هذه الكلمات (الله أحد الله أحد) . كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد..» «٣» .
«.. لو رجعنا إلى ما وضحه الحكماء عن النبوة ولم يقبل المتكلمون من المسيحيين لأمكننا الوقوف على حالة مشيد دعائم الإسلام وجزمنا بأنه لم يكن من المبتدعين.. ومن الصعب أن تقف على حقيقة سماعه لصوت جبريل﵇
_________________
(١) الإسلام: خواطر وسوانح، ص ٦.
(٢) نفسه، ص ١٦.
(٣) نفسه، ص ١٦- ١٧.
[ ١٢٥ ]
- إلا أن معرفة هذه الحقيقة لا تغير موضوع المسألة لأن الصدق حاصل فى كل حال» «١» .
«لا يمكن أن ننكر أن محمداﷺ- فى الدور الأول من حياته فى كمال إيمانه وإخلاص صدقه، فأما الإيمان فلن يتزعزع مثقال ذرة من قلبه الدور الثانى (الدور المدنى) وما أوتيه من نصر كان من شأنه أن يقويه على الإيمان لولا أن الاعتقاد كله قد بلغ منه مبلغا لا محل للزيادة فيه.. وما كان يميل إلى الزخارف ولم يكن شحيحا.. وكان قنوعا خرج من (الدنيا) ولم يشبع من خبز الشعير مرة فى حياته.. تجرد من الطمع وتمكن من نوال المقام الأعلى فى بلاد العرب ولكنه لم يجنح إلى الاستبداد فيها، فلم يكن له حاشية ولم يتخذ وزيرا ولا حشما، وقد احتقر المال » «٢» .
_________________
(١) نفسه، ص ٢١.
(٢) نفسه، ص ٢٤.
[ ١٢٦ ]
اينين ديتيه
«إن الشخصية التى حملها محمدﷺ- بين برديه كانت خارقة للعادة وكانت ذات أثر عظيم جدا حتى إنها طبعت شريعته بطابع قوى جعل لها روح الإبداع وأعطاها صفة الشيء الجديد » «١» .
«إن نبى الإسلام هو الوحيد من بين أصحاب الديانات الذى لم يعتمد فى إتمام رسالته على المعجزات وليست عمدته الكبرى إلا بلاغه التنزيل الحكيم» ..» «٢» .
«.. إن سنة الرسول الغرّاءﷺ- باقية إلى يومنا هذا، يجلوها أعظم إخلاص دينى تفيض به نفوس (مئات الملايين) من أتباع سنته منتشرين على سطح الكرة «٣» .
«كان النبىﷺ- يعنى بنفسه عناية تامة، إلى حد أن عرف له نمط من التأنق على غاية من البساطة، ولكن على جانب كبير من الذوق والجمال، وكان ينظر نفسه فى المرآة.. ليمتشط أو ليسوى طيات عماماته.. وهو فى كل ذلك يريد من حسن منظره البشرى أن يروق الخالق ﷾..» «٤» .
«لقد دعا عيسى﵇- إلى المساواة والأخوة، أما محمدﷺ- فوفق إلى (تحقيق) المساواة والأخوة بين المؤمنين أثناء حياته» «٥» .
_________________
(١) أشعة خاصة بنور الإسلام، ص ١٥.
(٢) نفسه، ص ١٦.
(٣) محمد رسول الله، ص ٥١.
(٤) نفسه، ص ٣١٢.
(٥) نفسه، ص ٣٢٣.
[ ١٢٧ ]
ول يورانت
«يبدو أن أحدا لم يعن بتعليم محمدﷺ- القراءة والكتابة.. ولم يعرف عنه أنه كتب شيئا بنفسه ولكن هذا لم يحل بينه وبين قدرته على ما تعرف شؤون الناس تعرفا قلّما يصل إليه أرقى الناس تعليما» «١» .
«كان النبىﷺ- من مهرة القواد.. ولكنه كان إلى هذا سياسيا محنكا، يعرف كيف يواصل الحرب بطريق السلم» «٢» .
«إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر فى الناس قلنا إن محمداﷺ- كان من أعظم عظاماء التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحى، والأخلاقى لشعب ألقت به فى دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح فى تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يدانه فيه أى مصلح آخر فى التاريخ كله، وقلّ أن نجد إنسانا غيره حقق ما كان يحلم به..
ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى، بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب فى أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذى سلكوه.. وكانت بلاد العرب لما بدأ الدعوة صحراء جدباء، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان قليل عددها، متفرقة كلمتها، وكانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة، وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية، ودين بلاده القديم، دينا سهلا واضحا قويا، وصرحا خلقيا قوامه البسالة والعزة القومية. واستطاع فى جيل واحد أن ينتصر فى مائة معركة، وفى قرن واحد أن ينشيء دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم فى نصف العالم» «٣» .
_________________
(١) قصة الحضارة، ١٣/ ٢١- ٢٢
(٢) نفسه، ١٣/ ٣٨.
(٣) نفسه، ١٣/ ٤٧.
[ ١٢٨ ]
«.. لسنا نجد فى التاريخ كله مصلحا فرض على الأغنياء من الضرائب ما فرضه عليهم محمدﷺ- لإعانة الفقراء..» «١» .
«تدل الأحاديث النبوية على أن النبىﷺ- كان يحث على طلب العلم ويعجب به، فهو من هذه الناحية يختلف عن معظم المصلحين الدينيين..» «٢» .
ردونسن «٣»
«.. بظهور عدد من المؤرخين الأوروبيين المستنيرين فى القرن الثامن عشر) بدأت تتكمل معالم صورة هى صورة محمدﷺ- الحاكم المتسامح والحكيم والمشرع» «٤» .
_________________
(١) نفسه، ١٣/ ٥٩.
(٢) نفسه، ١٣/ ١٦٧.
(٣) مكسيم رودنسن: ولد عام ١٩١٥، من أساتذة مدرسة الدراسات العليا بباريس، ثم مديرها. من آثاره: (مباحث فى فن الطبخ عند العرب) (١٩٤٩) . ونشر عددا من الدراسات فى المجالات المعروفة من مثل (دانتى والإسلام)، و(حياة محمد والمشكلة الاجتماعية المتعلقة بأصول الإسلام)، و(دراسة الصلات بين الإسلام والشيوعية) .
(٤) تراث الإسلام، (تصنيف شاخت وبوزوث)، ١/ ٦٧- ٦٨.
[ ١٢٩ ]
فرانز روزنثال
«إن أفكار الرسولﷺ- التى تلقاها وحيا أو التى أدى إليها اجتهاده نشّطت دراسة التاريخ نشاطا لا مزيد عليه، فقد أصبحت أعمال الأفراد وأحداث الماضى وحوادث كافة شعوب الأرض أمورا ذات أهمية دينية، كما أن شخصية الرسولﷺ- كانت خطا فاصلا واضحا فى كل مجرى التاريخ، ولم يتخط علم التاريخ الإسلامى هذا الخط قط..» «١» .
«تبقى حقيقة، هى أن الرسولﷺ- نفسه وضع البذور التى نجنى منها اهتماما واسعا بالتاريخ.. لقد كان التاريخ يملأ تفكير الرسولﷺ- لدرجة كبيرة، وقد ساعد عمله من حيث العموم فى تقديم نمو التاريخ الإسلامى فى المستقبل، رغم أن الرسولﷺ- لم يتنبأ بالنمو الهائل للمعرفة والعلم الذى سيتم باسم دينه» «٢» .
جاك ريسلر
«القرآن يكمله الحديث الذى يعد سلسلة من الأقول بأعمال النبىﷺ- وإرشاداته. وفى الحديث يجد المرء ما كان يدور بخلد النبىﷺ-، العنصر الأساسى من سلوكه أمام الحقائق المتغيرة فى الحياة، هذه الأقوال، أو هذه الأحاديث التى يشكل مجموعها السنة دونت مما روى عن الصحابةرضي الله عنهم- أو نقل مع التمحيص الشديد فى اختيارها وهكذا جمع عدد كبير من الأحاديث والسنة هى المبينة للقرآن التى لا غنى عنها للقرآن..» «٣» .
_________________
(١) علم التاريخ عند المسلمين، ص ٤٠.
(٢) نفسه، ص ٤٥.
(٣) الحضارة العربية، ص ٣٢.
[ ١٣٠ ]
«.. كان لزاما على محمدﷺ- أن يبرز فى أقصر وقت ممكن تفوّق الشعب العربى عندما أنعم الله عليه بدين سام فى بساطته ووضوحه، وكذلك بمذهبه الصارم فى التوحيد فى مواجهة التردد الدائم للعقائد الدينية. وإذا ما عرفنا أن هذا العمل العظيم أدرك وحقق فى أقصر أجل أعظم أمل لحياة إنسانية فإنه يجب أن نعترف أن محمداﷺ- يظل فى عداد أعظم الرجال الذين شرف بهم تاريخ الشعوب والأديان» «١» .
جورج سارتون
«صدع الرسولﷺ- بالدعوة نحو عام ٦١٠ م وعمره يوم ذاك أربعون سنة، وكان مثل إخوانه الأنبياء السابقين﵈- ولكن كان أفضل منهم بما لا نسبة فيه.. وكان زاهدا وفقيها ومشرعا ورجلا عمليّا..» «٢» .
«إنه لم يتح لنبى من قبل أن ينتصر انتصارا تاما كانتصار محمدﷺ- » «٣» .
«.. لم يكن محمدﷺ- نبى الإسلام فحسب، بل نبى اللغة العربية والثقافة العربية، على اختلاف أجناس المتكلمين بها وأديانهم» «٤» .
_________________
(١) الحضارة العربية، ص ٣٧.
(٢) الثقافة الغربية فى رعاية الشرق الأوسط، ص ٢٩- ٣٠- ٣١.
(٣) نفسه، ص ٤٣.
(٤) نفسه، ص ٤٣.
[ ١٣١ ]
نصرى سلهب
«فى مكة.. أبصر النور طفل لم يمرّ ببال أمه، ساعة ولادته، أنه سيكون أحد أعظم الرجال فى العالم بل فى التاريخ، ولربما أعظمهم إطلاقا..» «١» .
«هنا عظمة محمدﷺ-. لقد استطاع، خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن، أن يحدث شريعة خلقية وروحية واجتماعية لم يستطعها أحد فى التاريخ بمثل تلك السرعة المذهلة» «٢» .
«.. هذا الرجل الذى ما عرف الهدوء ولا الراحة ولا الاستقرار، استطاع وسط ذلك الخضم الهائج، أن يرسى قواعد دولة، وأن يشرّع قوانين ويسنّ أنظمة، ويجود بالتفسير والاجتهادات ولم ينس أنه أب وجد لأولاد وأحفاد، فلم يحرمهم عطفه وحنانه، فكان بشخصيته الفذة الغنية بالقيم والمعطيات والمؤهلات، المتعددة الأبعاد والجوانب، الفريدة بما أسبغ الله عليها من نعم وصفات، وبما حباها من إمكانات، كل بذلك كله، عالما قائما بنفسه» «٣» .
«تراثك يا ابن عبد الله ينبغى أن يحيا، لا فى النفوس والقلوب فحسب، بل فى واقع الحياة، فيما يعانى البشر من أزمات وما يعترضهم من عقبات.
تراثك مدرسة يلقى على منابرها كل يوم عظة ودرس. كل سؤال له عندك جواب. كل مشكلة مهما استعصت وتعقدت، نجد لها فى آثارك حلّا» «٤» .
«.. لم يكن النبىﷺ- رسولا وحسب، يهدى الناس إلى الإيمان، إنما كان زعيما وقائد شعب، فعزم على أن يجعل من ذلك الشعب خير أمة أخرجت للناس. وكان له ما أراد» «٥» .
_________________
(١) فى خطى محمد، ص ٤٢.
(٢) نفسه، ص ١٩٦.
(٣) نفسه، ص ٢٧٣- ٢٧٤.
(٤) نفسه، ص ٣٩٦.
(٥) نفسه، ص ٤٠٩.
[ ١٣٢ ]
أحمد سوسة
«.. أى غاية أسمى وأقرب إلى الإنسانية ودين الله من تلكم الغاية التى كان يرمى إليها الرسولﷺ- فى توحيد القلوب وإظهار الحقيقة؟ لنتصور محمداﷺ- وهو يملى على أهل الكتاب وحى الله قائلا: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران: ٦٤) ..» «١» .
«إن نبى الإسلام شخصية تاريخية مبجلة. ما حياة الرسولﷺ- سوى سلسلة وقائع تاريخية عظيمة الشأن نبيلة المرمى يتجلى فيها مقامه السامى من الحلقة الإنسانية..» «٢» .
«.. كان محمدﷺ- أنموذجا للحياة الإنسانية بسيرته وصدق إيمانه ورسوخ عقيدته القويمة. بل مثالا كاملا للأمانة والاستقامة وإن تضحياته فى سبيل بث الإلهية خير دليل على سموّ ذاته ونبل مقصده، وعظمة شخصيته وقدسية نبوته» «٣» .
«إن التاريخ ينبئنا أن محمداﷺ- ضحّى بكل شيء من أجل رسالته إذ أتيحت له مرات فرصة الاختيار بين أمرين أولهما حياة راحة وهناء وغنى على أن ينبذ (دعوته) وثانيهما حياة عسر واضطهاد مقرونة بنشر رسالته، وقد فضل الأمر الثانى لأن إيمانه برسالته كان قويا وكان قد أوحى إليه بأنه قد اختاره ربه لبث هذه الرسالة على الإنسانية جمعاء فكان ما أراد الله له» «٤» .
_________________
(١) كان مسيحيا فأسلم انظر كتابه «فى طريقى إلى الإسلام»، ١/ ٧٢- ٧٣.
(٢) نفسه، ص ١/ ١٧٤.
(٣) نفسه، ص ١/ ١٧٤- ١٧٥.
(٤) نفسه، ٢/ ١٣٠.
[ ١٣٣ ]
لويس سيديو
«لقد حل الوقت الذى توجه فيه الأنظار إلى تاريخ تلك الأمة التى كانت مجهولة الأمر فى زاوية من آسية فارتقت إلى أعلى مقام فطبق اسمها آفاق الدنيا مدة سبعة قرون. ومصدر هذه المعجزة هو رجل واحد، هو محمدﷺ-..» «١» .
«.. لم يعد محمدﷺ- نفسه غير خاتم لأنبياء الله﵈- وهو قد أعلن أن عيسى ابن مريم كان ذا موهبة فى الإتيان بالمعجزات، مع أن محمداﷺ- لم يعط مثل هذه الموهبة، وما أكثر ما كان يعترض محتجا على بعض ما يعزوه إليه أشد أتباعه حماسة من الأعمال الخارقة للعادة!» «٢» .
