المقدمة
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأئمة المهتدين.
«وبعد» فهذا هو الجزء الخامس من السيرة وشرحها «الروض الأنف» للامام السهيلى والله وحده أسأل أن يعين على تمامه؟
عبد الرحمن الوكيل
[ ٥ / ٥ ]
[ذكر نصاري نجران وما أنزل الله فيهم]
[معنى العاقب والسيد والأسقف]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، سِتّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ، أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَاَلّذِي لَا يُصْدِرُونَ إلّا عَنْ رَأْيِهِ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسّيّدُ لَهُمْ: ثِمَالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَاسْمُهُ: الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حارثة ابن عَلْقَمَةَ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أَسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ.
[مَنْزِلَةُ أَبِي حَارِثَةَ عِنْدَ مُلُوكِ الرّومِ]
وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ، وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ، حَتّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرّومِ مِنْ النّصْرَانِيّةِ قَدْ شَرّفُوهُ وَمَوّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ، لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ.
[السبب فى إسلام كرز بْنِ عَلْقَمَةَ]
فَلَمّا رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ نَجْرَانَ، جَلَسَ أبو حارثة على بغلة له موجّها، وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٧ ]
وَيُقَالُ: كُرْزٌ- فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كُوزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ: يُرِيدُ:
رَسُولَ اللهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْت! فَقَالَ:
وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: وَاَللهِ إنّهُ لَلنّبِيّ الّذِي كُنّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كُوزٌ: مَا يَمْنَعُك مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرّفُونَا وَمَوّلُونَا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إلّا خلافه، فلو فعلت نزعوا منّا كلّ ما تَرَى. فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، حَتّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَهُوَ كَانَ يُحَدّثُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي.
[رُؤَسَاءُ نجران وإسلام ابن رئيس منهم]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كُتُبًا عِنْدَهُمْ.
فَكُلّمَا مَاتَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ، فَأَفْضَتْ الرّيَاسَةُ إلَى غَيْرِهِ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَكْسِرْهَا، فَخَرَجَ الرّئِيسُ الّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النّبِيّﷺ- يَمْشِي، فَعَثَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ! يُرِيدُ النّبِيّﷺ- فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنّهُ نَبِيّ، وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ، يَعْنِي.. الْكُتُبَ، فَلَمّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لِابْنِهِ هِمّةٌ إلّا أَنْ شَدّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النّبِيّﷺ- فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَحَجّ، وَهُوَ الذى يقول:
إليك تعدو قلقا وضيتها معترضا فى بطها جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النّصَارَى دِينُهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَضِينُ: الْحِزَامُ، حِزَامُ النّاقَةِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ:
وَزَادَ فِيهِ أَهْلُ العراق:
مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
فَأَمّا أَبُو عُبَيْدَةَ فأنشدناه فيه.
[صلاة النصارى إلى المشرق]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: لَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- الْمَدِينَةَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حَيْنَ صَلّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ، جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ، فِي جَمَالِ رِجَالِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ.
قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ يَوْمئِذٍ:
مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مِثْلَهُمْ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِﷺ- يُصَلّونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- دَعُوهُمْ؛ فَصَلّوْا إلى المشرق.
[أسماء وفد نجران ومعتقدهم ومجادلتهم الرسول ﷺ]
قال ابن إسْحَاقَ: فَكَانَتْ تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ، الّذِينَ يَئُولُ إلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسّيّدُ وَهُوَ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَوْسٌ، وَالْحَارِثُ، وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنَبِيّهُ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعَمْرو، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَيُحَنّسُ، فِي سِتّينَ رَاكِبًا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩ ]
فَكَلّمَ رَسُولَ اللهِﷺ- مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالْأَيْهَمُ السّيّدُ- وَهُمْ مِنْ النّصْرَانِيّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ، مَعَ اخْتِلَافِ مَنْ أَمَرَهُمْ، يَقُولُونَ: هُوَ اللهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ النّصْرَانِيّةِ.
فَهُمْ يَحْتَجّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «هُوَ اللهُ» بِأَنّهُ كَانَ يحيى الموتى، ويبرىء الْأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنْ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ، ثُمّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كُلّهُ بِأَمْرِ اللهِ ﵎: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ.
وَيَحْتَجّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «إنّهُ وَلَدُ اللهِ» بِأَنّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ، وَقَدْ تَكَلّمَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذَا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ.
وَيَحْتَجّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «إنّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ» بِقَوْلِ اللهِ: فَعَلْنَا، وَأَمَرْنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إلّا فَعَلْتُ، وَقَضَيْت، وَأَمَرْت، وَخَلَقْت، وَلَكِنّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمُ. فَفِي كُلّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ- فَلَمّا كَلّمَهُ الْحَبْرَانِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَسْلِمَا، قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا، قَالَ: إنّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا، فَأَسْلِمَا، قَالَا: بَلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَك. قَالَ: كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنْ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ؛ قَالَا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمّدُ؟ فَصَمَتَ عَنْهُمَا رَسُولِ اللهِ ﷺ- فَلَمْ يجبهما.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠ ]
[تفسير ما نزل من آل عمران فى وفد نجران]
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلّهِ، صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا، فَقَالَ جَلّ وَعَزّ: الم اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. فَافْتَتَحَ السّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَمّا قَالُوا، وَتَوْحِيدِهِ إيّاهَا بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، رَدّا عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوا مِنْ الْكُفْرِ، وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ، وَاحْتِجَاجًا بِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي صَاحِبِهِمْ، لِيُعَرّفَهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتَهُمْ، فَقَالَ: الم اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ شَرِيكٌ فِي أَمْرِهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْحَيّ الّذِي لَا يَمُوتُ، وَقَدْ مَاتَ عِيسَى وَصُلِبَ فِي قَوْلِهِمْ.
وَالْقَيّومُ: الْقَائِمُ عَلَى مَكَانِهِ مِنْ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ لَا يَزُولُ، وَقَدْ زَالَ عِيسَى فِي قَوْلِهِمْ عَنْ مَكَانِهِ الّذِي كَانَ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، أَيْ بِالصّدْقِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:
التّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى، وَالْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى، كَمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ:
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ، أَيْ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ، أَيْ: أَنّ اللهَ مُنْتَقِمٌ مِمّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا، وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، أَيْ قَدْ عَلِمَ مَا يُرِيدُونَ وَمَا يَكِيدُونَ وَمَا يُضَاهُونَ بِقَوْلِهِمْ فِي عِيسَى، إذْ جَعَلُوهُ إلَهًا وَرَبّا، وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، غِرّةً بِاَللهِ، وَكُفْرًا بِهِ.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أَيْ: قَدْ كَانَ عيسى ممن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١١ ]
صُوّرَ فِي الْأَرْحَامِ، لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ، كَمَا صُوّرَ غَيْرُهُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ؟! ثُمّ قَالَ تَعَالَى إنْزَاهًا لِنَفْسِهِ، وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمّا جَعَلُوا مَعَهُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الْعَزِيزُ فِي انْتِصَارِهِ مِمّنْ كَفَرَ بِهِ إذَا شَاءَ، الْحَكِيمُ فِي حُجّتِهِ وَعُذْرِهِ إلَى عِبَادِهِ. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ فِيهِنّ حُجّةُ الرّبّ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهُنّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ لَهُنّ تَصْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم فى الحلال والحرام، ألّا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحقّ. يقول ﷿: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، أَيْ:
مَيْلٌ عَنْ الْهُدَى فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ، أَيْ مَا تَصَرّفَ مِنْهُ، لِيُصَدّقُوا بِهِ مَا ابْتَدَعُوا وَأَحْدَثُوا؛ لِتَكُونَ لَهُمْ حُجّةٌ، وَلَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا شُبْهَة ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ، أَيْ: اللّبْسِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ. ذَلِكَ عَلَى مَا رَكِبُوا مِنْ الضّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ: خَلَقْنَا وَقَضَيْنَا. يَقُولُ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، أَيْ: الّذِي بِهِ أَرَادُوا مَا أَرَادُوا إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ، مِنْ رَبّ وَاحِدٍ؟! ثُمّ رَدّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَكّمَةِ الّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدٍ فِيهَا إلّا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ، وَاتّسَقَ بِقَوْلِهِمْ الْكِتَابُ، وَصَدّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَنَفَذَتْ بِهِ الْحُجّةُ، وظهر به العذر، وراح بِهِ الْبَاطِلَ، وَدَمَغَ بِهِ الْكُفْرَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذَا: وَما يَذَّكَّرُ فِي مثل هذا إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٢ ]
رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا: أَيْ لَا تُمِلْ قُلُوبَنَا، وَإِنْ مِلْنَا بِأَحْدَاثِنَا. وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. ثُمّ قَالَ:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ بِخِلَافِ مَا قَالُوا قائِمًا بِالْقِسْطِ، أَيْ بِالْعَدْلِ (فِيمَا يُرِيدُ) لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، أَيْ: مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمّدُ: التّوْحِيدُ لِلرّبّ، وَالتّصْدِيقُ لِلرّسُلِ. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ، أَيْ: الّذِي جَاءَك، أَيْ: أَنّ اللهَ الْوَاحِدَ الّذِي لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ.
بَغْيًا بَيْنَهُمْ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ، أَيْ: بِمَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلَقْنَا وَفَعَلْنَا وَأَمَرْنَا، فَإِنّمَا هِيَ شُبْهَةُ بَاطِلٍ قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، أَيْ وَحْدَه. وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم أَأَسْلَمْتُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ.
[ما نزل من القرآن فيما ابتدعته الْيَهُودُ وَالنّصَارَى]
ثُمّ جَمَعَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مَا أَحْدَثُوا وَمَا ابْتَدَعُوا، مِنْ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
إلَى قَوْلِهِ: قُلِ:
اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، أَيْ: رَبّ الْعِبَادِ، وَالْمَلِكُ الّذِي لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُهُ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٣ ]
وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، أَيْ: لَا إلَهَ غَيْرُك إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُك بِسُلْطَانِك وَقُدْرَتِك. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُك، وَلَا يَصْنَعُهُ إلّا أَنْتَ، أَيْ: فَإِنْ كُنْتُ سَلّطْت عِيسَى عَلَى الْأَشْيَاءِ الّتِي بِهَا يَزْعُمُونَ أَنّهُ إلَهٌ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ وَالْخَلْقِ لِلطّيْرِ مِنْ الطّينِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ الْغُيُوبِ، لِأَجْعَلَهُ بِهِ آيَةً لِلنّاسِ، وَتَصْدِيقًا لَهُ فِي نُبُوّتِهِ الّتِي بَعَثْته بِهَا إلَى قَوْمِهِ، فَإِنّ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي مَا لَمْ أُعْطِهِ تمليك الملوك بأمن النّبُوّةِ، وَوَضْعَهَا حَيْثُ شِئْت، وَإِيلَاجَ اللّيْلِ فِي النّهَارِ، وَالنّهَارِ فِي اللّيْلِ، وَإِخْرَاجَ الْحَيّ مِنْ الْمَيّتِ، وَإِخْرَاجَ الْمَيّت مِنْ الْحَيّ، وَرِزْقَ مَنْ شِئْت مِنْ بَرّ أَوْ فَاجِرٍ بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ فَكُلّ ذَلِكَ لَمْ أُسَلّطْ عِيسَى عَلَيْهِ، وَلَمْ أُمَلّكْهُ إيّاهُ، أَفَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ وَبَيّنَةٌ! أَنْ لَوْ كَانَ إلَهًا كَانَ ذَلِكَ كُلّهُ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي عِلْمِهِمْ يَهْرَبُ مِنْ الْمُلُوكِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْهُمْ فِي الْبِلَادِ، مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
[مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فى وعظ المؤمنين وتحذيرهم]
ثُمّ وَعَظَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَذّرَهُمْ، ثُمّ قَالَ: قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، أى: إن كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلِكُمْ حَقّا، حُبّا لِلّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، أَيْ: مَا مَضَى مِنْ كُفْرِكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ وَتَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ فَإِنْ تَوَلَّوْا، أَيْ: عَلَى كُفْرِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٤ ]
[مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي خَلْقِ عِيسَى]
ثُمّ اسْتَقْبَلَ لَهُمْ أَمْرَ عِيسَى: (﵇)، وَكَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا أَرَادَ اللهُ بِهِ، فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ، وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثُمّ ذَكَرَ أَمْرَ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَقَوْلَهَا: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا، أَيْ: نَذَرْته فَجَعَلْته عَتِيقًا، تَعَبّدُهُ لِلّهِ، لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِشَيْءٍ مِنْ الدّنْيَا: فَتَقَبَّلْ مِنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، أَيْ: لَيْسَ الذّكَرُ كَالْأُنْثَى لِمَا جَعَلْتهَا مُحَرّرًا لَك نَذِيرَةً وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ، وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. يَقُولُ اللهُ ﵎: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا، وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بَعْدَ أَبِيهَا وأمّها.
قال ابن هشام: كفّلها: ضمّها.
[آيات عن زكريا ومريم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكّرَهَا بِالْيُتْمِ، ثُمّ قَصّ خَبَرَهَا وَخَبَرَ زَكَرِيّا، وَمَا دَعَا بِهِ، وَمَا أَعْطَاهُ؛ إذْ وَهَبَ لَهُ يَحْيَى ثم ذكر مريم، وقول الملائكة وطهّرك واصطفاك لَهَا يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ يقول الله ﷿: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥ ]
أَيْ: مَا كُنْت مَعَهُمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: أَقْلَامَهُمْ: سِهَامَهُمْ، يَعْنِي قِدَاحَهُمْ الّتِي اسْتَهَمُوا بِهَا عَلَيْهَا، فَخَرَجَ قَدَحُ زَكَرِيّا فَضَمّهَا، فِيمَا قال الحسن بن أبى الحسن البصرىّ.
[دعوى كَفَالَةُ جُرَيْجٍ الرّاهِبِ لِمَرْيَمَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَفّلَهَا هَاهُنَا جُرَيْجٌ الرّاهِبُ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ نَجّارٌ، خَرَجَ السّهْمُ عَلَيْهِ بِحَمْلِهَا، فَحَمَلَهَا، وَكَانَ زَكَرِيّا قَدْ كَفّلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَصَابَتْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَعَجَزَ زَكَرِيّا عَنْ حَمْلِهَا، فَاسْتَهَمُوا عَلَيْهَا أَيّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَخَرَجَ السّهْمُ عَلَى جُرَيْجٍ الرّاهِبِ بِكُفُولِهَا فَكَفَلَهَا. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ، أَيْ: مَا كُنْت مَعَهُمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا. يُخْبِرُهُ بِخَفِيّ مَا كَتَمُوا مِنْهُ مِنْ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، لِتَحْقِيقِ نُبُوّتِهِ وَالْحُجّةِ عَلَيْهِمْ بِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِمّا أَخْفَوْا مِنْهُ.
ثُمّ قَالَ: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ: الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَيْ: هَكَذَا كَانَ أَمْرُهُ، لَا كَمَا تَقُولُونَ فِيهِ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أَيْ عِنْدَ اللهِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ يُخْبِرُهُمْ بِحَالَاتِهِ الّتِي يَتَقَلّبُ فِيهَا فِي عُمْرِهِ، كَتَقَلّبِ بَنِي آدَمَ فِي أَعْمَارِهِمْ، صِغَارًا وَكِبَارًا، إلّا أَنّ اللهَ خَصّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦ ]
بِالْكَلَامِ فِي مَهْدِهِ آيَةً لِنُبُوّتِهِ، وَتَعْرِيفًا لِلْعِبَادِ بِمَوَاقِعِ قُدْرَتِهِ. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ، أَيْ يَصْنَعُ مَا أَرَادَ، وَيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مِنْ بَشَرٍ أَوْ غَيْرِ بَشَرٍ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ مِمّا يَشَاءُ وَكَيْفَ شَاءَ، فَيَكُونُ كَمَا أَرَادَ.
[مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ آيَاتِ عِيسَى ﵇]
ثُمّ أَخْبَرَهَا بِمَا يُرِيدُ بِهِ، فَقَالَ: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ الّتِي كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى قَبْلَهُ وَالْإِنْجِيلَ، كِتَابًا آخَرَ أَحْدَثَهُ اللهُ ﷿ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إلّا ذِكْرُهُ أَنّهُ كَائِنٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ يُحَقّقُ بِهَا نُبُوّتِي، أَنّي رَسُولٌ مِنْهُ إلَيْكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ الّذِي بعثى إلَيْكُمْ، وَهُوَ رَبّي وَرَبّكُمْ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْأَكْمَهَ: الّذِي يُولَدُ أَعْمَى. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
هَرّجْتُ فَارْتَدّ ارْتِدَادَ الْأَكْمَهِ
(وَجَمْعُهُ: كُمْهٌ) . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَرّجْت: صِحْت بِالْأَسَدِ، وَجَلَبْتُ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٧ ]
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ أَنّي رَسُولُ اللهِ مِنْ اللهِ إلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، أَيْ لِمَا سَبَقَنِي عَنْهَا وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، أَيْ أُخْبِرُكُمْ بِهِ أَنّهُ كَانَ عَلَيْكُمْ حَرَامًا فَتَرَكْتُمُوهُ، ثُمّ أُحِلّهُ لَكُمْ تَخْفِيفًا عَنْكُمْ، فَتُصِيبُونَ يُسْرَهُ وَتَخْرُجُونَ مِنْ تِبَاعَاتِهِ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أَيْ تبريّا مِنْ الّذِينَ يَقُولُونَ فِيهِ، وَاحْتِجَاجًا لِرَبّهِ عَلَيْهِمْ، فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أَيْ هَذَا الّذِي قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَجِئْتُكُمْ بِهِ. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وَالْعُدْوَانَ عَلَيْهِ، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ هَذَا قَوْلُهُمْ الّذِي أَصَابُوا بِهِ الْفَضْلَ مِنْ رَبّهِمْ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لَا مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يُحَاجّونَك فِيهِ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أَيْ هَكَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ وإيمانهم.
[رَفْعُ عِيسَى ﵇]
ثُمّ ذَكَرَ (﷾) رَفْعَهُ عِيسَى إلَيْهِ حَيْنَ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِهِ، فَقَالَ:
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. ثم أخبرهم وردّ عليهم فيما أقرّوا الميهود بِصَلْبِهِ، كَيْفَ رَفَعَهُ وَطَهّرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ هَمّوا مِنْك بِمَا هَمّوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٨ ]
ثُمّ الْقِصّةُ؛ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمّدُ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ الْقَاطِعِ الْفَاصِلِ الْحَقّ، الّذِي لَا يُخَالِطُهُ الْبَاطِلُ، مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى، وَعَمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَا تَقْبَلَنّ خَبَرًا غَيْرَهُ. إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ فَاسْتَمِعْ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أَيْ مَا جَاءَك مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، أَيْ قَدْ جَاءَك الْحَقّ مِنْ رَبّك فَلَا تَمْتَرِيَنّ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا:
خُلِقَ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقْتُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ أُنْثَى وَلَا ذَكَرٍ، فَكَانَ كَمَا كَانَ عِيسَى لَحْمًا وَدَمًا، وَشَعْرًا وَبَشَرًا، فَلَيْسَ خَلْقُ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا قَصَصْتُ عَلَيْك مِنْ خَبَرِهِ، وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ، فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: نَبْتَهِلْ: نَدْعُو بِاللّعْنَةِ، قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
لَا تَقْعُدَنّ وَقَدْ أَكّلْتَهَا حَطَبًا نَعُوذُ مِنْ شَرّهَا يَوْمًا وَنَبْتَهِلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَقُولُ: نَدْعُو بِاللّعْنَةِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بَهَلَ اللهُ فُلَانًا، أَيْ لَعَنَهُ، وَعَلَيْهِ بَهْلَةُ اللهِ. (قَالَ ابْنُ هِشَامٍ): وَيُقَالُ: بَهْلَةُ اللهِ، أَيْ لَعْنَةُ اللهِ، وَنَبْتَهِلْ أَيْضًا: نَجْتَهِدْ، فِي الدّعَاءِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إِنَّ هَذَا الّذِي جِئْتُ بِهِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ مِنْ أَمْرِهِ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. فَدَعَاهُمْ إلَى النّصَفِ، وَقَطَعَ عَنْهُمْ الحجة.
[إبَاؤُهُمْ الْمُلَاعَنَةَ]
فَلَمّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ اللهِ عَنْهُ، وَالْفَصْلُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إنْ رَدّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعَاهُمْ إلَى ذَلِكَ؛ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمّ نَأْتِيك بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتنَا إلَيْهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: وَاَللهِ يَا مَعْشَرَ النّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّ مُحَمّدًا لَنَبِيّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم مالا عن قَوْمٌ نَبِيّا قَطّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَإِنّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكُمْ، وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرّجُلَ، ثُمّ انْصَرِفُوا إلَى بِلَادِكُمْ. فأتوا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلّا نُلَاعِنَك، وَأَنْ نَتْرُكَك عَلَى دِينِك وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنْ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠ ]
أَصْحَابِك تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُمْ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنّكُمْ عِنْدَنَا رِضًا.
[تَوْلِيَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ أُمُورَهُمْ]
قَالَ مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ائْتُونِي الْعَشِيّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمْ الْقَوِيّ الْأَمِينَ قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْت الْإِمَارَةَ قَطّ حُبّي إيّاهَا يَوْمئِذٍ، رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهَا، فَرُحْتُ إلَى الظّهْرِ مُهَجّرًا، فَلَمّا صَلّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ سَلّمَ، ثُمّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلْت أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتّى رَأَى أَبَا عبيدة ابن الْجَرّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهُمْ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
قَالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ.
[نُبَذٌ مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ]
[ابن أبى وابن صيفى]
قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ- كَمَا حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ- وَسَيّدُ أَهْلِهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ الْعَوْفِيّ ثُمّ أَحَدُ بَنِي الْحُبْلَى، لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ فِي شرفه اثْنَانِ، لَمْ تَجْتَمِعْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، غَيّرَهُ، وَمَعَهُ فِي الْأَوْسِ رَجُلٌ، هُوَ فِي قَوْمِهِ مِنْ الْأَوْسِ شَرِيفٌ مُطَاعٌ، أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيّ بْنِ النّعْمَانِ، أَحَدُ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ أبو حنظلة،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١ ]
الغسيل يوم أحد، وَكَانَ قَدْ تَرَهّبَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الرّاهِبُ. فَشَقِيَا بِشَرَفِهِمَا وَضَرّهُمَا.
[إسْلَامُ ابْنِ أُبَيّ]
فَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ فَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا لَهُ الْخَرَزَ ليتوّجوه، ثم يملّكوه عليهم، فجاءهم اللهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمّا انْصَرَفَ قَوْمُهُ عَنْهُ إلَى الْإِسْلَامِ ضَغِنَ، وَرَأَى أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ اسْتَلَبَهُ مُلْكًا. فَلَمّا رَأَى قَوْمَهُ قَدْ أَبَوْا إلّا الْإِسْلَامِ دَخَلَ فِيهِ كَارِهًا مُصِرّا عَلَى نِفَاقٍ وَضِغْنٍ.
[إصْرَارُ ابْنِ صَيْفِيّ عَلَى كُفْرِهِ]
وَأَمّا أَبُو عَامِرٍ فَأَبَى إلّا الْكُفْرَ وَالْفِرَاقَ لِقَوْمِهِ حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ إلَى مَكّةَ بِبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مُفَارِقًا لِلْإِسْلَامِ وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- كَمَا حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ بَعْضِ آلِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ: لَا تَقُولُوا الرّاهِبَ وَلَكِنْ قُولُوا: الْفَاسِقَ.
[مَا نَالَ ابْنَ صَيْفِيّ جَزَاءَ تَعْرِيضِهِ بِالرّسُولِ ﷺ]
قال ابن إسحاق: وَحَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الحكيم، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ وَسَمِعَ، وَكَانَ رَاوِيَةً: أَنّ أَبَا عَامِرٍ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكّةَ، فَقَالَ: مَا هَذَا الدّينُ الّذِي جِئْتَ بِهِ؟
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٢ ]
فَقَالَ: جِئْتُ بِالْحَنِيفِيّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَأَنَا عَلَيْهَا؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّك لَسْتَ عَلَيْهَا؛ قَالَ: بَلَى، قَالَ: إنّك أَدَخَلْتَ يَا مُحَمّدُ فِي الْحَنِيفِيّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، قَالَ: مَا فَعَلْتُ، وَلَكِنّي جِئْت بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيّةً؛ قَالَ:
الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللهُ طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا- يُعَرّض بِرَسُولِ اللهِ ﷺ- أَيْ أَنّك جِئْتَ بِهَا كَذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَجَلْ، فَمَنْ كَذَبَ فَفَعَلَ اللهُ تعالى ذلك به. فَكَانَ هُوَ ذَلِكَ عَدُوّ اللهِ، خَرَجَ إلَى مَكّةَ، فَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ خَرَجَ إلَى الطّائِفِ. فَلَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ لَحِقَ بِالشّامِ. فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا.
[الِاحْتِكَامُ إلَى قَيْصَرَ فِي مِيرَاثِهِ]
وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَكِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يالَيْل بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثّقَفِيّ، فَلَمّا مَاتَ اخْتَصَمَا فِي مِيرَاثِهِ إلَى قَيْصَرَ، صَاحِبِ الرّومِ. فَقَالَ قَيْصَرُ: يَرِثُ أَهْلُ الْمَدَرِ أَهْلَ الْمَدَرِ، وَيَرِثُ أَهْلُ الْوَبَرِ أَهْلَ الوبر، فورثه كنانة بن عبديا ليل بِالْمَدَرِ دُونَ عَلْقَمَةَ.
[هِجَاءُ كَعْبٍ لِابْنِ صَيْفِيّ]
فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لِأَبِي عَامِرٍ فِيمَا صَنَعَ:
مَعَاذَ اللهِ مِنْ عَمَلٍ خَبِيثٍ كَسَعْيِك فِي الْعَشِيرَةِ عَبْدَ عَمْرٍو
فَإِمّا قُلْتَ لِي شَرَفٌ وَنَخْلٌ فَقِدْمًا بِعْتَ إيمَانًا بِكُفْرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٣ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
فَإِمّا قُلْت لِي شَرَفٌ وَمَالٌ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا عَبْدُ الله بن أبىّ فأفام عَلَى شَرَفِهِ فِي قَوْمِهِ مُتَرَدّدًا، حَتّى غَلَبَهُ الْإِسْلَامُ، فَدَخَلَ فِيهِ كَارِهًا.
[خُرُوجُ قَوْمِ ابْنِ أُبَيّ عَلَيْهِ وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، حِبّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ:
رَكِبَ رسول الله ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَعُودُهُ مِنْ شَكْوٍ أَصَابَهُ على حمار عليه إكاف، فوقه قَطِيفَةٌ فَدَكِيّةٌ مُخْتَطِمَةٌ بِحَبْلِ مِنْ لِيفٍ، وَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ قال: فمرّ بعبد الله بن أبىّ، وَهُوَ (فِي) ظِلّ مُزَاحِمٍ أُطُمِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُزَاحِمٌ: اسْمُ الْأُطُمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَوْلَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ. فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَذَمّمَ مِنْ أَنْ يُجَاوِزَهُ حَتّى يَنْزِلَ فَنَزَلَ فَسَلّمَ ثُمّ جَلَسَ قَلِيلًا فَتَلَا الْقُرْآنَ وَدَعَا إلَى اللهِ ﷿، وَذَكّرَ بِاَللهِ وَحَذّرَ، وَبَشّرَ وَأَنْذَرَ قَالَ:
وَهُوَ زَامّ لَا يَتَكَلّمُ، حَتّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَقَالَتِهِ، قَالَ: يَا هَذَا، إنّهُ لَا أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِك هَذَا إنْ كَانَ حَقّا فَاجْلِسْ فِي بَيْتِك فَمَنْ جَاءَك لَهُ فَحَدّثْهُ إياه، (و) من لم يأتك فلا تغتّه بِهِ، وَلَا تَأْتِهِ فِي مَجْلِسِهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٤ ]
بِمَا يَكْرَهُ مِنْهُ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي رِجَالٍ كَانُوا عِنْدَهُ مِنْ المسلمين:
بلى، فاغشنا به، وائتنا فى، مجالسنا ودورنا وبيتنا، فَهُوَ وَاَللهِ مِمّا نُحِبّ وَمِمّا أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ وَهَدَانَا لَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ حِينَ رَأَى مِنْ خِلَافِ قَوْمِهِ مَا رَأَى:
مَتَى مَا يَكُنْ مَوْلَاك خَصْمُك لَا تَزَلْ تَذِلّ وَيَصْرَعْك الّذِينَ تُصَارِعُ
وَهَلْ يَنْهَضُ الْبَازِي بِغَيْرِ جَنَاحِهِ وَإِنْ جُذّ يَوْمًا رِيشُهُ فَهُوَ وَاقِعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبَيْتُ الثّانِي عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
[غَضَبُ الرّسُولِ ﷺ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أُبَيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَفِي وَجْهِهِ مَا قَالَ عَدُوّ اللهِ ابْنُ أُبَيّ، فَقَالَ: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي لَأَرَى فِي وَجْهِك شَيْئًا، لَكَأَنّك سَمِعْتَ شَيْئًا تَكْرَهُهُ؛ قَالَ: أَجَلْ ثُمّ أَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ أُبَيّ: فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُرْفُقْ بِهِ، فو الله لَقَدْ جَاءَنَا اللهُ بِك، وَإِنّا لَنَنْظِمُ لَهُ الخرز لنتوّجه، فو الله إنّهُ لَيَرَى أَنْ قَدْ سَلَبْته مُلْكًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥ ]
[ذِكْرُ مَنْ اعْتَلّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ]
[مرض أبى بكر وعامر وبلال وحديث عائشة عنهم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأَ أَرْضِ اللهِ مِنْ الْحُمّى، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ، فَصَرَفَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيّهِ ﷺ.
قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَبِلَالٍ، مَوْلَيَا أَبِي بَكْرٍ، مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، فَأَصَابَتْهُمْ الْحُمّى، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَعُودُهُمْ، وَذَلِكَ قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم مالا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ مِنْ شِدّةِ الْوَعْكِ فَدَنَوْتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَجِدُك يا أبت؟ فقال:
كلّ امرىء مُصَبّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نعله
قَالَتْ: فَقُلْت: وَاَللهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يقول. قالت: ثم دنوت إلى عامر ابن فُهَيْرَةَ فَقُلْت لَهُ كَيْفَ تَجِدُك يَا عَامِرُ؟ فَقَالَ:
لَقَدْ وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ إنّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
كُلّ امْرِئٍ مُجَاهَدٌ بطوقه كالثّور يحمى جلده بروقه
يُرِيدُ: بِطَاقَتِهِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَتْ: فَقُلْت: وَاَللهِ مَا يَدْرِي عَامِرٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦ ]
مَا يَقُولُ! قَالَتْ وَكَانَ بِلَالٌ إذَا تَرَكَتْهُ الْحُمّى اضْطَجَعَ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ. ثُمّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَن لَيْلَةً بفجّ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنّةٍ وَهَلْ يَبْدُونَ لِي شَامَةٌ وَطُفَيْلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَامَةٌ وَطُفَيْلٌ: جَبَلَانِ بِمَكّةَ.
[دُعَاءُ الرّسُولِ ﷺ بِنَقْلِ وَبَاءِ الْمَدِينَةِ إلَى مَهْيَعَةَ]
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ، فَقُلْت: إنّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدّةِ الْحُمّى. قَالَتْ:
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمّ حَبّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبّبْت إلَيْنَا مَكّةَ، أَوْ أَشَدّ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إلَى مَهْيَعَةَ، ومَهْيَعَةُ:
الْجُحْفَةُ.
[مَا جَهَدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْوَبَاءِ]
قَالَ ابْنُ إسحاق: وذكر ابن شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: أَنّ رسول اللهﷺ لَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابَتْهُمْ حُمّى الْمَدِينَةِ، حَتّى جَهَدُوا مَرَضًا، وَصَرَفَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيّهِ ﷺ، حَتّى كَانُوا مَا يُصَلّونَ إلّا وَهُمْ قُعُودٌ، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ يُصَلّونَ كَذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: اعْلَمُوا أَنّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧ ]
عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ. قَالَ: فَتَجَشّمَ الْمُسْلِمُونَ الْقِيَامَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ الضّعْفِ والسّقم التماس الفضل.
[بَدْءُ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أن رسول الله ﷺ تَهَيّأَ لِحَرْبِهِ، قَامَ فِيمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ مِنْ جِهَادِ عَدُوّهِ، وَقِتَالِ مَنْ أَمَرَهُ اللهُ بِهِ مِمّنْ يَلِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى بِثَلَاثَ عشرة سنة.
_________________
(١) ذكر نصاري نجران وما أنزل الله فيهم قَدْ تَقَدّمَ أَنّ نَجْرَانَ عُرِفَتْ بِنَجْرَانَ بْنِ زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وَأَمّا أَهْلُهَا فَهُمْ: بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ مِنْ مَذْحِجَ. تَأْوِيلُ كُنْ فَيَكُونُ: ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُمْ لِلنّبِيّ ﷺ: مَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمّدُ، يَعْنُونَ عِيسَى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ إلَى قوله: كُنْ فَيَكُونُ وَفِيهَا نُكْتَةٌ، فَإِنّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، فَيَعْطِفُ بِلَفْظِ الْمَاضِي عَلَى الْمَاضِي، وَالْجَوَابُ: أَنّ الْفَاءَ تُعْطِي التّعْقِيبَ وَالتّسْبِيبَ، فَلَوْ قَالَ: فَكَانَ لَمْ تَدُلّ الْفَاءُ إلّا عَلَى التّسْبِيبِ، وَأَنّ الْقَوْلَ سَبَبٌ لِلْكَوْنِ، فَلَمّا جَاءَ بِلَفْظِ الْحَالِ دَلّ مَعَ التّسْبِيبِ عَلَى اسْتِعْقَابِ الْكَوْنِ لِلْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ مَهَلٍ، وَأَنّ الْأَمْرَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنّونِ، قَالَ لَهُ: كُنْ فَإِذَا
[ ٥ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هُوَ كَائِنٌ، وَاقْتَضَى لَفْظُ فِعْلَ الْحَالِ كَوْنَهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: إنّ آدَمَ مَكَثَ دَهْرًا طَوِيلًا «١»، وَهُوَ طِينٌ صَلْصَالٌ، وَقَوْلُهُ لِلشّيْءِ:
كُنْ فَيَكُونُ يَقْتَضِي التّعْقِيبَ، وَقَدْ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ، وَهِيَ سِتّةُ آلَافِ سَنَةٍ «٢»، فَأَيْنَ قَوْلُهُ. كُنْ فيكون من هذا؟
فالجواب: ما قاله أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنّ قَوْلَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ: كُنْ يَتَوَجّهُ إلَى الْمَخْلُوقِ مُطْلَقًا وَمُقَيّدًا، فَإِذَا كَانَ مُطْلَقًا كَانَ كَمَا أَرَادَ لِحِينِهِ، وَإِذَا كَانَ مُقَيّدًا بِصِفَةِ أَوْ بِزَمَانِ كَانَ كَمَا أَرَادَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الزّمَانِ الّذِي تَقَيّدَ الْأَمْرُ بِهِ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: كُنْ فِي أَلْفِ سَنَةٍ، كَانَ فِي أَلْفِ سَنَةٍ، وَإِنْ قَالَ لَهُ: كُنْ فِيمَا دُونَ اللّحْظَةِ كَانَ كَذَلِكَ.
تَأْوِيلُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ:
فَصْلٌ. وَذَكَرَ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَفَسّرَ مِنْهُ كَثِيرًا، فَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ وهو مالا يَحْتَمِلُ إلّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا، وَهُوَ عِنْدِي مِنْ أَحَكَمْت الْفَرَسَ بِحَكَمَتِهِ، أَيْ: مَنَعْته مِنْ الْعُدُولِ عن طريقه كما قال حسان:
_________________
(١) من أين جاء بهذا؟
(٢) لم يرد بهذا حديث صحيح، ولابن كثير تفسير لقوله تَعَالَى: وَإِنّ يَوْمًا عِنْدَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مما تعدون «أى: هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد بالنسبة إلى حلمه لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شىء، وإن أمهل وأنظر وأملى» وهو تفسير جميل بدفع القول بأن اليوم يساوى ستة ألاف سنة، وثمت أحاديث تدل على أنها ستة أيام بأيامنا هذه. وخير للمسلم أن يقف عند الذى ذكر فى القرآن.
[ ٥ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا
أَيْ: نُلْجِمُهُ فَنَمْنَعُهُ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الْمُحْكَمَةُ لَا تُتَصَرّفُ بِقَارِئِهَا التّأْوِيلَاتُ، وَلَا تَتَعَارَضُ عَلَيْهِ الِاحْتِمَالَاتُ، وَلَيْسَ مِنْ لَفْظِ الْحِكْمَةِ، لِأَنّ الْقُرْآنَ كُلّهُ حِكْمَةٌ وَعِلْمٌ. وَالْمُتَشَابِهُ يَمِيلُ بِالنّاظِرِ فِيهِ إلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَطُرُقٍ متباينة، وقوله سبحانه: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هَذَا مِنْ الْحِكْمَةِ وَمِنْ الْإِحْكَامِ الّذِي هُوَ الْإِتْقَانُ، فَالْقُرْآنُ كُلّهُ مُحْكَمٌ عَلَى هَذَا، وَهُوَ كُلّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُتَشَابِهٌ أَيْضًا، لِأَنّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا فِي بَرَاعَةِ اللّفْظِ، وَإِعْجَازِ النّظْمِ، وَجَزَالَةِ الْمَعْنَى، وَبَدَائِعِ الْحِكْمَةِ، فَكُلّهُ مُتَشَابِهٌ وَكُلّهُ مُحْكَمٌ، وَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوّلِ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ؛ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَهْلُ الزّيْغِ يَعْطِفُونَ الْمُتَشَابِهَ عَلَى أَهْوَائِهِمْ وَيُجَادِلُونَ بِهِ عَنْ آرَائِهِمْ، وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَرُدّونَ المتشابه إلى المحكم أخذا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَعِلْمًا بِأَنّ الْكُلّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَلَا يُخَالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا. رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ قَالَ: إذَا رَأَيْتُمْ الّذِينَ يُجَادِلُون فِيهِ، فَهُمْ أولئك فاحذروهم «١»: وللسلف فى معنى
_________________
(١) رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجة وأحمد ولفظ البخارى عن عائشة قالت: «تلا رسول الله «ص» هذه الآية (هُوَ الّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ محكمات) إلى قوله: (وما يذكر إلا أولوا الألباب) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فاذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى فاحذروهم»
[ ٥ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُحْكَمِ وَمَعْنَى الْمُتَشَابِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ، إلّا أَنّ منهم مَنْ يَرَى الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ:
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَيَرَوْنَهُ تَمَامَ الْكَلَامِ، وَيَحْتَجّونَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ويقول الرّسخون فِي الْعِلْمِ «١»، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنّ الرّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ التّأْوِيلَ، وَإِنْ عَلِمُوا التّفْسِيرَ. وَالتّأْوِيلَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ غَيْرَ التّفْسِيرِ، إنّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ فِي مَعْنَى قوله سبحانه: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ «٢» وطائفة
_________________
(١) لا يعتد بمثل هذه القراآت التى لا ترد عن طريق سند صحيح قوى.
(٢) التأويل: تفعيل من آل يئول إلى كذا إذا صار إليه، فالتأويل: التصيير، وأولته تأويلا: إذا صيرته إليه. وتسمى العاقبة: تأويلا، لأن الأمر يصير إليها، وتسمى حقيقة الشىء المخبر به تأويلا لأن الأمر ينتهى إليه، ومنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ فمجىء تأويله مجىء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله والجنة والنار، وتسمى العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود الفاعل، وغرضه من الفعل الذى لم يعرف الرائى له غرضه به، ومنه قول الخضر لموسى: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. فالتأويل فى كتاب الله المراد منه: حقيقة المعنى الذى يئول إليه اللفظ، وهى الحقيقة الموجودة فى الخارج، فإن الكلام نوعان، خبر وطلب فتأويل الخبر هو الحقيقة، وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود والمتوعد به وتأويل ما أخبر الله به من صفاته العلى، وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه، وما هو موصوف به من الصفات العلى. وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها وأما التأويل فى اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان. وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين، فمرادهم بالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره، وهو معنى للتأويل لا يوجد فى لغة القرآن انظر ص ١٠ ح ١ مختصر الصواعق المرسلة للامام ابن القيم ط السلفية المكية سنة ١٣٤٨ هـ وإذا كان التأويل بمعنى الحقيقة الموجودة فى الخارج وكان بالنسبة-
[ ٥ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَرَوْنَ أَنّ قَوْلَهُ: وَالرّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَأَنّهُمْ عَالِمُونَ بِالتّأْوِيلِ، وَيَحْتَجّونَ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ مِنْ أَثَرٍ وَنَظَرٍ، وَاَلّذِي أَرْتَضِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الّذِي قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَمَعْنَاهُ كُلّهُ أَنّ الكلام قدتمّ فِي قَوْلِهِ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا اللهُ. والراسخون فى العلم: مبتدأ، لكن لأنقول: إنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ. كَمَا قَالَتْ الطّائِفَةُ الْأُولَى، وَلَكِنْ نَقُولُ:
إنّهُمْ يَعْلَمُونَهُ بِرَدّ الْمُتَشَابِهِ إلَى الْمُحْكَمِ، وبالاستدلال عَلَى الْخَفِيّ بِالْجَلِيّ، وَعَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْمُتّفَقِ عَلَيْهِ، فَتَنْفُذُ بِذَلِكَ الْحُجّةُ، وَيُزَاحُ الْبَاطِلُ، وَتَعْظُمُ دَرَجَةُ الْعَالِمِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، لِأَنّهُ يَقُولُ: آمَنْت بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّي فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ؟! وَلَمّا كَانَ الْعِلْمَانِ مُخْتَلِفَيْنِ: عِلْمُ اللهِ، وَعِلْمُ الرّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لم يجز عطف: «الراسخون» عَلَى مَا قَبْلَهُ، فَاَللهُ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الْعِلْمَ القديم «١»
_________________
(١) - لصفات الله وأسمائه، هو نفس ما هو عليه سبحانه، وما هو موصوف به من الصفات، فإن أحدا لا يعلم شيئا من هذا، ولا يستطيعه حتى الراسخون فى العلم. أما إذا كان بمعنى التفسير والبيان، فالراسخون يعلمون، كتفسير الاستواء بعلو العلى الغفار، وإذا كان التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة مزعومة فهو معنى باطل كأريل الاستواء بالاستيلاء، وخرج صاحب هذا التأويل فى زعمه من شنيع إلى ما هو أشد شناعة وغلظا فيها، وما فى إخبار الله عن نفسه بأنه استوى أثارة من شناعة. وإلا حكمنا على ربنا بأنه لا يحسن البيان، أو بأنه يخبر عن نفسه بما ليس لوجوده أو لمعناه حقيقة، أو يخبر عن نفسه بما فيه شناعة، وأما فى الإخبار عنه بأنه استولى ففيه ما فيه، فيه بهت الله بما لم يقله، فيه الحكم على الله بأنه غلب يوما على أمره، فالاستيلاء يفيد المغالبة، فيه الزعم بأننا أحسن بيانا من الله فى التعبير عن صفاته. ومعاذ الله جل شأنه
(٢) لم يرد لا فى القرآن، ولا فى الحديث الصحيح وصف علم الله بهذه الصفة التى لا توحى إلا بالعفونة.
[ ٥ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لَا بِتَذَكّرِ، وَلَا بِتَفَكّرِ، وَلَا بِتَدْقِيقِ نَظَرٍ، وَلَا بِفَحْصِ عَنْ دَلِيلٍ، فَلَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ هَكَذَا إلّا اللهُ. وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ بِالْفَحْصِ عَنْ الدّلِيلِ، وَبِتَدْقِيقِ النّظَرِ وَتَسْدِيدِ الْعِبَرِ، فَهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ إسْحَاقَ فِي الْآيَةِ. احْتِجَاجُ الْقِسّيسِينَ لِلتّثْلِيثِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ احْتِجَاجَ الْأَحْبَارِ وَالْقِسّيسِينَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ بِقَوْلِهِ ﷿: خَلَقْنَا وَأَمَرْنَا وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، وَقَالُوا هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَهَذَا مِنْ الزّيْغِ بِالْمُتَشَابِهِ، دُونَ رَدّهِ إلَى الْمُحْكَمِ نَحْوَ قَوْلِهِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْعَجَبُ مِنْ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ: كَيْفَ احْتَجّوا عَلَى مُحَمّدٍ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمّدٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِأَنّ هَذَا اللّفْظَ الّذِي احْتَجّوا بِهِ مَجَازٌ عَرَبِيّ، وَلَيْسَ هُوَ لَفْظَ التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَأَصْلُ هَذَا الْمَجَازِ فِي الْعَرَبِيّةِ أَنّ الْكِتَابَ إذَا صَدَرَ عَنْ حَضْرَةِ مَلِكٍ كَانَتْ الْعِبَارَةُ فِيهِ عَنْ الْمَلِكِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ دَلَالَةً عَلَى أَنّهُ كَلَامُ مَلِكٍ مَتْبُوعٍ عَلَى أَمْرِهِ، وَقَوْلِهِ، فَلَمّا خَاطَبَهُمْ اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَنْزَلَهُ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِي الْكَلَامِ، وَجَاءَ اللّفْظُ فِيهِ عَلَى أُسْلُوبِ الْكَلَامِ الصّادِرِ عَنْ حَضْرَةِ الْمَلِكِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي غَيْرِ اللّسَانِ الْعَرَبِيّ، وَلَا يَتَطَرّقُ هَذَا الْمَجَازُ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ إلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ، إنّمَا هُوَ فِي اللّفْظِ الْمُنَزّلِ، وَلِذَلِكَ نَجِدُهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ قَوْلٍ قَالَهُ لِنَبِيّ قَبْلَنَا، أَوْ خَاطَبَ بِهِ غَيْرَنَا نَحْوَ قَوْلِهِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وَلَمْ يَقُلْ: خَلَقْنَا بِأَيْدِينَا، كَمَا قَالَ: مِمّا عَمِلَتْهُ أَيْدِينَا، وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ وَحْيِهِ لِمُوسَى: وَلِتُصْنَعَ عَلى
[ ٥ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَيْنِي وَلَمْ يَقُلْ: كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا لِأَنّهُ أَخْبَرَ عَنْ قَوْلٍ قَالَهُ لَمْ يُنْزِلْهُ بِهَذَا اللّسَانِ الْعَرَبِيّ وَلَمْ يَحْكِ لَفْظًا أَنْزَلَهُ، وَإِنّمَا أَخْبَرَ عَنْ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ الْمَجَازُ فِي الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِعَبْدِ أَنْ يَقُولَ رَبّ اغْفِرُوا، وَلَا ارْحَمُونِي، وَلَا عَلَيْكُمْ تَوَكّلْت، وَلَا إلَيْكُمْ أَنَبْت، وَلَا قَالَهَا نَبِيّ قَطّ فِي مُنَاجَاتِهِ، وَلَا نَبِيّ فِي دُعَائِهِ لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُشْعِرَ قَلْبَهُ التّوْحِيدَ، حَتّى يُشَاكِلَ لَفْظُهُ عَقْدَهُ. الثّانِي: مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ سَيْرِ هَذَا الْمَجَازِ، وَأَنّ سَبَبَهُ صُدُورُ الْكَلَامِ عَنْ حَضْرَةِ الْمَلِكِ مُوَافَقَةً لِلْعَرَبِ فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مِنْ كَلَامِهَا، وَاخْتِصَاصِهَا بِعَادَةِ مُلُوكِهَا وَأَشْرَافِهَا، وَلَا نَنْظُرُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبِذَلِك رُوجِعُوا، يَعْنِي: بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَاحْتَجّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ خَبَرًا عَمّنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مِنْ الْكُفّارِ إذْ يَقُولُ: رَبِّ ارجعون، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا خَبَرٌ عَمّنْ حَضَرَتْهُ الشّيَاطِينُ، أَلَا تَرَى قَبْلَهُ: وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَنْ يحضرون، فإنما جَاءَ هَذَا حِكَايَةً عَمّنْ حَضَرَتْهُ الشّيَاطِينُ، وَحَضَرَتْهُ زَبَانِيَةُ الْعَذَابِ وَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ فِي الْمَوْتِ مَا كَانَ يَعْتَادُهُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ رَدّ الْأَمْرِ إلَى الْمَخْلُوقِينَ، فَلِذَلِكَ خُلِطَ، فَقَالَ: رَبّ، ثُمّ قَالَ: ارْجِعُونِ «١»، وَإِلّا فَأَنْتَ أَيّهَا الرّجُلُ الْمُجِيزُ لِهَذَا اللّفْظِ فِي مُخَاطَبَةِ الرّبّ سُبْحَانَهُ: هَلْ قُلْت قَطّ فِي دُعَائِك: ارْحَمُونِ يَا رَبّ، وَارْزُقُونِ؟! بَلْ لَوْ سَمِعْت غَيْرَك يَقُولُهَا لسطوت به، وأما قول
_________________
(١) سبقه إلى هذا ابن جرير الطبرى، ففيه «وإنما ابتدىء الكلام بخطاب الله جل ثناؤه، لأنهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلى مسئلة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا» ونقل عن بعض نحويى الكوفة «قيل ذلك كذلك لأنه مما جرى على وصف الله نفسه من قوله: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا فى غير مكان من القرآن، فجرى هذا على ذاك»
[ ٥ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا، أَوْ رَأَيْنَا كَذَا، أَوْ نَرَى كَذَا، فَإِنّمَا ذَلِكَ، لِأَنّهُ قَوْلٌ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِهِ لَكَانَ بِدْعَةً، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ، لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الدّينِ وَالدّعَةِ.
احْتِجَاجُهُمْ لِأُلُوهِيّةِ عِيسَى:
وَأَمّا احْتِجَاجُ الْقِسّيسِينَ بِأَنّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيَخْلُقُ مِنْ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَلَوْ تَفَكّرُوا لَأَبْصَرُوا أَنّهَا حُجّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنّ اللهَ تَعَالَى خَصّهُ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ بِمُعْجِزَاتِ تُبْطِلُ مَقَالَةَ مَنْ كَذّبَهُ، وَتُبْطِلُ أَيْضًا مَقَالَةَ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ إلَهٌ أَوْ ابْنُ الْإِلَهَ وَاسْتَحَالَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَكَانَ نَفَخَهُ فِي الطّينِ، فَيَكُونُ طَائِرًا حَيّا: تَنْبِيهًا لَهُمْ لَوْ عَقَلُوهُ عَلَى أَنّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ آدَمَ خُلِقَ مِنْ طِينٍ، ثُمّ نَفَخَ فِيهِ الرّوحَ، فَكَانَ بَشَرًا حَيّا، فَنَفَخَ الرّوحَ فِي الطّائِرِ الّذِي خَلَقَهُ عِيسَى مِنْ طِينٍ لَيْسَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، الْكُلّ فَعَلَ اللهُ، وَكَذَلِكَ إحْيَاؤُهُ لِلْمَوْتَى، وَكَلَامُهُ فِي الْمَهْدِ، كُلّ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَفْخَةِ رُوحِ الْقُدْسِ فِي جَيْبِ أُمّهِ، وَلَمْ يُخْلَقْ مِنْ مَنِيّ الرّجَالِ، فَكَانَ مَعْنَى الرّوحِ فِيهِ﵇- أَقْوَى مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَكَانَتْ مُعْجِزَاتُهُ رُوحَانِيّةً دَالّةً عَلَى قُوّةِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُوحِ الْحَيَاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ بَقَاؤُهُ حَيّا إلَى قُرْبِ السّاعَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ أَنّ الرّوحَ الّذِي تَمَثّلَ لَهَا بَشَرًا هُوَ الرّوحُ الّذِي حَمَلَتْ بِهِ، وَهُوَ عِيسَى ﵇ دَخَلَ مِنْ فِيهَا إلَى جَوْفِهَا. رَوَاهُ الْكَشِيّ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ يَرْفَعُهُ إلَى أُبَيّ «١»، وَخُصّ بِإِبْرَاءِ الأكمه والأبرص،
_________________
(١) بدعة توحى إليك بأن وراءها خرفا صليبيا. فالصليبية تزعم هذا. -
[ ٥ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي تَخْصِيصِهِ بِإِبْرَاءِ هَاتَيْنِ الْآفَتَيْنِ مُشَاكَلَةٌ لِمَعْنَاهُ﵇- وَذَلِكَ أَنّ فِرْقَةً عَمِيَتْ بَصَائِرُهُمْ، فَكَذّبُوا نُبُوّتَهُ، وَهُمْ الْيَهُودُ وَطَائِفَةٌ غَلَوْا فِي تعظيمه بعد ما ابْيَضّتْ قُلُوبُهُمْ بِالْإِيمَانِ، ثُمّ أَفْسَدُوا إيمَانَهُمْ بِالْغُلُوّ، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْأَبْرَصِ أَبْيَضَ بَيَاضًا فَاسِدًا، وَمَثَلُ الْآخَرِينَ مَثَلُ الْأَكْمَهِ الْأَعْمَى، وَقَدْ أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ الدّلَائِلِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مَا يُبْطِلُ الْمَقَالَتَيْنِ «١»، وَدَلَائِلُ الْحُدُوثِ تُثْبِتُ لَهُ الْعُبُودِيّةَ، وَتَنْفِي عَنْهُ الرّبُوبِيّةَ، وَخَصَائِصُ مُعْجِزَاتِهِ تَنْفِي عَنْ أُمّهِ الرّيبَةَ وَتُثْبِتُ لَهُ وَلَهَا النّبُوّةَ وَالصّدّيقِيّةَ، فَكَانَ فِي مَسِيحِ الْهُدَى مِنْ الْآيَاتِ مَا يُشَاكِلُ حَالَهُ، وَمَعْنَاهُ حِكْمَةٌ مِنْ اللهِ، كَمَا جَعَلَ فِي الصورة الظاهرة مِنْ مَسِيحِ الضّلَالَةِ، وَهُوَ الْأَعْوَرُ الدّجّالُ مَا يُشَاكِلُ حَالَهُ، وَيُنَاسِبُ صُورَتَهُ الْبَاطِنَةَ، عَلَى نَحْوِ مَا شَرَحْنَا وَبَيّنّا فِي إمْلَاءٍ أَمْلَيْنَاهُ عَلَى هَذِهِ النّكْتَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
وَضَعْتهَا أُنْثَى:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي تَفْسِيرِ مَا نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلَ حَنّةَ أُمّ مَرْيَمَ، وهى بنت ماثان «٢»
_________________
(١) - وهدى الله فى الآيات التى ذكرت المحاورة بين الروح المتمثل بشرا وبين مريم تنفى هذا المفهوم الصليبى.
(٢) يوجد فى العهد القديم ما يدل على أن الأبرص كان يعيش بين بنى إسرائيل منبوذا من المجتمع محكوما بنجاسته من الكهنة. اقرأ تفصيل أحكامه هو وغيره فى سفر اللاويين لا سيما الإصحاح الثالث عشر منه.
(٣) من أين جاء بهذه الأسماء؟ الخير أن نقف عند الحد الذى بين القرآن.
[ ٥ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التّأْوِيلِ: أَشَارَتْ إلَى مَعْنَى الْحَيْضِ أَنّ الْأُنْثَى تَحِيضُ، فَلَا تَخْدُمُ الْمَسْجِدَ، ولذلك قال: (وليس الذكر كالأنثى) لِأَنّ الذّكَرَ لَا يَحِيضُ، فَهُوَ أَبَدًا فِي خِدْمَةِ الْمَسْجِدِ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ حَسَنَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْقِيَاسُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: وَلَيْسَ الْأُنْثَى كَالذّكَرِ، لِأَنّهَا دُونَهُ، فَمَا بَالُهُ بَدَأَ بِالذّكْرِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنّ الْأُنْثَى إنّمَا هِيَ دُونَ الذّكَرِ فِي نَظَرِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنّهُ يَهْوَى ذكران البنين، وهم مع الأمول زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَأَقْرَبُ إلَى فِتْنَةِ الْعَبْدِ، وَنَظَرُ الرّبّ لِلْعَبْدِ خَيْرٌ مِنْ نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ الذّكَرُ كَالْأُنْثَى عَلَى هَذَا، بَلْ الْأُنْثَى أَفْضَلُ فِي الْمَوْهِبَةِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ:
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا فبدأ بذكرهنّ قبل الذكور، وفى الحديث: ابدؤوا بِالْإِنَاثِ، يَعْنِي: فِي الرّحْمَةِ وَإِدْخَالِ السّرُورِ عَلَى الْبَنِينَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ دَخَلْت أَنَا وَهُوَ الْجَنّةَ كَهَاتَيْنِ» «١» فَتَرَتّبَ الْكَلَامُ فِي التّنْزِيلِ عَلَى حَسْبِ الْأَفْضَلِ فِي نَظَرِ اللهِ لِلْعَبْدِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ.
الْمُبَاهَلَةُ فَصْلٌ: وَذَكَرَ دُعَاءَهُ ﵇ أَهْلَ نَجْرَانَ إلى المباهلة «٢»، وأنهم
_________________
(١) رواية مسلم: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه» وقريب من هذه رواية الترمذى.
(٢) أخرج البخارى بسنده عن حذيفة ﵁ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يريدان أن يلاعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فو الله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من، بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث-
[ ٥ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَضُوا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ وَالصّغَارِ، وَأَنْ لَا يُلَاعِنُوهُ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنّ بَعْضَهُمْ قَالَ لِبَعْضِ: إنْ لَاعَنْتُمُوهُ، وَدَعَوْتُمْ بِاللّعْنَةِ عَلَى الْكَاذِبِ اضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْكُمْ نَارًا، وَفِي تَفْسِيرِ الْكَشّيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَالَ:
لَقَدْ تَدَلّى إلَيْهِمْ الْعَذَابُ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَاهَلُونِي لَاسْتُؤْصِلُوا مِنْ عَلَى جَدِيدِ الْأَرْضِ.
نُكْتَةٌ: فى قوله: نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَ[نِساءَنا وَنِساءَكُمْ] بَدَأَ بِالْأَبْنَاءِ وَالنّسَاءِ قَبْلَ الْأَنْفُسِ. وَالْجَوَابُ: أَنّ أَهْلَ التّفْسِيرِ قَالُوا أَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، أَيْ لِيَدْعُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَهَذَا نَحْوَ قَوْلُهُ: فَسَلّمُوا عَلَى أنفسكم فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أَيْ: يُسَلّمُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَبَدَأَ بِذِكْرِ الْأَوْلَادِ الّذِينَ هُمْ فَلَذُ الْأَكْبَادِ، ثُمّ بِالنّسَاءِ الّتِي جَعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مَوَدّةً وَرَحْمَةً، ثُمّ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ دُعَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لِأَنّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْعُو نَفْسَهُ، وَانْتَظَمَ الْكَلَامَ عَلَى الْأُسْلُوبِ الْمُعْتَادِ فِي إعْجَازِ الْقُرْآنِ. وَفِي حَدِيثِ أَهْلِ نَجْرَانَ زِيَادَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، مِنْهَا أَنّ رَاهِبَ نَجْرَانَ حِينَ رَجَعَ الْوَفْدُ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ رَحَلَ إلَى النّبِيّﷺ- فسمع منه وَأَهْدَى إلَيْهِ الْقَضِيبَ وَالْقَعْبَ وَالْبُرْدَ «١» الّذِي هُوَ الآن عند خلفاء بنى العبّاس يتوارثونه.
_________________
(١) - معنا إلا أمينا فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله «ص» فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله «ص» «هذا أمين هذه الأمة» ورواه أيضا مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه. ومن حديث آخر «لو خرج الذين يباهلون رسول الله «ص» لرجعوا لا يجدون مالا، ولا أهلا» البخارى والترمذى والنسائى.
(٢) البرد: ثوب مخطط، والقعب: القدح الضخم، والقضيب: السيف اللطيف الدقيق
[ ٥ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَلُولُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبىّ بن سَلُولَ، وَسَلُولُ: هِيَ أُمّ أُبَيّ، وَهِيَ خُزَاعِيّةٌ، وَهُوَ أُبَيّ بْنُ مَالِكٍ مِنْ بَنِي الْحُبْلَى، وَاسْمُ الْحُبْلَى: سَالِمٌ وَالنّسَبُ إلَيْهِ:
حُبُلِيّ بِضَمّتَيْنِ، كَرِهُوا أَنْ يَقُولُوا: حُبْلَوِيّ أَوْ حُبُلِيّ أَوْ حُبْلَاوِيّ عَلَى قِيَاسِ النّسَبِ، لِأَنّ حُبْلَى وَسَكْرَى وَنَحْوَهُمَا إذَا كَانَا اسْمًا لِرَجُلِ، لَمْ يَجْرِ فِي الْجَمْعِ عَلَى حُكْمِ التّأْنِيثِ، وَكَذَلِكَ فَعْلَاءُ بِالْمَدّ تَقُولُ فِي جَمْعِ رَجُلٍ اسْمُهُ: سَلْمَى أَوْ وَرْقَاءُ الْوَرْقَاوُونَ وَالسّلَمُونَ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَاءِ التّأْنِيثِ، فَإِنّك تَقُولُ فِي طَلْحَةَ اسْمُ رَجُلٍ طَلَحَاتٍ، كَمَا كُنْت تَقُولُ فِي غَيْرِ الْعَلَمِيّةِ، لِأَنّ التّاءَ لَا تَكُونُ إلّا لِلتّأْنِيثِ، وَالْأَلِفُ تَكُونُ لِلتّأْنِيثِ وَغَيْرِهِ، فَلَمّا كَانَتْ أَلِفُ التّأْنِيثِ بِخِلَافِ تَاءِ التّأْنِيثِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَعْلَامِ كَانَ النّسَبُ إلَيْهَا مُخَالِفًا لِلنّسَبِ إلَى مَا فِيهِ أَلِفُ التّأْنِيثِ فِي غَيْرِ الْأَعْلَامِ، غَيْرَ أَنّ هَذَا فِي بَابِ النّسَبِ لَا يَطْرُدُ وَإِنْ اطّرَدَ الْجَمْعُ، كَمَا قَدّمْنَا، وَكَانَتْ النّكْتَةُ الّتِي خُصّ بِهَا النّسَبُ فِي بَنِي الْحُبْلَى بِمُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ كَرَاهِيَتَهُمْ لِحُكْمِ التّأْنِيثِ فِيهِ لِأَنّ الْحُبْلَى وَصْفٌ لِلْمَرْأَةِ بِالْحَبَلِ، فَلَيْسَ كَرَاهِيَتُهُمْ لِبَقَاءِ حُكْمِ التّأْنِيثِ فِيمَنْ اسْمُهُ سَلْمَى مِنْ الرّجَالِ كَكَرَاهِيَتِهِمْ لِبَقَاءِ حُكْمِ التّأْنِيثِ فِيمَنْ اسْمُهُ: حُبْلَى؛ فَلِذَلِكَ غَيّرُوا النّسَبَ، حَتّى كَأَنّهُمْ نَسَبُوا إلَى حُبُلٍ والله أعلم» .
_________________
(١) فى اللباب لابن الأثير «الحبلى بضم الحاء المهملة والباء الموحدة. قال أبو على البغدادى فى كتاب التاريخ: فلان الحبلى منسوب إلى حى من اليمن من الأنصار يقال لهم: بنو الحبلى. وذكر سيبويه النحوى: الحبلى بفتح الباء؛ وقال: هو منسوب إلى بنى الحبلى والمشهور بهذه النسبة أبو عبد الرحمن الحبلى من تابعى أهل مصر.» ثم قال ابن الأثير: هذا نص كلام السمعانى لم أسقط منه شيئا، وهو يدل على أن أبا عبد الرحمن الحبلى من بنى الحبلى من الأنصار، وليس كذلك، إنما هو منسوب إلى بطن من المعافر، وهم أيضا من اليمن، وأما بنو-
[ ٥ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا سَلُولُ فِي خُزَاعَةَ، وَقَدْ تَقَدّمَ عِنْدَ ذكر حبشيّة بن سلول فاسم رَجُلٍ مَصْرُوفٍ، وَأَمّا بَنُو سَلُولَ بْنِ صَعْصَعَةَ إخْوَةُ بَنِي عَامِرٍ فَهُمْ: بَنُو مُرّةَ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَسَلُولُ: أُمّهُمْ، وَهِيَ بِنْتُ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، فَجَمِيعُ مَا وَقَعَ لِابْنِ إسْحَاقَ فِي السّيَرِ مِنْ سَلُولَ: ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ اسْمُ رَجُلٍ مَصْرُوفٍ، وَثِنْتِيَانِ غَيْرُ مَصْرُوفَتَيْنِ، وَهُمَا اللّتَانِ ذَكَرْنَا.
الْمُلْكُ فِي الْعَرَبِ وَذَكَرَ أَنّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَدْ نَظَمُوا الْخَرَزَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ لِيُتَوّجُوهُ وَيُمَلّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنّ الْأَنْصَارَ يَمَنٌ، وَقَدْ كَانَتْ الْمُلُوكُ الْمُتَوّجُونَ مِنْ الْيَمَنِ فِي آلِ قَحْطَانَ، وَكَانَ أَوّلَ مَنْ تَتَوّجَ مِنْهُمْ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَلَمْ يُتَوّجْ مِنْ الْعَرَبِ إلّا قَحْطَانِيّ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تَتَوّجَ هَوْذَةُ بْنُ عَلِيّ الْحَنَفِيّ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَقَالَ فيه الأعشى:
_________________
(١) - الحبلى من الأنصار، فينسب إليهم عبد الله بن أبى مالك بن الحارث بن عبيد ابن مالك بن سالم الحبلى وأم أبى سلول الخزاعية» ثم قال ابن الأثير: «الحبلى: بضم الحاء وسكون الباء الموحدة وإمالة اللام، هذه اللفظة لقب سالم بن غنم ابن عوف بن الخزرج بن حارثة قال ابن الكلبى: إنما سمى الحبلى لعظم بطنه» ثم قال ابن الأثير: «قلت وهذه الترجمة أيضا لفظ السمعانى ولا شك أنه ظن أن سالم ابن غنم بن عوف هو غير الذى تقدم فى الترجمة قبلها، ولعله اشتبه عليه حيث رأى فى تلك الأولى أن الحبلى منسوب إلى حى من اليمن من الأنصار ورأى ههنا أنه لقب سالم، وهو من الأنصار، والانصار من اليمن، ولولا أنه ظن أنهما اثنان لما ترجم عليهما ترجمتين، والله أعلم» وفى القاموس عن النسب إلى بنى الحبلى «وهو حبلى بالضم وبضمتين، وكجهنى»
[ ٥ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ يَرَى هَوْذَةَ يَسْجُدُ غَيْرَ مُتّئِبٍ إذَا تَعَمّمَ فَوْقَ التّاجِ أَوْ وَضَعَا «١»
وَفِي الْخَرَزَاتِ الّتِي بِمَعْنَى التّاجِ يَقُولُ الشّاعِرُ [لَبِيدٌ يَذْكُرُ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ الْغَسّانِيّ] .
رَعَى خَرَزَاتِ الْمُلْكِ عِشْرِينَ حَجّةً وَعِشْرِينَ حَتّى فَادَ وَالشّيْبُ شامل «٢»
وقال أبو عبيدة: لم يكن قاجا، وَإِنّمَا كَانَتْ خَرَزَاتُ تُنَظّمُ، وَكَانَ سَبَبُ تَتَوّجِ هَوْذَةَ أَنّهُ أَجَارَ لَطِيمَةً لِكَسْرَى مَنَعَهَا مِمّنْ أَرَادَهَا مِنْ الْعَرَبِ، فَلَمّا وَفَدَ عَلَيْهِ تَوَجّهَ لِذَلِكَ وَمَلّكَهُ:
مُزَاحِمٌ أُطُمِهِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ
_________________
(١) البيت فى اللسان فى مادة هوذ: «من يلق هوذة يسجد غير متتب» وهذا هو الصواب. وأتأب: خزى واستحيا.
(٢) قبل البيت: وغسان زلت يوم جلق زلة لسيدها والأريحى الحلاحل وبعده: فأضحى كأحلام النيام نعيمهم وأى نعيم خلته لا يزايل اللسان والأمالى ص ٧٥ ط ٢ ح. ويعنى بالبيت المذكور فى الروض أنه ساش] الملك أربعين سنة، وقال يقول: مات: أما فاد يفيد: تبختر.
[ ٥ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مرّ به، وهو فى ظِلّ مُزَاحِمٍ أُطُمِهِ، وَآطَامُ الْمَدِينَةِ: سُطُوحٌ «١»، وَلَهَا أَسْمَاءٌ، فَمِنْهَا مُزَاحِمٌ وَمِنْهَا الزّوْرَاءُ أُطُمُ بَنِي الْجِلَاحِ، وَمِنْهَا مُعْرِضٌ أُطُمُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَمِنْهَا: فارغ أُطُمُ بَنِي حُدَيْلَةَ، وَمِنْهَا مِسْعَطٌ «٢»، وَمِنْهَا: وَاقِمٌ، وَفِي مُعْرِضٌ يَقُولُ الشّاعِرُ:
وَنَحْنُ دَفَعْنَا عَنْ بُضَاعَةَ كُلّهَا وَنَحْنُ بَنَيْنَا مُعْرِضًا فَهُوَ مُشْرِفُ
فَأَصْبَحَ مَعْمُورًا طَوِيلًا قَذَالُهُ وَتَخْرَبُ آطَامٌ بِهَا وَتَقَصّفُ
وَبُضَاعَةُ أَرْضُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ بِئْرُ بَنِي بُضَاعَةَ. وَالْأَجَشّ وَكَانَ بِقُبَاءَ، وَالْحَمِيمُ وَالنّوّاحَانِ، وَهُمَا أُطُمَانِ لِبَنِي أُنَيْفٍ وَصِرَارٍ وَكَانَ بالجوّانيّة والرّيّان والشّبعان وهو فى نمغ. وراتح والأبيض، ومنها عاصم والرّعل «٣» وَكَانَ لِحَضِيرِ بْنِ سِمَاكٍ، وَمِنْهَا خَيْطٌ وَوَاسِطٌ وَحُبَيْشٌ، وَالْأَغْلَبُ وَمَنِيعٌ، فَهَذِهِ آطَامُ الْمَدِينَةِ ذَكَرَ أَكْثَرَهَا الزّبَيْرُ، وَالْأُطُمُ: اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ ائْتَطَمَ: إذَا ارْتَفَعَ وَعَلَا، يُقَال: ائْتَطَمَ عَلَيّ فُلَانٌ إذَا غَضِبَ وَانْتَفَخَ، وَالْأَطَمَاتُ: نِيرَانٌ مَعْرُوفَةٌ فِي جِبَالٍ لَا تَخْمُدُ فِيهَا، تَأْخُذُ بِأَعْنَانِ السّمَاءِ، فهى
_________________
(١) جمع القلة آطام، والكثرة: أطوم وأطم. والمفرد: أطمة، وهو كل بيت مربع مسطح، أو الحصن المبنى بالحجارة.
(٢) فى الأصل مسعط والتصويب من وفاء الوفاء وهى أطم لبنى حديلة غربى مسجد أبى بن كعب ص ٣٧٤ ح ٢.
(٣) ضبطها البكرى بفتح الراء، وكذا صاحب المراصد، وفى وفاء الوفا للسمهودى بكسر الراء، وقال: أطم بمنازل عبد الأشهل ص ٣١٢ ح ٢.
[ ٥ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبَدًا بَاقِيَةٌ، لِأَنّهَا فِي مَعَادِنِ الْكِبْرِيتِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْعُودِيّ مِنْهَا جُمْلَةً، وَذَكَرَ مَوَاضِعَهَا، وَقَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ:
مَتَى مَا يَكُنْ مَوْلَاك خَصْمُك لَا تَزَلْ تَذِلّ وَيَصْرَعْك الّذِينَ تُصَارِعُ
يُقَالُ: إنّ ابْنَ أَبِي تَمَثّلَ بِهِمَا، ويقال: إنهما لخفاف بن نُدْبَةَ وَخُفَافٌ هُوَ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ الشّرِيدِ أَحَدُ غِرْبَانِ «١» الْعَرَبِ، وَأُمّهُ. نُدْبَةَ، وَيُقَالُ فِيهَا: نَدْبَةُ، وَنُدْبَةُ، وَهُوَ سَلْمَى.
وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَعُودُهُ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ زِيَادَةٌ، فِيهَا فِقْهٌ قَالَ: كَانَ سَعْدٌ قَدْ دَعَاهُ رَجُلٌ مِنْ اللّيْلِ فَخَرَجَ إلَيْهِ فَضَرَبَهُ الرّجُلُ بِسَيْفِ فَأَشْوَاهُ «٢»، فَجَاءَهُ النّبِيّ ﷺ يَعُودُهُ مِنْ تِلْكَ الضّرْبَةِ، وَلَامَهُ عَلَى خُرُوجِهِ لَيْلًا، وَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْفِقْهِ.
وَعْكُ أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ وَعَامِرٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ حِينَ وعك أبو بكر، وبلال وعامر بن فهيرة، وَمَا أَجَابُوهَا بِهِ مِنْ الرّجَزِ فَيَذْكُرُ أَنّ قول عامر:
_________________
(١) غربان العرب: سودانهم. والأغر به فى الجاهلية: عنترة وخفاف، وأبو عمير بن الحباب، وسليك بن السلسكة. وهشام بن عقبة بن أبى معيط إلا أنه مخضرم. ومن الإسلاميين: عبد الله بن خازم، وعمير بن أبى عمير، وهمام ابن مطرف، ومنتشر بن وهب، ومطر بن أوفى، وتأبط شرا، والشنفرى وحاجز غير منسوب.
(٢) لم يصب منه مقتلا.
[ ٥ / ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَقَدْ وَجَدْت الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ «١» إنّهُ لِعَمْرِو بْنِ مَامَةَ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ حَنِينِهِمْ إلَى مَكّةَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النّفُوسُ مِنْ حُبّ الْوَطَنِ وَالْحَنِينِ إلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أُصَيْلٍ الْغِفَارِيّ «٢»، وَيُقَالُ فِيهِ: الْهُدَلِيّ أَنّهُ قَدِمَ مِنْ مَكّةَ، فَسَأَلْته عَائِشَةُ:
كَيْفَ تَرَكْت مَكّةَ يَا أُصَيْلُ؟ فَقَالَ: تركتها حين ابيضّت أباطحها، وأحجن ثمامها، وأعذق إذْخِرَهَا، وَأَمْشَرَ سَلَمُهَا، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِﷺ- وقال: لا تشوّقنا يَا أُصَيْلُ، وَيُرْوَى أَنّهُ قَالَ لَهُ: دَعْ الْقُلُوبَ تَقَرْ «٣» وَقَدْ قَالَ الْأَوّلُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَن لَيْلَةً بِوَادِي الْخُزَامَى حَيْثُ رَبّتْنِي أَهْلِي
بِلَادٌ بِهَا نِيطَتْ عَلَيّ تَمَائِمِي وَقُطّعْنَ عَنّي حِينَ أَدْرَكَنِي عَقْلِي
وَأَمّا قَوْلُ بلال:
_________________
(١) الحديث فى البخارى وغيره.
(٢) هو ابن عبد الله أو ابن سفيان، وقيل فى نسبه الخزاعى أيضا.
(٣) لم يرو هذا أحد من أصحاب الكتب الستة، وإنما رواه الخطابى فى غريبه وأبو موسى فى الذيل، والجاحظ فى كتاب البيان. وأحجن الثمام: خرجت حجنته أى خوصه أو بدا ورقه، وأعذق الإذخر: خرج ثمره، وأمشر سلمها: المشرة:: شبه خوصة تخرج فى العضاة، وفى كثير من الشجر. يقال مشر الشجر، ومشر وأمشر.
[ ٥ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِفَجّ «١» وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ
فَفَجّ مَوْضِعٌ خَارِجُ مَكّةَ بِهِ مُوَيْهٌ يَقُولُ فِيهِ الشّاعِرُ:
مَاذَا بِفَجّ مِنْ الْإِشْرَاقِ وَالطّيبِ وَمِنْ جَوَارٍ نَقِيّاتٍ رَعَابِيبِ
«٢» وَبِفَجّ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَالْإِذْخِرُ مِنْ نَبَاتِ مَكّةَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ الدّينَوَرِيّ صَاحِبُ كِتَابِ النّبَاتِ: الْإِذْخِرُ فِيمَا حُكِيَ عَنْ الْأَعْرَابِ الْأُوَلِ لَهُ أَصْلٌ مُنْدَفِقٌ وَقُضْبَانٌ دِقَاقٌ، وَهُوَ ذَفِرُ الرّيحِ، وَهُوَ مِثْلُ الْأَصْلِ أَصْلِ الْكَوْلَانِ إلّا أَنّهُ أَعْرَضُ كُعُوبًا «٣»، وَلَهُ ثَمَرَةٌ كَأَنّهَا مَكَاسِحُ الْقَصَبِ «٤» إلّا أَنّهَا أَرَقّ وَأَصْغَرُ. قَالَ أَبُو زِيَادٍ، الْإِذْخِرُ يُشَبّهُ فِي نَبَاتِهِ بِنَبَاتِ الْأَسَلِ الّذِي تُعْمَلُ مِنْهُ الْحُصْرُ، وَيُشْبِهُ نَبَاتُهُ الْغَرَزَ، وَالْغَرَزُ ضَرْبٌ مِنْ الثّمام، واحدته: غرزة، ويتّخذ من الغرز
_________________
(١) رواية البخارى وياقوت: بواد بدلا من فج، وتروى: فخ كما جاء فى اللسان والمراصد وكما روى الخشنى عن أبى حنيفة اللغوى والهمدانى فى صفة جزيرة العرب، وفى كتابه مختصر البلدان، وياقوت فى كتابه المشترك وصفا: وفى النهاية لابن الأثير، وقال عنه: «موضع عند مكة، وقيل: واد دفن به عبد الله بن عمر، وهو أيضا ماء أقطعه النبى «ص» وعظيم بن الحارث المحاربى» .
(٢) جارية رعبوب ورعبوبة، ورعبيب الحسنة الغضة الطويلة الحلوة الناعمة..
(٣) هو البردى. وفى المحكم: نبات ينبت فى الماء مثل البردى، وهو بفتح الكاف، وقد تضم.
(٤) مكاسح: جمع: مكسحة المكنسة.
[ ٥ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْغَرَابِيلُ وَالْإِذْخِرُ أَرَقّ مِنْهُ، وَالْإِذْخِرُ يُطْحَنُ فَيَدْخُلُ فِي الطّيبِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَهُوَ مِنْ الجنبة، وقلّما تنبت الأذخرة منفردة، وَقَالَ فِي الْجَلِيلِ عَنْ أَبِي نَصْرٍ: إنّ أَهْلَ الْحِجَازِ يُسَمّونَ الثّمَامَ الْجَلِيلَ، وَمَعْنَى الْجَنَبَةِ الّتِي ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو: وَهُوَ كُلّ نَبَاتٍ له أصول ثابتة، لا تذهب بذهاب فرعه فِي الْغَيْطِ، وَتُلَقّحُ فِي الْخَرِيفِ، وَلَيْسَتْ كَالشّجَرِ الّذِي يَبْقَى أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ فِي الْغَيْطِ، وَلَا كَالنّجْمِ الّذِي يَذْهَبُ فَرْعُهُ وَأَصْلُهُ، فَلَا يَعُودُ إلّا زِرّيعَتُهُ جَانِبَ النّجْمِ وَالشّجَرِ، فَسُمّيَ جَنَبَةً «١»، وَيُقَالُ لِلْجَنَبَةِ أَيْضًا: الطّرِيفَةُ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَمِجَنّةٌ سُوقٌ مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ بَيْنَ عُكَاظٍ وذى الْمَجَازِ، وَكُلّهَا، أَسْوَاقٌ قَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهَا. وَمَجَنّةٌ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَفْعَلَةً وَفَعْلَةً، فَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: فِي الْمِجَنّ إنّ مِيمَه أَصْلِيّةٌ، وَأَنّهُ فعل، وخالفه فى ذلك الناس وَجَعَلُوهُ مِفْعَلًا، مِنْ جَنّ إذَا سَتَرَ، وَمِنْ أَسْوَاقِهِمْ أَيْضًا حُبَاشَةُ، وَهِيَ أَبْعَدُ مِنْ هَذِهِ، وَأَمّا شَامَةُ وَطَفِيلُ، فَقَالَ الْخَطّابِيّ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ: كُنْت أَحْسَبُهُمَا جَبَلَيْنِ، حَتّى مَرَرْت بِهِمَا، وَوَقَفْت عَلَيْهِمَا فَإِذَا هُمَا عَيْنَانِ مِنْ مَاءٍ، وَيُقَوّي قَوْلَ الْخَطّابِيّ إنّهُمَا عَيْنَانِ قَوْلٌ كَثِيرٌ:
وَمَا أَنْسَ م الْأَشْيَاءِ لَا أَنْسَ مَوْقِفًا لَنَا، وَلَهَا بِالْخَبْتِ خَبْتِ طفيل «٢»
_________________
(١) الجنبة: عامة الشجر التى تتربل فى الصيف، أو ما كان بين الشجر والبقل.
(٢) من قصيدة أو لها: ألا حييا ليلى أجد رحيلى وآذن أصحابى غدا بقفول والقصيدة بطولها فى الأمالى، وقد ورد بيت السهيلى هكذا: تواهقن بالحجاج من بطن نخلة ومن عزور والخبت خبت طفيل
[ ٥ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْخَبْتُ: مُنْخَفَضُ الْأَرْضِ.
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ: اللهُمّ حَبّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبّبْت إلَيْنَا مَكّةَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدّهَا وَصَاعِهَا «١» يَعْنِي الطّعَامَ الّذِي يُكَالُ بِالصّاعِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «كَيّلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» «٢»، وَشَكَا إلَيْهِ قَوْمٌ سُرْعَةَ فَنَاءِ طَعَامِهِمْ، فَقَالَ: أَتَهِيلُونَ أَمْ تَكِيلُونَ؟ فَقَالُوا: بَلْ نَهِيلُ، فَقَالَ: كَيّلُوا وَلَا تَهِيلُوا «٣» وَمَنْ رَوَاهُ: قُوتُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ «٤»، فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: تَصْغِيرُ الْأَرْغِفَةِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبَزّارُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الدّرْدَاءِ، وَذَكَرَ فِي تَفْسِيرِهِ مَا قُلْنَاهُ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُدّ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، أَعْنِي مُدّ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَالرّطْلُ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَالدّرْهَمُ خَمْسُونَ حَبّةً وَخُمُسَانِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: وَانْقُلْ حُمّاهَا: وَاجْعَلْهَا بِمَهْيَعَة، وَهِيَ الْجُحْفَةُ، كَأَنّهُ ﵇ لَمْ يُرِدْ إبْعَادَ الْحُمّى عن جميع أرض الإسلام،
_________________
(١) فى مسلم: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا فى صاعها ومدها، وحول حماها إلى الجحفة» وفى البخارى «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. اللهم بارك لنا فى صاعنا وفى مدنا، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة» .
(٢) البخارى وأحمد وابن ماجة.
(٣) يقول ابن اثير فى النهاية: «كل شىء أرسلته إرسالا من طعام أو شراب أو رمل فقد هلته هيلا. يقال: هلت الماء، وأهلته إذا صببته وأرسلته.
(٤) الطبرانى وهو ضعيف وقد سئل الأوزاعى عنه فقال: صغر الأرغفة.
[ ٥ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: اُنْقُلْ حُمّاهَا، وَلَمْ يَخُصّ مَوْضِعًا، أَوْ كَانَ يَخُصّ بِلَادَ الْكُفْرِ، وَذَلِكَ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- لِأَنّهُ قَدْ نَهَى عَنْ سَبّ الْحُمّى وَلَعْنِهَا فِي حَدِيثِ أُمّ الْمُسَيّبِ «١» وَأَخْبَرَ أَنّهَا طَهُورٌ، وَأَنّهَا حَظّ كُلّ مُؤْمِنٍ من النار «٢»،
_________________
(١) روى مسلم فى صحيحه عن جابر أنه ﷺ دخل على أم السائب، أو أم المسيب، فقال: «مالك تزفزفين؟ قالت الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: لا تسبى الحمى، فانها تذهب خطايا بنى آدم كما يذهب الكير خبث الحديد» وفى رواية: ترفرفين. والمعنى متقارب. فالمقصود: الرعدة التى تحصل للمحموم. ومن البين هنا أن أم المسيب قالت: لا بارك الله فى الحمى، فهو دليل ضيق نفس وبرم بالحمى، فأريد لها اللياذ بالصبر والجلد. بدليل ما ورد. حديث رواه الطبرانى عن فاطمة الخزاعية أنها قالت: «عاد النبى «ص» امرأة من الأنصار، وهى وجعة، فقال: لها: كيف تجدينك؟ قالت: بخير، إلا أن أم ملدم قد برحت بى، فقال النبى «ص»: اصبرى، فإنها تذهب خبث ابن آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد» وأم ملدم كنية الحمى والميم الأولى مكسورة زائدة. وألدمت عليه الحمى: دامت، وبعضهم يقولها بالذال المعجمة.
(٢) ورد ذلك فى حديث رواه أحمد «الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من جهنم» وعند الطبرانى «الحمى من فيح جهنم وهى نصيب المؤمن من النار» وورد وصفها بأنها طهور فى حديث رواه أحمد وابن حبان والطبرانى قيل فيه إن أم ملدم- وهى الحمى استأذنت على رسول الله «ص» فأمر بها إلى أهل قباء، فأصابهم منها عنت شديد، فشكوا إلى النبى «ص»، فقال: ما شئتم: إن شئتم دعوت الله، فكشفها عنكم، وإن شئتم أن تكونوا لكم طهورا؟ قالوا: أو تفعله؟ قال: نعم قالوا: فدعها» . وأقول: لا يتصور مسلم فى رسول الله «ص» - وهو بالمؤمنين رؤف رحيم كما وصفه الله- يطلب من الله أن ينقل مثل هذا المرض الذى يرهق، ويوهن من قوة الجماعة الإسلامية إلى بلد إسلامية أبدا. وتدبر أن الله قال له-
[ ٥ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَجَمَعَ بَيْنَ الرّفْقِ بِأَصْحَابِهِ فَدَعَا لَهُمْ بِالشّفَاءِ مِنْهَا، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُحَرّمُوا أَيْضًا الْأَجْرَ فِيمَا يُصِيبُوا مِنْهَا، فَلَمْ يُبْعِدْهَا كُلّ الْبُعْدِ.
وَأَمّا مَهْيَعَةُ، فَقَدْ اشْتَدّ الْوَبَاءُ فِيهَا بِسَبَبِ هَذِهِ الدّعْوَةِ، حَتّى قِيلَ: إنّ الطّائِرَ يَمُرّ بِغَدِيرِ خُمّ فَيَسْقَمُ، وَغَدِيرُ خُمّ فِيهَا، وَيُقَالُ: إنّهَا، مَا وُلِدَ فِيهَا مَوْلُودٌ فَبَلَغَ الْحُلْمَ، وَهِيَ أَرْضٌ بُجْعَةٍ «١» لَا تُسْكَنُ، وَلَا يُقَامُ فِيهَا إقَامَةً دَائِمَةً فِيمَا بَلَغَنِي وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ تَحْرِيمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كُنْت أَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ بِالْوَقَاقِيصِ، وَهِيَ شِبَاكُ الطّيْرِ، فَاصْطَدْت نُهَسًا، فَأَخَذَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَصَكّ فِي قَفَايَ، ثُمّ أَرْسَلَهُ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَوْلَهُ ﵇: صلاة القاعد
_________________
(١) - حين دعا على من آذوه: ليس لك من الأمر شىء» فكيف بمن ناصروه وعزروه؟ ولقد ورد عنه فى حديث رواه مسلم وأبو داود وابن خزيمة فى صحيحه: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم» فكيف يدعو على أهل جحفة، أو على أهل قباء؟ ما ذنب أهل البلدين؟، وهل يتفق هذا مع الخلق العظيم لرسول الله ﷺ؟ ثم إن هدى الإسلام يؤكد أن على الإنسان أن يسعى فى سبيل أن يشفيه الله من مرضه، وأن يضرع إلى الله بهذا فى كل أوقات مرضه.
(٢) النجعة: طلب الكلأ ومساقط الغيث. وما سبق عن جحفة كلام لا يصح أن يكتب، ولا أن يردد
[ ٥ / ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ حِينَ رَآهُمْ يصلّون قُعُودًا مِنْ الْوَعْكِ، قَالَ فَتَجَشّمَ النّاسُ الْقِيَامَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ السّقَمِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللّفْظِ يُقَوّي مَا تَأَوّلَهُ الْخَطّابِيّ فِي صَلَاةِ الْقَاعِدِ أَنّهَا عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، ثُمّ قَالَ الْخَطّابِيّ: إنّمَا ذَلِكَ لِلضّعِيفِ الّذِي يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِكُلْفَةِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِيَامِ الْبَتّةَ، فَصَلَاتُهُ مِثْلُ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَهَذَا كُلّهُ فِي الْفَرِيضَةِ، وَالنّافِلَةِ، وَخَالَفَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَخْصِيصِهِ هَذَا الْحَدِيثَ بِصَلَاةِ النّافِلَةِ فِي حَالِ الصّحّةِ، وَاحْتَجّ الْخَطّابِيّ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَفِيهِ: وَصَلَاتُهُ قَائِمًا عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، قَالَ: وَقَدْ أَجَمَعَتْ الْأُمّةُ أن لا يصلّى أحد مضطجا إلّا مِنْ مَرَضٍ، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا الْحَدِيثِ كُلّهِ إلّا الْمَرِيضَ الّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِكُلْفَةِ، أَوْ عَلَى الْقُعُودِ بِمَشَقّةِ، وَنَسَبَ بَعْضُ النّاسِ النّسَوِيّ إلَى التّصْحِيفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالُوا إنّمَا هُوَ وَصَلَاتُهُ نَائِمًا عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، فَتَوَهّمَهُ النّسَوِيّ قَائِمًا، أَيْ مُضْطَجِعًا، فَتَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ: بَابُ صَلَاةِ النّائِمِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، فَإِنّ فِي الرّوَايَةِ الثّانِيَةِ: وَصَلَاةُ النّائِمِ عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَصَحّفُ، وَقَوْلُ الْخَطّابِيّ: أَجَمَعَتْ الْأُمّةُ عَلَى أَنّ الْمُضْطَجِعَ لَا يُصَلّي فِي حَالِ الصّحّةِ نَافِلَةً وَلَا غَيْرَهَا، وَافَقَهُ أَبُو عُمَرَ عَلَى ادّعَاءِ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَتْ بِمَسْأَلَةِ إجْمَاعٍ كما زعما، بل كان من السّلف من يجيز للصحيح أن يتنفّل مضطجعا، منهم الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عِيسَى التّرْمِذِيّ فى مصنفه.
[ ٥ / ٥٠ ]
[تَارِيخُ الْهِجْرَةِ]
بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدّ الضّحَاءُ، وَكَادَتْ الشّمْسُ تَعْتَدِلَ، لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَهُوَ التّارِيخُ، (فِيمَا) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ اللهُ ﷿ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَشَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَجُمَادَيَيْنِ، وَرَجَبًا، وَشَعْبَانَ، وَشَهْرَ رَمَضَانَ، وَشَوّالًا، وذا القعدة، وذا الحجة- وولي تلك الحجة الْمُشْرِكُونَ- وَالْمُحَرّمَ، ثُمّ خَرَجَ غَازِيًا فِي صَفَرَ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ المدينة.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة.
[غزوة ودان]
وهى أول غزواته ﵊
[موادعة بنى ضمرة وَالرّجُوعُ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى بَلَغَ وَدّانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ، يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِيّ ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فواد عته فِيهَا بَنُو ضَمْرَةَ، وَكَانَ الّذِي وَادَعَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ مَخْشِيّ بْنُ عَمْرٍو الضّمَرِيّ، وَكَانَ سَيّدَهُمْ فى زمانه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥١ ]
ذَلِكَ. ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ صَفَرٍ، وَصَدْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوّلُ غزوة غزاها.
[سَرِيّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ]
وَهِيَ أَوّلُ رَايَةٍ عقدها ﵊ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِي مُقَامِهِ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ فِي سِتّينَ أَوْ ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، فَسَارَ حَتّى بَلَغَ مَاءً بِالْحِجَازِ، بِأَسْفَلَ ثَنِيّةِ الْمُرّةِ، فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إلّا أَنّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ قَدْ رُمِيَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوّلَ سَهْمٍ رُمِيَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ.
[مَنْ فَرّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ]
ثُمّ انصرف القوم عن القوم، وللمسلمين حامية. وَفَرّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو الْبَهْرَانِيّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ غزوان ابن جَابِرٍ الْمَازِنِيّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَكِنّهُمَا خَرَجَا لِيَتَوَصّلَا بِالْكُفّارِ. وَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيّ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٢ ]
أَنّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الأخيف، أحد بني معيص بن عامر بن لؤىّ بن غالب بن فهر.
[شعر أبى بكر فيها]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁، فى غزوة عبيدة ابن الْحَارِثِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁:
أَمِنْ طَيْفِ سَلْمَى بِالْبِطَاحِ الدّمَائِثِ أَرِقْتَ وَأَمْرٍ فِي الْعَشِيرَةِ حَادِثِ
تَرَى مِنْ لُؤَيّ فِرْقَةً لَا يَصُدّهَا عَنْ الْكُفْرِ تَذْكِيرٌ وَلَا بَعْثُ بَاعِثِ
رَسُولٌ أَتَاهُمْ صَادِقٌ فَتَكَذّبُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: لست فينا بما كث
إذَا مَا دَعَوْنَاهُمْ إلَى الْحَقّ أَدْبَرُوا وَهَرّوا هَرِيرَ الْمُجْحَرَاتِ اللّوَاهِثِ
فَكَمْ قَدْ مَتَتْنَا فِيهِمْ بِقَرَابَةٍ وَتَرْكُ التّقَى شَيْءٌ لَهُمْ غَيْرُ كَارِثِ
فَإِنْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَعُقُوقِهِمْ فَمَا طَيّبَاتُ الْحِلّ مِثْلُ الْخَبَائِثِ
وَإِنْ يَرْكَبُوا طُغْيَانَهُمْ وَضَلَالَهُمْ فَلَيْسَ عَذَابُ اللهِ عَنْهُمْ بِلَابِثِ
وَنَحْنُ أَنَاسٌ مِنْ ذُؤَابَةَ غَالِبٌ لَنَا الْعِزّ مِنْهَا فِي الْفُرُوعِ الْأَثَائِثِ
فَأُولِي بِرَبّ الرّاقِصَاتِ عَشِيّةً حَراجِيجُ تخدى فِي السّرِيحِ الرّثَائِثِ
كَأُدْمِ ظِبَاءٍ حَوْلَ مَكّةَ عُكّفٍ يَرِدْنَ حِيَاضَ الْبِئْرِ ذَاتِ النّبَائِثِ
لَئِنْ لَمْ يُفِيقُوا عَاجِلًا مِنْ ضَلَالِهِمْ وَلَسْتُ إذَا آليت قولا بحانث
لتبتد رنّهم غَارَةٌ ذَاتُ مَصْدَقٍ تُحَرّمُ أَطْهَارَ النّسَاءِ الطّوَامِثِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٣ ]
تُغَادِرُ قَتْلَى تَعْصِبُ الطّيْرُ حَوْلَهُمْ وَلَا تَرْأَفُ الْكُفّارَ رَأَفَ ابْنِ حَارِثِ
فَأَبْلِغْ بَنِي سَهْمٍ لَدَيْك رِسَالَةً وَكُلّ كَفُورٍ يَبْتَغِي الشّرّ بَاحِثِ
فَإِنْ تَشْعَثُوا عِرْضِي عَلَى سُوءِ رَأْيكُمْ فَإِنّي من أعراضكم غير شاعث
[فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ فَقَالَ]
أَمِنْ رَسْمِ دَارٍ أَقْفَرَتْ بِالْعَثَاعِثِ بَكَيْتَ بِعَيْنٍ دَمْعُهَا غَيْرُ لَابِثِ
وَمِنْ عَجَبِ الْأَيّامِ وَالدّهْرُ كُلّهُ لَهُ عَجَبٌ مِنْ سَابِقَاتٍ وَحَادِثِ
لِجَيْشٍ أَتَانَا ذِي عُرَامٍ يَقُودُهُ عُبَيْدَةُ يُدْعَى فِي الْهِيَاجِ ابْنَ حَارِثِ
لِنَتْرُكَ أَصْنَامًا بِمَكّةَ عُكّفَا مَوَارِيثَ مَوْرُوثٍ كَرِيمٍ لِوَارِثِ
فَلَمّا لَقِينَاهُمْ بِسُمْرِ رُدَيْنَةَ وَجُرْدٍ عِتَاقٍ فِي الْعَجَاجِ لَوَاهِثِ
وَبِيضٍ كَأَنّ الْمِلْحَ فَوْقَ مُتُونِهَا بِأَيْدِي كُمَاةٍ كَاللّيُوثِ الْعَوَائِثِ
نُقِيمُ بِهَا إصْعَارَ مَنْ كَانَ مَائِلًا وَنَشْفِي الذّحُولَ عَاجِلًا غَيْرَ لَابِثِ
فَكَفَوْا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ وَهَيْبَةٍ وَأَعْجَبَهُمْ أَمْرٌ لَهُمْ أَمْرُ رَائِثِ
وَلَوْ أَنّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا نَاحَ نِسْوَةٌ أَيَامَى لَهُمْ، مِنْ بَيْنِ نَسْءٍ وَطَامِثِ
وَقَدْ غُودِرَتْ قَتْلَى يُخْبِرُ عَنْهُمْ حَفِيّ بِهِمْ أَوْ غَافِلٌ غَيْرُ بَاحِثِ
فَأَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ لَدَيْكَ رسالة فما أنت عن أعراض فهر بما كث
وَلَمّا تَجِبْ مِنّي يَمِينٌ غَلِيظَةٌ تُجَدّدُ حَرْبًا حَلْفَةً غَيْرَ حَانِثِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ لِابْنِ الزّبَعْرَى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٤ ]
[شِعْرُ ابْنُ أَبِي وَقّاصٍ فِي رَمْيَتِهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ فى رميته تلك فيما يذكرون:
أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللهِ أَنّي حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي
أَذُودُ بِهَا أَوَائِلَهُمْ ذِيَادًا بِكُلّ حُزُونَةٍ وَبِكُلّ سَهْلِ
فَمَا يَعْتَدّ رَامٍ فِي عَدُوّ بِسَهْمٍ يَا رَسُولَ اللهِ قَبْلِي
وَذَلِكَ أَنّ دِينَك دِينُ صِدْقٍ وَذُو حَقّ أَتَيْتَ بِهِ وَعَدْلِ
يُنَجّى الْمُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيُجْزَى بِهِ الْكُفّارُ عِنْدَ مَقَامِ مَهْلِ
فَمَهْلًا قَدْ غويت فلا تعبنى غوىّ الحىّ ويحك يابن جَهْلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِسَعْدٍ.
[أَوّلُ رَايَةٍ فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لِعُبَيْدَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَتْ رَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ- فِيمَا بَلَغَنِي- أَوّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ، لِأَحَدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَزْعُمُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ حِينَ أَقْبَلَ مِنْ غَزْوَةِ الْأَبْوَاءِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَدِينَةِ.
[سَرِيّةُ حَمْزَةَ إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ]
[ما جرى بين المسلمين والكفار]
وَبَعَثَ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ، حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٥ ]
مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ، فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ. فَلَقِيَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ بِذَلِك السّاحِلِ فِي ثلاث مائة رَاكِبٍ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ. فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيّ. وَكَانَ مُوَادِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَانْصَرَفَ بَعْضُ الْقَوْمِ عَنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ.
[كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ أَوّلَ رَايَةٍ فى الإسلام وشعر حمزة فى ذلك]
وَبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ أَوّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولُ الله ﷺ لِأَحَدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ أَنّ بَعْثَهُ وَبَعْثَ عبيدة كانا معا، فشبّه ذلك على الناس. وقد زعموا أن حمزة قد قَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنّ رَايَتَهُ أَوّلُ رَايَةٍ عَقَدَهَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنْ كَانَ حَمْزَةُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَدَقَ إنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَكُنْ يَقُولُ إلّا حَقّا، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ. فَأَمّا مَا سَمِعْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَنَا. فَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَوّلُ مَنْ عُقِدَ لَهُ.
فَقَالَ حَمْزَةُ فِي ذَلِكَ، فِيمَا يَزْعُمُونَ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشّعْرَ لِحَمْزَةِ ﵁:
أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلتّحَلّمِ وَالْجَهْلِ وَلِلنّقْصِ مِنْ رَأْيِ الرّجَالِ وَلِلْعَقْلِ
وَلِلرّاكِبِينَا بِالْمَظَالِمِ لَمْ نَطَأْ لَهُمْ حُرُمَاتٍ مِنْ سَوَامٍ وَلَا أَهْلِ
كَأَنّا تَبَلْنَاهُمْ وَلَا تَبْلَ عِنْدَنَا لَهُمْ غَيْرُ أَمْرٍ بِالْعَفَافِ وَبِالْعَدْلِ
وَأَمْرٍ بِإِسْلَامٍ فَلَا يَقْبَلُونَهُ وَيَنْزِلُ مِنْهُمْ مِثْلَ مَنْزِلَةِ الْهَزْلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٦ ]
فَمَا بَرِحُوا حَتّى انْتَدَبْتُ لِغَارَةِ لَهُمْ حَيْثُ حَلّوا ابْتَغَى رَاحَةَ الْفَضْلِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ، أَوّلُ خَافِقٍ عَلَيْهِ لِوَاءٌ لَمْ يَكُنْ لَاحَ مِنْ قَبْلِي
لِوَاءٌ لَدَيْهِ النّصْرُ مِنْ ذِي كَرَامَةٍ إلَهٍ عَزِيزٍ فِعْلُهُ أَفَضْلُ الْفِعْلِ
عَشِيّةَ سَارُوا حَاشِدِينَ وَكُلّنَا مَرَاجِلُهُ مِنْ غَيْظِ أَصْحَابِهِ تَغْلِي
فَلَمّا تَرَاءَيْنَا أَنَاخُوا فَعَقّلُوا مَطَايَا وَعَقّلْنَا مُدَى غَرَضِ النّبْلِ
فَقُلْنَا لَهُمْ: حَبْلُ الْإِلَهِ نَصِيرُنَا وَمَا لَكُمْ إلّا الضّلَالَةُ مِنْ حَبْلٍ
فَثَارَ أَبُو جَهْلٍ هُنَالِكَ بَاغِيًا فَخَابَ وَرَدّ اللهُ كَيْدَ أَبِي جَهْلِ
وَمَا نَحْنُ إلّا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا وَهُمْ مِئَتَانِ بَعْدُ وَاحِدَةٍ فَضْلِ
فَيَا لَلُؤَىَ لَا تُطِيعُوا غُوَاتَكُمْ وَفِيئُوا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْمَنْهَجِ السّهْلِ
فَإِنّي أَخَافُ أَنْ يُصَبّ عَلَيْكُمْ عَذَابٌ فَتَدْعُوَا بِالنّدَامَةِ وَالثّكْلِ
[شِعْرُ أَبِي جَهْلٍ فِي الرّدّ عَلَى حَمْزَةَ]
فأجابه أبو جهل بن هشام، فقال:
عَجِبْتُ لِأَسْبَابِ الْحَفِيظَةِ وَالْجَهْلِ وَلِلشّاغِبِينَ بِالْخِلَافِ وَبِالْبُطْلِ
وَلِلتّارِكِينَ مَا وَجَدْنَا جُدُودَنَا عَلَيْهِ ذَوِي الْأَحْسَابِ وَالسّؤْدُدِ الْجَزْلِ
أَتَوْنَا بِإِفْكٍ كَيْ يُضِلّوا عُقُولَنَا وَلَيْسَ مُضِلّا إفْكُهُمْ عَقْلَ ذِي عَقْلِ
فَقُلْنَا لَهُمْ: يَا قَوْمَنَا لَا تُخَالِفُوا عَلَى قَوْمِكُمْ إنّ الْخِلَافَ مُدَى الْجَهْلِ
فَإِنّكُمْ إنْ تَفْعَلُوا تَدْعُ نِسْوَةٌ لَهُنّ بَوَاكٍ بِالرّزِيّةِ وَالثّكْلِ
وَإِنْ تَرْجِعُوا عَمّا فَعَلْتُمْ فَإِنّنَا بَنُو عَمّكُمْ أَهْلُ الحفائظ والفضل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٧ ]
فَقَالُوا لَنَا: إنّا وَجَدْنَا مُحَمّدًا رِضًا لِذَوِي الْأَحْلَامِ مِنّا وَذِي الْعَقْلِ
فَلَمّا أَبَوْا إلّا الْخِلَافَ وَزَيّنُوا جِمَاعَ الْأُمُورِ بِالْقَبِيحِ مِنْ الْفِعْلِ
تَيَمّمْتُهُمْ بِالسّاحِلَيْنِ بِغَارَةٍ لِأَتْرُكَهُمْ كَالْعَصْفِ لَيْسَ بِذِي أصل
فورّعنى مَجْدِيّ عَنْهُمْ وَصُحْبَتِي وَقَدْ وَازَرُونِي بِالسّيُوفِ وَبِالنّبْلِ
لِإِلّ عَلَيْنَا وَاجِبٍ لَا نُضَيّعُهُ أَمِينٌ قَوَاهُ غَيْرُ مُنْتَكِثِ الْحَبْلِ
فَلَوْلَا ابْنُ عَمْرٍو كُنْتُ غَادَرْتُ مِنْهُمْ مَلَاحِمَ لِلطّيْرِ الْعُكُوفِ بِلَا تَبْلِ
وَلَكِنّهُ آلَى بِإِلّ فَقَلّصَتْ بِأَيْمَانِنَا حَدّ السّيُوفِ عَنْ الْقَتْلِ
فَإِنْ تُبْقِنِي الْأَيّامُ أَرْجِعْ عَلَيْهِمْ بِبِيضٍ رِقَاقِ الْحَدّ مُحْدَثَةِ الصّقْلِ
بِأَيْدِي حُمَاةٍ من لؤىّ بن غالب كرام المساحى فِي الْجُدُوبَةِ وَالْمَحْلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشّعْرَ لِأَبِي جهل.
[غَزْوَةُ بُوَاطٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، ثُمّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في شهر ربيع لأوّل يُرِيدُ قُرَيْشًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ السّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى بَلَغَ بُوَاطٍ، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَلَبِثَ بِهَا بَقِيّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وبعض جمادى الأولى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٨ ]
[غزوة العشيرة]
أبو سلمة على المدينة ثُمّ غَزَا قُرَيْشًا، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هشام.
[الطّرِيقُ إلَى الْعَشِيرَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ عَلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ، ثُمّ عَلَى فَيْفَاءِ الْخَبَارِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ بِبَطْحَاءِ ابْنِ أَزْهَرَ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ السّاقِ، فَصَلّى عِنْدَهَا.
فَثَمّ مسجده ﷺ، وَصُنِعَ لَهُ عِنْدَهَا طَعَامٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَأَكَلَ النّاسُ مَعَهُ، فَمَوْضِعُ أَثَافِيّ الْبُرْمَةِ مَعْلُومٌ هُنَالِكَ، وَاسْتُقِيَ لَهُ مِنْ مَاءٍ بِهِ، يُقَالُ لَهُ: الْمُشْتَرِبُ، ثُمّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَرَكَ الْخَلَائِقَ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ شُعْبَةً يُقَالُ لَهَا: شُعْبَةُ عَبْدِ اللهِ، وَذَلِكَ اسْمُهَا الْيَوْمُ، ثُمّ صَبّ لِلْيَسَارِ حَتّى هَبَطَ يَلَيْلَ، فَنَزَلَ بِمُجْتَمَعِهِ وَمُجْتَمَعِ الضّبُوعَةِ، وَاسْتَقَى مِنْ بِئْرٍ بِالضّبُوعَةِ، ثُمّ سَلَكَ الْفَرْشَ: فَرْشَ مَلَلٍ، حَتّى لَقِيَ الطّرِيقَ بِصُحَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمّ اعْتَدَلَ بِهِ الطّرِيقُ، حَتّى نَزَلَ الْعُشَيْرَةَ مِنْ بَطْن يَنْبُعَ. فَأَقَامَ بِهَا جُمَادَى الأولى وليالى من جمادى الآخرة، وادع فِيهَا بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٥٩ ]
[تكنية على بِأَبِي تُرَابٍ]
وَفِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ قَالَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ مَا قَالَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ خَيْثَمٍ الْمُحَارِبِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ خَيْثَمٍ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ:
كُنْت أَنَا وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَفِيقَيْنِ فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ، فَلَمّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَقَامَ بِهَا، رَأَيْنَا أُنَاسًا مِنْ بنى مدلج يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ وَفِي نَخْلٍ، فَقَالَ لِي عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، هَلْ لَك فِي أَنْ تَأْتِيَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَنَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ؟ قَالَ: قُلْت: إنْ شِئْتَ؛ قَالَ: فَجِئْنَاهُمْ، فَنَظَرْنَا إلَى عَمَلِهِمْ سَاعَةً، ثُمّ غَشِيَنَا النّوْمُ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعَلِيّ حَتّى اضْطَجَعْنَا فِي صُورٍ مِنْ النّخْلِ، وَفِي دَقْعَاءَ من التراب فنمنا، فو الله مَا أَهَبّنَا إلّا رَسُولُ اللهِ، ﷺ يُحَرّكُنَا بِرِجْلِهِ. وَقَدْ تَتَرّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدّقْعَاءِ الّتِي نِمْنَا فِيهَا، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيّ بن أبى طالب: مالك يَا أَبَا تُرَابٍ؟ لِمَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ التّرَابِ، ثُمّ قَالَ: أَلَا أُحَدّثُكُمَا بِأَشْقَى النّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودٍ الّذِي عَقَرَ النّاقَةَ، وَاَلّذِي يَضْرِبُك يَا عَلِيّ عَلَى هَذِهِ- وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ- حَتّى يَبُلّ مِنْهَا هَذِهِ.
وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنّمَا سَمّى عَلِيّا أَبَا تُرَابٍ، أَنّهُ كَانَ إذَا عَتَبَ عَلَى فَاطِمَةَ فِي شَيْءٍ لَمْ يُكَلّمْهَا، وَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا تَكْرَهُهُ، إلّا أَنّهُ يَأْخُذُ تُرَابًا فَيَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦٠ ]
قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَأَى عَلَيْهِ التّرَابَ عَرَفَ أَنّهُ عاتب على فاطمة، فيقول: مالك يَا أَبَا تُرَابٍ؟ فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كان.
[سرية سعد بن أبى وقاص]
ذهابه إلى الخرار ورجوعه من غير حرب قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، فِي ثَمَانِيَةِ رَهْطٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ حَتّى بَلَغَ الْخَرّارَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، ثُمّ رَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ بَعْثَ سَعْدٍ هَذَا كَانَ بَعْدَ حَمْزَةَ
[غَزْوَةُ سَفْوَانَ وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى]
قَالَ ابن إسحاق: ولم يقم رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ إلّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ لَا تَبْلُغُ الْعَشْرَ، حَتّى أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيّ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ رسول الله ﷺ في طَلَبِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حتى بلغ ودايا، يُقَالُ لَهُ: سَفْوَانُ، مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، فَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى. ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦١ ]
[سرية عبد الله بن جحش ونزول: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ]
[كتاب الرسول له]
وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيّ فِي رَجَبٍ، مَقْفَلَهُ مِنْ بَدْرٍ الْأُولَى، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمّ يَنْظُرَ فِيهِ، فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، لا يستكره من أصحابه أحدا.
وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ مِنْ المهاجرين. ثم من بنى عبد شمس ابن عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ؛ وَمِنْ حَلْفَائِهِمْ:
عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَعُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ، أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بن خُزَيْمَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عبد مناف: عتبة ابن غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ. وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ عَامِرُ بْنُ ربيعة، حليف لهم من عنز ابن وَائِلٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: سُهَيْلُ بن بيضاء:
فَلَمّا سَارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ، فَنَظَرَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ:
إذَا نَظَرْت فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ، بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ، فَتَرَصّدْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦٢ ]
بِهَا قُرَيْشًا وَتَعَلّمْ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ. فَلَمّا نَظَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ فِي الْكِتَابِ، قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ ثُمّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَمْضِيَ إلَى نَخْلَةَ، أَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا، حَتّى آتِيَهُ مِنْهُمْ بِخَبَرِ؛ وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ، فَأَمّا أَنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحد.
وَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتّى إذَا كَانَ بِمَعْدِنَ، فَوْقَ الْفُرُعِ، يُقَالُ لَهُ: بَحْرَانُ، أَضَلّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا، كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ.
فَتَخَلّفَا عَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ. وَمَضَى عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ وَبَقِيّةُ أَصْحَابِهِ حتى نزل بنخلة، قمرّت بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشِ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأَدَمًا، وَتِجَارَةً من تجارة قريش، فيها عمرو ابن الحضرمى.
[الخلاف حول نَسَبُ الْحَضْرَمِيّ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ الْحَضْرَمِيّ: عبد الله بن عبّاد، ويقال: مالك ابن عبّاد أَحَدُ الصّدِفِ، وَاسْمُ الصّدِفِ: عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، أحد السّكون ابن أَشْرَسَ بْنِ كِنْدَةَ، وَيُقَالُ: كِنْدِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَخْزُومِيّانِ، وَالْحَكَمُ بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦٣ ]
فَلَمّا رَآهُمْ الْقَوْمُ هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمّا رَأَوْهُ أَمِنُوا، وَقَالُوا عَمّارٌ، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. وَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ فَقَالَ الْقَوْمُ وَاَللهِ لَئِنْ تَرَكْتُمْ الْقَوْمَ هَذِهِ اللّيْلَةَ لَيَدْخُلُنّ الْحَرَمَ، فَلَيَمْتَنِعُنّ مِنْكُمْ بِهِ وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلُنّهُمْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ؛ فَتَرَدّدَ الْقَوْمُ، وَهَابُوا الْإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمّ شَجّعُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ.
فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التّمِيمِيّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيّ بِسَهْمِ فَقَتَلَهُ، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كَيْسَانَ؛ وَأَفْلَتَ الْقَوْمَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَأَعْجَزَهُمْ. وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَبِالْأَسِيرَيْنِ، حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنّ عَبْدَ اللهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
إنّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِمّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ وذلك أَنْ يَفْرِضَ اللهُ تَعَالَى الْخُمُسَ مِنْ الْمَغَانِمِ- فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خمس العير، وقسّم سائرها بين أصحابه.
[الرسول ﷺ يستنكر القتال فى الشهر الحرام]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؛ قَالَ: مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ. فَوَقّفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ. وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُقِطَ فى أيدى القوم، وظنّوا أنهم قد هلكوا، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦٤ ]
وَقَالَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اسْتَحَلّ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الْأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرّجَالَ؛ فَقَالَ مَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِمّنْ كَانَ بِمَكّةَ: إنّمَا أَصَابُوا ما أصابوا فى شعبان.
وَقَالَتْ يَهُودُ- تَفَاءَلَ بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيّ قَتَلَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَمْرٌو، عَمُرَتْ الْحَرْبُ؛ وَالْحَضْرَمِيّ، حَضَرَتْ الْحَرْبُ؛ وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَقَدَتْ الْحَرْبُ. فَجَعَلَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لالهم.
[ما نزل من القرآن فى فعل ابن جحش]
فَلَمّا أَكْثَرَ النّاسُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ على رسوله ﷺ:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ، فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ إنْ كُنْتُمْ قَتَلْتُمْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ فَقَدْ صَدّوكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَعَ الْكُفْرِ بِهِ، وَعَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْهُ وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ، أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ: أَيْ قَدْ كَانُوا يَفْتِنُونَ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ، حَتّى يَرُدّوهُ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إيمَانِهِ، فَذَلِكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا: أَيْ ثُمّ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى أَخْبَثِ ذَلِكَ وَأَعْظَمِهِ، غَيْرَ تَائِبِينَ وَلَا نَازِعِينَ. فَلَمّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَذَا مِنْ الْأَمْرِ، وَفَرّجَ اللهُ تَعَالَى عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الشّفَقِ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦٥ ]
وَبَعَثَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ عُثْمَانَ بْنِ عبد الله والحكم بن كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا نُفْدِيكُمُوهَا حَتّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا- يَعْنِي سعد ابن أَبِي وَقّاصٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ- فَإِنّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا، نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ. فَقَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، فَأُفْدَاهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ منهم.
فأما الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَأَقَامَ عند رسول الله ﷺ حتى قتل يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا. وَأَمّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَلَحِقَ بِمَكّةَ، فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا.
فَلَمّا تَجَلّى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ، طَمِعُوا فِي الْأَجْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: أَنَطْمَعُ، أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعْطَى فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَوَضَعَهُمْ اللهُ ﷿ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرّجَاءِ.
وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا عَنْ الزّهْرِيّ وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنّ اللهَ ﷿ قَسَمَ الْفَيْءَ حِينَ أَحَلّهُ، فَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ لِمَنْ أَفَاءَهُ اللهُ، وَخُمُسًا إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَوَقَعَ عَلَى مَا كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ صَنَعَ فِي تِلْكَ الْعِيرِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوّلُ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦٦ ]
أَوّلُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ أَوّلُ مَنْ أَسَرَ المسلمون.
