قَتْلُ الرّسُولِ ﷺ لِأُبَيّ بن خلف
مقتل أبي بْنِ خَلَفٍ
[قَالَ]:
فَلَمّا أَسْنَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشّعْبِ أَدْرَكَهُ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ أَيْ مُحَمّدُ لَا نَجَوْت إنْ نَجَوْت، فَقَالَ الْقَوْمُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " دَعُوهُ " فَلَمّا دَنَا، تَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصّمّةِ يَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ فِيمَا ذُكِرَ لِي: فَلَمّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً
_________________
(١) قَتْلُ الرّسُولِ لِأُبَيّ بْنِ خَلَفٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَتْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأُبَيّ وَفِيهِ تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُر الشّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ. الشّعْرَاءُ ذُبَابٌ صَغِيرٌ لَهُ لَدْغٌ تَقُولُ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا: قِيلَ لِلذّئْبِ مَا تَقُولُ فِي غَنِيمَةٍ تَحْرُسُهَا جُوَيْرِيَةُ؟ قَالَ شُحَيْمَةُ فِي حَلْقِي، قِيلَ فَمَا تَقُولُ فِي غَنِيمَةٍ يَحْسُرُهَا غُلَيْمٌ؟ قَالَ شَعْرَاءُ فِي إبْطِي أَخْشَى خُطُوَاتِهِ الْخُطُوَاتُ سِهَامٌ مِنْ قُضْبَانٍ لَيّنَةٍ يَتَعَلّمُ بِهَا الْغِلْمَانُ الرّمْيَ وَهِيَ الْجُمّاحُ أَيْضًا قَالَ الشّاعِرُ أَصَابَتْ حَبّةَ الْقَلْبِ بِسَهْمِ غَيْرَ جُمّاحِ مِنْ كِتَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَاهُ الْقُتَبِيّ تَطَايُرَ الشّعَرِ وَقَالَ هِيَ جَمْعُ شَعْرَاءَ
[ ٦ / ٥ ]
تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إذَا انْتَفَضَ بِهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الشّعْرَاءُ ذُبَابٌ لَهُ لَدْغٌ ثُمّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَدَأْدَأَ يَقُولُ تَقَلّبَ عَنْ فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَتَدَحْرَجُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ، كَمَا حَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، يَلْقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ فَيَقُولُ يَا مُحَمّدُ إنّ عِنْدِي الْعَوْذَ فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلّ يَوْمٍ فَرَقًا مِنْ ذرةٍ أَقْتُلُك عَلَيْهِ. فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ "بَلْ أَنَا أَقْتُلُك إنْ شَاءَ اللهُ" فَلَمّا رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَقَدْ خَدَشَهُ فِي عُنُقِهِ خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ فَاحْتَقَنَ الدّمُ فَقَالَ قَتَلَنِي وَاَللهِ مُحَمّدٌ قَالُوا لَهُ ذَهَبَ وَاَللهِ فُؤَادُك وَاَللهِ إِن بِك مِنْ بَأْسٍ قَالَ إنّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكّةَ أَنَا أَقْتُلُك، فَوَاَللهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيّ لَقَتَلَنِي. فَمَاتَ عَدُوّ اللهِ بِسَرِفِ وَهُمْ قَافِلُونَ بِهِ إلَى مَكّةَ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي مَقْتَلِ أُبَيّ بْنِ خَلَفٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ
لَقَدْ وَرِثَ الضّلَالَةَ عَنْ أَبِيهِ أُبَيّ يَوْمَ بَارَزَهُ الرّسُولُ
أَتَيْت إلَيْهِ تَحْمِلُ رِمّ عَظْمٍ وَتُوعِدُهُ وَأَنْتَ بِهِ جَهُولُ
وَقَدْ قَتَلَتْ بَنُو النّجّارِ مِنْكُمْ أُمَيّةَ إذْ يَغُوثُ يَا عَقِيلُ
وَتَبّ ابْنَا رَبِيعَةَ إذْ أَطَاعَا أَبَا جَهْلٍ لَأُمّهِمَا الْهُبُولُ
وَأَفْلَتْ حَارِثٌ لَمّا شَغَلْنَا بِأَسْرِ الْقَوْمِ أُسْرَتُهُ فَلَيْلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُسْرَتُهُ قَبِيلَتُهُ.
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي ذَلِكَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦ ]
أَلَا مَنْ مُبَلّغٌ عَنّي أُبَيّا لَقَدْ أَلْقَيْت فِي سُحْقِ السّعِيرِ
تَمَنّى بِالضّلَالَةِ مِنْ بِعِيدِ وَتُقْسِمُ إنْ قَدَرَتْ مَعَ النّذُورِ
تَمَنّيك الْأَمَانِي مِنْ بِعِيدِ وَقَوْلُ الْكُفْرِ يَرْجِعُ فِي غُرُورِ
فَقَدْ لَاقَتْك طَعْنَةُ ذِي حِفَاظٍ كَرِيمِ الْبَيْتِ لَيْسَ بِذِي فُجُورِ
لَهُ فَضْلٌ عَلَى الْأَحْيَاءِ طُرّا إذَا نَابَتْ مُلِمّاتُ الْأُمُورِ
انْتِهَاءُ الرّسُولِ إِلَى الشّعب
[ببقال]:
فَلَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى فَمِ الشّعْبِ خَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَتّى مَلَأ دَوْقَتَهُ مَاءً مِنْ الْمِهْرَاسِ، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَهُ لَهُ رِيحًا، فَعَافَهُ فَلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدّمَ وَصَبّ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ "اشْتَدّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمّى وَجْهَ نَبِيّهِ"
_________________
(١) وَهِيَ ذُبَابٌ أَصْغَرُ مِنْ الْقَمَعِ وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ فَزَجَلَهُ بِالْحَرْبَةِ أَيْ رَمَاهُ بِهَا. حَوْلَ عَيْنِ قَتَادَةَ وَذَكَرَ قَتَادَةَ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ لِأُمّهِ وَهُوَ الرّجُلُ الّذِي سَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ - يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الاخلاص:١] يُرَدّدُهَا، فَقَالَ "وَجَبَتْ" وَحَدِيثُهُ فِي الْمُوَطّأِ وَذَكَرَ أَنّ عَيْنَهُ أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. رَوَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ أُصِيبَتْ عَيْنُ رَجُلٍ مِنّا يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ قَتَادَةُ بْنُ
[ ٦ / ٧ ]
حِرْصُ ابْنِ أَبِي وَقّاصٍ عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ:
وَاَللهِ مَا حَرَصْت عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَطّ كَحِرْصِي عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْت لَسَيّئَ الْخُلُقِ مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ وَلَقَدْ كَفَانِي مَعَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ "اشْتَدّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمّى وَجْهَ رَسُولِهِ"
صُعُودُ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ وَقِتَالُ عُمَرَ لَهُمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشّعْبِ مَعَهُ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ إذْ عَلَتْ عَالِيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ.
_________________
(١) النّعْمَانِ، حَتّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ إنّ لِي امْرَأَةً أُحِبّهَا، وَأَخْشَى إنْ رَأَتْنِي أَنْ تَقْذَرَنِي، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ وَرَدّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، وَقَالَ "اللهُمّ اكْسِبْهُ جَمَالًا" فَكَانَتْ أَحَسَنَ عَيْنَيْهِ وَأَحَدّهُمَا نَظَرًا، وَكَانَتْ لَا تَرْمَدُ إذَا رَمِدَتْ الْأُخْرَى "، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵀ - رَجُلٌ مِنْ ذُرّيّتِهِ فَسَأَلَهُ عُمَرُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ أَنَا ابْنُ الّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدّ عَيْنُهُ فَرُدّتْ بِكَفّ الْمُصْطَفَى أَيّمَا رَدّ فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لِأَوّلِ أَمْرِهَا فَيَا حُسْنَ مَا عَيْنٍ وَيَا حُسْنَ مَا خَدّ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بِمَاءِ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا فَوَصَلَهُ عُمَرُ وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ عَيْنَيْهِ جَمِيعًا سَقَطَتَا، فَرَدّهُمَا
[ ٦ / ٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ عَلَى تِلْكَ الْخَيْلِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "اللهُمّ إنّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا" فَقَاتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَرَهْطٌ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتّى أَهْبَطُوهُمْ مِنْ الْجَبَلِ.
ضَعْفُ الرّسُولِ عَنْ النّهُوضِ وَمُعَاوَنَةُ طَلْحَةَ لَهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَنَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى صَخْرَةٍ مِنْ الْجَبَلِ لِيَعْلُوَهَا، وَقَدْ كَانَ بَدّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فَلَمّا ذَهَبَ لِيَنْهَضَ ﷺ لَمْ يَسْتَطِعْ فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، فَنَهَضَ بِهِ حَتّى اسْتَوَى عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ الزّبَيْرِ قَالَ
سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمئِذٍ يَقُولُ "أَوْجَبَ طَلْحَةُ حِينَ صَنَعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَا صَنَعَ".
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَبْلُغْ الدّرَجَةَ الْمَبْنِيّةَ فِي الشّعْبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ:
أَنّ النّبِيّ ﷺ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَاعِدًا مِنْ الْجِرَاحِ الّتِي أَصَابَتْهُ وَصَلّى الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ قُعُودًا
_________________
(١) النّبِيّ - ﷺ - رَوَاهُ مُحَمّدُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ [أَبُو مَرْوَانَ الْأُمَوِيّ] عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَخِيهِ قَتَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ قَالَ أُصِيبَتْ عَيْنَايَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَقَطَتَا عَلَى وَجْنَتِي، فَأَتَيْت بِهِمَا النّبِيّ - ﷺ -
[ ٦ / ٩ ]
مَقْتَلُ الْيَمَانِ وَابْنِ وَقْشٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ النّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إلَى الْمُنَقّى، دَوّنَ الْأَعْوَصِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ
_________________
(١) فَأَعَادَهُمَا النّبِيّ - ﷺ - مَكَانَهُمَا، وَبَصَقَ فِيهِمَا فَعَادَتَا تَبْرُقَانِ قَالَ الدّارَقُطْنِيّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ عَنْ مَالِكٍ تَفَرّدَ بِهِ عَمّارُ بْنُ نَضْرٍ وَهُوَ ثِقَةٌ وَرَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيّ عَنْ عَمّارِ بْنِ نَصْرٍ [السّعْدِيّ أَبُو يَاسِرٍ الْمَرْوَزِيّ] . حَوْلَ نَسَبِ حُذَيْفَةَ الْيَمَانِيّ فَصْلٌ وَذَكَرَ ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ وَالْوَقْشُ الْحَرَكَةُ وَحُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ وَالِدُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَسُمّيَ حُسَيْلَ بْنَ جَابِرٍ الْيَمَانِيّ لِأَنّهُ مِنْ وَلَدِ جِرْوَةِ بْنِ مَازِنِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عَبْسِ [بْنِ بَغِيضٍ] وَكَانَ جِرْوَةُ قَدْ بَعُدَ عَنْ أَهْلِهِ فِي الْيَمَنِ زَمَنًا طَوِيلًا، ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَسَمّوْهُ الْيَمَانِيّ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يُكَنّى أَبَا عَبْدِ اللهِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أُمّهُ الرّبَابُ بِنْتُ كَعْبٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ يَعْنِي الْيَمَانِيّ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنّ الّذِي قَتَلَهُ مِنْهُمْ خَطَأً هُوَ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَدّ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْفَقِيهِ ذَكَرَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التّفْسِيرِ وَعُتْبَةُ هُوَ أَوّلُ مَنْ سَمّى الْمُصْحَفَ مُصْحَفًا، فِيمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْجَامِعِ. الْهَامَةُ وَالظّمْءُ وَقَوْلُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ وَحُسَيْلٍ إنّمَا نَحْنُ هَامَةُ الْيَوْمَ أَوْ غَد، يُرِيد: الْمَوْتَ
[ ٦ / ١٠ ]
لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أُحُدٍ، رَفَعَ حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ وَهُوَ الْيَمَانِ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فِي الْآطَامِ مَعَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ وَهُمَا شَيْخَانِ كَبِيرَانِ لَا أَبَا لَك، مَا تَنْتَظِرُ؟ فَوَاَللهِ لَا بَقِيَ لِوَاحِدِ مِنّا مِنْ عُمُرِهِ إلّا ظِمْءُ حِمَارٍ إنّمَا نَحْنُ هَامَةُ الْيَوْمِ أَوْ غَد، أَفَلَا نَأْخُذُ أَسْيَافَنَا، ثُمّ نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَعَلّ اللهُ يَرْزُقُنَا شَهَادَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَأَخَذَا أَسْيَافَهُمَا ثُمّ خَرَجَا، حَتّى دَخَلَا فِي النّاسِ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِمَا، فَأَمّا ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَمّا حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَبِي، فَقَالُوا: وَاَللهِ إنْ عَرَفْنَاهُ وَصَدَقُوا. قَالَ حُذَيْفَةُ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدِيَهُ فَتَصَدّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْرًا
مَقْتَلُ حَاطِبٍ وَمَقَالَةُ أَبِيهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ:
أَنّ رَجُلًا مِنْهُمْ كَانَ يُدْعَى حَاطِبَ بْنَ أُمَيّةَ بْنِ رَافِعٍ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ حَاطِبٍ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُتِيَ بِهِ إلَى دَارِ قَوْمِهِ وَهُوَ بِالْمَوْتِ فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ أَهْلُ الدّارِ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لَهُ مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ أَبْشِرْ يَا ابْنَ حَاطِبٍ بِالْجَنّةِ، قَالَ وَكَانَ حَاطِبٌ شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الْجَاهِلِيّةِ فَنَجَمَ يَوْمئِذٍ نِفَاقُهُ فَقَالَ بِأَيّ شَيْءٍ تُبَشّرُونَهُ؟ بِجَنّةِ مِنْ حَرْمَلٍ غَرَرْتُمْ وَاَللهِ هَذَا الْغُلَامَ مِنْ نَفْسِهِ.
_________________
(١) وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الْمَيّتِ أَنّ رُوحَهُ تَصِيرُ هَامَةً وَلِذَلِكَ قَالَ الْآخَرُ وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ وَقَوْلُهُ: لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِنَا إلّا ظِمْءُ حِمَارٍ. إنّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنّ الْحِمَارَ أَقْصَرُ الدّوَابّ ظِمْئًا، وَالْإِبِلُ أَطْوَلُهَا إظْمَاءً.
[ ٦ / ١١ ]
مَقْتَلُ قُزْمَانَ مُنَافِقًا كَمَا حَدّثَ الرّسُولُ بِذَلِكَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ:
كَانَ فِينَا رَجُلٌ أَتِيّ لَا يَدْرِي مِمّنْ هُوَ يُقَالُ لَهُ قُزْمَانُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ إذَا ذُكِرَ لَهُ "إنّهُ لَمِنْ أَهْلِ النّارِ"، قَالَ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ وَحْدَهُ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ ذَا بَأْسٍ فَأَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَاحْتُمِلَ إلَى دَارِ بَنِي ظَفَرَ، قَالَ فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لَهُ وَاَللهِ لَقَدْ أَبْلَيْت الْيَوْمَ يَا قُزْمَانُ، فَأَبْشِرْ قَالَ بِمَاذَا أَبْشِرْ؟ فَوَاَللهِ إنْ قَاتَلْت إلّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَاتَلْت. قَالَ فَلَمّا اشْتَدّتْ عَلَيْهِ جِرَاحَتُهُ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ
قَتْلُ مُخَيْرِيقٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِمّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُخَيْرِيقٌ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْفِطْيُونِ قَالَ لَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ وَاَللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنّ نَصْرَ مُحَمّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقّ، قَالُوا: إنّ
_________________
(١) حَوْلَ بَعْضِ رِجَالِ أُحُدٍ وَذَكَرَ قُزْمَانَ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَزَمِ وَهُوَ رُذَالُ الْمَالِ وَيُقَالُ الْقُزْمَانُ الرّدِيءُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ. وَذَكَرَ الْأُصَيْرِمَ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، وَيُقَالُ فِيهِ وَقَشٌ بِتَحْرِيكِ الْقَافِ. وَقَوْلُ حَاطِبٍ الْمُنَافِقِ الْجَنّةُ مِنْ حَرْمَلٍ يُرِيدُ الْأَرْضَ الّتِي دُفِنَ فِيهَا وَكَانَتْ تُنْبِتُ الْحَرْمَلَ أَيْ لَيْسَ لَهُ جَنّةٌ إلّا ذَاكَ.
[ ٦ / ١٢ ]
الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ قَالَ لَا سَبْتَ لَكُمْ.
فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَعُدّتَهُ وَقَالَ إنْ أُصِبْت فَمَالِي لِمُحَمّدِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ ثُمّ غَدَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَاتَلَ مَعَهُ حَتّى قُتِلَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا: "مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودَ"
أَمْرُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْد
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْد بْنِ صَامِتٍ مُنَافِقًا، فَخَرَجَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ عَدَا عَلَى الْمُجَذّرِ بْنِ ذِيَادٍ الْبَلَوِيّ وَقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ بَنِي ضُبَيْعَةَ فَقَتَلَهُمَا، ثُمّ لَحِقَ بِمَكّةَ بِقُرَيْشِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا يَذْكُرُونَ قَدْ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ بِقَتْلِهِ إنْ هُوَ ظَفِرَ بِهِ فَفَاتَهُ فَكَانَ بِمَكّةَ ثُمّ بَعَثَ إلَى أَخِيهِ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْد يَطْلُبُ التّوْبَةَ لِيَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ فِيمَا بَلَغَنِي، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَاءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمرَان: ٨٦] إلَى آخِرِ الْقِصّةِ.
تَحْقِيقُ ابْنِ هِشَامٍ فِيمَنْ قَتَلَ الْمُجَذّرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
أَنّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد قَتَلَ الْمُجَذّرَ بْنَ ذِيَادٍ وَلَمْ يَقْتُلْ قَيْسَ بْنَ زَيْدٍ وَالدّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنّ ابْنَ إسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ، وَإِنّمَا قَتَلَ الْمُجَذّرَ لِأَنّ الْمُجَذّرَ بْنَ ذِيَادٍ كَانَ قَتَلَ أَبَاهُ سُوَيْدًا فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ الّتِي كَانَتْ بَيْن الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إذْ خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْد مِنْ بَعْضِ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُضَرّجَانِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَيُقَالُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٣ ]
قَتَلَ سُوَيْد بْنَ الصّامِتِ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ غِيلَةً فِي غَيْرِ حَرْبٍ رَمَاهُ بِسَهْمِ فَقَتَلَهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ.
أَمْرُ أُصَيْرِمٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ يَقُولُ
حَدّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْجَنّةَ لَمْ يُصَلّ قَطّ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ النّاسُ سَأَلُوهُ مَنْ هُوَ؟ فَيَقُولُ أُصَيْرِمُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ. قَالَ الْحُصَيْنُ فَقُلْت لِمَحْمُودِ بْنِ أَسَدٍ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُ الْأُصَيْرِمِ؟ قَالَ كَانَ يَأْبَى الْإِسْلَامَ عَلَى قَوْمِهِ. فَلَمّا كَانَ يَوْمٌ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أُحُدٍ، بَدَا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَعَدَا حَتّى دَخَلَ فِي عُرْضِ النّاسِ فَقَاتَلَ حَتّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ. قَالَ فَبَيْنَا رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ قَتْلَاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ إذَا هُمْ بِهِ فَقَالُوا: وَاَللهِ إنّ هَذَا لَلْأُصَيْرِمُ مَا جَاءَ بِهِ؟ لَقَدْ تَرَكْنَاهُ وَأَنّهُ لَمُنْكِرٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَسَأَلُوهُ مَا جَاءَ بِهِ فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِك يَا عَمْرُو؟ أَحَدَبٌ عَلَى قَوْمِك أَمْ رَغْبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ بَلْ رَغْبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ آمَنْت بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَسْلَمْت، ثُمّ أَخَذْت سَيْفِي، فَغَدَوْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمّ قَاتَلْت حَتّى أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي، ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ. فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ "إنّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ".
مَقْتَلُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ
أَنّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ كَانَ رَجُلًا أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ لَهُ بَنُونَ أَرْبَعَةٌ مِثْلُ
_________________
(١) ابْنُ الْجَمُوحِ فَصْلٌ وَذَكَرَ خَبَرَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ حِينَ أَرَادَ بَنُوهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ وَزَادَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ لَمّا خَرَجَ قَالَ اللهُمّ لَا تَرُدّنِي، فَاسْتُشْهِدَ فَجَعَلُوهُ بَنُوهُ عَلَى بَعِيرٍ لِيَحْمِلُوهُ إلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِمْ الْبَعِيرُ فَكَانَ إذَا
[ ٦ / ١٤ ]
الْأُسْدِ يَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَرَادُوا حَبْسَهُ وَقَالُوا لَهُ إنّ اللهَ ﷿ قَدْ عَذَرَك، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ إنّ بَنِيّ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْخُرُوجِ مَعَك فِيهِ فَوَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَمّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَك اللهُ فَلَا جِهَادَ عَلَيْك"، وَقَالَ لِبَنِيهِ "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَمْنَعُوهُ لَعَلّ اللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ الشّهَادَةَ" فَخَرَجَ مَعَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
هِنْدُ وَتَمْثِيلُهَا بِحَمْزَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَوَقَعَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، كَمَا حَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَالنّسْوَةُ اللّاتِي مَعَهَا، يُمَثّلْنَ بِالْقَتْلَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُجَدّعْنَ الْآذَانَ وَالْأُنُفَ حَتّى اتّخَذَتْ هِنْدُ مِنْ آذَانِ الرّجَالِ وَأُنُفِهِمْ خَدَمًا وَقَلَائِدَ وَأَعْطَتْ خَدَمَهَا وَقَلَائِدَهَا وَقِرَطَتَهَا وَحْشِيّا، غُلَامَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَبَقَرَتْ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ فَلَاكَتْهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا، فَلَفَظَتْهَا، ثُمّ عَلَتْ عَلَى صَخْرَةٍ مُشْرِفَةٍ فَصَرَخَتْ بِأَعْلَى صَوْتهَا فَقَالَتْ
نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ بَعْدَ الْحَرْبِ ذَاتُ سُعْرِ
مَا كَانَ عَنْ عُتْبَةَ لِي مِنْ صَبْرِ وَلَا أَخِي وَعَمّهِ وَبَكْرِي
شَفَيْت نَفْسِي وَقَضَيْت نَذْرِي شَفَيْت وَحْشِيّ غَلِيلَ صَدْرِي
فَشُكْرُ وَحْشِيّ عَلَيّ عُمْرِي حَتّى تُرَمّ أَعْظُمِي فِي قَبْرِي
_________________
(١) وَجّهُوهُ إلَى كُلّ جِهَةٍ سَارَعَ إلّا جِهَةِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَأْبَى الرّجُوعَ إلَيْهَا، فَلَمّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ذَكَرُوا قَوْلَهُ اللهُمّ لَا تَرُدّنِي إلَيْهَا، فَدَفَنُوهُ فِي مَصْرَعِهِ. حُكْمُ "مِنْ" وَالسّاكِنُ بَعْدَهَا فَصْلٌ وَقَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ
[ ٦ / ١٥ ]
شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ فِي الرّدّ عَلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ
فَأَجَابَتْهَا هِنْدُ بِنْتُ أُثَاثَةَ بْنِ عُبّادِ بْنِ الْمُطَلّبِ فَقَالَتْ
خَزِيت فِي بَدْرٍ وَبَعْدَ بَدْرٍ يَا بِنْت وَقّاعٍ عَظِيمِ الْكُفْرِ
صَبّحَك اللهُ غَدَاةَ الْفَجْرِ مِلْهاشِمِيّينِ الطّوّالِ الزّهْرِ
بِكُلّ قُطّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِي حَمْزَةُ لَيْثِيٌ وَعَلِيّ صَقْرِيّ
إذَا رَامَ شَيْبٌ وَأَبُوك غَدْرِي فَخَضْبًا مِنْهُ ضَوَاحِي النّحْرِ
وَنَذْرُك السّوءُ فَشَرّ نَذْرٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ أَقَذَعَتْ فِيهَا.
شِعْرٌ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ أَيْضًا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ أَيْضًا:
شَفَيْت مِنْ حَمْزَةَ نَفْسِي بِأُحُدْ حَتّى بَقَرْت بَطْنَهُ عَنْ الْكَبِدْ
أَذَهَبَ عَنّي ذَاكَ مَا كُنْت أَجِدْ مِنْ لَذْعَةِ الْحُزْنِ الشّدِيدِ الْمُعْتَمِدْ
وَالْحَرْبُ تَعْلُوكُمْ بِشُؤْبُوبٍ بَرِدْ تُقْدِمُ إقْدَامًا عَلَيْكُمْ كَالْأَسَدِ
_________________
(١) مِلْ هَاشِمِيّيْنِ الطّوّالِ الزّهْرِ بِحَذْفِ النّونِ مِنْ حَرْفِ مِنْ لِالْتِقَاءِ السّاكِنَيْنِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا فِي مِنْ وَحْدَهَا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا، كَمَا خُصّتْ نُونُهَا بِالْفَتْحِ إذَا الْتَقَتْ مَعَ لَامِ التّعْرِيفِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي نُونٍ سَاكِنَةٍ غَيْرِهَا، كَرِهُوا تُوَالِي الْكَسْرَتَيْنِ مَعَ تَوَالِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنْ الْتَقَتْ مَعَ سَاكِنٍ غَيْرِ لَامِ التّعْرِيفِ نَحْوُ مَنْ ابْنُك، وَمَنْ اسْمُك، كَسَرْت عَلَى الْأَصْلِ وَالْقِيَاسِ الْمُسْتَتِبّ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَدْ فَتَحَهَا قَوْمٌ فُصَحَاءُ يَعْنِي مَعَ غَيْرِ لَامِ التّعْرِيفِ.
[ ٦ / ١٦ ]
تَحْرِيضُ عُمَرَ لِحَسّانَ عَلَى هَجْوِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَنّهُ حَدّثَ:
أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ يَا ابْنَ الْفُرَيْعَةِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ خُنَيْسٍ وَيُقَالُ خُنَيْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَان بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ لَوْ سَمِعْت مَا تَقُولُ هِنْدٌ، وَأَرَيْت أَشِرَهَا قَائِمَةً عَلَى صَخْرَةٍ تَرْتَجِزُ بِنَا، وَتَذْكُرُ مَا صَنَعَتْ بِحَمْزَةِ؟ قَالَ لَهُ حَسّانُ وَاَللهِ إنّي لَأَنْظُرُ إلَى الْحَرْبَةِ تَهْوِي وَأَنَا عَلَى رَأْسٍ فَارِعٍ يَعْنِي أُطُمَهُ فَقُلْت: وَاَللهِ إنّ هَذِهِ لَسِلَاحَ مَا هِيَ بِسِلَاحِ الْعَرَبِ، وَكَأَنّهَا إنّمَا تَهْوِي إلَى حَمْزَةَ وَلَا أَدْرِي، لَكِنْ أَسْمِعْنِي بَعْضَ قَوْلِهَا أَكْفِكُمُوهَا، قَالَ فَأَنْشَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ بَعْضَ مَا قَالَتْ فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
أَشِرَتْ لَكَاعُ وَكَانَ عَادَتُهَا لُؤْمًا إذَا أَشَرَتْ مَعَ الْكُفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ تَرَكْنَاهَا، وَأَبْيَاتًا أَيْضًا لَهُ عَلَى الدّالِ. وَأَبْيَاتًا أُخَرُ عَلَى الذّالِ لِأَنّهُ أَقْذَعَ فِيهَا.
اسْتِنْكَارُ الْحُلَيْسِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْثِيلَهُ بِحَمْزَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ الْحُلَيْسُ بْنُ زَبّانٍ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ سَيّدُ الأبيش، قَدْ مَرّ بِأَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يَضْرِبُ فِي شِدْقِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بِزُجّ الرّمْحِ وَيَقُولُ ذُقْ عُقَقُ. فَقَالَ الْحُلَيْسُ يَا بَنِي كِنَانَةَ هَذَا سَيّدُ قُرَيْشٍ يَصْنَعُ بِابْنِ عَمّهِ مَا
_________________
(١) لَكَاعُ وَلُكَعُ وَقَوْلُ حَسّانَ فِي هِنْدٍ: أَشِرَتْ لَكَاعُ جَعَلَهُ اسْمًا لَهَا فِي غَيْرِ النّدَاءِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ فِي النّدَاءِ أَكْثَرُ نَحْوُ يَا غَدَارِ وَيَا فَسَاقِ وَكَذَلِكَ لُكَعٌ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ النّدَاءِ نَحْوُ قَوْلُهُ ﵇ "أَيْنَ لُكَعُ" يَعْنِي: الْحَسَنَ أَوْ الْحُسَيْنَ مُمَازِحًا
[ ٦ / ١٧ ]
تَرَوْنَ لَحْمًا؟ فَقَالَ وَيْحَك اُكْتُمْهَا عَنّي، فَإِنّهَا كَانَتْ زَلّةً
شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أُحُدٍ وَحَدِيثُهُ مَعَ عُمَرَ
ثُمّ إنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ حِينَ أَرَادَ الِانْصِرَافَ أَشْرَفَ عَلَى الْجَبَلِ ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَقَالَ أَنِعْمَتْ فَعَالِ وَإِنّ الْحَرْبَ سِجَالٌ يَوْمٌ بِيَوْمِ أَعْلِ هُبَلُ أَيْ اظْهَرْ دِينك، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "قُمْ يَا عُمَرُ فَأَجِبْهُ، فَقُلْ اللهُ أَعَلَى وَأَجَلّ، لَا سَوَاءَ قَتْلَانَا فِي الْجَنّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النّارِ". فَلَمّا أَجَابَ عُمَرُ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ هَلُمّ إلَيّ يَا عُمَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُمَرِ "ائْتِهِ فَانْظُرْ مَا شَأْنُهُ" ; فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْشُدُك اللهَ يَا عُمَرُ أَقَتَلْنَا مُحَمّدًا؟ قَالَ عُمَرُ اللهُمّ لَا، وَإِنّهُ لَيَسْمَعَ كَلَامَك الْآنَ قَالَ أَنْتَ أَصْدَقُ عِنْدِي مِنْ ابْنِ قَمِئَةَ وَأَبَرّ لِقَوْلِ ابْنِ قَمِئَةَ لَهُمْ إنّي قَدْ قَتَلْت مُحَمّدًا.
_________________
(١) لَهُمَا. فَإِنْ قِيلَ إنّ النّبِيّ - ﷺ - كَانَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إلّا حَقّا، فَكَيْفَ يَقُولُ أَيْنَ لُكَعُ وَقَدْ سَمّاهُ سَيّدًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ؟ فَالْجَوَابُ أَنّهُ أَرَادَ التّشْبِيهَ بِاللّكَعِ الّذِي هُوَ الْفَلُوّ أَوْ الْمُهْرُ لِأَنّهُ طِفْلٌ كَمَا أَنّ الْفَلُوّ وَالْمُهْرُ كَذَلِكَ وَإِذَا قَصَدَ بِالْكَلَامِ قَصْدَ التّشْبِيهِ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﵇ "لَا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَكُونَ أَسْعَدَ النّاسِ فِي الدّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ" وَاللّكَعُ فِي اللّغَةِ وَسَخُ الْغُرْلَةِ وَهُوَ أَيْضًا الْفَلُوّ الصّغِيرُ فَمِنْ أَجْلِ هَذَا جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ النّدَاءِ لِأَنّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَعْدُولٍ كَمَا عُدِلَ خُبَثُ عَنْ خَبِيثٍ وَفُسَقُ عَنْ فَاسِقٍ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيّ فِي الزّاهِرِ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ الْمَلَاكِعِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مَعَ الْمَوْلُودِ مِنْ مَاءِ الرّحِمِ وَدَمِهَا، وَأَنْشَدَ رَمَتْ الْفَلَاةُ بِمَعْجَلٍ مُتَسَرْبِلٍ غِرْسَ السّلَى وَمَلَاكِعَ الْأَمْشَاجِ
[ ٦ / ١٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ابْنِ قَمِئَةَ عَبْدُ اللهِ.
تَوَعّدُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ نَادَى أَبُو سُفْيَانَ إنّهُ قَدْ كَانَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثُلٌ وَاَللهِ مَا رَضِيت، وَمَا سَخِطْت، وَمَا نَهَيْت، وَمَا أَمَرْت.