«.. إن محمداﷺ- أثبت خلود الروح.. وهو مبدأ من أقوم مبادئ الأخلاق. ومن مفاخر محمدﷺ- أن أظهره قويا أكثر مما أظهره أى مشرّع آخر » «٣» .
«.. ما أكثر ما عرض محمدﷺ- حياته للخطر انتصارا لدعوته فى عهده الأول بمكة، وهو لم ينفك عن القتال فى واقعة أحد حتى بعد أن جرح جبينه وخده وسقطت ثنيتاه.. وهو قد أوجب النصر بصوته ومثاله فى معركة حنين، ومن الحق أن عرف العالم كيف يحيى قوة إرادته ومتانة خلقه..
وبساطته، ومن يجهل أنه لم يعدل، إلى آخر عمره، عما يفرضه فقر البادية
_________________
(١) تاريخ العرب العام، ص ١٥.
(٢) نفسه، ص ٩٠.
(٣) نفسه، ص ٩٣.
[ ١٣٤ ]
على سكانها من طراز حياة وشظف عيش؟ وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض وكانﷺ- حليما معتدلا، وكان يأتى بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه، وكان يستقبل بلطف ورفق جميع ما يودّون سؤاله، فيسحر كلماءه بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة، وكان لا يضج من طول الحديث، وكان لا يتكلم إلا قليلا فلا ينمّ ما يقول على كبرياء أو استعلاء، وكان يوحى فى كل مرة باحترام القول له.. ودلّﷺ- على أنه سياسى محنّك..» «١» .
«بدت فى بلاد العرب أيام محمدﷺ- حركة غير مألوفة من قبل، فقد خضعت لسلطان واحد قبائل العرب الغيرى على استقلالها والفخورة بحياتها الفردية، وانضم بعض هذه القبائل إلى بعض فتألفت أمة واحدة» «٢» .
_________________
(١) نفسه، ص ١٠٢- ١٠٣.
(٢) نفسه، ص ١٢٣.
[ ١٣٥ ]
هنرى سيروى
«ومحمدﷺ- لم يغرس فى نفوس الأعراب مبدأ التوحيد فقط، بل غرس فيها أيضا المدنية والأدب» «١» .
«محمدﷺ- شخصية تاريخية حقة، فلولاه ما استطاع الإسلام أن يمتد ويزداد، ولم يتوان فى ترديد أنه بشر مثل الآخرين ماله الموت، وبأنه يطلب العفو والمغفرة من الله ﷿. وقبل مماته أراد أن يطهر ضميره من كل هفوة أتاها فوقف على المنبر مخاطبا: أيها المسلمون، إذا كنت قد ضربت أحدا فهاكم ظهرى ليأخذ ثأره، أو سلبته مالا فمالى ملكه. فوقف رجل معلنا أنه يدينه بثلاثة دراهم، فردّ الرسولﷺ- قائلا: أن يشعر الإنسان بالخجل فى دنياه خير من آخرته. ودفع للرجل دينه فى التو. وهذا التذوق والإحساس البالغ لفهم محمدﷺ- لدوره كنبى يرينا بأن (رينان) كان على غير حق فى نعته العرب قبل الإسلام بأنها أمة كانت تحيا بين براثين الجهل والخرفات» «٢» .
«إن المحاولة الإسلامية فى التاريخ ذات أثر كبير، والعبقرية العربية تجد فى محمدﷺ- منشئا لحضارة التوحيد التى تعتبر ذات أهمية كبيرة، إذا فكرنا فى القيامة الفلسفية للتوحيد، وفى تفوقها الكبير الذى جعل كل الشعوب الآرية تمارس أفكار تلكم الفلسفة. وهذه الثروة الروحية الغزيرة فى الأمة العربية، راجعة إلى الغريزة النبوية والتى تعد واضحة لدى الشعوب السامية، فاليهود الذين يستطيعون الفخر بأنبيائهم الكبار، يقرون بأن روح النبوة قد اختفت لديهم بعد هدم معبدهم الثانى، وهذا ما يفسر بمعنى أكيد العداوة العنيفة والكثيرة التكرار فى القرآن بالنسبة إليهم» «٣» .
«.. إن الحضارة الفكرية الذهنية الحقيقية لم تظهر وتوجد- لدى العرب- إلا لدى وصول محمدﷺ-» «٤» .
_________________
(١) فلسفة الفكر الإسلامى، ص ٨.
(٢) نفسه، ص ١٧.
(٣) نفسه، ص ٣١.
(٤) دفاع عن الإسلام، ص ٢٤.
[ ١٣٦ ]
لورافيشيا فاغليرى
«.. كانت حملة كبيرة على سوريا.. رهن الإعداد، عندما أسكت الموت إلى الأبد صوت النبىﷺ- الذى كان قد أحدث هذه الهزة العميقة فى تلك القلوب كلها، والذى كان مقدرا له أن يستهوى عما قريب شعوبا أخرى تقيم فى مواطن أكثر إمعانا فى البعد.. وكان فى السنة الحادية عشرة من الهجرة» «١» .
«كان محمدﷺ- المتمسك دائما بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، مصطنعا الأناة دائما اعتقادا منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيدا أن الله لابد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشرى» «٢» .
«حاول أقوى أعداء الإسلام، وقد أعماهم الحقد، أن يرموا نبى اللهﷺ ببعض التهم المفتراة. لقد نسوا أن محمدا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته. ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمدﷺ- على تهديد الكاذبين والمرائين، فى بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك (وحاشاه) رجلا كاذبا؟ كيف جرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه، وهو الرجل
_________________
(١) المصدر السابق، ص ٣٣.
(٢) نفسه، ص ٧٣.
[ ١٣٧ ]
ذو الفطرة البسيطة حثا موصولا؟ كيف استطاع أن يستهل صراعا كان يبدو يائسا؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، فى مكة، فى نجاح قليل جدا، وفى أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمنا إيمانا عميقا يصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه، ويدخلوا فى الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالى إلى مجتمع مؤلف فى كثرته من الأرقاء، والعتقاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا فى كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا فى حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمدﷺ- كان عميقا وأكيدا» «١» .
«دعا الرسول العربىﷺ- بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان، وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية.
وارتضى أن يخوض صراعا مكشوفا مع بعض نزعات البشر الرجعية التى تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى » «٢» .
«.. إن محمداﷺ- طوال سنين الشباب التى تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش فى مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقودا أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلا إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة ليس غير، هى خديجةرضي الله عنها- التى كانت سنّها أعلى من سنّه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج كرة ثانية، وأكثر من مرة، إلا بعد أن توفيت خديجة، وإلا بعد أن بلغ الخمسين من عمره. لقد كان لكل زواج من زيجاته هذه سبب اجتماعى أو سياسى، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتى تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقة زوجية مع بعض العشائر والقبائل الآخرى ابتغاء
_________________
(١) نفسه، ص ٣٧- ٣٨.
(٢) نفسه، ص ٤٣.
[ ١٣٨ ]
طريق جديد لانتشار الإسلام وباستثناء عائشةرضي الله عنها- ليس غير، تزوج محمد ﷺ- من نسوة لم يكنّ لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟ لقد كان رجلا لا إلها. وقد تكون الرغبة فى الولد هى التى دفعته أيضا إلى الزواج من جديد، لأن الأبناء الذين أنجبتهم خديجةرضي الله عنها- له كانوا قد ماتوا. ومن غير أن تكون له موارد كثيرة أخذ على عاتقه النهوض بأعباء أسرة ضخمة، ولكنه التزم دائما سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أى منهن. لقد تصرف متأسّيا بسنة الأنبياء القدامى﵈-، مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحدا من الناس يعترض على زواجهم المتعدد. فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمدﷺ- العائلية؟» «١» .
_________________
(١) نفسه، ص ٩٩- ١٠٠.
[ ١٣٩ ]
ليوبولد فايس
«.. إن العمل بسنة رسول اللهﷺ- هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، وأنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء، كأنه بيت من ورق؟» «١» .
«.. إن السنة هى المثال الذى أقامه لنا الرسولﷺ- من أعماله وأقواله.
إن حياته العجيبة كانت تمثيلا حيّا وتفسيرا لما جاء فى القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذى قد بلّغ الوحى» «٢» .
«.. إنه على الرغم من جميع الجهود التى بذلت فى سبيل تحدى الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفى الخالص بنتائج من البحث العلمى.
وأنه من الصعب أن يفعل أحد ذلك، لأن الجامعين لكتب الحديث الأولى، وخصوصا الإمامين البخارى ومسلم قد قاموا بكل ما فى طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضا أشد كثيرا من ذلك الذى يلجأ إليه المؤرخون الأوربيون عادة عند النظر فى مصادر التاريخ القديم» «٣» .
«.. إن رفض الأحاديث الصحيحة، جملة واحدة أو أقساما، ليس حتى اليوم.. إلا قضية ذوق، قضية قصرت عن أن تجعل من نفسها بحثا علميا خالصا من الأهواء..» «٤» .
«.. إن العمل بالسنة (يجعل) كل شيء فى حياتنا اليومية مبنيّا على الاقتداء بما فعله الرسولﷺ- وهكذا نكون دائما، إذا فعلنا أو تركنا ذلك، مجبرين على أن نفكر بأعمال الرسول وأقواله المماثلة لأعمالنا هذه وعلى هذا تصبح شخصية أعظم رجل متغلغلة إلى حد بعيد فى منهاج حياتنا اليومية نفسه، ويكون نفوذه الروحى قد أصبح العامل الحقيقى الذى يعتادنا طوال الحياة..» «٥» .
_________________
(١) الإسلام على مفترق الطرق، ص ٨٧.
(٢) نفسه، ص ٨٨.
(٣) نفسه، ص ٩٢.
(٤) نفسه، ص ٩٧.
(٥) نفسه، ص ١٠٩.
[ ١٤٠ ]
كارلايل «١»
«هل رأيتم قط.. أن رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجبا.. إنه لا يقدر أن يا بنى بيتا من الطوب! فهو إذا لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذى يبنيه بيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن. وإنى لأعلم أن على المرء أن يسير فى جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته.. كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيّلوه حقا.. ومحنة أن ينخدع الناس شعوبا وأمما بهذه الأضاليل..» «٢» .
«.. إن محمداﷺ- لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا وكانت صناعة الخطّ حديثة العهد آنذاك فى بلاد العرب، ويظهر لى أن الحقيقة هى أن محمداﷺ لم يكن يعرف الخط والقراءة، وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهده بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية. أنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسّر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه فى ظلمات صحراء العرب، ولم يضره.. أنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنيّا عن كل ذلك. ولم يقتبس محمدﷺ- من نور أى إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره ولم يك فى جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء- أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية فى ظلمات الدهور- من كان بين محمدﷺ- وبينه أدنى صلة وإنما نشأ وعاش
_________________
(١) توماس كارلايل Th.Carlyle (١٨٨١ -١٧٩٥) الكاتب الإنجليزى المعروف. من آثاره: (الأبطال (١٩٤٠)، وقد عقد فيه فصلا رائعا عن النبىﷺ-، الثورة الفرنسية) .. إلخ.
(٢) الأبطال: ص ٤٣.
[ ١٤١ ]
وحده فى أحشاء الصحراء.. بين الطبيعة وبين أفكاره» «١» .
«لوحظ على محمدﷺ- منذ «صباه» أنه كان شابا مفكرا وقد سمّاه رفقاؤه الأمين- رجل الصدق والوفاء- الصدق فى أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. وإنى لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ.. وقد رأيناه طول حياته رجلا راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهمة كريما برّا رؤوفا تقيّا فاضلا حرّا، رجلا شديد الجدّ مخلصا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضىء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق..
وكان ذكى اللب، شهم الفؤاد.. عظيما بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غنى عن ذلك.. فأدى عمله فى الحياة وحده فى أعماق الصحراء» «٢» .
«.. ومما يبطل دعوى القائلين أن محمداﷺ- لم يكن صادقا فى رسالته.. أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه فى تلك العيشة الهادئة المطمئنة مع خديجةرضي الله عنها- لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا درى، مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطة.. ولم يكن إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب أن فار بصدره ذلك البركان الذى كان هاجعا وثار يريد أمرا جليلا وشأنا عظيما» «٣» .
« لقد كان فى فؤاد ذلك الرجل الكبيرﷺ- ابن القفار والفلوات العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرا وحنانا وبرا وحكمة وحجى ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوى، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة. إذ نرى محمداﷺ- لم يرض أن يتلفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفردا
_________________
(١) نفسه، ص ٥.
(٢) نفسه، ص ٥٠، ٥١.
(٣) نفسه، ص ٥١.
[ ١٤٢ ]
بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه بأهواله ومخاوفه ومباهره، ولم يكن هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكأنه لسان حال ذلك السرّ يناجيه: هأنذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهى مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية. وكل كلام ما عدا ذلك هباء وكل قول جفاء..» «١» .
«إنى لأحب محمداﷺ- لبراءة طبعه من الرأى والتصنّع. ولقد كان ابن القفار هذا رجلا مستقل الرأى لا يعول إلا على نفسه ولا يدعى ما ليس فيه ولم يكن متكبرا ولكنه لم يكن ذليلا، فهو قائم فى ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراده، يخاطب بقوله الحرّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة. وكان يعرف لنفسه قدرها..
وكان رجلا ماضى العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد..» «٢» .
_________________
(١) نفسه، ص ٥١، ٥٢.
(٢) نفسه، ص ٦٤
[ ١٤٣ ]
كاهن «١»
«اصطبغت شخصية محمدﷺ- بصبغة تاريخية قد لا تجدها عند أى مؤسس آخر من مؤسسى الديانات الكبرى» «٢» .