[ما قيل من شعر فى هذه السرية]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ فِي غَزْوَةِ عَبْدِ اللهِ ابن جحش، ويقال: بل عبد الله جَحْشٍ قَالَهَا، حِينَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ أَحَلّ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدّمَ وَأَخَذُوا فِيهِ الْمَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرّجَالَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ:
تَعُدّونَ قَتْلًا فِي الْحَرَامِ عَظِيمَةً وَأَعْظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرّشْدَ رَاشِدُ
صُدُودُكُمْ عَمّا يَقُولُ مُحَمّدٌ وَكُفْرٌ بِهِ وَاَللهُ رَاءٍ وَشَاهِدُ
وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْ مَسْجِدِ اللهِ أَهْلَهُ لِئَلّا يُرَى لِلّهِ فِي الْبَيْتِ سَاجِدُ
فَإِنّا وَإِنْ عَيّرْتُمُونَا بِقَتْلِهِ وَأَرْجَفَ بِالْإِسْلَامِ بَاغٍ وَحَاسِدُ
سَقَيْنَا مِنْ ابْنِ الْحَضْرَمِيّ رِمَاحَنَا بِنَخْلَةَ لَمّا أَوْقَدَ الْحَرْبَ وَاقِدُ
دَمًا وَابْنُ عَبْدِ اللهِ عُثْمَانُ بَيْنَنَا يُنَازِعُهُ غُلّ مِنْ الْقَدّ عَانِدُ
[صَرْفُ الْقِبْلَةِ إلَى الكعبة]
قال ابن إسحاق: وَيُقَالُ: صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المدينة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَارِيخُ الْهِجْرَةِ، وَغَزْوَةُ وَدّانَ ذَكَرَ قُدُومَ رَسُولِ اللهِﷺ- الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ، وَقَدْ قَدّمْنَا فِي بَابُ الْهِجْرَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْكَلْبِيّ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَفِي أَيّ شَهْرٍ كَانَ قُدُومُهُ مِنْ شُهُورِ الْعَجَمِ. وَذَكَرَ أَنّهُ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ وَشَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَجُمَادَيْنِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: وَشَهْرَيْ جُمَادَى، أَوْ يَقُولُ: وَبَقِيّةُ رَبِيعٍ وَرَبِيعًا الْآخَرَ، كَمَا قَالَ فِي سَائِرِ الشّهُورِ، وَلَكِنْ الشّهْرُ إذَا سَمّيْته بِالِاسْمِ الْعَلَمِ، لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا، وَكَانَتْ الْإِقَامَةُ أَوْ الْعَمَلُ فِيهِ كُلّهِ إلّا أَنْ تَقُولَ شَهْرَ كَذَا، كَمَا تَقَدّمَ مِنْ كَلَامِنَا عَلَى شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَدِيثِ الْمَبْعَثِ، وَكَذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ، فَقَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ: جُمَادَيْنِ وَرَجَبًا مُسْتَقِيمٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَقَوْلُهُ: بَقِيّةُ شَهْرِ رَبِيعٍ، فَلِأَنّ الْعَمَلَ وَالْإِقَامَةَ كَانَ فِي بَعْضِهِ: فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: بَقِيّةَ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، لَكِنّهُ قَالَ: وَشَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ لِيَزْدَوِجَ الْكَلَامُ وَيُشَاكِلَ مَا قَبْلَهُ، وَهَذَا كُلّهُ مِنْ فَصَاحَتِهِ ﵀ أَوْ مِنْ فَصَاحَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ إنْ كَانَ رَوَاهُ عَلَى اللّفْظِ. وَقَوْلُهُ: وَجُمَادَيْنِ وَرَجَبًا. كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: وَالْجُمَادَيْنِ بِالْأَلِفِ وَاللّامِ، لِأَنّهُ اسْمُ عَلَمٍ، وَلَا يُثَنّى الْعَلَمُ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةً إلّا أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللّامُ، فَتَقُولُ: الزّيْدَانِ وَالْعُمَرَانِ، لَكِنّهُ أَجْرَاهُ بِفَصَاحَتِهِ مَجْرَى أَبَانَيْنِ وَقَنَوَيْنِ، وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ اسْمٌ لِجَبَلَيْنِ، وَلَا تَدْخُلُهُ الْأَلِفُ وَاللّامُ، لِأَنّ
[ ٥ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعريفه لم يزل بالتّثنية، لأنهما أبدا امتلا زمان، فَالتّثْنِيَةُ لَازِمَةٌ لَهُمَا مَعَ الْعَلَمِيّةِ بِخِلَافِ الْآدَمِيّينَ، وَلَمّا كَانَ جُمَادَيَانِ شَهْرَيْنِ مُتَكَارِهَيْنِ جَعَلَهُمَا فِي الزّمَانِ كَأَبَانَيْنِ فِي الْمَكَانِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمَا كَالزّيْدَيْنِ وَالْعُمَرَيْنِ اللّذَيْنِ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ. قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
بَاتَتْ لَهُ بِكَثِيبِ جَرْبَةَ لَيْلَةً وَطَفَاءَ بَيْنَ جُمَادَيْنِ دَرُورُ
فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ قَالُوا: السّمَاكَيْنِ فِي النّجُومِ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ، وَكَذَلِكَ السّرَطَانُ، قُلْنَا: إنّمَا كَانَ ذَلِكَ لِوُجُودِ مَعْنَى الصّفَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْحَارِثِ، وَالْعَبّاسِ فِي الْآدَمِيّينَ، وَأَكْشَفَ سِرّ الْعَلَمِيّةِ فِي الشّهُورِ وَالْأَيّامِ وَتَقْسِيمِ أَنْوَاعِ الْعَلَمِيّةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا، وَإِنّمَا أَعْجَبَتْنِي فَصَاحَةُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: بَقِيّةَ شَهْرِ كَذَا وَشَهْرَ كَذَا وَجُمَادَيْنِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَنَزّلَ الْأَلْفَاظَ عِنْدَ مَنَازِلِهَا عِنْدَ أَرْبَابِ اللّغَةِ الْفَاهِمِينَ لِحَقَائِقِهَا، يَرْحَمُهُ اللهُ.
غَزْوَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ:
وَذَكَرَ فِي غَزْوَةِ عُبَيْدَةَ وَلِقَائِهِ الْمُشْرِكِينَ: وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، هَكَذَا الرّوَايَةُ حَيْثُ وَقَعَ بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَذَكَرَ ابْنُ مَاكُولَا فِي الْمُؤْتَلَفِ وَالْمُخْتَلَفِ عَنْ أَبِي عَبْدَةَ النّسّابَةِ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ فِيهِ مَكْرَزُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَكَأَنّهُ مِفْعَلٌ أَوْ مَفْعَلٌ مِنْ الْكَرِيزِ، وَهُوَ الْأَقِطُ «١» وَكَذَلِكَ ذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الْأَخْيَفِ هَهُنَا أَنّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ، وكان ابن ماكولا وحده
_________________
(١) الأقط: لبن محمض يجمد حتى يستحجر ويطبخ، أو يطبخ به.
[ ٥ / ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَقُولُ فِي الْأَخْيَفِ مِنْ بَنِي أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ جَدّ الْخَشْخَاشِ التّمِيمِيّ: أخيف بضم الهمزة وفتح الخاء، وقال الدار قطنى: أَخْيَفُ كَمَا قَالُوا فِي الْأَوّلِ.
شَرْحُ الْقَصِيدَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَصِيدَةِ ابْنِ الزّبَعْرَى وَأَبِي جَهْلٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ الْقَصِيدَةَ الّتِي تُعْزَى إلَى أَبِي بَكْرٍ، وَنَقِيضَتُهَا لِابْنِ الزّبعرى، والزّبعرى فى اللغة السّيّىء الْخُلُقِ «١»، يُقَالُ: رَجُلٌ زِبَعْرَى، وَامْرَأَةٌ زِبَعْرَاةَ، وَالزّبَعْرَى أَيْضًا الْبَعِيرُ الْأَزَبّ الْكَثِيرُ شَعْرِ الْأُذُنَيْنِ مَعَ قِصَرٍ، قَالَهُ الزّبَيْرُ. وَفِي هَذَا الشّعْرِ أَوْ الّذِي بَعْدَهُ ذَكَرَ الدّبّةَ وَهُوَ الْكَثِيبُ مِنْ الرّمْلِ، وَأَمّا الدّبّةُ بِضَمّ الدّالِ فَإِنّهُ يُقَالُ: جَرَى فُلَانٌ عَلَى دُبّةِ فُلَانٍ أَيْ عَلَى سُنّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَالدّبّةُ أَيْضًا ظَرْفٌ لِلزّيْتِ «٢»، قَالَ الرّاجِزُ:
لِيَكُ بِالْعُنْفِ عِفَاصُ الدّبّةِ
وَالدّبّةُ بِكَسْرِ الدّالِ هَيْئَةُ الدّبِيبِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُشْكِلُ معناه.
وقوله:
تحدى فى السّريح الرّثائث
_________________
(١) فى الاشتقاق: رجل زبعرى: إذا كان غليظا كثير الشعر، وامرأة زبعراة: غليظة كثيرة شعر الجسد.
(٢) الدبة الذى هو الموضع الكثير الرمل يضرب مثلا للدهر الشديد، يقال وقع فلان فى دبة من الرمل، لأن الجمل إذا وقع فيه تعب.
[ ٥ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السّرِيحُ: شِبْهُ النّعْلِ تَلْبَسُهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ، يُرِيدُ: أَنّ هَذِهِ الْإِبِلَ الْحَرَاجِيجَ، وَهِيَ الطّوَالُ تَحْدِي أى: تسرع فى سريح قدرثّ من طول السير. قال الشاعر:
دومى الْأَيْدِ يَحْبِطْنَ السّرِيحَا
وَذَكَرَ الْعَثَاعَثَ، وَاحِدُهَا: عَثْعَثٌ، وَهُوَ مِنْ أَكْرَمِ مَنَابِتِ الْعُشْبِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي الْعَيْنِ: الْعُثْعُثُ ظَهْرُ الْكَثِيبِ الّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ أَنْكَرُوا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَيَشْهَدُ لِصِحّةِ من أنكر أن تكون لَهُ مَا رَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَذَبَ مَنْ أَخْبَرَكُمْ أَنّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ بَيْتَ شِعْرٍ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ مُحَمّدٌ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكّلِ عَنْ عَبْدِ الرّزّاقِ «١» . وَقَوْلُ ابْنِ الزّبَعْرَى: بَيْنَ نَسْءٍ وَطَامِثِ، وَالنّسْءُ: حَمْلُ الْمَرْأَةِ فِي أَوّلِهِ، وَالطّامِثُ مَعْرُوفٌ «٢» يُقَالُ نُسِئَتْ الْمَرْأَةُ [نَسَأً] إذَا تَأَخّرَ حَيْضُهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ «٣» . مِنْ كِتَابِ الْعَيْنِ
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: رَأْبَ «٤» ابْنِ حَارِثٍ. يَعْنِي: عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ ابن عبد المطلب.
_________________
(١) كذلك ذكر أبو ذر الخشنى فى شرحه للسيرة.
(٢) الحائض.
(٣) فى القاموس: النسىء بالتثليث: المرأة المظنون بها الحمل كالنسوء، أو التى ظهر حملها، ونسئت المرأة: تأخر حيضها عن وقته، فرجى أنها حبلى.
(٤) فى السيرة: رأف من الرأفة. وإليك معانى بعض ما ترك السهيلى من-
[ ٥ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَسْمَاءٌ مَمْنُوعَةٌ مِنْ التّنْوِينِ:
وَقَوْلُ أَبِي جَهْلٍ:
وَوَرّعَنِي مَجْدِي عَنْهُمْ وَصُحْبَتِي
تَرَكَ صَرْفَ مَجْدِي «١»، لِأَنّهُ عَلَمٌ، وَتَرَكَ التّنْوِينَ فِي الْمَعَارِفِ كُلّهَا أصل لا ينوّن
_________________
(١) - قصيد أبى بكر وابن الزبعرى ننقله من شرح أبى ذر. الدمائث: الرمال اللينة. هروا: وثبوا كما تثب الكلاب. المحجرات: يعنى: الكلاب التى أحجرت وألجئت إلى مواضعها. اللواهث: أى التى أخرجت ألسنتها وتعبت أنفاسها، متتنا: اتصلنا. غير كارث: غير محزن. الفروع الأثايث: الكثيرة المجتمعة. أولى: أحلف وأقسم. الراقصات: يعنى الإبل، والرقص: ضرب من المشى. حراجيج. مفردها: حرجوج- وقد فسرها السهيلى- وتروى عناجيج: أى الحسان السريح: قطع جلود تربط على أخفاف الإبل مخافة أن تصيبها الحجارة. الرثايث يعنى: البالية الخلقة. أدم ظباء: السمر الظهور البيض البطون. عكف: مقيمة. النبائث: جمع نبيثة، وهى تراب يخرج من البئر إذا نقيت. تعصب الطير: تجتمع. تشعثوا: تغيروا وتفرقوا لائث: محتبس ويروى لابث؛ أى: غير ماكث. عرام: كثرة وشدة. الهياج: الحرب، سحر: رماح، وردينة: امرأة تنسب إليها الرماح. جرد: القصيرات الشعر أو السريعة. والعجاج: الغبار عوائث: مفسدات. أصعار أو أصغاء: أميل. الذحول: جمع ذحل: طلب الثار. رائث: مبطىء. أيامى: ليس لهم أزواج. حفى: كثير السؤال. شرح أبيات سعد: الحزرنة: الوعر من الأرض. سيف البحر: ساحله. العيص: موضع، وأصل العيص منبت الشجر شرح قصيدة حمزة: السوام: الإبل المرسلة فى المرعى. بتلناهم: عاديناهم. والبتل: العداوة، ويقال طلب الثأر. المراجل: جمع مرجل: القدر.
(٢) هو مجدى بن عمرو الجهنى.
[ ٥ / ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مُضْمَرٌ وَلَا مُبْهَمٌ، وَلَا مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللّامُ وَلَا مُضَافٌ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْقِيَاسُ فِي الْعَلَمِ، فَإِذَا لَمْ يُنَوّنْ فِي الشّعْرِ فَهُوَ الْأَصْلُ فِيهِ، لِأَنّ دُخُولَ التّنْوِينِ فِي الْأَسْمَاءِ إنّمَا هُوَ عَلَامَةٌ لِانْفِصَالِهَا عَنْ الْإِضَافَةِ، فَمَا لَا يُضَافُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَنْوِينٍ، وَقَدْ كَشَفْنَا سِرّ التّنْوِينِ وَامْتِنَاعَ التّنْوِينِ وَالْخَفْضَ مِمّا لا ينصرف فى مسئلة أَفْرَدْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَتَيْنَا فِيهَا بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَالشّوَاهِدِ عَلَى حَذْفِ التّنْوِينِ فِي الشّعْرِ مِنْ الِاسْمِ الْعَلَمِ كَثِيرَةٌ جِدّا، فَتَأَمّلْهُ فِي أشعار ال؟؟؟ ير والمعنى؟؟؟ تجدها، وغرضنا فِي شَرْحِ هَذِهِ الْأَشْعَارِ الْوَارِدَةِ فِي كِتَابِ السّيرَةِ أَنْ نَشْرَحَ مِنْهَا مَا اُسْتُغْلِقَ لَفْظُهُ جِدّا، أَوْ غَمُضَ إعْرَابُهُ عَلَى شَرْطِنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ. رِوَايَةُ شِعْرِ الْكَفَرَةِ: لَكِنّي لَا أُعْرِضُ لِشَيْءِ مِنْ أَشْعَارِ الْكَفَرَةِ الّتِي نَالُوا فِيهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلّا شِعْرَ مَنْ أَسْلَمَ وَتَابَ كَضِرَارِ وَابْنِ الزّبَعْرَى، وَقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِعْلَ ابْنِ إسْحَاقَ فِي إدْخَالِهِ الشّعْرَ الّذِي نِيلَ فِيهِ مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَمِنْ النّاسِ مَنْ اعْتَذَرَ عَنْهُ: قَالَ حِكَايَةَ الْكُفْرِ لَيْسَ بِكُفْرِ وَالشّعْرُ كَلَامٌ، وَلَا فَرْقَ أَنْ يُرْوَى كَلَامُ الْكَفَرَةِ وَمُحَاجّتُهُمْ لِلنّبِيّ ﷺ وَرَدّهُمْ عَلَيْهِ مَنْثُورًا وَبَيْنَ أَنْ يُرْوَى مَنْظُومًا، وَقَدْ حَكَى رَبّنَا سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مَقَالَاتِ الْأُمَمِ لِأَنْبِيَائِهَا، وَمَا طَعَنُوا بِهِ عَلَيْهِمْ، فَمَا ذَكَرَ مِنْ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا فَإِنّمَا يُقْصَدُ بِهِ الِاعْتِبَارُ بِمَا مَضَى، وَتَذَكّرُ نِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْهُدَى، وَالْإِنْقَاذِ مِنْ الْعَمَى. وَقَدْ قَالَ ﵇: «لأن يمتلىء جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يمتلئ
[ ٥ / ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرًا» «١» وَتَأَوّلَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ فِي الْأَشْعَارِ الّتِي هُجِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِﷺ- وَأَنْكَرَتْ قَوْلَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الشّعْرِ، وَإِذَا قُلْنَا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلّا عَيْبُ امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنْهُ. وَأَمّا رِوَايَةُ الْيَسِيرِ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ، أَوْ الِاسْتِشْهَادُ عَلَى اللّغَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي النّهْيِ، وَقَدْ رَدّ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى مَنْ تَأَوّلَ الْحَدِيثَ فِي الشّعْرِ الّذِي هُجِيَ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَقَالَ: رِوَايَةُ نِصْفِ بَيْتٍ مِنْ ذَلِكَ الشّعْرِ حَرَامٌ، فَكَيْفَ يَخُصّ امْتِلَاءَ الْجَوْفِ مِنْهُ بِالذّمّ، وَعَائِشَةُ أَعْلَمُ، فَإِنّ الْبَيْتَ وَالْبَيْتَيْنِ وَالْأَبْيَاتَ مِنْ تِلْكَ الْأَشْعَارِ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ الْمَنْثُورِ الّذِي ذَمّوا بِهِ رَسُولَ اللهِﷺ- لَا فَرْقَ وَقَوْلُ عَائِشَةَ الّذِي، قَدّمْنَاهُ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جامعه، وعلى القول بالإباحة، فإن للنفس تقدّر تِلْكَ الْأَشْعَارَ وَتُبْغِضُهَا وَقَائِلِيهَا فِي اللهِ، فَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا خَيْرٌ مِنْ الْخَوْضِ فِيهَا وَالتّتَبّعِ لِمَعَانِيهَا.
غَزْوَةُ بُوَاطَ وَبُوَاطُ جَبَلَانِ فَرْعَانِ لِأَصْلِ، وَأَحَدُهُمَا: جَلْسِيّ، وَالْآخَرُ غَوْرِيّ، وَفِي الْجَلْسِيّ بَنُو دِينَارٍ [مَوَالِي بَنِي كُلَيْبِ بْنِ كَثِيرٍ] يُنْسَبُونَ إلَى دينار مولى عبد الملك بن مروان «٢» .
_________________
(١) متفق عليه، ورواه أيضا أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة
(٢) ما بين قوسين من معجم ما استعجم الذى نقل عنه السهيلى، وبقول البكرى عن دينار إنه كان طبيبا لعبد الملك بن مرون.
[ ٥ / ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرَ فِيهِ اسْتِخْلَافَ رَسُولِ اللهِﷺ- على المدينة السائب ابن مَظْعُونٍ، وَهُوَ أَخُو عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، شَهِدَ بَدْرًا فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْبَدْرِيّينَ، وَأَمّا السّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ وَهُوَ ابْنُ أَخِي هَذَا، فَشَهِدَ بَدْرًا فِي قَوْلِ جَمِيعِهِمْ إلّا ابْنَ الْكَلْبِيّ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا «١»
غَزْوَةُ الْعُشَيْرَةِ يُقَالُ فِيهَا: الْعُشَيْرَةُ وَالْعُشَيْرَاءُ وَبِالسّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا الْعُسَيْرَةُ وَالْعُسَيْرَاءُ، أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ ﵀، وَفِي الْبُخَارِيّ: أَنّ قَتَادَةَ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: الْعُشَيْرُ «٢»، وَمَعْنَى الْعُسَيْرَةِ وَالْعُسَيْرَاءِ، أَنّهُ اسْمٌ مُصَغّرٌ مِنْ الْعَسْرَاءِ وَالْعُسْرَى، وَإِذَا صُغّرَ تَصْغِيرَ التّرْخِيمِ قِيلَ: عُسَيْرَةُ، وَهِيَ بَقْلَةٌ تَكُونُ أَذَنَةً أَيْ عَصِيفَةً، ثُمّ تَكُونُ سَحّاءَ، ثم يقال لها العسرى. قال الشاعر:
_________________
(١) كان ابن الكلبى يقول إن البدرى هو السائب بن مظعون عم السائب بن عثمان جرح السائب بن مظعون فى غزوة اليمامة، ومات من جرحه وهو ابن بضع وثلاثين سنة.
(٢) رواه البخارى بسنده عن أبى إسحاق: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبى «ص» من غزوة، قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: العسيرة أو العشير. فذكرت لقتادة قال: العشيرة. لكن ورد فى عدة روايات أخرى أن الغزوات إحدى وعشرون، فلعله فاته اثنان لصغر سنه، أو لعله عد اثنتين واحدة. بضم قريظة إلى الأحزاب، أو ضم الطائف إلى حنين. والذى سأل قتادة هو شعبة. ورواية الترمذى: أيتهن، فيكون الخطأ فى: أيهم إما من البخارى، أو من شيخه عبد الله-
[ ٥ / ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَا مَنَعْنَاهَا الْمَاءَ إلّا ضَنَانَةً بِأَطْرَافِ عُسْرَى شوكها قد نخدّدا
وَمَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ كَمَعْنَى الْحَدِيثِ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ «١»» وَأَمّا الْعُشَيْرَةُ بِالشّينِ الْمَنْقُوطَةِ، فَوَاحِدَةُ الْعُشَرِ مُصَغّرَةٌ.
وَذَكَرَ فِيهَا الضّبُوعَةَ، وَهُوَ: اسْمُ مَوْضِعٍ، وَهُوَ فَعُولَةٌ مِنْ ضَبَعَتْ الْإِبِلُ:
إذَا أَمَرّتْ أَضْبَاعَهَا فِي السّيْرِ «٢» وَفِي الضّبُوعَةِ نَزَلَ عِنْدَ شَجَرَةٍ، يُقَالُ لَهَا:
ذَاتُ السّاقِ، وَابْتَنَى ثُمّ مَسْجِدًا، وَاسْتَسْقَى مِنْ مَاءٍ هُنَالِكَ يُقَالُ لَهُ الْمُشَيْرِبُ كَذَلِكَ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ.
وَذَكَرَ فِيهِ مَلَلًا، وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ يُقَالُ: إنّهُ إنّمَا سُمّيَ مَلَلًا؛ لِأَنّ الْمَاشِيَ إلَيْهِ مِنْ الْمَدِينَةِ لَا يَبْلُغُهُ إلّا بَعْدَ جَهْدٍ وَمَلَلٍ، وَهُوَ عَلَى عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، أَوْ أَكْثَرُ قَلِيلًا. وَذَكَرَ الْحَلَائِقَ وَهِيَ آبَارٌ معلومة «٣» .
ورواها غَيْرُ أَبِي الْوَلِيدِ الْخَلَائِقَ بِخَاءِ مَنْقُوطَةٍ، وَفَسّرَهَا بعضهم:
_________________
(١) - ابن محمد المسندى، أو من شيخه وهب بن جرير. ووقع فى الترمذى أن الغزوة: العشير أو العسير. وقول قتادة هو الذى اتفق عليه أهل السير.
(٢) فسره ابن الأثير بقوله «هو نقع البئر المباحة، أى: ليس لأحد أن يغلب عليه، ويمنع الناس منه حتى يجوزه فى إناء ويملكه» وفسر «لا يمنع فضل الماء» فقط بقوله: «هو أن يسقى الرجل أرضه، ثم تبقى من الماء بقية لا يحتاج إليها، فلا يجوز له أن يبيعها ولا يمنع منها أحدا ينتفع به. هذا إذا لم لم يكن الماء ملكه، أو على قول من يرى أن الماء لا يملك» .
(٣) أى اسرعت فى السير.
(٤) قال أبو ذر الخشنى: آبار لقريش والأنصار
[ ٥ / ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَمْعُ خَلِيقَةٍ وَهِيَ الْبِئْرُ الّتِي لَا مَاءَ فِيهَا «١»، وَأَكْثَرُ رِوَايَاتِ الْكِتَابِ عَلَى هَذَا فَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فَرْشَ مَلَلٍ، وَالْفَرْشُ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَكَانٌ مُسْتَوٍ نَبْتُهُ الْعُرْفُطُ وَالسّيَالُ وَالسّمُرُ يَكُونُ نَحْوًا مِنْ مِيلٍ أَوْ فَرْسَخٍ، فَإِنْ أَنْبَتَ الْعُرْفُطَ وَحْدَهُ فَهُوَ وَهْطٌ، وَإِنْ أَنْبَتَ الطّلْحَ وَحْدَهُ، فَهُوَ غَوْلٌ وَجَمْعُهُ غَيْلَانُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَإِنْ أَنْبَتَ النّصِيّ وَالصّلّيَانَ، وَكَانَ نَحْوًا مِنْ مِيلَيْنِ قِيلَ لَهُ: لُمِعَةٌ.
تسكنية على بأبى تراب:
وذكر حديثين فى تسكنية عَلِيّ بِأَبِي تُرَابٍ، وَأَصَحّ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي جَامِعِهِ: وَهُوَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- وَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ نَائِمًا وَقَدْ تَرِبَ جَنْبُهُ، فَجَعَلَ يَحُثّ التّرَابَ عَنْ جَنْبِهِ، وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ مُغَاضِبًا لِفَاطِمَةَ، وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ عَمّارٍ مُخَالِفٌ لَهُ، إلّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَنّاهُ بِهَا مَرّتَيْنِ، مَرّةً فِي الْمَسْجِدِ، وَمَرّةً فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
أَشْقَى النّاسِ وَذَكَرَ أَشْقَى النّاسِ قَالَ: وَهُوَ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الذى عقر ناقة صالح واسمه:
_________________
(١) قال أبو ذر: والخليقة أيضا موضع فيه مزارع ونخل وقصور لقوم آل الزبير.
[ ٥ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَدَارُ بْنُ سَالِفِ وَأُمّهُ فُذَيْرَةُ وَهُوَ مِنْ التّسْعَةِ رَهْطٍ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ النّمْلِ، وَقَدْ ذَكَرْت أَسَمَاءَهُمْ فِي كِتَابِ التّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ.
مُوَادَعَةُ بَنِي ضَمْرَةَ وَذَكَرَ مُوَادَعَتَهُ لِبَنِي ضَمْرَةَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ كِنَانَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، وَهُمْ بَنُو غِفَارٍ وَبَنُو نُعَيْلَةَ بَنِي مُلَيْلِ «١»، بْنِ ضَمْرَةَ، وَكَانَتْ نُسْخَةُ الْمُوَادَعَةِ فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ «بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ لِبَنِي ضَمْرَةَ، فَإِنّهُمْ آمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَأَنّ لَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ رَامَهُمْ إلّا أَنْ يُحَارِبُوا فِي دِينِ اللهِ مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَةً، وَإِنّ النّبِيّ إذَا دَعَاهُمْ لِنَصْرِهِ، أَجَابُوهُ، عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ذِمّةُ اللهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ، وَلَهُمْ النّصْرُ عَلَى مَنْ بَرّ مِنْهُمْ وَاتّقَى»
سَرِيّةُ عبد الله بن جحش صحة الرواية باطناولة وَهُوَ الْمُجَدّعُ فِي اللهِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ احْتِجَاجًا بِهِ عَلَى صِحّةِ الرّوَايَةِ بِالْمُنَاوَلَةِ، لِأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- نَاوَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ كِتَابَهُ، فَفَتَحَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَعَمِلَ عَلَى مَا فِيهِ. وَكَذَلِكَ الْعَالِمُ إذَا نَاوَلَ التّلْمِيذَ كِتَابًا جاز له أن يروى
_________________
(١) فى القاموس: مليك
[ ٥ / ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَنْهُ مَا فِيهِ، وَهُوَ فِقَةٌ صَحِيحٌ، غَيْرَ أَنّ النّاسَ جَعَلُوا الْمُنَاوَلَةَ الْيَوْمَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصّورَةِ يَأْتِي الطّالِبُ الشّيْخَ، فَيَقُولُ: نَاوِلْنِي كُتُبَك، فَيُنَاوِلُهُ ثُمّ يُمْسِكُ مَتَاعَهُ عِنْدَهُ، ثُمّ يَنْصَرِفُ الطّالِبُ، فَيَقُولُ: حَدّثَنِي فُلَانٌ مُنَاوَلَةٌ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ لَا تَصِحّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، حَتّى يَذْهَبَ بِالْكِتَابِ مَعَهُ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُحَدّثَ بِمَا فِيهِ عَنْهُ، وَمِمّنْ قَالَ بِصِحّةِ الْمُنَاوَلَةِ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي ذَكَرْنَاهُ مَالِكُ بْنُ أنس، روى إسماعيل ابن صَالِحٍ عَنْهُ أَنّهُ أَخَرَجَ لَهُمْ كُتُبًا مَشْدُودَةً، فَقَالَ: هَذِهِ كُتُبِي صَحّحْتهَا وَرَوَيْتهَا، فَارْوُوهَا عَنّي، فَقَالَ لَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ صَالِحٍ: فَنَقُولُ: حَدّثَنَا مَالِكٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَوَى قِصّةَ إسْمَاعِيلَ هَذِهِ الدّر اقطنىّ فِي كِتَابِ رُوَاةِ مَالِكٍ ﵀. أَوْلَادُ الْحَضْرَمِيّ: وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيّ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً: عَمْرًا وَعَامِرًا وَالْعَلَاءَ، فَأَمّا الْعَلَاءُ فَمِنْ أَفَاضِلِ الصّحَابَةِ، وَأُخْتُهُمْ الصّعْبَةُ أُمّ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِيهِ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَفِيهَا يَقُولُ حِينَ فَارَقَهَا: وَإِنّي وَصَعْبَةً فِيمَا نَرَى بَعِيدَانِ وَالْوِدّ وِدّ قَرِيبْ فَإِنْ لَا يَكُنْ نَسَبٌ ثَاقِبٌ فَعِنْدَ الْفَتَاةِ جَمَالٌ وَطِيبْ فَيَالَ قُصَيّ أَلَا تَعْجَبُونَ إلَى الْوَبْرِ صَارَ الْغَزَالَ الرّبِيبْ وَفِي نَسَبِ بَنِي الْحَضْرَمِيّ اضْطِرَابٌ، فَقَدْ قِيلَ مَا قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عِمَادِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَقِيلَ ابْنُ عَيّادٍ، وَابْنُ عَبّادٍ بِالْبَاءِ، وَاَلّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ أَصَحّ، وَهُمْ مِنْ الصّدِفِ، وَيُقَالُ فِيهِ: الصّدِفُ بِكَسْرِ
[ ٥ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدّالِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَالصّدِفُ: مَالِكُ بْنُ مُرَتّعِ بْنِ ثَوْرٍ «١» وَهُوَ كِنْدَةُ وَقَدْ قَدّمْنَا مَا قِيلَ فِي اسْمِ كِنْدَةَ وَفِي مَعْنَاهُ فِي الْمَبْعَثِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الصّدِفِ هُوَ ابْنُ سَمّالِ بْنِ دُعْمِيّ بْنِ زِيَادِ بْنِ حضر موت، وقيل فى حضر موت: إنّهُ مِنْ وَلَدِ حِمْيَرِ بْنِ سَبَأٍ، وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ قَحْطَانَ بْنِ عَابِرٍ «٢»، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
حِكْمَةُ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَذَكَرَ الشّهْرَ الْحَرَامَ، وَمَا كَانَ مِنْ أَهْلِ السّرِيّةِ فِيهِ، وَأَنّهُ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ لِمَا أَصَابُوا فِيهِ مِنْ الدّمِ، وَذَلِكَ أَنّ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَانَ حُكْمًا مَعْمُولًا بِهِ مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَكَانَ مِنْ حُرُمَاتِ اللهِ، وَمِمّا جَعَلَهُ مَصْلَحَةً لِأَهْلِ مَكّةَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ الْمَائِدَةُ: ٩٧ وَذَلِكَ لَمّا دَعَا إبْرَاهِيمُ لِذُرّيّتِهِ بِمَكّةَ، إذْ كَانُوا بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، فَكَانَ فِيمَا فُرِضَ عَلَى النّاسِ مِنْ حَجّ الْبَيْتِ قِوَامًا لِمَصْلَحَتِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ، ثُمّ جَعَلَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ أَرْبَعَةً: ثَلَاثَةً سَرْدًا، وواحدا فردا، وهو رجب، أما الثلاثة
_________________
(١) فى جمهرة ابن حزم: والصدف هم فى بنى حضرموت، وهو الصدف ابن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر. وقال عن العلاء هو ابن عبد الله بن عبدة، بن ضماد، بن مالك. وقال أبو ذر الخشنى: عبد الله ابن عناد ص ٤٣٠ جمهرة. وفى القاموس عن مرتع «وكمحسن أو محدث لقب عمرو بن معاوية بن ثور جد لامرىء القيس بن حجر، ولقب به، لأنه كان يقال له: أرتعنا فى أرضك، فيقول: قد أرتعت مكان كذا، وكذا»
(٢) وقيل هو ابن يقظان أخى قحطان ص ٤٢٩ الجمهرة.
[ ٥ / ٨٠ ]
[غزوة بدر الكبرى]
[عير أبى سفيان]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ مُقْبِلًا مِنْ الشّأْمِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، فِيهَا أَمْوَالٌ لِقُرَيْشِ وَتِجَارَةٌ مِنْ
_________________
(١) فَلِيَأْمَنَ الْحُجّاجُ وَارِدِينَ إلَى مَكّةَ، وَصَادِرِينِ عَنْهَا شَهْرًا قَبْلَ شَهْرِ الْحَجّ، وَشَهْرًا بَعْدَهُ قَدْرَ مَا يَصِلُ الرّاكِبُ مِنْ أَقْصَى بِلَادِ الْعَرَبِ، ثُمّ يَرْجِعُ، حِكْمَةً مِنْ اللهِ، وَأَمّا رَجَبٌ فَلِلْعُمّارِ يَأْمَنُونَ فِيهِ مُقْبِلِينَ وَرَاجِعِينَ نِصْفُ الشّهْرِ لِلْإِقْبَالِ، وَنِصْفُهُ لِلْإِيَابِ، إذْ لَا تَكُونُ الْعُمْرَةُ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الْعَرَبِ كَمَا يَكُونُ الْحَجّ، أَلَا تَرَى أَنّا لَا نَعْتَمِرُ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا أَرَدْنَا عُمْرَةً فَإِنّمَا تَكُونُ مَعَ الْحَجّ، وَأَقْصَى مَنَازِلِ الْمُعْتَمِرِينَ بَيْنَ مَسِيرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَكَانَتْ الْأَقْوَاتُ تَأْتِيهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ، وَفِي سَائِرِ الْعَامِ تَنْقَطِعُ عَنْهُمْ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ وَقُطّاعُ السّبُلِ، فَكَانَ فِي رَجَبٍ أَمَانٌ لِلسّالِكِينَ إلَيْهَا مَصْلَحَةً لِأَهْلِهَا وَنَظَرًا مِنْ اللهِ لَهُمْ دَبّرَهُ وَأَبْقَاهُ مِنْ مِلّةِ إبْرَاهِيمَ لَمْ يُغَيّرْ حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، فَكَانَ الْقِتَالُ فِيهِ مُحَرّمًا كَذَلِكَ صَدْرًا مِنْ الْإِسْلَامِ، ثُمّ أَبَاحَتْهُ آيَةُ السّيْفِ، وَبَقِيَتْ حُرْمَةِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لَمْ تُنْسَخْ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ التّوْبَةُ: ٣٦، فَتَعْظِيمُ حُرْمَتِهَا بَاقٍ، وَإِنْ أُبِيحَ الْقِتَالُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنّ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِيهَا حُكْمٌ ثَابِتٌ لَمْ يُنْسَخْ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي بَابِ نَسَبِ النّبِيّﷺ- ذكر سعد رجب، وَهُوَ أَوّلُ مَنْ سَنّهُ لِلْعَرَبِ فِيمَا زَعَمُوا.
[ ٥ / ٨١ ]
تِجَارَاتِهِمْ وَفِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ أربعون، منهم مخرمة بن نوفل ابن أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ.
[نَدْبُ الْمُسْلِمِينَ لِلْعِيرِ وَحَذَرُ أَبِي سُفْيَانَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، كُلّ قَدْ حَدّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ فَاجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ فِيمَا سُقْت مِنْ حَدِيثِ بَدْرٍ، قَالُوا: لَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بأبى سفيان مقبلا من الشّامِ، نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ وَقَالَ هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ فَاخْرُجُوا إلَيْهَا لَعَلّ اللهَ يُنْفِلُكُمُوهَا. فَانْتَدَبَ النّاسُ فَخَفّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ لَمْ يَظُنّوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْقَى حَرْبًا، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دَنَا مِنْ الْحِجَازِ يُتَحَسّسُ الْأَخْبَارَ وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنْ الرّكْبَانِ تَخَوّفًا عَلَى أَمْرِ النّاسِ. حَتّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرّكْبَانِ: أَنّ مُحَمّدًا قَدْ اسْتَنْفَرَ أَصْحَابَهُ لَك وَلِعِيرِك فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ. فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بن عمرو الغفارىّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أَنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا فَيَسْتَنْفِرَهُمْ إلَى أَمْوَالِهِمْ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنّ مُحَمّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ. فَخَرَجَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو سَرِيعًا إلَى مَكّةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٢ ]
[ذِكْرُ رُؤْيَا عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَيَزِيدُ ابْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَا: وَقَدْ رَأَتْ عاتكة بنت عبد المطلب، قَبْلَ قُدُومِ ضَمْضَمٍ مَكّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، رُؤْيَا أفزعتها. فبعثت إلى أخيها العباس ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْت اللّيْلَةَ رُؤْيَا أَفْظَعَتْنِي، وَتَخَوّفْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِك مِنْهَا شَرّ وَمُصِيبَةٌ، فَاكْتُمْ عَنّي مَا أُحَدّثُك بِهِ؛ فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَأَرَى النّاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ: ثم دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلَهُ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمّ صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ: ثُمّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا.
ثُمّ أَخَذَ صَخْرَةً فَأَرْسَلَهَا فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي، حَتّى إذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضّتْ، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكّةَ، وَلَا دَارٌ إلّا دَخَلَتْهَا مِنْهَا فَلِقَةٌ؛ قَالَ الْعَبّاسُ:
وَاَللهِ إنّ هَذِهِ لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد.
[ذيوع الرؤيا وما أحدثت بين أبى جهل والعباس]
ثُمّ خَرَجَ الْعَبّاسُ، فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صِدّيقًا، فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إيّاهَا. فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةَ، فَفَشَا الْحَدِيثُ بِمَكّةَ، حَتّى تَحَدّثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي أنديتها.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٣ ]
قَالَ الْعَبّاسُ: فَغَدَوْت لِأَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٌ يَتَحَدّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إذَا فَرَغْت مِنْ طَوَافِك فَأَقْبِلْ إلَيْنَا، فَلَمّا فَرَغْتُ أَقْبَلْتُ حَتّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِي أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، مَتَى حَدَثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النّبِيّةَ؟ قَالَ:
قُلْت: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تِلْكَ الرّؤْيَا الّتِي رَأَتْ عَاتِكَةُ؛ قَالَ: فَقُلْت: وَمَا رَأَتْ؟
قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنَبّأَ رِجَالُكُمْ حَتّى تَتَنَبّأَ نِسَاؤُكُمْ، قَدْ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنّهُ قَالَ: انْفِرُوا فِي ثَلَاثٍ، فَسَنَتَرَبّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثّلَاثَ، فَإِنْ يَكُ حَقّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تَمْضِ الثّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب. قال العبّاس:
فو الله مَا كَانَ مِنّي إلَيْهِ كَبِيرٌ، إلّا أَنّي جَحَدْتُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ رَأَتْ شَيْئًا: قال. ثم تفرّفنا.
فَلَمّا أَمْسَيْتُ، لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عبد المطلب إلا أتتنى، فقالت:
أفررتم لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمّ قَدْ تَنَاوَلَ النّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، ثُمّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَك غِيَرٌ لِشَيْءِ مِمّا سَمِعْت، قَالَ: قُلْت: قَدْ وَاَللهِ فَعَلْتُ، مَا كَانَ مِنّي إلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ. وَاَيْمُ اللهِ لَأَتَعَرّضَنّ له، فإن عاد لأكفينّكنّه.
قالت: فَغَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ أُرَى أَنّي قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ. قَالَ: فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ أَتَعَرّضُهُ، لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأَقَعَ بِهِ، وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللّسَانِ، حَدِيدَ النّظَرِ. قَالَ: إذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٤ ]
الْمَسْجِدِ يَشْتَدّ. قَالَ: فَقُلْت فِي نَفْسِي: مَا لَهُ لَعَنَهُ اللهُ، أَكُلّ هَذَا فَرَقٌ مِنّي أَنْ أُشَاتِمَهُ! قَالَ: وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ: صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيّ، وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ جَدّعَ بَعِيرَهُ، وَحَوّلَ رَحْلَهُ، وَشَقّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اللّطِيمَةَ اللّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ. قَالَ: فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عنى ما جاء من الأمر.
[قريش تتجهز لِلْخُرُوجِ]
فَتَجَهّزَ النّاسُ سِرَاعًا، وَقَالُوا: أَيَظُنّ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيّ، كَلّا وَاَللهِ لِيَعْلَمُنّ غَيْرَ ذَلِكَ. فَكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إمّا خَارِجٍ وَإِمّا بَاعِثٍ مَكَانَهُ رَجُلًا. وَأَوْعَبَتْ قريش، فلم يتخلّف من أشرافها أحد.
إلا أن أَبَا لَهَبِ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَخَلّفَ، وَبَعَثَ مكانه العاصى بن هشام ابن الْمُغِيرَةِ وَكَانَ قَدْ لَاطَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ، أَفْلَسَ بِهَا، فَاسْتَأْجَرَهُ بها على أن يجزىء عَنْهُ، بَعَثَهُ فَخَرَجَ عَنْهُ، وَتَخَلّفَ أَبُو لَهَبٍ.
[خروج عقبة]
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي نَجِيحٍ: أَنّ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُودَ، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا جَسِيمًا ثَقِيلًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ، بِمَجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا، فِيهَا نَارٌ وَمَجْمَرٌ حَتّى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٥ ]
وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيّ اسْتَجْمِرْ، فَإِنّمَا أَنْتَ مِنْ النّسَاءِ؛ قَالَ:
قَبّحَك اللهُ وَقَبّحَ مَا جِئْتَ بِهِ، قَالَ: ثم تجهز فخرج مع الناس.
[ما وقع بين قريش وكنانة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا فَرَغُوا مِنْ جَهَازِهِمْ، وَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ، ذَكَرُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِنْ الْحَرْبِ، فَقَالُوا: إنّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، وَكَانَتْ الْحَرْبُ الّتِي كَانَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ- كَمَا حَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ- فِي ابْنٍ لِحَفْصِ بْنِ الأخيف، أحد بني معيص بن عامر بن لُؤَيّ، خَرَجَ يَبْتَغِي ضَالّةً لَهُ بِضَجْنَانَ، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثَ فِي رَأْسِهِ ذُؤَابَةٌ، وَعَلَيْهِ حُلّةٌ لَهُ، وَكَانَ غُلَامًا وَضِيئًا نَظِيفًا، فَمَرّ بِعَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُلَوّحِ، أَحَدِ بَنِي يَعْمُرَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَهُوَ بِضَجْنَانَ، وَهُوَ سَيّدُ بنى بكر يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُ فَأَعْجَبَهُ؛ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: أَنَا ابْنٌ لِحَفْصِ ابْنِ الْأَخْيَفِ الْقُرَشِيّ. فَلَمّا وَلّى الْغُلَامُ، قَالَ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ: يَا بَنِي بَكْرٍ، مَا لَكُمْ فِي فريش مِنْ دَمٍ؟ قَالُوا: بَلَى وَاَللهِ، إنّ لَنَا فِيهِمْ لَدِمَاءً؛ قَالَ مَا كَانَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ بِرَجُلِهِ إلّا كَانَ قَدْ اسْتَوْفَى دَمَهُ: قَالَ: فَتَبِعْهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فقتله بدم كَانَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ؛ فَتَكَلّمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ يَزِيدَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ كَانَتْ لَنَا فِيكُمْ دِمَاءٌ، فَمَا شِئْتُمْ. إن شئتم فأدّوا علينا مالنا قبلكم، ونؤدّى مالكم قِبَلَنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَإِنّمَا هِيَ الدّمَاءُ: رَجُلٌ بِرَجُلِ، فَتَجَافَوْا عَمّا لَكُمْ قِبَلَنَا، وَنَتَجَافَى عَمّا لَنَا قِبَلَكُمْ، فَهَانَ ذَلِكَ الْغُلَامُ عَلَى هَذَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٦ ]
الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: صَدَقَ، رَجُلٌ بِرَجُلِ. فَلَهَوْا عَنْهُ، فَلَمْ يُطْلِبُوا بِهِ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا أَخُوهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَف يَسِيرُ بِمَرّ الظّهْرَانِ، إذْ نَظَرَ إلَى عَامِرِ بْنِ يزيد بن عامر الْمُلَوّحِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، فَلَمّا رَآهُ أَقْبَلَ إلَيْهِ حَتّى أَنَاخَ بِهِ، وَعَامِرٌ مُتَوَشّحٌ سَيْفَهُ، فَعَلَاهُ مِكْرَزٌ بِسَيْفِهِ حَتّى قَتَلَهُ، ثُمّ خَاضَ بَطْنَهُ بِسَيْفِهِ، ثُمّ أَتَى بِهِ مَكّةَ، فَعَلّقَهُ مِنْ اللّيْلِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَلَمّا أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ رَأَوْا سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ مُعَلّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَعَرَفُوهُ، فَقَالُوا:
إنّ هَذَا لَسَيْفُ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَدَا عَلَيْهِ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. فبينماهم فِي ذَلِكَ مِنْ حَرْبِهِمْ، حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النّاسِ؛ فَتَشَاغَلُوا بِهِ، حَتّى أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ إلَى بَدْرٍ، فَذَكَرُوا الّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بكر فخافوهم.
[وَقَالَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فِي قَتْلِهِ عَامِرًا:]
لَمّا رَأَيْتُ أَنّهُ هُوَ عَامِرٌ تَذَكّرْتُ أَشْلَاءَ الْحَبِيبِ الْمُلَحّبِ
وَقُلْتُ لِنَفْسِي: إنّهُ هُوَ عَامِرٌ فَلَا تَرْهَبِيهِ، وَانْظُرِي أَيّ مَرْكَبِ
وَأَيْقَنْتُ أَنّي إنْ أُجَلّلَهُ ضَرْبَةً مَتَى مَا أُصِبْهُ بِالْفَرَافِرِ يَعْطَبْ
خَفَضْتُ لَهُ جَأْشِي وَأَلْقَيْتُ كَلْكَلِي عَلَى بَطَلٍ شَاكّي السّلَاحِ مُجَرّبِ
وَلَمْ أَكُ لَمّا الْتَفّ رُوعِي وَرُوعُهُ عُصَارَةَ هُجُنٍ مِنْ نِسَاءٍ وَلَا أَبِ
حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَلَمْ أَنْسَ ذَحْلَهُ إذَا مَا تَنَاسَى ذَحْلَهُ كُلّ عَيْهَبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَرَافِرُ في غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: الرّجُلُ الْأَضْبَطُ، وَفِي هَذَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٧ ]
الْمَوْضِعِ: السّيْفُ. وَالْعَيْهَبُ: الّذِي لَا عَقْلَ لَهُ، ويقال: تيس الظباء وفحل النعام قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَيْهَبُ: الرّجُلُ الضّعِيفُ عَنْ إدْرَاكِ وتره.
[الشيطان وقريش]
وقال ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ لَمّا أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ ذَكَرَتْ الّذِي كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ، فَكَادَ ذَلِكَ يُثْنِيهِمْ، فَتَبَدّى لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَكُمْ جَارٌ مِنْ أَنْ تَأْتِيَكُمْ كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا.
[خروجه ﷺ]
قال ابن إسحاق: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَصْحَابِهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَرَجَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ- وَاسْتَعْمَلَ عَمْرُو بْنُ أُمّ مَكْتُومٍ- وَيُقَالُ اسْمُهُ: عَبْدُ الله ابن أُمّ مَكْتُومٍ أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، عَلَى الصّلَاةِ بِالنّاسِ، ثُمّ رَدّ أَبَا لُبَابَةَ من الرّوحاء، واستعمله على المدينة.
[اللواء والرايتان]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَفَعَ اللّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عَبْدِ الدّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أَبْيَضَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَمَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رايتان سوداوان، إحداهما مع عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ، والأخرى مع بعض الأنصار.
[إبل المسلمين إلى بدر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ إبِلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَعِيرًا، فَاعْتَقَبُوهَا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وعلىّ ابن أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ يعتقبون بعيرا، وكان حمزة ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ، وَأَنَسَةُ، مَوْلَيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ- يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وعبد الرحمن ابن عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَجَعَلَ عَلَى السّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخَا بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ. وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هشام.
[الطريق إلَى بَدْرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ طَرِيقَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكّةَ، عَلَى نَقْبِ الْمَدِينَةِ، ثُمّ عَلَى الْعَقِيقِ، ثُمّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمّ عَلَى أُولَاتِ الْجَيْشِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذات الجيش.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَرّ عَلَى تُرْبَانَ ثم على ملل، ثم على غميس الحمام
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٨٩ ]
مِنْ مَرَيَيْنِ، ثُمّ عَلَى صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمّ عَلَى السّيّالَةِ، ثُمّ عَلَى فَجّ الرّوْحَاءِ، ثُمّ عَلَى شَنُوكَةَ، وَهِيَ الطّرِيقُ الْمُعْتَدِلَةُ، حَتّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الظّبْيَةُ: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ- لَقُوا رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ النّاسِ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا، فَقَالَ لَهُ النّاسُ: سَلّمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قال: أفيكم رَسُولُ اللهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَسَلّمَ عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ:
إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللهِ فَأَخْبِرْنِي عَمّا فِي بَطْنِ نَاقَتِي هَذِهِ قَالَ لَهُ سَلَمَةُ بن سلامة ابن وَقَشٍ: لَا تَسْأَلْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَقْبِلْ عَلَيّ فَأَنَا أُخْبِرُك عَنْ ذَلِكَ. نَزَوْتَ عَلَيْهَا، فَفِي بَطْنِهَا مِنْك سَخْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، مَهْ، أَفْحَشْت عَلَى الرّجُلِ، ثُمّ أَعَرَضَ عَنْ سلمة.
وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سجسج، وهى بئر الرّوحاء، ثم ارتحل منها، حتى إذا كَانَ بِالْمُنْصَرَفِ، تَرَكَ طَرِيقَ مَكّةَ بِيَسَارٍ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى النّازِيَةِ، يُرِيدُ بَدْرًا، فَسَلَكَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، حَتّى جَزَعَ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ رُحْقَانُ، بَيْنَ النّازِيَةِ وَبَيْنَ مَضِيقِ الصّفْرَاءِ، ثُمّ عَلَى الْمَضِيقِ، ثُمّ انْصَبّ مِنْهُ، حَتّى إذا كان قريبا من الصفراء، بعث بسبسس بن عمرو الْجُهَنِيّ، حَلِيفَ بَنِي سَاعِدَةَ، وَعَدِيّ بْنَ أَبِي الزّغْبَاءِ الْجُهَنِيّ، حَلِيفَ بَنِي النّجّارِ، إلَى بَدْرٍ يَتَحَسّسَانِ لَهُ الْأَخْبَارَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ.
ثُمّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَدْ قَدِمَهَا. فَلَمّا اسْتَقْبَلَ الصّفْرَاءَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، سَأَلَ عَنْ جَبَلَيْهِمَا مَا اسْمَاهُمَا؟ فَقَالُوا: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا، هَذَا مُسْلِحٌ، وَلِلْآخَرِ: هَذَا مُخْرِئٌ وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِهِمَا، فَقِيلَ: بَنُو النّارِ وَبَنُو
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٠ ]
حُرَاقٍ، بَطْنَانِ مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَكَرِهَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُرُورُ بَيْنَهُمَا، وَتَفَاءَلَ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَسْمَاءِ أَهْلِهِمَا. فَتَرَكَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالصّفْرَاءَ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ: ذَفِرَانَ، فجزع فيه، ثم نزل.
[قول أبى بكر وعمر والمقداد فى الجهاد]
وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ. ثُمّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، امْضِ لِمَا أَرَاك اللهُ فَنَحْنُ مَعَك، وَاَللهِ لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا معكما مقاتلون، فو الذى بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَك مِنْ دُونِهِ، حَتّى تَبْلُغَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خيرا، ودعا له به.
[الرسول ﷺ يستشير الأنصار]
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَشِيرُوا عَلَيّ أَيّهَا النّاس. وَإِنّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ عَدَدُ النّاسِ، وَأَنّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ: إنّا بُرَاءٌ مِنْ ذِمَامِك حَتّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا، فَأَنْتَ فِي ذِمّتِنَا نَمْنَعُك مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩١ ]
ﷺ يَتَخَوّفُ أَلّا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلّا مِمّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوّ مِنْ بِلَادِهِمْ.
فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاَللهِ لَكَأَنّك تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ أَجَلْ، قال: لقد آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك، وَشَهِدْنَا أَنّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقّ، وَأَعْطَيْنَاك عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ الله لما أردت فنحن معك، فو الذى بَعَثَك بِالْحَقّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَك، مَا تَخَلّفَ مِنّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوّنَا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ. لَعَلّ اللهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ. فَسُرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشّطَهُ ذَلِكَ؛ ثُمّ قَالَ: سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنّ اللهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ، وَاَللهِ لَكَأَنّي الْآنَ أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ القوم.
[تفرق أَخْبَارَ قُرَيْشٍ]
ثُمّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَفِرَانَ، فَسَلَكَ عَلَى ثنايا.
يقال لها الْأَصَافِرُ؛ ثُمّ انْحَطّ مِنْهَا إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ: الدّبّةُ، وَتَرَكَ الْحَنّانَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ كَثِيبٌ عَظِيمٌ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، ثُمّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرّجُلُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٢ ]
قال ابن إسحاق كَمَا حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْن حِبّانَ: حَتّى وَقَفَ عَلَى شَيْخٍ مِنْ الْعَرَبِ، فَسَأَلَهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتّى تُخْبِرَانِي مِمّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إذَا أَخْبَرْتنَا أَخْبَرْنَاك، قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الشّيْخُ فَإِنّهُ بَلَغَنِي أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الّذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الّذِي بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَبَلَغَنِي أَنّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمَكَانِ الّذِي فِيهِ قُرَيْشٌ. فَلَمّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَالَ: مِمّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَحْنُ مِنْ مَاءٍ، ثُمّ انْصَرَفَ عَنْهُ. قَالَ يَقُولُ الشّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ، أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ؟
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: ذَلِكَ الشّيْخُ سُفْيَانُ الضّمَرِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمّا أَمْسَى بَعَثَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَى مَاءِ بَدْرٍ، يَلْتَمِسُونَ الخبر له عليه- كما حدثنى يزيد ابن رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ- فَأَصَابُوا رَاوِيَةً لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَسْلَمَ غُلَامُ بَنِي الْحَجّاجِ، وَعَرِيضٌ أَبُو يَسَارٍ، غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَتَوْا بِهِمَا فَسَأَلُوهُمَا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلّي، فَقَالَا: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ، بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنْ الْمَاءِ. فَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمَا، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَا لِأَبِي سُفْيَانَ، فَضَرَبُوهُمَا. فلما أذنقوهما قَالَا: نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَكُوهُمَا. وَرَكَعَ رَسُولُ الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٣ ]
ﷺ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْهِ، ثُمّ سَلّمَ، وَقَالَ إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا وَاَللهِ إنّهُمَا لِقُرَيْشِ، أَخْبِرَانِي عَنْ قُرَيْشٍ؟
قَالَا: هُمْ وَاَللهِ وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ الّذِي تَرَى بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى- وَالْكَثِيبُ:
الْعَقَنْقَلُ- فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَمْ الْقَوْمُ؟ قَالَا: كَثِيرٌ، قَالَ: مَا عِدّتُهُمْ؟ قَالَا: لَا نَدْرِي، قَالَ كم ينحرون كلّ يوم؟ قال: يَوْمًا تِسْعًا، وَيَوْمًا عَشْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْقَوْمُ فِيمَا بَيْنَ التسعمائة وَالْأَلْفِ. ثُمّ قَالَ لَهُمَا: فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أشراف قريش؟ قالا: عتبة ابن رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالنّضْرُ بْنِ الْحَارِثِ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهُ، وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ، وَسُهَيْلُ بن عمرو، وعمرو بن عبدودّ.
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النّاسِ، فَقَالَ هَذِهِ مَكّةُ قَدْ أَلْقَتْ إليكم أفلاذ كبدها.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ قَدْ مَضَيَا حَتّى نَزَلَا بَدْرًا، فَأَنَاخَا إلَى تَلّ قَرِيبٍ مِنْ الْمَاءِ، ثُمّ أَخَذَا شَنّا لَهُمَا يَسْتَقِيَانِ فِيهِ، ومَجْدِيّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيّ عَلَى الْمَاءِ. فَسَمِعَ عَدِيّ وَبَسْبَسُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ جِوَارِي الْحَاضِرِ وَهُمَا يَتَلَازَمَانِ عَلَى الْمَاءِ، وَالْمَلْزُومَةُ تَقُولُ لِصَاحِبَتِهَا: إنّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَأَعْمَلُ لهم، ثم أفضيك الّذِي لَك.
قَالَ مَجْدِيّ: صَدَقْتِ ثُمّ خَلّصَ بَيْنَهُمَا. وَسَمِعَ ذَلِكَ عَدِيّ وَبَسْبَسُ، فَجَلَسَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٤ ]
عَلَى بَعِيرَيْهِمَا، ثُمّ انْطَلَقَا حَتّى أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ. فَأَخْبَرَاهُ بِمَا سمعا.
[نجاة أبى سفيان بِالْعِيرِ]
وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، حَتّى تَقَدّمَ الْعِيرَ حَذَرًا، حَتّى وَرَدَ الْمَاءَ، فَقَالَ لِمَجْدِيّ بْنِ عَمْرٍو: هَلْ أَحْسَسْت أَحَدًا، فَقَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَنْكَرَهُ، إلّا أَنّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ قَدْ أَنَاخَا إلَى هَذَا التّلّ، ثُمّ اسْتَقَيَا فِي شَنّ لَهُمَا، ثُمّ انْطَلَقَا. فأتى أبو سفيان مناخها، فَأَخَذَ مِنْ أَبْعَارِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتّهُ، فَإِذَا فِيهِ النّوَى، فَقَالَ: هَذِهِ وَاَللهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا، فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ عَنْ الطّرِيقِ فَسَاحَلَ بِهَا، وَتَرَكَ بَدْرًا بِيَسَارِ، وَانْطَلَقَ حتى أسرع.
[رؤيا جهيم بن الصلت]
وأقبلت قُرَيْشٌ، فَلَمّا نَزَلُوا الْجُحْفَةَ، رَأَى جُهَيْمُ بْنُ الصلت ابن مخرمة ابن الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا، فَقَالَ: إنّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النّائِمُ، وَإِنّي لَبَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقِظَانِ. إذْ نَظَرْت إلَى رَجُلٍ قَدْ أَقْبَلَ على قرس حَتّى وَقَفَ، وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ؛ ثُمّ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَعَدّدَ رِجَالًا مِمّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، ثُمّ رَأَيْتُهُ ضَرَبَ فِي لَبّةِ بَعِيرِهِ، ثُمّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ نَضْحٌ مِنْ دَمِهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٥ ]
قَالَ: فَبَلّغْت أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ: وَهَذَا أَيْضًا نَبِيّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا من المقتول إن نحن التقينا.
[كان أبو سفيان لا يريد حربا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ، أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ: إنّكُمْ إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، فَقَدْ نَجّاهَا اللهُ، فَارْجِعُوا، فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا- وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلّ عَامٍ- فَنُقِيمُ عليه ثلاثا، فننحر الجزر ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بعدها، فامضوا.
[رجوع بنى زُهْرَةَ]
وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ الثّقَفِيّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ: يَا بَنِي زُهْرَةَ، قَدْ نَجّى اللهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَخَلّصَ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَإِنّمَا نَفَرْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا لِي جُبْنَهَا وَارْجِعُوا، فَإِنّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ بِأَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ ضَيْعَةٍ، لَا مَا يَقُولُ هَذَا، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ: فَرَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيّ وَاحِدٌ، أَطَاعُوهُ وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا.
وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلّا وَقَدْ نَفَرَ مِنْهُمْ نَاسٌ، إلّا بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَرَجَعَتْ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ أَحَدٌ، وَمَشَى الْقَوْمُ. وَكَانَ بَيْنَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٦ ]
طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- وَكَانَ فِي الْقَوْمِ- وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ، فَقَالُوا:
وَاَللهِ لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا، أَنّ هَوَاكُمْ لَمَعَ. مُحَمّدٍ فَرَجَعَ طَالِبٌ إلَى مكة مع من رجع. وقال طالب بن أبى طالب:
لاهمّ إمّا يَغْزُوَنّ طَالِبْ فِي عُصْبَةٍ مُحَالِفٌ مُحَارِبْ
فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبِ فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السّالِبِ
وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ
قَالَ ابن هشام: قوله فليكن المسلوب، وقوله: ولكن الْمَغْلُوبُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الرّوَاةِ لِلشّعْرِ.
[منزل المسلمين ومنزل قريش]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَضَتْ قُرَيْشٌ حَتّى نَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنْ الْوَادِي، خَلْفَ الْعَقَنْقَلِ وَبَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ يَلَيْلُ، بَيْنَ بَدْرٍ وَبَيْنَ الْعَقَنْقَلِ، الكثيب الذى خلفه قُرَيْشٌ، وَالْقُلُبُ بِبَدْرِ فِي الْعُدْوَةِ الدّنْيَا مِنْ بَطْنِ يَلَيْلَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَبَعَثَ اللهُ السّمَاءَ، وَكَانَ الْوَدْيُ دَهْسًا، فَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنْهَا مَا لَبّدَ لَهُمْ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ عَنْ السّيْرِ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مِنْهَا مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يبادرهم إلى الماء، حَتّى إذَا جَاءَ أَدُنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نزل به.
[مشورة الحباب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدّثْت عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، أَنّهُمْ ذَكَرُوا: أَنّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٧ ]
الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ، وَلَا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنّاسِ حَتّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فننزله، ثم نعوّر مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرّأْيِ. فَنَهَضَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- وَمِنْ مَعَهُ مِنْ النّاسِ، فَسَارَ حَتّى إذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمّ أَمَرَ بالقلب فعورت، وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فملىء مَاءً، ثُمّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ.
[بِنَاءُ الْعَرِيشِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ، أَلَا نَبْنِي لَك عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، وَنُعِدّ عِنْدَك رَكَائِبَك، ثُمّ نَلْقَى عَدُوّنَا، فَإِنْ أَعَزّنَا اللهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى، جَلَسْت عَلَى رَكَائِبِك، فَلَحِقْت بِمَنْ وَرَاءَنَا، فَقَدْ تَخَلّفَ عَنْك أَقْوَامٌ، يَا نَبِيّ اللهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدّ لَك حُبّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنّوا أَنّك تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلّفُوا عَنْك، يَمْنَعُك اللهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَك: فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ. ثُمّ بُنِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عريش، فكان فيه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٨ ]
[ارْتِحَالُ قُرَيْشٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ ارْتَحَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أَصْبَحَتْ، فَأَقْبَلَتْ، فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَصَوّبَ مِنْ العقنقل- وهو الكثيب الذى جاؤا مِنْهُ إلَى الْوَادِي- قَالَ: اللهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادّك وَتُكَذّبُ رَسُولَك، اللهُمّ فَنَصْرَك الّذِي وَعَدْتنِي، اللهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاةَ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- (وَقَدْ) رَأَى عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ- إنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا.
وَقَدْ كَانَ خُفَافُ بْنُ أَيْمَاءَ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيّ، أَوْ أَبُوهُ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيّ، بَعَثَ إلَى قُرَيْشٍ، حِينَ مَرّوا بِهِ، ابْنَا لَهُ بِجَزَائِرِهِ أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَقَالَ:
إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نُمِدّكُمْ بِسِلَاحِ وَرِجَالٍ فَعَلْنَا. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ: أَنْ وَصَلَتْك رَحِمٌ، قَدْ قَضَيْت الّذِي عَلَيْك، فَلَعَمْرِي لَئِنْ كُنّا إنّمَا نُقَاتِلُ النّاسَ فَمَا بِنَا مِنْ ضَعْفٍ عَنْهُمْ، وَلَئِنْ كُنّا إنّمَا نُقَاتِلُ اللهَ، كَمَا يَزْعُمُ مُحَمّدٌ، فَمَا لأحد بالله من طاقة.
فلما نَزَلَ النّاسُ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتّى وَرَدُوا حَوْضَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: دَعُوهُمْ.
فَمَا شَرِبَ مِنْهُ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ إلّا قُتِلَ، إلّا مَا كَانَ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَإِنّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٩٩ ]
لَمْ يُقْتَلْ، ثُمّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَكَانَ إذَا اجْتَهَدَ فِي يَمِينِهِ، قَالَ: لا والذى نجّانى من يوم بدر.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يَسَارٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: لَمّا اطْمَأَنّ الْقَوْمُ، بَعَثُوا عمير بن وهب الجمحىّ فقالوا: احزر، لَنَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ، قَالَ: فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ العسكر ثم رجع إليهم، فقال ثلاث مائة رَجُلٍ، يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، وَلَكِنْ أَمْهِلُونِي حَتّى أَنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ؟ قَالَ: فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتّى أَبْعَدَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَكِنّي قَدْ رَأَيْتُ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ، قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ، وَاَللهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَرُوا رَأْيَكُمْ.
فَلَمّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى فِي النّاسِ، فَأَتَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، إنّك كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا، وَالْمُطَاعُ فِيهَا، هَلْ لَك إلَى أَنْ لَا تَزَالَ تُذْكَرُ فِيهَا بِخَيْرِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا حَكِيمُ؟ قَالَ: تَرْجِعُ بِالنّاسِ، وَتَحْمِلُ أَمْرَ حَلِيفِك عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيّ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، أَنْتَ عَلَيّ بِذَلِكَ، إنّمَا هُوَ حَلِيفِي، فَعَلَيّ عَقْلُهُ وَمَا أصيب من ماله، فأت ابن الحنظيّة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٠ ]
[نسب الحنظلية]
قال ابن هشام: وَالْحَنْظَلِيّةُ أُمّ أَبِي جَهْلٍ، وَهِيَ أَسَمَاءُ بِنْتُ مُخَرّبَةَ، أَحَدُ بَنِي نَهْشِلْ بْنِ دَارِمِ بْنِ مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ- فَإِنّي لَا أَخْشَى أَنْ يَشْجُرَ أَمْرَ النّاسِ غَيْرُهُ، يَعْنِي أَبَا جَهْلِ بن هشام. ثم قام عتبة ابن رَبِيعَةَ خَطِيبًا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ وَاَللهِ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تَلَقّوْا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ شَيْئًا، وَاَللهِ لَئِنْ أَصَبْتُمُوهُ لَا يَزَالُ الرّجُلُ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ يَكْرَهُ النّظَرَ إلَيْهِ، قَتَلَ ابْنَ عَمّهِ أَوْ ابْنَ خَالِهِ، أَوْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهِ، فَارْجِعُوا وَخَلّوا بَيْنَ مُحَمّدٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ أَصَابُوهُ فَذَاكَ الّذِي أَرَدْتُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَلْفَاكُمْ وَلَمْ تَعَرّضُوا مِنْهُ مَا تُرِيدُونَ.
قَالَ حَكِيمٌ: فَانْطَلَقْتُ حتى جئت أبا جهل، فَوَجَدْته قَدْ نَثَلَ دِرْعًا لَهُ مِنْ جِرَابِهَا، فَهُوَ يُهَنّئُهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُهَيّئُهَا- فَقُلْتُ له: يا أبا الحكم إنّ عُتْبَةَ أَرْسَلَنِي إلَيْك بِكَذَا وَكَذَا، لِلّذِي قَالَ، فَقَالَ: انْتَفَخَ وَاَللهِ سَحْرُهُ حِينَ رَأَى مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ، كَلّا وَاَللهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ، وَلَكِنّهُ قَدْ رَأَى أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ أَكَلَةُ جَزُورٍ، وَفِيهِمْ ابْنُهُ، فَقَدْ تَخَوّفَكُمْ عَلَيْهِ. ثُمّ بَعَثَ إلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيّ، فَقَالَ: هَذَا حَلِيفُك يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنّاسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَك بِعَيْنِك، فَقُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ، وَمَقْتَلَ أَخِيك.
فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَاكْتَشَفَ ثُمّ صَرَخَ: وَاعَمْرَاه، وَاعَمْرَاه،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠١ ]
فَحَمِيَتْ الْحَرْبُ وَحَقِبَ النّاسُ، وَاسْتَوْسَقُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشّرّ، وَأُفْسِدَ عَلَى النّاسِ الرأى الذى دعاهم إليه عتبة.
فلما بلغ عُتْبَةَ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ «انْتَفَخَ وَاَللهِ سَحْرُهُ»، قَالَ: سَيَعْلَمُ مُصَفّرُ اسْتِهِ مَنْ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، أَنَا أَمْ هُوَ؟.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السّحْرُ: الرّئَةُ وَمَا حَوْلَهَا مِمّا يَعْلَقُ بِالْحُلْقُومِ مِنْ فَوْقِ السّرّةِ. وَمَا كَانَ تَحْتَ السّرّةِ، فَهُوَ الْقُصْبُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: رَأَيْت عَمْرَو بْنَ لُحَيّ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ.
ثُمّ الْتَمَسَ عُتْبَةُ بَيْضَةً لِيُدْخِلَهَا فِي رَأْسِهِ، فَمَا وَجَدَ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةً تَسَعُهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ، فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ اعْتَجَرَ عَلَى رَأْسِهِ بِبُرْدٍ لَهُ.
[مَقْتَلُ الْأَسْوَدِ الْمَخْزُومِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ خَرَجَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ، وَكَانَ رَجُلًا شَرِسًا سَيّئَ الْخُلُقِ، فَقَالَ: أُعَاهِدُ اللهَ لأشربن من حوضهم، أو لأهد منّه، أَوْ لَأَمُوتَنّ دُونَهُ، فَلَمّا خَرَجَ خَرَجَ إلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَلَمّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَأَطَنّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، وَهُوَ دُونَ الْحَوْضِ، فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخَبُ رِجْلُهُ دَمًا نَحْوَ أَصْحَابِهِ، ثُمّ حَبَا إلَى الْحَوْضِ حَتّى اقتحم فيه، يريد (زَعَمَ) - أَنْ يُبِرّ يَمِينَهُ، وَأَتْبَعَهُ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ حَتّى قَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٢ ]
[دُعَاءُ عُتْبَةَ إلَى الْمُبَارَزَةِ]
قَالَ: ثُمّ خَرَجَ بَعْدَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ بن ربيعة وابنه الوليد ابن عُتْبَةَ، حَتّى إذَا فَصَلَ مِنْ الصّفّ دَعَا إلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فِتْيَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ثَلَاثَةٌ، وَهُمْ: عَوْفٌ، وَمُعَوّذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ- وَأُمّهُمَا عَفْرَاءُ- وَرَجُلٌ آخَرُ يُقَالُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ، ثُمّ نَادَى مُنَادِيهِمْ يَا مُحَمّدُ، أَخْرِجْ إلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ وَقُمْ يَا على، فلما قاموا دنوا مِنْهُمْ، قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالَ عُبَيْدَةُ:
عُبَيْدَةُ، وَقَالَ حَمْزَةُ: حَمْزَةُ، وَقَالَ عَلِيّ: عَلِيّ، قَالُوا: نَعَمْ، أَكْفَاءٌ كِرَامٌ.
فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ، وَكَانَ أَسَنّ الْقَوْمِ، عُتْبَةَ (بْنَ) رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ ابن رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ عَلِيّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. فَأَمّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ؛ وَأَمّا عَلِيّ فَلَمْ يُمْهِلْ الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ؛ وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ، كِلَاهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ؛ وَكَرّ حَمْزَةُ وَعَلِيّ بِأَسْيَافِهِمَا عَلَى عُتْبَةَ فَذَفّفَا عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلَا صَاحِبَهُمَا فَحَازَاهُ إلَى أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قَتَادَةَ: أَنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ لِلْفِتْيَةِ من الْأَنْصَارُ، حِينَ انْتَسَبُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، إنّمَا نُرِيدُ قومنا.
[الْتِقَاءُ الْفَرِيقَيْنِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ تَزَاحَفَ النّاسُ وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ أَمَرَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٣ ]
رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَحْمِلُوا حَتّى يَأْمُرَهُمْ، وَقَالَ: إنْ اكْتَنَفَكُمْ الْقَوْمُ فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنّبْلِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، مَعَهُ أبو بكر الصدّيق.
فَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَمَا حَدّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
[ابْنُ غَزِيّةَ وَضَرْبُ الرّسُولِ لَهُ فِي بَطْنِهِ بِالْقَدَحِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حِبّانُ بْنُ وَاسِعِ بْنِ حِبّانَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ: أن رسول الله ﷺ عَدّلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قِدْحٌ يُعَدّلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَمَرّ بِسَوَادِ بْنِ غزية، حليف بنى عدىّ ابن النّجّارِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ، سَوّادٌ؛ مُثَقّلَةٌ، وَسَوَادٌ فِي الْأَنْصَارِ غَيْرُ هَذَا، مُخَفّفٌ- وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ مِنْ الصّفّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُسْتَنْصِلٌ مِنْ الصّفّ- فَطُعِنَ فِي بَطْنِهِ بِالْقِدْحِ، وقال: استو ياسوّاد، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعْتنِي وَقَدْ بَعَثَك اللهُ بِالْحَقّ وَالْعَدْلِ، قَالَ: فَأَقِدْنِي. فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: اسْتَقِدْ، قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ فَقَبّلَ بَطْنَهُ: فَقَالَ:
مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا يَا سَوّادُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهَ، حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِك أَنْ يَمَسّ جِلْدِي جِلْدَك. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بخير وقال له.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٤ ]
[مُنَاشَدَةُ الرّسُولِ رَبّهُ النّصْرَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ عَدّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصفوف، ورجع إلى العريش فَدَخَلَهُ، وَمَعَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَرَسُولُ اللهِﷺ يُنَاشِدُ رَبّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ النّصْرِ، وَيَقُولُ فِيمَا يَقُولُ: اللهُمّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدْ، وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يَا نَبِيّ اللهِ: بَعْضَ مُنَاشَدَتُك رَبّك، فَإِنّ اللهَ مُنَجّزٌ لَك مَا وَعَدَك. وَقَدْ خَفَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خففة وَهُوَ فِي الْعَرِيشِ، ثُمّ انْتَبَهَ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاك نَصْرُ اللهِ. هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسٍ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النّقع.
[أول قتيل]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ رُمِيَ مِهْجَعٌ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّاب بِسَهْمِ فَقُتِلَ، فَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سراقة، أحد بنى عدىّ ابن النّجّارِ، وَهُوَ يَشْرَبُ مِنْ الْحَوْضِ، بِسَهْمِ فَأَصَابَ نحره، فقتل.
[تَحْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ]
قَالَ: ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى النّاسِ فَحَرّضَهُمْ، وَقَالَ:
وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُقَاتِلُهُمْ الْيَوْمَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، إلّا أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنّةَ. فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، وفى يده ثمرات يَأْكُلُهُنّ: بَخْ بَخْ، أَفَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنّةَ إلّا أَنْ يَقْتُلَنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٥ ]
هَؤُلَاءِ؟ ثُمّ قَذَفَ التّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أَن عَوْفَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُضْحِكُ الرّبّ مِنْ عَبْدِهِ، قَالَ: غَمْسُهُ يَدَهُ فِي الْعَدُوّ حَاسِرًا. فَنَزَعَ دِرْعًا كَانَتْ عَلَيْهِ فَقَذَفَهَا، ثُمّ أخذ سيفه فقاتل حتى قتل.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهرىّ، عن عبد الله ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيّ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، أَنّهُ حَدّثَهُ: أَنّهُ لَمّا الْتَقَى النّاسُ وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: اللهُمّ أَقْطَعَنَا لِلرّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا يُعْرَفُ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ. فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَفْتِحَ.
[رَمْيُ الرّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْحَصْبَاءِ فَاسْتَقْبَلَ قُرَيْشًا بِهَا، ثُمّ قَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ، ثُمّ نَفَحَهُمْ بِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: شِدّوا، فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ، فَقَتَلَ اللهُ تَعَالَى مَنْ قُتِلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. فَلَمّا وَضَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ يَأْسِرُونَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، الّذِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، متوشّحا السّيْفِ، فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرّةَ الْعَدُوّ، وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- فِي وَجْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٦ ]
سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النّاسَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَاَللهِ لَكَأَنّك يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ الْقَوْمَ، قَالَ: أَجَلْ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللهُ بِأَهْلِ الشّرْكِ. فَكَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ بِأَهْلِ الشّرْكِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرّجَالِ.
[نَهْيُ النّبِيّ أَصْحَابَهُ عَنْ قَتْلِ نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: إنّي قَدْ عَرَفْت أَنّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أَخْرَجُوا كُرْهًا، لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامِ ابن الْحَارِثِ ابْنِ أَسَدٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنّهُ إنّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا. قَالَ:
فَقَالَ: أَبُو حُذَيْفَةَ: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَتَنَا وَعَشِيرَتَنَا. وَنَتْرُكُ الْعَبّاسَ، وَاَللهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْحِمَنّهُ السّيْفَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ:
لَأُلْجِمَنّهُ (السّيْفَ) - قَالَ: فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لِعُمَرِ ابن الْخَطّابِ: يَا أَبَا حَفْصٍ- قَالَ عُمَرُ: وَاَللهِ إنّهُ لَأَوّلُ يَوْمٍ كَنّانِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَبِي حَفْصٍ- أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دعنى فلأضرب عنقه بالسيف، فو الله لَقَدْ نَافَقَ. فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ: مَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٧ ]
الّتِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا، إلّا أَنْ تُكَفّرَهَا عَنّي الشّهَادَةُ.
فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيّ لِأَنّهُ كَانَ أَكَفّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكّةَ، وَكَانَ لَا يُؤْذِيهِ، وَلَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَكَانَ مِمّنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصّحِيفَةِ الّتِي كَتَبَتْ قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ. فَلَقِيَهُ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ الْمُجَذّرُ لِأَبِي الْبَخْتَرِيّ: إنّ رسول اللهﷺ- قد نَهَانَا عَنْ قَتْلِك- وَمَعَ أَبِي الْبَخْتَرِيّ زَمِيلٌ لَهُ قَدْ خَرَجَ مَعَهُ مِنْ مَكّةَ، وَهُوَ جُنَادَةُ بْنُ مُلَيْحَةَ بِنْتِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بن أسد؛ وَجُنَادَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ. وَاسْمُ أَبِي الْبَخْتَرِيّ: الْعَاصِ- قَالَ: وَزَمِيلِي؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجَذّرُ: لَا وَاَللهِ، مَا نَحْنُ بِتَارِكِي زَمِيلِك، مَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلّا بِك وَحْدَك؛ فَقَالَ: لَا وَاَللهِ، إذَنْ لَأَمُوتَن أَنَا وَهُوَ جَمِيعًا، لَا تَتَحَدّثُ عَنّي نِسَاءُ مَكّةَ أَنّي تَرَكْت زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ. فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ حِينَ نَازَلَهُ الْمُجَذّرُ، وَأَبَى إلّا الْقِتَالَ، يَرْتَجِزُ:
لَنْ يُسْلِمَ ابْنُ حُرّةَ زَمِيلَهُ حَتّى يَمُوتَ أَوْ يَرَى سَبِيلَهُ
فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَهُ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ. وَقَالَ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ فِي قَتْلِهِ أَبَا الْبَخْتَرِيّ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٨ ]
إمّا جَهِلْتَ أَوْ نَسِيتَ نَسَبِي فَأَثْبِتْ النّسْبَةَ أَنّي مَنْ بَلِيَ
الطّاعِنِينَ بِرِمَاحِ الْيَزْنِيّ وَالضّارِبِينَ الْكَبْشَ حَتّى يَنْحَنِيَ
بَشّرْ بِيُتْمِ مَنْ أَبُوهُ الْبَخْتَرِيّ أَوْ بَشّرْنَ بِمِثْلِهَا مِنّي بَنِي
أَنَا الّذِي يُقَالُ أَصْلِي مَنْ بَلِيَ أَطْعَنُ بِالصّعْدَةِ حَتّى تَنْثَنِيَ
وَأَعْبِطْ الْقِرْنَ بِعَضْبِ مَشْرَفِيّ أُرْزِمُ لِلْمَوْتِ كَإِرْزَامِ الْمَرِيّ
فَلَا تَرَى مُجَذّرًا يَفْرِي فَرِيّ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «الْمَرِيّ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. وَالْمَرِيّ: النّاقَةُ الّتِي يُسْتَنْزَلُ لَبَنُهَا عَلَى عُسْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ الْمُجَذّرَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ:
وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَقَدْ جَهَدْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْسِرَ فَآتِيك بِهِ، (فَأَبَى) إلّا أن يقاتلنى، فقاتلته فقتلته.
قال ابن هشام: أبو البختري: العاص بن هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ.
[مَقْتَلُ أُمَيّةَ بن خلف]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِيهِ أَيْضًا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وغيرهما، عن عبد الرحمن ابن عَوْفٍ قَالَ: كَانَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ لِي صَدِيقًا بِمَكّةَ، وَكَانَ اسْمِي عَبْدَ عَمْرٍو، فَتَسَمّيْت، حِينَ أَسْلَمْتُ، عَبْدَ الرّحْمَنِ، وَنَحْنُ بِمَكّةَ، فَكَانَ يَلْقَانِي إذْ نَحْنُ بِمَكّةَ فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، أَرَغِبْتَ عَنْ اسْمٍ سَمّاكَهُ أَبَوَاك؟ فَأَقُولُ: نعم،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٠٩ ]
فَيَقُولُ: فَإِنّي لَا أَعْرِفُ الرّحْمَنَ، فَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَك شَيْئًا أَدْعُوك بِهِ، أَمّا أَنْتَ فَلَا تجيا بنى بِاسْمِك الْأَوّلِ، وَأَمّا أَنَا فَلَا أَدْعُوك بِمَا لا أعرف، قال: فكان إذا دعائى: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، لَمْ أُجِبْهُ. قَالَ: فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا عَلِيّ، اجْعَلْ مَا شِئْت، قَالَ: فَأَنْتَ عَبْدُ الْإِلَهِ؛ قَالَ: فَقُلْت: نَعَمْ، قَالَ: فَكُنْت إذَا مَرَرْتُ بِهِ قَالَ:
يَا عَبْدَ الْإِلَهِ فَأُجِيبُهُ، فَأَتَحَدّثُ مَعَهُ. حَتّى إذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ ابْنِهِ، عَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ، آخُذُ بِيَدِهِ، وَمَعِي أَدْرَاعٌ، قَدْ اسْتَلَبْتُهَا، فَأَنَا أَحْمِلُهَا. فَلَمّا رَآنِي قَالَ لِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمْ أُجِبْهُ؛ فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ؟ فَقُلْت:
نَعَمْ، قَالَ: هَلْ لَك فِيّ، فَأَنَا خَيْرٌ لَك مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ الّتِي مَعَك؟ قَالَ: قُلْت:
نَعَمْ، هَا اللهِ ذَا، قَالَ: فَطَرَحْتُ الْأَدْرَاعَ مِنْ يَدِي، وَأَخَذْت بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ، أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللّبَنِ؟ (قَالَ):
ثُمّ خَرَجْت أَمْشِي بِهِمَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرِيدُ بِاللّبَنِ، أَنّ مَنْ أَسَرَنِي افْتَدَيْتُ مِنْهُ بِإِبِلِ كَثِيرَةِ اللّبَنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ لِي أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ، مَنْ الرّجُلُ مِنْكُمْ الْمُعْلَمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟
قَالَ: قُلْت: ذَاكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؛ قَالَ: ذَاكَ الّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ؛ قَالَ عبد الرحمن: فو الله إنّي لَأَقُودُهُمَا إذْ رَآهُ بِلَالٌ مِعَى- وَكَانَ هُوَ الّذِي يُعَذّبُ بِلَالًا بِمَكّةَ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ، فَيُخْرِجُهُ إلَى رَمْضَاءَ مَكّةَ إذَا حَمَيْت، فيضجعه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١١٠ ]
عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمّ يَأْمُرُ بِالصّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمّ يَقُولُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا أَوْ تُفَارِقَ دِينَ مُحَمّدٍ، فَيَقُولُ بِلَالٌ: أَحَدٌ أَحَدٌ. قَالَ: فَلَمّا رَآهُ، قَالَ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا. قَالَ: قُلْت: أَيْ بِلَالٌ، أَبِأَسِيرَيّ قَالَ: لَا نجوت إن نجا. قال: قلت: أتسمع يابن السّوْدَاءِ، قَالَ:
لَا نَجَوْت إنْ نَجَا. قَالَ: ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَنْصَارَ اللهِ، رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا. قَالَ: فَأَحَاطُوا بِنَا حَتّى جَعَلُونَا فِي مِثْلِ الْمُسْكَةِ وَأَنَا أَذُبّ عَنْهُ. قَالَ: فَأَخْلَفَ رَجُلٌ السّيْفَ، فَضَرَبَ رِجْلَ ابْنِهِ فَوَقَعَ، وَصَاحَ أُمَيّةُ صَيْحَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطّ: قَالَ: فَقُلْت اُنْجُ بِنَفْسِك، وَلَا نُجَاءَ بِك فو الله مَا أُغْنِي عَنْك شَيْئًا. قَالَ: فَهَبِرُوهُمَا بِأَسْيَافِهِمْ، حَتّى فَرَغُوا مِنْهُمَا. قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللهُ بِلَالًا، ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي وَفَجَعَنِي بأسيرىّ.
[شهود الملائكة وقعة بدر]
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حُدّثَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: حَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَالَ أَقْبَلْت أَنَا وَابْنُ عَمّ لِي حَتّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ، نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدّبْرَةُ، فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ، إذْ دَنَتْ مِنّا سَحَابَةٌ، فَسَمِعْنَا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أفدم حَيْزُومُ، فَأَمّا ابْنُ عَمّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ، فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمّا أَنَا فَكِدْت أَهْلَكَ، ثُمّ تماسكت.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١١١ ]
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ، بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ:
لَوْ كُنْت الْيَوْمَ بِبَدْرِ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشّعْبَ الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكّ فِيهِ وَلَا أَتَمَارَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ، عَنْ أَبِي دَاوُد الْمَازِنِيّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ: إنّي لَأَتّبِعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ، إذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا قَدْ أَرْسَلُوهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ عَمَائِمَ حُمْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ:
الْعَمَائِمُ: تِيجَانُ الْعَرَبِ، وَكَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا قَدْ أَرْخَوْهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ، إلّا جِبْرِيلُ فَإِنّهُ كَانَتْ عليه عمامة صفراء.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: وَلَمْ تُقَاتِلْ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنْ الْأَيّامِ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَيّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١١٢ ]
[مقتل أبى جهل]
قال ابن إسحاق: وأفبل أَبُو جَهْلٍ يَوْمَئِذٍ يَرْتَجِزُ، وَهُوَ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ:
مَا تَنْقِمُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ مِنّي بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيثٌ سنى
لِمِثْلِ هَذَا وَلَدَتْنِي أُمّي
[شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ بِبَدْرِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شعار أصحاب رسول الله ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: أَحَدٌ أَحَدٌ.
[عَوْدٌ إلَى مقتل أبى جهل]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَدُوّهِ، أَمَرَ بِأَبِي جَهْلٍ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى.
وَكَانَ أَوّلَ مَنْ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ، كَمَا حَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا قَدْ حَدّثَنِي ذلك، قالا: قال معاذ بن عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَرَجَةُ: الشّجَرُ الْمُلْتَفّ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ:
أَنّهُ سَأَلَ أَعْرَابِيّا عَنْ الْحَرَجَةِ؛ فَقَالَ: هِيَ شَجَرَةٌ مِنْ الْأَشْجَارِ لا يوصل إليها- وهم يقولون: أَبُو الْحَكَمِ لَا يُخْلَصُ إلَيْهِ. قَالَ: فَلَمّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فَصَمَدْت نَحْوَهُ، فَلَمّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْته ضَرْبَةً أَطَنّتْ قَدَمَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١١٣ ]
بنصف ساقه، فو الله مَا شَبّهْتهَا حِينَ طَاحَتْ إلّا بِالنّوَاةِ تَطِيحُ مِنْ تَحْتِ مِرْضَخَةِ النّوَى حِينَ يُضْرَبُ بِهَا. قَالَ: وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَح يَدِي فَتَعَلّقَتْ بِجَلْدَةٍ مِنْ جَنْبِي، وَأَجْهَضَنِي الْقِتَالُ عَنْهُ، فَلَقَدْ قَاتَلْتُ عَامّةَ يَوْمِي، وَإِنّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلَيْهَا قَدَمِي، ثُمّ تَمَطّيْتُ بِهَا عَلَيْهَا حَتّى طَرَحْتُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ.
ثُمّ مَرّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عَقِيرٌ، مُعَوّذُ بْنُ عَفْرَاءَ، فَضَرَبَهُ حَتّى أَثْبَتَهُ، فَتَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ. وَقَاتَلَ مُعَوّذٌ حَتّى قُتِلَ، فَمَرّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي جَهْلٍ، حين أمر رسول الله ﷺ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- اُنْظُرُوا، إنْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ فِي الْقَتْلَى، إلَى أَثَرِ جُرْحٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَإِنّي ازْدَحَمْتُ يَوْمًا أَنَا وَهُوَ عَلَى مَأْدُبَةٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ، وَنَحْنُ غُلَامَانِ، وَكُنْتُ أَشَفّ مِنْهُ بِيَسِيرٍ، فَدَفَعْتُهُ فَوَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَجُحِشَ فِي إحْدَاهُمَا جَحْشًا لَمْ يَزَلْ أَثَرُهُ بِهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْته بِآخِرِ رَمَقٍ فَعَرَفْتُهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ- قَالَ: وَقَدْ كَانَ ضَبَثَ بِي مَرّةً بِمَكّةَ، فَآذَانِي وَلَكَزَنِي، ثُمّ قُلْت لَهُ: هَلْ أَخْزَاك اللهُ يَا عَدُوّ اللهِ؟ قَالَ:
وَبِمَاذَا أَخْزَانِي، أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدّائِرَةُ الْيَوْمَ؟ قال:
قلت: لله ولرسوله.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ضَبَثَ: قَبَضَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ. قال ضابىء بْنُ الْحَارِثِ الْبُرْجُمِيّ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١١٤ ]
فَأَصْبَحْتُ مِمّا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْوُدّ مِثْلَ الضّابِثِ الْمَاءَ بِالْيَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَعَارٌ عَلَى رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدّائِرَةُ الْيَوْمَ؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ:
قَالَ لِي: لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِي الْغَنَمِ، قال: ثم احتززت رَأْسَهُ ثُمّ جِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَأْسُ عَدُوّ اللهِ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: آللهِ الّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ- قَالَ: وَكَانَتْ يَمِينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- قَالَ:
قُلْت نَعَمْ، وَاَللهِ الّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ، ثُمّ أَلْقَيْتُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَمِدَ اللهَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ من أهل العلم بالمغازى: أن عمر بن الْخَطّابِ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَمَرّ بِهِ: إنّي أَرَاك كَأَنّ فِي نَفْسِك شَيْئًا، أَرَاك تَظُنّ أَنّي قَتَلْتُ أَبَاك، إنّي لَوْ قَتَلْته لَمْ أَعْتَذِرْ إلَيْك مِنْ قَتْلِهِ، وَلَكِنّي قَتَلْتُ خَالِي الْعَاصِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَأَمّا أبوك فإنى مررت وهو يبحث بحث الثور بروته فَحُدْتُ عَنْهُ، وَقَصَدَ لَهُ ابْنُ عَمّهِ عَلِيّ فقتله.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غَزْوَةُ بَدْر وَبَدْرٌ: اسْمُ بِئْرٍ حَفَرَهَا رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي النّارِ مِنْهُمْ، اسْمُهُ:
بَدْرٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: هُوَ بَدْرُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ يَخْلُدَ الّذِي سُمّيَتْ قُرَيْشٌ بِهِ. وَرَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ أَبِي زَكَرِيّا عَنْ الشّعْبِيّ قَالَ: بَدْرٌ: اسْمُ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ بَدْرٌ.
نحسس الْأَخْبَارِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَبَا سُفْيَانَ، وَأَنّهُ حِينَ دَنَا مِنْ الْحِجَازِ، كَانَ يَتَحَسّسُ الْأَخْبَارَ. التّحَسّسُ بِالْحَاءِ: أَنْ تَتَسَمّعَ الْأَخْبَارَ بِنَفْسِك، وَالتّجَسّسُ بِالْجِيمِ: هُوَ أَنْ تَفْحَصَ عَنْهَا بِغَيْرِك، وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَجَسّسُوا، وَلَا تَحَسّسُوا «١» .
رُؤْيَا عَاتِكَةَ:
وَذَكَرَ رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَالصّارِخَ الّذِي رَأَتْهُ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا لَغُدُرِ!! هَكَذَا هُوَ بِضَمّ الْغَيْنِ وَالدّالِ جَمْعُ غَدُورٍ، وَلَا تَصِحّ رِوَايَةُ مَنْ رواه: يا لغدر بفتح الدال مع كسرى الرّاءِ، وَلَا فَتْحِهَا، لِأَنّهُ لَا يُنَادِي وَاحِدًا، وَلِأَنّ لَامَ الِاسْتِغَاثَةِ لَا تَدْخُلُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْبِنَاءِ فِي النّدَاءِ، وَإِنّمَا يَقُولُ: يَا لَغُدُرُ انْفِرُوا وَتَحْرِيضًا لَهُمْ، أَيْ: إنْ تَخَلّفْتُمْ، فَأَنْتُمْ غُدُرٌ لِقَوْمِكُمْ وَفُتِحَتْ لَامُ الِاسْتِغَاثَةِ، لِأَنّ الْمُنَادِيَ قَدْ وَقَعَ مَوْقِعَ الِاسْمِ الْمُضْمَرِ، وَلِذَلِكَ بَنَى، فَلَمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَامُ الِاسْتِغَاثَةِ وَهِيَ لَامُ جَرّ فُتِحَتْ كَمَا تُفْتَحُ لَامُ الْجَرّ إذا دخلت على المضمرات،
ــ
_________________
(١) من حديث رواه البخارى ومسلم وأبو داود ومالك.
[ ٥ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هَذَا قَوْلُ ابْنِ السّرَاجِ، وَلِأَبِي سَعِيدٍ السّيرَافِيّ فِيهَا تَعْلِيلٌ غَيْرُ هَذَا كَرِهْنَا الْإِطَالَةَ بِذِكْرِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيّ فِي شَرْحِ يَا لَغُدُرِ إنّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَةِ الشّيْخِ، وَمَا وَقَعَ فِي أَصْلِهِ، وَأَمّا أَبُو عُبَيْدَةَ، فَقَالَ فِي الْمُصَنّفِ: تَقُولُ يَا غُدُرُ، أَيْ:
يَا غَادِرُ، فَإِذَا جَمَعْت قُلْت يَا آلَ غُدَرِ «١»، وَهَكَذَا وَاَللهُ أَعْلَمُ. كَانَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَاَلّذِي تَقَدّمَ تَغْيِيرٌ.
وَقَوْلُهُ، ثُمّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، سُمّيَ هَذَا الْجَبَلُ أَبَا قُبَيْسٍ بِرَجُلِ هَلَكَ فِيهِ مِنْ جُرْهُمَ اسْمُهُ قُبَيْسِ بْنِ شَالِخَ، وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُضَاضٍ، كَمَا سُمّيَ حُنَيْنٌ الّذِي كَانَتْ فِيهِ حُنَيْنٌ بِحُنَيْنِ بْنِ قَالِيَةَ بْنِ مِهْلَايِلَ «٢»، أَظُنّهُ كَانَ مِنْ الْعَمَالِيقِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ مُعْجَمِ مَا اُسْتُعْجِمَ.
مَعْنَى اللّيَاطِ:
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي لَهَبٍ، وَبَعْثَهُ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامٍ، وَكَانَ لَاطَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. لَاطَ لَهُ: أَيْ أَرْبَى لَهُ، وَكَذَلِكَ جَاءَ اللّيَاطُ مُفَسّرًا فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْخَطّابِيّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ فِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَهُ لِثَقِيفِ:
وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دِينٍ لَا رَهْنَ فِيهِ فَهُوَ لِيَاطٌ مُبَرّأٌ من الله. وقال أبو عبيد:
ــ
_________________
(١) فى اللسان: «يقال فى الجمع: يال غدر» .
(٢) هو فى سفر النكوين: مهللئيل وضبطوه فيه بفتح الميم وسكون الهاء، وفتح اللام الأولى وسكون الثانية، وهو ابن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم كما ذكر فى السفر، وفى معجم البكرى عن حنين: سمى بحنين بن قاينة بن مهلايئل.
[ ٥ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسُمّيَ الرّبَا لِيَاطًا، لِأَنّهُ مُلْصَقٌ بِالْبَيْعِ، وَلَيْسَ بِبَيْعِ، وَقِيلَ لِلرّبَا لِيَاطًا لِأَنّهُ، لَاصِقٌ بِصَاحِبِهِ لَا يَقْضِيهِ، وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ، وَأَصْلُ هَذَا اللفظ من اللّصوق.
المجحرة وَالْأُلُوّةُ:
وَعَزَمَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ عَلَى الْقُعُودِ، وأنّ عقبة بن أبى مغيط جَاءَهُ بِمِجْمَرَةِ فِيهَا نَارٌ وَمِجْمَرٌ، وَقَالَ: اسْتَجْمِرْ فَإِنّمَا أَنْتَ مِنْ النّسَاءِ. الْمِجْمَرَةُ: هِيَ الْأَدَاةُ الّتِي يُجْعَلُ فِيهَا الْبَخُورُ، وَالْمِجْمَرُ هُوَ الْبَخُورُ نَفْسُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنّةِ مَجَامِرُهُمْ الْأُلُوّةُ «١»، فَهَذَا جَمْعُ مِجْمَرٍ لَا مِجْمَرَةٍ، وَالْأُلُوّةُ: هِيَ الْعُودُ الرّطْبُ، وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ أُلُوّةٌ وَأَلُوّةٌ، وَلُوّةٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلِيّةٌ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَ فِي شِعْرِ مِكْرَزٍ:
تَذَكّرْت أشلاء الحيب الْمُلَحّبِ
شَرْحُ شِعْرِ مِكْرَزٍ:
الْأَشْلَاءُ: أَعْضَاءٌ مُقَطّعَةٌ، وَالْمُلَحّبُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَحّبْت اللّحْمَ إذَا قَطَعْته طُولًا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ.
وَذَكَرَ فِي شِعْرِ مكرز:
_________________
(١) ورد هذا فى حديث متفق عليه، ويراها الأصمعى كلمة فارسية، وأبو منصور يراها هندية. وجمع ألوة: ألاوية.
[ ٥ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَتَى مَا أُجَلّلْهُ الْفُرَافِرَ يَعْطَبْ «١»
وَقَدْ فَسّرَ ابْنُ هِشَامٍ الْفُرَافِرَ، وَقَالَ: هُوَ اسْمُ سَيْفٍ، وَهُوَ عِنْدِي مِنْ فَرْفَرَ اللّحْمَ إذَا قَطَعَهُ أَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ:
كَكَلْبِ طَسْمٍ وَقَدْ تَرَبّبَه يَعُلْهُ بِالْحَلِيبِ فِي الْغَلَس
أَنْحَى عَلَيْهِ يَوْمًا يُفَرْفِرُه إنْ يَلِغْ فِي الدّمَاءِ يَنْتَهِسُ
وَيَرْوِي: يشرشره. والعيهب الذى لا سقل لَهُ، وَيُقَالُ لِذَكْرِ النّعَمِ عَيْهَبُ «٢» .
مَوَاضِعُ نَزَلَ فِيهَا الرّسُولُ ﷺ:
وَذَكَرَ عِرْقَ الظّبْيَةِ، وَالظّبْيَةُ: شَجَرَةٌ شِبْهُ الْقَتَادَةَ يُسْتَظَلّ بِهَا، وَجَمْعُهَا. ظُبْيَانٌ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ السّيَالَة فِي طَرِيقِ بَدْرٍ، وَالسّيَالُ شَجَرٌ، وَيُقَالُ: هُوَ عِظَامُ السّلَمِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَ النّازِيَةَ، وَهِيَ رحسبة وَاسِعَةٌ فِيهَا عِضَاةٌ وَمُرُوجٌ «٣» .
وَذَكَرَ سَجْسَجًا، وَهِيَ بالرّوحاء، وسميت سجسجا، لأنها بين جبلين،
_________________
(١) هى فى نسخ السيرة التى بين يدى: متى ما أصبه.
(٢) فى شرح السيرة للخشنى: والغيهب بالغين المعجمة الغافل الناسى وبالعين الرجل الضعيف عن طلب وتره، ويروى هنا بالوجهين ص ١٥٤.
(٣) العضاة جمع عضاهة: أعظم الشجر أو كل ذات شوك. ومروج: جمع مرج: الموضع ترعى فيه الدواب.
[ ٥ / ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكُلّ شَيْءٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَهُوَ: سَجْسَجٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: إنّ هَوَاءَ الْجَنّةِ سَجْسَجٌ، أَيْ. لَا حَرّ وَلَا بَرْدٌ، وَهُوَ عِنْدِي مِنْ لَفْظِ السّجَاجِ، وَهُوَ لَبَنٌ غَيْرُ خَالِصٍ، وَذَلِكَ إذَا أكثر مرجه بِالْمَاءِ، قَالَ الشّاعِرُ:
وَيَشْرَبُهَا مَزْجًا وَيَسْقِي عِيَالَهُ سَجَاجًا كَأَقْرَابِ الثّعَالِبِ أَوْرَقَا
وَهَذَا الْقَوْلُ جَارٍ عَلَى قِيَاسِ مَنْ يَقُولُ: إنّ الثّرْثَارَةَ مِنْ لفظ: الثّرّة، ورفرقت مِنْ لَفْظِ: رَقَقْت إلَى آخِرِ الْبَابِ.
وَذَكَرَ الصّفْرَاءَ، وَهِيَ وَادٍ كَبِيرٌ.
أَنْسَابٌ:
وَذَكَرَ بَسْبَسَ بن عمرو الجهنىّ، وعدىّ بن أبى الزّغباء حِينَ بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُتَحَسّسَانِ الْأَخْبَارَ عَنْ عِيرِ قُرَيْشٍ، وَفِي مُصَنّفِ أَبِي دَاوُدَ: بَسْبَسَةُ مَكَان بَسْبَسٍ وَبَعْضُ رُوَاةِ أَبِي دَاوُدَ يَقُولُ بُسْبُسَةٌ بِضَمّ الْبَاءِ: وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ «١» وَنَسَبَهُ ابْنُ إسحاق إلى جهينة، ونسبه
_________________
(١) فى الإصابة عن بسبسة «وهو بموحدتين مفتوحتين بينهما مهملة ساكنة ثم مهملة مفتوحة، ويقال له: بسبس بغير هاء وهو قول ابن إسحاق وغيره، شهد بدرا بأتفاق، ووقع ذكره فى صحيح مسلم من حديث أنس، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بسبسة عينا ينظر ما صنعت عير أبى سفيان، فذكر الحديث فى وقعة بدر، وهو بموحدتين وزن فعلله، وحكى عياض أنه فى مسلم بموحدة مصغرة، ورواه أبو داود ووقع عنده بسيبسة بصيغة التصغير، وكذا قال ابن الأثير أنه رآه فى أصل ابن مندة. لكن بغير هاء، والصواب الأول» . وفى جمهرة ابن حزم: بسبس ص ٤١٥
[ ٥ / ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرُهُ إلَى ذُبْيَانَ، وَقَالَ: هُوَ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ عَمْرِو ابن سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ «١»، وَأَمّا عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغباء، واسم أبى الزغباء: سنان ابن سبيع بن ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ بُذَيْلٍ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ بُذَيْلٌ بِالذّالِ الْمَنْقُوطَةِ غَيْرُ هَذَا، قَالَهُ الدّار قطنى، وَهُوَ بُذَيْلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كاهل بن نصر ابن مَلَكِ بْنِ غَطَفَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ جُهَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةُ: وَهُوَ ابْنُ سُودِ بْنِ أَسْلُمَ بِضَمّ اللام بن الحاف بن فضاعة، قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ حَلِيفِ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
التّطَيّرُ وَكَرَاهِيَةُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ:
وَذَكَرَ أَنّهُ ﵇ مَرّ بِجَبَلَيْنِ، فَسَأَلَ عَلَى اسميهما، فقيل له: أحدهما مسلح والآخر مخرىء، فَعَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الطّيَرَةِ «٢»، الّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللهِﷺ- وَلَكِنْ مِنْ بَابِ كَرَاهِيَةِ
_________________
(١) زاد فى الإصابة بعد خرشة: «بن زيد» وبعد ذبيان: بن رشدان ابن غطفان، بن قيس بن جهينة، وفى جمهرة ابن حزم كما فى الروض، ثم ذكر بعد رشدان: ابن قيس بن جهينة، فأسقط غطفان ص ٤١٥.
(٢) الطيرة: ما يتشاءم به من الفأل الردىء، وقد روى أبو داود والترمذى وابن حبان فى صحيحه، وقال الترمذى: حسن صحيح: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، ومامنا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل» . ومعنى: ومامنا إلا أى: ومامنا إلا وقد وقع فى قلبه شىء من ذلك، ولكن الله يذهب ذلك عن قلب كل من يتوكل عليه. وذكر البخارى أن قوله: ومامنا إلى آخره من كلام ابن مسعود مدج غير مرفوع.
[ ٥ / ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاسْمِ الْقَبِيحِ، فَقَدْ كَانَ ﵇ يَكْتُبُ إلَى أُمَرَائِهِ إذَا أَبَرَدْتُمْ إلَيّ بَرِيدًا فَاجْعَلُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الِاسْمِ، ذَكَرَهُ الْبَزّارُ مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدَةَ، وَقَدْ قَالَ فِي لِقْحَةٍ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ أَنَا، فَقَالَ رسول الله ﷺ: ما اسْمُك؟ فَقَالَ: مُرّةُ، فَقَالَ: اُقْعُدْ، حَتّى قَالَ آخِرُهُمْ: اسْمِي: يَعِيشُ، قَالَ: اُحْلُبْ. اخْتَصَرْت الْحَدِيثَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ رَوَاهَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ: فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَقُولُ أَمْ أَسْكُتُ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
قُلْ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْت نَهَيْتنَا عَنْ التّطَيّرِ، فَقَالَ ﵇: مَا تَطَيّرْت، وَلَكِنّي آثَرْت الِاسْمَ الْحَسَنَ، أَوْ كَمَا قَالَ ﵇. وَقَدْ أَمْلَيْت فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْمُوَطّإِ فِي الشّؤْمِ، وَأَنّهُ إنْ كَانَ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدّارِ تَحْقِيقًا وَبَيَانًا شَافِيًا لِمَعْنَاهُ، وَكَشَفَا عَنْ فِقْهِهِ لَمْ أَرَ أَحَدًا- وَالْحَمْدُ لله- سبقنى إلى مثله.
جبلا مسلح ومخرىء وهذان الْجَبَلَانِ لِتَسْمِيَتِهِمَا بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ سَبَب، وَهُوَ أَنّ عَبْدًا لِبَنِي غِفَارٍ كَانَ يَرْعَى بِهِمَا غَنَمًا لِسَيّدِهِ، فَرَجَعَ ذَاتَ يَوْمٍ عَنْ الْمَرْعَى، فَقَالَ لَهُ سَيّدُهُ:
لِمَ رَجَعْت؟ فَقَالَ: إنّ هَذَا الجبل مسلح للغنم، وإن هذا الآخر مخرىء «١»، فَسُمّيَا بِذَلِكَ. وَجَدْت ذَلِكَ بِخَطّ الشّيْخِ الْحَافِظِ فيما نقل عن الوقشىّ.
_________________
(١) ولكن موضع الخرء يقال له مخرأة- بفتح الميم والراء، ومخراة بدون همزة، ومخرأة- بفتح الميم وضم الراء.
[ ٥ / ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَرْكُ الْغُمَادِ:
وَذَكَرَ قَوْلَ الْمِقْدَادِ: وَلَوْ بَلَغْت بِنَا بَرْكَ الْغُمَادِ، وَجَدْت فِي بَعْضِ كُتُبِ التّفْسِيرِ أَنّهَا مَدِينَةُ الْحَبَشَةِ «١» .
تَعْوِيرُ قُلَبِ الْمُشْرِكِينَ وَذَكَرَ الْقُلَبَ الّتِي احْتَفَرَهَا الْمُشْرِكُونَ لِيَشْرَبُوا مِنْهَا، قَالَ: فَأَمَرَ بِتِلْكَ الْقُلُبِ فَعُوّرَتْ، وَهِيَ كَلِمَةٌ نَبِيلَةٌ، وَذَلِكَ أَنّ الْقَلْبَ لَمّا كَانَ عَيْنًا جَعَلَهَا كَعَيْنِ الْإِنْسَانِ، وَيُقَالُ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ: عرتها فعارت، ولا يقال: غوّرتها، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْقُلُبِ عُوّرَتْ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَلَكِنْ لَمَا رَدّ الْفِعْلَ لِمَا لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ ضُمّتْ الْعَيْنُ، فَجَاءَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يقول: قول القول وبوع المتاع «٢»، وهى
_________________
(١) ضبطها البكرى فى معجمه فقال: «برك بكسر أوله وإسكان ثانيه، وهو فى أقاصى هجر إلا أنه منضاف إليها. هو برك الغماد الذى ورد فى الحديث الغماد بالغين المعجمة تضم وتكسر لغتان بعد ميم وألف ودال مهملة» وقال الهمدانى فى صفة جزيرة العرب ص ٢٠٤ ط ١٩٥٣ «وهو أقصى حجر باليمن» وقال ياقوت فى المشترك وضعا والمفترق صقعا «باب برك ثمانية مواضع بكسر الباء وسكون الراء وكاف. الأول موضع بناحية اليمن فى نصف الطريق بين مكة وزبيد» ثم ذكر باقى المواضع. وفى المراصد موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلى البحر، وقيل: بلد باليمن، وهو أقصى حجر باليمن»
(٢) يستشهد النحاة على هذه اللغة ببيت رؤية: ليت، وهل ينفع شيئا ليت ليت شبابا بوع فاشتريت وقد ورد فى كتب النحاة هكذا على حين يروى فى ديوان رؤبة باللغة الفصحى، أى: بيع بدلا من بوع-
[ ٥ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لُغَةُ هُذَيْلِ وَبَنِيّ دُبَيْرٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَبَنِيّ فَقُعِسَ، وَبَنُو دُبَيْرٍ هُوَ تَصْغِيرُ أَدْبَرَ عَلَى التّرْخِيمِ، وَإِنْ كَانَتْ لُغَةً رَدِيئَةً، فَقَدْ حَسُنَتْ هُنَا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى لَفْظِ الْوَاوِ، إذْ لَوْ قَالُوا: عِيرَتْ فَأُمِيتَتْ الْوَاو، لَمْ يُعْرَفْ أَنّهُ مِنْ الْعَوَرِ إلّا بَعْدَ نَظَرٍ، كَمَا حَافَظُوا فِي جَمْعِ عِيدٍ عَلَى لَفْظِ الْيَاءِ فِي عِيدٍ فَقَالُوا: أَعْيَادٌ، وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ الّذِي فِي رِيحٍ وَأَرْوَاحٍ عَلَى أَنّ أَرْيَاحًا لُغَةُ بَنِي أَسَدٍ كَيْ لَا تَذْهَبَ مِنْ اللّفْظِ الدّلَالَةُ عَلَى مَعْنَى الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَوْدَةِ، وَقِسْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَصِحّةِ الْوَاوِ فِيهِ، وَكَمَا حَافَظُوا عَلَى الضّمّةِ فِي سُبّوحٍ وَقُدّوسٍ، وَقِيَاسُهُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى فَعّولٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ كَتَنّومِ وَشَبّوطٍ «١» وَبَابِهِ، وَلَكِنْ حَافِظُوا عَلَى الضّمّتَيْنِ، لِيَسْلَمَ لَفْظُ الْقُدُسِ وَالسّبُحَاتِ وَسُبْحَانَ اللهِ يَسْتَشْعِرُ الْمُتَكَلّمُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مَعْنَى الْقُدُسِ، وَمَعْنَى سُبْحَانَ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ، وَلَمّا ذَكَرْنَاهُ كَثِيرَةٌ نظائر يخرجنا إيرادها عن الغرض.
_________________
(١) - كما استشهد الأشمونى بقول الراجز: حوكت على نيرين إذ تحاك تختبط الشوك، ولا تشاك على حين يروى باللغة الفصحى: حيكت. والفعل الثلاثى المعل الوسط يجوز فى فائه ثلاثة أشياء: الكسر، الإشمام، الضم بشرط أمن اللبس. والإشمام هو الإتيان بحركة بين الضم والكسر على الفاء، بأن يؤتى بجزء من الضم قليل سابق، وجزء من الكسرة كثير لاحق. ويسمى القراء هذا: روحا، وقد قدى فى السبعة بالإشمام. قيل وغيض. وأفصح اللغات الكسر، ثم الإشمام، والضم: أردؤها. وقد أورد ابن مالك اللغات الثلاث فى ألفيته.
(٢) تنوم: شجرة أو حبة، والشبوط: نوع من السمك.
[ ٥ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَفْسِيرُ كَلِمَاتٍ وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي جَهْلٍ: قُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ، أَيْ: اُطْلُبْ مِنْ قُرَيْشٍ الْوَفَاءَ بِخُفْرَتِهِمْ لَك، لِأَنّهُ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ وَجَارًا، يُقَال: خَفَرْت الرّجُلَ خُفْرَةً إذَا أَجَرْته، وَالْخَفِيرُ. الْمُجِيرُ. قَالَ [عَدِيّ بْنُ زَيْدٍ] الْعِبَادِيّ.
مَنْ رَأَيْت الْأَيّامَ خَلّدْنَ أَمْ مَنْ ذَا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ «١»
وَقَوْلُهُ: حَقِبَتْ الْحَرْبُ، يُقَالُ: حَقِبَ الْأَمْرُ إذَا اشْتَدّ، وَضَاقَتْ فِيهِ الْمَسَالِكُ، وَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنْ حَقِبَ الْبَعِيرُ إذَا اشتدّ عليه الحقب وهو الحرام الْأَسْفَلُ، وَرَاغَ حَتّى يَبْلُغَ ثِيلَهُ «٢»، فَضَاقَ عَلَيْهِ مَسْلَكُ الْبَوْلِ.
وَقَوْلُ عُتْبَةَ فِي أَبِي جَهْلٍ: سَيَعْلَمُ مُصَفّرُ اسْتِهِ مَنْ انْتَفَخَ سَحْرُهُ. السّحْرُ وَالسّحْرُ الرّئَةُ، وَالسّحَرُ أَيْضًا بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهُوَ قياس فى كُلّ اسْمٍ عَلَى فَعْلٍ إذَا كَانَ عَيْنُ الْفِعْلِ حَرْفَ حَلْقٍ «٣»، أَنْ يَجُوزَ فِيهِ الْفَتْحُ، فَيُقَالُ فِي الدّهْرِ:
الدّهَرُ، وَفِي اللّحْمِ: اللّحَمُ، حَتّى قَالُوا فِي النّحْوِ النّحَوُ، ذَكَرَهَا ابْنُ جِنّي، وَلَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَى هَذَا التّحْرِيكِ الّذِي مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ لَمَا كَانَ لِعِلّةِ،
_________________
(١) سبقت قصيدته التى منها هذا البيت فى الجزء الأول. والبيت فى الأغانى: «من رأيت المنون» ص ١١٥ المجلد الثانى ط لبنان.
(٢) بالكسر وبالفتح شىء بين رجلى البعير الخلفيتين يستحى من ذكره تستطيع لمح معناه.
(٣) هى حروف الهجاء التى تخرج عند النطق من الحلق، وهى الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء
[ ٥ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَلَمْ يَقْلِبُوا الْوَاوَ مِنْ أَجْلِهِ أَلِفًا حِينَ قَالُوا: النّحَوُ وَالزّهَدُ، وَلَوْ اعْتَدّوا بِالْفَتْحَةِ، لَقَلَبُوا الْوَاو أَلِفًا، كَمَا لَمْ يَعْتَدّوا بِهَا فِي: يَهَبُ وَيَضَعُ، إذْ كَانَ الْفَتْحُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ، وَلَوْ اعْتَدّوا بِهِ، لَرَدّوا الواو فقالوا: بوضع وَيُوهَبُ، كَمَا قَالُوا: يَوْجَلُ. مَنْ قَائِلٌ أَبِي عذرها وماداء أَبِي جَهْلٍ وَقَوْلُهُ مُصَفّرُ اسْتِهِ: كَلِمَةٌ لَمْ يَخْتَرِعْهَا عُتْبَةُ، وَلَا هُوَ بِأَبِي عُذْرِهَا، قَدْ قِيلَتْ قَبْلَهُ لِقَابُوسِ بْنِ النّعْمَانِ، أَوْ لِقَابُوسِ بْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنّهُ كَانَ مُرَفّهًا لَا يَغْزُو فِي الْحُرُوبِ، فَقِيلَ لَهُ: مُصَفّرُ اسْتِهِ، يُرِيدُونَ: صُفْرَةَ الْخُلُوقِ وَالطّيبِ، وَقَدْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ الْهَبَاءَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنّ حُذَيْفَةَ كَانَ مَسْتُوهًا، فَإِذَا لَا يَصِحّ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي أَبِي جَهْلٍ مِنْ قَوْلِ عُتْبَةَ فِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: إنّهُ كَانَ مَسْتُوهًا وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَسَادَةُ الْعَرَبِ لَا تَسْتَعْمِلُ الْخُلُوقَ وَالطّيبَ إلّا فِي الدّعَةِ وَالْخَفْضِ وَتَعِيبُهُ فِي الْحَرْبِ أَشَدّ الْعَيْبِ، وَأَحْسِبُ أَنّ أَبَا جَهْلٍ لَمّا سَلِمَتْ الْعِيرُ، وَأَرَادَ أَنْ، يَنْحَرَ الْجَزُورَ، وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ بِبَدْرِ، وَتَعْزِفَ عَلَيْهِ الْقِيَانُ بِهَا اسْتَعْمَلَ الطّيبَ أَوْ هَمّ بِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عُتْبَةُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشّاعِرِ فِي بَنِي مَخْزُومٍ: وَمِنْ جَهْلٍ أَبُو جَهْلٍ أَخُوكُمْ غَزَا بَدْرًا بِمِجْمَرَةِ وَتَوْرِ يُرِيدُ: أَنّهُ تَبَخّرَ وَتَطَيّبَ فِي الْحَرْبِ.
[ ٥ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: مُصَفّرُ اسْتِهِ «١» إنّمَا أَرَادَ مُصَفّرَ بَدَنِهِ، ولكنه قصد المبالغة فى الذّمّ فحص منه بالذكر ما يسوؤه أَنْ يَذْكُرَ.
حَوْلَ سَوَادِ بَنِي غَزِيّةَ فَصْلٌ، وَذَكَرَ قِصّةَ سَوَادِ بْنِ غَزِيّةَ حِينَ مَرّ به رسول اللهﷺ- وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ أَمَامَ الصّفّ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُسْتَنْصِلٌ. قَوْلُهُ مُسْتَنْتِلٌ أَمَامَ الصّفّ، يُقَالُ استنتلت واستنصلت وأبر نذعت وابر نتيت بِالرّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالزّايِ، هَكَذَا تَقَيّدَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ، كُلّ هَذَا إذَا تَقَدّمْت. سَوَادٌ هَذَا بِتَخْفِيفِ الْوَاوِ «٢»، وَكُلّ سَوَادٍ فِي الْعَرَبِ، فَكَذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَفَتْحِ السّينِ، إلّا عَمْرَو بْنَ سَوَادٍ أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ مِنْ شُيُوخِ الْحَدِيثِ، وَسُوَادٌ بِضَمّ السّينِ، وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، هو ابن مرى بن إراشة ابن قُضَاعَةَ ثُمّ مِنْ بَلِيّ حُلَفَاءِ الْأَنْصَارِ، وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ هِشَامٍ سَوّادٌ مثقلة ابن غزّية، وهو خطأ، إنّمَا الصّوَابُ مَا تَقَدّمَ، وَسَوَادٌ هَذَا هُوَ عَامِلُ رَسُولِ اللهِﷺ- عَلَى خَيْبَرَ الّذِي جَاءَهُ بِتَمْرِ جَنِيبٍ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطّأِ وَلَمْ يُسَمّهِ.
وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ مُسْتَنْصِلٌ، مَعْنَاهُ: خَارِجٌ مِنْ الصّفّ مِنْ قولك:
_________________
(١) يقول أبو ذر الخشنى: «العرب تقول هذا القول للرجل الجبان، ولا تريد به التأنيث» ص ١٥٧.
(٢) وابن هشام يقول إن الواو مثقلة. وقد قيده بالتخفيف- كما ذكر أبو ذر الخشنى- الدار قطنى وعبد الغنى ص ١٥٧. وقول ابن هشام خطأ كما سيبين السهيلى.
[ ٥ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نصّت الرّمْحَ إذَا أَخَرَجْت ثَعْلَبَةً «١» مِنْ السّنَانِ.
تَفْسِيرُ بعض مناشدتك:
وذكر قول أبى بكر بَعْضَ مُنَاشَدَتُك رَبّك، فَإِنّ اللهَ مُنَجّزٌ لَك مَا وَعَدَك، رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ كَذَلِكَ مُنَاشَدَتُك، وَفَسّرَهُ قَاسِمٌ فِي الدّلَائِلِ، فَقَالَ: كَذَلِكَ قَدْ يُرَادُ بِهَا مَعْنَى الْإِغْرَاءِ وَالْأَمْرِ بِالْكَفّ عَنْ الْفِعْلِ، وَأُنْشِدَ لِجَرِيرِ:
[تَقُولُ وَقَدْ تَرَامَحَتْ الْمَطَايَا] كَذَاكَ الْقَوْلُ إنّ عَلَيْك عَيْنًا «٢»
أَيْ: حَسْبُك مِنْ الْقَوْلِ، فَدَعْهُ، وَفِي الْبُخَارِيّ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِأَنْجَشَةَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدُك سَوْقَك بِالْقَوَارِيرِ، وَأَوْرَدَهُ مَرّةً أُخْرَى فَقَالَ فِيهِ شَوْفَك «٣» وَإِنّمَا دَخَلَهُ مَعْنَى النّصَبِ كَمَا دَخَلَ: عَلَيْك زَيْدًا مَعْنَى النّصَبِ، وَفِي
_________________
(١) الثعلب هنا: طرف الرمح الداخل فى جبة السنان. ونصل من الأضداد تدل على الإخراج والإدخال فى هذا المعنى.
(٢) فى الأصل لجهير والتصويب من المواهب وكذلك الشطر الأول ص ٤٢٢ ح ١ المواهب: وقد خطأ الحافظ من زعم أن كذاك تصحيف لكفاك. ورواية كذاك وردت فى رواية مسلم وسنن أبى داود والترمذى.
(٣) روى أبو داود الطيالسى عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان أنجشة يحدر بالنساء، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال، فإذا أعقب الإبل قال النبى ﷺ: يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير. ورواه الشيخان مختصرا عن طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس. ورواه مسلم من طريق سليمان بن طرخان التيمى عن أنس قال: كان للنبى «ص» حاد يقال له: -
[ ٥ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دُونِك، لِأَنّك إذَا قُلْت دُونَك زَيْدًا وَهُوَ يَطْلُبُهُ فَقَدْ أَعْلَمْته بِمَكَانِهِ فَكَأَنّك قُلْت: خُذْهُ، وَمَسْأَلَةُ كَذَاكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنّك إذَا قُلْت: كَذَاكَ الْقَوْلُ أَوْ السّيْرُ، فَكَأَنّك قُلْت: كَذَاكَ أَمَرْت فَاكْفُفْ وَدَعْ، فَاصِلُ الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ ظَرْفٌ بَعْدَهُ ابْتِدَاءٌ، وَهُوَ خَبَرٌ يَتَضَمّنُ مَعْنَى الْأَمْرِ أَوْ الْإِغْرَاءِ بِالشّيْءِ، أَوْ تَرْكِهِ، فَنَصَبُوا بِمَا فِي ضِمْنِ الْكَلَامِ، وَحَسُنَ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْ عَامِلٍ لَفْظِيّ إلَى مَعْنَوِيّ، وَإِنّمَا عَدَلُوا عَنْ مَعْنَوِيّ إلَى مَعْنَوِيّ، وَلَوْ أَنّهُمْ حِينَ قَالُوا: دُونَك زَيْدًا يَلْفِظُونَ بِالْفِعْلِ فَيَقُولُونَ اسْتَقَرّ دُونَك زَيْدٌ، وَهُمْ يُرِيدُونَ الْإِغْرَاءَ بِهِ وَالْأَمْرَ بِأَخْذِهِ لَمَا جَازَ النّصْبُ بِوَجْهِ، لِأَنّ الْفِعْلَ ظَاهِرٌ لَفْظِيّ، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمَعْنَوِيّ.
مَعْنَى مُنَاشَدَةِ أَبِي بَكْرٍ فَصْلٌ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْمَعَانِي أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَأْمُرُ رَسُولَ اللهِﷺ- يالكفّ عَنْ الِاجْتِهَادِ فِي الدّعَاءِ، وَيُقَوّي رَجَاءَهُ وَيُثَبّتُهُ، وَمَقَامُ رَسُولِ اللهِﷺ- هُوَ المقام الأحمد
_________________
(١) - أنجشة، فقال له النبى «ص» رويدك سوقك بالقوارير. وهناك خلاف حول شخصية أنجشة. وقد شبه النساء بالقوارير من الزجاج لأنه يسرع إليها الكسر، وكان أنجشه يحدو وينشد القريض والرجز، فلم يأمن أن يصيبهن أو يقع فى قلوبهن حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك. وقيل أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت فى المشى واشتدت، فأزعجت الراكب، وأتعبته، فنهاه عن ذلك، لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة، وسميت القارورة بهذا لاستقرار الشراب فيها «ابن الأثير» .
[ ٥ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَقِينُهُ فَوْقَ يَقِينِ كُلّ أَحَدٍ، فَسَمِعْت شَيْخَنَا الْحَافِظَ «١» - ﵀- يَقُولُ فِي هَذَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في مَقَامِ الْخَوْفِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ فِي مَقَامِ الرّجَاءِ، وَكِلَا، الْمَقَامَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْفَضْلِ، لَا يُرِيدُ «٢» أَنّ النّبِيّ وَالصّدّيقَ سَوَاءٌ، وَلَكِنْ الرّجَاءُ وَالْخَوْفُ مقامان لابد للإيمان منهما، فأبوبكر كَانَ فِي تِلْكَ السّاعَةِ فِي مَقَامِ الرّجَاءِ لِلّهِ، وَالنّبِيّ ﵇ كَانَ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ مِنْ اللهِ، لِأَنّ لِلّهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ، فَخَافَ أَنْ لَا يَعْبُدَ اللهَ فِي الْأَرْضِ بَعْدَهَا، فَخَوْفُهُ ذَلِكَ عِبَادَةٌ. وَأَمّا قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ، فَذَهَبَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ إلَى غَيْرِ هَذَا، وَقَالَ: إنّمَا قَالَ ذَلِكَ الصّدّيقُ مَأْوِيَةً لِلنّبِيّ ﵇ وَرِقّةً عَلَيْهِ، لِمَا رَأَى مِنْ نَصَبِهِ فِي الدّعَاءِ وَالتّضَرّعِ حَتّى سَقَطَ الرّدَاءُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضَ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْ: لِمَ تُتْعِبْ نَفْسَك هَذَا التّعَبَ، وَاَللهِ قَدْ وَعَدَك بِالنّصْرِ، وَكَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ شَدِيدَ الْإِشْفَاقِ عَلَى النبى ﷺ «٣» .
_________________
(١) يعنى القاضى أبا بكر بن العربى.
(٢) يعنى شيخه ابن العربى، وهى فى الأصل: نريد، والتصويب من المواهب ص ٤٢٠ ح ١.
(٣) القول الأول قول الصوفية، والمقام عندهم كما عرفه القشيرى فى رسالته: ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب مما يتوصل إليه بنوع تصرف، ويتحقق به بضرب تطلب، ومقاساة تكلف، فمقام كل أحد: موضع إقامته عند ذلك، وما هو مشتغل بالرياضة له، وقد عرف أبو على الدقاق الخوف بقوله: الخوف ألا تعلل نفسك بعسى وسوف. وعرفوا الرجاء بقولهم: ثفة الجود من الكريم الودود، ولهما تعريفات أخرى غير هذا. وأقول: لا يمكن أن ينفصل الرجاء عن الخوف ولا الخوف عن الرجاء أبدا فى قلب المسلم، والمسلم الحق يغمر قلبه الرجاء، والخوف معانى كل أحواله. والصوفية يشترطون على «الدرويش» أو التابع- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - ألا يرتقى من مقام إلى آخر ما لم يستوف أحكام ذلك المقام!! ثم قالوا: ولا يصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود!! يعنون الشهود الإلهى!! أفيتفق هذا مع روح الإسلام؟، وكيف يعيش الإنسان فى مقام الخوف وحده؟ ولا ينتقل إلى مقام الرجاء إلا بشهود؟؟. وكيف نظن بالنبى العظيم ﷺ مثل هذا الظن؟ إن النبى ﷺ كان يدرك تماما حقيقة الموقف، وكان على بينة مما يترتب على الهزيمة والنصر، أكثر وأعظم من أبى بكر، فاتقدت مشاعره بهذا الإدراك خوفا ورجاء، أما أبو بكر فقد هبط إدراكه للأمر عن الأفق الرفيع الأسمى الذى تألق فوقة إدراك الرسول ﷺ، كما شغله عن الموقف قليلا، أو شغله من الموقف حال رسول الله ﷺ، فقال ما قال ﵁ وأرضاه. ولقد أبدع الحافظ فى الفتح، وهو يفسر قوله «ص» إن تهلك هذه العصابة لا تعبد: «وإنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين، فلو هلك هو ومن معه حينئذ، لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمر المشركون يعبدون غير الله» وهو يبين تماما كيف كان الرسول «ص» ينظر إلى الموقف.. وفى مسلم أن النبى قال هذا الكلام أيضا يوم أحد. أما المناشدة. ففى البخارى فى المغازى أن أبا بكر قال: حسبك. وفى التفسير: وقد ألححت على ربك. وفى مسلم: يا نبى الله كفاك مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك. وقد فسر الخطابى المناشدة بقوله: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبى «ص» فى تلك الحال، بل الحاصل للنبى على ذلك شفقته على أصحابه، وتقوية قلوبهم، لانه كان أول مشهد شهده، فبالغ فى التوجه والدعاء والابتهال، لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال أبو بكر ما قال، كف عن ذلك وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر فى نفسه من القوة والطمأنينة ص ٢٣١ ح ٧ فتح البارى ط عبد الرحمن محمد.
[ ٥ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) جِهَادُ النّبِيّ فِي الْمَعْرَكَةِ: قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَأَمّا شِدّةُ اجْتِهَادِ النّبِيّﷺ- وَنَصَبُهُ فِي الدّعَاءِ فَإِنّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تَنْصَبُ فِي الْقِتَالِ وَجِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ الْغُبَارُ، وَأَنْصَارُ اللهِ يَخُوضُونَ غِمَارَ الْمَوْتِ. وَالْجِهَادُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِهَادٌ بِالسّيْفِ، وَجِهَادٌ بِالدّعَاءِ، وَمِنْ سُنّةِ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ الْجُنْدِ لَا يُقَاتِلُ مَعَهُمْ، فَكَانَ الْكُلّ فِي اجْتِهَادٍ وُجِدَ، وَلَمْ يَكُنْ لِيُرِيحَ نَفْسَهُ مِنْ أَحَدِ الْجِدّيْنِ وَالْجِهَادَيْنِ، وَأَنْصَارُ اللهِ وَمَلَائِكَتُهُ يَجْتَهِدُونَ، وَلَا لِيُؤْثِرَ الدّعَةَ، وَحِزْبُ اللهِ مَعَ أَعْدَائِهِ يَجْتَلِدُونَ. الْمُفَاعَلَةُ: وَقَوْلُهُ بعض مُنَاشَدَتُك رَبّك، وَالْمُفَاعَلَةُ لَا تَكُونُ إلّا مِنْ اثْنَيْنِ وَالرّبّ لَا يَنْشُدُ عَبْدَهُ، فَإِنّمَا ذَلِكَ لِأَنّهَا مُنَاجَاةٌ لِلرّبّ، وَمُحَاوَلَةٌ لِأَمْرِ يُرِيدُهُ، فَلِذَلِكَ جَاءَتْ عَلَى بِنَاءِ الْمُفَاعَلَةِ، وَلَا بُدّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ فِعْلَيْنِ لِفَاعِلَيْنِ، إمّا مُتّفِقَيْنِ فِي اللّفْظِ، وَإِمّا مُتّفِقَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَظَنّ أَكْثَرُ أَهْلِ اللّغَةِ أَنّهَا قَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ نَحْوَ: عَاقَبْت الْعَبْدَ وَطَارَقْتُ النّعْلَ، وَسَافَرْت، وَعَافَاهُ اللهُ، فَنَقُولُ: أَمّا عَاقَبْت الْعَبْدَ فَهِيَ مُعَامَلَةٌ بَيْنَك وَبَيْنَهُ، عَامَلَك بِالذّنْبِ، وَعَامَلْته بِالْعُقُوبَةِ، فَأُخِذَ لَفْظُهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ، وَوَزْنُهَا مِنْ الْمُعَاوَنَةِ، وَأَمّا طَارَقْت النّعْلَ، فَمِنْ الطّرْقِ وَهُوَ الْفَوْهُ، فَقَدْ قَوّيْتهَا وَقَوّتْك عَلَى الْمَشْيِ، فَلَفْظُهَا مِنْ الطّرْقِ، وَبِنَاؤُهَا عَلَى وَزْنِ الْمُعَاوَنَةِ وَالْمُقَاوَاةِ، فَهَذَا اتّفَاقٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللّفْظِ، وَأَمّا سَافَرَ الرّجُلُ فَمِنْ سَفَرْت: إذَا كَشَفْت عَنْ وَجْهِك، فَقَدْ
[ ٥ / ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَفَرَ لِقَوْمِ، وَسَفَرُوا لَهُ، فَهَذِهِ مُوَافَقَةٌ فِي اللّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَأَمّا الْمُعَافَاةُ، فَإِنّ السّيّدَ يُعْفِي عَبْدَهُ مِنْ بَلَاءٍ فَيُعْفِي الْعَبْدُ سَيّدَهُ مِنْ الشّكْوَى وَالْإِلْحَاحِ، فَهَذِهِ مُوَافَقَةٌ فِي اللّفْظِ، ثُمّ تُضَافُ إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ اتّسَاعًا فِي الْكَلَامِ، وَمَجَازًا حَسَنًا.
عَصَبَ وَعَصَمَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النّقْعُ، وَهُوَ الْغُبَارُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّهُ قَالَ: رَأَيْته عَلَى فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَمْرَاءُ، وَقَدْ عَصَمَ بِثَنِيّتِهِ الْغُبَارَ؛ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَصَمَ وَعَصَبَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، يُقَالُ: عَصَبَ الرّيقَ بِفِيهِ، إذَا يَبِسَ وَأَنْشَدَ «١»:
يَعْصِبُ فَاهُ الرّيقُ أَيّ عَصْبِ عَصْبَ الجباب بشفاه الوطب
_________________
(١) الرجز لأبى محمد الفقعسى كما فى اللسان وشرح إصلاح المنطق للتبريزى.. وفى إصلاح المنطق لابن السكيت: العصب- بفتح فسكون مصدر عصب الريق بفيه يعصب عصبا إذا يبس، وقد عصب فاه الريق. قال أبن أحمر: حتى يعصب الريق بالفم ثم روى بيت الفقعسى ثم قال: والجباب ما اجتمع على قم الوطب مثل الزبد من لبن الإبل، فالجباب للابل مثل الزبد للغنم ص ٤٦ ط دار المعارف وانظر الأمالى ح ١ ص ٢٧ ط ٢ وسمط اللآلى ص ١٢٥ وفيه «وعصب الريق يكون من الجبن فى مواطن الحرب ومن الحصر والعى فى مواطن الجدال» وانظر نوادر أبى زيد الأنصارى ص ٢١ وزاد عن الجباب «وربما دهن به الأعراب» ولم ينسب البيت إلى أحد. وعصب بفتح الصاد وكسرها كما فى اللسان.
[ ٥ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَخَالَفَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ: هُوَ عُصُمٌ مِنْ الْعَصِيمِ وَالْعُصْمَ، وَهِيَ كَالْبَقِيّةِ تَبْقَى فِي الْيَدِ وَغَيْرِهَا مِنْ لَطْخِ حِنّاءٍ أَوْ عَرَقٍ أَوْ شَيْءٍ يُلْصَقُ بِالْعَضُدِ، كَمَا قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ لِأُخْرَى: أَعْطِنِي عُصُمَ حِنّائِك، أَيْ ما سلتت من مِنْ حِنّائِهَا، وَقَشَرَتْهُ مِنْ يَدِهَا. حَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ الْحُمَامِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَيْرِ بْنِ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ حِينَ أَلْقَى التّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: بَخٍ بَخٍ، وَهِيَ كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا التّعَجّبُ، وَفِيهَا لُغَاتٌ بَخْ بِسُكُونِ الْخَاءِ وَبِكَسْرِهَا مَعَ التّنْوِينِ، وَبِتَشْدِيدِهَا مُنَوّنَةً، وَغَيْرَ مُنَوّنَةً، وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيّ: أَنّ هَذِهِ الْقِصّةَ كَانَتْ أَيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ لَكِنّهُ لَمْ يُسَمّ فِيهَا عُمَيْرًا، وَلَا غَيْرَهُ فالله أعلم. حديث عوف بن عفراء: وقول عوف بن عَفْرَاءَ: مَا يُضْحِكُ الرّبّ مِنْ عَبْدِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَدْ قِيلَ فِي عَوْفٍ: عَوْذٌ بالذال المنقوطة، وبقوى هَذَا الْقَوْلَ أَنّ أَخَوَيْهِ: مُعَاذٌ وَمُعَوّذٌ. ضَحِكُ الرّبّ: وَيُضْحِكُ الرّبّ، أَيْ يُرْضِيهِ غَايَةَ الرّضَى، وَحَقِيقَتُهُ أَنّهُ رِضًى مَعَهُ تَبْشِيرٌ وَإِظْهَارُ كَرَامَةٍ، وَذَلِكَ أَنّ الضّحِكَ مُضَادّ لِلْغَضَبِ، وَقَدْ يَغْضَبُ السّيّدُ، وَلَكِنّهُ يَعْفُو وَيُبْقِي الْعَتَبَ، فَإِذَا رَضِيَ، فَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الْعَفْوِ، فَإِذَا ضَحِكَ فَذَلِكَ غَايَةُ الرّضَى؛ إذْ قَدْ يَرْضَى وَلَا يُظْهِرُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ الرّضَى، فَعَبّرَ عَنْ
[ ٥ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّضَى وَإِظْهَارِهِ بِالضّحِكِ فِي حَقّ الرّبّ سُبْحَانَهُ مَجَازًا وَبَلَاغَةً، وَتَضْمِينًا لِهَذِهِ الْمَعَانِي فِي لَفْظٍ وَجِيزٍ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ فِي طَلْحَةَ بْنِ الْبَرَاءِ: اللهُمّ الْقَ طَلْحَةَ يَضْحَكُ إلَيْك، وَتَضْحَكُ إلَيْهِ، فَمَعْنَى هَذَا: الْقَهُ لِقَاءَ مُتَحَابّيْنِ مُظْهِرَيْنِ لِمَا فِي أَنْفُسِهِمَا مِنْ رِضًى، وَمَحَبّةٍ، فَإِذَا قِيلَ: ضَحِكَ الرّبّ لِفُلَانِ، فَهِيَ كَلِمَةٌ وَجِيزَةٌ تَتَضَمّنُ رِضًى مَعَ مَحَبّةٍ وَإِظْهَارِ بِشْرٍ وَكَرَامَةٍ، لَا مَزِيدَ عَلَيْهِمَا، فَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الكلم التى أوتيها ﵇ «١» .
_________________
(١) لا يمر بخاطر مسلم ولا فكره حين يسمع بالضحك منسوبا إلى الله سبحانه ما يمر بخاطره أو فكره حين يسمع به منسوبا إلى البشر، ولا يتصور مسلم أن صورة الضحك البشرى، وما يستلزم، وما يحدث حين يكون يمكن أن ينسب إلى الله سبحانه، فهذا ضحك البشر، وذاك ضحك الله الذى ليس كمثله شىء، ولهذا نقف عن تأويله بشىء آخر حين يصح نقلا نسبته إلى الله جل وعلا. وأصل الضحك لغة: يفيد الانكشاف والبروز، وكل من أبدى عن أمر كان مستورا. قيل: قد ضحك. كما تقول: ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر فيها، وانفتق عن زهره وهو لا يستلزم انبساط الوجه وتكشر الأسنان إلا حين يكون منسوبا إلى البشر، أما حين ينسب إلى الله سبحانه، فلا يستلزم شيئا مما نسب إلى الخلق، لأنه جل شأنه الخالق. هذا ولم يرد نسبة الضحك فى القرآن إلى الله سبحانه. وإنما ورد فى الحديث مثل: «يضحك الله إلى رجلين بقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة يقاتل هذا فى سبيل الله، فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل فى سبيل الله، فيستشهد» البخارى ومسلم. وكقوله ﷺ للأنصارى وامرأته اللذين استضافا رجلا،: «لقد ضحك الله الليلة- أو عجب من فعالكما» من حديث رواه البخارى ومسلم، وانظر ص ٤٦٧ الأسماء والصفات لأبى بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقى، مطبعة السعادة.
[ ٥ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْحُ كَلَامِ أَبِي الْبَخْتَرِيّ وَالْمُجَذّرُ فَصْلٌ: وَقَوْلُ أَبِي الْبَخْتَرِيّ أَنَا وَزَمِيلٌ. الزّمِيلُ: الرّدِيفُ، وَمِنْهُ:
ازْدَمَلَ الرّجُلُ بِحَمْلِهِ إذَا أَلْقَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنّا نَتَعَاقَبُ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً عَلَى بَعِيرٍ، فَكَانَ عَلِيّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا كَانَتْ عُقْبَتُهُ﵇- قَالَا لَهُ ارْكَبْ؛ وَلْنَمْشِ عَنْك يَا رَسُولَ اللهِ، فَيَقُولُ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا.
وَقَوْلُ الْمُجَذّرِ: كَإِرْزَامِ الْمَرِيّ. الْمَرِيّ: النّاقَةُ تُمْرَى لِلْحَلَبِ، أَيْ تُمْسَحُ أَخْلَافُهَا. وَإِرْزَامُهَا: صَوْتُهَا وَهَدْرُهَا، وَقَدْ تَقَدّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَرْزَمَتْ ورزمت «١» .
_________________
(١) فى اللسان: رزمت الناقة ترزم وترزم بضم الزاى أو كسرها رزوما ورزاما بالضم: قامت من الإعياء والهزال فلم تتحرك فهى رازم، وأرزمت الناقة إرزاما: وهو صوت تخرجه من حلقها لا يفتح به فم، وإليك بعض معانى قصيدة المجذر: الرماح اليزنى: المنسوبة إلى ذى يزن، وهو ملك من ملوك اليمن. والكبش: رئيس القوم. والصعدة: عصا الرمح، ثم يسمى الرمح: صعدة. وأعبط: أقتل والعبط: القتل من غير سبب، والقرن: المقاوم فى الحرب. والعضب: السيف القاطع. والمشرفى: منسوب إلى المشارف وهى قرى بالشام. وفى كتاب العين أن المرى هى الناقة الغزيرة اللبن. يفرى فرى: أتى بأمر عجيب «عن أبى ذر الخشنى فى شرح السيرة» .
[ ٥ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفسيرها اللهِ وَهَبّرُوهُ:
وَقَوْلُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِأُمَيّةِ: هَا اللهِ ذَا «١» . هَا: تَنْبِيهٌ، وَذَا إشَارَةٌ إلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إلَى الْقَسَمِ، أَيْ: هَذَا قَسْمِي، وَأُرَاهَا إشَارَةً إلَى الْمُقْسِمِ، وَخَفْضُ اسْمِ اللهِ بِحَرْفِ الْقَسَمُ أَضْمَرَهُ، وَقَامَ التّنْبِيهُ مَقَامَهُ، كَمَا يَقُومُ الِاسْتِفْهَامُ مَقَامَهُ، فَكَأَنّهُ قال: هأنذا مُقْسِمٌ، وَفَصْلٌ بِالِاسْمِ الْمُقْسَمِ بِهِ، بَيْنَ هَا وَذَا، فَعُلِمَ أَنّهُ هُوَ الْمُقْسِمُ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ أنا، وكذلك قول أبى بكر: لا ها الله ذا، وقول زهير:
تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما «٢»
_________________
(١) هى فى النسخة المطبوعة مع الروض: ها الله ذا.
(٢) بقيته. فاقصد بذرعك وانظر أين ينسلك. «وإذا دخلت ها على الله ففيه أربعة أوجه أكثرها: إثبات ألف ها، وحذف همزة الوصل من الله فيلتقى ساكنان: ألف ها، واللام الأولى من: الله، وكان القياس حذف الألف، لان مثل ذلك إنما يغتفر فى كلمة واحدة كالضالين، أما فى كلمتين فالواجب الحذف، نحو ذا الله وما الله، إلا أنه لم يحذف فى الأغلب ههنها ليكون كالتنبيه على كون ألف ها من تمام ذا، فان «ها الله ذا» بحذف ألف ها ربما يوهم أن الهاء عوض عن همزة الله كهرقت فى أرقت، وهياك فى إياك. والثانية وهى المتوسطة فى القلة والكثرة- ها الله ذا «بحذف ألف ها للساكنين كما فى ذا الله، وما الله، ولكونها حرفا كلا، وما وذا. والثالثة- وهى دون الثانية فى الكثرة- إثبات ألف ها، وقطع همزة الله مع كونها فى الدرج. والرابعة: حكاها أبو على- وهى أقل الجميع- هأ لله بحذف همزة الوصل وفتح ألف ها للساكنين بعد قلبها همزة، كما فى الضألين، ودأبة. قال الخليل: -
[ ٥ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَكّدَ بِالْمَصْدَرِ قَسَمَهُ الّذِي دل عليه لفظه المتقدم.
وَقَوْلُهُ: هَبَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ مِنْ الْهَبْرَةِ وَهِيَ القطعة العظيمة من اللحم، أى فطعوه.
وَذَكَرَ قَوْلَ الْغِفَارِيّ حِينَ سَمِعَ حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ فى السّحابة، وسمع قائلا يقول:
افدم حَيْزُومُ. اُقْدُمْ بِضَمّ الدّالِ، أَيْ اُقْدُمْ الْخَيْلَ، وهو اسم فرس جبريل،
_________________
(١) - ذا من جملة جواب القسيم، وهو خبر مبتدأ محذوف، أى الأمر ذا، أو فاعل: أى ليكونن ذا، أو لا يكون ذا، والجواب الذى يأتى بعد نفيا أو إثباتا نحو: ها الله ذا لأفعلن، أولا أفعل بدل من الأول، ولا يقاس عليه، فلا يقال: ها الله أخوك أى لأنا أخوك ونحوه. وقال الأخفش: ذا من تمام القسم، إما صفة لله، أى الله الحاضر الناظر. أو مبتدأ محذوف الخبر، أى ذا قسمى، فبعد هذا إما أن يجىء الجواب، أو يحذف مع القرينة» الرضى فى شرح كافية ابن الحاجب ج ٢ ص ٣١٢ أما معنى التعبير، فقد ذكر الرضى أن معناها القسم، ثم ذكر الاختلاف حول الهاء، فقال: «وإذا حذف حرف القسم الأصلى أعنى: الباء، فإن لم يبدل منها، فالمختار النصب بفعل القسم، ويختص لفظة الله بجواز الجرمع حذف الجار بلا عوض، نحو: الكعبة لأفعلن، وتختص لفظة الله بتعويض ها، أو همزة الاستفهام من الجار وكذا يعوض من الجار فيها قطع همزة الله فى الدرج، فكأنها حذفت الدرج، ثم ردت عوضا من الحرف، وجار الله جعل هذه الأحرف بدلا من الواو، ولعل ذلك لاختصاصها بلفظة الله كالتاء، فاذا جئت بهاء التنبيه بدلا، فلا بد أن تجىء بلفظة ذا بعد للقسم به، نحو: لاها الله ذا، وإى ها الله ذا.. والظاهر أن حرف التنبيه من تمام اسم الاشارة.. قدم على لفظ المقسم به عند حذف الحرف ليكون عوضا منه» ح ٢ ص ٣١١، ٣١٢ شرح الكافية وانظر ص ٢١٣ ج ٢ شرح الشافية للرضى. وقد نقلنا كلام الكافية من هامش الشافية للمحققين.
[ ٥ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ فَيْعُولٌ مِنْ الْحَزْمِ، وَالْحَيْزُومُ أَيْضًا أَعْلَى الصّدْرِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا سُمّيَ بِهِ؛ لِأَنّهُ صَدْرٌ لِخَيْلِ الْمَلَائِكَةِ، وَمُتَقَدّمٌ عَلَيْهَا، وَالْحَيَاةُ أَيْضًا فَرَسٌ أُخْرَى لِجِبْرِيلَ لَا تَمَسّ شَيْئًا إلّا حَيِيَ، وَهِيَ الّتِي قَبَضَ مِنْ أَثَرِهَا السّامِرِيّ، فَأَلْقَاهَا فِي الْعِجْلِ الّذِي صَاغَهُ مِنْ ذهب، فكان له خوار، ذكره الزّجّاج «١» .
_________________
(١) ليس لما نقله عن الزجاج حجة وقبض السامرى بتفسير المفسرين شىء لا يسنده حديث ولا عقل.. والقرآن لم يأت بذكر لفرس: لا لجبريل فى الآية، وإنما أتى بقوله سبحانه: (فقبضت قبضة من أثر الرسول) هكذا بأداة التعريف، التى تفهمنا أنه رسول معروف، ولم يكن ثم غير هارون وموسى، كيف عرف السامرى جبريل؟ وكيف قبض القبضة؟ وكيف ينسب إلى فرس أنه يحعل كل شىء يمر عليه حيا؟ والسامرى نسبة إلى شامر. والشين فى العبرية يغلب أن تكون سينا فى العربية، وشامر معناها: حارس. واليهود والنصارى يتهمون هارون ﵇ بأنه هو الذى صنع لهم لعجل، ففى الإصحاح الثانى والثلاثين من سفر الخروج ورد: ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ فى النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأن هذا موسى الرجل الذى أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه، فقال لهم هارون: لنزعوا أقراط الذهب التى فى آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم، وأتونى بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التى فى آذانهم، وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم، وصوره بالإزميل، وصنعه عجلا مسبوكا، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التى أصعدتك من أرض مصر، فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه» هذه صورة من صور تحريف الكلم عن مواضعه، فقد رفع اسم السامرى، ووضع مكانه اسم هارون. ولا يتصور إنسان سوى اليهود والنصارى ومن فى قلبه مس يهودية أو نصرانية أن نبيا عظيما كهارون يتردى فى هذه الوثنية التى أرسله الله بتدميرها!!. ولكنهم قوم يفترون على الله الكذب، وقد بهتوا سليمان بعبادة الأصنام، وداود بالزنا والقتل غيلة. وقد يكون العجل الذى جاء به السامرى عجلا حقيقيا، ويكون معنى «من» فى-
[ ٥ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَسَبُ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيّ:
فَصَل: وَذَكَرَ أَبَا دَاوُدَ الْمَازِنِيّ وَقَوْلَهُ: لَقَدْ أَتْبَعْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَسَقَطَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إلَيْهِ. اسْمُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا عَمْرٌو، وَقِيلَ: عُمَيْرُ بْنُ عَامِرٍ «١»، وَهَذَا هُوَ الّذِي قَتَلَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامٍ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ فِي قَوْلِ طائفة من أَهْلِ السّيَرِ غَيْرَ ابْنِ إسْحَاقَ وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ قَتَلَهُ الْمُجَذّرُ كَمَا تَقَدّمَ.
لُغَوِيّاتٌ وَقَوْلُ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو فِي مَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ: ما شبّهت رجله حين طاحت
_________________
(١) - قوله سبحانه (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار) يكون معناها على البدل. ويكون المعنى أن السامرى خدع بنى إسرائيل، فأخذ منهم حليهم، ثم أخرج لهم عجلا حقيقيا بدلا من الحلى الذى أخفاه لنفسه، وهذا يتفق مع التحريق والنسف، لأن الحلى تصهر، ولا تذرى، وتظل جسدا كما هى، أو يكون السامرى قد صنع العجل بطريقة خاصة تجعله يحدث ذلك الخوار، ويكون الحلى نوعا مما يحرق ويذرى. أما القبضة التى قبضها، فقد قال فيها الشيخ عبد الوهاب النجار ما يأتى: «إنه قبض قبضة من أثر الرسول، أى تعليمه وأحكام التوحيد التى جاء بها الرسول- وهو موسى- فنبذتها، أى ألقيتها، وأهملتها، وكذلك سولت لى نفسى» وهو رأى يحق أن نفكر فيه، فكل آراء المفسرين حول هذا تعمتد على خرافة قبض السامرى من فرس جبريل!! ورأى يا بنى على أسطورة يجب أن ينبذ
(٢) عمير بن عامر بن مالك بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ابن النجار «الإصابة عن ابن البرقى» وقد ذكره مسلم والنسائى والطبرى وابن الجاورد وابن السكن وأبو أحمد، كلهم ذكروه بكنيته: أبى داود» وبعضهم كناه بأبى دؤاد بتقديم الهمزة على الألف.
[ ٥ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلّا بِالنّوَاةِ تَطِيحُ مِنْ تَحْتِ الْمِرْضَخَةِ. طَاحَتْ: ذَهَبَتْ، وَلَا يَكُونُ إلّا ذَهَابَ هَلَاكٍ، وَالْمِرْضَخَةُ. كالإرزبّة «١» يدقّ بها النوى للعلف، والرّضح بِالْحَاءِ مُهْمَلَةً: كَسْرُ الْيَابِسِ، وَالرّضْخُ كَسْرُ الرّطَبِ، ووقع فى أصل الشيخ المرضحة بِالْحَاءِ وَالْخَاءِ مَعًا، وَيَدُلّ عَلَى أَنّهُ كُسِرَ لَمّا صُلِبَ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الطّائِيّ:
أَتَرْضَحُنِي رَضْحَ النّوَى وَهِيَ مُصْمَتٌ وَيَأْكُلُنِي أَكْلَ الدّبَا وَهُوَ جائع
وإنما نحتجوا «٢» بِقَوْلِ الطّائِيّ، وَهُوَ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ لِعِلْمِهِ، لَا لِأَنّهُ عَرَبِيّ يُحْتَجّ بِلُغَتِهِ «٣» .
الْغُلَامَانِ اللّذَانِ قَتَلَا أَبَا جَهْلٍ:
وَذَكَرَ الْغُلَامَيْنِ اللّذَيْنِ قَتَلَا أَبَا جَهْلٍ، وَأَنّهُمَا مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الجموح
_________________
(١) الإرزبة أو المرزبة: عصية من حديد.
(٢) لعلها نحتج أو: احتجوا.
(٣) قال أبو النجم: بكل وأب للحصى رضاح ليس بمصطتر ولا فرشاح الو أب: الشديد القوى والمصطتر: الضيق، والفرشاح: المنبطح. ومن رجز أبى جهل وهو يقاتل: البازل: الذى خرج نابه وهو فى ذلك السن تكتمل قوته. والرجز يقال إنه ليس لأبى جهل وإنما تمثل به. ومن معانى حديث قتل أبى جهل: أطنت قدمه: أطارت قدمه. وأجهضنى القتال: غلبنى واشتد على.
[ ٥ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومعوّذ بن عفراء، وفى صحيح مسلم أنهما معاذ بن عَفْرَاءَ وَمُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَعَفْرَاء هِيَ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ عَرَفَ بِهَا بَنُو عَفْرَاءَ «١» وَأَبُوهُمْ الْحَارِثُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَرِوَايَةُ ابْنِ إدْرِيسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، كَمَا فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَصَحّ مِنْ هَذَا كُلّهِ حَدِيثُ أَنَسٍ حِينَ قَالَ النّبِيّ ﷺ: مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ أَبِي جَهْلٍ، الْحَدِيثُ، وَفِيهِ أَنّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ قَتَلَاهُ.
وَقَوْلُ أَبِي جَهْلٌ: اعْمَدْ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، وَيُرْوَى قَتَلَهُ قَوْمُهُ، أَيْ:
هَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ «٢»، وَهُوَ مَعْنَى تَفْسِيرِ ابْنِ هِشَامٍ، حَيْثُ قَالَ: أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ عَارٌ، وَالْأَوّلُ: تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ [أَنْشَدَ] شَاهِدًا عَلَيْهِ:
[تُقَدّمُ قَيْسٌ كُلّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ وَيُثْنَى عَلَيْهَا فِي الرخاء ذنوبها]
_________________
(١) فى جمهرة ابن حزم: ص ٣٢٩ عفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن عبد بن ثعلبة بن غنم بن مالك. وفى الإصابة: عفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن سواد بن غنم، ويقال: ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنَمِ بن مالك بن النجار، وذكرها ابن حبيب فى المبايعات، وهى والدة معاذ ومعوذ وعوف بنى الحارث يقال لكل منهم ابن عفراء. وعفراء هذه لها خصيصة لا توجد لغيرها، وهى أنها تزوجت بعد الحارث البكير بن ياليل الليثى، فولدت له أربعة: إياسا وعاقلا وخالدا وعامرا، وكلهم شهدوا بدرا وكذلك إخوتهم لأمهم بنو الحارث، فالتظم من هذا أنها امرأة صحابية لها سبعة أولاد شهدوا كلهم بدرا مع النبى ﵌.
(٢) فى اللسان منسوبا إلى أبى عبيدة أن معناه: هل زاد على سيد قومه، هل كان إلا هذا.. وقال شمر: هذا استفهام، أى: أعجب من رجل قتله قومه، قال الأزهرى: كان الأصل: أأعمد من سيد فخففت إحدى الهمزتين.
[ ٥ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَعْمَدُ مِنْ قَوْمٍ كَفَاهُمْ أَخُوهُمْ صِدَامَ الْأَعَادِي حِينَ فُلّتْ نُيُوبُهَا «١»
قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵁: وَهُوَ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ عَمِدَ الْبَعِيرُ يعمد:
إذا اتفسّخ سَنَامُهُ، فَهَلَكَ، أَيْ أَهْلَكُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ هَذَا، وَمَا ذَكَرُوهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ لِابْنِ مَسْعُودٍ:
لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِي الْغَنَمِ. مُرْتَقًى صَعْبًا يُعَارِضُ مَا وَقَعَ فِي سَيْرِ ابْنِ شِهَابٍ وَفِي مَغَازِي ابْنِ عُقْبَةَ «٢» أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَجَدَهُ جَالِسًا لَا يَتَحَرّكُ، وَلَا يَتَكَلّمُ فَسَلَبَهُ دِرْعَهُ، فَإِذَا فِي بَدَنِهِ نُكَتٌ سُودٌ، فَحَلّ تَسْبَغَةَ الْبَيْضَةِ «٣»، وَهُوَ لَا يَتَكَلّمُ، وَاخْتَرَطَ سَيْفُهُ يَعْنِي سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَهُ، ثُمّ سَأَلَ رَسُولَ اللهِﷺ- حين احْتَمَلَ رَأْسَهُ إلَيْهِ عَنْ تِلْكَ النّكَتِ السّودِ الّتِي رَآهَا فِي بَدَنِهِ، فَأَخْبَرَهُ ﵇ أَنّ الْمَلَائِكَةَ قَتَلَتْهُ، وَأَنّ تِلْكَ آثَارُ ضَرْبَاتِ الْمَلَائِكَةِ، وَرَوَى يُونُسُ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ، قَالَ:
أَرَانِي الْقَاسِم بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ سَيْفَ عَبْدِ الله بن مسعود، قال: هذا سيف
_________________
(١) البيت منسوب إلى ابن ميادة، ونسبه الأزهرى إلى ابن مقبل، وقد زدت البيت من اللسان. ويفسره الخشنى بما يأتى منسوب إلى سراج ابن «يريد أكبر من رجل قتلتموه على سبيل التحقير منه لفعلهم به» ص ١٦٠.
(٢) قال عنها مالك: مغازى موسى بن عقبة أصح المغازى ص ١٨٢ ح ٢ السيرة الحلبية
(٣) التسبغة بكسر الياء وفتحها: ما توصل به البيضة من حلق الدرع فتستر العنق، وهى تسابغ وتسبغ أيضا. والبيضة الخوذة.
[ ٥ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبِي جَهْلٍ حِينَ قَتَلَهُ فَأَخَذَهُ فَإِذَا سَيْفٌ قَصِيرٌ عَرِيضٌ فِيهِ قَبَائِعُ فِضّةٍ «١» وَحَلَقُ فِضّةٍ قَالَ أَبُو عُمَيْسٍ، فَضَرَبَ بِهِ الْقَاسِمُ عُنُقَ ثَوْرٍ فَقَطَعَهُ، وَثَلَمَ فِيهِ ثَلْمًا، فَرَأَيْت الْقَاسِمَ جَزَعَ مِنْ ثَلْمِهِ جَزَعًا شَدِيدًا.
إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ:
وَقَوْلُ النّبِيّ ﵇ اللهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ، بِالْخَفْضِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، لِأَنّ الِاسْتِفْهَامَ عِوَضٌ مِنْ الْخَافِضِ عِنْدَهُ، وإذا كنت مخبرا قُلْت:
اللهَ بِالنّصْبِ لَا يُجِيزُ الْمُبَرّدُ غَيْرَهُ، وَأَجَازَ سِيبَوَيْهِ الْخَفْضَ أَيْضًا لِأَنّهُ قَسَمٌ، وَقَدْ عَرَفَ أَنّ الْمُقْسِمَ بِهِ مَخْفُوضٌ بِالْبَاءِ أَوْ بِالْوَاوِ، وَلَا يَجُوزُ إضْمَارُ حُرُوفِ الْجَرّ إلّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ أَوْ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ جِدّا كَمَا رُوِيَ أَنّ رُؤْبَةَ كَانَ يَقُولُ، إذَا قِيلَ لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْت؟ خَيْرٌ عَافَاك اللهُ «٢» .
وَقَوْلُ النّبِيّﷺ- فِي أَبِي جَهْلٍ حِينَ ذَكَرَ مُزَاحَمَتِهِ لَهُ فِي مَأْدُبَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الْمَوْلِدِ التّعْرِيفُ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ وَذَكَرْنَا خَبَر جَفْنَتِهِ، وَسَبَبَ غِنَاهُ بعد أن كان صعلوكا بأتم بيان.
_________________
(١) جمع قبيعة وهى التى تكون على رأس قائم السيف أو ما تحت شاربى السيف
(٢) التقدير: على خير، أو بخير، ومثل هذا يقتصر فيه على السماع، ومنه قول الفرزدق: إذا قيل: أى الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع أى إلى كليب، ومنه قول الشاعر: وكريمة من آل قيس ألفته حتى تبندخ فارتقى الأعلام أى: إلى الأعلام. ويطرد إضمار حرف الجر فى ثلاثة عشر موضعا تنظر فى كتب النحو يقول ابن مالك فى ألفيته: وقد يجر بسوى رب لدى حذف، وبعضه يرى مطردا
[ ٥ / ١٤٤ ]
[خبر عكاشة بن محصن]
قال ابن إسحاق: وقانل عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ الْأَسَدِيّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفِهِ حَتّى انْقَطَعَ فِي يَدِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ جِذْلًا مِنْ حَطَبٍ، فَقَالَ: قَاتِلْ بِهَذَا يَا عُكّاشَةُ، فَلَمّا أَخَذَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَزّهُ، فَعَادَ سَيْفًا فِي يَدِهِ طَوِيلَ الْقَامَةِ، شَدِيدَ الْمَتْنِ، أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ، فَقَاتَلَ بِهِ حَتّى فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ السّيْفُ يُسَمّى: الْعَوْنَ. ثُمّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حتى قُتِلَ فِي الرّدّةِ، وَهُوَ عِنْدَهُ، قَتَلَهُ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيّ، فَقَالَ طُلَيْحَةُ فِي ذَلِكَ:
فَمَا ظَنّكُمْ بِالْقَوْمِ إذْ تَقْتُلُونَهُمْ أَلَيْسُوا وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا بِرِجَالِ
فَإِنْ تَكُ أَذَاوُدٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبَالِ
نَصَبْتُ لَهُمْ صَدْرَ الْحِمَالَةِ إنّهَا مُعَاوِدَةٌ قِيلَ الْكُمَاةُ نَزَال
فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجَلَالِ مَصُونَة وَيَوْمًا تَرَاهَا غَيْرَ ذَاتِ جِلَالِ
عَشِيّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أقرم ثاويا وعكّاشة الغنمىّ عند حجال
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حِبَالُ: ابْنُ طُلَيْحَةَ بْنِ خويلد. وابن أقرم: ثابت بن أفرم الْأَنْصَارِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَعُكّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَدْخُلُ الْجَنّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ (م ١٠- لروض الأنف ج هـ)
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٤٥ ]
أُمّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ؛ قَالَ: إنّك مِنْهُمْ، أَوْ اللهُمّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ وَبَرَدَتْ الدّعْوَةُ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فيما بَلَغَنَا عَنْ أَهْلِهِ: مِنّا خَيْرُ فَارِسٍ فِي الْعَرَبِ؛ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيّ: ذَاكَ رَجُلٌ مِنّا يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: لَيْسَ مِنْكُمْ وَلَكِنّهُ مِنّا لِلْحِلْفِ.
حَدِيثٌ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَادَى أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ابْنَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: أَيْنَ مَالِي يَا خَبِيثُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ:
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ شِكّةٍ ويَعْبُوبْ وَصَارِمٌ يَقْتُلُ ضُلّالِ الشّيبْ
فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمّدٍ الدّرَاوَرْدِيّ.
[طَرْحُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْقَلِيبِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي الْقَلِيبِ طُرِحُوا فِيهِ، إلّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَإِنّهُ انْتَفَخَ فى درعه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٤٦ ]
فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا لِيُحَرّكُوهُ، فَتَزَايَلَ لَحْمُهُ، فَأَقَرّوهُ، وَأَلْقَوْا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة. فلمّا أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ، وَقَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا؟ فإنى وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُكَلّمُ قَوْمًا مَوْتَى؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنّ مَا وَعَدَهُمْ رَبّهُمْ حَقّا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَالنّاسُ يَقُولُونَ: لَقَدْ سَمِعُوا مَا قُلْت لَهُمْ، وَإِنّمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ عَلِمُوا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُمَيْدٌ الطّوِيلُ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
سَمِعَ أصحاب رسول الله ﷺ، رسول الله ﷺ من جَوْفِ اللّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، يَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيّةُ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، فَعَدّدَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْقَلِيبِ:
هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقّا؛ فَإِنّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيّفُوا؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أنُ يُجِيبُونِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، بِئْسَ عَشِيرَةُ النّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيّكُمْ، كَذّبْتُمُونِي وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، وقاتلتمونى نصرنى النّاسُ؛ ثُمّ قَالَ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا؟ لِلْمَقَالَةِ الّتِي قَالَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٤٧ ]
[شِعْرُ حَسّانَ فِيمَنْ أَلَقُوا فِي الْقَلِيبِ]
قَالَ ابن إسحاق: وقال حسّان بن ثابت:
عَرَفْتُ دِيَارَ زَيْنَبَ بِالْكَثِيبِ كَخَطّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ
تَدَاوَلُهَا الرّيَاحُ وَكُلّ جَوْنٍ مِنْ الْوَسْمِيّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ
فَأَمْسَى رَسْمُهَا خَلَقًا وَأَمْسَتْ يَبَابًا بَعْدَ سَاكِنِهَا الْحَبِيبِ
فَدَعْ عَنْك التّذَكّرَ كُلّ يَوْمٍ وَرُدّ حَرَارَةَ الصّدْرِ الْكَئِيبِ
وَخَبّرَ بِاَلّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ بِصِدْقِ غَيْرِ إخْبَارِ الْكَذُوبِ
بِمَا صَنَعَ الْمَلِيكُ غَدَاةَ بَدْرٍ لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النّصِيبِ
غَدَاةَ كَأَنّ جَمْعَهُمْ حراء بدت أركانه جنح الغروب
فلا قيناهم مِنّا بِجَمْعٍ كَأُسْدِ الْغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ
أَمَامَ مُحَمّدٍ قَدْ وَازَرُوه عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي لَفْحِ الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات وكلّ مجرّب خاطى الْكُعُوبِ
بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفُ وَازَرَتْهَا بَنُو النّجّارِ فِي الدّينِ الصّلِيبِ
فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ
وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ
يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللهِ لَمّا قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ
أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقّا وَأَمْرُ اللهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ؟
فَمَا نَطَقُوا، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا: صَدَقْتَ وَكُنْتَ ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ!
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٤٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُلْقَوْا فِي القليب، أخد عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَسُحِبَ إلَى الْقَلِيبِ، فَنَظَرَ رسول الله ﷺ- فيما بَلَغَنِي- فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ قَدْ تَغَيّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا حُذَيْفَةَ، لَعَلّك قَدْ دَخَلَك مِنْ شَأْنِ أَبِيك شَيْءٌ؟
أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ؛ فَقَالَ: لَا، وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَكَكْتُ فِي أَبِي وَلَا فى مصرعه، ولكننى كُنْتُ أَعْرِفُ مَنْ أَبِي رَأْيًا وَحِلْمًا وَفَضْلًا، فَكُنْت أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ ذَلِكَ إلَى الْإِسْلَامِ، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت مامات عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ، بَعْدَ الّذِي كُنْتُ أَرْجُو لَهُ، أَحْزَنَنِي ذَلِكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَيْرٍ، وَقَالَ لَهُ خيرا.
[من نَزَلَ فِيهِمْ: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ]
وَكَانَ الْفِتْيَةُ الّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْقُرْآن، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا» فتية مسمّين.
مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: الْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ ابن عبد المطّلب بن أَسَدٍ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو قَيْسِ بْنُ الفاكه بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ابن مَخْزُومٍ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن مخزوم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٤٩ ]
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ: عَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح.
وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصِ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ ابْنِ سَهْمٍ.
وَذَلِكَ أَنّهُمْ كَانُوا أَسْلَمُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ، فَلَمّا هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَعَشَائِرُهُمْ بِمَكّةَ وَفَتَنُوهُمْ فَافْتَتَنُوا، ثُمّ سَارُوا مَعَ قَوْمِهِمْ إلَى بَدْرٍ فأصيبوا به جميعا.
[ذكر الفىء ببدر]
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِمَا فِي الْعَسْكَرِ، مِمّا جَمَعَ النّاسُ، فَجَمَعَ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَقَالَ مَنْ جَمَعَهُ: هُوَ لَنَا، وَقَالَ الّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوّ وَيَطْلُبُونَهُ: وَاَللهِ لَوْلَا نَحْنُ مَا أَصَبْتُمُوهُ لَنَحْنُ شَغَلَنَا عَنْكُمْ الْقَوْمُ حَتّى أَصَبْتُمْ مَا أَصَبْتُمْ؛ وَقَالَ الّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مخافة أن يخالف إليه العدوّ: والله ما أنتم بأحقّ به منا، والله لقد رأينا أن نقتل العدوّ إذ منحنا الله تعالى أكتافه، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكنّا خِفْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَرّةَ الْعَدُوّ، فَقُمْنَا دُونَهُ، فَمَا أَنْتُمْ بِأَحَقّ بِهِ مِنّا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْد الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عن سليمان بن مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ- واسمه صدىّ ابن عَجْلَانَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: سَأَلْت عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٠ ]
فَقَالَ: فِينَا أَصْحَابُ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النّفَلِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَنَزَعَهُ اللهُ مِنْ أَيْدِينَا، فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ يَقُولُ: عَلَى السّوَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، قَالَ: حَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَصَبْتُ سَيْفَ بَنِي عَائِذٍ الْمَخْزُومِيّينَ الّذِي يُسَمّى الْمَرْزُبَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ أَنْ يَرُدّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ النّفَلِ، أَقْبَلْتُ حَتّى أَلْقَيْتُهُ فِي النّفَلِ.
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا سُئِلَهُ، فعرفه الأرقم ابن أَبِي الْأَرْقَمِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَعْطَاهُ إيّاهُ.
[بَعْثُ ابْنِ رَوَاحَةَ وَزَيْدِ بَشِيرِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ الْفَتْحِ عَبْدَ اللهِ ابْنَ رَوَاحَةَ بَشِيرًا إلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، بِمَا فَتَحَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَى أَهْلِ السّافِلَةِ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَأَتَانَا الْخَبَرُ- حِينَ سَوّيْنَا التّرَابَ عَلَى رقية ابنة رسول الله ﷺ، الّتِي كَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ. كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خلّفنى عليها مع عثمان- أن زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ قَدْ قَدِمَ. قَالَ:
فَجِئْته وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْمُصَلّى قَدْ غَشِيَهُ النّاسُ، وَهُوَ يَقُولُ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَزَمَعَةُ بْنُ الأسود، وأبو البخترىّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥١ ]
والعاص بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهُ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ. قَالَ: قُلْت:
يَا أَبَتْ، أَحَقّ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللهِ يَا بُنَيّ.
[قُفُولُ رَسُولِ اللهِ مِنْ بَدْرٍ]
ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ الْأُسَارَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِمْ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَاحْتَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ النّفَلَ الّذِي أُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ عَلَى النّفَلِ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْن غَنْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ النّجّارِ؛ فَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَال: إنّهُ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ:
أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ لَيْسَ بِذِي الطّلْحِ لَهَا مُعَرّسُ
وَلَا بِصَحْرَاءِ غُمَيرٍ مَحْبَسُ إنّ مَطَايَا الْقَوْمِ لَا تُخَيّسُ
فَحَمْلُهَا عَلَى الطّرِيقِ أَكْيَسُ قَدْ نَصَرَ اللهُ وَفَرّ الْأَخْنَسُ
ثُمّ أَقْبَلَ رسول الله ﷺ- حتى إذَا خَرَجَ مِنْ مَضِيقِ الصّفْرَاءِ نَزَلَ عَلَى كَثِيبٍ بَيْنَ الْمَضِيقِ وَبَيْنَ النّازِيَةِ- يُقَالُ لَهُ: سَيْرٌ- إلَى سَرْحَةٍ بِهِ.
فَقَسَمَ هُنَالِكَ النّفَلَ الّذِي أَفَاءَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى السّوَاءِ ثُمّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتّى إذَا كَانَ بِالرّوْحَاءِ لفيه الْمُسْلِمُونَ يُهَنّئُونَهُ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ- كَمَا حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: مَا الّذِي تُهَنّئُونَنَا به؟
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٢ ]
فو الله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقّلة، فنحرناها، فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ قَالَ: أَيْ ابْنَ أَخِي، أُولَئِكَ الْمَلَأُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَلَأُ: الْأَشْرَافُ وَالرّؤَسَاءُ.
[مَقْتَلُ النّضْرِ وَعُقْبَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى إذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالصّفْرَاءِ قُتِلَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَمَا أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ حَتّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ قُتِلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عِرْقُ الظّبْيَةِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَلّذِي أَسَرَ عُقْبَةَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلِمَةَ أَحَدُ بَنِي الْعَجْلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ عُقْبَةُ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِ فَمَنْ لِلصّبْيَةِ يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ: النّارُ. فَقَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيّ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَمَا حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامَ: وَيُقَالُ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَبُو هِنْدٍ، مَوْلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَيّاضِي بِحَمِيتٍ مَمْلُوءٍ حيسا.
وقال ابْنُ هِشَامٍ: الْحَمِيتُ: الزّقّ، وَكَانَ قَدْ تَخَلّفَ عَنْ بَدْرٍ، ثُمّ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهو كَانَ حَجّامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنما هو أبو هند امرؤ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَنْكِحُوهُ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ، فَفَعَلُوا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ الأسارى بيوم.
قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ أَنّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ ابْنِ أَسَعْدَ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: قُدِمَ بِالْأُسَارَى حِينَ قُدِمَ بِهِمْ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ زَوْجُ النّبِيّ ﷺ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ، فِي مَنَاحَتِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوّذٍ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنّ الْحِجَابُ.
قَالَ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاَللهِ إنى لعندهم إذ أنينا، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى، قَدْ أُتِيَ بِهِمْ قَالَتْ: فَرَجَعْت إلَى بَيْتِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ، وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ، مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ قَالَتْ: فَلَا وَاَللهِ مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حِينَ رَأَيْت أَبَا يَزِيدَ كَذَلِكَ أَنْ قُلْت: أَيْ أَبَا يَزِيدَ: أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، ألا متّم كراما، فو الله مَا أَنْبَهَنِي إلّا قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْبَيْتِ: يَا سَوْدَةُ، أَعَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ تُحَرّضِينَ؟ قَالَتْ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٤ ]
قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْت مَا قُلْت.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نُبِيّهُ بْنُ وَهْبٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ. أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ أَقْبَلَ بِالْأُسَارَى فَرّقَهُمْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ:
اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا. قَالَ: وَكَانَ أَبُو عَزِيزٍ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِأَبِيهِ وَأُمّهِ فِي الْأُسَارَى.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَزِيزٍ: مَرّ بِي أَخِي مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَرَجُلٌ من الأنصار يأسرنى، فقال: شدّيدك بِهِ، فَإِنّ أُمّهُ ذَاتُ مَتَاعٍ، لَعَلّهَا تَفْدِيهِ مِنْك، قَالَ: وَكُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ، فَكَانُوا إذَا قَدّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصّونِي بِالْخُبْزِ، وَأَكَلُوا التّمْرَ، لِوَصِيّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيّاهُمْ بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلّا نَفَحَنِي بِهَا. قَالَ: فَأَسْتَحْيِيَ فَأَرُدّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ، فَيَرُدّهَا عَلَيّ ما يمسها.
[بُلُوغُ مُصَابِ قُرَيْشٍ إلَى مَكّةَ]
قَالَ ابْنُ هشام: وَكَانَ أَبُو عَزِيزٍ صَاحِبَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرِ بعد النّضر ابن الْحَارِثِ، فَلَمّا قَالَ أَخُوهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ لِأَبِي الْيَسَرِ، وَهُوَ الّذِي أَسَرَهُ، مَا قَالَ قَالَ لَهُ أَبُو عَزِيزٍ: يَا أَخِي، هَذِهِ وَصَاتُك بِي، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ:
إنّهُ أَخِي دُونَك. فَسَأَلَتْ أُمّهُ عَنْ أَغْلَى مَا فُدِيَ بِهِ قُرَشِيّ، فَقِيلَ لَهَا: أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فبعت بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَفَدَتْهُ بِهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٥ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوّلُ مَنْ قَدِمَ مَكّةَ بِمُصَابِ قُرَيْشٍ الْحَيْسُمَانَ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيّ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنُبَيّهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ، فَلَمّا جَعَلَ يُعَدّدُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ؛ قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الحجر: والله إن يعقل هذا فاسئلوه عنى؛ فقالوا: مَا فَعَلَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الْحِجْرِ، وَقَدْ وَاَللهِ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: كنت غُلَامًا لِلْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَأَسْلَمَ الْعَبّاسُ وَأَسْلَمَتْ أمّ الفضل وأسلمت وكان العبّاس بهاب قَوْمَهُ وَيَكْرَهُ خِلَافَهُمْ وَكَانَ يَكْتُمُ إسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرّقٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ قَدْ تَخَلّفَ عَنْ بَدْرٍ، فَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِي بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَذَلِك كَانُوا صَنَعُوا، لَمْ يَتَخَلّفْ رَجُلٌ إلّا بَعَثَ مَكَانَهُ رَجُلًا، فَلَمّا جَاءَهُ الْخَبَرُ عَنْ مُصَابِ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَبَتَهُ اللهُ وَأَخْزَاهُ، ووجدنا فى أنفسنا قوّة وعزّا. قَالَ: وَكُنْت رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْت أَعْمَلُ الْأَقْدَاحَ. أنحتها فى حجرة زمزم، فو الله إنّي لَجَالِسٌ فِيهَا أنْحَتُ أَقْدَاحِي، وَعِنْدِي أُمّ الْفَضْلِ جَالِسَةٌ، وَقَدْ سَرّنَا مَا جَاءَنَا مِنْ الْخَبَرِ، إذْ أَقْبَلَ أَبُو لَهَبٍ يَجُرّ رِجْلَيْهِ بِشَرّ، حَتّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ الْحُجْرَةِ، فَكَانَ ظَهْرُهُ إلَى ظَهْرِي، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ إذْ قال الناس: هذا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٦ ]
أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ- قَدْ قَدِمَ قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَلُمّ إلَيّ، فَعِنْدَك لَعَمْرِي الْخَبَرُ، قَالَ:
فَجَلَسَ إلَيْهِ والناس قيام عليه، فقال: يابن أَخِي، أَخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ أَمْرُ النّاسِ؟
قَالَ: وَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ لَقِينَا الْقَوْمَ فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاؤا، ويأسروننا كيف شاؤا، وايم الله مع ذلك مالمت النّاسَ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا، عَلَى خَيْلٍ بَلْقٍ، بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاَللهِ مَا تُلِيقُ شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَرَفَعْت طُنُبَ الْحُجْرَةِ بِيَدَيّ، ثُمّ قُلْتُ: تِلْكَ وَاَللهِ الْمَلَائِكَةُ؛ قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ فضرب بها وجهى ضربة شديدة. قال:
وثاورته فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِي الْأَرْضَ، ثُمّ بَرَكَ عَلَيّ يَضْرِبُنِي، وَكُنْت رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقَامَتْ أُمّ الْفَضْلِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِ الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَتْهُ فَضَرَبَتْهُ به ضربة فلعت فِي رَأْسِهِ شَجّةً مُنْكَرَةً، وَقَالَتْ: اسْتَضْعَفَتْهُ أَنْ غاب عنه سيده فقام، مولّيا ذليلا، فو الله مَا عَاشَ إلّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتّى رَمَاهُ اللهُ بِالْعَدَسَةِ فَقَتَلَتْهُ.
[نُوَاحُ قُرَيْشٍ عَلَى قَتْلَاهُمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن الزبير، عن أبيه عبّاد، قال: فاحت قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهُمْ، ثُمّ قَالُوا: لَا تَفْعَلُوا فَيَبْلُغُ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ، فَيَشْمَتُوا بِكُمْ؛ وَلَا تَبْعَثُوا فِي أَسْرَاكُمْ حَتّى تَسْتَأْنُوا بِهِمْ لَا يَأْرَبُ عليكم محمد وأصحابه فى الفداء. قَالَ: وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ، زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعَقِيلُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ، وَكَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللّيْلِ، فَقَالَ لغلام له.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٧ ]
وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: اُنْظُرْ هَلْ أُحِلّ النّحْبُ؛ هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا؟
لَعَلّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ، يَعْنِي زَمَعَةَ، فَإِنّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ قَالَ: فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ الْغُلَامُ قَالَ: إنّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلّتْهُ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الْأَسْوَدُ:
أَتَبْكِي أَنْ يَضِلّ لَهَا بَعِيرٌ وَيَمْنَعُهَا مِنْ النّوْمِ السّهُودُ
فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتْ الْجُدُودُ
عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ
وَبَكّي إنْ بَكّيْتِ عَلَى عَقِيلٍ وَبَكّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ
وَبَكّيهِمْ وَلَا تَسَمِي جَمِيعًا وَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ
أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمْ رِجَالٌ وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا إقْوَاءٌ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَشْعَارِهِمْ، وَهِيَ عِنْدَنَا إكْفَاءٌ. وَقَدْ أَسْقَطْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو وَدَاعَةَ بْنُ ضُبَيْرَةَ السّهْمِيّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: إنّ لَهُ بِمَكّةَ ابْنَا كَيّسًا تَاجِرًا ذَا مَالٍ، وَكَأَنّكُمْ به قَدْ جَاءَكُمْ فِي طَلَبِ فِدَاءِ أَبِيهِ؛ فَلَمّا قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسرائكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه، قَالَ الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ- وَهُوَ الّذِي كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- عَنّي: صَدَقْتُمْ، لَا تَعْجَلُوا، وَانْسَلّ مِنْ اللّيْلِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذَ أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فانطلق به.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٨ ]
[أَمْرُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَفِدَاؤُهُ]
(قَالَ): ثُمّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، فَقَدِمَ مِكْرَزُ بن حفص ابن الْأَخْيَفِ فِي فَدَاءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ:
أَسَرْتُ سُهَيْلًا فَلَا أَبْتَغِي أَسِيرًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ
وَخِنْدَفُ تَعْلَمُ أَنّ الْفَتَى فَتَاهَا سُهَيْلٌ إذَا يُظّلَمْ
ضَرَبْتُ بِذِي الشّفْرِ حَتّى انْثَنَى وَأَكْرَهْت نَفْسِي عَلَى ذِي الْعَلَمِ
وَكَانَ سُهَيْلٌ رَجُلًا أَعْلَمَ مِنْ شَفَتِهِ السّفْلَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشّعْرَ لِمَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَيَدْلَعُ لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْك خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا؛ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا أُمَثّلُ بِهِ فَيُمَثّلُ اللهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيّا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعُمَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إنّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمّهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَ ذَلِكَ الْمَقَامِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٥٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَلَمّا قَاوَلَهُمْ فِيهِ مِكْرَزٌ وانتهى إلى رضاهم، قالوا: هات الذى لنا، قَالَ: اجْعَلُوا رِجْلِي مَكَانَ رِجْلِهِ، وَخَلّوا سَبِيلَهُ حتى يبعث إليكم بفدائه، فحلّوا سَبِيلَ سُهَيْلٍ، وَحَبَسُوا مِكْرِزًا مَكَانَهُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ مكرز:
فديت بأذواد ثمان سبافتى يَنَالُ الصّمِيمَ غُرْمُهَا لَا الْمُوَالَيَا
رَهَنْتُ يَدَيّ وَالْمَالُ أَيْسَرُ مِنْ يَدَيّ عَلَيّ، وَلَكِنّي خَشِيت الْمَخَازِيَا
وَقُلْتُ سُهَيْلٌ خَيْرُنَا فَاذْهَبُوا بِهِ لِأَبْنَائِنَا حَتّى نُدِيرُ الْأَمَانِيَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا لِمِكْرِزٍ.
[أَسْرُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَإِطْلَاقُهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَ لِبِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أُمّ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِنْتُ أَبِي عَمْرٍو، وَأُخْتُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو- أَسِيرًا فِي يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، من أَسْرَى بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَقِيلَ لِأَبِي سُفْيَانَ:
افْدِ عَمْرًا ابْنَك، قَالَ: أَيُجْمَعُ عَلَيّ دَمِي وَمَالِي! قَتَلُوا حَنْظَلَةَ، وَأَفْدِي عَمْرًا! دَعُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ يُمْسِكُوهُ مَا بَدَا لَهُمْ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، مَحْبُوسٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رسول الله ﷺ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٠ ]
إذْ خَرَجَ سَعْدُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ أَكّالٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثُمّ أَحَدُ بَنِي مُعَاوِيَةَ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ مُرَيّةٌ لَهُ، وَكَانَ شيخا مسلما، فى غنم له النّقيع: فحرج من هنالك معتمرا، ولا يخشى الذى صنع به، لم يظنّ أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا: وقد كَانَ عَهِدَ قُرَيْشًا لَا يَعْرِضُونَ لِأَحَدٍ جَاءَ حَاجّا، أَوْ مُعْتَمِرًا إلّا بِخَيْرٍ، فَعَدَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَكّةَ فَحَبَسَهُ بِابْنِهِ عَمْرٍو، ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ:
أَرَهْطَ ابْنِ أَكّالٍ أَجِيبُوا دُعَاءَهُ تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسْلِمُوا السّيّدَ الْكَهْلَا
فَإِنّ بَنِي عَمْرٍو لِئَامٌ أَذِلّةٌ لَئِنْ لَمْ يَفُكّوا عَنْ أَسِيرِهِمْ الْكَبْلَا
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ:
لَوْ كَانَ سَعْدٌ يَوْمَ مَكّةَ مُطْلَقًا لَأَكْثَرَ فِيكُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ الْقَتْلَا
بِعَضْبِ حُسَامٍ أَوْ بِصَفْرَاءَ نَبْعَةٍ تَحِنّ إذا ما أنبضت تخفز النّبْلَا
وَمَشَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَيَفُكّوا بِهِ صَاحِبَهُمْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَبَعَثُوا بِهِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَخَلّى سَبِيلَ سَعْدٍ.
[أَسْرُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو الْعَاصِ بن الربيع ابن عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، خَتَنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَزَوْجُ ابْنَتِهِ زينب.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦١ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خِرَاشُ بْنُ الصّمّةَ، أَحَدُ بَنِي حَرَامٍ.
[سَبَبُ زَوَاجِ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ مِنْ رِجَالِ مَكّةَ الْمَعْدُودِينَ: مَالًا، وَأَمَانَةً، وَتِجَارَةً، وَكَانَ لِهَالَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ خَالَتَهُ. فَسَأَلَتْ خَدِيجَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إن يُزَوّجَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُخَالِفُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَزَوّجَهُ، وَكَانَتْ تَعُدّهُ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا. فلما أَكْرَمَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بنبوّته آمنت به خديجة وبناته، فصدّقنه، وَشَهِدْنَ أَنّ مَا جَاءَ بِهِ الْحَقّ، وَدِنّ بِدِينِهِ، وَثَبَتَ أَبُو الْعَاصِ عَلَى شِرْكِهِ.
[سَعْيُ قُرَيْشٍ فِي تَطْلِيقِ بَنَاتِ الرّسُولِ مِنْ أَزْوَاجِهِنّ]
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ زَوّجَ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ رُقَيّةَ، أَوْ أُمّ كُلْثُومٍ. فَلَمّا بَادَى قُرَيْشًا بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَبِالْعَدَاوَةِ، قَالُوا: إنّكُمْ قَدْ فرّغتم مُحَمّدًا مِنْ هَمّهِ، فَرُدّوا عَلَيْهِ بَنَاتِهِ، فَاشْغَلُوهُ بِهِنّ. فَمَشَوْا إلَى أَبِي الْعَاصِ فَقَالُوا لَهُ: فَارِقْ صَاحِبَتَك وَنَحْنُ نُزَوّجُك أَيّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شِئْتَ، قَالَ: لَا وَاَللهِ، إنّي لَا أُفَارِقُ صَاحِبَتِي، وَمَا أُحِبّ أَنّ لِي بِامْرَأَتِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُثْنِي عَلَيْهِ فِي صِهْرِهِ خَيْرًا، فِيمَا بَلَغَنِي. ثُمّ مَشَوْا إلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالُوا لَهُ: طَلّقْ بِنْتَ مُحَمّدٍ وَنَحْنُ نُنْكِحُك أَيّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شِئْت، فَقَالَ: إنْ زَوّجْتُمُونِي بِنْتَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٢ ]
أَبَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَوْ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَارَقْتُهَا. فَزَوّجُوهُ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَفَارَقَهَا، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، فَأَخْرَجَهَا اللهُ مِنْ يَدِهِ كَرَامَةً لَهَا، وَهَوَانًا لَهُ، وَخَلَفَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بَعْدَهُ.
[أَبُو الْعَاصِ عِنْدَ الرّسُولِ وَبَعْثُ زَيْنَبَ فِي فِدَائِهِ]
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُحِلّ بِمَكّةَ وَلَا يُحَرّمُ، مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ فَرّقَ بَيْنَ زينب بنت رسول الله ﷺ حِينَ أَسْلَمَتْ وَبَيْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ، إلّا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَتْ مَعَهُ عَلَى إسْلَامِهَا وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، حَتّى هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمّا صَارَتْ قُرَيْشٌ إلَى بَدْرٍ، صار فيهم أبو العاص بن الربيع فَأُصِيبَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ عند رسول الله ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا بَعَثَ أَهْلُ مَكّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رسول الله ﷺ في فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنَى عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَقّ لَهَا رِقّةً شَدِيدَةً وَقَالَ:
إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدّوا عَلَيْهَا مَالَهَا، فَافْعَلُوا، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَطْلَقُوهُ، وَرَدّوا عَلَيْهَا الّذِي لَهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٣ ]
[خروج زينب إلى المدينة]
[تأهبها وإرسال الرسول رجلين ليصحباها]
وكان رسول الله ﷺ قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ، أَوْ وَعَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَلِكَ، أَنْ يُخَلّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إلَيْهِ، أَوْ كَانَ فِيمَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي إطْلَاقِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيُعْلَمُ مَا هُوَ، إلّا أَنّهُ لَمّا خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ إلَى مَكّةَ وَخُلّيَ سَبِيلُهُ، بعث رسول الله ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مَكَانَهُ، فَقَالَ: كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ حَتّى تَمُرّ بِكُمَا زَيْنَبُ، فَتَصْحَبَاهَا حَتّى تَأْتِيَانِي بِهَا، فَخَرَجَا مَكَانَهُمَا، وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرِ أَوْ شَيْعِهِ، فَلَمّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ مَكّةَ أَمَرَهَا بِاللّحُوقِ بِأَبِيهَا، فَخَرَجَتْ تَجَهّزَ.
[هِنْدُ تُحَاوِلُ تَعْرِفَ أَمْرَ زَيْنَبَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قال: حدّثت عن زينب أنها قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا أَتَجَهّزُ بِمَكّةَ لِلّحُوقِ بِأَبِي لَقِيَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ:
يَا بِنْتَ مُحَمّدٍ، أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنّك تُرِيدِينَ اللّحُوقَ بِأَبِيك؟ قَالَتْ: فَقُلْت: مَا أَرَدْت ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَيْ ابْنَةَ عَمّي، لَا تَفْعَلِي، إنْ كَانَتْ لَك حَاجَةٌ بِمَتَاعِ مِمّا يَرْفُقُ بِك فِي سَفَرِك، أَوْ بِمَالٍ تَتَبَلّغِينَ بِهِ إلَى أَبِيك، فَإِنّ عِنْدِي حَاجَتَك، فَلَا تَضْطَنِي مِنّي، فَإِنّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْنَ النّسَاءِ مَا بَيْنَ الرّجَالِ. قَالَتْ: وَاَللهِ مَا أَرَاهَا قَالَتْ ذَلِكَ إلّا لِتَفْعَلَ، قَالَتْ: وَلَكِنّي خِفْتُهَا، فَأَنْكَرْتُ أَنْ أَكُونَ أُرِيدُ ذلك، وتجهزت.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٤ ]
[مَا أَصَابَ زَيْنَبَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ خُرُوجِهَا وَمَشُورَةُ أَبِي سُفْيَانَ]
فَلَمّا فَرَغَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ جَهَازِهَا قَدّمَ لَهَا حَمُوهَا كِنَانَةُ بْنُ الرّبِيعِ أَخُو زَوْجِهَا بَعِيرًا، فَرَكِبَتْهُ، وَأَخَذَ قَوْسَهُ وَكِنَانَتَهُ، ثُمّ خَرَجَ بِهَا نَهَارًا يَقُودُ بِهَا، وَهِيَ فِي هَوْدَجٍ لَهَا. وَتَحَدّثَ بِذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهَا حَتّى أَدْرَكُوهَا بِذِي طُوًى، فَكَانَ أَوّلَ مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا هَبّارُ بْنُ الأسود بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَالْفِهْرِيّ، فَرَوّعَهَا هَبّارٌ بِالرّمْحِ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا- فِيمَا يَزْعُمُونَ- فَلَمّا رِيعَتْ طَرَحَتْ ذَا بَطْنِهَا وَبَرَكَ حَمُوهَا كِنَانَةُ، وَنَثَرَ كِنَانَتَهُ، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ لَا يَدْنُو مِنّي رَجُلٌ إلّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا، فَتَكَرْكَرَ النّاسُ عَنْهُ. وَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ فِي جُلّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: أَيّهَا الرّجُلُ، كُفّ عَنّا نَبْلَك حَتّى نُكَلّمَك، فَكَفّ؛ فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ حَتّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ إنّك لَمْ تُصِبْ، خرجت بالمرأة على رؤس النّاسِ عَلَانِيَةً، وَقَدْ عَرَفْتَ مُصِيبَتَنَا وَنَكْبَتَنَا، وَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا مِنْ مُحَمّدٍ، فَيَظُنّ النّاسُ إذَا خرجت بابنته إليه علانية على رؤس النّاسِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا أَنّ ذَلِكَ عَنْ ذُلّ أَصَابَنَا عَنْ مُصِيبَتِنَا الّتِي كَانَتْ، وَأَنّ ذلك منّا ضعف ووهن، ولعمرى مالنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ومالنا فِي ذَلِكَ مِنْ ثَوْرَةٍ، وَلَكِنْ ارْجِعْ بِالْمَرْأَةِ، حَتّى إذَا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ، وَتَحَدّثَ النّاسُ أَنْ قَدْ رَدَدْنَاهَا، فَسُلّهَا سِرّا، وَأَلْحِقْهَا بِأَبِيهَا؛ قَالَ: فَفَعَلَ. فَأَقَامَتْ لَيَالِيَ، حَتّى إذَا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ خَرَجَ بِهَا لَيْلًا حَتّى أَسْلَمَهَا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَصَاحِبِهِ، فَقَدِمَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٥ ]
[شِعْرٌ لِأَبِي خَيْثَمَةَ فِيمَا حَدَثَ لِزَيْنَبَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، أو أبو خيثمة، أخو بنى سالم بن عَوْفٍ، فِي الّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ زَيْنَبَ، قال ابن هشام: هى لأبى خيثمة:
أَتَانِي الّذِي لَا يَقْدُرُ النّاسُ قَدْرَهُ لِزَيْنَبَ فِيهِمْ مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَمِ
وَإِخْرَاجُهَا لَمْ يُخْزَ فِيهَا مُحَمّدٌ عَلَى مَأْقِطٍ وَبَيْنَنَا عِطْرُ مَنْشَمِ
وَأَمْسَى أَبُو سُفْيَانَ مِنْ حِلْفِ ضَمْضَمٍ وَمِنْ حَرْبِنَا فِي رَغْمِ أَنْفٍ وَمَنْدَمٍ
قَرَنّا ابْنَهُ عَمْرًا وَمَوْلَى يَمِينِهِ بِذِي حَلَقٍ جَلْدِ الصّلَاصِلِ مُحْكَمِ
فَأَقْسَمْتُ لَا تَنْفَكّ مِنّا كَتَائِبُ سُرَاةُ خَمِيسٍ فِي لُهَامٍ مُسَوّمِ
نَزُوعُ قُرَيْشَ الْكُفْرَ حَتّى نَعُلّهَا بِخَاطِمَةٍ فَوْقَ الْأُنُوفِ بِمِيسَمِ
نُنَزّلُهُمْ أَكْنَافَ نَجْدٍ وَنَخْلَةٍ وَإِنْ يُتْهِمُوا بِالْخَيْلِ وَالرّجْلِ نُتْهِم
يَدَ الدّهْرِ حَتّى لَا يُعَوّجَ سِرْبُنَا وَنُلْحِقُهُمْ آثَارَ عَادٍ وَجُرْهُمِ
وَيَنْدَمَ قَوْمٌ لَمْ يُطِيعُوا مُحَمّدًا عَلَى أَمْرِهِمْ وَأَيّ حِينٍ تَنَدّم
فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ إمّا لَقِيته لَئِنْ أَنْتَ لَمْ تُخْلِصْ سُجُودًا وَتُسْلِمْ
فَأَبْشِرْ بِخِزْيٍ فِي الْحَيَاةِ مُعَجّلِ وَسِرْبَالِ قَارٍ خَالِدًا فِي جَهَنّمَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَسِرْبَالِ نَارٍ.
الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ إسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ فِي مَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ، الّذِي يَعْنِي: عَامِرَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ، كَانَ فِي الْأُسَارَى، وَكَانَ حِلْفُ الْحَضْرَمِيّ إلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ، الذى يعنى: عقبة بن عبد الحارث ابن الْحَضْرَمِيّ، فَأَمّا عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَقُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ.
[شِعْرُ هِنْدٍ وَكِنَانَةُ فِي خُرُوجِ زَيْنَبَ]
وَلَمّا انْصَرَفَ الّذِينَ خَرَجُوا إلَى زَيْنَبَ لَقِيَتْهُمْ هِنْدُ بنت عتبة، فقالت لهم:
أَفِي السّلْمِ أَعْيَارًا جَفَاءً وَغِلْظَةً وَفِي الْحَرْبِ أَشْبَاهُ النّسَاءِ الْعَوَارِكِ
وَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ الرّبِيعِ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ، حين دفعها إلى الرّجلين:
عَجِبْتُ لِهَبّارٍ وَأَوْبَاشِ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ إخْفَارِي بِبِنْتِ مُحَمّدِ
وَلَسْتُ أُبَالِي مَا حَيِيتُ عَدِيدَهُمْ وَمَا اسْتَجْمَعْت قَبْضًا يَدِي بِالْمُهَنّدِ
[الرّسُولُ يُحِلّ دَمَ هَبّارٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بن عبد الله ابن الْأَشَجّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الدّوْسِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيّةً أَنَا فِيهَا، فَقَالَ لَنَا: إنْ ظَفِرْتُمْ بِهَبّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَوْ الرّجُلِ (الْآخَرِ) الّذِي سَبَقَ مَعَهُ إلَى زَيْنَبَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ سَمّى ابْنُ إسْحَاقَ الرّجُلَ فِي حَدِيثِهِ (وَقَالَ: هُوَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ) فَحَرّقُوهُمَا بِالنّارِ. قَالَ: فَلَمّا كَانَ الْغَدُ بَعَثَ إلَيْنَا، فَقَالَ: إنّي كُنْت أَمَرْتُكُمْ بِتَحْرِيقِ هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ إنْ أَخَذْتُمُوهُمَا، ثُمّ رَأَيْتُ أَنّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذّبَ بِالنّارِ إلّا اللهُ، فَإِنْ ظَفَرْتُمْ بهما فاقتلوهما.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٧ ]
[إسلام أبى العاص بن الربيع]
[استيلاء المسلمين على تجارة معه وإجارة زينب له]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقَامَ أَبُو الْعَاصِ بِمَكّةَ، وَأَقَامَتْ زَيْنَبُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، حِينَ فَرّقَ بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ، حَتّى إذَا كَانَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ تَاجِرًا إلَى الشّامِ، وَكَانَ رَجُلًا مَأْمُونًا، بِمَالٍ لَهُ وَأَمْوَالٍ لِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، أَبْضَعُوهَا مَعَهُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ وَأَقْبَلَ قَافِلًا، لَقِيَتْهُ سَرِيّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَصَابُوا مَا مَعَهُ، وَأَعْجَزَهُمْ هَارِبًا، فَلَمّا قَدِمَتْ السّرِيّةُ بِمَا أَصَابُوا مِنْ مَالِهِ، أَقْبَلَ أَبُو الْعَاصِ تَحْتَ اللّيْلِ حَتّى دَخَلَ عَلَى زينب بنت رسول الله ﷺ، فَاسْتَجَارَ بِهَا، فَأَجَارَتْهُ، وَجَاءَ فِي طَلَبِ مَالِهِ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الصّبْحِ- كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ ابن رومان- فكّبر وكبّر الناس معه، صرخت زينب من صفّة النّسَاءِ:
أَيّهَا النّاسُ، إنّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرّبِيعِ. قَالَ: فَلَمّا سَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الصّلَاةِ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ، فَقَالَ: أَيّهَا النّاسِ، هَلْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ؛ قَالَ: أَمَا وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتّى سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُمْ، إنّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ. ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ على ابْنَتِهِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيّةُ، أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، وَلَا يخلصنّ إليك، فإنك لا تحلين له.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٨ ]
[المسلمون يردون عليه ماله ثم يسلم]
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَى السّرِيّةِ الّذِينَ أَصَابُوا مَالَ أَبِي الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُمْ: إنّ هَذَا الرّجُلَ مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا، فَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَرُدّوا عَلَيْهِ الّذِي لَهُ، فَإِنّا نُحِبّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيْءُ اللهِ الّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَأَنْتُمْ أَحَقّ بِهِ؛ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، بَلْ نَرُدّهُ عَلَيْهِ، فَرَدّوهُ عَلَيْهِ، حَتّى إنّ الرّجُلَ لِيَأْتِيَ بِالدّلْوِ، وَيَأْتِيَ الرّجُلُ بِالشّنّةِ وَبِالْإِدَاوَةِ، حَتّى إنّ أَحَدَهُمْ لِيَأْتِيَ بِالشّظَاظِ، حَتّى رَدّوا عَلَيْهِ مَالَهُ بِأَسْرِهِ، لَا يَفْقِدُ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمّ احْتَمَلَ إلَى مَكّةَ، فَأَدّى إلَى كُلّ ذِي مَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَالَهُ، وَمَنْ كَانَ أَبْضَعَ مَعَهُ، ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ عِنْدِي مَالٌ لَمْ يَأْخُذْهُ؟ قَالُوا: لَا. فَجَزَاك اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَجَدْنَاك وَفِيّا كَرِيمًا قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاَللهِ مَا مَنَعَنِي مِنْ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ إلّا تَخَوّفُ أن تظنّوا أنى أَرَدْت أَنْ آكُلَ أَمْوَالَكُمْ، فَلَمّا أَدّاهَا اللهُ إلَيْكُمْ وَفَرَغْتُ مِنْهَا أَسْلَمْتُ. ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[زوجته ترد إليه]
قال ابن إسحاق: وحدثني دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عباس قال: رَدّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ عَلَى النّكَاحِ الْأَوّلِ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا (بَعْدَ سِتّ سِنِينَ) .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٦٩ ]
[مَثَلٌ مِنْ أَمَانَةِ أَبِي الْعَاصِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرّبِيعِ لَمّا قَدِمَ مِنْ الشّامِ وَمَعَهُ أَمْوَالُ الْمُشْرِكِينَ، قِيلَ لَهُ: هَلْ لَك أَنْ تُسْلِمَ وَتَأْخُذَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، فَإِنّهَا أَمْوَالُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ أَبُو الْعَاصِ: بِئْسَ مَا أَبْدَأُ بِهِ إسْلَامِي أَنْ أَخُونَ أَمَانَتِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التّنّورِيّ، عَنْ داود ابن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشّعْبِيّ، بِنَحْوِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْعَاصِ.
[الّذِينَ أَطْلَقُوا مِنْ غَيْرِ فِدَاءٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ مِمّنْ سُمّيَ لَنَا مِنْ الْأُسَارَى مِمّنْ مُنّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع بن عبد العزّى ابن عَبْدِ شَمْسِ مَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ بُعِثَتْ زَيْنَبُ بنت رسول الله ﷺ بِفِدَائِهِ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: الْمُطّلِبُ ابن حَنْطَبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ عُمَرَ بن مخزوم، كان لبعض بنى الحارث ابن الْخَزْرَجِ، فَتَرَكَ فِي أَيْدِيهِمْ حَتّى خَلّوْا سَبِيلَهُ. فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَبُو أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ، أَخُو بَنِي النجّار.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصَيْفِيّ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٧٠ ]
مَخْزُومٍ، تُرِكَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهِ، فَلَمّا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ فِي فِدَائِهِ أَخَذُوا عَلَيْهِ لِيَبْعَثُنّ إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ، فَخَلّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمْ يَفِ لَهُمْ بِشَيْءٍ، فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
وَمَا كَانَ صَيْفِيّ لِيُوفِيَ ذِمّةً قَفَا ثَعْلَبٍ أَعْيَا بِبَعْضِ الْمَوَارِدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو عَزّةَ، عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عثمان بن أهيب بن حذافة ابن جُمَحَ، كَانَ مُحْتَاجًا ذَا بَنَاتٍ، فَكَلّمَ رَسُولَ الله ﷺ، فقال:
يا رسول الله، لقد عرفت مالى مِنْ مَالٍ، وَإِنّي لَذُو حَاجَةٍ، وَذُو عِيَالٍ، فَامْنُنْ عَلَيّ؛ فَمَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلّا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدًا. فَقَالَ أَبُو عَزّةَ فِي ذَلِكَ، يَمْدَحُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ فِي قَوْمِهِ:
مَنْ مُبَلّغٌ عَنّي الرّسُولَ مُحَمّدًا بِأَنّك حَقّ وَالْمَلِيكُ حَمِيدُ
وَأَنْتَ امرو تدعو إلى الْحَقّ وَالْهُدَى عَلَيْك مِنْ اللهِ الْعَظِيمِ شَهِيدُ
وَأَنْتَ امْرُؤُ بُوّئْتَ فِينَا مَبَاءَةً لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعُودُ
فَإِنّك مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ شَقِيّ وَمَنْ سَالَمَتْهُ لَسَعِيدُ
وَلَكِنْ إذَا ذُكّرْتُ بَدْرًا وأهله تأوّت مابى: حسرة وقعود
[ثَمَنُ الْفِدَاءِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ فِدَاءُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِلرّجُلِ، إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، إلّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، فَمَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عليه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) خَبَرُ عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ يُقَالُ فِيهِ عُكّاشَةُ بِالتّشْدِيدِ وَالتّخْفِيفِ، وَهُوَ مَنْ عَكَشَ عَلَى الْقَوْمِ إذَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَقَالَ غيره العكّاشة [وَالْعُكّاشُ] الْعَنْكَبُوتُ، وَأَمّا سَيْفُهُ الّذِي كَانَ جِزْلًا مِنْ حَطَبٍ، فَقَدْ قِيلَ إنّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَوَارَثًا عِنْدَ آلِ عُكّاشَةَ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُكّاشَةَ فِي السّيْفِ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابن جَحْشٍ، وَسَيَأْتِي، ذِكْرُهَا عِنْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَأَمّا قوله: فلن يذهبوا قرغا بِقَتْلِ حِبَالِ فَالْقِرْعُ أَنْ يُطَلّ الدّمُ، وَلَا يُطْلَبُ بِثَأْرِهِ، وَحِبَالُ: هُوَ ابْنُ أَخِي طُلَيْحَةَ لَا ابْنُهُ، وَهُوَ حِبَالُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، وَمَسْلَمَةُ: أَبُوهُ هُوَ الّذِي قَتَلَ عُكّاشَةُ، اعْتَنَقَهُ مَسْلَمَةُ وَضَرَبَهُ طُلَيْحَةُ عَلَى فَرَسٍ، يُقَالُ لَهَا: اللّزَامُ، وَكَانَ ثَابِتُ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهَا: الْمُخَبّرُ، وَقِصّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي أَخْبَارِ الرّدّةِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ فِي الرّدّةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجَلَالِ مَصُونَة وَيَوْمًا تَرَاهَا فِي ظِلَالِ عَوَالٍ إلَى آخِرِ الشّعْر. وَذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنّ عُكّاشَةَ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ الْبَلَوِيّ حَلِيفَيْ الْأَنْصَارِ كَانَا فِي جَيْشِ خَالِدٍ حِينَ نَهَدَ إلَى طُلَيْحَةَ، فَاسْتُقْدِمَا أَمَامَ جَيْشِ خَالِدٍ للمسلمين،
[ ٥ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَوَقَعَا فِي خَيْلٍ لِطُلَيْحَةَ، وَهُوَ فِيهِمْ، فَاسْتُشْهِدَا مَعًا، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ بُزَاخَةَ «١»، كَذَلِكَ قَالَ كل من ألف فى السّيَرِ إلّا سُلَيْمَانَ التّيْمِيّ، فَإِنّهُ ذَكَرَ أَنّ عُكّاشَةَ قُتِلَ فِي سَرِيّةٍ بَعَثَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَنِي أَسَدٍ، وَالْأَوّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ:
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِعُكّاشَةَ حِينَ قَالَ: اُدْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهُ، ثُمّ قَامَ رجل آخر، فقال: اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ «٢» . هَكَذَا الْحَدِيثُ فِي الصّحَاحِ، وَزَادَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَرَدَتْ الدّعْوَةُ.
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ النّمَرِيّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُسَمّهِمْ أَنّ الرّجُلَ الّذِي قِيلَ لَهُ: سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ كَانَ مُنَافِقًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْعُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا لَا يَصِحّ؛ لِأَنّ فِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: ادع الله أن يجعلنى منهم، قَالَ ابْنُ بَطّالٍ مَعْنَى قَوْلِهِ: سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ، أَيْ: سَبَقَك بِهَذِهِ الصّفَةِ الّتِي هِيَ صفة السبعين ألفا، ترك التّطيرّ
_________________
(١) بزاخة: قال الأصمعى: هى ماء لطىء، وقال أبو عمرو الشيبانى: ماء لبنى أسد «معجم البكرى، المراصد» .
(٢) وهو فى البخارى ومسلم، وقد صارت الكلمة مثلا يضرب للسبق فى الأمر
[ ٥ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: لَسْت مِنْهُمْ، وَلَا عَلَى أَخْلَاقِهِمْ بِحُسْنِ أَدَبِهِ ﵇، وَتَلَطّفِهِ فِي الْكَلَامِ [و] لَا سِيّمَا مَعَ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵁- وَاَلّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنّهَا كَانَتْ سَاعَةَ إجَابَةٍ عَلِمَهَا ﵇، فَلَمّا انْقَضَتْ، قَالَ لِلرّجُلِ مَا قَالَ، يُبَيّنُ هَذَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، فَإِنّهُ قَالَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ عُكّاشَةَ، فَقَامَ رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني مِنْهُمْ، فَقَالَ: اللهُمّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمّ سَكَتُوا سَاعَةً يَتَحَدّثُونَ، ثُمّ قَامَ الثّالِثُ، فَقَالَ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: سَبَقَك بِهَا عُكّاشَةُ، وَصَاحِبَهُ، وَلَوْ قُلْت لَقُلْت، وَلَوْ قُلْت لَوَجَبَتْ، وَهِيَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وفى مسند البزار أيضا. ويقوى هذ المعنى أيضا رِوَايَةَ ابْنِ إسْحَاقَ، فَإِنّهُ زَادَ، فَقَالَ فِيهَا سبقك بها عُكّاشَةُ وَبَرَدَتْ الدّعْوَةُ، فَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرْته فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ عُكّاشَةَ، فَإِنّهُ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ. وَمِمّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِعُذْرِ، وَهُوَ مِنْ النّقَبَاءِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيّدُ الْخَزْرَجِ، لِأَنّهُ نَهَشَتْهُ حَيّةٌ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْخُرُوجَ هَذَا قَوْلُ الْقُتَبِيّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَلَا ابْنُ عُقْبَةَ فِي الْبَدْرِيّينَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ فِيهِمْ، مِنْهُمْ ابْنُ الْكَلْبِيّ وَجَمَاعَةٌ. نِدَاءُ أَصْحَابِ الْقَلِيبِ مَسْأَلَةٌ نَحْوِيّةٌ: وَقَوْلُهُ ﵇: يَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ: الْحَدِيثُ، يَجُوزُ يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، بِضَمّ التّاءِ وَنَصْبِ النّونِ وَبِنَصْبِهِمَا جَمِيعًا، أَمّا مَنْ يَقُولُ:
[ ٥ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَاءَنِي زَيْدُ ابْنُ فُلَانٍ بِالتّنْوِينِ، فَهُوَ الّذِي يَقُولُ: يَا زَيْدُ ابْنُ بِضَمّ الدّالِ، وَيُكْتَبُ ابْنٌ بِالْأَلِفِ عَلَى هَذَا، وَمَنْ يَقُولُ جَاءَنِي زيد بن بِلَا تَنْوِينٍ، فَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِي النّدَاءِ يا زيد بن بِنَصْبِ الدّالِ، وَيُكْتَبُ ابْنًا بِغَيْرِ أَلِفٍ، لِأَنّهُ جَعَلَ الِابْنَ مَعَ مَا قَبْلِهِ اسْمًا وَاحِدًا، فَعَلَى هَذَا تَقُولُ يَا حَارِثَ ابْنَ عَمْرٍو فَتَكْتُبُهُ بِأَلِفِ، لِأَنّك أَرَدْت يَا حَارِثُ بِالضّمّ، لأنك لو أردت يا حارث بن بِالنّصْبِ لَمْ تُرَخّمْهُ، لِأَنّهُ قَدْ صَارَ وَسَطَ الاسم، وقد جعله سيبويه بمنزلة قولك: أمرأ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ إنْ نَوّنْت اللّامَ مِنْ أَبِي جَهْلٍ كَتَبْت الِابْنَ بِأَلِفِ، وَإِنْ لَمْ تُنَوّنْهُ كَتَبْته بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَذَكَرَ إنْكَارَ عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ ﵇ قَالَ: لَقَدْ سَمِعُوا مَا قُلْت، قَالَتْ: وَإِنّمَا قَالَ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنّ الّذِي كُنْت أَقُولُ حَقّ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَعَائِشَةُ لَمْ تَحْضُرْ وَغَيْرُهَا مِمّنْ حَضَرَ أَحْفَظُ لِلَفْظِهِ ﵇، وَقَدْ قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُخَاطِبُ قَوْمًا قَدْ جَيّفُوا أَوْ أُجِيفُوا «١»، فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَالِ عَالِمَيْنِ، جَازَ أن يكونوا سامعين؛ إما بآذان رؤسهم إذَا قُلْنَا: إنّ الرّوحَ يُعَادُ إلَى الْجَسَدِ أَوْ إلَى بَعْضِ الْجَسَدِ عِنْدَ الْمُسَاءَلَةِ، وَهُوَ قول الأكثرين مِنْ أَهْلِ السّنّةِ، وَإِمّا بِإِذْنِ الْقَلْبِ أَوْ الرّوحِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِتَوَجّهِ السّؤَالَ إلى الروح، من غير رجوع منه إلَى الْجَسَدِ، أَوْ إلَى بَعْضِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ عَائِشَةَ احْتَجّتْ بِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي
_________________
(١) أى أنتنوا، أو صاروا جيفا.
[ ٥ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعُمْيَ أَيْ: إنّ اللهَ هُوَ الّذِي يُهْدِي وَيُوَفّقُ وَيُوصِلُ الْمَوْعِظَةَ إلَى آذَانِ الْقُلُوبِ، لَا أَنْتَ، وَجَعَلَ الْكُفّارَ أَمْوَاتًا وَصُمّا عَلَى جِهَةِ التّشْبِيهِ بِالْأَمْوَاتِ، وَبِالصّمّ، فَاَللهُ هُوَ الّذِي يَسْمَعُهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إذَا شَاءَ لَا نَبِيّهُ، وَلَا أَحَدٌ، فَإِذَا لَا تَعَلّقَ بِالْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنّهَا إنّمَا نَزَلَتْ فِي دُعَاءِ الْكُفّارِ إلَى الْإِيمَانِ.
الثّانِي أَنّهُ إنّمَا نَفَى عَنْ نَبِيّهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمِسْمَعَ لَهُمْ، وَصَدَقَ اللهُ فَإِنّهُ لَا يَسْمَعُهُمْ إذَا شَاءَ إلّا هُوَ، وَيَفْعَلُ مَا شَاءَ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قدير «١» .
_________________
(١) ليس الأمر هنا أمر حضور السيدة عائشة القصة أو عدم حضورها، وإنما الأمر عقيدة تتعلق بعالم الغيب، ويفرض على كل معرفتها للايمان بها عن بينة. والسيدة عائشة ﵂، وإن لم تكن قد حضرت القصة، فالرواية تؤكد أنها علمت بها مشافهة عن النبى ﷺ، بدليل توكيدها الكلام، وقد كانت حقا كما وصفها الإسماعيلى «كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا يزيد عليه» ولعلها سمعت هذا الحديث يردد، فسألت عنه الرسول ﷺ، فعلمت منه ما قاله حينئذ، فنفت ما نفت، وأثبتت ما ثبتت والآية القرآنية التى استشهدت بها نص قاطع فى النفى الذى قالت به السيدة عائشة، وعلى فرض صحة أن الآية فيها مجاز، وأنها تنفى السماع عن الكفار المشبهين بمن فى القبور، أقول: على فرض صحة هذا، فإن هذا التفسير يؤكد صحة فهم السيدة عائشة توكيدا قويا، فلولا ثبوت أن الرسول ﷺ لا يسمع من فى القبور ما صح تشبيه الكفار بالموتى فكأن المعنى إن هؤلاء الكفار كالموتى، وأنت لا تسمع الموتى، وهم فى قبورهم فكذلك لا تستطيع إسماع هؤلاء، ولكن ماذا يقول السهيلى فى قوله سبحانه: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ فهنا موتى وصم، وقد نفى الله إسماع نبيه للصنفين، وفى هذا تصويب لفهم السيدة-
[ ٥ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ مَعَانِي شِعْرِ حَسّانَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ وَقَالَ فِيهِ:
كَخَطّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ
الْقَشِيبُ فِي اللّغَةِ: الْجَدِيدُ، وَلَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ، لِأَنّهُمْ إذَا وَصَفُوا الرّسُومَ وَشَبّهُوهَا بِالْكُتُبِ فِي الْوَرَقِ، فَإِنّمَا يَصِفُونَ الْخَطّ حِينَئِذٍ بِالدّرُوسِ وَالِامّحَاءِ، فَإِنّ ذَلِكَ أَدَلّ عَلَى عَفَاءِ الدّيَارِ وَطُمُوسِ الْآثَارِ، وَكَثْرَةُ ذَلِكَ فِي الشّعْرِ تُغْنِي عَنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ مِنْهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
[وَقَفْت فِيهَا أُصَيْلَانَا أُسَائِلُهَا عَيّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرّبْعِ مِنْ أَحَدِ
إلّا الْأُوَارَيْ لِأَيّامًا أُبَيّنُهَا وَالنّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجِلْدِ «١»]
وَقَوْلُ زُهَيْرٍ:
[وَقَفْت بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حجّة] فلأيا عرفت الدار بعد توهّم «٢»
_________________
(١) - عائشة، وإثبات أنه هو الحق، والعلم هنالا يثبت السمع من الرسول وإنما يثبت أن علمهم من الله سبحانه دون أن يسمعوا شيئا من الرسول «ص» نفسه.
(٢) لم يكن فى الروض غير قوله: لأياما أبينها. فرأيت ذكر البيتين ليتم المعنى.
(٣) لم يكن فى الروض غير الشطرة الثانية. وأصيلانا تروى: أصيلالا، أو: أصيلاكى. والأوارى: جمع آرية وهى الأحية التى تشديها الدابة. واللأى: الجهد، والنؤى: الحفيرة حول البيت والخيمة تمنع السيلى والمطر. والجلد: الأرض يصعب حفرها.
[ ٥ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ آخَرُ:
وَإِلّا رُسُومُ الدّارِ قَفْرًا كَأَنّهَا سُطُورٌ مَحَاهَا الْبَاهِلِيّ بْنُ أَصْمَعَا
وَلَكِنْ أَرَادَ حَسّانُ بِالْقَشِيبِ هَاهُنَا الّذِي خَالَطَهُ مَا يُفْسِدُهُ، إمّا مِنْ دَنَسٍ، وَإِمّا مِنْ قِدَمٍ، يُقَالُ: طَعَامٌ مُقَشّبٌ، إذَا كَانَ فِيهِ السّمّ. وَقَالَ الشّاعِرُ: [خُوَيْلِدُ بْنُ مُرّةَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ]:
[به ندع الْكَمِيّ عَلَى يَدَيْهِ] نَحْرٌ تَخَالُهُ نَسْرًا قَشِيبَا «١»
مَعْنَاهُ: مَسْمُومٌ، لِأَنّ الْقَشْبَ هُوَ السّمّ «٢» قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ آخِرُ مَنْ يَخْرَجُ مِنْ النّارِ، وَفِيهِ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقِشْبِ هُوَ: نَبَاتٌ رَطْبٌ مَسْمُومٌ يُنْصَبُ لِسِبَاعِ الطّيْرِ فِي لَحْمٍ، فَإِذَا أَكَلَتْهُ مَاتَتْ، قَالَ: وَالْعَرَبُ يُجْنِبُونَهُ ما شيتهم فِي الْمَرْعَى، كَيْ لَا تُحَطّمَهُ، فَيَفُوحُ مِنْ رِيحِهِ مَا يَقْتُلُهَا، فَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ الْقُتَبِيّ: تَخَالُهُ نَسْرًا قَشِيبًا، أَيْ: نَسْرًا أَكَلَ ذَلِكَ الْقِشْبَ فِي اللّحْمِ وَاَللهُ أَعْلَمُ، قَالَ: وَالْأَلْبُ أَيْضًا، ضَرْبٌ مِنْ الْقِشْبِ، إن وجدت ريحه سباع الطير غميت وَصَمّتْ، وَإِنْ أَكَلَتْهُ مَاتَتْ، قَالَ: وَالضّجَاجُ أَيْضًا: كلّ نبات مسموم.
_________________
(١) فى الأصل: فخر نخاله نسرا قشيبا. فأكملت وغيرت من اللسان. وهناك بيت قبله. ولولا نحن أرهقه صهيب حسام الحد مطردا خشيبا
(٢) وهو أيضا الخلط وسقى السم والإصابة بالمكروه المستقذر والافتراء واكتساب الحمد أو الذم والإفساد واللطخ بالشىء والتعيير وإزالة العقل وصقل السيف.
[ ٥ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) معنى إلقأمهم فِي الْقَلِيبِ: فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى إلْقَائِهِمْ فِي الْقَلِيبِ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ؛ قُلْنَا: كَانَ مِنْ سُنّتِهِ ﵇ فِي مغازبه إذَا مَرّ بِجِيفَةِ إنْسَانٍ أَمَرَ بِدَفْنِهِ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ مُؤْمِنًا، كَانَ أَوْ كَافِرًا، هَكَذَا وقع فى السّنن للدّار قطنى، فإلقاؤهم فِي الْقَلِيبِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، غَيْرَ أَنّهُ كَرِهَ أَنْ يَشُقّ عَلَى أَصْحَابِهِ لِكَثْرَةِ جِيَفِ الْكُفّارِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِدَفْنِهِمْ، فَكَانَ جَرّهُمْ إلَى الْقَلِيبِ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ، وَوَافَقَ أَنّ الْقَلِيبَ حَفَرَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّار، اسْمُهُ: بَدْرٌ، فَكَانَ. فَأْلًا مُقَدّمًا لَهُمْ، وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بَدْرٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. عَوْدٌ إلَى شِعْرِ حَسّانَ: وَفِي شِعْرِ حَسّانَ أَيْضًا: بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفِ وَازَرَتْهَا وَلَوْ قَالَ آزَرَتْهَا بِالْهَمْزِ لَجَازَ، وكان من الأزر، وفى التنزيل (فآزره) أَيْ: شَدّ أَزْرَهُ، وَقَوّاهُ، وَلَكِنْ أَرَادَ حَسّانُ مَعْنَى الْوَزِيرِ، فَإِنّهُ سُمّيَ وَزِيرًا مِنْ الْوِزْرِ، وَهُوَ الثّقْلُ، لِأَنّهُ يَحْمِلُ عَنْ صَاحِبِهِ ثِقْلًا وَيُعِينُهُ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْوِزْرِ، وَهُوَ الْمَلْجَأُ، لأن الوزير يلجأ إلى رأيه، وقد ألقيته فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ: آزَرْتهَا مُصْلَحًا بِغَيْرِ وَاوٍ إلّا أَنّ وَازَرَتْهَا وَزْنُهُ: فَاعَلْت، وَآزَرْت وَزْنُهُ أَفْعَلْت.
[ ٥ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ مَعْنَى الْجَبُوبِ: الْجَبُوبُ اسْمٌ لِلْأَرْضِ، لِأَنّهَا تُجَبّ أَيْ تُحْفَرُ وَتَجُبّ مَنْ دُفِنَ فِيهَا، أَيْ تَقْطَعُهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى، لِأَنّهُمْ قَالُوا جَبُوبٌ مِثْلَ: صَبُورٍ وَشَكُورٍ فِي الْمُؤَنّثِ، وَلَمْ يَقُولُوا جَبُوبَةٌ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ حَلُوبَةٍ وَرَكُوبَةٍ، وَيُدْخِلُونَ فِيهَا الْأَلِفَ وَاللّامَ تَارَةً، فَيَقُولُونَ: الْجَبُوبُ، كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَتَارَةً يَجْعَلُونَهُ اسْمًا عَلَمًا، فَيَقُولُونَ: جَبُوبٌ، مِثْلَ شَعُوبٍ، قَالَ الشّاعِرُ: بَنَى عَلَى قَلْبِي وَعَيْنِي مَكَانَهُ ثَوَى بَيْنَ أَحْجَارٍ رَهِينَ جَبُوبِ وَمِنْهُ قِيلَ: جَبّانٌ وَجَبّانَةَ لِلْأَرْضِ الّتِي يُدْفَنُ فِيهَا الْمَوْتَى، فَهُوَ فَعْلَانٌ مِنْ الْجَبّ وَالْجَبُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ فِي مَعْنَى الْجَبّانِ، وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ فَعّالًا مِنْ الْجُبْنِ. مَرّةٌ أُخْرَى شِعْرُ حَسّانَ: وَقَوْلُهُ: خَاطِي الْكُعُوبِ أَيْ مُكْتَنِزُ الْكُعُوبِ قَوِيّهَا [وَالْكُعُوبُ: عُقَدُ الْقَنَاةِ]، وَقَوْلُ حَسّانَ: الْغَطَارِفُ، أَرَادَ: الْغَطَارِيفَ كَمَا تَقَدّمَ فِي شِعْرِ الْجُرْهُمِيّ:
[ ٥ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَطَلّ بِهَا أَمْنًا وَفِيهَا الْعَصَافِرُ
أَرَادَ الْعَصَافِيرَ، وَحَذَفَ الْيَاءَ ضَرُورَةً.
تَفْسِيرُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁ لِابْنِهِ يَوْمَ بَدْرٍ أَيْنَ مَالِي يَا خَبِيثُ، فَقَالَ:
لَمْ يَبْقَ إلّا شِكّةٌ «١» ويَعْبُوبْ
الشّكّةُ: السّلَاحُ، وَالْيَعْبُوبُ مِنْ الْخَيْلِ: الشّدِيدُ الْجَرْي، وَيُقَالُ:
الطّوِيلُ، وَالْأَوّلُ أَصَحّ، لِأَنّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ عُبَابِ الْمَاءِ، وَهُوَ شِدّةُ جَرْيِهِ، وَيُقَالُ لِلْجَدْوَلِ الْكَثِيرِ الْمَاءِ: يَعْبُوبُ، وَقَدْ كَانَ لِلنّبِيّ ﷺ فَرَسٌ اسْمُهُ: السّكْبُ وَهُوَ مِنْ سَكَبْت الْمَاءَ «٢»، فَهَذَا يُقَوّي مَعْنَى الْيَعْبُوبِ، وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِأَبِيهِ بعد ما أَسْلَمَ:
يَا أَبَتْ لَقَدْ أَهْدَفْت لِي يَوْمَ بدر مرارا فصدفت عنك، فقال لله لَوْ كُنْت أَهْدَفْت لِي أَنْتَ مَا صَدَفْت عنك «٣» .
_________________
(١) فى السيرة: غير شكة.
(٢) يصف صاحب القاموس الفرس المنسوب إلى النبى «ص» بقوله «وكان كميتا أغر محجلا مطلق اليمنى» ويقال بفتح السين أيضا. ويقال سكب الماء فسكب هو سكوبا.
(٣) فى النهاية لابن الأثير يقال: «أهدف له الشىء واستهدف إذا دنا منه وانتصب له مستقبلا» وفيه ضفت بدلا من صدفت ومعناها: عدلت وملت.
[ ٥ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العرسهه وَالْعَرِيشُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَنَازُعَهُمْ فِي النّفْلِ، وَمَا احْتَجّتْ بِهِ الطّائِفَةُ الّذِينَ كَانُوا يَحْمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، وَالْعَرِيشُ: كُلّ مَا أَظَلّك وَعَلَاك مِنْ فَوْقِك، فَإِنْ عَلَوْته أَنْتَ فَهُوَ عَرْشٌ لَك، لَا عريش، والعريش أيضا فيما ذكر أَبُو حَنِيفَةَ أَرْبَعُ نَخَلَاتٍ أَوْ خَمْسٌ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ.
بَنُو عَابِدٍ وَبَنُو عَائِذٍ:
وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي أُسَيْدٍ: وَجَدْت يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ بَنِي عَابِدٍ الّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَرْزُبَانُ. بَنُو عَابِدٍ فِي بَنِي مَخْزُومٍ، وَهُمْ بَنُو عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مخزوم، وَأَمّا بَنُو عَائِذٍ بِالْيَاءِ وَالذّالِ الْمُعْجَمَةِ، فَهُمْ بَنُو عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ رَهْطُ آلِ الْمُسَيّبِ، وَالْأَوّلُونَ رَهْطُ آلِ بَنِي السّائِبِ.
حَوْلَ الْقَسْمِ:
وَأَمّا قَوْلُهُ: فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- عَنْ بَوَاءٍ يَقُولُ:
عَلَى سَوَاءٍ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ، فَقَالَ فِيهِ: فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- عَنْ فُوَاقٍ، وَفَسّرَهُ، فَقَالَ: جَعَلَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، أَيْ فَضّلَ فِي الْقَسْمِ مَنْ رَأَى تَفْضِيلَهُ، وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ قَوْلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنّ مَعْنَى عَنْ فُوَاقٍ: السّرْعَةُ فِي الْقَسْمِ كفواق الناقة، ورواية ابْنُ إسحاق أشهر وأثبت عند أهل الحديث «١»
_________________
(١) فواق بضم الفاء وفتحها، وفى النهاية لابن الأثير: قسمها فى قدر فواق-
[ ٥ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَبَبُ نُزُولِ أَوّلِ الْأَنْفَالِ:
وَفِي الْحَدِيثِ الّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، قَالَ:
قَتَلْت يَوْمَ بَدْرٍ الْعَاصِيَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي، وَأَخَذْت سَيْفَهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ:
ذُو الْكَتِيفَةِ. فَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللهِﷺ- وَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، نَفّلْنِيهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْعَلَهُ فِي الْقَبْضِ «١»، فأخذنى مالا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ، فَقُلْت:
قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ وأخذ سلبى فأنزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الْآيَةَ، فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْفَ «٢»، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَهْلُ السّيَرِ يَقُولُونَ: قَتَلَ الْعَاصِيَ بْنَ سَعِيدٍ عَلِيّ بْنُ أبي طالب ﵁.
_________________
(١) - ناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة.. وعن هاهنا بمنزلتها فى قولك: أعطيته عن رغبة وطيب نفس، لأن الفاعل وقت إنشاء الفعل إذا كان متصفا بذلك كان الفعل صادرا عنه لا محالة ومجاوزا له.
(٢) القبض بفتح القاف والباء: المقبوض.
(٣) رواه الإمام أحمد، وروى أيضا بسنده عن سعد بن مالك، قال: قلت يا رسول الله قد شفانى الله اليوم من المشركين، فهب لى هذا السيف فقال: إن هذا السيف لا لك، ولالى ضعه. قال: فوضعته، ثم رجعت، فقلت: عسى أن يعطى هذا السيف من لا يبلى بلائى قال: فإذا رجل يدعونى من ورائى قال: قلت قد أنزل الله فى شيئا؟ قال: كنت سألتنى السيف، وليس هو لى وإنه قد وهب لك، فهو لك، قال: وأنزل الله هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، قُلِ: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ورواه أبو داود والترمذى والنسائى. وقال الترمذى: حسن صحيح، ورواه على نحو آخر مسلم. وروى فى أسباب نزولها أشياء أخرى.
[ ٥ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَتَلَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، قَالَ وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلِمَةَ، وَسَلِمَةُ هَذَا بِكَسْرِ اللّامِ، وَهُوَ سَلِمَةُ بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ بَنِي الْعَجْلَانِ بَلَوِيّ بِالنّسَبِ أَنْصَارِيّ بِالْحِلْفِ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَأَمّا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَاسْمُ أَبِي مُعَيْطٍ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَاسْمُهُ ذَكْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، يُقَالُ: كَانَ أُمَيّةُ، قَدْ سَاعَى «١» أَمَةً أَوْ بَغَتْ أَمَةً لَهُ، فَحَمَلَتْ بِأَبِي عَمْرٍو، فَاسْتَلْحَقَهُ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيّةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ﵁- لِعُقْبَةَ حِينَ «٢» قَالَ: أَأُقْتَلُ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ صَبْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: حَنّ قِدْحٌ لَيْسَ «٣» منها، يعرّض بنسبه، وذلك أن القداح فى المسير رُبّمَا جُعِلَ مَعَهَا قِدْحٌ مُسْتَعَارٌ قَدْ جُرّبَ منه الْفَلَحُ وَالْيُمْنُ فَيُسْتَعَارُ لِذَلِكَ، وَيُسَمّى. الْمَنِيحَ، فَإِذَا حُرّكَ فِي الرّبَابَةِ مَعَ الْقِدَاحِ تَمَيّزَ صَوْتُهُ لِمُخَالَفَةِ جَوْهَرِهِ جَوْهَرَ الْقِدَاحِ، فَيُقَالُ حِينَئِذٍ.. حِنّ قدح ليس
_________________
(١) ساعى الأمة: طلبها للبغاء، وفجر بها
(٢) فى النهاية لابن الأثير أنه قال ذلك للوليد بن عقبة الذى ولاه عثمان الكوفة وأعمالها
(٣) هو مثل يضرب إلى رجل ينتمى إلى لسب ليس منه. أو يدعى ما ليس منه فى سىء، والقدح بالكسر أحد سهام الميسر. وأبو عمرو بن امية قد تزوج امرأة ابيه زوجه إياها ابنها أبو العاص بن أمية أخوه لأبيه، وكان نكاحا ينكحه الجاهلية ص ٩٩ نسب قريش
[ ٥ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْهَا، فَتَمَثّلَ عُمَرُ بِهَذَا الْمَثَلِ، يُرِيدُ أَنّ عُقْبَةَ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ «١»، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنّ النّبِيّﷺ- قَالَ حِينَئِذٍ: إنّمَا أَنْتَ يَهُودِيّ مِنْ أَهْلِ صَفّورِيَةَ «٢»، لِأَنّ الْأَمَةَ الّتِي وَلَدَتْ أَبَاهُ كَانَتْ لِيَهُودِيّ مِنْ أَهْلِ صَفّورِيَةَ، وَاسْمُهَا: تَرَنِي، قَالَهُ الْقُتَبِيّ «٣»، وَكَذَلِكَ قَالَ دَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ النّسّابَةُ لِمُعَاوِيَةَ حِينَ سَأَلَهُ: هَلْ أَدْرَكْت عَبْدَ الْمُطّلِب؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَدْرَكْته شَيْخًا وَسِيمًا قَسِيمًا جَسِيمًا يَحُفّ بِهِ عَشَرَةٌ مِنْ بَنِيهِ كَأَنّهُمْ النّجُومُ، قَالَ: فَهَلْ رأيت أميّة ابن عَبْدِ شَمْسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ رَأَيْته أُخَيْفِشُ أُزَيْرِقُ «٤» دَمِيمًا، يَقُودُهُ عَبْدُهُ ذَكْوَانُ، فَقَالَ: وَيْحَك ذَاكَ ابْنُهُ أَبُو عَمْرٍو، فَقَالَ دَغْفَلٌ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ ذَلِكَ.