وَلَمّا انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ نَادَى: إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ "قُلْ نَعَمْ هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ"
خُرُوجُ عَلِيّ فِي آثَارِ الْمُشْرِكِينَ
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَا يُرِيدُونَ فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ
_________________
(١) قَالَ وَيُقَالُ فِي الْوَاحِدِ يَا لُكَعُ وَفِي الِاثْنَيْنِ يَا ذَوِي لَكِيعَةَ وَلَكَاعَةٍ وَلَا تُصْرَفُ لَكِيعَةَ وَلَكِنْ تُصْرَفُ لَكَاعَةُ لِأَنّهُ مَصْدَرٌ وَفِي الْجَمِيعِ يَا ذَوِي لَكِيعَةَ وَلَكَاعَةٍ وَفِي الْمُؤَنّثِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَلَا يُقَالُ يَا لُكَاعَانِ وَلَا فُسَقَانِ لِسِرّ شَرَحْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ. وَتَلْخِيصُ مَعْنَاهُ أَنّ الْعَرَبَ قَصَدَتْ بِهَذَا النّبَإِ مِنْ النّدَاءِ قَصْدَ الْعَلَمِ لِأَنّ الِاسْمَ الْعَلَمَ أَلْزَمُ لِلْمُسَمّى مِنْ الْوَصْفِ الْمُشْتَقّ مِنْ الْفِعْلِ نَحْوُ فَاسِقٍ وَغَادِرٍ كَمَا قَالُوا: عُمَرُ وَعَدَلُوا عَنْ عَامِرٍ الّذِي هُوَ وَصْفٌ فِي الْأَصْلِ تَحْقِيقًا مِنْهُمْ لِلْعَلَمِيّةِ ثُمّ إنّ الِاسْمَ الْعَلَمَ لَا يُثَنّى وَلَا يُجْمَعُ وَهُوَ عَلَمٌ فَإِذَا ثُنّيَ زَالَ عَنْهُ تَعْرِيفُ الْعَلَمِيّةِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُثَنّوا يَا فُسَقُ وَيَا غُدَرُ لِأَنّ فِي ذَلِكَ نَقْضًا لِمَا قَصْدُوهُ مِنْ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الِاسْمِ الْعَلَمِ أَيْ إنّهُ مُسْتَحِقّ لِأَنْ يُسَمّى بِهَذَا الِاسْمِ فَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَقُولُوا:
[ ٦ / ١٩ ]
مَكّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنّ إلَيْهِمْ فِيهَا، ثُمّ لَأُنَاجِزَنّهُمْ. قَالَ عَلِيّ: فَخَرَجْت فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ فَجَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ وَوَجّهُوا إلَى مَكّةَ
أَمْرُ الْقَتْلَى بِأُحُدِ
وَفَرَغَ النّاسُ لِقَتْلَاهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيّ أَخُو بَنِي النّجّارِ "مِنْ رَجُلٍ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ؟ أَفِي الْأَحْيَاءِ هُوَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ"؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا أَنْظُرُ لَك يَا رَسُولَ اللهِ مَا فَعَلَ سَعْدٌ فَنَظَرَ فَوَجَدَهُ جَرِيحًا فِي الْقَتْلَى وَبِهِ رَمَقٌ. قَالَ فَقُلْت لَهُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ أَفِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ قَالَ أَنَا فِي الْأَمْوَاتِ فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنّي السّلَامَ وَقُلْ لَهُ إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَك: جَزَاك اللهُ عَنّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيّا عَنْ أُمّتِهِ وَأَبْلِغْ قَوْمَك عَنّي السّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَكُمْ إنّهُ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ إنْ خُلِصَ إلَى نَبِيّكُمْ ﷺ وَمِنْكُمْ
_________________
(١) يَا فَاسِقُ فَيَجِيئُوا بِالِاسْمِ الّذِي يَجْرِي مَجْرَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ غَيْرُ لَازِمٍ وَالْعَلَمُ أُلْزِمَ مَعَهُ وَالتّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تُبْطِلُ الْعَلَمِيّةَ كَمَا ذَكَرْنَا فَافْهَمْهُ وَوَقَعَ فِي الْمُوَطّإِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ لِمُوَلّاةِ لَهُ اُقْعُدِي لُكَعُ وَفْد عِيبَتْ هَذِهِ الرّوَايَةُ عَلَى يَحْيَى، لِأَنّ الْمَرْأَةَ إنّمَا يُقَالُ لَهَا: لَكَاعِ وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيثَ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى فِي كِتَابِ الدّارَقُطْنِيّ، وَوَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيّةِ أَنّهُ مَنْقُولٌ غَيْرُ مَعْدُولٍ فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ لِلْأَمَةِ يَا لُكَعُ كَمَا يُقَالُ لَهَا إذَا سُبّتْ يَا زُبَلُ وَيَا وُسَخُ إذْ اللّكَعُ ضَرْبٌ مِنْ الْوَسَخِ كَمَا قَدّمْنَاهُ وَهُوَ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ. الرّسُولُ يَسْأَلُ عَنْ ابْنِ الرّبِيعِ فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ "مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ "؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. الرّجُلُ هُوَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ، وَذَكَرَ أَنّهُ نَادَى فِي الْقَتْلَى: يَا سَعْدُ بْنَ الرّبِيعِ مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ،
[ ٦ / ٢٠ ]
عَيْنٌ تَطْرِفُ. قَالَ ثُمّ لَمْ أَبْرَحْ حَتّى مَاتَ قَالَ فَجِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْته خَبَرَهُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الزّبَيْرِيّ
أَنّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَبِنْتٌ لِسَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى صَدْرِهِ يَرْشُفُهَا وَيُقَبّلُهَا فَقَالَ لَهُ الرّجُلُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ هَذِهِ بِنْتُ رَجُلٍ خَيْرٍ مِنّي، سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ، كَانَ مِنْ النّقَبَاءِ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ
حُزْنُ الرّسُولِ عَلَى حَمْزَةَ وَتَوَعّدُهُ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُثْلَةِ
قَال ابْنُ إسْحَاقَ:
وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي يَتَلَمّسُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَوَجَدَهُ بِبَطْنِ الْوَادِي قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ عَنْ كَبِدِهِ وَمُثّلَ بِهِ فَجُدِعَ أَنْفُهُ وَأُذُنَاهُ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ رَأَى مَا رَأَى: "لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيّةُ، وَيَكُونَ سُنّةً مِنْ بَعْدِي لَتَرَكْته، حَتّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطّيْرِ وَلَئِنْ أَظَهَرَنِي اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنٍ مِنْ الْمَوَاطِنِ لَأُمَثّلَنّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ" فَلَمّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَزِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَغَيْظَهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِعَمّهِ مَا فَعَلَ قَالُوا: وَاَللهِ لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللهُ بِهِمْ يَوْمًا مِنْ الدّهْرِ لَنُمَثّلَنّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثّلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَلَمّا وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَمْزَةَ قَالَ " لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِك أَبَدًا؟ مَا وَقَفْت مَوْقِفًا قَطّ أَغْيَظَ إلَيّ مِنْ هَذَا" ثُمّ قَالَ " جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَكْتُوبٌ فِي أَهْلِ السّمَوَاتِ السّبْعِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١ ]
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَمْزَةُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ إخْوَةً مِنْ الرّضَاعَةِ أَرْضَعَتْهُمْ مُوَلّاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ.
مَا نَزَلَ فِي النّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: إنّ اللهَ ﷿ أَنَزَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلّا بِاللهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النَّحْل:١٢٦-١٢٧] فَعَفَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَبَرَ وَنَهَى عَنْ الْمُثْلَةِ
_________________
(١) حَتّى قَالَ يَا سَعْدُ إنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْسَلَنِي أَنْظُرُ مَا صَنَعْت، فَأَجَابَهُ حِينَئِذٍ بِصَوْتِ ضَعِيفٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ الصّحَابَةِ فَإِنّهُ ذَكَرَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ الرّجُلَ الّذِي الْتَمَسَ سَعْدًا فِي الْقَتْلَى هُوَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ. حَمِيدٌ الطّوِيلُ وَطَلْحَةُ الطّلَحَات وَذَكَرَ عَنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النّبِيّ - ﷺ - فِي النّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَحُمَيْدٌ الطّوِيلُ هُوَ حُمَيْدُ بْنُ تِيرَوَيْهِ وَيُقَالُ ابْنُ تِيرِي يُكَنّى أَبَا حُمَيْدَةَ مَوْلَى طَلْحَةَ الطّلَحَاتِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي النّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ مَثّلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْعُرَنِيّينَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعَيْنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرّةِ
[ ٦ / ٢٢ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُمَيْدٌ الطّوِيلُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ مَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَقَامٍ قَطّ. فَفَارَقَهُ حَتّى يَأْمُرَنَا بِالصّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ
صَلَاةُ الرّسُولِ عَلَى حَمْزَةَ وَالْقَتْلَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ
أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَمْزَةِ فَسُجّيَ بِبُرْدَةِ ثُمّ صَلّى عَلَيْهِ فَكَبّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ
_________________
(١) قُلْنَا: فِي ذَلِكَ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا: أَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا لِأَنّهُمْ قَطَعُوا أَيْدِي الرّعَاءِ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلُوا أَعْيُنَهُمْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَقِيلَ إنّ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَرَكَهُمْ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتّى مَاتُوا عَطَشًا، قُلْنَا: عَطّشَهُمْ لِأَنّهُمْ عَطّشُوا أَهْلَ بَيْتِ النّبِيّ - ﷺ - تِلْكَ اللّيْلَةَ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنّهُ ﵇ لَمّا بَقِيَ وَأَهْلُهُ تِلْكَ اللّيْلَةَ بِلَا لَبَنٍ قَالَ " اللهُمّ عَطّشْ مَنْ عَطّشَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيّك وَقَعَ هَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ بَطّالٍ، وَقَدْ خَرّجَهُ النّسَوِيّ. الصّلَاةُ عَلَى الشّهَدَاءِ وَرَوَى ابْنُ إسْحَاقَ عَمّنْ لَا يَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - صَلّى عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى شُهَدَاءِ يَوْمِ أُحُد، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ، وَلَا الْأَوْزَاعِيّ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ضَعْفُ إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنّ ابْنَ إسْحَاقَ قَالَ حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ يَعْنِي: الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ - فِيمَا ذَكَرُوا - وَلَا خِلَافَ فِي ضَعْفِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَرَوْنَهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الّذِي قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ غَيْرَ الْحَسَنِ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَالْجَهْلُ يُوبِقُهُ.
[ ٦ / ٢٣ ]
ثُمّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى فَيُوضَعُونَ إلَى حَمْزَةَ فَصَلّى عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ حَتّى صَلّى عَلَيْهِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ صَلَاةً <٢٨٤صَفِيّةُ وَحُزْنُهَا عَلَى حَمْزَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ أَقْبَلَتْ فِيمَا بَلَغَنِي، صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لِتَنْظُرَ إلَيْهِ وَكَانَ أَخَاهَا لِأَبِيهَا وَأُمّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَابْنِهَا الزّبَيْرِ بن الْعَوام: القها فَارْجِعْهَا، لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمّهْ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُك أَنْ تَرْجِعِي، قَالَتْ وَلِمَ؟ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنْ قَدْ مُثّلَ بِأَخِي، وَذَلِكَ فِي اللهِ فَمَا أَرْضَانَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَأَحْتَسِبَنّ وَلَأَصْبِرَنّ إنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمّا جَاءَ الزّبَيْرُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَالَ خَلّ سَبِيلَهَا، فَأَتَتْهُ فَنَظَرَتْ إلَيْهِ فَصَلّتْ عَلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثُمّ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدُفِنَ.
_________________
(١) وَالْوَجْهُ الثّانِي: أَنّهُ حَدِيثٌ لَمْ يَصْحَبْهُ الْعَمَلُ وَلَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنّهُ صَلّى عَلَى شَهِيدٍ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ إلّا هَذِهِ الرّوَايَةَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ فِي مُدّةِ الْخَلِيفَتَيْنِ إلّا أَنْ يَكُونَ الشّهِيدُ مُرْتَثّا مِنْ الْمَعْرَكَةِ وَأَمّا تَرْكُ غَسْلِهِ فَقَدْ أَجَمَعُوا عَلَيْهِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الصّلَاةِ إلّا رِوَايَةً شَاذّةً عِنْدَ بَعْضِ التّابِعِينَ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ - وَاَللهُ أَعْلَمُ - تَحْقِيقُ حَيَاةِ الشّهَدَاءِ وَتَصْدِيقُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمرَان:١٦٩] الْآيَةَ مَعَ أَنّ فِي تَرْكِ غُسْلِهِ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنّ دَمَهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ وَهُوَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يُثْعَبُ دَمًا، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ فَكَيْفَ يَطْهُرُ مِنْهُ وَهُوَ طَيّبٌ وَأَثَرُ عِبَادَةٍ وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ انْتَزَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَرَاهِيَةَ تَجْفِيفِ الْوَجْهِ مِنْ مَاءِ الْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْلُ الزّهْرِيّ، قَالَ الزّهْرِيّ:
[ ٦ / ٢٤ ]
دفن عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ مَعَ حَمْزَةَ
قَالَ
فَزَعَمَ لِي آلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ وَكَانَ لِأُمَيْمَةِ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، حَمْزَةُ خَالُهُ وَقَدْ كَانَ مُثّلَ بِهِ كَمَا مُثّلَ بِحَمْزَةِ إلّا أَنّهُ لَمْ يُبْقَرْ عَنْ كَبِدِهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَفَنَهُ مَعَ حَمْزَةَ فِي قَبْرِهِ وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ إلّا عَنْ أَهْلِهِ.
دَفْنُ الشّهَدَاءِ
قَال ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ قَدْ احْتَمَلَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتْلَاهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنُوهُمْ بِهَا، ثُمّ نَهَى
_________________
(١) وَبَلَغَنِي أَنّهُ يُوزَنُ وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ انْتَزَعَ كَرَاهِيَةَ السّوَاكِ بِالْعَشِيّ لِلصّائِمِ لِئَلّا يَذْهَبُ خُلُوفُ فَمِهِ وَهُوَ أَثَرُ عِبَادَةٍ وَجَاءَ فِيهِ مَا جَاءَ فِي دَمِ الشّهَدَاءِ أَنّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَيُرْوَى أَطْيَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِاللّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَجَاءَتْ الْكَرَاهِيَةُ لِلسّوَاكِ بِالْعَشِيّ لِلصّائِمِ عَنْ عَلِيّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ الدّارَقُطْنِيّ. عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ الْمُجْدَعُ: وَذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ ابْنَ أُخْت حَمْزَةَ وَأَنّهُ مُثّلَ بِهِ كَمَا مُثّلَ بِحَمْزَةِ وَعِنْدَ اللهِ هَذَا يُعْرَفُ بِالْمُجْدَعِ فِي اللهِ لِأَنّهُ جُدِعَ أَنْفُهُ وَاذُنَاه يَوْمئِذٍ وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ يُحَدّثُ أَنّهُ لَقِيَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أَوّلَ النّهَارِ فَخَلَا بِهِ وَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ يَا سَعْدُ هَلُمّ فَلْنَدْعُ اللهَ وَلِيَذْكُرَ كُلّ وَاحِدٍ مِنّا حَاجَتَهُ فِي دُعَائِهِ وَلَيُؤَمّنّ الْآخَرُ قَالَ سَعْدٌ فَدَعَوْت اللهَ أَنْ أَلْقَى فَارِسًا شَدِيدًا بَأْسُهُ شَدِيدًا حَرْدُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَقْتُلُهُ وَآخُذُ
[ ٦ / ٢٥ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيّ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، إنّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يَخْرُجُ فِي اللهِ إلّا وَاَللهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرّيحُ رِيحُ مِسْكٍ وَانْظُرُوا أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ أَصْحَابِهِ فِي الْقَبْرِ وَكَانُوا يَدْفِنُونَ الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ
قَالَ وَحَدّثَنِي عَمّي مُوسَى بْنُ يَسَارٍ أَنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ
_________________
(١) سَلَبَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ آمِنْ ثُمّ اسْتَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السّمَاءِ وَقَالَ اللهُمّ لَقّنِي الْيَوْمَ فَارِسًا شَدِيدًا بَأْسُهُ شَدِيدًا حَرْدُهُ يَقْتُلُنِي وَيَجْدَعُ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُك غَدًا تَقُولُ لِي: يَا عَبْدِي: فِيمَ جُدِعَ أَنْفُك وَأُذُنَاك، فَأَقُولُ فِيك يَا رَبّ وَفِي رَسُولِك، فَتَقُولُ لِي: صَدَقْت، قُلْ يَا مُحَمّدُ آمِينَ قَالَ فَقُلْت: آمِينَ ثُمّ مَرَرْت بِهِ آخِرَ النّهَارِ قَتِيلًا مَجْدُوع الْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ وَأَنّ أُذُنَيْهِ وَأَنْفَهُ مُعَلّقَانِ بِخَيْطِ وَلَقِيت أَنَا فُلَانًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلْته، وَأَخَذْت سَلَبَهُ وَذَكَرَ الزّبَيْرُ أَنّ سَيْفَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ انْقَطَعَ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُرْجُونًا، فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا، فَقَاتَلَ لَهُ فَكَانَ يُسَمّى ذَلِكَ السّيْفُ الْعُرْجُونَ وَلَمْ يَزَلْ يُتَوَارَثُ حَتّى بِيعَ مِنْ بِغَاء التّرْكِيّ بِمِائَتَيْنِ دِينَارٍ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ حَدِيثِ عُكَاشَةَ الّذِي تَقَدّمَ إلّا سَيْفَ عُكَاشَةَ كَانَ يُسَمّى الْعَوْنَ وَكَانَتْ قِصّةُ عُكَاشَةَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ الّذِي قَتَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ أَبُو الْحُكْم بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ حِينَ قُتِلَ ابْنَ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فِيمَا ذَكَرُوا وَدُفِنَ مَعَ حَمْزَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
[ ٦ / ٢٦ ]
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ "مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللهِ إلّا وَاَللهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَدْمَى، اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرّيحُ رِيحُ مِسْكٍ".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمئِذٍ حِينَ أَمَرَ بِدَفْنِ الْقَتْلَى: " اُنْظُرُوا إلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ فَإِنّهُمَا كَانَا مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدّنْيَا، فَاجْعَلُوهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ".
حُزْنُ حَمْنَةَ عَلَى حَمْزَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَتْهُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، كَمَا ذُكِرَ لِي، فَلَمّا لَقِيَتْ النّاسَ نُعِيَ إلَيْهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثُمّ نُعِيَ لَهَا خَالُهَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثُمّ نُعِيَ لَهَا زَوْجُهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَصَاحَتْ وَوَلْوَلَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانِ" لِمَا رَأَى مِنْ تَثَبّتِهَا عِنْدَ أَخِيهَا وَخَالِهَا، وَصِيَاحِهَا عَلَى زَوْجِهَا.
بُكَاءُ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى حَمْزَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِدَارِ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل وَظَفَرَ فَسَمِعَ
_________________
(١) حَدِيث عُمَرَ وَأَبِي سُفْيَانَ فَصْلٌ وَمِمّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مِنْ الْكَلِمِ الّذِي يُسْأَلُ عَنْهُ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ قَالَ اُعْلُ هُبَلْ أَيْ زِدْ عُلُوّا، ثُمّ قَالَ أَنْعَمَتْ فَعَالِ قَالُوا: مَعْنَاهُ الْأَزْلَامُ وَكَانَ اسْتَقْسَمَ بِهَا حِينَ خَرَجَ إلَى أُحُد، فَخَرَجَ الّذِي يُحِبّ وَقَوْلُهُ
[ ٦ / ٢٧ ]
الْبُكَاءَ وَالنّوَائِحَ عَلَى قَتْلَاهُمْ فَذَرَفْت عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَكَى، ثُمّ قَالَ " لَكِنّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ" فَلَمّا رَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَمَرَا نِسَاءَهُمْ أَنْ يَتَحَزّمْنَ ثُمّ يَذْهَبْنَ فَيَبْكِينَ عَلَى عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَ لَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُكَاءَهُنّ عَلَى حَمْزَةَ خَرَجَ عَلَيْهِنّ وَهُنّ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ يَبْكِينَ عَلَيْهِ فَقَالَ "ارْجِعْنَ يَرْحَمُكُنّ اللهُ فَقَدْ آسَيْتُنّ بِأَنْفُسِكُنّ".
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنُهِيَ يَوْمئِذٍ عَنْ النّوْحِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا سَمِعَ بُكَاءَهُنّ قَالَ "رَحِمَ اللهُ الْأَنْصَارَ فَإِنّ الْمُوَاسَاةَ مِنْهُمْ مَا عَلِمْت لَقَدِيمَةٌ مَرّوهُنّ فَلْيَنْصَرِفْنَ".
شَأْنُ الْمَرْأَةِ الدّينَارِيّةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمّدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، قَالَ
_________________
(١) فَعَالِ أَمْرٌ أَيْ عَالِ عَنْهَا وَأَقْصِرْ عَنْ لَوْمِهَا، تَقُولُ الْعَرَبُ: اُعْلُ عَنّي، وَعَالِ عَنّي بِمَعْنَى: أَيْ ارْتَفِعْ عَنّي، وَدَعْنِي. وَيُرْوَى أَنّ الزّبَيْرَ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَيْنَ قَوْلُك: أَنْعَمَتْ فَعَالِ؟ فَقَالَ قَدْ صَنَعَ اللهُ خَيْرًا، وَذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيّةِ. وَقَوْلُ عُمَرَ لَا سَوَاءَ أَيْ لَا نَحْنُ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ دُخُولُ لَا عَلَى اسْمٍ مُبْتَدَأٍ مَعْرِفَةٍ إلّا مَعَ التّكْرَارِ نَحْوُ لَا زَيْدٌ قَائِمٌ وَلَا عَمْرٌو خَارِجٌ وَلَكِنّهُ جَازَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنّ الْقَصْدَ فِيهِ إلَى نَفْيِ الْفِعْلِ أَيْ لَا يَسْتَوِي، كَمَا جَازَ لَا نُوَلّك، أَيْ لَا يَنْبَغِي لَك، وَقَدْ بَيّنّا هَذَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ حَيْثُ تَكَلّمْنَا عَلَى قَوْلِهِ فَشَتْتَنَا سَعْدٌ فَلَا نَحْنُ مِنْ سَعْدِ
[ ٦ / ٢٨ ]
مَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي دِينَارٍ، وَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا وَأَبُوهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأُحُدِ فَلَمّا نُعُوا لَهَا، قَالَتْ
فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمّ فُلَانٍ هُوَ بِحَمْدِ اللهِ كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ أَرُونِيهِ حَتّى أَنْظُرَ إلَيْهِ قَالَ فَأُشِيرَ لَهَا إلَيْهِ حَتّى إذَا. رَأَتْهُ قَالَتْ كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك جَلَلٌ تُرِيدُ صَغِيرَةً.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْجَلَلُ يَكُونُ مِنْ الْقَلِيلِ وَمِنْ الْكَثِيرِ وَهُوَ هَاهُنَا مِنْ الْقَلِيلِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي الْجَلَلِ الْقَلِيلِ
لَقَتْلُ بَنِي أَسَدٍ رَبّهُمْ أَلَا كُلّ شَيْءٍ سِوَاهُ جَلَلْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمّا قَوْلُ الشّاعِرِ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ وَعْلَةَ الْجَرْمِيّ
وَلَئِنْ عَفَوْت لَأَعْفُوَنْ جَلَلًا وَلَئِنْ سَطَوْت لَأُوهِنَنّ عَظْمِي
[فَهُوَ مِنْ الْكَثِيرِ] .
غَسْلُ السّيُوفِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) حَدِيثُ مُخَيْرِيقٍ وَأَوّلُ وَقْفٍ فِي الْإِسْلَامِ وَمِمّا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِهَذِهِ الْغَزَاةِ حَدِيثُ مُخَيْرِيقٍ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي النّضِيرِ، وَقَوْلُهُ إنْ أُصِبْت فَمَالِي لِمُحَمّدِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ فَأُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ انْصَرَفَ مَالُهُ أَوْقَافًا، وَهُوَ أَوّلُ حَبْسٍ حُبِسَ فِي الْإِسْلَامِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَقَالَ الزّهْرِيّ: كَانَتْ سَبْعَ حَوَائِطَ وَأَسْمَاؤُهَا: الْأَعْرَافُ وَالْأَعْوَافُ وَالصّافِيَةُ وَالذّلَالُ وَبُرْقَةُ وَحُسْنَى وَمَشْرَبَةُ أُمّ إبْرَاهِيمَ، وَإِنّمَا سُمّيَتْ مُشْرَبَةَ أُمّ إبْرَاهِيمَ لِأَنّهَا كَانَتْ تَسْكُنُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ مُخَيْرِيقٍ، وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَاهُ تَكْمِلَةٌ لَهُ وَزِيَادَةُ فَائِدَةٍ فِيهِ.
[ ٦ / ٢٩ ]
فَلَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ نَاوَلَ سَيْفَهُ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ فَقَالَ "اغْسِلِي عَنْ هَذَا دَمَهُ يَا بُنَيّةُ فَوَاَللهِ لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ" وَنَاوَلَهَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سَيْفَهُ فَقَالَ وَهَذَا أَيْضًا، فَاغْسِلِي عَنْهُ دَمَهُ فَوَاَللهِ لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لَئِنْ كُنْت صَدَقْت الْقِتَالَ لَقَدْ صَدَقَ مَعَك سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو دُجَانَةَ"
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذُو الْفَقَارِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ نَادَى مُنَادٍ يَوْمَ أُحُدٍ:
لَا سَيْفَ إلّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتَى إلّا عَلِيّ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ "لَا يُصِيبُ الْمُشْرِكُونَ مِنّا مِثْلَهَا حَتّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْنَا"
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ لِلنّصْفِ مِنْ شَوّالٍ.
خُرُوجُ الرّسُولِ فِي أَثَرِ الْعَدُوّ لِيُرْهِبَهُ:
قَالَ:
فَلَمّا كَانَ الْغَدُ "مِنْ" يَوْمِ الْأَحَدِ لِسِتّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَوّالٍ أَذّنَ مُؤَذّنُ
_________________
(١) وَذَكَرَ لَا سَيْفَ إلّا ذُو الْفَقَارِ بِفَتْحِ الْفَاءِ جَمْعُ فَقَارَةٍ وَإِنْ قِيلَ ذُو الْفِقَارِ بِالْكَسْرِ فَهُوَ جَمْعُ فِقْرَةٍ وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُهُ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّ رِيحًا هَبّتْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ لَا سَيْفَ إلّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتَى إلّا عَلِيّ
[ ٦ / ٣٠ ]
رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي النّاسِ بِطَلَبِ الْعَدُوّ فَأَذّنَ مُؤَذّنُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَنّ مَعَنَا أَحَدٌ إلّا أَحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ. فَكَلّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ أَبِي كَانَ خَلّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ وَقَالَ يَا بُنَيّ إنّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَك أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنّ وَلَسْت بِاَلّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى نَفْسِي، فَتَخَلّفْ عَلَى أَخَوَاتِك، فَتَخَلّفْت عَلَيْهِنّ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ مَعَهُ وَإِنّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُرْهِبًا لِلْعَدُوّ وَلِيُبَلّغْهُمْ أَنّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ لِيَظُنّوا بِهِ قُوّةً وَأَنّ الّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهِنْهُمْ عَنْ عَدُوّهِمْ.
مثل من اسْتِمَاتَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي نُصْرَةِ الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي السّائِبِ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ عُثْمَانَ
أَنّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَانَ شَهِدَ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ شَهِدْت أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَخٌ لِي، فَرَجَعْنَا جَرِيحَيْنِ فَلَمّا أَذّنَ مُؤَذّنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعَدُوّ قُلْت لِأَخِي أَوْ قَالَ لِي: أَتَفُوتُنَا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ وَاَللهِ مَا لَنَا مِنْ دَابّةٍ نَرْكَبُهَا وَمَا مِنّا إلّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكُنْت أَيْسَرَ جُرْحًا، فَكَانَ إذَا غَلَبَ حَمَلْته عُقْبَةً حَتّى انْتَهَيْنَا إلَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ
اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى انْتَهَى إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَهِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْن هِشَام
_________________
(١) فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ قَوْلَ عَلِيّ لِفَاطِمَةَ حِينَ غَسَلَتْ سَيْفَهُ مِنْ الدّمِ أَفَاطِمُ هَاتِي السّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمِ فَلَسْت بِرِعْدِيدِ وَلَا بِلَئِيمِ
[ ٦ / ٣١ ]
شَأْن معبد الْخُزَاعِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ بِهَا الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ.
قَالَ وَقَدْ مَرّ بِهِ كَمَا حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ، وَكَانَ خُزَاعَةُ، مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ عَيْبَةَ نُصْحٍ لِرَسُولِ اللهِ بِتِهَامَةَ صَفْقَتُهُمْ مَعَهُ لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِهَا، وَمَعْبَدٌ يَوْمئِذٍ مُشْرِكٌ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ، أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ عَزّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَك، وَلَوَدِدْنَا أَنّ اللهَ عَافَاك فِيهِمْ ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ حَتّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ بِالرّوْحَاءِ وَقَدْ أَجَمَعُوا الرّجْعَةَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَقَالُوا: أَصَبْنَا حَدّ أَصْحَابِهِ وَأَشْرَافَهُمْ وَقَادَتَهُمْ ثُمّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ لَنَكُرّنّ عَلَى بَقِيّتِهِمْ فَلْنَفْرُغَنّ مَعَهُمْ. فَلَمّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا، قَالَ مَا وَرَاءَك يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ مُحَمّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطّ، يَتَحَرّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحَرّقًا، قَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيهِمْ مِنْ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطّ، قَالَ وَيْحَك مَا تَقُولُ؟ قَالَ وَاَللهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتّى أَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ قَالَ فَوَاَللهِ لَقَدْ أَجَمَعْنَا الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيّتَهُمْ. قَالَ فَإِنّي أَنَهَاك عَنْ ذَلِكَ فَالَ وَاَللهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْت عَلَى أَنْ قُلْت فِيهِمْ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ قَالَ وَمَا قُلْت؟ قَالَ قُلْت
_________________
(١) غَزْوَةُ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ شَرْحُ قَصِيدَةِ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ ذَكَرَ شِعْرَ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ وَفِيهِ
[ ٦ / ٣٢ ]
كَادَتْ تُهَدّ مِنْ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي إذْ سَالَتْ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ
تَرْدِي بِأُسْدِ كِرَامٍ لَا تَنَابِلَةٍ عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَعَازِيلِ
فَظَلّتْ عَدْوًا أَظُنّ الْأَرْضَ مَائِلَةً لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسِ غَيْرِ مَخْذُولِ
فَقُلْت: وَيْلُ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمْ إذَا تَغَطْمَطَتْ الْبَطْحَاءُ بِالْخَيْلِ
إنّي نَذِيرٌ لِأَهْلِ الْبَسْلِ. ضَاحِيَةً لِكُلّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ
_________________
(١) إذَا تَغَطْمَطَتْ الْبَطْحَاءُ بِالْخَيْلِ لَفْظٌ مُسْتَعَارٌ مِنْ الغطمة، وَهُوَ صَوْتُ غَلَيَانِ الْقِدْرِ. قَوْلُهُ بِالْخَيْلِ جَعَلَ الرّدْفَ حَرْفَ لِينٍ وَالْأَبْيَاتُ كُلّهَا مُرْدَفَةُ الرّوِيّ بِحَرْفِ مَدّ وَلِينٍ وَهَذَا هُوَ السّنَادُ الّذِي بَيّنّاهُ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ فَسُونِدَ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُ [عَمْرِو] بْنِ كُلْثُومٍ: أَلَا هُبّي بِصَحْنِك فَاصْبَحِينَا ثُمّ قَالَ تُصَفّقُهَا الرّيَاحُ إذَا جَرَيْنَا وَتَسْمِيَةُ هَذَا سِنَادٌ عَرَبِيّةٌ لَا صِنَاعِيّةٌ قَالَ عَدِيّ بْنُ الرّقَاعِ وَقَصِيدَةٍ قَدْ بِتّ أَجْمَعُ بَيْنَهَا حَتّى أُقَوّمَ مِيلَهَا وَسِنَادَهَا نَظَرَ الْمُثَقّفِ فِي كُعُوبِ قَنَاتِهِ كَيْمَا يُقِيمُ ثِقَافُهُ مُنْآدَهَا
[ ٦ / ٣٣ ]
مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لَا وَخْشِ تَنَابِلَةٍ وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْت بِالْقِيلِ
فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ
رِسَالَةُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى الرّسُولِ عَلَى لِسَانِ رَكْبٍ:
وَمَرّ بِهِ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ وَلِمَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمِيرَةَ قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُبَلّغُونَ عَنّي مُحَمّدًا رِسَالَةً أُرْسِلُكُمْ بِهَا إلَيْهِ وَأَحْمِلُ لَكُمْ هَذِهِ غَدًا زَبِيبًا بِعُكَاظِ إذَا وَافَيْتُمُوهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُوهُ أَنّا قَدْ أَجَمَعْنَا السّيْرَ إلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيّتَهُمْ فَمَرّ الرّكْبُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ فَأَخْبَرُوهُ بِاَلّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ. فَقَالَ "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"
كَفّ صَفْوَانَ لِأَبِي سُفْيَانَ عَنْ مُعَاوَدَةِ الْكَرّةِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ
أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ لَمّا انْصَرَفَ يَوْمَ أُحُدٍ، أَرَادَ الرّجُوعَ إلَى الْمَدِينَةِ، لِيَسْتَأْصِلَ بَقِيّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنُ خَلَفٍ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنّ الْقَوْمَ قَدْ حَرِبُوا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قِتَالٌ غَيْرُ الّذِي كَانَ فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا. فَقَالَ النّبِيّ ﷺ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ حِينَ بَلَغَهُ أَنّهُمْ هَمّوا بِالرّجْعَةِ "وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سُوّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ لَوْ صُبّحُوا بِهَا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذّاهِبِ".
_________________
(١) وَقَوْلُهُ لَا تَنَابِلَةٍ. التّنَابِلَةُ الْقِصَارُ وَأَحَدُهُمْ تِنْبَالٌ تِفْعَالٌ مِنْ النّبْلِ وَهِيَ صِغَارُ الْحَصَى.
[ ٦ / ٣٤ ]
مَقْتَلُ أَبِي عَزّةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جِهَةِ ذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، مُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ جَدّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَبُو أُمّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا عَزّةَ الْجُمَحِيّ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسَرَهُ بِبَدْر ثُمّ مَنّ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَقِلْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " وَاَللهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْك بِمَكّةَ بَعْدَهَا وَتَقُولُ خَدَعْت مُحَمّدًا مَرّتَيْنِ اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا زُبَيْرُ". فَضَرَبَ عُنُقَهُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ قَالَ
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " إنّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا عَاصِمُ بْنَ ثَابِتٍ" فَضَرَبَ عُنُقَهُ
مَقْتَلُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ إنّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَتَلَا مُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بَعْدَ حَمْرَاءِ
_________________
(١) أَبُو عَزّةَ الْجُمَحِيّ وَذَكَرَ أَبَا عَزّةَ وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ وَأَحْسَبُهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَيْرٍ أَحَدَ بَنِي خُدَارَةَ أَوْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَيْرٍ الْخَطْمِيّ. وَمِنْ خَبَرِ أَبِي عَزّةَ مَا ذَكَرَ الزّبَيْرُ عَنْ ابْنِ جُعْدُبَةَ وَالضّحّاكِ بْنِ عُثْمَانَ. وَالْجُعْدُبَةُ فِي اللّغَةِ وَاحِدَةٌ الْجِعَادِبِ وَهِيَ النّفّاخَاتُ الّتِي تَكُونُ فِي الْمَاءِ. قَالَا: بَرِصَ أَبُو عَزّةَ الْجُمَحِيّ فَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تُؤَاكِلُهُ وَلَا تجالسه فَقَالَ الْمَوْت خَيْرٌ مِنْ هَذَا، فَأَخَذَ
[ ٦ / ٣٥ ]
الْأَسَدِ، كَانَ لَجَأَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَمّنَهُ عَلَى أَنّهُ إنْ وُجِدَ بَعْدَ ثَلَاثٍ قُتِلَ فَأَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَتَوَارَى، فَبَعَثَهُمَا النّبِيّ ﷺ وَقَالَ "إنّكُمَا سَتَجِدَانِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا"، فَوَجَدَاهُ فَقَتَلَاهُ
شَأْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ أُبَيّ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ بْنُ سَلُولَ، كَمَا حَدّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، لَهُ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلّ جُمُعَةٍ لَا يُنْكِرُ شَرَفًا لَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي قَوْمِهِ وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا، إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النّاسَ قَامَ فَقَالَ أَيّهَا النّاسُ هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ أَكْرَمَكُمْ اللهُ وَأَعَزّكُمْ بِهِ فَانْصُرُوهُ وَعَزّرُوهُ وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ثُمّ يَجْلِسُ حَتّى إذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ وَرَجَعَ بِالنّاسِ قَامَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بِثِيَابِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ وَقَالُوا: اجْلِسْ أَيْ عَدُوّ
_________________
(١) حَدِيدَةً وَدَخَلَ بَعْضَ شِعَابِ مَكّةَ فَطَعَنَ بِهَا فِي مَعَدّهِ وَالْمَعَدّ مَوْضِعٌ عَقِبَ الرّاكِبِ مِنْ الدّابّةِ وَقَالَ ابْنُ جُعْدُبَةَ فَمَارَتْ الْحَدِيدَةُ وَقَالَ الضّحّاكُ: بَيْنَ الْجِلْدِ وَالصّفَاقِ فَسَالَ مِنْهُ أَصْفَرُ فَبَرِئَ فَقَالَ اللهُمّ رَبّ وَائِلٍ وَنَهْدِ وَالتّهِمَاتِ وَالْجِبَالِ الْجُرْدِ وَرَبّ مَنْ يَرْعَى بِأَرْضِ نَجِدْ أَصْبَحْت عَبْدًا لَك وَابْنَ عَبْدِ أَبَرّأَتْنِي مِنْ وَضَحٍ بِجِلْدِ مِنْ بَعْدَ مَا طَعَنْت فِي مَعَدّي مُوصِلُ مَقَالَةِ أَبِي سُفْيَانَ وَذَكَرَ إرْسَالَ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ الرّكْبِ بِالْوَعِيدِ وَكَانَ الْمُوَصّلُ مَقَالَتَهُ لِلْمُؤْمِنَيْنِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، كَذَلِكَ جَاءَ فِي التّفْسِيرِ. قَوْلٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَكَأَنّمَا قُلْت: بَجْرًا.