«يبدو للمؤرخ المنصف أن محمداﷺ- كان فى عداد الشخصيات النبيلة السامية التى سعت فى كثير من الحماس والإخلاص إلى النهوض بالبيئة التى عاش فيها أخلاقيا وفكريا، كما استطاع فى الوقت نفسه أن يكيف رسالته حسب طباع الناس وتقاليدهم بمزيد من الفهم والتنظيم بحيث كفل البقاء والخلود للرسالة التى بشر بها. وحتم علينا أن نلقى محمداﷺ- بعواطف الإجلال والاحترام لما تحلى به من سمو الإلهام ومن قدرة على تذليل العقبات الإنسانية عامة والتغلب على مصاعبه الشخصية خاصة. وربما أثارت فينا بعض جوانب حياته شيئا من الارتباك تبعا لعقليتنا المعاصرة. فقد أكدت المهاترات على شهوات الرسولﷺ- الدنيوية وألمحت إلى زوجاته التسع اللائى اتخذهن بعد وفاة خديجة. لكن الثابت أن معظم هذه الصلات الزوجية قد طبعت بطابع سياسى، وأنها استهدفت الحصول على ولاء بعض الأشراف وبعض الأفخاذ. ثم إن العقلية العربية تقرّ الإنسان إذا استخدم طبيعته على نحو ما خلقها الله» «٣» .
_________________
(١) كلود كاهن Cl.Cahen: ولد عام ١٩٠٩ م، وتخرج باللغات الشرقية من السوربون ومدرسة اللغات الشرقية ومدرسة المعلمين العليا، وعين محاضرا فى مدرسة اللغات الشرقية فى باريس (١٩٣٨)، وأستاذا لتاريخ الإسلام فى كلية الآداب بجامعة ستراسبورغ (١٩٤٥)، وفى جامعة باريس. من آثاره: عدد كبير من الدراسات والأبحاث فى المجلات الشهيرة، وحقق العديد من النصوص التاريخية المهمة، كما أنجز عددا من المؤلفات عن الحروب الصليبية.
(٢) تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، ١/ ١٤.
(٣) نفسه، ١/ ١٨.
[ ١٤٤ ]
«.. الحق أننا نتجاوز النقد العلمى الصحيح إذا نحن أنكرنا على كل حديث صحته أو قدمه. ولقد باشر العلماء بمثل هذا التمحيص منذ عهد بعيد فوجدوا أن التحريف أو التلفيق قد لا يعمّان على نسق واحد واستندوا فى ذلك إلى بعض الأحاديث التى يمكن اعتبارها سابقة أو حجة يعتد بها. بمعنى أن الموقف النقدى مفروض على الباحث المنصف. وفقهاء المسلمين أنفسهم هم قدوة لنا فى هذا المضمار لأنهم- على طريقتهم- قد التزموا بذلك الموقف منذ العصر الوسيط» «١» .
هاملتون كب
«.. اقتضى الأمر نشوء علم جديد غايته جمع الحديث ونقده وتصنيفه وتنسيقه والحصول فى النهاية- بقدر الإمكان- على مجموعة متفق عليها يتقبلها الجميع. وقد استأثرت هذه المهمة بالكثير من طاقات الفقهاء والعلماء فى القرن الثالث، ولكن القائمين عليها أحرزوا نجاحا حتى أصبح حديث الرسولﷺ- يعتبر مرجعا ثانيا معتمدا للفقه والعقيدة» «٢» .
«.. يكاد يكون من المؤكد أن الآراء التى تعبر عنها الأحاديث (التى تم جمعها فى القرن الثالث) تمثل تعاليم القرآن ومبادئه الخلقيّة تمثيلا صادقا «٣» .
«إن بدايات التاريخ العلمى بالعربية تقترن بدراسة سيرة الرسولﷺ- ودراسة أعماله. وعليه فإننا نجد مصدر هذه الدراسة فى جمع الحديث النبوى وبخاصة الأحاديث المتعلقة بمغازى الرسولﷺ-. وكان موطن هذه الدراسة هو المدينة.. ويفسر لنا ارتباط المغازى بالحديث، هذا الارتباط الذى ترك طابعا لا يمحى فى المنهج التاريخى باستخدام هذا المنهج للإسناد، ما طرأ من تغير هائل ظهر منذ هذه اللحظة فى طبيعة الأخبار التاريخية عند العرب،
_________________
(١) نفسه، ١/ ٩٥.
(٢) دراسات فى حضارة الإسلام، ص ٢٠.
(٣) نفسه، ص ٢١.
[ ١٤٥ ]
ودقتها المؤسسة على النقد. ويمكننا أن نشعر لأول مرة بأننا نستند إلى أساس تاريخى قويم حتى وإن اعترفنا بوجود بعض العناصر المشكوك فيها فى أخبار الفترتين، المدنية والمكية، من حياة الرسولﷺ-» «١» .
«ومهما نقل فى قوة النزعة الإسلامية نحو محمدﷺ- وفى آثارها فإننا لا نوصف بالغلو. فقد كان إجلال الرسولﷺ- شعورا طبيعيا محتوما فى عصره وفيها بعده، غير أن ما نومئ إليه شيء يتجاوز الإجلال. فإن العلاقات الشخصية من الإعجاب والحب اللذين بعثهما فى نفوس صحابته ظل صداها يتردد خلال القرآن، والفضل فى ذلك يعود إلى الوسائل التى أقرتها الأمة لتستنير بهما مجددين فى كل جيل» «٢» .
«.. لولا الحديث لأصبح لمحمدﷺ- فى أقل تقدير صورة معممة- إن لم نقل بعيدة- فى أصولها التاريخية والدينية. أما الحديث فقد صور وجوده الإنسانى فى مجموعة وفيرة من التفصيلات الحية المحسوسة، وبذلك قدم للمسلمين حين ربط بين المسلمين وبين نبيهم بنفسه الروابط الذاتية الوثيقة التى كانت تصله بأصحابه الأولين، وهى روابط نمت على مر القرون وكانت أقوى من أن تصاب بالضعف. ولم يصبح شخص محمدﷺ- أبدا ذا صبغة مرسومة مقررة، ويكاد لا يكن من الغلو أن نقول إن حرارة ذلك الشعور الشخصى نحو الرسول الحبيبﷺ- كانت أبدا أقوى عنصر حيوى فى دين الجماهير الإسلامية أو كانت كذلك بين أهل السنة، على الأقل» «٣» .
«.. لا تزال الاحتفالات العائلية تختم بأدعية وأناشيد فى تمجيد الرسولﷺ- وكل الأمة تراعيها وتنشدها بحماسة فى ذلك اليوم المجيد، يوم مولد النبىﷺ- فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول. هنالك ترى المجددين والمقلدين والصوفية والسلفية والعلماء وأفراد الجمهور يلتقون جميعا معا على بقعة واحدة، وقد يكون بين نزعاتهم العقلية تنوع واسع متباين، ولكنهم جميعا وحدة متالفة فى إخلاصهم وحبهم محمداﷺ-» «٤» .
_________________
(١) نفسه، ص ١٤٧.
(٢) نفسه، ص ٢٥٧.
(٣) نفسه، ص ٢٥٧- ٢٥٨.
(٤) نفسه، ص ٢٥٩.
[ ١٤٦ ]
ايفلين كوبولد
«.. هذه هى مدينة الرسولﷺ-.. تعيد إلى نفسى ذكرى جهوده فى سبيل لا إله إلا الله، وتلقى فى روعى صبره على المكاره واحتماله للأذى فى سبيل الوحدانية الإلهية» «١» .
«كان العرب قبل محمدﷺ- أمة لا شأن لها ولا أهمية لقبائلها ولا لجماعتها، فلما جاء محمدﷺ- بعث هذه الأمة بعثا جديدا يصح أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجالا وآجالا..» «٢» .
«.. لعمرى، ليجدن المرء فى نفسه، ما تقدم إلى قبر الرسولﷺ- روعة ما يستطيع لها تفسيرا، وهى روعة تملأ النفس اضطرابا وذهولا ورجاء وخوفا وأملا، ذلك أنه أمام نبى مرسل وعبقرى عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم.. إن العظمة والعبقرية يهزان القلوب ويثيران الأفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع النبوة، وما بالك بها وقد راحت تضحى بكل شيء فى الحياة فى سبيل الإنسانية وخير البشرية» «٣» .
«لقد استطاع النبىﷺ- القيام بالمعجزات والعجائب، لمّا تمكن من حمل هذه الأمة العربية الشديدة على نبذ الأصنام وقبول الوحدانية الإلهية..
لقد وفّق إلى خلق العرب خلقا جديدا ونقلهم من الظلمات إلى النور» «٤» .
«مع أن محمداﷺ- كان سيد الجزيرة العربية.. فإنه لم يفكر فى الألقاب، ولا راح يعمل لاستثمارها، بل ظل على حاله مكتفيا بأنه رسول الله، وأنه خادم المسلمين، ينظف بيته بنفسه ويصلح حذاءه بيده، كريما بارا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان فى أكثر الأحايين قليلا لا يكاد يكفيه» «٥» .
_________________
(١) البحث عن الله، ص ٣٩- ٤٠.
(٢) نفسه، ص ٥١.
(٣) نفسه، ص ٥٢.
(٤) نفسه، ص ٦٦- ٦٧.
(٥) نفسه، ص ٦٧.
[ ١٤٧ ]
كولد تسيهر «١»
«.. إن محمدا قد بشر بمذهبه للمرة الأولى بحماس لم يفتر ولم تعوزه المثابرة، وبعقيدة ثابتة بأن هذا المذهب يحقق صالح الجماعة الخاصة، وقد كان فى ذلك كله مظهرا لإنكار الذات برغم سخرية الجمهور» «٢» .
«.. الحق، أن محمداﷺ- كان بلا شك أول مصلح حقيقى فى الشعب العربى من الجهة التاريخية» «٣» .
«فى هذا العصر نرى النبىﷺ- يستخدم حنكته المفكرة ورويته الدقيقة وتبصره العالى، فى مقاومة خصومه الذين شرعوا فى معارضة مقاصده وغاياته فى داخل موطنه وخارجه» «٤» .
_________________
(١) كولد تسيهر (١٨٥٠- ١٩٢١ م Y.Gldziher (تخرج باللغات السامية على كبار أساتذتها فى بودابست وليبزج وبرلين وليدن. ولما نبه ذكره عين أستاذا محاضرا فى كلية العلوم بجامعة بودابست (١٨٧٣) ثم أستاذ كرسى (١٩٠٦) . رحل إلى عدد من البلدان العربية وتضلع بالعربية على شيوخ الأزهر. انتخب عضوا فى عدد من المجامع العلمية وحضر عددا من المؤتمرات الاستشراقية. من آثاره: كتب سيلا من المقالات والأبحاث فى المجلات الآسيوية والغربية بأكثر من لغة. وكتاب (العقيدة والشريعة فى الإسلام) (باريس ١٩٢٠)، و(درس فى الإسلام) فى جزأين كبيرين. كما حقق العديد من النصوص القديمة.
(٢) العقيدة والشريعة فى الإسلام، ص ١٢- ١٣.
(٣) نفسه، ص ١٣.
(٤) نفسه، ص ٢١- ٢٢.
[ ١٤٨ ]
عبد الله لويليام
«كان محمدﷺ- على أعظم ما يكون من كريم الطباع وشريف الأخلاق ومنتهى الحياء وشدة الإحساس.. وكان حائزا لقوة إدراك عجيبة وذكاء مفرط وعواطف رقيقة شريفة. وكان على خلق عظيم وشيم مرضية مطبوعا على الإحساس » «١» .
«.. إن بعض كتاب هذا العصر كادوا أن يعرفوا بأن الطعن والقدح والشتم والسب ليس بالحجة ولا البرهان فسلموا بذكر كثير من صفات النبىﷺ- السامية وجليل أعماله الفاخرة..» «٢» .
«.. ما اهتدى مئات الملايين إلى الإسلام إلا ببركة محمدﷺ- الذى علمهم الركوع والسجود لله وأبقى لهم دستورا لن يضلوا بعده أبدا وهو القرآن الجامع لمصالح دنياهم ولخير أخراهم..» «٣» .
«لما شرّف محمدﷺ- ساحة عالم الشهود بوجوده الذى هو الواسطة العظمى والوسيلة الكبرى إلى اعتلاء النوع الإنسانى وترقيه فى درجات المدنية أكمل ما يحتاجه البشر من اللوازم الضرورية على نهج مشروع وأوصل الخلق إلى أقصى مراتب السعادة بسرعة خارقة. ومن نظر بعين البصيرة فى حال الأنام قبله ﵊ وما كانوا عليه من الضلالة ونظر فى حالهم بعد ذلك وما حصل لهم فى عصره من الترقّى العظيم رأى بين الحالين فرقا عظيما كما بين الثريا والثرى» «٤» .
«.. امتدت أنوار المدنية بعد محمدﷺ- فى قليل من الزمان ساطعة فى أقطار الأرض من المشرق إلى المغرب حتى إن وصول أتباعه فى ذلك الزمن اليسير إلى تلك المرتبة العلية من المدنية قد حيّر عقول أولى الألباب وما السبب فى ذلك إلا كون أوامره ونواهيه موافقة لموجب العقل ومطابقة لمقتضى الحكمة» «٥» .
_________________
(١) العقيدة الإسلامية، ص ٩٦- ٩٧.
(٢) نفسه، ص ١١٣- ١١٤.
(٣) نفسه، ص ٣٨ (عن لوزون فى خطبته المذكورة) .
(٤) أحسن الأجوبة عن سؤال أحد علماء أوروبا، ص ٢١- ٢٢.
(٥) نفسه، ص ٢٢، ٢٣.
[ ١٤٩ ]
روم لاندو
«.. لم ينسب محمدﷺ- فى أيّما يوم من الأيام إلى نفسه صفة ألوهية أو قوى أعجوبية. على العكس، لقد كان حريصا على النص على أنه مجرد رسول اصطنعه الله لإبلاغ الوحى للناس» «١» .
«كان محمدﷺ- تقيا بالفطرة، وكان من غير ريب مهيّأ لحمل رسالة الإسلام التى تلقاها.. وبالإضافة إلى طبيعته الروحية، كان فى سرّه وجهره رجلا عمليا عرف مواطن الضعف ومواطن القوة فى الخلق العربى، وأدرك أن الإصلاحات الضرورية ينبغى أن تقدم إلى البدو الذين لا يعرفون انضباطا وإلى المدنيين الوثنيين، وفى آن معا، على نحو تدريجى.. وفى الوقت نفسه كان محمد ﷺ- يملك إيمانا لا يلين بفكرة الإله الواحد.. وعزما راسخا على استئصال كل أثر من آثار عبادة الأصنام التى كانت سائدة بين الوثنيين العرب» «٢» .