الطّعْنُ فِي نَسَبِ بَنِي أُمَيّةَ:
قَالَ الْمُؤَلّفُ:
وَهَذَا الطّعْنُ خَاصّ بِنَسَبِ عُقْبَةَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ، وَفِي نَسَبِ أُمَيّةَ نَفْسِهِ مَقَالَةٌ
_________________
(١) جعله ابن دريد فى الاشتقاق من رجال قريش، وكذلك المؤرخ ابن عمرو السدوسى.
(٢) كورة وبلدة من نواحى الأردن بالشام قرب طبرية.
(٣) يقال للأمة والبغى: ترنى كحبلى، وترنى وابن ترنى: ولد البغى، ويجوز أن تكون ترنى من رنيت: إذا أديم النظر إليها. يقال: إن أمية جد أبيه خرج إلى الشام، فوقع على يهودية لها زوج من صفورية فولدت ذكوان المكنى أبا عمرو، وهو والد أبى معيط على فراش اليهودى، فاستلحقه بحكم الجاهلية.
(٤) أخفش تصغير أخفش والخفش فساد فى العين يضعف منه نورها، ويغمض دائما من غير وجع والزرقة خضرة فى سواد العين، وقيل: هو أن يتغش سوادها بياض. وقيل: الزرق تحجيل يكون دون الأشاعر، أو بياض لا يطيف بالعظم كله، ولكن وضح فى بعضه.
[ ٥ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخرى تعم حميع الْفَصِيلَةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ سَفِينَةَ «١» مَوْلَى أُمّ سَلَمَةَ حِينَ قِيلَ لَهُ: إنّ بَنِي أُمَيّةَ يَزْعُمُونَ أَنّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، فَقَالَ: كَذَبَتْ اسْتَاهُ بَنِي الزّرْقَاءِ، بَلْ هُمْ مُلُوكٌ، وَمِنْ شَرّ الْمُلُوكِ، فَيُقَالُ: أَنّ الزّرْقَاءَ هَذِهِ هِيَ [أُمّ] أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ «٢»، وَاسْمُهَا أَرْنَبُ، قاله الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ، قَالَ:
وَكَانَتْ فِي الْجَاهِلِيّةِ مِنْ صَوَاحِبِ الرّايَاتِ «٣» .
قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵁: وَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ، وَنَهَى عَنْ الطّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ الْكَفّ عَنْ نَسَبِ بَنِي أُمَيّةَ إلا لموضع عثمان ابن عَفّانَ ﵁، لَكَانَ حَرًى بذلك.
أَبُو هِنْدٍ الْحَجّامُ:
فَصْلٌ وَذَكَرَ أَبَا هِنْدٍ الْحَجّامَ، وَأَنّهُ لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) وقيل: هو مولى رسول الله «ص» واسمه مهران.
(٢) كلمة أم غير موجودة بالأصل، والسياق يفرضها وفى نسب قريش أن أم أمية هى نفجة بنت عبيد بن رواس بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صعصعة ص ٩٧ وفى السدوسى أن اسمها تعجز ابنة عبيد بن رؤاس بن كلاب الخ ص ٣٠
(٣) يرى الشهرستانى أنها امرأة كان يختلف إليها النفر فى الجاهلية، وكلهم يواقعها فى طهر واحد، فإذا ولدت ألزمت الولد أحدهم وهذه تدعى: المقسمة ويرى غيره أن البغايا كن ينصبن على أبو ابهن رايات، يدخل عليها الكثير، فإذا حملت ووضعت جمعوا لها، ودعوا القافة، فيلحقونه بشبيهه. ولهذا لا يمكن تصديق ما زعمه الإصبهانى، وهو يرمى عن فارسيته التى تحاول النيل من أشراف العرب
[ ٥ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُنْصَرَفَهُ مِنْ بَدْرٍ. أَبُو هِنْدٍ اسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ، وَهُوَ مَوْلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبِيَاسِيّ، وَأَمّا طَيْبَةُ «١» الْحَجّامُ فَهُوَ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، وَاسْمُهُ: نَافِعٌ، وَقِيلَ: دُنَيْرٍ وَقِيلَ مَيْسَرَةُ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا.
أُسَارَى بَدْرٍ ذَكَرَ فِيهِمْ أَبَا عزيز بن عمير حين مرّبه، وَهُوَ أَسِيرٌ عَلَى أَخِيهِ مُصْعَبٍ، فَقَالَ مُصْعَبٌ لِلّذِي أَسَرَهُ: اُشْدُدْ يَدَيْك «٢» بِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵀: وَقَدْ تَقَدّمَ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ خَبَرُ إسْلَامِ مُصْعَبٍ، وَمَا كَانَتْ أُمّهُ تَصْنَعُ بِهِ، وَأَرْجَأْت التّعْرِيفَ بِهِ وَبِإِخْوَتِهِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، فَأَمّا أَبُو عَزِيزٍ، فَاسْمُهُ زُرَارَةُ، وَأُمّهُ الّتِي أَرْسَلَتْ فِي فِدَائِهِ أُمّ الْخِنَاسِ بِنْتُ مَالِكٍ الْعَامِرِيّةُ، وَهِيَ أُمّ أَخِيهِ مصعب، وأخته هند بنت عمير، وهند هى أم شيبة ابن عُثْمَانَ حَاجِبُ الْكَعْبَةِ، جَدّ بَنِي شَيْبَةَ أَسْلَمَ أَبُو عَزِيزٍ، وَرَوَى الْحَدِيثَ، وَأَسْلَمَ أَخُوهُ أَبُو الرّومِ، وَأَبُو يَزِيدَ، وَلَا خَفَاءَ بِإِسْلَامِ مُصْعَبٍ أَخِيهِ، وَغَلِطَ الزّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ، فَقَالَ: قُتِلَ أَبُو عَزِيزٍ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا، وَلَمْ يَصِحّ هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ، وَلَعَلّ المقتول بأحد كافرا أخ لهم غيره.
_________________
(١) الصواب: أبو طيبة، واسمه كما قال السهيلى نافع أو ميسرة وكنيته كما قدمت: أبو طيبة، وقد ثبت ذكره فى الصحيحين أنه حجم النبى ﵌ من حديث أنس وجابر وغيرهما.
(٢) فى السيرة: شديدك.
[ ٥ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَبَرُ أَبِي رَافِعٍ حِينَ قَدِمَ فَلّ قُرَيْشٍ اسْمُ أَبِي رَافِعٍ: أَسْلَمُ «١»، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ اسْمُهُ إبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ اسْمُهُ:
هُرْمُزَ، وَكَانَ عَبْدًا قِبْطِيّا لِلْعَبّاسِ، فَوَهَبَهُ لِلنّبِيّ ﷺ، فَلَمّا أَسْلَمَ الْعَبّاسُ وَبَشّرَ أَبُو رَافِعٍ رَسُولَ اللهِﷺ- بِإِسْلَامِهِ، فَأَعْتَقَهُ، فَكَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَقِيلَ: كَانَ عَبْدًا لِبَنِي سَعِيدِ ابن الْعَاصِي، وَهُمْ عَشَرَةٌ فَأَعْتَقُوهُ إلّا خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، فَإِنّهُ وَهَبَ حِصّتَهُ فِيهِ لِلنّبِيّﷺ- فَأَعْتَقَهُ النّبِيّﷺ- وَالْأَوّلُ أَصَحّ تُوُفّيَ فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيّ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بِيَسِيرِ.
أُمّ الْفَضْلِ وَضَرْبُهَا لِأَبِي لَهَبٍ:
وَذَكَرَ أَبَا لَهَبٍ وَضَرْبَهُ لِأَبِي رَافِعٍ حِينَ ذَكَرَ الْمَلَائِكَةَ وَانْتِصَارَ أُمّ الْفَضْلِ لَهُ وَضَرْبَهَا لِأَبِي لَهَبٍ، وَأُمّ الْفَضْلِ هِيَ لُبَابَةُ الْكُبْرَى بِنْتُ الْحَارِثِ [بْنِ حَزْنِ ابن بُجَيْرِ بْنِ الْهُزَمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ] الْهِلَالِيّةُ أُخْتُ مَيْمُونَةَ، وَأُخْتُهَا لُبَابَةُ الصّغْرَى أُمّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَلَدَتْ أُمّ الْفَضْلِ مِنْ الْعَبّاسِ سَبْعَةً نُجَبَاءَ قَالَ الشّاعِرُ:
مَا وَلَدَتْ نَحِيبَةٌ مِنْ فَحْلٍ كَسَبْعَةِ مِنْ بَطْنِ أُمّ الفضل
_________________
(١) وقيل: سنان، وقيل: يسار، وقيل: صالح، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: قزمان، وقيل. يزيد، وقيل: ثابت. قال ابن عبد البر: أشهر ما قيل فى اسمه: أسلم، وقال مصعب الزبيرى: اسمه إبراهيم، ولقبه بريه، وهو تصغير إبراهيم.
[ ٥ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُمْ عَبْدُ اللهِ وَعُبَيْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ، وَالْفَضْلُ، وَمَعْبَدُ، وَقُثَمُ «١»، وَيُقَالُ فِي السّابِعِ: كَثِيرُ بْنُ الْعَبّاسِ، وَالْأَصَحّ فِي كَثِيرٍ أَنّ أُمّهُ رُومِيّةُ، وَلَمْ تَلِدْ أُمّ الْفَضْلِ مِنْ الْعَبّاسِ إلّا مَنْ سَمّيْنَا وَأُخْتًا لَهُمْ، وَهِيَ أُمّ حَبِيبٍ، وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يونس [بن بكير]، وذكر أن رسول الله ﷺ- رَآهَا وَهِيَ طِفْلَةً تَدِبّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: إنْ بَلَغْت هَذِهِ وَأَنَا حَيّ تَزَوّجْتهَا، فَقُبِضَ ﵇ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ فَتَزَوّجَهَا سفيان بن الأسود
_________________
(١) هذا رأى محمد بن حبيب فى المحبر ص ٤٠٩. وقد ذكر مصعب الزبيرى لها ستا هم الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، ومعبد وأم حبيب. وللعباس من غيرها الحارث وأمه من هذيل، وكثير وتمام وأمهما: أم ولد، وآمنة لأم ولد، وصفية لأم ولد. والمؤرخ السدوسى يذكر له ثلاثة أولاد: وفى نهاية الأرب للقلقشندى أنه كان للعباس تسعة أولاد منهم الفضل وعبد الله وعبيد الله وقثم وعبد الرحمن ومعبد وأمهم لبابة ثم تمام وكثير والحارث ولم يذكر أمهم ص ١٤٣ ط ١٩٥٩ لأبى العباس أحمد القلقشندى وكذلك ذكر فى كتابه قلائد الجمان ص ١٥٦. وقد زدت فى نسب لبابة ما ورد فى نسب قريش للزبيرى، وحذف من نسب قريش ص ٢٧ للسدوسى ص ٣٢ أما ابن دريد فى الاشتقاق فذكر أنهم أحد عشر ابنا وعد منهم من أسماؤهم: عبدان وصبح ومسهر ومعبد، والعجيب أنه لم يذكر منهم عبد الله. هذا وقد كان العباس يحمل تماما ويقول: تموا بتمام فصاروا عشره يا رب فاجعلهم كراما برره واجعل لهم ذكرا وأتم الثمره ويذكر ابن حبيب ص ٤٦ فى المحبر أن قثما كان يشبه النبى، وأن العباس كان يرقصه بقوله. أيا بنى يا قثم أيا شبيه ذى الكرم
[ ٥ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عَبْدِ الْأَسَدِ [بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو] الْمَخْزُومِيّ فَوَلَدَتْ لَهُ رِزْقًا وَلُبَابَةَ «١» .
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ أَبَا لَهَبٍ حِينَ ضَرَبَتْهُ أُمّ الْفَضْلِ بِالْعَمُودِ عَلَى رَأْسِهِ قَامَ مُنْكَسِرًا، وَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا، حَتّى رَمَاهُ اللهُ بِالْعَدَسَةِ فَقَتَلَهُ.
وَذَكَرَ الطّبَرِيّ فِي كِتَابِهِ أَنّ الْعَدَسَةَ قَرْحَةٌ كَانَتْ الْعَرَبُ تَتَشَاءَمُ بِهَا، وَيَرَوْنَ أَنّهَا تُعْدِي أَشَدّ الْعَدْوَى، فَلَمّا رُمِيَ بِهَا أَبُو لَهَبٍ، تَبَاعَدَ عَنْهُ بَنُوهُ، فَبَقِيَ ثَلَاثًا لَا تُقْرَبُ جِنَازَتُهُ، وَلَا يُدْفَنُ، فَلَمّا خَافُوا السّبّةَ دَفَعُوهُ بِعُودِ فِي حُفْرَتِهِ ثُمّ قَذَفُوهُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ بِعِيدِ حَتّى وَارَوْهُ «٢» وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ لَمْ يَحْفِرُوا لَهُ، وَلَكِنْ أُسْنِدَ إلَى حَائِطٍ وَقُذِفَتْ عَلَيْهِ الْحِجَارَةُ مِنْ خَلْفِ الْحَائِطِ وَوُرِيَ «٣» وَذَكَرَ أَنّ عائشة كانت إدا مرت بموضعه ذلك غطّت
_________________
(١) فى كتاب نسب قريش لمصعب الزبيرى ذكر أن اسم زوجها الأسود ابن سفيان بن عبد الأسد الخ. وفى الإصابة: الأسود بن سنان، وفى كتاب النسب أنها ولدت للأسود: رزقا وعبد الله.
(٢) نص تعبير الطبرى فى تاريخه «فلقد تركه أبناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن فى بيته، وكانت قريش تنقى العدسة وعدوتها كما يتقى الناس الطاعون، حتى قال لهما رجل: ويحكما ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن فى بيته لا تغيبانه، فقالا: إنا نخشى هذه القرحة الخ» ص ٤٦٢ ح ٢ الطبرى ط المعارف. وقد عرف ابن الأثير فى النهاية العدسة بقوله بثرة تشبه العدسة تخرج فى مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل صاحبها غالبا.
(٣) نص تعبير الطبرى: «فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار، وقذفوا عليه بالحجارة حتى واروه» -
[ ٥ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجْهَهَا «١»، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ أَنّ بَعْضَ أَهْلِهِ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فِي شَرّ رَحِيبَةٍ «٢»، وَهِيَ الْحَالَةُ، فَقَالَ: مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ، يَعْنِي. رَاحَةً، غَيْرَ أَنّي سُقِيت فِي مِثْلِ هَذِهِ بِعِتْقِي ثُوَيْبَةَ، هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأُصَيْلِيّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، قَالَ:
مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ رَاحَةً، غَيْرَ أَنّي سُقِيت فِي مِثْلِ هَذِهِ، وَأَشَارَ إلَى النّقْرَةِ بَيْنَ السّبّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، بِعِتْقِي ثُوَيْبَةَ «٣»، وَفِي غَيْرِ الْبُخَارِيّ أَنّ الّذِي رَآهُ مِنْ أَهْلِهِ هُوَ أَخُوهُ الْعَبّاسُ، قَالَ: مَكَثْت حَوْلًا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي لَهَبٍ لَا أَرَاهُ فِي نَوْمٍ، ثُمّ رَأَيْته فِي شَرّ حَالٍ، فَقَالَ: مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ رَاحَةً إلّا أن العذاب يخفف عنى كلّ
_________________
(١) - ص ٤٦٢ ح ٢. وأولاد أبى لهب هم: عتبة ومعتب أسلما يوم الفتح وثبتا يوم حنين، وأختهما درة لهما صحبة، وهى من المهاجرات، وأما عتيبة فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام، وقد روى الطبرانى أنه ﷺ دخل يوم الفتح بين عتبة ومعتب يقول للناس: هذا أخواى وابنا عمى- فرحا بإسلامهما- استوهبتهما من الله، فوهبهما لى.
(٢) قال الزرقانى فى شرحه على المواهب اللدنية «قال البرهان: الظاهر أن ذلك لنتنه، فكأنه كان يظهر من قبره إهانة له أبدا، ويحتمل أن فعلها ذلك لكونه محل عذاب، كما فعلﷺ- حِينَ مَرّ بِالْحِجْرِ، فغطى وجهه بثوبه واستحث راحلته، إشارة إلى التباعد عنه» ص ٤٥٢ ح ١.
(٣) فى رواية الشيخين: خيبة، فقد أخرجا عن عروة قال أعتق أبو لهب ثويبة، فأرضعت رسول الله «ص» فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله فى النوم بشر خيبة، فقال له: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم رخاء.
(٤) التى أرضعت النبى ﷺ: قال أبو نعيم: لا أعلم أحدا أثبت إسلامها، وفى طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم ماتت سنة سبع مرجع النبى «ص» من خيبر. وكانت خديجة تكرمها وهى ملك أبى لهب، وسألته أن يبيعها لها فامتنع، فلما هاجر النبى «ص» أعتقها.
[ ٥ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَوْمِ اثْنَيْنِ، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ قَدْ بَشّرَتْهُ بِمَوْلِدِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَشَعَرْت أَنّ آمِنَةَ وَلَدَتْ غُلَامًا لِأَخِيك عَبْدِ اللهِ؟ فقال لها: اذهبى، فأنت حرّة، فنفعه ذلك «١»، وهو فى النّارِ كَمَا نَفَعَ أَخَاهُ أَبَا طَالِبٍ ذَبّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- فَهُوَ أَهْوَنُ أَهْلِ النّارِ عَذَابًا، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي بَابِ أَبِي طَالِبٍ أَنّ هَذَا النّفْعَ إنّمَا هُوَ نُقْصَانٌ مِنْ الْعَذَابِ، وَإِلّا فَعَمَلُ الْكَافِرِ كُلّهُ مُحْبَطٌ بِلَا خِلَافٍ، أَيْ: لَا يَجِدُهُ «٢» فِي مِيزَانِهِ، وَلَا يَدْخُلُ بِهِ جَنّةً، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَصِلُ ثُوَيْبَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيُتْحِفُهَا؛ لِأَنّهَا كَانَتْ أَرْضَعَتْهُ، وَأَرْضَعَتْ عَمّهُ حَمْزَةَ، وَلَمّا افْتَتَحَ مَكّةَ سَأَلَ عَنْهَا، وَعَنْ ابْنٍ لَهَا اسْمُهُ: مسروح، فأخبر أنهما قد ماتا «٣» .
_________________
(١) هو لم يعتقها إلا بعد الهجرة، وليس للمشرك عند الله عمل فكل عمله حابط. يقول سبحانه (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) الزمر: ٦٥ وقال: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) المائد: ٥ وقال (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها، وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) هود: ١٥ ١٦ هذه الآية تؤكد أن هؤلاء يوفون أعمالهم فى الدنيا، أما فى الآخرة فليس لهم من جزاء إلا النار. والاستثناء هنا لا يدع شيئا من ظن أو توهم حول هذا. كما تؤكد أن ما صنعوا فى الدنيا حابط عند الله، وأن ما عملوه كان باطلا.
(٢) إن نقصان العذاب ثواب ورحمة، فكيف لا يجد شيئا فى ميزانه، ثم ينال ثوابا ورحمة.
(٣) مات ابنها قبلها. ويقول الحافظ فى الإصابة: «ولم أقف فى شىء من الطرق على إسلام ابنها مسروح، وهو محتمل»
[ ٥ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضُبَيْرَةَ:
وَذَكَرَ الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطّابِيّ عَنْ الْعَنْبَرِيّ أَنّهُ يُقَالُ فِيهِ: ضَبِيرَةُ بِالضّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَاسْمُ أَبِي ضُبَيْرَةَ: عَوْفٌ.
ابْنُ الدّخْشُمِ:
وَذَكَرَ مَالِكَ، بْنَ الدّخْشُمِ [بْنِ مِرْضَخَةَ] وَيُقَالُ فِيهِ: الدّخَيْشُ، وَيُقَالُ فِيهِ: ابْنُ الدّخَيْشِ «١» وَيُقَالُ: إنّهُ الّذِي سَارّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارّهُ بِهِ حَتّى جَهَرَ النّبِيّ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِهِ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ الْمُوَطّأ، وَاَلّذِي سَارّهُ هُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ «٢»، وَقَدْ بَرّأَ النّبِيّ ﷺ مَالِكَ بْنَ الدّخْشُمِ مِنْ النّفَاقِ، حَيْثُ قَالَ: أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ أَلَيْسَ يُصَلّي؟
قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ فِي حَدِيثِ الْمُوَطّأِ: أُولَئِكَ الّذِينَ نهانى الله عنهم، وقال
_________________
(١) جعله ابن دريد من الخزرج، أما الحافظ فى الفتح، فيقول إنه من بنى عوف بن عمرو بن عوف الأنصارى الأوسى. ملحوظة: ذكر ابن هشام عن البيت الأخير من قصيدة الأسود الدالية أن فيه إقواء. قال أبو ذر الخشنى عن هذا «هو الذى سماه إكفاء أكثر الناس من أهل القوافى يسميه: إقواء، والإقواء عندهم: اختلاف الحركات، والإكفاء: اختلاف الحروف فى القوافى» ص ١٦٣.
(٢) عِتْبَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَجْلَانِ بن يزيد بن غنم بن سالم ابن عوف بن عمرو بن عوف بن عوف بن الخزرج الأنصارى الخزرجى السالمى وحديثه فى الصحيحين، وأنه كان إمام قومه بنى سالم
[ ٥ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: فَإِنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَى النّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلّا اللهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ.
حَوْلَ شِعْرِ مِكْرَزٍ:
وَذِكْرُ مِكْرَزٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي اسْمِ مِكْرَزٍ أَنّهُ يُقَالُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، وَلَكِنْ لَا يُرْوَى فِي السّيرَةِ إلّا بِالْكَسْرِ.
وَقَوْلُ مكرز:
فديت بأذواد ثمان سبافتي
بِكَسْرِ الثّاءِ مِنْ ثِمَانٍ، لِأَنّهُ جَمْعُ ثَمِينٍ، مثل سمين وسمان «١» .
أبو العاصى بن الربيع:
وذكر أبا العاصى بْنَ الرّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَاسْمُ أَبِي العاصى: لَقِيطٌ، وَقِيلَ فِيهِ: هَاشِمٌ وَقِيلَ مُهَشّمٌ»
، وَقِيلَ هَشِيمٌ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِي أَهْلِهِ زَيْنَبَ بنت رسول اللهﷺ- وكان بالشام تاجرا حين قالها:
_________________
(١) يقول الخشنى: من رواه ثمان بكسر الثاء، فمعناه، غالية الثمن، ومن رواه بفتح الثاء، فهو من العدد ص ١٦٤.
(٢) تقال بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الشين، أو بضم الميم وفتح الهاء وكسر الشين الثقيلة وكان يلقب جرو البطحاء والأمين، ومن أسمائه أيضا: ياسر أو قاسم.
[ ٥ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرَتْ زَيْنَبُ لَمَا يَمّمَتْ إضَمًا «١» فَقُلْت: سَقْيًا لِشَخْصِ يَسْكُنُ الْحَرَمَا
بِنْتُ الْأَمِينِ جَزَاهَا اللهُ صَالِحَةً وَكُلّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِاَلّذِي عَلِمَا
وَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُمَامَةَ وَعَلِيّا، مَاتَ عَلِيّ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَتَزَوّجَ أُمَامَةَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَتَزَوّجَهَا بَعْدَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ نَوْفَلٍ «٢»، وَهِيَ الّتِي جَاءَ فِيهَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الزّرَقِيّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلّي، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ الْحَدِيثَ «٣» قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ: كَانَتْ تِلْكَ الصّلَاةُ صَلَاةَ الصّبْحِ، هَكَذَا رَوَاهُ [عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ] بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَتّابٍ عَنْ عَمْرِو ابن سُلَيْمٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ السّيرَةِ عَنْ الْمَقْبُرِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، فَقَالَ فِيهِ: فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الظّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، وكان الذى أسر أبا العاصى مِنْ الْأَنْصَارِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، ذَكَرَهُ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَانَتْ رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحْتَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَأُمّ كُلْثُومٍ تَحْتَ عُتَيْبَةَ،
_________________
(١) يقول البكرى فى معجمه عن إضم: واد دون المدينة أو جبل لأشجع وجهينة أو واد لهم. وفى المراصد: ماء تطؤه الحاج بين مكة واليمامة عند السمينة، وقيل هو الوادى الذى فيه مدينة الرسول ﷺ الخ.
(٢) تزوجها على بعد موت خالتها فاطمة لوصية منها، وقد زوجها له الزبير، وتزوجها المغيرة بوصية من على ص ٢٠٥ ح ٢ السيرة الحلبية.
(٣) حديث صلاة الرسول «ص» وهو يحمل أمامة موجود فى الصحيحين وقد ماتت أمامة عند المغيرة، فليس لزينب عقب.
[ ٥ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَطَلّقَاهُمَا بِعَزْمِ أَبِيهِمَا عَلَيْهِمَا وَأُمّهِمَا حِينَ «١» نَزَلَتْ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ فَأَمّا عُتَيْبَةُ، فَدَعَا عَلَيْهِ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُسَلّطَ اللهُ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِهِ فَافْتَرَسَهُ الْأَسَدُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ نِيَامٌ حَوْلَهُ، وَأَمّا عُتْبَةُ وَمُعَتّبٌ ابْنَا أَبِي لَهَبٍ، فَأَسْلَمَا وَلَهُمَا عَقِبٌ.
وَقَوْلُهُ فِي خَبَرِ هِنْدٍ فَلَا تَضْطَنِي مِنّي. تَضْطَنِي، أَيْ. لَا تَنْقَبِضِي عَنّي وَشَاهِدُهُ [قَوْلُ الطّرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ]:
إذَا ذُكِرَتْ مَسْعَاةُ وَالِدِهِ اضْطَنَى وَلَا يَضْطَنِي مِنْ شَتْمِ أَهْلِ الْفَضَائِلِ «٢»
هَكَذَا وَجَدْته فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْبَيْتُ فِي الْحَمَاسَةِ:
يُضْنِي بِالضّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَأَنّهُ يَفْتَعِلُ مِنْ الضّنَى وَهُوَ الضعف
_________________
(١) أنظر ص ٢٢ كتاب نسب قريش للمصعب الزبيرى.
(٢) البيت من قصيدة الطرماح بن حكيم أولها لقد زادنى حبا لنفسى أننى بغيض إلى كل امرىء غير طائل وإنى شقى باللئام ولا ترى شقيا بهم إلا كريم الشمائل وهى فى الحماسة: يضطنى كما روى السهيلى البيت، لا كما قال بعده. وقد شرح بما يأتى: اضطنى افتعل من الضنى أى أنه يضنى إذا ذكر صنيع والده لقبحه ومع هذا يشتم أهل الفضائل ولا يضنى منه. ويقول الخشن فى شرح السيرة فى تفسير تضطنى: من رواه بالضاد والنون المخففة. فمعناه: لا تختفى ولا تستحيى وأصله: الهمز، يقال: اصطنأت المرأة: إذا استحيت، فحذف الهمزة تخفيفا. ومن رواه: تظطنى فهو من ظننت التى بمعنى: اتهمت، أى: لا تتهمنى ولا تسترب منى.
[ ٥ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) اتّبَاعُ قُرَيْشٍ لِزَيْنَبِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُرُوجَ زَيْنَبَ بنت رسول اللهﷺ- مِنْ مَكّةَ، وَاتّبَاعَ قُرَيْشٍ لَهَا، قَالَ: وَسَبَقَ إلَيْهَا هَبّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَالْفِهْرِيّ، وَلَمْ يُسَمّ ابْنُ إسْحَاقَ الْفِهْرِيّ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَفِي غَيْرِ السّيرَةِ أَنّهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَزّارُ فِيمَا بَلَغَنِي. وَذَكَرَ أَنّ زَيْنَبَ حِينَ رَوّعَهَا هَبّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَلْقَتْ ذَا بَطْنِهَا، وَزَادَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ نَخَسَ بِهَا الرّاحِلَةَ فَسَقَطَتْ عَلَى صَخْرَةٍ، وَهِيَ حَامِلٌ فَهَلَكَ جَنِينُهَا، وَلَمْ تَزَلْ تُهْرِيقُ الدّمَاءَ حَتّى مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ إسْلَامِ بعلها أبي العاصي. وَذَكَرَ الزّبَيْرُ أَنّ هَبّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ لَمّا أَسْلَمَ وَصَحِبَ رَسُولَ اللهِﷺ- كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبّونَهُ بِمَا فَعَلَ، حَتّى شَكَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِﷺ- فَقَالَ: سُبّ مَنْ سَبّك يَا هَبّارُ، فَكَفّ النّاسُ عَنْ سَبّهِ بَعْدُ. وَلَدَتْ زَيْنَبُ [أُمَامَةَ] وَهِيَ الّتِي جَاءَ فِيهَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَمْرُو بن السليم ابن خَلَدَةَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ الزّرَقِيّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- كَانَ يُصَلّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ الْحَدِيثَ. قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ إلَى آخِرِ مَا تَقَدّمَ قَرِيبًا. تَفْسِيرُ قَصِيدَةِ أَبِي خَيْثَمَةَ: وَذِكْرُ شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَقِيلَ بَلْ قَالَهَا أَبُو خَيْثَمَةَ، وَفِيهَا: على مأقط وبيننا عطر منشم
[ ٥ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المأقط: مُعْتَرَكُ الْحَرْبِ «١»، وَعِطْرُ مَنْشَمِ كِنَايَةٌ عَنْ شِدّةِ الْحَرْبِ، وَهُوَ مَثَلٌ، وَأَصْلُهُ- فِيمَا زَعَمُوا- أَنّ منشم كانت امْرَأَةً مِنْ خُزَاعَةَ تَبِيعُ الْعِطْرَ وَالطّيبَ، فَيُشْتَرَى مِنْهَا لِلْمَوْتَى، حَتّى تَشَاءَمُوا بِهَا لِذَلِكَ، وَقِيلَ: إنّ قَوْمًا تَحَالَفُوا عَلَى الْمَوْتِ، فَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي طِيبِ مَنْشَمِ الْمَذْكُورَةِ تَأْكِيدًا لِلْحَلِفِ، فَضُرِبَ طِيبُهَا مَثَلًا فِي شِدّةِ الْحَرْبِ، وَقِيلَ: مَنْشَمُ امْرَأَةٌ مِنْ غُدَانَةَ، وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ تَمِيمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ وَأَنّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ صَاحِبَةُ يَسَارٍ الّذِي يُقَالُ له يسار الكواعب، وَأَنّهُ كَانَ عَبْدًا لَهَا، وَأَنّهُ رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: امْهَلْ حَتّى أُشِمّك طِيبَ الْحَرَائِرِ، فَلَمّا أَمْكَنَهَا مِنْ أَنْفِهِ أَنْخَتْ عَلَيْهِ بِالْمُوسَى حَتّى أَوْعَبَتْهُ «٢» جَدْعًا، فَقِيلَ فِي الْمَثَلِ. لَاقَى الّذِي لَاقَى يَسَارُ الْكَوَاعِبِ، فَقِيلَ: عِطْرُ منشم «٣»
_________________
(١) المأقط: الضيق فى الحرب، وقال ابن سراج: المأقط: موضع الحرب غير مهموز من المقط وهو الضرب «الخشنى ص ١٦٥» .
(٢) استأصلته.
(٣) اختلف الرواة فى لفظ هذا الإسم ومعناه واشتقاقه، وفى سبب المثل فانه يقال: منشم بفتح الشين وكسرها ومشأم. وفى معناه قال أبو عمرو بن العلاء إن المنشم هو الشر بعينه، وزعم غيره أنه شىء يكون فى سنبل العطر يسميه العطارون: قرون السنبل، وهم سم ساعة، وقيل إن المنشم تمرة سوداء منتنة وقيل اسم امرأة، وأما اشتقاق منشم فقالوا إنه اسم موضوع كسائر الأسماء الأعلام. وقيل هو اسم وفعل، فأصله: من شم، فحذفوا الياء الثانية وجعلوا الأولى حرف إعراب، وقيل: هو من لشم فى كذا إذا بدأ فيه. وهناك اختلاف فى سبب المثل مذكور فى كتب الأمثال، وقد تقدم فى الجزء الأول ذكر يسار.
[ ٥ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي الشّعْرِ:
بِذِي حَلَقٍ جَلْدِ الصلاصل محكم
يعنى: الْغُلّ، وَالصّلَاصِلُ جَمْعُ: صَلْصَلَةٍ، وَهِيَ صَلْصَلَةُ الْحَدِيدِ.
وَذَكَرَ قَوْلَ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ لِفَلّ قُرَيْشٍ حِينَ رَجَعُوا مِنْ بَدْرٍ.
أَفِي السّلْمِ أَعْيَارًا جَفَاءً وَغِلْظَةً وَفِي الْحَرْبِ أَشْبَاه النّسَاءِ الْعَوَارِكِ «١»
يُقَالُ: عَرَكَتْ الْمَرْأَةُ وَدَرَسَتْ وَطَمَثَتْ إذَا حَاضَتْ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا يُقَالُ: ضَحِكَتْ إذَا حَاضَتْ، وَتَأَوّلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى [وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ] فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: يُقَالُ: أَكْبَرَتْ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَالْهَاءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَكْبَرْنَهُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، وَنُصِبَ أَعْيَارًا عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُخْتَزَلٌ لِأَنّهُ أَقَامَ الْأَعْيَارَ مَقَامَ اسْمٍ مُشْتَقّ، فَكَأَنّهُ قَالَ: أَفِي السّلْمِ بُلَدَاءَ جُفَاةً مِثْلَ الْأَعْيَارِ، وَنَصْبُ جَفَاءً وَغِلْظَةً نَصْبُ الْمَصْدَرِ الْمَوْضُوعِ مَوْضِعَ الْحَالِ، كما تقول: زبد الْأَسَدُ شِدّةً، أَيْ يُمَاثِلُهُ مُمَاثَلَةً شَدِيدَةً؛ فَالشّدّةُ صِفَةٌ لِلْمُمَاثَلَةِ، كَمَا أَنّ الْمُشَافَهَةَ صِفَةٌ لِلْمُكَالَمَةِ، إذَا قُلْت: كَلّمْته مُشَافَهَةً فَهَذِهِ حَالٌ مِنْ المصدر فى الحقيقة، وتعلّق حرف الجرّ
_________________
(١) البيت من شواهد سيبويه فى الكتاب، وأعيارا وأشباء النساء منصوبان عنده على المصدر، أما عند السيرافى فمنصوبان على الحال. والأعيار: جمع عير- بفتح العين الحمار أهليا كان أم وحشيا. والجفاء: الغلظة. والفل: القوم المنهزمون، والاستفهام فى البيت للتوبيخ.
[ ٥ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ قَوْلِهَا: أَفِي السّلْمِ، بِمَا أَدّتْهُ الْأَعْيَارُ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ، فَكَأَنّهَا قَالَتْ: أَفِي السّلْمِ تَتَبَلّدُونَ، وَهَذَا الْفِعْلُ الْمُخْتَزَلُ النّاصِبُ لِلْأَعْيَارِ لَا يَجُوزُ إظْهَارُهُ لِلسّرّ الّذِي نَبّهْنَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْمُبْرِقِ [عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ]: وَعَائِذًا بِك أَنْ يَعْلُوا فَيُطْغُونِي اُنْظُرْهُ فِي الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ. رَدّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا: وَذَكَرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ ردّ زينب على أبى العاصى عَلَى النّكَاحِ الْأَوّلِ، لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا بَعْدَ سِتّ سِنِينَ، وَيُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ، أَنّ النّبِيّ ﷺ رَدّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحِ جَدِيدٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَصَحّ إسْنَادًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْت لِأَنّ الْإِسْلَامَ قَدْ كَانَ فَرّقَ بَيْنَهُمَا، قال الله تعالى: لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَعْنَى رَدّهَا عَلَيْهِ عَلَى النّكَاحِ الْأَوّلِ، أَيْ: عَلَى مِثْلِ النّكَاحِ الْأَوّلِ، فِي الصّدَاقِ وَالْحِبَاءِ لَمْ يُحْدِثْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ مِنْ شَرْطٍ، وَلَا غَيْرِهِ.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) شِعْرُ بِلَالٍ فِي مَقْتَلِ أُمَيّةَ: وَذَكَرَ قَتْلَ بِلَالٍ لِأُمَيّةِ بْنِ خَلَفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ شِعْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ وَهُوَ: فَلَمّا الْتَقَيْنَا لَمْ نُكَذّبْ بِحَمْلَةِ عَلَيْهِمْ بِأَسْيَافِ لَنَا كَالْعَقَائِقِ وَمَطْرُورَةُ حُمْرُ الظّبَاةِ كَأَنّهَا إذَا رُفِعَتْ أَشْطَانُ ذَاتِ الْأَبَارِقِ بَنِي جُمَحٍ قَدْ حَلّ قَعْصٌ بِشَيْخِكُمْ عَلَى مَاءِ بَدْرٍ رَأْسِ كُلّ مُنَافِقِ هَجَمْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ وَاشْتَجَرَتْ بِهِ مَصَالِيتُ لِلْأَنْصَارِ غَيْرُ زَوَاهِقِ هَوَى حِينَ لَاقَانَا وَفُرّقَ جَمْعُهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النّارِ مِنْ رَأْسِ حَالِقِ وَذَكَرَ الزّبَيْرُ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنْ ابْنِ سَلّامٍ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنّ أُمَيّةَ حِينَ أَحَاطَتْ به الأنصار، قال: يا أحد رأى، أمالكم بِاللّبّنِ حَاجَةٌ؟ قَالَ: وَكَانَ أُمَيّةُ يُذْكَرُ بِفَصَاحَتِهِ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِثْلَ هَذَا، ثُمّ قَرَنَ الزّبَيْرُ هَذَا الْحَدِيثَ بِحَدِيثِ أَسْنَدَهُ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حِينَ نَزَلَتْ قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ الزّخْرُفِ: ٨١ الْآيَةَ، وَكَانَ النّضْرُ قَدْ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ الرّحْمَنِ، فَلَمّا سَمِعَ الْآيَةَ قَالَ أَلَا تَرَاهُ قَدْ صَدّقَنِي، فَقَالَ لَهُ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ- وَكَانَ أَفْصَحَ مِنْهُ- لَا وَاَللهِ، بَلْ كَذّبَك، فَقَالَ: مَا كَانَ لِلرّحْمَنِ مِنْ وَلَدٍ، وَرُوِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنّهُ قَالَ فِي قَوْلِ أُمَيّةَ، يَا أَحَدٌ: يَا اسْتِفْتَاحٌ، وَمَعْنَاهُ يا هؤلاء أجد راء.
[ ٥ / ٢٠١ ]
[إسلام عمير بن وهب]
[صفوان يحرضه على قتل الرسول]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ قَالَ: جَلَسَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْحِجْرِ بِيَسِيرٍ، وَكَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ شَيْطَانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَيَلْقَوْنَ مِنْهُ عَنَاءً وَهُوَ بِمَكّةَ، وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ أَحَدُ بَنِي زُرَيْقٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزّبير، قال: فذكر أصحاب القليب ومصلبهم، فَقَالَ صَفْوَانُ: وَاَللهِ إنْ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ؛ قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: صَدَقَتْ وَاَللهِ، أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضّيْعَةَ بَعْدِي، لَرَكِبْتُ إلَى مُحَمّدٍ حَتّى أَقْتُلَهُ، فَإِنّ لِي قِبَلَهُمْ عِلّةً: ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ؛ قَالَ: فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ: عَلَيّ دَيْنُك، أَنَا أَقْضِيهِ عَنْك، وَعِيَالُك مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: فاكتم شأنى وشأنك؛ قال: أفعل
[رؤية عمر له وإخباره الرسول بأمره]
قَالَ: ثُمّ أَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ، فَشُحِذَ لَهُ وَسُمّ، ثُمّ انْطَلَقَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٢ ]
فَبَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمْ اللهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوّهِمْ، إذْ نَظَرَ عُمَرُ إلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مُتَوَشّحًا السّيْف، فقال: هذا الكلب عدوّ الله عمير ابن وَهْبٍ، وَاَللهِ مَا جَاءَ إلّا لِشَرّ، وَهُوَ الّذِي حَرّشَ بَيْنَنَا، وَحَزَرْنَا لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ.
ثُمّ دَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ، هذا عدوّ الله عمير بن وهب قد جاء متوشّحا سيفه؛ قَالَ: فَأَدْخَلَهُ عَلَيّ، قَالَ:
فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتّى أَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَلَبّبَهُ بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ، فَإِنّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ؛ ثُمّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[الرسول يحدثه بما بينه هو وصفوان فيسلم]
فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ: أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اُدْنُ يَا عُمَيْرُ؛ فَدَنَا ثُمّ قَالَ: انْعَمُوا صَبَاحًا، وَكَانَتْ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ بَيْنَهُمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ بِتَحِيّةِ خَيْرٍ مِنْ تَحِيّتِك يَا عُمَيْرُ، بِالسّلَامِ: تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَنّةِ: فَقَالَ: أَمَا وَاَللهِ يَا مُحَمّدُ إنْ كُنْتُ بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ؛ قَالَ: فَمَا جَاءَ بِك يَا عُمَيْرُ؟ قَالَ: جِئْت لِهَذَا الْأَسِيرِ الّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ؛ قَالَ فَمَا بَالُ السّيْفِ فِي عُنُقِك؟ قَالَ: قَبّحَهَا اللهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أَغْنَتْ عَنّا شَيْئًا؟ قَالَ: اُصْدُقْنِي، مَا الّذِي جِئْتَ لَهُ؟
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٣ ]
قَالَ: مَا جِئْتُ إلّا لِذَلِك، قَالَ: بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ قُلْت: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتّى أَقْتُلَ مُحَمّدًا، فَتَحَمّلَ لَك صَفْوَانُ بِدَيْنِك وَعِيَالِك، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاَللهُ حَائِلٌ بَيْنَك وَبَيْنَ ذَلِكَ؛ قَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ الله، وقد كُنّا يَا رَسُولَ اللهِ نُكَذّبُك بِمَا كُنْت تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْك مِنْ الْوَحْيِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلا أنا وصفوان، فو الله إنّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاك بِهِ إلّا اللهُ، فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ، ثُمّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَقّهُوا أَخَاكُمْ فى دينه وأفرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا.
[رجوعه إلى مكة يدعو للإسلام]
ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي كُنْت جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ اللهِ، شَدِيدَ الْأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ اللهِ ﷿، وَأَنَا أُحِبّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَقْدَمَ مَكّةَ، فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَإِلَى الْإِسْلَامِ، لَعَلّ اللهَ يهديهم، وإلا آذيتهم فى دينهم كما كُنْت أُوذِي أَصْحَابَك فِي دِينِهِمْ؟
قَالَ: فَأَذِنَ له رسول الله ﷺ، فلحق بمكة. وكان صفوان ابن أُمَيّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، يَقُولُ: أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمْ الْآنَ فِي أَيّامٍ، تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ، وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرّكْبَانَ، حَتّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إسْلَامِهِ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلّمَهُ أَبَدًا، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعِ أَبَدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكّةَ، أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٤ ]
وَيُؤْذِي مَنْ خَالَفَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَسْلَمَ عَلَى يديه ناس كثير
[هو أو ابن هشام الذى رأى إبليس. وما نزل فيه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، أَوْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، قَدْ ذُكِرَ لِي أَحَدُهُمَا، الّذِي رَأَى إبْلِيسَ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ يوم بدر، فقال: أين، أى سراق؟ وَمَثَلَ عَدُوّ اللهِ فَذَهَبَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لَا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ.
فَذَكَرَ اسْتِدْرَاجَ إبْلِيسَ إيّاهُمْ، وَتَشَبّهَهُ بِسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَهُمْ، حِينَ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ فِي الْحَرْبِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ وَنَظَرَ عَدُوّ اللهِ إلَى جُنُودِ اللهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، قَدْ أَيّدَ اللهُ بِهِمْ رَسُولَهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَدُوّهِمْ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ. وَصَدَقَ عَدُوّ اللهِ، رَأَى مَا لَمْ يَرَوْا، وَقَالَ: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ. فَذُكِرَ لِي أَنّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي كُلّ مَنْزِلٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ لَا يُنْكِرُونَهُ، حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَأَوْرَدَهُمْ ثُمّ أَسْلَمَهُمْ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: نَكَصَ: رَجَعَ. قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ، أحد بنى أسيد ابن عمرو بن تميم:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٥ ]
نَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ يَوْمَ جِئْتُمْ تُزَجّونَ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ الْعَرَمْرَمِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
شِعْرٌ لِحَسّانَ فِي الْفَخْرِ بِقَوْمِهِ وَمَا كَانَ مِنْ تَغْرِيرِ إبْلِيسَ بِقُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
قَوْمِي الّذِينَ هُمْ آوَوْا نَبِيّهُمْ وَصَدّقُوهُ وَأَهْلُ الْأَرْضِ كُفّارُ
إلّا خَصَائِصَ أَقْوَامٍ هُمْ سَلَفٌ لِلصّالِحِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ أَنْصَارُ
مُسْتَبْشِرِينَ بِقَسْمِ اللهِ قَوْلُهُمْ لَمّا أَتَاهُمْ كَرِيمُ الْأَصْلِ مُخْتَارُ
أَهْلًا وَسَهْلًا فَفِي أَمْنٍ وَفِي سَعَةٍ نِعْمَ النّبِيّ وَنِعْمَ الْقَسْمُ وَالْجَارُ
فَأَنْزَلُوهُ بِدَارِ لَا يُخَافُ بِهَا مَنْ كَانَ جَارَهُمْ دَارًا هِيَ الدّارُ
وَقَاسَمُوهُ بِهَا الْأَمْوَالَ إذ قدموا مهاجرين وقسم الجاحد النّار
سرفا وَسَارُوا إلَى بَدْرٍ لِحَيْنِهِمْ لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الْعِلْمِ مَا سَارُوا
دَلّاهُمْ بِغُرُورٍ ثُمّ أَسْلَمَهُمْ إنّ الْخَبِيثَ لِمَنْ وَالَاهُ غَرّارُ
وَقَالَ إنّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُمْ شَرّ الْمَوَارِدِ فِيهِ الْخِزْي وَالْعَارُ
ثُمّ الْتَقَيْنَا فَوَلّوْا عَنْ سَرَاتِهِمْ مِنْ مُنْجِدِينَ وَمِنْهُمْ فِرْقَةٌ غَارُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ «لَمّا أَتَاهُمْ كَرِيمُ الْأَصْلِ مُخْتَارُ» أبو زيد الأنصارى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٦ ]
[المطعمون من قريش]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْمُطْعِمُونَ، مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: العباس بن عبد المطلب بن هاشم.
من بنى عبد شمس ومن بني عبد شمس بن عبد مناف: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة ابن عدىّ بن نوفل، يعتقبان ذلك.
مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خويلد بن أسد، يعتقبان ذلك.
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٧ ]
نَسَبُ النّضْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عبد مناف بن عبد الدار.
من بنى مخزوم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ بن مخزوم..
من بنى جمح وَمِنْ بَنَى جُمَحَ: أُمَيّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح.
مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: نُبَيْهًا وَمُنَبّهًا ابْنَيْ الْحَجّاجِ بْنِ عَامِرِ بن حذيفة ابن سعد بن سهم، يعتقبان ذلك.
مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لؤي: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عامر.
[أَسَمَاءُ خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّهُ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْخَيْلِ، فَرَسُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ، وَكَانَ يُقَالُ له: السّبل؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٨ ]
رفرس الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: بَعْزَجَةُ، وَيُقَالُ: سَبْحَةُ؛ وَفَرَسُ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ، وكان يقال له: اليعسوب.
[خَيْلُ الْمُشْرِكِينَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ مائة فرس.
[نزول سورة الأنفال]
[ما نزل فى تقسيم الأنفال]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. فَلَمّا انْقَضَى أَمْرُ بَدْرٍ، أَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ الْأَنْفَالَ بِأَسْرِهَا، فَكَانَ مِمّا نَزَلَ مِنْهَا فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي النّفَلِ حِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ، قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
فَكَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ- فِيمَا بَلَغَنِي- إذَا سُئِلَ عَنْ الْأَنْفَالِ، قَالَ:
فِينَا مَعْشَرَ أَهْلِ بَدْرٍ نَزَلَتْ، حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النّفَلِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْتَزَعَهُ اللهُ مِنْ أَيْدِينَا حِينَ سَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا؛ فَرَدّهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَسَمَهُ بيننا عن بواء- يقول: على السّوَاءِ- وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوَى اللهِ وَطَاعَتُهُ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ، وَصَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ.
[مَا نَزَلَ فِي خُرُوجِ الْقَوْمِ مع الرسول لملاقاة قريش]
مَا نَزَلَ فِي خُرُوجِ الْقَوْمِ مَعَ الرّسُولِ لِمُلَاقَاةِ قُرَيْشٍ ثُمّ ذَكَرَ الْقَوْمَ وَمَسِيرَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حين عرف
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٠٩ ]
الْقَوْمُ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ سَارُوا إلَيْهِمْ، وَإِنّمَا خَرَجُوا يُرِيدُونَ الْعِيرَ طَمَعًا فِي الْغَنِيمَةِ، فَقَالَ: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ: أَيْ كَرَاهِيَةً لِلِقَاءِ الْقَوْمِ، وَإِنْكَارًا لِمَسِيرِ قُرَيْشٍ، حِين ذُكِرُوا لَهُمْ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ: أَيْ الْغَنِيمَةَ دُونَ الْحَرْبِ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ: أَيّ بِالْوَقْعَةِ الّتِي أَوْقَعَ بِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَقَادَتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ أَيْ لِدُعَائِهِمْ حِينَ نَظَرُوا إلَى كَثْرَةِ عَدُوّهِمْ، وَقِلّةِ عَدَدِهِمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدُعَائِكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ: أَيْ أَنْزَلْت عَلَيْكُمْ الْأَمَنَةَ حِينَ نِمْتُمْ لَا تَخَافُونَ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً للمطر الذى أصلبهم تِلْكَ اللّيْلَةَ، فَحَبَسَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَسْبِقُوا إلَى الْمَاءِ، وَخَلّى سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ: أَيّ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ شَكّ الشّيْطَانِ، لِتَخْوِيفِهِ إيّاهُمْ عَدُوّهُمْ، وَاسْتِجْلَادِ الْأَرْضِ لَهُمْ، حَتّى انْتَهَوْا إلَى مَنْزِلِهِمْ الّذِي سَبَقُوا إلَيْهِ عَدُوّهُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي تَبْشِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسَاعَدَةِ وَالنّصْرِ، وَتَحْرِيضِهِمْ]
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٠ ]
آمَنُوا: أى آزروا الذين آمنوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، ثُمّ قَالَ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ.
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: أَيْ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى عَدُوّهِمْ لِئَلّا يَنْكُلُوا عَنْهُمْ إذَا لَقُوهُمْ، وَقَدْ وَعَدَهُمْ اللهُ فِيهِمْ مَا وَعَدَهُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي رَمْيِ الرّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ]
ثُمّ قَالَ تَعَالَى فِي رَمْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيّاهُمْ بِالْحَصْبَاءِ مِنْ يَدِهِ، حِينَ رَمَاهُمْ: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى: أَيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ برمينك، لَوْلَا الّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهَا مِنْ نَصْرِك، وَمَا أَلْقَى فِي صُدُورِ عَدُوّك مِنْهَا حِينَ هَزَمَهُمْ اللهُ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا: أَيْ لِيُعَرّفَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ فِي إظهارهم على عدوّهم، وفلّة عَدَدِهِمْ، لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حَقّهُ، وَيَشْكُرُوا بِذَلِكَ نِعْمَتَهُ.
[مَا نَزَلَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ]
ثُمّ قَالَ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ: أَيْ لِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ:
اللهُمّ أَقْطَعَنَا لِلرّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا يُعْرَفُ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ. وَالِاسْتِفْتَاحُ:
الْإِنْصَافُ فِي الدّعَاءِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١١ ]
يَقُولُ اللهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنْ تَنْتَهُوا: أَيْ لِقُرَيْشِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ: أَيْ بِمِثْلِ الْوَقْعَةِ الّتِي أَصَبْنَاكُمْ بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ: أَيْ أَنّ عَدَدَكُمْ وَكَثْرَتَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَإِنّي مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْصُرهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي حَضّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طاعة الرسول]
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ: أَيْ لَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ لِقَوْلِهِ، وَتَزْعُمُونَ أَنّكُمْ مِنْهُ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ: أَيْ كَالْمُنَافِقِينَ الّذِينَ يُظْهِرُونَ لَهُ الطّاعَةَ، وَيُسِرّونَ لَهُ الْمَعْصِيَةَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ: أَيْ الْمُنَافِقُونَ الّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ، بُكْمٌ عَنْ الْخَيْرِ، صُمّ عَنْ الْحَقّ، لَا يَعْقِلُونَ: لَا يَعْرِفُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ النّقْمَةِ وَالتّبَاعَةِ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ، أى لأنفذ لهم الّذِي قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَكِنّ الْقُلُوبَ خَالَفَتْ ذَلِكَ منهم، ولو خرجوا معكم لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ مَا وَفَوْا لَكُمْ بِشَيْءٍ مِمّا خَرَجُوا عَلَيْهِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ: أَيْ لِلْحَرْبِ الّتِي أَعَزّكُمْ اللهُ بِهَا بَعْدَ الذلّ، وقوّا كم بِهَا بَعْدَ الضّعْفِ، وَمَنَعَكُمْ بِهَا مِنْ عَدُوّكُمْ بَعْدَ الْقَهْرِ مِنْهُمْ لَكُمْ، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ، فَآواكُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٢ ]
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ لَا تُظْهِرُوا لَهُ مِنْ الْحَقّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ، ثُمّ تُخَالِفُوهُ فِي السّرّ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لِأَمَانَاتِكُمْ، وَخِيَانَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: أَيْ فَصْلًا بَيْنَ الحقّ والباطل، ليظهر الله به حقّكم، ويطفىء بِهِ بَاطِلَ مَنْ خَالَفَكُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي ذِكْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى الرّسُولِ]
ثُمّ ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، حِينَ مَكَرَ بِهِ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يُثْبِتُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: أَيْ فَمَكَرْتُ بِهِمْ بِكَيْدِي الْمَتِينِ حَتّى خَلّصْتُك مِنْهُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي غِرّةِ قُرَيْشٍ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ]
ثُمّ ذكر غرّة قريش واستفتاحهم على أنفسهم، إذ قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ كَمَا أَمْطَرْتهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ أَيْ بَعْضِ مَا عَذّبْت بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنّ اللهَ لَا يُعَذّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُهُ، وَلَمْ يُعَذّبْ أُمّةً وَنَبِيّهَا مَعَهَا حَتّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا. وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ، يَذْكُرُ جَهَالَتَهُمْ وَغِرّتَهُمْ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، حِينَ نَعَى سوء أعمالهم:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٣ ]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنّا نَسْتَغْفِرُ وَمُحَمّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، ثُمّ قَالَ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ كَمَا يَقُولُونَ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: أَيْ مَنْ آمَنَ بِاَللهِ وَعَبْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ اتّبَعَك، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ الّذِينَ يُحَرّمُونَ حُرْمَتَهُ وَيُقِيمُونَ الصّلَاةَ عِنْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ بِك وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ الّتِي يَزْعُمُونَ أَنّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُمْ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْمُكَاءُ: الصّفِيرُ. وَالتّصْدِيَةُ: التّصْفِيقُ. قَالَ عَنْتَرَةُ بْنُ عَمْرٍو (ابْنُ شَدّادٍ) الْعَبْسِيّ:
وَلَرُبّ قِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ مُجَدّلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الْأَعْلَمِ
يَعْنِي: صَوْتَ خُرُوجِ الدّمِ مِنْ الطّعْنَةِ، كَأَنّهُ الصّفِيرُ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الطّرماح بن حكيم الطائى:
لَهَا كُلّمَا رِيعَتْ صَدَاةٌ وَرَكْدَةٌ بِمُصْدَانَ أَعْلَى ابْنَيْ شَمَامِ الْبَوَائِنِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَعْنِي الْأُرْوِيّةَ، يَقُولُ: إذَا فَزِعَتْ قَرَعَتْ بِيَدِهَا الصّفَاةَ ثُمّ رَكَدَتْ تَسْمَعُ صَدَى قَرْعِهَا بِيَدِهَا الصّفَاةَ مِثْلُ التّصْفِيقِ.
وَالْمُصْدَانَ: الْحِرْزُ. وَابْنَا شمام: جبلان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٤ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ مَا لَا يُرْضِي اللَّه ﷿ وَلَا يُحِبّهُ، وَلَا مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، وَلَا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ: أَيْ لِمَا أَوْقَعَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْقَتْلِ.
[الْمُدّةُ بَيْنَ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) وَبَدْرٌ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ بَيْنَ نُزُولِ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِيهَا: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا. إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا. وَطَعامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا إلّا يَسِيرٌ، حَتّى أَصَابَ اللهُ قُرَيْشًا بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ بَدْرٍ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْأَنْكَالُ: الْقُيُودُ؛ وَاحِدُهَا: نِكْلٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
يَكْفِيك نِكْلِي بَغْيَ كُلّ نِكْلِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
[مَا نَزَلَ فِيمَنْ عَاوَنُوا أَبَا سُفْيَانَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ اللَّه ﷿: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ يَعْنِي النّفَرَ الّذِينَ مَشَوْا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٥ ]
إلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَإِلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِلْكَ التّجَارَةِ، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُقَوّوهُمْ بِهَا عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ففعلوا.
ثم قَالَ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا لِحَرْبِك فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أَيْ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
[الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْكُفّارِ]
ثُمّ قَالَ تَعَالَى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ: أَيْ حَتّى لَا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ، وَيَكُونَ التّوْحِيدُ لِلّهِ خَالِصًا لَيْسَ لَهُ فيه شريك، ويخلع مادونه مِنْ الْأَنْدَادِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
وَإِنْ تَوَلَّوْا عَنْ أَمْرِك إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ الّذِي أَعَزّكُمْ وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
[مَا نَزَلَ فِي تَقْسِيمِ الْفَيْءِ]
ثُمّ أَعْلَمَهُمْ مَقَاسِمَ الْفَيْءِ وَحُكْمَهُ فِيهِ، حِينَ أَحَلّهُ لَهُمْ، فَقَالَ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَيْ يَوْمَ فَرّقْتُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِلِ بِقُدْرَتِي يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٦ ]
الدُّنْيا مِنْ الْوَادِي وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى مِنْ الْوَادِي إلَى مَكّةَ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ: أَيْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ الّتِي خَرَجْتُمْ لِتَأْخُذُوهَا وَخَرَجُوا لِيَمْنَعُوهَا عَنْ غَيْرِ مِيعَادٍ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ مِيعَادٍ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ ثُمّ بَلَغَكُمْ كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ، وَقِلّةُ عَدَدِكُمْ مَا لَقِيتُمُوهُمْ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا أَيْ لِيَقْضِيَ مَا أَرَادَ بِقُدْرَتِهِ مِنْ إعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَنْ غَيْرِ بَلَاءٍ مِنْكُمْ، فَفَعَلَ مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ، ثُمّ قَالَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ أى ليكفر من كَفَرَ بَعْدَ الْحُجّةِ لِمَا رَأَى مِنْ الْآيَةِ وَالْعِبْرَةِ، وَيُؤْمِنُ مَنْ آمَنَ عَلَى مِثْلِ ذلك.
[مَا نَزَلَ فِي لُطْفِ اللهِ بِالرّسُولِ]
ثُمّ ذَكَرَ لُطْفَهُ بِهِ وَكَيْدَهُ لَهُ، ثُمّ قَالَ: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، فَكَانَ مَا أَرَاك مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، شَجّعَهُمْ بِهَا عَلَى عَدُوّهِمْ، وَكَفّ بِهَا عَنْهُمْ مَا تُخُوّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ ضَعْفِهِمْ، لِعِلْمِهِ بِمَا فِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تُخُوّفَ: مُبَدّلَةٌ مِنْ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ وَلَمْ أَذْكُرْهَا وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا: أَيْ لِيُؤَلّفَ بَيْنَهُمْ عَلَى الْحَرْبِ لِلنّقْمَةِ مِمّنْ أَرَادَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ، وَالْإِنْعَامَ عَلَى مَنْ أَرَادَ إتْمَامَ النّعْمَةِ عَلَيْهِ، مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٧ ]
[مَا نَزَلَ فِي وَعْظِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعْلِيمِهِمْ خُطَطَ الحرب]
ثُمّ وَعَظَهُمْ وَفَهّمَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ الّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا بِهِ فِي حَرْبِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً تُقَاتِلُونَهُمْ فِي سَبِيل اللهِ ﷿ فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا الذى له مذلتم أَنْفُسَكُمْ، وَالْوَفَاءَ لَهُ بِمَا أَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ بَيْعَتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا: أَيْ لَا تَخْتَلِفُوا فَيَتَفَرّقَ أَمْرُكُمْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أَيْ وَتَذْهَبَ حِدّتُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ أَيْ إنّي مَعَكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ:
أَيْ لَا تَكُونُوا كَأَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، الّذِينَ قَالُوا: لَا نَرْجِعُ حَتّى نأتى بدرا فننحر بها الجزر وتسقى بها الخمر، وتعزف علينا فيها القيان، وتسمع الْعَرَبُ:
أَيْ لَا يَكُونُ أَمْرُكُمْ رِيَاءً، وَلَا سُمْعَةً، وَلَا الْتِمَاسَ مَا عِنْدَ النّاسِ وَأَخْلِصُوا لِلّهِ النّيّةَ وَالْحِسْبَةَ فِي نَصْرِ دِينِكُمْ، وَمُوَازَرَةِ نَبِيّكُمْ، لَا تَعْمَلُوا إلّا لِذَلِك وَلَا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لَا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ. مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الْكُفْرِ، وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ، وَأَخْبَرَ نَبِيّهُ ﷺ عَنْهُمْ، حتى انتهى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٨ ]
إلَى أَنْ قَالَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أَيْ فَنَكّلْ بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ لَعَلّهُمْ يَعْقِلُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ: أَيْ لَا يَضِيعُ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَعَاجِلٌ خِلَفَهُ فِي الدّنْيَا. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها: أَيْ إنْ دَعَوْك إلَى السّلْمِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَصَالِحْهُمْ عَلَيْهِ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنّ اللهَ كَافِيك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: جَنَحُوا لِلسّلْمِ: مَالُوا إلَيْك لِلسّلْمِ. الْجُنُوحُ: الْمَيْلُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
جُنُوحَ الْهَالِكِيّ عَلَى يَدَيْهِ مُكِبّا يَجْتَلِي نُقَبَ النّصَالِ
وَهَذَا البيت فى قصيدة له، وَالسّلْمُ أَيْضًا: الصّلْحُ، وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿:
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَيُقْرَأُ إِلَى السَّلْمِ، وَهُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى. قال زهير بن أبى سلمى:
وقد قلتما إن ندرك السّلم واسعا جمال وَمَعْرُوفٍ مِنْ الْقَوْلِ نَسْلَمْ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، أَنّهُ كَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢١٩ ]
يَقُولُ: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ لِلْإِسْلَام. وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَيُقْرَأُ فِي السِّلْمِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
قَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ:
فَمَا أَنَابُوا لِسَلْمٍ حِينَ تُنْذِرُهُمْ رُسْلَ الْإِلَهِ وَمَا كَانُوا لَهُ عَضُدَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِدَلْوٍ تُعْمَلُ مُسْتَطِيلَةً: السّلْمُ.
قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ، أَحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، يَصِفُ نَاقَةً لَهُ:
لَهَا مِرْفَقَانِ أفتلان كأنما تمرّ بسلمى دالح متشدد
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ.
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ بَعْدَ الضّعْفِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْهُدَى الّذِي بَعَثَك اللهُ بِهِ إلَيْهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بِدِينِهِ الّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
ثُمّ قَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ: أَيْ لَا يُقَاتِلُونَ عَلَى نِيّةٍ وَلَا حَقّ وَلَا مَعْرِفَةٍ بِخَيْرٍ وَلَا شَرّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٢٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ قَالَ: لَمّا نَزَلَتْ هذه الْآيَةُ اشْتَدّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْظَمُوا أَنْ يُقَاتِلَ عشرون مائتين، ومائة أَلْفًا، فَخَفّفَ اللهُ عَنْهُمْ، فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَقَالَ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. قَالَ: فَكَانُوا إذَا كَانُوا عَلَى الشّطْرِ مِنْ عَدُوّهِمْ لَمْ يَنْبَغِ لَهُمْ أَنْ يَفِرّوا مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانُوا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ قِتَالُهُمْ وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَوّزُوا عَنْهُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي الْأُسَارَى وَالْمَغَانِمِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ عَاتَبَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الْأُسَارَى، وَأَخْذِ الْمَغَانِمِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَأْكُلُ مَغْنَمًا مِنْ عَدُوّ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدٌ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نُصِرْت بِالرّعْبِ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأُحِلّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تُحْلَلْ لِنَبِيّ كَانَ قبلى، وأعطيت الشّفاعة، خمس لم يؤتهنّ نيى قَبْلِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: (مَا كَانَ لِنَبِيّ): أَيْ قَبْلَك (أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) مِنْ عَدُوّهِ (حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ يُثْخِنَ عَدُوّهُ، حَتّى يَنْفِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا: أَيْ الْمَتَاعَ، الْفِدَاءَ بِأَخْذِ الرّجَالِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٢١ ]
وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ: أَيْ قَتْلَهُمْ لِظُهُورِ الدّينِ الّذِي يُرِيدُ إظْهَارَهُ، وَاَلّذِي تُدْرَكُ بِهِ الْآخِرَةُ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ: أَيْ مِنْ الْأُسَارَى وَالْمَغَانِمِ عَذابٌ عَظِيمٌ أَيْ لَوْلَا أَنّهُ سَبَقَ مِنّي أَنّي لَا أُعَذّبُ إلّا بَعْدَ النّهْيِ وَلَمْ يَكُ نَهَاهُمْ، لعذّبتكم فيما صنعتم، ثم أحنّها لَهُ وَلَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ، وَعَائِدَةٌ مِنْ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. فَقَالَ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ثم قال يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
[مَا نَزَلَ فِي التّوَاصُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ]
وَحَضّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التّوَاصُلِ، وَجَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدّينِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَجَعَلَ الْكُفّارَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمّ قَالَ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ أى يُوَالِ الْمُؤْمِنُ الْمُؤْمِنَ مِنْ دُونِ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ بِهِ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ أَيْ شُبْهَةٌ فِي الْحَقّ وَالْبَاطِلِ، وَظُهُورِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِتَوَلّي الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ دُونَ الْمُؤْمِنِ.
ثُمّ رَدّ الْمَوَارِيثَ إلَى الْأَرْحَامِ مِمّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْوَلَايَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ دُونَهُمْ إلَى الْأَرْحَامِ الّتِي بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ أَيْ بِالْمِيرَاثِ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إسْلَامُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ إسْلَامَ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ إلَى آخِرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ما يشكل هل تجد إبْلِيسُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ؟: وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَنّ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ هُوَ الّذِي رَأَى إبْلِيسَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ تَشَبّثَ بِهِ، وَهُوَ يَرَى أَنّهُ سُرَاقَةُ بْنُ مالك، فقال: إلىّ أبن سُرّاقُ أَيْنَ تَفِرّ فَلَكَمَهُ لَكْمَةً طَرَحَهُ عَلَى قَفَاهُ، ثُمّ قَالَ إنّي أَخَافُ اللهَ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَإِنّمَا كَانَ تَمَثّلَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ الْمُدْلِجِيّ، لِأَنّهُمْ خَافُوا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُمْ، فَيَشْغَلُوهُمْ مِنْ أَجْلِ الدّمَاءِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ، فَتَمَثّلَ لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ الْمُدْلِجِيّ، وَقَالَ إنّي جَارٌ لَكُمْ مِنْ النّاسِ، أَيْ: مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وَيُرْوَى أَنّهُمْ رَأَوْا سُرَاقَةَ بِمَكّةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: يا سرافة أَخَرَمْت الصّفّ، وَأَوْقَعْت فِينَا الْهَزِيمَةَ؟ فَقَالَ: وَاَللهِ مَا عَلِمْت بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِكُمْ، حَتّى كَانَتْ هَزِيمَتَكُمْ، وَمَا شَهِدْت، وَمَا عَلِمْت فَمَا صَدّقُوهُ، حَتّى أَسْلَمُوا وَسَمِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَعَلِمُوا أَنّهُ كَانَ إبْلِيسُ تَمَثّلَ لَهُمْ. وَقَوْلُ اللّعِينِ: إنّي أَخَافُ اللهَ رَبّ الْعَالَمِينَ، لِأَهْلِ التّأْوِيلِ فِيهِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا: أَنّهُ كَذَبَ فِي قَوْلِهِ: إنّي أَخَافُ اللهَ، لِأَنّ الْكَافِرَ لَا يَخَافُ اللهَ، الثّانِي: أَنّهُ رَأَى جُنُودَ اللهِ تَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ، فَخَافَ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ الْمَوْعُودَ الّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وقيل أيضا:
[ ٥ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّمَا خَافَ أَنْ تُدْرِكَهُ الْمَلَائِكَةُ لَمّا رَأَى مِنْ فِعْلِهَا بِحِزْبِهِ الْكَافِرِينَ، وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ أَنّ قُرَيْشًا حِينَ تَوَجّهَتْ إلَى بَدْرٍ مَرّ هَاتِفٌ مِنْ الْجِنّ عَلَى مَكّةَ فِي الْيَوْمِ الّذِي أَوْقَعَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ يَنْشُدُ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ، وَلَا يُرَى شَخْصُهُ «١»:
أَزَارَ الْحَنِيفِيّونَ بَدْرًا وَقِيعَةً سَيَنْقَضّ مِنْهَا رُكْنُ كسرى وقيصرا
_________________
(١) لم يخرج قصة تمثل إبليس فى صورة سراقة أحد من أصحاب الصحيح فهى إما من رواية الكلبى عن ابن عباس، وهى أوهن من بيت العنكبوت، فإذا انضم إليها رواية محمد بن مروان السدى الصغير، فهى سلسلة الكذب. وأما على بن أبى طلحة، فقد أجمعوا على أنه لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ عن مجاهد أو سعيد بن جبير، ولا خلاف فى كونهما من الثقات، ولكن ابن عباس كان ابن خمس سنين يوم بدر، فروايته لأخبارها منقطعة. كما روى الواقدى، وهو غير ثقة فى الرواية. انظر تفسير المنار للآية. أقول واللَّه تعالى يقول عن إبليس (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) ويقول: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر، فلما كفر قال إنى برىء منك، إنى أخاف الله) الأولى تثبت أننا لا نرى إبليس وقبيله وهو يرانا، والأخرى تشبه آية الأنفال. فهل يتمثل الشيطان جسدا لكل كافر ويقول له هذا؟ كما أن الله يقول (وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) فلم لا يكون الشيطان هنا شيطانا من الإنس؟ أو يكون هو الشيطان بوسوسته هو وقبيله لا بجسده؟ واقرأ سورة الناس، ولهذا لم يخرج القصة أحد من أصحاب الكتب الستة.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبَادَتْ رِجَالًا مِنْ لُؤَيّ، وَأَبْرَزَتْ خَرَائِدَ يَضْرِبْنَ التّرائب حسّرا
فياويح مَنْ أَمْسَى عَدُوّ مُحَمّدٍ لَقَدْ جَارَ عَنْ قَصْدِ الْهُدَى وَتَحَيّرَا
فَقَالَ قَائِلُهُمْ: مَنْ الْحَنِيفِيّونَ؟ فَقَالُوا: هُمْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ، يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ، ثُمّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ الْيَقِينُ «١» .
ذِكْرُ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي بَدْرٍ أَنْزَلَ سُورَةَ الْأَنْفَالِ بِأَسْرِهَا، وَالْأَنْفَالُ هِيَ الْغَنَائِمُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: النّفَلُ: إحْسَانٌ وَتَفَضّلٌ مِنْ الْمُنْعِمِ فَسُمّيَتْ الْغَنَائِمُ أَنْفَالًا، لِأَنّ اللهَ تَعَالَى تَفَضّلَ بِهَا عَلَى هَذِهِ الْأُمّةِ، وَلَمْ يُحِلّهَا لِأَحَدِ قَبْلَهُمْ. قَالَ الْمُؤَلّفُ:
أَمّا قَوْلُهُ: إنّ اللَّه تَفَضّلَ بها فصحيح، فقد قَالَ ﵇: مَا أُحِلّتْ الْغَنَائِمُ لِأَحَدِ سود الرّموس قَبْلَكُمْ، إنّمَا كَانَتْ نَارٌ تَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ فتأكلها «٢»،
_________________
(١) لولا وحى الله ما عرف النبى ﷺ ما قاله الجن. فكيف نصدق مثل هذا؟ ملحوظة: عن المطعمين يوم بدر ذكر محمد بن حبيب النسابة معهم شيبة ابن ربيعة، ولم يذكر أبا البخترى، ولا النضر بن الحارث بن كلدة، كما روى عن محمد بن عمر المزنى قوله إن قريشا كفأت قدور العباس، ولم تطعمها لعلمها بميله إلى رسول اللَّه «ص» . ثم قال: قتلوا بأسرهم يوم بدر، وأسلم العباس وسهيل، فكان من كبار المسلمين ص ١٨٢ المحبر.
(٢) فى حديث متفق عليه عن نبى وقومه «فجاؤا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعها، فجاءت النار، فأكلتها» زاد فى رواية: فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا» متفق عليه. (م ١٥- الروض الأنف ج هـ)
[ ٥ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا قَوْلُهُ: فَسُمّيَتْ الْغَنَائِمُ أَنْفَالًا لِهَذَا، فَلَا أَحْسَبُهُ صَحِيحًا، فَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيّةِ الْجَهْلَاءِ تُسَمّيهَا أَنْفَالًا.
وَقَدْ أَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ الْأَسِيدِيّ، وَهُوَ جَاهِلِيّ قَدِيمٌ «١»:
نَكَصْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ يَوْمَ جِئْتُمْ تُزَجّونَ أَنْفَالَ الْخَمِيسِ الْعَرَمْرَمِ «٢»
فَفِي هَذَا الْبَيْتِ أَنّهَا كَانَتْ تُسَمّى أَنْفَالًا قَبْلَ أَنْ يُحِلّهَا اللهُ لِمُحَمّدِ وَأُمّتِهِ، فَأَصْلُ اشْتِقَاقِهَا إذًا مِنْ النّفَلِ، وَهُوَ الزّيَادَةُ لِأَنّهَا زِيَادَةٌ فِي أَمْوَالِ الْغَانِمِينَ، وَفِي بَيْتِ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ أَيْضًا شَاهِدٌ آخَرُ عَلَى أَنّ الْجَيْشَ كَانَ يُسَمّى: خَمِيسًا، فِي الْجَاهِلِيّةِ «٣»، لِأَنّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنّ اسْمَ الْخَمِيسِ مِنْ الْخُمُسِ الّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَإِنّمَا كَانَ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ الرّبُعُ، وَهُوَ الْمِرْبَاعُ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي اشْتِقَاقِهِ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ. قرأ ابن مسعود وعطاء يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ وقرأت الجماعة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ؛ لأنهم سألوها وسألوا عَنْهَا لِمَنْ هِيَ.
وَقَوْلُ عُبَادَةَ بن الصّامت: نزلت فينا أهل بدر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ لأنا منازعنا فِي النّفَلِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، كَذَلِكَ جَاءَ فى التفسير لعبد بن
_________________
(١) كان شاعر مضر حتى أسقطه زهير
(٢) تروى ترجون. أما تزجون، فمعناه: تساقون سوقا رقيقا.
(٣) قيل: سمى كذلك لأنه خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة.
[ ٥ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُمَيْدٍ، وَغَيْرِهِ أَنّ عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ مَعَ الذين كانوا معه، وأبا اليسر كعب ابن عَمْرٍو فِي طَائِفَةٍ مَعَهُ، وَكَانَ أَبُو الْيُسْرِ قَدْ قَتَلَ قَتِيلَيْنِ، وَأَسَرَ أَسِيرَيْنِ تَنَازَعُوا، فَقَالَ الّذِينَ حَوَوْا الْمَغْنَمَ: نَحْنُ أَحَقّ بِهِ، وَقَالَ الّذِينَ شُغِلُوا بِالْقِتَالِ، وَاتّبَاعِ الْقَوْمِ نَحْنُ أَحَقّ بِهِ، فَانْتَزَعَهُ اللهُ مِنْهُمْ وَرَدّهُ إلَى نَبِيّهِﷺ- وَقَدْ تَقَدّمَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، حِينَ جَاءَ بِالسّيْفِ، فَأُمِرَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْقَبَضِ، فَشَقّ ذَلِكَ عليه، وكان السيف للعاصى بْنِ سَعِيدٍ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْكَنِيفَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ الْآيَةُ أَعْطَى رَسُولُ اللهِﷺ- السّيْفَ لِسَعْدِ، وَقَسَمَ الْغَنِيمَةَ عَنْ بَوَاءٍ أَيْ: عَلَى سَوَاءٍ، وَقَدْ قَدّمْنَا الْحَدِيثَ الّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَفِيهِ أَنّهُ قَسَمَهَا عَلَى فَوَاقٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الآية فنسخت قُلِ: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَهُوَ أَصَحّ الْأَقْوَالِ أَنّهَا مَنْسُوخَةٌ «١» . وَأَمّا مَنْ زَعَمَ أَنّ الْأَنْفَالَ مَا شَذّ مِنْ الْعَدُوّ إلى المسلمين من مِنْ دَابّةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، فَلَيْسَتْ مَنْسُوخَةً عِنْدَهُ، وَكَذَلِك قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَنّ الْأَنْفَالَ، هُوَ الْخُمُسُ نَفْسُهُ، وَإِنّمَا تَكُونُ مَنْسُوخَةً إذَا قُلْنَا إنّهَا جملة الغنائم، وهو
_________________
(١) قال ابن زيد: الآية محكمة وليست منسوخة. وقد سبق الرأى فى النسخ وبيان أنه ليس فى كتاب الله الذى بين أيدينا آية منسوخة، أو يبطل العمل بها ويقول ابن كثير عن رأى الذى قال بالنسخ: «وهذا الذى قاله بعيد، لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت فى بنى النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازى قاطبة أن بنى النضير بعد بدر، وهذا أمر لا شك فيه، ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفىء والغنيمة يقول: تلك نزلت فى أموال الفىء، وهذه فى الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفىء راجعا إلى رأى الإمام يقول: لامنافاة بين آية الحشر، وبين التخميس إذا رآه الإمام والله أعلم» .
[ ٥ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْقَوْلُ الّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْأَنْفَالُ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ نَفَلٌ لَا يُخَمّسُ، وَنَفَلٌ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَنَفَلٌ مِنْ الْخُمُسِ، وَنَفَلُ السّرَايَا وَهُوَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ، وَنَفَلٌ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، فَأَمّا الّذِي لَيْسَ فِيهِ خُمُسٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَلَا مِنْ الْخُمُسِ، فَهُوَ سَلَبُ الْقَتِيلِ يُقْتَلُ فِي غَيْرِ مَعْمَعَةِ الْحَرْبِ، وَفِي غَيْرِ الزّحْفِ، فَهُوَ مِلْكٌ لِلْقَاتِلِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيّ، وَأَهْلِ الشّامِ، وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنّ السّلَبَ مِنْ جُمْلَةِ النّفَلِ يُخَمّسُ مَعَ الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ الّذِي فِي الْمُوَطّأِ حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْأَنْفَالِ، فَقَالَ: الْفَرَسُ مِنْ النّفَلِ وَالدّرْعُ مِنْ النّفَلِ، وَقَالَ فِي غَيْرِ الْمُوَطّأِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: الْفَرَسُ مِنْ النّفَلِ وَفِي النّفَلِ الْخُمُسُ أَنّ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ: يُرِيدُ أَنّ السّلَبَ لِلْقَاتِلِ، فَفَسّرَهُ عَلَى مَذْهَبِ شَيْخِهِ، وَمِنْ حُجّتِهِمْ أَيْضًا أَنّ عُمَرَ ﵁ خَمّسَ سَلَبَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزّأْرَةِ فَسَلَبَهُ سِوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتَهُ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ، فَبَلَغَ ثَمَنُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوّلِ لَا حُجّةَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ، لِأَنّهُ إنّمَا خَمّسَ الْمَرْزُبَانَ، لِأَنّهُ اسْتَكْثَرَهُ، وَقَالَ: قَدْ كَانَ السّلب لَا يُخَمّسُ، وَإِنّ سَلَبَ الْبَرَاءِ بَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَنَا خَامِسُهُ، وَاحْتَجّوا بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكوع، إذْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ- لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ. وَمِنْ حُجّةِ مَالِكٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: عُمُومُ آيَةِ الْخُمُسِ، فَإِنّهُ قَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ: وَلِلرَّسُولِ وَحَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ أَنّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوّ
[ ٥ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَ عَوْفٌ رَسُولَ اللهِﷺ- فَقَالَ لِخَالِدِ: مَا مَنَعَك أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ فَقَالَ: اسْتَكْثَرْته يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ادْفَعْهُ إلَيْهِ، فَلَقِيَ عَوْفٌ خَالِدًا فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ، وَقَالَ:
هَلْ أَنْجَزْت لَك مَا ذَكَرْت لَك مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ-[فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ] فاستغضب، فقال: لا تعطه يا يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو إلَيّ أُمَرَائِي [إنّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَرْعَى إبِلًا وغنما، فرماها، ثُمّ تَحَيّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَةً وَتَرَكَتْ كَدَرَهُ فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ] .
وَلَوْ كَانَ السّلَبُ حَقّا لَهُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ لَمَا رَدّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْوَاحِدُ مِنْ النّفَلِ.
وَالْقِسْمُ الثّانِي: هُوَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ تَخْمِيسِهَا، وَهُوَ ما يعطى الأدلّاء الذين يَدُلّونَ عَلَى عَوْرَةِ الْعَدُوّ، وَيَدُلّونَ [عَلَى] الطّرُقِ، وَمَا يُعْطَى الدّعَاةُ وَغَيْرُهُ مِمّا يَنْتَفِعُ أَهْلُ الْجَيْشِ بِهِ عَامّةً.
وَالْقِسْمُ الثّالِثُ مَا تُنَفّلُهُ السّرَايَا، فَقَدْ كَانَتْ تُنَفّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الْعَوْدَةِ الثّلُثَ مِمّا غَنِمُوهُ، كَذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مَكْحُولٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ «١»، وَأَخَذَتْ بِهِ طَائِفَةٌ.
وَالْقِسْمُ الرّابِعُ مِنْ النّفَلِ: مَا يُنَفّلُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخُمُسِ لِأَهْلِ الْغِنَاءِ وَالْمَنْفَعَةِ، لِأَنّ مَا كَانَ لِلرّسُولِ ﵇ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ لِلْإِمَامِ بعده يصرفه فيما
_________________
(١) أخرج أحمد وأبو داود عن حبيب بن سلمة أن النبى «ص» نفل الربع بعد الخمس فى بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس فى رجعته.
[ ٥ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَانَ النّبِيّ ﵇ يَصْرِفُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ «١»، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَصْنَافِ الّتِي ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ، وَهُمْ ذُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وَابْنُ السّبِيلِ، وَقَدْ أُعْطِيَ الْمِقْدَادُ حِمَارًا مِنْ الْخُمُسِ أَعْطَاهُ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ، فَرَدّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ، وَأَمّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَإِنّهُ فَعَلَ خِلَافَ هَذَا، أَعْطَاهُ مُعَاوِيَةُ ثَلَاثِينَ رَأْسًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، إلّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الْخُمُسِ، وَأَصَحّ الْقَوْلَيْنِ: أَنّ الْإِمَامَ لَهُ النّظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَى صَرْفَ الْخُمُسِ إلَى مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ تَكُنْ بِالْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ إلَيْهِ صَرَفَهُ؛ وَإِلّا بَدَأَ بِهِمْ، وَصَرَفَ بَقِيّتَهُ فِيمَا يَرَى، وَاخْتُلِفَ فِي ذَوِي الْقُرْبَى مَنْ هُمْ، فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنّا نَرَى أَنّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا، وَقَالُوا هُمْ قُرَيْشٌ كُلّهُمْ، كَذَلِكَ قَالَ فِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَهُ إلَى نَجْدَةَ الْحَرُورِيّ «٢»، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قَرَابَةِ الْإِمَامِ بَعْدَ النّبِيّ ﷺ: أَهُمْ داخلون فى الآية أم لا؟ «٣» والصحيح:
_________________
(١) يقول ابن كثير: وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية: وهذا قول مالك، وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.
(٢) رواه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى. وفى حديث لمسلم «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد» . وفى بعض رواياته «إنهم لم يفارقونا فى جاهلية ولا إسلام» .
(٣) اختلف فى الخمس الذى كان للرسول «ص» ماذا يصنع به بعده، فقال قائلون: يكون لمن يلى الأمر بعده، وقد روى هذا عن أبى بكر وعلى وقتادة وجماعة وروى فيه حديث مرفوع، وقال آخرون: يصرف فى مصالح المسلمين، وقال غيرهم: بل هو مردود على بقية الأصناف ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. ولعل الرأى الثانى هو الأصوب.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) دخولهم فى ذَوِي الْقُرْبَى، لِقَوْلِهِ ﵇: إذَا أَطْعَمَ اللَّه نَبِيّا طُعْمَةً، فَهِيَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، أَوْ قَالَ: لِلْقَائِمِ بَعْدَهُ. وَمِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ مَعْنَى آيَةِ الْخُمُسِ: قِسْمُ خُمُسِ الْخُمُسِ، فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أَيْ: لِلْكَعْبَةِ، يَخْرُجُ لَهَا نَصِيبٌ مِنْ الْخُمُسِ، وَلِلرّسُولِ نَصِيبٌ، وَبَاقِي الْخُمُسِ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: خُمُسُ الْخُمُسِ لِلرّسُولِ، وَبَاقِيهِ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْخُمُسُ كُلّهُ لِلرّسُولِ يَصْرِفُهُ فِي تِلْكَ الْأَصْنَافِ وَغَيْرِهَا، وَإِنّمَا قَالَ اللهُ: وَلِلرَّسُولِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِ الْمَكْسَبِ وَطِيبِ الْمَغْنَمِ، كَذَلِكَ قال فى الفىء، وهو ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَرْضِينَ الّتِي كانت لأهل الكفر فقال فيه: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةَ، وَلَمْ يَقُلْ فِي آيَاتِ الصّدَقَاتِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا أَضَافَهَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِلرّسُولِ، لِأَنّ الصدقة أو ساخ النّاسِ، فَلَا تَطِيبُ لِمُحَمّدِ، وَلَا لِآلِ مُحَمّدٍ، فقال فيها: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ الْآيَةَ، أَيْ: لَيْسَتْ لِأَحَدِ إلّا لِهَؤُلَاءِ، وَهَذَا كُلّهُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ، وَتَفْسِيرُهُ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فِيمَا أَعْطَى النّبِيّﷺ للمؤلّفة قُلُوبُهُمْ، هَلْ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ أَمْ من الخمس أَمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ إنْ شَاءَ اللهُ. عَنْ قِتَالِ الْمَلَائِكَةِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَقَدْ قَالَ فِي أُخْرَى: بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ فَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ: إنّ الْأَلْفَ أَرْدَفَهُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَكَانَ الْأَكْثَرُ مَدَدًا لِلْأَقَلّ، وَكَانَ الْأَلْفُ مُرْدِفِينَ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ بِكَسْرِ الدّالِ مِنْ مُرْدِفِينَ، وَكَانُوا أَيْضًا مُرْدَفِينَ بِهِمْ بِفَتْحِ الدّالِ،
[ ٥ / ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْأَلْفُ هُمْ الّذِينَ قَاتَلُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ الّذِينَ قَالَ اللهُ لَهُمْ: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا فِي صُوَرِ الرّجَالِ، وَيَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ اُثْبُتُوا، فَإِنّ عَدُوّكُمْ قَلِيلٌ، وَإِنّ اللهَ مَعَكُمْ وَنَحْوَ هَذَا، وَقَوْلُ اللهِ سُبْحَانَهُ: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ جَاءَ فِي التّفْسِيرِ أَنّهُ مَا وَقَعَتْ ضَرْبَةٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلّا فِي رَأْسٍ أَوْ مِفْصَلٍ، وَكَانُوا يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ قَتْلَاهُمْ، بِآثَارِ سُودٍ فِي الْأَعْنَاقِ وَفِي الْبَنَانِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ «١»، وَيُقَالُ لمفاصل الأصابع وغيرها بنان
_________________
(١) يقول الشيخ رشيد رضا ﵀- فى تفسير المنار: «مقتضى السياق أن وحى الله الملائكة قد تم بأمره إياهم بتثبيت المؤمنين كما يدل عليه الحصر فى فى قوله عن إمداد الملائكة: (وما جعله الله إلا بشرى) إلخ وقوله تعالى: (سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب) الخ: بده كلام خوطب به النبى ﷺ والمؤمنون تتمة للبشرى فيكون الأمر بالضرب موجها إلى المؤمنين قطعا، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات، وقيل إن هذا مما أوحى إلى الملائكة، وتأوله هؤلاء بأنه تعالى أمرهم بأن يلقوا هذا المعنى فى قلوب المؤمنين بالإلهام كما كان الشيطان يخوفهم، ويلقى فى قلوبهم ضده بالوسواس، ولا يرد على الأول ما قيل من أنه لا يصح إلا إذا كان الخطاب قد وجه إلى المؤمنين قبل القتال، والسورة قد نزلت بعده، لأن نزول السورة بنظمها وترتيبها بعده لا ينافى حصول معانيها قبله، وفى أثنائه فان البشارة بالإمداد بالملائكة، وما وليه قد حصل قبل القتال، وأخبر به النبى ﷺ أصحابه، ثم ذكرهم الله تعالى به بانزال السورة برمتها تذكيرا بمننه، ولولا هذا لم تكن للبشارة تلك الفائدة، والخطاب فى السياق كله موجه إلى المؤمنين، إنما ذكر فيها وحيه تعالى للملائكة بما ذكر عرضا،.. وقد وردت روايات ضعيفة تدل على قتال الملائكة لم يعبأ الإمام ابن جرير بشىء منها. - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - وإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالتأييدات الروحانية التى تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كانزال المطر، وما كان له من الفوائد لم يكن كافيا لنصره إياهم على المشركين بقتل سبعين وأسر سبعين حتى كان ألف- وقيل آلاف- من الملائكة يقاتلون معهم.. فأى مزية لأهل بدر فضلوا بها على سائر المؤمنين ممن غزوا بعدهم، وأذلوا المشركين، وقتلوا منهم الألوف، وبماذا استحقوا قول الرسول «ص» لعمر: «وما يدريك لعل الله ﷿ اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» رواه البخارى ومسلم وغيرهما. وفى كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا، فهل تعارض هذه البينات النقلية والعقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير بأن تنقل، ولم يذكر ابن كثير منها إلا قول الربيع ابن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوا بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به.. ومن أين جاء للربيع بهذه الدعوى، ومن الذى رؤى من القتلى بهذه الصفة؟ وكم عدد من قتل الملائكة من السبعين؟، وعدد من قتل أهل بدر غير من سموا وقالوا: قتلهم فلان وفلان كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التى شوهت التفسير، وقلبت الحقائق حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه، فالله تعالى يقول فى إمداد الملائكة (وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم) وهذه الروايات تقول: بل جعلها مقاتلة، وأن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصر المتعددة. ألا إن فى هذا من شأن تعظيم المشركين ورفع شأنهم وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول «ص» وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الألوسى وغيره بغير سند، وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا، رواياته عنها حتى فى الصحيح مرسلة، وقد-
[ ٥ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاحِدَتُهَا بَنَانَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَبَنّ بِالْمَكَانِ «١» إذَا أَقَامَ فِيهِ وَثَبَتَ، قَالَهُ الزّجّاجُ.
وَقَوْلُهُ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ الْآيَةَ، كَانَ الْعَدُوّ قَدْ أَحْرَزُوا الْمَاءَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَفَرُوا الْقُلُبَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ أَحْدَثُوا وَأَجْنَبَ بَعْضُهُمْ، وَهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى الْمَاءِ، فَوَسْوَسَ الشّيْطَانُ لَهُمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ، وَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنّكُمْ عَلَى الْحَقّ، وَقَدْ سَبَقَكُمْ أَعْدَاؤُكُمْ إلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُمْ عِطَاشٌ وَتُصَلّونَ بِلَا وُضُوءٍ، وَمَا يَنْتَظِرُ أَعْدَاؤُكُمْ إلّا أَنْ يَقْطَعَ الْعَطَشُ رقابكم، ويذهب قواكم فيتحكّموا فيكم كيف شاؤا، فَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى السّمَاءَ فَحَلّتْ عَزَالِيهَا «٢» فَتَطَهّرُوا وَرَوَوْا وَتَلَبّدَتْ الْأَرْضُ لِأَقْدَامِهِمْ وَكَانَتْ رِمَالًا وَسَبَخَاتٍ، فَثَبَتَتْ فِيهَا أَقْدَامُهُمْ وَذَهَبَ عَنْهُمْ رِجْزُ الشّيْطَانِ، ثُمّ نَهَضُوا إلَى أَعْدَائِهِمْ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْمَاءِ، وعاروا القلب التى كانت قلى الْعَدُوّ فَعَطِشَ الْكُفّار، وَجَاءَ النّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَقَبَضَ النّبِيّ ﷺ- قَبْضَةً مِنْ الْبَطْحَاءِ وَرَمَاهُمْ بِهَا، فَمَلَأَتْ عُيُونَ جميع العسكر،
_________________
(١) - روى عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله» وأقول: الحقيقة القرآنية تؤكد أن الملائكة لم تقاتل مع أهل بدر، وإنما كانوا- كما وصفهم الله- بشرى للمؤمنين. وتؤكد أن قوله تعالى (فاضربوا فوق الأعناق) الخ إنما هو موجه إلى المؤمنين لا إلى الملائكة. والدليل: تدبر الآيات، لا الخنوع لواهى الروايات.
(٢) يقال: أبننت بالمكان إبنانا إذا أقت به، وبن يبن- بكسر الباء- بنأ، وأبن أقام به أيضا.
(٣) جمع عزلاء: مصب الماء من الرواية ونحوها.
[ ٥ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أَيْ:
عَمّ جَمِيعَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي قَبْضَتِك إلّا مَا يَبْلُغُ بَعْضَهُمْ، فَاَللهُ هُوَ الّذِي رَمَى سَائِرَهُمْ إذْ رَمَيْت أَنْتَ الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، فَهَذَا قَوْلٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:
مَعْنَاهُ: وَمَا رَمَيْت قُلُوبَهُمْ بِالرّعْبِ حِينَ رَمَيْت الْحَصْبَاءَ، وَلَكِنّ اللهَ رَمَى وَقَالَ هِبَةُ اللهِ بْنُ سَلَامَةَ: الرّمْيُ أَخْذٌ وَإِرْسَالٌ وَإِصَابَةٌ وَتَبْلِيغٌ، فَاَلّذِي أَثْبَتَ اللهُ لِنَبِيّهِ هُوَ الْأَخَذُ وَالْإِرْسَالُ، وَاَلّذِي نَفَى عَنْهُ هُوَ الْإِصَابَةُ وَالتّبْلِيغُ، وَأَثْبَتَهُمَا لِنَفْسِهِ.
حول النولى يوم الزعف وَالِانْتِصَارَاتِ الْإِسْلَامِيّةِ الْبَاهِرَةِ: وَقَوْلُهُ: فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ الْآيَةَ قَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَ الْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ وَفِي الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى الّتِي تَأْتِي آخِرَ الزّمَانِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا حَضَرَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَتَحَيّزْ إلَى فِئَةٍ فَأَمّا إذَا كَانَ الْفِرَارُ إلَى الْإِمَامِ، فَهُوَ مُتَحَيّزٌ إلَى فِئَةٍ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَا أَوْقَعَ الْفُرْسُ بِالْمُسْلِمِينَ: هَلّا تَحَيّزَ إلَيّ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَإِنّي فِئَةٌ لِكُلّ مُسْلِمٍ، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ النّبِيّ ﷺ- أَنّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الّذِينَ رَجَعُوا مِنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ «١»، ذَلِكَ أَنّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ الْفَرّارُونَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ الْعَكّارُونَ «٢»، وَأَنَا فئتكم،
_________________
(١) مؤتة قرية من قرى البلقاء فى حدود الشام.
(٢) الكرارون إلى الحرب والعطافون نحوها، يقال للرجل يولى عن الحرب ثم يكر راجعا إليها: عكر واعتكر وقد ورد هذا فى حديث رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة من طرق عن يزيد بن أبى زياد، وقال-
[ ٥ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ اخْتَصَرْته، وَالْقَدْرُ الّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ الْفِرَارُ الْوَاحِدُ مَعَ الْوَاحِدِ، وَالْوَاحِدُ مَعَ الِاثْنَيْنِ، فَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ لِلثّلَاثَةِ، لَمْ يُعَبْ عَلَى الْفَارّ فِرَارُهُ، كَانَ مُتَحَيّزًا إلَى فِئَةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رشد «١» فى مقدماته عن
_________________
(١) - الترمذى: حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن أبى زياد. هذا وقد روى البخارى ومسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وفى سنن أبى داود والنسائى ومستدرك الحاكم وتفسير ابن جرير وابن مردويه من حديث داود بن أبى هند عن أبى نضرة عن أبى سعيد أنه قال فى هذه الآية «إنما أنزلت فى أهل بدر» هذا وما أجمل ما قاله ابن كثير- بعد أن أورد الذى سبق وغيره ما يفيد أن الآية خاصة بأهل بدر «وهذا كله لا ينفى أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم، كما دل عليه حديث أبى هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير والله أعلم» .
(٢) فى بداية المجتهد ص ٣١٣ ح ١ ط ١٣٣٣ هـ لأبى الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبى «وأما معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار منهم فهم الضعف وذلك مجمع عليه لقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) الآية وذهب ابن الماجشون ورواه عن مالك أن الضعف إنما يعتبر فى القوة لا فى العدد، وأنه يجوز أن يفر الواحد عن واحد إذا كان أعتق جوادا منه وأجود سلاحا وأشد قوة» ويقول الشافعى: «إذا غزا المسلمون، فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا، ولا يستوجبوا السخط عندى من الله لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة» ص ١٤٤ ج ٢ الزواجر لابن حجر الهيتمى ط ١٣٥٦ وانظر الأحكام السلطانية-
[ ٥ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ: إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ الْفِرَارُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِمْ، وَلَا مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ ﵇: لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلّةٍ، وَقَدْ كَانَ وُقُوفُ الْوَاحِدِ إلَى الْعَشَرَةِ حَتْمًا فِي أَوّلِ الْأَمْرِ، ثُمّ خفف الله ذلك وَنَسَخَهُ بِقَوْلِهِ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا الْآيَةَ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَتَبَيّنُ فِيهِ النّسْخُ، لِأَنّ قَوْلَهُ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ إلَى آخِرِ الْآيَةِ خَبَرٌ، وَالْخَبَرُ لَا يَدْخُلُهُ النّسْخُ، وَقَوْلُهُ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ يَدُلّ عَلَى أَنّ ثَمّ حُكْمًا مَنْسُوخًا، وَهُوَ الثّبُوتُ للعشرة، فإذا للآية ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، فَظَاهِرُهَا خَبَرٌ، وَوَعْدٌ مِنْ اللهِ تَعَالَى أَنْ تَغْلِبَ الْعَشَرَةُ الْمِائَةَ، وَبَاطِنُهَا وُجُوبُ الثّبُوتِ لِلْمِائَةِ، وَيَدُلّ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ قَوْلُهُ: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ فَتَعَلّقَ النّسْخُ بِهَذَا الْحُكْمِ الْبَاطِنِ، وَبَقِيَ الْخَبَرُ وَعْدًا حَقّا قَدْ أَبْصَرَهُ الْمُؤْمِنُونَ- عِيَانًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَفِي بَقِيّةِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي مُحَارَبَةِ الرّومِ وَفَارِسٍ بِالْعِرَاقِ وبالشام، فَفِي تِلْكَ الْمَلَاحِمِ هَزَمَتْ الْمِئُونُ الْآلَافَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ هَزَمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِائَةَ ألف حين إفباله مِنْ الْعِرَاقِ إلَى الشّامِ وَلَمْ يَبْلُغْ عَسْكَرُهُ خَمْسَةَ آلَافٍ، بَلْ قَدْ رَأَيْت فِي بَعْضِ فُتُوحِ الشّامِ أَنّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَكَانَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ الْعِرَاقِ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ الّذِينَ بِالشّامِ، وَكَانَ الرّومُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَقِيَ مِنْهُمْ خَالِدٌ مِائَةَ أَلْفٍ فَفَضّ جمعهم
_________________
(١) - لأبى يعلى والماوردى. وقد قال الخرقى «لا يجوز للمسلم أن يههرب من كافرين، ومباح له أن يهرب من ثلاثة فإن خشى الأسر قاتل حتى يقتل» ص ٣٠ الأحكام السلطانية لأبى يعلى ط ١٣٥٦ هـ.
[ ٥ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهَزَمَهُمْ «١»، وَقَدْ هَزَمَ أَهْلُ الْقَادِسِيّةِ جُيُوشَ رُسْتُمَ وَقَتَلُوهُ وَكَانَ رُسْتُمُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ «٢»، وَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ فِي عُشْرِ ذَلِكَ العدد وجاؤا مَعَهُمْ بِالْفِيَلَةِ أَمْثَالَ الْحُصُونِ عَلَيْهَا الرّجَالُ فَفَرّتْ الْفِيَلَةُ، وَأَطَاحَتْ مَا عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرُدّهَا شَيْءٌ دُونَ الْبَلَدِ الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنْ فَتْحِ اللهِ وَنَصْرِهِ عَلَى يَدَيْ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِإِفْرِيقِيّةَ، وَالْأَنْدَلُسِ «٣»، فَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ الْعَجَبِ، فَكَانَ وَعْدُ اللهِ مفعولا ونصره للمسلمين ناجزا، والحمد لله.
_________________
(١) أظنه يقصد رقعة أجنادين. فقد شهدها من الروم مائة ألف. وقد كانت فى سنة ١٣ هـ.
(٢) القادسية: قرية قرب الكوفة من جهة البر بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخا، وقد كانت معركتها العظيمة سنة ١٤ أو ١٥ هـ، وقيل كان فى آخر سنة ١٦ هو كان عدد الفيلة فيها ثلاثة وثلاثين وفيها كتب عمر إلى سعد: «لا يكر بنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به. واستعن بالله، وتوكل عليه، وابعث إليهم رجالا من أهل النظر والرأى والجلد يدعونه، فان الله جاعل دعاءهم توهينا لهم، وفلجا عليهم، واكتب إلى فى كل يوم» . وقد ذكر ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأر رستما كان فى ستين ألفا.
(٣) لإفريقية فى العربية قديما مفهوم غير مالها الآن. فهى- كما فى مراصد الاطلاع- بلاد واسعة ومملكة كبيرة قبالة جزيرة صقلية، وينتهى آخرها إلى قبالة جزيرة الأندلس وحد إفريقية من طرابلس المغرب من جهة برقة والإسكندرية وإلى بحاية- بحاية على ساحل البحر بين إفريقية والمغرب- وقيل إلى مليانة. وقيل: طولها من برقة شرقا إلى طنجة الخضراء غربا وعرضها من البحر إلى الرمال التى أولها بلاد السودان. وقد بدأ غزو إفريقية فى عهد عثمان بن عفان على يد واليه على مصر أعبد لله بن سعد بن أبى سرح، وذلك فى سنة ٢٧ هـ- ٦٤٧ م أو بعد هذا بعام-
[ ٥ / ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ النّقّاشُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ معناه: إن يصيروا يَغْلِبُوا، وَغَلَبَتُهُمْ لَيْسَ بِأَنْ يُسْلِمُوا كُلّهُمْ، وَلَكِنْ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ رَأَى غَلَبَةَ أَهْلِ دِينِهِ، وَظُهُورَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي وَعْدِ اللهِ أَنْ يَسْتَشْهِدَ جُمْلَةٌ مِنْ الصّابِرِينَ، وَإِنّمَا هذا كقوله: قاتِلُوا
_________________
(١) - أو عامين، وكانت تحت يد المسيحين وقد أتم فتح طرابلس المغرب، غير أنه اكتفى آنذاك بفرض الجزية على أهلها، وفى عهد معاوية بن خديج أمير مصر من قبل معاوية بن أبى سفيان سنة ٤٧ هـ- ٦٦٧ م أو بعدها استؤنف الحرب ضد الحكم النصرانى فى إفريقية فأوغل حتى مشارف جزيرة صقلية. أما الذى يعتبر المؤسس الحقيقى للحكم الإسلامى فى إفريقية فهو عقبة ابن نافع وهو ابن خالة عمرو بن العاص فتح برقة، وفى سنة ٥٠ هـ- ٦٧٠ م استطاع القضاء على الحكم النصرانى فى شمالى إفريقيا مرة واحدة بمعاونة البربر، وأنشأ مدينة عسكرية فى القيروان، وجعلها معقلا وحصنا لعسكره، ومقرا لولاة إفريقية، ثم عزل، ثم أعاده يزيد بن معاوية إلى عمله سنة ٦٣ هـ- ٦٨٢ م فأوغل حتى بلغ المحيط. ولكن البربر ولم يكونوا قد خضعوا خضوعا كاملا انتزعوا تونس من سنة ٦٤ هـ- ٧٤ هـ- ٦٨٣- ٦٩٣ م ثم استرده حسان بن النعمان من ٧٤- ٧٩ هـ- ٧٩٣- ٦٩٨ م وقد عين عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز واليا على مصر شمالى إفريقية وفى عهده قصى نهائيا على المعارضة البربرية، وقد عين على إفريقية الشمالية موسى بن نصير ولما تولى الوليد بن عبد الملك أقر ولاية موسى، وأرسل هذا مولاه طارقا بجيش أكثره من البربر لاستطلاع أمر الأندلس فى سنة ٩٢ هـ- ٧١١ م ووجه طارق إلى المملكة القوطية فى معركة وادى بكة ضربة قاضية قتل فيها علكهم لذريق. واستطاع طارق وموسى الذى نزل إلى الأندلس أيضا بجيش عربى إخضاع أسبانية الشمالية كلها من سرقسطة إلى نبرة. هكذا كان آباؤنا، فلنكن مثلهم فيما به انتصروا، لا فيما به هزموا!!
[ ٥ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إلَى قَوْلِهِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ فَقَدْ نُجِزَ الْمَوْعُودُ وَغَلَبُوا كَمَا وُعِدُوا. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَاَلّذِي قَدّمْنَاهُ أَبْيَنُ.
الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مرصد فِي بَدْرٍ: وَفِي هَذِهِ السّورَةِ قَوْلُهُ: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، ثُمّ خَرَجُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ إلَى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأَوْا قِلّةَ الْمُسْلِمِينَ شَكّوا، وَقَالُوا غَرّ هؤلاء دينهم، منهم قيس ابن الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَيْسُ بْنُ الْفَاكِهِ وَجَمَاعَةٌ سَمّاهُمْ أَبُو بَكْرٍ النّقّاشُ «١»، وَهُمْ الّذِينَ قُتِلُوا فَضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ.
رَأْيُ الْأَخْنَسِ وَأَبِي جَهْلٍ فِي النّبِيّ ﷺ: وَانْخَنَسَ يَوْمَئِذٍ أُبَيّ بْنِ شَرِيقٍ بِنَحْوِ مِنْ ثَلَثِمِائَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسُمّيَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ عِلَاجِ بْنِ أبى سلمة بن عبد العزّى ابن غِيرَةَ وَذَلِكَ أَنّهُ خَلَا بِأَبِي جَهْلٍ حِينَ تَرَاءَى الْجَمْعَانِ، فَقَالَ: أَتَرَى أَنّ مُحَمّدًا يَكْذِبُ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: كَيْفَ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ، وَقَدْ كُنّا نُسَمّيهِ الْأَمِينَ، لِأَنّهُ مَا كَذَبَ قَطّ، وَلَكِنْ إذَا اجْتَمَعَتْ فِي بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السّقَايَةَ وَالرّفَادَةَ وَالْمَشُورَةَ، ثُمّ تَكُونُ فِيهِمْ النّبوة، فَأَيّ شَيْءٍ بَقِيَ لَنَا، فَحِينَئِذٍ انْخَنَسَ الْأَخْنَسُ بِبَنِي زُهْرَةَ وَحَشَدَ إبْلِيسُ جَمِيعَ جُنُودِهِ، وَجَاءَ بنفسه، ونزل
_________________
(١) ذكر مجاهد منهم أيضا. الحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلى بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج «تفسير ابن كثير» .
[ ٥ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جِبْرِيلُ بِأَلْفِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِي صُوَرِ الرّجَالِ، فكان فى خمسمائة من الملائكة فى الْمَيْمَنَةِ، وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَوَرَاءَهُمْ مَدَدٌ لَمْ يُقَاتِلُوا، وَهُمْ الْآلَافُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَكَانَ إسْرَافِيلُ وَسَطَ الصّفّ لَا يُقَاتِلُ، كَمَا يُقَاتِلُ غَيْرُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ الرّجُلُ يَرَى الْمَلَكَ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ يَعْرِفُهُ؛ وَهُوَ يُثَبّتُهُ وَيَقُولُ لَهُ: مَا هُمْ بِشَيْءِ، فَكَرّ عَلَيْهِمْ «١»، وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ذَكَرَهُ ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام، وَفِي مِثْلِ هَذَا يَقُولُ حَسّانٌ:
ميكال معك وجبرئيل كِلَاهُمَا مَدَدٌ لِنَصْرِك مِنْ عَزِيزٍ قَادِرِ
وَيُقَالُ: كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ مِنْ الْجِنّ، كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا.
مَنْ الْآخَرُونَ؟ وَذَكَرَ قَوْلَ اللَّه تَعَالَى: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ الْآخَرِينَ مَنْ هُمْ، وَقِيلَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ قِيلَ: هُمْ الْمُنَافِقُونَ، وَقِيلَ: هُمْ الْيَهُودُ «٢» وَأَصَحّ مَا فِي ذَلِكَ أَنّهُمْ الْجِنّ، لِرِوَايَةِ ابْنِ الْمُلَيْكِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ فى آخرين من دونهم
_________________
(١) قول لا سند له، وقد سبق الحديث عن هذا، ولم يكن المشركون فى القوة التى تحتاج إلى جبريل ومعه خمسمائة فى الميمنة، وميكائيل فى خمسمائة منهم فى الميسرة!!
(٢) رأى مجاهد فى الآخرين أنهم بنو قريظة، ورأى السدى أنهم فارس
[ ٥ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ هُمْ الْجِنّ ثُمّ قَالَ ﵇: إنّ الشّيْطَانَ لَا يَخْبِلُ أَحَدًا فِي دَارٍ فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ، ذَكَرَهُ الْحَارِثُ فِي مُسْنَدِهِ «١» وَأَنْشَدَ:
جُنُوحَ الْهَالِكِيّ عَلَى يَدَيْهِ مُكِبّا يَجْتَلِي نُقَبَ النّصَالِ
الْهَالِكِيّ: الصّيْقَلُ. وَنُقَبُ النّصَالِ: جَرَبُ الحديد، وصدوه، وَهُوَ فِي مَعْنَى النّقَبِ، وَاحِدَتُهَا نُقْبَةٌ «٢» .
حَوْلَ غَنَائِمِ بَدْر: فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي السّورَةِ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يَعْنِي بِإِحْلَالِ الْغَنَائِمِ لِمُحَمّدِ وَأُمّتِهِ لَمَسّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ النّبِيّﷺ: - لَقَدْ عُرِضَ عَلَيّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ «٣»، وَقَالَ: لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إلّا عُمَرُ، لِأَنّ عُمَرَ كان قد أشار عليه بقتل الأسارى والإنخان فِي الْقَتْلِ، وَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْإِبْقَاءِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِﷺ-
_________________
(١) أخرجه ابن أبى حاتم والطبرانى. ولكن قال عنه ابن كثير فى تفسيره: «وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه» ثم قال: وقال عن رأى القائلين بأنهم المنافقون: «وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تَعَالَى: (وَمِمّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ، وَمِنْ أهل المدينة مردوا على للنفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم)، وابن كثير استهدف فأصاب. وفى الآية دليل آخر «لا تعلمونهم» أما اليهود وفارس، فكان المسلمون يعلمون بهم.
(٢) الهالكى: الحداد وهو هنا الصيقل، ويجتلى: يحلو ويصقل، والنصال: جمع نصل، وهو حديدة السهم.
(٣) من حديث رواه أحمد ومسلم.
[ ٥ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمّ نَزَلَتْ الْآيَةُ: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَأَخَذَ النّبِيّ ﷺ الْأُسَارَى، فَقَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَذّبُوك وَأَخْرَجُوك، اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْتَ بِوَادٍ كَثِيرِ الْحَطَبِ، فَأَضْرِمْهُ نَارًا، ثُمّ أَلْقِهِمْ فِيهَا، فَقَالَ الْعَبّاسُ: قَطَعَ اللهُ رَحِمَك، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ عِتْرَتُك، وَأَصْلُك وَقَوْمُك تَجَاوَزْ عَنْهُمْ، يَسْتَنْقِذْهُمْ اللهُ بِك مِنْ النّارِ، ثُمّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ، وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، فَخَرَجَ النّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: مَا قَوْلُكُمْ فِي هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ، إنّ مَثَلَهُمَا كَمَثَلِ إخْوَةٍ لَكُمْ، كَانُوا قَبْلَكُمْ، قَالَ نُوحٌ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُوسَى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ الْآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الْآيَةَ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي الْآيَةَ. وَإِنّ اللهَ يُشَدّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ، حَتّى تَكُونَ كَالْحَجَرِ، وَيُلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ، حَتّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ اللّبَنِ، وَيُرْوَى مِنْ اللّينِ، وَإِنّ بِكُمْ عِيلَةً فَلَا يَفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِفِدَاءِ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ [بن مسعود]:
فقلت إلّا سهل بن بَيْضَاءَ، وَقَدْ كُنْت سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، قَالَ: فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَى السّمَاءِ مَتَى تَقَعُ عَلَيّ الْحِجَارَةُ فَقُلْت: أُقَدّمُ الْقَوْلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ النّبِيّﷺ- إلّا سهل بن بيضاء، ففرحت بذلك «١»،
_________________
(١) رواه أحمد والترمذى والحاكم فى مستدركه، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
[ ٥ / ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَمّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَغَازِي، فإنهم يقولون إنما هو سهل بن بَيْضَاءَ أَخُو سُهَيْلٍ، فَأَمّا، سُهَيْلٌ، فَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- بَدْرًا، ثُمّ إنّ النّبِيّﷺ- لَمْ يَفْدِ بَعْدَهَا بِمَالِ، إنّمَا كَانَ يَمُنّ أَوْ يُفَادِي أَسِيرًا بِأَسِيرِ، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَذَلِكَ وَاَللهُ أعلم لقوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا يَعْنِي الْفِدَاءَ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَلّ ذَلِكَ وَطَيّبَهُ، وَلَكِنْ مَا فَعَلَهُ الرّسُولُ بَعْدَ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنّ أَوْ الْمُفَادَاةِ بِالرّجَالِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً كَيْفَ قَدّمَ الْمَنّ عَلَى الْفِدَاءِ، فَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدّمَهُ، وَأَمّا مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا، فَالْأَوْزَاعِيّ وَسُفْيَانُ وَمَالِكٌ يَكْرَهُونَ أَخْذَ الْمَالِ فِي الْأَسِيرِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَقْوِيَةِ الْعَدُوّ بِالرّجَالِ «١»، وَاخْتَلَفُوا فى
_________________
(١) بسط الشيخ رشيد رضا القول فى تفسيره فى هذه المسألة، ثم قال﵀-: «وجملة القول فى تفسير الآيات الثلاث أنه ليس من سنة الأنبياء، ولا مما ينبغى لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم، أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين لئلا يفضى أخذه الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم وعدوانهم عليهم، وأن ما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا على ما كان من ذنب أخذهم لهم قبل الإثخان الذى تقتضيه الحكمة باعلاء كلمة الله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا ذلك لسألوا الرسول «ص» كما سألوه عن الأنفال من قبله، وأنه لولا كتاب من الله سبق مقتضاه عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى، وعلى خلاف سنته وبالغ حكمته لمسهم عذاب عظيم فى أخذهم ذلك وأنه تعالى أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم، بأخذه قبل إحلاله، والله غفور رحيم» .
[ ٥ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصّغِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ أُمّهُ، فَأَجَازَ فِدَاءَهُ بِالْمَالِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَالصّحِيحُ مَنْعُهُ، وَكَانَ الْعَبّاسُ عَمّ النّبِيّ ﷺ فِي الْأَسْرَى، فَفَدَى نَفْسَهُ، وَفَدَى ابْنَيْ أَخِيهِ «١»، فَقَالَ لِلنّبِيّ ﷺ:
لَقَدْ تَرَكْتنِي أَتَكَفّفُ قُرَيْشًا فَقِيرًا مُعْدِمًا، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ:
أَيْنَ الذّهَبُ «٢» الّتِي تَرَكْتهَا عِنْدَ أُمّ الْفَضْلِ وَعَدَدُهَا كَذَا وَكَذَا، وَقُلْت لَهَا كَيْت وَكَيْت، فَقَالَ: مَنْ أَعْلَمَك بِهَذَا يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: اللهُ، فَقَالَ: حَدِيثٌ مَا اطّلَعَ عَلَيْهِ إلّا عَالِمُ الْأَسْرَارِ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ، فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَ الْعَبّاسُ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى مَنْ يَكْتُبُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ أَحَدٌ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، فَيَقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يُعَلّمَ عَشَرَةً مِنْ الْغِلْمَانِ الْكِتَابَةَ، وَيُخَلّيَ سَبِيلَهُ، فَيَوْمَئِذٍ تَعَلّمَ الْكِتَابَةَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَةِ الْأَنْصَارِ، وَهَذِهِ عُيُونُ أَخْبَارٍ، وَصَلْتهَا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ جَمَعْتهَا مِنْ كُتُبِ التّفَاسِيرِ وَالسّيَرِ وَلَخّصْتهَا.
خَيْلُ بَدْرٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ الْخَيْلَ الّتِي كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بدر، فذكر
_________________
(١) هما نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبى طالب. وفى صحيح البخارى عن ابن شهاب قال حدثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار قالوا يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: لا والله لا تذرون منه درهما، هذا وقد قيل إن العباس افتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب.