[ ٦ / ٣٦ ]
اللهِ لَسْت لِذَلِكَ بِأَهْلِ، وَقَدْ صَنَعْت مَا صَنَعْت، فَخَرَجَ يَتَخَطّى رِقَابَ النّاسِ وَهُوَ يَقُولُ وَاَللهِ لَكَأَنّمَا قُلْت بَجْرًا إنْ قُمْت أُشَدّدُ أَمْرَهُ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ مَا لَك؟ وَيْلَك قَالَ قُمْت أُشَدّدُ أَمْرَهُ فَوَثَبَ عَلَيّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْذِبُونَنِي وَيُعَنّفُونَنِي، لَكَأَنّمَا قُلْت بَجْرًا أَنْ قُمْت أُشَدّدُ أَمْرَهُ قَالَ وَيْلَك ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَك رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ وَاَللهِ مَا ابْتَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي
كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْم محنة
قَالَ ابْن إِسْحَاق:
كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلَاءٍ وَمُصِيبَةٍ وَتَفْحِيصٍ اخْتَبَرَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَحَقَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ مِمّنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْكُفْرِ فِي قَلْبِهِ وَيَوْمًا أَكْرَمَ اللهُ فِيهِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِالشّهَادَةِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ.
_________________
(١) الْبَجْرُ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ وَالْبَجَارِي: الدّوَاهِي، وَفِي وَصِيّةِ أَبِي بَكْرٍ يَا هَادِي الطّرِيقِ جُرْت، إنّمَا هُوَ الْفَخْرُ أَوْ الْبَجْرُ قَالَ الْخَطّابِيّ: مَعْنَاهُ الدّاهِيَةُ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: "يَا لَيْتَنِي غُودِرْت مَعَ أَصْحَابٍ نُحْصِ الْجَبَلَ" نُحْصُ الْجَبَلِ أَسْفَلُهُ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ.
[ ٦ / ٣٧ ]
ذِكْرُ مَا أَنَزَلَ اللهُ فِي أُحُدٍ مِنْ الْقُرْآنِ
قَالَ حَدّثَنَا أَبُو مُحَمّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ
فَكَانَ مِمّا أَنَزَلَ اللهُ ﵎ فِي يَوْمِ أُحُدٍ مِنْ الْقُرْآنِ سِتّونَ آيَةً مِنْ آلِ عِمْرَانَ، فِيهَا صِفَةُ مَا كَانَا فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ وَمُعَاتَبَةُ مَنْ عَاتَبَ مِنْهُمْ يَقُولُ اللهُ ﵎ لِنَبِيّهِ ﷺ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آلُ عِمْرَانَ:١٢١]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ
تُبَوّئُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَتّخِذُ لَهُمْ مُقَاعِدَ وَمَنَازِلَ. قَالَ الْكُمَيْت بْنُ زَيْدٍ
لَيْتَنِي كُنْت قَبْلَهُ قَدْ تَبَوّأْت مَضْجَعًا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
أَيْ سَمِيعٌ بِمَا تَقُولُونَ عَلِيمٌ بِمَا تَخْفُونَ.
﴿إِذْ هَمّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمرَان:١٢٢] أَنْ تَتَخَاذَلَا، وَلَلطّائِفَتَانِ بَنُو سَلِمَةَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو حَارِثَةَ بْنِ النّبِيت مِنْ الْأَوْسِ، وَهُمَا الْجَنَاحَانِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ وَلِيّهُمَا﴾ أَيْ الْمَدَافِعُ عَنْهُمَا مَا هَمّتَا بِهِ مِنْ فَشَلِهِمَا، وَذَلِكَ أَنّهُ إنّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَنْ ضَعْفٍ وَوَهَنٍ أَصَابَهُمَا غَيْرَ شَكّ فِي
_________________
(١) تَفْسِيرُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي أُحُدٍ بَعْضُ مَنْ آمَنَ رَغْمَ الدّعَاءِ عَلَيْهِمْ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ قارء السّيرَةِ مِنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمرَان:١٢٨] الْآيَةَ لَمْ
[ ٦ / ٣٨ ]
دِينِهِمَا، فَتَوَلّى دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمَا بِرَحْمَتِهِ وَعَائِدَتِهِ حَتّى سَلِمَتَا مِنْ وُهُونِهِمَا وَضَعْفِهِمَا، وَلَحِقَتَا بِنَبِيّهِمَا ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ الْأُسْدِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ
قَالَتْ الطّائِفَتَانِ مَا نُحِبّ أَنّا لَمْ نَهُمّ بِمَا هَمَمْنَا بِهِ، لِتَوَلّي اللهَ إيّانَا فِي ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمرَان:١٢٢] أَيْ مَنْ كَانَ بِهِ ضَعْفٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيَتَوَكّلْ عَلَيّ وَلْيَسْتَعِنْ بِي، أَعِنْهُ عَلَى أَمْرِهِ وَأَدْفَعُ عَنْهُ حَتّى أُبَلّغَ بِهِ وَأَدْفَعُ عَنْهُ وَأُقَوّيهِ عَلَى نِيّتِهِ. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ فَاتّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمرَان:١٢٣] أَيْ فَاتّقُونِي، فَإِنّهُ شُكْرُ نِعْمَتِي. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾ وَأَنْتُمْ أَقَلّ عَدَدًا وَأَضْعَفُ قُوّةً ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمرَان:١٢٤-١٢٥] أَيْ إنْ تَصْبِرُوا لِعَدُوّي، وَتُطِيعُوا أَمْرِي، وَيَأْتُوكُمْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا، أَمَدّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوّمِينَ.
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
مُسَوّمِينَ مُعَلّمِينَ بَلَغَنَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنّهُ قَالَ أَعْلِمُوا عَلَى أَذْنَابِ خَيْلِهِمْ وَنَوَاصِيهَا بِصُوفِ أَبْيَضَ
فَأَمّا ابْنُ إسْحَاقَ فَقَالَ كَانَتْ سِيمَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بَدْرٍ وَالسّيمَا الْعَلَامَةُ وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿ ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الْفَتْح:٢٩] أَي علامتهم و﴿حِجَارَةً مِنْ سِجّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً﴾ [هود:٨٢-٨٣] يَقُولُ مُعَلّمَةٌ بَلَغَنَا عَنْ
_________________
(١) يُزِدْ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ مِنْهُ. وَفِي تَفْسِيرِ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -
[ ٦ / ٣٩ ]
الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنّهُ قَالَ عَلَيْهَا عَلَامَةٌ أَنّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةٍ لِلدّنْيَا، وَأَنّهَا مِنْ حِجَارَةِ الْعَذَابِ قَالَ رُؤْبَةُ بْنِ الْعَجّاجِ:
فَالْآنَ تُبْلَى بِي الْجِيَادُ السّهْمُ وَلَا تُجَارِينِي إذَا مَا سَوّمُوا
وَشَخَصَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَجْذَمُوا
[أَجَذَمُوا " بِالذّالِ الْمُعْجَمَةِ ": أَيْ أَسْرَعُوا: وَأَجْدَمُوا " بِالدّالِ الْمُهْمَلَةِ ": أَقَطَعُوا]
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ وَالْمُسَوّمَةُ "أَيْضًا" الْمَرْعِيّةُ وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمرَان:١٤] و﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النَّحْل:١٠] تَقُولُ الْعَرَبُ: سَوّمَ خَيْلَهُ وَإِبِلَهُ وَأَسَامَهَا: إذَا رَعَاهَا.
قَالَ الْكُمَيْت بْنُ زَيْدٍ
رَاعِيَا كَانَ مُسْجِحًا فَفَقَدْنَا هُ وَفَقْدُ الْمُسِيمِ هُلْكُ السّوَامِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
مُسْجِحًا: سَلِسُ السّيَاسَةِ مُحْسِنٌ "إلَى الْغَنَمِ" وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النّصْرُ إِلّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمرَان:١٢٦] أَيْ مَا سَمّيْت لَكُمْ مَنْ سَمّيْت مِنْ جُنُودِ مَلَائِكَتِي إلّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبُكُمْ بِهِ لِمَا أَعْرِفُ مِنْ ضَعْفِكُمْ وَمَا النّصْرُ إلّا مِنْ عِنْدِي، لِسُلْطَانِي وَقُدْرَتِي، وَذَلِكَ أَنّ الْعِزّ وَالْحُكْمَ إلَيّ لَا إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي. ثُمّ قَالَ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمرَان:١٢٧] أَيْ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَتْلِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْهُمْ أَوْ يَرُدّهُمْ خَائِبِينَ أَيْ وَيَرْجِعُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَلَا خَائِبِينَ لَمْ يَنَالُوا شَيْئًا مِمّا كَانُوا يَأْمُلُونَ.
_________________
(١) كَانَ يَدْعُو عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، حَتّى أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ فَتَابُوا وَأَسْلَمُوا، وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي حُسْنِ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ
[ ٦ / ٤٠ ]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
يَكْبِتُهُمْ يَغُمّهُمْ أَشَدّ الْغَمّ وَيَمْنَعُهُمْ مَا أَرَادُوا. قَالَ ذُو الرّمّةِ
مَا أَنْسَ مِنْ شَجَنٍ لَا أَنْسَ مَوْقِفَنَا فِي حِيرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ وَمَكْبُوتِ
وَيَكْبِتُهُمْ "أَيْضًا" يَصْرَعُهُمْ لِوُجُوهِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ قَالَ لِمُحَمّدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمرَان:١٢٨] أَيْ لَيْسَ لَك مِنْ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي، إلّا مَا أَمَرْتُك بِهِ فِيهِمْ أَوْ أَتُوبَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِي، فَإِنْ شِئْت فَعَلْت، أَوْ أُعَذّبَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَبِحَقّي ﴿فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أَيْ قَدْ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ بِمَعْصِيَتِهِمْ إيّايَ ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
_________________
(١) وَأَمّا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فَلَا خِلَافَ فِي حُسْنِ إسْلَامِهِ وَفِي مَوْتِهِ شَهِيدًا بِالشّامِ وَأَمّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي، فَقَدْ قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﵇ أَسْلَمَ النّاسُ وَآمَنَ عَمْرٌو وَقَالَ فِي حَدِيثٍ جَرَى: مَا كَانَتْ هِجْرَتِي لِلْمَالِ وَإِنّمَا كَانَتْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ - ﷺ - نِعِمّا بِالْمَالِ الصّالِحِ لِلرّجُلِ الصّالِحِ فَسَمّاهُ رَجُلًا صَالِحًا، وَالْحَدِيثُ الّذِي جَرَى: أَنّهُ كَانَ قَالَ لَهُ إنّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَك وَجْهًا يُسَلّمُك اللهُ فِيهِ وَيُغَنّمُكَ وَأَزْعَبُ لَك زَعْبَةً مِنْ الْمَالِ وَسَتَأْتِي نُكَتٌ. وَعُيُونٌ مِنْ أَخْبَارِ الْحَارِثِ وَأَبِي سُفْيَانَ - فِيمَا بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللهُ. مَعْنَى اتّخَذَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمرَان:١٤٠] وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِلشّهَدَاءِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى حُبّ اللهِ إيّاهُمْ حَيْثُ قَالَ ﴿وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ وَلَا
[ ٦ / ٤١ ]
[آل عمرَان ١٢٩] أَيْ يَغْفِرُ الذّنْبَ وَيَرْحَمُ الْعِبَادَ عَلَى مَا فِيهِمْ.
النّهْيُ عَنْ الرّبَا
ثُمّ قَالَ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمرَان:١٣٠] أَيْ لَا تَأْكُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إذْ هَدَاكُمْ اللهُ بِهِ مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ إذْ أَنْتُمْ عَلَى غَيْرِهِ مِمّا لَا يَحِلّ لَكُمْ فِي دِينِكُمْ ﴿وَاتّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمرَان:٢٠٠] أَيْ فَأَطِيعُوا اللهَ لَعَلّكُمْ تَنْجُونَ مِمّا حَذّرَكُمْ اللهُ مِنْ عَذَابِهِ وَتُدْرِكُونَ مَا رَغّبَكُمْ اللهُ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ ﴿وَاتّقُوا النّارَ الّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٣١] أَيْ الّتِي جُعِلَتْ دَارًا لِمَنْ كَفَرَ بِي.
الْحَضّ عَلَى الطّاعَةِ
ثُمّ قَالَ ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمرَان:١٣٢] مُعَاتَبَةً لِلّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ. ثُمّ قَالَ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمرَان:١٣٣﴾ أَيْ دَارًا لِمَنْ أَطَاعَنِي وَأَطَاعَ رَسُولِي: ﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمرَان:١٣٤] أَيْ وَذَلِكَ هُوَ الْإِحْسَانُ وَأَنَا أُحِبّ مَنْ عَمِلَ بِهِ ﴿وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ
_________________
(١) يُقَالُ اتّخَذْت وَلَا اتّخَذَ إلّا فِي مُصْطَفًى مَحْبُوبٍ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ﴿مَا اتّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:٩١] وَقَالَ ﴿مَا اتّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الْجِنّ:٣] فَالِاتّخَاذُ إنّمَا هُوَ اقْتِنَاءٌ وَاجْتِبَاءٌ وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ الْأَخَذِ فَإِذَا قُلْت: اتّخَذْت كَذَا، فَمَعْنَاهُ أَخَذْته لِنَفْسِي، وَاخْتَرْته لَهَا، فَالتّاءُ الْأُولَى بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ وَتِلْكَ الْيَاءُ بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ أَخَذَ فَقُلِبَتْ تَاءً إذْ كَانَتْ الْوَاوُ تَنْقَلِبُ تَاءً فِي مِثْلِ هَذَا الْبِنَاءِ نَحْوُ اُتّعِدَ وَاِتّزِرْ وَالْيَاءُ أُخْت الْوَاوِ فَقُلِبَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَاءً وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَتّى قَالُوا: تَخِذْت بِحَذْفِ إحْدَى التّاءَيْنِ اكْتِفَاءً بِأَحَدَيْهِمَا عَنْ الْأُخْرَى، وَلَا يَكُونُ هَذَا
[ ٦ / ٤٢ ]
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلّا اللهُ وَلَمْ يُصِرّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمرَان:١٣٥" أَيْ إنْ أَتَوْا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيَةِ ذَكَرُوا نَهْيَ الله عَنْهَا، وَمَا حَرّمَ عَلَيْهِمْ فَاسْتَغْفَرُوهُ لَهَا، وَعَرَفُوا أَنّهُ لَا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلّا هُوَ.
﴿وَلَمْ يُصِرّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمرَان:١٣٥] أَيْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِيمَا غَلَوْا بِهِ فِي كُفْرِهِمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا حَرّمْت عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِي. ﴿﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمرَان:١٣٦] أَيْ ثَوَابُ الْمُطِيعِينَ.
ذَكَرَ مَا أَصَابَهُمْ وَتَعْزِيَتَهُمْ عَنْهُ:
ثُمّ اسْتَقْبَلَ ذِكْرَ الْمُصِيبَةِ الّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ وَالْبَلَاءَ الّذِي أَصَابَهُمْ وَالتّمْحِيصَ لِمَا كَانَ فِيهِمْ وَاِتّخَاذَهُ الشّهَدَاءَ مِنْهُمْ فَقَالَهُ تَعْزِيَةً لَهُمْ وَتَعْرِيفًا لَهُمْ فِيمَا صَنَعُوا، وَفِيمَا هُوَ صَانِعٌ بِهِمْ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمرَان:١٣٧] أَيْ قَدْ مَضَتْ مِنْهُ وَقَائِعُ نِقْمَةٍ فِي أَهْلِ التّكْذِيبِ لِرُسُلِي وَالشّرْكِ بِي: عَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَاب مَدين، فرءوا مُثُلَاتٍ قَدْ مَضَتْ مِنّي فِيهِمْ وَلِمَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِنّي، فَإِنّي أَمْلَيْت لَهُمْ أَيْ لِئَلّا يَظُنّوا
_________________
(١) الْحَذْفُ إلّا فِي الْمَاضِي خَاصّةً لَا يُقَالُ تَتّخِذُ كَمَا يُقَالُ تَخِذَ لِأَنّ الْمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ فِيهِ هَمْزَةُ وَصْلٍ وَإِنّمَا فَرّوا فِي الْمَاضِي مِنْ ثِقَلِ الْهَمْزَةِ فِي الِابْتِدَاءِ وَاسْتَغْنَوْا بِحَرَكَةِ التّاءِ عَنْهَا، وَكَسَرُوا الْخَاءَ مِنْ تَخِذْت لِأَنّهُ لَا مُسْتَقْبَلَ لَهُ مَعَ الْحَذْفِ فَحَرّكُوا عَيْنَ الْفِعْلِ بِالْحَرَكَةِ الّتِي كَانَتْ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَكَلَامُنَا هَذَا عَلَى اللّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَإِلّا فَقَدْ حُكِيَ يَتّخِذُ فِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَذَكَرَهَا النّحّاسُ فِي إعْرَابِ الْقُرْآنِ. أَدِلّةٌ عَلَى صِحّةِ خِلَافَةِ أبي بكر ﵁: وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمرَان:١٤٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمرَان: ١٤٤] ظَهَرَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ حِينَ انْقَلَبَ
[ ٦ / ٤٣ ]
أَنّ نِقْمَتِي انْقَطَعَتْ عَنْ عَدُوّكُمْ وَعَدُوّي لِلدّوْلَةِ الّتِي أَدَلّتْهُمْ بِهَا عَلَيْكُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ بِذَلِكَ لِيُعَلّمَكُمْ مَا عِنْدَكُمْ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمرَان:١٣٨] أَيْ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوا الْهُدَى ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ﴾ [آل عمرَان:١٣٨] أَيْ نُورٌ وَأَدَبٌ لِلْمُتّقِينَ أَيْ لِمَنْ أَطَاعَنِي وَعَرَفَ أَمْرِي، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمرَان:١٣٩] أَيْ لَا تَضْعُفُوا وَلَا تَبْتَئِسُوا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمرَان:١٣٩] أَيْ لَكُمْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَالظّهُورُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمرَان: ١٣٩] أَيْ إنْ كُنْتُمْ صَدّقْتُمْ نَبِيّي بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنّي، ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمرَان:١٤٠] أَيْ جِرَاحٌ مِثْلُهَا، ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمرَان:١٤٠] أَيْ نُصَرّفُهَا بَيْنَ النّاسِ لِلْبَلَاءِ وَلِلتّمْحِيصِ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤٠] أَيْ لِيُمَيّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَلْيُكْرِمْ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالشّهَادَةِ ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمرَان:٥٧] أَيْ الْمُنَافِقِينَ الّذِينَ يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ الطّاعَةَ وَقُلُوبُهُمْ مُصِرّةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ﴿وَلِيُمَحّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمرَان:١٤١] أَيْ يُخْتَبَرُ الّذِينَ آمَنُوا حَتّى يَخْلُصُهُمْ بِالْبَلَاءِ الّذِي نَزَلَ بِهِمْ وَكَيْفَ صَبْرُهُمْ وَيَقِينُهُمْ ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤١] أَيْ يُبْطِلُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ حَتّى يَظْهَرَ مَعَهُمْ كُفْرُهُمْ الّذِي يَسْتَتِرُونَ بِهِ
_________________
(١) أَهْلُ الرّدّةِ عَلَى أَعْقَابِهِمْ فَلَمْ يَضُرّ ذَلِكَ دِينَ اللهِ وَلَا أُمّةَ نَبِيّهِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُسَمّى: أَمِير الشّاكِرِينَ لِذَلِكَ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحّةِ خِلَافَتِهِ لِأَنّهُ الّذِي قَاتَلَ الْمُنْقَلِبِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ حِينَ رَدّهُمْ إلَى الدّينِ الّذِي خَرَجُوا مِنْهُ وَكَانَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤٤] دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُمْ سَيَظْفَرُونَ بِمَنْ ارْتَدّ وَتَكْمُلُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ فَيَشْكُرُونَ فَتَحْرِيضُهُ إيّاهُمْ عَلَى الشّكْرِ - وَالشّكْرُ لَا يَكُونُ إلّا عَلَى نِعْمَةٍ - دَلِيلٌ عَلَى أَنّ بَلَاءَ الرّدّةِ لَا يَطُولُ وَأَنّ الظّفَرَ بِهِمْ سَرِيعٌ كَمَا كَانَ.
[ ٦ / ٤٤ ]
دَعْوَةُ الْجَنّةِ لِلْمُجَاهِدِينَ
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤٢] أَيْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ فَتُصِيبُوا مِنْ ثَوَابِي الْكَرَامَةَ وَلَمْ أَخْتَبِرْكُمْ بِالشّدّةِ وَأَبْتَلِيكُمْ بِالْمَكَارِهِ حَتّى أَعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ مِنْكُمْ بِالْإِيمَانِ بِي، وَالصّبْرِ عَلَى مَا أَصَابَكُمْ فِيّ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الشّهَادَةَ عَلَى الّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ قَبْلَ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ يَعْنِي الّذِينَ اسْتَنْهَضُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ خُرُوجَهُ بِهِمْ إلَى عَدُوّهِمْ لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ حُضُورِ الْيَوْمِ الّذِي كَانَ قَتَلَهُ بِبَدْرِ وَرَغْبَةً فِي الشّهَادَةِ الّتِي فَاتَتْهُمْ بِهَا، فَقَالَ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمرَان:١٤٣] يَقُولُ ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمرَان:١٤٣] أَيْ الْمَوْتَ بِالسّيُوفِ فِي أَيْدِي الرّجَالِ قَدْ خَلّى بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ ثُمّ صَدّهُمْ عَنْكُمْ ﴿وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤٤] أَيْ لِقَوْلِ النّاسِ قُتِلَ مُحَمّدٌ ﷺ وَانْهِزَامُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ عَدُوّهِمْ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمرَان:١٤٤] رَجَعْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ كُفّارًا كَمَا كُنْتُمْ وَتَرَكْتُمْ جِهَادَ عَدُوّكُمْ وَكِتَابَ اللهِ وَمَا خَلّفَ نَبِيّهُ ﷺ مِنْ دِينِهِ مَعَكُمْ
_________________
(١) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿قُلْ لِلْمُخَلّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [الْفَتْح:١٦] فِيهِ أَيْضًا: التّصْحِيحُ لِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ لِأَنّهُ الّذِي دَعَا الْأَعْرَابَ إلَى جِهَادِ حَنِيفَةَ وَكَانُوا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وَلَمْ يُقَاتِلُوا لِجِزْيَةِ وَإِنّمَا قُوتِلُوا لِيُسْلِمُوا، وَكَانَ قِتَالُهُمْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ وَفِي سُلْطَانِهِ ثُمّ قَالَ ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الْفَتْح:١٦] فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الطّاعَةَ لِأَبِي بَكْرٍ فَكَانَ فِي الْآيَةِ كَالنّصّ عَلَى خِلَافَتِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[ ٦ / ٤٥ ]
وَعِنْدَكُمْ وَقَدْ بَيّنَ لَكُمْ فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنّي أَنّهُ مَيّتٌ وَمُفَارِقُكُمْ ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمرَان:١٤٤] أَيْ يَرْجِعُ عَنْ دِينِهِ ﴿فَلَنْ يَضُرّ اللهَ شَيْئًا﴾ أَيْ لَيْسَ يَنْقُصُ ذَلِكَ عِزّ اللهِ تَعَالَى وَلَا مُلْكه وَلَا سُلْطَانَهُ وَلَا قُدْرَتَهُ ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ أَيْ مَنْ أَطَاعَهُ وَعَمِلَ بِأَمْرِهِ.
ذِكْرُهُ أَنّ الْمَوْتَ بِإِذْنِ اللهِ
ثُمّ قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمرَان:١٤٥] أَيْ أَنّ لِمُحَمّدِ ﷺ أَجَلًا هُوَ بَالِغُهُ فَإِذَا أَذِنَ اللهُ ﷿ فِي ذَلِكَ كَانَ. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤٥] أَيْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الدّنْيَا، لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا قَسَمَ لَهُ مِنْ رِزْقٍ وَلَا يَعُدّوهُ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ حَظّ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمرَان:١٤٥] مَا وَعَدَ بِهِ مَعَ مَا يُجْزَى عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ فِي دُنْيَاهُ وَذَلِكَ جَزَاءُ الشّاكِرِينَ أَيْ الْمُتّقِينَ.
ذِكْرُ شَجَاعَةِ الْمُجَاهَدِينَ مِنْ قَبْلُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ
ثُمّ قَالَ ﴿وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ
_________________
(١) [التَّوْبَة:١١٩] وَقَدْ بَيّنَ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ مَنْ الصّادِقُونَ وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ بِقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:٨] فَأَمَرَ الّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالْإِيمَانَ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ أَيْ تَبَعًا لَهُمْ فَحَصَلَتْ الْخِلَافَةُ فِي الصّادِقِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَاسْتَحَقّوهَا بِهَذَا الِاسْمِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الصّادِقِينَ مَنْ سَمّاهُ اللهُ الصّدّيقَ إلّا أَبُو بَكْرٍ فَكَانَتْ لَهُ خَاصّةً ثُمّ لِلصّادِقِينَ بَعْدَهُ. رِبّيّونَ وَرَفْعُهَا فِي الْآيَةِ وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل
[ ٦ / ٤٦ ]
اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمرَان:١٤٦) أَيْ وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ وَمَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ أَيْ جَمَاعَةٌ فَمَا وَهَنُوا لِفَقْدِ نَبِيّهِمْ وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوّهِمْ وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنْ اللهِ تَعَالَى وَعَنْ دِينِهِمْ وَذَلِكَ الصّبْرِ وَاَللهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلّا أَنْ قَالُوا رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤٧]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَاحِدُ الرّبّيّينَ رِبّيّ وَقَوْلُهُمْ الرّبَابُ، لِوَلَدِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أَدّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ وَلِضَبّةَ لِأَنّهُمْ تَجَمّعُوا وَتَحَالَفُوا، مِنْ هَذَا، يُرِيدُونَ الْجَمَاعَاتِ. وَوَاحِدَةُ
_________________
(١) عمرَان:١٤٦] ارْتَفَعَ رِبّيّونَ عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ إسْحَاقَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ الضّمِيرِ فِي قُتِلَ وَهَذَا أَصَحّ التّفْسِيرَيْنِ لِأَنّهُ قَالَ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ وَلَوْ كَانُوا هُمْ الْمَقْتُولِينَ مَا قَالَ فِيهِمْ مَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ أَيْ مَا ضَعُفُوا، وَقَدْ يُخَرّجُ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ رِبّيّونَ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ بِقُتِلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَمَا وَهَنُوا أَيْ مَا وَهَنَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ لِمَا أُصِيبُوا بِهِ مِنْ قَتْلِ إخْوَانِهِمْ وَهَذَا وَجْهٌ وَلَكِنْ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ يَدُلّ عَلَى صِحّةِ التّفْسِيرِ الْأَوّلِ. وَقَوْلُهُ رِبّيّونَ وَهُمْ الْجَمَاعَاتُ فِي قَوْلِ أَهْلِ اللّغَةِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رِبّيّونَ أُلُوفٌ وَقَالَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ: الرّبّيّ: عَشَرَةُ آلَافٍ. مِنْ تَفْسِيرِ آيَاتِ أُحُدٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمرَان: ١٥٣] وَعَلَى: تَفْسِيرِ ابْنِ
[ ٦ / ٤٧ ]
الرّبَابِ: رِبّةٌ "وَرِبَابَةٌ" وَهِيَ جَمَاعَاتٌ قِدَاحٌ أَوْ عِصِيّ وَنَحْوِهَا، فَشَبّهُوهَا بِهَا.
قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ:
وَكَأَنّهُنّ رِبَابَةٌ وَكَأَنّهُ يَسَرٌ يَفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ:
حَوْلَ شَيَاطِينِهِمْ أَبَابِيلُ رِبّ يّونَ شَدّوا سِنّوْرًا مَدْسُورَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالرّبَابَةُ "أَيْضًا" الْخِرْقَةُ الّتِي تُلَفّ فِيهَا الْقِدَاحُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالسّنّوْرُ الدّرُوعُ. وَالدّسُرُ هِيَ الْمَسَامِيرُ الّتِي فِي الْحِلَقِ يَقُولُ اللهُ ﷿ ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [الْقَمَر:١٣]
قَالَ الشّاعِرُ وَهُوَ أَبُو الْأَخْرَزِ الْحِمّانِيّ، مِنْ تَمِيمٍ
دَسْرًا بِأَطْرَافِ الْقَنَا الْمُقَوّمِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
أَيْ فَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالُوا، وَاعْلَمُوا إنّمَا ذَلِكَ بِذُنُوبِ مِنْكُمْ وَاسْتَغْفِرُوهُ كَمَا اسْتَغْفَرُوهُ وَامْضُوا عَلَى دِينِكُمْ كَمَا مَضَوْا عَلَى دِينِهِمْ وَلَا تَرْتَدّوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ رَاجِعِينَ وَاسْأَلُوهُ كَمَا سَأَلُوهُ أَنْ يُثَبّتَ أَقْدَامَكُمْ وَاسْتَنْصِرُوهُ كَمَا اسْتَنْصَرُوهُ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَكُلّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ كَانَ. وَقَدْ قُتِلَ نَبِيّهُمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلْتُمْ ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمرَان:١٤٨] بِالظّهُورِ عَلَى عَدُوّهِمْ ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمرَان:١٤٨] وَمَا وَعَدَ اللهُ فِيهَا، وَاَللهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ.
_________________
(١) إسْحَاقَ غَمّا بَعْدَ غَمّ الْبَاءُ مُتَعَلّقَةٌ بِمَحْذُوفِ التّقْدِيرُ غَمّ مَقْرُونٌ بِغَمّ وَعَلَى تَفْسِيرٍ آخَرَ مُتَعَلّقَةٌ بِأَثَابَكُمْ أَيْ أَثَابَكُمْ غَمّا بِمَا غَمَمْتُمْ نَبِيّهُ حِينَ خَالَفْتُمْ أَمْرَهُ.
[ ٦ / ٤٨ ]
تَحْذِيرُهُ إيّاهُمْ مِنْ إطَاعَةِ الْكُفّارِ:
﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الّذِينَ كَفَرُوا يَرُدّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٤٩] أَيْ عَنْ عَدُوّكُمْ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتُكُمْ ﴿بَلِ اللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمرَان:١٥٠" فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ صِدْقًا فِي قُلُوبِكُمْ فَاعْتَصِمُوا بِهِ وَلَا تَسْتَنْصِرُوا بِغَيْرِهِ وَلَا تَرْجِعُوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ مُرْتَدّينَ عَنْ دِينِهِ. ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمرَان:١٥١] أَيْ الّذِي بَهْ كُنْت أَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ بِمَا أَشْرَكُوا بِي مَا لَمْ أَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ حُجّةٍ أَيْ فَلَا تَظُنّوا أَنّ لَهُمْ عَاقِبَةَ نَصْرٍ وَلَا ظُهُورٍ عَلَيْكُمْ مَا اعْتَصَمْتُمْ بِي، وَاتّبَعْتُمْ أَمْرِي، لِلْمُصِيبَةِ الّتِي أَصَابَتْكُمْ مِنْهُمْ بِذُنُوبِ قَدّمْتُمُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ خَالَفْتُمْ بِهَا أَمْرِي لِلْمَعْصِيَةِ وَعَصَيْتُمْ بِهَا النّبِيّ ﷺ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمرَان:١٥٢] أَيْ وَقَدْ وَفّيْت لَكُمْ بِمَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ النّصْرِ عَلَى عَدُوّكُمْ إذْ تُحِسّونَهُمْ بِالسّيُوفِ أَيْ الْقَتْلِ بِإِذْنِي وَتَسْلِيطِي أَيْدِيكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَفّي أَيْدِيهمْ عَنْكُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْحِسّ: الِاسْتِئْصَالُ يُقَالُ حَسَسْت الشّيْءَ أَيّ اسْتَأْصَلْته بِالسّيْفِ وَغَيْرِهِ. قَالَ جَرِيرٌ
تُحِسّهُمْ السّيُوفُ كَمَا تَسَامَى حَرِيقُ النّارِ فِي الْأَجَمِ الْحَصِيدِ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمرَان:١٥٢] قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ الّذِي كَانَ أَمِيرًا عَلَى الرّمَاةِ وَكَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا مَكَانَهُمْ وَأَلّا يُخَالِفُوا أَمْرَ نَبِيّهِمْ فَثَبَتَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ فَاسْتُشْهِدَ وَاسْتُشْهِدُوا، وَهُمْ الّذِينَ أَرَادُوا الْآخِرَةَ وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْمَغْنَمِ وَأَخْذِ السّلَبِ فَكَرّ عَلَيْهِمْ الْعَدُوّ، وَكَانَتْ الْمُصِيبَةُ وَفِي الْخَبَرِ: لَقَدْ رَأَيْت خَدَمَ هِنْدٍ وَصَوَاحِبَهَا، وَهُنّ مُشَمّرَاتٌ فِي الْحَرْبِ.
[ ٦ / ٤٩ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
إذَا شَكَوْنَا سَنَةً حَسُوسَا تَأْكُلُ بَعْدَ الْأَخْضَرِ الْيَبِيسَا
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ﴿حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمرَان:١٥٢] أَيْ تَخَاذَلْتُمْ ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمرَان:١٥٢] أَيْ اخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرِي، أَيْ تَرَكْتُمْ أَمْرَ نَبِيّكُمْ وَمَا عَهِدَ إلَيْكُمْ يَعْنِي الرّمَاةَ ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمرَان:١٥٢] أَيْ الْفَتْحَ لَا شَكّ فِيهِ وَهَزِيمَةُ الْقَوْمِ عَنْ نِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمرَان:١٥٢] أَيْ الّذِينَ أَرَادُوا النّهْبَ فِي الدّنْيَا وَتَرْكَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الطّاعَةِ الّتِي عَلَيْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمرَان:١٥٢] أَيْ الّذِينَ جَاهَدُوا فِي اللهِ وَلَمْ يُخَالِفُوا إلَى مَا نُهُوا عَنْهُ لِعَرَضِ مِنْ الدّنْيَا، رَغْبَةً فِيهَا، رَجَاءَ مَا عِنْدَ اللهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ أَيْ الّذِينَ جَاهَدُوا فِي الدّينِ وَلَمْ يُخَالِفُوا إلَى مَا نُهُوا عَنْهُ لِعَرَضِ مِنْ الدّنْيَا، لِيَخْتَبِرَكُمْ وَذَلِك بِبَعْضِ ذُنُوبِكُمْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْ عَظِيمِ ذَلِكَ أَنْ لَا يُهْلِكَكُمْ بِمَا أَتَيْتُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ نَبِيّكُمْ وَلَكِنّي عُدْت بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ وَكَذَلِكَ ﴿مَنّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمرَان:١٦٤] أَنْ عَاقَبَ بِبَعْضِ الذّنُوبِ فِي عَاجِلِ الدّنْيَا أَدَبًا وَمَوْعِظَةً فَإِنّهُ غَيْرُ مُسْتَأْصِلٍ لِكُلّ مَا فِيهِمْ مِنْ الْحَقّ لَهُ عَلَيْهِمْ بِمَا أَصَابُوا مِنْ مَعْصِيَتِهِ رَحْمَةً لَهُمْ وَعَائِدَةً عَلَيْهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ.
_________________
(١) وَالْخَدَمُ الْخَلَاخِيلُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ حِينَ ذَكَرَ هِنْدًا، وَأَنّهَا اتّخَذَتْ مِنْ آذَانِ الشّهَدَاءِ وَآنُفِهِمْ خَدَمًا وَقَلَائِدَ وَأَعْطَتْ خَدَمَهَا وَقَلَائِدَهَا وَقِرَطَتَهَا وَحْشِيّا، مَعْنَاهُ الْخَلَاخِلُ أَيْضًا.