«كانت مهمة محمدﷺ- هائلة. كانت مهمة ليس فى ميسور دجال تحدوه دوافع أنانية (وهو الوصف الذى رمى به بعض الكتاب الغربيين المبكرين الرسول العربى ﷺ) أن يرجو النجاح فى تحقيقها بمجهوده الشخصى، إن الإخلاص الذى تكشف عنه محمدﷺ- فى أداء رسالته، وما كان لأتباعه من إيمان كامل فى ما أنزل عليه من وحى، واختبار الأجيال والقرون، كل أولئك يجعل من غير المعقول اتهام محمدﷺ- بأيه ضرب من الخداع المتعمد. ولم يعرف التاريخ قط أى تلفيق (دينى) متعمد استطاع أن يعمر طويلا. والإسلام لم يعمر حتى الآن ما ينوف على ألف وثلاثمائة سنة وحسب، بل إنه لا يزال يكتسب، فى كل عام، أتباعا جددا. وصفحات التاريخ لا تقدم إلينا مثلا واحدا
_________________
(١) الإسلام والعرب، ص ٣٢.
(٢) نفسه، ص ٣٣.
[ ١٥٠ ]
على كل محتال لقد كان لرسالته الفضل فى خلق إمبراطورية من إمبراطوريات العالم وحضارة من أكثر الحضارات نبلا» «١» .
«كانت مهمة محمدﷺ- هى القضاء على النظام القوى الذى كان مسؤولا عن اندلاع نار الحرب، على نحو موصول تقريبا، بين العرب، والاستعاضة عنه بولاء لله يسمو على جميع الروابط الأسرية والأحقاد الصغيرة. كان عليه أن يعطى الناس قانونا كليا يستطيع حتى العرب المتمردين قبوله والإذعان له، وكان عليه أن يفرض الانضباط على مجتمع عاش على العنف القبلى والثأر الدموى لضروب من المظالم بعضها واقعى وبعضها متوهم.
كان عليه أن يحلّ الإنسانية محل الوحشية، والنظام محل الفوضى، والعدالة محل القوة الخالصة» «٢» .
«عندما توفى محمدﷺ- عام ٦٣٢ م كان فى نجاح الإسلام ما زكى إيمان زوجاتهرضي الله عنهن- بالوحى الذى تلقاه زوجهن، وكانت العقيدة التوحيدية الجديدة فى سبيلها إلى القيام بفتح روحى ومادى لا يضارعه أى فتح فى التاريخ البشرى» «٣» .
_________________
(١) نفسه، ص ٣٣- ٣٤.
(٢) نفسه، ص ٣٤.
(٣) نفسه، ص ٣٥.
[ ١٥١ ]
لايتنر «١»
«بقدر ما أعرف من دينى اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمدﷺ ليس اقتباسا بل قد أوحى إليه به ولا ريب بذلك طالما نؤمن بأنه قد جاءنا وحى من لدن عزيز عليم. وإنى بكل احترام وخشوع أقول: إذا كان تضحية الصالح الذاتى، وأمانة المقصد، والإيمان القلبى الثابت، والنظر الصادق الثاقب بدقائق وخفايا الخطيئة والضلال، واستعمال أحسن الوسائط لإزالتها، فذلك من العلامات الظاهرة الدالة على نبوة محمدﷺ- وأنه قد أوحى إليه» «٢» .
«إن الديانة النصرانية التى ودّ محمدﷺ- إعادتها لأصلها النقى كما يشر بها المسيح﵇- تخالف التعاليم السّرية التى أذاعها بولس والأغلاط الفظيعة التى أدخلها عليها شيع النصارى.. ولقد كانت آمال محمدﷺ- وأمانيه أن لا تخصص بركة دين إبراهيم﵇- لقومه خاصة، بل تعم الناس جميعا، ولقد صار دينه الواسطة لإرشاد وتمدن الملايين من البشر، ولولا هذا الدين للبثوا غرقى فى التوحش والهمجية، ولما كان لهم هذا الأخاء المعمول به فى دين الإسلام» «٣» .
«.. لما بلغﷺ- السنة الخامسة والعشرين من العمر تزوج امرأة عمرها (أربعون عاما، وهذه تشابه امرأة عمرها خمسون عاما فى أوربا)، وهى أول من آمن برسالته المقدسة.. وبقيت خديجةرضي الله عنها- معه عشرين عاما لم يتزوج عليها قط حتى ماتترضي الله عنها- ولما بلغ من العمر خمسا وخمسين سنة صار
_________________
(١) لايتنر Lightner: باحث إنكليزى، حصل على أكثر من شهادة دكتوراه فى الشريعة والفلسفة واللاهوت، وزار الأستانة عام ١٨٥٤، كما طوف بعدد من البلاد الإسلامية والتقى برجالاتها وعلمائها.
(٢) دين الإسلام، ص ٤- ٥.
(٣) نفسه، ص ٥.
[ ١٥٢ ]
يتزوج الواحدة بعد الآخرى. لكن ليس من الاستقامة والصدق أن ننسب ما لا يليق لرجل عظيم صرف كل ذلك العمر بالطهارة والعفاف فلا ريب أن لزواجه بسن الكبر أسبابا حقيقية غير التى يتشدق بها كتاب النصارى بهذا الخصوص، وما هى تلك الأسباب يا ترى؟ ولا ريب هى شفقته على نساء أصحابه الذين قتلوا..» «١» .
«.. مرة، أوحى الله تعالى إلى النبىﷺ- وحيا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلا غنيا من ذوى النفوذ، وقد نشر ذاك الوحى، فلو كانﷺ- كما يقول أغبياء النصارى بحقه لما كان لذاك الوحى من وجود» «٢» .
«.. إنى لأجهر برجائى بمجىء اليوم الذى به يحترم النصارى المسيح﵇- احتراما عظيما وذلك باحترامهم محمداﷺ-، ولا ريب فى أن المسيح المعترف برسالة محمدﷺ- وبالحق الذى جاء به هو المسيحى الصادق» «٣» .
_________________
(١) نفسه، ص ١٢- ١٣.
(٢) نفسه، ص ١٣٢- ١٣٣.
(٣) نفسه، ص ٦.
[ ١٥٣ ]
غوستاف لوبون
«جمع محمدﷺ- قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت فى ذلك آيته الكبرى ومما لا ريب فيه أن محمداﷺ- أصاب فى بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التى ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية ولذلك كان فضله على العرب عظيما..» «١» .
«إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمدﷺ- من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمداﷺ- مع أن التعصب الدينى أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله..» «٢» .
«استطاع محمدﷺ- أن يبدع مثلا عاليا قويا للشعوب العربية التى لا عهد لها بالمثل العليا، وفى ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمدﷺ- على الخصوص.. ولم يتردد أتباعه فى التضحية بأنفسهم فى سبيل هذا المثل الأعلى..» «٣» .
«.. لا شيء أصوب من جمع محمدﷺ- لجميع السلطات المدنية والحربية والدينية فى يد واحدة أيام كانت جزيرة العرب مجزأة ما استطعنا أن نقدر قيمة ذلك بنتائجه، فقد فتح العرب العالم فى قرن واحد بعد أن كانوا قبائل من أشباه البرابرة المتحاربين قبل ظهور محمدﷺ-» «٤» .
_________________
(١) دين الإسلام، ص ١٦.
(٢) حضارة العرب، ص ١١٥.
(٣) نفسه، ص ١١٦.
(٤) نفسه، ص ٣٩٣- ٣٩٤.
[ ١٥٤ ]
لوقا «١»
«.. ما كان محمدﷺ- كاحاد الناس فى خلاله ومزاياه، وهو الذى اجتمعت له آلاء الرسل ﵈، وهمة البطل، فكا حقا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّى فيه الرجل» «٢» .
«لا تأليه ولا شبهة تأليه فى معنى النبوة الإسلامية.. وقد درجات شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا فى الرسول أو النبى أنه ليس بشرا كسائر البشر وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترا مكررا فى آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (الكهف: ١١٠)، وفى تخير كلمة (مثلكم) معنى مقصود به التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال. بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ (الشورى: ٤٨)، وظاهر فى هذه الآية تعمد تنبيه الرسول نفسهﷺ- إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التى كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها» «٣» .
_________________
(١) د. نظمى لوقا Dr.N.luka مسيحى من مصر. يتميز بنظرته الموضوعية وإخلاصه العميق للحق. ورغم إلحاح أبويه على تنشئته على المسيحية منذ كان صبيا، فإنه كثيرا ما كان يحضر مجالس شيوخ المسلمين ويستمع بشغف إلى كتاب الله وسيرة الرسول﵇-. بل إنه حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز العاشرة من عمره. ألف عددا من الكتب أبرزها «محمد الرسالة والرسول»، و«محمد فى حياته الخاصة» .
(٢) محمد الرسالة والرسول، ص ٢٨.
(٣) محمد الرسالة والرسول، ص ٨٥- ٨٦.
[ ١٥٥ ]
«.. رجل فرد هو لسان السماء. فوقه الله لا سواه. ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين. ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر. بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو فى سريرته، قبل أن يحاربه فى سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسولﷺ- بما أنعم من الهدايا على الناس وما تم له من العزة والأيادى، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد، لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة، يطريه أصحابه بالحق الذى يعلمون عنه، فيقول لهم: لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله. ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيما له، فينهاهم عن ذلك قائلا: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا» «١» .
«ماذا بقى من مزعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلا قبل أن يفاء عليه بالنصر وما كان النصر متوقعا أو شبه متوقع لذلك الداعى إلى الله فى عاصمة الأوثان والأزلام.. ونزاهة ترتفع فوق المنافع، وسمو يتعفف عن بهارج الحياة، وسماحة لا يداخلها زهو أو استطالة بسلطان مطاع. لم يفد. ولم يورث آله، ولم يجعل لذريته وعشريته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها.
وحرم على نفسه ما أحلّ لآحاد الناس من أتباعه، وألغى ما كان لقبيلته من تقدم على الناس فى الجاهلية حتى جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش. لم يمكن لنفسه ولا لذويه، وكانت لذويه بحكم الجاهلية صدارة غير مدفوعة، فسوّى ذلك كله بالأرض، أى قالة بعد هذا تنهض على قدمين لتطاول هذا المجد الشاهق أو تدافع هذا الصدق الصادق؟ لا خيرة فى الأمر، ما نطق هذا الرسول عن الهوى وما ضلّ وما غوى.. وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين..» «٢» .
«أى الناس أولى بنفى الكيد عن سيرته من (أبى القاسم) - ﷺ- الذى
_________________
(١) نفسه، ص ١٧٩- ١٨٠.
(٢) نفسه، ص ١٨٣- ١٨٦.
[ ١٥٦ ]
حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام؟» «١» .
«كان محمدﷺ- يملك حيويته ولا تملكه حيويته. ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه. فهى قوة له تحسب فى مزاياه، وليست ضعفا يعد فى نقائصه، لم يكنﷺ- معطل النوازع ولكنها لم تكن نوازع تعصف به، لأنه يسخرها فى كيانه فى المستوى الذى يكرم به الإنسان حين يطلب ما هو جميل وجليل فى الصورة الجميلة الجليلة التى لا تهدر من قدره بل تضاعف من تساميه وعفته وطهره. وبيان ذلك فى أمر بنائه بزوجاته التسعرضي الله عنهن..» «٢» .
_________________
(١) محمد فى حياته الخاصة، ص ١٢.
(٢) نفسه، ص ٣٩- ٤٠، ويمكن للقارئ أن يرجع للكتاب نفسه (محمد فى حياته الخاصة)، فهو بمجمله يمكن أن يعدّ شهادة قيّمة على حياة الرسولﷺ- العائلية الخاصة.
[ ١٥٧ ]
ماسيه «١»
«بفضل إصلاحات محمدﷺ- الدينية والسياسية، وهى إصلاحات موحدة بشكل أساسى، فإن العرب وعوا أنفسهم وخرجوا من ظلمات الجهل والفوضى ليعدّوا دخلوهم النهائى إلى تاريخ المدنية» «٢» .
«.. كان محمدﷺ- هو المشرّع الملهم والمحرك الأول للوحدة الدينية بين جميع الأقوام، وكان بسيطا وحازما..» «٣» .
_________________
(١) هنرى ماسيه H.Masse ولد عام ١٨٨٦، عمل مديرا للمعهد الفرنسى بالقاهرة، وعين أستاذا فى جامعة الجزائر (١٩١٦- ١٩٢٧)، وعضوا فى مجمع الكتابات والآداب وفى المجمع العلمى العربى بدمشق، وانتدبته الحكومة لعديد من المهام الثقافية واختارته اليونسكو فى لجنة المستشرقين. من آثاره: نشر كتابا عن الشاعر (سعدى) (١٩١٩)، وصنف كتابا بعنوان: «الإسلام» (١٩٥٧)، كما ترجم وحقق العديد من النصوص العربية، ونشر العديد من الأبحاث فى المجلات الاستشراقية الشهيرة.
(٢) الإسلام، ص ٥٥.
(٣) نفسه، ص ٥٩.
[ ١٥٨ ]
مونته «١»
«إن طبيعة محمدﷺ- الدينية تدهش كل باحث مدقّق نزيه المقصد بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص. فقد كان محمد مصلحا دينيا ذا عقيدة راسخة، ولم يقم إلا بعد أن تأمل كثيرا وبلغ سن الكمال بهذه الدعوة العظيمة التى جعلته من أسطع الأنوار الإنسانية فى الدين. وهو فى قتاله الشرك والعادات القبيحة التى كانت عند أبناء زمنه كان فى بلاد العرب أشبه بنبى من أنبياء بنى إسرائيل الذين نراهم كبارا جدا فى تاريخ قومهم. ولقد جهل كثير من الناس محمداﷺ- وبخسوه حقه وذلك لأنه من المصلحين النادرين الذين عرف الناس أطوار حياتهم بدقائها» «٢» .
«كان محمدﷺ- كريم الأخلاق حسن العشرة، عذب الحديث، صحيح الحكم صادق اللفظ، وقد كانت الصفات الغالبة عليه هى صحة الحكم وصراحة اللفظ، والاقتناع التام بما يعمله ويقوله» «٣» .
«.. ندر بين المصلحين من عرفت حياتهم بالتفصيل مثل محمدﷺ- وإن ما قام به من إصلاح أخلاق وتطهير المجتمع يمكن أن يعد به من أعظم المحسنين للإنسانية» «٤» .
«لا مجال للشك فى إخلاص الرسولﷺ- وحماسته الدينية التى تشبعت بها نفسه وفكره..» «٥» .
_________________
(١) مونته Montet: (١٩٢٧ -١٨٥٦) أستاذ اللغات الشرقية فى جامعة جنيف، من كتبه (محمد والقرآن)، وترجمة جيدة للقرآن، و(حاضر الإسلام ومستقبله) .
(٢) محمد والقرآن، ص ١٨ (عن دستودارد: حاضر العالم الإسلامى ١/ ٣٢) .