(٢) يؤنث أحيانا.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعزجة فرس المقداد، واليعبوب فَرَسَ الزّبَيْرِ، وَفَرَسًا لِمَرْثَدِ الْغَنَوِيّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ خَيْلٌ إلّا هَذِهِ، وَفِي فَرَسِ الزّبَيْرِ اخْتِلَافٌ، وَقَدْ كَانَ لِلنّبِيّ ﷺ خَيْلٌ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ، مِنْهَا: السّكْبُ وَاللّزَازُ وَالْمُرْتَجِزُ وَاللّحِيفُ «١»، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
وَيُقَالُ فِيهِ: اللّخِيفُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ «٢»، وَقَالَ الْقُتَبِيّ: كَانَ الْمُرْتَجِزُ فَرَسًا اشْتَرَاهُ ﵇ مِنْ أَعْرَابِيّ، ثُمّ أَنْكَرَ الْأَعْرَابِيّ أَنْ يَكُونَ بَاعَهُ مِنْهُ، فَشَهِدَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى الْأَعْرَابِيّ بِالْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ:
بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: أَشْهَدُ بِصِدْقِك يَا رَسُولَ اللهِ، فَجُعِلَتْ شَهَادَتُهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ، غَيْرَ أَنّ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ زِيَادَةً فِيهِ، وَهِيَ أَنّهُ، ﵇، رَدّ الْفَرَسَ عَلَى الْأَعْرَابِيّ، وَقَالَ: لَا بَارَكَ اللهُ لَك فِيهَا، فَأَصْبَحَتْ مِنْ الْغَدِ شَائِلَةً بِرِجْلِهَا، أَيْ: قَدْ مَاتَتْ. قَالَ الطّبَرِيّ: وَمِنْ خَيْلِهِ الضّرِسُ، وَمُلَاوِحٌ، وَالْوَرَدُ «٣» وَهُوَ الّذِي وَهَبَهُ لِعُمَرِ، فحمل عليه عمر رجلا فى سبيل
_________________
(١) سمى السكب بهذا لكثرة جريه، كأنما يصب جريه صبا، واللزاز لشدة تلززه واجتماع خلقه، ولز به الشىء لزق به كأنه يلزق بالمطلوب لسرعته، والمرتجز: لحسن صهيله، واللحيف لطول ذنبه، كأنه يلحف الأرض بذنبه أى يغطيها، ويروى بالجيم، فإن صح، فانه من السرعة، لأن اللجيف سهم عريض النصل.
(٢) يقول ابن الأثير: رواه البخارى هكذا ولم يتحققه، والمعروف بالحاء المهملة والجيم.
(٣) الضرس- بفتح فكسر- الصعب السىء الخلق وهى فى الأصل؛ الضريس وهو خطأ صوبته من النهاية والطبرى والقاموس، وكان أول ما غزا عليه أحد. وملاوح- بضم الميم وكسر الواو: الضامر الذى لا يسمن، والسريع العطش، -
[ ٥ / ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِ، وَحَدِيثُهُ فِي الْمُوَطّأِ، وَكَانَ لَهُ ﵇ مِنْ الدّرُوعِ: ذَاتُ الْفُضُولِ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: فَضّةُ، وَرَايَةٌ يُقَالُ لَهَا الْعُقَابُ، وَقَوْسَانِ أَحَدُهُمَا: الصّفْرَاءُ، وَالْأُخْرَى: الزّوْرَاءُ وَسَيْفُهُ: ذُو الْفَقَارِ لِفِقْرَاتِ كَانَتْ فِي وَسَطِهِ «١»، وَكَانَ لِنُبَيْهٍ وَمُنَبّهِ ابْنَيْ الْحَجّاجِ سُلِبَاهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيُقَالُ: إنّ أَصْلَهُ كَانَ مِنْ حَدِيدَةٍ وُجِدَتْ مَدْفُونَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَصُنِعَ مِنْهَا ذُو الْفَقَارِ، وَصَمْصَامَةُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الّتِي وَهَبَهَا لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَكَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ الْعَرَبِ، وَكَانَ لَهُ حَرْبَةٌ يُقَالُ لَهَا: النّبْعَةُ، وَذَكَرَ الْعُقَيْلِيّ فِي كِتَابِ الضّعَفَاءِ جُمْلَةً مِنْ آلَاتِهِ ﵇ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ، فَمِنْهَا الْجَمْعُ اسْمُ كِنَانَتِهِ، والمدلة اسم لمرآة كان ينظر
_________________
(١) - والعظيم الألواح. وزاد ابن الجوزى فى كتابه الوفا: الطرف، وهو الكريم الطرفين. وقد ذكر الطبرى أن ملاوح كان لأبى بردة بن نيار، وذكر فيه الظرب بدلا من الطرف عند ابن الجوزى. ويقول إن لزاز هدية من المقوقس ولحيف أهداه ربيعة بن أبى البراء، والظرف أهداه له فروة بن عمر الجذامى، والورد أهداه له تميم الدارى. كما ذكر له فرسا يسمى اليعسوب ص ١٧٤ ح ٣ ط ١ المعارف. وذكر ابن القيم له فرسا آخر اسمه: سبحة، وذكر أن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسحاق بن جماعة جمعها فى بيت شعر: والخيل: سكب لخيف سبحة ظرب لزاز مرنجز ورد لها أسرار ص ٦٩ ج ١ زاد المعاد
(٢) يقول ابن الأثير لأنه كان فيه حفر صغار حسان. وضبطه ابنى القيم ص ٦٧ ح ١ زاد المعاد بفتح الفاء وكسرها، وذكر له ﷺ ثمانية أسياف آخرى كما ذكر له سبعة أدرع منها ما ذكر السهيلى، وست قمى منها أيضا ما ذكر السهيلى، وأما حربته فاسمها النبعاء كما ورد فى حديث رواه الطبرانى
[ ٥ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيهَا، وَقَضِيبٌ يُسْمَى: الْمَمْشُوقُ، وَذَكَرَ الْجَلَمَيْنِ «١»، وَنَسِيت مَا قَالَ فِي اسْمِهِ، وَأَمّا بَغْلَتُهُ دُلْدُلُ وَحِمَارُهُ عُفَيْرٌ «٢»، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ، وَذَكَرْنَا مَا كَانَ فِي أَمْرِ الْحِمَارِ مِنْ الآيات، وزدنا هنا لك فِي اسْتِقْصَاءِ هَذَا الْبَابِ، وَرَأَيْنَا أَنْ لَا نخلى هذا الكتاب مما ذكرنا هنا لك، أَوْ أَكْثَرَهُ، وَأَمّا دُلْدُلُ فَمَاتَتْ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَهِيَ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ، وَأَمّا الْيَعْفُورُ فَطَرَحَ نَفْسَهُ فِي بِئْرٍ يَوْمَ مَاتَ النّبِيّﷺ- فَمَاتَ، وَذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ فِي كِتَابِ الْفُصُولِ أَنّهُ كَانَ مِنْ مَغَانِمِ خَيْبَرَ، وَأَنّهُ كَلّمَ النّبِيّ ﷺ، وَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا زِيَادُ بْنُ شِهَابٍ، وَقَدْ كَانَ فِي آبَائِي سِتّونَ حِمَارًا كُلّهُمْ رَكِبَهُ نَبِيّ، فَارْكَبْنِي أَنْتَ، وَزَادَ الْجُوَيْنِيّ فِي كِتَابِ الشّامِلِ «٣» أن النبيﷺ- كان إذَا أَرَادَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْسَلَ إلَيْهِ هَذَا الْحِمَارَ، فَيَذْهَبُ حَتّى يَضْرِبَ بِرَأْسِهِ الْبَابَ، فَيَخْرُجُ الرّجُلُ، فَيَعْلَمُ أَنّهُ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ، فَيَأْتِي النّبِيّ ﷺ، وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ فِيمَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ فِيهِ تِمْثَالٌ كَرَأْسِ الْكَبْشِ وَكَانَ يَكْرَهُهُ فِيهِ، فَأَصْبَحَ ذَاتَ يوم قد
_________________
(١) الجلم الذى يجز به الشعر والصوف، والجلمان شفرتاه، وهكذا يقال مثنى كالمقص والمقصين.
(٢) وفى رواية: يعفور. ويذكر الطبرى أنه قيل أيضا إن دلدل هدية من فرده بن عمر الجذامى كما ذكر ابن القيم أنه كان له «ص» أربع بغلات منها دلدل.
(٣) ص ١٧٨ ح ٣ ط المعارف. ولا أدرى من أين جاء ابن فورك والجوينى بما ذكر عن الحمارين؟؟.
[ ٥ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انمحى «١»، ولم يبق منه أثر، وأمار داؤه ﵇، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ:
الْحَضْرَمِيّ، وَبِهِ كَانَ يَشْهَدُ الْعِيدَيْنِ، كَانَ طُولُهُ أَرْبَعَ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ذِرَاعَانِ وَشِبْرٌ «٢»، وَكَانَ لَهُ جَفْنَةٌ عَظِيمَةٌ يُقَالُ لَهَا الْغَرّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ جَرَى ذِكْرُهَا فِي حَدِيثٍ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَشْرَئِبّ إلَى مَعْرِفَتِهَا أَنْفُسُ الطّالِبِينَ، وَتَرْتَاحُ بِالْمُذَاكَرَةِ بِهَا قُلُوبُ الْمُتَأَدّبِينَ، وَكُلّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْمَعْرِفَةِ بِنَبِيّنَا ﵇، وَمُتّصِلًا بِأَخْبَارِ سِيرَتِهِ مِمّا يُونِقُ الْأَسْمَاعَ، وَيَهُزّ بِأَرْوَاحِ الْمَحَبّةِ الطّبَاعَ «٣»، وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى مَا عُلِمَ من ذلك.
_________________
(١) ذكر ابن القيم له اثنين آخرين، وأنه وضع يده على التمثال، فامحى ص ٦٧ ح ١ زاد المعاد.
(٢) فى زاد المعاد لابن القيم «قال الواقدى: كان رداؤه وبرده طول ستة أذرع فى ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر، فى عرض ذراعين وشبر» ص ٧١ ح ١ زاد المعاد وانظر فيه تفصيل ملابسه ﷺ، وفى ص ٥٦٨ ح ٢ الوفا بأحوال المصطفى والمواهب اللدنية بداية الجزء الخامس.
(٣) لا ريب فى أن كل ما يروى عن النبى ﷺ يثير ما يثير فى النفس من شوق وحنين قد تعبر عنها أحيانا الدموع أصدق الدموع، وتهفو بالروح إلى حيث كانت تلك السيرة القدسية. غير أنا نقول دائما: إننا يجب أن نعنى بسيرة النبى صلى الله عليه بعد البعثة، حيث فرض الله علينا أن يكون لنا وحدهﷺ- هو الأسوة الحسنة. ولقد قوم القرآن لنا حياته ﵊ قبل البعثة وبعدها، فلنهتد بنور القرآن فى هذا التقويم ليكون لنا نبراسا وفيصلا فيما يجب علينا أن نأتسى به. وهاهى ذى آيات من القرآن بها نسترشد ونستهدى فى هذا. محمد قبل البعثة: ولا ريب فى أن النص من القرآن يلغى كل وصف يعارضه، ويحكم ببطلانه. فلنتدبر معا. (ألم يحدك يتيما فآوى. ووجدك ضالا فهدى. - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - ووجدك عائلا فأغنى) والمهم هنا الآية الثانية، ولنحذر أن تفتننا العاطفة الساحرة عن حقيقة معناها ولنحذر أيضا من إلغاء معناها، وإلا كان الكفر الصراح البواح، ولنحذر أيضا من أن نظن أن الإيمان بها ينال من مكانة النبى ﷺ، ولنتدبر معا أيضا: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك، وما يضلون إلا أنفسهم، وما يضرونك من شىء، وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكر تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما) النساء: ١١٣ فما أضل الذين يزعمون أنه كان يعلم بالقرآن قبل نزوله. بداية الآية تؤكد وجود بشرية فقيرة إلى عون الله وفضله، وختامها يؤكد أنه ﷺ لم يكن يعلم الكتاب، ولا الحكمة، وأنه علم من الله ما لم يكن يعلم. ولنتدبر معا أيضا: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك، فلا تكونن ظهيرا للكافرين) القصص: ٨٦ (وما كنت تتلو من قبله من كتاب، ولا تخطه بيمينك إذا لا رتاب المبطلون) العنكبوت: ٤٨ (وكذلك أرحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان. ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا. وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) الثورى: ٥٢. (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات. قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله، قل: ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى، إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما تلونه عليكم، ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله. أفلا تعقلون) يونس: ١٥، ١٦ هذا تقويم لحياة النبى ﷺ، يؤكد لنا ما يأتى بعضه: إنه ﷺ لم يكن يعرف الكتاب ولم يكن يعرف الإيمان، وأن الله وجده ضالا، فهداه، وأنه لم يكن يرجو أن يلقى إليه الكتاب، ولهذ لم يفرض الله علينا الاقتداء به ﷺ فى هذه الفترة، وإنما فرض علينا أن نتخذه أسوة بعد أن صار رسولا تقويم لحياته بعد الرسالة: - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - يقول سبحانه فى سورة النجم (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ، وَما غَوى، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) جاءه الوحى، فكانت هذه الصفات العظيمة التى بها زكى الله فكره وقلبه ولسانه. (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الأعراف: ١٥٨. (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) البقرة: ١٥١. وهذا تقويم لرسالته وأثرها فى البشرية (قُلْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) آل عمران: ٣٢. (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الأحزاب: ٥٦ رأى تمجيد أعظم من هذا لعبد اصطفاه الله ليختم به النبوة؟ (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) الفتح: ١٠. هكذا تؤكد الآية أن من بايع محمداﷺ- فإنما بايع الله سبحانه، أفترجو البشر فى تطلعها إلى الخلود مقاما أعظم؟ كلا. ثم تدبر هذا التقويم الأعظم إذ يجعل الله طاعة الرسولﷺ- هى القاعدة لطاعته، أو المعراج إلى طاعته جل شأنه، وهذا فى قوله سبحانه (من يطع الرسول، فقد أطاع الله) النساء: ٨٠. (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، فَاتَّبِعُونِي، يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) . فليس ثمت وسيلة إلى محبة الله سوى طاعته ﷺ واتباعه. (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب: ٤٠. (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا) الأحزاب: ٥٧. - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - هو الخاتم للنبوة، ومن يؤذه رجمته لعنة الله فى الدارين، وتجرع العذاب المهين. (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب: ٢١. وتدبر قوله جل شأنه (رَسُولَ اللَّهِ) أتى بالوصف الذى به فرض علينا أن نتخذه أسوة، وصف أنه رسول الله، لو وضع مكانها كان لكم فى محمد، لفرض علينا اتخاذه أسوة فى حاليه قبل البعثة وبعدها. (إِنَّكَ مَيِّتٌ، وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) فاحذر أن يهوم بك الخيال، فتظنه خالدا فالله يقول (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) ووضع إنك وإنهم هكذا متجاورين فى الآية التى تؤكد أنه سيموت تؤكد لك أن موته هوموتنا، حتى لا يخدعنك بالتمويه دجال. لهذا يجب علينا أن نذكر أنفسنا وأبناءنا وإخواننا دائما بما كان عليه النبى ﷺ بعد بعثته أكثر من التذكير بمولده ﷺ. ولتقارن بين القرآن وبين أسطورة هذى بها ابن عربى فأجت أجيج النار فى الهشيم، وسلبت ألوف الألوف حسن اعتقادهم فى الله ورسوله، وقد ردد هذه الأسطورة فى كتابه الكبير (الفتوحات المكية) وعنه نقلها الشعرانى فى التمجيد والتعظيم وذلك فى كتابه «الكبريت الأحمر فى بيان علوم الشيخ الأكبر» . وإليك ما قاله ابن عربى «إعلم أن رسول الله ﷺ أعطى القرآن مجملا قبل جبريل من غير تفصيل الآيات والسور، فقيل له: لا تعجل بالقرآن الذى عندك قبل جبريل، فتلقيه على الأمة مجملا، فلا يفهم أحد عنك لعدم تفصيله» ص ٦ الكبريت الأحمر المطبوع على هامش اليواقيت والجواهر سنة ١٣٠٧ هـ وتأمل قول عبد الكريم الجيلى- وهو من هو- عند الصوفية (اعلم أن الله تعالى لما خلق النفس المحمدية من ذاته، وذات الحق جامعة للضدين، خلق الملائكة العالين فى حيث صفات الجمال والنور والهدى من نفس محمد، وخلق إبليس وأتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والضلال من نفس محمد، -
[ ٥ / ٢٤٩ ]
[من شهد بدرا من المسلمين]
[من بنى هاشم والمطلب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمّ مِنْ (قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ) بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضر ابن كِنَانَةَ.
مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَيّدُ الْمُرْسَلِينَ، ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ؛ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بن هاشم؛ وَزَيْدُ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ كَعْبِ بن عبد العزّى بن امرىء الْقَيْسِ الْكَلْبِيّ، أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَرَسُولُهُ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عبد العزّى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدودّ بن عوف بن كنانة ابن بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ الله بن رفيدة بن ثور بن كثب ابن وبرة.
_________________
(١) - ص ٤١ ح ٢ الإنسان الكامل ط ١٢٩٤ وإذا سئل الصوفية عن الحقيقة المحمدية قالوا هى ذات الله فى تعينها الأول. وراجع ما كتبته فى كتابى «هذه هى الصوفية» وكتابى «مصرع التصوف» هدانا الله إلى الحق، ورزقنا الحمية له على بصيرة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنَسَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبُو كَبْشَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسَةُ: حَبَشِيّ، وَأَبُو كَبْشَةَ: فَارِسِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَأَبُو مَرْثَدٍ كَنّازُ بْنُ حِصْنِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ جِلّانَ بْنِ غَنْمِ بْنِ غَنِيّ بْنِ يَعْصُرَ ابن سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَنّازُ بْنُ حُصَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، حَلِيفَا حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؛ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ؛ وَأَخَوَاهُ الطّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ؛ وَمِسْطَحٌ، وَاسْمُهُ: عَوْفُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عبّاد بن المطّلب. اثنا عشر رجلا.
[من بنى عبد شمس]
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميّة ابن عَبْدِ شَمْسٍ، تَخَلّفَ عَلَى امْرَأَتِهِ رُقَيّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَهْمِهِ، قَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: وَأَجْرُك؛ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ؛ وَسَالِمٌ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي حُذَيْفَةَ مِهْشَمٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥٤ ]
[نَسَبُ سَالِمٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَالِمٌ، سَائِبَةٌ لثبيتة بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد ابن مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بن مالك بن الأوس، سيبته فانقطع إلى أَبِي حُذَيْفَةَ فَتَبَنّاهُ، وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتَةُ بِنْتُ يَعَارَ تَحْتَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً، فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمُوا أَنّ صُبَيْحًا مَوْلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ تجهّر لِلْخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمّ مَرِضَ، فَحَمَلَ عَلَى بَعِيرِهِ أَبَا سلمة بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ ثُمّ شَهِدَ صُبَيْحٌ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَشَاهِدَ كُلّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[من حلفاء بنى عبد شمس]
وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ:
عَبْدُ الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم ابن دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ؛ وَعُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حرثان بن قيس بن مرّة ابن كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ؛ وَشُجَاعُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَسَدِ ابن صُهَيْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَأَخُوهُ عُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ؛ وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير ابن غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ؛ وَأَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ بْنِ قَيْسٍ، أَخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ؛ وَابْنُهُ سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥٥ ]
ابن مرة بن كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ بْنِ سَخْبَرَةَ ابن عَمْرِو بْنِ لُكَيْزِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أسد
[من حلفاء بنى كبير]
وَمِنْ حُلَفَاءِ بَنِي كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ: ثَقْفُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَخَوَاهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِدْلَاجُ بْنُ عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهُمْ مِنْ بَنِي حَجْرٍ، آلِ بَنِي سُلَيْمٍ. وَأَبُو مَخْشِيّ، حَلِيفٌ لَهُمْ. سِتّةَ عَشَرَ رَجُلًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو مَخْشِيّ طَائِيّ، واسمه: سويد بن مخشى.
[من بنى نوفل]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر بْنِ وَهْبِ بْنِ نُسَيْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسٍ بْنِ عَيْلَانَ؛ وَخَبّابٌ، مولى عتبة بن غزوان- رجلان.
[مِنْ بَنِي أَسَدٍ]
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ بن خويلد ابن أَسَدٍ؛ وَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَسَعْدٌ مَوْلَى حَاطِبٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَاسْمُ أَبِي بَلْتَعَةَ: عَمْرٌو، لَخْمِيّ، وَسَعْدٌ مَوْلَى حاطب، كلبىّ.
[من بنى عبد الدار]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عبد الدّر بْنِ قُصَيّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حُرَيْمِلَةَ بْنِ مالك بن عميلة بن السّيّاق بن عبد الدار بن قصىّ. رجلان.
[مِنْ بَنِي زُهْرَةَ]
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ؛ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ- وَأَبُو وَقّاصٍ مَالِكُ بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة. وَأَخُوهُ عُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ مَطْرُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ ثَوْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الشّرِيدِ بْنِ هَزْلِ بْنِ قَائِشِ بْنِ دُرَيْمِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ أَهْوَدَ بْنِ بَهْرَاءَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحاف ابن قضاعة. قال ابن هشام: ويقال: هزل بن قَاسِ بْنِ ذَرّ- وَدَهِيرُ بْنُ ثَوْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الحارث بن شمخ بن مخزوم ابن صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ ابن عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حَمَالَةَ بْنِ غَالِبِ بْنِ مُحَلّمِ بْنِ عَائِذَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ، مِنْ القارة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَارَةُ: لَقَبٌ لَهُمْ. وَيُقَالُ:
قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا وَكَانُوا رُمَاةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذُو الشّمَالَيْنِ بْنُ عَبْدِ عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بْنِ مَلَكَانِ بْنِ أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا قِيلَ لَهُ: ذُو الشّمَالَيْنِ، لِأَنّهُ كَانَ أَعْسَرَ، وَاسْمُهُ عُمَيْرٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ، ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَلَهُ عَقِبٌ، وَهُمْ بِالْكُوفَةِ؛ وَيُقَالُ: خَبّابٌ مِنْ خزاعة.
[من بنى تيم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مرّة: أبو بكر الصدّيق، واسمه عتيق ابن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ أَبِي بَكْرٍ: عَبْدُ اللهِ، وَعَتِيقٌ: لَقَبٌ، لِحُسْنِ وَجْهِهِ وَعِتْقِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبِلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- وَبِلَالٌ مُوَلّدٌ مِنْ مُوَلّدِي بَنِي جُمَحَ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهُوَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، لَا عَقِبَ لَهُ- وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مُوَلّدٌ مِنْ مُوَلّدِي الْأَسْدِ، أَسْوَدُ، اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، من النّمر بن قاسط.
[نسب النمر]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النّمِرُ: ابْنُ قَاسِطِ بْنِ هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد ابن رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ؛ وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنِ دُعْمِيّ بْن جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: صُهَيْبٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ ابن تَيْمٍ، وَيُقَالُ: إنّهُ رُومِيّ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَكَرَ أَنّهُ مِنْ النّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ:
إنّمَا كَانَ أَسِيرًا فِي الرّومِ فَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النّبِيّ ﷺ: صُهَيْبٌ سَابِقُ الرّومِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عمرو بن كعب بن سعد ابن تَيْمٍ، كَانَ بِالشّأْمِ، فَقَدِمَ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ رسول الله ﷺ من بَدْرٍ، فَكَلّمَهُ، فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، فَقَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَأَجْرُك.
خَمْسَةُ نَفَرٍ.
[من بنى مخزوم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأسد، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَشَمّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٥٩ ]
[سَبَبُ تَسْمِيَةِ الشّمّاسِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ شمّاس: عثمان، وإنما سمّعى شَمّاسًا، لِأَنّ شَمّاسًا مِنْ الشّمَامِسَةِ قَدِمَ مَكّةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَعَجِبَ النّاسُ مِنْ جَمَالِهِ. فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ خَالَ شَمّاسٍ: هَا أَنَا آتِيكُمْ بِشَمّاسٍ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَأَتَى بِابْنِ أُخْتِهِ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ فَسُمّيَ شَمّاسًا، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، واسم أبى الأرقم: عبد مناف ابن أسد، وكان أسد يكنى: أبا جندب بن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَعَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، عَنْسِيّ، مِنْ مَدْحِجٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمُعَتّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْفَضْلِ بن عفيف بن كليب بْنِ حُبْشِيّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، حَلِيفٌ، لَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الّذِي يدعى عيهامة، خمسة نفر.
[من بنى عدى وحلفائهم]
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: عُمَرُ بْنُ الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى ابن رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيّ؛ وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطّابِ؛ وَمِهْجَعٌ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ الصّفّيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، رُمِيَ بِسَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِهْجَعٌ، مِنْ عَكّ بْنِ عَدْنَانَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمْرُو بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ أَذَاةَ بْنِ عَبْدِ الله بن قرط بن رياح بن رزاح بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ؛ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ ابن سُرَاقَةَ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تَمِيمٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَوْلِيّ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ، حَلِيفَانِ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو خَوْلِيّ، مِنْ بَنِي عَجِلِ بْنِ لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ ابن بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ آلِ الْخَطّابِ، مِنْ عَنْزِ ابن وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْزُ بْنُ وَائِلٍ: ابْنُ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جديلة ابن أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: أَفْصَى: ابْنُ دُعْمِيّ بْنِ جَدِيلَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ ياليل بْنِ نَاشِبِ بْنِ غَيْرَةَ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ؛ وَعَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ؛ وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَإِيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ؛ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نفيل ابن عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بن رياح بن رزاح بن عدي بن كَعْبٍ، قَدِمَ مِنْ الشّأْمِ بَعْدَ مَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ من بَدْرٍ، فَكَلّمَهُ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بسمهه؛ قَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: وَأَجْرُك. أربعة عشر رجلا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦١ ]
[من بنى جمح وحلفائهم]
ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بن حذافة بن جمح؛ وابنه السائب بن عثمان؛ وأخواه قدامة ابن مَظْعُونٍ؛ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَظْعُونٍ؛ وَمَعْمَرُ بْنُ الحارث بن معمر بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح. خمسة نفر.
ومن بني سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قيس بن عدي بن سعد بن سهم. رجل.
[من بنى عامر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لؤي: ثم من بني مالك بن حسل بْنِ عَامِرٍ: أَبُو سَبْرَةَ بْنِ أَبِي رُهْمِ بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ عَبْدِ الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ؛ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ- كَانَ خَرَجَ مَعَ أَبِيهِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمّا نَزَلَ النّاسُ بَدْرًا فَرّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَشَهِدَهَا مَعَهُ- وَعُمَيْرُ ابن عَوْفٍ، مَوْلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، مِنْ الْيَمَنِ
[مِنْ بَنِي الْحَارِثِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجراح،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٢ ]
وهو عامر بن الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبّة بن الحارث وعمرو ابن الحارث بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ؛ وَسُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَبِي أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ؛ وَأَخُوهُ صَفْوَانُ بْنُ وَهْبٍ، وَهُمَا ابنا بيضاء؛ وعمرو بن أبى سرح ابن رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْن الْحَارِثِ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
[عَدَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ]
فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَمَنْ ضَرَبَ له رسول الله ﷺ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، غَيْرَ ابْنِ إسْحَاقَ، يَذْكُرُونَ فِي الْمُهَاجِرِينَ بِبَدْرٍ، فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: وَهْبَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَحَاطِبَ بْنَ عَمْرٍو؛ وَفِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ: عِيَاضِ بْنِ أَبِي زهير.
[الأنصار ومن معهم]
من بنى عبد الأشهل قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمّ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عامر، ثم من بني عبد الأشهل بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالك ابن الْأَوْسِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ امرىء الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٣ ]
وَعَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أوس بن معاذ بن النّعمان، والحارث ابن أنس بن رافع بن امرىء القيس.
من بنى عبيد بن كعب وحلفائهم وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ: سَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدِ. وَمِنْ بَنِي زَعُورَا بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: زَعْوَرَا- سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقَشِ بْنِ زُغْبَةَ، وَعَبّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقَشٍ بْنِ زُغْبَةَ بْنِ زَعُورَا، وَسَلَمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقَشٍ، وَرَافِعُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ كُرْزِ بْنِ سَكَنِ بْنِ زَعُورَا، وَالْحَارِثُ بْنُ خَزْمَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُبَيّ بن غنم بن سالم بن عوف ابن عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَمُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ بن حريش بن عدىّ بن مجدعة بن حارثة ابن الْحَارِثِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسْلَمُ: بْنُ حَرِيسِ بن عدىّ.
قال ابن إسحاق: وأبو الهيثم بن التّيّهان، وَعُبَيْدُ بْنُ التّيْهَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَتِيكُ بْنُ التّيْهَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ. خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
قَالَ ابن هشام: عبد الله بن سهل: أخوبنى زعورا؛ ويقال: من غسّان
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٤ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَنْ بَنِي ظَفَرٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَعْبٌ:
هُوَ ظَفَرٌ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ظَفَرٌ: ابْنُ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ الْأَوْسِ:
قَتَادَةُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَوَادٍ؛ وَعُبَيْدُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَوَادٍ، رجلان.
سبب تسمية عبيد بمقرن قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُبَيْدُ بْنُ أَوْسٍ الّذِي يُقَالُ لَهُ: مُقَرّنٌ، لِأَنّهُ قَرَنَ أَرْبَعَةَ أَسْرَى فِي يَوْمِ بَدْرٍ. وَهُوَ الّذِي أَسَرَ عَقِيلَ بن أبى طالب يومئذ.
من بنى عبد بن رزاح وحلفائهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ رزاح بن كعب: نصر بن الحارث ابن عَبْدٍ؛ وَمُعَتّبُ بْنُ عَبْدٍ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، مِنْ بَلِيّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
من بنى حارثة وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ:
مَسْعُودُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيّ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَسْعُودُ بْنُ عَبْدِ سَعْدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَجْدَعَةَ بن حارثة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٥ ]
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، ثُمّ مِنْ بَلِيّ: أَبُو بُرْدَةَ بن نيار، واسمه: هانىء بن نيار ابن عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كِلَابِ بْنِ دُهْمَانَ بن غنم بن ذبيان بن هميم بن كاهل ابن ذهل بن هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. ثلاثة نفر.
من بنى عمرو قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، ثُمّ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ، وَقَيْسُ أَبُو الْأَقْلَحِ بْنُ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَمَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ- وَمُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرِ بْنِ مُلَيْلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْعَطّافِ بْنِ ضُبَيْعَةَ؛ وَأَبُو مُلَيْلِ بْنُ الْأَزْعَرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْعَطّافِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْبَدِ بْنِ الْأَزْعَرِ بْنِ زَيْدِ ابن الْعَطّافِ بْنِ ضُبَيْعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ مَعْبَدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَهْلُ بْنُ حنيف بن واهب بن الحكيم بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ الْحَارِثِ: ابْنِ عَمْرٍو، وَعَمْرٌو الّذِي يُقَالُ لَهُ: بحزج بْنُ حنس ان عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي أُمَيّةَ وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: مُبَشّرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بن زنبر بن زيد ابن أُمَيّةَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٦ ]
قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيّةَ: وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَرَافِعُ بْنُ عُنْجُدَةَ- وَعُنْجُدَةُ أمّه، وفيما قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَعُبَيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وثعلبة بن حاطب.
وزعموا أن أبالبابة بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَالْحَارِثَ بْنَ حَاطِبٍ خَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَجّعَهُمَا، وَأَمّرَ أَبَا لُبَابَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَ لَهُمَا بِسَهْمَيْنِ مَعَ أَصْحَابِ بَدْرٍ، تِسْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَدّهُمَا مِنْ الرّوْحَاءِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بن أميّة، واسم أبى لبابة: بشير.
من بنى عبيد وحلفائهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: أُنَيْسُ بْنُ قَتَادَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَلِيّ: مَعْنُ بْنُ عَدِيّ بْنِ الْجَدّ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ ضُبَيْعَةَ وَثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ مَالِكِ ابن الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ الْعَجْلَانِ؛ وربعىّ بن رَافِعِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْجَدّ بْنِ الْعَجْلَانِ. وَخَرَجَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ بْنِ الْجَدّ بْنِ الْعَجْلَانِ، فَرَدّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ مَعَ أصحاب بدر. سبعة نفر.
من بنى ثعلبة وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ أميّة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٧ ]
ابن البرك- واسم البرك: امرؤ القيس بن ثعلبة- وَعَاصِمُ بْنُ قَيْسٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَاصِمُ بْنُ قَيْسٍ: ابْنُ ثَابِتِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ أميّة بن امرىء الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو ضَيّاحِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ أُمَيّةَ بن امرىء الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ؛ وَأَبُو حَنّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَخُو أَبِي ضَيّاحٍ، وَيُقَالُ: أَبُو حيّة. ويقال لامرىء الْقَيْسِ: الْبُرَكُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.
قال ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَالِمُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ النّعْمَانِ بن أميّة بن امرىء القيس بن ثعلبة.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ثَابِتٌ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ النّعمان بن أميّة بن امرىء الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النّعْمَانِ، ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- بِسَهْمٍ مَعَ أَصْحَابِ بَدْرٍ. سَبْعَةُ نفر.
من بنى جحجبى وحلفائهم وَمِنْ بَنِي جَحْجَبِيّ بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: مُنْذِرُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جَحْجَبِيّ بْنِ كُلْفَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْحَرِيسُ بْنُ جَحْجَبِيّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي أنيف: أبو عقيل بن عبد الله ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ بَيْحَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ جشم ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ تَيْمِ بْنِ إرَاشِ بْنِ عامر بن عميلة بن قسميل بن فران بن بلىّ ابن عَمْرِو بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ تَمِيمُ بْنُ إرَاشَةَ، وَقِسْمِيلُ بن فاران.
من بنى غنم وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ السّلم بن امرىء الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بن النّحّاط بن كعب ابن حَارِثَةَ بْنِ غَنْمٍ؛ وَمُنْذِرُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عَرْفَجَةَ؛ وَمَالِكُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عَرْفَجَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَرْفَجَةُ: ابْنُ كَعْبِ بْنِ النّحّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنَمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ عَرْفَجَةَ؛ وَتَمِيمٌ، مَوْلَى بَنِي غَنَمٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تميم: مولى سعد بن خيثمة.
من بنى معاوية وحلفائهم قال ابن إسحاق: ومن بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ:
جَبْرُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ هَيْشَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ؛ وَمَالِكُ بْنُ نُمَيْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَالنّعْمَانُ بْنُ عَصَرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيّ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٦٩ ]
عَدَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَوْسِ فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَوْسِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَنْ ضُرِبَ له بسهمه وأجره، أحد وستون رجلا.
من بنى امرىء القيس قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمّ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عامر، ثُمّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ من بنى امرىء القيس بن مالك بن ثعلبة ابن كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: خارجة بن زيد بن أبى زهير ابن مالك بن امرىء الْقَيْسِ، وَسَعْدُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أبى زهير بن مالك ابن امرىء الْقَيْسِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بن امرىء القيس بن عمرو ابن امرىء الْقَيْسِ، وَخَلّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عمرو بن حارثة بن امرىء القيس، أربعة نفر.
من بنى زيد وَمِنْ بَنِي زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خِلَاسِ بْنِ زَيْدٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ:
جُلَاسٌ، وَهُوَ عِنْدَنَا خَطَأٌ- وَأَخُوهُ سِمَاكُ بْنُ سعد. رجلان.
مِنْ بَنِي عَدِيّ وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سبيع بن قيس
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٠ ]
عَيْشَةَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيّ، وَعَبّادُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْشَةَ أخوه.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَيْسٌ: ابْنُ عَبَسَةَ بْنِ أُمَيّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بن عبس. ثلاثة نفر.
من بنى أحمر وَمِنْ بَنِي أَحْمَرَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَحْمَرَ، وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ:
ابْنُ فُسْحُمَ رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فُسْحُمُ أُمّهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ.
من بنى جشم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَزَيْدِ بْنِ الْحَارِث بْنِ الخزرج، وهما التّوءمان: خُبَيْبُ بْنُ إسَافِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَدِيجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُشَمٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَخُوهُ حُرَيْثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، زَعَمُوا، وَسُفْيَانُ بْنُ بَشْرٍ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سُفْيَانُ بْنُ نَسْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زيد.
من بنى جدارة قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي جِدَارَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧١ ]
تَمِيمُ بْنُ يَعَارَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ جِدَارَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عمير بن بَنِي حَارِثَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ جِدَارَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَيْدُ بْنُ الْمُزَيّنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ جِدَارَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ الْمُرّيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُرْفُطَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ جِدَارَةَ.
أربعة نفر.
من بنى الأبحر ومن بَنِي الْأَبْجَرِ، وَهُمْ بَنُو خُدْرَةَ بْنِ عَوْفِ بن الحارث بن الخزرج: عبد الله ابن رَبِيعِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبّادِ بن الأبجر رجل.
مِنْ بَنِي عَوْفٍ وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بن سالم بن غنم ابن عوف بن الخزرج، وهم بنو الحبلي- قال ابن هشام: الحبلي: سالم بن غنم بن عَوْفٍ، وَإِنّمَا سُمّيَ الْحُبْلَى، لِعِظَمِ بَطْنِهِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ ابْنُ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ (الْمَشْهُورُ بِابْنِ سَلُولَ)، وَإِنّمَا سَلُولُ امْرَأَةٌ، وَهِيَ أُمّ أُبَيّ: وَأَوْسُ بْنُ خَوْلِيّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارث بن عبيد. رجلان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٢ ]
من بنى جزء وحلفائهم وَمِنْ بَنِي جَزْءِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ: زَيْدُ بْنُ وَدِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ جَزْءٍ؛ وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كَلَدَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بنى عبد الله ابن غَطَفَانَ؛ وَرِفَاعَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ ابن غَنْمٍ؛ وَعَامِرُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَامِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ وَهُوَ مِنْ بَلِيّ، مِنْ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو حُمَيْضَةَ مَعْبَدُ بْنُ عَبّادِ بْنِ قُشَيْرِ بْنِ الْمُقَدّمِ بن سالم بن غَنْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَعْبَدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ قَشْغَرَ بْنِ الْمُقَدّمِ، وَيُقَالُ: عُبَادَةُ بْنُ قيس بن القدم.
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ، حَلِيفٌ لَهُمْ. سِتّةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بن العكير، ويقال: عاصم بن العكير.
مِنْ بَنِي سَالِمٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ الله بن نضلة بن مالك ابن العجلان بن العجلان. رجل.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٣ ]
من بنى أصرم وَمِنْ بَنِي أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَغَنْمُ بْنُ سَالِمٍ، الّذِي قَبْلَهُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ-: عُبَادَةُ بْنُ الصّامت بن قيس ابن أصرم؛ وأخوه أوس بن الصّامت. رجلان.
من بنى دعد وَمِنْ بَنِي دَعْدِ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنَمٍ: النّعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ دَعْدٍ، وَالنّعْمَانُ الّذِي يُقَالُ لَهُ. قَوْقَلُ. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي قُرْيُوشِ بْنِ غَنْمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ سَالِمٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ قُرْيُوسُ بْنُ غَنْمٍ- ثَابِتُ بْنُ هَزّالِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قُرْيُوشٍ. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي مَرْضَخَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ بْنِ مَرْضَخَةَ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ: ابْنُ مَالِكِ بْنِ الدّخشم بن مرضخة.
من بنى لوذان وحلفائهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي لَوْذَانَ بْنِ سالم: ربيع بن إياس بن عمرو ابن غَنْمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ لَوْذَانَ، وَأَخُوهُ وَرَقَةُ بْنُ إيَاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ إيَاسٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ من أهل اليمن. ثلاثة نفر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ إيَاسٍ، أَخُو رَبِيعٍ وَوَرَقَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَلِيّ، ثُمّ مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: غُصَيْنَةُ، أُمّهُمْ، وَأَبُوهُمْ عَمْرُو بْنُ عِمَارَةَ- الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُمْزُمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمَارَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غُصَيْنَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ بُتَيْرَةَ بن مشنوّ ابن قَسْرِ بْنِ تَيْمِ بْنِ إرَاشِ بْنِ عَامِرِ بن عميلة بن قسميل بن فران بن بلىّ ابن عَمْرِو بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَسْرُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ إرَاشَةَ، وَقِسْمِيلُ بْنُ فَارَانَ.
وَاسْمُ الْمُجَذّرِ: عَبْدُ اللهِ.
قال ابن إسحاق: وعبادة بن الخشخش بن عمرو بن زمزمة، ونحّاب ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ حَزَمَةَ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمَارَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ بَحّاثُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَزَمَةَ بْنِ أَصْرَمَ. وَزَعَمُوا أَنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ معاية- حَلِيفٌ لَهُمْ- مِنْ بَهْرَاءَ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، خَمْسَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُتْبَةَ بْنُ بهز، من بنى سليم.
من بنى ساعدة قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ ابن الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ: أَبُو دُجَانَةَ، سِمَاكُ بْنُ خرشة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو دُجَانَةَ: (سِمَاكُ) بْنُ أوس بن خرشة بن لوذان بن عبدودّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبدود بن زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال: المنذر: ابن عمرو بن خنبش.
من بنى البدىّ وحلفائهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي الْبَدِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو ابن الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ: أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْبَدِيّ، وَمَالِكُ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ إلَى الْبَدِيّ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَالِكُ بْنُ مَسْعُودٍ: ابْنُ الْبَدِيّ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بعض أهل العلم.
من بنى طريف وحلفائهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ: عَبْدُ رَبّهِ بْنِ حَقّ بْنِ أَوْسِ بْنِ وَقَشٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفٍ. رَجُلٌ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، مِنْ جُهَيْنَةَ: كَعْبُ بْنُ حِمَارِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال: كعب: ابن جمّار، وَهُوَ مِنْ غُبْشَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَضَمْرَةُ وَزِيَادٌ وَبَسْبَسُ، بَنُو عَمْرٍو.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ضَمْرَةُ وَزِيَادٌ، ابْنَا بَشْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، من بلىّ. خمسة نفر.
من بنى جشم وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بني سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بن ساردة بن تزيد بن جشم بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كعب بن غنم ابن كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: خِرَاشُ بْنُ الصّمّةِ بْنِ عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وَالْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَعُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ ابن زيد بن حَرَامٍ، وَتَمِيمٌ مَوْلَى خِرَاشِ بْنِ الصّمّةِ وَعَبْدُ الله بن عمرو بن حرام ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ، وَمُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الجموح ومعوذ بن عمرو بن الجموح ابن زيد حرام، خلّاد بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حَرَامٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَسْوَدَ، مَوْلَى لَهُمْ، وَثَابِتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ، وَثَعْلَبَةُ الّذِي يُقَالُ لَهُ: الجذع، وعمير ابن الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ. اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
نَسَبُ الْجَمُوحِ قَالَ ابْنُ هشام: كلّ مَا كَانَ هَاهُنَا الْجَمُوحُ، (فَهُوَ الْجَمُوحُ) بْنُ زيد ابن حَرَامٍ، إلّا مَا كَانَ مِنْ جَدّ الصّمّةِ (بْنِ عَمْرٍو)، فَإِنّهُ الْجَمُوحُ بْنُ حَرَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ: ابْنُ لَبْدَةَ بن ثعلبة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٧ ]
من بنى عبيد وحلفائهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، ثُمّ مِنْ بَنِي خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ: بُشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَالطّفَيْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَالطّفَيْلُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ ابن خَنْسَاءَ، وَسِنَانُ بْنُ صَيْفِيّ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَدّ بْنِ قَيْسِ ابن صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَعُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن صخر بن خنساء، وجبّار ابن صَخْرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ خَنْسَاءَ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُمَيّرَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ حُمَيّرَ، حَلِيفَانِ لَهُمْ مِنْ أَشْجَعَ، مِنْ بَنِي دُهْمَانَ. تِسْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جَبّارُ: بْنُ صَخْرِ بن أميّة بن خناس.
من بنى خُنَاسٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي خُنَاسِ بن سنان عُبَيْدِ: يَزِيدُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ بْنِ خِنَاسٍ، وَمَعْقِلُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ بْنِ خناس، وعبد الله بن النعمان ابن بَلْدَمَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بُلْذُمَةُ وَبُلْدُمَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالضّحّاكُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ، وَسَوَادُ بْنُ زُرَيْقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ؛ وَيُقَالُ: سَوَادٌ: ابْنُ رِزْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيّ ابن غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ. وَيُقَالُ: مَعْبَدُ بن قيس: ابن صيفى بن صخر ابن حرام بن رَبِيعَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ غنم. سبعة نفر.
من بنى النعمان وَمِنْ بَنِي النّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ النّعْمَانِ؛ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النّعْمَانِ: وَخُلَيْدَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ.
وَالنّعْمَانُ بن سنان، مولى لهم. أربعة نفر.
مِنْ بَنِي سَوَادٍ وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ، ثم من بنى حديدة بن عمرو ابن غَنْمِ بْنِ سَوَادِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، لَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ غَنْمٌ: أَبُو الْمُنْذِرِ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ؛ وَسُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَدِيدَةَ؛ وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ؛ وَعَنْتَرَةُ مَوْلَى سُلَيْمِ بْنِ عَمْرٍو. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْتَرَةُ، مِنْ بَنِي سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ، ثم من بنى ذكوان.
من بنى عدى بن نابى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ نابي بن عمرو بن سواد بن غنم:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٧٩ ]
عَبْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَدِيّ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيّ، وَأَبُو الْيَسَرِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ؛ وَسَهْلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَوَادٍ، وَعَمْرُو بْنِ طَلْقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أميّة ابن سِنَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ بْنِ عَائِذِ ابن عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُدَيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بْنِ ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. سِتّةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسٌ: ابْنُ عَبّادِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عمرو بن أدىّ ابن سَعْدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فِي بَنِي سَوَادٍ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ، لِأَنّهُ فِيهِمْ.
[تَسْمِيَةُ مَنْ كَسَرُوا آلِهَةَ بَنِي سَلِمَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَلّذِينَ كَسَرُوا آلِهَةَ بَنِي سَلِمَةَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وَهُمْ فِي بَنِي سَوَادِ بن غنم.
من بنى زريق قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، ثُمّ مِنْ بَنِي مُخَلّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَامِرٌ: ابْنُ الأزرق: قيس بن محصن بن خالد ابن مخلّد.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٠ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَيْسٌ: ابْنُ حِصْنٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو خَالِدٍ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُخَلّدِ وَجُبَيْرُ بْنُ إيَاسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُخَلّدٍ، وَأَبُو عُبَادَةَ، وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَلَدَةَ ابن مُخَلّدٍ وَأَخُوهُ عُقْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنُ خَلَدَةَ بن مخلّد؛ وذكوان بن عبد قيس ابن خَلَدَةَ بْنِ مُخَلّدٍ؛ وَمَسْعُودُ بْنُ خَلَدَةَ بْنِ عامر بن مخلّد. سبعة نفر.
من بنى خالد ومن بن خَالِدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ: عَبّادُ بْنُ قيس بن عامر بن خالد. رجل.
من بنى خلدة وَمِنْ بَنِي خَلَدَة بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ: أَسَعْدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ زَيْدِ ابن خَلَدَةَ، وَالْفَاكِهُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَلَدَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بُسْرُ بْنُ الْفَاكِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمُعَاذُ بْنُ مَاعِصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ، وَأَخُوهُ: عَائِذُ ابن مَاعِصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ خَمْسَةُ نَفَرٍ.
من بنى العجلان وَمِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ: رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ الْعَجْلَانِ وَأَخُوهُ خَلّادُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ العجلان، وعبيد بن زيد بن عامر ابن العجلان. ثلاثة نفر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨١ ]
من بنى بياضة
ومن بني بياضة بن عامر بن زريق. زِيَادُ بْنُ لَبِيَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ ابن عَامِرِ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ بَيَاضَةَ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذْفَةَ بْنِ عُبَيْدِ ابن عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ودفة.
قال ابن إسحاق: وخالد بن قيس بن مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، وَرُجَيْلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رُخَيْلَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَطِيّةُ بْنُ نُوَيْرَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَطِيّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، وَخُلَيْفَةُ بْنُ عَدِيّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ بْنِ بَيَاضَةَ.
سِتّةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عليفة.
من بنى حبيب
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَبِيبِ بْنِ عبد حارثة بن مالك بن غضب ابن جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ: رَافِعُ بْنُ الْمُعَلّى بْنِ لَوْذَانَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ زَيْدِ ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ حَبِيبٍ. رَجُلٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٢ ]
من بنى النجار قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي النّجّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمّ مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمٍ: أَبُو أَيّوب خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. رَجُلٌ.
من بنى عسيرة وَمِنْ بَنِي عُسَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمٍ: ثَابِتُ بْنُ خَالِدِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ عُسَيْرَةَ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال: عسير، وعشيرة.
من بنى عمرو قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمٍ: عُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرٍو، وَسُرَاقَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ غَزِيّةَ بن عمرو. رجلان.
من بنى عبيد بن ثعلبة ومن بنى عبيد بن ثعلبة بن غنم: حارثة بن الضّعمان بْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَسُلَيْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ: وَاسْمُ قَهْدٍ: خَالِدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدٍ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَارِثَةُ بن النّعمان: ابن نفع بن زيد.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٣ ]
من بنى عائذ وحلفائهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَائِذِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ- وَيُقَالُ عَابِدٌ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سُهَيْلُ بْنُ رَافِعِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ، وَعَدِيّ بْنُ الزّغْبَاءِ، حَلِيفٌ لهم من جهينة. رجلان.
من بنى زيد وَمِنْ بَنِي زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ: مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبُو خُزَيْمَةَ ابن أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ زَيْدِ، وَرَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادِ بْنِ زَيْدٍ.
ثلاثة نفر.
من بنى سواد وحلفائهم وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمٍ: عوف، ومعوّذ، ومعاذ، بنو الحارث ابن رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ، وَهُمْ بَنُو عَفْرَاءَ.
نَسَبُ عَفْرَاءَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَيُقَالُ رِفَاعَةُ: بن الحارث بن سواد.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالنّعْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادٍ، وَيُقَالُ:
نُعَيْمَانُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ مُخَلّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، وَعَبْدُ اللهِ بن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٤ ]
قَيْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ خَلّدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، وَعُصَيْمَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَشْجَعَ، وَوَدِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، وثابت بن عمرو بن زيد ابن عَدِيّ بْنِ سَوَادٍ. (و) زَعَمُوا أَنّ أَبَا الْحَمْرَاءِ، مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. عَشَرَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الحمراء، مولى الحارث بن رفاعة.
من بنى عامر بن مالك قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ- وَعَامِرٌ: مَبْذُولٌ ثُمّ مِنْ بنى عتيك بن عمرو بن مبذول: ثعلبة بن عمرو بن محصن بن عمر ابن عَتِيكٍ، وَسَهْلُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ النّعْمَانِ بْنِ عَتِيكِ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكٍ، كُسِرَ بِهِ بِالرّوْحَاءِ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بسهمه. ثلاثة نفر.
مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ- وَهُمْ بَنُو حديلة- ثم من بنى قيس ابن عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بن مالك بن النجّار.
نسب خديلة قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُدَيْلَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ اللهِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ ابن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، وَهِيَ أُمّ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، فَبَنُو مُعَاوِيَةَ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٥ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أُبَيّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسٍ، وَأَنَسُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ بْنِ قيس. رجلان.
من بنى عدى بن عمرو وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بن النجّار:
قال ابن هشام: وهم بنو مغلة بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ عَمْرِو بن مالك ابن كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَيُقَالُ: إنّهَا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَهِيَ أُمّ عَدِيّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالك بن النجّار، فبنو عدىّ ينتسبون إلَيْهَا:
أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عَدِيّ، وَأَبُو شَيْخِ أُبَيّ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو شَيْخِ أُبَيّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخُو حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ زيد بن سهل بن لأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدىّ. ثلاثة نفر.
من بنى عدى بن النجار ومن بنى عدىّ بن النجّار، ثُمّ مِنْ (بَنِي) عَدِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ النّجّارِ: حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرٍ، وَعَمْرُو بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ أَبُو حَكِيمٍ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٦ ]
وَأَبُو سَلِيطٍ؛ وَهُوَ أُسَيْرَةُ بْنُ عَمْرٍو؛ وَعَمْرُو أبو خارجة بن قيس بن مالك ابن عدىّ بن عامر؛ وَثَابِتُ بْنُ خَنْسَاءَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرٍ؛ وَعَامِرُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسْحَاسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عدىّ بن عامر؛ ومحرز ابن عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرٍ؛ وَسَوَادُ بْنُ غَزِيّةَ بْنِ أُهَيْبٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيّ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال: سوّاد.
من بنى حرام بن جندب قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيّ ابن النجّار: أَبُو زَيْدٍ، قَيْسُ بْنُ سَكَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَعُورَاءَ بْنِ حَرَامٍ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمِ بْنِ عَبْسِ بْنِ حَرَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَبُو الْأَعْوَرِ: الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسُلَيْمُ بْنُ مِلْحَانَ؛ وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ- وَاسْمُ مِلْحَانَ:
مَالِكُ بْنُ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ. أَرْبَعَةُ نفر.
من بنى مازن بن النجار وحلفائهم ومن بنى مازن بن النجّار، ثُمّ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عمرو بن غنم بن مازن بن النجار: قيس بن أبى صعصعة- واسم صَعْصَعَةَ: عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ- وَعَبْدُ الله بن كعب بن عمرو بن عوف؛ وَعُصَيْمَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خزيمة. ثلاثة نفر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٧ ]
من بنى خنساء بن مبذول وَمِنْ بَنِي خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ: أَبُو دَاوُد عُمَيْرُ ابن عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ، وَسُرَاقَةُ بْنُ عمرو بن عطيّة بن خنساء. رجلان.
من بنى ثعلبة بن مازن وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: قَيْسُ بْنُ مُخَلّدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَخْرِ ابن حبيب بن الحارث بن ثعلبة. رجل.
من بنى دينار بن النجار وَمِنْ بَنِي دِينَارِ بْنِ النّجّارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَسْعُودِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ حَارِثَةَ ابْنِ دِينَارِ بْنِ النّجّارِ: النّعْمَانُ: بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ، وَالضّحّاكُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ، وَسُلَيْمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ دِينَارٍ، وَهُوَ أَخُو الضّحّاكِ وَالنّعْمَانُ ابْنَيْ عَبْدِ عَمْرٍو، لِأُمّهِمَا، وجابر بن خالد ابن عبد الأشهل بن حَارِثَةَ، وَسَعْدُ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ. خمسة نفر.
ومن بَنِي قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ دِينَارِ بْنِ النّجّارِ:
كَعْبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ: وَبُجَيْرُ بْنُ أَبِي بُجَيْرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بُجَيْرٌ: مِنْ عَبْسِ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، ثُمّ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ.
قال ابن إسحاق: فجمع من شهد بدرا من الخزرج مائة وسبعون رجلا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٨ ]
من فَاتَ ابْنُ إسْحَاقَ ذِكْرَهُمْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الْخَزْرَجِ بِبَدْرٍ، فِي بَنِي الْعَجْلَانِ ابْنَ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الخزرج: عتيان بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَجْلَانِ؛ وَمُلَيْلُ بْنُ وَبَرَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَجْلَانِ؛ وَعِصْمَةَ ابن الْحُصَيْنِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَجْلَانِ.
وَفِي بَنِي حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، وَهُمْ فِي بَنِي زُرَيْقِ هِلَالِ بْنِ الْمُعَلّى بْنِ لَوْذَانَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ حَبِيبٍ.
عَدَدُ الْبَدْرِيّينَ جَمِيعًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ شَهِدَهَا مِنْهُمْ، ومن ضرب له بسهمه وأجره، ثلاث مائة رَجُلٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا؛ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةٌ وثمانون رجلا، من الأوس واحد وستّون رجلا، ومن الخزرج مائة وَسَبْعُونَ رَجُلًا.
[مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بدر القرشيون من بنى عبد المطلب]
وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، من قريش؛ ثُمّ مِنْ بَنِي الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٨٩ ]
قَتَلَهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قَطَعَ رِجْلَهُ، فَمَاتَ بالصّفراء. رجل.
مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ. عُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقّاصِ بْنِ أُهَيْبِ بن عبد مناف ابن زُهْرَةَ، وَهُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ؛ وَذُو الشّمَالَيْنِ ابْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ خزاعة، ثم من بنى غبشان. رجلان.
مِنْ بَنِي عَدِيّ وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: عَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بن كنانة؛ ومهجع، مولى عمر بن الخطّاب. رجلان.
من بنى الحارث بن فهر وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: صَفْوَانُ بْنُ بيضاء رجل. ستة نفر.
ومن الأنصار وَمِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عوف: سعد بن خيثمة، ومبشّر ابن عبد المنذر بن زنبر. رجلان.
من بنى الحارث بن الخزرج وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ:
ابْنُ فُسْحُمَ. رجل.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٢٩٠ ]
من بنى سلمة ومن بني سلمة؛ ثم من بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة:
عمير بن الحمام. رجل.
من بنى حبيب وَمِنْ بَنِي حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمٍ: رَافِعُ بْنُ المعلّى. رجل.
من بنى النجار ومن بَنِي النّجّارِ: حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْحَارِثِ. رجل.
من بنى غنم ومن بني غنم بن مالك بن النجار: عوف ومعوّذ، ابنا الحارث بن رفاعة ابن سَوَادٍ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ. رَجُلَانِ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
_________________
(١) تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا قَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِكَثِيرِ مِنْهُمْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِمّنْ جَرَى ذِكْرُهُ فِي السّيرَةِ وَالتّنْبِيهُ إلَى مَا تَتَشَوّفُ إلَيْهِ نَفْسُ الطّالِبِ مِنْ هَذَا الْفَنّ وَسَائِرُهُمْ قَدْ نَسَبَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَنَسَبْنَا نَحْنُ فِيمَا تَقَدّمَ طَائِفَةً لَمْ يَنْسُبْهُمْ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ، مِنْهُمْ: أَبُو الْهَيْثَمِ [مَالِكُ] بْنُ التّيْهَانِ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِهِ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ وَأَنّهُ مِنْ بَنِي إرَاشٍ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: إرَاشَةَ. وَذَكَرَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ عِيَاضِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، هَكَذَا أَلْفَيْته
[ ٥ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ وَغَيْرِهَا مِنْ النّسَخِ الصّحَاحِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَالصّوَابُ:
عِيَاضُ بْنُ زهير، وليس الوهم فيه من ابْنِ إسْحَاقَ، لِأَنّهُ قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْحَبَشَةِ، فَقَالَ فِيهِ ابْنُ زُهَيْرٍ عَلَى الصّوَابِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي ابْنِ أَخِيهِ عَمْرِو ابن الحارث بن زهير، وغنم بن زهير والدعياض بْنِ غَنْمٍ صَاحِبِ الْفُتُوحَاتِ الّذِي يَقُولُ فِيهِ ابْنَ الرّقَيّاتِ:
وَعِيَاضٌ وَمَا عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ كَانَ مِنْ خَيْرِ مَنْ تُجِنّ النّسَاءُ
وَالْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ وَالِدُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ أَيْضًا؛ فَقَالَ فِيهِ: ابْنَ زُهَيْرٍ لَا ابْنَ أَبِي زُهَيْرٍ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي الْبَدْرِيّينَ عَاصِمَ بْنَ عَدِيّ لَمْ يَشْهَدْهَا، لِأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدّهُ مِنْ الرّوْحَاءِ لِسَبَبِ ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَلَغَهُ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِ مَسْجِدِ الضّرَارِ، وَكَانَ قَدْ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى قُبَاءَ وَالْعَالِيَةِ، فَرَدّهُ لِيَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ مَعَ أَهْلِ بَدْرٍ، وَعَاصِمٌ هُوَ المذكور فى حديث اللّعان الذى يقول لَهُ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيّ وَهُوَ عُوَيْمِرُ بْنُ أَبْيَضَ، وَيُقَالُ فِيهِ: ابْنُ أَشْقَرَ: سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِﷺ «١» تُوُفّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو، وَقِيلَ: أبا عبد الله.
_________________
(١) أخرج حديثه البخارى ومسلم وبقية الجماعة إلا الترمذى وأخرجه أحمد
[ ٥ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قصة غوات: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَنْ رَدّهُ النّبِيّﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ خَوّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، رَدّهُ مِنْ الصّفْرَاءِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ- فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ أَنّ حَجَرًا أَصَابَهُ فِي رِجْلِهِ فَوَرِمَتْ عَلَيْهِ، وَاعْتَلّتْ، فَرَدّهُ النّبِيّﷺ- لِذَلِكَ، وَهُوَ صَاحِبُ خَوْلَةَ ذَاتِ النّحْيَيْنِ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَيُرْوَى أَنّ النّبِيّﷺ- سَأَلَهُ عَنْهَا وَتَبَسّمَ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَزَقَ اللهُ خَيْرًا، وَأَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ «١»، وَيُرْوَى أَنّهُ قَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ بَعِيرُك الشّارِدُ؟ فَقَالَ: قَيّدَهُ الْإِسْلَامُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: بَعِيرُك الشّارِدُ: أَنّهُ مَرّ فِي الْجَاهِلِيّةِ بِنِسْوَةِ أَعْجَبَهُ حُسْنُهُنّ، فَسَأَلَهُنّ أَنْ يَفْتِلْنَ لَهُ قَيْدًا لِبَعِيرِ لَهُ، زَعَمَ أَنّهُ شَارِدٌ، وَجَلَسَ إلَيْهِنّ بِهَذِهِ الْعِلّةِ، فَمَرّ بِهِ النّبِيّﷺ- وَهُوَ يَتَحَدّثُ إلَيْهِنّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَعَنْهُنّ، فَلَمّا أَسْلَمَ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْبَعِيرِ الشّارِدِ، وَهُوَ يَتَبَسّمُ لَهُ، فَقَالَ خَوّاتٌ: قَيّدَهُ الْإِسْلَامُ يَا رَسُولَ الله «٢»، قَالَ الْوَاقِدِيّ: يُكَنّى أَبَا صَالِحٍ، وَرَوَى النّمَرِيّ
_________________
(١) أى من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا منهم، وأصله من نقض العمامة بعد لفها.
(٢) رواه البغوى والطبرانى من طريق جرير بن حازم عن زيد بن أسلم وفيه يقول خوات: نزلت مع النبى «ص» بمر الظهران، قال: فخرجت من خباى، فاذا لسوة يتحدثن، فأعجبننى، فرجعت، فأخذت حلتى، فلبستها، وجلست-
[ ٥ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي حَدِيثٍ مُسْنَدٍ إلَى خَوّاتٍ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، كَنّاهُ: أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ مَعَهُ فِي رَكْبٍ، فَقَالَ لَهُ الرّكْبُ غَنّنَا مِنْ شِعْرِ ضِرَارٍ، فَقَالَ عُمَرُ:
دَعُوا أَبَا عَبْدِ اللهِ يُغَنّينَا بُنَيّاتِ «١» فُؤَادِهِ قَالَ: فَأَنْشَدَهُمْ حَتّى السّحَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: ارْفَعْ لِسَانَك يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ فَقَدْ أَسْحَرْنَا.
نَسَبُ النّعْمَانِ بْنِ عَصَرٍ: وَذَكَرَ النّعْمَانَ بْنَ عَصَرٍ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ، وَهُوَ ابْنُ عَصَرِ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَدِيمٍ الْبَلَوِيّ، وَقِيلَ عَصَرُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ وَائِلَةَ بْنِ حَارِثَةَ البلوىّ، قتل باليمامة.
_________________
(١) - إليهن، وخرج رسول الله «ص» من قبته، فلما رأيته هبته، فقلت: يا رسول الله: جمل لى شرد، فأنا أبتغى له قيدا.. وقوله هنا: يا رسول الله يفيد أنه كان فى الإسلام لا فى الجاهلية. والنحى: زق للسمن. وقد ضرب المثل بقصة خوات مع خوله، فقيل: أشغل من ذات النحيين، وفى المثل ما يستحى من ذكره هنا فانظره فى كتب الأمثال. فى الأمثال للميدانى أنه قيل له: يا خوات كيف شرازك، أو كيف شراؤك، وفى رواية حمزة: ما فعل بعيرك؟ أيشرد عليك؟ فقال: أما منذ أسلمت- أو منذ قيده الإسلام- فلا.
(٢) فى الإصابة: بنات. وحديثه هذا ذكره السراج فى تاريخه فهو شىء لا يعتد به. وقصقص ابن أبى خيثمة قصة ذات النحيين عن ابن سيرين بأسلوب غيرناه: كانت امرأة تبيع سمنا فى الجاهلية، فدخل رجل، فوجدها خالية، فراودها فأبت فخرج، فتنكر ورجع، فقال: هل عندك من سمن طيب؟ قالت: نعم، فحلت زقا فذاقه، فقال: أريد أطيب منه، فأمسكيه، وحلت آخر، فقال: أمسكيه، فقد أنفلت بعيرى قالت: اصبر حتى أوثق الأول، قال: لا، وإلا تركته من يدى يراق، فانى أخاف ألا أجد بعيرى، فأمسكته بيدها الآخرى، فانقض عليها، فلما قضى حاجته، قالت له: لا يهناك.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَصْوِيبُ أَنْسَابٍ: وَذَكَرَ فِي نَسَبِ زَيْدِ بْنِ وَدِيعَةَ جَزْءَ بْنَ عَدِيّ. وَذَكَرَ أَبُو بَحْرٍ أَنّهُ قَيّدَهُ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ جَزْءَ بِسُكُونِ الزّايِ، وَأَنّهُ لَمْ يَجِدْهُ عَنْ غَيْرِهِ إلّا بكسر الزاى. وذكر رافع بن عُنْجُدَةَ، وَقَالَ: هِيَ أُمّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ الْحَارِثِ، وَالْعُنْجُدَةُ حَبّ الزّبِيبِ، وَيُقَالُ: هُوَ الزّبِيبُ، وَأَمّا عَجْمُ الزّبِيبِ، فَهُوَ الْفِرْصِدُ [أَوْ الْفِرْصِيدُ أَوْ الْفِرْصَادُ] قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ كَعْبَ بْنَ جَمّازٍ بِالْجِيمِ وَالزّايِ، كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، لَا كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، فَإِنّ أَهْلَ النّسَبِ عَلَى مَا قَالَ ابن هشام، غير أن الدّار قطنى قَيّدَ فِيهِ رِوَايَةً ثَالِثَةً: ابْنَ حِمّانَ بِنُونِ وحاء مكسورة. وذكر فيهم أبا خميضة، وَاسْمُهُ: مَعْبَدُ بْنُ عَبّادٍ: قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَذَا قَيّدَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ فِيهِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ يَقُولُ فِيهِ: أَبُو خُمَيْصَةَ بِخَاءِ مَنْقُوطَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ. وَذَكَرَ فِي الْبَلَوِيّينَ أَبَا عُقَيْلٍ، وَلَمْ يُسَمّهِ وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيّةِ عَبْدَ الْعُزّى، فَسَمّاهُ النّبِيّ ﷺ عَبْدَ الرحمن عدوّ الأوثان ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ. صَاحِبُ الصّاعِ: وَأَمّا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ الصّاعِ الّذِي لمزه المنافقون، فاسمه حثحات،
[ ٥ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهِ أُنْزِلَتْ: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ أَنّهُ جَاءَ بِصَاعِ مِنْ تَمْرٍ فَوَضَعَهُ فِي الْعَرَقَةِ حِينَ حَثّ النّبِيّﷺ- عَلَى النّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَضَحِكَ مِنْهُ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: إنّ اللهَ لَغَنِيّ عَنْ صَاعِ أَبِي عقيل «١» .
قربوسه أو قربوس: وَقَعَ فِي أَنْسَابِ الْبَدْرِيّينَ ابْنُ قِرْيُوشٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالشّينِ الْمَنْقُوطَةِ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قِرْيُوسٌ بِالسّينِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَا قَيّدَهُ أَبُو الْوَلِيدِ، وَفِي أَكْثَرِ الرّوَايَاتِ قَرْبُوسٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ الْمَضْمُومَةِ الْمَنْقُوطَةِ بِوَاحِدَةِ، فَقِرْيُوشٌ:
فِعْيُولٌ مِنْ التّقَرّشِ، وَهُوَ التّكَسّبُ، وَبِالسّينِ فِعْيُولٌ مِنْ الْقَرْسِ، وَهُوَ الْبَرْدُ، وَقِرْيُوشٌ بِالشّيْنِ الْمَنْقُوطَةِ أَصَحّ فِيهِ لِأَنّهُ مِنْ التّقَرّشِ وَهُوَ التّكَسّبُ، كَمَا سُمّيَتْ قُرَيْشٌ بِهِ، قَالَهُ قُطْرُبٌ. وَمِمّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِعُذْرِ، وَهُوَ مِنْ النّقَبَاءِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيّدُ الْخَزْرَجِ لِأَنّهُ نَهَشَتْهُ حَيّةٌ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْخُرُوجَ، هَذَا قَوْلُ الْقُتَبِيّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَلَا ابْنُ عُقْبَةَ، وَقَدْ ذَكَرَتْهُ طَائِفَةٌ فِيهِمْ: ابْنُ الْكَلْبِيّ وَجَمَاعَةٌ.
وَذَكَرَ أَبَا الضّيَاحِ وَاسْمُهُ النّعْمَانُ، وَقِيلَ عُمَيْرُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النّعمان، قتل يوم خيبر.
جدارة أو غدارة: وَذَكَرَ فِي بَنِي النّجّارِ مَنْ يَنْسُبُ إلَى جدارة بن الحارث، وجدارة أخو
_________________
(١) حديثه فى البخارى ومسلم.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خُدْرَةَ رَهْطُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وَغَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ يَقُولُ فِي جَدَارَةَ خَدَارَةَ بِالْخَاءِ الْمَضْمُومَةِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ «١»، وَكَذَلِكَ قَيّدَهُ النّمَرِيّ، فَهُمَا خُدْرَةُ وَخُدَارَةُ ابْنَا الْحَارِثِ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ، وَقَيّدَهُ الشّيْخُ أَبُو بَحْرٍ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
رُجَيْلَةُ أَوْ رُخَيْلَةُ: وَذَكَرَ رُجَيْلَةَ بْنَ ثَعْلَبَةَ، وَقُيّدَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ رُخَيْلَةُ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
تَصْوِيبُ نَسَبٍ وَذَكَرَ فِيهِمْ أَبَا شَيْخِ بْنَ ثَابِتٍ، وَاسْمُهُ: أُبَيّ وَهُوَ أَخُو حَسّانٍ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ ابْنُ أُبَيّ بْنِ ثَابِتٍ وَحَسّانٌ عَمّهُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ غَلَطٌ أَصْلَحْته، وَكَانَ قَبْلَ الْإِصْلَاحِ أَبُو شَيْخِ أُبَيّ بن ثابت بن المنذر.
هول الّذِينَ اُسْتُشْهِدُوا فِي بَدْرٍ: فَصْلٌ وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ: عُمَيْرَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنّ النّبِيّ ﷺ، كَانَ قَدْ رَدّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِأَنّهُ اسْتَصْغَرَهُ، فَبَكَى عُمَيْرٌ، فَلَمّا رَأَى النّبِيّ ﷺ بُكَاءَهُ أَذِنَ لَهُ فى الخروج معه، فقتل وهو ابن ستّ عشرة سنة، قتله العاصى بن سعيد.
_________________
(١) فى الاشنقاق ص ٤٥٥.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَارِثَةَ بْنَ سُرَاقَةَ، فِيمَنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ أَوّلُ قَتِيلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، رَمَاهُ حِبّانُ بْنُ الْعَرَقَةِ بِسَهْمِ فَأَصَابَ حَنْجَرَتَهُ، فَمَاتَ، وَجَاءَتْ أُمّهُ وَهِيَ الرّبِيعُ بِنْتُ النّضْرِ عَمّةُ أَنَسٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْت مَوْضِعَ حَارِثَةَ مِنّي فَإِنْ يَكُنْ فِي الْجَنّةِ أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَسَتَرَى مَا أصنع، فقال: أوجنّة وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إنّمَا هِيَ جَنّاتٌ وَإِنّ ابْنَك مِنْهَا لَفِي الْفِرْدَوْس «١» .
وَذَكَرَ فِيهِمْ عُمَيْرَ بْنَ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ، وَقَدْ قَدّمْنَا ذِكْرَهُ، وَقَتَلَهُ خالد ابن الأعلم.
ذو الشمالين وذاليدين: وذكر ذا الشّمالين الخزاعىّ الغبشانى حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَهُوَ الّذِي ذَكَرَهُ الزّهْرِيّ فِي حَدِيثِ التّسْلِيمِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَقَامَ ذُو الشّمَالَيْنِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَقَالَ: أَقُصِرَتْ الصّلَاةُ، أَمْ نَسِيت يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أصدق ذو اليدين؟ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ هَكَذَا بِهَذَا اللّفْظِ، إلّا ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، وَهُوَ غَلَطٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَإِنّمَا هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ السّلَمِيّ، وَاسْمُهُ: خِرْبَاقُ «٢» وَذُو الشّمَالَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَحَدِيثُ التسليم من
_________________
(١) روى حديثه حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس أحمد والطبرانى، والتى هنا رواية ثابت.
(٢) فى تهذيب الأسماء واللغات للنووى: الخرباق. ويقول أبو ذر الخشنى: ذو الشمالين رجل من خزاعة من بنى زهرة، وذو اليدين رجل من بنى سليم.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَكْعَتَيْنِ، شَهِدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ إسْلَامُهُ بَعْدَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ «١»، وَمَاتَ ذُو الْيَدَيْنِ السّلَمِيّ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَرَوَى عَنْهُ حَدِيثَهُ فِي التّسْلِيمِ ابْنُهُ مَطِيرُ بْنُ الْخِرْبَاقِ، يَرْوِيهِ عَنْ مَطِيرٍ ابنه شعيث بن مطير.
خطأ المبرد وَلَمّا رَأَى الْمُبَرّدُ حَدِيثَ الزّهْرِيّ: فَقَامَ ذُو الشّمَالَيْنِ، وَفِي آخِرِهِ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالَ: هُوَ ذُو الشّمَالَيْنِ وَذُو الْيَدَيْنِ، كَانَ يُسَمّى بِهِمَا جَمِيعًا، وَجَهِلَ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسّيَرِ فِي ذِي الشّمَالَيْنِ، وَلَمْ يَعْرِفْ رِوَايَةً إلّا الرّوَايَةَ الّتِي
_________________
(١) يقول النووى: «وقد اجتمعوا على أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة بعد بدر بخمس سنين، وقال: وقال ابن عبد البر: واتفقوا على أن الزهرى غلط فى هذه القصة. قال العلماء: وإنما قيل له ذو اليدين لأنه كان فى يديه طول. هذا وحديث التسليم من ركعتين فى صحيحى البخارى ومسلم. والحديث عن أبى هريرة «صلى بنا رسول الله إحدى صلاتى العشى، فصلى ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة فى المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمن على اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفى القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفى القوم رجل يقال له: ذو اليدين فقال: يا رسول الله: ألسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم، فصلى ما ترك ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه، ثم سلم» متفق عليه. وفى رواية: بينما أنا أصلى مع النبى «ص» صلاة الظهر سلم من ركعتين. أحمد ومسلم. وفى رواية للبخارى ومسلم أن ذا اليدين قال: بلى قد نسيت والسرعان بضم السين وسكون الراء أو فتحها: أول الناس خروجا. والعشى: ما بين الزال والغروب. وعند البخارى فى رواية: صلى بنا الظهر أو العصر. وفى مسلم: العصر من غير شك. وفى رواية له: الظهر كذلك، وفى رواية له: إحدى صلاتى العشى إما الظهر وإما العصر. قال لحافظ فى الفتح: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة.
[ ٥ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيهَا الْغَلَطُ، قَالَ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْكَامِلِ فِي بَابِ الْأَذْوَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَمِنْ الْبَدْرِيّينَ عُلَيْفَةُ بْنُ عَدِيّ الْبَيَاضِيّ أَيْضًا، هَكَذَا اسْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ السّيَرِ، وَسَمّاهُ ابْنُ إسْحَاقَ فَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ عَدِيّ بِالْخَاءِ. وَمِمّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ الْبَكّائِيّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ عَنْ سَعْدٍ عَنْهُ: عِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ وَهُوَ مِمّنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَدْرِيّينَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيّاطٍ وَجَمَاعَةٌ. وَمِمّنْ ذُكِرَ فِي الْبَدْرِيّينَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ يَزِيدُ بْنُ الْأَخْنَسِ السّلَمِيّ، وَابْنُهُ مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ وَأَبُوهُ الْأَخْنَسُ، وَلَا يُعْرَفُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا ثَلَاثَةٌ أَبٌ وَابْنٌ وَجَدّ إلّا هَؤُلَاءِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسّيَرِ لَا يُصَحّحُ شُهُودَهُمْ بَدْرًا لَكِنْ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرّضْوَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَخْنَسِ هَذَا هُوَ ابْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ جَنَابِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ جُرّةَ بضم الجيم بن زُغْبٍ مِنْ بَنِي بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ. قَالَ ابن ما كولا «١»: لَا يُعْرَفُ جُرّةُ بِضَمّ الْجِيمِ إلّا هَذَا، وَلَا جِرّةَ بِكَسْرِ الْجِيمِ إلّا السّوْمُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ جِرّةَ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ أُمّ الشّدّاخِ وَاسْمُهُ يَعْمُرُ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذكره فى حديث فصىّ وَلِمَ سُمّيَ الشّدّاخُ. وَمِمّنْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْبَدْرِيّينَ خُدَيْمُ بْنُ فَاتِكِ [بْنِ الْأَخْرَمِ] وَأَخُوهُ سَبْرَةُ الْأَسَدِيّانِ «٢» . وَمِمّنْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْبَدْرِيّينَ من بنى سلمة
_________________
(١) هو على بن عبد الله بن على بن جعفر ولد سنة ٤٢١ وتوفى سنة ٤٨٦.
(٢) تقال بفتح الهمزة وسكون السين، نسبة إلى الأزد وهى تقال بالسين أيضا، وقيل بفتح السين نسبة إلى بنى أسد بن خزيمة. وقد روى الطبرانى أن خزيما وسبرة شهدا بدرا، واستنكر الواقدى ذلك وقال إنما أسلم خزيمة وأخوه بعد الفتح وهو خريم بن فاتك بن الأخرم ويقال: خريم بن الأخرم بن شداد-
[ ٥ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حِزَامٍ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يَصِحّ شُهُودُهُ بَدْرًا، وَذَكَرَ اخْتِلَافَ النّاسِ فِي ذَلِكَ، وَفِي السّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ أَنّ جَابِرًا قَالَ: كُنْت أَمِيحُ أَصْحَابِي الْمَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَيْ: كَانَ صَغِيرًا فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنّ هَذِهِ الرّوَايَةَ تَصْحِيفٌ، وَأَنّ الصّحِيحَ كُنْت مَنِيحَ أَصْحَابِي يَوْمَ بَدْرٍ، وَالْمَنِيحُ «١»: السّهْمُ، يُرِيدُ أَنّهُمْ كَانُوا يُرْسِلُونَهُ فِي حَوَائِجِهِمْ لِصِغَرِ سِنّهِ.
وَمِمّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ: طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ «٢» مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيّ، وَأُمّهُ أَرْوَى عَمّةُ رسول اللهﷺ.
_________________
(١) - ابن عمرو بن الفاتك الأسدى. وهو فى ترجمة أخيه سيرة يسميه خزيمة وذكر مرة خطأ: خزيمة.
(٢) فى القاموس: منيح: قدح بلا نصيب، وقدح يستعار تيمنا بفوزه، أو قدح له سهم.
(٣) من المهاجرين الأولين، قتل بأجنادين شهيدا وليس له عقب، وله تقول أمه: إن طلبنا نصر ابن خاله آساه فى ذى دمه وماله ص ١٩ نسب قريش.
[ ٥ / ٣٠١ ]
[من قتل ببدر من المشركين]
من بنى عبد شمس وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بن أميّة بن عبد شمس، وقتله زيد ابن حَارِثَةَ؛ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَيُقَالُ اشْتَرَكَ فِيهِ حَمْزَةُ وَعَلِيّ وَزَيْدٌ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ، وَعَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ حَلِيفَانِ لَهُمْ قَتَلَ عَامِرًا: عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ؛ وَقَتَلَ الْحَارِثَ: النّعْمَانُ بْنُ عَصْرٍ، حَلِيفٌ لِلْأَوْسِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. وَعُمَيْرُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، وَابْنُهُ: مَوْلَيَانِ لَهُمْ. قَتَلَ عُمَيْرَ بْنَ أَبِي عُمَيْرٍ: سَالِمٌ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ؛ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُبَيْدَةُ بْنُ سَعِيدِ (بْنِ) الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، وَالْعَاصِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، أَخُو بَنِي عمرو بن عوف، صبرا.
قال ابن هشام: ويقال: قتله علي بن أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُتْبَةُ بْنُ ربيعة بن عبد شمس، قتله عبيدة ابن الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٢ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اشْتَرَكَ فِيهِ هُوَ وَحَمْزَةُ وَعَلِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؛ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي أَنْمَارِ بْنِ بَغِيضٍ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
اثْنَا عشر رجلا.
مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، قَتَلَهُ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- خَبِيبُ بْنُ إسَافٍ، أَخُو بنى الحارث بن الخزرج؛ وطعيمة بن ابن عَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ وَيُقَالُ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ.
رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بن المطّلب ابن أَسَدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَهُ ثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ، أَخُو بَنِي حَرَامٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
وَيُقَالُ: اشْتَرَكَ فِيهِ حَمْزَةُ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَثَابِتٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ، قَتَلَهُ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَعُقَيْلُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ وَعَلِيّ، اشْتَرَكَا فِيهِ- فِيمَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٣ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ، وَهُوَ الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، قَتَلَهُ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الْبَخْتَرِيّ: الْعَاصِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْعَدَوِيّةِ، عَدِيّ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الّذِي قَرَنَ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيق، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ حِينَ أَسْلَمَا فِي حَبْلٍ، فَكَانَا يُسَمّيَانِ: الْقَرِينَيْنِ لِذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ- قَتَلَهُ عَلِيّ بن أبى طالب. خمسة نفر.
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَبْرًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالصّفْرَاءِ، فِيمَا يَذْكُرُونَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِالْأُثَيْلِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ:
ابْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَيْدُ بْنُ مُلَيْصٍ، مَوْلَى عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابن عَبْدِ الدّارِ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَ زَيْدَ بْنَ مُلَيْصٍ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَزَيْدٌ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ، مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ:
قَتَلَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٤ ]
من بنى تيم بن مرة قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: عُمَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، قَتَلَهُ صُهَيْبُ بن سنان. رجلان.
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَام- وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ- ضَرَبَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَضَرَبَ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ يَدَ مُعَاذٍ فَطَرَحَهَا، ثُمّ ضربه معوّذ ابن عَفْرَاءَ حَتّى أَثْبَتَهُ، ثُمّ تَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ: ثُمّ ذَفّفَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ واحتز رأسه، حين أمر رسول الله ﷺ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى- وَالْعَاصِ بْنُ هشام بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، قَتَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ ثُمّ أَحَدُ بنى عمرو بن تيم، وكان شجاعا، قتله عمّار ابن يَاسِرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو مُسَافِعٍ الْأَشْعَرِيّ، حَلِيفٌ لَهُمْ، قَتَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ السّاعِدِيّ- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَحَرْمَلَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفٌ لهم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
قَتَلَهُ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بن أبى زهير، أخو بلحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، وَيُقَالُ:
بَلْ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَحَرْمَلَةُ، مِنْ الْأَسَدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَسْعُودُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرِفَاعَةُ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ، أَخُو بلحارث بْنِ الْخَزْرَجِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَالْمُنْذِرُ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدٍ، قَتَلَهُ مَعْنُ بْنُ عَدِيّ بْنِ الْجَدّ بْنِ الْعَجْلَانِ حَلِيفُ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْن عَوْفٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدٍ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالسّائِبُ بْنَ أَبِي السّائِبِ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السّائِبُ بْنُ أَبِي السّائِبِ شَرِيكَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: نِعْمَ الشّرِيكُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٦ ]
السّائِبُ لَا يُشَارَى وَلَا يُمَارَى، وَكَانَ أَسْلَمَ فحسن إسلامه- فيما بلغنا- والله أعلم.
وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ السّائِبَ بْنَ أَبِي السّائِبِ بْنِ عَابِدِ بْنِ عبد اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ مِمّنْ بَايَعَ رسول الله ﷺ من قُرَيْشٍ، وَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْجِعْرَانَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ: أَنّ الّذِي قَتَلَهُ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَسْوَدُ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ الله بن عمر بن مَخْزُومٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَحَاجِبُ بن السّائب بن عويمر ابن عَمْرِو بْنِ عَائِذُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَائِذٌ:
ابْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَيُقَالُ: حَاجِزُ بْنُ السّائِبِ- وَاَلّذِي قَتَلَ حَاجِبَ بْنَ السّائِبِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُوَيْمِرُ بْنُ السّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، قَتَلَهُ النّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ الْقَوْقَلِيّ مُبَارَزَةً، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ، وَجَابِرُ بن سفيان، حليفان لهم من طيىء، قتل عمرا يزيد بن رقيش، وقتل جابر أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نَيّارٍ، (فِيمَا) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بن لؤي: منبّه بن الحجّاج
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٧ ]
ابن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بنى سلمة، وَابْنُهُ الْعَاصِ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هشام: ونبيه ابن الْحَجّاجِ بْنِ عَامِرٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ اشْتَرَكَا فِيهِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الْعَاصِ بْنُ قيس بن عدي بن سعد بن سهم.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: النّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ الْقَوْقَلِيّ، وَيُقَالُ: أَبُو دُجَانَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَاصِمُ بْنُ عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بْنِ سَهْمٍ، قَتَلَهُ أَبُو الْيَسَرِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي جُمَحٍ وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لؤي: أميّة بن خلف ابن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي مَازِنٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بَلْ قَتَلَهُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ وخارجة بن زيد وخبيب ابن إسَافٍ، اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَابْنُهُ عَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، قَتَلَهُ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ؛ وَأَوْسُ بْنُ مِعْيَرِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ جُمَحَ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، اشْتَرَكَا فِيهِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٨ ]
مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: مُعَاوِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ عبد القيس، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْبَدُ بْنُ وَهْبٍ، حَلِيفٌ لهم من بنى كلب بن عوف ابن كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثٍ، قَتَلَ مَعْبَدًا خَالِدٌ وَإِيَاسُ ابْنَا الْبُكَيْرِ، وَيُقَالُ:
أَبُو دُجَانَةَ، فيما قال ابن هشام. رجلان.
[عددهم]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَجَمِيعُ مَنْ أُحْصِيَ لَنَا مِنْ قَتْلَى قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ: خَمْسُونَ رَجُلًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: أَنّ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، وَالْأَسْرَى كَذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ. وَفِي كِتَابِ اللهِ ﵎: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها بقوله لِأَصْحَابِ أُحُدٍ- وَكَانَ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا- يَقُولُ: قَدْ أَصَبْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، سَبْعِينَ قَتِيلًا وَسَبْعِينَ أَسِيرًا. وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
فَأَقَامَ بِالْعَطَنِ الْمُعَطّنِ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، عُتْبَةُ مِنْهُمْ وَالْأَسْوَدُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي قَتْلَى بَدْرٍ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي حَدِيثِ يَوْمِ أُحُدٍ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ الله تعالى فى موضعها.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٠٩ ]
[من فَاتَ ابْنُ إسْحَاقَ ذِكْرَهُمْ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمّنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ السّبعين القتلى:
من بنى عبد شمس من بني عبد شمس بن عبد مناف: وهب بن الحارث، من بنى أمار بْنِ بَغِيضٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَعَامِرُ بْنُ زَيْدٍ، حليف لهم من اليمن رجلان.
مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: عُقْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ من اليمن، وعمير مولى لهم رجلان.
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: نُبَيْهُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مُلَيْصٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ سَلِيطٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قيس. رجلان.
مِنْ بَنِي تَيْمٍ وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: مَالِكَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ أُسِرَ فَمَاتَ فِي الْأُسَارَى، فَعُدّ فِي القتلى، ويقال: وعمرو ابن عبد الله بن جدعان. رجلان.
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: حُذَيْفَةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قتله سعد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٠ ]
ابن أَبِي وَقّاصٍ، وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ المغيرة، قتله صهيب بن سنان، وزهير ابن أَبِي رِفَاعَةَ، قَتَلَهُ أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالسّائِبُ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ قَتَلَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَائِذُ بْنُ السّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، أُسِرَ ثُمّ اُفْتُدِيَ فَمَاتَ فِي الطّرِيقِ مِنْ جِرَاحَةٍ جَرَحَهُ إيّاهَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المطّلب، وعمير حليف لهم من طيّىء، وَخِيَارٌ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ الْقَارّةِ سَبْعَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي جُمَحٍ وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرٍو: سَبْرَةُ بْنُ مَالِكٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. رَجُلٌ.
مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: الْحَارِثُ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، قَتَلَهُ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ، أَخُو عَاصِمِ بْنِ ضُبَيْرَةَ، قَتَلَهُ عَبْدُ الله ابن سلمة العجلانى، ويقال: أبو دجانة. رجلان.
[ذكر أسرى قريش يوم بدر]
من بنى هاشم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأُسِرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قريش يوم بدر، من بنى هاشم ابن عَبْدِ مَنَافٍ: عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ؛ وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بن عبد المطّلب بن هاشم.
من بنى المطلب ومن بنى المطّلب بن عبد مناف: السّائب بن عبيد بن يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١١ ]
الْمُطّلِبِ؛ وَنُعْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ المطّلب. رجلان.
من بنى عبد شمس وحلفائهم ومن بني عبد شمس بن عبد مناف: عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ؛ وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي وَجْزَةَ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي وَحْرَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن (عَبْدِ) شَمْسٍ؛ وَأَبُو الْعَاصِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ أَبُو رِيشَةَ بْنُ أَبِي عَمْرٍو؛ وَعَمْرُو بْنُ الْأَزْرَقِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عبد الحارث بن الحضرمى. سبعة نفر.
من بنى نوفل وحلفائهم ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عَدِيّ بْنُ الْخِيَارِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ؛ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسِ ابْنِ أَخِي غَزْوَانَ بن جابر، حليف لهم من بنى مزن بْنِ مَنْصُورٍ؛ وَأَبُو ثَوْرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. ثَلَاثَةُ نفر.
من بنى عبد الدار وحلفائهم وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: أَبُو عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مناف ابن عَبْدِ الدّارِ؛ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. ويقولون: نحن بنو الأسود ابن عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ السّبّاقِ. رجلان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٢ ]
من بنى أسد وحلفائهم وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ. السّائِبُ بْنُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ؛ وَالْحُوَيْرِث بْنُ عَبّادِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَسَدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْحَارِثُ بن عائذ بن عثمان بن أسد.
قال ابن إسحاق: وسالم بن شمّاس، حليف لهم. ثلاثة نفر.
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَة بْنِ مُرّةَ: خَالِدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ المغيرة بن عبد الله ابن عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَأُمَيّةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَصَيْفِيّ ابن أَبِي رِفَاعَةَ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَأَبُو الْمُنْذِرِ بْنِ أبى رفاعة بن عبد الله بن عمير بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَأَبُو عَطَاءٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبى السّائب ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَالْمُطّلِبُ بن حنطب بن الحارث بن عبيد ابن عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَهُوَ كَانَ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- أَوّلُ مَنْ وَلّى فَارّا مُنْهَزِمًا، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ:
وَلَسْنَا عَلَى الْأَدْبَارِ تَدْمَى كُلُومُنَا وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدّمُ
تِسْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: «لَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ» .
وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ، من خزاعة، ويقال: عقيلىّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٣ ]
من بنى سهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ:
أَبُو وَدَاعَةَ بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سَهْم، كَانَ أَوّلَ أَسِيرٍ أَفْتُدِيَ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ افْتَدَاهُ ابْنُهُ الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ؛ وَفَرْوَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ حُذَافَةَ بن سعد بن سهم، وحنظلة بْنُ قَبِيصَةَ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَالْحَجّاجُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سعد بن سهم. أربعة نفر.
مِنْ بَنِي جُمَحٍ وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عمرو بن هصيص بن كعب: عبد الله بْنُ أُبَيّ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ؛ وَأَبُو عَزّةَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ وُهَيْب بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَالْفَاكِهُ، مَوْلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، ادّعَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ رَبَاحُ بْنُ الْمُغْتَرِفِ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنّهُ مِنْ بَنِي شَمّاخِ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ- وَيُقَال:
إنّ الْفَاكِهَ: ابْنَ جَرْوَل بْنِ حِذْيَمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَضْب بْنِ شمّاخ بن محارب ابن فِهْرٍ- وَوَهْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح، وَرَبِيعَةُ بْنُ دَرّاجِ بْنِ الْعَنْبَس بْنِ أُهْبَان بن وهب بن حذافة بن جمح. خمسة نفر.
مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لؤي: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ بن نصر ابن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ، أَسَرَهُ مَالِكُ بن الدخشم، أخو بني سالم بن عوف؛ وَعَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شمس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٤ ]
مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مَشْنُوءِ بْنِ وَقْدَان بْنِ قَيْسِ بْنِ عبد شمس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عامر. ثلاثة نفر.
مِنْ بَنِي الْحَارِثِ وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: الطّفَيْلُ بْنُ أَبِي قُنَيْع، وَعَتَبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَحْدَم. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ حُفِظَ لَنَا مِنْ الْأُسَارَى ثَلَاثَةٌ وأربعون رجلا.
مافات ابْنُ إسْحَاقَ ذِكْرَهُمْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَدَدِ رَجُلٌ لَمْ نَذْكُرْ اسْمَهُ.
وممن لم يذكر ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ الْأُسَارَى:
مِنْ بَنِي هَاشِمِ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَة، حليف لهم من بنى فهر. رجل.
من بنى المطلب وَمِنْ بَنِي الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عَقِيلُ بن عمرو، حليف لهم، وأخوه تميم ابن عمرو، وابنه. ثلاثة نفر.
من بنى عبد شمس ومن بني عبد شمس بن عبد مناف: خَالِدُ بْنُ أُسَيْد بْنِ أَبِي الْعِيصِ، وَأَبُو الْعَرِيضِ يَسَارٌ، مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ. رَجُلَانِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٥ ]
مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عبد مناف: نبهان، مولى لهم. رجل.
مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: عَبْدِ اللهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الحارث. رجل.
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدار بن قصىّ: عقيل، حليف لهم من اليمن. رجل.
مِنْ بَنِي تَيْمٍ وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: مُسَافِعُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وجابر بن الزبير، حليف لهم. رجلان.
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يقظة: قيس بن السّائب. رجل.
مِنْ بَنِي جُمَحٍ وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرٍو: عَمْرُو بْنُ أُبَيّ بْنِ خَلَفٍ، وَأَبُو رُهْم بْنِ عَبْدِ اللهِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَحَلِيفٌ لَهُمْ ذَهَبَ عَنّي اسْمُهُ، وَمَوْلَيَانِ لِأُمَيّةِ بْنِ خلف، أحدهما لسطاس، وَأَبُو رَافِعٍ، غُلَامُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ. سِتّةُ نفر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٦ ]
مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عمرو: أسلم، مولى نبيه الحجّاج رجل.
مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: حَبِيبُ بْنُ جَابِرٍ، وَالسّائِبُ بْنُ مَالِكٍ. رجلان.
مِنْ بَنِي الْحَارِثِ وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: شَافِعُ وَشَفِيعٌ، حَلِيفَانِ لَهُمْ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ.
رَجُلَانِ.
[مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ بَدْر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ بَدْر، وَتَرَادّ بَهْ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ لِمَا كَانَ فِيهِ، قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ يَرْحَمُهُ اللهُ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها ونقيضتها:
أَلَمْ تَرَ أَمْرًا كَانَ مِنْ عَجْبِ الدّهْر وَلِلْحَيْنِ أَسِبَابٌ مُبَيّنَةُ الْأَمْرِ
وَمَا ذَاكَ إلّا أنّ قوما أفادهم فخانوا تَوَاصٍ بِالْعُقُوقِ وَبِالْكُفْرِ
عَشِيّةَ رَاحُوا نَحْوَ بَدْرٍ بِجَمْعِهِمْ فَكَانُوا رُهُونًا لِلرّكِيّةِ مِنْ بَدْرِ
وَكُنّا طَلَبْنَا الْعِيرَ لَمْ نَبْغِ غَيْرَهَا فَسَارُوا إلَيْنَا فَالْتَقَيْنَا عَلَى قَدْرِ
فَلَمّا الْتَقَيْنَا لَمْ تَكُنْ مَثْنَوِيّةٌ لَنَا غَيْرَ طَعْنٍ بِالْمُثَقّفَةِ السّمْرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٧ ]
وَضَرْبٍ بِبِيضٍ يَخْتَلِي الْهَامَ حَدّهَا مُشْهِرَةُ الْأَلْوَانِ بَيّنَةُ الْأُثُرِ
وَنَحْنُ تَرَكْنَا عُتْبَة الْغَيّ ثَاوِيًا وشيبة فى القتلى تجرجم فى الحفر
وَعَمْرٌو ثَوَى فِيمَنْ ثَوَى مِنْ حُمَاتِهِمْ فَشُقّتْ جُيُوبُ النّائِحَاتِ عَلَى عَمْرِو
جُيُوبُ نِسَاءٍ مِنْ لؤىّ بن غالب كرام تفرّ عن الذّوَائِبَ مِنْ فِهْرِ
أُولَئِكَ قَوْمٌ قُتّلُوا فِي ضلالهم وخلّوا لواء غير مختضر النّصْرُ
لِوَاءُ ضَلَالٍ قَادَ إبْلِيسُ أَهْلَهُ فَخَاسَ بِهِمْ، إنّ الْخَبِيثَ إلَى غَدْرِ
وَقَالَ لَهُمْ، إذ عاين الأمر واضحا برئت إليكم مابى اليوم من صبر
فإنى أرى مالا تَرَوْنَ وَإِنّنِي أَخَافُ عِقَابَ اللهِ وَاَللهُ ذُو قَسْرِ
فَقَدّمَهُمْ لِلْحَيْنِ حَتّى تَوَرّطُوا وَكَانَ بِمَا لَمْ يَخْبُرْ الْقَوْمُ ذَا خُبْرِ
فَكَانُوا غَدَاةَ الْبِئْرِ أَلْفًا وَجَمْعُنَا ثَلَاثُ مِئِينٍ كَالْمُسْدَمَةِ الزّهْرِ
وَفِينَا جُنُودُ اللهِ حَيْنَ يُمِدّنَا بِهِمْ فِي مَقَامٍ ثُمّ مُسْتَوْضَحِ الذّكْرِ
فَشَدّ بِهِمْ جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا لَدَى مَأْزِقٍ فِيهِ مَنَايَاهُمْ تَجْرِي
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:
أَلَا يَا لِقَوْمِي لِلصّبَابَةِ وَالْهَجْرِ وَلِلْحُزْنِ مِنّي وَالْحَرَارَةِ فِي الصّدْرِ
وَلِلدّمْعِ مِنْ عَيْنَيّ جُودَا كَأَنّهُ فَرِيدٌ هَوَى مِنْ سِلْك نَاظِمه يَجْرِي
عَلَى الْبَطَلِ الْحُلْوِ الشّمَائِلِ إذْ ثَوَى رَهِينَ مَقَامٍ لِلرّكِيّةِ مِنْ بَدْرِ
فَلَا تَبْعُدْنَ يَا عمرو من ذى قرابة ومن ذى ندم كَانَ ذَا خُلُقٍ غَمْرِ
فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ صادفوا منك دولة فلابدّ لِلْأَيّامِ مِنْ دُوَلِ الدّهْرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٨ ]
فَقَدْ كُنْتَ فِي صَرْفِ الزّمَانِ الّذِي مَضَى تُرِيهِمْ هَوَانًا مِنْك ذَا سُبُلٍ وَعْرِ
فَإِلّا أمت يا عمرو أتركك ثَائِرًا وَلَا أُبْقِ بُقْيَا فِي إخَاءٍ وَلَا صِهْرِ
وَأَقْطَعُ ظَهْرًا مِنْ رِجَالٍ بِمَعْشَرٍ كِرَامٍ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا قَطَعُوا ظَهْرِي
أَغَرّهُمْ مَا جَمّعُوا مِنْ وَشِيظَةٍ وَنَحْنُ الصّمِيمُ فِي الْقَبَائِلِ مِنْ فِهْرِ
فِيَالَ لُؤَيّ ذَبّبُوا عَنْ حَرِيمِكُمْ وَآلِهَةٍ لَا تَتْرُكُوهَا لِذِي الْفَخْرِ
تَوَارَثَهَا آبَاؤُكُمْ وورثتم أو اسيّها وَالْبَيْتَ ذَا السّقْفِ وَالسّتْرِ
فَمَا لِحَلِيمٍ قَدْ أَرَادَ هَلَاكَكُمْ فَلَا تَعْذِرُوهُ آلَ غَالِبٍ مِنْ عُذْرٍ
وَجِدّوا لِمِنْ عَادَيْتُمْ وَتَوَازَرُوا وَكُونُوا جَمِيعًا فِي التّأَسّي وَفِي الصّبْرِ
لَعَلّكُمْ أَنْ تَثْأَرُوا بِأَخِيكُمْ وَلَا شَيْءَ إنّ لَمْ تَثْأَرُوا بِذَوِي عَمْرِو
بِمُطّرِدَاتِ فِي الْأَكُفّ كَأَنّهَا وَمِيضٌ تُطِيرُ الْهَامَ بَيّنَةَ الْأُثْرِ
كَأَنّ مُدِبّ الذّرّ فَوْقَ مُتُونِهَا إذَا جُرّدَتْ يَوْمًا لِأَعْدَائِهَا الْخُزْر
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبْدَلْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ كَلِمَتَيْنِ مِمّا رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ، وَهُمَا «الْفَخْر» فِي آخِرِ الْبَيْتِ، وَ«فَمَا لِحَلِيمِ» فِي أَوّلِ الْبَيْتِ، لِأَنّهُ نَالَ فِيهِمَا مِنْ النّبِيّ ﷺ.
قال ابن إسحاق: وقال عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَعْرِفُهَا وَلَا نَقِيضَتَهَا، وَإِنّمَا كَتَبْنَاهُمَا لِأَنّهُ يُقَالُ: إنّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣١٩ ]
وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي الْقَتْلَى، وَذَكَرَهُ فى هذا الشعر:
أَلَمْ تَرَ أَنّ اللهَ أَبْلَى رَسُولَهُ بَلَاءَ عَزِيزٍ ذِي اقْتِدَارِ وَذِي فَضْلٍ
بِمَا أَنْزَلَ الكفّار دار مذلّة فلا قوا هَوَانَا مِنْ إسَارٍ وَمِنْ قَتْل
فَأَمْسَى رَسُولُ اللهِ قَدْ عَزّ نَصْرُهُ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ أُرْسِلَ بِالْعَدْل
فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ مِنْ اللهِ مُنْزَلٍ مُبَيّنَةٍ آيَاتُهُ لِذَوِي الْعَقْل
فَآمَنَ أَقْوَامٌ بِذَاكَ وَأَيْقَنُوا فَأَمْسَوْا بِحَمْدِ اللهِ مُجْتَمِعِي الشّمْلِ
وَأَنْكَرَ أَقْوَامٌ فَزَاغَتْ قُلُوبُهُمْ فَزَادَهُمْ ذُو الْعَرْشِ خَبْلًا عَلَى خَبْلُ
وَأَمْكَنَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَه وَقَوْمًا غِضَابًا فِعْلُهُمْ أَحْسَنُ الْفِعْلِ
بِأَيْدِيهِمْ بِيضٌ خِفَافٌ عَصَوْا بِهَا وَقَدْ حَادَثُوهَا بِالْجِلَاءِ وَبِالصّقْلِ
فكم تركوا من ناشىء ذِي حَمِيّةٍ صَرِيعًا وَمِنْ ذِي نَجْدَة مِنْهُمْ كَهْل
تَبِيتُ عُيُونُ النّائِحَاتِ عَلَيْهِمْ تَجُودُ بِأَسْبَالِ الرّشَاشِ وَبِالْوَبْلِ
نَوَائِحَ تَنْعَى عُتْبَة الْغَيّ وَابْنَه وَشَيْبَةَ تَنْعَاهُ وَتَنْعَى أَبَا جَهْلٍ
وَذَا الرّجُلِ تَنْعَى وَابْنَ جُدْعَانَ فِيهِمْ مُسَلّبَةً حَرّى مُبَيّنَة الثّكْلِ
ثَوَى مِنْهُمْ فِي بِئْرِ بَدْرٍ عِصَابَةٌ ذَوِي نَجَدَاتٍ فِي الْحُرُوبِ وَفِي الْمَحْل
دَعَا الْغَيّ مِنْهُمْ مَنْ دَعَا فَأَجَابَهُ وَلِلْغَيّ أَسِبَابٌ مرمّقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل عن الشّغب والعدوان فى أشغل الشّغل
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٠ ]
عَجِبْتُ لِأَقْوَامٍ تَغَنّى سَفِيهُهُمْ بِأَمْرٍ سَفَاهٍ ذِي اعْتِرَاضٍ وَذِي بُطْلٍ
تَغَنّى بِقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ تَتَابَعُوا كِرَامِ الْمَسَاعِي مِنْ غُلَامٍ وَمِنْ كَهْلٍ
مَصَالِيتَ بِيضٍ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ مَطَاعِينَ فِي الْهَيْجَا مَطَاعِيمَ فِي الْمَحْلِ
أُصِيبُوا كِرَامًا لَمْ يَبِيعُوا عَشِيرَةً بِقَوْمِ سِوَاهُمْ نَازِحِي الدّارِ وَالْأَصْلِ
كَمَا أَصْبَحَتْ غَسّانُ فِيكُمْ بِطَانَةً لَكُمْ بَدَلًا مِنّا فِيَالَك مِنْ فِعْلِ
عُقُوقًا وَإِثْمًا بيّنا وقطيعة يرى جوركم فيها ذو والرأى والعقل
فإن بك قَوْمٌ قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ وَخَيْرُ الْمَنَايَا مَا يَكُونُ مِنْ الْقَتْلِ
فَلَا تَفْرَحُوا أَنْ تَقْتُلُوهُمْ فَقَتْلُهُمْ لَكُمْ كَائِنٌ خَبْلًا مُقِيمًا عَلَى خَبْلِ
فَإِنّكُمْ لَنْ تَبْرَحُوا بَعْدَ قَتْلِهِمْ شَتِيتًا هَوَاكُمْ غَيْرُ مُجْتَمِعِي الشّمْلِ
بِفَقْدِ ابْنِ جُدْعَانَ الْحَمِيدِ فِعَالُهُ وَعُتْبَة وَالْمَدْعُوّ فِيكُمْ أَبَا جَهْلِ
وَشَيْبَةَ فِيهِمْ وَالْوَلِيدَ وَفِيهِمْ أُمَيّةَ مَأْوَى الْمُعْتَرِينَ وَذُو الرّجْلِ
أُولَئِكَ فَابْكِ ثُمّ لَا تَبْكِ غَيْرَهُمْ نَوَائِحُ تَدْعُو بِالرّزِيّةِ وَالثّكْلِ
وَقُولُوا لِأَهْلِ الْمَكّتَيْنِ تَحَاشَدُوا وَسِيرُوا إلَى آطَامِ يَثْرِبَ ذِي النّخْلِ
جَمِيعًا وَحَامُوا آلَ كَعْبٍ وَذَبّبُوا بِخَالِصَةِ الْأَلْوَانِ مُحْدَثَةِ الصّقْلِ
وَإِلّا فَبُيّتُوا خَائِفِينَ وَأَصْبِحُوا أَذَلّ لِوَطْءِ الْوَاطِئِينَ مِنْ النّعْلِ
عَلَى أَنّنِي وَاللّاتِ يا فوم فَاعْلَمُوا بِكَمْ وَاثِقٌ أَنْ لَا تُقِيمُوا عَلَى تَبْلِ
سِوَى جَمْعِكُمْ لِلسّابِغَاتِ وَلِلْقَنَا وَلِلْبَيْضِ وَالْبِيضِ الْقَوَاطِعِ وَالنّبْلِ
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ فِي يوم بدر:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢١ ]
عَجِبْتُ لِفَخْرِ الْأَوْسِ وَالْحَيْنُ دَائِرٌ عَلَيْهِمْ غَدًا والدّهر فيه بصائر
وفخر بنى النّجّار وإن كَانَ مَعْشَرٌ أُصِيبُوا بِبَدْرٍ كُلّهُمْ ثَمّ صَابِرُ
فَإِنْ تَكُ قَتْلَى غُودِرَتْ مِنْ رِجَالِنَا فَإِنّا رِجَالٌ بَعْدَهُمْ سَنُغَادِرُ
وَتَرْدِي بِنَا الْجُرْدُ الْعَنَاجِيجُ وَسَطكُمْ بَنِي الْأَوْسِ حَتّى يَشْفِي النّفْسَ ثَائِرٌ
وَوَسْطَ بَنِي النّجّارِ سَوْفَ نَكُرّهَا لَهَا بِالْقَنَا وَالدّارِعِينَ زَوَافِر
فَنَتْرُكُ صَرْعَى تَعْصِبُ الطّيْرُ حَوْلَهُمْ وَلَيْسَ لَهُمْ إلّا الْأَمَانِيّ نَاصِرُ
وَتَبْكِيهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ نِسْوَةٌ لَهُنّ بِهَا لَيْلٌ عَنْ النّوْمِ سَاهِرُ
وَذَلِك أَنّا لَا تَزَالُ سُيُوفُنَا بِهِنّ دَمٌ مِمّنْ يُحَارَبْنَ مَائِرُ
فَإِنْ تَظْفَرُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ فَإِنّمَا بِأَحْمَدَ أَمْسَى جَدّكُمْ وَهُوَ ظَاهِرُ
وَبِالنّفَرِ الْأَخْيَارِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ يُحَامُونَ فِي الّلأْوَاءِ وَالْمَوْتُ حَاضِرُ
يُعَدّ أَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ فِيهِمْ وَيُدْعَى عَلِيّ وَسْطَ مَنْ أَنْتَ ذَاكِرُ
وَيُدْعَى أَبُو حَفْصٍ وَعُثْمَانُ مِنْهُمْ وَسَعْدٌ إذَا مَا كَانَ فِي الْحَرْبِ حَاضِرُ
أُولَئِكَ لَا مَنْ نَتّجَتْ فِي دِيَارِهَا بَنُو الْأَوْسِ وَالنّجّارِ حَيْنَ تُفَاخِرُ
وَلَكِنْ أَبُوهُمْ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ إذَا عُدّتْ الْأَنْسَابُ كَعْبٌ وَعَامِرُ
هُمْ الطّاعِنُونَ الْخَيْلَ فِي كُلّ مَعْرَكٍ غَدَاةَ الْهِيَاجِ الْأَطْيَبُونَ الْأَكَاثِرُ
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أخو بنى سلمة، فقال:
عَجِبْتُ لِأَمْرِ اللهِ وَاَللهُ قَادِرٌ عَلَى مَا أَرَادَ، لَيْسَ لِلّهِ قَاهِرُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٢ ]
قَضَى يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ نُلَاقِيَ مَعْشَرًا بَغَوْا وَسَبِيلُ الْبَغْي بِالنّاسِ جَائِرُ
وَقَدْ حَشَدُوا وَاسْتَنْفَرُوا مِنْ يَلِيهِمْ مِنْ النّاسِ حَتّى جَمْعُهُمْ مُتَكَاثَرُ
وسارت إلينا لا نحاول غَيْرَنَا بِأَجْمَعِهَا كَعْبٌ جَمِيعًا وَعَامِرُ
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ وَالْأَوْسُ حَوْلَهُ لَهُ مَعْقِلٌ مِنْهُمْ عَزِيزٌ وَنَاصِرُ
وَجَمْعُ بَنِي النّجّارِ تَحْتَ لِوَائِهِ يُمَشّوْنَ فِي الْمَاذِيّ وَالنّقْعُ ثَائِرُ
فَلَمّا لَقِينَاهُمْ وَكُلّ مُجَاهِدٌ لِأَصْحَابِهِ مُسْتَبْسِلُ النّفْسِ صَابِرُ
شَهِدْنَا بِأَنّ اللهَ لَا رَبّ غَيْرُهُ وَأَنّ رَسُولَ اللهِ بِالْحَقّ ظَاهِرُ
وَقَدْ عُرّيَتْ بِيضٌ خِفَافٌ كَأَنّهَا مَقَابِيسُ يُزْهِيهَا لِعَيْنَيْك شَاهِرُ
بِهِنّ أَبَدْنَا جَمْعَهُمْ فَتَبَدّدُوا وَكَانَ يُلَاقِي الْحَيْنَ مَنْ هُوَ فَاجِرُ
فَكُبّ أَبُو جَهْلٍ صَرِيعًا لِوَجْهِهِ وَعُتْبَةُ قَدْ غادرنه وهو عائر
وَشَيْبَةُ وَالتّيْمِيّ غَادَرْنَ فِي الْوَغَى وَمَا مِنْهُمْ إلّا بِذِي الْعَرْشِ كَافِرُ
فَأَمْسَوْا وَقُودَ النّارِ فِي مُسْتَقَرّهَا وَكُلّ كَفَوْرٍ فِي جَهَنّمَ صَائِرُ
تَلَظّى عَلَيْهِمْ وَهِيَ قَدْ شَبّ حَمْيُهَا بِزُبَرِ الْحَدِيدِ وَالْحِجَارَةِ سَاجِرُ
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ قَالَ أَقْبِلُوا فَوَلّوْا وَقَالُوا: إِنّمَا أَنْتَ سَاحِرُ
لِأَمْرِ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَهْلَكُوا بِهِ وَلَيْسَ لِأَمْرٍ حَمّهُ اللهُ زَاجِرُ
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بن الزّبعرى السهمىّ يبكى قتلى بدر:
قال ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِلْأَعْشَى بْنِ زُرَارَةَ بْنِ النبّاش، أحد بنى أسيد ابن عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عبد مناف.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدّار:
مَاذَا عَلَى بَدْرٍ وَمَاذَا حَوْلَهُ مِنْ فِتْيَةٍ بِيضِ الْوُجُوهِ كِرَامٍ
تَرَكُوا نُبَيْهًا خَلْفَهُمْ وَمُنَبّهًا وَابْنَيْ رَبِيعَةَ خَيْرَ خَصْمٍ فِئَام
وَالْحَارِثَ الْفَيّاضَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ كَالْبَدْرِ جَلّى لَيْلَةَ الْإِظْلَامِ
وَالْعَاصِيَ بْنَ مُنَبّهٍ ذَا مِرّةٍ رُمْحًا تَمِيمًا غَيْرَ ذِي أَوْصَام
تَنَمّى بَهْ أَعْرَاقُهُ وَجُدُودُهُ وَمَآثِرُ الْأَخْوَالِ وَالْأَعْمَامِ
وَإِذَا بَكَى بَاكٍ فَأَعْوَل شَجْوَهُ فَعَلَى الرّئِيسِ الْمَاجِدِ ابْنِ هِشَامِ
حَيّا الْإِلَهُ أَبَا الْوَلِيدِ وَرَهْطَهُ رَبّ الْأَنَامِ، وَخَصّهُمْ بِسَلَامِ
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ، فَقَالَ:
ابْكِ بَكَتْ عَيْنَاك ثُمّ تَبَادَرَتْ بِدَمِ تُعَلّ غُرُوبُهَا سجّام
ماذا بكيت به الذين تتابعوا هَلّا ذَكَرْتَ مَكَارِمَ الْأَقْوَامِ
وَذَكَرْتَ مِنّا مَاجِدًا ذَا هِمّةٍ سَمْحَ الْخَلَائِقِ صَادِقَ الْإِقْدَامِ
أَعْنِي النّبِيّ أَخَا الْمَكَارِمِ وَالنّدَى وَأَبَرّ مَنْ يُولَى على الإفسام
فَلِمِثْلِهِ وَلِمِثْلِ مَا يَدْعُو لَهُ كَانَ الْمُمَدّحَ ثَمّ غَيْرُ كَهَام
شِعْرٌ لِحَسّانَ فِي بَدْرٍ أَيْضًا وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ أَيْضًا:
تبلت فؤادك فى المنام خريدة تشفى الضّجِيعَ بِبَارِدِ بَسّامِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٤ ]
كَالْمِسْكِ تَخْلِطُهُ بِمَاءِ سَحَابَةٍ أَوْ عَاتِقٍ كَدَمِ الذّبيح مُدَام
نُفُجُ الْحَقِيبَةِ بُوصُهَا مُتَنَضّدٌ بَلْهَاءُ غَيْرُ وَشِيكَةِ الْأَقْسَامِ
بُنِيَتْ عَلَى قَطَنٍ أَجَمّ كَأَنّهُ فُضُلًا إذَا قَعَدَتْ مَدَاكُ رُخَامِ
وَتَكَادُ تَكْسَلُ أن تجىء فِرَاشُهَا فِي جِسْمِ خَرْعَبَة وَحُسْن قَوَام
أَمّا النّهَارَ فَلَا أُفَتّرُ ذِكْرَهَا وَاللّيْلُ تُوزِعُنِي بِهَا أَحْلَامِي
أَقْسَمْتَ أَنْسَاهَا وَأَتْرُكُ ذِكْرَهَا حَتّى تُغَيّبَ فِي الضّرِيحِ عِظَامِي
يَا مَنْ لِعَاذِلَةٍ تَلُومُ سَفَاهَةً وَلَقَدْ عَصَيْتُ عَلَى الْهَوَى لُوّامِي
بَكَرَتْ عَلَيّ بِسُحْرَةٍ بَعْدَ الْكَرَى وَتَقَارُبٍ مِنْ حَادِثِ الْأَيّامِ
زَعَمَتْ بِأَنّ الْمَرْءَ يَكْرُبُ عُمْرَهُ عَدَمٌ لِمُعْتَكِرٍ مِنْ الْأَصْرَامِ
إنّ كُنْتِ كَاذِبَةَ الّذِي حدّثتنى فَنَجَوْتِ مَنْجَى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ
تَرَك الْأَحِبّة أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُمْ وَنَجَا بِرَأْسِ طِمرّة وَلِجَامِ
تَذَر الْعَنَاجِيجُ الْجِيَادُ بِقَفْرَةٍ مَرّ الدّمُوكِ بِمُحْصَدٍ وَرِجَامِ
مَلَأَتْ بِهِ الْفَرْجَيْنِ فَارْمَدّتْ بِهِ وَثَوَى أَحِبّتُهُ بِشَرّ مَقَامِ
وَبَنُو أَبِيهِ وَرَهْطُهُ فِي معرك تصر الْإِلَهُ بِهِ ذَوِي الْإِسْلَامِ
طَحَنَتْهُمْ، وَاَللهُ يُنْفِذُ أَمْرَهُ، حَرْبٌ يُشَبّ سَعِيرُهَا بِضِرَامِ
لَوْلَا الْإِلَهُ وَجَرْيُهَا لَتَرَكْنَهُ جَزَرَ السّبَاعِ وَدُسْنَهُ بحَوَامِي
مِنْ بَيْنَ مَأْسُورٍ يُشَدّ وَثَاقُهُ صَقْرٍ إذَا لَاقَى الْأَسِنّةَ حَامِي
وَمُجَدّلٍ لَا يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةٍ حَتّى تَزُولَ شَوَامِخُ الْأَعْلَامِ
بِالْعَارِ وَالذّلّ الْمُبَيّنِ إذْ رَأَى بِيضَ السّيُوفِ تَسُوقُ كُلّ هُمَامِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٥ ]
بِيَدَيْ أَغَرّ إذَا انْتَمَى لَمْ يُخْزِهِ نَسَبُ الْقِصَارِ سَمَيْدَع مِقْدَامِ
بِيضٌ إذَا لَاقَتْ حَدِيدًا صَمّمَتْ كَالْبَرْقِ تَحْتَ ظِلَالِ كُلّ غَمَامِ
شِعْرُ الْحَارِثِ فِي الرّدّ عَلَى حَسّانَ فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
الله أعلم ما تركت قتالهم حَتّى حَبَوْا مُهْرِي بِأَشْقَرَ مُزْبِد
وَعَرَفْتُ أَنّي إنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا أُقْتَلْ وَلَا يَنْكِي عَدُوّي مَشْهَدِي
فَصَدَدْتُ عَنْهُمْ وَالْأَحِبّةُ فِيهِمْ طَمَعًا لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَهَا الحارث يعتذر من فراره يوم بدر.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْ قَصِيدَةِ حَسّانَ ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، لِأَنّهُ أَقْذَعَ فِيهَا.