[ ٦ / ٥٠ ]
تَأْنِيبُهُ إيّاهُمْ لِفِرَارِهِمْ عَنْ نَبِيّهِمْ
ثُمّ أَنّبَهُمْ بِالْفِرَارِ عَنْ نَبِيّهِمْ ﷺ وَهُمْ يَدْعُونَ لَا يَعْطِفُونَ عَلَيْهِ لِدُعَائِهِ إيّاهُمْ فَقَالَ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ (آل عمرَان: من الْآيَة١٥٣) أَيْ كَرْبًا بَعْدَ كَرْبٍ بِقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْ إخْوَانِكُمْ وَعُلُوّ عَدُوّكُمْ عَلَيْكُمْ وَبِمَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ قُتِلَ نَبِيّكُمْ فَكَانَ ذَلِكَ مِمّا تَتَابَعَ عَلَيْكُمْ غَمّا بِغَمّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ ظُهُورِكُمْ عَلَى عَوْدِكُمْ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُمُوهُ بِأَعْيُنِكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ مِنْ قَتْلِ إخْوَانِكُمْ حَتّى فَرّجْت ذَلِكَ الْكَرْبَ عَنْكُمْ ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمرَان:١٥٣] وَكَانَ الّذِي فَرّجَ اللهُ بِهِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْكَرْبِ وَالْغَمّ الّذِي أَصَابَهُمْ أَنّ اللهَ ﷿ رَدّ عَنْهُمْ كِذْبَةَ الشّيْطَانِ بِقَتْلِ نَبِيّهِمْ ﷺ فَلَمّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ حَيّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ هَانَ عَلَيْهِمْ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ الظّهُورِ عَلَيْهِمْ وَالْمُصِيبَةُ الّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي إخْوَانِهِمْ حِينَ صَرَفَ اللهُ الْقَتْلَ عَنْ نَبِيّهِمْ ﷺ ﴿ثُمّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنّ الْأَمْرَ كُلّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمرَان:١٥٤] فَأَنْزَلَ اللهُ النّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ عَلَى أَهْلِ الْيَقِينِ بِهِ فَهُمْ نِيَامٌ لَا يَخَافُونَ وَأَهْلُ النّفَاقِ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاَللهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ تَخَوّفَ الْقَتْلِ وَذَلِكَ أَنّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَاقِبَةً فَذَكَرَ اللهُ ﷿ تَلَاوُمَهُمْ وَحَسْرَتَهُمْ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ. ثُمّ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِنَبِيّهِ ﷺ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمرَان:١٥٤] لَمْ تَحْضُرُوا هَذَا
_________________
(١) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمرَان:١٥٤] فِي صَحِيحِ التّفْسِيرِ أَنّ عَتّابَ بْنَ قُشَيْرٍ هُوَ قَائِلٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَكَانَ مَنْبُوذًا بِالنّفَاقِ.
[ ٦ / ٥١ ]
الْمَوْطِنَ الّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مَعَكُمْ مَا أَظْهَرَ مِنْ سَرَائِرِكُمْ لَبَرَزَ لَأَخْرَجَ ﴿الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمرَان:١٥٤] إِلَى مَوْطِنٍ غَيْرِهِ يَصْرَعُونَ فِيهِ حَتّى يَبْتَلِيَ بِهِ مَا فِي صُدُورِهِمْ ﴿وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمرَان:١٥٤] أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِمّا استخفوا بِهِ مِنْكُم.
تَحْذِيرُهُمْ أَنْ يَكُونُوا مِمّنْ يَخْشَوْنَ الْمَوْتَ فِي اللهِ
ثُمّ قَالَ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمرَان:١٥٦] أَيْ لَا تَكُونُوا كَالْمُنَافِقِينَ الّذِينَ يَنْهَوْنَ إخْوَانَهُمْ عَنْ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالضّرْبُ فِي الْأَرْضِ فِي طَاعَةِ اللهِ ﷿ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ وَيَقُولُونَ إذَا مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا: لَوْ أَطَاعُونَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لِقِلّةِ الْيَقِينِ بِرَبّهِمْ " ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أَيْ يُعَجّلُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخّرُ مَا يَشَاءُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَجَابَهُمْ بِقُدْرَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمرَان:١٥٧] أَيْ إنّ الْمَوْتَ لَكَائِنٌ لَا بُدّ مِنْهُ فَمَوْتٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ قَتْلٌ خَيْرٌ لَوْ عَلِمُوا وَأَيْقَنُوا مِمّا يَجْمَعُونَ مِنْ الدّنْيَا الّتِي لَهَا يَتَأَخّرُونَ عَنْ الْجِهَادِ تَخَوّفَ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ لِمَا جَمَعُوا مِنْ زَهْرَةِ الدّنْيَا زَهَادَةً فِي الْآخِرَةِ ﴿وَلَئِنْ مُتّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمرَان:١٥٨] أَيْ ذَلِكَ كَانَ ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمرَان:١٥٨] أَيْ إنّ إلَى اللهِ الْمَرْجِعَ فَلَا تَغُرّنكُمْ الدّنْيَا، وَلَا تَغْتَرّوا بِهَا، وَلِيَكُنْ الْجِهَادُ وَمَا رَغّبَكُمْ اللهُ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ آثَرَ عِنْدَكُمْ مِنْهَا.
ذِكْرُهُ رَحْمَةَ الرّسُولِ عَلَيْهِمْ
ثُمّ قَالَ ﵎: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ ﴿يَظُنّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمرَان:١٥٤] أَيْ يَظُنّونَ أَنّ اللهَ خَاذِلٌ دِينَهُ وَنَبِيّهُ.
[ ٦ / ٥٢ ]
الْقَلْبِ لَانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمرَان:١٥٩] أَيْ لَتَرَكُوك ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمرَان:١٥٩] أَيْ فَتَجَاوَزْ عَنْهُمْ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ إِنّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمرَان: ١٥٩] فَذَكَرَ لِنَبِيّهِ ﷺ لِينَهُ لَهُمْ وَصَبْرَهُ عَلَيْهِمْ لِضَعْفِهِمْ وَقِلّةِ صَبْرِهِمْ عَلَى الْغِلْظَةِ لَوْ كَانَتْ مِنْهُ عَلَيْهِمْ فِي كُلّ مَا خَالَفُوا عَنْهُ مِمّا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَةِ نَبِيّهِمْ ﷺ. ثُمّ قَالَ ﵎: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ تَجَاوَزْ عَنْهُمْ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ذُنُوبَهُمْ مَنْ قَارَفَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أَيْ لِتُرِيهِمْ أَنّك تَسْمَعُ مِنْهُمْ وَتَسْتَعِينُ بِهِمْ وَإِنْ كُنْت غَنِيّا عَنْهُمْ تَأَلّفًا لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى دِينِهِمْ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ أَيْ عَلَى أَمْرٍ جَاءَك مِنّي وَأَمْرٍ مِنْ دِينِك فِي جِهَادِ عَدُوّك لَا يُصْلِحُك وَلَا يُصْلِحُهُمْ إلّا ذَلِكَ فَامْضِ عَلَى مَا أُمِرْت بِهِ عَلَى خِلَافِ مَنْ خَالَفَك، وَمُوَافَقَةِ مَنْ وَافَقَك، ﴿فَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ﴾ أَيْ ارْضَ بِهِ مِنْ الْعِبَادِ ﴿إِنّ اللهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمرَان:١٦٠] أَيْ لِئَلّا تَتْرُكَ أَمْرِي لِلنّاسِ وَارْفُضْ أَمْرَ النّاسِ إلَى أَمْرِي، ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ لَا عَلَى النّاسِ ﴿فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
مَا نَزَلَ فِي الْغُلُولِ
ثُمّ قَالَ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمّ تُوَفّى
_________________
(١) وَقَوْلُهُ ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمرَان:١٥٤] أَيْ أَهْلَ الْجَاهِلِيّةِ كَأَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمرَان:١٥٩] وَفَسّرَهُ وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أُمِرَ بِمُشَاوَرَتِهِمَا. حُكْمُ الْغُلُولِ وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمرَان:١٦١] وَفَسّرَهُ أَنْ يَكْتُمَ مَا
[ ٦ / ٥٣ ]
كُلّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمرَان:١٦١] أَيْ مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكْتُمَ النّاسَ مَا بَعَثَهُ اللهُ بِهِ إلَيْهِمْ عَنْ رَهْبَةٍ مِنْ النّاسِ وَلَا رَغْبَةٍ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَأْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ ثُمّ يُجْزَى بِكَسْبِهِ غَيْرَ مَظْلُومٍ وَلَا مُعْتَدًى عَلَيْهِ ﴿أَفَمَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمرَان:١٦٢] عَلَى مَا أَحَبّ النّاسُ أَوْ سَخِطُوا ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمرَان:١٦٢] لِرِضَا النّاسِ أَوْ لِسَخَطِهِمْ. يَقُولُ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى طَاعَتِي، فَثَوَابُهُ الْجَنّةُ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطِ مِنْ اللهِ وَاسْتَوْجَبَ سَخَطَهُ فَكَانَ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أَسَوَاءٌ الْمَثَلَانِ فَاعْرِفُوا. ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمرَان:١٦٣] لِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمّا عَمِلُوا فِي الْجَنّةِ وَالنّارِ أَيْ إنّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ.
فَضْلُ اللهِ عَلَى النّاسِ بِبَعَثُ الرّسُلَ
ثُمّ قَالَ ﴿لَقَدْ مَنّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمرَان:١٦٤] أَيْ لَقَدْ مَنّ اللهُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ إذْ بَعَثَ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِهِ فِيمَا أَحْدَثْتُمْ وَفِيمَا عَمِلْتُمْ فَيُعَلّمُكُمْ الْخَيْرَ وَالشّرّ لِتَعْرِفُوا الْخَيْرَ فَتَعْمَلُوا بِهِ وَالشّرّ فَتَتّقُوهُ وَيُخْبِرُكُمْ بِرِضَاهُ عَنْكُمْ إذَا أَطَعْتُمُوهُ فَتَسْتَكْثِرُوا مِنْ
_________________
(١) أَنَزَلَ اللهُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسّرِينَ يَقُولُونَ نَزَلَتْ فِي الْغُلُولِ وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنّهُمْ فَقَدُوا قَطِيفَةً مِنْ الْمَغْنَمِ فَقَالَ قَائِلٌ لَعَلّ النّبِيّ - ﷺ - أَخَذَهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ وَمَنْ قَرَأَ يُغَلّ بِضَمّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَلْقَى غَالّا، تَقُولُ أَجْبَنْت الرّجُلَ إذَا أَلْفَيْته جَبَانًا، وَكَذَلِكَ أَغَلَلْته: إذَا وَجَدْته. غَالّا، وَقَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ لِبَنِي سُلَيْمٍ: قَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجْبَنّاكُمْ وَسَأَلْنَاكُمْ فَمَا أَبْخَلْنَاكُمْ وَتَفْسِيرُ ابْنِ إسْحَاقَ [غَيْرُ] خَارِجٍ
[ ٦ / ٥٤ ]
طَاعَتِهِ وَتَجْتَنِبُوا مَا سَخِطَ مِنْكُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ لِتَتَخَلّصُوا بِذَلِكَ مِنْ نِقْمَتِهِ وَتُدْرِكُوا بِذَلِكَ ثَوَابَهُ مِنْ جَنّتِهِ ﴿وَإِنْ﴾ كُنْتُمْ ﴿مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمرَان:١٦٤] أَيْ لَفِي عَمْيَاءَ مِنْ الْجَاهِلِيّةِ أَيْ لَا تَعْرِفُونَ حَسَنَةً وَلَا تَسْتَغْفِرُونَ مِنْ سَيّئَةٍ صُمّ عَنْ الْخَيْرِ بُكْمٌ عَنْ الْحَقّ عُمْيٌ عَنْ الْهُدَى.
ذِكْرُهُ الْمُصِيبَةَ الّتِي أَصَابَتْهُمْ
ثُمّ ذَكَرَ الْمُصِيبَةَ الّتِي أَصَابَتْهُمْ فَقَالَ ﴿أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمرَان:١٦٥] أَيْ إنْ تَكُ قَدْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ فِي إخْوَانِكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فَقَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قَبْلُ مِنْ عَدُوّكُمْ فِي الْيَوْمِ الّذِي كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرِ قَتْلًا وَأَسْرًا وَنَسِيتُمْ مَعْصِيَتَكُمْ وَخِلَافَكُمْ عَمّا أَمَرَكُمْ بِهِ نَبِيّكُمْ ﷺ أَنْتُمْ أَحَلَلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنْفُسِكُمْ ﴿إِنّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ إنّ اللهَ عَلَى مَا أَرَادَ بِعِبَادِهِ مِنْ نِقْمَةٍ أَوْ عَفْوٍ قَدِيرٌ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمرَان:١٦٦)] أَيْ مَا أَصَابَكُمْ حِينَ الْتَقَيْتُمْ أَنْتُمْ وَعَدُوّكُمْ فَبِإِذْنِي، كَانَ ذَلِكَ حِينَ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بَعْدَ أَنْ جَاءَكُمْ نَصْرِي، وَصَدَقْتُكُمْ وَعْدِي، لِيُمَيّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ نَافَقُوا مِنْكُمْ أَيْ لِيَظْهَرَ مَا فِيهِمْ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمرَان:١٦٧] يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيّ وَأَصْحَابَهُ الّذِينَ رَجَعُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ سَارَ إلَى عَدُوّهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدِ وَقَوْلُهُمْ لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَسِرْنَا مَعَكُمْ وَلَدَفَعْنَا عَنْكُمْ وَلَكِنّا
_________________
(١) عَنْ مُقْتَضَى اللّغَةِ. فَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ غَلّ أَيْ سَتَرَ وَكَذَلِكَ مَنْ خَانَ فِي شَيْءٍ وَأَخَذَهُ خُفْيَةً فَقَدْ سَتَرَهُ وَكَتَمَهُ وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ السّتْرُ وَالْإِخْفَاءُ وَمِنْهُ الْغِلَالَةُ وَالْغَلَلُ لِلْمَاءِ الّذِي يُغَطّيهِ الشّجَرُ وَالنّبَاتُ وَقَدْ أَمَرَ النّبِيّ - ﷺ - فِي بَعْضِ الْمَغَازِي بِإِحْرَاقِ مَتَاعِ الْغَالّ وَأَخَذَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
[ ٦ / ٥٥ ]
لَا نَظُنّ أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ. فَأَظْهَرَ مَعَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. يَقُولُ اللهُ ﷿ ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمرَان:١٦٧] أَيْ يُظْهِرُونَ لَك الْإِيمَانَ وَلَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمرَان:١٦٧] أَيْ مَا يُخْفُونَ ﴿الّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ [آل عمرَان:١٦٨] الّذِينَ أُصِيبُوا مَعَكُمْ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَقَوْمِهِمْ ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمرَان:١٦٨] أَيْ أَنّهُ لَا بُدّ مِنْ الْمَوْتِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أَنْفُسِكُمْ فَافْعَلُوا، وَذَلِكَ أَنّهُمْ إنّمَا نَافَقُوا وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ حِرْصًا عَلَى الْبَقَاءِ فِي الدّنْيَا، وَفِرَارًا مِنْ الْمَوْتِ.
التّرْغِيبُ فِي الْجِهَادِ
ثُمّ قَالَ لِنَبِيّهِ ﷺ يُرَغّبُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِهَادِ وَيُهَوّنُ عَلَيْهِمْ الْقَتْلَ ﴿وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمرَان:١٧٠] أَيْ لَا تَظُنّن الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا: أَيْ
_________________
(١) الشّهَادَةُ وَالشّهَدَاءُ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمرَان:١٦٩] الْآيَاتِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الّذِينَ سَمّاهُمْ اللهُ شُهَدَاءَ بِقَوْلِهِ ﴿وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمرَان:١٤٠] وَهَذَا الِاسْمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الشّهَادَةِ أَوْ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الشّهَادَةِ فَهُوَ شَهِيدٌ بِمَعْنَى مَشْهُودٍ أَيْ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ وَمَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنّةِ أَمّا مَشْهُودٌ عَلَيْهِ فَلِأَنّ النّبِيّ - ﷺ - حِينَ وَقَفَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، قَالَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَيْ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ وَقَالَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ لِأَنّ الْمَعْنَى: أَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ وَهِيَ وِلَايَةٌ وَقِيَادَةٌ فَوُصِلَتْ بِحَرْفِ عَلَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الشّهَادَةِ وَتَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِأَنّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ أَيْ تَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ
[ ٦ / ٥٦ ]
قَدْ أَحْيَيْتهمْ فَهُمْ عِنْدِي يُرْزَقُونَ فِي رَوْحِ الْجَنّةِ وَفَضْلِهَا، مَسْرُورِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى جِهَادِهِمْ عَنْهُ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِاَلّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَيْ وَيُسَرّونَ بِلُحُوقِ مَنْ لَحِقَهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمْ عَلَى مَا مَضَوْا عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِهِمْ لِيُشْرِكُوهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللهِ الّذِي أَعْطَاهُمْ قَدْ أَذَهَبَ اللهُ عَنْهُمْ الْخَوْفَ وَالْحُزْنَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمرَان:١٧١] لِمَا عَايَنُوا مِنْ وَفَاءِ الْمَوْعُودِ وَعَظِيمِ الثّوَابِ.
مَصِيرُ قَتْلَى أُحُدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيّةَ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لَمّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدِ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلّ الْعَرْشِ فَلَمّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قَالُوا: يَا لَيْتَ إخْوَانَنَا
_________________
(١) عَامّا فِي جَمِيعِ أُمّةِ مُحَمّدٍ - ﵊ - فَالشّهَدَاءُ أَوْلَى بِهَذَا الِاسْمِ إذْ هُمْ تَبَعٌ لِلصّدّيقِينَ وَالنّبِيّينَ. قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النِّسَاء:٦٩] فَهَذَانِ وَجْهَانِ فِي مَعْنَى الشّهِيدِ إذَا جَعَلْته مُشْتَقّا مِنْ الشّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى: فَاعِلٍ أَيْضًا، لِأَنّهُ يُشَاهِدُ مِنْ مَلَكُوتِ اللهِ وَيُعَايِنُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ مَا لَا يُشَاهِدُ غَيْرُهُ وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَهُوَ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ أَيْ إنّ الْمَلَائِكَةَ تُشَاهِدُ قَبْضَهُ وَالْعُرُوجَ بِرُوحِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَأَوْلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلّهَا بِالصّحّةِ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ. مَشْهُودًا لَهُ بِالْجَنّةِ أَوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ النّبِيّ ﵇ كَمَا قَالَ " هَؤُلَاءِ أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ" أَيْ قَيّمٌ عَلَيْهِمْ بِالشّهَادَةِ لَهُمْ وَإِذَا حُشِرُوا تَحْتَ لِوَائِهِ فَهُوَ وَالٍ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ شَاهِدًا لَهُمْ فَمِنْ هَاهُنَا اتّصَلَ الْفِعْلُ بِعَلَى، فَتَقَوّى هَذَا الْوَجْهُ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ الْعَرَبِيّةِ وَهُوَ أَنّ
[ ٦ / ٥٧ ]
يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللهُ بِنَا، لِئَلّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: فَأَنَا أُبَلّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ﴿وَلَا تَحْسَبَنّ﴾ "
_________________
(١) النّبِيّ - ﷺ - حِينَ ذَكَرَ الشّهَدَاءَ قَالَ " وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعِ شَهِيدٍ "، وَلَمْ يَقُلْ شَهِيدَةً وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ " وَالنّفَسَاءُ شَهِيدٌ يَجُرّهَا جَنِينُهَا بِسَرَرِهِ إلَى الْجَنّةِ "، وَلَمْ يَقُلْ شَهِيدَةً وَفَعِيلٌ إذَا كَانَ صِفَةً لِمُؤَنّثِ كَانَ بِغَيْرِ هَاءٍ إذَا كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ نَحْوَ امْرَأَةٍ قَتِيلٍ وَجَرِيحٍ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَانَ بِالْهَاءِ كَقَوْلِهِمْ امْرَأَةٌ عَلِيمَةٌ وَرَحِيمَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَدَلّ عَلَى أَنّ الشّهِيدَ مَشْهُودٌ لَهُ وَمَشْهُودٌ عَلَيْهِ وَهَذَا اسْتِقْرَاءٌ مِنْ اللّغَةِ صَحِيحٌ وَاسْتِنْبَاطٌ مِنْ الْحَدِيثِ بَدِيعٌ فَقِفْ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ الْمَرْفُوعَ وَفِيهِ أَنّ اللهَ جَعَلَ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ ذُكِرَ لَنَا أَنّ أَرْوَاحَ الشّهَدَاءَ تَتَعَارَفُ عِنْدَ السّدْرَةِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ بِيضٍ وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرّوَايَةَ قَوْمٌ وَقَالُوا: لَا يَكُونُ رَوْحَانِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ وَإِنّ ذَلِكَ مُحَالٌ وَهَذَا جَهْلٌ بِالْحَقَائِقِ فَإِنّ مَعْنَى الْكَلَامِ بَيّنٌ فَإِنّ رُوحَ الشّهِيدِ الّذِي كَانَ فِي جَسَدِهِ فِي الدّنْيَا، يُجْعَلُ فِي جَسَدٍ آخَرَ كَأَنّهُ صُورَةُ طَائِرٍ فَيَكُونُ فِي هَذَا الْجَسَدِ الْآخَرِ كَمَا كَانَ فِي الْأَوّلِ إلَى أَنْ يُعِيدَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا خَلَقَهُ وَهَذِهِ الرّوَايَةُ لَا تُعَارِضُ مَا رَوَوْهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ وَالشّهَدَاءُ طَيْرٌ خُضْرٌ وَجَمِيعُ الرّوَايَاتِ كُلّهَا مُتّفِقَةُ الْمَعْنَى، وَإِنّمَا الّذِي يَسْتَحِيلُ فِي الْعَقْلِ قِيَامُ حَيَاتَيْنِ بِجَوْهَرِ وَاحِدٍ فَيَحْيَا الْجَوْهَرُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَأَمّا رَوْحَانِ فِي جَسَدٍ فَلَيْسَ بِمُحَالِ إذَا لَمْ نَقُلْ بِتَدَاخُلِ الْأَجْسَامِ فَهَذَا الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمّهِ وَرُوحِهِ غَيْرُ رُوحِهَا،
[ ٦ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَيْهِمَا جَسَدٌ وَاحِدٌ وَهَذَا أَنْ لَوْ قِيلَ لَهُمْ إنّ الطّائِرَ لَهُ رُوحٌ غَيْرُ رُوحِ الشّهِيدِ وَهُمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ وَإِنّمَا قَالَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ أَيْ فِي صُورَةِ طَيْرٍ خُضْرٍ كَمَا تَقُولُ رَأَيْت مَلَكًا فِي صُورَةِ إنْسَانٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ " إنّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي ثَمَرِ الْجَنّةِ " تَأَوّلَهُ بَعْضُهُمْ مَخْصُوصًا بِالشّهِيدِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنّمَا الشّهِيدُ فِي الْجَنّةِ يَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ ثُمّ يَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلّقَةٍ فِي الْعَرْشِ وَغَيْرُ الشّهِيدِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ نَسَمَتُهُ أَيْ رُوحُهُ طَائِرٌ لَا أَنّ رُوحَهُ جُعِلَ فِي جَوْفِ طَائِرٍ لِيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ كَمَا فَعَلَ بِالشّهِيدِ لَكِنّ الرّوحَ نَفْسَهُ طَائِرٌ يَعْلَقُ بِشَجَرِ الْجَنّةِ يَعْلَقُ بِفَتْحِ اللّامِ يَنْشَبُ بِهَا، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْهَا، وَمَنْ رَوَاهُ يَعْلَقُ فَمَعْنَاهُ يُصِيبُ الْعَلَقَةَ أَيْ يَنَالُ مَعَهَا مَا هُوَ دُونَ نَيْلِ الشّهِيدِ فَضَرَبَ الْعَلَقَةَ مَثَلًا، لِأَنّ مَنْ أَصَابَ الْعَلَقَةَ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ فَقَدْ أَصَابَ دُونَ مَا أَصَابَ غَيْرُهُ مِمّنْ أَدْرَكَ الرّغَدَ فَهُوَ مِثْلُ مَضْرُوبٍ يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى. وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِيَعْلَقُ الْأَكْلَ نَفْسَهُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالشّهِيدِ فَتَكُونُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ بِالضّمّ لِلشّهَدَاءِ وَرِوَايَةُ الْفَتْحِ لِمَنْ دُونَهُمْ فَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ ثُمّ تَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ يُصَدّقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﷿ ﴿وَالشّهَدَاءُ عِنْدَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الْحَدِيدُ: ١٩] وَإِنّمَا تَأْوِي إلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ لَيْلًا، وَتَسْرَحُ نَهَارًا، فَتَعْلَمُ بِذَلِكَ اللّيْلَ مِنْ النّهَارِ وَبَعْدَ دُخُولِ الْجَنّةِ فِي الْآخِرَةِ لَا تَأْوِي إلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ - وَاَللهُ أَعْلَمُ - وَإِنّمَا ذَلِكَ مُدّةُ الْبَرْزَخِ هَذَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشّهَدَاءُ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِ الْجَنّةِ وَلَيْسُوا فِيهَا، وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو عُمَرَ قَوْلَ مُجَاهِدٍ، وَرَدّهُ وَلَيْسَ بِمُنْكَرِ عِنْدِي، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي
[ ٦ / ٥٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ الْأَنْصَارِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "الشّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنّةِ، فِي فِئَةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنّةِ بُكْرَةً وَعَشِيّا"
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ﴿وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمرَان:١٦٩] فَقَالَ أَمَا إنّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْهَا فَقِيلَ لَنَا: "إنّهُ لَمّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدِ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إلَى قِنْدِيلٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلّ الْعَرْشِ فَيَطّلِعُ اللهُ ﷿ عَلَيْهِمْ إطْلَاعَةً فَيَقُولُ يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ؟ قَالَ فَيَقُولُونَ رَبّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتنَا، الْجَنّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا قَالَ ثُمّ يَطّلِعُ اللهُ عَلَيْهِمْ إطْلَاعَةً فَيَقُولُ يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ رَبّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتنَا، الْجَنّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا قَالَ ثُمّ يَطّلِعُ عَلَيْهِمْ إطْلَاعَةً فَيَقُولُ
_________________
(١) شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ النّبِيّ ﷺ قَالَ " الشّهَدَاءُ بِنَهَرِ " أَوْ عَلَى نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ " بَارِقٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنّةِ فِي قِبَابٍ خُضْرٍ يَأْتِيهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْهَا بُكْرَةً وَعَشِيّا "، فَهَذَا يُبَيّنُ مَا أَرَادَ مُجَاهِدٌ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمِمّا وَقَعَ السّيرَةُ أَيْضًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ هِشَامٍ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ، قَالَ حَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ قَالَ حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ " الشّهَدَاءُ ثَلَاثَةٌ فَأَدْنَى الشّهَدَاءُ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ خَرَجَ مُسَوّدًا بِنَفْسِهِ وَرَحْلِهِ لَا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا يُقْتَلَ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَهُ قَالَ فَأَوّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ يَغْفِرُ اللهُ بِهَا مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ثُمّ يُهْبِطُ اللهُ إلَيْهِ جَسَدًا مِنْ السّمَاءِ فَيَجْعَلُ فِيهِ رُوحَهُ ثُمّ يُصْعَدُ بِهِ إلَى اللهِ فَمَا يَمُرّ بِسَمَاءِ مِنْ السّمَوَاتِ
[ ٦ / ٦٠ ]
يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ رَبّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتنَا، الْجَنّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا. إلّا أَنّا نُحِبّ أَنْ تُرَدّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا، ثُمّ نُرَدّ إلّا الدّنْيَا، فَنُقَاتِلُ فِيك، حَتّى نُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ
قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَلَا أُبَشّرُك يَا جَابِرُ؟ قَالَ قُلْت: بَلَى يَا نَبِيّ اللهِ قَالَ "إنّ أَبَاك حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدِ أَحْيَاهُ اللهُ ﷿ ثُمّ قَالَ لَهُ مَا تُحِبّ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ أَفْعَلَ بِك؟ قَالَ أَيْ رَبّ أُحِبّ أَنْ تَرُدّنِي إلَى الدّنْيَا فَأُقَاتِلُ فِيك، فَأُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى
_________________
(١) إلّا شَيّعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتّى يَنْتَهِيَ بِهِ إلَى اللهِ فَإِذَا انْتَهَى بِهِ إلَيْهِ وَقَعَ سَاجِدًا، ثُمّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُكْسَى سَبْعِينَ زَوْجًا مِنْ الْإِسْتَبْرَقِ "، ثُمّ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ "كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ شَقَائِقِ النّعْمَان" وَحَدّثَ كَعْبُ الْأَخْبَارِ عَنْ قَوْلِ - رَسُولِ اللهِ ﵇ - فَقَالَ كَعْبُ الْأَخْبَارِ أَجَلّ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ شَقَائِقِ النّعْمَانِ ثُمّ يَقُولُ اذْهَبُوا بِهِ إلَى إخْوَتِهِ مِنْ الشّهَدَاءِ، فَاجْعَلُوهُ. مَعَهُمْ فَيُؤْتَى بِهِ إلَيْهِمْ مِنْ قُبّةٍ خَضْرَاءَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْجَنّةِ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ حُوتٌ وَنُورٌ مِنْ الْجَنّةِ لِغَدَائِهِمْ فَيَلْعَبَانِهِمْ حَتّى إذَا كَثُرَ عَجَبُهُمْ مِنْهَا طَعَنَ الثّوْرُ الْحُوتَ بِقَرْنِهِ فَبَقَرَهُ. لَهُمْ عَمّا يَدْعُونَ. ثُمّ يَرُوحَانِ عَلَيْهِمْ لِعَشَائِهِمْ فَيُلَعّبَانِهِمْ حَتّى إذَا كَثُرَ عَجَبُهُمْ مِنْهُمَا ضَرَبَ الْحُوتُ الثّوْرَ بِذَنْبِهِ فَبَقَرَهُ. لَهُمْ عَمّا يَدْعُونَ فَإِذَا انْتَهَى إلَى إخْوَانِهِ سَأَلُوهُ. تَسْأَلُوا الرّاكِبَ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ بِلَادَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ أَفْلَسَ فَيَقُولُونَ فَمَا أَهْلَكَ مَالَهُ فَوَاَللهِ إنْ كَانَ لَكَيّسًا جَمُوعًا تَاجِرًا، فَيُقَالُ لَهُمْ إنّا لَا نَعُدّ الْفَلَسَ مَا تَعُدّونَ وَإِنّمَا
[ ٦ / ٦١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُفَارِقُ الدّنْيَا يُحِبّ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَأَنّ لَهُ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا إلّا الشّهِيدُ فَإِنّهُ يُحِبّ أَنْ يُرَدّ إلَى الدّنْيَا، فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ مَرّةً أُخْرَى
ذِكْرُ مَنْ خَرَجُوا مَعَ الرّسُولِ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمرَان:١٧٢] أَيْ الْجِرَاحُ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ - الْغَدَ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمرَان:١٧٢-١٧٣] وَالنّاسُ الّذِينَ قَالُوا لَهُمْ مَا قَالُوا، النّفَرُ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ الّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ مَا قَالَ قَالُوا إنّ أَبَا سُفْيَانَ
_________________
(١) نَعُدّ الْفَلَسَ مِنْ الْأَعْمَالِ فَمَا فَعَلَ فُلَانٌ وَامْرَأَتُهُ فُلَانَةُ؟ فَيَقُولُ طَلّقَهَا، فَيَقُولُونَ فَمَا الّذِي نَزَلَ بَيْنَهُمَا، حَتّى طَلّقَهَا، فَوَاَللهِ إنْ كَانَ بِهَا لَمُعْجَبًا؟ فَيَقُولُونَ مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ مَاتَ أيهات قَبْلُ بِزَمَانِ فَيَقُولُونَ هَلَكَ وَاَللهِ مَا سَمِعْنَا لَهُ بِذِكْرِ إنّ لِلّهِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا: عَلَيْنَا، وَالْآخَرُ يُخَالِفُ بِهَا عَنّا، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِ خَيْرًا أَمَرّ بِهِ عَلَيْنَا، فَعَرَفْنَا، وَعَرَفْنَا مَتَى مَاتَ وَاذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِ شَرّا خُولِفَ بِهِ عَنّا، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرِ هَلَكَ وَاَللهِ فُلَانٌ فَإِنّ هَذَا لِأَدْنَى الشّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ نَزْلَةً وَإِنّ الْآخَرَ رَجُلٌ خَرَجَ مُسَوّدًا بِنَفْسِهِ وَرَحْلِهِ يُحِبّ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا يُقْتَلَ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَهُ فَذَلِكَ رَفِيقُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحُكّ رُكْبَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ وَأَفْضَلُ الشّهَدَاءِ: رَجُلٌ خَرَجَ مُسَوّدًا بِنَفْسِهِ وَرَحْلِهِ يُحِبّ أَنْ يَقْتُلَ وَأَنْ يُقْتَلَ وَقَاتَلَ حَتّى قَتَلَ قَعْصًا فَذَلِكَ
[ ٦ / ٦٢ ]
وَمَنْ مَعَهُ رَاجِعُونَ إلَيْكُمْ يَقُولُ اللهُ ﷿ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمرَان:١٧٤] لِمَا صَرَفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ لِقَاءِ عَدُوّهِمْ إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ أَيْ لِأُولَئِكَ الرّهْطِ وَمَا أَلْقَى الشّيْطَانُ عَلَى أَفْوَاههمْ ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمرَان:١٧٥] أَيْ يَرْهَبُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَا يَحْزُنْكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمرَان:١٧٦] أَيْ الْمُنَافِقُونَ ﴿إِنّهُمْ لَنْ يَضُرّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِنّ الّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَا يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمرَان: ١٧٦ ١٧٧ ١٧٨ ١٧٩] أَيْ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمرَان:١٧٩] أَيْ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِهِ لِتَحْذَرُوا مَا يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ فِيهِ ﴿وَلَكِنّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمرَان:١٧٩] أَيْ يُعَلّمُهُ ذَلِكَ ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمرَان:١٧٩] أَيْ تَرْجِعُوا وَتَتُوبُوا ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمرَان:١٧٩]
_________________
(١) يَبْعَثُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِرًا سَيْفَهُ يَتَمَنّى عَلَى اللهِ لَا يَسْأَلُهُ شَيْئًا إلّا أَعْطَاهُ إيّاهُ". وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْحُوتِ وَلَعِبُهُ مَعَ الثّوْرِ وَقَدْ خَرّجَهُ هَنّادُ بْنُ السّرِيّ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ فِي كِتَابِ الرّقَاقِ لَهُ بِأَكْثَرَ مِمّا وَقَعَ هَا هُنَا، وَفِي الصّحِيحَيْنِ مِنْهُ ذَكَرَ أَكْلَ أَهْلِ الْجَنّةِ مِنْ كَبِدٍ أَوّلَ مَا يَأْكُلُونَ ثُمّ يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنّةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ
[ ٦ / ٦٣ ]
ذِكْرُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ
مِنْ بَنِي هَاشِمٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ بَابِ التّفَكّرِ وَالِاعْتِبَارِ أَنّ الْحُوتَ لَمّا كَانَ عَلَيْهِ قَرَرُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَهُوَ حَيَوَانٌ سَابِحٌ لِيَسْتَشْعِرَ أَهْلُ هَذِهِ الدّارِ أَنّهُمْ فِي مَنْزِلٍ قُلْعَةٍ وَلَيْسَ بِدَارِ قَرَارٍ فَإِذَا نُحِرَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنّةَ فَأَكَلُوا مِنْ كَبِدِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ إشْعَارٌ لَهُمْ بِالرّاحَةِ مِنْ دَارِ الزّوَالِ وَأَنّهُمْ قَدْ صَارُوا إلَى دَارِ الْقَرَارِ كَمَا يُذْبَحُ لَهُمْ الْكَبْشُ الْأَمْلَحُ عَلَى الصّرَاطِ وَهُوَ صُورَةُ الْمَوْتِ لِيَسْتَشْعِرُوا أَنْ لَا مَوْتَ وَأَمّا الثّوْرُ فَهُوَ آلَةُ الْحَرْثِ وَأَهْلُ الدّنْيَا لَا يَخْلَوْنَ مِنْ أَحَدِ الْحَرْثَيْنِ حَرْثٍ لِدُنْيَاهُمْ وَحَرْثٍ لِأُخْرَاهُمْ فَفِي نَحْرِ الثّوْرِ لَهُمْ هُنَالِكَ إشْعَارٌ بِإِرَاحَتِهِمْ مِنْ الْكَدّيْنِ وَتَرْفِيهِهِمْ مِنْ نَصَبِ الْحَرْثَيْنِ فَاعْتَبِرْ وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
[ ٦ / ٦٤ ]
مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ﵁؟ قَتَلَهُ وَحْشِيّ، غُلَامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.