(٣) نفسه، (عن ستودارد ١/ ٣٢) .
(٤) حاضر الإسلام ومستقبله (عن محمد كرد على: الإسلام والحضارة العربية ١/ ٦٧) .
(٥) نفسه، ١/ ٦٧.
[ ١٥٩ ]
نهرو «١»
«.. لربما خامرت هؤلاء الملوك والحكام الذين تسلموا كتب الرسولﷺ- الدهشة من هذا الرجل البسيط الذى يدعوهم إلى الطاعة. ولكن إرسال هذه الكتب يعطينا صورة عن مقدار ثقة محمدﷺ- بنفسه ورسالته. وقد هيأ بهذه الثقة وهذا الإيمان لأمته أسباب القوة والعزّة والمنعة وحوّلهم من سكان صحراء إلى سادة يفتحون نصف العالم المعروف فى زمانهم.. وقد توفى محمد ﷺ- بعد أن جعل من القبائل العربية المتنافرة أمة واحدة تتقد غيرة وحماسا..» «٢» .
_________________
(١) جواهر لال نهرو J.Lal Nahro: ولد فى عام ١٨٨٩، فى مدينة (الله آباد)، فى الهند، والتقى بغاندى فى أوائل عام ١٩١٩، اعتقل عدة مرات، وانتخب رئيسا لحزب المؤتمر الهندى الوطنى عدة مرات، دخل الوزارة، وتولى الشؤون الخارجية، وأصبح نائبا لرئيس المجلس التنفيذى، أول من تولى رئاسة الوزراء الهندية بعد استقلال الهند، له عدة مؤلفات فى التاريخ والسياسة والشؤون الهندية، توفى عام ١٩٦٤ م.
(٢) لمحات من تاريخ العالم، ص ٢٥- ٢٦.
[ ١٦٠ ]
هارث «١»
«إن اختيارى لمحمدﷺ- ليكون رأس القائمة التى تضم الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمى فى مختلف المجالات، ربما أدهش كثيرا من القراء.. ولكن فى اعتقادى أن محمداﷺ- كان الرجل الوحيد فى التاريخ الذى نجح بشكل أسمى وأبرز فى كلا المستويين الدينى والدنيوى» «٢» .
«لقد أسس محمدﷺ- ونشر أحد أعظم الأديان فى العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام. ففى هذه الأيام وبعد مرور ثلاثة عشر قرنا تقريبا على وفاته، فإن تأثيره لا يزال قويا وعارما..» «٣» .
«.. من وجهة النظر الدينية الصرفة يبدو أن محمداﷺ- كان له تأثير على البشرية عبر التاريخ كما كان للمسيح﵇-» «٤» .
«.. إن محمداﷺ- يختلف عن المسيح بأنه كان زعيما دنيويا فضلا عن أنه زعيم دينى، وفى الحقيقة إذا أخذنا بعض الاعتبار للقوى الدافعة وراء الفتوحات الإسلامية، فإن محمداﷺ- يصبح أعظم قائد سياسى على مدى الأجيال» «٥» .
«.. إن هذا الاتحاد الفريد لا نظير له للتأثير الدينى والدنيوى معا يخول محمداﷺ- أن يعتبر أعظم شخصية مفردة ذات تأثير فى تاريخ البشرية» «٦» .
_________________
(١) الدكتور مايكل هارث Michael Hart أمريكى، حصل على عدة شهادات فى العلوم وعلى الدكتوراه فى الفلك من جامعة برنستون، عام ١٩٧٢، عمل فى مراكز الأبحاث والمراصد، وهو أحد العلماء المعتمدين فى الفيزياء التطبيقية.
(٢) دراسة فى المائة الأوائل، ص ١٩.
(٣) نفسه، ص ١٩.
(٤) نفسه، ص ٢٣.
(٥) نفسه، ص ٢٤.
(٦) نفسه، ص ٢٥.
[ ١٦١ ]
مونتغمرى (مونتجمرى) وات
«منذ أن قام كارليل بدراسته عن محمدﷺ- فى كتابه «الأبطال وعبادة البطل» أدرك الغرب أن هناك أسبابا وجيهة للاقتناع بصدق محمد. إذ أن عزيمته فى تحمل الاضطهاد من أجل عقيدته، والخلق السامى للرجال الذين آمنوا به، وكان لهم بمثابة القائد، وأخيرا عظمة عمله فى منجزاته الأخيرة، كل ذلك يشهد باستقامته التى لا تتزعزع. فاتهام محمدﷺ- بأنه دجال MI posteur -يثير من المشاكل أكثر مما يحلّ. ومع ذلك فليس هناك شخصية كبيرة فى التاريخ حط من قدرها فى الغرب كمحمدﷺ-. فقد أظهر الكتاب الغربيون ميلهم لتصديق أسوأ من الأمور عن محمدﷺ- وكلما ظهر أى تفسير نقدى لواقعة من الوقائع ممكنا قبوله. ولا يكفى، مع ذلك، فى ذكر فضائل أن نكتفى بأمانته وعزيمته إذا أردنا أن نفهم كل شيء عنه. وإذا أردنا أن نصحح الأغلاط المكتسبة من الماضى بصدده فيجب علينا فى كل حالة من الحالات، لا يقوم الدليل القاطع على ضدها، أن نتمسك بصلابة بصدقه.
ويجب علينا أن لا ننسى عندئذ أيضا أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا وأنه فى مثل هذا الموضوع يصعب الحصول عليه..» «١» .
«هناك- على العكس- أسباب قوية تؤكد صدق محمدﷺ- ونستطيع فى مثل هذه الحالة الخاصة أن نبلغ درجة عالية من اليقين، لأن النقاش حول هذه المسألة.. يعتمد على وقائع ولا يمكن أن يتضمن خلافا فى التقدير حول الأخلاقية..» «٢» .
«.. ليس توسع العرب شيئا محتوما أو آليا وكذلك إنشاء الأمة الإسلامية.
ولولا هذا المزيج الرائع من الصفات المختلفة التى نجدها عند محمدﷺ- لكان من غير الممكن أن يتم هذا التوسع، ولاستنفدت تلك القوى الجبارة فى غارات على سوريا والعراق دون أن تؤدى لنتائج دائمة. ونستطيع أن نميز ثلاث هبات مهمة أوتيها محمدﷺ- وكانت كل واحدة منها ضرورية لإتمام عمل
_________________
(١) محمد فى مكة، ص ٩٤.
(٢) نفسه، ص ٤٩٧- ٤٩٨.
[ ١٦٢ ]
محمدﷺ- بأكمله. لقد أوتى أولا موهبة خاصة على رؤية المستقبل. فكان للعالم العربى بفضله، أو بفضل الوحى الذى ينزل عليه حسب رأى المسلمين، أساس فكرى (إيديولوجى) حلت به الصعوبات الاجتماعية، وكان تكوين هذا الأساس الفكرى يتطلب فى نفسه الوقت حدسا ينظر فى الأسباب الأساسية للاضطراب الاجتماعى فى ذلك العصر، والعبقرية الضرورية للتعبير عن هذا الحديث فى صورة تستطيع إثارة العرب حتى أعمق كيانها.. وكان محمدﷺ ثانيا رجل دولة حكيما. ولم يكن هدف البناء الأساسى الذى نجده فى القرآن، سوى دعم للتدابير الملموسة والمؤسسات الواقعية. ولقد ألححنا خلال هذا الكتاب غالبا على استراتيجية محمدﷺ- السياسية البعيدة النظر على إصلاحاته الاجتماعية على الظروف المجاورة واستمرارها خلال أكثر من ثلاثة عشر قرنا. وكان محمدﷺ- ثالثا رجل إدارة بارعا، فكان ذا بصيرة رائعة فى اختيار الرجال الذين يندبهم للمسائل الإدارية. إذ لن يكن للمؤسسات المتينة والسياسة الحكيمة أثر إذا كان التطبيق خاطئا مترددا. وكانت الدولة التى أسسها محمدﷺ- عند وفاته، مؤسسة مزدهرة تستطيع الصمود فى وجه الصدمة التى أحدثها غياب مؤسسها، ثم إذا بها بعد فترة تتلاءم مع الوضع الجديد وتتسع بسرعة خارقة اتساعا رائعا «١» .
«كلما فكرنا فى تاريخ محمدﷺ- وتاريخ أوائل الإسلام، تملكنا الذهول أمام عظمة مثل هذا العمل. ولا شك أن الظروف كانت مواتية لمحمد فأتاحت له فرصا للنجاح لم تكن لتتاح لسوى القليل من الرجال غير أن الرجل كان على مستوى الظروف تماما. فلو لم يكن نبيا ورجل دولة وإدارة، ولو لم يضع ثقته بالله ويقتنع بشكل ثابت أن الله أرسله، لما كتب فصلا، مهما فى تاريخ الإنسانية. ولى أمل أن هذه الدراسة عن حياة محمدﷺ- يمكنها أن تساعد على إثارة الاهتمام، من جديد، برجل هو أعظم رجال أبناء آدم» «٢» .
_________________
(١) نفسه، ص ٥١٠- ٥١١.
(٢) نفسه، ص ٥١٢.
[ ١٦٣ ]
ولز «١»
«.. هل تراك علمت قط أن رجلا على غير كريم السجايا مستطيع أن يتخذك صديقا؟ ذلك أن من عرفوا محمداﷺ- أكثر من غيرهم، كانوا أشد الناس إيمانا به، وقد آمنت به خديجةرضي الله عنها- كل حياته على أنها ربما كانت زوجة محبة. فأبو بكر﵁- شاهد أفضل وهو لم يتردد قط فى إخلاصه.
كان يؤمن بالنبىﷺ- ومن العسير على أى إنسان يقرأ تلك الأيام إلا أن يؤمن بأبى بكر﵁-، وكذلك على﵁- فإنه خاطر بحياته من أجل النبىﷺ- فى أحلك أيامه سوادا..» «٢» .
«حج محمدﷺ- حجة الوداع من المدينة إلى مكة، قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شعبه موعظة عظيمة.. إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجى المؤمن عدلا للخليفة.. إنها أسست فى العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ فى الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعى، عما فى أى جماعة أخرى سبقتها» «٣» .
«لقد منح (العرب) العالم ثقافة جديدة، وأقاموا عقيدة لا تزال إلى اليوم من أعظم القوى الحيوية فى العالم، أما الرجل الذى أشعل ذلك القبس العربى فهو محمدﷺ-» «٤» .
_________________
(١) هربرت جورج ولز H.G.Wells (١٩٤٦ -١٨٦٦) الكاتب والأديب البريطانى المعروف. حصل على بكالوريوس العلوم سنة ١٨٨٨، تولى التدريس بضع سنين ثم انصرف للتأليف. اشتهر بقصصه الذى يعتمد الخيال العلمى من مثل (آلة الزمن) و(الرجل الخفى)، فضلا عن رواياته النفسية والاجتماعية من مثل (ميكافيللى الجديد) و(الزواج) . ولم يغافل ولز البحث فى التاريخ فأنجز عام ١٩٢٠ (معالم تاريخ الإنسانية) وأعقبه ب (موجز تاريخ العالم) . وكان آخر كتاب أصدره، هو (العقل فى أقصى توتراته) . ولولز فى السيرة الذاتية كتاب بعنوان: (تجربة فى كتابة السيرة الذاتية) .
(٢) معالم تاريخ الإنسانية، ٣/ ٦٤١.
(٣) نفسه، ٣/ ٦٤٠- ٦٤١.
(٤) موجز تاريخ العالم، ص ٢٠٠- ٢٠١.
[ ١٦٤ ]
٤- شهادات متفرقة
١- المستشرق رينولد نيكلسون
«لم تجد الحياة الدينية الإسلامية مثالا أعلى فى أى إنسان إلا فى شخصية النبى محمدﷺ-. فإذا بحثنا فى الصلات التى يعتقد المسلمون بوجودها بين الله ورسوله من جهة وبين الرسول وأنفسهم من جهة أخرى فقد وصلنا إلى لب المسألة. فالقرآن يعلن بأن الله هو الحق وأنا ما يدعون من دونه باطل وأن كل شيء هالك إلا وجهه. وأن كل من على الأرض فان. ولا يبقى غير وجه الله. وأن الله نور السموات والأرض وأنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.. فالحقيقة المحمدية. لا الصورة المحمدية الجسدية هى من مبدأ الحياة ومركزها فى العالم وهى الواسطة بين الله وعباده» .
٢- الأستاذ: كارادى فو
«إن محمدا كان هو النبى والملهم والمؤسس، ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العليا. ومع ذلك فلم ينظر إلى نفسه كرجل من عنصر آخر أو من طبقة أخرى غير طبقات بقية المسلمين. إن شعور المساواة والإخاء الذى أسسه بين أعضاء الجماعة المسلمة كان يطبق تطبيقا عمليا حتى على النبى نفسه.
٣- الأستاذ: جارسان دى تساى فى كتابه «الإسلام»
«إن محمدا ولد فى حضن الوثنية. ولكنه منذ نعومة أظفاره أظهر بعبقرية فذة. انزعاجا عظيما من الرذيلة وحبا حادا للفضيلة. وإخلاصا ونية حسنة غير عاديين إلى درجة أن أطلق عليه مواطنوه فى ذلك العهد اسم «الأمين» .
[ ١٦٥ ]
٤- المستشرق الفرنسى الأستاذ بلانشيه
«إن النبى محمدا يعد من أبرز وأشهر رجال التاريخ فقد قام بثلاثة أعمال عظيمة دفعة واحدة وهى: أنه أحيا شعبا وأنشأ إمبراطورية.. وأسس دينا» .
٥- المستشرق الإنجليزى المشهور: هـ. ج. ويلز
إن من أرفع الأدلة على صدق «محمد» كون أهله وأقرب الناس إليه يؤمنون به فقد كانوا مطلعين على أسراره ولو شكوا فى صدقه لما آمنوا به.
٦- لامارتين
إن حياة مثل حياة «محمد» وقوة كقوة تأمله وتفكيره وجهاده. ووثبته على خرافات أمته وجاهلية شعبه. وبأسه فى لقاء ما لقيه من عبدة الأوثان وإيمانه بالظفر وإعلاء كلمته ورباطة جأشه لتثبيت أركان العقيدة الإسلامية. إن كل ذلك أدلة على أنه لم يكن يضمر خداعا أو يعيش على باطل. فهو فيلسوف.
وخطيب.. ورسول.. ومشرع.. وهادى الإنسان.