شِعْرٌ لِحَسّانَ فِيهَا أَيْضًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وقال حسّان بن ثابت:
لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَدَاةَ الْأَسْرِ وَالْقَتْلِ الشّدِيدِ
بِأَنّا حَيْنَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي حُمَاةُ الْحَرْبِ يَوْمَ أَبِي الْوَلِيدِ
قَتَلْنَا ابْنَيْ رَبِيعَةَ يَوْمَ سَارا إلَيْنَا فِي مُضَاعَفَةِ الْحَدِيدِ
وَفَرّ بِهَا حَكِيمٌ يَوْمَ جَالَتْ بَنُو النّجّارِ تَخْطِرُ كَالْأُسُودِ
وَوَلّتْ عِنْدَ ذَاكَ جَمُوعُ فِهْرٍ وَأَسْلَمَهَا الْحُوَيْرِث مِنْ بِعِيدِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٦ ]
لَقَدْ لَاقَيْتُمْ ذُلّا وَقَتْلًا جَهِيزًا نَافِذًا تَحْتَ الْوَرِيدِ
وَكُلّ الْقَوْمِ قَدْ وَلّوْا جَمِيعًا وَلَمْ يَلْوُوا عَلَى الْحَسَبِ التّلِيدِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثابت أيضا:
يَا حَارِ قَدْ عَوّلْتَ غَيْرَ مُعَوّلٍ عِنْدَ الْهِيَاجِ وَسَاعَةَ الْأَحْسَابِ
إذْ تَمْتَطِي سُرُحَ الْيَدَيْنِ نَجِيبَةً مَرْطَى الْجِرَاءِ طَوِيلَةَ الْأَقْرَابِ
وَالْقَوْمُ خَلْفَك قَدْ تَرَكْتَ قِتَالَهُمْ تَرْجُو النّجَاءَ وَلَيْسَ حَيْنَ ذَهَابِ
أَلّا عَطَفْت عَلَى ابْنِ أُمّك إذْ ثَوَى قَعْصَ الْأَسِنّةِ ضَائِعَ الْأَسْلَابِ
عَجّلَ الْمَلِيكُ لَهُ فَأَهْلَكَ جَمْعَهُ بِشَنَارِ مُخْزِيَةٍ وَسُوءِ عَذَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا أَقْذَعَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: بَلْ قَالَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ السّهْمِيّ:
مُسْتَشْعِرِي حَلَقِ الْمَاذِيّ يَقْدُمُهُمْ جَلْدُ النّحِيزَةِ مَاضٍ غَيْرُ رِعْدِيدِ
أَعْنِي رَسُولَ إلَهِ الْخَلْقِ فَضّلَهُ عَلَى الْبَرّيّةِ بِالتّقْوَى وَبِالْجُودِ
وَقَدْ زَعَمْتُمْ بِأَنْ تَحْمُوا ذِمَارَكُمْ وَمَاءُ بَدْرٍ زَعَمْتُمْ غَيْرُ مَوْرُودِ
ثُمّ وَرَدْنَا وَلَمْ نَسْمَعْ لِقَوْلِكُمْ حَتّى شَرِبْنَا رَوَاءً غَيْرَ تَصْرِيدِ
مُسْتَعْصِمِينَ بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْجَذِمٍ مُسْتَحْكَمٍ مِنْ حِبَالِ اللهِ مَمْدُودِ
فِينَا الرّسُولُ وَفِينَا الْحَقّ نَتْبَعُهُ حَتّى الْمَمَاتِ وَنَصْرٌ غَيْرُ محدود
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٧ ]
وَافٍ وَمَاضٍ شِهَابٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ بَدْرٌ أَنَارَ عَلَى كُلّ الْأَمَاجِيدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَيْتُهُ: «مسعصمين بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْجَذِمٍ» عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أيضا:
خَابَتْ بَنُو أَسَدٍ وَآبَ غُزّيهِم يَوْمَ الْقَلِيبِ بِسَوْءَةٍ وَفُضُوح
مِنْهُمْ أَبُو الْعَاصِي تَجَدّلَ مُقْعَصًا عَنْ ظَهْرِ صَادِقَةِ النّجَاءِ سَبُوحِ
حَيْنًا لَهُ مِنْ مَانِعٍ بِسِلَاحِهِ لَمّا ثَوَى بِمَقَامِهِ الْمَذْبُوحِ
وَالْمَرْءُ زَمْعَةُ قَدْ تَرَكْنَ وَنَحْرُهُ يَدْمَى بِعَانِدٍ مُعْبَطٍ مَسْفُوحِ
مُتَوَسّدًا حُرّ الْجَبِينِ مُعَفّرًا قَدْ عُرّ مَارِن أَنْفِهِ بِقُبُوحِ
وَنَجَا ابْنُ قَيْسٍ فِي بَقِيّةَ رَهْطِهِ بِشَفَا الرّمَاقِ مُوَلّيًا بِجُرُوحِ
وقال حسّان بن ثابت أيضا:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَتَى أَهْلَ مَكّةَ إبَارَتُنَا الْكُفّار فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ
قَتَلْنَا سَرَاةَ الْقَوْمِ عِنْدَ مَجَالِنَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلّا بِقَاصِمَةِ الظّهْرِ
قَتَلْنَا أَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَة قَبْلَهُ وَشَيْبَةُ يَكْبُو لِلْيَدَيْنِ وَلِلنّحْرِ
قَتَلْنَا سُوَيْدًا ثُمّ عُتْبَة بَعْدَهُ وَطُعْمَة أَيْضًا عِنْدَ ثَائِرَةِ الْقَتْرِ
فَكَمْ قَدْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ مُرَزّإٍ لَهُ حَسَبٌ فى قومه نا به الذّكْرُ
تَرَكْنَاهُمْ لِلْعَاوِيَاتِ يَنُبْنَهُمْ وَيَصْلَوْنَ نَارًا بَعْدُ حَامِيَةَ الْقَعْرِ
لَعَمْرُك مَا حَامَتْ فَوَارِسُ مَالِكٍ وَأَشْيَاعُهُمْ يَوْمَ الْتَقَيْنَا عَلَى بَدْرٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ بَيْتَهُ:
قَتَلْنَا أَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَة قَبْلَهُ وَشَيْبَةُ يَكْبُو لِلْيَدَيْنِ وَلِلنّحْرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
نَجّى حَكِيمًا يَوْمَ بَدْرٍ شَدّهُ كَنَجَاءِ مُهْرٍ مِنْ بَنَاتِ الْأَعْوَجِ
لما رأى بدرا تسيل جلاهه بكتيبة خضراء مِنْ بَلْخَزْرَج
لَا يَنْكُلُونَ إذَا لَقُوا أَعْدَاءَهُمْ يَمْشُونَ عَائِدَةَ الطّرِيقِ الْمَنْهَج
كَمْ فِيهِمْ مِنْ مَاجِدٍ ذِي مَنْعَةٍ بَطَل بِمَهْلَكَةِ الْجَبَانِ الْمُحْرَجِ
وَمُسَوّدٍ يُعْطِي الْجَزِيلَ بِكَفّهِ حَمّالَ أَثْقَالِ الدّيَاتِ مُتَوّجٍ
زَيْنِ النّدِيّ مُعَاوِدٍ يَوْمَ الْوَغَى ضَرْبَ الْكُمَاةِ بِكُلّ أَبْيَضَ سَلْجَج
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ سَلَجج، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابن إسحاق وقال حسان أيضا:
فَمَا نَخْشَى بِحَوْلِ اللهِ قَوْمًا وَإِنْ كَثُرُوا وَأُجْمِعَتْ الزّحُوفُ
إذَا مَا أَلّبُوا جَمْعًا عَلَيْنَا كفانا حدّهم ربّ رؤف
سَمَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالْعَوَالِي سِرَاعًا مَا تُضَعْضِعُنَا الْحُتُوفُ
فَلَمْ تَرَ عُصْبَةً فِي النّاسِ أَنْكَى لمن عادوا إدا لَقِحَتْ كُشُوفٌ
وَلَكِنّا تَوَكّلْنَا وَقُلْنَا مَآثِرُنَا وَمَعْقِلُنَا السّيُوفُ
لَقِينَاهُمْ بِهَا لَمّا سَمَوْنَا وَنَحْنُ عِصَابَةٌ وهم ألوف
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٢٩ ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، يَهْجُو بَنِي جُمَحَ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ:
جَمَحَتْ بَنُو جُمَحٍ لِشِقْوَةِ جَدّهِمْ إنّ الذّلِيلَ مُوَكّلٍ بِذَلِيلٍ
قُتِلَتْ بَنُو جُمَحٍ بِبَدْرٍ عَنْوَةً وَتَخَاذَلُوا سَعْيًا بِكُلّ سَبِيلٍ
جَحَدُوا الْكِتَابَ وَكَذّبُوا بِمُحَمّدٍ وَاَللهُ يُظْهِرُ دِينَ كُلّ رَسُولٍ
لَعَنَ الْإِلَهُ أَبَا خُزَيْمَةَ وَابْنَهُ وَالْخَالِدَيْنِ، وَصَاعِدَ بْنَ عَقِيل
شِعْرُ عَبِيدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي قَطْعِ رِجْلِهِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ فى يوم بدر، وفى قطع رجله حين أصيب، فِي مُبَارَزَتِهِ هُوَ وَحَمْزَةُ وَعَلِيّ حِينَ بَارَزُوا عَدُوّهُمْ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بالشعر ينكرها لعبيدة:
سَتَبْلُغُ عَنّا أَهْلَ مَكّةَ وَقْعَةٌ يَهُبّ لَهَا مَنْ كَانَ عَنْ ذَاكَ نَائِيًا
بِعُتْبَة إذْ وَلّى وَشَيْبَةُ بَعْدَهُ وَمَا كَانَ فِيهَا بِكْر عُتْبَة رَاضِيًا
فَإِنْ تَقْطَعُوا رِجْلِي فَإِنّى مُسْلِمٌ أُرَجّي بِهَا عَيْشًا مِنْ اللهِ دَانِيًا
مَعَ الْحُورِ أَمْثَالَ التّمَاثِيلِ أُخْلِصَتْ مَعَ الْجَنّةِ الْعُلْيَا لِمَنْ كَانَ عَالِيًا
وَبِعْتُ بِهَا عَيْشًا تَعَرّقْتُ صَفْوَهُ وَعَالَجْتُهُ حَتّى فَقَدْتُ الْأَدَانِيَا
فَأَكْرَمَنِي الرّحْمَنُ مِنْ فَضْلِ مَنّهِ بِئَوْب مِنْ الْإِسْلَامِ غَطّى الْمُسَاوِيَا
وَمَا كَانَ مَكْرُوهًا إلَيّ قِتَالُهُمْ غَدَاةَ دَعَا الْأَكْفَاءَ مَنْ كَانَ دَاعِيًا
وَلَمْ يَبْغِ إذْ سَالُوا النّبِيّ سَوَاءَنَا ثَلَاثَتنَا حَتّى حَضَرْنَا الْمُنَادِيَا
لَقِينَاهُمْ كَالْأُسْدِ تَخْطِرُ بِالْقَنَا نُقَاتِلُ فِي الرّحْمَنِ مَنْ كَانَ عَاصِيَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٠ ]
فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا مِنْ مَقَامِنَا ثَلَاثَتُنَا حَتّى أَزِيرُوا الْمَنَائِيَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَمّا أُصِيبَتْ رِجْلُ عَبِيدَةَ قَالَ: أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَعَلِمَ أَنّي أَحَقّ مِنْهُ بِمَا قَالَ حِينَ يَقُولُ:
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ يُبْزَى مُحَمّدٌ وَلَمّا نُطَاعِن دُونَهُ وَنُنَاضِلْ
ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا وَالْحَلَائِلِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
رِثَاءُ كَعْبٍ لِعَبِيدَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا هَلَكَ عَبِيدَة بْنُ الْحَارِثِ مِنْ مُصَابِ رِجْلِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مالك الأنصارىّ يبكيه:
أَيَا عَيْنُ جُودِي وَلَا تَبْخَلِي بِدَمْعِك حَقّا وَلَا تَنْزُرِي
عَلَى سَيّدٍ هَدّنَا هُلْكُهُ كَرِيمِ الْمَشَاهِدِ وَالْعُنْصُرِ
جَرِيءِ الْمُقَدّمِ شَاكِي السّلَاحِ كَرِيمِ النّثَا طَيّبِ الْمَكْسِرِ
عَبِيدَة أَمْسَى وَلَا نَرْتَجِيهِ لعرف عرنا وَلَا مُنْكِرِ
وَقَدْ كَانَ يَحْمَى غَدَاةَ الْقِتَا لِ حَامِيَةَ الْجَيْشِ بِالْمُبْتَرِ
شِعْرٌ لِكَعْبِ فِي بَدْرٍ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فِي يوم بدر:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣١ ]
أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ فِي نَأْيِ دَارِهَا وأخبر شىء بالأمور عليهما
بِأَنْ قَدْ رَمَتْنَا عَنْ قِسِيّ عَدَاوَةٍ مُعَدّ مَعًا جُهّالُهَا وَحَلِيمُهَا
لِأَنّا عَبَدْنَا اللهَ لَمْ نَرْجُ غَيْرَهُ رَجَاءَ الْجِنَانِ إذْ أَتَانَا زَعِيمُهَا
نَبِيّ لَهُ فِي قَوْمِهِ إرْثُ عِزّةٍ وَأَعْرَاقُ صِدْقٍ هَذّبَتْهَا أُرُومُهَا
فَسَارُوا وَسِرْنَا فَالْتَقَيْنَا كَأَنّنَا أُسُودُ لِقَاءٍ لَا يُرَجّى كَلِيمُهَا
ضَرَبْنَاهُمْ حَتّى هَوَى فِي مَكَرّنَا لِمَنْخِرِ سَوْءٍ مِنْ لُؤَيّ عَظِيمُهَا
فَوَلّوْا وَدُسْنَاهُمْ بِبِيضِ صَوَارِمِ سَوَاءٌ عَلَيْنَا حِلْفُهَا وَصَمِيمُهَا
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا:
لَعَمْرُ أَبِيكُمَا يَا بَنِي لُؤَيّ عَلَى زَهْوٍ لَدَيْكُمْ وَانْتِخَاءِ
لَمَا حَامَتْ فَوَارِسُكُمْ بِبَدْرٍ وَلَا صَبَرُوا بِهِ عِنْدَ اللّقَاءِ
وَرَدْنَاهُ بِنُورِ اللهِ يَجْلُو دُجَى الظّلْمَاءِ عَنّا وَالْغِطَاءِ
رَسُولُ اللهِ يَقْدُمُنَا بِأَمْرٍ مِنْ أَمْرِ اللهِ أُحْكِمَ بِالْقَضَاءِ
فَمَا ظَفَرَتْ فَوَارِسُكُمْ بِبَدْرِ وَمَا رَجَعُوا إلَيْكُمْ بِالسّوَاءِ
فَلَا تَعْجَلْ أَبَا سُفْيَانَ وَارْقُبْ جِيَادَ الْخَيْلِ تَطْلُعُ مِنْ كَدَاءِ
بِنَصْرِ اللهِ رُوحُ القدس فيها وميكال، فياطيب الْمَلَاءِ
شِعْرُ طَالِبٍ فِي مَدْحِ الرّسُولِ وَبُكَاءِ أَصْحَابِ الْقَلِيبِ وَقَالَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، يَمْدَحُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَيَبْكِي أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٢ ]
أَلَا إنّ عَيْنِي أَنْفَدَتْ دَمْعَهَا سَكْبًا تُبَكّي عَلَى كَعْبٍ وَمَا إنْ تَرَى كَعْبَا
أَلَا إنّ كَعْبًا فِي الْحُرُوبِ تَخَاذَلُوا وَأَرْدَاهُمْ ذَا الدّهْرُ وَاجْتَرَحُوا ذَنْبًا
وَعَامِرٌ تَبْكِي لِلْمُلِمّاتِ غُدْوَةً فَيَالَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرَى لَهُمَا قُرْبًا
هُمَا أَخَوَايَ لَنْ يُعَدّا لِغَيّةِ تُعَدّ وَلَنْ يُسْتَامُ جارهما غصبا
فيا أخوبنا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا فِدًا لَكُمَا لَا تَبْعَثُوا بَيْنَنَا حَرْبًا
وَلَا تُصْبِحُوا مِنْ بَعْدِ وُدّ وَأُلْفَةٍ أَحَادِيثَ فِيهَا كُلّكُمْ يَشْتَكِي النّكْبَا
أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ وَجَيْشِ أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا
فلولا دفاع اللهِ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ لَأَصْبَحْتُمْ لَا تَمْنَعُونَ لَكُمْ سِرْبًا
فَمَا إنْ جَنَيْنَا فِي أَقُرَيْشٌ عظيمة سوى أن حمينا خير من وطىء التّرْبَا
أَخَا ثِقَةٍ فِي النّائِبَاتِ مُرَزّأً كَرِيمًا نَثَاهُ لَا بَخِيلًا وَلَا ذَرْبًا
يُطِيفُ بِهِ الْعَافُونَ يَغْشَوْنَ بَابَهُ يَؤُمّونَ بَحْرًا لَا نَزُورًا ولا صربا
فو الله لَا تَنْفَكّ نَفْسِي حَزِينَةً تَمَلْمُلُ حَتّى تَصْدُقُوا الْخَزْرَجَ الضّرْبَا
شِعْرُ ضِرَارٍ فِي رِثَاءِ أَبِي جَهْلٍ وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ الْفِهْرِيّ، يَرْثِي أبا جهل:
أَلَا مَنْ لَعَيْنٍ بَاتَتْ اللّيْلَ لَمْ تَنَمْ تراقب نجمان فِي سَوَادٍ مِنْ الظّلَمْ
كَأَنّ قَذًى فِيهَا وَلَيْسَ بِهَا قَذًى سِوَى عَبْرَةٍ مِنْ جَائِلِ الدمع تنسجم
فبلغ قريشا أنّ خير ندبّها وَأَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي بِسَاقٍ عَلَى قَدَمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٣ ]
ثَوَى يَوْمَ بَدْرٍ رَهْنَ خَوْصَاءَ رَهْنُهَا كَرِيمُ الْمَسَاعِي غَيْرُ وَغْدٍ وَلَا بَرَمْ
فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكّ عَيْنَيّ بِعَبْرَةٍ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الرّئِيسِ أَبِي الْحَكَمْ
عَلَى هَالِكٍ أَشْجَى لُؤَيّ بْنَ غَالِبٍ أَتَتْهُ الْمَنَايَا يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ يَرِمْ
تَرَى كِسَرَ الْخَطّيّ فِي نَحْرِ مُهْرِهِ لَدَى بَائِنٍ مِنْ لَحْمِهِ بَيْنَهَا خِذَمْ
وَمَا كَانَ لَيْثٌ سَاكِنٌ بَطْنَ بِيشَةٍ لَدَى غَلَلٍ يَجْرِي ببطحاء فى أجم
بأحرأ مِنْهُ حِينَ تَخْتَلِفُ الْقَنَا وَتُدْعَى نَزَالِ فِي الْقَمَاقِمَة الْبُهَمْ
فَلَا تَجْزَعُوا آلَ الْمُغِيرَةِ وَاصْبِرُوا عليه ومن بجزع عَلَيْهِ فَلَمْ يُلَمْ
وَجِدّوا فَإِنّ الْمَوْتَ مَكْرُمَةٌ لَكُمْ وَمَا بَعْدَهُ فِي آخِرِ الْعَيْشِ مِنْ نَدَمْ
وَقَدْ قُلْتُ إنّ الرّيحَ طَيّبَةٌ لَكُمْ وَعِزّ الْمَقَامِ غَيْرُ شَكّ لِذِي فَهَمْ
قَالَ ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لِضِرَارٍ.
شِعْرُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فِي رِثَاءِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، يَبْكِي أَخَاهُ أَبَا جَهْلٍ:
أَلَا يَا لَهْفَ نَفْسِي بَعْدَ عَمْرٍو وَهَلْ يُغْنِي التّلَهّفُ مِنْ قَتِيلِ
يُخْبِرُنِي الْمُخَبّرُ أَنّ عَمْرًا أمام القوم فى جفر محيل
فقد ما كُنْتُ أَحْسِبُ ذَاكَ حَقّا وَأَنْتَ لِمَا تَقَدّمَ غير فيل
وكنت بنعمة مادمت حيّا فقد خلّفت فى درج المسيل
كأنى حِينَ أُمْسِي لَا أَرَاهُ ضَعِيفُ الْعَقْدِ ذُو هَمّ طَوِيلِ
عَلَى عَمْرٍو إذَا أَمْسَيْتُ يَوْمًا وَطَرْفٌ مَنْ تَذَكّرِهِ كَلِيلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٤ ]
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر يُنْكِرُهَا لِلْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ؛ وَقَوْلُهُ:
«فِي جَفْرٍ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
شِعْرُ ابْنِ الْأَسْوَدِ فى بكاء قتلى بدر قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأسود بن شعوب الّليثى، وهو شدّاد ابن الْأَسْوَدِ:
تُحَيّي بِالسّلَامَةِ أُمّ بَكْرٍ وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ
فَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنْ الْقَيْنَاتِ وَالشّرْبِ الْكِرَامِ
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنْ الشّيزَى تُكَلّلُ بِالسّنَامِ
وَكَمْ لَكِ بِالطّوِيّ طَوِيّ بَدْرٍ مِنْ الْحَوْمَاتِ وَالنّعَمِ الْمُسَامِ
وَكَمْ لَكِ بِالطّوِيّ طَوِيّ بَدْرٍ مِنْ الْغَايَاتِ وَالدّسُع الْعِظَامِ
وَأَصْحَابِ الْكَرِيمِ أَبِي عَلِيّ أَخِي الْكَاسِ الْكَرِيمَةِ وَالنّدَامِ
وَإِنّك لَوْ رَأَيْت أَبَا عَقِيلٍ وَأَصْحَابَ الثّنِيّةِ مِنْ نَعَامِ
إذًا لَظَلِلْت مِنْ وَجْدٍ عَلَيْهِمْ كَأُمّ السّقْبِ جَائِلَةِ الْمَرَامِ
يُخَبّرُنَا الرّسُولُ لَسَوْفَ نَحْيَا وَكَيْفَ لِقَاءُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ؟
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ:
يُخَبّرُنَا الرّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَام
قَالَ: وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ ثم ارتدّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٥ ]
شِعْرُ أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ فِي رِثَاءِ قتلى بدر وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ، يَرْثِي مَنْ أُصِيبَ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ بدر:
أَلّا بَكَيْتِ عَلَى الْكِرَا مِ بَنِي الْكِرَامِ أُولِي الْمَمَادِحْ
كَبُكَا الْحَمَامِ عَلَى فُرُو عِ الأيك فى الغصن الجوانح
يبكين حرّى مستكينات يَرُحْنَ مَعَ الرّوَائِحْ أَمْثَالُهُنّ الْبَاكِيَا
تُ الْمُعْوِلَات مِنْ النّوَائِحْ مَنْ يَبْكِهِمْ يَبْكِ عَلَى
حُزْنٍ ويصدق كلّ مادح ماذا ببدر فالعقنقل من مرازبة جحاجح
فمدافع البرقين فالح نّان من طرف الْأَوَاشِحْ
شُمْطٍ وَشُبّانٍ بِهَا لَيْلٍ مَغَاوِيرَ وَحَاوِحْ
أَلَا تَرَوْنَ لِمَا أَرَى وَلَقَدْ أَبَانَ لِكُلّ لَامِحْ
أَنْ قَدْ تَغَيّرَ بَطْنُ مَكّةَ فَهِيَ مُوحِشَةُ الْأَبَاطِحْ مِنْ كُلّ بِطْرِيقٍ لِبِطْرِيقٍ نَقِيّ الْقَوْنِ وَاضِحْ
دُعْمُوص أَبْوَابِ الْمُلُوّ كِ وَجَائِبٌ لِلْخَرْقِ فَاتِحْ
مِنْ السّرَاطِمَةِ الْخَلَا جِمَةِ الْمَلَاوِثَةِ المناجح
الفائلين الْفَاعِلِينَ الْآمِرِينَ بِكُلّ صَالِحْ الْمُطْعِمِينَ الشّحْمَ فَوْ
قَ الْخُبْزِ شَحْمًا كَالْأَنَافِحْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٦ ]
نُقُلُ الْجِفَانِ مَعَ الْجِفَا نِ إلَى جِفَانٍ كَالْمَنَاضِحْ
لَيْسَتْ بِأَصْفَارٍ لِمَنْ يَعْفُو وَلَا رَحّ رَحَارِحْ
لِلضّيْفِ ثُمّ الضّيْفِ بَعْدَ [الضّيْفِ] وَالْبُسُطِ السّلَاطِحْ
وُهُبُ الْمِئيِنَ مِنْ الْمِئيِنَ إلَى الْمِئيِنَ مِنْ اللّوَاقِحْ
سَوْقُ الْمُؤَبّلِ لِلْمُؤَبّلِ صَادِرَاتٌ عَنْ بَلَادِحْ لِكِرَامِهِمْ فَوْقَ الْكِرَا
مِ مَزِيّةٌ وَزْنَ الرّوَاجِحْ كَتَثَاقُلِ الْأَرْطَالِ بِالْقِسْطَاسِ فِي الْأَيْدِي الْمَوَائِحْ
خذلتهم فئمة وَهُمْ يَحْمُونَ عَوْرَاتِ الْفَضَائِحْ
الضّارِبِينَ التّقُدُمِيّةَ بِالْمُهَنّدَةِ الصّفَائِحْ وَلَقَدْ عَنَانِي صَوْتُهُمْ
مِنْ بَيْنِ مُسْتَسْقٍ وصائح لله درّ بنى علىّ
أَيّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحْ إنْ لَمْ يُغِيرُوا غَارَةً
شَعْوَاءَ تُجْحِرُ كُلّ نَابِحْ بِالْمُقْرَبَاتِ، الْمُبْعَدَا
تِ، الطّامِحَاتِ مَعَ الطّوَامِحْ مُرْدًا عَلَى جُرْدٍ إلَى
أَسَدٍ مُكَالِبَةٍ كَوَالِحْ وَيُلَاقِ قِرْنٌ قِرْنَهُ
مَشْيَ الْمُصَافِحِ لِلْمُصَافِحْ بِزُهَاءِ أَلْفٍ ثُمّ
أَلْفٍ بَيْنَ ذِي بَدَنٍ وَرَامِحْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتَيْنِ نَالَ فِيهِمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَأَنْشَدَنِي غَيْرُ واحد من أهل العلم بالشعر بيته:
(م ٢٢- الروض الأنف ج هـ)
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٧ ]
وَيُلَاقِ قِرْنٌ قِرْنَهُ مَشْيَ الْمُصَافِحِ لِلْمُصَافِحْ
وَأَنْشَدَنِي أيضا:
وهب المئين من المئيين إلَى الْمِئيِنَ مِنْ اللّوَاقِحْ سَوْقُ الْمُؤَبّلِ لِلْمُؤَبّلِ صَادِرَاتٌ عَنْ بَلَادِحْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ، يَبْكِي زَمْعَةَ بْنَ الأسود، وقتلى بنى أسد:
عين بكّى بالمسبلات أبا الحارث لَا تَذْخَرِي عَلَى زَمْعَهْ وَابْكِي عَقِيلَ بْنَ أسود أسد البأس ليوم الهياج وَالدّفَعَهْ
تِلْكَ بَنُو أَسَدٍ إخْوَةِ الْجَوْ زَاءِ لَا خَانَةٌ وَلَا خَدَعَهْ هُمْ الْأُسْرَةُ الْوَسِيطَةُ مِنْ كَعْبٍ وَهُمْ ذِرْوَةُ السّنَامِ وَالْقَمَعَهْ
أَنْبَتُوا من معاشر شعر الرأس وَهُمْ أَلْحَقُوهُمْ الْمَنَعَهْ أَمْسَى بَنُو عَمّهِمْ إذَا حضر البأس أكبادهم عليهم وَجِعَهْ
وَهُمْ الْمُطْعِمُونَ إذْ قَحَطَ الْقَطْرُ وَحَالَتْ فَلَا تَرَى قَزَعَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ الرّوَايَةُ لِهَذَا الشّعْرِ مُخْتَلِطَةٌ، لَيْسَتْ بِصَحِيحَةِ الْبِنَاءِ، لَكِنْ أَنْشَدَنِي أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفُ الْأَحْمَرُ وَغَيْرُهُ، رَوَى بَعْضٌ مَا لَمْ يَرْوِ بَعْضٌ:
عَيْنُ بَكّي بِالْمُسْبَلَاتِ أَبَا الْحَا رِثِ لَا تَذْخَرِي عَلَى زَمْعَهْ
وَعَقِيلَ بْنَ أَسْوَدَ أَسَدَ الْبَأْ سِ لِيَوْمِ الْهِيَاجِ وَالدّفَعَهْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٨ ]
فَعَلَى مِثْلِ هُلْكِهِمْ خوت الجو زاء، لَا خانة وَلَا خَدَعَهْ
وَهُمْ الْأَسِرّةُ الْوَسِيطَةُ مِنْ كَعْ بٍ وَفِيهِمْ كَذِرْوَةِ الْقَمَعَهْ
أَنْبَتُوا مِنْ مَعَاشِرَ شَعَرَ الرّأْ سِ وَهُمْ أَلْحَقُوهُمْ الْمَنَعَهْ
فَبَنُو عَمّهُمْ إذَا حَضَرَ الْبَأْ سُ عَلَيْهِمْ أَكْبَادُهُمْ وَجِعَهْ
وَهُمْ الْمُطْعِمُونَ إذْ قَحَطَ الْقَطْ رُ وَحَالَتْ فَلَا تَرَى قَزَعَهْ
شعر أبي أسامة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو أَسَامّةَ أَيْضًا:
أَلَا مِنْ مُبَلّغٌ عَنّي رَسُولًا مُغَلْغَلَةً يُثَبّتُهَا لَطِيفُ
أَلَمْ تَعْلَمْ مَرَدّي يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ بَرَقَتْ بِجَنْبَيْك الْكُفُوفُ
وَقَدْ تُرِكَتْ سَرَاةُ الْقَوْمِ صرعى كأنّ رؤسهم حَدَجٌ نَقِيفُ
وَقَدْ مَالَتْ عَلَيْك بِبَطْنِ بَدْرٍ خِلَافَ الْقَوْمِ دَاهِيَةٌ خَصِيفُ
فَنَجّاهُ مِنْ الْغَمَرَاتِ عَزْمِي وَعَوْنُ اللهِ وَالْأَمْرُ الْحَصِيفُ
وَمُنْقَلَبِي مِنْ الأبواء وجدى وَدُونَك جَمْعُ أَعْدَاءٍ وُقُوفُ
وَأَنْتَ لِمَنْ أَرَادَك مستكين بجنب كراش مكاوم نَزِيفُ
وَكُنْتُ إذَا دَعَانِي يَوْمَ كَرْبٍ مِنْ الْأَصْحَابِ دَاعٍ مُسْتَضِيفُ
فَأَسْمَعَنِي وَلَوْ أَحْبَبْتُ نَفْسِي أَخٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَوْ حَلِيفُ
أَرُدّ فَأَكْشِفُ الْغُمّى وَأَرْمِي إذَا كَلَحَ الْمَشَافِرُ وَالْأُنُوفُ
وَقِرْنٍ قَدْ تَرَكَتْ عَلَى يَدَيْهِ يَنُوءُ كَأَنّهُ غصن قصيف
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٣٩ ]
فَابْلُغْ مَالِكًا لَمّا غُشِينَا وَعِنْدَك مَالٌ إنْ نَبّأْت خُبْرِي
وَأَبْلِغْ إنْ بَلَغْت الْمَرْءَ عَنّا هُبَيْرَة، وَهُوَ ذُو عِلْمٍ وَقَدْرِ
بِأَنّي إذْ دُعِيت إلَى أُفَيْدِ كَرَرْت وَلَمْ يَضِقْ بِالْكَرّ صَدْرِي
عَشِيّة لَا يُكَرّ عَلَى مُضَافٍ وَلَا ذِي نَعْمَةٍ مِنْهُمْ وَصِهْرٍ
فَدُونَكُمْ بَنِي لَأْيٍ أَخَاكُمْ وَدُونك مَالِكًا يَا أُمّ عَمْرٍو
فَلَوْلَا مَشْهَدِي قَامَتْ عَلَيْهِ مُوَقّفَةُ الْقَوَائِمِ أُمّ أَجْرِي
دَفُوعٌ لِلْقُبُورِ بِمَنْكِبَيْهَا كَانَ بِوَجْهِهَا تَحْمِيمَ قَدْرِ
فَأُقْسِمُ بِاَلّذِي قَدْ كَانَ رَبّي وَأَنْصَابٍ لَدَى الْجَمَرَاتِ مُغْرِ
لَسَوْفَ تَرَوْنَ مَا حَسْبِي إذَا مَا تَبَدّلَتْ الْجُلُودُ جُلُود نِمْرِ
فَمَا إنْ خَادِرٌ مِنْ أُسْدِ تَرْجٍ مُدِلّ عَنْبَسٌ فِي الْغِيلِ مُجْرِي
فَقَدْ أَحْمَى الْأَبَاءَةَ مِنْ كُلَافٍ فَمَا يَدْنُو لَهُ أَحَدٌ بِنَقْرِ
بِخَلّ تَعْجِزُ الْحَلْفَاءُ عَنْهُ يُوَاثِبُ كُلّ هَجْهَجَةٍ وَزَجْرِ
بِأَوْشَكَ سُورَةً مِنّي إذَا مَا حَبَوْت لَهُ بِقَرْقَرَةِ وَهَدْرِ
بِبَيْضِ كَالْأَسِنّةِ مُرْهَقَاتٍ كَأَنّ ظُبَاتِهِنّ جَحِيمُ جَمْرِ
وَأَكْلَفَ مُجْنَإِ مِنْ جِلْدِ ثَوْرٍ وَصَفْرَاءَ الْبُرَايَةِ ذَاتِ أَزْرِ
وَأَبْيَض كَالْغَدِيرِ ثَوَى عَلَيْهِ عُمَيْرٌ بِالْمَدَاوِسِ نِصْفَ شَهْرِ
أُرَفّلُ فِي حَمَائِلِهِ وَأَمْشِي كَمِشْيَةِ خَادِرٍ لَيْثٍ سِبَطْرِ
يَقُولُ لِي الْفَتَى سَعْدٌ هَدِيّا فَقُلْت: لَعَلّهُ تَقْرِيبُ غَدْرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٤٠ ]
وَقُلْت أَبَا عَدِيّ لَا تَطُرْ وَذَلِكَ إنْ أَطَعْت الْيَوْمَ أَمْرِي
كَدَأْبِهِمْ بِفَرْوَةَ إذْ أَتَا فَظَلّ يُقَادُ مَكْتُوفًا بِضَفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ:
نَصُدّ عَنْ الطّرِيقِ وَأَدْرَكُونَا كَأَنّ سِرَاعَهُمْ تَيّارُ بَحْرِ
وَقَوْلُهُ:
مُدَلّ عَنْبَس فِي الْغِيلِ مُجْرِي
عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ أَيْضًا:
أَلَا مِنْ مُبَلّغٍ عَنّي رَسُولًا مُغَلْغَلَةً يُثَبّتُهَا نَطِيفُ
أَلَمْ تَعْلَمْ مَرَدّي يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ بَرَقَتْ بِجَنْبَيْك الْكُفُوفُ
وَقَدْ تُرِكَتْ سَرَاةُ الْقَوْمِ صَرْعَى كَأَنّ رُءُوسَهُمْ حَدَجٌ نَقِيفُ
وَقَدْ مَالَتْ عَلَيْك بِبَطْنِ بَدْرٍ خِلَافَ الْقَوْمِ دَاهِيَةٌ خَصِيفُ
فَنَجّاهُ مِنْ الْغَمَرَاتِ عَزْمِي وَعَوْنُ اللهِ وَالْأَمْرُ الْحَصِيفُ
وَمُنْقَلَبِي مِنْ الْأَبْوَاءِ وَجْدِي وَدُونَك جَمْعُ أَعْدَاءٍ وُقُوفُ
وَأَنْتَ لِمَنْ أَرَادَك مُسْتَكِينٌ بِجَنْبِ كُرَاشَ مَكْلُومٌ نَزِيفُ
وَكُنْت إذَا دَعَانِي يَوْمَ كَرْبٍ مِنْ الْأَصْحَابِ دَاعٍ مُسْتَضِيفُ
فَأَسْمِعْنِي وَلَوْ أَحْبَبْت نَفْسِي أَخٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَوْ حَلِيفُ
أَرُدّ فَأَكْشِفُ الْغُمّى وَأَرْمِي إذَا كَلَحَ الْمَشَافِرُ وَالْأُنُوفُ
وَقِرْنٌ قَدْ تُرِكَتْ عَلَى يَدَيْهِ يَنُوءُ كَأَنّهُ غُصْنٌ قَصِيفُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٤١ ]
دلفت له إذا اخْتَلَطُوا بِحَرّى مُسْحْسَحَةٍ لِعَانِدِهَا حَفِيفُ
فَذَلِك كَانَ صَنْعِي يَوْمَ بَدْرٍ وَقَبْلُ أَخُو مُدَارَاةَ عَزُوفُ
أَخُوكُمْ فِي السّنِينَ كَمَا عَلِمْتُمْ وَحَرْبٍ لَا يَزَالُ لَهَا صَرِيفُ
وَمِقْدَامٌ لَكُمْ لَا يَزْدَهِينِي جنان اللّيل والأنس اللّفيف
أخوض الصّرّة الحمّاء خَوْضًا إذَا مَا الْكَلْبُ أَلْجَأَهُ الشّفِيفُ
قَالَ ابن هشام: تركت قَصِيدَةً لِأَبِي أُسَامَةَ عَلَى اللّامّ، لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ بَدْرٍ إلّا فِي أَوّلِ بَيْتٍ مِنْهَا وَالثّانِي، كَرَاهِيَةَ الْإِكْثَارِ.
شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَة بن ربيعة تبكى أباها يوم بدر:
أَعَيْنَيّ جُودَا بِدَمْعٍ سَرِبْ عَلَى خَيْرِ خِنْدِفَ لَمْ يَنْقَلِبْ
تَدَاعَى لَهُ رَهْطُهُ غُدْوَةً بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطّلِبْ
يُذِيقُونَهُ حَدّ أَسْيَافِهِمْ يَعُلّونه بَعْدَ مَا قَدْ عَطِبْ
يَجُرّونَهُ وَعَفِيرُ التّرَابِ عَلَى وَجْهِهِ عَارِيًا قَدْ سُلِبْ
وَكَانَ لَنَا جبلا راسيا جميل المراة كثير العشب
وأمّا بُرَيّ فَلَمْ أَعْنِهِ فَأُوتِيَ مِنْ خَيْرِ مَا يحتسب
وقالت هند أيضا:
يريب علينا دهرنا فيسوؤنا وَيَأْبَى فَمَا نَأْتِي بِشَيْءِ يُغَالِبُهْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٤٢ ]
أَبَعْدَ قَتِيلٍ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ يُرَاعَ امرو إنْ مَاتَ أَوْ مَاتَ صَاحِبُهْ
أَلَا رُبّ يَوْمٍ قَدْ رُزِئْتُ مُرَزّأً تَرُوحُ وَتَغْدُو بِالْجَزِيلِ مُوَاهِبُهُ
فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي مَأْلُكًا فَإِنْ أَلْقَهُ يَوْمًا فَسَوْفَ أُعَاتِبُهْ
فَقَدْ كَانَ حَرْبٌ يسعر الحرب إنّه لكلّ امرىء فِي النّاسِ مَوْلًى يُطَالِبُهُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ أَيْضًا:
لِلّهِ عَيْنًا من رأى ملكا كَهُلْكِ رِجَاليهْ يَا رُبّ بَاكٍ لِي غَدًا
فى النّائبات وباكيه كم غادروا يوم القليب غَدَاةَ تِلْكَ الْوَاعِيَهْ
مِنْ كُلّ غَيْثٍ فِي السّنين إذَا الْكَوَاكِبُ خَاوِيَهْ قَدْ كُنْتُ أُحْذَرُ مَا أَرَى
فَالْيَوْمُ حَقّ حَذَارِيَهْ قَدْ كُنْت أَحْذَرُ مَا أَرَى
فَأَنَا الْغَدَاةُ مُوَامِيَهْ يَا رُبّ قَائِلَةٍ غَدًا
يَا وَيْحَ أُمّ مُعَاوِيَهْ
قَالَ ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لِهِنْدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ أَيْضًا:
يَا عَيْنُ بَكّي عُتْبَهْ شَيْخًا شَدِيدَ الرّقَبَهْ
يُطْعِمُ يَوْمَ الْمَسْغَبَهْ يَدْفَعُ يَوْمَ الْمَغْلَبَهْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٤٣ ]
إنّي عَلَيْهِ حَرِبَهْ مَلْهُوفَةٌ مُسْتَلَبَهْ
لَنَهْبِطَنّ يَثْرِبَهْ بِغَارَةٍ مُنْثَعِبَهْ
فِيهَا الْخُيُولُ مُقْرَبَهْ كُلّ جَوَادٍ سَلْهَبَهْ
شِعْرُ صَفِيّةَ
وَقَالَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ مُسَافِرِ بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
تَبْكِي أَهْلَ الْقَلِيبِ الّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: (وَتَذْكُرُ مُصَابَهُمْ):
يَا مَنْ لِعَيْنٍ قَذَاهَا عَائِرُ الرّمَدِ حَدّ النّهَارِ وَقَرْنُ الشّمْسِ لَمْ يَقِدْ
أُخْبِرْتُ أَنّ سَرَاةَ الْأَكْرَمِينَ مَعًا قَدْ أَحْرَزَتْهُمْ مَنَايَاهُمْ إلَى أَمَدِ
وَفَرّ بِالْقَوْمِ أَصْحَابُ الرّكَابِ وَلَمْ تَعْطِفْ غَدَاتَئِذٍ أُمّ عَلَى وَلَدِ
قَوْمِي صَفِيّ وَلَا تَنْسَى قَرَابَتَهُمْ وَإِنْ بَكَيْتِ فَمَا تَبْكِينَ من بعد
كانوا اسقوب سَمَاءِ الْبَيْتِ فَانْقَصَفَتْ فَأَصْبَحَ السّمْكُ مِنْهَا غَيْرَ ذِي عَمَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهَا: «كَانُوا سُقُوبَ» بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ.
قَالَ ابن إسحاق: قالت صفيّة بنت مسافر أيضا:
ألا يا من لعين للتّبكّى دَمْعُهَا فَانِ كَغَرْبَيْ دَالِجٍ يَسْقَى
خِلَالَ الْغَيّثِ الدّانِ وَمَا لَيْثُ غَرِيفٍ ذُو
أَظَافِيرَ وَأَسْنَانِ أبو شبسين وَثّابٌ
شَدِيدُ الْبَطْشِ غَرْثَانِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٤٤ ]
كحبّى إذ توّلى و وجوه القوم أَلْوَانِ
وَبِالْكَفّ حُسَامٌ صَا رِمٍ أَبْيَضُ ذُكْرَانِ
وَأَنْتَ الطّاعِنُ النّجْلَا ءِ مِنْهَا مُزْبِدٌ آنِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرَوْنَ قَوْلَهَا: «وَمَا لَيْثُ غَرِيفٍ» إلَى آخِرِهَا مَفْصُولًا مِنْ الْبَيْتَيْنِ اللّذَيْنِ قَبْلَهُ.
شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبّادِ بن المطّلب ترثى عبيد بن الحارث بن المطّلب:
لَقَدْ ضُمّنَ الصّفْرَاءُ مَجْدًا وَسُؤْدُدًا وَحِلْمًا أَصِيلًا وَافِرَ اللّبّ وَالْعَقْلِ
عُبَيْدَةَ فَابْكِيهِ لِأَضْيَافِ غُرْبَةٍ وَأَرْمَلَة تَهْوِي لِأَشْعَثَ كَالْجِذْلِ
وَبَكّيهِ لِلْأَقْوَامِ فِي كُلّ شَتْوَةٍ إذَا احْمَرّ آفَاقُ السّمَاءِ مِنْ الْمَحْلِ
وَبَكّيهِ لِلْأَيْتَامِ وَالرّيحُ زَفْزَةٌ وَتَشْبِيبُ قِدْرٍ طالما أزبدت تغلى
فان تصبح النّيران قدمات ضوؤها فَقَدْ كَانَ يُذْكِيهِنّ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ
لِطَارِقِ لَيْلٍ أَوْ لِمُلْتَمِسِ الْقِرَى وَمُسْتَنْبَحٍ أَضْحَى لَدَيْهِ عَلَى رَسْلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ.
شِعْرُ قُتَيْلَة بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ قُتَيْلَة بِنْتُ الْحَارِثِ أخت النّضر بن الحارث، تبكيه:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٤٥ ]
يَا رَاكِبًا إنّ الْأَثِيلَ مَظِنّةٌ مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفّقُ
أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنّ تَحِيّةً مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النّجَائِبُ تَخْفِقُ
مِنّي إلَيْك وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى نخنق
هَلْ يَسْمَعَنّي النّضْرُ إنْ نَادَيْتُهُ أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيّتٌ لَا يَنْطِقُ
أَمُحَمّدُ يَا خَيْرَ ضَنْءِ كَرِيمَةٍ فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرّقُ
مَا كَانَ ضُرّك لَوْ مَنَنْتَ وَرُبّمَا مَنّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ
أَوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفِقَنْ بِأَعَزّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ
فَالنّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرّتْ قَرَابَةً وَأَحَقّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ لِلّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تُشَقّقُ
صَبْرًا يُقَادُ إلَى الْمَنِيّةِ مُتْعَبًا رَسْفَ الْمُقَيّدِ وَهُوَ عَانٍ مُوَثّقُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَيُقَالُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ هَذَا الشّعْرُ، قَالَ: لَوْ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْه.
تَارِيخُ الْفَرَاغِ مِنْ بَدْرٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فراغ رسول الله ﷺ مِنْ بَدْرٍ فِي عَقِبِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ فى شوّال.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِيمَنْ قتل من المشركين يَوْمَ بَدْرٍ الْعَاصِيَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْحَدِيثَ الّذِي أَسْنَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ إلَى سَعْدِ بن أبي وقاص، قال: قتلت يوم بدر العاصى بْنَ سَعِيدٍ وَأَخَذْت سَيْفَهُ ذَا الْكَتِيفَةِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَهْلُ السّيَرِ يَقُولُونَ: قَتَلَهُ عَلِيّ ﵁. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَبَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ يَقُولُونَ: قَتَلَهُ أَبُو الْيُسْرِ كعب بن عمرو. وقال أبو عبد اللهِ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي فِي أَنْسَابِ قُرَيْشٍ لَهُ: وَالْعَاصِي قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا «١» حَدّثَ إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ [وَعُمَرُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ] إذْ مَرّ بِهِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِي، فَسَلّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إنّي وَاَللهِ يَا ابْنَ أَخِي مَا قَتَلْت أَبَاك يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَكِنّي قَتَلْت خَالِي العاصى بن هشام، ومابى أَنْ أَكُونَ أَعْتَذِرُ «٢» مِنْ قَتْلِ مُشْرِكٍ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: سعيد بن العاصي:
[وَهُوَ يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السّنّ] لَوْ قَتَلْته كُنْت عَلَى الْحَقّ «٣»، وَكَانَ عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ: فَعَجِبَ عُمَرُ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوَى كَفّيْهِ، وَقَالَ: قُرَيْشٌ أَفْضَلُ النّاسِ إسلاما،
_________________
(١) فى ص ١٧٤ كتاب نسب قريش.
(٢) فى نسب قريش: ومابى أن أعتذر إليك.
(٣) فى نسب قريش: لعلمت أنك على حق، وهو على باطل.
[ ٥ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأعظم الناس أمانة «١»، ومن يرد بقريش سؤا يَكُبّهُ اللهُ لِفِيهِ، وَقَالَ: قَالَ عَمّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: زَعَمُوا أَنّ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْته يَبْحَثُ التّرَابَ كَأَنّهُ ثَوْرٌ، فَصَدَدْت عَنْهُ، وَحَمَلَ لَهُ عَلِيّ فَقَتَلَهُ «٢» .
السّائِبُ بْنُ أَبِي السّائِبِ:
وَذَكَرَ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: السّائِبَ بن أبي السائب، واسم أبي السائب صيفي بْنُ عَابِدٍ، وَأَنْكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنْ يَكُونَ السّائِبُ قُتِلَ كَافِرًا قَالَ: وَقَدْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ عَنْ ابْنِ الزّبَيْرِ أَنّ السّائِبَ قُتِلَ كَافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ اتّبَعَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ إسْحَاقَ، قَالَ:
وَقَدْ نَقَضَ الزّبَيْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَدّثَنِي يَحْيَى ابن مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عِكْرِمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَعْبٍ عن أبيه كعب مولى سعيد بن العاصى، قال: مَرّ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَمَعَهُ جُنْدُهُ، فَزَحَمُوا السّائِبَ بْنَ صَيْفِيّ بْنِ عَابِدٍ، فَسَقَطَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فقال: ارفعو الشّيْخَ، فَلَمّا قَامَ قَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاوِيَةُ؟
تَصْرَعُونَنَا «٣» حَوْلَ الْبَيْتِ؟! أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ أردت أن أتزوج أمّك، فقال
_________________
(١) فى نسب قريش أنه جعل يقول: أحلام قريش أحلام قريش، ولم يزد. انظر ص ١٧٦ كتاب نسب قريش والزيادة منه.
(٢) فى النسب: فصمد له على فقتله ص ١٧٦.
(٣) فى الإصابة: أجئتنا بأوباش الشام يصرعوننا. وقد ذكر الحافظ فى ترجمته أن أبا داود والنسائى رويا من طريق قائده أنه كان شريك النبى «ص وفى السيرة وفى نسب قريش، وفى الإصابة: صيفى بن عائذ بدلا من عابد كما فى-
[ ٥ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُعَاوِيَةُ: لَيْتَك فَعَلْت، فَجَاءَتْ بِمِثْلِ أَبِي السّائِبِ، يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنَ السّائِبِ، وَهَذَا وَاضِحٌ فِي إدْرَاكِهِ الْإِسْلَامَ، وَفِي طُولِ عُمُرِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَدّثَنِي أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللّيْثِيّ، قَالَ: حَدّثَنِي أَبُو السّائِبِ يَعْنِي: الْمُنَاجِزَ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ السّائِبِ، قَالَ: كَانَ جَدّي أَبُو السّائِبِ شَرِيكَ النّبِيّﷺ- فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: نِعْمَ الشّرِيكُ كَانَ أَبُو السّائِبِ، لَا يُشَارِي وَلَا يُمَارِي [وَلَا يُدَارِي]، وَهَذَا كُلّهُ مِنْ الزّبَيْرِ مُنَاقَضَةٌ فِيمَا ذُكِرَ أَنّ السّائِبَ بْنَ أَبِي السّائِبِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السّائِبُ بْنُ أَبِي السّائِبِ الّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ- نعم الشّرِيكُ أَبُو السّائِبِ لَا يُشَارِي «١» وَلَا يُمَارِي، كَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ فِيمَا بَلَغَنَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ السّائِبَ بْنَ أَبِي السّائب بن عابد «٢» بن
_________________
(١) - الروض ولكن يقول الخشنى: «قال الزبير بن بكار فيما حكى الدار قطنى عنه: كل من كان من ولد عمر بن مخزوم فهو عابد، وكل من كان من ولد عمران بن مخزوم فهو عائذ» وقد ذكر مصعب الزبيرى فى كتاب نسب قريش أن السائب بن أبى السائب قتل كافرا ببدر. ويقول الحافظ فى الإصابة تأويلا لتناقض الزبير «يحتمل أن يكون السائب بن صيفى عنده غير السائب بن أبى السائب» .
(٢) لا يشارى: المشاراة: الملاجة، وقد شرى واستشرى: إذا لج فى الأمر، وقيل لا يشارى من الشر، أى: لا يشارره فقلبت إحدى الرامين ياء والأول أوجه «ابن الأثير» ويمارى: يجادل.
(٣) سبق القول عن عابد وعائذ فى نسب صيفى. وفى نسب قريش للصعب الزبيرى أن من عبد الله بن عمر بن مخزوم: عائذا ولم يذكر فيهم من اسمه عابد، ولكن محققه يقول إنه فى الأصل المنقول عنه: عابد ص ٢٩٩، ٣٣٣.
[ ٥ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ [بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ] مِمّنْ هَاجَرَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْجِعْرَانَةِ «١» مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا أَوْلَى مَا عُوّلَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنّ الْحَدِيثَ فِيمَنْ كَانَ شَرِيكَ رَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ هَؤُلَاءِ مُضْطَرِبٌ جِدّا، مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الشّرِكَةَ: لِلسّائِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا لِأَبِي السّائِبِ أَبِيهِ، كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ الزّبَيْرِ هَهُنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا لِقَيْسِ بن السّائب [ابن عويمر]، ومنهم من يجعلها لعبد بن أبى السّائب «٢»، وهذ اضْطِرَابٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا تَقُومُ بِهِ حُجّةٌ وَالسّائِبُ بْنُ أَبِي السّائِبِ مِنْ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَمِمّنْ حَسُنَ إسْلَامُهُ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ أَبِي عُمَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ حَدّثَنِي بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ الْإِشْبِيلِيّ عَنْ أَبِي عَلِيّ الْغَسّانِيّ عَنْهُ، كَذَلِكَ اخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ فى هذ الْكَلَامِ: كَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُشَارِي وَلَا يُمَارِي، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنْ قَوْلِ النّبِيّ ﷺ فِي أَبِي السّائِبِ، ومنهم من
_________________
(١) يقول صاحب المراصد: لا خلاف فى كسر أوله، وأصحاب الحديث يكسرون عينه، ويشدون راءه، وأهل الأدب يخطئونهم، ويسكنون العين، ويخففون الراء، والصحيح أنهما لغتان جيدتان. وينسب البكرى فى معجمه التضعيف العراقيين، والتخفيف للحجازيين. وبه قال الأصمعى وأبو سليمان الخطابى، وهى ماء بين الطائف ومكة، وهى إلى مكة أدنى، وبها قسمت غنائم حنين.
(٢) لم يذكر المصعب الزبيرى من أولاد السائب من اسمه قيس، ولا من أولاد أبى السائب من اسمه: عبد. ولكن ذكر عبيد الله أبا نهيك، وعبد الله أبا عطاء وهو يقصد: قَيْسُ بْنُ السّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عَائِذِ بن عمران، وسيأتى التصريح بهذا فى الروض ص ٣٣٣، ٣٤٣
[ ٥ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجْعَلُهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي السّائِبِ فِي النّبِيّ ﷺ.
أَوْسُ بْنُ خَوْلِيّ:
وَذَكَرَ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْأَنْصَارِ: أَوْسَ بْنَ خَوْلِيّ «١» أَحَدَ بَنِي الْحُبْلَى، يُقَالُ: كَانَ مِنْ الْكَمَلَةِ، وَكَانَ النّبِيّ ﷺ قَدْ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ، وَالْخَوْلِيّ فِي اللّغَةِ هُوَ الّذِي يَقُومُ عَلَى الْخَيْلِ، وَيَخْدُمُهَا «٢» وَفِي الْخَبَرِ أَنّ جَمِيلًا الْكَلْبِيّ، كَانَ خَوْلِيّا لِمُعَاوِيَةَ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْيَاءَ فِي الْخَيْلِ أَصْلُهَا الْوَاوُ.
أَخُو طَلْحَةَ:
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِمّنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ مَالِكَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ.
ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُذْعَانَ:
وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُذْعَانَ التّيْمِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُذْعَانَ «٣» هُوَ الْجَوَادُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ الْجَفْنَةِ الْعَظِيمَةِ الّتِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا الرّاكِبُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَكَانَ النّبِيّﷺ- يستظل بظلّها، ووقع فيها إنسان
_________________
(١) هكذا ضبطها ابن الأثير فى اللباب، وفى القاموس: أوس بن خولى محركة، وقد تسكن.
(٢) فى القاموس: الخولى- بسكون الواو- الراعى الحسن القيام على المال، وفى النهاية لابن الأثير: الخولى- بفتح الواو- عند أهل الشام: القيم بأمر الإبل وإصلاحها من التخول والتعهد وحسن الرعاية.
(٣) هو يذكره بالذال: والصواب بالدال.
[ ٥ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَغَرِقَ وَمَاتَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ هَذَا الْكِتَابِ حَدِيثَهُ، وَالسّبَبَ فِي غِنَاهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ صُعْلُوكًا، وَسُؤَالَ عَائِشَةَ عَنْهُ النّبِيّ ﷺ: هَلْ يَنْتَفِعُ بِجُودِهِ أَمْ لَا «١» .
حُذَيْفَةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ:
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِيهِمْ أَيْضًا حُذَيْفَةَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَاسْمُ أَبِي حُذَيْفَةَ هَذَا مُهَشّمٌ، وَهُوَ أَخُو هِشَامٍ وَهَاشِمٍ [وَبِهِ كَانَ يُكَنّى] ابْنَيْ الْمُغِيرَةِ، وَهِشَامٌ: وَالِدُ أَبِي جَهْلٍ، وَهَاشِمٌ جَدّ عُمَرَ لِأُمّهِ، وَمُهَشّمٌ هُوَ:
أَبُو حُذَيْفَةَ، وَأَمّا أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ فَاسْمُهُ قَيْسٌ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ وَلَا ابْنُ هِشَامٍ، وَإِنّمَا قَالُوا فِيهِ مُهَشّمٌ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ غَلَطٌ، إنّمَا مُهَشّمٌ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ.
تَسْمِيَةُ مَنْ أُسِرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يُسَمّ ابْنُ إسْحَاقَ، وَلَا ابْنُ هِشَامٍ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَالْحَاجَةُ مَاسّةٌ بقارىء السّيرَةِ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، فَأَوّلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ الْعَبّاسُ عَمّ رَسُولِ اللهِﷺ- وَلَا خَفَاءَ بِإِسْلَامِهِ وَفَضْلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ إسْلَامِهِ فِي فَصْلٍ قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ، وَأَنّ أَبَا الْيُسْرِ كَعْبَ بْنِ عَمْرٍو هُوَ الّذِي أسره،
_________________
(١) تمام القول: قال: لا. إنه لم يقل يوما: رب اغفرلى خطيئتى. والصعلوك: الفقير.
[ ٥ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ قَصِيرًا ذَمِيمًا، وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ أَنّهُ قِيلَ لِلْعَبّاسِ: كَيْفَ أَسَرَك أَبُو الْيُسْرِ، وَلَوْ أَخَذْته بِكَفّك لَوَسِعَتْهُ كَفّك، فَقَالَ: مَا هُوَ إلّا أَنْ لَقِيته، فَظَهَرَ فِي عَيْنِي كَالْخَنْدَمَةِ، وَالْخَنْدَمَةُ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكّةَ.
عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِمّنْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، أَسْلَمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ «١»، وَقَالَ النّبِيّ ﷺ يَا أَبَا يَزِيدَ إنّي أُحِبّك حُبّيْنِ حُبّا لِقَرَابَتِك مِنّي، وَحُبّا لِمَا أَعْلَمُ مِنْ حُبّ عَمّي إيّاكَ «٢»، سَكَنَ عَقِيلٌ الْبَصْرَةَ، وَمَاتَ بِالشّامِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا فِي الْوُضُوءِ بِالْمُدّ وَالطّهُورِ بِالصّاعِ «٣»، وَحَدِيثًا آخَرَ أَيْضًا: لَا تَقُولُوا بِالرّفَاءِ وَالْبَنِينَ «٤»، وَقُولُوا بَارَكَ اللهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك. وكان أسنّ من جعفر بعشر سنين،
_________________
(١) ذكر فى الإصابة مع هذا: تأخر إسلامه إلى عام الفتح.
(٢) رواه الطبرانى مرسلا. وأقول: ما كان لرسول الله أن يحب أحدا إلا لله، فهكذا أمر، وهكذا عاش ﷺ يقيم أمر الله سبحانه.
(٣) رواه ابن ماجة عن محمد بن المؤمل، وعباد بن الوليد. والصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه، فقيل: هو رطل وثلث بالعراقى، وبه يقول الشافعى، وفقهاء الحجاز، وقيل: رطلان، وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون الصاع خمسة أرطال، وثلثا أو ثمانية أرطال.
(٤) الرفاء: الالتئام والاتفاق والبركة والنماء، من قولهم رفأت الثوب رفأ، أو رفوت رفوا، وإنما نهى عنه كراهية لأنه كان من عادتهم، ولهذا سن فيه غيره «النهاية لابن الأثير»
[ ٥ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ جَعْفَرٌ أَسَنّ مِنْ عَلِيّ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ طَالِبٌ أَسَنّ مِنْ عَقِيلٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ «١» .
نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ:
وَمِنْهُمْ: نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، يُقَالُ: أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ، وَهَاجَرَ، وَقِيلَ: بَلْ أَسْلَمَ حِينَ أُسِرَ، وَذَلِكَ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لَهُ: افْدِ نَفْسَك، قَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ أَفْتَدِي بِهِ، قَالَ: افْدِ نَفْسَك بِأَرْمَاحِك الّتِي بِجُدّةِ، قَالَ: وَاَللهِ مَا عَلِمَ أَحَدٌ أَنّ لِي بِجُدّةِ أَرْمَاحًا غَيْرَ اللهِ، أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ «٢» وَهُوَ مِمّنْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- يَوْمَ حُنَيْن وَأَعَانَ رَسُولَ اللهِﷺ- عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَيْهَا بِثَلَاثَةِ آلَافِ رُمْحٍ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى أَرْمَاحِك هَذِهِ تَقْصِفُ ظُهُورَ الْمُشْرِكِينَ. مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَصَلّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ﵄- «٣» .
أبو العاصى بن الربيع وغيره:
ومنهم أبو العاصى بْنُ الرّبِيعِ صِهْرُ رَسُولِ اللهِﷺ-
_________________
(١) هكذا ذكر المصعب فى كتابه نسب قريش ص ٣٩.
(٢) رواه ابن سعد عن طريق اسحاق بن عبد الله، وفيه أنها كانت ألف رمح.
(٣) كان أخوه أبو سفيان بن الحارث- كما جاء فى الصحيحين- هو الذى كان يمسك بلجام البغلة البيضاء التى كان يركبها النبى «ص» فى حنين.
[ ٥ / ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ مَعَ مَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ قَبْلَ هَذَا.
وَمِنْهُمْ أَبُو عَزِيزِ بْنُ عُمَيْرٍ الْعَبْدَرِيّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اسْمَهُ وَاسْمَ أُمّهِ وَإِخْوَتِهِ، فِي أَوّلِ خَبَرِ بَدْرٍ. وَمِنْهُمْ السّائِبُ بْنُ أبى حبيش بن المطّلب ابن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ﵁- ذَاكَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ عَيْبًا، وَمَا أَحَدٌ إلّا وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أَعِيبَهُ بَعْدَ رسول الله ﷺ- وقد قِيلَ: إنّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَالَهَا عُمَرُ فِي ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ السّائِبِ، وَالسّائِبُ هَذَا هُوَ أَخُو فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ الْمُسْتَحَاضَةِ «١» .
_________________
(١) بقال استحيضت المرأة، فهى مستحاضة، وهى التى يستمر منها خروج الدم بعد أيام حيضها المعتادة، وفى الصحيحين عن طريق هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالت: جاءت فاطمة بنت أبى حبيش إلى النبى «ص» فقالت يا رسول الله إنى امرأة أستحاض، فلا أطهر أفادع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليست الحيضة ولكن دعى للصلاة قدر الأيام التى كنت تحيضين، ثم اغتسلى وصلى. أما فى رواية أبى داود فأسماء بنت عميس هى التى قالت لرسول الله «ص» إن فاطمة بنت أبى حبيش استحيضت منذ كذا وكذا ولم تصل، فقال رسول الله «ص» هذا من الشيطان لتجلس فى مركين، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا وتتوضأ فيما بين ذلك. وهناك له روايات أخرى. والمركن- بكسر الميم- الإجانة التى تغسل فيها الثياب، وأخرج البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجة أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت. رسول الله «ص» عن ذلك، فأمرها أن تغتسل. قالت- أى عائشة- فكانت تغتسل لكل صلاة، ولكن ليس فى الصحيحين ولا أحدهما أن النبى أمرها أن تغتسل لكل صلاة، -
[ ٥ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ هِشَامٍ، ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ.
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السّائِبِ، وَاسْمُ أَبِي السّائِبِ: صَيْفِيّ، وَقَدْ تَقَدّمَ قَوْلُ عُمَرَ فِيهِ، وَفِي أَبِيهِ، وَعَنْهُ أَخَذَ أَهْلُ مَكّةَ الْقِرَاءَةَ، وَعَلَيْهِ قَرَأَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ مِنْ قُرّاءِ أَهْلِ مَكّةَ.
وَمِنْهُمْ الْمُطّلِبُ بْنُ حَنْطَبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بن عمر ابن مَخْزُومٍ «١»، وَبَنُو عُمَرَ بْنُ مَخْزُومٍ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ الْعُزّى، وَعَابِدٌ، وَمِنْ أَهْلِ النّسَبِ مَنْ ذَكَرَ فِيهِمْ عُثْمَانَ بْنَ عُمَرَ، وَبَنُو مَخْزُومٍ ثَلَاثَةٌ: عُمَرُ وَالِدُ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ، وَعِمْرَانُ، وَعَامِرٌ، هَؤُلَاءِ فِيهِمْ الْعَدَدُ، وَيُذْكَرُ فِي بَنِي مَخْزُومٍ أَيْضًا عُمَيْرٌ وَعَمِيرَةُ وَلَمْ يُعْقِبْ عَمِيرَةُ إلّا بِنْتًا اسمها: زينب «٢»، ومن حديث
_________________
(١) - وفى كتاب مسلم عن الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله «ص» أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، وإنما هو شىء فعلته هى ولهذا استدل على أن المستحاضة لا يلزمها الغسل لكل صلاة، بقوله فى حديث فاطمه: اغتسلى وصلى
(٢) أسقط ابن حزم فى الجمهرة ص ١٣٢ من نسبه: عبد الله، فقال: ابن عبيد بن عمر بن مخروم. أما فى الإصابة فقال ابن عبيد بن مخزوم، أما فى ترجمه والده عبد الله فذكر ابن عبيد بن عمر بن مخزوم، والبكرى فى ذيل اللآلى يقول: ابن عبيد بن عمر بن مخزوم ص ١٠٢.
(٣) ذكر المصعب الزبيرى أنهم: عبد الله وعبيد وعبد العزى. أما عثمان فجعله ابن عبد الله بن عمر. أما ابن حزم فقال عن أولاد عمر بن مخزوم إنهما عبد الله وعبيد، وجعل عثمان من أولاد عبد الله ص ١٣٢ وما بعدها. وذكر المصعب عن أولاد مخزوم أنهم: عمر وعامر وعمران وعميرة، أما فى جمهرة ابن حزم فهم عمرو وعامر وعمران. انظر ص ١٣٢ وما بعدها الجمهرة، ص ٢٩٩ نسب قريش.
[ ٥ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُطّلِبِ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنّي بِمَنْزِلَةِ السّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنْ الرّأْسِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ «١» .
الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
وَمِنْ وَلَدِهِ الْحَكَمُ بن عبد المطلب بن عبد الله بن الْمُطّلِبِ، وَكَانَ أَكْرَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَسْخَاهُمْ، ثُمّ تَزَهّدَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَمَاتَ بِمَنْبِجَ، وَفِيهِ يَقُولُ [عَبَاءَةُ بْنُ عُمَرَ] الرّاتِجِيّ يَرْثِيهِ:
سَأَلُوا عَنْ الْجُودِ وَالْمَعْرُوفِ مَا فَعَلَا فَقُلْت إنّهُمَا ماتا مع الْحَكَمِ
مَاتَا مَعَ الرّجُلِ الْمُوفِي بِذِمّتِهِ قَبْلَ السؤال إذا لم يوفّ بالذّمم «٢»
_________________
(١) أخرجه الترمذى عن قتيبة عن ابن أبى فديك عن عبد العزيز بن المطلب ابن حنطب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حنطب أن النبى «ص» رأى أبا بكر وعمر فقال: هذان السمع والبصر، قال الترمذى: هذا مرسل وعبد الله ابن حنطب لم يدرك النبى ﷺ، وحوله أقوال أخرى انظرها فى الإصابة فى ترجمة عبد الله بن الحنطب.
(٢) الراتجى: منسوب إلى راتج من آطام يهود المدينة. وقد لحق الراتجى الدولة العباسية، ومدح معنا. وقوله: سالوا على التسهيل، أو هو لعة، وقبل البيت الأول: ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها من الهدم بالمعروف والكرم وقد نسب ابن دريد هذه الأبيات إلى ابن هرمة. قال: البكرى: وأظنه الصواب. وقد ترك الحكم المدينة وسكن منبج مرابطا بها. وقال رجل من أهل منبج- وهى فى الروض منيح وهو خطأ- قدم علينا الحكم بن المطلب بن عبد الله ابن المطلب بن حنطب، ولا مال معه فأغنانا كلنا، فقلنا كيف ذاك؟ قال علينا مكار، -
[ ٥ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكر الدّار قطنىّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَضَرْت وَفَاةَ الحكم بن عبد المطلب بن عبد الله بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، فَأَصَابَتْهُ مِنْ الْمَوْتِ شِدّةٌ، فَقَالَ قَائِلٌ فِي الْبَيْتِ: اللهُمّ هَوّنْ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، فَقَدْ كَانَ، وَقَدْ كَانَ، يُثْنِي عَلَيْهِ فَأَفَاقَ الْحَكَمُ، فَقَالَ: مَنْ الْمُتَكَلّمُ؟ فَقَالَ الرّجُلُ: أَنَا، فَقَالَ الْحَكَمُ: يَقُولُ، لَك مَلَكُ الْمَوْتِ أَنَا بِكُلّ سَخِيّ رَفِيقٌ، ثُمّ كَأَنّمَا كَانَتْ فَتِيلَةً فَطُفِئَتْ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا، وَحِين سُجِنَ الْحَكَمُ فِي وِلَايَةٍ وَلِيَهَا، قَالَ فِيهِ شَاعِرٌ:
خَلِيلِيّ إنّ الْجُودَ فِي السّجْنِ فَابْكِيَا عَلَى الْجُودِ إذْ سُدّتْ عَلَيْهِ مَرَافِقُهْ
فِي أَبْيَاتٍ، فَأَعْطَى قَائِلَ هَذَا الشّعْرِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ.
مِنْ الّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ:
وَمِنْهُمْ: أَبُو وَدَاعَةَ الْحَارِثُ بْنُ صُبَيْرَةَ «١» بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ أَسْلَمَ هُوَ وَابْنُهُ الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ.
_________________
(١) - الأخلاق، فعاد غنينا على فقيرنا فغنينا كلنا ص ٢١٦ ذيل الأمالى والنوادر للقالى، ص ١٠٢ ح ٣، سمط اللآلى للبكرى وكلاهما يذكره: الحكم بن المطلب. ونقلت اسم الراتجى من المصدر السابق للبكرى. والتعبير بتزهد غير لائق، لأن القرآن لم يستعمل الزهد إلا فى مضى التحقير.
(٢) هكذا ضبطها الحافظ فى الإصابة فى ترجمة عبد الله بن أبى وداعة فقال صبيرة بمهملة ثم موحدة مصغرا. وقال عنه ابن دريد: ضبيرة والزبيرى: صبيرة، وقد سبق ما نقله السهيلى عن الخطابى، وظن الزبيرى فى شرح القاموس أن ضبيرة هو الصواب فلم يثبت غيره.
[ ٥ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهُمْ الْحَجّاجُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ، وَلَمْ يُوَافِقْ الْوَاقِدِيّ وَلَا غَيْرُهُ لِابْنِ إسْحَاقَ عَلَى قَوْلِهِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ، وَقَالُوا:
إنّمَا هُوَ سَعْدٌ، وَقَدْ تَقَدّمَ هَذَا، وَأَحْسَبُ ذِكْرَ الْحَجّاجِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهْمًا فَإِنّهُ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ أُحُدٍ، فَكَيْفَ يُعَدّ فِي أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيّ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَمِنْهُمْ: وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ الْجُمَحِيّ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ جَاءَ أَبُو عُمَيْرٍ فِي فِدَائِهِ فَأَسْلَمَا جَمِيعًا، وَقَدْ ذَكَرَ خَبَرَ إسْلَامِهِ ابْنُ إسْحَاقَ قَبْلَ هَذَا.
وَمِنْهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أَسْلَمَ وَمَاتَ بِالشّامِ شَهِيدًا، وَهُوَ خَطِيبُ قُرَيْشٍ، وَأَخْبَارُهُ مَشْهُورَةٌ فِي السّيرَةِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهُمْ: عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ أَخُو سَوْدَةَ بِنْتِ زَمَعَةَ أَسْلَمَ، وَهُوَ الّذِي خَاصَمَهُ سَعْدٌ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ، وَاسْمُ الِابْنِ الْمُخَاصَمُ فِيهِ: عَبْدُ الرّحْمَنِ، وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ: هُوَ لَك يا عبد بن زمعة «١» .
_________________
(١) روى الجماعة إلا الترمذى عن عائشة رضى عنها قالت: «اختصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة فى غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخى عتبة ابن أبى وقاص، عهد إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخى يا رسول الله. ولد على فراش أبى من وليدته. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحنجى منه يا سودة، فلم تره سودة قط» وفى رواية أبى داود ورواية للبخارى: هو أخوك يا عبد. وله الحجر: أى الخيبة.
[ ٥ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ السّائِبِ [بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ] الْمَخْزُومِيّ، إلَيْهِ كَانَ وَلَاءُ مُجَاهِدِ بْنِ جُبَيْرٍ، الْقَارِي، وَيُقَالُ: فيه مجاهد ابن جَبْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَانَ مُجَاهِدٌ يقول: فى مولاى قيس ابن السّائِبِ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَأَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَهُوَ الّذِي قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِي الْجَاهِلِيّةِ شَرِيكِي، فَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُشَارِينِي وَلَا يُمَارِينِي «١»، وَقِيلَ: إنّ أَبَاهُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَتَقَدّمَ الِاضْطِرَابُ فِي ذَلِكَ وَالِاخْتِلَافُ، وَقَوْلُهُ: يُشَارِينِي مِنْ شَرِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ إذَا تَغَاضَبُوا.
وَمِنْهُمْ نِسْطَاسٌ مَوْلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ «٢»، يُقَالُ: إنّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ أُحُدٍ،
_________________
(١) أخرجه ابن سعد من طريق موسى بن أبى كثير عن مجاهد. ورواية البغوى: قال مجاهد: سمعت ابن قيس بن السائب يقول: إن شهر رمضان يفتديه الإنسان، يطعم فيه كل يوم مسكينا، فأطعموا عنى مسكينا كل يوم صاعا قال قيس: وكان رسول الله ﷺ شريكى فى الجاهلية، فكان خير شريك لا يمارى، ولا يشارى، وأخرجه الدولابى لكنه قال: أبو قيس ابن السائب.. وحول هذا خلاف كبير. وقد تقدم فى الكلام عن أبى السائب
(٢) فى الإصابة أنه كان مولى أبى بن خلف. يقول ابن دريد فى الاشتقاق عن فران: وهو فعلان من قولهم: فررت الفرس وغيره من الدواب: إذا فتحت فاه لتعرف سنه ص ٥٥٠، وهم بنو بَلِيّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ وفران هو ابن بلى، وفران فى الاشتقاق والجمهرة لابن حزم بتشديد الراء، وعنهم يقول ابن حزم «ودار بلى بالأندلس: الموضع المعروف باعهم بشمال قرطبة وهم هنالك إلى اليوم على أنسابهم لا يحسنون الكلام باللطينية لكن بالعربية فقط نساؤهم ورجالهم، ويقرون الضيف، ولا يأكلون أليه الشاة إلى اليوم» ص ٤١٥
[ ٥ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ يُحَدّثُ عَنْ انْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وَدُخُولِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ فِي الْقُبّةِ وَهُرُوبِ صَفْوَانَ بِخَبَرِ عَجِيبٍ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأُسَارَى الّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
مِمّنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ الْأُسَارَى:
وَذَكَرَ فِيمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرٍ الْأَسَدِيّ، وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ حُمَيْدٍ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَأَبُو عُمَرَ، وَالْكَلَابَاذِيّ أَبُو نَصْرٍ، وَهُوَ مَوْلَى حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي نَسَبِ بَلِيّ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ النّسَبِ فَرّانٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ غَيْرَ أَنّ مِنْهُمْ مَنْ يُشَدّدُ الرّاءَ، وَهُوَ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَقَالَ: هُوَ فَعْلَانُ مِنْ الْفِرَارِ «١» .
تَارِيخُ وَفَاةِ رُقَيّةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي السّيرَةِ تَخَلّفَ عُثْمَانَ عَلَى امْرَأَتِهِ رُقَيّةَ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، كَانَ مَوْتُهَا يَوْمَ قَدِمَ زيد ابن حَارِثَةَ بَشِيرًا بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِي وَفَاةِ رُقَيّةَ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي التّارِيخِ حَدِيثَ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- شَهِدَ دَفْنَ بِنْتِهِ رُقَيّةَ، وَقَعَدَ عَلَى قَبْرِهَا، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ أَيّكُمْ لم يقارف
_________________
(١) رواه فى باب الجنائز عن عبد الله بن محمد، وعن محمد بن سنان.
[ ٥ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِهَا، ثُمّ أَنْكَرَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الرّوَايَةَ، وَخَرّجَهُ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ، فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَنَسٍ شَهِدْنَا دَفْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يُسَمّ رُقَيّةَ وَلَا غَيْرَهَا «١» وَرَوَاهُ الطّبَرِيّ، فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَنَسٍ شَهِدْنَا دَفْنَ أُمّ كُلْثُومٍ بنت رسول الله ﷺ، فَبَيّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ كُلّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَمَنْ قَالَ: كَانَتْ رُقَيّةَ، فَقَدْ وَهِمَ بِلَا شَكّ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: أَيّكُمْ يُقَارِفُ اللّيْلَةَ، فَقَالَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، يَعْنِي: الذّنْبَ هَكَذَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنّ رَسُولَ اللهِ، ﷺ كَانَ أَوْلَى بِهَذَا «٢»، وَإِنّمَا أَرَادَ أَيّكُمْ لَمْ يُقَارِفْ أَهْلَهُ، وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُهُ بِهَذَا اللّفْظِ، قَالَ ابْنُ بَطّالٍ: أَرَادَ النّبِيّﷺ- أَنْ يَحْرِمَ عُثْمَانَ النّزُولَ فِي قَبْرِهَا، وَقَدْ كَانَ أَحَقّ النّاسِ بِذَلِكَ، لِأَنّهُ كَانَ بَعْلَهَا، وَفَقَدَ مِنْهَا عِلْقًا
_________________
(١) ذكره البخارى فى باب من يدخل قبر المرأة تعليقا، ووصله الإسماعيلى وكذا قال شريح بن النعمان فليح أخرجه أحمد عنه، وقد روى الواقدى الحديث عن طليح بن سليمان، وفيه أنها أم كلثوم، وأخرجه ابن سعد فى الطبقات فى ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابى فى الذرية الطاهرة والطحاوى من هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، فسماها رقية، كما روى أحمد، وكذا أخرجه البخارى: ما أدرى ما هذا، فإن رقية ماتت، والنبى ببدر لم يشهدها!! قال الحافظ: وهم حماد فى تسميتها فقط، ويؤيد أنها أم كلثوم ما رواه ابن سعد أيضا فى ترجمة أم كلثوم من طريق عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: نزل فى حفرتها أبو طلحة.
(٢) جزم ابن حزم بأن المقصود من يقارف: يجامع، ثم معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله «ص» بأنه لم يذنب تلك الليلة
[ ٥ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا عِوَضَ مِنْهُ، لِأَنّهُ حِينَ قَالَ ﵇: أَيّكُمْ لَمْ يُقَارِفْ اللّيْلَةَ أَهْلَهُ سَكَتَ عُثْمَانُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَنَا، لِأَنّهُ كَانَ قَدْ قَارَفَ لَيْلَةَ مَاتَتْ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ الْهَمّ بِالْمُصِيبَةِ، وَانْقِطَاعِ صِهْرِهِ مِنْ النّبِيّ ﷺ عَنْ الْمُقَارَفَةِ، فَحُرِمَ بِذَلِكَ مَا كَانَ حَقّا لَهُ، وَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا بَيّنٌ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَلَعَلّ النّبِيّ ﷺ قَدْ كَانَ عَلِمَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا، لِأَنّهُ فَعَلَ فِعْلًا حَلَالًا، غَيْرَ أَنّ الْمُصِيبَةَ لَمْ تَبْلُغْ مِنْهُ مَبْلَغًا يَشْغَلُهُ حَتّى حُرِمَ مَا حُرِمَ مِنْ ذَلِكَ بِتَعْرِيضِ غَيْرِ تَصْرِيحٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
أَشْعَارُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ قَدّمْنَا فِي آخِرِ حَدِيثِ الْهِجْرَةِ: أَنّا لَا نَعْرِضُ لِشَرْحِ شَيْءٍ مِنْ الشّعْرِ الّذِي هُجِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَنَالَ فِيهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُشْرِكُونَ إلّا شِعْرًا أَسْلَمَ صَاحِبُهُ، وَتَكَلّمْنَا هُنَالِكَ عَلَى مَا قِيلَ فِي تِلْكَ الْأَشْعَارِ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ من طعن على ابْنِ إسْحَاقَ بِسَبَبِهَا هُنَالِكَ وَبَيّنّا الْحَقّ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
الشّعْرُ الْمَنْسُوبُ إلَى حَمْزَةَ: الشّعْرُ الْمَنْسُوبُ إلَى حَمْزَةَ فِيهِ:
وَمَا ذَاكَ إلّا أَنّ قوما أفادهم
_________________
(١) هناك من يقول: إن مرض المرأة كان قد طال، واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يكن يظن موتها تلك الليلة، وليس فى الخبر ما يقتضى أنه واقع بعد موتها بل، ولا حين احتضارها، وما ذكره السهيلى هو رأى ابن حبيب.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَفَادَهُمْ: أَهْلَكَهُمْ، يُقَالُ: فَادَ الرّجُلُ وَفَاظَ، وَفَطَسَ، وَفَازَ، وَفَوّزَ إذَا هَلَكَ، وَلَا يُقَالُ: فَاضَ بالضا، وَلَا يُقَالُ: فَاظَتْ نَفْسُهُ إلّا فِي لُغَةِ بَنِي ضَبّةَ بْنِ أُدّ.
وَقَوْلُهُ: تَوَاصٍ هُوَ تَفَاعُلٌ مِنْ الْوَصِيّةِ، وَهُوَ الْفَاعِلُ بِأَفَادَهُمْ.
وَفِيهِ يُجَرْجَمُ فِي الْجَفْرِ. الْجَفْرُ كُلّ بِئْرٍ لَمْ تُطْوَ، وَمِثْلُهَا: الْجَفْرَةُ، وَيُجَرْجَمُ: يُجْعَلُ بَعْضُهُ عَلَى بعض «١» .
شعر على:
وَقَالَ فِي الشّعْرِ الّذِي يُعْزَى إلَى عَلِيّ:
بِأَيْدِيهِمْ بِيضٌ خِفَافٌ عَصَوْا بِهَا
يُقَالُ عَصَيْت بِالسّيْفِ وَعَصَوْت بِالْعَصَا «٢»، فَإِذَا أَخْبَرْت عَنْ جَمَاعَةٍ قُلْت عَصُوا بِضَمّ الصّادِ؛ كَمَا يُقَالُ عَمُوا، وَمِنْ الْعَصَا تَقُولُ: عَصَوْا، كَمَا تَقُولُ غَزَوْا.
وَقَوْلُهُ: مُسَلّبَةً، أَيْ قَدْ لَبِسَتْ السّلَابَ، وَهِيَ خرقة سوداء تلبسها الثّكلى. قال لبيد:
_________________
(١) هى فى السيرة: تجرجم بحذف إحدى التاءين وأصله تتجرجم ومعناه كما عند أبى ذر: تسقط، ويروى بضم التاء على البناء للمجهول، ومعناه تصرع. ومن معانى القصيدة أيضا: تقرعن معناه: علون. الذوائب: المقصود: الأعالى. خاص: غدر. النسر: القهر والغلبة. تورطوا: وقعوا فى هلكة. المسدمة: الفحول من الإبل، والزهر: البيض والمازق: الموضع الضيق فى الحرب.
(٢) فى القاموس وشرح أبى ذر يجوز العكس. والبيض الخفاف: السيوف
[ ٥ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَإِنّنِي مُلَاعِبُ الرّمَاحِ وَمِدْرَهَ الْكَتِيبَةَ الرّدَاحِ يَضْرِبْنَ حُرّ أَوْجُهٍ صِحَاحٍ فِي السّلُبِ السّودِ وَفِي الْأَمْسَاحِ فَالسّلُبُ: جَمْعُ سِلَابٍ. حَوْلَ شِعْرِ حَسّانٍ: وَفِي شِعْرِ حَسّانٍ: تَبَلَتْ فُؤَادَك فِي الْمَنَامِ خَرِيدَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْمَنَامِ النّوْمَ، وَمَوْضِعَ النّوْمِ، وَوَقْتَ النّوْمِ، لِأَنّ مَفْعَلًا يَصْلُحُ فِي هَذَا كُلّهِ فِي ذَوَاتِ الْوَاوِ، وَقَدْ تُسَمّى الْعَيْنُ أَيْضًا مَنَامًا، لِأَنّهَا مَوْضِعُ النّوْمِ، وَعَلَيْهِ تُؤُوّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا أَيْ فِي عَيْنِك، وَيُقَوّيهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ. الْفَرْقُ بَيْنَ مَفْعَلٍ وَفَعْلٍ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ النحريين بَيْنَ مَفْعَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَفَعْلٍ، نَحْوَ مَضْرَبٍ وَضَرْبٍ، وَمَنَامٍ وَنَوْمٍ، وَكَذَلِكَ هُمَا فِي التّعْدِيَةِ سَوَاءٌ، نَحْوَ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وَمَضْرَبُ زَيْدٌ عَمْرًا، وَأَمّا فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَالْعِلْمِ بِجَوْهَرِ الْكَلَامِ، فَلَا سَوَاءَ، فَإِنّ الْمَصْدَرَ إذَا حَدّدْته قُلْت ضَرْبَةً وَنَوْمَةً، وَلَا يُقَالُ: مَضْرَبَةً وَلَا مَنَامَةً، فَهَذَا فَرْقٌ، وَفَرْقٌ آخَرُ تَقُولُ: مَا أَنْتَ إلّا نَوْمٌ وَإِلّا سَيْرٌ إذَا قَصَدْت التّوْكِيدَ، وَلَا يَجُوزُ: مَا أَنْتَ إلّا مَنَامٌ وَإِلّا مَسِيرٌ، وَمِنْ جِهَةِ النّظَرِ أَنّ الميم
[ ٥ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم تزد إلا لمعنى زائد كلزوائد الْأَرْبَعِ فِي الْمُضَارِعِ، وَعَلَى مَا قَالُوهُ، تَكُونُ زَائِدَةً لِغَيْرِ مَعْنًى.
فَإِنْ قُلْت: فَمَا ذَاكَ الْمَعْنَى الّذِي تُعْطِيهِ الْمِيمُ؟
قُلْنَا: الْحَدَثُ يَتَضَمّنُ زَمَانًا وَمَكَانًا وَحَالًا، فَالْمَذْهَبُ عِبَارَةٌ عَنْ الزّمَانِ الّذِي فِيهِ الذّهَابُ، وَعَنْ الْمَكَانِ أَيْضًا، فَهُوَ يُعْطِي مَعْنَى الْحَدَثِ وَشَيْئًا زَائِدًا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَدْت الْحَدَثَ مَقْرُونًا بِالْحَالَةِ وَالْهَيْئَةِ الّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ فَأَحَالَ عَلَى التّفَكّرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُسْتَمِرّةِ عَلَى الْبَشَرِ، ثُمّ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ وَلَمْ يَقُلْ مَنَامٌ لِخُلُوّ هَذَا الْمَوْطِنِ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَتَعَرّيه مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الزّائِدِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ جَوْهَرَ الْكَلَامِ لَمْ يَعْرِفْ إعْجَازَ الْقُرْآنِ.
عَوْدٌ إلَى شِعْرِ حَسّانٍ:
وَفِي هَذَا الشّعْرِ:
بُنِيَتْ عَلَى قَطَنٍ أَجَمّ كَأَنّهُ
قَطَنُهَا: ثَبَجُهَا وَوَسَطُهَا «١»، وَأَجَمّ أى: لا عظام فيه.
_________________
(١) عند الخشنى: القطن: ما بين الوركين إلى الظهر، وأجم ممتلىء باللحم، والبوص فى قصيدة حسان: الردف، ومتنضد: علا بعضه بعضا. ونفج: مرتفعة ولحم قيبة: ما يجعله الراكب وراءه فاستعاره هاهنا لردف المرأة.
[ ٥ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: كَأَنّهُ فُضُلًا، نُصِبَ فُضُلًا عَلَى الْحَالِ، أى: كأن قطنها إذَا كَانَتْ فُضُلًا، فَهُوَ حَالٌ مِنْ الْهَاءِ فِي: كَأَنّهُ، وَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ مِنْ صِفَةِ الْمَرْأَةِ لَا مِنْ صِفَةِ الْقَطَنِ، وَلَكِنْ لَمّا كَانَ الْقَطَنُ بَعْضَهَا صَارَ كَأَنّهُ حَالٌ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الضّمِيرِ فِي قَعَدَتْ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَعْمَلَ مَا بَعْدَ إذَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَالْفُضُلُ مِنْ النّسَاءِ وَالرّجَالِ: الْمُتَوَشّحُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالْمَدَاكُ صَلَاءَةُ الطّيبِ «١»، وَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ دُكْت أَدُوكُ، إذَا دَقَقْت، وَمِنْهُ الدّوْكَةُ وَالدّوكَةُ «٢» .
وَقَوْلُهُ: مَرّ الدّمُوكِ يُقَالُ: دَمَكَهُ دَمْكًا، إذَا طَحَنَهُ طَحْنًا سَرِيعًا، وَبَكَرَةٌ دَمُوكٌ، أَيْ: سَرِيعَةُ الْمَرّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا: رَحَى دَمُوكٌ، وَالْمُحْصَدُ الْحَبْلُ الْمُحْكَمُ الْفَتْلُ، وَالرّجَامُ: وَاحِدُ الرّجَامَيْنِ، وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ اللّتَانِ تُلْقَى عَلَيْهِمَا الْبَكَرَةُ، وَالرّجَامُ أَيْضًا: جَمْعُ رُجْمَةٍ، وَهِيَ حِجَارَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، جَمْعُ رَجَمٍ وَهُوَ الْقَبْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الطّيّب:
تمتّع من رفاد أَوْ سُهَادٍ وَلَا تَأْمَلْ كَرًى تَحْتَ الرّجَامِ
فَإِنّ لِثَالِثِ الْحَالَيْنِ مَعْنًى سِوَى مَعْنَى انْتِبَاهِك وَالْمَنَامِ
وَارْقَدّتْ «٣»: أَسْرَعَتْ، وَمَصْدَرُهُ: ارْقِدَادٌ، وَكَذَلِكَ ارْمَدّتْ،
_________________
(١) يعنى الحجر الذى يسحق عليه الطيب.
(٢) الدوكة بفتح الدال: يقال: وقعوا فى دوكة: شر وخصومة. والدوكة بالضم: المرض، ووقعوا فى دوكة: شر وخصومة.
(٣) فى السيرة: وارمدت ويقول الخشنى فى شرحه للسيرة وارمدت-
[ ٥ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَافْعَلّ فِي غَيْرِ الْأَلْوَانِ وَالْخُلُقِ عَزِيزٌ، وَأَمّا انْقَضّ فَلَيْسَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، لِأَنّك تَقُولُ فِي مَعْنَاهُ تَقَضّضَ الْبِنَاءُ، فَالْقَافُ: فَاءُ الْفِعْلِ، وكذلك تقضّى البازى، لأنه منه، وَغَلِطَ الْفَسَوِيّ فِي الْإِيضَاحِ، فَجَعَلَ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضّ مِنْ بَابِ احْمَرّ، وَإِنّمَا هُوَ مِنْ بَابِ انْقَدّ وَانْجَرّ وَالنّونُ زَائِدَةٌ، وَوَزْنُهُ: انْفَعَلَ، وَكَذَلِكَ غَلِطَ الْقَالِي فِي النّوَادِرِ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ: وَجَرْيُهَا انْثِرَارٌ أَنّهُ افْعِلَالٌ مِنْ النّثْرِ، كَمَا قَالَ الْفَسَوِيّ فِي الِانْقِضَاضِ، وَإِنّمَا هُوَ انْفِعَالٌ مِنْ عَيْنٍ ثَرّةٍ أَيْ كَثِيرَةِ الْمَاءِ.
وَدُسْنَهُ بِحَوَامّ يَعْنِي: الْحَوَافِرَ، وَمَا حَوْلَ الْحَوَافِرِ، يُقَالُ الْحَامِيَةُ، وَجَمْعُهُ حَوَامّ.
حَوْلَ شِعْرِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: وَقَوْلِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ:
حَتّى عَلَوْا مُهْرِي بِأَشْقَرَ مُزْبِد يَعْنِي: الدّمَ، وَمُزْبِدٌ، قَدْ عَلَاهُ الزّبَدُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْأَحِبّةُ فِيهُمُ: يَعْنِي مَنْ قُتِلَ أَوْ أُسِرَ: مِنْ رَهْطِهِ وَإِخْوَتِهِ.
عَوْدٌ إلَى حَسّانٍ: وَقَوْلُ حَسّانٍ: بِكَتِيبَةِ خَضْرَاءَ من بلخزرج:
_________________
(١) - وارقدت معناهما جميعا: أسرعت، وقال بعض اللغويين: الارقداد: السرعة عند نفور.
[ ٥ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَرَبُ تَجْعَلُ الْأَسْوَدَ أَخْضَرَ، فَتَقُولُ: لَيْلٌ أَخْضَرُ كَمَا قَالَ [ذُو الرّمّةِ:
قَدْ أَعْسَفَ النّازِحُ الْمَجْهُولُ مَعْسَفُهُ فِي ظِلّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَةَ الْبُومِ
وَتُسَمّي الْأَخْضَرَ أَسْوَدَ، إذَا اشْتَدّتْ خُضْرَتُهُ، وفى التنزيل: (مدهامّتان)، قال أهل التأويل: سود اوان مِنْ شِدّةِ الْخُضْرَةِ.
وَقَوْلُهُ: بِكُلّ أَبْيَضَ سَلْجَجِ، هو السيف الماضى الذى يقطع الضريبة بسهولة، ومنه الْمَثَلُ: الْأَخْذُ سَلَجَانَ وَالْقَضَاءُ لِيّانْ «١»، أَيْ الْأَخْذُ سَهْلٌ يَسُوغُ فِي الْحَلْقِ بِلَا عُسْرٍ، كَمَا قَالُوا: الْأَخْذُ سُرّيْطٌ [وَسُرّيْطَى] وَالْقَضَاءُ ضُرّيْطٌ [وَضُرّيْطَى] «٢» فَسُرّيْطٌ مِنْ سَرِطْت الشّيْءَ إذَا بَلَعْته سَهْلًا، فَسَلْجَجُ مِنْ هَذَا، إلّا أَنّهُمْ ضَاعَفُوا الْجِيمَ، كَمَا ضَاعَفُوا الدّالَ مِنْ مَهْدَدِ «٣»، وَلَمْ يُدْغِمُوا إلّا أنهم ألحقوه بجعفر.
_________________
(١) السلجان: الأكل السريع، ويروى: الأكل مكان الأخذ. ويقال فيمن يحب أن يأخذ، ويكره أن يرد، أى إذا أخذ الرجل الدين أكله فإذا أراد صاحب الدين حقه، لواه به، أى مطله
(٢) وقالوا سريطى، وضريطى بضم الحرف الأول وتشديد الثانى مع فتحه، وفتح الطاء فى الكلمتين، أى: يأخذ الدين، فيسترطه، فاذا استقضاه غريمه أضرط به، و: امثله لأخذ سرطان، والقضاء ليان. وقد ضبط ليان فى باب سلح بكسر اللام، وهنا بفتحها، وقال إنها بالضبطين فى مادة لوى أى بفتح اللام وكسرها. وبعض العرب يقول: الأخذ سريطاء، بضم ففتح فسكون، والقضاء ضريطاء. بنفس ضبط سريطاء. وقال بعض الأعراب: الأخذ سربطى بكسر فتشديد مع كسر وفتح الطاء، والقضاء ضريطى بضبط سريطى:
(٣) سبق بسط القول عن مهدد.
[ ٥ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: بَلْخَزْرَجِ، أَرَادَ: بَنِي الْخَزْرَجِ، فَحَذَفَ النّونَ لِأَنّهَا مِنْ مَخْرَجِ اللّامِ، وَهُمْ يَحْذِفُونَ اللّامَ فِي مِثْلِ، عَلْمَاءِ وَظِلْتُ «١»، كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ اللّامَيْنِ، وَكَذَلِكَ أَحَسْتُ كَرَاهِيَةَ التّضْعِيفِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ﵂- تَرِبَتْ يَمِينُك وَأُلْتِ، أَرَادَتْ: أُلِلْتِ، أَيْ طُعِنْت «٢» مِنْ قَوْلِهِمْ: مَالُهُ أُلّ وَغُلّ، وَيُرْوَى: أُلّتْ فَتَكُونُ التّاءُ عَلَمًا لِلتّأْنِيثِ، أَيْ أُلّتْ يَدُك، وَعِنْدَنَا فِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَهِيَ تَرِبَتْ يَدَاك وَأُلّتِ بِكَسْرِ التّاءِ وَتَشْدِيدِ اللّامِ وَهِيَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ فِي رَدَدْتِ رَدّتْ فَيُدْغِمُ مَعَ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَهِيَ لُغَةٌ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ «٣» [مِنْ أَحْكَامِ الْأَفْعَالِ الْمَبْنِيّةِ عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيّ لِلْمَجْهُولِ] .
وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبٍ وَفِيهِ:
لَعَمْرُ أَبِيكُمَا يَا بَنِي لُؤَيّ عَلَى زَهْوٍ لَدَيْكُمْ وَانْتِخَاءِ
الِانْتِخَاءُ. افْتِعَالٌ مِنْ النّخْوَةِ، وَيُقَالُ نُخِيَ الرّجُلُ وَانْتَخَى. وَمِنْ الزّهو:
_________________
(١) أصلهما: على الماء وظللت، وقالوا: علرض وجلمر، وسلقامة فى على الارض، وجلا الأمر، وسلا الإقامة وكلها بفتح الأول وتضعيف الثانى مع؟؟؟. الشافية ح ٣ ص ٢٤٦.
(٢) فعل هذا المعنى: أل- بفتح الهمزة وتضعيف اللام، ويؤل بضم الهمزة وتضعيف اللام. وقد ضبط ابن الأثير الفعل بهذا المعنى كما ضبطته وقال: وروى بضم الهمزة مع التشديد أى: طعنت بالألة بفتح الهمزة وتضعيف اللام مع فتح- وهى الحربة العريضة النصل، وفيه بعد، لأنه لا يلائم لفظ الحديث وقال: إن امرأة سألت عن المرأة تحتلم، فقالت لها عائشة ﵂: تربت يداك وألت، وهل ترى المرأة ذلك. ثم ضبط ألت بفتح الهمزة وتضعيف اللام، وفسرها بقوله: أى هاجت لما أصابها مر شدة هذا الكلام.
(٣) هى لغة بكر بن وائل وغيرهم.
[ ٥ / ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زُهِيَ وَازْدَهَى، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ مِنْ مِثْلِ «١» هَذَا إلّا بِاللّامِ، لِأَنّ الْفِعْلَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ، وَإِذَا أُمِرَ مَنْ لَيْسَ بِمُخَاطَبِ، فَإِنّمَا يُؤْمَرُ بِاللّامِ كَقَوْلِك:
لِتُزْهَ يَا فُلَانٌ وَلِتُعْنَ بِحَاجَتِي، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَيْضًا أَنْ لَا يُقَالَ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ:
مَا أَفْعَلَهُ، وَلَا هُوَ أَفْعَلُ مِنْ كَذَا، كَمَا لَا يُقَالُ فِي الْمَرْكُوبِ: مَا أَرْكَبَهُ، وَلَا فِي الْمَضْرُوبِ، مَا أَضْرَبَهُ، وَلَكِنّهُ قَدْ جَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ: مَا أَزْهَاهُ، وَمَا أَعْنَاهُ بِحَاجَتِي، وَقَالُوا: هُوَ أَشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النّحْيَيْنِ، وَهُوَ أَزْهَى مِنْ غُرَابٍ، وَالْفِعْلُ فِي هَذَا كُلّهِ زُهِيَ وَشُغِلَ فَهُوَ مَشْغُولٌ وَمَزْهُوّ. وَقِيلَ فِي الْمَجْنُونِ مَا أَجَنّهُ حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ [صَالِحُ بْنُ إسْحَاقَ] الْجَرْمِيّ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنّ الْعَرَبَ تُقَدّمُ فِي كَلَامِهَا مَا هُمْ بِهِ أَهَمّ، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جَمِيعًا يَهُمّانِهِمْ، وَيَعْنِيَانِهِمْ، فَقَالَ أَهَمّ وَأَعْنَى، وَهُوَ مِنْ هَمّهِمْ وَعَنَاهُمْ، فَهُمْ بِهِ مَعْنِيّونَ مِثْلَ مَضْرُوبُونَ، فَجَازَ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَا تَرَى، وَسَبَبُ جَوَازِهِ: أَنّ الْمَفْعُولَ فِيهَا فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى، فَالْمَزْهُوّ مُتَكَبّرٌ وَكَذَا الْمَنْخُوّ وَالْمَشْغُولُ مُشْتَغِلٌ وَفَاعِلٌ لِشُغْلِهِ، وَالْمَعْنِيّ بِالْأَمْرِ كَذَلِكَ، وَالْمَجْنُونُ كَالْأَحْمَقِ، فَيُقَالُ: مَا أَجَنّهُ، كَمَا يُقَالُ: مَا أَحْمَقَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَضْرُوبٌ، وَلَا مَرْكُوبٌ وَلَا مَشْتُومٌ، وَلَا مَمْدُوحٌ، فَلَا يُقَالُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ: مَا أَفْعَلَهُ، وَلَا هُوَ أَفْعَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قُلْت: فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَيْضًا أَنْ يُؤْمَرَ فِيهِ بِغَيْرِ اللّامِ، كَمَا يُؤْمَرُ الْفَاعِلُ إذًا، وَقَدْ قُلْتُمْ: أَنّهُ فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى فَالْجَوَابُ: أَنّ الْأَمْرَ إنّمَا هُوَ بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ تَضْرِبُ وَتَخْرُجُ، فَإِذَا أَمَرْت حذفت حرف المضارعة،
_________________
(١) فى الأصل ولا يكون إلا من مثل.
[ ٥ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبَقِيَتْ حُرُوفُ الْفِعْلِ عَلَى بِنْيَتِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ زُهِيت فَأَنْتَ تُزْهَى، وَلَا شُغِلْت فَأَنْتَ تُشْغَلُ، لِأَنّك لَوْ حَذَفْت مِنْهُ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ لَبَقِيَ لَفْظُ الْفِعْلِ عَلَى بِنْيَةٍ لَيْسَتْ لِلْغَائِبِ، وَلَا لِلْمُخَاطَبِ، لِأَنّ بِنْيَةَ الْأَمْرِ لِلْمُخَاطَبِ افْعَلْ، وَبِنْيَتُهُ لِلْغَائِبِ، فَلْيَفْعَلْ، وَالْبِنْيَةُ الّتِي قَدّرْنَاهَا لَا تَصْلُحُ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا، لِأَنّك كُنْت: تَقُولُ أَزْهَى مِنْ زُهِيت، وَكُنْت تَقُولُ مِنْ شُغِلْت أَشْغَلُ، فَتَخْرُجُ مِنْ بَابِ شُغِلْت فَأَنْتَ مَشْغُولٌ إلَى بَابِ شَغَلْت غَيْرَك، فَأَنْتَ شَاغِلٌ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ فِيهِ الأمر إلا باللّام.
وقوله: وميكال فياطيب الْمَلَاءِ أَرَادَ الْمَلَأَ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ مَدّ الْمَقْصُورِ، إذْ لَا يَجُوزُ فِي عَصَى عَصَاءٌ، وَلَا فِي رَحَى: رَحَاءٌ فِي الشّعْرِ، وَلَا فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَشْبَعُوا الْحَرَكَاتِ فِي الضّرُورَةِ، فَقَالُوا فِي الْكَلْكَلِ الْكَلْكَالَ، وَفِي الصّيَارِفِ: الصّيَارِيفَ، وَلَكِنّ مَدّ الْمَقْصُورِ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا، لِأَنّ زِيَادَةَ الْأَلِفُ تَغْيِيرٌ وَاحِدٌ، وَمَدّ الْمَقْصُورِ تَغْيِيرَانِ، زِيَادَةُ أَلِفٍ وَهَمْزُ مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزِ، غَيْرَ أَنّهُ قَدْ جَاءَ فِي شِعْرِ طَرَفَةَ:
وَكَشْحَانِ لَمْ يَنْقُصْ طَوَاءَهُمَا الْحَبَلْ
«١» لَكِنّهُ حَسّنَهُ قَلِيلًا فِي بَيْتِ طَرَفَةَ فِي أَنّهُ لم يرد الطّوى الذى هو مصدر،
_________________
(١) الذى فى اللسان: والطواء أن ينطوى ثديا المرأة، فلا يكسرهما الحبل- بفتح الباء- وأنشد: وثديان لم بكسر طواءهما الحبل
[ ٥ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طَوِيَ يَطْوِي: إذَا جَاعَ، وَخَوِيَ بَطْنُهُ، وَإِنّمَا أَرَادَ: رِقّةَ الْخَصْرِ، وَذَلِكَ جَمَالٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَكَمَالٌ فِي الْخِلْقَةِ، فَجَاءَ بِاللّفْظِ عَلَى وَزْنِ جمال وكمال، وظهر فى لفظه ما كَانَ فِي نَفْسِهِ، وَالْعَرَبُ تَنْحُو بِالْكَلِمَةِ إلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا، وَقَدْ مَضَى مِنْهُ كَثِيرٌ وَسَيَرِدُ عَلَيْك مَا هُوَ أَكْثَرُ.
وَأَمّا الْمَلَأُ وَالْخَطَأُ وَالرّشَأُ وَالْفَرَأُ «١» وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنّ هَمْزَتَهُ تُقْلَبُ أَلِفًا فِي الْوَقْفِ بِإِجْمَاعِ نَعَمْ، وَفِي الْوَصْلِ فِي بَعْضِ اللّغَاتِ، فَيَكُونُ الْأَلِفُ عِوَضًا مِنْ الْهَمْزَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوّضِ مِنْهُ، كَمَا قَالُوا هَرَاقَ الْمَاءَ، وَإِنّمَا كَانَتْ الْهَاءُ بَدَلًا مِنْ الْهَمْزَةِ، فَجَمَعُوا بَيْنَهُمَا، وَقَالُوا فِي النّسَبِ إلَى فَمٍ فَمَوِيّ، وَقَالُوا فِي النّسَبِ إلَى الْيَمَنِ يَمَنِيّ، ثُمّ قَالُوا: يَمَانٍ، فَعَوّضُوا الْأَلِفَ مِنْ إحْدَى الْيَاءَيْنِ، ثُمّ قَالُوا يَمَانِيّ بِالتّشْدِيدِ فجمعوا بين العوض والمعوّض منه، فياطيب الْمَلَاءِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ الْخَطَاءُ فِي الْخَطَأِ. قَالَ الشّاعِرُ:
فَكُلّهُمْ مُسْتَقْبِحٍ لِصَوَابِ مَنْ يُخَالِفُهُ مُسْتَحْسِنٌ لِخَطَائِهِ
وَقَدْ قَالَ وَرَقَةُ: إلّا مَا غَفَرْت خَطَائِيَا «٢» (فَإِنْ قِيلَ) فَقَدْ أنشد أبو علىّ فى مد المقصور:
_________________
(١) الرشأ: الظبى إذا قوى ومشى مع أمه. والفرأ: حمار الوحش أو فتيه. والملأ أشراف القوم.
(٢) هو سهو من السهيلى. فان هذا الكلام جزء من بيت شعر نسب فى السيرة إلى زيد بن عمرو بن نفيل، وقال ابن هشام إن القصيدة كلها-
[ ٥ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَا لَك مِنْ تَمْرٍ وَمِنْ شِيشَاءِ يَنْشَبُ فِي الْمَسْعَلِ وَاللهَاءِ
أَرَادَ: جَمْعَ لَهَاةٍ. قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُوَلّدًا، وَإِنْ كَانَ عَرَبِيّا، فَلَعَلّ الرّوَايَةَ فِيهِ: اللهَاءُ بِكَسْرِ اللّامّ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ أَكَمَةَ وَإِكَامٍ، وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ «١» .
شَرْحُ شِعْرِ أَبِي أُسَامَةَ: وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي أُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ الْجُشَمِيّ وَفِيهِ:
وَقَدْ زَالَتْ «٢» نَعَامَتُهُمْ لِنَفْرِ
الْعَرَبُ تَضْرِبُ زَوَالَ النّعَامَةِ مَثَلًا للفرار، وتقول:
شالت نعامة القوم
_________________
(١) - لابن أبى الصلت إلا البيتين الأولين والبيت الخامس والبيت الأخير. أنظر ص ٣٤٩ ح ٢ الروض من هذه الطبعة.
(٢) أنظر فى اللسان مادة لها؛ إذ يقول ابن سيدة بعد أن خطأ رواية فتح اللام فى لها: إن فعلة يكسر على فعال- بكسر الفاء- ونظيره ما حكاه سيبويه من قولهم: أضاة وإضاء، ومثله من السالم: رحبة ورحاب، ورقبة ورقاب، قال ابن برى: إنما مد قوله فى المسعل واللهاء للضرورة، قال: هذه الضرورة على من رواه بفتح اللام، لأنه مد المقصور وذلك مما ينكره البصريون. قال: وكذلك ما قيل فى هذا البيت: قد علمت أم أبى السعلاء أن نعم مأكولا على الخواء فمد السعلاء والخواء ضرورة
(٣) فى السيرة: شالت.
[ ٥ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا فرّوا وهلكوا. قال الشّاعِرُ:
يَا لَيْتَ مَا أُمّنَا شَالَتْ نَعَامَتُهَا إمّا إلَى جَنّةٍ إمّا إلَى نَارٍ «١»
وَقَالَ أُمَيّةُ:
اشْرَبْ هَنِيئًا فَقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ
«٢» وَالنّعَامَةُ فِي اللّغَةِ: بَاطِنُ الْقَدَمِ، وَمَنْ مَاتَ فَقَدْ شَالَتْ رِجْلُهُ، أَيْ:
ارْتَفَعَتْ، وَظَهَرَتْ نَعَامَتُهُ، وَالنّعَامَةُ أَيْضًا الظّلْمَةُ «٣»، وَابْنُ النّعَامَةِ عِرْقٌ فِي بَاطِنِ الْقَدَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ زَالَتْ نَعَامَتُهُمْ، كما يقال: زال سواده،
_________________
(١) فى التصريح على التوضيح أن البيت لسعد بن فرط لا الأخوص خلافا للجوهرى. ويروى هكذا. يا ليتما أمنا شالت نعامتها أيما إلى جنة أيما إلى نار أقول: وهكذا روايته أيضا فى مغنى اللبيب رواه وهو يتحدث عن إما الثانية فى قولهم: جاء إما زيد وإما عمر وباعتبار أن إما عاطفة. قال: وزعم يونس الفارسى وابن كيسان أنها غير عاطفة كالأولى ووافقهم ابن مالك لملازمتها الواو العاطفة غالبا. ومن غير الغالب قوله: وأنشد البيت، ثم قال: وفيه شاهد ثان، وهو فتح الهمزة، - يعنى فى أيما-، وثالث وهو الإبدال أى جعل الميم ياء من إما. قال: ونقل ابن عصفور الإجماع على أن إما غير عاطفة. وذكر الأمير فى حاشيته على المغنى أن البيت لرجل من بنى عبد القيس يقال له: سعد كان عافا لأمه وكانت به بارة.
(٢) فى اللسان: وأنشد ابن برى لأبى الصلت الثقفى: اشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم وأسبل اليوم فى برديك إسبالا وانظر القاموس مادة أمه، فقد رواه إيما وإيما بكسر الهمزة.
(٣) ذكر اللسان لها معانى كثيرة جدا غير ما ذكر.
[ ٥ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَضَحَا ظِلّهُ إذَا مَاتَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ضَرَبَ النّعَامَةَ مَثَلًا، وَهُوَ الظّاهِرُ فِي بَيْتِ أَبِي أُسَامَةَ؛ لِأَنّهُ قَالَ: زَالَتْ نَعَامَتُهُمْ لِنَفْرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ أَشْرَدُ مِنْ نَعَامَةٍ، وَأَنْفَرُ مِنْ نَعَامَةٍ قَالَ الشّاعِرُ:
هُمْ تَرَكُوك أَسْلَحَ مِنْ حُبَارَى رَأَتْ صَقْرًا وَأَشْرَدَ مِنْ نَعَامٍ «١»
وَقَالَ آخَرُ:
وَكُنْت نَعَامًا عِنْدَ ذَاكَ مُنَفّرًا فَإِذَا قُلْت: زَالَتْ نَعَامَتُهُ، فَمَعْنَاهُ: نَفَرَتْ نَفْسُهُ الّتِي هِيَ كَالنّعَامَةِ فِي شَرُودِهَا وَقَوْلُهُ:
وَأَنْ تُرِكَتْ سَرَاةُ الْقَوْمِ صَرْعَى سَرَاةُ كُلّ شَيْءٍ: مَا علا منه، وَسَرَاةُ الْفَرَسِ: ظَهْرُهُ لِأَنّهُ أَعْلَاهُ. قَالَ الشّاعِرُ يَصِفُ حِمَارًا:
بُسْرَاتِهِ نَدَبٌ لَهَا وَكُلُومٌ وَقَوْلُهُمْ: سَرَاةُ الْقَوْمِ، كَمَا تَقُولُ: كَاهِلُ الْقَوْمِ، وَذِرْوَةُ الْقَوْمِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: إنّ مُضَرَ كَاهِلُ الْعَرَبِ، وتميم كاهل مضر، وبنو سعد كاهل
_________________
(١) الحبارى ترمى الصقر بسلحها- ومعناه معروف- إذا أراغها ليصيدها، فتلوث ريشه بلثق سلحها، ويقال: إن ذلك يشتد على الصقر لمنعه إياه من الطيران. والحبارى طائر طويل العنق رمادى اللون على شكل الأوزة، فى منقاره طول، الذكر والأنثى والجمع فيه سواء
[ ٥ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَمِيمٍ. وَقَالَ بَعْضُ خُطَبَاءِ بَنِي تَمِيمٍ: لَنَا الْعِزّ الْأَقْعَسُ، وَالْعَدَدُ الْهَيْضَلُ، وَنَحْنُ فِي الْجَاهِلِيّةِ الْقُدّامُ، وَنَحْنُ الذّرْوَةُ وَالسّنَامُ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ بَيّنٌ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَقُولَ فِي الذّرْوَةِ، وَلَا فِي السّنَامِ، وَلَا فِي الْكَاهِلِ إنّهُ جَمْعٌ أَيْ مِنْ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ، وَلَا اسْمٌ لِلْجَمْعِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَالَ فِي سَرَاةِ الْقَوْمِ، أَنّهُ جَمْعُ سَرِيّ، لَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَلَا عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، كَمَا لَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي كَاهِلِ الْقَوْمِ، وَسَنَامِ الْقَوْمِ، وَالْعَجَبُ كَيْفَ خَفِيَ هَذَا عَلَى النّحْوِيّينَ، حَتّى قلّد الخالف منهم السّالِفَ، فَقَالُوا: سَرَاةٌ جَمْعُ سَرِيّ «١»، وَيَا سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يَكُونُ جَمْعًا لَهُ، وَهُمْ يَقُولُونَ فِي جَمْعِ سَرَاةٍ سَرَوَاتٍ، مِثْلَ قَطَاةٍ وَقَطَوَاتٍ، يُقَالُ: هَؤُلَاءِ مِنْ سَرَوَاتِ النّاسِ، كَمَا تَقُولُ: من رؤس الناس، قال قيس ابن الخطيم:
وعمرة من سروات النّساء تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانُهَا
وَلَوْ كَانَ السّرَاةُ جَمْعًا مَا جُمِعَ لِأَنّهُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَة، وَمِثْلُ هَذَا الْبِنَاءِ فِي الْجَمُوعِ لَا يُجْمَعُ، وَإِنّمَا سَرِيّ فَعِيلٌ مِنْ السّرْوِ، وَهُوَ الشّرَفُ، فَإِنْ جُمِعَ عَلَى لَفْظِهِ، قِيلَ سُرًى وَأَسْرِيَاءُ «٢»، مِثْلَ غَنِيّ وَأَغْنِيَاءَ، وَلَكِنّهُ قَلِيلٌ وُجُودُهُ وَقِلّةُ وُجُودِهِ لَا يَدْفَعُ الْقِيَاسَ فِيهِ، وَقَدْ حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: أَذْبَاحُ عِتَرٍ: جَمْعُ ذَبْحٍ، وَعِتَرٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ: الصّنَمُ الّذِي كَانَ يَعْتِرُ لَهُ
_________________
(١) فِي القاموس: السراة: اسم جمع جمعه: سروات، وكذلك فى اللسان منسوب إلى سيبويه. وقال ابن برى: هى اسم مفرد للجمع عند سيبويه.
(٢) زاد اللحيانى: سرواء بضم ففتح، وفى اللسان شرح واف للكلمة.
[ ٥ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى الجاهليّة، أى: تذبح له الْعَتَائِرُ، جَمْعُ: عَتِيرَةٍ، وَهِيَ الرّجَبِيّةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي نَسَبِ النّبِيّﷺ- أَوّل مَنْ سَنّ الْعَتِيرَة، وَأَنّهُ بُورُ بْنُ صَحُورَا، وَأَنّ أَبَاهُ سَنّ رَجَبًا لِلْعَرَبِ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: سَعْدٌ رَجَبٍ، وَلَوْ قَالَ:
أَذْبَاحُ عِتَرِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَجَازَ لِأَنّهُ مَصْدَرٌ.
وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ جُمّةً. الْجُمّةُ: السّوَادُ، وَالْجُمّةُ: الْفِرْقَةُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِالْجُمّةِ سَوَادَ الْقَوْمِ وَكَثْرَتَهُمْ، فَلَهُ وَجْهٌ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْفِرْقَةَ مِنْهُمْ، فَهُوَ أَوْجَهُ»
، وَقَدْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ.
وَقَوْله: عَطَيَانُ بَحْرٌ: فَيَضَانُهُ «٢» .
وَقَوْلُهُ: أُبَيّنُ نِسْبَتِي نَقْرًا بِنَقْرِ. النّقْرُ: الطّعْنُ فِي النّسَبِ وَغَيْرِهِ، يَقُولُ: إنْ طَعَنْتُمْ فِي نَسَبِي، وَعِبْتُمُوهُ بَيّنْت الْحَقّ وَنَقَرْت فِي أَنْسَابِكُمْ، أَيْ عِبْتهَا، وَجَازَيْت عَلَى النّقْرِ بِالنّقْرِ، وَقَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْ الْعَرَبِ: مَرّوا بِي عَلَى بَنِي نَظَرِي «٣» يَعْنِي الْفَتَيَانِ الّذِينَ يَنْظُرُونَ إلَيّ وَلَا تَمُرّوا بِي عَلَى بَنَاتِ نَقْرِي، يعنى النّساء اللّواتى ينقرن أى: يعبن.
_________________
(١) فى شرح السيرة لأبى ذر: وكانت جمة: من رواه يالجم، فمعناه: الجماعة من الناس، واكثر ما يقال فى الجماعة الذين يأتون يسألون فى الدية، ومن رواه حمة بالحاء المهملة، فمعناه: قرابة وأصدقاء من الحميم وهو القريب. وهى فى السيرة: جمة.
(٢) هى فى السيرة: غيطان، وهى إحدى الروايات. يقول أبو ذر الخشنى عن رواية الغطيان: والغطيان هنا: الماء الكثير الذى يغطى ما يكون فيه، ويروى: غيطان بحر.
(٣) بفتح النون والظاء والراء، وتقال بتضعيف الظاء أيضا. وفى اللسان أنها قالت ذلك لبعلها. وبنو نظرى: أهل النظر إلى النساء والتغزل بهن.
[ ٥ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: دُعِيت إلَى أُفَيْدِ، تَصْغِيرُ وَفْدٍ، وَهُمْ الْمُتَقَدّمُونَ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مِنْ نَاسٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ إبِلٍ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ مِثْلَ: رَكْبٍ، وَلِذَلِكَ جَازَ تَصْغِيرُهُ، وَقِيلَ: أُفَيْدِ: اسْمُ مَوْضِعٍ «١» .
وَقَوْلُهُ: عَلَى مُضَافٍ. الْمُضَافُ: الْخَائِفُ الْمُضْطَرّ.
وَقَوْلُهُ:
فَدُونَكُمْ بَنِي لَأْيٍ أَخَاكُمْ هَذَا شَاهِدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي نَسَبِ النّبِيّﷺ- وَاشْتِقَاقُ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ، وَقُلْنَا فِي لُؤَيّ: إنّهُ تَصْغِيرُ لَأْيٍ، وَاخْتَرْنَا هَذَا الْقَوْلَ على قول ابن الأنبارىّ وفطرب، وَحَكَيْنَا قَوْلَهُ، وَشَاهِدَهُ، وَإِنّمَا أَرَادَ هَهُنَا بِبَنِي لأى بنى لؤىّ، فجاء به مكبّرا عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ:
مُوَقّفَةُ الْقَوَائِمِ أُمّ أَجْرِ يَعْنِي الضّبُعَ، وَمُوَقّفَةُ مِنْ الْوَقْفِ، وَهُوَ الْخَلْخَالُ، لِأَنّ فِي قَوَائِمِهَا سَوَادًا.
قَالَ الشّاعِرُ [أَبُو وَجْزَةَ السّعْدِيّ]:
وَخَائِفٍ لَحْمٍ شَاكًا برَاشَتُهُ كأنه قاطم وقفين من عاج «٢»
_________________
(١) يرى الخشنى أنه اسم رجل فقال فى البيت الثامن: أصلها: يا مالك فرخم. وحذف حرف النداء.
(٢) البيت فى اللسان فى مادة قطم منسوب إلى أبى وجزة، وفى مادة شوك-
[ ٥ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأُمّ أَجْرِ: جَمْعُ جَرْ، وَكَمَا نَقُولُ: دَلْوٌ وَأَدْلٍ، وَهَذَا كَقَوْلِ الْهُذَلِيّ:
وَغُودِرَ ثَاوِيًا وَتَأَوّبَتْهُ مُوَقّفَةُ أُمَيْمُ لَهَا فَلِيلُ «١»
وَالْفَلِيلُ: عُرْفُهَا، وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
يَا لَهْفَ مِنْ عَرْفَاءَ ذَاتِ فَلِيلَةٍ جَاءَتْ إلَيّ عَلَى ثَلَاثٍ تَخْمَع
وَتَظِلّ تَنْشِطُنِي وَتَلْحَمُ أَجْرِيًا وَسَطَ الْعَرِينِ، وَلَيْسَ حَيّ يَدْفَعُ
لَوْ كَانَ سَيْفَيْ بِالْيَمِينِ دَفَعْتهَا عَنّي وَلَمْ أو كل وَجَنْبِي الْأَضْبُعُ
فَوَصَفَهَا أَنّهَا تَخْمَع، كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُهَلّبِ: الضّبُعَةُ الْعَرْجَاءُ، وَلَحِنَ فِي قَوْلِهِ:
الضّبْعَةُ «٢» . وَقَالَ آخَرُ:
فَلَوْ مِاْت مِنْهُمْ مَنْ جَرَحْنَا لَأَصْبَحَتْ ضِبَاعٌ بِأَكْنَافِ الشّرَيْفِ عَرَائِسَا
وَذَلِكَ أَنّ الضّبُعَ يُقَلّبُ الْقَتِيلَ عَلَى قَفَاهُ فِيمَا ذُكِرَ، وَتَسْتَعْمِلُ كَمَرَتَهُ، لِأَنّهَا أَشْيَقُ الْبَهَائِمِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهَا حِينَ تُصْطَادُ: أَبْشِرِي أُمّ عَامِرٍ بِجَرَادِ عُضَالٍ وَكَمَرِ رِجَالٍ، يَخْدَعُونَهَا بِذَلِكَ، وَهِيَ تَكَنّى أُمّ عَامِرٍ، وَأُمّ عَمْرٍو، وَأُمّ الْهِنّبْرِ [وَأُمّ عِتَابٍ وَأُمّ طَرِيقٍ وَأُمّ نَوْفَلٍ]، وَأُمّ خنّور وأم خنور
_________________
(١) - بيتان من القصيدة. ويريد بالموقفة: الضبع التى تأكل القتلى والموتى كما يقول أبو ذر. والوقف أيضا- السوار- من العاج، وأنشد ابن برى لابن مقبل: كأنه وقف عاج بات مكنونا
(٢) البيت فى اللسان لساعد بن جؤية وفيه: مذرعة بدلا من موقفة.
(٣) لأن الأنثى ضبع بفتح الضاد وضم الباء، أما الذكر فضبعان، والأنثى أيضا ضبعانة بكسر الضاد فى الكلمتين.
[ ٥ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعًا وَتُسَمّى: حَضَاجِرَ وَجَعَار [وَالْعَثْوَاءُ وَذِيخَة وَعَيْلَم وجيعر، وَأُمّ جَعْوَر] وَقَثَام وَجَيْأَل وَعَيْشُوم، وَقَثَام أَيْضًا اسْمٌ لِلْغَنِيمَةِ الْكَثِيرَةِ يُقَالُ أَصَابَ الْقَوْمُ قُثَامًا، قَالَهُ الزّبَيْرُ، وحيثل وَعَيْثُوم، وَأَمّا الذّكَرُ مِنْهَا فَعَيْلَام وَعِثْيَان وَذِيخٌ [وَأَبُو كَلَدَةَ وَنَوْفَلٌ والأعثى] «١» وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِ الْأَسَدِ فِي الْغِيلِ: مُجْرٍ، أَيْ: ذُو أُجَرَاءَ، وَالْأَبَاءَةُ:
الْأَجَمَةُ الّتِي هُوَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْغِيلُ وَالْخِدْرُ وَالْعَرِين وَالْعِرّيسَة.
وَقَوْلُهُ أُحْمَى الْأَبَاءَةَ، أَيْ: حَمَاهَا، وَأَحْمِي لُغَةٌ فِي حَمَى لَكِنّهَا ضَعِيفَةٌ، وَلَعَلّهُ أَرَادَ: أَحْمَى الْأَبَاءَةَ، أَيْ جَعَلَهَا كَالنّارِ الْحَامِيَةِ، يُقَالُ: أَحْمَيْت الْحَدِيدَةَ فِي النّارِ، يَعْنِي: إنّ أَبَاءَتَهُ قَدْ حَمِيَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ كُلَافٍ، لَعَلّهُ أَرَادَ مِنْ شِدّةِ كَلَفٍ بِمَا يَحْمِيهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى وَزْنِ، فَعَالٍ، لِأَنّ الْكِلْفَ إذَا اشْتَدّ: كَالْهَيَامِ وَالْعِطَاشِ، وَفِي مَعْنَى الشّعَارِ، وَلَعَلّ كُلَافًا اسْمُ مَوْضِعٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْكُلَاف: اسم شجر والله أعلم «٢» .
_________________
(١) ضبط الهنبر كما ذكرت ولها ضبطان آخران هنبر- بكسر الهاء وفتح النون وسكون الباء، أو هنبر بكسر الهاء وسكون النون وكسر الباء. وزاد القاموس جيعر وأم جعار مع جعار كما زاد مع جيأل: جيألة وجيل بفتح الجيم والياء فى الثانية، وزاد مع قتام قتم مثل عمر. فى كتاب الحيوان: أم طريق وزدت أم طريق وأبا كلدة وأم نوفل ونوفلا من الحيوان للدميرى والقاموس. ومع العنيان ورد فى القاموس واللسان: الأعثى للذكر والعثواء للأنثى، وورد النهاية ذيخة مؤنث ذيخ، وعيلم مع عيلام.
(٢) الشعار: موضع كثير الشجر والأجمة، وقال صاحب المراصد عنه: واد من عمل المدينة.
[ ٥ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ بِخَلّ، هُوَ الطّرِيقُ فِي الرّمْلِ، وَالْهَجْهَجَة مِنْ قَوْلِك: هَجْهَجْت بِالذّئْبِ إذَا زَجَرْته. قَالَ الشّاعِرُ:
لَمْ يُنْجِهِ مِنْهَا صِيَاحُ الْهَجْهَجِ
«١» وَقَوْلُهُ: بقرقرة وهدر. القرقرة صوت شديد منقطع، وَجَاءَ فِي صِفَةِ عَامِرٍ الْحَدّاءِ أَنّهُ كَانَ قراقرىّ الصوت، فلما كبر وصعف صَوْتُهُ، قَالَ:
أَصْبَحَ صَوْتُ عَامِرٍ صَئِيّا أَبْكَمَ لَا يُكَلّمُ الْمَطِيّا «٢»
وَهُوَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الحدّاء الّتغلبىّ، وإليه ينسب بنو الحدّاء «٣»،
_________________
(١) الشعر لعمران بن عصام الغزى. وهو الذى أشار على عبد الملك ابن مروان بخلع أخيه عبد العزيز والبيعة للوليد بن عبد الملك. خرج على الحجاج مع ابن الأشعث، فظفر به الحجاج. فقتله، فلما بلغ عبد الملك بن مروان قتل الحجاج له. قال: ولم قتله؟ وبله، ألا رعى قوله فيه: وبعثت من ولد الأغر معتب صقرا يلوذ حمامه بالعرفج فاذا طبخت بناره أنضجتها وإذا طبخت بغيرها لم تنضج وهو الهزبر إذا أراد فريسة لم ينجها منه صياح الهجهج ص ٤٨ ح ١ البيان والتبيين للجاحظ ط ١٩٤٨
(٢) الرجز فى اللسان غير منسوب إلى أحد وهو: أصبح صوت عامر صيئيا من بعد ما كان قراقريا فمن ينادى بعدك المطيا والضئى: صوت الفرخ.
(٣) قال ابن حبيب: الحداء بن دهل بن الحارث بن ذهل بن مران الجعفى، وقال ابن دريد: عامر بن ربيعة بن تيم الله بن أسامة بن مالك بن بكر بن تغلب «اللباب لابن الأثير» .
[ ٥ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَهْلُ اللّغَةِ أَنّ الْكَشِيشَ أَوّلُ رُغَاءِ الجمل، ثم الكتيت «١» ثم الهدر، ثم القرفرة، ثُمّ الزّغْدَ، وَيُقَالُ زَغَدَ يَزْغُدُ ثُمّ الْقُلَاخُ [أَوْ الْقَلْخُ أَوْ الْقَلِيخُ الْأَخِيرَةُ عَنْ سِيبَوَيْهِ] إذا جعل كأنه يتقلّع.
وقوله: وأكنف مجناء «٢»، يَعْنِي: التّرْسَ، وَهُوَ مِنْ أَجَنَأْت الشّيْءَ، إذَا جَنَيْته فَهُوَ مُجْنَأً، وَيَعْنِي بِصَفْرَاءَ الْبُرَايَةِ: الْقَوْسَ، وبرايتها: ما برى منها، وجعلها صفراء لجدّتها وفوّتها. وَقَوْلُهُ: وَأَبْيَضَ كَالْغَدِيرِ: أَرَادَ السّيْفَ، وَعُمَيْرٌ اسْمُ صَانِعٍ، وَالْمَدَاوِسُ: جَمْعُ مِدْوَسٍ، وَهِيَ الْآلَةُ الّتِي يُدَوّسُ بِهَا الْحَدّادُ، وَالصّيْقَلُ مَا يَصْنَعُهُ، وَوَصَفَهُ إيّاهَا بِالْمُغْرِ، الْمُغْرُ:
جَمْعُ أَمْغَرَ، وَهُوَ الْأَحْمَرُ، وَالْخَادِرُ: الدّاخِلُ فِي الْخِدْرِ وَمُسْبَطِرّ: غَيْرُ مُنْقَبِضٍ.
وَقَوْلُهُ: يَقُولُ لِي الْفَتَى سَعْدٌ هَدِيّا. الْهَدْيُ: مَا يُهْدَى إلَى الْبَيْتِ، وَالْهَدْي أَيْضًا الْعَرُوسُ تُهْدَى إلَى زَوْجِهَا، وَنَصَبَ هَدْيًا هُنَا عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ، كَأَنّهُ أَرَادَ اهْدِ هَدْيًا.
شَرْحُ الْقَصِيدَةِ الْفَاوِيّةِ لِأَبِي أُسَامَةَ:
وَقَوْلُهُ فِي الشّعْرِ الفاوىّ: كأن رؤسهم حَدَجٌ نَقِيفُ. الْحَدَجُ: جَمْعُ حَدَجَةٍ، وَهِيَ الْحَنْظَلَةُ، والنّقيف: المنقوف، كما قال امرؤ القيس:
_________________
(١) فى القاموس فى مادة كت: الكنيت أول هدر البكر. وفى مادة كشيش قال: الكشيش من الجمل: أول هديره. وهو دون الكت.
(٢) هو فى السيرة: أكلف. ويقول أبو ذر. من رواه باللام فإنه يعنى ترسا أسود الظاهر، ومن رواه أكنف- بالنون- فهو الترس أيضا مأخوذ من كنفه أى: ستره.
[ ٥ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كأنى غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمّلُوا لَدَى سَمُرَاتِ الْحَيّ] نَاتِفُ حَنُظَلٍ
وَهُوَ الْمُسْتَخْرِجُ حَبّ الْحَنْظَلِ.
وَقَوْلُهُ دَاهِيَةٌ خَصِيفُ، أَيْ: مُتَرَاكِمَةٌ مِنْ خَصَفْت النّعْلَ أو من خصفت الليّف، إذا نسجته، وَقَدْ يُقَالُ كَتِيبَةٌ خَصِيفٌ، أَيْ: مُنْتَسِجَةٌ، بَعْضُهَا، بِبَعْضِ، مُتَكَاثِفَةٌ «١»، وَفِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ: كَتِيبَةٌ خَصِيفٌ أَيْ: سَوْدَاءُ.
وَقَوْلُهُ: وَمُنْقَلَبِي مِنْ الْأَبْوَاءِ، هُوَ: الْمَوْضِعُ الّذِي فِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ أُمّ رَسُولِ اللهِﷺ- وَسُمّيَ الْأَبْوَاءَ، لِأَنّ السّيُولَ تَتَبَوّأهُ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- زَارَ قَبْرَ أمه بالأبواء في ألف مقنع فبكى وأبكى «٢»، وَوَجَدْت عَلَى الْبَيْتِ الْمُتَقَدّمِ الّذِي فِيهِ: حَدَجٌ نَقِيفُ فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَنْظَلُ: مِنْ الْأَعْلَاثِ وَهُوَ يَنْبُتُ شَرْيًا «٣»، كَمَا يَنْبُت شَرِيّ الْقِثّاءِ، وَالشّرِيّ: شَجَرُهُ، ثُمّ يَخْرُجُ فِيهِ زَهْرٌ، ثُمّ يَخْرُجُ فِي الزّهْرُ جِرَاءَ مِثْلَ جِرَاءِ الْبِطّيخِ «٤»، فَإِذَا ضَخُمَ وَسَمِنَ حَبّهُ سَمّوْهُ الْحَدَجَ وَاحِدَتُهُ حَدَجَةٌ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهِ الصّفرة سمّوه: الخطبان، وزاد
_________________
(١) فى اللسان: وكتيبة نسيفة: لما فيها من صدأ الحديد وبياضه.
(٢) أخرجه الحاكم، وقد سبق الكلام عن هذا.
(٣) الأعلاث أو الأغلاث، وقد ذكر منها أبو زياد الكلابى ضروبا من النبات منها الحنظل، وقال إنها من الأعلاث، ثم قال: والأغلاث مأخوذ من الغلث وهو الخلط. وفى اللسان أن أبا حنيفة حكاه بالغين.
(٤) جمع جرو: صغير كل شىء حتى الحنظل والبطيخ ونحوه.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو حنيفة أن الحنظلة إدا اسْوَدّتْ بَعْدَ الْخُضْرَةِ، فَهِيَ قَهْقَرَةٌ، وَذُكِرَ فِي الْقِثّاءِ الْحَدَجُ وَالْجِرَاءُ كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَنْظَلِ، وَكَذَلِكَ الشّرْيَةُ اسْمٌ لِشَجَرَتِهِمَا، وَفِي الْقِثّاءِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بِطّيخًا الْقُحّ «١»، وَقَبْلَ الْقُحّ يَكُونُ خَضَفًا، وَأَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ الْقُشْعُرُ وَالشّعْرُورُ وَالضّغْبُوسُ «٢» ونقيف مَعْنَاهُ:
مَكْسُورٌ، لِأَنّهُ يُقَالُ نَقَفْت رَأْسَهُ عَنْ دِمَاغِهِ، أَيّ كَسَرْته.
وَقَوْلُهُ: أَخُوضُ الصّرّةَ الْحَمّاءَ. الصّرّةُ «٣»: الْجَمَاعَةُ، وَالصّرّةُ: الصّيَاحُ، وَالصّرّةُ: شِدّةُ الْبَرْدِ، وَإِيّاهَا عَنِيَ، لِأَنّهُ ذَكَرَ الشّفِيفَ فِي آخِرِ البيت، وهو وَهُوَ بَرْدٌ وَرِيحٌ، وَيُقَالُ لَهُ: الشّفّانُ أَيْضًا، أَنْشَدَ ابْنُ الْأَنْبَارِيّ:
قُلْ لِلشّمَالِ الّتِي هَبّتْ مُزَعْزَعَةً تُذْرِي مَعَ اللّيْلِ شَفّانًا بِصُرّادِ
اقْرِي السّلَامَ عَلَى نَجْدٍ وَسَاكِنِهِ وَحَاضِرٍ بِاللّوَى إنْ كَانَ أَوْ بَادِ
سَلَامُ مُغْتَرِبٍ فِقْدَانَ مَنْزِلِهِ إن أنجد الناس لم يهمم بإبجاد
_________________
(١) قال الأزهرى: أخطأ الليث فى تفسير القح، وفى قوله للبطيخة التى لم تنضج أنها القح، وهذا تصحيف، قال: وصوابه: الفج- بكسر الفاء- يقال ذلك لكل ثمر لم ينضج، وأما القح فهو أصل الشىء وخالصه.
(٢) الخضف صغار البطيخ أو كباره. وفى اللسان: القشعر بضم القاف والعين وسكون الشين: القثاه واحدته: قشعرة بلغة أهل الجوف من اليمن وفى اللسان. الشعرورة: القثاءة الصغيرة، وقيل هو نبت، والشعارير: صغار القثاء واحدها: شعرور. والضغبوس والضغنابيس القثاء الصغار، ولها معان أخر.
(٣) الحماء: تروى بالجيم وبالحاء، ويقول أبو ذر: الجماء: الكثير، ومن رواه الحماء: فمعناه: السود «ص ٢٠٤» . (م ٢٥- الروض الأنف ج هـ)
[ ٥ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرُ هِنْدٍ:
وَفِي شِعْرِ هِنْدٍ: جَمِيلُ الْمَرَاةِ، أَرَادَتْ: مِرْآةَ الْعَيْنِ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إلَى السّاكِنِ، فَذَهَبَتْ الْهَمْزَةُ، وَإِنّمَا تَذْهَبُ الْهَمْزَةُ إذَا نُقِلَتْ حَرَكَتهَا، لِأَنّهَا تَبْقَى فِي تَقْدِيرِ أَلِفٍ سَاكِنَةٍ، وَالسّاكِنُ الّذِي قَبْلَهَا بَاقٍ عَلَى حُكْمِ السّكُونِ لِأَنّ الْحَرَكَةَ الْمَنْقُولَةَ إلَيْهِ عَارِضَةٌ، فَكَأَنّهُ قَدْ اجْتَمَعَ سَاكِنَانِ، فَحُذِفَتْ الْأَلِفُ لِذَلِكَ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ جِنّي.
وَقَوْلُ هِنْدٍ: فَأَمّا بُرَيّ فَلَمْ أُعِنْهُ، فَهُوَ تَصْغِيرٌ الْبَرَاءِ اسْمُ رَجُلٍ، وَقَوْلُهَا:
قَدْ كُنْت أَحْذَرُ مَا أَرَى فَأَنَا الْغَدَاةُ مُوَامِيَهْ
قَوْلُهُ: مُوَامِيَهْ، أَيْ: ذَلِيلَةٌ، وَهُوَ مُؤَامِية بِهَمْزَةِ، وَلَكِنّهَا سُهّلَتْ، فَصَارَتْ وَاوًا، وَهِيَ مِنْ لَفْظِ الْأُمّةِ، تَقُولُ: تَأَمّيْتُ أَمَةً أَيْ: اتّخَذْتهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْلُوبًا مِنْ الْمُوَاءَمَةِ، وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ، فَيَكُونُ الْأَصْلُ مُوَائِمَةً، ثُمّ قُلِبَ فَصَارَ مُوَامِيَة عَلَى وَزْنِ مُفَاعِلَةٍ «١»، تُرِيدُ أَنّهَا قَدْ ذَلّتْ، فَلَا تَأْبَى، بَلْ تُوَافِقُ الْعَدُوّ عَلَى كُرْهٍ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ التّوْأَمِ لِأَنّ وَزْنَهُ فَوْعَلَ مِثْلَ التّوْلَجِ وَالتّاءُ فِيهِمَا جَمِيعًا بَدَلٌ مِنْ: وَاوٍ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ.
وَقَوْلُهَا مَلْهُوفَةٌ مُسْتَلَبَهْ. الْأَجْوَدُ فِي مُسْتَلَبَهْ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ اللّامّ مِنْ السّلَابِ وَهِيَ الْخِرْقَةُ السّوْدَاءُ الّتِي تُخَمّرُ بِهَا الثّكْلَى، وَمِنْهُ قَوْلُ النّبِيّ
_________________
(١) يقول أبو ذر فى شرح السيره: موامية: مختلطة العقل، وهو مأخوذ من المأموم، وهو البرسام «البرسام علة من العلل» .
[ ٥ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ مَاتَ عَنْهَا جَعْفَرٌ: تَسَلّبِي ثَلَاثًا، ثُمّ اصْنَعِي مَا شِئْت، وَهُوَ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ بِالْإِحْدَادِ، وَمُتَأَوّلٌ، ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ.
شِعْرُ قُتَيْلَةَ:
وَذَكَرَ ابْنُ هشام شعر قتيلة بنت الحرث تَرِثِي أَخَاهَا النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَالصّحِيحُ أَنّهَا بِنْتُ النّضْرِ لَا أُخْتُهُ «١» كَذَلِكَ قَالَ الزّبَيْرُ وغيره، وكذلك وقع فى كتاب الدلائل، وقتبلة هَذِهِ كَانَتْ تَحْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ الْأَصْغَرِ، فَهِيَ جَدّةُ الثّرَيّا بِنْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ الّتِي يَقُولُ فِيهَا عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ حِينَ خَطَبَهَا سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ:
أَيّهَا الْمُنْكِحُ الثّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُك اللهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ
هِيَ شَامِيّةٌ إذَا مَا اسْتَقَلّتْ وَسُهَيْلٌ إذَا اسْتَقَلّ يَمَانِ «٢»
وَرَهْطُ الثّرَيّا هَذِهِ يُقَالُ لَهُمْ: الْعَبَلَاتُ، لِأَنّ أُمّهُمْ عبلة بنت عبيد
_________________
(١) كذلك ذكر المصعب الزبيرى فى نسب قريش ص ٢٥٥ وابن عبد البر والجوهرى والذهبى، ويسميها الجاحظ فى البيان والتبيين: ليلى بنت للنضر ص ٤٣ ح ٤ البيان والنبيين.
(٢) وقيل إنها تزوجت سهيل بن عبد العزيز بن مروان، وقد رجح أبو الفرج هذا القول: لأنها حملت إلى مصر، وهناك كان منزل سهيل ابن عبد العزيز، ولم يكن لسهل بن عبد الرحمن مرضع. وأول القصيدة. أيها الطارق الذى قد عنانى بعد ما نام سامر الركبان واقرأ قصة ثريا فى الأغانى وتجريده ص ٢١٧ ج ١ طبع لبنان، وص ٨٩ ح ١ تجريد.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
[غزوة بنى سليم بِالْكَدَرِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المدينة لَمْ يَقُمْ بِهَا إلّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتّى غَزَا بِنَفْسِهِ، يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الغفارىّ، أو ابن أمّ مكتوم.
ــ
ابن جَاذِبٍ «١» .
وَفِي شِعْرِ قُتَيْلَةَ.
أَمُحَمّدٌ هَا أَنْتَ ضِئْيُ نَحِيبَةٍ قَالَ قَاسِمٌ: أَرَادَتْ يَا مُحَمّدَاهُ عَلَى النّدْبَةِ، قَالَ: وَالضّئْيُ الْوَلَدُ، وَالضّئْيُ الْأَصْلُ، يقال: ضئت المرأة واضئنات وضنت تضنو إذا ولدت «٢» .
_________________
(١) هى جارية من قريش كما فى القاموس، وانظر عن بنى العبلات ص ٦٧، ٦٨ من الجمهرة لابن حزم، ص ٨٢ الاشتقاق لابن دريد وانظر لقصيدة قتيلة فى الأغانى. والبيان والنبيين. ومعجم. البلدان، ونسب قريش.
(٢) فى النهاية لابن الأثير: ضنت- بفتح الضاد والنون- كثر أولادها وصنت المرأة تضنى- بكسر النون- ضنى، وأضنت. وضنأت وأضنأت: إذا كثر أولادها. وفى اللسان: ضنأت المرأة تضنأ ضنأ وضنوآ وأضنأت: كثر ولدها. فهى ضانىء وضائة، وقيل. ضنأت تضنأ ضنأ وضنوا إذا ولدت. وفى مادة ضيأ قال اللسان: ضيأت المرأة- بفتح الضاد وتضعيف الياء مع فتح وفتح الهمزة- كثر ولدها. والمعروف ضنأ. قال: وأرى الأول تصحيفا.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِهِمْ؛ يُقَالُ لَهُ الْكُدْرُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فأقام بها بقيّة شوّال وذا العقدة، وَأَفْدَى فِي إقَامَتِهِ تِلْكَ جُلّ الْأُسَارَى مِنْ قريش.
[غزوة السويق]
قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ: قَالَ: حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: ثُمّ غَزَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ غَزْوَةَ السّوِيقِ فِي ذِي الْحَجّةِ، وَوَلّى تِلْكَ الْحَجّةَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ تِلْكَ السّنَةِ، فَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ كَمَا حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَمَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ، حِينَ رَجَعَ إلَى مَكّةَ، وَرَجَعَ فَلّ قُرَيْشٍ مِنْ بَدْرٍ، نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتّى بغزو مُحَمّدًا ﷺ، فَخَرَجَ فِي مِئَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لِيَبَرّ يَمِينَهُ، فَسَلَكَ النّجْدِيّة، حَتّى نَزَلَ بِصَدْرِ قَنَاةٍ إلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: ثَيْب، مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ اللّيْلِ، حَتّى أَتَى بَنِي النّضِيرِ تَحْتَ اللّيْلِ، فَأَتَى حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ بَابَهُ وَخَافَهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ إلَى سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ، وَكَانَ سَيّدَ بَنِي النّضِير فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ، وَصَاحِبَ كَنْزِهِمْ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَرّاهُ وَسَقَاهُ، وَبَطَنَ لَهُ مِنْ خَبَرِ النّاسِ، ثُمّ خَرَجَ فِي عَقِبِ لَيْلَتِهِ حَتّى أَتَى أَصْحَابَهُ، فَبَعَثَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ إلى المدينة، فأتوا ناحية منها، يُقَالُ لَهَا: الْعَرِيضُ، فَحَرَقُوا فِي أَصْوَارٍ مِنْ نَخْلٍ بِهَا، وَوَجَدُوا بِهَا رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ فِي حَرْثٍ لَهُمَا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٨٩ ]
فَقَتَلُوهُمَا، ثُمّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، وَنَذِرَ بِهِمْ النّاسُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ بَشِيرَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ أَبُو لُبَابَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، حَتّى بَلَغَ قَرْقَرَةَ الْكُدْرِ، ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا، وَقَدْ فَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ رَأَوْا أَزْوَادًا مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ قَدْ طرحوها فى الحرث يتخفّون مِنْهَا لِلنّجَاءِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ، حَيْنَ رَجَعَ بِهِمْ رسول الله ﷺ: يا رَسُولَ اللهِ، أَتَطْمَعُ لَنَا أَنْ تَكُونَ غَزْوَةً؟ قال: نعم.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا سُمّيَتْ غَزْوَةَ السّوِيقِ، فِيمَا حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ أَكْثَرَ مَا طَرَحَ الْقَوْمُ مِنْ أَزْوَادِهِمْ السّوِيقُ، فَهَجَمَ الْمُسْلِمُونَ على سويق كثير، فسمّيت غزوة السويق.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ، لِمَا صَنَعَ بِهِ سَلّامُ بن مشكم:
وَإِنّي تَخَيّرْت الْمَدِينَةَ وَاحِدًا لِحِلْفٍ فَلَمْ أَنْدَمْ وَلَمْ أَتَلَوّمْ
سَقَانِي فَرَوَانِي كُمَيْتًا مُدَامَةً عَلَى عَجَلٍ مِنّي سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ
وَلَمّا تَوَلّى الْجَيْشُ قُلْتُ وَلَمْ أَكُنْ لِأُفْرِحَهُ: أَبْشِرْ بِعَزّ وَمَغْنَمِ
تَأَمّلْ فَإِنّ الْقَوْمَ سُرّ وَإِنّهُمْ صَرِيحُ لُؤَيّ لَا شَمَاطِيطُ جُرْهُمِ
وَمَا كَانَ إلّا بَعْضُ لَيْلَةِ رَاكِبٍ أَتَى سَاعِيًا مِنْ غَيْرِ خلّة معدم
[غَزْوَةُ ذِي أَمَرَ]
فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ السّوِيقِ، أقام بالمدينة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٠ ]
بَقِيّةَ ذِي الْحَجّةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، ثُمّ غَزَا نَجْدًا، يُرِيدُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ بِنَجْدٍ صَفَرًا كُلّهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا. فَلَبِثَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوّلَ كُلّهُ، أَوْ إلّا قَلِيلًا مِنْهُ.
[غَزْوَةُ الْفُرُعِ مِنْ بحران]
ثم غز (رسول الله) ﷺ، يريد قُرَيْشًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى بَلَغَ بَحْرَانِ، مَعْدِنًا بِالْحِجَازِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرُعِ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَجُمَادَى الْأُولَى، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كيدا
[أمر بنى قينقاع]
[نصيحة الرسول لهم وردهم عليه]
(قَالَ): وَقَدْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، مِنْ غَزْوِ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ بَنِي قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم بسوق بنى قينقاع، ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، احْذَرُوا مِنْ اللهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنْ النّقْمَةِ، وَأَسْلِمُوا، فَإِنّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنّي نَبِيّ مُرْسَلٌ.
تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ وَعَهْدِ اللهِ إلَيْكُمْ، قَالُوا: يَا مُحَمّدُ، إنّك تَرَى أَنّا قَوْمُك! لَا يَغُرّنّكَ أَنّك لَقِيت قَوْمًا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَأَصَبْتَ مِنْهُمْ فُرْصَةً، إنّا وَاَللهِ لَئِنْ حَارَبْنَاك لَتَعْلَمَنّ أَنّا نَحْنُ النّاسَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩١ ]
[مَا نَزَلَ فِيهِمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَوْ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إلّا فِيهِمْ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا: أَيْ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقُرَيْشٍ فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
[كَانُوا أَوّلَ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدِ]
قَالَ ابْنُ إسحاق: وحدثنى عاصم بن عمر بن فتاد: أَنّ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانُوا أَوّلَ يَهُودَ نَقَضُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَحَارَبُوا فِيمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ.
[سَبَب الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ المسور بن مخرمة، عن أَبِي عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ مِنْ أَمْرِ بَنِي قينقاع أن امرأة من العرب فدمت بِجَلَبٍ لَهَا، فَبَاعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إلَى صَائِغٍ بِهَا، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمِدَ الصّائِغُ إلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سومتها، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ. فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٢ ]
الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَهُودِيّا، وَشَدّتْ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ، فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشّرّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ.
[مَا كَانَ مِنْ ابْنِ أُبَيّ مَعَ الرّسُولِ]
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فقام إليه عبد الله بن أبىّ بن سَلُولَ، حِينَ أَمْكَنَهُ اللهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيّ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ أَحْسِنْ فِي مُوَالِيّ، قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتَ الْفُضُولِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرْسِلْنِي، وَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلًا، ثُمّ قَالَ: وَيْحَك! أَرْسِلْنِي؛ قَالَ: لَا وَاَللهِ لَا أُرْسِلْك حَتّى تحسن فى موالىّ، أربع مائة حاسر وثلاث مائة دَارِعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، إنّي وَاَللهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدّوَائِرَ؛ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
هم لك.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٣ ]
[مدة حصارهم]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي مُحَاصَرَتِهِ إيّاهُمْ بَشِيرَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَتْ مُحَاصَرَتُهُ إيّاهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
[تَبَرّؤُ ابْنِ الصّامِتِ مِنْ حِلْفِهِمْ وَمَا نَزَلَ فِيهِ وَفِي ابْنِ أُبَيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بن الوليد ابن عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قَالَ: لَمّا حَارَبَتْ بَنُو قينقاع رَسُولَ اللهِ ﷺ، تَشَبّثَ بأمرهم عبد الله بن أبىّ بن سَلُولَ، وَقَامَ دُونَهُمْ. قَالَ:
وَمَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْفٍ، لَهُمْ مِنْ حِلْفِهِ مِثْلُ الّذِي لَهُمْ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ، فَخَلَعَهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَبَرّأَ إلَى اللهِ ﷿، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَوَلّى اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفِ هَؤُلَاءِ الْكُفّارِ وَوِلَايَتِهِمْ.
قَالَ: فَفِيهِ وَفِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصّةُ مِنْ الْمَائِدَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَيْ لِعَبْدِ اللهِ بن أبىّ وقوله: إنى أخشى الدائر يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٤ ]
نادِمِينَ. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، ثُمّ الْقِصّةُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ. وَذَكَرَ لِتُوَلّي عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ اللهَ وَرَسُولَهُ والذين آمنوا، وتبرئه من بنى قينقاع وحلفهم وولايتهم: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.
[سَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى الْقَرَدَةِ]
[إصَابَةُ زَيْدٍ لِلْعِيرِ وَإِفْلَاتُ الرّجَالِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الّتِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فيها، حَيْنَ أَصَابَ عِيرَ قُرَيْشٍ، وَفِيهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، عَلَى الْقَرَدَةِ مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا: أَنّ قُرَيْشًا خَافُوا طَرِيقَهُمْ الّذِي كَانُوا يَسْلُكُونَ إلَى الشّأْمِ، حِينَ كَانَ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ مَا كَانَ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ تُجّارٌ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَمَعَهُ فِضّةٌ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ عُظْمُ تِجَارَتِهِمْ، وَاسْتَأْجَرُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرِ بن وائل، يقال له: فرات ابن حَيّانَ يَدُلّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الطّرِيقِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ، مِنْ بَنِي عِجْلٍ، حَلِيفٌ لِبَنِي سَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٥ ]
فَلَقِيَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، فَأَصَابَ تِلْكَ الْعِيرَ وَمَا فِيهَا، وَأَعْجَزَهُ الرّجَالُ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي تَأْنِيبِ قُرَيْشٍ]
فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ بَعْدَ أُحُدٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الآخرة يؤنب قريشا لأخذهم تلك الطريق:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا جَلّادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ
بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ ربهم وأنصاره حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطّرِيقُ هُنَالِكَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ، نَقَضَهَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَسَنَذْكُرُهَا وَنَقِيضَتُهَا إنْ شَاءَ اللهُ (فِي) مَوْضِعِهَا.
[مُقْتَلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ]
[اسْتِنْكَارُهُ خَبَرَ رَسُولَيْ الرّسُولِ بِقَتْلِ نَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ: أَنّهُ لَمّا أُصِيبَ أَصْحَابُ بَدْرٍ، وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إلَى أَهْلِ السّافِلَةِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ إلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ بَشِيرَيْنِ، بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ اللهِ ﷿ عَلَيْهِ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا حَدّثَنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٦ ]
عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغِيثِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الظّفَرِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عمر بن قتادة، وصالح ابن أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، كُلّ قَدْ حَدّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِهِ، قَالُوا: قَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وكان رجلا من طّيى، ثُمّ أَحَدَ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَتْ أُمّهُ مِنْ بَنِي النّضِيرِ، حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ: أَحَقّ هَذَا؟
أَتَرَوْنَ مُحَمّدًا قَتَلَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يُسَمّى هَذَانِ الرجلان- يعنى زيدا وعبد الله ابن رَوَاحَةَ- فَهَؤُلَاءِ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَمُلُوكُ النّاسِ، وَاَللهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا.
[شِعْرُهُ فِي التّحْرِيضِ عَلَى الرّسُولِ]
فَلَمّا تَيَقّنَ عَدُوّ اللهِ الْخَبَرَ، خَرَجَ حَتّى قَدِمَ مَكّةَ، فنزل على عبد الْمُطّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَة السّهْمِيّ، وَعِنْدَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَنْزَلَتْهُ وأكرمته، وجعل يحرّض عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيُنْشِدُ الْأَشْعَارَ، وَيَبْكِي أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، الّذِينَ أُصِيبُوا بِبَدْرِ، فقال:
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ
قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِمْ لَا تَبْعَدُوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَرّعُ
كَمْ قَدْ أُصِيبَ بِهِ مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ ذِي بَهْجَةٍ يَأْوِي إلَيْهِ الضّيّعُ
طَلْق الْيَدَيْنِ إذَا الْكَوَاكِبُ أَخْلَفَتْ حَمّالُ أَثْقَالٍ يسود ويربع
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٧ ]
وَيَقُولُ أَقْوَامٌ أُسَرّ بِسَخَطِهِمْ إنّ ابْنَ الْأَشْرَفِ ظَلّ كَعْبًا يَجْزَعُ
صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضُ سَاعَةَ قُتّلُوا ظَلّتْ تَسُوخُ بِأَهْلِهَا وَتُصَدّعُ
صَارَ الّذِي أَثَرَ الْحَدِيثَ بِطَعْنِهِ أَوْ عَاشَ أَعْمَى مُرْعَشًا لَا يَسْمَعُ
نُبّئْتُ أَنّ بَنِي الْمُغِيرَةِ كُلّهُمْ خشعوا القتل أَبِي الْحَكِيمِ وَجُدّعُوا
وَابْنَا رَبِيعَةَ عِنْدَهُ وَمُنَبّهٌ مَا نَالَ مِثْلَ الْمُهْلِكِينَ وَتُبّعُ
نُبّئْتُ أَنّ الحارث بن هشامهم فى الناس يا بنى الصّالِحَاتِ وَيَجْمَعُ
لِيَزُورَ يَثْرِبَ بِالْجُمُوعِ وَإِنّمَا يَحْمَى عَلَى الْحَسَبِ الْكَرِيمُ الْأَرْوَعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «تُبّعُ»، «وَأُسِرّ بِسَخَطِهِمْ» . عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسحاق.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَيْهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ، فَقَالَ:
أَبَكَى لِكَعْبٍ ثُمّ عُلّ بِعَبْرَةٍ مِنْهُ وَعَاشَ مُجَدّعًا لَا يَسْمَعُ
وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِبَطْنِ بَدْرٍ مِنْهُمْ قَتْلَى تَسُحّ لَهَا الْعُيُونُ وَتَدْمَعُ
فَابْكِي فَقَدْ أَبَكَيْتَ عَبْدًا رَاضِعًا شِبْهَ الْكُلَيْبِ إلَى الْكُلَيْبَةِ يَتْبَعُ
وَلَقَدْ شَفَى الرّحْمَنُ مِنّا سَيّدًا وَأَهَانَ قَوْمًا قَاتَلُوهُ وَصُرّعُوا
وَنَجَا وَأُفْلِتَ مِنْهُمْ من قلبه شفف يَظَلّ لِخَوْفِهِ يَتَصَدّعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسّانَ وَقَوْلُهُ «أَبَكَى لِكَعْبِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٨ ]
[شِعْرُ مَيْمُونَةَ فِي الرّدّ عَلَى كَعْبٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي مُرَيْدٍ، بَطْنٌ مِنْ بَلِيّ كَانُوا حَلْفَاءَ فِي بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ؛ يُقَالُ لَهُمْ: الْجَعَادِرَةُ، تُجِيبُ كَعْبًا- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: اسْمُهَا مَيْمُونَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لَهَا، وَيُنْكِرُ نَقِيضَتَهَا لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ:
تَحَنّنَ هَذَا الْعَبْدُ كُلّ تَحَنّنٍ يُبَكّى عَلَى قَتْلَى وَلَيْسَ بِنَاصِبِ
بَكَتْ عَيْنُ مَنْ يَبْكِي لِبَدْرٍ وَأَهْلُهُ وَعُلّتْ بِمِثْلِيّهَا لُؤَيّ بْنُ غَالِبِ
فَلَيْتَ الّذِينَ ضُرّجُوا بِدِمَائِهِمْ يَرَى مَا بِهِمْ مَنْ كَانَ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
فَيَعْلَمُ حَقّا عَنْ يَقِينٍ وَيُبْصِرُوا مَجَرّهُمْ فَوْقَ اللّحى والحواجب
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى مَيْمُونَةَ
[فَأَجَابَهَا كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، فَقَالَ:]
أَلَا فَازْجُرُوا منكم سفيها لتسلموا عن القول يأنى مِنْهُ غَيْرَ مُقَارِبِ
أَتَشْتُمُنِي أَنْ كُنْتُ أَبْكِي بعبرة لقوم أتاتى وُدّهُمْ غَيْرَ كَاذِبِ
فَإِنّي لَبّاك مَا بَقِيتُ وَذَاكِرٌ مَآثِرَ قَوْمٍ مَجْدُهُمْ بِالْجَبَاجِبِ
لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ مُرَيْدٌ بِمَعْزِلٍ عَنْ الشّرّ فَاحْتَالَتْ وُجُوهَ الثّعَالِبِ
فَحُقّ مُرَيْدٌ أَنْ تُجَدّ أُنُوفُهُمْ بِشَتْمِهِمْ حَيِيّ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ
وَهَبْتُ نَصِيبِي مِنْ مُرَيْدٍ لِجَعْدَرٍ وَفَاءً وَبَيْتُ اللهِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٣٩٩ ]
[تَشْبِيبُ كَعْبٍ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحِيلَةُ فِي قَتْلِهِ]
ثُمّ رَجَعَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إلَى الْمَدِينَةِ فَشَبّبَ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى آذَاهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَمَا حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغِيثِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَالَ لَهُ مُحَمّدُ بن مسلمة، أخو بنى عبد لأشهل: أَنَا لَك بِهِ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَقْتُلُهُ؛ قَالَ: فَافْعَلْ إنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ. فَرَجَعَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَمَكَثَ ثَلَاثًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ إلّا مَا يُعْلِقُ بِهِ نَفْسَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ:
لِمَ تَرَكْتَ الطّعَامَ وَالشّرَابَ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْت لَك قَوْلًا لَا أَدْرِي هَلْ أَفِيَنّ لَك بِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: إنّمَا عَلَيْك الْجَهْدُ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهُ لَا بُدّ لَنَا مِنْ أَنْ نَقُولَ، قَالَ: قُولُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَأَنْتُمْ فِي حِلّ مِنْ ذَلِكَ. فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَسِلْكَانُ بن سلّام بْنِ وَقْشٍ، وَهُوَ أَبُو نَائِلَةَ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكَانَ أَخَا كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ مِنْ الرّضَاعَةِ، وَعَبّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، أحد بنى عبد الأشهل، والحارث عن أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَأَبُو عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ؛ ثُمّ قَدّمُوا إلَى عَدُوّ اللهِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ، سِلْكَانَ بْنَ سَلَامَةَ [بن وقش] أَبَا نَائِلَةَ، فَجَاءَهُ، فَتَحَدّثَ مَعَهُ سَاعَةً، وَتَنَاشَدُوا شِعْرًا، وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ يَقُولُ الشّعْرَ، ثُمّ قال: ويحك يابن الْأَشْرَفِ! إنّي قَدْ جِئْتُك لِحَاجَةِ أُرِيدُ ذِكْرَهَا لَك، فَاكْتُمْ عَنّي؛ قَالَ: أَفْعَلُ؛ قَالَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرّجُلِ عَلَيْنَا بَلَاءً مِنْ الْبَلَاءِ، عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحد، وَقَطَعَتْ عَنّا السّبُلَ حَتّى ضَاعَ الْعِيَالُ، وَجُهِدَتْ الْأَنْفُسُ، وَأَصْبَحْنَا قَدْ جُهِدْنَا وَجُهِدَ عِيَالُنَا؛ فَقَالَ كعب:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٠٠ ]
أَنَا ابْنُ الْأَشْرَفِ، أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ كُنْتُ أخبرك يابن سَلَامَةَ أَنّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى مَا أَقُولُ؛ فَقَالَ لَهُ سِلْكَانُ: إنّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامًا وَنَرْهَنَك وَنُوثِقَ لَك، وَنُحْسِنُ فِي ذلك؛ فقال: أترهنونى أَبْنَاءَكُمْ؟ قَالَ: لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَفْضَحَنَا، إنّ مَعِي أَصْحَابًا لِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ آتِيَك بِهِمْ، فَتَبِيعُهُمْ وَتُحْسِنُ فِي ذَلِكَ، وَنَرْهَنُك مِنْ الْحَلْقَةِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ، وَأَرَادَ سِلْكَانُ أَنْ لَا يُنْكِرَ السّلَاحَ إذَا جاؤا بِهَا؛ قَالَ: إنّ فِي الْحَلْقَةِ لَوَفَاءً، قَالَ: فَرَجَعَ سِلْكَانُ إلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا السّلَاحَ، ثُمّ يَنْطَلِقُوا فَيَجْتَمِعُوا إلَيْهِ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال ابن هشام: ويقال: أترهنونى نِسَاءَكُمْ؟ قَالَ: كَيْفَ نَرْهَنُك نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَشَبّ أهل يثرب وأعطوهم؛ قال: أترهنونى أَبْنَاءَكُمْ؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، ثُمّ وَجّهَهُمْ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللهِ؛ اللهُمّ أَعِنْهُمْ، ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ إلى بيته، وَهُوَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، وَأَقْبَلُوا حَتّى انْتَهَوْا إلَى حِصْنِهِ، فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَوَثَبَ فِي مِلْحَفَتِهِ، فَأَخَذَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاحِيَتِهَا، وَقَالَتْ: إنّك امْرُؤٌ مُحَارِبٌ، وَإِنّ أَصْحَابَ الْحَرْبِ لَا يَنْزِلُونَ فِي هَذِهِ السّاعَةِ، قَالَ: إنّهُ أَبُو نَائِلَةَ، لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا لَمَا أَيْقَظَنِي، فَقَالَتْ:
وَاَللهِ إنّي لَأَعْرِفُ فِي صَوْتِهِ الشّرّ؛ قَالَ يَقُولُ لَهَا كَعْبٌ: لَوْ يُدْعَى الْفَتَى لِطَعْنَةٍ لَأَجَابَ. فَنَزَلَ فَتَحَدّثَ مَعَهُمْ سَاعَةً، وَتَحَدّثُوا مَعَهُ، ثُمّ قَالَ: هَلْ لَك يابن)
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٠١ ]
الْأَشْرَفِ أَنْ تَتَمَاشَى إلَى شِعْبِ الْعَجُوزِ، فَنَتَحَدّثَ بِهِ بَقِيّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ قَالَ:
إنْ شِئْتُمْ. فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ، فَمَشَوْا سَاعَةً، ثُمّ إنّ أَبَا نَائِلَةَ شَامَ يَدَهُ فِي فَوْدِ رَأْسِهِ، ثُمّ شَمّ يَدَهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْت كَاللّيْلَةِ طِيبًا أَعْطَرَ قَطّ، ثُمّ مَشَى سَاعَةً، ثُمّ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتّى اطْمَأَنّ، ثُمّ مَشَى سَاعَةً، ثُمّ عَادَ لِمِثْلِهَا، فَأَخَذَ بِفَوْدِ رَأْسِهِ، ثُمّ قَالَ:
اضْرِبُوا عَدُوّ اللهِ، فَضَرَبُوهُ، فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُهُمْ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا.
قَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْتُ مِغْوَلًا فِي سَيْفِي، حِينَ رَأَيْتُ أَسْيَافَنَا لَا تُغْنِي شَيْئًا، فَأَخَذْتُهُ، وَقَدْ صَاحَ عَدُوّ اللهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنَا حِصْنٌ إلّا وَقَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ، قَالَ: فَوَضَعْته فِي ثُنّتِهِ ثُمّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتّى بَلَغْتُ عَانَتَهُ فَوَقَعَ عَدُوّ اللهِ، وَقَدْ أُصِيبَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ، فَجُرِحَ فِي رَأْسِهِ أَوْ فِي رِجْلِهِ، أَصَابَهُ بَعْضُ أَسْيَافِنَا. قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتّى سَلَكْنَا عَلَى بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ، ثم على بَنِي قُرَيْظَة، ثُمّ عَلَى بُعَاثٍ حَتّى أَسْنَدْنَا فِي حَرّةِ الْعَرِيضِ، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا صَاحِبُنَا الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَنَزَفَهُ الدّمُ، فَوَقَفْنَا لَهُ سَاعَةً، ثُمّ أَتَانَا يَتْبَعُ آثَارَنَا. قَالَ: فَاحْتَمَلْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ آخِرَ اللّيْلِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي، فَسَلّمْنَا عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إلَيْنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوّ اللهِ وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِنَا، فَرَجَعَ وَرَجَعْنَا إلَى أَهْلِنَا فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ خَافَتْ يَهُودُ لِوَقْعَتِنَا بِعَدُوّ اللهِ، فَلَيْسَ بِهَا يَهُودِيّ إلّا وَهُوَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ.
[شِعْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي مَقْتَلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مالك:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٠٢ ]
فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا فَذَلّتْ بَعْدَ مَصْرَعِهِ النّضِيرُ
عَلَى الْكَفّيْنِ ثَمّ وَقَدْ عَلَتْهُ بِأَيْدِينَا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا إلَى كَعْبٍ أَخَا كَعْبٍ يَسِيرُ
فَمَا كَرِهَ فَأَنْزَلَهُ بِمَكْرٍ وَمَحْمُودٌ أَخُو ثِقَةٍ جَسُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي يَوْمِ بَنِي النّضِيرِ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ فِي حَدِيثِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي مُقْتَلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَذْكُرُ قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَقَتْلَ سَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ:
لِلّهِ دَرّ عصابة لاقيتهم يابن الحقيق وأنت يابن الْأَشْرَفِ
يَسْرُونَ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ إلَيْكُمْ مَرَحًا كَأُسْدٍ فِي عَرِينٍ مُغْرِفِ
حَتّى أَتَوْكُمْ فِي مَحِلّ بِلَادِكُمْ فَسَقَوْكُمْ حَتْفًا بِبِيضٍ ذُفّفِ
مُسْتَنْصِرِينَ لِنَصْرِ دِينِ نَبِيّهِمْ مُسْتَصْغِرِينَ لِكُلّ أَمْرٍ مُجْحِفٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ قَتْلَ سَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللهُ.
وَقَوْلُهُ: «ذفّف» عن غير ابن إسحاق.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوَةُ قَرْقَرَةِ الْكُدْرِ الْقَرْقَرَةُ: أَرْضٌ مَلْسَاءُ، وَالْكُدْرُ: طَيْرٌ فِي أَلْوَانِهَا كُدْرَةٌ، عُرِفَ بِهَا ذَلِكَ الْمَوْضِعُ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ﵁- يَذْكُرُ مَسِيرَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فَقَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ سَوَادَةَ حِينَ قَالَ لَهُ: إنّ رَعِيّتَك تَشْكُو مِنْك عُنْفَ السّيَاقِ، وَقَهْرَ الرّعِيّةِ فَدَقَر عَلَى الدّرّةِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ سُيُورَهَا، ثُمّ قَالَ: قَدْ كُنْت زَمِيل رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قَرْقَرَةِ الْكُدْرِ «١»، فَكُنْت أُرْتِعُ فَأُشْبِعُ وَأَسْقِي فَأَرْوِي، وَأُكْثِرُ الزّجْرَ، وَأُقِلّ الضّرْبَ، وَأَرُدّ الْعَنُودَ، وَأَزْجُرُ الْعَرُوضَ، وَاضَمّ اللّفُوتَ، وَأُشْهِرُ الْعَصَا، وَأَضْرِبُ بِالْيَدِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لأغدرت [بَعْضَ مَا أَسُوقُ] «٢» أَيْ: لَضَيّعْت فَتَرَكْت، يَذْكُرُ حَسَنَ سِيَاسَتِهِ، فِيمَا وَلِي مِنْ ذَلِكَ. وَالْعَنُودُ: الْخَارِجُ عَنْ الطّرِيقِ، وَالْعَرُوضُ الْمُسْتَصْعَبُ مِنْ النّاسِ والدّوابّ.
_________________
(١) بفتح القافين، وحكى لبكرى ضمهما، وقال الدميرى وغيره: والمعروف فتحهما. وقال ابن سعد: ويقال: قرارة الكدر، وفى الصحاح: قراقر على فعالل بضم القاف اسم ماء، ومنه غزاة قراقر.
(٢) كلام عمر فى ذكر حسن سياسته. أرتع فأشبع: يحسن لرعاية للرعية، ويدعهم حق يشبعوا فى المرتع. وأضم اللفوت. فى رواية: وأنهز اللفوت، وأضم العتود. اللفوت: الناقة الضجور عند الحلب، تلتفت إلى الحالب، فتعضه، فينهزها بيده، فتدر لنفتدى باللبن من النهز، وهو الضرب، فضربها مثلا للذى يستعصى، ويخرج عن الطاعة. ولأغدرت بعض ما أسوق: أى لخلفت، شبه نفسه بالراعى ورعيته بالسرح، وروى: لغدرت، أى لألقيت ناس فى الغدر، وهو مكان كثير الحجارة.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَذَكَرَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ نَذَرَ أَلّا يَمَسّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ، حَتّى يَغْزُوَ مُحَمّدًا. فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيّةِ بَقِيّةً مِنْ دِينِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، كَمَا بَقِيَ فِيهِمْ الْحَجّ وَالنّكَاحُ؛ وَلِذَلِكَ سَمّوْهَا جَنَابَةً، وَقَالُوا: رَجُلٌ جُنُبٌ وَقَوْمٌ جُنُبٌ، لِمُجَانَبَتِهِمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَمَوَاضِعَ قُرْبَاتِهِمْ، وَلِذَلِكَ عُرِفَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْقُرْآنِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا فكان الحدث الأكبر مَعْرُوفًا بِهَذَا الِاسْمِ، فَلَمْ يَحْتَاجُوا إلَى تَفْسِيرِهِ، وَأَمّا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ، وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: وَإِنْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ، فَتَوَضّئُوا كَمَا قَالَ: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا بَلْ قَالَ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ الآية «الْمَائِدَةُ: ٦» فَبَيّنَ الْوُضُوءَ وَأَعْضَاءَهُ وَكَيْفِيّتَهُ، وَالسّبَبَ الْمُوجِبَ لَهُ كَالْقِيَامِ مِنْ النّوْمِ وَالْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ، وَمُلَامَسَةِ النّسَاءِ، وَلَمْ يَحْتَجْ فِي أَمْرِ الْجَنَابَةِ إلَى بَيَانِ أَكْثَرَ مِنْ وُجُوبِ الطّهَارَةِ، مِنْهَا: الصّلَاةُ. وَقَوْلُهُ: أَصْوَارِ نَخْلٍ، هِيَ: جَمْعُ صُورٍ. وَالصّورُ: نَخْلٌ مُجْتَمَعَةٌ. سَلَامَةُ بْنُ مِشْكَمٍ: وَذَكَرَ سلّام بن مشكم، ويقال فيه سلّام، وَيُقَالُ: إنّهُ وَلَدُ شَعْثَاءَ الّتِي يَقُولُ فِيهَا حَسّانُ: لِشَعْثَاءَ الّتِي قَدْ تَيّمَتْهُ فَلَيْسَ لِعَقْلِهِ منها شفاء
[ ٥ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ: شَمَاطِيطُ جُرْهُمِ. الشّمَاطِيطُ: الْخَيْلُ الْمُتَفَرّقَةُ، وَيُقَالُ لِلْأَخْلَاطِ مِنْ النّاسِ أَيْضًا شَمَاطِيطُ، وَأَصْلُهُ مِنْ الشّمِيطِ، وَهُوَ اخْتِلَاطُ الظّلَامِ بِالضّوْءِ، وَمِنْهُ الشّمَطُ فِي الرّأْسِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ أَكُنْ لِأُقْرِحَهُ، وَالْمُقْرَحُ: الّذِي قَدْ أَثْقَلَهُ الدّيْنُ، وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُهُ.
وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- أَتَى بَحْرَانِ مَعْدِنًا بِالْحِجَازِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرُعِ، فَأَقَامَ بِهِ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخِرَ، وَجُمَادَى الْأُولَى. الْفُرُعُ بِضَمّتَيْنِ، يُقَالُ: هِيَ أَوّلُ قَرْيَةٍ مَارَتْ إسْمَاعِيلَ وَأُمّهُ التّمْرَ بِمَكّةَ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا عَيْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا الرّبُضُ وَالنّجْفُ يَسْقِيَانِ عِشْرِينَ أَلْفَ نَخْلَةٍ كَانَتْ لِحَمْزَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ. وَتَفْسِيرُ الرّبُضِ: مَنَابِتُ الْأَرَاكِ فِي الرّمْلِ وَالْفَرَعُ بِفَتْحَتَيْنِ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ. قَالَ سُوَيْد بْنُ أَبِي كَاهِلٍ:
حَلّ أَهْلِي حَيْثُ لَا أَطْلُبُهَا جَانِبَ الْحَضْرِ وَحَلّتْ بِالْفَرَعِ «١»
ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَقَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ: أَقَامَ شَهْرَ ربيع وجمادى لأن لربيع مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اسْمِ الشّهْرِ، وَزَمَنِ الرّبِيعِ، فَكَانَ فِي لَفْظِ الشّهْرِ بَيَانٌ لِمَا أَرَادَ.
وَجُمَادَى اسْمُ عَلَمٍ لَيْسَ فِيهِ اشْتِرَاكٌ، وَقَدْ قَدّمْنَا قَوْلَ سِيبَوَيْهِ، وَمِمّا لَا يَكُونُ الْعَمَلُ إلّا فِيهِ كُلّهِ الْمُحَرّمُ وَصَفَرٌ يَعْنِي هَذِهِ الْأَسْمَاءَ كلّها، وكذلك أسماء
_________________
(١) وقبه: أرق العين خيال لم يدع من سليمى، ففؤادى منتزع
[ ٥ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأيام، لا تقول: سرت الخميس ولا مثبت الأربعاء إلا والعمل فيه كلّه؟؟؟
تَقُولَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، أَوْ يَوْمَ كَذَا، وَفِي الشّهور شهر كذا، فحينئذ يكون ظرفا لَا يَدُلّ عَلَى وُقُوعِ الْعَمَلِ فِيهِ كُلّهِ.
خَبَرُ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَقَدْ تَقَدّمَ مِنْهُ طَرَفٌ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ.
وَفِيهِ أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيّ قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ: أحسن فى مولى وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- غَضِبَ حَتّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظِلَالًا، هَكَذَا فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ مُصَحّحًا عَلَيْهِ، وَفِي غَيْرِهَا ظُلَلًا جَمْعُ ظُلّةٍ، وَقَدْ تُجْمَعُ فُعْلَة عَلَى فَعَالٍ نَحْوَ بُرْمَةٍ وَبِرَامٍ وَجُفْرَةٍ وَجِفَارٍ «١» فَمَعْنَى الرّوَايَتَيْنِ إذًا وَاحِدٌ، وَالظّلّةُ مَا حَجَبَ عَنْك ضَوْءَ الشّمْسِ وَصَحْوَ السّمَاءِ، وَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِﷺ- مَشْرِقًا بَسّامًا، فَإِذَا غَضِبَ تَلَوّنَ أَلْوَانًا فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَلْوَانُ حَائِلَةً دُونَ الْإِشْرَاقِ وَالطّلَاقَةِ وَالضّيَاءِ الْمُنْشَرِ عِنْدَ تَبَسّمِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ كَانَ يَسْطَعُ عَلَى الْجِدَارِ نُورٌ مِنْ ثَغْرِهِ إذَا تَبَسّمَ، أَوْ قَالَ: تكلّم، ينظر فى الّشمائل للتّرمذىّ.
_________________
(١) برمة: قدر من الحجارة، والجفرة: جوف الصدر، وقيل ما يحمع البطن والجنبين، وقيل منحنى الضلوع. ومثلهما براق جمع برقة وهى أرض غليظة مخلتطة بالحجارة، وقلال جمع قلة: الجرة العظيمة، وجباب جمع جبة:؟؟؟ من الثياب، وقباب وخلال. ويكثر هذا فى المضاعف ويقتصر فى الأجوف على فعل، كسور ودول.
[ ٥ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ فِيهِ الْآيَةَ الّتِي نَزَلَتْ فِيهِمْ: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْفِئَةِ عَلَى وَزْنِ فِعَة مِنْ فَأَوْتُ رَأْسَهُ بِالْعَصَا إذَا شَقَقْته، أَوْ مِنْ الْفَأْوِ، وَهِيَ جِبَالٌ مُجْتَمَعَةٌ، وَبَيْنَهُمَا فُسْحَةٌ مِنْ الْأَرْضِ، فَحَقِيقَةُ الْفِئَةِ الْفرْقَةُ الّتِي كَانَتْ مُجْتَمَعَةً مَعَ الْأُخْرَى، فَافْتَرَقَتْ «١» .
سَرِيّةُ زَيْدٍ ذَكَرَ فِيهَا فُرَاتَ بْنَ حَيّانَ الْعِجْلِيّ مَنْسُوبٌ إلَى عَجِلِ بْنِ لُجَيْمِ بن صعب ابن عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. وَاللّجَيْمُ: تَصْغِيرُ لُجَمٍ وَهِيَ دُوَيْبّةٌ تَطِيرُ بِهَا الْعَرَبُ، وَأَنْشَدُوا:
لها ذنب مثل ذيل العرو س إلى سَبّةٍ مِثْلَ جُحْرِ اللّجَمْ
وَكَانَ عَيْنَ قُرَيْشٍ وَدَلِيلَ أَبِي سُفْيَانَ، أَسْلَمَ فُرَاتٌ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِﷺ- إنّ مِنْكُمْ رِجَالًا نَكِلْهُمْ إلَى إسْلَامِهِمْ، مِنْهُمْ فُرَاتٌ «٢»، وَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِﷺ إلى ثمّامة بن
_________________
(١) وضع الراغب مئة فى مادة فيأ، وقال: الفئه: الجماعة المتظاهرة التى يرجع بعضهم إلى بعض فى التعاضد. وبقول ابن فارس عن مادة فأو: أصل صحيح يدل على انفراج فى شىء يقال: فأوت رأسه بالسيف فأوا. ى: فلفته، والفأو: فرجة ما بين الجبلين، ولم نذكر فيها كلمة فئة.
(٢) الذى خرج الحديث هو أبو العباس بن عقدة بسنده من على: أتى للنبى، ﵌ يفرت بن حيان يوم الخندق، وكان عينا المشركين أو بقنه، فقال: إنى مسلم، فقال: إن منكم من أتألعهم على الإسلام، وأكله إلى إيمانه، منهم: فرات بن حيان.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُثَالٍ فِي شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ، وَرَدّتْهُ، وَمَرّ بِهِ رسول الله ﷺ، وهو مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالرّجّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، فَقَالَ: ضرس أجدكم فِي النّارِ مِثْلُ أُحُدٍ، فَمَا زَالَ فُرَاتٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ خَائِفِينَ حَتّى بَلَغَتْهُمَا رِدّةُ الرّجّالِ، وَإِيمَانُهُ بِمُسَيْلِمَةَ، فَخَرّا سَاجِدِينَ، وَاسْمُ الرّجّالِ: نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ، وَالْعُنْفُوَةُ ضَرْبٌ مِنْ النّبْتِ، يُقَالُ لَهُ الصّلّيَان.
وَفِيهَا يَقُولُ حَسّانُ:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا الْفَلَجَاتُ: جَمْعُ فَلَجٍ، وَهِيَ الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ، يُقَالُ: مَاءٌ فَلَجٌ، وَعَيْنٌ فَلَجٌ، وَذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: فَلَحَات بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ: الْفَلَحَةُ الْمَزْرَعَةُ «١» .
حَوْلَ كَلِمَةِ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُلْكِ: وَقَوْلُهُ: جِلَادُ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ.
أَيْ: الّتِي أَكَلَتْ الْأَرَاكَ، فَدُمِيَتْ أَفْوَاهُهَا، وَالْمَخَاضُ «٢» وَاحِدَتُهَا خَلِفَةٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهَا، وَهِيَ الْحَامِلُ [مِنْ النّوقِ]، وَقَدْ قِيلَ فِي الْوَاحِدِ مَاخِضٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطائى:
_________________
(١) ذكر اللسان من معانى الفلجات: المزارع واستشهد على هذا بنفس بيت حسان، وقال فى مادة فلح: والفلحة: القراح الذى اشتق للزرع عن أبى حنيفة، وأنشد لحس؟؟؟ ن. ثم ذكر البيت.
(٢) الحوامل من النوق أو العشار التى أتى عليها من حملها عشرة أشهر
[ ٥ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَأَخّرْتهَا عَنْ وَقْتِهَا وَهِيَ مَاخِضُ وَعِنْدِي أَنّ الْمَخَاضَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَمْعِ، إنّمَا هُوَ مَصْدَرٌ؛ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ الْجَمِيعُ، وَفِي التّنْزِيلِ: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ وَقَوْلُهُمْ. نَاقَةٌ مَاخِضٌ، كَقَوْلِهِمْ: حَامِلٌ، أَيْ: ذَاتُ مَخَاضٍ، وَذَاتُ حَمْلٍ، وَقَدْ يَقُولُ الرّجُلُ لِنِسَائِهِ أَنْتُنّ الطّلَاقُ، فَلَيْسَ الطّلَاقُ بِجَمْعِ، وَإِنّمَا مَعْنَاهُ: ذَوَاتُ طَلَاقٍ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْمَخَاضِ، أَيْ ذَوَاتُ مَخَاضٍ، غَيْرَ أَنّهُ قِيلَ لِلْوَاحِدَةِ: مَاخِضٌ، وَلَمْ يَقُلْ: نَاقَةٌ مَخَاضٌ، أَيْ: ذَاتُ مَخَاضٍ، كَمَا يُقَالُ: امْرَأَةٌ زَوْرٌ وَصَوْمٌ، لِأَنّ الْمَصْدَرَ إذَا وُصِفَ بِهِ فَإِنّمَا يُرَادُ بِهِ الْكَثِيرُ وَلَا تَكْثِيرُ فِي حَمْلِ الْوَاحِدَةِ، أَلَا تَرَى أَنّك تَقُولُ هِيَ أَصْوَمُ النّاسِ، وَمَا أَصْوَمَهَا، وَلَا يُقَالُ إذَا حَبَلَتْ: مَا أَحْبَلَهَا، لِأَنّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، كَمَا لَا يُقَالُ فِي الْمَوْتِ: مَا أَمْوَتَهَا، فَلَمّا عَدِمَ قَصْدَ التّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ لَمْ توصف به، كمالا توصف بالسّير إذا قلت: ما هى إلّا سير، فَإِذَا كَانَتْ إبِلًا كَثِيرَةً حَصَلَ مَعْنَى الْكَثْرَةِ، فَوُصِفَتْ بِالْمَخَاضِ، وَهُوَ الْمَصْدَرُ لِذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ يَقُولُ الرّجُلُ: أَنْتِ الطّلَاقُ، وَأَنْتِ الْفِرَاقُ قُلْنَا: فِيهِ مَعْنَى التّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ لِأَنّهُ شَيْءٌ يَتَمَادَى وَيَدُومُ، لَا سِيّمَا إنْ أراد بالطلاق الطلاق كلّه لا واحدة، وليس كَذَلِكَ الْمَخَاضُ وَالْحَمْلُ، فَإِنّ مُدّتَهُ مَعْلُومَةٌ وَمِقْدَارُهُ موقّت. وَقَوْلُهُ: بِأَيْدِي الْمَلَائِكِ، هُوَ جَمْعُ مَلَكٍ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ، وَلَوْ جَمَعُوهُ عَلَى لَفْظِهِ لَقَالُوا:
[ ٥ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمْلَاكٌ، وَلَكُنّ الْمِيمَ مِنْ مَلَكٍ زَائِدَةٌ فِيمَا زَعَمُوا، وَأَصْلُهُ مَأْلُك مِنْ الْأُلُوكِ، وَهِيَ الرّسَالَةُ، قَالَ لَبِيدٌ:
وَغُلَامٌ أَرْسَلْته أُمّهُ بِأَلُوكِ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلَ
وَقَالَ الطّائِيّ:
مَنْ مُبْلِغُ الْفِتْيَانَ عنى مألكا أ؟؟؟ ى مَتَى يَتَثَلّمُوا أَتَهَدّمُ
و[أَبُو تَمّامٍ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ] الطّائِيّ وَإِنْ كَانَ مُتَوَلّدًا، فَإِنّمَا يُحْتَجّ بِهِ لِتَلَقّي أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنّهُ لَمْ يَلْحَنْ، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ مَأْلُكًا فَإِنّمَا قَلَبُوهُ إرَادَة إلْغَاءِ الهمزة، إذا سَهّلُوا وَلَوْ سَهّلُوا مَأْلُكًا، وَالْهَمْزَةُ مُقَدّمَةٌ لَمْ تَسْقُطْ، وَإِنّمَا تَسْقُطُ إذَا سُكّنَ قَبْلَهَا، فَقَالُوا مَلْك «١»، فَإِذَا جَمَعُوا عَادَتْ الْهَمْزَةُ، وَلَمْ تَعُدْ إلَى مَوْضِعِهَا لِئَلّا تَرْجِعَ كَجَمْعِ مَأْلُكَةٍ، وَهِيَ الرّسَالَةُ وَلَوْ قِيلَ: إنّ لَفْظَ مَلَكٍ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَلَكُوتِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُهْمَزْ، لِأَنّ أَكْثَرَ الْمَلَائِكَةِ لَيْسُوا بِرُسُلِ، وَلَوْ أُرِيدَ مَعْنَى الرّسَالَةِ لَقَالُوا مُؤْلَكٌ، كَمَا تَقُولُ:
مُرْسَلٌ، وَلَضَمّتْ الْمِيمُ فِي الْوَاحِدِ، وَتَكُونُ الْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ فى الجميع
_________________
(١) فى اللسان عن اشتقاق الملك من ألك «والملك مشتق منه وأصله: مألك، ثم قلبت الهمزة إلى موضع اللام، فقيل ملاك» ثم حففت الهمزة بأن ألقيت حركتها على الساكن الذى قبلها فقيل: ملك. ويقول القرطبى أيضا: أصله مألك. الهمزة: فاء الفعل، فإنهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: ملأك ثم سهلوه فقالوا ملك، وقيل أصله ملأك من ملك يملك نحو شمأل من شمل فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضا، وقد تأتى فى الشعر على الأصل، قال الشاعر، ثم استشهد بالبيت الذى سنعلق عليه فى الرقم التالى.
[ ٥ / ٤١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَمَا زَادُوهَا فِي شَمْأَلٍ وَهِيَ مِنْ شَمَلَتْ الرّيحُ، لَكَانَ هَذَا وَجْهًا حَسَنًا، وَسِرّ زِيَادَةِ الْهَمْزَةِ فِي شَمْأَلٍ، وَهِيَ مِنْ شَمَلَتْ الرّيحُ، فَأَطْلَعَتْ الْهَمْزَةُ رَأْسَهَا لِذَلِكَ، إذْ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَنّهَا مِنْ عَنْ شِمَالِ الْبَيْتِ، وَأَنّهَا شَامِيّةٌ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ هُمْ مِنْ مَلَكُوتِ اللهِ، وفيهم رسل، ولواحد مِنْهُمْ مِنْ مَلَكُوتِ اللهِ فَقَطْ، لِأَنّهُ لَا يَتَبَعّضُ كَمَا تَتَبَعّضُ الْجُمْلَةُ مِنْهُمْ، فَأَمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَلَسْت لِإِنْسِيّ وَلَكِنْ لَمَأْلُك تَنْزِلُ مِنْ جَوّ السّمَاءِ يَصُوبُ
فَهَمَزَ مَأْلُكًا «١»، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالْبَيْتُ مَجْهُولٌ قَائِلُهُ، وَقَدْ نَسَبَهُ ابْنُ سِيدَهْ إلَى عَلْقَمَةَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ وَصَفَ مَأْلُكًا بِالرّسَالَةِ لِقَوْلِهِ: تَنْزِلُ مِنْ جوّ السّماء يصوب، فحسن الهمز لِتَضَمّنِهِ مَعْنَى الْأُلُوكِ، كَمَا حَسُنَ فِي جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ، إذْ لِلْجُمْلَةِ بَعْضُ هَمّ إرْسَالٍ، وَالْكُلّ مِنْ مَلَكُوتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَ فِي الْوَاحِدِ إلّا مَعْنَى الْمَلَكُوتِيّة فَقَطْ حَتّى يَتَخَصّصَ بِالرّسَالَةِ، كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ، فَيَتَضَمّنُ حِينَئِذٍ الْمَعْنَيَيْنِ، فَتَطْلُعُ الْهَمْزَةُ فِي اللّفْظِ، لِمَا فِي ضمنه معنى الألوك، وهى الرسالة.
_________________
(١) فى اللسان والقرطبى وغيرهما: ملاك. ويقول القرطبى: قال النصر بن شميل: اشتقاق للملك عند العرب وفى الطبرى أيضا، ولكنه يقول: وقد يقال فى واحدهم: مألك فيكون ذلك مثل قولهم: جبذ وجذب، وشأمل وشمأل وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة غير أن الذى يجب إذا سمى واحدهم مألك أن يجمع إذا جمع على ذلك: مآلك. ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا ولكنهم قد يجمعون ملائك وملائكة كما يجمع اشعث: أشاعث وأشاعثة، ومسمع: مسامع ومسامعة
[ ٥ / ٤١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَقْتَلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ذَكَرَ فِيهِ أَنّهُ شَبّبَ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَآذَاهُمْ، وَكَانَ قَدْ شَبّبَ بِأُمّ الْفَضْلِ زَوْجِ الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَقَالَ:
أَرَاحِلٌ أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ لَمِنْعَبَته «١» وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ
فِي أَبْيَاتٍ رَوَاهَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ.
وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ ﵇: مَنْ لِكَعْبِ [بْنِ الْأَشْرَفِ]، فَقَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ «٢» . فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ: وُجُوبُ قَتْلِ مَنْ سَبّ النّبِيّﷺ- وَإِنْ كَانَ ذَا عَهْدٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنّهُ لَا يَرَى قَتْلَ الذّمّيّ فِي مِثْلِ هَذَا، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ شَرَفِ الْمُصْطَفَى أَنّ الّذِينَ قُتِلُوا كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ حَمَلُوا رَأْسَهُ فِي مِخْلَاةٍ إلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ: إنّهُ أَوّلُ رَأْسٍ حُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ:
بَلْ رَأْسُ أَبِي عَزّةَ الْجُمَحِيّ الّذِي قَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ، فَقَتَلَهُ وَاحْتَمَلَ رَأْسَهُ فِي رُمْحٍ إلَى الْمَدِينَةِ فِيمَا ذُكِرَ، وَأَمّا أَوّلُ مُسْلِمٍ حُمِلَ رَأْسُهُ فِي الإسلام، فعمرو بن الحمق، وله صحبة.
_________________
(١) لمنعبته خطأ صوابه: منقبة كما جاء فى الطبرى والمواهب الذى ينقل عن السهيلى. واقرأ القصيدة فى ص ٤٨٨ ح ٢ الطبرى ط دار المعارف و؟؟؟ البيت الأول فى الطبرى: أراحل أنت لم تحلل بمنقبة ويثبت الطبرى أنه شبب بعدها بنساء المسلمين
(٢) هذه رواية البخارى عن جابر.؟؟؟
[ ٥ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهِ مِنْ قَوْلِ حَسّانَ فِي كَعْبٍ: بَكَى كَعْبٌ ثُمّ عُلّ بِعَبْرَةِ «١» فِيهِ دُخُولُ زِحَافٍ عَلَى زِحَافٍ، وَذَلِكَ أَنّ أَوّلَ الْجُزْءِ سَبَبٌ ثَقِيلٌ وَسَبَبٌ خَفِيفٌ فَإِذَا دَخَلَ فِيهِ الزّحَافُ الّذِي يُسَمّى الْإِضْمَارُ صَارَا سَبَبَيْنِ خَفِيفَيْنِ، فَيَعُودُ مُتَفَاعِلُن إلَى وَزْنِ مُسْتَفْعِلُنْ، وَمُسْتَفْعِلُنْ يَدْخُلُهُ الْخَبْنُ وَالطّيّ، وَهُوَ حَذْفُ الرّابِعِ مِنْهُ، فَشَبّهَ حَسّانُ مُتَفَاعِلَانِ فِي الْكَامِلِ بِمُسْتَفْعِلُنْ لَمّا صَارَ إلَى وَزْنِهِ، فَحُذِفَ الْحَرْفُ السّاكِنُ وَهُوَ الرّابِعُ مِنْ مُتَفَاعِلُن إلَى وَزْنِ مُفْتَعِلُنْ، وَهُوَ غَرِيبٌ فِي الزّحَافِ فَإِنّهُ زِحَافٌ سَهْلٌ زِحَافًا آخَرَ، وَلَوْلَا الزّحَافُ الّذِي هُوَ الْإِضْمَارُ، مَا جَازَ الْبَتّةَ حَذْفُ الرّابِعِ مِنْ مُتَفَاعِلُن «٢» .
وَذَكَرَ فِي الّذِينَ قَتَلُوا كَعْبًا أَبَا عَبْسِ بْنِ جَبْر، وَاسْمُهُ: عَبْدُ الرّحْمَنِ، وَذَكَرَ سَلْكَانَ بْنَ سَلَامَةَ، وَاسْمُهُ: سَعْدٌ.
وَذَكَرَ فِي شِعْر حَسّانَ الْفَاوِيّ «٣»، وفيه: بِبِيضِ ذُفّفِ. الذّفّفُ: جَمْعُ ذَفِيفٍ وَهُوَ الْخَفِيفُ السّرِيعُ، وَهُوَ جَمْعٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَإِنّمَا فُعّل جَمْعُ فَاعِلٍ وَلَكِنّ الذّفِيفَ مِنْ السّيُوفِ فى معنى القاطع والصارم.
_________________
(١) فى نسخة من السيرة: أبكى لكعب وأخرى أبكاه كعب. وأخرى: أبكى كعب.
(٢) هذه مصطلحات عروضية، وقد سبق الكلام عنها.
(٣) البيت فى اللسان هكذا رب خال لى لو أبصرته سبط الكعين فى اليوم الخصر ومنسوب إلى حسان.
[ ٥ / ٤١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَفِيهِ: فِي عَرِينٍ مُغْرِفٍ. الْعَرِينُ: أَجَمَةُ الْأَسَدِ، وَهُوَ الْغَرِيفُ أَيْضًا، وَالْغَرِيفُ أَيْضًا الْكَثِيرُ، فَيَحْتَمِلُ إنّ أَرَادَ بِمُغْرِفِ مُكْثِرًا مِنْ الْأُسْدِ، وَيَحْتَمِلُ إنْ أَرَادَ تَوْكِيدَ مَعْنَى الْغَرِيفِ، كَمَا يُقَالُ: خَبِيثٌ مُخْبِثٌ. وَذَكَرَ قَوْلَ امْرَأَةِ كَعْبٍ: وَاَللهِ إنّي لَأَعْرِفُ فِي صَوْتِهِ الشّرّ، وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيّ: إنّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا يَقْطُرُ مِنْهُ الدّمُ. وَفِيهِ: مَا رَأَيْت عِطْرًا كَالْيَوْمِ، مَعْنَاهُ: عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: مَا رَأَيْت كَعِطْرِ أَرَاهُ الْيَوْمَ عِطْرًا: كَذَلِكَ قَالَ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ رَجُلًا، أَيْ: كَرَجُلِ أَرَاهُ الْيَوْمَ رَجُلًا، فَحَذَفَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْكَافُ، وَحَذَفَ الْفِعْلَ، وَهُوَ أَرَى، وَفَاعِلُهُ وَمَفْعُولُهُ، وَهَذَا حَذْفُ كَثِيرٍ لَا سِيمَا، وَقَدْ يُقَالُ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ، وَلَا تُذْكَرُ بَعْدَهُ شَيْئًا إذَا تَعَجّبْت، فَدَلّ عَلَى أَنّهُمْ لَمْ يَحْذِفُوا هَذَا الْحَذْفَ الْكَثِيرَ، وَلَكِنّهُمْ أَوْقَعُوا التّعَجّبَ عَلَى الْيَوْمِ، لِأَنّ الْأَيّامَ تَأْتِي بِالْأَعَاجِيبِ، وَالْعَرَبُ تَذُمّهَا وَتَمْدَحُهَا فِي نَظْمِهَا وَنَثْرِهَا، وَيَعْلَمُ الْمُخَاطَبُ أَنّ الْيَوْمَ لَمْ يُذَمّ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْجَبُ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، فَيَلْتَمِسُ مِنْك الْبَيَانَ وَالتّفْسِيرَ لِمَا تَعَجّبْت مِنْهُ، فَتَأْتِي بِالتّمْيِيزِ لِتُبَيّنَ. فَعِطْرًا مَنْصُوبٌ عَلَى التّمْيِيزِ، وَالدّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنّهُ يَحْسُنُ خَفْضُهُ بِمِنْ، لِأَنّهُ مُتَعَجّبٌ مِنْهُ، فَتَقُولُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مِنْ رَجُلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَمَشَوْا سَاعَةً، قَالَ فجعل كعب ينشد:
[ ٥ / ٤١٥ ]
[أَمْرُ مُحَيّصَةَ وَحُوَيّصَةَ]
[لَوْمُ حُوَيّصَةَ لِأَخِيهِ مُحَيّصَةَ لِقَتْلِهِ يَهُودِيّا ثُمّ إسْلَامُهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ ظَفَرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ، فَوَثَبَ مُحَيّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُحَيّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
ــ
رُبّ خَالٍ لِي لَوْ أَبْصَرْته سَبِطِ الْمِشْيَةِ أَبّاءٍ أَنِفْ
لَيّنِ الْجَانِبِ فِي أَقْرَبِهِ وَعَلَى الْأَعْدَاءِ كَالسّمّ الدّعُفْ
وَكِرَامٍ لَمْ يَشِنْهُمْ حَسَبٌ أَهْلِ عِزّ وَحُفّاظٍ وَشَرَفْ
يَبْذُلُونَ الْمَالَ فِيمَا نَابَهُمْ لِحُقُوقِ تَعْتَرِيهِمْ وَعُرَفْ
وَلُيُوثٍ حِينَ يَشْتَدّ الْوَغَى غَيْرِ أَنْكَاسٍ وَلَا مِيلٍ كُشُفْ
فَهُمْ أَهْلُ سَمَاحٍ وَقِرًى وَحُفّاظٍ لَمْ يُعَانُوا بِصَلَفْ
سَكَنُوا مِنْ يَثْرِبَ كُلّ رُبًى وَسُهُولٍ حَيْثُ حَلّوا فِي أُنُفْ
وَهُمْ أَهْلُ مَشَارِيبَ بِهَا وَحُصُونٍ وَنَخِيلٍ وَغُرَفْ
وَلَهَا بِئْرٌ رَوَاءٌ جَمّةٌ مَنْ يَرْدِهَا بِإِنَاءِ يَغْتَرِفْ
وَنَخِيلٍ فِي تِلَاعٍ جَمّةٍ تُخْرِجُ التّمْرَ كَأَمْثَالِ الْأَكُفّ
وَصَرِير مِنْ محال خلته آخر الليل مهاربج نُدُفْ «١»
تَدْلُجُ الْجُونُ عَلَى أَكْتَافِهَا بِدِلَاءِ ذَاتِ أَرْكَانٍ صَدَفْ
كُلّ حَاجَاتِي قَدْ قَضَيْتهَا غَيْرَ حاجاتى فى بطن الجرف
_________________
(١) لم أهتد إلى الصواب فيه، ولعله: أهازيج رتف.
[ ٥ / ٤١٦ ]
مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ- عَلَى ابْنِ سُنَيْنَة- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ سُبَيْنَة- رَجُلٌ مِنْ تُجّارِ يَهُودَ، كَانَ يُلَابِسُهُمْ وَيُبَايِعُهُمْ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ حُوَيّصَة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، كان أَسَنّ مِنْ مُحَيّصَةَ، فَلَمّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيّصَةَ يَضْرِبُهُ، وَيَقُولُ:
أَيْ عَدُوّ اللهِ، أَقَتَلْتَهُ، أَمَا وَاَللهِ لَرُبّ شَحْمٍ فِي بَطْنِك مِنْ مَالِهِ. قَالَ مُحَيّصَةُ:
فَقُلْت: وَاَللهِ لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِك لَضَرَبْتُ عُنُقَك، قَالَ:
فَوَاَللهِ إنْ كَانَ لِأَوّلِ إسْلَامِ حُوَيّصَةَ، قَالَ: آوَللهِ لَوْ أَمَرَك مُحَمّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي؟
قَالَ: نَعَمْ، وَاَللهِ لَوْ أَمَرَنِي بِضَرْبِ عُنُقِك لَضَرَبْتُهَا! قَالَ: وَاَللهِ إنّ دِينًا بَلَغَ بِك هَذَا لَعَجَبٌ، فَأَسْلَمَ حُوَيّصَة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ مَوْلًى لِبَنِي حَارِثَةَ، عَنْ ابْنِهِ محيّصة، عن أبيها محيّصة.
فقال محيّصة فى ذلك.
يَلُومُ ابْنُ أُمّي لَوْ أُمِرْتُ بِقَتْلِهِ لَطَبّقْتُ ذِفْرَاهُ بِأَبْيَضَ قَاضِبِ
حُسَامٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ أُخْلِصَ صَقْلُهُ مَتَى مَا أُصَوّبْهُ فَلَيْسَ بِكَاذِبِ
وَمَا سَرّنِي أَنّي قَتَلْتُكَ طَائِعًا وَأَنّ لَنَا مَا بَيْنَ بُصْرَى وَمَأْرِبِ
[رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي إسْلَامِ حُوَيّصَةَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيّ، قَالَ: لَمّا ظَفَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِبَنِي قُرَيْظَةَ أَخَذَ مِنْهُمْ نحوا من أربع مائة رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ، وَكَانُوا حَلْفَاءَ الْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤١٧ ]
وَسَلّمَ بِأَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، فَجَعَلَتْ الْخَزْرَجُ تَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ وَيَسُرّهُمْ ذَلِكَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْخَزْرَجِ وَوُجُوهُهُمْ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَنَظَرَ إلَى الْأَوْسِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَظَنّ أَنّ ذَلِكَ لِلْحِلْفِ الّذِي بَيْنَ الْأَوْسِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَة وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ إلّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَدَفَعَهُمْ إلَى الْأَوْسِ، فَدَفَعَ إلَى كُلّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَوْسِ رَجُلًا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَالَ:
لِيَضْرِبَ فُلَانٌ وَلْيُذَفّفْ فُلَانٌ، فَكَانَ مِمّنْ دَفَعَ إلَيْهِمْ كَعْبُ بْنُ يَهُوذَا، وَكَانَ عَظِيمًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدَفَعَهُ إلَى مُحَيّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَى أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ- وَأَبُو بُرْدَةَ الّذِي رَخّصَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَنْ يَذْبَحَ جَذَعًا مِنْ الْمَعْزِ فِي الْأَضْحَى- وَقَالَ لِيَضْرِبَهُ مُحَيّصَةُ وَلِيُذَفّفْ عَلَيْهِ أَبُو بُرْدَةَ، فَضَرَبَهُ مُحَيّصَةُ ضَرْبَةً لَمْ تَقْطَعْ، وَذَفّفَ أَبُو بُرْدَةَ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ. فَقَالَ حُوَيّصَة: وكان كافرا، لأخيه محيّصة: أقتلت كعب بن يَهُوذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ حُوَيّصَة:
أَمَا وَاَللهِ لَرُبّ شَحْمٍ قَدْ نَبَتَ فِي بَطْنِك مِنْ مَالِهِ، إنّك لَلَئِيمٌ يَا مُحَيّصَةُ، فَقَالَ لَهُ مُحَيّصَةُ: لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَوْ أَمَرَنِي بقتلك لَقَتَلْتُك، فَعَجِبَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمّ ذَهَبَ عَنْهُ مُتَعَجّبًا. فَذَكَرُوا أَنّهُ جَعَلَ يَتَيَقّظُ مِنْ اللّيْلِ: فَيَعْجَبُ مِنْ قَوْلِ أَخِيهِ مُحَيّصَةَ. حَتّى أَصْبَحَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللهِ إنّ هَذَا لَدِينٌ. ثُمّ أَتَى النّبِيّ ﷺ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ مُحَيّصَةُ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا قَدْ كَتَبْنَاهَا.
[المدة بين قدوم الرسول بحران وَغَزْوَةِ أُحُدٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ إقَامَةُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بَعْدَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤١٨ ]
قدومه من بحران، جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ، وَغَزَتْهُ قُرَيْشٌ غَزْوَةَ أُحُدٍ فِي شَوّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ
[غَزْوَةُ أُحُد]
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ أُحُدٍ، كَمَا حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ وَمُحَمّدُ بْنُ يحيى ابن حِبّانَ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ ابن مُعَاذٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلّهُمْ قَدْ حَدّثَ بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، وَقَدْ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ كُلّهُ فِيمَا سُقْتُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالُوا، أَوْ مَنْ قَالَهُ منهم:
[التّحْرِيضُ عَلَى غَزْوِ الرّسُولِ]
لَمّا أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ أَصْحَابِ الْقَلِيبِ، وَرَجَعَ فَلّهُمْ إلَى مَكّةَ، وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِعِيرِهِ، مَشَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، مِمّنْ أُصِيبَ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَلّمُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ مُحَمّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ، وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَرْبِهِ، فَلَعَلّنَا نُدْرِكُ مِنْهُ ثَأْرَنَا بِمَنْ أَصَابَ مِنّا، فَفَعَلُوا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤١٩ ]
[مَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَفِيهِمْ، كَمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ.
[اجْتِمَاعُ قُرَيْشٍ لِلْحَرْبِ]
فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ فَعَلَ ذلك أبو سفيان بن حرب، وأصحاب العير بأحابيشها، ومن أَطَاعَهَا مِنْ قَبَائِلِ كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ. وَكَانَ أَبُو عَزّةَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ الْجُمَحِيّ قَدْ مَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ وَحَاجَةٍ، وَكَانَ فِي الْأُسَارَى فَقَالَ: إنّي فَقِيرٌ ذُو عِيَالٍ وَحَاجَةٍ قَدْ عَرَفْتَهَا فَامْنُنْ علىّ ﷺ، فَمَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: يَا أَبَا عَزّةَ إنّك امْرُؤٌ شَاعِرٌ، فَأُعِنّا بِلِسَانِك، فَاخْرُجْ مَعَنَا، فَقَالَ: إنّ مُحَمّدًا قَدْ مَنّ عَلَيّ فَلَا أُرِيدُ أَنْ أُظَاهِرَ عَلَيْهِ، قال: فَأَعِنّا بِنَفْسِك، فَلَك اللهُ عَلَيّ إنْ رَجَعْتُ أَنْ أُغْنِيَك، وَإِنْ أُصِبْتَ أَنْ أَجَعَلَ بَنَاتِك مَعَ بَنَاتِي، يُصِيبُهُنّ مَا أَصَابَهُنّ مِنْ عُسْرٍ وَيُسْرٍ. فَخَرَجَ أَبُو عَزّةَ فِي تِهَامَةَ، وَيَدْعُو بَنِي كِنَانَةَ وَيَقُولُ:
إيهًا بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ الرّزّام أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ
لَا تَعْدُونِي نَصّرَكُمْ بَعْدَ الْعَامِ لَا تُسْلِمُونِي لَا يَحِلّ إسلام
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٠ ]
وَخَرَجَ مُسَافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ إلَى بَنِي مَالِكِ ابن كنانة، يحرّضهم ويدعوهم إل حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ:
يَا مَالُ، مَالُ الْحَسَبَ الْمُقَدّمِ أَنْشُدُ ذَا الْقُرْبَى وَذَا التّذَمّمْ
مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ الْحِلْفَ وَسْطَ الْبَلَدِ الْمُحَرّمْ
عِنْدَ حَطِيمِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظّمْ
وَدَعَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ غُلَامًا لَهُ حَبَشِيّا يُقَالُ لَهُ: وَحْشِيّ، يَقْذِفُ بِحَرْبَةِ لَهُ قَذْفَ الْحَبَشَةِ، قَلّمَا يخطىء بِهَا، فَقَالَ لَهُ: اُخْرُجْ مَعَ النّاسِ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْت حَمْزَةَ عَمّ مُحَمّدٍ بِعَمّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيّ، فَأَنْتَ عَتِيقٌ.
[خُرُوجُ قُرَيْشٍ مَعَهُمْ نساؤهم]
فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِحَدّهَا وَجَدّهَا وَحَدِيدِهَا وَأَحَابِيشِهَا، وَمَنْ تابعها من بَنِي كِنَانَةَ، وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِالظّعْنِ، التماس الحفيظة، وألا يفروا. فخرج أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَهُوَ قَائِدُ النّاسِ، بهند بنت عُتْبَة، وَخَرَجَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ بِأُمّ حَكِيمٍ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وخرج الحارث ابن هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بِبَرْزَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثّقَفِيّةِ، وَهِيَ أم عبد الله بن صفوان ابن أُمَيّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رُقَيّةُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِرَيْطَةَ بِنْتِ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ وَهِيَ أُمّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَخَرَجَ طَلْحَةُ بْنُ أبى طلحة وأبو طلحة عبد الله ابن عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، بِسُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ الْأَنْصَارِيّةِ وَهِيَ أُمّ بَنِي طَلْحَةَ: مُسَافِعُ وَالْجُلَاسُ وَكِلَابٌ، قُتِلُوا يَوْمئِذٍ (هُمْ) وَأَبُوهُمْ؛ وَخَرَجَتْ خُنَاسُ بِنْتُ مَالِكٍ بْنِ الْمُضْرِبِ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ مَعَ ابْنِهَا أَبِي عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَهِيَ أُمّ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ وَخَرَجَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَكَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَة كُلّمَا مَرّتْ بِوَحْشِيّ أَوْ مَرّ بِهَا، قَالَتْ: وَيْهَا أَبَا دَسْمَةَ اشْفِ وَاسْتَشْفِ، وَكَانَ وَحْشِيّ يُكَنّى بِأَبِي دَسْمَةَ، فَأَقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ، بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السّبْخَةِ مِنْ قَنَاةٍ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي، مُقَابِلَ الْمَدِينَةِ.
[رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ]
فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ نَزَلُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إنّي قَدْ رَأَيْت وَاَللهِ خَيْرًا، رَأَيْتُ بَقَرًا، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلْمًا، وَرَأَيْتُ أَنّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوّلْتُهَا: المدينة.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْت بَقَرًا لِي تُذْبَحُ، قَالَ: فَأَمّا الْبَقَرُ فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ، وَأَمّا الثّلْمُ الّذِي رَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٢ ]
[مُشَاوَرَةُ الرّسُولِ الْقَوْمَ فِي الْخُرُوجِ أَوْ الْبَقَاءِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرّ مُقَامٍ، وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا، وَكَانَ رَأْيُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ بن سَلُولَ مَعَ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، يَرَى رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَلّا يَخْرَجَ إلَيْهِمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْرَهُ الْخُرُوجَ، فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِمّنْ أَكْرَمَ اللهُ بِالشّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرِهِ، مِمّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُخْرُجْ بِنَا إلَى أَعْدَائِنَا، لَا يَرَوْنَ أَنّا جَبُنّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بن أبىّ بن سَلُولَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَوَاَللهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إلَى عَدُوّ لَنَا قَطّ إلّا أَصَابَ مِنّا، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إلّا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرّ مَحْبِسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرّجَالُ فِي وَجْهِهِمْ، وَرَمَاهُمْ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رجعوا خائبين كما جاؤا. فَلَمْ يَزَلْ النّاسُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، الّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حُبّ لِقَاءِ الْقَوْمِ، حَتّى دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَهُ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ الصّلَاةِ. وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ:
مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي النجّار، فصلّى عليه رسول الله ﷺ، ثُمّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَدِمَ النّاسُ، وَقَالُوا: اسْتَكْرَهْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ذَلِكَ. فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قالوا: يا رسول الله: استكر هناك وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَنَا، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ صلى الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٣ ]
عَلَيْك، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إذَا لَبِسَ لَأَمْته أَنْ يَضَعَهَا حَتّى يُقَاتِلَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَلْفٍ مِنْ أصحابه.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ على الصّلاة بالناس.
[انْخِذَالُ الْمُنَافِقِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى إذَا كَانُوا بِالشّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، انْخَزَلَ عَنْهُ عبد الله بن أبىّ بن سَلُولَ بِثُلُثِ النّاسِ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُل أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ، فَرَجَعَ بِمَنْ اتّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ وَالرّيْبِ، وَاتّبَعَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، يَقُولُ:
يَا قَوْمِ، أُذَكّرُكُمْ اللهَ أَلّا تَخْذُلُوا قَوْمَكُمْ وَنَبِيّكُمْ عِنْدَمَا حَضَرَ مِنْ عَدُوّهِمْ؛ فَقَالُوا:
لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَمَا أَسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنّا لَا نَرَى أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ. قَالَ:
فَلَمّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وَأَبَوْا إلّا الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ، قَالَ: أَبْعَدَكُمْ اللهُ أَعْدَاءَ اللهِ، فَسَيُغْنِي اللهُ عَنْكُمْ نَبِيّهُ.
قَالَ ابن هشام: وذكر زِيَادٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ الزّهْرِيّ: أَنّ الْأَنْصَارَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَسْتَعِينُ بِحُلَفَائِنَا مِنْ يَهُودَ؟ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ.
[حَادِثَةٌ تَفَاءَلَ بِهَا الرّسُولُ]
قَالَ زِيَادٌ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ، قَالَ: وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٤ ]
حَتّى سَلَكَ فِي حَرّةِ بَنِي حَارِثَةَ، فَذَبّ فَرَسُ بِذَنَبِهِ، فَأَصَابَ كُلّابَ سَيْفٍ فَاسْتَلّهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: كِلَابُ سَيْفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- وَكَانَ يُحِبّ الْفَأْلَ وَلَا يَعْتَافُ لِصَاحِبِ السّيْفِ: شِمْ سَيْفَك، فَإِنّي أَرَى السّيُوفَ سَتُسَلّ الْيَوْمَ.
[مَا كَانَ مِنْ مِرْبَعٍ حِينَ سَلَكَ المسلمون حائطه]
ثم قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ: أَيْ مِنْ قُرْبٍ، مِنْ طَرِيقٍ لَا يَمُرّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَنَفَذَ بِهِ فِي حَرّةِ بَنِي حَارِثَةَ، وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، حَتّى سَلَكَ فِي مَالٍ لِمِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيّ، وَكَانَ رَجُلًا مُنَافِقًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، فَلَمّا سَمِعَ حِسّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمِنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَامَ يَحْثِي فِي وُجُوهِهِمْ التّرَابَ، وَيَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللهِ فَإِنّي لَا أُحِلّ لَك أَنْ تَدْخُلَ حَائِطِي. وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنّهُ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّي لَا أُصِيبُ بِهَا غَيْرَك يَا مُحَمّدُ لَضَرَبْتُ بِهَا وَجْهَك. فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا الْأَعْمَى أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصَرِ. وَقَدْ بَدَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَبْلَ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُ، فَضَرَبَهُ بِالْقَوْسِ فِي رَأْسِهِ، فشجّه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٥ ]
قَالَ: وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ الشّعْبَ مِنْ أُحُدٍ، فِي عُدْوَةِ الْوَادِي إلَى الْجَبَلِ، فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إلَى أُحُدٍ، وَقَالَ: لَا يُقَاتِلُنّ أَحَدٌ مِنْكُمْ حَتّى نَأْمُرُهُ بِالْقِتَالِ. وَقَدْ سَرّحَتْ قُرَيْشٌ الظّهْرَ وَالْكُرَاعَ فِي زُرُوعٍ كَانَتْ بِالصّمْغَةِ، مِنْ قَنَاةِ لِلْمُسْلِمِينَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن القتال: أترعى زروع بنى قيلة ولمّا تضارب! وَتُعَبّى رَسُولُ اللهِ ﷺ للقتال، وهو فى سبع مائة رَجُلٍ، وَأَمّرَ عَلَى الرّمَاةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ مُعْلَمٌ يَوْمئِذٍ بِثِيَابِ بِيضٍ، وَالرّمَاةُ خَمْسُونَ رَجُلًا، فقال انْضَحْ الْخَيْلَ عَنّا بِالنّبْلِ، لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا، فَاثْبُتْ مَكَانَك لَا نُؤْتَيَنّ مِنْ قِبَلِكِ. وَظَاهَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَدَفَعَ اللّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
[مَنْ أَجَازَهُمْ الرّسُولُ وَهُمْ فِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْفَزَارِيّ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، أَخَا بَنِي حَارِثَةَ، وَهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ رَدّهُمَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ رَافِعًا رَامٍ، فَأَجَازَهُ، فَلَمّا أَجَازَ رَافِعًا، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنّ سَمُرَةَ يَصْرَعُ رَافِعًا، فَأَجَازَهُ. وَرَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُسَامَةَ بن زيد، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَحَدَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، أَحَدَ بَنِي حَارِثَة، وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، أَحَدَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَأُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، أَحَدَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٦ ]
بَنِي حَارِثَةَ، ثُمّ أَجَازَهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَعَبّأَتْ قُرَيْشٌ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَمَعَهُمْ مِئَتَا فَرَسٍ قَدْ جَنَبُوهَا، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا عِكْرِمَةَ بن أبى جهل.
[أَمْرُ أَبِي دُجَانَةَ]
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السّيْفَ بِحَقّهِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ رِجَالٌ، فَأَمْسَكَهُ عَنْهُمْ، حَتّى قَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالَ: وَمَا حَقّهُ يَا رسول الله؟ قال: أن تشرب بِهِ الْعَدُوّ حَتّى يَنْحَنِيَ؛ قَالَ: أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بِحَقّهِ، فَأَعْطَاهُ إيّاهُ. وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ، إذَا كَانَتْ، وَكَانَ إذَا أَعُلِمَ بِعِصَابَةِ لَهُ حمراء، فاعتصب بها على النّاسُ أَنّهُ سَيُقَاتِلُ، فَلَمّا أَخَذَ السّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ تِلْكَ، فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، وَجَعَلَ يتبختر بين الصّفين.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَسْلَمَ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حِينَ رَأَى أَبَا دُجَانَةَ يَتَبَخْتَرُ: إنّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ، إلّا فِي مِثْلِ هَذَا الموطن.
[أَمْرُ أَبِي عَامِرٍ الْفَاسِق]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن أبا عامر، عبد عمرو
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٧ ]
ابن صَيْفِيّ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّعْمَانِ، أَحَدَ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَقَدْ كَانَ خَرَجَ حِينَ خَرَجَ إلَى مَكّةَ مُبَاعِدًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، مَعَهُ خَمْسُونَ غُلَامًا مِنْ الْأَوْسِ، وَبَعْضُ النّاسِ كَانَ يَقُولُ: كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ يَعِدُ قُرَيْشًا أَنْ لَوْ قَدْ لَقِيَ قَوْمَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ؛ فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ كَانَ أَوّلَ مَنْ لَقِيَهُمْ أَبُو عَامِرٍ فِي الْأَحَابِيشِ وَعُبْدَانُ أَهْلِ مَكّةَ، فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ، أَنَا أَبُو عَامِرٍ؛ قَالُوا: فَلَا أَنْعَمَ اللهُ بِك عَيْنًا يَا فَاسِقُ- وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ يُسَمّى فِي الْجَاهِلِيّةِ: الرّاهِبَ، فسّماء رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْفَاسِقَ- فَلَمّا سَمِعَ رَدّهُمْ عَلَيْهِ قَالَ: لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرّ، ثُمّ قَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمّ رَاضَخَهُمْ بِالْحِجَارَةِ.
[أُسْلُوبُ أَبِي سُفْيَانَ فِي تَحْرِيضِ قُرَيْشٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِأَصْحَابِ اللّوَاءِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ يُحَرّضُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْقِتَالِ: يَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ، إنّكُمْ قَدْ وَلّيْتُمْ لِوَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَصَابَنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنّمَا يُؤْتَى النّاسُ مِنْ قِبَلِ رَايَاتِهِمْ إذَا زَالَتْ زَالُوا، فَإِمّا أَنْ تَكْفُونَا لِوَاءَنَا، وَإِمّا أَنْ تُخَلّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَنَكْفِيكُمُوهُ، فَهَمّوا بِهِ وَتُوَاعَدُوهُ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُسْلِمُ إلَيْك لِوَاءَنَا، سَتَعْلَمُ غَدًا إذَا الْتَقَيْنَا كَيْفَ نَصْنَع! وَذَلِكَ أَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ.
[تَحْرِيضُ هِنْدَ وَالنّسْوَةِ مَعَهَا]
فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ، وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، قَامَتْ هِنْدُ بِنْتُ عتبة فى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٨ ]
النّسْوَةِ اللّاتِي مَعَهَا، وَأَخَذْنَ الدّفُوفَ يَضْرِبْنَ بِهَا خَلَفَ الرّجَالِ، وَيُحَرّضْنَهُمْ فَقَالَتْ هِنْدُ فِيمَا تَقُولُ:
وَيْهَا بَنِي عَبْدِ الدّارْ وَيْهَا حُمَاةَ الْأَدْبَارْ
ضَرْبًا بِكُلّ بَتّارْ
وَتَقُولُ:
إنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ وَنَفْرِشُ النّمَارِقْ
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ فِرَاقَ غَيْرَ وامق
[شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ]
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: أَمِتْ أَمِتْ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
[تَمَامُ قِصّةِ أَبِي دُجَانَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاقْتَتَلَ النّاسُ حَتّى حَمِيَتْ الْحَرْبُ، وَقَاتَلَ أَبُو دُجَانَةَ حَتّى أَمْعَنَ فِي النّاسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ قَالَ: وَجِدْتُ فِي نَفْسِي حِينَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ السّيْفَ فَمَنَعْنِيهِ وَأَعْطَاهُ أَبَا دُجَانَةَ، وَقُلْت: أَنَا ابْنُ صَفِيّةَ عَمّتَهِ، وَمِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ قُمْت إلَيْهِ فَسَأَلْته إيّاهُ قَبْلَهُ، فَأَعْطَاهُ إيّاهُ وَتَرَكَنِي، وَاَللهِ لَأَنْظُرَنّ مَا يَصْنَعُ؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٢٩ ]
فَاتّبَعَتْهُ، فَأَخْرَجَ عِصَابَةً لَهُ حَمْرَاءَ، فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: أَخْرِجْ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةَ الْمَوْتِ، وَهَكَذَا كَانَتْ تَقُولُ لَهُ إذَا تَعَصّبَ بِهَا. فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا الّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي وَنَحْنُ بِالسّفْحِ لَدَى النّخِيلِ
أَلّا أَقَوْمَ الدّهْرَ فِي الْكَيّولِ أَضْرِبُ بِسَيْفِ اللهِ وَالرّسُولِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى فِي الْكُبُول.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إلّا قَتَلَهُ. وَكَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَنَا جَرِيحًا إلّا ذَفّفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ. فَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالْتَقَيَا، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَ الْمُشْرِكُ أَبَا دُجَانَةَ، فَاتّقَاهُ بِدَرَقَتِهِ، فَعَضّتْ بِسَيْفِهِ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ ثُمّ رَأَيْتُهُ قَدْ حَمَلَ السّيْفَ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَة، ثُمّ عَدَلَ السّيْفَ عَنْهَا. قَالَ الزّبِيرُ: فَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ: رَأَيْت إنْسَانًا يَخْمُشُ النّاسَ خَمْشًا شَدِيدًا، فَصَمَدْتُ لَهُ، فَلَمّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السّيْفَ وَلْوَلَ فَإِذَا امْرَأَةٌ، فَأَكْرَمْت سَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً.
[مَقْتَلُ حَمْزَةَ]
وَقَاتَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ حَتّى قَتَلَ أَرْطَاةَ بْنَ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هاشم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٠ ]
ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، وَكَانَ أَحَدَ النّفَرِ الّذِينَ يَحْمِلُونَ اللّوَاءَ ثُمّ مَرّ بِهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى الْغُبْشَانِيّ، وَكَانَ يُكَنّى بِأَبِي نِيَارٍ، فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: هَلُمّ إلَيّ يابن مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ- وَكَانَتْ أُمّهُ أُمّ أَنْمَارٍ مَوْلَاةُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ.
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَرِيقُ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ) وَكَانَتْ خَتّانَةً بِمَكّةَ- فَلَمّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَقَتَلَهُ.
قَالَ وَحْشِيّ، غُلَامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: والله إنى لأنظر إلى حمزة يهدّ الناس بِسَيْفِهِ مَا يُلِيقُ بِهِ شَيْئًا، مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ إذْ تَقَدّمَنِي إلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ العزّى، فقال له حمزة: هلمّ إلىّ يابن مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً، فَكَأَنّ مَا أَخْطَأَ رَأْسَهُ، وَهَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتّى إذَا رَضِيتُ مِنْهَا دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنّتِهِ حَتّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَأَقْبَلَ نَحْوِي، فَغُلِبَ فَوَقَعَ، وَأَمْهَلْتُهُ حَتّى إذَا مَاتَ جِئْت فَأَخَذْت حَرْبَتِي، ثُمّ تَنَحّيْت إلَى الْعَسْكَرِ، وَلَمْ تَكُنْ لِي بِشَيْءِ حَاجَةٌ غَيْرَهُ.
[وَحْشِيّ يُحَدّثُ الضّمْرِيّ وَابْنَ الْخِيَارِ عَنْ قَتْلِهِ حَمْزَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمّيّةَ الضّمْرِيّ قَالَ: خُرِجْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَدِيّ بْنِ الْخِيَارِ، أَخُو بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَدْرَبْنَا مَعَ النّاسِ، فَلَمّا قَفَلْنَا مَرَرْنَا بِحِمْصَ- وَكَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣١ ]
وَحْشِيّ، مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَدْ سَكَنَهَا، وَأَقَامَ بِهَا- فَلَمّا قَدِمْنَاهَا، قَالَ لِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَدِيّ: هَلْ لَك فِي أَنْ نَأْتِيَ وَحْشِيّا فَنَسْأَلَهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ كَيْفَ قَتَلَهُ؟ قَالَ: قُلْت لَهُ: إنْ شِئْتَ. فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْهُ بِحِمْصَ، فَقَالَ لَنَا رَجُلٌ، وَنَحْنُ نَسْأَلُ عَنْهُ: إنّكُمَا سَتَجِدَانِهِ بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَهُوَ رَجُلٌ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْخَمْرُ، فَإِنْ تَجِدَاهُ صَاحِيًا تَجِدَا رَجُلًا عَرَبِيّا، وَتَجِدَا عِنْدَهُ بَعْضَ مَا تُرِيدَانِ، وَتُصِيبَا عِنْدَهُ مَا شِئْتُمَا مِنْ حَدِيثٍ تَسْأَلَانِهِ عَنْهُ، وَإِنْ تَجِدَاهُ وَبَهْ بَعْضُ ما يكون به، فانصرفا عنه وَدَعَاهُ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نَمْشِي حَتّى جِئْنَاهُ، فَإِذَا هُوَ بِفِنَاءِ دَارِهِ عَلَى طَنْفَسَةٍ لَهُ، فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ مِثْلُ الْبُغَاثِ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبُغَاثُ: ضَرْبٌ مِنْ الطّيْرِ إلَى السّوَادِ.
فَإِذَا هُوَ صَاحٍ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: فَلَمّا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ سَلّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيّ، فَقَالَ: ابْنٌ لِعَدِيّ بْنِ الْخِيَارِ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
أَمَا وَاَللهِ مَا رَأَيْتُك مُنْذُ نَاوَلْتُك أُمّك السّعْدِيّةَ الّتِي أَرْضَعَتْك بِذِي طُوًى، فَإِنّي نَاوَلْتُكهَا وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا، فَأَخَذَتْك بِعُرْضَيْك، فَلَمَعَتْ لِي قَدَمَاك حِينَ رَفَعْتُك إلَيْهَا، فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ وَقَفْتَ عَلَيّ فَعَرَفْتُهُمَا. قَالَ: فَجَلَسْنَا إلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: جِئْنَاك لِتُحَدّثَنَا عَنْ قَتْلِك حَمْزَةَ، كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: أَمَا إنّي سَأُحَدّثُكُمَا كَمَا حَدّثْت رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ سَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، كُنْتُ غُلَامًا لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَكَانَ عَمّهُ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيّ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إلَى أُحُدٍ، قَالَ لِي جُبَيْرٌ: إنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمّ مُحَمّدٍ بِعَمّي فَأَنْتَ عَتِيقٌ. قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النّاسِ، وَكُنْتُ رَجُلًا حَبَشِيّا أَقْذِفُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٢ ]
بالحربة قذف الحبشة، قلّما أخطىء بِهَا شَيْئًا؛ فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ خَرَجْتُ أَنْظُرُ حَمْزَةَ وَأَتَبَصّرُهُ، حَتّى رَأَيْته فِي عُرْضِ النّاسِ مثل الجمل الأورق، يهذّ الناس بسيفه هذّا، مَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، فَوَاَللهِ إنّي لَأَتَهَيّأُ لَهُ، أُرِيدُهُ وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِشَجَرَةِ أَوْ حَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنّي إذْ تَقَدّمَنِي إلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى، فَلَمّا رَآهُ حَمْزَةُ قَالَ لَهُ:
هلمّ إلىّ يابن مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ. قَالَ: فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً كَأَنّ مَا أخطأ رأسه. قال:
وَهَزَزْتُ حَرْبَتِي، حَتّى إذَا رَضِيتُ مِنْهَا، دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنّتِهِ، حَتّى خَرَجَتْ مِنْ بين رجليه، وَذَهَبَ لِيَنُوءَ نَحْوِي، فَغُلِبَ، وَتَرَكْتُهُ وَإِيّاهَا حَتّى مَاتَ، ثُمّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمّ رَجَعْت إلَى الْعَسْكَرِ، فَقَعَدْتُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حَاجَةٌ، وَإِنّمَا قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ. فَلَمّا قَدِمْت مَكّةَ أُعْتِقْت، ثُمّ أَقَمْتُ حَتّى إذَا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ هَرَبْتُ إلَى الطّائِفِ، فَمَكَثْت بِهَا، فَلَمّا خَرَجَ وَفْدُ الطّائِفِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُسْلِمُوا تَعَيّتْ عَلَيّ الْمَذَاهِبُ، فَقُلْت: ألحق بالشأم، أَوْ الْيَمَنِ، أَوْ بِبَعْضِ الْبِلَادِ؛ فَوَاَللهِ إنّي لَفِي ذَلِكَ مِنْ هَمّي، إذْ قَالَ لِي رَجُلٌ: وَيْحَك! إنّهُ وَاَللهِ مَا يَقْتُلُ أَحَدًا مِنْ النّاسِ دَخَلَ فِي دِينِهِ، وَتَشَهّدَ شَهَادَتَهُ.
[وَحْشِيّ بَيْنَ يَدَيْ الرّسُولِ يُسْلِمُ]
فَلَمّا قَالَ لِي ذَلِكَ، خَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يَرُعْهُ إلّا بِي قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ أَتَشَهّدُ بِشَهَادَةِ الْحَقّ؛ فَلَمّا رَآنِي قَالَ: أَوَحْشِيّ؟ قُلْت: نعم يا رسول الله. قال: افعد فَحَدّثْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ، قَالَ: فَحَدّثْته كَمَا حَدّثْتُكُمَا، فَلَمّا فَرَغْتُ مِنْ حَدِيثِي قَالَ: وَيْحَك! غيّب عنى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٣ ]
وَجْهَك، فَلَا أُرَيَنّك. قَالَ: فَكُنْتُ أَتَنَكّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَيْثُ كَانَ لِئَلّا يَرَانِي، حَتّى قَبَضَهُ اللهُﷺ.