مِنْ بَنِي أُمَيّةَ
وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ.
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَتَلَهُ ابْنُ قَمِئَةَ اللّيْثِيّ.
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: شَمّاسُ بْنُ عُثْمَانَ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
مِنْ الْأَنْصَارِ
وَمِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ وَالْحَارِثُ بْنُ أَنَسِ بْنِ رَافِعٍ وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادِ بْنِ السّكَنِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السّكَنُ بْنُ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَيُقَالُ السّكَنُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَسَلَمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ وَعَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ زَعَمَ لِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ:
أَنّ أَبَاهُمَا ثَابِتًا قُتِلَ يَوْمَئِذٍ. وَرِفَاعَةُ بْنُ وَقْشٍ. وَحُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ أَبُو حُذَيْفَةَ وَهُوَ الْيَمَانُ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَا يَدْرُونَ فَتَصَدّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ وَصَيْفِيّ بْنُ قَيْظِيّ. وَحَبَابُ بْنُ قَيْظِيّ. وَعَبّادُ بْنُ سَهْلٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
مِنْ رَاتِجٍ
وَمِنْ أَهْلِ رَاتِجٍ: إيَاسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ زَعُورَاءَ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ؟ وَعُبَيْدُ بْنُ التّيّهَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَتِيكُ بْنُ التّيّهَانِ.
وَحَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ تَيْمٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
_________________
(١) إغْفَالُ ابْنِ إسْحَاقَ نَسَبَ عُبَيْدِ بْنِ التّيّهَانِ فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ عُبَيْدَ بْنَ التّيّهَانِ. وَاسْمُ التّيّهَانِ مَالِكٌ " وَلَمْ يَرْفَعْ نَسَبَهُ وَكَذَلِكَ فَعَلَ فِي هَذَا النّسَبِ حَيْثُ وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ نَسَبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَقَدْ رَفَعْنَاهُ عِنْدَ ذِكْرِ أَبِي الْهَيْثَمِ وَذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ هُنَالِكَ. وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: وَلَا مِثْلَ أَضْيَافِ الْأَرَاشِيّ مَعْشَرَا
[ ٦ / ٦٥ ]
مِنْ بَنِي ظَفَرٍ
وَمِنْ بَنِي ظَفَرٍ: يَزِيدُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ رَافِعٍ. رَجُلٌ.
مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرِ بْنِ صَيْفِيّ بْنِ نُعْمَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أُمَةَ، هُوَ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ قَتَلَهُ شَدّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ شَعُوبٍ اللّيْثِيّ رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْسُ: بْنُ زَيْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ وَمَالِكُ بْنُ أُمَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ.
مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ: أُنَيْسُ بْنُ قَتَادَةَ. رَجُلٌ. وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَبُو حَيّةَ وَهُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ لِأُمّهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو حَيّةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النّعْمَانِ وَهُوَ أَمِيرُ الرّمَاةِ. رَجُلَانِ.
_________________
(١) يَعْنِي: أَبَا الْهَيْثَمِ فَجَعَلَهُ إرَاشِيّا، وَلَيْسَتْ إرَاشَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَنَسَبَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ إلَى بَلِيّ، وَقَالُوا: هُوَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيّ فِي الْمُسْتَشْهَدِ يَوْمَ أُحُدٍ: عُبَيْدُ بْنُ التّيّهَانِ، وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَابْنُ عُمَارَةَ هُوَ عَتِيكُ بْنُ التّيّهَانِ.
[ ٦ / ٦٦ ]
مِنْ بَنِي السّلْمِ:
وَمِنْ بَنِي السّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: خَيْثَمَةُ أَبُو سَعْدِ بْنُ خَيْثَمَةَ. رَجُلٌ.
مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ: رَجُلٌ.
مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ
وَمِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ سُبَيْعُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ هَيْشَةَ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ سُوَيْبِقُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ هَيْشَةَ.
من بني النجار
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمِنْ بَنِي النّجّارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنِيّ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وَابْنُهُ قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ قَيْسِ: بْنُ زَيْدِ بْنِ سَوَادٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَثَابِتُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ، وَعَامِرُ بْنُ مَخْلَدٍ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي مَبْذُولٍ
وَمِنْ بَنِي مَبْذُولٍ أَبُو هُبَيْرَةَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَقَفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ مَبْذُولٍ وَعَمْرُو بْنُ مُطّرِفِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرٍو رَجُلَانِ.
_________________
(١) أَبُو حَنّةَ أَوْ حَبّةَ وَذَكَرَ فِيهِمْ أَبَا حَبّةٍ الْأَنْصَارِيّ الْبَدْرِيّ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو حَنّةَ بْنُ ثَابِتٍ بِالنّونِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْوَاقِدِيّ، قَالَ لَيْسَ فِيمَنْ شَهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ اسْمِهِ أَبُو حَبّة
[ ٦ / ٦٧ ]
مِنْ بَنِي عَمْرٍو
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ: أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
مِنْ بَنِي عَدِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّار أَنَسُ بْنُ النّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ النّجّارِ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسُ بْنُ النّضْرِ، عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: خَادِمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
مِنْ بَنِي مَازِنٍ
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّار قَيْسُ بْنُ مَخْلَدٍ وَكَيْسَانُ عَبْدٌ لَهُنّ. رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي دِينَارٍ
وَمِنْ بَنِي دِينَارِ بْنِ النّجّارِ: سُلَيْمُ بْنُ الْحَارِثِ وَنُعْمَانُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو. رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي الْحَارِثِ
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ وَسَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَأَوْسُ بْنُ الْأَرْقَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ
وَمِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ، وَهُمْ بَنُو خُدْرَةَ: مَالِكُ بْنُ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَهُوَ أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ.
_________________
(١) بِالْبَاءِ وَكَذَلِكَ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَبُو حَنّةَ بِالنّونِ شَهِدَ بَدْرًا، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ مِنْ الْأَوْسِ، وَاسْمُهُ ثَابِتٍ وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ وَالِاخْتِلَافُ فِي اسْمِهِ وَفِي كُنْيَتِهِ كَثِيرٌ. وَأَمّا أَبُو حَبّةَ الْمُسْتَشْهَدُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَهُوَ أَبُو
[ ٦ / ٦٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ سِنَانٌ وَيُقَالُ سَعْدٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَعِيدُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبّادِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ
وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ وَثَقْفُ بْنُ فَرْوَةَ بْنِ الْبَدِيّ. رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي طَرِيفٍ
وَمِنْ بَنِي طَرِيفٍ، رَهْطُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ وَقْشِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفٍ، وَضَمْرَةُ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي جُهَيْنَةَ. رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي عَوْفٍ
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنَمِ بْنِ سَالِمٍ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَنُعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ فِهْرِ بْنِ غَنَمِ بْنِ سَالِمٍ وَالْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الْحِسْحَاسِ.
دُفِنَ النّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ وَالْمُجَذّرُ وَعُبَادَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي الْحُبْلَى
وَمِنْ بَنِي الْحُبْلَى: رِفَاعَةُ بْنُ عَمْرٍو. رَجُلٌ.
مِنْ بَنِي سَلِمَةَ
وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي حَرَامٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، دَفْنًا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَخَلّادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ وَأَبُو أَيْمَنَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
_________________
(١) حَبّةَ بْنُ غَزِيّةَ بِالْبَاءِ الْمَنْقُوطَةِ بِوَاحِدَةِ مِنْ أَسْفَلَ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلّا مَنْ لَا يُؤْبَهُ
[ ٦ / ٦٩ ]
مِنْ بَنِي سَوَادٍ
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنَمٍ: سُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَدِيدَةَ، وَمَوْلَاهُ عَنْتَرَةُ، وَسَهْلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرٍ: ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ الْمُعَلّى بْنِ لَوْذَانَ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُبَيْدُ بْنُ الْمُعَلّى، مِنْ بَنِي حَبِيبٍ.
عَدَدُ الشّهَدَاءِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، خَمْسَةٌ وَسِتّونَ رَجُلًا.
مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمّنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ السّبْعِينَ الشّهَدَاءِ الّذِينَ ذَكَرْنَا، مِنْ الْأَوْسِ، ثُمّ مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ: مَالِكُ بْنُ نُمَيْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ.
مِنْ بَنِي خَطْمَةَ
وَمِنْ بَنِي خَطْمَةَ - وَاسْمُ خَطْمَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ –
_________________
(١) بِقَوْلِهِ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ غَزِيّةَ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَالْأَوّلُ مِنْ الْأَوْسِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْأَوّلِ أَوْ حَيّةُ بِيَاءِ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ فَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ٧٠ ]
الْحَارِثُ بْنُ عَدِيّ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَطْمَةَ.
مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ:
وَمِنْ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مَالِكٍ: مَالِكُ بْنُ إيَاسَ.
مِنْ بَنِي عَمْرٍو:
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ: إيَاسُ بْنُ عَدِيّ.
مِنْ بَنِي سَالِمٍ:
وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: عَمْرُو بْنُ إيَاسٍ.
_________________
(١) وَحَنّةُ بِالنّونِ دَيْرُ حَنّةَ مَعْرُوفٌ بِالشّامِ، وَحَنّةُ أُمّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَخَنّةُ بِخَاءِ مَنْقُوطَةٍ بِنْتُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ الْقَاضِي، وَهِيَ أُمّ مُحَمّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيّ
[ ٦ / ٧١ ]
ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ مِنْ أَصْحَابِ اللّوَاءِ: طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، "و" أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧١ ]
وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَمُسَافِعُ بْنُ طَلْحَةَ، وَالْجُلّاسُ بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُمَا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، وَكِلَابُ بْنُ طَلْحَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ طَلْحَةَ قَتَلَهُمَا قُزْمَانُ، حَلِيفٌ لِبَنِي ظَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ قَتَلَ كِلَابًا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَرْطَاةُ بْنُ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَبُو يَزِيدَ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَصُؤَابٌ غُلَامٌ لَهُ حَبَشِيّ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَيُقَالُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَيُقَالُ أَبُو دُجَانَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْقَاسِطُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ قَتَلَهُ قُزْمَانُ. أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
مِنْ بَنِي أَسَدٍ
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ. قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. رَجُلٌ.
مِنْ بَنِي زُهْرَةِ
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: أَبُو الْحَكَمِ بْنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ
_________________
(١) الْفَقِيهِ وَجَنّةُ بِالْجِيمِ لَا يُعْرَفُ إلّا أَبُو جَنّةَ خَالُ ذِي الرّمّةِ الشّاعِرِ قَالَهُ ابْنُ مَاكُولَا.
[ ٦ / ٧٢ ]
الثّقَفِيّ، حَلِيفٌ لَهُمْ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَسُبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى وَاسْمُ عَبْد الْعُزّى: عَمْرُو بْنُ نَضْلَةَ بْنُ غُبْشَانَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَلَكَانِ بْنِ أَفْصَى - حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ، هِشَامُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَأَبُو أُمَيّةَ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ حَلِيفٌ لَهُمْ قَتَلَهُ قُزْمَانُ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي جُمَحَ
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرٍو: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَهُوَ أَبُو عَزّةَ قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبْرًا، وَأُبَيّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ. رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي عَامِرٍ
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: عُبَيْدَةُ بْنُ جَابِرٍ، وَشَيْبَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْمُضَرّبِ قَتَلَهُمَا قُزْمَانُ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ قَتَلَ عُبَيْدَةَ بْنَ جَابِرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
عَدَدُ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَجَمِيعُ مَنْ قَتَلَ اللهُ ﵎ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ رَجُلًا.
_________________
(١) وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ سَلَمَةُ بِفَتْحِ اللّامِ تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْأُصُولِ الصّحَاحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي بَابِ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللّامِ وَأَخْبَرَ أَنّهَا رِوَايَةُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَيْضًا أَنّهَا رِوَايَةُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ٧٣ ]
ذِكْرُ مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ يَوْمَ أُحُدٍ
شِعْرُ هُبَيْرَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ، قَوْلُ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ:
مَا بَالُ هَمّ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقُنِي بِالْوُدّ مِنْ هِنْدَ إذْ تَعْدُو عَوَادِيهَا
بَاتَتْ تُعَاتِبُنِي هِنْدٌ وَتَعْذُلُنِي وَالْحَرْبُ قَدْ شُغِلَتْ عَنّي مَوَالِيهَا
مَهْلًا فَلَا تَعْذِلِينِي إنّ مِنْ خُلُقِي مَا قَدْ عَلِمْت وَمَا إنْ لَسْت أُخْفِيهَا
مُسَاعِفٌ لِبَنِي كَعْبٍ بِمَا كَلِفُوا حَمّالُ عَبْءٍ وَأَثْقَالٌ أُعَانِيهَا
وَقَدْ حَمَلْت سِلَاحِي فَوْقَ مُشْتَرَفٍ سَاطٍ سَبُوحٍ إذَا تَجْرِي يُبَارِيهَا
كَأَنّهُ إذْ جَرَى عِيرٌ بِفَدْفَدَةِ مُكَدّمٌ لَاحِقٌ بِالْعَوْنِ يَحْمِيهَا
مِنْ آلِ أَعْوَجَ يَرْتَاحُ النّدِيّ لَهُ كَجَذْعِ شَعْرَاءَ مُسْتَعْلٍ مَرَاقِيهَا
أَعْدَدْته وَرِقَاقَ الْحَدّ مُنْتَخَلَا وَمَارِنًا لِخُطُوبِ قَدْ أُلَاقِيهَا
_________________
(١) شَرْحُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مِنْ الْأَشْعَارِ وَقَدْ شَرَطْنَا الْإِضْرَابَ عَنْ شَرْحِ شِعْرِ الْكَفَرَةِ وَالْمُفَاخِرِينَ بِقِتَالِ النّبِيّ - ﷺ -
[ ٦ / ٧٤ ]
هَذَا وَبَيْضَاءَ مِثْلُ النّهْيِ مُحْكَمَةٌ نِيطَتْ عَلَيّ فَمَا تَبْدُو مَسَاوِيهَا
سُقْنَا كِنَانَةَ مِنْ أَطْرَافِ ذِي يَمَنٍ عُرْضُ الْبِلَادِ عَلَى مَا كَانَ يُزْجِيهَا
قَالَتْ كِنَانَةُ أَنّى تَذْهَبُونَ بِنَا؟ قُلْنَا: النّخِيلَ فَأَمّوهَا وَمَنْ فِيهَا
نَحْنُ الْفَوَارِسُ يَوْمَ الْجَرّ مِنْ أُحُدٍ هَابَتْ مَعَدّ فَقُلْنَا نَحْنُ نَأْتِيهَا
هَابُوا ضِرَابًا وَطَعْنًا صَادِقًا خَذِمًا مِمّا يَرَوْنَ وَقَدْ ضُمّتْ قَوَاصِيهَا
ثُمّتْ رُحْنَا كَأَنّا عَارِضٌ بَرِدٌ وَقَامَ هَامُ بَنِي النّجّارِ يَبْكِيهَا
كَأَنّ هَامَهُمْ عِنْدَ الْوَغَى فِلَقٌ مِنْ قَيْضِ رُبْدٍ نَفَتْهُ عَنْ أَدَاحِيهَا
أَوْ حَنْظَلَ ذَعْذَعَتْهُ الرّيحُ فِي غُصْنٍ بَالٍ تَعَاوَرَهُ مِنْهَا سَوَافِيهَا
قَدْ نَبْذُلُ الْمَالَ سَحّا لَا حِسَابَ لَهُ وَنَطْعَنُ الْخَيْلَ شَزْرًا فِي مَآقِيهَا
وَلَيْلَةً يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا
وَلَيْلَةً مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ جَرْبَا جُمَادِيّةٍ قَدْ بِتّ أَسْرِيهَا
_________________
(١) إلّا مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ لَكِنّهُ ذَكَرَ فِي شِعْرِ هُبَيْرَةَ الّذِي بَدَأَ بِهِ بَيْتَيْنِ لَيْسَا مِنْ شِعْرِهِ فَلِذَلِكَ ذَكَرْتهمَا، وَهُمَا: وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ جَرْبَا جُمَادِيّةٍ قَدْ بِتّ أَسْرِيهَا قَوْلُهُ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ أَيْ يَسْتَدْفِئُ بِهِ مِنْ شِدّةِ الْبَرْدِ. حَوْلَ جَمْعِ نَدَى وَأَسْمَاءِ الشّهُورِ وَقَوْلُهُ يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ يُرِيدُ يَخْتَصّ الْأَغْنِيَاءَ طَلَبًا لِمُكَافَأَتِهِمْ وَلِيَأْكُلَ عِنْدَهُمْ يَصِفُ شِدّةَ الزّمَانِ قَالَهُ يَعْقُوبُ فِي الْأَلْفَاظِ وَنَسَبَهُمَا الْهُذَلِيّ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ أَنّهُمَا لَيْسَا لِهُبَيْرَةَ وَنَسَبَهُمَا لِجَنُوبَ أُخْتِ
[ ٦ / ٧٥ ]
لَا يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَرِيسِ وَلَا تَسْرِي أَفَاعِيهَا
أَوْقَدَتْ فِيهَا لِذِي الضّرّاءِ جَاحِمَةً كَالْبَرْقِ ذَاكِيَةَ الْأَرْكَانِ أَحْمِيهَا
أَوْرَثَنِي ذَاكُمْ عَمْرٌو وَوَالِدُهُ مِنْ قَبْلِهِ كَانَ بِالْمَثْنَى يُغَالِيهَا
كَانُوا يُبَارُونَ أَنْوَاءَ النّجُومِ فَمَا دَنَتْ عَنْ السّورَةِ الْعُلْيَا مَسَاعِيهَا
شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى هُبَيْرَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
سُقْتُمْ كِنَانَةَ جَهْلًا مِنْ سَفَاهَتِكُمْ إلَى الرّسُولِ فَجَنّدَ اللهُ مُخْزِيهَا
أَوْرَدْتُمُوهَا حِيَاضَ الْمَوْتِ صَاحِيَةً فَالنّارُ مَوْعِدُهَا، وَالْقَتْلُ لَاقِيهَا
جَمَعْتُمُوهَا أَحَابِيشًا بِلَا حَسَبٍ أَئِمّةُ الْكُفْرِ غَرّتْكُمْ طَوَاغِيهَا
_________________
(١) عَمْرٍو ذِي الْكَلْبِ الْهُذَلِيّ. وَقَوْلُهُ ذَاتُ أَنْدِيَةٍ جَمْعُ نَدَى عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَقَدْ قِيلَ إنّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ كَأَنّهُ جَمْعُ نَدَى عَلَى نِدَاءٍ مِثْلُ جَمَلٍ وَجِمَالٍ ثُمّ جَمْعُ الْجَمْعِ عَلَى أَفْعِلَةٍ وَهَذَا بَعِيدٌ فِي الْقِيَاسِ لِأَنّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ لَا يُجْمَعُ وَفَعّالٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ وَقَدْ قِيلَ هُوَ جَمْعُ نَدِيّ وَالنّدِيّ الْمَجْلِسُ وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَعْنَى الْبَيْتِ وَلَكِنّهُ جَمْعٌ جَاءَ عَلَى مِثَالٍ أَفْعِلَةٍ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى الْأَهْوِيَةِ وَالْأَشْتِيَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنّهُ فِي مَعْنَى الرّذَاذِ وَالرّشَاشِ وَهُمَا يُجْمَعَانِ عَلَى أَفْعِلَةٍ وَأَرَادَ بِجُمَادَى الشّهْرَ وَكَانَ هَذَا الِاسْمُ قَدْ وَقَعَ عَلَى هَذَا الشّهْرِ فِي زَمَنِ جُمُودِ الْمَاءِ ثُمّ انْتَقَلَ بِالْأَهِلّةِ وَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الصّيْفِ وَالْقَيْظِ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ هَذِهِ الشّهُورِ الْعَرَبِيّةِ سُمّيَتْ بِأَسْمَاءِ مَأْخُوذَةٍ مِنْ أَحْوَالِ السّنَةِ الشّمْسِيّةِ ثُمّ لَزِمَتْهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ.
[ ٦ / ٧٦ ]
أَلّا اعْتَبَرْتُمْ بِخَيْلِ اللهِ إذْ قَتَلَتْ أَهْلَ الْقَلِيبِ وَمَنْ أَلْقَيْنَهُ فِيهَا
كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ وَجَزّ نَاصِيَةٍ كُنّا مَوَالِيهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيّتَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الّذِي يَقُولُ فِيهِ
وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا
يُرْوَى لِجَنُوبَ أُخْتِ عَمْرٍو ذِي الْكَلْبِ الْهُذَلِيّ فِي أَبْيَاتٍ لَهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ أُحُدٍ.
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى هُبَيْرَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ أَيْضًا:
أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ عَنّا وَدُونَهُمْ مِنْ الْأَرْضِ خَرْقٌ سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ
_________________
(١) شَرْحُ شِعْرِ كَعْبٍ: وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ وَأَوّلُهُ أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ. وَقَدْ افْتَتَحَ قَصِيدَةً أُخْرَى فِي أَشْعَارِ بَدْرٍ بِهَذَا اللّفْظِ فَقَالَ: أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ فِي نَأْيِ دَارِهَا وَإِنّمَا يَذْكُرُ غَسّانَ لِأَنّهُمْ بَنُو عَمّ الْأَنْصَارِ، وَالْأَنْصَارُ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. وَاَلّذِينَ بِالشّامِ بَنُو جُحْفَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَالْكُلّ غَسّانُ، لِأَنّ غَسّانَ مَاءٌ شَرِبُوا مِنْهُ حِينَ ارْتِحَالُهُمْ مِنْ الْيَمَنِ فَسُمّوا بِهِ. وَقَوْلُهُ سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ أَيْ مُضْطَرِبٌ. وَقَوْلُهُ الْعَرَامِيسُ جَمْعُ عِرْمِسٌ
[ ٦ / ٧٧ ]
صَحَارٍ وَأَعْلَامٌ كَأَنّ قَتَامَهَا مِنْ الْبُعْدِ نَقْعٌ هَامِدٌ مُتَقَطّعُ
تَظَلّ بِهِ الْبُزْلُ الْعَرَامِيسُ رُزّحًا وَيَخْلُو بِهِ غَيْثُ السّنِينَ فَيُمْرَعُ
بِهِ جِيَفُ الْحَسْرَى يَلُوحُ صَلِيبُهَا كَمَا لَاحَ كَتّانُ التّجَارِ الْمُوَضّعُ
بِهِ الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خَلِفَةً وَبَيْضُ نَعَامٍ قَيْضُهُ يَتَقَلّعُ
مَجَالِدُنَا عَنْ دِينِنَا كُلّ فَخْمَةٍ مُذَرّبَةٍ فِيهَا الْقَوَانِسُ تَلْمَعُ
وَكُلّ صَمُوتٍ فِي الصّوَانِ كَأَنّهَا إذَا لُبِسَتْ تَهْيٌ مِنْ الْمَاءِ مُتْرَعُ
وَلَكِنْ بِبَدْرِ سَائِلُوا مَنْ لَقِيتُمْ مِنْ النّاسِ وَالْأَنْبَاءِ بِالْغَيْبِ تُدْفَعُ
وَإِنّا بِأَرْضِ الْخَوْفِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا سِوَانَا لَقَدْ أَجْلَوْا بِلَيْلِ فَأَقْشَعُوا
إذَا جَاءَ مِنّا رَاكِبٌ كَانَ قَوْلُهُ أَعِدّوا لِمَا يُزْجِي ابْنُ حَرْبٍ وَيَجْمَعُ
فَمَهْمَا يُهِمّ النّاسَ مِمّا يَكِيدُنَا فَنَحْنُ لَهُ مِنْ سَائِرِ النّاسِ أَوْسَعُ
فَلَوْ غَيْرُنَا كَانَتْ جَمِيعًا: تَكِيدُهُ الْبَ رّيّةُ قَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَوَزّعُوا
نُجَالِدُ لَا تَبْقَى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ مِنْ النّاسِ إلّا أَنْ يَهَابُوا وَيَفْظَعُوا
وَلَمّا ابْتَنَوْا بِالْعَرْضِ قَالَ سُرَاتُنَا عَلَامَ إذَا لَمْ تَمْنَعْ الْعِرْضَ نَزْرَعُ؟
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ نَتْبَعُ أَمْرَهُ إذَا قَالَ فِينَا الْقَوْلَ لَا نَتَطَلّعُ
تَدَلّى عَلَيْهِ الرّوحُ مِنْ عِنْدِ رَبّهِ يَنْزِلُ مِنْ جَوّ السّمَاءِ وَيُرْفَعُ
_________________
(١) وَهِيَ النّاقَةُ الْقَوِيّةُ عَلَى السّيْرِ. وَقَوْلُهُ قَيْضُهُ يَتَفَلّعُ أَيْ يَتَشَقّقُ وَالْقَيْضُ قُشُورُ الْبَيْضِ وَالْقَوَانِسُ جَمْعُ قَوْنَسٍ وَهِيَ بَيْضَةُ السّلَاحِ. وَقَوْلُهُ وَكُلّ صَمُوتٍ فِي الصّوَانِ، يَعْنِي: الدّرْعَ جَعَلَهَا صَمُوتًا لِشِدّةِ نَسْجِهَا وَإِحْكَامِ صَنْعَتِهَا، وَالنّهْيُ وَالنّهْيُ الْغَدِيرُ، سُمّيَ بِذَلِكَ لِأَنّ مَاءَهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ الْجَرَيَانِ بِارْتِفَاعِ الْأَرْضِ فَغَادَرَهُ السّيْلُ فَسُمّيَ غَدِيرًا، وَنَهَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمّيَ نَهْيًا.
[ ٦ / ٧٨ ]
نُشَاوِرُهُ فِيمَا نُرِيدُ وَقَصْرُنَا إذَا مَا اشْتَهَى أَنّا نُطِيعُ وَنَسْمَعُ
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَمّا بَدَوْا لَنَا ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ الْمَنِيّاتِ وَاطْمَعُوا
وَكُونُوا كمن يشري الْحَيَّة تَقَرّبًا إلَى مَلِكٍ يُحْيَا لَدَيْهِ وَيُرْجَعُ
وَلَكِنْ خُذُوا أَسْيَافَكُمْ وَتَوَكّلُوا عَلَى اللهِ إنّ الْأَمْرَ لِلّهِ أَجْمَعُ
فَسِرْنَا إلَيْهِمْ جَهْرَةً فِي رِحَالِهِمْ ضُحَيّا عَلَيْنَا الْبِيضُ لَا نَتَخَشّعُ
بِمَلْمُومَةِ فِيهَا السّنّوْرُ وَالْقَنَا إذَا ضَرَبُوا أَقْدَامَهَا لَا تَوَرّعُ
فَجِئْنَا إلَى مَوْجٍ مِنْ الْبَحْرِ وَسَطُهُ أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنّعٌ
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيّةٌ ثَلَاثُ مِئِينٍ إنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ
نُغَاوِرُهُمْ تَجْرِي الْمَنِيّةُ بَيْنَنَا نُشَارِعُهُمْ حَوْضَ الْمَنَايَا وَنَشْرَعُ
تَهَادَى قَسَيّ النّبْعِ فِينَا وَفِيهِمْ وَمَا هُوَ إلّا الْيَثْرِبِيّ الْمُقَطّعُ
وَمَنْجُوفَةٌ حِرْمِيّةٌ صَاعِدِيّةٌ يُذَرّ عَلَيْهَا السّمّ سَاعَةَ تُصْنَعُ
تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً تَمُرّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ وَمَنْجُوفَةٌ مَفْعُولَةٌ مِنْ نَجَفْت: إذَا حَفَرْت، وَيَكُونُ أَيْضًا مِنْ نَجَفْت الْعَنْزَ إذَا شَدَدْتهَا بِالنّجَافِ وَهُوَ الْحَبْلُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الرّمَاحَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ مَنْجُوفَةٌ أَيْ مَشْدُودَةٌ مُثَقّفَةٌ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَسِنّتَهَا، فَهِيَ أَيْضًا مُتَجَوّفَةٌ مِنْ نَجَفْت إذَا حَفَرْت، لِأَنّ ثَعْلَبَ الرّمْحِ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيدَةِ فَهِيَ مَنْجُوفَةٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ السّيُوفَ فَمَنْجُوفَةٌ أَيْ كَالْمَحْفُورَةِ لِأَنّ مُتُونَهَا مِدْوَسَةٌ مَضْرُوبَةٌ بِمَطَارِقِ الْحَدِيدِ فَهِيَ كَالْمَحْفُورَةِ. وَقَوْلُهُ: تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً تَمُرّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ يَقُولُ تَشُقّ أَبْدَانَ الرّجَالِ حَتّى تَبْلُغَ الْبِصَارَ فَتَقَعْقَعُ فِيهَا، وَهِيَ جَمْعُ بَصْرَةٍ وَهِيَ حِجَارَةٌ لَيّنَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ جَمْعَ بَصِيرَةٍ مِثْلُ كَرِيمَةٍ وَكِرَامٍ وَالْبَصِيرَةُ الدّرْعُ وَقِيلَ التّرْسُ وَالْبَصِيرَةُ أَيْضًا: طَرِيقَةُ الدّمِ فِي الْأَرْضِ فَإِنْ
[ ٦ / ٧٩ ]
وَخَيْلٌ تَرَاهَا بِالْفَضَاءِ كَأَنّهَا جَرَادٌ صَبّا فِي قَرّةٍ يَتَرَيّعُ
فَلَمّا تَلَاقَيْنَا وَدَارَتْ بِنَا الرّحَى وَلَيْسَ لِأَمْرِ حَمّهُ اللهُ مَدْفَعُ
ضَرَبْنَاهُمْ حَتّى تَرَكْنَا سَرَاتَهُمْ كَأَنّهُمْ بِالْقَاعِ خُشُبٌ مُصَرّعُ
لَدُنْ غُدْوَةً حَتّى اسْتَفَقْنَا عَشِيّةً كَأَنّ ذَكَانَا حَرّ نَارٍ تَلَفّعُ
وَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنّهُمْ جِهَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهُ الرّيحُ مُقَلّعُ
وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنّنَا أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبِيشَةِ ظُلّعُ
فَنَلِنَا وَنَالَ الْقَوْمُ مِنّا وَرُبّمَا فَعَلْنَا وَلَكِنْ مَا لَدَى اللهِ أَوْسَعُ
وَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ وَقَدْ جُعِلُوا كُلّ مِنْ الشّرّ يَشْبَعُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبّةً عَلَى كُلّ مَنْ يَحْمِي الذّمَارَ وَيَمْنَعُ
جِلَادٌ عَلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ لَا نَرَى عَلَى هَالِكٍ عَيْنًا لَنَا الدّهْرَ تَدْمَعُ
بَنُو الْحَرْبِ لَا نَعْيَا بِشَيْءِ نَقُولُهُ وَلَا نَحْنُ بِمَا جَرَتْ الْحَرْبُ نَجْزَعُ
بَنُو الْحَرْبِ إنْ نَظْفَرْ فَلَسْنَا بِفُحْشِ وَلَا نَحْنُ مِنْ أَظْفَارِهَا نَتَوَجّعُ
وَكُنّا شِهَابًا يَتّقِي النّاسُ حَرّهُ وَيَفْرُجُ عَنْهُ مَنْ يَلِيهِ وَيَسْفَعُ
فَخَرْت عَلَيّ ابْنَ الزّبَعْرَى وَقَدْ سَرَى لَكُمْ طَلَبٌ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ مُتْبَعُ
فَسَلْ عَنْك فِي عُلْيَا مَعَدّ وَغَيْرِهَا مِنْ النّاسِ مَنْ أَحْزَى مَقَامًا وَأَشْنَعَ
وَمَنْ هُوَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْحَرْبُ مَفْخَرًا وَمَنْ حَدّهُ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَضْرَعُ
شَدَدْنَا بِحَوْلِ اللهِ وَالنّصْرِ شِدّةً عَلَيْكُمْ وَأَطْرَافُ الْأَسِنّةِ سُرّعُ
تَكُرّ الْقَنَا فِيكُمْ كَأَنّ فُرُوعَهَا عَزّ إلَى مَزَادٍ مَاؤُهَا يَتَهَرّعُ
عَمَدْنَا إلَى أَهْلِ اللّوَاءِ وَمَنْ يَطِرْ بِذِكْرِ اللّوَاءِ فَهُوَ فِي الْحَمْدِ أَسْرَعُ
فَخَانُوا وَقَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَخَاذَلُوا أَبَى اللهُ إلّا أَمْرَهُ وَهُوَ أَصْنَعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ قَالَ:
_________________
(١) كَانَتْ فِي الْجَسَدِ فَهِيَ جَدِيّةٌ وَلَا مَعْنَى لَهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ.