٧- طور اندريه، وجورج فارسين فى كتابهما «العالم الشرق- عن الرسولﷺ-
كان شجاعا يخوض المعركة بنفسه ليرد الثبات إلى قلوب الذين يضعفون.
وكان رحيما بالضعفاء يأوى فى بيته عددا كبيرا من المحتاجين. وكان مع احتفاظه بهيبته كاملة. لبسيط الحركات لا يتكلف شيئا. بشوشا. سهل المعاملة.
دقيق الحاشية.
٨- السير (وليام ميور) الإنجليزى: فى كتابه «حياة محمد»
ومن صفاته الجديرة بالتنويه والإجلال الرقة والاحترام. اللتان كان يعامل بهما أتباعه حتى أقلهم شأنا. فالتواضع والرأفة والإنسانية وإنكار الذات والسماحة والإخاء تغلغلت فى نفسه ووثقت به محبة كل من حوله.
[ ١٦٦ ]
٩- إدوار جورج فى كتابه «الأديان العظمى» عن النبى محمد
إن ايمانه الذى لا يتزعزع برسالته الإلهية. وصدق دعوته لقيمه مثلا مزيدا فريدا فى التاريخ وأن اعتقاده بالغيب الذى هو لباب الكثير من وحيه لهو اللحمة التى تنسج حوله بشارته وعظاته.
١٠- جورج برنارد شو عن محمد ﷺ
يجب أن يسمّى منقذ الإنسانية. وإنى أعتقد لو أن شخصا مثله تولى الحكم المطلق للعالم المعاصر، لنجح فى حل مشاكله بطريقة تجلب له «١» ما هو فى أشد الحاجة إليه من سلام وسعادة.
١١- مايكل هارت
لكن محمدا كان هو الإنسان الوحيد فى التاريخ الذى بلغ أعلى درجات النجاح على المستويين الدينى والدنيوى. وبسبب هذا الجمع الذى لا نظير له بين الدين والدنيا، أرى أن محمدا من حقه أن يعتبر أعظم الشخصيات البارزة أثرا فى تاريخ الإنسانية.
١٢- إدوارد جيبون
إن الانطباع النقى الكامل الذى حفره محمدﷺ- فى الأذهان فى مكة والمدنية، لا يزال مصونا إلى اليوم بعد انقضاء اثنى عشر قرنا.
١٣- فولتير
إن عقيدة محمد خالية من الشك أو الغموض، والقرآن شهادة مجيدة على وحدانية الله.
_________________
(١) أى للعالم المعاصر.
[ ١٦٧ ]
١٤- جورج برناردشو أيضا
لقد تنبأت بأن دين محمد سيكون مقبولا فى أوربا الغد، كما أنه بدأ يكون مقبولا فى أوربا اليوم.
١٥- تولوستوى
أنا واحد من المبهورين بالنبى محمد الذى اختاره الله الواحد ليكون آخر الرسالات على يديه وقلبه وعقله.. فقد جاء محمد ليستكمل بالإسلام البناء الاجتماعى للإنسان فى كل مكان.
لم يضغط النبى محمد، بأى طريقة، على أصحاب الديانات الآخرى، ليدخلوا فى دينه..
تحمل النبى محمد، عذابات كثيرة فى سبيل أن تصل دعوته للجميع وذلك دون أن يشهر سيفا.
على العكس، لاقى النبى محمد، اضطهادا حتى من الذين اعترف بأديانهم وأنبيائهم، بل كانوا على رأس أعدائه، ومع ذلك ثابر وصابر، واستطاع أن يتم رسالته كاملة.
لا يوجد نبى حظى باحترام أعدائه، سوى النبى محمد، مما جعل الكثرة من الأعداء يدخلون الإسلام.
الذى يدعو للغرابة أن الذين كانوا يناصبونه العداء كانوا يعرفون حق المعرفة أن محمدا على حق وأنه يدعو لدين حق وكانوا فى قرارة نفوسهم يحترمونه، لكنهم كتموا هذا الاحترام حتى لا يتهموا بالبعد عن معتقداتهم.
١٦- نهرو
فاقت أخلاق نبى الإسلام كل الحدود ونحن نعتبره قدوة لكل مصلح يود أن يسير بالعالم إلى سلام حقيقى.
[ ١٦٨ ]
كان رسول الإسلام ولا يزال هو المنارة التى تضىء للمسلمين فى كل مكان وسنظل نحترم هذه المنارة التى تعمل من أجل الإنسان.
١٧- الأمير الإيطالى: ليونى كاتيانى
لا أخفى عليكم أن حبى الجارف للإسلام وتاريخه المشرق نابع من شدة حبى وإعجابى برسول الإسلام الذى أوقف حياته ليهدى البشرية بتعاليمه التى كان تأثيرها فى نفسى هو الدافع الحقيقى لى كى أساهم فى دعم هذه الدعوة الخالصة.
١٨- أومبرتو رتزتانو
لو أن محمدا رسول الله وصحبه وسط هذا العالم الآن لغيروه إلى الإسلام وجعلوا المخططات الموضوعة لضربه ترتد إلى صدور أصحابها إلى أن يقتنعوا بالإسلام فيصبحوا بعد فترة وجيزة دعاة له بل من أشد دعاته.
١٩- المستشرق الإيطالى: فرانشيسكو جابريللى
إن الأقاويل غير المسئولة من بعض المستشرقين بأن محمدا مؤلف القرآن أقاويل باطلة- لا صحة لها. وما افتراآت المستشرقين إلا محاولة فاشلة للنيل من هذا الدين ومن نبيه.
٢٠- المستشرق الإيطالى: ميكلانجلو اغناطيوس جويدى
لم يأت محمد بدين من عنده وإلا ما كان هذا الدين مستمرا إلى يومنا هذا وأرى أن العالم سيعرف هذا الدين ذات يوم قريب.
والذى يريد أن يتعرف على الإسلام أدعوه ليتعرف على سيرة المصطفى الذى تم اختياره وتدريبه وتأديبه من السماء ليكون أهلا للرسالة التى تم صنعه من الله لها منذ الأزل.
[ ١٦٩ ]
٢١- كارلو الفونسو فللينو- إيطالى-
كان رسول الإسلام لا يعرف القراءة ولا الكتابة، نزل عليه وحى السماء بما حمل من عند الله، وكان قرآنا عجبا، ولا غرابة فلا يستطيع بشر أن يأتى بمثله.
٢٢- الدكتورة الألمانية: سيجريد هونكه
كان رسول الإسلام يعرف أن المرأة ستجد طريقها بجوار الرجل ذات يوم.
لذا آثر أن تكون المرأة متدينة. لها لباس معين، حتى تقى نفسها شر النظرات وشر كشف العورات.
ورجل بهذه العبقرية لا أستطيع أن أقول إلا أنه قدم للمجتمع أسمى آيات المثالية وأرفعها وكان جديرا أن تظل الإنسانية مدينة لهذا الرجل الذى غير مجرى التاريخ برسالته العظيمة.
٢٣- كارل بروكلمان
«جعل رسول الإسلام الجزيرة العربية نقطة انطلاق لرسالته العظيمة التى حوربت كثيرا ومازالت لكن الانتصار دائما للحق وما جاء محمد إلا بالحق والحقيقة» .
٢٤- جوته- ألمانى-
كان رسول الإسلام متواضعا محبّا للخير وجاءته رسالة الخير فاستطاع بمحبته لرسالته أن يجعلها تمتد وتنتشر وتضرب جذورها فى أعماق النفس البشرية التواقة دائما للتعرف على النواحى الإيجابية فى الحياة.
لم يكن محمد شاعرا تفنن فى القول بل إن محمدا نبى مرسل لغرض مقدر مرسوم اختارته لهذا الغرض العناية الإلهية.
كان رسول الإسلام معدّا إعدادا ربانيّا انفرد به من بين سابقيه من الرسل والأنبياء على كثرتهم.
[ ١٧٠ ]
٢٥- الكسندرويب- أمريكى- أسلم وسمى نفسه (محمد ويب)
«لم أجد فى الأنبياء جميعا أعظم ولا أكمل من محمدﷺ- وتعالوا أناقشكم فى ذلك أو اقرأوا كل شيء عنه وعن دينه وقارنوا بينه وبين سابقيه وبين رسالته العظيمة ورسالاتهم» .
«اقرأوا بفهم وحيدة ستجدونه أعظم رسول ستجدونه رسالته أعظم الرسالات جميعا» .
٢٦- آينشتين
«أعتقد أن محمدا استطاع بعقلية واعية مدركة لما يقوم به اليهود أن يحقق هدفه فى إبعادهم عن النيل المباشر من الإسلام الذى مازال حتى الآن هو القوة التى خلقت ليحل بها السلام» .
٢٧- جاك بيرك (فرنسى)
لا شك أن الإسلام الذى اختار الخالق له محمدا كان جديرا بمحمد وكان محمد جديرا به.
٢٨- لويس ماسيلنيون (فرنسى)
لقد استطاع محمد رسول الله أن يحطم الأصنام ويحول القلوب والعقول إلى دين الله بقوة إيمانه بما يدعو إليه بكل الصدق الذى تحمل به الرسالة.
٢٩- كليمان هياد (فرنسى)
لم يكن محمد نبيا عاديا بل استحق عن جدارة أن يكون خاتم الأنبياء ولو أن المسلمين اتخذوا رسولهم قدوة فى نشر الدعوة لأصبح العالم مسلما.
٣٠- جان جاك روسو (فرنسى)
لم ير العالم حتى اليوم رجلا استطاع أن يحول العقول والقلوب من عبادة الأصنام إلى عبادة الإله الواحد إلا محمدا.
[ ١٧١ ]
رسالة محمد قوية أعطته قوة راح ينشر بها الرسالة فوجدت صدى غير عادى ولو أن محمدا عاش مدة أطول مما عاش لأصبح الإسلام ورسوله سادة العالم.
٣١- إدوارد لين (إنجليزى) أسلم وسمى نفسه (منصور)
النبى محمد جاء بالأخلاق، وهى أخلاق عاشت وستظل إلى يوم البعث قائمة ولن ينال المغرضون الكارهون لنبى الإسلام منه شيئا وسيظل الإسلام شامخا بقرآنه وبالنبى محمد رغم أنف الكارهين.
٣٢- رينولد ألين نيكولسن (إنجليزى)
لم يحمل التاريخ لنا حتى اليوم وربما بعد اليوم عقلية فذة استطاعت أن تغير المفاهيم السياسية فى العالم بقدر ما حظيت به عقلية رسول الإسلام.
٣٣- إدوارد هنرى بالمر (إنجليزى) أسلم وسمى نفسه (عبد الله)
لم يكن محمد رسول اللهﷺ- فعلا إلا رسولا قد خلت من قبله الرسل، أدبه ربه واصطفاه لأشمل وأعظم الرسالات وكان بالفعل جديرا بتحمل مسئوليتها بالصدق الذى تربى عليه.
لست أدرى كيف يغيب عن ذهن الإنسان أن بالعالم دينا هو الإسلام وأن كتابه هو القرآن وأن نبيّه هو خاتم الأنبياء محمدا.
٣٤- الفيلسوف الفرنسى: أوجست كونت
إننى أقر وأعترف، بأن محمدا أصغر من إله ولكنه على كل حال أسمى من البشر، نعم إنه من البشر ولكنه أسمى وأكمل من البشر» .
٣٥- توماس كارليل
كان محمد مثلا للإخلاص، والوقوف بجانب الحق والعدالة فى كل ما يفعل وكل ما يقول وكل ما يفكر فيه. لم يكن محبا لنفسه، بل كان محبا لغيره، أمينا فى أداء رسالته.
[ ١٧٢ ]
٣٦- جونسون: فى كتابه «أديان الشرق»
إن تعليمات محمد ومبادءه عن الإنسانية والمثل العليا فى الدين وتواضعه ولبساطة حياته تجعله بطلا وعظيما.. وإننا نعتقد أن محمدا قد قام بما لم يقم به أحد ممن سبقه من الرسل، ولن يستطيع أى زعيم أو بطل أو عظيم أن يفعل ما فعله محمد. لقد ترك محمد من المبادئ المثالية والمثل العليا والنظم الإنسانية ما لم يتركه أحد قبله.
لقد ترك مبادئ روحية خالدة ومثلا خلقية سامية، ونظما تشريعية لا يستطيع أحد الإتيان بمثلها، فهى من عند الله كاملة، تصلح لكل زمان وكل مكان فى العالم أجمع، فهو زعيم الزعماء حقا وبطل الأبطال غير منازع والمثل الأسمى للعظمة الإنسانية.
٣٧- ليونارد
«ليس على الأرض إنسان عرف ربه معرفة حقة كما عرفه محمد. لقد وهب بنى الجزيرة العربية حياته كلها لعبادة الله بإيمان قوى وغرض نبيل وهذا أمر لا ريب فيه. إن محمدا أعظم البشرية قاطبة، وأصدق إنسان وجد على وجه الأرض منذ بدء الخليقة» .
٣٨- جورج برناردشو أيضا
كنت على الدوام أنزل ديانة محمد منزلة كبيرة من الإعزاز والإكبار لعظمته التى لا تنكر.. ولقد قرأت الكثير عن محمد ودرست ما يدعو إليه هذا الرجل العظيم فأعجبت به ومن الواجب أن يدعى محمد المنقذ للإنسانية.
٣٩- كارليل
من الخطأ أن نعد محمدا رجلا كاذبا متصنعا، متذرعا بالحيل والوسائل لغاية أو مطمع.. وما الرسالة التى أداها إلا الصدق والحق.
[ ١٧٣ ]
٤٠- جوته
إلى المهاجر الأعظم:
فى ديوانه الرائع (الديوان الشرقى للشاعر الغربى) يخاطب شاعر الألمان جوته، أستاذه الروحى الشاعر حافظ شيرازى فيقول: «أى حافظ! إن أغانيك لتبعث السكون.. وإننى مهاجر إليك بأجناس البشرية المحطمة، لتحملنا فى طريق الهجرة إلى المهاجر الأعظم محمد بن عبد الله..» «١» .
ويقول جوته: «إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد «٢» ، ولقد بحثت فى التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته فى النبى محمد وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذى أخضع العالم كله بكلمة التوحيد» «٣» .
٤١- ليوتولستوى
ويقول الأديب الروسى (ليوتولستوى) والذى حرمته الكنيسة بسبب آرائه الحرة الجرئية:
«أنا واحد من المبهورين بالنبى محمد الذى اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه، وليكون هو أيضا آخر الأنبياء.. ويكفيه فخرا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام، وفتح لها طريق الرقى والمدنية» .