[قَتْلُ وَحْشِيّ لَمُسَيْلِمَةَ]
فَلَمّا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ خَرَجْت مَعَهُمْ، وَأَخَذْت حَرْبَتِي الّتِي قَتَلْتُ بِهَا حَمْزَةَ؛ فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ رَأَيْت مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابَ قَائِمًا فِي يَدِهِ السيف، وما أعرفه، فتهيأت له، ونهيّأ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ النّاحِيَةِ الْأُخْرَى، كِلَانَا يُرِيدُهُ فَهَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتّى إذَا رَضِيت مِنْهَا دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ، وَشَدّ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِيّ فَضَرَبَهُ بِالسّيْفِ، فَرَبّك أَعْلَمُ أَيّنَا قَتَلَهُ، فإن كُنْت قَتَلْته، فَقَدْ قَتَلْت خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقد قَتَلْت شَرّ النّاسِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ الْيَمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْت يَوْمئِذٍ صَارِخًا يَقُولُ: قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ.
[خَلْعُ وَحْشِيّ مِنْ الدّيوَانِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَلَغَنِي أَنّ وَحْشِيّا لَمْ يَزَلْ يُحَدّ فِي الْخَمْرِ حَتّى خُلِعَ مِنْ الدّيوَانِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ قَاتِلَ حَمْزَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٤ ]
[مَقْتَلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَاتَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ دُونَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى قُتِلَ، وَكَانَ الّذِي قَتَلَهُ ابْنُ قَمِئَةَ اللّيْثِيّ، وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: قَتَلْتُ مُحَمّدًا. فَلَمّا قتل مصعب ابن عُمَيْرٍ أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ اللّوَاءَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَقَاتَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَازِنِيّ، قَالَ: لَمّا اشْتَدّ الْقِتَالُ يَوْمَ أُحُدٍ، جلس رسول الله ﷺ تَحْتَ رَايَةِ الْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ: أَنْ قَدّمَ الرّايَة. فَتَقَدّمَ عَلِيّ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو الْفُصَمِ، وَيُقَالُ: أَبُو الْقُصَمِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- فَنَادَاهُ أَبُو سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ: أَنْ هَلْ لَك يَا أَبَا الْقُصَمِ فِي الْبِرَازِ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فبرز بين الصّفّين، فاختلفا ضربتين فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَصَرَعَهُ، ثُمّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُجْهَزْ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَفَلَا أُجْهِزْت عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: إنّهُ اسْتَقْبَلَنِي بِعَوْرَتِهِ، فَعَطَفَتْنِي عَنْهُ الرّحِمُ، وَعَرَفْتُ أَنّ اللهَ ﷿ قَدْ قَتَلَهُ.
وَيُقَالُ: إنّ أَبَا سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ خَرَجَ بَيْنَ الصّفّيْنِ، فَنَادَى أَنَا قَاصِمٌ مَنْ يُبَارِزُ بِرَازًا، فَلَمْ يَخْرَجْ إلَيْهِ أَحَدٌ. فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ، زَعَمْتُمْ أَنّ قَتْلَاكُمْ فِي الْجَنّةِ، وَأَنّ قَتْلَانَا فِي النّارِ، كَذَبْتُمْ واللات! لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٥ ]
حَقّا لَخَرَجَ إلَيّ بَعْضُكُمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ.
فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنِ إسْحَاقَ: قَتَلَ أَبَا سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ.
[شَأْنُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ]
وَقَاتَلَ عَاصِمُ بْنُ ثابت بن أبى الأفلح. فَقَتَلَ مُسَافِعَ بْنَ طَلْحَةَ وَأَخَاهُ الْجُلَاسَ بْنَ طَلْحَةَ كِلَاهُمَا يَشْعُرُهُ سَهْمًا. فَيَأْتِي أُمّهُ سُلَافَةَ. فيضع رأسه فى حجرها فنقول: يَا بُنَيّ. مَنْ أَصَابَك؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا حِينَ رَمَانِي وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ أَبِي الْأَقْلَحِ. فَنَذَرْتُ إنْ أَمْكَنَهَا اللهُ مِنْ رَأْسِ عَاصِمٍ أَنْ تُشْرَبَ فِيهِ الْخَمْرُ. وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ عَاهَدَ اللهَ أَنْ لَا يَمَسّ مُشْرِكًا أَبَدًا.
وَلَا يَمَسّهُ مُشْرِكٌ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمئِذٍ، وَهُوَ يَحْمِلُ لِوَاءَ الْمُشْرِكِينَ:
إنّ عَلَى أَهْلِ اللّوَاءِ حَقّا أَنْ يَخْضِبُوا الصّعْدَةَ أَوْ تَنْدَقّا
فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عبد المطلب.
[حنظلة غسيل الملائكة]
والتقى حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلُ وَأَبُو سُفْيَانَ، فلما استعلاه حنظلة ابن أَبِي عَامِرٍ رَآهُ شَدّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَهُوَ ابْنُ شَعُوبٍ، قَدْ عَلَا أَبَا سُفْيَانَ.
فَضَرَبَهُ شَدّادٌ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إن صاحبكم، يعنى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٦ ]
حنظلة لتغسل الْمَلَائِكَةُ. فَسَأَلُوا أَهْلَهُ مَا شَأْنُهُ؟ فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ عَنْهُ. فَقَالَتْ:
خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَاتِفَةَ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْهَائِعَةُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: خَيْرُ النّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، كُلّمَا سَمِعَ هَيْعَةَ طَارَ إلَيْهَا. قَالَ الطّرِمّاحُ بْنُ حَكِيمٍ الطّائِيّ، وَالطّرِمّاحُ: الطّوِيلُ مِنْ الرّجَالِ:
أَنَا ابْنُ حُمَاةَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ مَالِكٍ إذَا جَعَلَتْ خُورُ الرّجَالِ تَهِيعُ
(وَالْهَيْعَةُ: الصّيْحَةُ الّتِي فِيهَا الْفَزَعُ) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لِذَلِكَ غَسّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ.
[شِعْرُ الْأَسْوَدِ فِي قَتْلِهِمَا حَنْظَلَةَ وَأَبَا سُفْيَانَ]
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ): وَقَالَ شَدّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فِي قَتْلِهِ حَنْظَلَةَ:
لَأَحْمِيَنّ صَاحِبِي وَنَفْسِي بِطَعْنَةِ مِثْلِ شُعَاعِ الشّمْسِ
وَقَال أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَهُوَ يَذْكُرُ صَبْرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، ومعاونة ابن شعوب إيّاه على حنظلة:
وَلَوْ شِئْتُ نَجّتْنِي كُمَيْتٌ طِمرّة وَلَمْ أَحْمِلْ النّعماء لابن شعوب
ومازال مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمْ لَدُنْ غَدْوَةٍ حَتّى دنت لغروب
أقاتلهم وأدّعى يالغالب وَأَدْفَعُهُمْ عَنّي بِرُكْنٍ صَلِيبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٧ ]
فَبَكّي وَلَا تَرْعَى مَقَالَةَ عَاذِلٍ وَلَا تَسْأَمِي مِنْ عَبْرَةٍ وَنَحِيبِ
أَبَاكِ وَإِخْوَانًا لَهُ قَدْ تَتَابَعُوا وَحُقّ لَهُمْ مِنْ عَبْرَةٍ بِنَصِيبِ
وَسَلّى الّذِي قَدْ كَانَ فِي النّفْسِ أَنّنِي قَتَلْتُ من النّجّار كلّ بحيب
وَمِنْ هَاشِمٍ قَرْمًا كَرِيمًا وَمُصْعَبًا وَكَانَ لَدَى الْهَيْجَاءِ غَيْرُ هَيُوبِ
وَلَوْ أَنّنِي لَمْ أَشْفِ نَفْسِي مِنْهُمْ لَكَانَتْ شَجًا فِي الْقَلْبِ ذَاتَ نُدُوبِ
فَآبَوْا وَقَدْ أَوْدَى الْجَلَابِيبُ مِنْهُمْ بِهِمْ خدب من معطب وكثيب
أَصَابَهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ كِفَاءً وَلَا فِي خُطّةٍ بِضَرِيبِ
[شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ]
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
ذَكَرْتَ الْقُرُومَ الصّيْدَ مِنْ آلِ هَاشِمٍ وَلَسْتَ لِزُورٍ قُلْتَهُ بِمُصِيبِ
أَتَعْجَبُ أَنْ أَقَصَدْت حَمْزَةَ مِنْهُمْ نَجِيبًا وَقَدْ سَمّيْتَهُ بِنَجِيبِ
أَلَمْ يَقْتُلُوا عَمْرًا وَعُتْبَة وَابْنَهُ وَشَيْبَةَ وَالْحَجّاجَ وَابْنَ حَبِيبِ
غَدَاةَ دَعَا الْعَاصِي عَلِيّا فَرَاعَهُ بِضَرْبَةِ عَضْبٍ بَلّهُ بِخَضِيبِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ابْنُ شَعُوبٍ يَذْكُرُ يَدَهُ عِنْدَ أَبِي سفيان فيما دفع عنه، فقال:
ولولا دفاعى بابن حَرْبٍ وَمَشْهَدِي لَأُلْفِيَتْ يَوْمَ النّعْفِ غَيْرَ مُجِيبِ
وَلَوْلَا مَكَرّي الْمُهْرَ بِالنّعْفِ قَرْقَرَتْ ضِبَاعٌ عَلَيْهِ أَوْ ضِرَاءُ كَلِيبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «عَلَيْهِ أَوْ ضِرَاءُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
[شِعْرُ الْحَارِثِ فِي الرّدّ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ أَيْضًا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ يُجِيبُ أَبَا سُفْيَانَ:
جَزَيْتهمْ يَوْمًا بِبَدْرٍ كَمِثْلِهِ عَلَى سَابِحٍ ذِي مَيْعَةٍ وَشَبِيبِ
لَدَى صَحْنِ بَدْرٍ أَوْ أَقَمْت نَوَائِحًا عَلَيْك وَلَمْ تَحْفِلْ مُصَابَ حَبِيبِ
وَإِنّك لَوْ عَايَنْتَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَأُبْتَ بِقَلْبِ مَا بَقِيتُ نَخِيبُ
قَالَ ابْن هِشَام: وَإِنّمَا أَجَابَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ أَبَا سُفْيَانَ لِأَنّهُ ظَنّ أَنّهُ عَرّضَ بِهِ فِي قَوْلِهِ:
وَمَا زَالَ مُهْرِيّ مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمْ لِفِرَارِ الْحَارِثِ يَوْمِ بَدْرٍ.
[حَدِيثُ الزّبَيْرِ عَنْ سَبَبِ الْهَزِيمَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ، فَحَسّوهُمْ بِالسّيُوفِ حَتّى كَشَفُوهُمْ عَنْ الْعَسْكَرِ، وَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ لَا شَكّ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ الزّبَيْرِ، أنه قال: وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْتنِي أَنْظُرُ إلَى خَدَمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَة وَصَوَاحِبُهَا مُشَمّرَاتٌ هَوَارِبُ، مَا دُونِ أخذهن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٣٩ ]
قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إذْ مَالَتْ الرّمَاةُ إلَى الْعَسْكَرِ، حِين كَشَفْنَا الْقَوْمَ عَنْهُ وَخَلّوْا ظُهُورَنَا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينَا مِنْ خَلْفِنَا، وَصَرَخَ صَارِخٌ: أَلَا إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ؛ فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ اللّوَاءِ حَتّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصّارِخُ: أَزَبّ الْعَقَبَةِ، يَعْنِي الشّيْطَانَ.
[شَجَاعَةُ صُؤَابٍ وَشِعْرُ حَسّانَ فِي ذَلِكَ]
قَالَ ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن اللّوَاءَ لَمْ يَزَلْ صَرِيعًا حَتّى أَخَذَتْهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيّةُ، فَرَفَعَتْهُ لِقُرَيْشِ، فَلَاثُوا بِهِ. وَكَانَ اللّوَاءُ مَعَ صُؤَابٍ، غُلَامٌ لِبَنِي أَبِي طَلْحَةَ، حَبَشِيّ وَكَانَ آخِرُ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، فَقَاتَلَ بِهِ حَتّى قُطِعَتْ يَدَاهُ، ثُمّ بَرَكَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ اللّوَاءَ بِصَدْرِهِ وَعُنُقِهِ حَتّى قُتِلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمّ هَلْ أَعْزَرْت- يَقُولَ: أَعَذَرْت- فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
فَخَرْتُمْ بِاللّوَاءِ وَشَرّ فَخْرٍ لِوَاءٌ حِينَ رُدّ إلَى صُؤَابِ
جَعَلْتُمْ فَخَرَكُمْ فِيهِ بِعَبْدٍ وَأَلْأَمُ مَنْ يَطَا عَفَرَ التّرَابِ
ظَنَنْتُمْ، وَالسّفِيهُ لَهُ ظُنُونُ وَمَا إنْ ذَاكَ مِنْ أَمْرِ الصّوَابِ
بِأَنّ جِلَادَنَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا بِمَكّةَ بَيْعُكُمْ حُمْرَ الْعِيَابِ
أَقَرّ الْعَيْنَ أَنْ عُصِبَتْ يَدَاهُ وَمَا إنْ تُعْصَبَانِ عَلَى خِضَابِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٤٠ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا يُرْوَى لِأَبِي خراش الهذلىّ، وأنشدنيه خلف الأحمر:
أَقَرّ الْعَيْنَ أَنْ عُصِبَتْ يَدَاهَا وَمَا إنْ تُعْصَبَانِ عَلَى خِضَابِ
فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. يَعْنِي امْرَأَتَهُ. فِي غَيْرِ حَدِيثِ أُحُدٍ. وَتُرْوَى الْأَبْيَاتُ أَيْضًا لِمَعْقِلِ بْنِ خُوَيْلِد الْهُذَلِيّ.
[شِعْرُ حَسّانَ فى عمرة الحارثية]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَأْنِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيّةِ وَرَفْعِهَا اللّوَاءِ:
إذَا عَضَلٌ سِيقَتْ إلَيْنَا كَأَنّهَا جَدَايَةُ شُرْكٍ مُعْلِمَاتِ الْحَوَاجِبِ
أَقَمْنَا لَهُمْ طَعْنًا مُبِيرًا مُنَكّلًا وَحُزْنَاهُمْ بِالضّرْبِ مِنْ كُلّ جَانِبِ
فَلَوْلَا لِوَاءُ الْحَارِثِيّةِ أَصْبَحُوا يُبَاعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ بَيْعَ الْجَلَائِبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
[مَا لَقِيَهُ الرّسُولُ يَوْمَ أُحُدٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابَ فِيهِمْ الْعَدُوّ، وَكَانَ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ، أَكْرَمَ اللهُ فِيهِ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالشّهَادَةِ، حَتّى خَلَصَ الْعَدُوّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَدُثّ بِالْحِجَارَةِ حَتّى وَقَعَ لِشِقّهِ، فَأُصِيبَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجّ فِي وَجْهِهِ، وَكُلِمَتْ شَفَتُهُ، وَكَانَ الّذِي أصابه عتبة ابن أبى وقّاص.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٤١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حُمَيْد الطّوِيلُ، عَنْ أنس بن مالك، قال:
كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النّبِيّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجّ فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلَ الدّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدّمَ وَهُوَ يَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبّهِمْ! فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي ذَلِكَ:
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: أَنّ عُتْبَة بْنَ أَبِي وَقّاصٍ رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، فَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ الْيُمْنَى السّفْلَى، وَجَرَحَ شَفَتَهُ السّفْلَى، وَأَنّ عَبْدَ اللهِ بن شهاب لزهرى شَجّهُ فِي جَبْهَتِهِ، وَأَنّ ابْنَ قَمِئَةَ جَرَحَ وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى وَجْنَتَهُ، وَوَقَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْحُفَرِ الّتِي عَمِلَ أَبُو عَامِرٍ لِيَقَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ؛ فَأَخَذَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَفَعَهُ طلحة ابن عُبَيْدِ اللهِ حَتّى اسْتَوَى قَائِمًا، وَمَصّ مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ، أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، الدّمّ: عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمّ ازْدَرَدَهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ مَسّ دَمِي دَمَهُ لَمْ تُصِبْهُ النّارُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ الدّرَاوَرْدِيّ: أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحَبّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٤٢ ]
وَذَكَرَ، يَعْنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الدّرَاوَرْدِيّ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ: أن أبا عبيدة بن الجرّاج نَزَعَ إحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ مِنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَقَطَتْ ثَنِيّتُهُ، ثُمّ نَزَعَ الْأُخْرَى، فَسَقَطَتْ ثَنِيّتُهُ الْأُخْرَى، فَكَانَ سَاقِطَ الثّنِيّتَيْنِ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي عُتْبَة وَمَا أَصَابَ بِهِ الرسول]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ:
إذَا اللهُ جَازَى مَعْشَرًا بِفِعَالِهِمْ وَضَرّهُمْ الرّحْمَنُ رَبّ الْمَشَارِقِ
فَأَخْزَاك رَبّي يَا عُتَيْبُ بْنَ مَالِكٍ وَلَقّاك قَبْلَ الْمَوْتِ إحْدَى الصّوَاعِقِ
بَسَطْتَ يَمِينًا لِلنّبِيّ تَعَمّدًا فَأَدْمَيْت فَاهُ، قُطّعَتْ بِالْبَوَارِقِ
فَهَلّا ذَكَرْتَ اللهَ وَالْمَنْزِلَ الّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ إحْدَى الْبَوَائِقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتَيْنِ أَقْذَعَ فيهما.
[ابْنُ السّكَنِ وَبَلَاؤُهُ يَوْمَ أُحُدٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حِينَ غَشِيَهُ الْقَوْمُ:
مَنْ رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ؟ كَمَا حَدّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرحمن بن عمرو بن سعد ابن مَعَاذٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: فَقَامَ زِيَادُ بْنُ السّكَنِ فِي نَفَرٍ خَمْسَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ- وَبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: إنّمَا هُوَ عُمَارَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ السّكَنِ- فَقَاتَلُوا دُونَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، رَجُلًا ثُمّ رَجُلًا، يُقْتَلُونَ دُونَهُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٤٣ ]
حَتّى كَانَ آخِرُهُمْ زِيَادَ أَوْ عُمَارَةَ، فَقَاتَلَ حَتّى أَثَبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، ثُمّ فَاءَتْ فِئَةٌ مِنْ المسلمين، فأجهضوهم عنه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَدْنُوهُ مِنّي، فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسّدَهُ قَدِمَهُ، فَمَاتَ وَخَدّهُ عَلَى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
[حَدِيثُ أُمّ سَعْدٍ عَنْ نَصِيبِهَا فِي الْجِهَادِ يَوْمَ أُحُدٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَاتَلَتْ أُمّ عُمَارَةَ، نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ الْمَازِنِيّة يَوْمَ أُحُدٍ.
فَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ: أَنّ أُمّ سَعْدِ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ كَانَتْ تَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمّ عُمَارَةَ، فَقُلْت لَهَا: يَا خَالَةُ، أَخْبِرِينِي خَبَرَك، فَقَالَتْ: خَرَجْتُ أَوّلَ النّهَارِ وَأَنَا أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النّاسُ، وَمَعِي سِقَاءٌ فِيهِ مَاءٌ، فَانْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ، وَالدّوْلَةُ وَالرّيحُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَلَمّا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، انْحَزْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُمْت أُبَاشِرُ الْقِتَالَ، وَأَذُبّ عَنْهُ بِالسّيْفِ، وَأَرْمِي عَنْ الْقَوْسِ، حَتّى خَلَصَتْ الْجِرَاحُ إلَيّ. قَالَتْ: فَرَأَيْتُ عَلَى عَاتِقِهَا جُرْحًا أَجْوَفَ لَهُ غَوْرٌ، فَقُلْت: مَنْ أَصَابَك بِهَذَا؟ قَالَتْ: ابْنُ قَمِئَةَ، أَقْمَأَهُ اللهُ! لَمّا وَلّى النّاسُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ يَقُولُ: دُلّونِي عَلَى مُحَمّدٍ، فَلَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا، فَاعْتَرَضْتُ لَهُ أَنَا وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأُنَاسٌ مِمّنْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَضَرَبَنِي هَذِهِ الضّرْبَةَ، وَلَكِنْ فَلَقَدْ ضَرَبْته عَلَى ذَلِكَ ضَرْبَاتٍ، وَلَكِنّ عَدُوّ اللهِ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٤٤ ]
[أَبُو دُجَانَةَ وَابْنُ أَبِي وَقّاصٍ يَدْفَعَانِ عَنْ الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَرّسَ دُونَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبُو دُجَانَة بِنَفْسِهِ، يَقَعُ النّبْلُ فِي ظَهْرِهِ، وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتّى كَثُرَ فِيهِ النّبْلُ. وَرَمَى سَعْدُ بن أبى وقّاص دُونَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُنَاوِلُنِي النّبْلَ وَهُوَ يَقُولُ: ارْمِ، فِدَاك أَبِي وَأُمّي، حَتّى إنّهُ ليناولنى السّهم ماله نَصْلٌ. فَيَقُولُ: ارْمِ بِهِ.
[بَلَاءُ قَتَادَةَ وَحَدِيثُ عَيْنهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحدثني عاصم بن عمر بن قَتَادَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى عَنْ قَوْسِهِ حَتّى انْدَقّتْ سِيَتُهَا، فَأَخَذَهَا قَتَادَةَ بْنُ النّعْمَانِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ، وَأُصِيبَتْ يَوْمئِذٍ عَيْنُ قَتَادَةُ بْنُ النّعْمَانِ، حَتّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدّهَا بِيَدِهِ، فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ وأحدّهما.
[شَأْنُ أَنَسِ بْنِ النّضْرِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ رَافِع أخو بنى عدىّ ابن النّجّارِ، قَالَ: انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النّضْرِ، عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدْ أَلْقَوْا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٤٥ ]
بأيديهم، فقال: ما يجاسكم؟ قَالُوا: قَتْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ:
فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ (قُومُوا) فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ، فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ، وَبَهْ سُمّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حُمَيْد الطّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا بِأَنَسِ بْنِ النّضْرِ يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ ضَرْبَةً، فَمَا عَرَفَهُ إلّا أُخْتُهُ، عَرَفَتْهُ بِبَنَاتِهِ.
[مَا أَصَابَ ابْنَ عَوْفٍ مِنْ الْجِرَاحَاتِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُصِيبَ فُوهُ يَوْمئِذٍ فَهُتِمَ، وَجُرِحَ عِشْرِينَ جِرَاحَةً أَوْ أَكْثَرَ، أَصَابَهُ بَعْضُهَا فِي رِجْلِهِ فَعَرِجَ.
[أَوّلُ مَنْ عَرَفَ الرّسُولَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوّلَ مَنْ عَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَقَوْلُ النّاسِ: قَتْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: عَرَفْت عَيْنَيْهِ تَزْهَرَانِ مِنْ تَحْتِ الْمِغْفَرِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَبْشِرُوا، هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَشَارَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنْ أَنْصِتْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَضُوا بِهِ، وَنَهَضَ مَعَهُمْ نَحْوَ الشّعْبِ، مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طالب، وطلحة بن عبيد الله، ولزّبير بن العوّم، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ، وَرَهْطٌ من المسلمين.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٥ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَتْلُ مُحَيّصَة الْيَهُودِيّ مُحَيّصَة بْنُ مَسْعُودٍ كَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ حُوَيّصَة، لَكِنْ سَبَقَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَأَرْسَلَهُ النّبِيّ ﷺ إلَى أَهْلِ فَدَكَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الّذِي اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ- فِي أُجْرَةِ الْحَجّامِ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: بعد ما أَلَحّ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَعْلِفْهُ نَاضِحَك وَاجْعَلْهُ فِي كَرِشِك، وَذَلِكَ أَنّ أَبَا طِيبَةَ الْحَجّامَ «١»، كَانَ عَبْدًا لَهُ، وَقَدْ تَقَدّمَ اسْمُ أَبِي طِيبَةَ.
وَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَ بُصْرَى وَمَأْرِبِ. بُصْرَى بِالشّامِ، وَمَأْرِبُ بِالْيَمَنِ، حَيْثُ كَانَ السّدّ، وَمَأْرِبُ: اسْمُ قَصْرٍ كَانَ لِسَبَأِ. وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ: مَأْرِبُ اسْمُ كُلّ مَلِكٍ وَلِيَ أَمْرَ سَبَأٍ، كَخَاقَانِ فِي التّرْكِ، وَكِسْرَى فِي الْفُرْسِ وَقَيْصَرَ فِي الرّومِ، وَالنّجَاشِيّ فِي الْحَبَشَةِ.
وَحُوَيّصَة «٢»: تَصْغِيرُ حَوْصَة مِنْ حُصْت الثّوْبَ إذَا خِطّته.
وَفِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ سُنَيْنَةَ الْمَقْتُولِ، كَأَنّهُ تَصْغِيرُ سِنّ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي اسْمِهِ: سُبَيْنَةُ بِالْبَاءِ كَأَنّهُ مصغر تصغير الترحيم مِنْ سَبَنِيّةَ، قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: السّبَنِيّةُ ضَرْبٌ مِنْ النّبَاتِ، وَأَمّا شُنَيْنَةُ بِالشّيْنِ الْمَنْقُوطَةِ. فَوَالِدُ
_________________
(١) فى الصحيحين أنه حجم رسول الله «ص» .
(٢) ضبط القاموس الإسمين بقوله: وحويصة ومحيصه ابنا مسعود مشددتى الصاد صحابيان. وضبطا بفتح الصاد.
[ ٥ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صِقْلَابِ بْنِ شُنَيْنَةَ «١» قَرَأَ عَلَى نَافِعِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَقَالَ: قَالَ لِي نَافِعٌ: يَا صِقْلَابُ بَيْنَ النّونِ عِنْدَ الْحَاءِ وَالْخَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْغَيْنِ وَالْهَاءِ وَالْأَلِفِ.
غَزْوَةُ أُحُدٍ فَضْلُ أُحُدٍ:
وَأُحُدٌ الْجَبَلُ الْمَعْرُوفُ بِالْمَدِينَةِ، سُمّيَ بِهَذَا الِاسْمِ لِتَوَحّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخَرَ هُنَالِكَ، وَقَالَ فيه الرسولﷺ- هذا جَبَلٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ «٢»، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَالٌ. قِيلَ أَرَادَ أَهْلَهُ، وَهُمْ الْأَنْصَارُ، وَقِيلَ أَرَادَ أَنّهُ كَانَ يُبَشّرُهُ إذَا رَآهُ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ أَسْفَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنْ أَهْلِهِ وَلِقَائِهِمْ، وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُحِبّ، وَقِيلَ: بَلْ حُبّهُ حَقِيقَةً، وُضِعَ الْحُبّ فِيهِ كَمَا وُضِعَ التّسْبِيحُ فِي الْجِبَالِ الْمُسَبّحَةِ مَعَ دَاوُد، وَكَمَا وُضِعَتْ الْخَشْيَةُ فِي الْحِجَارَةِ الّتِي قَالَ الله فيها: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَفِي الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ أَنّ أُحُدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ بَابِ الْجَنّةِ مِنْ دَاخِلِهَا، وَفِي بَعْضِهَا أَنّهُ رُكْنٌ لِبَابِ الْجَنّةِ «٣»، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلّامٍ فى تفسيره، وفى المسند من طريق
_________________
(١) هو فى القاموس: سقلاب- بالسين- القارىء المصرى.
(٢) رواه الشيخان والترمذى وأحمد والطبرانى، وفى رواية للبخارى بيان أن ذلك كان عند القدوم من خيبر ولفظ رواية ابن شبة أنه- أى أنس- أقبل مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ من خيبر، فلما بدا لهم أحد قال الحديث. ولكن فى رواية أخرى للبخارى أن ذلك كان فى رجوعه «ص» من الحج، وقيل: وهو عائد من غزوة تبوك.
(٣) رواه أبو يعلى والطبرانى، وبلغ من ضعفه أن يقول السيوطى عنه إنه ضعيف
[ ٥ / ٤٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: أُحُدٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ، وَهُوَ عَلَى بَابِ الْجَنّةِ، قَالَ: وَعَيْرٌ يَبْغُضُنَا وَنَبْغُضُهُ، وَهُوَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ النّارِ «١»، وَيُقَوّيهِ قَوْلُهُ ﷺ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ «٢»، مَعَ قَوْلِهِ:
يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ، فَتَنَاسَبَتْ هَذِهِ الْآثَارُ، وَشَدّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
مشاكلة اسم الجبل لأغراصه التّوْحِيدِ:
وَقَدْ كَانَ ﵇ يُحِبّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ اسْمٍ مُشْتَقّ مِنْ الْأَحَدِيّةِ، وَقَدْ سَمّى اللهُ هَذَا الْجَبَلَ بِهَذَا الِاسْمِ، تَقْدِمَةً لِمَا أَرَادَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ مُشَاكَلَةِ اسْمِهِ، وَمَعْنَاهُ، إذْ أَهْلُهُ وَهُمْ الْأَنْصَارُ نَصَرُوا التّوْحِيدَ وَالْمَبْعُوثَ بِدِينِ التّوْحِيدِ، عِنْدَهُ اسْتَقَرّ حَيّا وَمَيّتًا، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ ﵇ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْوِتْرَ وَيُحِبّهُ فِي شَأْنِهِ كُلّهِ اسْتِشْعَارًا لِلْأَحَدِيّةِ «٣»، فَقَدْ وَافَقَ اسْمُ هَذَا الْجَبَلِ لِأَغْرَاضِهِ ﵇ وَمَقَاصِدِهِ فِي الْأَسْمَاءِ، فَقَدْ بَدّلَ كَثِيرًا مِنْ الْأَسْمَاءِ اسْتِقْبَاحًا لَهَا مِنْ أَسْمَاءِ البقاع وأسماء الناس، وذلك لا يحصى كَثْرَةً؛ فَاسْمُ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ أَوْفَقِ الْأَسْمَاءِ لَهُ، وَمَعَ أَنّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْأَحَدِيّةِ، فَحَرَكَاتُ حروفه
_________________
(١) رواه الطبرى فى الأوسط، وكذلك قال عنه السيوطى إنه ضعيف.
(٢) متفق عليه.
(٣) أظنه يقصد المصدر الصناعى من أحد، لا الأحدية التى يتكلم عنها الصوفية، وهى الوجود الإلهى المجرد عن الأسماء والصفات. وقد وفيته بحثا فى كتابى «هذه هى الصوفية»، وفيه أن الأحدية الصوفية لا تنتسب إلى الحق من دين الله.
[ ٥ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّفْعُ، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِارْتِفَاعِ دِينِ الْأَحَدِ، وَعُلُوّهِ، فَتَعَلّقَ الْحُبّ مِنْ النّبِيّ ﷺ بِهِ اسْمًا وَمُسَمّى، فَخَصّ مِنْ بَيْنِ الجبال بأن يكون معه فى الجنة، إذا بسّت الجبال بسّا، فكانت هباء منبثّا «١» وَفِي أُحُدٍ قَبْرُ هَارُونَ أَخِي مُوسَى ﵉، وَفِيهِ قُبِضَ، وَثَمّ وَارَاهُ مُوسَى ﵇، وَكَانَا قَدْ مَرّا بِأُحُدِ حَاجّينِ، أَوْ مُعْتَمِرِينَ، رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ الزّبَيْرُ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ «٢» .
وَذَكَرَ ابْنُ إسحاق مسير قريش بالظّعن التماس الحفيظة، وَالْحَفِيظَةُ.
الْغَضَبُ لِلْحُرَمِ، وَيُقَالُ أَحْفَظَ الرّجُلُ إذَا أغضب.
_________________
(١) رواية أنه معه فى الجنة رواية واهية ساقطة.
(٢) رواه ابن أبى شبة وابن زباله، وفى متنه دليل سقوطه، فقد روى أن موسى وهارون خرجا حاجين أو معتمرين، حتى إذا قدما المدينة خافا اليهود، فنزلا أحد وهارون مريض، فحفر له موسى قبرا بأحد، وقال: يا أخى أدخل فيه، فإنك ميت، فدخل فيه فلما دخل قبضه الله، فحثا موسى عليه التراب.. كيف يحرؤ موسى على الحكم بموت أخيه؟ لا يجوز إسناد هذا البغى على الله إلى نبى. ويقول السمهودى: بأحد شعب تعرف بشعب هارون يزعمون أن قبر هارون ﵇ فى أعلاه، وهو بعيد حسا ومعنى، وليس ثم ما يصلح للحفر وإخراج التراب. وقال فى الفتح عن سند الزبير للحديث وسند الزبير فى ذلك ضعيف جدا من جهة شيخه ابن زبالة، ومنقطع، وليس بمرفوع وفى النور عن ابن دحية أنه باطل ببقين إنما مات فى موضع على ساعة من مدينة جبلة من مدن الشام. وقيل إن قبر هارون بحبل مشرف قبلى بيت المقدس كما ذكر ياقوت فى كتابه المشترك، وفى الأنوار أنه مات فى التيه.
[ ٥ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَى بَقَرًا تُنْحَرُ حَوْلَهُ، وَثُلْمَةً فِي سَيْفِهِ وَفِي غَيْرِ السّيرَةِ قَالَ رَأَيْت بَقَرًا تُنْحَرُ وَاَللهِ خَيْرٌ، فَأَوّلْت الْخَيْرَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ كَانَتْ بَدْرٌ قَبْلَ أُحُدٍ، وَلَكِنْ نَفَعَ اللهُ بِذَلِكَ الْخَيْرِ الّذِي كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانَ فِيهِ تَأْسِيَةً وَتَعْزِيَةً لَهُمْ، فَلِذَلِكَ تَضَمّنَتْهُ الرّؤْيَا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها وَفِي الْبُخَارِيّ: مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدَ بَدْرٍ. وَفِي مُسْلِمٍ: وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ بَعْدُ وَثَوَابُ الصّدْقِ الّذِي أَتَانَا اللهُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهَذِهِ أَقَلّ الرّوَايَاتِ إشْكَالًا. «قَالَ الْمُؤَلّفُ» أَبُو الْقَاسِمُ [السهيلى]: أمّا البقر فغبارة عَنْ رِجَالٍ مُسَلّحِينَ يَتَنَاطَحُونَ وَقَدْ رَأَتْ عَائِشَةُ﵂- مِثْلَ هَذَا، فَكَانَ تَأْوِيلُهُ قَتْلَ مَنْ قُتِلَ مَعَهَا يَوْمَ الْجَمَلِ. وَقَوْلُهُ: وَاَللهِ خَيْرٌ، أَيْ: رَأَيْت بَقَرًا تُنْحَرُ، وَرَأَيْت هَذَا الْكَلَامَ، لِأَنّ الرّائِيَ قَدْ يُمَثّلُ لَهُ كَلَامٌ فِي خَلَدِهِ، فَيَرَاهُ بِوَهْمِهِ، كَمَا يَرَى صُورَةَ الْأَشْيَاءِ، وَمِنْ خَبَرِ أَحْوَالِ الرّؤْيَا عَرَفَ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ الصّوَرُ المرثيّة فِي النّوْمِ تَكُونُ فِي الْغَالِبِ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً، وَقَدْ تَكُونُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَمّا الْكَلَامُ الّذِي يَسْمَعُهُ بِسَمْعِ الْوَهْمِ مُمَثّلًا فِي الْخَلَدِ، فَلَا يَكُونُ إلّا عَلَى ظَاهِرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَسْمَعَ: أَنْتَ سَالِمٌ أَوْ اللهُ خَيْرٌ لَك، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ، فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى سِوَى ظَاهِرِهِ. وَذَكَرَ أَنّ فَرَسًا ذَبّبَ بِذَيْلِهِ، فَأَصَابَ كُلّابَ سَيْفٍ فَاسْتَلّهُ. قَالَ
[ ٥ / ٤٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنُ هِشَامٍ: كُلّابُ السّيْفِ هِيَ الْحَدِيدَةُ الْعَقْفَاءُ، وَهِيَ الّتِي تَلِي الْغِمْدَ، وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ: الْكَلْبُ مِسْمَارٌ فِي قَائِمِ السّيْفِ.
الْفَأْلُ وَالطّيَرَةُ: قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبّ الْفَأْلَ، وَلَا يَعْتَافُ، يَفْتَالُ يَفْتَعِلُ مِنْ الْعِيَافَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنّ الْعِيَافَةَ فِي الْمَكْرُوهِ خَاصّةً، وَالْفَأْلُ فِي الْمَحْبُوبِ، وَقَدْ يَكُونُ فى المكروه، والطّيرة تكون فى المحبوب والمكروه، وَفِي الْحَدِيثِ أَنّهُ نَهَى عَنْ الطّيَرَةِ، وَقَالَ: خَيْرُهَا الْفَأْلُ، فَدَلّ عَلَى أَنّهَا تَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ وَالْفَأْلُ خَيْرُهَا «١» . وَلَفْظُهَا يُعْطِي أَنّهَا تَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشّرّ، لِأَنّهَا مِنْ الطّيْرِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: جَرَى لَهُ الطّائِرُ بِخَيْرِ، وَجَرَى لَهُ بِشَرّ، وَفِي التّنْزِيلِ: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ «٢» .
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَإِنّي أَرَى السّيُوفَ سَتُسَلّ الْيَوْمَ، يُقَوّي مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ التّوَسّمِ وَالزّجْرِ الْمُصِيبِ، وَأَنّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ «٣» لَكِنّهُ غَيْرُ
_________________
(١) يقول ابن الأثير «وإنما أحب الفأل، لأن الناس إذا أملوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كل سبب ضعف أو قوى فهم على خير، ولو غلطوا فى جهة الرجاء، فان الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر، وأما الطيرة، فان فيها سوء الظن بالله، وتوقع البلاء.
(٢) من حديث البخارى ومسلم قوله: «لا طيرة ويعجبنى الفأل الحسن، قالوا وما الفأل؟ قال الكلمة الطيبة» .
(٣) يقول الأمام ابن الأثير فى مفرداته: والزجر للطير هو القيسمن والتشؤم بها والتفؤل بطيرانها كالسانح والبارح وهو نوع من الكهانة والعيافة» والكهانة-
[ ٥ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَقْطُوعٍ بِهِ إلّا أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ النّبِيّ ﷺ، وَقَدْ قَدّمْنَا فِيهِ قَوْلًا مُقْنِعًا فِي حَدِيثِ زَمْزَمَ وَنُقْرَة الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، وَلِلّهِ فِي كُلّ شَيْءٍ حِكْمَةٌ، وَإِعْمَالُ الْفِكْرِ فِي الْوُقُوفِ عَلَى حِكْمَةِ اللهِ عِبَادَةٌ.
الْمُسْتَصْغَرُونَ يَوْمَ أُحُدٍ: وَذَكَرَ الْمُسْتَصْغَرِينَ يَوْمَ أُحُدٍ الّذِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- فَرَدّ أَصْغَرَهُمْ، مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إلَى آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ عَرَابَةَ بْنَ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيّ، وَقَدْ ذَكَرَتْهُ طَائِفَةٌ فِيهِمْ، وَمِمّنْ ذَكَرَهُ فِيهِمْ الْقُتَبِيّ فِي كِتَابِ الْمَعَارِفِ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِيهِ الشّمّاخُ:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين «١»
_________________
(١) - كفر. ولست أدرى كيف يربط الإنسان قدره ومصيره بطائر تحركه صدفة نحو اليمين، وأخرى نحو الشمال؟، وكيف نجعل هذه الصدفة من حياة الإنسان بسمة سعادة وأنة شقاء؟! وقد أخرج أحمد بسند جيد «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» وأخرجه أبو داود والنسائى وابن حبان
(٢) ص ١١٢ المعارف لأبى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينورى ط ١٣٠٠ هـ وقد استشهد القتبى ببيت آخر للشماخ هو رأيت عرابة الأوسى يسمو إلى الغايات منفطع القرين وكذلك ذكره الطبرى، وقد ذكر بيتى الشعر بوضع الخيرات مكان الغايات ص ٥٠٥ ح ٢ ط دار المعارف. وقد ذكره ابن حبيب فى المحبر من أجواد الإسلام، وأشراف العميان ص ١٥٥، ٢٩٨. وهو فى الإصابة ابن قبطى.
[ ٥ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلِعَرَابَةَ أَخٌ اسْمُهُ: كَبَاثَةُ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَمِنْ المستصغرين يوم أحد سعد بن حَبْتَةَ، عُرِفَ بِأُمّهِ، وَهِيَ حَبْتَةُ بِنْتُ مَالِكٍ أنصاريّة، وهو سعد ابن بُجَيْرٍ مِنْ بَجِيلَةَ، رَدّهُ النّبِيّﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ لِصِغَرِ سِنّهِ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ رَآهُ يُقَاتِلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَدَعَاهُ وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ، فَكَانَ عَمّا لِأَرْبَعِينَ، وَخَالًا لِأَرْبَعِينَ، وَأَبًا لِعِشْرِينَ، وَمِنْ وَلَدِهِ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ حُبَيْشِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَبْتَةَ.
حَوْلَ شِعْرِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ: وَذَكَرَ قَوْلَ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ:
وَيْهًا بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَيْهًا كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الْإِغْرَاءُ.
قَالَ الرّاجِزُ:
وَهُوَ إذَا قِيلَ له ويها فل فإنه مواشك مستعجل «١»
_________________
(١) هو فى اللسان غير منسوب هكذا: وهو إذا اقيل له ويها كل فانه مواشك مستعجل وهو إذا قيل له ويها هل فانه أحج به أن ينكل وقل أصلها: يا فلان. أى إذا دعى لدفع عظيمة، فقيل له يا فلان نكل، ولم يحب. وإن قيل له: كل أسرع. ومن العرب من يقول فى النفجع: واها ووأه أيضا وويه، كلمة تقال فى الاستحثاث.
[ ٥ / ٤٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا وَاهَا، فَإِنّ مَعْنَاهَا التّعَجّبُ، وَإِيهًا مَعْنَاهَا: الْأَمْرُ بِالْكَفّ.
وَقَوْلُهَا: إنْ تَقْبَلُوا نُعَانِقْ، فَيُقَالُ: إنّهَا تَمَثّلَتْ بِهَذَا الرّجَزِ، وَإِنّهُ لِهِنْدِ بِنْتِ طَارِقِ بْنِ بَيَاضَةَ الْإِيَادِيّة، قَالَتْهُ فِي حَرْبِ الفرس لإياد، فعلى هذا بكون إنشاده: بَنَاتُ طَارِقْ «١»، بِالنّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، كَمَا قَالَ:
نَحْنُ بَنِي ضَبّةَ أَصْحَابُ الْجَمَلْ «٢» وَإِنْ كَانَتْ أرادت الّنجم فبنات مرفرع، لِأَنّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ أَيْ: نَحْنُ شَرِيفَاتٌ رَفِيعَاتٌ كَالنّجُومِ، وَهَذَا التّأْوِيلُ عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأَنّ طَارِقًا وَصْفٌ لِلنّجْمِ لِطُرُوقِهِ، فَلَوْ أَرَادَتْهُ لَقَالَتْ: بَنَاتُ الطّارِقِ إلّا أَنّي وَجَدْت لِلزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ قَالَ فِي كِتَابِ أَنْسَابِ قُرَيْشٍ له أول هذا الرجز الذى قالته هند يَوْمِ أُحُدٍ:
نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى النّمارق
مشى القطا النّواتق
_________________
(١) فى الرجز: كما ورد فى اللسان: نحن بنات طارق نمشى على النمارق وقد ضبطت بنات بالرفع باعتبارها خبرا، وكذلك ضبطت فى الطبرى ولكنه روى الأبيات هكذا: نحن بنات طارق إن تقبلوا نعانق ونبسط النمارق أو تدبروا نفارق فراق غير واهق ورواه مرة أخرى كما هو فى السيرة غير أنه أخر وقدم.
(٢) البيت فى اللسان فى مادة جمل وفيه بنو بالرفع. نحن بنو ضبة أصحاب الجمل الموت أحلى عندنا من العسل
[ ٥ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَى آخِرِ الرّجَزِ، قَالَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهُدَيْرِيّ، قَالَ:
جَلَسْت لَيْلَةً وَرَاءَ الضّحّاكِ بْنِ عُثْمَانَ الْجُذَامِيّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ- وَأَنَا مُتَقَنّعٌ فَذَكَرَ الضّحّاكُ وَأَصْحَابُهُ قَوْلَ هِنْدَ يَوْمَ أُحُدٍ: نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ، فَقَالُوا: مَا طَارِقُ؟ فَقُلْت: النّجْمُ، فَالْتَفَتَ الضّحّاكُ، فَقَالَ:
أَبَا زَكَرِيّا، وَكَيْفَ بِذَلِكَ؟ فَقُلْت: قَالَ اللهُ ﵎: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ. وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ: فَإِنّهَا قَالَتْ: نَحْنُ بَنَاتُ النّجْمِ، فَقَالَ: أَحْسَنْت.
أَبُو دُجَانَةَ: وَذَكَرَ أَبَا دُجَانَةَ، وَلُبْسَهُ الْمُشَهّرَةَ «١»، وَأَبُو دُجَانَةَ السّاعِدِيّ مِمّنْ دَافَعَ عَنْ النّبِيّﷺ- وَحَنَا عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرّسَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، حَتّى كَثُرَتْ النّبْلُ فِي ظَهْرِهِ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، بَعْدَ أَنْ شَارَكَ فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ هُوَ وَوَحْشِيّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَسَنَذْكُرُ مَا قَالَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي قَاتِلِ مُسَيْلِمَةَ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللهُ.
وذكر قول أبى دجانة:
إنّى امرؤ عاهدنى خليلى
_________________
(١) فى القاموس: «وذو المشهرة أبو دجانة سماك بن أوس صحابى كانت له مشاهرة إذا خرج بها يختال بين الصفين لم يبق ولم يذر» . وقد روى أحمد ومسلم عن أنس قصة السيف وأبى دجانة.
[ ٥ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي رَسُولَ اللهِﷺ- وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ حَدّثَنِي خَلِيلِي، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الصّحَابَةِ، وَقَالَ لَهُ: مَتَى كَانَ خَلِيلُك، وَإِنّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُنْكِرَ هَذَا لِقَوْلِهِ ﵇: لَوْ كُنْت مُتّخِذًا خَلِيلًا لا تخذت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوّةُ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدْفَعُ أَنْ يَقُولَ الصّحَابِيّ حَدّثَنِي خَلِيلِي، لِأَنّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ مَعْنَى الْحَبِيبِ، وَإِنّمَا فِيهِ عَلَيْهِ أَنّ النّبِيّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقُولُهَا لِأُحُدِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا خَصّ بِهَا أَحَدًا دُونَ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَقُولَهَا لَهُ، وَمَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْمَحَبّةِ لَهُ يَقْتَضِي هَذَا، وَأَكْثَرَ مِنْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ الْغُلُوّ وَالْقَوْلُ الْمَكْرُوهُ، فَقَدْ قَالَ ﵇: لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النّصَارَى الْمَسِيحَ، فَإِنّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. وَقَالَ لِرَجُلِ قَالَ لَهُ: أَنْتَ سَيّدُنَا وَأَطْوَلُنَا طُولًا «١»، وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرّاءُ، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتجْوِيَنّكم الشّيْطَانُ» أَيْ: قُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ دِينِكُمْ وَأَهْلِ مِلّتِكُمْ، كَذَا فَسّرَهُ الْخَطّابِيّ، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، لَا بِقَوْلِ الشّيْطَانِ، لِأَنّهُ قَدْ جَعَلَهُمْ جريّاله «٢»، أى:
وكيلا ورسولا، وإذا كانوا جريّاله، وَقَالُوا: مَا يُرْضِيهِ مِنْ الْغُلُوّ فِي الْمَنْطِقِ، فَقَدْ قَالُوا بِقَوْلِهِ. وَيَسْتجْرِيَنّكم مِنْ قَوْلِهِمْ جَرَيْت جَرْيًا، أَيْ: وَكّلْت وَكَيْلًا.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ: أَنْتَ أَشْرَفُنَا حَسَبًا وَأَكْرَمُنَا أُمّا وَأَبًا، فقال: كم دون
_________________
(١) حديث لا تطرونى رواه الترمذى وغيره، وحديث أنت سيدنا روى النسائى وأبو داود قريبا منه بسند جيد.
(٢) جرى كغنى الوكيل والرسول والأجير والضامن للواحد والجمع والمؤنث.
[ ٥ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِسَانِك مِنْ طَبَقٍ؟ فَقَالَ: أَرْبَعَةُ أَطْبَاقٍ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيهَا مَا يَزَعُ عَنّي غَرِبَ لِسَانِك. رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ.
وَقَوْلُ أَبِي دُجَانَةَ:
أَلّا أَقَوْمَ الدّهْرَ فِي الْكَيّولِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَيّولُ آخِرُ الصّفُوفِ، قَالَ: وَلَمْ يُسْمَعْ إلّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْهَرَوِيّ مِثْلَ مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَزَادَ فِي الشّرْحِ، وَقَالَ سُمّيَ بِكَيّولِ الزّنْدِ، وَهِيَ سَوَادٌ وَدُخَانٌ يَخْرُجُ مِنْهُ آخِرًا، بَعْدَ الْقَدَحِ إذا لم يور نارا، وذلك شىء لاغناء فِيهِ، يُقَالُ مِنْهُ كَالَ الزّنْدَ يَكُولُ، فَالْكَيّولُ فَيْعُول مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ كَيّولُ الصّفُوفِ لَا يُوقِدُ نَارَ الْحَرْبِ، وَلَا يُزْكِيهَا، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ لَا لَفْظِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ نَحْوًا مِنْ هَذَا إلّا أَنّهُ قَالَ: كَالَ الزّنْدَ يَكِيلُ بِالْيَاءِ لَا غَيْرُ «١» .
وَقَوْلُهُ: رَأَيْت رَجُلًا يَحْمُشُ النّاسَ حَمْشًا شَدِيدًا، يُرْوَى بِالشّيْنِ وَبِالسّينِ، فَالْمَعْنَى بِالسّينِ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ الشّدّةُ، كَأَنّهُ قَالَ: يَشُدّهُمْ وَيُشَجّعُهُمْ، لِأَنّهُ يُقَالُ: رَجُلٌ أَحْمَسُ، أَيْ: شُجَاعٌ شَدِيدٌ، وَالْمَعْنَى فِيهِ بالشّين مُعْجَمَةٌ أَلّا يُقَادُ وَالْإِغْضَابُ، لِأَنّهُ يُقَالُ أَحْمَشْتُ النار أو قدتها وحمشت الرجل،
_________________
(١) فى النهاية لابن الأثير.: وقيل: الكيول: الجبان، والكيول: ما أشرف من الأرض يريد: تقوم فوقه. فتنظر ما يصنع غيرك.
[ ٥ / ٤٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَأَحْمَشْتُهُ: أَغْضَبْته، فَيَكُونُ أَفَعَلْت مِنْ ذَلِكَ لِلْإِيقَادِ وَالْإِغْضَابِ، وَفَعَلْت لِلْإِغْضَابِ. حَدِيثُ وَحْشِيّ قَالَ فِيهِ: فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، كَالْبُغَاثِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْبُغَاثُ الطّيْرُ الّذِي لَا يُصَادُ بِهِ مِثْلُ الرّخَمِ، وَالْحِدَاءِ، وَاحِدَتُهَا بِغَاثَةَ. وَيُقَالُ: بِغَاثِيّ وَجَمْعُهُ بُغَاثٌ وَبِغْثَانٌ. وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ ذِكْرِ الْبُغَاثِ الْبُغَاثُ هُوَ ذَكَرُ الرّخَمِ إذَا هَرِمَ اسْوَدّ. وَقَوْلُ وَحْشِيّ لِعُبَيْدِ اللهِ: مَا رَأَيْتُك مُنْذُ نَاوَلْتُك أُمّك السّعْدِيّةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهَا، وَأُمّ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيّ هِيَ أُمّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيّةَ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَلَمْ يَقُلْ السّعْدِيّةُ فَهِيَ إذًا قُرَشِيّةٌ أُمَوِيّةٌ لَا سَعْدِيّةٌ إلّا أَنْ يُرِيدَ بِهَا مُرْضِعَتَهُ إنْ كَانَتْ سَعْدِيّةً، وَأَمّا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَدِيّ، فَوُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ ابن عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَهُ دَارٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ دَارِ علي بن أبي طالب﵁- يُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ﵁- وَغَيْرِهِ، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي الْمُوَطّأِ فِي كِتَابِ الصّلَاةِ. وَقَوْلُهُ: بِذِي طُوًى: مَوْضِعٌ بِمَكّةَ، وَقَدْ قَدّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذِي طِوَاءٍ بِالْهَمْزِ وَالْمَدّ، وَبَيْنَ طُوًى بِالضّمّ وَالْقَصْرِ فَأَغْنَى عن إعادته هاهنا. وقول وحشىّ: بهذّ النّاسَ بِسَيْفِهِ، مَا يَلِيقُ شَيْئًا، مِثْلَ الْجَمَلِ الأورق،
[ ٥ / ٤٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُرِيدُ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- وَرَقَةَ الْغُبَارِ، وَإِنّهُ قَدْ نَافَعَ «١» بِهِ إذْ الْأَوْرَقُ مِنْ الْإِبِلِ لَيْسَ بِأَقْوَاهَا، وَلَكِنّهُ أَطْيَبُهَا لَحْمًا فِيمَا ذَكَرُوا.
وَقَوْلُهُ: يَهُذّ النّاسَ، هُوَ بِالذّالِ الْمَنْقُوطَةِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الدّلَائِلِ، وَفَسّرَهُ مِنْ الْهَذّ وَهِيَ السّرْعَةُ «٢» وَأَمّا الْهَذْمُ بِالْمِيمِ، فَسُرْعَةُ الْقَطْعِ، يُقَالُ: سَيْفٌ مِهْذَمٌ، وَالْهَيْذَامُ: الْكَثِيرُ الْأَكْلِ، وَهُوَ الشّجَاعُ أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ:
أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللّذّاتِ، يُرْوَى بِالذّالِ الْمَنْقُوطَةِ أَيْ قَاطَعَهَا، وَمِمّا ذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي خَبَرِ وَحْشِيّ، قَالَ: فَخَرَجْت حين قال لي سَيّدِي مَا قَالَ، فَنَظَرْت فَإِذَا رَجُلٌ عَبْعَبٌ عَلَيْهِ دِرْعٌ قَضّاءُ وَإِذَا هُوَ عَلِيّ، فَقُلْت: لَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِي، وَإِذَا رَجُلٌ حُلَابِسٌ، أَيّهُمْ غَشَمْشَمٌ يَهُذّ النّاسَ، كَأَنّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ، فَكَمَنْت لَهُ إلَى صَخْرَةٍ كَأَنّهَا فُسْطَاطٌ، وَقُلْت: هَذَا الّذِي أُرِيدُ، وَهَزَزْت حَرْبَةً لِي عَرّاصَةً، فَرَمَيْته بِهَا، فَأَصَبْت ثُنّتَهُ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. الْعَبْعَبُ: الشّابّ، وَالدّرْعُ الْقَضّاءُ: الْمُحْكَمَةُ النّسْجِ، وَالْأَيْهَمُ:
الّذِي لَا يَرُدّهُ شَيْءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ شَرّ الْأَيْهَمَيْنِ، يَعْنِي السّيْلَ وَالْحَرِيقَ. وَالْعَرّاصَةُ: الّتِي تَضْطَرِبُ مِنْ اللّينِ.
وَقَوْلُهُ فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ: سَبَقَنِي إلَيْهِ رجل من الأنصار، وسيأتى ذكر
_________________
(١) هكذا بالأصل، والأورق من الجمال هو الذى لونه بين الغبرة والسواد. ويليق شيئا: لا يبقى شيئا، وهى فى السيرة: ما يقوم له شىء
(٢) يقول الخشنى: من رواه بالذال فمعناه يسرع فى قطع لحوم الناس بسيفه، ومن رواه بالدال فمعناه: يهدهم ويهلكهم.
[ ٥ / ٤٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسَيْلِمَةَ وَنَسَبَهُ، وَطَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ. وَأَمّا الرّجُلُ الّذِي مِنْ الْأَنْصَارِ الّذِي ذَكَرَهُ وَحْشِيّ، وَلَمْ يُسَمّهِ ابْنُ إسْحَاقَ، فَذَكَرَ مُحَمّدَ بْنَ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ﵀- فِي كِتَابِ الرّدّةِ، أَنّ الرّجُلَ الّذِي شَارَكَ وَحْشِيّا، فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَذَكَرَ سَيْفَ بْنَ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ أَنّهُ عَدِيّ بْنُ سَهْلٍ، وَأَنْشَدَ لَهُ:
أَلَمْ تَرَ أَنّي وَوَحْشِيّهُمْ قَتَلْت مُسَيْلِمَةَ الْمُفْتَتَنْ
وَيَسْأَلُنِي النّاسُ عَنْ قَتْلِهِ فَقُلْت: ضَرَبْت، وَهَذَا طَعَنْ «١»
فِي أَبْيَاتٍ لَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قُبَيْلَ هَذَا الْحَدِيثِ. أَنّ أَبَا دُجَانَةَ أَيْضًا شَارَكَ فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَر النّمَرِيّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ أَرَادَ وَحْشِيّ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ زِيَادَةٌ فِي إسْلَامِ وَحْشِيّ، قَالَ: لَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، قَالَ النّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا وَحْشِيّ، فَقَالَ: دَعُوهُ فَلِإِسْلَامِ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ قَتْلِ أَلْفِ رَجُلٍ كَافِرٍ.
وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي طُلَيْحَةَ: أَنَا قَاصِمُ مَنْ يُبَارِزُنِي، فَبَرَزَ إلَيْهِ عَلِيّ، فَقَالَ أَبُو الْقُصَمِ بِالْقَافِ، قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَهُوَ أَصَحّ، وَإِنّمَا قَالَ علىّ
_________________
(١) تقول الحافظ فى الفتح «وأغرب وثيمة فى كتاب اردة، فزعم أن الذى ضرب مسيلمة شن- بفتح الشين وتضعيف النون- بن عبد الله، وأنشد له.. ثم ذكر البيتين وزاد. فلست بصاحبه دونه وليس بصاحبه دون شن ص ٢٩٧ ح ٧ فتح البارى
[ ٥ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- ﵇ أَنَا أَبُو الْقُصَمِ، لِقَوْلِ أَبِي سَعْدٍ أَنَا قَاصِمُ مَنْ يُبَارِزُنِي، فَالْقُصَمُ:
جَمْعُ قصمة، وهى العضلة المهلكة، وبجوز أَنْ يَكُونَ جَمْعَ الْقُصْمَى، أَيْ: الدّاهِيَةُ الّتِي تَقْصِمُ. وَالدّوَاهِي الْقُصَمُ عَلَى وَزْنِ الْكُبَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَصَحّ، لِأَنّهُ لَا يُعْرَفُ قُصَمَةٌ، وَلَكِنّهُ لما قال أبو سعد أبا قَاصِمٌ، قَالَ عَلِيّ:
أَنَا أَقْصِمُ مِنْك، بَلْ أَنَا أَبُو الْقُصَمِ، أَيْ أَبُو الْمُعْضِلَاتِ الْقُصَمُ «١» والدواهى العظم، والقصم كسر ببينونة، والفصم: كسر يغير بَيْنُونَةٍ كَكَسْرِ الْقَضِيبِ الرّطْبِ وَنَحْوِهِ، وَفِي التّنْزِيلِ: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ وفيه (لا انفصام لها) وَقَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ: قَتَلَ أَبَا سَعْدِ بْنِ أَبِي طُلَيْحَةَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْكَشّيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سَعْدٍ، قَالَ لَمّا كَفّ عَنْهُ عَلِيّ طَعَنْته فِي حَنْجَرَتِهِ، فَدَلَعَ لِسَانَهُ إلَيّ، كَمَا يَصْنَعُ الْكَلْبُ ثُمّ مَاتَ.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَيْضًا هَذَا فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَقَوْلُ عَلِيّ إنّهُ اتّقَانِي بِعَوْرَتِهِ، فَأَذْكَرَنِي الرّحِمَ، فَعَطَفَتْنِي عَلَيْهِ الرّحِمُ، وَقَدْ فَعَلَهَا عَلَيّ مَرّةً أُخْرَى يَوْمَ صِفّينَ، حَمَلَ عَلَى بِشْرِ بْنِ أَرَطْأَةَ، فَلَمّا رَأَى أَنّهُ مَقْتُولٌ كَشَفَ عَنْ عَوْرَتِهِ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ، وَيُرْوَى أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصى، مع علي﵁- يوم صفين، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْحَارِثُ بْنُ النّضْرِ السّهْمِيّ، رواه ابن الكليى وغيره:
_________________
(١) فى اللسان: «قصم بغير تنوين مثل قثم يحطم ما لقى، قال ابن برى: صوابه: قصم- أى بالتنوين- مثل قثم فى تصرفهما لأنهما صفتان، وإنما العدل يكون فى الأسماء لا غير» .
[ ٥ / ٤٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَفِي كُلّ يَوْمٍ فَارِسٌ غَيْرُ مُنْتَهٍ وَعَوْرَتُهُ وَسْطَ الْعَجَاجَةِ بَادِيَهْ
يَكُفّ لَهَا عَنْهُ عَلِيّ سنانه ويضحك منه فِي الْخَلَاءِ مُعَاوِيَهْ
عَنْ مَقْتَلِ حَنْظَلَةَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَقْتَلَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلِ، وَاسْمَ أَبِي عَامِرٍ:
عَمْرٌو، وَقِيلَ عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيّ، وَذَكَرَ شَدّادُ بن الأسود بن شعوب حين قتله، بعد ما كَانَ عَلَا حَنْظَلَةَ أَبَا سُفْيَانُ لِيَقْتُلَهُ، وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ فِي التّفْسِيرِ مَكَانَ شَدّادٍ جَعْوَنَةَ بْنَ شَعُوبٍ اللّيْثِيّ، وَهُوَ مَوْلَى نَافِعِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَارِيّ.
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ- إنّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسّلُهُ الْمَلَائِكَةُ يَعْنِي: حَنْظَلَةَ، وَفِي غَيْرِ السّيرَةِ، قَالَ: رَأَيْت الْمَلَائِكَةَ تُغَسّلُهُ فِي صِحَافِ الْفِضّةِ بِمَاءِ الْمُزْنِ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَاتِفَةَ «١» . صَاحِبَتُهُ يَعْنِي امْرَأَتَهُ، وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ أُبَيّ بن سَلُولَ أُخْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ، وَكَانَ ابْتَنَى بِهَا تِلْكَ اللّيْلَةَ، فَكَانَتْ عَرُوسًا عِنْدَهُ، فرأت فى النوم تلك الليلة كَأَنّ بَابًا فِي السّمَاءِ فُتِحَ لَهُ فَدَخَلَهُ، نم أُغْلِقَ دُونَهُ، فَعَلِمَتْ أَنّهُ مَيّتٌ مِنْ غَدِهِ، فَدَعَتْ رِجَالًا مِنْ قَوْمِهَا حِينَ أَصْبَحَتْ فَأَشْهَدَتْهُمْ عَلَى الدّخُولِ بِهَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ فِيمَا ذُكِرَ لِي، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّهُ اُلْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ
_________________
(١) يقول الخشنى: الهاتفة: يعنى الصيحة، ويروى الهائعة مأخوذ من الهياع وهو الصياح، وفى الإصابة الهامعة ولعله خطأ.
[ ٥ / ٤٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَلَيْسَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ تَصْدِيقًا لما قاله الرسول الله ﷺ «١»، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مُتَعَلّقٌ لِمَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ إنّ الشّهِيدَ يُغَسّلُ إذَا كَانَ جُنُبًا، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ لَا يُغَسّلُ كَسَائِرِ الشّهَدَاءِ، لِأَنّ التّكْلِيفَ سَاقِطٌ عَنْهُ بِالْمَوْتِ.
شِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ: وَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ:
وَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمْ لَدُنْ غَدْوَةٍ حَتّى دَنَتْ لِغُرُوبِ
يُرْوَى بِخَفْضِ غُدْوَةٍ، وَنَصْبِهَا، فَمَنْ خَفَضَهُ فَإِعْرَابُهُ بَيّنٌ، لِأَنّ لَدُنْ بِمَنْزِلَةِ: عِنْدَ، لَا يَكُونُ مَا بَعْدَهُ إلّا مَخْفُوضًا، وَأَمّا نَصْبُهُ فَغَرِيبٌ، وَشَيْءٌ خَصّتْ الْعَرَبُ بِهِ غُدْوَةً، وَلَا يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُهَا سِيبَوَيْهِ، وَيَمْنَعُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنّ لَدُنْ يُقَالُ فِيهَا: لَدُنْ وَلَدٍ، فَلَمّا كَانَتْ تَارَةً تُنَوّنُ، وَلَا تُنَوّنُ أُخْرَى، شَبّهُوهَا إذَا نُوّنَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فَنَصَبُوا غُدْوَةً بَعْدَهَا، تَشْبِيهًا بِالْمَفْعُولِ، وَلَوْلَا أَنّ غُدْوَةً تنوّن إذا نكّرت، وتنوّن ضرورة
_________________
(١) لم يرو حديث تفسيل الملائكة لحنظلة- سوى ابن إسحاق فى مغازيه وقد أخرجه الحاكم فى المستدرك وفى إسناده معلى بن عبد الرحمن وهو متروك والطبرانى، وفى إسناده حجاج وهو مدلس والبيهقى وفى إسناده أبو شيبة الواسطى وهو ضعيف جدا، والسرقطى فى غريبه من طريق الزهرى مرسلا
[ ٥ / ٤٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذَا كَانَتْ مَعْرِفَةً مَا عُرِفَ نَصْبُهَا، لِأَنّهَا اسْمٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيّةِ وَالتّأْنِيثِ، فَخَفْضُهَا وَنَصْبُهَا سَوَاءٌ، فَإِذَا نُوّنَتْ لِلضّرُورَةِ، كَمَا فِي بَيْتِ أَبِي سُفْيَانَ أَوْ أَرَدْت غُدْوَةً مِنْ الْغَدَوَاتِ تَبَيّنَ حِينَئِذٍ أَنّهُمْ قَصَدُوا النّصْبَ وَالتّشْبِيهَ بِالْمَفْعُولِ، وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْبَيَانِ، وَهُوَ أَنّهُمْ قَدْ رَفَعُوهَا، فَقَالُوا: لَدُنْ غُدْوَةُ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ، كَمَا يُرْفَعُ الِاسْمُ بَعْدَ اسْمِ الْفَاعِلِ إذا كَانَ فَاعِلًا وَيُنْصَبُ إذَا كَانَ مَفْعُولًا إذَا نُوّنَ اسْمُ الْفَاعِلِ، كَذَلِكَ غُدْوَةٌ بَعْد لَدُنْ، لَا يَكُونُ هَذَا فِيهَا إلّا إذَا نُوّنَتْ لَدُنْ، فإن قلت: لدغدوة، لَمْ يَكُنْ إلّا الْخَفْضُ إنْ نَوّنْتهَا، وَإِنْ تَرَكْت صَرْفَهَا لِلتّعْرِيفِ، فَالْفَتْحَةُ عَلَامَةُ خَفْضِهَا، وَلَا تَكُونُ غَدْوَةٌ عَلَمًا إلّا إذَا أَرَدْتهَا لِيَوْمِ بِعَيْنِهِ، وَبُكْرَةٌ مِثْلُهَا فِي الْعَلَمِيّةِ، وَلَيْسَتْ مِثْلَهَا مع لدن وضحوة وَعَشِيّةٍ مَصْرُوفَتَانِ، وَإِنْ أَرَدْتهمَا لِيَوْمِ بِعَيْنِهِ. وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ كَشْفِ أَسْرَارِ هَذَا الْبَابِ فِي «نَتَائِجِ الْفِكْرِ» وَأَوْضَحْنَا هُنَالِكَ بَدَائِعَ وَعَجَائِبَ لَمْ يُبَيّنْهَا أَحَدٌ إلّا أَنّهَا مُنْتَزِعَةٌ مِنْ فَحَوَى كَلَامِ سِيبَوَيْهِ، وَمِنْ قَوَاعِدِهِ الّتِي أَصْلٌ، وَالْحَمْدُ لله «١» .
_________________
(١) يقول أحمد بن يحيى والمبرد: العرب تقول لدن غدوة بالرفع وبالنصب وبالخفض، فمن رفع أراد لدن كانت غدوة، ومن نصب أراد لدن كان الوقت غدوة، ومن خفض أراد من عند غدوة. ويرى البصريون أنها تنصب غدوة خاصة من بين الكلام، واستشهدوا بالبيت السابق، ويجيز الفراء فى عدوة الرفع والنصب والخفض. قال ابن كيسان: من خفض بها أجراها مجرى من وعن، ومن رفع أجراها مجرى مذ، ومن نصب جعلها وقتا، وجعل ما بعدها ترجمة عنها، وإن شئت أضمرت كان كما قال: -
[ ٥ / ٤٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ فِي هَذَا الشّعْرِ: بِهِمْ خَدَبٌ. الْخَدَبُ الْهَوَجُ: «١» وَفِي الْجَمْهَرَةِ طَعْنَةٌ خَدْبَاءُ إذَا هَجَمَتْ عَلَى الْجَوْفِ، وَهَذَا هُوَ الّذِي أَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْخَدَبِ.
وَأَمّا قَوْلُ حَسّانَ:
إذَا عَضَلٌ سِيقَتْ إلَيْنَا كَأَنّهَا جَدَايَةُ شُرْكٍ مُعْلَمَاتِ الْحَوَاجِبِ
شُرْكٌ: جَمْعُ شِرَاكٍ.
وَالْجَدَايَةُ: جَدَايَةُ السّرْجِ، عَلَى أَنّ الْمَعْرُوفَ جَدِيّةُ السّرْجِ، لَا جدايته فِي أَقْرَبِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُرِيدَ الْجَدَايَةَ مِنْ الْوَحْشِ، وَبِالشّرْكِ الْأَشْرَاكُ الّتِي تُنْصَبُ لَهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ دَامِيَاتُ الْحَوَاجِبِ، وَهَذَا أَصَحّ فِي مَعْنَاهُ، فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ الْجَدَايَةَ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ وَالذّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الظّبَاءِ، وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْجَدَايَةَ جَمْعُ جَدِيّةٍ، وَهِيَ جَدِيّةُ السّرْجِ وَالرّحْلُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ فِي الْجَمْعِ فَعَالٍ وَفِعَالَة نَحْوُ جمال وجمالة، ولكنه هاهنا بعيد
_________________
(١) - مذلد شولا وإلى إتلائها أراد أن كانت شولاء. وانظر بقية القول فى لدن فى اللسان. وقد فرق أبو هلال العسكرى بينهما فى المعنى، «تقول هذا القول عندى صواب، ولا تقول: لدنى صواب، وتقول: عندى مال، ولا تقول: لدنى مال ولكن تقول: لدنى مال إلا أنك تقول ذلك فى المال الحاضر عندك. ويجوز أن تقول: عندى مال، وإن كان غائبا عنك، لأن لدنى هو لما يليك.
(٢) طيش وتسرع، أو طول فى حمق.
[ ٥ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
وَيُرْوَى شِرْكٌ بِكَسْرِ الشّينِ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ: أَنّهُ أَرَادَ الْجِدَايَةَ مِنْ الْوَحْشِ، وَهِيَ أَوْلَادُ الظّبَاءِ وَنَحْوُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّهُ يُقَالُ جِدَايَةٌ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالذّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَيَكُونُ الشّرْكُ عَلَى هَذَا فِي مَعْنَى الأشراك التى يصادبها، وَقَدْ قِيلَ: إنّ شُرْكًا اسْمُ مَوْضِعٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَعَضَلٌ قَبِيلَةٌ مِنْ خُزَيْمَةَ غَادِرَةٌ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ غَدْرُ عَضَلٍ وَالْقَارَةُ. وَقَوْلُهُ: مُعْلَمَات الْحَوَاجِبِ، يَعْنِي بِالدّمَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدُ سَوَادَهَا مَا بَيْنَ أَعْيُنِهَا، كَمَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ [لِلْأَعْشَى] .
وَكَأَنّهُ لَهْقُ السّرَاةِ كَأَنّهُ مَا حَاجِبَيْهِ مُعَيّنٌ بِسَوَادِ «٢»
_________________
(١) جاء فى طبعته الأولى. عما بين قوسين من أول: والجداية جداية السرج إلى قوله: من طريق المعنى والله أعلم: هذه الجملة التى بين الدائرتين لم تثبت فى النسخة الثانية، فأثبتناها كما هى، فليحرر. هذا وقد ذكر أبو ذر الخشنى: الجداية بفتح الجيم وكسرها: الصغير من أولاد الظباء، وفى إصلاح المنطق لابن السكيت ص ١٢٥: الجداية بفتح الجيم وكسرها- الغزال الشادن، وهى القفوز والأبوز التى تأبز، وهى التى تعدو عدوا شديدا. وشرك هنا: اسم موضع، وهو بضم الشين، وكسرها والذى فى السيرة: معلمات الحواجب لا داميات الحواجب كما ذكر فى الفقرة التى بين قوسين والتى أظن أنها دسيسة على الكتاب.
(٢) انظر ص ٨٠ ح ١ ط بولاق الكتاب لسيبويه. وقال سيبوية: يريد كأن حاجبيه، فأبدل حاجبيه من الهاء التى فى كأنه وما زائدة، وقد جعله شاهدا لإبدال الحاجبين من الضمير المتصل بكأن، ورد قوله معين بسواد على الضمير لا على الحاجبين، وهو فى المعنى خبر عنهما والبيت فى وصف ثور وحشى شبه به بعيره فى حذقه ونشاطه فيقول: كأنه ثور الخ. ولهق السراة أبيض أعلى الظهر
[ ٥ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصّارِخُ يَوْمَ أُحُدٍ: فَصْلٌ وَذَكَرَ الصّارِخَ يَوْمَ أُحُدٍ بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: الصّارِخُ أَزَبّ الْعَقَبَةِ، هَكَذَا قَيْدٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزّاي، وَذَكَرْنَا فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ مَاكُولَا فِي أُمّ كُرْزٍ بِنْتُ الْأَزَبّ بْنِ عَمْرِو بْنِ بَكِيلٍ، وَأَنّهُ قَالَ: لَا يُعْرَفُ الْأَزَبّ فِي الْعَرَبِ إلّا هَذَا، وَأَزَبّ الْعَقَبَةِ، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ الزّبَيْرِ الّذِي ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ إذْ رَأَى رَجُلًا طُولُهُ شِبْرَانِ عَلَى بَرْذعَةِ رَحْلِهِ، فَنَفَضَهَا منه، ثم عاد إلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا أَزَبّ، قَالَ وَمَا أَزَبّ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ «١» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يدل على أنه أزبّ مع قول
_________________
(١) هو كما ذكره ابن الأثير فى النهاية «خرج فبات فى القفر، فلما قام ليرحل، وجد رجلا طوله شبران عظيم اللحية على الولية يعنى: البرذعة، فنفضها، فوقع، ثم وضعها على الراحلة، وجاء، وهو على القطع، يعنى الطنفسه فنفضه فوقع، فوضعه على الراحلة، فجاء وهو بين الشرخين، أى: جانبى الرحل فتفضه، ثم شده، وأخذ السوط، ثم أتاه، فقال: من أنت؟ فقال: أَنَا أَزَبّ، قَالَ: وَمَا أَزَبّ؟ قَالَ: رَجُلٌ من الجن، قال: افنح فاك أنظر، ففتح فاه، فقال: أهكذا حلوقكم؟ ثم قلب السوط فوضعه فى رأس أزب، حتى باص، أى فاته واستتر. أقول: لا ريب فى أحد أمرين، إما ضعف الحديث وسقوطه، وإما أن يكون شيطان إنس أراد بابن الزبير شيئا ويكون فى التعبير مبالغة عن طوله وفمه! وقد ذكره ابن الأثير فى مادة: أزب، وفسره بأنه الكثير الشعر. وفى القاموس الإزب- بكسر الهمزة وسكون الزاى وتخفيف الباء- القصير والغليظ والداهية واللئيم والدميم الخ، ثم ذكر أزب العقبة فى زبب. وفيه-
[ ٥ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْقُوبَ فِي الْأَلْفَاظِ: الْإِزْبُ: الرّجُلُ الْقَصِيرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ هَلْ الْإِزْبُ:
وَالْأَزَبّ شَيْطَانٌ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ، وَيُقَالُ: الْمَوْضِعُ الّذِي صَرَخَ مِنْهُ الشّيْطَانُ جَبَلُ عَيْنَيْنِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِعُثْمَانِ ﵁: أَفَرَرْت يَوْمَ عَيْنَيْنِ «١»، وَعَيْنَانِ أَيْضًا: بَلَدٌ عِنْدَ الْحِيرَةِ، وَبِهِ عُرِفَ خُلَيْدُ عَيْنَيْنِ الشّاعِرُ.
مال من رموا النبى: فصل: وذكر ابن قمئة، وسمه عَبْدُ اللهِ، وَهُوَ الّذِي قَتَلَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَجَرَحَ وَجْهَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ أَخُو
_________________
(١) - قال: الأزب- بفتح الهمزة والزاى وتضعيف الباء- من أسماء الشياطين، ومنه حديث ابن الزبير مختصرا. ثم ذكر الحديث كما قال، كذلك ذكر أزب العقبة بنفس ضبطه لأزب فى حديث ابن الزبير. ويقول إلزرقانى فى شرح المواهب ص ٣٣ ح ٢ بعد أن ذكر كلام السهيلى، وأن حديث ابن الزبير يشهد للأول أى كسر الهمزة وسكون الزاى: وظاهره سكون الزاى. وخفة الباء مع كسر الهمزة وفتحها، ثم رد على هذا بما نقلناه عن القاموس. ثم قال: وبعض المتأخرين جعلهما قولين. أما اللسان فذكر حديث ابن الزبير كما فعل ابن الأثير فى مادة أزب، وهو ينقل عنه. وكثرة الشعر ذكرها اللسان فى مادة زبب، أما القصير ففى مادة أزب فى القاموس وفى اللسان. وكذلك ذكر ابن دريد فى الاشتقاق: الأزب: البعير الذى على أخفانه وبر، فهو يذعر من كل شىء، ورجل أزب: كثير الشعر وضبطها فى المرتين بفتح الهمزة والزاى وتضعيف الباء ص ١١٧، ٢٠٥.
(٢) فى القاموس. وعينين بكسر العين وفتحها مثنى: جبل بأحد قام عليه إبليس عليه لعنة الله تعالى، فنادى إن محمدا «ص» قد قتل، وبفتح العين بلدة بالبحرين منه خليد عينين وعينان موضع.
[ ٥ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَعْدٍ، هُوَ الّذِي كَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ﵇- ثُمّ لَمْ يُولَدْ مِنْ نَسْلِهِ وَلَدٌ، فَبَلَغَ الْحُلُمَ إلّا وَهُوَ أَبْحُرُ أَوْ أَهْتَمُ يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي عَقِبِهِ.
وَمِمّنْ رَمَاهُ يَوْمئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ شِهَابٍ جَدّ شَيْخِ مَالِكٍ مُحَمّدِ بن مسلم ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ قِيلَ لَابْنِ شِهَابٍ أَكَانَ جَدّك عَبْدَ اللهِ بْنَ شِهَابٍ مِمّنْ شَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ يَعْنِي مَعَ الْكُفّارِ، وَعَبْدُ اللهِ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ الْأَصْغَرُ، وَأَمّا عَبْدُ الله ابن شِهَابٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ الْأَكْبَرُ، فَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، تُوُفّيَ بِمَكّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِمَا أَيّهُمَا كَانَ الْمُهَاجِرُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَقِيلَ: الْأَكْبَرُ، وَقِيلَ الْأَصْغَرُ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا جَدّ الزّهْرِيّ لِأَبِيهِ، وَالْآخَرُ لِأُمّهِ، وَقَدْ أَسْلَمَ الّذِي شَهِدَ أَحَدًا مَعَ الْكُفّارِ، وَجُرِحَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَاَللهُ يَنْفَعُهُ بِإِسْلَامِهِ.
أَسْمَاءُ أَجْزَاءِ اللّيْلِ: وَذَكَرَ مَالِكَ بْنَ سِنَانٍ وَالِدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ مِنْ بَنِي خُدْرَةَ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ الْخَزْرَجِ، وَالْخُدْرَةُ فِي اللّغَةِ: نَحْوٌ مِنْ خُمْسِ اللّيْلِ، وَبَعْدَهُ الْيَعْفُورُ، وَهُوَ خُمْسٌ آخَرُ مِنْ اللّيْلِ، وَبَعْدَهُ الْجَهْمَةُ وَالسّدْقَةُ «١»، وَاَلّذِي قَبْلَ الْخُدْرَةِ يُقَالُ لَهُ الْهَزِيعُ، كل هذا من كتاب كراع «٢» .
_________________
(١) تستعمل للضوء وللظلمة.
(٢) أنظر المخصص لابن سيده ففيه تفصيل لليل واجزائه.
[ ٥ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن الدم والبول: وذكر أن بن مالك سِنَانٍ مَصّ دَمَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَازْدَرَدَهُ، وَقَدْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ الزّبَيْرِ، وَهُوَ غُلَامٌ حَزَوّرٌ حِينَ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِﷺ- دَمَ مَحَاجِمِهِ لِيَدْفِنَهُ فَشَرِبَهُ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ- كَمَا قَالَ لِمَالِكِ حِينَ ازْدَرَدَ دَمَ جُرْحِهِ: مَنْ مَسّ دَمَهُ دَمِي، لَمْ تُصِبْهُ النّارُ. لَكِنّهُ قَالَ لَابْنِ الزّبَيْرِ وَيْلٌ لَك مِنْ النّاسِ وَوَيْلٌ لِلنّاسِ مِنْك. ذكره الدّار قطنى فِي السّنَنِ، وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ أَنّ دَمَ رَسُولِ اللهِﷺ- يُخَالِفُ دَمَ غَيْرِهِ فِي التّحْرِيمِ «١» وَكَذَاك بَوْلُهُ قَدْ شَرِبَتْهُ أُمّ أَيْمَنَ حِينَ وَجَدَتْهُ فِي إنَاءٍ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا «٢»، وَذَلِكَ وَاَللهُ أَعْلَمُ لِلْمَعْنَى الّذِي بيّناه فى حديث نزول الملكين
_________________
(١) كيف يقام فقه على نص كهذا لم يخرجه أحد من أصحاب الكتاب الستة، هو والذى قبله؟
(٢) لست أدرى من أين جاء بهذا؟ وهل يظن أن مكانة النبى لا يتحقق وجودها الأعظم فوق قمة الكمال والجمال الإنسانى النبوى إلا بمثل هذا الذى يؤكد الحق أنه باطل؟. كيف يمنع البخارى ومسلم وأبو داد والنسائى والترمذى وابن ماجة وأحمد عن روايتهما؟! وحديث البول لم يخرجه واحد منهم أيضا، فما أخرجه سوى الحسن بن سفيان فى مسنده وأبى يعلى والحاكم والدار قطنى وأبى نعيم، وهى أسماء لا ترتبط بالصحيح إلا حين يكون صحيحا فى الكتب الأخرى، وكيف يظن برسول الله- وهو الطاهر المطهر الداعى إلى الطهارة والتطهر أن يقول لأم أيمن: إنك لن تشتكى بطنك بعد يومك هذا؟. يجب أن نمجد- رسول الله-
[ ٥ / ٤٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ حِينَ غَسَلَا جَوْفَهُ بِالثّلْجِ فِي طَسْتِ الذّهَبِ، فَصَارَ بِذَلِكَ مِنْ الْمُتَطَهّرِينَ، وَبَيّنَا أَيْضًا هُنَالِكَ أَنّهُ مِنْ الْمُتَطَهّرِينَ كَأُمّتِهِ لِتَطَهّرِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ، «١» إلّا أَنّ أَبَا عُمَرَ النّمَرِيّ ذَكَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ أَنّ رَجُلًا مِنْ الصّحَابَةِ اسْمُهُ: سَالِمٌ حَجَمَ رَسُولَ اللهِﷺ- ثُمّ ازْدَرَدَ دَمَهُ، فَقَالَ له رسول الله ﷺ. أَمَا عَلِمْت أَن الدّمُ كُلّهُ حَرَامٌ؟ غَيْرَ أَنّهُ حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ «٢» وَحَدِيثُ ابْنِ الزّبَيْرِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ رَوَى الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَا يَشُدّهُ وَيُتَمّمُ مَعْنَاهُ. قَالَ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ: لَمّا وُلِدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَيْرِ نَظَرَ إلَيْهِ رسول الله ﷺ، فقال: هُوَ هُوَ، فَلَمّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ أَسْمَاءُ أُمّهُ، أَمْسَكَتْ عَنْ إرْضَاعِهِ، فَقَالَ لَهَا﵇:
أَرْضِعِيهِ، وَلَوْ بِمَاءِ عَيْنَيْك، كَبْشٌ بَيْنَ ذِئَابٍ، وذئاب عليها ثياب ليمنعنّ البيت، أو ليقتتلنّ دونه «٣» .
_________________
(١) - ﷺ فى نبوته، وإنسانيته التى سست بها النبوة، لا فى بوله وغائطه.
(٢) إذا كيف قال له الله: (ووجدك ضالا، فهدى)؟ وكيف أخرج البخارى ما أخرج عن السفرة التى قدمها- رسول الله «ص» قبل بعثته إلى زيد ابن عمرو بن نفيل، وكان عليها ما ذبح على النصب؟!
(٣) ولكن هذا الذى لا يعرف له إسناد من القرآن الكريم أعظم إسناد.
(٤) كل قوم أعجبوا برجل أخرجوا له مثل هذا!! وفى ألفاظه دليل أنه زور
[ ٥ / ٤٧٢ ]
تم بحمد الله الجزء الخامس ويليه الجزء السادس ان شاء الله وأوله: قتل الرسول لأبىّ بن خلف
[ ٥ / ٤٧٣ ]
فهرس الجزء الخامس من الروض الأنف
٥ مقدمة الجزء الخامس
٧ ذكر نصاري نجران وما أنزل الله فيهم
معنى العاقب، والسيد، والأسقف «س» «١»
٧ منزلة أبى حارثة عند ملوك الروم «س»
٧ السبب فى إسلام كرز بن علقمة «س»
٨ رؤساء نجران وإسلام ابن رئيس منهم «س»
٩ صلاة النصارى إلى المشرق
٩ أسماء وفد نجران ومعتقدهم ومجادلتهم الرسول ﷺ «س»
١١ تفسير ما نزل من آل عمران فى وفد نجران «س»
١٣ ما نزل من القرآن فيما ابتدعته اليهود والنصارى «س»
١٤ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي وَعْظِ الْمُؤْمِنِينَ وتحذيرهم «س»
١٥ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي خَلْقِ عِيسَى «س»
١٥ آيات عن زكريا ومريم «س»
١٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
١٦ دعوى كفالة جريج الراهب لمريم «س»
١٧ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ آيَاتِ عيسى ﵇ «س»
١٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
١٨ رفع عيسى ﵇ «س»
١٩ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٢٠ إباؤهم الملاعنة «س»
٢١ تولية أبى عبيدة أمورهم «س»
٢١ نبذ من ذكر المنافقين «س»
_________________
(١) «س» رمز عن السيرة. و«ن. ل» رمز عن النحو واللغة. و«ش» رمز عن الشرح. أما الروض فبدون رمز
[ ٥ / ٤٧٥ ]
٢١ ابن أبى وابن صيفى «س»
٢٢ إسلام ابن أبى «س»
٢٢ إصرار ابن صيفى على كفره «س»
٢٢ مَا نَالَ ابْنَ صَيْفِيّ جَزَاءَ تَعْرِيضِهِ بِالرّسُولِ «ص» «س»
٢٣ الاحتكام إلى قيصر فى ميراثه «س»
٢٤ هجاء كعب لابن صيفى «س»
٢٥ خُرُوجُ قَوْمِ ابْنِ أُبَيّ عَلَيْهِ وَشِعْرُهُ فِي ذلك «س»
٢٥ غضب الرسول «ص» من كلام ابن أبى «س»
٢٦ ذكر من اعتسل من أصحاب رسول الله «ص» «س»
٢٧ مرض أبى بكر وعامر وبلال وحديث عائشة عنهم «س»
٢٧ ما جهد المسلمين من البلاء «س»
٢٨ بدء قتال المشركين «س»
٢٨ ذكر نصاري نجران وما أنزل الله فيهم
٢٨ تأويل كن فيكون
٢٩ تأويل آيات محكمات
٣١ التأويل «ش»
٣٣ احتجاج القسيسين للتثليت
٣٤ احتجاجهم لألوهية عيسى
٣٦ وضعتها أنثى
٣٧ المباهلة
٣٩ سلول
٣٩ الحبلى «ن. ل»
٤٠ الملك فى العرب
٤١ مزاحم أطمة
٤٣ وعك أبى بكر وبلال وعامر
٤٥ الإذخر
٤٦ مجنة، شامة، طفيل
٤٧ اللهم حبب إلينا المدينة
٤٨ النهى عن سب الحمى
٥٠ الكلام على حديث صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ
٥١ تاريخ الهجرة «س»
٥١ غزوة ودان
٥١ موادعة بنى ضمرة والرجوع من غير حرب «س»
٥٢ سرية عبيدة بن الحارث «س»
٥٢ من فر من المشركين إلى المسلمين «س»
٥٣ شعر أبى بكر فيها «س»
٥٥ شعر ابن أبى وقاص فى رميته «س»
٥٥ أول راية فى الإسلام كانت لعبيدة «س»
٥٥ سرية حمزة إلى سيف البحر «س»
[ ٥ / ٤٧٦ ]
٥٥ ما جرى بين المسلمين والكفار «س» .
٥٦ كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ أَوّلَ رَايَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وشعر حمزة فى ذلك «س» .
٥٧ شِعْرُ أَبِي جَهْلٍ فِي الرّدّ عَلَى حَمْزَةَ «س» .
٥٨ غزوة يواط «س» .
٥٩ غزوة العشيرة «س» .
٦٠ تكنية على بأبى تراب «س» .
٦١ سرية سعد بن أبى وقاص «س»
٦١ غزوة سفوان «س» .
٦٢ سرية عبد الله بن جحش «س» .
٦٣ الخلاف حول نسب الحضرمى «س» .
٦٤ الرسول «ص» يستنكر القتال فى الشهر الحرام «س» .
٦٥ ما نزل من القرآن فى فعل ابن جحش «س» .
٦٧ ما قيل من شعر فى هذه السرية «س» .
٦٧ صرف القبلة إلى الكعبة «س»
٦٨ تاريخ الهجرة وغزوة ودان.
٦٩ غزوة عبيدة بن الحارث.
٧٠ شَرْحُ الْقَصِيدَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَصِيدَةِ ابن الزبعرى وأبى جهل.
٧٢ أسماء ممنوعة من التنوين «ن. ل» .
٧٣ رواية شعر الكفرة
٧٤ غزوة بواط.
٧٥ غزوة العشيرة.
٧٧ تكنية على بأبى تراب.
٧٧ أشقى الناس.
٧٨ موادعة بنى ضمرة.
٧٨ سرية عبد الله بن جحش.
٧٨ صحة الرماية بالمناولة.
٧٩ أولاد الحضرمى.
٨٠ حكمة تحريم القتال فى الأشهر الحرم.
٨١ غزوة بدر الكبرى «س» .
٨١ عير أبى سفيان «س» .
٨٢ ندب المسلمين للعير وحذر أبى سفيان «س» .
٨٣ ذكر رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب «س» .
٨٣ ذيوع الرؤيا وما أحدثت بين أبى جهل والعباس «س» .
٨٥ قريش تنجهز للخروج «س»
٨٥ خروج عقبة «س» .
٨٦ ما وقع بين قريش وكنانة «س» .
٨٨ الشيطان وقريش «س» .
٨٨ خروجه ﷺ «س»
[ ٥ / ٤٧٧ ]
٨٨ اللواء والرايتان «س» .
٨٩ إبل المسلمين إلى بدر «س» .
٨٩ الطريق إلى بدر «س» .
٩١ قول أبى بكر وعمر والمقداد فى الجهاد «س» .
٩١ الرسول «ص» يستشير الأنصار «س» .
٩٢ تفرق أخبار قريش «س» .
٩٥ نجاة أبى سفيان بالعير «س» .
٩٥ رؤيا جهيم بن لاصلت «س» .
٩٦ كان أبو سفيان لا يريد حربا «س» .
٩٦ رجوع بنى زهرة «س» .
٩٧ منزل المسلمين ومنزل قريش «س» .
٩٧ مشورة الحباب «س» .
٩٨ بناء العريش لرسول الله «ص» «س» .
٩٩ ارتحال قريش «س» .
١٠١ نسب الحنظلية «س» .
١٠٢ مقتل الأسود المخزومى «س»
١٠٢ دعاء عتبة إلى المبارزة «س»
١٠٢ التقاء الفريقين «س» .
١٠٥ مناشدة الرسول ربه النصر «س» .
١٠٥ أول قتيل «س» .
١٠٥ تحريض لمسلمين على القتال «س»
١٠٦ رمى الرسول للمشركين بالحصباء «س» .
١٠٧ نَهْيُ النّبِيّ أَصْحَابَهُ عَنْ قَتْلِ نَاسٍ مِنْ المشركين «س» .
١٠٩ مقتل أمية بن خلف «س» .
١١١ شهود الملائكة وقعة بدر «س» .
١١٣ مقتل أبى جهل «س» .
١١٣ شعار لمسلمين ببدر «س» .
١١٣ عود إلى مقتل أبى جهل «س» .
١١٦ غزوة بدر.
١١٦ تحسس الأخبار
١١٧ رؤيا عاتكة.
١١٨ معنى اللياط.
١١٨ المجمرة والألوة.
١١٨ شرح شعر مكرز.
١١٩ مواضع نزل فيها الرسول «ص»
١٢٠ أنساب.
١٢١ التطير وكراهية الاسم للقبيح.
١٢٢ جبلا مسلح ومخرىء.
١٢٣ تعوير قلب المشركين «ن. ل» .
١٢٥ تفسير كلمات.
١٢٥ مَنْ قَائِلٌ أَبِي عُذْرِهَا وَمَا دَاءُ أَبِي جهل
١٢٧ حول سواد بنى غزية «ن، ل» .
[ ٥ / ٤٧٨ ]
١٢٨ تفسير بعض مناشدتك.
١٢٩ معنى مناشدة أبى بكر.
١٣٠ المقام والخوف والرجاء عند
١٣٢ الصوفية «ش» .
١٣٢ جهاد النبى فى المعركة.
١٣٢ المفاعلة
١٣٣ عصب وعصم.
١٣٤ حديث عمير بن الحمام
١٣٤ حديث عوف بن عفراء
١٣٤ ضحك الرب
١٣٦ شرح كلام أبى البخترى والمجذر
١٣٧ تفسير ها الله وهيروه «ن. ل»
١٣٨ أقدم حيزوم «ن. ل»
١٣٩ معنى قوله تعالى (فقبضت قبضة من أثر الرسول) «ش»
١٤٠ نسب أبى داود المازنى
١٤١ الغلامان اللذان قتلا أبى جهل
١٤٢ نسب عفراء بنت عبيد «ش»
١٤٤ إضمار حرف الجر «ن. ل»
١٤٥ خبر عكاشة بن محصن «س»
١٤٦ حَدِيثٌ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ يوم بدر «س»
١٤٦ طرح المشركين فى القليب «س»
١٤٨ شعر حسان فيمن ألقوا فى القليب «س»
١٤٩ من نزل فيهم (إن الذين توفتهم الملائكة ظالمى أنفسهم) «س»
١٥٠ ذكر الفىء ببدر «س»
١٥١ بعث ابن رواحة وزيد بشيرين «س»
١٥٢ قفول رسول الله من بدر «س»
١٥٣ مقتل النضر وعقبة «س»
١٥٥ بلوغ مصاب قريش إلى مكة «س»
١٥٧ نواح قريش على قتلاهم «س»
١٥٩ أمر سهيل بن عمرو وفداؤه «س»
١٦٠ أسر عمرو بن أبى سفيان وإطلاقه «س»
١٦١ أسر أبى العاص بن الربيع «س»
١٦٢ سبب زواج أبى العاص من زينب «س»
١٦٢ سَعْيُ قُرَيْشٍ فِي تَطْلِيقِ بَنَاتِ الرّسُولِ مِنْ أزواجهن «س»
١٦٣ أَبُو الْعَاصِ عِنْدَ الرّسُولِ وَبَعْثُ زَيْنَبَ فِي فدائه «س»
١٦٤ خروج زينب إلى المدينة.
نأهبها وإرسال الرسول رجلين ليصحباها «س»
١٦٤ هند تحاول تعرف أمر زينب «س»
١٦٥ مَا أَصَابَ زَيْنَبَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ خُرُوجِهَا ومشورة أبى سفيان «س»
[ ٥ / ٤٧٩ ]
١٦٦ شعر لأبى خيثمة فيما حدث لزينب «س»
١٦٦ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ إسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ فِي مولى يمين أبى سفيان «س»
١٦٧ شعر هند وكنانة فى خروج زينب «س»
١٦٧ الرسول يحل دم هبار «س»
١٦٨ إسلام أبى العاص بن الربيع استيلاء المسلمين على تجارة معه وإجازة زينب له «س»
١٦٩ المسلمون يردون عليه ماله ثم يسلم «س»
١٦٩ زوجته ترد إليه «س»
١٧٠ مثل من أمانة أبى العاص «س»
١٧٠ الذين أطلقوا من غير فداء «س»
١٧١ ثمن الفداء «س»
١٧٢ خبر عكاشة بن محصن
١٧٣ سبقك بها عكاشة
١٧٤ نداء أصحاب القليب
١٧٤ مسألة نحوية «ن. ل»
١٧٧ من معانى شعر حسان
١٧٩ معنى إلقائهم فى القليب
١٧٩ عود إلى شعر حسان
١٨٠ معنى الجبوب
١٨٠ مرة أخرى شعر حسان
١٨١ تفسير قول ابن أبى بكر
١٨٢ العرش والعريش
١٨٢ بنو عابد وبنو عائذ
١٨٢ حول القسم
١٨٢ سبب نزول أول الأنفال
١٨٤ عقبة بن أبى معيط
١٨٥ الطعن فى نسب بنى أمية
١٨٦ أبو هند الحجام
١٨٧ أسارى بدر
١٨٨ خَبَرُ أَبِي رَافِعٍ حِينَ قَدِمَ فَلّ قُرَيْشٍ
١٨٨ أم الفضل وضربها لأبى لهب
١٩٣ ضبيرة
١٩٣ ابن الدخشم
١٩٤ حول شعر مكرز
١٩٤ أبو العاصى بن الربيع
١٩٧ اتباع قريش لزينب.
١٩٧ تفسير قصيدة أبى خيثمة
٢٠٠ رد زينب على زوجها
٢٠١ شعر بلال فى مقتل أمية
٢٠٢ إسلام عمير بن وهب. صفوان يحرضة على قتل الرسول «س»
٢٠٢ رؤية عمر له وإخباره الرسول بأمره «س» .
٢٠٣ الرسول يحدثه بما بينه هو وصفوان فيسلم «س»
[ ٥ / ٤٨٠ ]
٢٠٤ رجوعه إلى مكة يدعو للاسلام «س»
٢٠٥ هو أو ابن هشام الذى رأى إبليس. وما نزل فيه «س»
٢٠٥ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٢٠٦ شِعْرٌ لِحَسّانَ فِي الْفَخْرِ بِقَوْمِهِ وَمَا كَانَ من تغرير إبليس بقريش
٢٠٧ المطمعون من قريش «س»
٢٠٧ من بنى هاشم.
من بنى عبد شمس من بنى نوفل.
من بنى أسد.
من بنى عبد الدار «س»
٢٠٨ نسب النضر «س»
٢٠٨ من بنى مخزوم.
من بنى جمح.
من بنى سهم.
من بنى عامر «س»
٢٠٨ أسماء خيل المسلمين يوم بدر
٢٠٩ خيل المشركين «س»
٢٠٩ نزول سورة الأنفال «س»
٢٠٩ ما نزل فى تقسيم الأنفال «س»
٢٠٩ مَا نَزَلَ فِي خُرُوجِ الْقَوْمِ مَعَ الرّسُولِ لملاقاة قريش «س»
٢١٠ مَا نَزَلَ فِي تَبْشِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسَاعَدَةِ وَالنّصْرِ، وتحريضهم «س»
٢١١ مَا نَزَلَ فِي رَمْيِ الرّسُولِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ «س»
٢١١ ما نزل فى الاستفتاح «س»
٢١٢ ما نزل فى حصن المسلمين على طاعة الله «س»
٢١٣ مَا نَزَلَ فِي ذِكْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى الرسول «س»
٢١٣ ما نزل فى غرة قريش واستفتاحهم «س»
٢١٤ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٢١٥ المدة بين (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) وبدر «س»
٢١٥ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٢١٥ ما نزل فيمن عاونوا أبا سفيان «س»
٢١٦ الأمر بقتال الكفار «س»
٢١٦ ما نزل فى تقسيم الفىء «س»
٢١٧ ما نزل فى لطف الله بالرسول «س»
٢١٨ مَا نَزَلَ فِي وَعْظِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعْلِيمِهِمْ خُطَطَ الحرب «س»
[ ٥ / ٤٨١ ]
٢١٩ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٢٢١ ما نزل فى الأسارى والمغائم «س»
٢٢٢ ما نزل فى التواصل بين المسلمين «س»
٢٢٣ إسلام عمير بن وهب
٢٢٣ هل تجسد إبليس فى غزوة بدر؟
٢٢٥ ذكر ما أنزل الله فى بدر
٢٣١ عن قتال الملائكة
٢٣٢ قول الشيخ رشيد رضا «ش»
٢٣٥ حول التولى يوم الزحف والأنتصارات الإلاسعية الباهرة
٢٤٠ الذين فى قلوبهم مرض فى بدر
٢٤٠ رأى الأخنش وَأَبِي جَهْلٍ فِي النّبِيّ ﷺ
٢٤١ من الآخرون؟
٢٤٢ حول غنائم بدر
٢٤٥ خيل بدر
٢٤٩ محمد قبل البعثة «ش»
٢٥١ تقويم لحياته بعد الرسالة «ش»
٢٥٣ من شهد بدرا من المسلمين «س»
٢٥٣ من بنى هاشم «س»
٢٥٤ من بنى عبد شمس «س» .
٢٥٥ نسب سالم «س» .
٢٥٥ من حلفاء بنى عبد شمس «س»
٢٥٦ من حلفاء بنى كبير «س»
٢٥٦ من بنى نوفل «س» .
٢٥٦ من بنى أسد «س» .
٢٥٧ من بنى عبد الدار «س» .
٢٥٧ من بنى زهرة «س» .
٢٥٨ من بنى تيم «س»
٢٥٩ نسب الثمر «س» .
٢٥٩ من بنى مخزوم «س» .
٢٦٠ سبب تسمية الشماس «س» .
٢٦٠ من بنى عدى وحلفائهم «س» .
٢٦٢ من بنى جمح وحلفائهم «س» .
٢٦٢ من بنى عامر «س» .
٢٦٢ من بنى الحارث «س» .
٢٦٣ عدد من شهد بدرا من المهاجرين «س» .
٢٦٣ الأنصار ومن معهم «س»
٢٦٣ من بنى عبد الأشهل «س» .
٢٦٤ من بنى عبيد بن كعب وحلفائهم
٢٦٥ سبب تسمية عبيد بمقرن «س»
٢٦٥ من بنى عبد بن رزاح وحلفائهم
٢٦٥ من بنى حارثة «س» .
٢٦٥ من بنى عمرو «س» .
٢٦٦ من بنى أمية «س» .
٢٦٦ من بنى عبيد وحلفائهم «س» .
٢٦٧ من بنى ثعلبة «س» .
٢٦٨ من بنى جحجى وحلفائهم «س»
[ ٥ / ٤٨٢ ]
٢٦٩ من بنى غنم «س»
٢٦٩ من بنى معاوية وحلفائهم «س»
٢٧٠ عدد من شهد بدرا من الأوس «س» .
٢٧٠ من بنى امرىء القيس.
٢٧٠ من بنى زيد «س» .
٢٧٠ من بنى عدى «س» .
٢٧١ من بنى أحمر «س» .
٢٧١ من بنى جشم «س» .
٢٧١ من بنى حدارة «س» .
٢٧٢ من بنى الأبحر «ش» .
٢٧٢ من بنى عوف «س» .
٢٧٣ من بنى جزء وحلفائهم «س»
٢٧٣ من بنى سالم «س» .
٢٧٤ من بنى أصرم «س» .
٢٧٤ من بنى دعد «س» .
٢٧٤ من بنى لوذان وحلفائهم «س»
٢٧٥ من بنى ساعدة «س» .
٢٧٦ من بنى البدى وحلفائهم «س»
٢٧٦ من بنى طريف وحلفائهم «س»
٢٧٧ من بنى جشم «س» .
٢٧٧ نسب الجموح «س» .
٢٧٨ من بنى عبيد وحلفائهم «س»
٢٧٨ من بنى خناس «س» .
٢٧٩ من بنى النعمان «س» .
٢٧٩ من بنى سواد «س» .
٢٨٠ من بنى زريق «س» .
٢٨١ من بنى خالد «س» .
٢٨١ من بنى خلدة «س» .
٢٨١ من بنى العجلان «س» .
٢٨٢ من بنى بياضة «س» .
٢٨٢ من بنى حبيب «س» .
٢٨٣ من بنى النجار «س» .
٢٨٣ من بنى عسيرة «س» .
٢٨٣ من بنى عمرو «س» .
٢٨٣ من بنى عبيد بن ثعلبة «س»
٢٨٤ من بنى عائد وحلفائهم «س»
٢٨٤ من بنى زيد «س» .
٢٨٤ من بنى سواد وحلفائهم «س»
٢٨٤ نسب عفراء «س» .
٢٨٥ من بنى عامر بن مالك «س»
٢٨٥ من بنى عمرو بن مالك «س»
٢٨٥ نسب خديلة «س»
٢٨٦ من بنى عدى بن عمرو «س»
٢٨٦ من بنى عدى بن النجار «س»
٢٨٧ من بنى حرام بن جندب «س»
٢٨٧ من بنى مازن بن النجار وحلفائهم «س» .
٢٨٨ من بنى خنساء بن مبذول «س» «س» .
٢٨٨ من بنى ثعلبة بن مازن س
٢٨٨ من بنى دينار بن النجار س
٢٨٩ من فات ابن إسحاق ذكرهم س.
[ ٥ / ٤٨٣ ]
٢٨٩ عدد البدريين جميعا «س» .
٢٨٩ من استشهد من المسلمين يوم بدر «س» .
٢٩٠ القرشيون من بنى عبد المطلب «س» .
٢٩٠ من بنى زهرة «س» .
٢٩٠ من بنى عدى «س» .
٢٩٠ من بنى الحارث بن فهر «س» .
٢٩٠ ومن الأنصار «س» .
٢٩٠ من بنى الحارث بن الخزرج «س» .
٢٩١ من بنى سلمة «س» .
٢٩١ من بنى حبيب «س» .
٢٩١ من بنى النجار «س» .
٢٩١ من بنى غنم «س» .
٢٩١ تسمية من شهد بدرا.
٢٩٣ قصة خوات.
٢٩٤ نسب النعمان بن عصر.
٢٩٥ تصويب أنساب.
٢٩٥ صاحب الصاع.
٢٩٦ قريوش أو قريوس «ن. ل» .
٢٩٦ جدارة أو خدارة.
٢٩٧ رجيلة أو رخيلة.
٢٩٧ تصويب نسب.
٢٩٧ حول الذين استشهدوا فى بدر.
٢٩٨ ذو الشمالين وذو اليدين.
٢٩٩ خطأ المبرد.
٣٠٢ من قتل ببدر من المشركين «س» .
٣٠٢ من بنى عبد شمس «س» .
٣٠٣ من بنى نوفل «س» .
٣٠٣ من بنى أسد «س» .
٣٠٤ من بنى عبد الدار «س» .
٣٠٥ من بنى تيم بن مرة «س» .
٣٠٥ من بنى مخزوم «س» .
٣٠٧ من بنى سهم «س» .
٣٠٨ من بنى جمح «س» .
٣٠٩ من بنى عامر «س» .
٣٠٩ عددهم «س» .
٣١٠ من فات ابن إسحاق ذكرهم «س» .
٣١٠ من بنى عبد شمس «س» .
٣١٠ من بنى أسد «س» .
٣١٠ من بنى عبد الدار «س» .
٣١٠ من بنى تيم «س» .
٣١٠ من بنى مخزوم «س» .
٣١١ من بنى جمح «س» .
٣١١ من بنى سهم «س» .
٣١١ ذكر أسرى قريش يوم بدر «س» .
٣١١ من بنى هاشم «س» .
٣١١ من بنى عبد المطلب «س» .
٣١٢ من بنى عبد شمس وحلفائهم «س» .
٣١٢ من بنى نوفل وحلفائهم «س» .
[ ٥ / ٤٨٤ ]
٣١٢ من بنى عبد الدار وحلفائهم «س» .
٣١٣ من بنى أسد وحلفائهم. «س» .
٣١٣ من بنى مخزوم «س» .
٣١٤ من بنى سهم «س» .
٣١٤ من بنى جمح «س» .
٣١٤ من بنى عامر «س» .
٣١٥ من بنى الحارث «س» .
٣١٥ ما فات ابن إسحاق ذكرهم.
٣١٥ من بنى هاشم «س» .
٣١٥ من بنى المطلب «س» .
٣١٥ من بنى عبد شمس «س» .
٣١٦ من بنى نوفل «س» .
٣١٦ من بنى أسد «س» .
٣١٦ من بنى عبد الدار «س» .
٣١٦ من بنى تيم «س» .
٣١٦ من بنى مخزوم «س» .
٣١٦ من بنى جمح «س» .
٣١٧ من بنى سهم «س» .
٣١٧ من بنى عامر «س» .
٣١٧ من بنى الحارث «س» .
٣١٧ مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ بَدْر «س» .
٣٢٤ شعر لحسان فى بدر أيضا «س» .
٣٢٦ شعر الحارث فى الرد على حسان «س» .
٣٢٦ شعر لحسان فيها أيضا «س» .
٣٣٠ شِعْرُ عَبِيدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي قَطْعِ رِجْلِهِ «س» .
٣٣١ رثاء كعب لعبيدة بن الحارث «س» .
٣٣١ شعر لكعب فى بدر «س» .
٣٣٢ شِعْرُ طَالِبٍ فِي مَدْحِ الرّسُولِ وَبُكَاءِ أَصْحَابِ القليب «س» .
٣٣٣ شعر ضرار فى رثاء أبى جهل «س»:
٣٣٤ شِعْرُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فِي رِثَاءِ أَبِي جهل «س» .
٣٣٥ شِعْرُ ابْنِ الْأَسْوَدِ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بَدْرٍ «س» .
٣٣٦ شِعْرُ أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ فِي رِثَاءِ قتلى بدر «س» .
٣٣٩ شعر أبى أسامة «س» .
٣٤٢ شعر هند بنت عتبة «س» .
٣٤٤ شعر صفية «س» .
٣٤٥ شعر هند بنت أثاثة «س» .
٣٤٥ شعر قتيلة بنت الحارث «س» .
٣٤٦ تاريخ الفراغ من بدر «س» .
٣٤٧ من قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
٣٤٨ السّائِبَ بْنَ أَبِي السّائِبِ.
٣٥١ أوس بن خولى.
٣٥١ أخو طلحة.
٣٥١ ابن عبد الله بن جذعان.
٣٥٢ حذيفة بن أبى حذيفة.
[ ٥ / ٤٨٥ ]
٣٥٢ تَسْمِيَةُ مَنْ أُسِرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.
٣٥٣ عقيل بن أبى طالب.
٣٥٤ نوفل بن الحارث.
٣٥٤ أبو العاصى بن الربيع وغيره.
٣٥٧ الحكم بن عبد المطلب.
٣٥٨ من الذين أسلموا من أسارى بدر.
٣٦١ ممن لم يسلم من الأسارى.
٣٦١ تاريخ وفاة رقية.
٣٦٣ أشعار يوم بدر.
٣٦٣ الشعر المنسوب إلى حمزة.
٣٦٤ شعر على.
٣٦٥ حول شعر حسان.
٣٦٥ الفرق بين مفعل وفعل «ن. ل»
٣٦٦ عود إلى شعر حسان.
٣٦٨ حول شعر الحارث بن هشام.
٣٦٨ عود إلى حسان.
٣٧٠ الانتخاء «ن. ل» .
٣٧٢ قوله: وميكال فياطيب الملاء «ن. ل» .
٣٧٤ شرح شعر أبى أسامة.
٣٧٦ قولهم: سراة القوم «ن. ل» .
٣٨٣ شرح القصيدة الفاوية لأبى أسامة
٣٨٦ شعر هند.
٣٨٧ شعر قتيلة.
٣٨٨ غزوة بنى سليم بالكدر «س» .
٣٨٩ غزوة السويق «س» .
٣٩٠ غزوة ذى أمر «س» .
٣٩١ غزوة الفرع من بحران «س» .
٣٩١ أمر بنى قينقاع «س» .
٣٩١ نصيحة الرسول لهم وردهم عليه «س» .
٣٩٢ ما نزل فيهم «س» .
٣٩٢ كانوا أول من نقض العهد «س» .
٢٩٢ سبب الحرب بينهم وبين المسلمين «س» .
٣٩٣ مَا كَانَ مِنْ ابْنِ أُبَيّ مَعَ الرّسُولِ «س» .
٣٩٤ مدة حصارهم «س» .
٣٩٤ تَبَرّؤُ ابْنِ الصّامِتِ مِنْ حِلْفِهِمْ وَمَا نَزَلَ فيه وفى ابن أبى «س» .
٣٩٥ سرية زيد بن حارثة إلى القردة «س» .
٣٩٥ إصابة زيد للعير وإفلات الرجال «س» .
٣٩٦ شعر حسان فى تأنيب قريش «س» .
٣٩٦ مقتل كعب بن الأشرف «س» .
٣٩٦ اسْتِنْكَارُهُ خَبَرَ رَسُولَيْ الرّسُولِ بِقَتْلِ نَاسٍ مِنْ المشركين «س» .
٣٩٧ شعره فى التحريض على الرسول «س» .
٣٩٨ شعر حسان فى الرد عليه «س» .
[ ٥ / ٤٨٦ ]
٣٩٩ شعر ميمونة فى الرد على كعب «س» .
٣٩٩ شعر كعب فى الرد على ميمونة «س» .
٤٠٠ تَشْبِيبُ كَعْبٍ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحِيلَةُ فِي قَتْلِهِ «س»
٤٠٢ شِعْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي مَقْتَلِ ابْنِ الأشرف «س»
٤٠٣ شِعْرُ حَسّانَ فِي مُقْتَلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ وَابْنِ أبى الحقيق «س»
٤٠٤ عزوة قرقرة الكدو
٤٠٥ سلامة بن مشكم
٤٠٧ خبر بنى قينقاع
٤٠٨ سرية زيد
٤٠٩ حول كلمة المخاصمة والملك «ن. ل»
٤١٣ مقتل كعب بن الأشرف
٤١٦ أمر محيصة وحويضة «س»
٤١٦ لَوْمُ حُوَيّصَةَ لِأَخِيهِ مُحَيّصَةَ لِقَتْلِهِ يَهُودِيّا ثُمّ إسلامه «س»
٤١٧ رواية أخرى فى إسلام حويصة «س» .
٤١٨ المدة بين قدوم الرسول بحران وغزوة أحد «س»
٤١٩ غزوة أحد «س»
٤١٩ التحريض على عزو الرسول «س»
٤٢٠ ما نزل فى ذلك من القرآن «س»
٤٢٠ اجتماع قريش للحرب «س»
٤٢١ خروج قريش معهم لساؤهم «س»
٤٢٢ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ «س»
٤٢٣ مُشَاوَرَةُ الرّسُولِ الْقَوْمَ فِي الْخُرُوجِ أَوْ الْبَقَاءِ «س»
٤٢٤ انخذال المنافقين «س»
٤٢٤ حادثة تفاءل بها الرسول «س»
٤٢٥ مَا كَانَ مِنْ مِرْبَعٍ حِينَ سَلَكَ الْمُسْلِمُونَ حائطه «س»
٤٢٦ مَنْ أَجَازَهُمْ الرّسُولُ وَهُمْ فِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ «س»
٤٢٧ أمر أبى دجانة «س»
٤٢٧ أمر أبى عامر الفاسق «س»
٤٢٨ أسلوب أبى سفيان فى تحريض قريش «س»
٤٢٨ تحريض هند والنسوة معها «س»
٤٢٩ شعار المسلمين «س»
٤٢٩ تمام قصة أبى دجانة «س»
٤٣٠ مقتل حمزة «س»
٤٣١ وَحْشِيّ يُحَدّثُ الضّمْرِيّ وَابْنَ الْخِيَارِ عَنْ قَتْلِهِ حمزة «س»
[ ٥ / ٤٨٧ ]
٤٣٣ وحشى بين يدى الرسول يسلم «س»
٤٣٤ قتل وحشى لمسيلمة «س»
٤٣٤ خلع وحشى من الديوان «س»
٤٣٥ مقتل مصعب بن عمير «س»
٤٣٦ شأن عاصم بن ثابت «س»
٤٣٦ حنظلة غسيل الْمَلَائِكَةُ
٤٣٧ شِعْرُ الْأَسْوَدِ فِي قَتْلِهِمَا حَنْظَلَةَ وَأَبَا سفيان «س»
٤٣٨ شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ «س»
٤٣٩ شِعْرُ الْحَارِثِ فِي الرّدّ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ أيضا «س»
٤٣٩ حديث الزبير عن سبب الهزيمة «س»
٤٤٠ شجاعة صؤاب وشعر حسان فى ذلك «س»
٤٤١ شعر حسان فى عمرة الحارثية «س»
٤٤١ ما لقيه الرسول يوم أحد «س»
٤٤٣ شِعْرُ حَسّانَ فِي عُتْبَة وَمَا أَصَابَ بِهِ الرسول «س»
٤٤٣ ابن السكن وبلاؤه يوم أحد «س»
٤٤٤ حَدِيثُ أُمّ سَعْدٍ عَنْ نَصِيبِهَا فِي الْجِهَادِ يوم أحد «س»
٤٤٥ أَبُو دُجَانَةَ وَابْنُ أَبِي وَقّاصٍ يَدْفَعَانِ عَنْ الرسول «س»
٤٤٥ بلاء قتادة وحديث عينه «س»
٤٤٥ شأن أنس بن النضر «س»
٤٤٦ ما أصاب ابن عوف من الجراحات «س»
٤٤٦ أول من عرف الرسول بعد الهزيمة «س»
٤٤٧ قتل محيصة اليهودى
٤٤٧ غزوة أحد
٤٤٨ فضل أحد
٤٤٩ مشاكلة اسم الجبل لأغراض التوحيد
٤٥٠ وفاة هارون ودفنه بالشام وليس بأحد «ش»
٤٥١ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ.
٤٥٢ الفأل والطيرة
٤٥٣ المستصغرون يوم أحد
٤٥٤ حول شعر هند بنت عتبة
٤٥٦ أبو دجانة
٤٥٩ حديث وحشى
٤٦٢ قول على أنا أبو القصم «ن. ل»
٤٦٢ عن مقتل حنظلة
٤٦٤ شعر أبى سفيان
٤٦٤ لدن غدوة «ن. ل»
٤٦٦ جداية شرك «ن. ل»
٤٦٨ الصارح يوم أحد.
٤٦٨ أزب العقبة «ن. ل»
٤٦٩ حال من رموا النبى
٤٧٠ أسماء أجزاء الليل
٤٧١ عن الدم والبول
٤٧٣ فهرس الجزء الخامس.
[ ٥ / ٤٨٨ ]