[ ٦ / ٨٠ ]
مُجَالَدُنَا عَنْ جِذْمِنَا كُلّ فَخْمَةٍ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَيَصْلُحُ أَنْ تَقُولَ مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا"؟ فَقَالَ كَعْبٌ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "فَهُوَ أَحْسَنُ" فَقَالَ كَعْبٌ مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا
شِعْرٌ لِابْنِ الزّبَعْرَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسَمِعْت فَقُلْ إنّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ
إنّ لِلْخَيْرِ وَلِلشّرّ مدى وكلا ذَلِك وَجْهٌ وَقَبَلْ
وَالْعَطِيّاتُ خِسَاسٌ بَيْنَهُمْ وَسَوَاءٌ قَبْرٌ مُثْرٍ وَمُقِلْ
كُلّ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٌ وَبَنَاتُ الدّهْرِ يَلْعَبْنَ بِكُلّ
أَبْلِغْنَ حَسّانَ عَنّي آيَةً فَقَرِيضُ الشّعْرِ يَشْفِي ذَا الْعِلَلْ
كَمْ تَرَى بِالْجَرّ مِنْ جُمْجُمَةٍ وَأَكُفّ قَدْ أُتِرّتْ وَرِجِلْ
وَسَرَابِيلَ حِسَانٍ سُرِيَتْ عَنْ كُمَاةٍ أُهْلِكُوا فِي الْمُنْتَزَلْ
كَمْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ سَيّدٍ مَاجِدِ الْجَدّيْنِ مِقْدَامٍ بَطَلْ
_________________
(١) شَرْحُ شِعْرٍ لِابْنِ الزّبَعْرَى وَقَوْلُ ابْنِ الزّبَعْرَى: يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسَمِعْت، فَقُلْ إنّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ إقْرَارُ الْجَاهِلِيّةِ بِالْقَدَرِ: قَوْلُهُ قَدْ فُعِلْ أَيْ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ يُقِرّونَ بِالْقَدْرِ وَقَالَ لَبِيدٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ إنّ تَقْوَى رَبّنَا خَيْرُ نَفَلْ وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَالْعَجَلْ مَنْ هُدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ
[ ٦ / ٨١ ]
صَادِقِ النّجْدَةِ قَرْمٍ بَارِعٍ غَيْرِ مُلْتَاثٍ لَدَى وَقْعِ الْأَسَلْ
فَسَلْ الْمِهْرَاسَ مَنْ سَاكِنُهُ؟ بَيْنَ أَقْحَافٍ وَهَامٍ كَالْحَجَلْ
لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرِ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ
حِينَ حَكّتْ بِقَبَاءِ بَرْكَهَا وَاسْتَحَرّ الْقَتْلَ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ
ثُمّ خُفّوا عِنْدَ ذَاكُمْ رُقّصًا رَقَصَ الْحَفّان يَعْلُو فِي الْجَبَلْ
فَقَتَلْنَا الضّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ
لَا أَلُومُ النّفْسَ إلّا أَنّنَا لَوْ كَرّرْنَا لَفَعَلْنَا الْمُفْتَعَلْ
بِسُيُوفِ الْهِنْدِ تَعْلُو هَامَهُمْ عِلَلًا تَعْلُوهُمْ بَعْدَ نَهَلْ
_________________
(١) وَقَالَ رَاجِزُهُمْ يَا أَيّهَا اللّائِمُ لُمْنِي، أَوْ فَذَرْ إنْ كُنْت أَخْطَأْت فَمَا أَخْطَا الْقَدَرُ وَقَوْلُهُ غَيْرُ مُلْتَاثٍ هُوَ مُفْتَعَلٌ مِنْ اللّوثَةِ كَمَا قَالَ الضّبّيّ: عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إنْ ذِي لُوثَةٍ لَانَا وَالْمِهْرَاسُ: حَجَرٌ مَنْقُورٌ يَمْسِكُ الْمَاءَ فَيَتَوَضّأُ مِنْهُ شُبّهَ بِالْمِهْرَاسِ الّذِي هُوَ الْهَاوُونُ وَوَهِمَ الْمُبَرّدُ فَجَعَلَ الْمِهْرَاسَ اسْمًا عَلَمًا لِلْمِهْرَاسِ الّذِي بِأُحُدِ خَاصّةً وَإِنّمَا هُوَ اسْمٌ لِكُلّ حَجَرٍ نُقِرَ فَأَمْسَكَ الْمَاءَ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَمُرّ بِمِهْرَاسِ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ كَيْفَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ هَلّا قُلْت مَرّ بِغَدِيرِ وَمَنْ يُجْعَلُ لَهُ مِهْرَاسًا فِي أَرْضِ فَلَاةٍ؟ فَهَذَا يُبَيّنُ لَك أَنّ الْمِهْرَاسَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْمِهْرَاسِ الّذِي كَانَ بِأُحُدِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - مَرّ بِقَوْمِ يَتَجَاذَوْنَ مِهْرَاسًا أَيْ يَرْفَعُونَهُ.
[ ٦ / ٨٢ ]
رَدّ حَسّانَ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ ﵁ قَالَ:
ذَهَبَتْ يَا ابْنَ الزّبَعْرَى وَقْعَةٌ كَانَ مِنّا الْفَضْلُ فِيهَا لَوْ عَدَلْ
وَلَقَدْ نِلْتُمْ وَنَلِنَا مِنْكُمْ وَكَذَاكَ الْحَرْبُ أَحْيَانًا دُوَلْ
نَضَعُ الْأَسْيَافَ فِي أَكْتَافِكُمْ حَيْثُ نَهْوِي عِلَلًا بَعْدَ نَهَلْ
كَسِلَاحِ النّبِيبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ إذْ تُوَلّونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
هَرَبًا مِنْ الشّعْبِ أَشْبَاهَ الرّسَلْ إذْ شَدَدْنَا شدَّة صَادِقَة
نخرج الأصبح من أستاهكم فَأَجَأْنَاكُمْ إلَى سَفْحِ الْجَبَلْ
بِخَنَاطِيلَ كَأَشْرَافِ الْمَلَا مَنْ يُلَاقُوهُ مِنْ النّاسِ يُهَلْ
ضَاقَ عَنّا الشّعْبُ إذْ يَجْزَعُهُ وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ مِنْهُ وَالرّجَلْ
_________________
(١) شِعْرُ حَسّانَ يَرُدّ بِهِ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى قَوْلُ حَسّانَ يُجِيبُهُ هُرّبًا فِي الشّعْبِ أَشْبَاهَ الرّسَلْ يَعْنِي: الْغَنَمَ إذَا أَرْسَلَهَا الرّاعِي، يُقَالُ لَهَا حِينَئِذٍ رَسَلٌ. وَقَوْلُهُ كَأَشْرَافِ الْمَلَا، الْأَشْرَافُ جَمْعُ شَرَفٍ وَهُوَ الشّخْصُ وَالْمَلَا: مَا اتّسَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَيُرِيدُ بِالْأَشْرَافِ هَاهُنَا أَشْخَاصُ الشّجَرِ وَأُصُولُهَا. وَقَوْلُهُ يُهَلّ، أَرَادَ فَيُهَالُ ثُمّ جُزِمَ لِلشّرْطِ فَانْحَذَفَتْ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السّاكِنَيْنِ وَهُوَ مِنْ الْهَوْلِ يُقَالُ هَالَنِي الْأَمْرُ يَهُولُنِي هَوْلًا إذَا أَفْزَعَك. وَقَوْلُهُ وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ أَرَادَ الْفَرَطَ بِتَحْرِيكِ الرّاءِ وَهِيَ الْأَكَمَةُ وَمَا ارْتَفَعَ
[ ٦ / ٨٣ ]
بِرِجَالِ لَسْتُمْ أَمْثَالَهُمْ أَيّدُوا جِبْرِيلَ نَصْرًا فَنَزَلْ
وَعَلَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالتّقَى طَاعَةِ اللهِ وَتَصْدِيقِ الرّسُلْ
وَقَتَلْنَا كُلّ رَأْسٍ مِنْهُمْ وَقَتَلْنَا كُلّ جَحْجَاحٍ رِفَلْ
وَتَرَكْنَا فِي قُرَيْشٍ عَوْرَةً يَوْمَ بَدْرٍ وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ
وَرَسُولُ اللهِ حَقّا شَاهِدٌ يَوْمَ بَدْرٍ وَالتّنَابِيلُ الْهُبُلْ
فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمّعُوا مِثْلَ مَا يُجْمَعُ فِي الْخِصْبِ الْهَمَلْ
نَحْنُ لَا أَمْثَالُكُمْ وُلْدَ اسْتِهَا نَحْضُرُ النّاسَ إذَا الْبَأْسُ نَزَلْ
_________________
(١) مِنْ الْأَرْضِ وَالرّجَلُ جَمْعُ رَجْلَةٍ وَهُوَ الْمُطَمّسُ مِنْ الْأَرْضِ وَالرّجْلَةُ أَيْضًا فِي مَعْنَى الرّجْلِ مِنْ الْجَرَادِ قَالَ الشّاعِرُ وَتَحْتَ نُحُورِ الْخَيْلِ حَرْشَفُ رَجْلَةٍ يُرِيدُ بِالْحَرْشَفِ جَمَاعَةَ الرّبَا، وَهُمْ صِغَارُ الْجَرَادِ ضَرَبَهُمْ مَثَلًا لِلرّجّالَةِ وَالرّمَاةِ وَجَمْعُ الْفَرَطِ أَفْرَاطٌ. وَقَوْلُهُ وُلْدَ اسْتِهَا: كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ السّبّ تَقُولُ يَا بَنِي اسْتِهَا، وَالْوَلَدُ بِمَعْنَى الْأَوْلَادِ. وَكَتَبَ أَهْلُ دِمَشْقَ إلَى أَهْلِ مِزّةَ وَهِيَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ دِمَشْقَ وَكَانُوا أَمْسَكُوا عَنْهُمْ الْمَاءَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ إلَى بَنِي اسْتِهَا. وَبَعْدُ فَإِمّا أَنْ يُمْسِيَنَا الْمَاءُ وَإِلّا صَبّحَتْكُمْ الْخَيْلُ. ذَكَرَهُ الْجَاحِظُ. مَتَى يَضُرّ حَذْفُ حَرْفِ الْجَرّ؟ وَقَوْلُهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ أَيّدُوا جِبْرِيلَ أَيْ أَيّدُوا بِجِبْرِيلَ وَحُذِفَ الْجَارُ فَتَعَدّى الْفِعْلُ فَنُصِبَ وَلَا يَضُرّ هَذَا الْحَذْفُ إلّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدّي بِحَرْفِ جَرّ مُتَضَمّنًا
[ ٦ / ٨٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ: " وَأَحَادِيثُ الْمِثْلِ " وَالْبَيْتُ الّذِي قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ " فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جَمّعُوا " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
_________________
(١) لِمَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ نَاصِبٍ كَقَوْلِهِمْ أَمَرْتُك الْخَيْرَ أَيْ كَلّفْتُك الْخَيْرَ وَأَلْزَمْتُكَهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ نَهَيْتُك الشّرّ إذْ لَيْسَ فِي مَعْنَى نَهَيْتُك فِعْلٌ نَاصِبٌ وَقَوْلُهُ أَيّدُوا جِبْرِيلَ أَيْ أُصْحِبُوهُ وَنَحْوُ هَذَا، فَحَسُنَ حَذْفُ الْبَاءِ لِهَذَا. عَوْدٌ إلَى شِعْرِ حَسّانَ وَقَوْلُ حَسّانَ نُخْرِجُ الْأَصْبَحَ مِنْ اسْتَاهِكُمْ رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ نُخْرِجُ الْأَضْيَاحَ وَهُوَ اللّبَنُ الْمَمْزُوجُ بِالْمَاءِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَصْبَحِ لِأَنّ الصّبْحَةَ بَيَاضٌ غَيْرُ خَالِصٍ فَجَعَلَهُ وَصْفًا لِلّبَنِ الْمَمْذُوقِ الْمُخْرَجِ مِنْ بُطُونِهِمْ. وَقَوْلُهُ: كَسِلَاحِ النّيْبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ الْعَصَلُ نَبَاتٌ كَالرّفَلّينَ يُصْلِحُ الْإِبِلَ إذَا أَكَلَتْهُ وَيُكْثِرُ شُرْبَهَا لِلْمَاءِ وَهُوَ مِنْ الْحَمْضِ، وَيَنْبُتُ فِي السّبَاخِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
[ ٦ / ٨٥ ]
شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَقَتْلَى أُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
نَشَجْت وَهَلْ لَك مِنْ مَنْشِجِ وَكُنْت مَتَى تَذّكِرْ تَلْجَجَ
تَذَكّرُ قَوْمٍ أَتَانِي لَهُمْ أَحَادِيثُ فِي الزّمَنِ الْأَعْوَجِ
فَقَلْبُك مِنْ ذِكْرِهِمْ خَافِقٌ مِنْ الشّوْقِ وَالْحَزَنِ الْمُنْضِجِ
وَقَتْلَاهُمْ فِي جِنَانِ النّعِيمِ كِرَامُ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ
بِمَا صَبَرُوا تَحْتَ ظِلّ اللّوَاءِ لِوَاءُالرّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجِ
غَدَاةَ أَجَابَتْ بِأَسْيَافِهَا جَمِيعًا بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ
وَأَشْيَاعُ أَحْمَدَ إذْ شَايَعُوا عَلَى الْحَقّ النّورَ وَالْمَنْهَجَ
فَمَا بَرِحُوا يَضْرِبُونَ الْكُمَاةَ وَيَمْضُونَ فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهَجِ
كَذَلِكَ حَتّى دَعَاهُمْ مَلِيكٌ إلَى جَنّةِ دَوْحَةِ الْمَوْلِجِ
_________________
(١) شِعْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: لِوَاءِ الرّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجِ الْأَضْوُجُ جَمْعُ ضَوْجٍ وَالضّوْجُ جَانِبُ الْوَادِي. وَقَوْلُهُ فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهِجِ. الْقَسْطَلُ الْغُبَارُ وَكَذَلِكَ الرّهَجُ وَقَدْ شَرَحْنَا السّلْجَجَ فِيمَا مَضَى، وَالْجَمَلُ الْأَدْعَجُ يَعْنِي الْأَسْوَدَ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ النّبِيّ - ﷺ - فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ.
[ ٦ / ٨٦ ]
فَكُلّهُمْ مَاتَ حُرّ الْبَلَاءِ عَلَى مِلّةِ اللهِ لَمْ يَحْرَجْ
كَحَمْزَةِ لَمّا وَفّى صَادِقًا بِذِي هِبَةٍ صَارِمِ سَلْجَجْ
فَلَاقَاهُ عَبْدُ بَنِي نَوْفَلٍ يُبَرْبِرُ كَالْجَمَلِ الْأَدْعَجْ
فَأَوْجَرَهُ حَرْبَةً كَالشّهَابِ تَلَهّبُ فِي اللهَبِ الْمُوهَجْ
وَنُعْمَانُ أَوْفَى بِمِيثَاقِهِ وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرُ لَمْ يُحْنَجْ
عَنْ الْحَقّ حَتّى غَدَتْ رُوحُهُ إلَى مَنْزِلٍ فَاخِرِ الزّبْرِجْ
أُولَئِكَ لَا مَنْ ثَوَى مِنْكُمْ مِنْ النّارِ فِي الدّرَكِ الْمُرْتَجْ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرُ لَمْ يُحْنَجْ أَيْ لَمْ يُمْلِهِ شَيْءٌ عَنْ الطّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ يُقَالُ حَنَجْت الشّيْءَ إذَا أَمَلْته وَعَدَلْته عَنْ وَجْهِهِ وَيُقَالُ أَيْضًا: أَحْنَجْتُهُ فَهُوَ مُحْنَجٌ وَسَيَأْتِي فِي الشّعْرِ بَعْدَ هَذَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: عَنْ الْحَقّ حَتّى غَدَتْ رُوحُهُ أَنّثَ الرّوحَ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى النّفْسِ وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ. أَمَرَ ذُو الرّمّةِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ يَا نَازِعَ الرّوحِ مِنْ جِسْمِي إذَا قُبِضْت وَفَارِجَ الْكَرْبِ أَنْقِذْنِي مِنْ النّارِ فَكَانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عَلَى قَبْرِهِ. وَقَوْله: فَاخِرِ الزّبْرِجِ أَيْ فَاخِرُ الزّينَةِ أَيْ ظَاهِرُهَا. وَقَوْلُهُ فِي الدّرَكِ الْمُرْتَجِ أَيْ الْمُغْلَقِ يُقَالُ ارْتَجْتُ الْبَابَ إذَا أَغْلَقْته، وَهُوَ مِنْ الرّتَاجِ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْ الْعَرَبِ مَاتَتْ أُمّهَا، وَتَزَوّجَ أَبُوهَا: وَلَكِنْ قَدْ أَتَى مِنْ دُونِ وُدّي وَبَيْنَ فُؤَادِهِ غَلْقُ الرّتَاجِ وَمَنْ لَمْ يُؤْذِهِ أَلَمٌ بِرَأْسِي وَمَا الرّئْمَانُ إلّا بِالنّتَاجِ
[ ٦ / ٨٧ ]
شِعْرُ ضِرَارٍ فِي الرّدّ عَلَى كَعْبٍ
فَأَجَابَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ الْفِهْرِيّ، فَقَالَ:
أَيَجْزَعُ كَعْبٌ لِأَشْيَاعِهِ وَيَبْكِي مِنْ الزّمَنِ الْأَعْوَجِ
عَجِيجَ الْمُذَكّي رَأَى إلْفَهُ تَرُوحُ فِي صَادِرِ مُحْنَجِ
فَرَاحَ الرّوَايَا وَغَادَرْنَهُ يُعَجْعَجُ قَسْرًا وَلَمْ يُخْدَجْ
فَقُولَا لِكَعْبِ يُثْنِي اُلْبُكَا وَلِلنّيءِ مِنْ لَحْمِهِ يَنْضَجْ
لِمَصْرَعِ إخْوَانِهِ فِي مَكَرّ مِنْ الْخَيْلِ ذِي قَسْطَلِ مُرْهَجِ
فَيَا لَيْتَ عَمْرًا وَأَشْيَاعَهُ وَعُتْبَةَ فِي جَمَعْنَا السّوْرَجُ
فَيَشْفُوا النّفُوسَ بِأَوْتَارِهَا بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ الْخَزْرَجِ
وَقَتْلَى مِنْ الْأَوْسِ فِي مَعْرَكٍ أُصِيبُوا جَمِيعًا بِذِي الْأَضْوُجِ
وَمَقْتَلُ حَمْزَةَ تَحْتَ اللّوَاءِ بِمُطَرّدِ مَازِنٍ مُخْلَجِ
وَحَيْثُ انْثَنَى مُصْعَبٌ ثَاوِيًا بِضَرْبَةِ ذِي هَبّةٍ سَلْجَجِ
بِأُحُدِ وَأَسْيَافُنَا فِيهِمْ تَلَهّبُ كَاللهَبِ الْمُوَهّجِ
غَدَاةَ لَقِينَاكُمْ فِي الْحَدِيدِ كَأُسْدِ الْبَرَاحِ فَلَمْ تُعْنَجْ
بِكُلّ مُجَلّحَةٍ كَالْعُقَابِ وَأَجْرَدَ ذِي مَيْعَةَ مُسْرَجِ
فَدُسْنَاهُمْ ثُمّ حَتّى انْثَنَوْا سِوَى زَاهِقِ النّفْسِ أَوْ مُحْرَجِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) وَمِنْهُ قِيلَ: ارْتَجْ عَلَى الْخَطِيبِ إذَا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُ الْقَوْلِ. وَفِي شِعْرِ ضِرَارٍ: فِي جَمْعِنَا السّوْرَجُ وَهُوَ فَوْعَلٌ مِنْ السّرَاجِ يُرِيدُ الْمُضِيءَ.
[ ٦ / ٨٨ ]
وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارِ. وَقَوْلُ كَعْبٍ " ذِي النّورِ وَالْمَنْهَجِ " عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
شِعْرُ ابْنِ الزّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ، يَبْكِي الْقَتْلَى:
أَلَا ذَرَفَتْ مِنْ مُقْلَتَيْك دُمُوعُ وَقَدْ بَانَ مِنْ حَبْلِ الشّبَابِ قُطُوعُ
وَشَطّ بِمَنْ تَهْوَى الْمَزَارُ وَفَرّقَتْ نَوَى الْحَيّ دَارٌ بِالْحَبِيبِ فَجُوعُ
وَلَيْسَ لِمَا وَلّى عَلَى ذِي حَرَارَةٍ وَإِنْ طَالَ تَذْرَافُ الدّمُوعِ رُجُوعُ
فَذَرْ ذَا وَلَكِنْ هَلْ أَتَى أُمّ مَالِكٍ أَحَادِيثُ قَوْمِي وَالْحَدِيثُ يَشِيعُ
وَمُجْنَبُنَا جُرْدًا إلَى أَهْلِ يَثْرِبَ عَنَاجِجَ مِنْهَا مُتْلَدُ وَنَزِيعُ
عَشِيّةَ سِرْنَا فِي لِهَامِ يَقُودُنَا ضَرُورُ الْأَعَادِي لِلصّدِيقِ نَفُوعُ
نَشُدّ عَلَيْنَا كُلّ زَعْفٍ كَأَنّهَا غَدِيرٌ بِضَوْجِ الْوَادِيَيْنِ نَقِيعُ
فَلَمّا رَأَوْنَا خَالَطَتْهُمْ مَهَابَةٌ وَعَايَنَهُمْ أَمْرٌ هُنَاكَ فَظِيعُ
وَوَدّوا لَوْ أَنّ الْأَرْضَ يَنْشَقّ ظُهْرُهَا بِهِمْ وَصَبُورُ الْقَوْمِ ثُمّ جَزُوعُ
وَقَدْ عُرّيَتْ بِيضٌ كَأَنّ وَمِيضَهَا حَرِيقٌ تَرَقّى فِي الْأَبَاءِ سَرِيعُ
بِأَيْمَانِنَا نَعْلُو بِهَا كُلّ هَامَةٍ وَمِنْهَا سِمَامٌ لِلْعَدُوّ ذَرِيعُ
فَغَادَرْنَ قَتْلَى الْأَوْسِ غَاصِبَةً بِهِمْ ضِبَاعٌ وَطَيْرٌ يَعْتَقِينَ وُقُوعُ
وَجَمْعُ بَنِي النّجّارِ فِي كُلّ تَلْعَةٍ بِأَبْدَانِهِمْ مَنْ وَقَعْنَ نَجِيعُ
وَلَوْلَا عُلُوّ الشّعْبِ غَادَرْنَ أَحْمَدًا وَلَكِنْ عَلَا وَالسّمْهَرِيّ شُرُوعُ
كَمَا غَادَرَتْ فِي الْكَرّ حَمْزَةَ ثَاوِيًا وَفِي صَدْرِهِ مَاضِي الشّبَاةِ وَقِيعُ
وَنُعْمَانُ قَدْ غَادَرْنَ تَحْتَ لِوَائِهِ عَلَى لَحْمِهِ طَيْرٌ يَجُفْنَ وُقُوعُ
بِأُحُدِ وَأَرْمَاحُ الْكُمَاةِ يُرِدْنَهُمْ كَمَا غَالَ أَشْطَانَ الدّلَاءِ نُزُوعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٨٩ ]
شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى:
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
أُشَاقّك مِنْ أُمّ الْوَلِيدِ رُبُوعٌ بَلَاقِعُ مَا مِنْ أَهْلِهِنّ جَمِيعُ
عَفَاهُنّ صَيْفِيّ الرّيَاحِ وَوَاكِفٌ مِنْ الدّلْوِ رَجّافُ السّحَابِ هَمُوعُ
فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَوْقِدُ النّارِ حَوْلَهُ رَوَاكِدُ أَمْثَالِ الْحَمَامِ كُنُوعِ
فَدَعْ ذِكْرَ دَارٍ بَدّدَتْ بَيْنَ أَهْلِهَا نَوًى لِمَتِينَاتِ الْحِبَالِ قَطُوعُ
وَقُلْ إنْ يَكُنْ يَوْمٌ بِأُحُدِ يَعُدّ سَفِيهٌ فَإِنّ الْحَقّ سَوْفَ يَشِيعُ
فَقَدْ صَابَرَتْ فِيهِ بَنُو الْأَوْسِ كُلّهُمْ وَكَانَ لَهُمْ ذِكْرٌ هُنَاكَ رَفِيعُ
وَحَامَى بَنُو النّجّارِ فِيهِ وَصَابِرُوا وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي اللّقَاءِ جَزُوعُ
أَمَامَ رَسُولِ اللهِ لَا يَخْذُلُونَهُ لَهُمْ نَاصِرٌ مِنْ رَبّهِمْ وَشَفِيعُ
وَفُوا إذْ كَفَرْتُمْ يَا سَخِينَ بِرَبّكُمْ وَلَا يَسْتَوِي عَبْدٌ وَفَى وَمُضِيعُ
بِأَيْدِيهِمْ بِيضٌ إذَا حَمِشَ الْوَغَى فَلَا بُدّ أَنْ يَرْدَى لَهُنّ صَرِيعُ
كَمَا غَادَرَتْ فِي النّقْعِ عُتْبَةُ ثَاوِيًا وَسَعْدًا صَرِيعًا وَالْوَشِيجُ شُرُوعُ
وَقَدْ غَادَرَتْ تَحْتَ الْعَنَاجَةِ مُسْنَدًا أَبِيّا وَقَدْ بَلّ الْقَمِيصَ نَجِيعُ
يَكُفّ رَسُولُ اللهِ حَيْثُ تَنَضّبَتْ عَلَى الْقَوْمِ مِمّا قَدْ يُثِرْنَ نُقُوعُ
_________________
(١) مِنْ شِعْرِ حَسّانَ وَفِي شِعْرِ حَسّانَ: وَفُوا إذْ كَفَرْتُمْ يَا سَخِينَ بِرَبّكُمْ أَرَادَ سَخِينَةَ فَرَخّمَ وَعَنَى قُرَيْشًا لِأَنّهَا كَانَتْ تُلَقّبُ بِذَلِكَ [لِمُدَاوَمَتِهِمْ عَلَى ضَرْبِ هَذَا الْحِسَاءِ الْمُتّخَذِ مِنْ الدّقِيقِ الّذِي يُسَمّى: سَخِينَةً]، وَفِي أَشْعَارِ ضِرَارٍ فِي الْعَيْنِيّةِ مِنْهَا أَمْرُهَا شَاعٍ أَرَادَ شَائِعٌ فَقُلِبَتْ كَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[ ٦ / ٩٠ ]
أُولَئِكَ قَوْمٌ سَادَةٌ مِنْ فُرُوعِكُمْ وَفِي كُلّ قَوْمٍ سَادَةٌ وَفُرُوعُ
بِهِنّ نُعِزّ اللهَ حَتّى يُعِزّنَا وَإِنْ كَانَ أَمْرُ يَا سَخِينَ فَظِيعُ
فَلَا تَذْكُرُوا قَتْلَى وَحَمْزَةُ فِيهِمْ قَتِيلٌ ثَوَى لِلّهِ وَهُوَ مُطِيعُ
فَإِنّ جِنَانَ الْخُلْدِ مَنْزِلَةٌ لَهُ وَأَمْرُ الّذِي يَقْضِي الْأُمُورَ سَرِيعُ
وَقَتَلَاكُمْ فِي النّارِ أَفْضَلُ رِزْقُهُمْ حَمِيمٌ مَعًا فِي جَوْفِهَا وَصَرِيعُ
شِعْرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهُمَا لِحَسّانَ وَابْنِ الزّبَعْرَى وَقَوْلُهُ " مَاضِي الشّبَاةِ وَطَيْرٌ يُجْفَنُ " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ:
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي [فِي] يَوْمِ أُحُدٍ:
_________________
(١) لَاثٍ بِهِ الْأَشَاءُ وَالْعُبْرِيّ أَرَادَ: لائث؛ وكما جَاءَ فِي الحَدِيث: لَا يحتكر الطَّعَام إِلَّا طاغ أَو بَاغ أونازغ أَرَادَ: زائغ. وَفِي شعره القافي: رَشّاشُ الطّعْنِ وَالْوَرَقِ الْوَرَقُ مَا تَعَقّدَ مِنْ الدّمِ قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ مَا بِهِ رَهَقٌ أَيْ عَيْبٌ وَالْمُرَهّقُ مِنْ الرّجَالِ الْمَعِيبُ.
[ ٦ / ٩١ ]
خَرَجْنَا مِنْ الْفَيْفَا عَلَيْهِمْ كَأَنّنَا مَعَ الصّبْحِ مِنْ رَضْوَى الْحَبِيكِ الْمُنَطّقِ
تَمَنّتْ بَنُو النّجّارِ جَهْلًا لِقَاءَنَا لَدَى جَنْبَ سَلْعٍ وَالْأَمَانِيّ تَصْدُقُ
فَمَا رَاعَهُمْ بِالشّرّ إلّا فُجَاءَةً كَرَادِيسُ خَيْلٍ فِي الْأَزِقّةِ تَمْرُقُ
أَرَادُوا لِكَيْمَا يَسْتَبِيحُوا قِبَابَنَا وَدُونِ الْقِبَابِ الْيَوْمَ ضَرْبٌ مُحَرّقُ
وَكَانَتْ قِبَابًا أُومِنَتْ قَبْلَ مَا تَرَى إذْ رَامَهَا قَوْمٌ أُبِيحُوا وَأُحْنِقُوا
كَأَنّ رُءُوسَ الْخَزْرَجِيّينَ غَدْوَةً وَأَيْمَانُهُمْ بِالْمَشْرِقِيّةِ بَرْوَقُ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ الْعَاصِي
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
أَلَا أَبْلِغَا فِهْرًا عَلَى نَأْيِ دَارِهَا وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِنَا الْيَوْمَ مَصْدَقُ
بِأَنّا غَدَاةَ السّفْحِ مِنْ بَطْنِ يَثْرِبَ صَبَرْنَا وَرَايَاتُ الْمَنِيّةِ تَخْفِقُ
صَبَرْنَا لَهُمْ وَالصّبْرُ مِنّا سَجِيّةٌ إذَا طَارَتْ الْأَبْرَامُ نَسْمُوا وَنَرْتُقُ
عَلَى عَادَةِ تِلْكُمْ جَرَيْنَا بِصَبْرِنَا وَقِدْمًا لَدَى الْغَايَاتِ نَجْرِي فَنَسْتَبِقْ
لَهَا حَوْمَةٌ لَا تُسْتَطَاعُ يَقُودُهَا نَبِيّ أَتَى بِالْحَقّ عَفّ مُصَدّقُ
أَلَا هَلْ أَتَى أَفْنَاءَ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ مُقَطّعُ أَطْرَافٍ وَهَامٌ مُفَلّقُ
شِعْرُ ضِرَارِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ:
إنّي وَجَدّك لَوْلَا مُقْدَمِي فَرَسِي إذْ جَالَتْ الْخَيْلُ بَيْنَ الْجِزْعِ وَالْقَاعِ
مَا زَالَ مِنْكُمْ بِجَنْبِ الْجَزْعِ مِنْ أُحُدٍ أَصْوَاتُ هَامٍ تَزَاقَى أَمْرُهَا شَاعِي
وَفَارِسٌ قَدْ أَصَابَ السّيْفُ مَفْرِقَهُ أَفْلَاقُ هَامَتِهِ كَفَرْوَةِ الرّاعِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٩٢ ]
إنّي وَجَدّك لَا أَنْفَكّ مُنْتَطِقًا بِصَارِمِ مِثْلِ لَوْنِ الْمِلْحِ قَطّاعِ
عَلَى رِحَالَةِ مِلْوَاحٍ مُثَابَرَةٍ نَحْوَ الصّرِيخِ إذَا مَا ثَوّبَ الدّاعِي
وَمَا انْتَمَيْت إلَى خُورٍ وَلَا كُشُفٍ وَلَا لِئَامٍ غَدَاةَ الْبَأْسِ أَوْرَاعِ
بَلْ ضَارِبِينَ حَبِيك الْبِيضَ إذْ لَحِقُوا شُمّ الْعَرَانِينَ عِنْدَ الْمَوْتِ لُذّاعِ
شُمّ بَهَالِيلُ مُسْتَرْخٍ حَمَائِلُهُمْ يَسْعَوْنَ لِلْمَوْتِ سَعْيًا غَيْرَ دَعْدَاعِ
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ أَيْضًا:
لَمّا أَتَتْ مِنْ بَنِي كَعْبٍ مُزَيّنَةً وَالْخَزْرَجِيّةُ فِيهَا الْبِيضُ تَأْتَلِقُ
وَجَرّدُوا مَشْرَفِيّاتٍ مُهَنّدَةً وَرَايَةً كَجَنَاحِ النّسْرِ تَخْتَفِقُ
فَقُلْت يَوْمٌ بِأَيّامِ وَمَعْرَكَةٌ تُنْسَى لِمَا خَلْفَهَا مَا هُزْهُزُ الْوَرَقِ
قَدْ عُوّدُوا كُلّ يَوْمٍ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ رِيحُ الْقِتَالِ وَأَسْلَابُ الّذِينَ لَقَوْا
خَيّرْت نَفْسِي عَلَى مَا كَانَ مِنْ وَجَلٍ مِنْهَا وَأَيْقَنْت أَنّ الْمَجْدَ مُسْتَبَقُ
أَكْرَهْت مُهْرِي حَتّى خَاضَ غَمْرَتَهُمْ وَبَلّهُ مِنْ نَجِيعٍ عَانِكٍ عَلَقُ
فَظَلّ مُهْرِي وَسِرْبَالِي جَسِيدُهُمَا نَفَخَ الْعُرُوقَ رِشَاشُ الطّعْنِ وَالْوَرَقُ
أَيْقَنْت أَنّي مُقِيمٌ فِي دِيَارِهِمْ حَتّى يُفَارِقَ مَا فِي جَوْفِهِ الْحَدَقُ
لَا تَجْزَعُوا يَا بَنِي مَخْزُومٍ إنّ لَكُمْ مِثْلَ الْمُغِيرَةِ فِيكُمْ مَا بِهِ زَهَقُ
صَبْرًا فَدَى لَكُمْ أُمّي وَمَا وَلَدَتْ تَعَاوَرُوا الضّرْبَ حَتّى يُدْبِرَ الشّفَقُ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي:
لَمّا رَأَيْت الْحَرْبَ يَنْـ زُو شَرّهَا بِالرّضْفِ نَزْرَا
_________________
(١) فِي شِعْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَفِي شِعْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: يَمْشُونَ قَطْوًا. الْقَطْوُ وَالْأَقْطِيطَاءُ مَشْيُ الْقَطَا.
[ ٦ / ٩٣ ]
وَتَنَاوَلَتْ شَهْبَاءُ تَلْحُـ والنّاسَ بِالضّرّاءِ لَحْوًا
أَيْقَنْت أَنّ الْمَوْتَ حَقّ وَالْحَيَاةَ تَكُونُ لَغْوًا
حَمَلَتْ أَثَوَابِي عَلَى عَتَدٍ يَبُذّ الْخَيْلَ رَهْوَا
سَلِسٍ إذَا نُكِبْنَ فِي الْ بَيْدَاءِ يَعْلُو الطّرَفَ عُلْوَا
وَإِذَا تَنَزّلَ مَاؤُهُ مِنْ عِطْفِهِ يَزْدَادُ زَهْوَا
رَبِذٍ كَيَعْفُورِ الصّرِيـ مَةِ رَاعَهُ الرّامُونَ دَحْوَا
شَنِجٍ نَسَاهُ ضَابِطٍ لِلْخَيْلِ إرْخَاءً وَعَدْوَا
فَفِدَى لَهُمْ أُمّي غَدَا ةَ الرّوْعِ إذْ يَمْشُونَ قَطْوَا
سَيْرًا إلَى كَبْشِ الْكَتِيـ بَةِ إذْ جَلَتْهُ الشّمْسُ جَلْوَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِعَمْرِو.
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَجَابَهُمَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ
أَبْلِغْ قُرَيْشًا وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ وَالصّدْقُ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ مَقْبُولُ
أَنْ قَدْ قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتُكُمْ أَهْلَ اللّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ
وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا مَدَدٌ فِيهِ مَعَ النّصْرِ مِيكَالُ وَجِبْرِيلُ
_________________
(١) شِعْرِ كَعْب وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ خَذْمٌ رَعَابِيلُ. الْخَذْمُ الْقَطْعُ بِالْأَسْنَانِ. وَرَعَابِيلُ قِطَعٌ مُتَمَزّقَةٌ يُقَالُ خِبَاءٌ مُرَعْبَلٌ أَيْ مُتَمَزّقٌ.