٤٢- لامارتين
ويقول الشاعر الفرنسى الشهير (لامارتين): «أعظم حدث فى حياتى هو أننى درست حياة رسول الله محمد دراسة واعية، وأدركت ما فيها من عظمة
_________________
(١) (الديوان الشرقى للشاعر الغربى) جوته ص (٣١) ويعتبر هذا الديوان أهم وصاياه للأجيال.
(٢) (آفاق جديدة للدعوة) العلامة أنور الجندى (٨١) .
(٣) (شمس الدين تسطع على الغرب) ألغريد هونكه (٤٦٥) .
[ ١٧٤ ]
وخلود، من ذا الذى يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟! ومن هو الرجل الذى ظهر أعظم منه، عند النظر إلى جميع المقاييس التى تقاس بها عظمة الإنسان؟! إن سلوكه عند النصر وطموحه الذى كان مكرسا لتبليغ الرسالة وصلواته الطويلة وحواره السماوى هذه كلها تدل على إيمان كامل مكنه من إرساء أركان العقيدة. إن الرسول والخطيب والمشرع والفاتح ومصلح العقائد الآخرى الذى أسس عبادة غير قائمة على تقديس الصور هو محمد، لقد هدم الرسول المعتقدات التى تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق» «١» .
٤٣- جورج برناردشو
ويقول الفيلسوف الإنجليزى جورج برناردشو: «لقد درست محمدا باعتباره رجلا مدهشا، فرأيته بعيدا عن مخاصمة المسيح، بل يجب أن يدعى منقذ الإنسانية، وأوربة بدأت فى العصر الراهن تفهم عقيدة التوحيد، وربما ذهبت إلى أبعد من ذلك، فتعترف بقدرة هذه العقيدة على حل مشكلاتها بطريقة تجلب السلام والسعادة! فبهذه الروح يجب أن تفهموا نبوءتى» «٢» .
«إذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر فى الناس، قلنا إن محمدا رسول المسلمين أعظم عظاماء التاريخ، فقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم دينا واضحا قويا، استطاع آن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم» «٣» .
«لم يسجل التاريخ أن رجلا واحدا سوى محمد، كان صاحب رسالة وبانى أمة، ومؤسس دولة.. هذه الثلاثة التى قام بها محمد، كانت وحدة متلاحمة، وكان الدين هو القوة التى توحدها على مدى التاريخ» «٤» .
_________________
(١) (السفر إلى الشرق) ص (٢٧٧) .
(٢) عن «موسوعة مقدمات المناهج والعلوم» العلامة أنور الجندى (مجلد ٨/ ٢١١) .
(٣) المؤرخ ول ديورانت فى موسوعته (قصة الحضارة) المجلد الحادى عشر.
(٤) المؤرخ فيليب حتى، عن «مقدمات العلوم والمناهج» أنور الجندى (٨/ ٢١٤) .
[ ١٧٥ ]
٤٤- فولتير
ويقول الفيلسوف الفرنسى فولتير: «لقد قام الرسول بأعظم دور يمكن لإنسان أن يقوم به على الأرض إن أقل ما يقال عن محمد أنه قد جاد بكتاب وجاهد، والإسلام لم يتغير قط، أما أنتم ورجال دينكم فقد غيرتم دينكم عشرين مرة» «١» .
٤٥- مايكل هارت
ويقول مايكل هارت فى كتاب «المائة الأوائل: «كان محمد الرجل الوحيد فى التاريخ الذى نجح فى مهمته إلى أقصى حد، سواء على المستوى الدينى أم على المستوى الزمنى» «٢» .
٤٦- د. هانز كونج
أما عالم اللاهوت السويسرى المعاصر د. هانز كونج والذى يعتقد أن المسيح إنسان ورسول فحسب اختاره الله، فيقول: «محمد نبى حقيقى بمعنى الكلمة، ولا يمكننا بعد إنكار أن محمدا هو المرشد القائد على طريق النجاة» «٣» .
٤٧- أرنولد توينبى
ومما يميز حياة الرسول الخاتمﷺ- أن حياته وسيرته وشمائله كلها قد حفظها لنا التاريخ، فليس ثمة غموض فى أى ناحية من حياته وسيرته. وقد اعترف بهذه الحقيقة كبار المؤرخين الغربيين. فالمؤرخ البريطانى الشهير (أرنولد توينبى) يقول: الذين يريدون أن يدرسوا السيرة النبوية العطرة يجدون أمامهم من الأسفار مما لا يتوافر مثله للباحثين فى حياة أى نبى من أنبياء الله الكرام «٤» .
_________________
(١) نقلا عن «جوته والعالم العربى» كاتارينا مومزن (١٨١ و٣٥٥) .
(٢) «المائة الأوائل» مايكل هارت (٣٣) .
(٣) عن «الإسلام نهر يبحث عن مجرى» الدكتور شوقى أبو خليل (١٥) .
(٤) «مدخل تاريخى للدين» توينبى.
[ ١٧٦ ]
٤٨- الكونت كاتيانى
ويقول الكاتب كاتيانى فى كتابه «تاريخ الإسلام»:
«أليس الرسول جديرا بأن تقدّم للعالم سيرته حتى لا يطمسها الحاقدون عليه وعلى دعوته التى جاء بها لينشر فى العالم الحب والسلام؟! وإن الوثائق الحقيقية التى بين أيدينا عن رسول الإسلام ندر أن نجد مثلها، فتاريخ عيسى وما ورد فى شأنه فى الإنجيل لا يشفى الغليل» .
٤٩- المستشرق غوستاف لوبون
ويقول المستشرق المعروف غوستاف لوبون: «نعرف ما فيه الكفاية عن حياة محمد، أما حياة المسيح فمجهولة تقريبا، وإنك لن تطمع أن تبحث عن حياته فى الأناجيل» «١» .
٥٠- ر. ف. بودلى
ويلحّ ر. ف. بودلى على هذا المعنى فيقول: «لا نعرف إلا شذرات عن حياة المسيح، أما فى سيرة محمد فنعرف الشيء الكثير، ونجد التاريخ بدل الظلال والغموض» «٢» .
٥١- المستشرق هيل
ويقول المستشرق هيل فى كتابه «حضارة العرب»:
«لقد أخرج محمد للوجود أمة، ومكن لعبادة الله فى الأرض، ووضع أسس العدالة والمساواة الاجتماعية، وأحل النظام والتناسق والطاعة والعزة فى أقوام لا تعرف غير الفوضى» .
_________________
(١) «حياة الحقائق» غوستاف لوبون ص (٦٢) .
(٢) «حياة محمد» المستشرق بودلى ص (٦) .
[ ١٧٧ ]
٥٢- المستشرق جان ليك
ويقول المستشرق الإسبانى جان ليك فى كتابه «العرب»:
«لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ كان محمد رحمة حقيقية، وإنى أصلى عليه بلهفة وشوق» «١» .
٥٣- المؤرخ كريستوفر دارسون
ويقول المؤرخ كريستوفر دارسون فى كتابه «قواعد الحركة فى تاريخ العالم»:
«إن الأوضاع العالمية تغيرت تغيرا مفاجئا فرد واحد ظهر فى التاريخ هو محمد» .
٥٤- العلامة شيريل
ويقول العلامة شيريل، عميد كلية الحقوق بفيينا: «إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها» «٢» .
٥٥- الباحث كليمان هوارت
ويقول الباحث الفرنسى كليمان هوارت: «لم يكن محمد نبيا عاديا، بل استحق بجدارة أن يكون خاتم الأنبياء، لأنه قابل كل الصعاب التى قابلت كل الأنبياء الذين سبقوه مضاعفة من بنى قومه.. نبى ليس عاديا من يقسم أنه «لو سرقت فاطمة ابنته لقطع يدها» ! ولو أن المسلمين اتخذوا رسولهم قدوة فى نشر الدعوة لأصبح العالم مسلما» «٣» .
_________________
(١) المستشرق الإسبانى جان ليك (العرب) (٤٣) .
(٢) عن (هذا ديننا) محمد الغزالى (٢٥٤) .
(٣) عن «محمد فى الآداب العالمية المنصفة» (١٤٢) .
[ ١٧٨ ]
٥٦- بوشكين
ويقول الشاعر الروسى الشهير «بوشكين»:
«شقّ الصدر، ونزع منه القلب الخافق.. غسلته الملائكة، ثم أثبت مكانه! قم أيها النبى وطف العالم وأشعل النور فى قلوب الناس» «١» .
٥٧- مهاتما غاندى
«أردت أن أعرف صفات الرجل الذى يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر.. لقد أصبحت مقتنعا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التى من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه فى الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة فى ربه وفى رسالته. هذه الصفات هى التى مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائى من قراءة الجزء الثانى من حياة الرسول وجدت نفسى آسفا لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة» «٢» .
٥٨- راما كريشنا راو
«لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها. ولكن كل ما فى استطاعتى أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة، فهناك محمد النبى، ومحمد المحارب، ومحمد رجل الأعمال، ومحمد رجل السياسة، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامى العبيد، ومحمد محرر النساء، ومحمد القاضى، كل هذه الأدوار الرائعة فى كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلا» «٣» .
_________________
(١) «قصائد شرقية» ألكسندر بوشكين ص (٤٥) .
(٢) مهاتما غاندى فى حديث لجريدة «ينج إنديا» وتكلم فيه عن صفات سيدنا محمدﷺ-.
(٣) البروفسور راما كريشنا راو فى كتابه «محمد النبى» .
[ ١٧٩ ]
٥٩- ساروجنى ندو شاعرة الهند:
«يعتبر الإسلام أول الأديان مناديا ومطبقا للديمقراطية، وتبدأ هذه الديمقراطية فى المسجد خمس مرات فى اليوم الواحد عندما ينادى للصلاة، ويسجد القروى والملك جنب لجنب اعترافا بأن الله أكبر.. ما أدهشنى هو هذه الوحدة غير القابلة للتقسيم والتى جعلت من كل رجل بشكل تلقائى أخا للآخر» .
٦٠- المفكر الفرنسى لامرتين
«إذا كانت الضوابط التى تقيس بها عبقرية الإنسان هى سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذى يجرؤ أن يقارن أيا من عظاماء التاريخ الحديث بالنبى محمد ﷺ فى عبقريته؟ فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة وسنوا القوانين وأقاموا الإمبراطوريات. فلم يجنوا إلا أمجادا بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانيهم. لكن هذا الرجل محمدا ﷺ لم يقد الجيوش ويسن التشريعات ويقم الإمبراطوريات ويحكم الشعوب ويروض الحكام فقط، وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يعد ثلث العالم حينئذ. ليس هذا فقط، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان، والأفكار والمعتقدات الباطلة.
لقد صبر النبى وتجلد حتى نال النصر (من الله) . كان طموح النبى ﷺ موجها بالكلية إلى هدف واحد، فلم يطمح إلى تكوين إمبراطورية أو ما إلى ذلك. حتى صلاة النبى الدائمة ومناجاته لربه ووفاتهﷺ- وانتصاره حتى بعد موته، كل ذلك لا يدل على الغش والخداع بل يدل على اليقين الصادق الذى أعطى النبوة الطاقة والقوة لإرساء عقيدة ذات شقين: الإيمان بوحدانية الله، والإيمان بمخالفته تعالى للحوادث. فالشق الأول يبين صفة الله «ألا وهى الوحدانية»، بينما الآخر يوضح ما لا يتصف به الله تعالى «وهو المادية والمماثلة للحوادث» . لتحقيق الأول كان لابد من القضاء على الآلهة المدعاة من دون الله بالسيف، أما الثانى فقط تطلب ترسيخ العقيدة بالكلمة (بالحكمة والموعظة الحسنة) .
[ ١٨٠ ]
هذا هو محمدﷺ- الفيلسوف، الخطيب، النبى، المشرع، المحارب، قاهر الأهواء، مؤسس المذاهب الفكرية التى تدعو إلى عبادة حقة، بلا أنصاب ولا أزلام. هو المؤسس لعشرين إمبراطورية فى الأرض، وإمبراطورية روحانية واحدة. هذا هو محمدﷺ-.
بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبى محمدﷺ- «١» .
٦١- مونتجومرى
إن استعداد هذا الرجل لتحمل الاضطهاد من أجل معتقداته، والطبيعة الأخلاقية السامية لمن آمنوا به واتبعوه واعتبروه سيدا وقائدا لهم، إلى جانب عظمة إنجازاته المطلقة، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصلة فى شخصه. فافتراض أن محمدا مدع افتراض يثير مشاكل أكثر ولا يحلها. بل إنه لا توجد شخصية من عظاماء التاريخ الغربيين لم تنل التقدير اللائق بها مثل ما فعل بمحمد «٢» .
٦٢- بوسورث سميث
لقد كان محمد قائدا سياسيا وزعيما دينيا فى آن واحد. لكن لم تكن لديه عجرفة رجال الدين، كما لم تكن لديه فيالق مثل القياصرة. ولم يكن لديه جيوش مجيشة أو حرس خاص أو قصر مشيد أو عائد ثابت. إذا كان لأحد أن يقول إنه حكم بالقدرة الإلهية فإنه محمد، لأنه استطاع الإمساك بزمام السلطة دون أن يملك أدواتها ودون أن يسانده أهلها «٣» .
_________________
(١) لامرتين من كتاب «تاريخ تركيا»، باريس، ١٨٥٤، الجزء الثانى، صفحة ٢٧٦- ٢٧٧.
(٢) مونتجومرى وات، من كتاب «محمد فى مكة»، ١٩٥٣، صفحة ٥٢.
(٣) بوسورث سميث، من كتاب «محمد والمحمدية»، لندن ١٨٧٤، صفحة ٩٢.
[ ١٨١ ]
٦٣- جيبون أوكلى
ليس انتشار الدعوة الإسلامية هو ما يستحق الانبهار وإنما استمراريتها وثباتها على مر العصور، فما زال الانطباع الرائع الذى حفره محمد فى مكة والمدينة له نفس الروعة والقوة فى نفوس الهنود والأفارقة والأتراك حديثى العهد بالقرآن، رغم مرور اثنى عشر قرنا من الزمان.
لقد استطاع المسلمون الصمود يدا واحدة فى مواجهة فتنة الإيمان بالله رغم أنهم لم يعرفوه إلا من خلال العقل والمشاعر الإنسانية. فقول «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» هى ببساطة شهادة الإسلام ولم يتأثر إحساسهم بألوهية الله﷿- بوجود أى من الأشياء المنظورة التى كانت تتخذ آلهة من دون الله. ولم يتجاوز شرف النبى وفضائله حدود الفضيلة المعروفة لدى البشر، كما أن منهجه فى الحياة جعل مظاهر امتنان الصحابة له (لهدايته إياهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور) منحصرة فى نطاق العقل والدين «١» .