[ ٦ / ٩٤ ]
إنْ تَقْتُلُونَا فَدِينُ الْحَقّ فِطْرَتُنَا وَالْقَتْلُ فِي الْحَقّ عِنْدَ اللهِ تَفضِيلُ
وَإِنْ تَرَوْا أَمْرَنَا فِي رَأْيِكُمْ سَفَهًا فَرَأْيُ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ تَضْلِيلُ
فَلَا تَمَنّوْا لِقَاحَ الْحَرْبِ وَاقْتَعِدُوا إنّ أَخَا الْحَرْبِ أَصْدَى اللّوْنِ مَشْغُولُ
إنّ لَكُمْ عِنْدَنَا ضَرْبًا تَرَاحُ لَهُ عُرْجُ الضّبَاعِ لَهُ خَذْمٌ رَعَابِيلُ
إنّا بَنُو الْحَرْبِ نَمْرِيهَا وَنَنْتُجُهَا وَعِنْدَنَا لِذَوِي الْأَضْغَانِ تَنْكِيلُ
إنْ يَنْجُ مِنْهَا ابْنُ حَرْبٍ بَعْدَمَا بَلَغَتْ مِنْهُ التّرَاقِي، وَأَمْرُ اللهِ مَفْعُولُ
فَقَدْ أَفَادَتْ لَهُ حِلْمًا وَمَوْعِظَةً لِمَنْ يَكُونُ لَهُ لُبّ وَمَعْقُولُ
وَلَوْ هَبَطْتُمْ بِبَطْنِ السّيْلِ كَافَحَكُمْ ضَرْبٌ بِشَاكِلَةِ الْبَطْحَاءِ تَرْعِيلُ
تَلْقَاكُمْ عُصَبٌ حَوْلَ النّبِيّ لَهُمْ مِمّا يُعِدّونَ لِلْهَيْجَا سَرَابِيلُ
مِنْ جِذَمُ غَسّانَ مُسْتَرْخٍ حَمَائِلُهُمْ لَا جُبَنَاءُ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
يَمْشُونَ تَحْتَ عَمَايَاتِ الْقِتَالِ كَمَا تَمْشِي الْمَصَاعِبَةُ الْأُدْمُ الْمَرَاسِيلُ
أَوْ مِثْلَ مَشْيِ أُسُودِ الظّلّ أَلْثَقَهَا يَوْمَ رَذَاذٍ مِنْ الْجَوْزَاءِ مَشْمُولُ
فِي كُلّ سَابِغَةٍ كَالنّهْيِ مُحْكَمَةٍ قِيَامُهَا فَلَجٌ كَالسّيْفِ بُهْلُولُ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ إنّا بَنُو الْحَرْبِ نَمْرِيهَا وَنَنْتُجُهَا مُسْتَعَارٌ مِنْ مَرَيْت النّاقَةَ إذَا اسْتَدْرَرْت لَبَنَهَا، وَنَتَجْتَهَا إذَا اسْتَخْرَجَتْ مِنْهَا وَلَدًا، يُقَالُ نُتِجَتْ النّاقَةُ وَنَتَجَهَا أَهْلُهَا، وَأَمّا أَنْتَجَتْ تُنْتِجُ فَإِذَا دَنَا نِتَاجُهَا. وَقَوْلُهُ: يَوْمَ رَذَاذٍ مِنْ الْجَوْزَاءِ مَشْمُولُ يُرِيدُ مِنْ أَيّامِ أَنْوَاءِ الْجَوْزَاءِ، وَهُوَ نَوْءُ الْهَفْعَةِ أَوْ الْهَنْعَةِ وَذَلِكَ فِي الشّتَاءِ
[ ٦ / ٩٥ ]
تَرُدّ حَدّ قِرَامِ النّبْلِ خَاسِئَةً وَيَرْجِعُ السّيْفُ عَنْهَا وَهُوَ مَفْلُولُ
وَلَوْ قَذَفْتُمْ بِسَلْعِ عَنْ ظُهُورِكُمْ وَلِلْحَيَاةِ وَدُفَعُ الْمَوْتِ تَأْجِيلُ
مَا زَالَ فِي الْقَوْمِ وَتْرٌ مِنْكُمْ أَبَدًا تَعْفُو السّلَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَطْلُولُ
عَبْدٌ وَحُرّ كَرِيمٌ مُوثِقٌ قَنَصًا شطرع الْمَدِينَةِ مَأْسُورٌ وَمَقْتُولُ
كُنّا نُؤَمّلُ أُخْرَاكُمْ فَأَعْجَلَكُمْ مِنّا فَوَارِسُ لَا عُزْلٌ وَلَا مِيلُ
إذَا جَنَى فِيهِمْ الْجَانِي فَقَدْ عَلِمُوا حَقّا بِأَنّ الّذِي قَدْ جَرّ مَحْمُولُ
مَا نَحْنُ لَا نَحْنُ مِنْ إثْمٍ مُجَاهَرَةً وَلَا مَلُومٌ وَلَا فِي الْغُرْمِ مَخْذُولُ
شِعْرُ حَسّانَ فِي أَصْحَابِ اللّوَاءِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، يَذْكُرُ عِدّةَ أَصْحَابِ اللّوَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ:
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ أَحْسَنُ مَا قِيلَ:-
مَنَعَ النّوْمَ بِالْعِشَاءِ الْهُمُومُ وَخَيَالٌ إذَا تَغُورُ النّجُومُ
_________________
(١) فِي شَهْرِ كَانُونَ الْأَوّلِ وَمَشْمُولٌ مِنْ الرّيحِ الشّمَالِ. وَقَوْلُهُ أَلْثَقَهَا مِنْ اللّثَقِ وَهُوَ الْبَلَلُ وَالطّينُ الْيَسِيرُ وَالرّذَاذُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ الطّشّ وَالْبَغْشِ وَالطّلّ نَحْوٌ مِنْهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ قَلِيلًا، يُقَالُ أَرْضٌ مَطْلُولَةٌ وَمَبْغُوشَةٌ وَلَا يُقَالُ مَرْذُوذَةٌ وَلَكِنْ يُقَالُ مُرَذّةٌ وَمُرَذّ عَلَيْهَا قَالَهُ الْخَطّابِيّ. أَجْوَدُ مَا قَالَ حَسّانُ: وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ أَجْوَدُ مَا قَالَ وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ الّتِي قَالَهَا حَسّانُ لَيْلًا، وَنَادَى قَوْمَهُ أَنَا أَبُو الْحُسَامِ أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَهُمَا كُنْيَتَانِ لَهُ ثُمّ
[ ٦ / ٩٦ ]
مِنْ حَبِيبٍ أَضَافَ قَلْبَك مِنْهُ سَقَمٌ فَهُوَ دَاخِلٌ مَكْتُومُ
يَا لَقَوْمِي هَلْ يَقْتُلُ الْمَرْءَ مِثْلِي وَاهِنُ الْبَطْشِ وَالْعِظَامِ سَئُومُ
لَوْ يَدِبّ الْحَوْلِيّ مِنْ وَلَدِ الذّ رّ عَلَيْهَا لَأَنْدَبَتْهَا الْكُلُومُ
شَأْنُهَا الْعِطْرُ وَالْفِرَاشُ وَيَعْلُو هَا لُجَيْنٌ وَلُؤْلُؤٌ مَنْظُومُ
لَمْ تَفُتْهَا شَمْسُ النّهَارِ بِشَيْءِ غَيْرَ أَنّ الشّبَابَ لَيْسَ يَدُومُ
إنّ خَالِي خَطِيبُ جَابِيَةِ الْجَوْ لَانِ عِنْدَ النّعْمَانِ حِينَ يَقُومُ
وَأَنَا الصّقْرُ عِنْدَ بَابِ ابْنِ سَلْمَى يَوْمَ نُعْمَانَ فِي الْكُبُولِ سَقِيمُ
وَأُبَيّ وَوَاقِدُ أَطْلَقَا لِي يَوْمَ رَاحَا وَكَبْلُهُمْ مَخْطُومُ
وَرَهَنْت الْيَدَيْنِ عَنْهُمْ جَمِيعًا كُلّ كَفّ جُزْءٌ لَهَا مَقْسُومُ
وَسَطَتْ نِسْبَتِي الذّوَائِبَ مِنْهُمْ كُلّ دَارٍ فِيهَا أَبٌ لِي عَظِيمُ
وَأُبَيّ فِي سُمَيْحَةِ الْقَائِلِ الْفَا صِلْ يَوْمَ الْتَقَتْ عَلَيْهِ الْخُصُومُ
تِلْكَ أَفْعَالُنَا وَفِعْلُ الزّبَعْرَى خَامِلٌ فِي صَدِيقِهِ مَذْمُومُ
رُبّ حِلْمٍ أَضَاعَهُ عَدَمُ الْمَالِ وَجَهْلٌ غَطَا عَلَيْهِ النّعِيمُ
إنّ دَهْرًا يَبُورُ فِيهِ ذَوُو الْعِ لْمِ لَدَهْرٌ هُوَ الْعَتُوّ الزّنِيمُ
لَا تَسُبّنّنِي فَلَسْت بِسَبّي إنّ سَبّي مِنْ الرّجَالِ الْكَرِيمِ
مَا أُبَالِي أَنَبّ بِالْحَزْنِ تَيْسٌ أَمْ لَحَانِي بِظَهْرِ غَيْبٍ لَئِيمُ
وَلِيَ الْبَأْسَ مِنْكُمْ إذْ رَحَلْتُمْ أَسِرّةٌ مِنْ بَنِي قُصَيّ صَمِيمُ
_________________
(١) أَمَرَهُمْ أَنْ يَرْوُوهَا عَنْهُ قَبْلَ النّهَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَعُوقَهُ عَائِقٌ فَخَرّ فِيهَا عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى بِمَقَامَاتِ لَهُ عِنْدَ مُلُوكِ الشّامِ مِنْ أَبْنَاءِ جَفْنَةٍ افْتَكّ فِيهَا عُنَاةً مِنْ قَوْمِهِ. وَذَكَرَ مَقَامَ خَالِدِ عِنْدَ النّعْمَانِ الْغَسّانِيّ مِنْ آلِ جَفْنَةَ وَلَيْسَ بِالنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ فِيهَا: رُبّ حِلْمٍ أَضَاعَهُ عَدَمُ الْمَا لِ وَجَهْلٍ غَطَا عَلَيْهِ النّعِيمُ غَطَا بِتَخْفِيفِ الطّاءِ أَنْشَدَهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وَهَكَذَا كَانَ فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ مَذْكُورًا عَنْ يُونُسَ وَغَطَا ارْتَفَعَ وَعَلَا، وَأَنْشَدَ الْقُتَبِيّ:
[ ٦ / ٩٧ ]
تِسْعَةٌ تَحْمِلُ اللّوَاءَ وَطَارَتْ فِي رَعَاعٍ مِنْ الْقَنَا مَخْزُومُ
وَأَقَامُوا حَتّى أُبِيحُوا جَمِيعًا فِي مَقَامٍ وَكُلّهُمْ مَذْمُومُ
بِدَمِ عَانِكٍ وَكَانَ حِفَاظًا أَنْ يُقِيمُوا إنّ الْكَرِيمَ كَرِيمُ
وَأَقَامُوا حَتّى أُزِيرُوا شُعُوبًا وَالْقَنَا فِي نُحُورِهِمْ مَخْطُومُ
وَقُرَيْشٌ تَفِرّ مِنّا لِوَاذًا أَنْ يُقِيمُوا وَخَفّ مِنْهَا الْحُلُومُ
لَمْ تَطُقْ حَمْلَهُ الْعَوَاتِقُ مِنْهُمْ إنّمَا يَحْمِل اللّوَاءَ النّجُومُ
_________________
(١) وَمِنْ تَعَاجِيبِ خَلْقِ اللهِ غَاطِيَةٌ يُعْصَى مِنْهَا مُلَاحِيّ وَغِرْبِيبُ مُلَاحِيّ بِتَخْفِيفِ اللّامِ وَيُقَالُ مُلَاحِيّ كَمَا قَالَ: كَعُنْقُودِ مُلّاحِيّةٍ حِينَ نَوّرَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ قَالَ مُلّاحِيّةٌ بِالتّشْدِيدِ شَبّهَهُ بِالْمُلّاحِ وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ وَفِيهِ مُلُوحَةٌ وَقَالَ وَالْغِرْبِيبُ اسْمٌ لِنَوْعِ مِنْ الْعِنَبِ وَلَيْسَ بِنَعْتِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَعَلّك أَنْ تَفْهَمَ مِنْهُ مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فَاطِرٌ ٢٧] . حِينَ وَصَفَ الْجُدُدَ وَسُودٌ عِنْدِي بَدَلٌ لَا نَعْتٌ وَإِنّمَا يَتِمّ شَرْحَ الْآيَةِ لِمَنْ لَحَظَهُ مِنْ هَذَا الْمَطْلَعِ فَإِنّ أَبَا حَنِيفَةَ زَعَمَ أَنّ الْغِرْبِيبَ إذَا أُطْلِقَ لَفْظُهُ وَلَمْ يُقَيّدْ بِشَيْءِ مَوْصُوفٍ بِهِ فَإِنّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْعِنَبُ الّذِي هَذَا اسْمُهُ خَاصّةً وَاَللهُ الْمُوَفّقُ لِلصّوَابِ وَفَهْمِ الْكِتَابِ. وَذَكَرَ فِيهِ حُمَاةَ اللّوَاءِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وَأَنّهُمْ صَرَعُوا حَوْلَهُ حَتّى أَخَذَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَمْ تَطُقْ حَمْلَهُ الْعَوَاتِقُ مِنْهُمْ إنّمَا يَحْمِلُ اللّوَاءَ النّجُومُ
[ ٦ / ٩٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ حَسّانُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ:
مَنَعَ النّوْمَ بِالْعِشَاءِ الْهُمُومُ
لَيْلًا، فَدَعَا قَوْمَهُ فَقَالَ لَهُمْ خَشِيت أَنْ يُدْرِكَنِي أَجَلِي قَبْلَ أَنْ أُصْبِحَ فَلَا تَرْوُوهَا عَنّي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ لِلْحَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السّلَمِيّ يَمْدَحُ أَبَا الْحَسَنِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَيَذْكُرُ قَتْلَهُ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ صَاحِبِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ:
لِلّهِ أَيّ مُذَبّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ أَعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الْمُعَمّ الْمُخْوِلَا
سَبَقَتْ يَدَاك لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ تَرَكَتْ طُلَيْحَةَ لِلْجَبِينِ مُجَدّلَا
_________________
(١) شِعْرُ ابْنِ عِلَاطٍ وَقَالَ فِي شِعْرِ حَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ يَمْدَحُ عَلِيّا ﵁. لِلّهِ أَيّ مُذَبّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ أَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ يَعْنِي أَصْلَ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ إبْرَاهِيمُ أَيّ نُصِبَ لِأَنّهُ مَدِيحٌ وَالْمَدِيحُ نُصِبَ فِي أَيّ حَالَيْهِ فَأَمّا ابْنُ هِشَامٍ فَرَفَعَ أَيّ. قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذَا الّذِي ذَكَرَهُ مَنْ نَصَبَ أَيْ عَلَى الْمَدِيحِ لَا يَسْتَقِيمُ إلّا أَنْ تَقَدّرَ حَذْفُ الْمُبْتَدَأِ قَبْلَهُ كَأَنّهُ قَالَ لِلّهِ أَنْتَ لِأَنّهُ لَا يُنْصَبُ عَلَى الْمَدْحِ إلّا بَعْدَ جُمْلَةٍ تَامّةٍ وَأَمّا الرّفْعُ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ خَبَرَهُ لِلّهِ فَقَبِيحٌ لِأَنّهَا وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا، فَأَصْلُهَا الِاسْتِفْهَامُ فَلَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي كَمْ خَبَرِيّةً كَانَتْ أَوْ اسْتِفْهَامِيّةً فَالتّقْدِيرُ إِذا: لِلّهِ دَرّهُ أَيّ مُذَبّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ هُوَ أَلَا تَرَى أَنّهُ يَقْبُحُ أَنْ يَقُولَ جَاءَنِي أَيّ فَتًى، فَإِنْ جَعَلْته وَصْفًا جَارِيًا عَلَى مَا قَبْلَهَا، فَقُلْت: جَارَتِي رَجُلٌ أَيّ رَجُلٍ جَازَ ذَلِكَ لِأَنّهُ إذَا كَانَ وَصْفًا لَمْ تَلِهِ الْعَوَامِلُ اللّفْظِيّةُ فَكَأَنّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ
[ ٦ / ٩٩ ]
وَشَدَدْت شَدّةَ بَاسِلٍ فَكَشَفْتهمْ بِالْجَرّ إذْ يَهْوُونَ أَخْوَالٌ أَخْوَلَا
شِعْرُ حَسّانَ فِي قَتْلَى يَوْمِ أُحُدٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ:
يَا مَيّ قَوْمِي فَانْدُبْنَ بِسُحَيْرَةٍ شَجْوَ النّوَائِحْ
كَالْحَامِلَاتِ الْوِقْرَ بِالْ ثّقْلِ الْمُلِحّاتِ الدّوَالِحْ
_________________
(١) أَصْلِهِ إذْ الْمُبْتَدَأُ لَا تَلِيهِ الْعَوَامِلُ اللّفْظِيّةُ. وَقَوْلُهُ أَخْوَلُ أَخْوَلًا، أَيْ مُتَفَرّقِينَ وَوَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي بَعْضِ النّسْخِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ الْخَالِ وَهُوَ الْخُيَلَاءُ وَالْكِبْرُ تَقُولُ فُلَانٌ أَخْوَلُ مِنْ فُلَانٍ أَيْ أَشَدّ كِبْرًا مِنْهُ وَاخْتِيَالًا، فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ إذَا جَاءَ الْقَوْمُ أَخْوَلَ أَخْوَلًا، أَيْ انْفَرَدَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ وَازْدَهَاهُ الْخَالُ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ فَكُلّمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ قُلْت: هَذَا أَخْوَلُ مِنْ الْآخَرِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ثُمّ كَثُرَ حَتّى اُسْتُعْمِلَ فِي التّفَرّقِ مَثَلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِنْ مَعْنَى الْخَالِ شَيْءٌ وَقَدْ قِيلَ فِي أَخْوَلَ إنّهُ مِنْ تَخَوّلْت بِالْمَوْعِظَةِ وَنَحْوِهَا إذَا فَعَلْت ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَخَوّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السّآمَةِ عَلَيْنَا. شِعْرُ حَسّانَ الْحَائِيّ وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ الْحَائِيّ وَقَالَ فِيهِ كَالْحَامِلَاتِ الْوِقْرَ بِالثّ قَلِ الْمُلِحّات الدّوَالِحْ الدّوَالِحُ جَمْعُ دَالِحَةٍ وَهِيَ الْمُثَقّلَةُ وَكَذَلِكَ الدّلُوحُ مِنْ السّحَابِ وَهِيَ الْمُثْقَلَةُ بِالْمَاءِ وَفِيهِ.
[ ٦ / ١٠٠ ]
الْمُعْوِلَاتُ الْخَامِشَاتُ وُجُوهَ حُرّاتِ صَحَائِحْ
وَكَأَنّ سَيْلَ دُمُوعِهَا الْ أَنْصَابُ تَخْضَبُ بِالذّبَائِحْ
يَنْقُضْنَ أَشْعَارًا لَهُنّ هُنَاكَ بَادِيَةَ الْمَسَائِحْ
وَكَأَنّهَا أَذْنَابُ خَيْ لٍ بِالضّحَى شُمْسٍ رَوُاسِحْ
مِنْ بَيْنَ مَشْزُورٍ وَمَجْ زُورٍ يُذَعْذَعُ بِالْبَوَارِحْ
يَبْكِينَ شَجْوًا مُسْلَبَا تِ كَدّحَتْهُنّ الْكَوَادِحْ
وَلَقَدْ أَصَابَ قُلُوبَهَا مَجْلٌ لَهُ جَلَبٌ قَوَارِحْ
إذْ أَقْصَدَ الْحِدْثَانَ مَنْ كُنّا نُرَجّي إذْ نُشَايِحُ
_________________
(١) يَنْقُضْنَ أَشْعَارًا لَهُنّ هُنَاكَ بادية المسائح المسائحجمع: مَسِيحَةٍ وَهُوَ مَا لَمْ يُمْشَطْ مِنْ الشّعْرِ بِدُهْنِ وَلَا شَيْءٍ وَالْمَسِيحَةُ أَيْضًا الْقِطْعَةُ مِنْ الْفِضّةِ وَالْمَسِيحَةُ الْفَرَسُ. وَقَوْلُهُ مِنْ بَيْنِ مَشْرُورٍ أَيْ مُفَرّقٍ وَيُقَالُ شَرَرْت الْمِلْحَ إذَا فَرّقْته، وَالْمَجْلُ كَالْجُرْحِ تَقُولُ مَجِلَتْ يَدِي مِنْ الْعَمَلِ. وَقَوْلُهُ نُشَائِحُ أَيْ نُحَاذِرُ كَمَا قَالَ الْآخَرُ: وَشَايَحْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ إنّك شِيحُ وَقَوْلُهُ قَدْ كُنْت الْمُصَامِحَ وَفِي الْحَاشِيَةِ عِنْدَ الشّيْخِ الْمُصَافِحِ بِالْفَاءِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَأَمّا الْمُصَامِحُ بِالْمِيمِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَمَحْت الشّيْءَ إذَا أَذَبْته، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ قَالَ وَالصّمَحْمَحُ مِنْ الرّجَالِ الشّدِيدُ الْعَصَبِ وَسِنّهُ مَا بَيْنَ
[ ٦ / ١٠١ ]
أَصْحَابَ أُحُدٍ غَالَهُمْ دَهْرٌ أَلَمّ لَهُ جَوَارِحُ
مَنْ كَانَ فَارِسَنَا وَحَا مِينَا إذَا بُعِثَ الْمَسَالِحُ
يَا حَمْزَ لَا وَاَللهِ لَا أَنْسَاك مَاصُرّ اللّقَائِحُ
لِمُنَاخِ أَيْتَامٍ وَأضْـ يَافٍ وَأَرْمَلَةٍ تُلَامِحُ
وَلَمّا يَنُوبُ الدّهْرُ فِي حَرْبٍ لِحَرْبِ وَهْيَ لَافِحُ
يَا فَارِسًا يَا مِدْرَهًا يَا حَمْزُ قَدْ كُنْت الْمُصَامِحَ
عَنّا شَدِيدَاتِ الْخُطُو بِ إذَا يَنُوبُ لَهُنّ فَادِحْ
ذَكّرْتنِي أَسَدَ الرّسُو لِ وَذَاكَ مِدْرَهُنَا الْمُنَافِحْ
عَنّا وَكَانَ يُعَدّ إذْ عُدّ الشّرِيفُونَ الْجَحَاجِحْ
يَعْلُو الْقَمَاقِمَ جَهْرَةً سَبْطَ الْيَدَيْنِ أَغَرّ وَاضِحْ
لَا طَائِشٌ رَعْشٌ وَلَا ذُو عِلّةٍ بِالْحِمْلِ آنِخْ
بَحْرٌ فَلَيْسَ يُغِبّ جَا رًا مِنْهُ بِسَيْبِ أَوْ مَنَادِخْ
أَوْدَى شَبَابُ أُولِي الْحَفَا ئِظِ وَالثّقِيلُونَ الْمَرَاجِحْ
_________________
(١) الثّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَالصّمَاحُ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الرّيحُ الْمُنْتِنَةُ. وَقَوْلُهُ سَبَبٌ أَوْ مَنَادِحٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ: مَنْدُوحَةٍ وَهِيَ السّعَةُ وَقِيَاسُهُ مَنَادِيحُ بِالْيَاءِ وَحَذْفُهَا ضَرُورَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النّدْحِ فَيَكُونُ مُفَاعِلًا بِضَمّ الْمِيمِ أَيْ مُكَاثِرًا، وَيَكُونُ بِفَتْحِ الْمِيمِ فَيَكُونُ جَمْعُ مَنْدَحَةٍ مَفْعَلَةً مِنْ الْكَثْرَةِ وَالسّعَةِ وَأَمّا قَوْلُهُمْ أَنَا فِي مَنْدُوحَةٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَهِيَ مَفْعُولَةٌ مِنْ النّدْحِ وَوَهِمَ أَبُو عُبَيْدٍ، فَجَعَلَهُ مِنْ انْدَاحَ بَطْنُهُ إذَا اتّسَعَ وَالنّونُ فِي مَنْدُوحَةٍ أَصْلٌ وَهِيَ فِي انْدَاحَ زَائِدَةٌ لِأَنّ وَزْنَهُ انْفَعَلَ وَالْأَلِفُ فِي انْدَاحَ أَصْلٌ وَهِيَ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ كَأَنّهُ مَنْدُوحَةُ الشّجّ وَالْمِيمُ فِي مَنْدُوحَةٍ زَائِدَةٌ وَالدّالُ عَيْنُ الْفِعْلِ وَهُوَ فِي انْدَاحَ فَاءُ الْفِعْلِ وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْخَطّابِيّ: يَا عَجَبًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ يَتْرُكُ مِثْلَ هَذَا مِنْ غَلَطِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَيُعَنّفُ فِي الرّدّ عَلَيْهِ فِيمَا لَا بَالَ لَهُ مِنْ الْغَلَطِ.
[ ٦ / ١٠٢ ]
الْمُطْعِمُونَ إذَا الْمَشَا تِي مَا يُصَفّقُهُنّ نَاضِحْ
لَحْمَ الْجِلَادِ وَفَوْقَهُ مِنْ شَحْمِهِ شُطَبٌ شَرَائِحْ
لِيُدَافِعُوا عَنْ جَارِهِمْ مَا رَامَ ذُو الضّغْنِ الْمُكَاشِحْ
لَهْفِي لِشُبّانِ رُزِئْ نَاهُمْ كَأَنّهُمْ المَصَابِحْ
شُمّ، بَطَارِقَةٌ غَطَا رِفَةٌ خَضَارِمَةٌ مَسَامِحْ
الْمُشْتَرُونَ الْحَمْدَ بِالْ أَمْوَالِ إنّ الْحَمْدَ رَابِحْ
وَالْجَامِزُونَ بِلُجْمِهِمْ يَوْمًا إذَا مَا صَاحَ صَائِحْ
مَنْ كَانَ يُرْمَى بِالنّوَا قِرْ مِنْ زَمَانٍ غَيْرِ صَالِحْ
مَا إنْ تَزَالُ رِكَابُهُ يَرْسِمْنَ فِي غُبْرٍ صَحَاصِحْ
رَاحَتْ تَبَارَى وَهُوَ فِي رَكْبٍ صُدُورُهُمْ رَوَاشِحْ
حَتّى تَئُوبَ لَهُ الْمَعَا لِي لَيْسَ مِنْ فَوْزِ السّفَائِحْ
يَا حَمْزُ قَدْ أَوْحَدْتَنِي كَالْعُودِ شَذّ بِهِ الْكَوَافِحُ
أَشْكُو إلَيْك وَفَوْقَك الْـ تّرَابُ الْمُكَوّرُ وَالصّفَائِحُ
مِنْ جَنْدَلٍ نُلْقِيهِ فَوْ قَك إذْ أَجَادَ الضّرْحُ ضَارِحُ
فِي وَاسِعٍ يَحْشُونَهُ بِالتّرْبِ سَوّتْهُ الْمَمَاسِحُ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ خَضَارِمَةٌ جَمْعُ خَضْرَمَ وَهُوَ الْكَثِيرُ الْعَطَاءِ. وَقَوْلُهُ يَرْسِمْنَ مِنْ الرّسِيمِ فِي السّيْرِ وَالصّحَاصِحُ جَمْعُ صَحْصَحٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَلْسَاءُ. وَقَوْلُهُ لَيْسَ مِنْ فَوْزِ السّفَائِحْ السّفَائِحُ جَمْعُ سَفِيحَةٍ وَهِيَ كَالْجُوَالَقِ وَنَحْوِهِ.