٦٤- الدكتور زويمر
إن محمدا كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضا بأنه كان مصلحا قديرا وبليغا فصيحا وجريئا مغوارا، ومفكرا عظيما، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافى هذه الصفات، وهذا قرآنه الذى جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء «٢» .
٦٥- سانت هيلر
كان محمد رئيسا للدولة وساهرا على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك
_________________
(١) إدوارد جيبون وسيمون أوكلى، من كتاب «تاريخ إمبراطورية الشرق»، لندن ١٨٧٠، صفحة ٥٤.
(٢) الدكتور زويمر الكندى مستشرق كندى ولد ١٨١٣- ١٩٠٠ قال فى كتابه «الشرق وعاداته» .
[ ١٨٢ ]
الجماعات الوحشية التى كان يعيش النبى بين ظهرانيها، فكان النبى داعيا إلى ديانة الإله الواحد وكان فى دعوته هذه لطيفا ورحيما حتى مع أعدائه، وإن فى شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التى تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة «١» .
٦٦- إدوار مونته
عرف محمد بخلوص النية والملاطفة وإنصافه فى الحكم، ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق، وبالجملة كان محمد أزكى وأدين، وأرحم عرب عصره، وأشدهم حفاظا على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم «٢» .
٦٧- برناردشو أيضا
إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل فى تفكير محمد، هذا النبى الذى وضع دينه دائما موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدا خلود الأبد، وإنى أرى كثيرا من بنى قومى قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح فى هذه القارة (يعنى أوروبا) .
إن رجال الدين فى القرون الوسطى، ونتيجة للجهل أو التعصب، قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدوّا للمسيحية، لكننى اطلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوا للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفى رأيى أنه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفق فى حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التى يرنو البشر إليها «٣» .
_________________
(١) العلامة برتلى سانت هيلر الألمانى مستشرق ألمانى ولد فى درسدن ١٧٩٣ توفى ١٨٨٤ قاله فى كتابه «الشرقيون وعقائدهم» .
(٢) الفيلسوف إدوار مونته الفرنسى مستشرق فرنسى ولد فى بلدة لوكادا ١٨١٧- ١٨٩٤ قاله فى آخر كتابه «العرب» .
(٣) برناردشو الإنجليزى ولد فى مدينة كانيا ١٨١٧- ١٩٠٢ له مؤلف أسماه (محمد)، وقد أحرقته السلطة البريطانية.
[ ١٨٣ ]
٦٨- السير موير
إن محمدا نبى المسلمين لقب بالأمين منذ الصغر بإجماع أهل بلده لشرف أخلاقه وحسن سلوكه، ومهما يكن هناك من أمر فإن محمدا أسمى من أن ينتهى إليه الواصف، ولا يعرفه من جهله، وخبير به من أمعن النظر فى تاريخه المجيد، ذلك التاريخ الذى ترك محمدا فى طليعة الرسل ومفكرى العالم «١» .
٦٩- سنرستن الآسوجى
إننا لم ننصف محمدا إذا أنكرنا ما هو عليه من عظم الصفات وحميد المزايا، فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة فى وجه الجهل، مصرّا على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظاماء التاريخ «٢» .
٧٠- المسترسنكس
ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة.
إلى أن قال: إن الفكرة الدينية الإسلامية، أحدثت رقيّا كبيرا جدّا فى العالم، وخلّصت العقل الإنسانى من قيوده الثقيلة التى كانت تأسره حول الهياكل بين يدى الكهان. ولقد توصل محمد- بمحوه كل صورة فى المعابد وإبطاله كل تمثيل لذات الخالق المطلق- إلى تخليص الفكر الإنسانى من عقيدة التجسيد الغليظة «٣» .
_________________
(١) السير موير الإنجليزى فى كتابه «تاريخ محمد» .
(٢) العلامة سنرستن الآسوجى: مستشرق آسوجى ولد عام ١٨٦٦، أستاذ اللغات السامية، ساهم فى دائرة المعارف، جمع المخطوطات الشرقية، محرر مجلة (العالم الشرقى) له عدة مؤلفات منها: «القرآن الإنجيل المحمدى» ومنها: «تاريخ حياة محمد» .
(٣) المستر سنكس الأمريكى: مستشرق أمريكى ولد فى بلدته بالاى عام ١٨٣١، توفى ١٨٨٣ فى كتابه «ديانة العرب» .
[ ١٨٤ ]
٧١- آن بيزيت
من المستحيل لأى شخص يدرس حياة وشخصية نبى العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبى وكيف علّم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبى الجليل، أحد رسل الله العظماء، ورغم أننى سوف أعرض فيما أروى لكم أشياء قد تكون مألوفة للعديد من الناس فإننى أشعر فى كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء بإعجاب وتبجيل متجددين لهذا المعلم العربى العظيم.
فلو نظرت إلى النساء اللاتى تزوجهن لوجدت أن كل زيجة من هذه الزيجات كانت سببا إما فى الدخول فى تحالف لصالح أتباعه ودينه أو الحصول على شيء يعود بالنفع على أصحابه أو كانت المرأة التى تزوجها فى حاجة ماسة للحماية «١» .
٧٢- مايكل هارت «٢»
إن اختيارى محمدا، ليكون الأول فى أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد فى التاريخ كله الذى نجح أعلى نجاح على المستويين: الدينى والدنيوى.
فهناك رسل وأنبياء وحكماء بدؤا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح فى المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى فى اليهودية، ولكن محمدا هو الوحيد الذى أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها فى حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه فى هذا المجال الدنيوى أيضا، وحدّ القبائل فى شعب، والشعوب فى أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها فى موضع الانطلاق إلى العالم.
أيضا فى حياته، فهو الذى بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها.
_________________
(١) آن بيزينت: حياة وتعاليم محمد دار مادرس للنشر ١٩٣٢.
(٢) مايكل هارت: فى كتابه مائة رجل من التاريخ.
[ ١٨٥ ]
٧٣- تولستوى
يكفى محمد فخرا أنّه خلّص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرّقى والتقدم، وأنّ شريعة محمد، ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة «١» .
٧٤- شيراك النمساوى
إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ أنّه رغم أمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنا أن يأتى بتشريع، سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته.
٧٥- شهادة الفيلسوف الإنجليزى توماس كارليل (أيضا)
كل عاقل منصف لا يسعه إلا التصديق برسالة النبىﷺ- ذلك أن الأمارات الكثيرة شاهدة ناطقة بصدقه.
ولا ريب أن شهادة المخالف لها مكانتها؛ فالفضل- كما قيل- ما شهدت به الأعداء.
وفيما يلى شهادة للفيلسوف الإنجليزى الشهير «توماس كارليل» الحائز على جائزة نوبل، حيث قال فى كتابه «الأبطال» كلاما طويلا عن النبىﷺ- يخاطب به قومه النصارى، ومن ذلك قوله: «لقد أصبح من أكبر العار على أى فرد متحدث هذا العصر أن يصغى إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدا خدّاع مزوّر.
وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة؛ فإن الرسالة التى أدّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثنى عشر قرنا لنحو مائتى مليون من الناس، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التى عاش
_________________
(١) ليف تولستوى «١٨٢٨- ١٩١٠» الأديب العالمى الذى يعد أدبه من أمتع ما كتب فى التراث الإنسانى قاطبة عن النفس البشرية.
[ ١٨٦ ]
بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟!
أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأى أبدا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل هذا القبول، فما الناس إلا بلة مجانين، فوا آسفا! ما أسوأ هذا الزعم، وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء والرحمة.
وبعد، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما فى علوم الكائنات ألا يصدق شيئا البتة من أقوال أولئك السفهاء؛ فإنها نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهى دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر، وموت الأرواح فى حياة الأبدان.
ولعل العالم لم ير قط رأيا أكفر من هذا وألأم، وهل رأيتم قط معشر الإخوان، أن رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا وينشره علنا؟
والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يا بنى بيتا من الطوب؛ فهو إذا لم يكن عليما بخصائص الجير، والجص، والتراب، وما شاكال ذلك- فما ذلك الذى يبنيه ببيت، وإنما هو تل من الأنفاق، وكثيب من أخلاط المواد.
نعم، وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثنى عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه، فينهدم؛ فكأنه لم يكن» .
إلى أن قال: «وعلى ذلك، فلسنا نعدّ محمدا هذا قط رجلا كاذبا متصنعا، يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته، ويطمح إلى درجة ملك أو سلطان، أو إلى غير ذلك من الحقائر.
وما الرسالة التى أدّاها إلا حق صراح، وما كلمته إلا قول صادق.
كلا، ما محمد بالكاذب، ولا الملفّق، وهذه حقيقة تدفع كل باطل، وتدحض حجة القوم الكافرين.
ثم لا ننسى شيئا آخر، وهو أنه لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا، وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك فى بلاد العرب- وعجيب وايم الله أميّة العرب- ولم يقتبس محمد من نور أى إنسان آخر، ولم يغترف من مناهل
[ ١٨٧ ]
غيره، ولم يكن إلا كجميع أشباهه من الأنبياء والعظماء، أولئك الذين أشبّههم بالمصابيح الهادية فى ظلمات الدهور.
وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ، صادق العزم بعيدا، كريما برّا، رؤوفا، تقيا، فاضلا، حرا، رجلا، شديد الجد، مخلصا، وهو مع ذلك سهل الجانب، ليّن العريكة، جم البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان- على العموم- تضىء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق؛ لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله» .
إلى أن قال: «كان عادلا، صادق النية، كان ذكى اللب، شهم الفؤاد، لوذعيّا، كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم، ممتلئا نورا، رجلا عظيما بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غنى عن ذلك.
ويزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمدا لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية، ومفاخر الجاه والسلطان.
كلا- وايم الله- لقد كان فى فؤاد ذلك الرجل ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرا وحكمة، وحجى- أفكار غير الطمع الدنيوى، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه، وكيف لا، وتلك نفس صامدة كبيرة، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؛ فبينما ترى آخرين يرضون الاصطلاحات الكاذبة، ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة إذ ترى محمدا لم يرض أن يتلفّع بمألوف الأكاذيب، ويتوشح بمبتدع الأباطيل.
لقد كان منفردا بنفسه العظيمة، وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه- كما قلت- بأهواله، ومخاوفه، وروانقه، ومباهره، ولم يكن هناك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكان لسان حال ذلك السر الهائل يناجيه: ها أنا ذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهى مقدس، فإذا تكلم هذا الرجل فكل الآذان برغمها صاغية، وكل القلوب واعية، وكل كلام ما عدا ذلك هباء، وكل قول جفاء» .
[ ١٨٨ ]
إلى أن قال: «إذا فلنضرب صفحا عن مذهب الجائرين أن محمدا كاذب، ونعد موافقتهم عارا، وسبة، وسخافة، وحمقا؛ فلنربأ بأنفسنا عنه» .
إلى أن قال: «وإن دينا آمن به أولئك العرب الوثنيون، وأمسكوه بقلوبهم النارية لجدير أن يكون حقا، وجدير أن يصدق به.
وإنما أودع هذا الدين من القواعد هو الشيء الوحيد الذى للإنسان أن يؤمن به.
وهذا الشيء هو روح جميع الأديان، وروح تلبس أثوابا مختلفة، وأثوابا متعددة، وهى فى الحقيقة شيء واحد.
وباتباع هذه الروح يصبح الإنسان إماما كبيرا لهذا المعبد الأكبر- الكون- جاريا على قواعد الخالق، تابعا لقوانينه، لا مجادلا عبثا أن يقاومها ويدافعها.
لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة، والنحل الباطلة، فابتلعها، وحق له أن يبتلعها؛ لأنه حقيقة، وما كان يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب، وجدليات النصرانية، وكل ما لم يكن بحق؛ فإنها حطب ميت» .
إلى أن قال: «أيزعم الأفّاكون الجهلة أنه مشعوذ ومحتال؟
كلا، ثم كلا، ما كان قط ذلك القلب المحتدم الجائش كأنه تنور فكر يتأجج- ليكون قلب محتال ومشعوذ، لقد كانت حياته فى نظره حقّا، وهذا الكون حقيقة رائعة كبيرة» .
إلى أن قال: «مثل هذه الأقوال، وهذه الأفعال ترينا فى محمد أخ الإنسانية الرحيم، أخانا جميعا الرؤوف الشفيق، وابن أمنا الأولى، وأبينا الأول.
وإننى لأحب محمدا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع، ولقد كان ابن القفار رجلا مستقل الرأى، لا يقول إلا عن نفسه، ولا يدّعى ما ليس فيه، ولم يكن متكبرا، ولكنه لم يكن ذليلا ضارعا، يخاطب بقوله الحرّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة، وللحياة الآخرة،
[ ١٨٩ ]
وكان يعرف لنفسه قدرها، ولم تخل الحروب الشديدة التى وقعت له مع الأعراب مع مشاهد قوة، ولكنها كذلك لم تخل من دلائل رحمة وكرم وغفران، وكان محمد لا يعتذر من الأولى، ولا يفتخر بالثانية» .
إلى أن قال: «وما كان محمد بعابث قط، ولا شاب شيئا من قوله شائبة لعب ولهو، بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح، ومسألة فناء وبقاء، ولم يكن منه بإزائها إلا الإخلاص الشديد، والجد المرير. فأما التلاعب بالأقوال، والقضايا المنطقية، والعبث بالحقائق- فما كان من شأنه قط، وذلك عندى أفظع الجرائم؛ إذ ليس هو إلا رقدة القلب، ووسن العين عن الحق، وعيشة المرء فى مظاهر كاذبة.
وفى الإسلام خلّة أراها من أشرف الخلال وأجلها وهى التسوية بين الناس، وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأى؛ فنفس المؤمن رابطة بجميع دول الأرض، والناس فى الإسلام سواء» .
إلى أن قال: «وسع نوره الأنحاء، وعمّ ضوؤه الأرجاء، وعقد شعاعه الشمال بالجنوب، والمشرق بالمغرب، وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل فى الهند، ورجل فى الأندلس، وأشرقت دولة الإسلام حقبا عديدة، ودهورا مديدة بنور الفضل والنبل، والمروءة، والبأس، والنجدة، ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة» «١» .
_________________
(١) من إعداد محمود أحمد إسماعيل منقول من شبكة الإنترنت.
[ ١٩٠ ]