[ ٦ / ١٠٣ ]
فَعَزَاؤُنَا أَنّا نَقُو لُ وَقَوْلُنَا بَرْحٌ بَوَارِحُ
مَنْ كَانَ أَمْسَى وَهُوَ عَمّ اأَوْقَعَ الْحِدْثَانُ جَانِحُ
فَلْيَأْتِنَا فَلْتَبْكِ عَيْ نَاهُ لِهَلْكَانَا النّوَافِحُ
الْقَائِلِينَ الْفَاعِلِينَ ذَوِي السّمَاحَةِ وَالْمَمَادِحِ
مَنْ لَا يَزَالُ نَدَى يَدَيْهِ لَهُ طَوَالَ الدّهْرِ مَائِحُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسّانَ وَبَيْتُهُ " الْمُطْعِمُونَ إذَا الْمَشَاتِي " وَبَيْتُهُ " الْجَامِزُونَ بِلُجُمِهِمْ " وَبَيْتُهُ " مَنْ كَانَ يَرْمِي بِالنّوَاقِرِ " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
أَتَعْرِفُ الدّارَ عَفَا رَسْمُهَا بَعْدَك صَوْبَ الْمُسَنْبَلِ الْهَاطِلِ
بَيْنَ السّرَادِيحِ فَأُدْمَانَةٍ فَمَدْفَعُ الرّوْحَاءِ فِي حَائِلِ
سَاءَلْتهَا عَنْ ذَاكَ فَاسْتَعْجَمَتْ لَمْ تَدْرِ مَا مَرْجُوعَةُ السّائِلِ؟
دَعْ عَنْك دَارًا قَدْ عَفَا رَسْمُهَا وَابْكِ عَلَى حَمْزَةَ ذِي النّائِلِ
الْمَالِئِ الشّيزَي إذَا أَعْصَفَتْ غَبْرَاءُ فِي ذِي الشّيْمِ الْمَاحِلِ
وَالتّارِكِ الْقِرْنَ لَدَى لِبْدَةٍ يَعْثُرُ فِي ذِي الْخُرُصِ الذّابِلِ
وَاللّابِسِ الْخَيْلَ إذْ أَجْحَمَتْ كَاللّيْثِ فِي غَابَتِهِ الْبَاسِلِ
أَبْيَضُ فِي الذّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ لَمْ يَمُرّ دُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ
مَالَ شَهِيدًا بَيْنَ أَسْيَافِكُمْ شُلّتْ يَدًا وَحْشِيّ مِنْ قَاتِلِ
_________________
(١) شِعْرُ حَسّانَ اللّامِيّ وَقَالَ فِي الْقَصِيدَةِ اللّامِيّةِ ذِي الْخُرُصِ الذّابِلِ يُرِيدُ الرّمْحَ وَالْخُرُصُ سِنَانُهُ وَجَمْعُهُ خُرْصَانٌ. وَفِيهِ شُلّتْ يَدَا وَحْشِيّ مِنْ قَاتِلِ
[ ٦ / ١٠٤ ]
أَيّ امْرِئِ غَادَرَ فِي أَلّةٍ مَطْرُورَةٍ مَارِنَةِ الْعَامِلِ
أَظْلَمَتْ الْأَرْضُ لِفِقْدَانِهِ وَاسْوَدّ نُورُ الْقَمَرِ النّاصِلِ
صَلّى عَلَيْهِ اللهُ فِي جَنّةٍ عَالِيَةٍ مُكْرَمَةِ الدّاخِلِ
كُنّا نَرَى حَمْزَةَ حِرْزًا لَنَا فِي كُلّ أَمْرٍ نَابَنَا نَازِلِ
وَكَانَ فِي الْإِسْلَامِ ذَا تُدْرَإِ يَكْفِيك فَقْدَ الْقَاعِدِ الْخَاذِلِ
لَا تَفْرَحِي يَا هِنْدُ وَاسْتَحْلِبِي دَمْعًا وَأَذْرِي عِبْرَة الثاكل
أبْكِي عَلَى عُتْبَةَ إذْ قَطّهُ بِالسّيْفِ تَحْتَ الرّهْجِ الْجَائِلِ
إذَا خَرّ فِي مَشْيَخَةٍ مِنْكُمْ مِنْ كُلّ عَاتٍ قَلْتُةُ جَاهِلِ
أَرْدَاهُمْ حَمْزَةُ فِي أُسْرَةٍ يَمْشُونَ تَحْتَ الْحَلَقِ الْفَاضِلِ
غَدَاةَ جِبْرِيلَ وَزِيرٌ لَهُ نِعْمَ وَزِيرُ الْفَارِسِ الْحَامِلِ
_________________
(١) تَرْكُ تَنْوِينِ الْعَلَمِ لِلضّرُورَةِ تَرْكُ التّنْوِينِ لِلضّرُورَةِ لَمّا كَانَ اسْمًا عَلَمًا، وَالْعَلَمُ قَدْ يُتْرَكُ صَرْفُهُ كَثِيرًا، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْبَصْرِيّونَ، وَاحْتَجّ الْكُوفِيّونَ فِي إجَازَتِهِ بِأَنّ الشّاعِرَ قَدْ يَحْذِفُ الْحَرْفَ وَالْحَرْفَيْنِ نَحْوَ قَوْلِ عَلْقَمَةَ [بْنِ عَبَدَةَ]: كَأَنّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ عَلَى شَرَفٍ مُقَدّمٍ بِسَبَا الْكَتّانِ مَلْئُومُ أَيْ بِسَبَائِبَ وَقَوْلُ لَبِيَدٍ: كَالْحَمَالِيجِ بِأَيْدِي التّلَامِ أَيْ التّلَامِيذِ. وَقَالَ ابْنُ السّرّاجِ مُحْتَجّا عَلَيْهِمْ لَيْسَ التّنْوِينُ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ لِأَنّهُ زَائِدٌ
[ ٦ / ١٠٥ ]
شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ:
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
طَرَقَتْ هُمُومُك فَالرّقَادُ مُسَهّدُ وَجَزِعْت أَنْ سُلِخَ الشّبَابُ الْأَغْيَدُ
وَدَعَتْ فُؤَادَك لِلْهَوَى ضَمْرِيّةٌ فَهَوَاك غَوْرِيّ وَصَحْوُك مُنْجِدُ
فَدَعْ التّمَادِي فِي الْغَوَايَةِ سَادِرًا قَدْ كُنْت فِي طَلَبِ الْغَوَايَةِ تُفْنَدُ
وَلَقَدْ أَتَى لَك أَنّ تَنَاهَى طَائِعًا أَوْ تَسْتَفِيقَ إذَا نَهَاك الْمُرْشِدُ
وَلَقَدْ هُدِدْت لِفَقْدِ حَمْزَةَ هَدّةً ظَلّتْ بَنَاتُ الْجَوْفِ مِنْهَا تَرْعَدُ
وَلَوْ أَنّهُ فُجِعَتْ حِرَاءٌ بِمِثْلِهِ لَرَأَيْت رَأْسِي صَخْرُهَا يَتَبَدّدُ
قَرْمٌ تَمَكّنَ فِي ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ حَيْثُ النّبُوّةُ وَالنّدَى وَالسّودَدُ
وَالْعَاقِرُ الْكُومَ الْجِلَادَ إذَا غَدَتْ رِيحٌ يَكَادُ الْمَاءُ مِنْهَا يَجْمُدُ
وَالتّارِكُ الْقِرْنَ الْكَمِيّ مُجَدّلًا يَوْمَ الْكَرِيهَةِ وَالْقَنَا يَتَقَصّدُ
_________________
(١) لِمَعْنَى، وَمَا زِيدَ مَعْنًى لَا يُحْذَفُ. شِعْرُ كَعْبٍ وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ: طَرَقَتْ هُمُومُك فَالرّقَادُ مُسَهّدُ أَرَادَ الرّقَادَ مُسَهّدٌ صَاحِبَهُ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَهُوَ الضّمِيرُ الْمَخْفُوضُ فَصَارَ الضّمِيرُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ فَاسْتَتَرَ فِي الْمُسَهّدِ. وَمِنْهُ وَجَزِعْت أَنْ سُلِخَ الشّبَابُ الْأَغْيَدُ
[ ٦ / ١٠٦ ]
وَتَرَاهُ يَرْفُلُ فِي الْحَدِيدِ كَأَنّهُ ذُو لِبْدَةٍ شَثْنُ الْبَرَاثِنِ أَرْبَدُ
عَمّ النّبِيّ مُحَمّدٍ وَصَفِيّهُ وَرَدَ الْحِمَامَ فَطَابَ ذَاكَ الْمَوْرِدِ
وَأَتَى الْمَنِيّةَ مُعْلِمًا فِي أُسْرَةٍ نَصَرُوا النّبِيّ وَمِنْهُمْ الْمُسْتَشْهَدُ
وَلَقَدْ إخَالُ بِذَاكَ هِنْدًا بُشّرَتْ لَتُمِيتُ دَاخِلَ غُصّةٍ لَا تَبْرُدُ
مِمّا صَبّحْنَا بِالْعَقَنْقَلِ قَوْمَهَا يَوْمًا تَغَيّبَ فِيهِ عَنْهَا الْأَسْعَدُ
وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدّ وُجُوهَهُمْ جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمّدُ
حَتّى رَأَيْت لَدَى النّبِيّ سَرَاتَهُمْ قِسْمَيْنِ يَقْتُلُ مَنْ نَشَاءُ وَيَطْرُدُ
فَأَقَامَ بِالْعَطَنِ الْمُعَطّنِ مِنْهُمْ سَبْعُونَ عُتْبَةُ مِنْهُمْ وَالْأَسْوَدُ
وَابْنُ الْمُغِيرَةِ قَدْ ضَرَبْنَا ضَرْبَةً فَوْقَ الْوَرِيدِ لَهَا رَشَاشٌ مُزِيدُ
وَأُمَيّةُ الْجُمَحِيّ قَوّمَ مَيْلَهُ عَضْبٌ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ مُهَنّدُ
فَأَتَاك فَلّ الْمُشْرِكِينَ كَأَنّهُمْ وَالْخَيْلُ تَثْفِنُهُمْ نَعَامٌ شُرّدُ
شَتّانَ مَنْ هُوَ فِي جَهَنّمَ ثَاوِيًا أَبَدًا وَمَنْ هُوَ فِي الْجِنَانِ مُخَلّدُ
وَقَالَ كَعْبٌ أَيْضًا يَبْكِي حَمْزَةَ
صَفِيّةُ قَوْمِي وَلَا تَعْجِزِي وَبَكّي النّسَاءَ عَلَى حَمْزَةِ
وَلَا تَسْأَمِي أَنْ تُطِيلِي اُلْبُكَا عَلَى أَسَدِ اللهِ فِي الْهِزّةِ
فَقَدْ كَانَ عِزّا لِأَيْتَامِنَا وَلَيْثَ الْمَلَاحِمِ فِي الْبِزّةِ
_________________
(١) أَيْ الْأَغْيَدُ صَاحِبُهُ وَهُوَ النّاعِمُ. وَقَوْلُهُ وَالْخَيْلُ تَثْفِنُهُمْ أَيْ تَتّبِعُ آثَارَهُمْ وَأَصْلُهُ مِنْ ثَفِنَاتِ الْبَعِيرِ وَهُوَ مَا حَوْلَ الْخُفّ مِنْهُ. قَصِيدَةُ كَعْبٍ الزّائِيّةُ وَقَوْلُ كَعْبٍ فِي الشّعْرِ الزّائِيّ وَلَيْثُ الْمَلَاحِمِ فِي الْبِزّةِ
[ ٦ / ١٠٧ ]
يُرِيدُ بِذَاكَ رِضَا أَحْمَدَ وَرِضْوَانَ ذِي الْعَرْشِ وَالْعِزّةِ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ
وَقَالَ كَعْبٌ أَيْضًا فِي أُحُدٍ
إنّك عَمْرُ أَبِيك الْكَرِي مِ أَنْ تَسْأَلِي عَنْك مَنْ يَجْتَدِينَا
فَإِنْ تَسْأَلِي ثَمّ لَا تَكْذِبِي يُخْبِرُك مَنْ قَدْ سَأَلْت الْيَقِينَا
بِأَنّا لَيَالِيَ ذَاتِ الْعِظَا مِ كُنّا ثِمَالًا لِمَنْ يَعْتَرِينَا
تَلُوذُ الْبُجُودُ بِأَذْرَائِنَا مِنْ الضّرّ فِي أَزَمَاتِ السّنِينَا
بِجَدْوَى فُضُولِ أُولِي وَجْدِنَا وَبِالصّبْرِ وَالْبَذْلِ فِي الْمُعْدِمِينَا
وَأَبْقَتْ لَنَا جَلَمَاتُ الْحُرُو بِ مِمّنْ نُوَازِي لَدُنْ أَنْ بُرِينَا
_________________
(١) الْبِزّةُ الشّارَةُ الْحَسَنَةُ وَالْبِزّةُ السّلَاحُ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ بَزَزْت الرّجُلَ إذَا سَلَبْته بِزّتَهُ يُقَالُ مَنْ عَزّ بَزّ أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ وَالْبُزَابِزُ الرّجُلُ الشّدِيدُ. نُونِيّةُ كَعْبٍ وَقَالَ أَيْضًا فِي الْقَصِيدَةِ النّونِيّةِ تَلُوذُ الْبُجُودُ بِأَذْرَائِنَا الْبُجُودُ جَمْعُ بَجَدٍ وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ النّاسِ وَيُرْوَى النّجُودُ بِالنّونِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمَكْرُوبَةُ. وَالنّجُودُ مِنْ الْإِبِلِ الْقَوِيّةُ وَقَوْلُهُ بِأَذْرَائِنَا، جَمْعُ ذَرَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَا فِي ذَرَا فُلَانٍ أَيْ فِي سِتْرِهِ وَتَقُولُ الْعَرَبُ: لَيْسَ فِي الشّجَرِ أَذْرَى مِنْ السّلَمِ أَيْ أَدْفَأَ ذَرَا مِنْهُ لِأَنّهُ يُقَالُ مَا مَاتَ أَحَدٌ صَرْدًا قَطّ فِي ذَرَا سَلَمَة. وَقَوْلُهُ جَلَمَاتُ الْحُرُوبِ. مِنْ قَوْلِك: جَلَمْت الشّيْءَ وَجَرَشْته إذَا قَطَعْته،
[ ٦ / ١٠٨ ]
مَعَاطِنَ تَهْوِي إلَيْهَا الْحُقُو قُ يَحْسَبُهَا مَنْ رَآهَا الْفَتِينَا
نُخَيّسُ فِيهَا عِتَاقُ الْجَمَا لِ صُحْمًا دَوَاجِنَ حُمْرًا وُجُونَا
وَدُفّاعُ رَجُلٍ كَمَوْجِ الْفُرَا تَ يَقْدَمُ جَأْوَاءَ جَوْلًا طَحُونَا
تَرَى لَوْنَهَا مِثْلَ لَوْنِ النّجُوّ مِ رَجْرَاجَةً تُبْرِقُ النّاظِرِينَا
فَإِنْ كُنْت عَنْ شَأْنِنَا جَاهِلًا فَسَلْ عَنْهُ ذَا الْعِلْمِ مِمّنْ يَلِينَا
بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ إنْ قَلّصَتْ عَوَانًا. ضَرُوسًا عَضُوضًا جَحُونَا
_________________
(١) وَمِنْهُ الْجَلَمَانُ. وَقَوْلُهُ لَدُنْ أَنْ بُرِينَا أَيْ خُلِقْنَا، وَالْبَارِي: الْخَالِقُ سُبْحَانَهُ أَيْ هَذَا حَالُنَا مِنْ لَدُنْ خُلِقْنَا. وَقَوْلُهُ يَحْسِبُهَا مَنْ رَآهَا الْفَتِينَا، هِيَ الصّخُورُ السّودُ سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنّهَا تُشْبِهُ مَا فُتِنَ بِالنّارِ أَيْ أُحْرِقَ. وَفِي التّنْزِيلِ ﴿عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذريات:١٣] وَأَصْلُ الْفِتَنِ الِاخْتِبَارُ وَإِنّمَا قِيلَ فَتَنْت الْحَدِيدَةَ بِالنّارِ لِأَنّك تَخْتَبِرُ طَيّبَهَا مِنْ خَبِيثِهَا. وَقَوْلُهُ دَوَاجِنُ حُمْرًا وَجُونًا، أَيْ حُمْرًا وَسُودًا، وَقَوْلُهُ جَأْوَاءُ أَيْ كَتِيبَةٌ لَوْنُهَا لَوْنُ الْحَدِيدِ. وَقَوْلُهُ جُولًا طَحُونًا: الْجُولُ جَانِبُ الْبِئْرِ. وَقَوْلُهُ إنْ قَلّصَتْ يَعْنِي الْحَرْبَ ثُمّ وَصَفَهَا فَقَالَ عَضُوضًا جَحُونَا مِنْ الْعَضّ وَحَجُونًا مِنْ حَجَنْت الْعُودَ إذَا لَوَيْته، وَقَوْلُهُ:
[ ٦ / ١٠٩ ]
أَلَسْنَا نَشُدّ عَلَيْهَا الْعِصَا بَ حَتّى تَدُرّ وَحَتّى تَلِينَا
وَيَوْمٌ لَهُ رَهَجٌ دَائِمٌ شَدِيدُ التّهَاوُلِ حَامِي الْأَرِينَا
طَوِيلٌ شَدِيدُ أُوَارِ الْقِتَا لِ تَنْفِي قَوَاحِزُهُ الْمُقْرِفِينَا
تَخَالُ الْكُمَاةَ بِأَعْرَاضِهِ ثِمَالًا عَلَى لَذّةٍ مُنْزِفِينَا
_________________
(١) أَلَسْنَا نَشُدّ عَلَيْهَا الْعِصَا بَ حَتّى تَدُرّ وَحَتّى تَلِينَا هَذَا كُلّهُ مِنْ صِفَةِ الْحَرْبِ شَبّهَهَا بِنَاقَةِ صَعْبَةٍ قَلّصَتْ أَيْ صَارَتْ قَلُوصًا، أَيْ إنّا نُذَلّلُ صَعْبَهَا، وَتَلِينُ مِنْ ضِرَاسِهَا. وَقَوْلُهُ وَيَوْمٌ لَهُ رَهَجٌ دَائِمٌ الرّهَجِ الْغُبَارُ. وَقَوْلُهُ: شَدِيدُ التّهَاوُلِ: جَمْعُ تَهْوِيلٍ وَالتّهَاوِيلُ أَلْوَانٌ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ الشّاعِرُ [عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ عَسَلَةَ] يَصِفُ رَوْضًا: وَعَازِبٌ قَدْ عَلَا التّهْوِيلُ جَنْبَتَهُ لَا تَنْفَعُ النّعْلُ فِي رَقْرَاقِهِ الْحَافِي وَقَوْلُهُ حَامِي الْأَرِينَا: جَمْعُ إرَةٍ وَهُوَ مُسْتَوْقَدُ النّارِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهَا عِلّةً مِنْ الْأُوَارِ وَهُوَ الْحَرّ، فَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ وَهُمِزَتْ الْوَاوُ لِانْكِسَارِهَا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهَا فِعَلَةً مِنْ تَأَرّيْتُ بِالْمَكَانِ لِأَنّهُمْ يَتَأَرّوْنَ حَوْلَهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصّحِيحُ لِأَنّهُمْ جَمَعُوهَا عَلَى إرِينَ مِثْلُ سِنِينَ وَلَا يُجْمَعُ هَذَا الْجَمْعُ الْمُسْلَمُ كَجَمْعِ مَنْ يَعْقِلُ إلّا إذَا حُدّدَتْ لَامُهُ وَكَانَ مُؤَنّثًا، وَكَانَ لَامُ الْفِعْلِ حَرْفَ عِلّةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُذَكّرٌ كَالْأُمّةِ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الشّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ جُمِعَ بِالْوَاوِ وَالنّونِ فِي الرّفْعِ. وَالْيَاءِ وَالنّونِ فِي الْخَفْضِ وَالنّصْبِ كَسِنِينَ وَعِضِينَ غَيْرَ أَنّهُمْ قَدْ قَالُوا: رِقِينَ فِي جَمْعِ الرّقّةِ وَهِيَ الْوَرِقُ وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَلَى سِرّ هَذَا الْجَمْعِ وَسِرّ أَرْضِينَ فِي " نَتَائِجِ الْفِكْرِ " بِمَا فِيهِ جَلَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
[ ٦ / ١١٠ ]
تَعَاوَرُ أَيْمَانُهُمْ بَيْنَهُمْ كُؤُوسَ الْمَنَايَا بِحَدّ الظبينا
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: كَنَارِ أَبِي حُبَاحِبَ وَالضّبِينَا يُقَالُ أَبُو حُبَاحِبَ ذُبَابٌ يَلْمَعُ بِاللّيْلِ وَقِيلَ كَانَ رَجُلًا لَئِيمًا لَا يَرْفَعُ نَارَهُ خَشْيَةَ الْأَضْيَافِ وَلَا يُوقِدُهَا إلّا ضَعِيفَةً وَتَرَكَ صَرْفَهُ وَلَمْ يَخْفِضْ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّ الِاسْمَ إذَا تُرِكَ صَرْفُهُ ضَرُورَةً أَوْ غَيْرَ ضَرُورَةٍ لَمْ يَدْخُلْهُ الْخَفْضُ كَمَا لَا يَدْخُلُهُ التّنْوِينُ لِئَلّا يُشْبِهَ مَا يُضِيفُهُ الْمُتَكَلّمُ إلَى نَفْسِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا أَدْرِي مَا حُبَاحِبُ وَلَا أَبُو حُبَاحِبَ وَلَا بَلَغَنِي عَنْ الْعَرَبِ فِيهِ شَيْءٌ وَقَالَ فِي الْإِرَةِ عَنْ قَوْمٍ حَكَى قَوْلَهُمْ هُوَ مِنْ أَرَيْت الشّيْءَ إذَا عَلِمْته، وَقَالَ الْأَرْيُ هُوَ عَمَلُ النّحْلِ وَفِعْلُهَا، ثُمّ سُمّيَ الْعَسَلُ أَرْيًا لِهَذَا كَمَا يُسَمّى مَزْجًا وَأَنْشَدَ [لِأَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ]: وَجَاءُوا بِمَزْجِ لَمْ يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ هُوَ الضّحِكُ إلّا أَنّهُ عَمَلُ النّحْلِ قَالَ وَالضّحْكُ: الزّبْدُ الْأَبْيَضُ وَقِيلَ الثّغْرُ وَقِيلَ الطّلْعُ وَقِيلَ الْعَجَبُ. وَقَوْلُهُ وَالظّبِينَا: جَمْعُ ظُبَةٍ جَمَعَهَا عَلَى هَذَا الْجَمْعِ الْمُسْلَمِ لِمَا قَدّمْنَاهُ فِي الْأَرِينَ وَالسّنِينَ غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يَكْسِرْ أَوّلَ الْكَلِمَةِ كَمَا كُسِرَتْ السّينُ مِنْ سِنِينَ إشْعَارًا بِالْجَمْعِ لِأَنّ ظُبِينَ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، إذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ فَعِيلٌ وَكَسَرُوا أَوّلَ سِنِينَ إيذَانًا بِأَنّهُ جَمْعٌ كَيْ لَا يُتَوَهّمَ أَنّهُ اسْمٌ عَلَى فُعُولٍ إذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ فُعُولٌ وَلَا فِعِيلٍ وَلَمْ يَبْلُغْ سِيبَوَيْهِ أَنّ ظُبَةَ تُجْمَعُ عَلَى ظُبِينَ وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الشّعْرِ وَفِي غَيْرِهِ كَمَا تَرَاهُ. وَقَوْلُهُ قَوَاحِزُهُ جَمْعُ قَاحِزٍ وَهُوَ الْوَثّابُ الْقَلِقُ يُقَالُ قَحَزَ قَحَزَانًا [وَقَحْزًا وَقُحُوزًا]، إذَا وَثَبَ وَقَلِقَ. وَقَوْلُهُ بِخُرْسِ الْحَسِيسِ يَصِفُ السّيُوفَ بِالْخَرَسِ
[ ٦ / ١١١ ]
شَهِدنَا فَكُنَّا أُولِي بَأْسِهِ وَتَحْتَ الْعَمَايَةِ وَالْمُعْلِمِينَا
بِخُرْسِ الْحَسِيسِ حِسَانٍ رِوَاءٍ وَبُصْرِيّةٍ قَدْ أَجَمْنَ الْجُفُونَا
فَمَا يَنْفَلِلْنَ وَمَا يَنْحَنِينَ وَمَا يَنْتَهِينَ إذَا مَا نُهِينَا
كَبَرْقِ الْخَرِيفِ بِأَيْدِي الْكُمَاةِ يُفَجّعَن بِالظّلّ هَامًا سُكُونَا
وَعَلّمَنَا الضّرْبَ آبَاؤُنَا وَسَوْفَ نَعْلَمُ أَيْضًا بَنِينَا
جِلَادَ الْكُمَاةِ وَبَذْلَ التّلَا دِ عَنْ جُلّ أَحْسَابِنَا مَا بَقِينَا
إذَا مَرّ قَرْنٌ كَفَى نَسْلُهُ وَأَوْرَثَهُ بَعْدَهُ آخَرِينَا
نَشِبّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا وَبِينَا نُرَبّي بَنِينَا فَنِينَا
سَأَلْت بِك ابْنَ الزّبَعْرَى فَلَمْ أُنَبّأْك فِي الْقَوْمِ إلّا هَجِينَا
خَبِيثًا تُطِيفُ بِك الْمُنْدِيَاتُ مُقِيمًا عَلَى اللّؤْمِ حَيْنًا فَحِينَا
_________________
(١) لِوُقُوعِهَا فِي الدّمِ وَاللّحْمِ. وَقَوْلُهُ حِسَانٍ رِوَاءٍ مِنْ الدّمِ وَقَوْلُهُ بُصْرِيّةٌ مَنْسُوبَةٌ إلَى بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشّامِ، كَمَا أَنّ الْمَشْرَفِيّةَ مَنْسُوبَةٌ إلَى مَشَارِفَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، لِأَنّهَا تُصْنَعُ فِيهَا. وَقَوْلُهُ: قَدْ أَجَمْنَ الْجُفُونَا، أَيْ كَرِهْنَ الْمُقَامَ فِيهَا، وَمَلَلْنَهُ وَمِنْهُ قَوْلُ هِشَامٍ لِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ مَا طَعَامُك قَالَ الْخُبْزُ بِالزّيْتِ قَالَ أَمَا تَأْجِمُهُمَا؟ قَالَ: إذَا أَجِمْتهمَا تَرَكْتهمَا حَتّى أَشْتَهِيهِمَا. وَقَوْلُهُ: وَتَحْتَ الْعَمَايَةِ وَالْمُعْلِمِينَا بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ مِنْ أَوّلِ الْقَسِيمِ الثّانِي وَقَعَ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْحَاشِيَةِ وَتَحْتَ الْعَمَايَةِ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَقَعَ فِي الْأَصْلَيْنِ وَبِهَا يَكْمُلُ الْوَزْنُ وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهَا إلّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ الّذِي يُجِيزُ الْخَرْمَ فِي أَوّلِ الْقَسِيمِ الثّانِي مِنْ الْبَيْتِ كَمَا يُجِيزُهُ الْعَرُوضِيّونَ فِي أَوّلِ الْبَيْتِ. وَقَوْلُهُ تُطِيفُ بِك الْمُنْدِيَاتُ أَيْ الْأُمُورُ الشّنِيعَةُ.
[ ٦ / ١١٢ ]
تَبَجّسْت تَهْجُو رَسُولَ الْمَلِيّ كِ قَاتَلَك اللهُ جِلْفًا لَعِينَا
تَقُولُ الْخَنَائِمُ تَرْمِي بِهِ نَقِيّ الثّيَابِ تَقِيّا أَمِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ " بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ "، وَالْبَيْتَ الّذِي يَلِيهِ وَالْبَيْتَ الثّالِثَ مِنْهُ وَصَدْرَ الرّابِعَ مِنْهُ وَقَوْلَهُ " نَشِبّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا وَالْبَيْتَ الّذِي يَلِيهِ وَالْبَيْتَ الثّالِثَ مِنْهُ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
سَائِلْ قُرَيْشًا غَدَاةَ السّفْحِ مِنْ أُحُدٍ مَاذَا لَقِينَا وَمَا لَاقُوا مِنْ الْهَرَبِ
كُنّا الْأُسُودَ وَكَانُوا النّمْرَ إذَا زَحَفُوا مَا إنْ نُرَاقِبْ مِنْ آلٍ وَلَا نَسَبٍ
فَكَمْ تَرَكْنَا بِهَا مِنْ سَيّدٍ بَطَلٍ حَامِي الذّمَارِ كَرِيمِ الْجَدّ وَالْحَسَبِ
فِينَا الرّسُولُ شِهَابٌ ثُمّ يَتْبَعُهُ نُورٌ مُضِيءٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الشّهُبِ
الْحَقّ مَنْطِقُهُ وَالْعَدْلُ سِيرَتُهُ فَمَنْ يُجِبْهُ إلَيْهِ يَنْجُ مِنْ تَبَبِ
نَجْدُ الْمُقَدّمِ مَاضِي الْهَمّ مُعْتَزَمٌ حِينَ الْقُلُوبِ عَلَى رَجْفٍ مِنْ الرّعُبِ
يَمْضِي وَيَذْمُرُنَا عَنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ كَأَنّهُ الْبَدْرُ لَمْ يُطْبَعْ عَلَى الْكَذِبِ
بَدَا لَنَا فَاتّبَعْنَاهُ نُصَدّقُهُ وَكَذّبُوهُ فَكُنّا أَسْعَدَ الْعَرَبِ
جَالُوا وَجُلْنَا فَمَا فَاءُوا وَمَا رَجَعُوا وَنَحْنُ نَثْقِنَهُمْ لَمْ نَأْلُ فِي الطّلَبِ
لَيْسَ سَوَاءً وَشَتّى بَيْنَ أَمْرِهِمَا حَزْبُ الْإِلَهِ وَأَهْلُ الشّرْكِ وَالنّصُبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي مِنْ قَوْلِهِ " يَمْضِي وَيَذْمُرُنَا " إلَى آخِرهَا، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
_________________
(١) وَقَوْلُهُ تَبَجّسْت، مِنْ تَبَجّسَ الْمَاءُ إذَا انْفَجَرَ
[ ٦ / ١١٣ ]
شِعْرُ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
قَالَ ابْنُ هِشَامِ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
عَلَى أَسَدِ الْإِلَهِ غَدَاةَ قَالُوا أَحَمْزَةَ ذَاكُمْ الرّجُلُ الْقَتِيلُ
أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ جَمِيعًا هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بِهِ الرّسُولُ
أَبَا يَعْلَى لَك الْأَرْكَانُ هُدّتْ وَأَنْتَ الْمَاجِدُ الْبَرّ الْوَصُولُ
عَلَيْك سَلَامُ رَبّك فِي جِنَانٍ مُخَالِطُهَا نَعِيمٌ لَا يَزُولُ
أَلَا يَا هَاشِمَ الْأَخْيَارِ صَبْرًا فَكُلّ فِعَالِكُمْ حَسَنٌ جَمِيلُ
رَسُولُ اللهِ مُصْطَبِرٌ كَرِيمٌ بِأَمْرِ اللهِ يَنْطِقُ إذْ يَقُولُ
أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنّي لُؤَيّا فَبَعْدَ الْيَوْمِ دَائِلَةٌ تَدُولُ
وَقَبْلَ الْيَوْمِ مَا عَرَفُوا وَذَاقُوا وَقَائِعَنَا بِهَا يُشْفَى الْغَلِيلُ
نَسِيتُمْ ضَرْبَنَا بِقَلِيبِ بَدْرٍ غَدَاةَ أَتَاكُمْ الْمَوْتُ الْعَجِيلُ
غَدَاةَ ثَوَى أَبُو جَهْلٍ صَرِيعًا عَلَيْهِ الطّيْرُ حَائِمَةٌ تَجُولُ
وَعُتْبَةُ وَابْنُهُ خَرّا جَمِيعًا وَشَيْبَةُ عَضّهُ السّيْفُ الصّقِيلُ
وَمَتْرَكُنَا أُمَيّةَ مُجْلَعِبّا وَفِي حَيْزُومِهِ لَدْنٌ نَبِيلِ
وَهَامَ بَنِي رَبِيعَةَ سَائِلُوهَا فَفِي أَسْيَافِنَا مِنْهَا فُلُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ فَابْكِي لَا تَمَلّي فَأَنْتِ الْوَالِهُ الْعَبْرَى الْهَبُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ لَا تُبْدِي شِمَاتًا بِحَمْزَةِ إنْ عَزّكُمْ ذَلِيلُ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٤ ]
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
أَبْلِغْ قُرَيْشًا عَلَى نَأْيِهَا أَتَفْخَرُ مِنّا بِمَا لَمْ تَلِي
فَخَرْتُمْ بِقَتْلَى أَصَابَتْهُمْ فَوَاضِلُ مِنْ نِعَمِ الْمُفْضِلِ
فَحَلّوا جِنَانًا وَأَبْقَوْا لَكُمْ أُسُودًا تَحَامِي عَنْ الْأَشْبُلِ
تُقَاتِلُ عَنْ دِينِهَا وَسْطَهَا نَبِيّ عَنْ الْحَقّ لَمْ يَنْكُلْ
رَمَتْهُ مَعَدّ بِعُورِ الْكَلَامِ وَنَبْلِ الْعَدَاوَةِ لَا تَأْتَلِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ " لَمْ تَلِي "، وَقَوْلَهُ " مِنْ نِعَمِ الْمُفْضِلِ " أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
شِعْرُ ضِرَارٍ فِي أُحُدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
مَا بَالُ عَيْنِك قَدْ أَزْرَى بِهَا السّهُدُ كَأَنّمَا جَالَ فِي أَجْفَانِهَا الرّمَدُ
أَمِنْ فِرَاقِ حَبِيبٍ كُنْت تَأْلَفُهُ قَدْ حَالَ مِنْ دُونِهِ الْأَعْدَاءُ وَالْبُعْدُ
أَمْ ذَاكَ مِنْ شَغْبِ قَوْمٍ لَا جَدَاءَ بِهِمْ إذْ الْحُرُوبُ تَلَظّتْ نَارُهَا تَقِدُ
مَا يَنْتَهُونَ عَنْ الْغَيّ الّذِي رَكِبُوا وَمَا لَهُمْ مِنْ لُؤَيّ وَيْحَهمْ عَضُدُ
وَقَدْ نَشَدْنَاهُمْ بِاَللهِ قَاطِبَةً فَمَا تَرُدّهُمْ الْأَرْحَامُ وَالنّشَدُ
_________________
(١) شِعْرُ ضِرَارٍ وَقَوْلُ ضِرَارٍ فِي قَصِيدَتِهِ الدّالِيّةِ يَكْبُو فِي جَدِيّتِهِ أَيْ فِي دَمِهِ.
[ ٦ / ١١٥ ]
حَتّى إذَا مَا أَبَوْا إلّا مُحَارَبَةً وَاسْتَحْصَدَتْ بَيْنَنَا الْأَضْغَانُ وَالْحِقِدُ
سِرْنَا إلَيْهِمْ بِجَيْشِ فِي جَوَانِبِهِ قَوَانِسُ الْبِيضِ وَالْمَحْبُوكَةُ السّرُدُ
وَالْجُرْدُ تَرْفُلُ بِالْأَبْطَالِ شَازِيَةَ كَأَنّهَا حِدَأٌ فِي سَيْرِهَا تُؤَدُ
جَيْشٌ يَقُودُهُمْ صَخْرٌ وَيَرْأَسُهُمْ كَأَنّهُ لَيْثُ غَابٍ هَاصِرٌ حَرِدُ
فَأَبْرَزَ الْحَيْنَ قَوْمًا مِنْ مَنَازِلِهِمْ فَكَانَ مِنّا وَمِنْهُمْ مُلْتَقَى أُحُدِ
فَغُودِرَتْ مِنْهُمْ قَتْلَى، مُجَدّلَة كَالْمَعْزِ أَصْرَدَهُ بِالصّرْدَحِ الْبَرْدِ
قَتْلَى كِرَامٌ بَنُو النّجّارِ وَسْطَهُمْ وَمُصْعَبٌ مِنْ قَنَانَا حَوْلَهُ قِصَدٌ
وَحَمْزَةُ الْقَرْمُ مَصْرُوعٌ تُطِيفُ بِهِ ثَكْلَى وَقَدْ حُزّ مِنْهُ الْأَنْفُ وَالْكَبِدُ
كَأَنّهُ حِينَ يَكْبُو فِي جَدِيّتِهِ تَحْتَ الْعِجَاجِ وَفِيهِ ثَعْلَبٌ جَسِدُ
حُوَارُ نَابٍ وَقَدْ وَلّى صَحَابَتُهُ كَمَا تَوَلّى النّعَامُ الْهَارِبُ الشّرُدُ
مُجَلّحِينَ وَلَا يَلْوُونَ قَدْ مُلِئُوا رُعْبًا، فَنَجّتْهُمْ الْعَوْصَاءُ وَالْكُوّدُ
تَبْكِي عَلَيْهِمْ نِسَاءٌ لَا يَعُولُ لَهَا مِنْ كُلّ سَالِبَةٍ أَثْوَابُهَا قِدَدُ
وَقَدْ تَرَكْنَاهُمْ لِلطّيْرِ مَلْحَمَةً وَلِلضّبَاعِ إلَى أَجْسَادِهِمْ تَفِدُ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: ثَعْلَبٌ جَسَدُ يُرِيدُ ثَعْلَبَ الرّمْحِ وَجَسِدَ مِنْ الْجِسَادِ وَهُوَ الدّمُ. وَقَوْلُهُ: الْأَضْغَانُ وَالْحِقِدُ حَرّكَ الْقَافَ بِالْكَسْرِ ضَرُورَةً وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الدّالِ بِالسّكُونِ وَكَانَ الِاسْمُ مَخْفُوضًا كَانَ الْكَسْرُ أَحْسَنَ فِي الْوَقْفِ كَمَا قَالَ وَاصْطِفَافًا بِالرّجْلِ أَيْ الرّجْلِ. وَقَوْلُهُ: الْعَوْصَاءُ وَالْكُؤُدُ يُرِيدُ الرّمُلَةَ الْعَوِيصُ مَسْلَكُهَا، وَالْكُؤُدُ جَمْعُ عَقَبَةٍ كَؤُودٍ وَهِيَ الشّاقّةُ.
[ ٦ / ١١٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارِ.
رَجَزُ أَبِي زَعْنَةَ يَوْمَ أُحُدٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ أَبُو زَعْنَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ أَخُو بَنِي جُشَمٍ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَوْمَ أُحُدٍ
أَنَا أَبُو زَعْنَةَ يَعْدُو بِي الْهُزَمْ لَمْ تُمْنَعْ الْمَخْزَاةُ إلّا بِالْأَلَمْ
يَحْمِي الذّمَارَ خَزْرَجِيّ مِنْ جُشَمْ
رَجَزٌ يُنْسَبُ لِعَلِيّ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ غَيْرُ عَلِيّ فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَعْرِفُهَا لِعَلِيّ:
لَا هُمّ إنّ الْحَارِثَ بْنَ الصّمّةْ كَانَ وَفِيّا وَبِنَا ذَا ذِمّةْ
أَقْبَلَ فِي مَهَامِهِ مُهِمّةْ كَلَيْلَةِ ظَلْمَاءَ مُدْلَهِمّةْ
بَيْنَ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ جَمّةْ يَبْغِي رَسُولَ اللهِ فِيمَا ثَمّةْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ " كَلَيْلَةِ " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
رَجَزُ عِكْرِمَةَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
_________________
(١) رَجَزُ عِكْرِمَةَ وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ أَرْحِبْ هَلّا، هُوَ مِنْ زَجْرِ الْخَيْلِ وَكَذَلِكَ هِقِطْ وَهِقِطْ وَهَبْ
[ ٦ / ١١٧ ]
كلهم يزجره أرحب هلا وَلنْ يروه الْيَوْم إِلَّا مُقبلا
يحمل رمحا ورئيسا جحفلا
شعر الْأَعْشَى التَّمِيمِي فِي بكاء قَتْلَى بني عبد الدَّار يَوْم أحد:
وَقَالَ الْأَعْشَى بن زُرَارَة بن النباش التَّمِيمِي - قَالَ ابْن هِشَام: ثمَّ أحد بني أَسد بن عَمْرو بن تَمِيم - يبكي قَتْلَى بني عبد الدَّار يَوْم أحد:
حييّ من حَيّ عَليّ نأيهم بَنو أبي طَلْحَة لَا تصرف
يمر ساقيهم عَلَيْهِم بهَا وكل سَاق لَهُم يعرف
لَا جارهم يشكو وَلَا ضيفهم من دونه بَاب لَهُم يصرف
وَقَالَ عبد الله بن الزِّبَعْرَى يَوْم أحد:
قتلنَا ابْن جحش فاغتبطنا بقتْله وَحَمْزَة فِي فرسانه وَابْن قوقل
وأفلتنا مِنْهُم رجال فَأَسْرعُوا فليتهم عاجوا وَلم نتعجل
أَقَامُوا لنا حَتَّى تعض سُيُوفنَا سراتهم وكلنَا غير عزل
وَحَتَّى يكون الْقَتْل فِينَا وَفِيهِمْ ويلقوا صَبُوحًا شَره غير منجلي
قَالَ ابْن هِشَام: وَقَوله " وكلنَا " وَقَوله " ويلقوا صَبُوحًا ": عَن غير ابْن إِسْحَاق.
شعر صَفِيَّة فِي بكاء حَمْزَة
قَالَ ابْن إِسْحَاق:
وَقَالَت صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب تبْكي أخاها حَمْزَة بن عبد الْمطلب:
أسائلة أَصْحَاب أحد مَخَافَة بَنَات أبي من أعجم وخبير
فَقَالَ الْخَبِير أَن حَمْزَة قد ثوى وَزِير رَسُول الله خير وَزِير
_________________
(١) وَسَقَبْ. وَذَكَرَ قَوْلَ نعيم
[ ٦ / ١١٨ ]
دَعَاهُ إلَهُ الْحَقّ ذُو الْعَرْشِ دَعْوَةً إلَى جَنّةٍ يَحْيَا بِهَا وَسُرُورُ
فَذَلِكَ مَا كُنّا نُرْجِي وَنَرْتَجِي لِحَمْزَةِ يَوْمَ الْحَشْرِ خَيْرُ مَصِيرِ
فَوَاَللهِ لَا أَنْسَاك مَا هَبّتْ الصّبَا بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي
عَلَى أَسَدِ اللهِ الّذِي كَانَ مِدْرَهَا يَذُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ كُلّ كَفَوْرِ
فَيَا لَيْتَ شِلْوِي عِنْدَ ذَاكَ وَأَعْظُمِي لَدَى أَضْبُعٍ تَعْتَادَنِي وَنُسُورِ
أَقُولُ وَقَدْ أَعْلَى النّعِيّ عَشِيرَتِي جَزَى اللهُ خَيْرًا مِنْ أَخٍ وَنَصِيرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهَا:
بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي شِعْرُ نُعْمَ فِي بُكَاءِ شَمّاسٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَتْ نُعْمُ امْرَأَةُ شَمّاسِ بْنِ عُثْمَانَ، تَبْكِي شَمّاسًا، وَأُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ:
يَا عَيْنُ جُودِي بِفَيْضِ غَيْرِ إبْسَاسِ عَلَى كَرِيمٍ مِنْ الْفِتْيَانِ أَبّاسِ
_________________
(١) شعر نُعَيْمٍ يَا عَيْنُ جُودِيّ بِفَيْضِ غَيْرِ إبْسَاسِ الْإِبْسَاسُ أَنْ تَسْتَدِرّ لَبَنَ النّاقَةِ بِأَنْ تَمْسَحَ ضَرْعَهَا، وَتَقُولُ لَهَا: بَسْ بَسْ فَاسْتَعَارَتْ هَذَا الْمَعْنَى لِلدّمْعِ الْفَائِضِ بِغَيْرِ تَكَلّفٍ وَلَا اسْتِدْرَارٍ لَهُ. وَقَوْلُهَا: صَعْبُ الْبَدِيهَةِ أَيْ بَدِيهَتُهُ لَا تُعَارَضُ وَلَا تُطَاقُ فَكَيْفَ رَوِيّتُهُ وَاحْتِفَالُهُ.
[ ٦ / ١١٩ ]
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ مَيْمُونٍ نَقِيبَتُهُ حَمّالِ أَلْوِيَةٍ رَكّابِ أَفْرَاسِ
أَقُولُ لَمّا أَتَى النّاعِي لَهُ جَزَعًا أَوْدَى الْجُوَادُ وَأَوْدَى الْمُطْعِمُ الْكَاسِي
وَقُلْت لَمّا خَلَتْ مِنْهُ مَجَالِسُهُ لَا يَبْعُدُ اللهَ عَنّا قُرْبَ شَمّاسٍ
شِعْرُ أَبِي الْحَكَمِ فِي تَعْزِيَةِ نُعْمَ
فَأَجَابَهَا أَخُوهَا، وَهُوَ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ يُعَزّيهَا، فَقَالَ:
اقْنَى حَيَاءَك فِي سِتْرٍ وَفِي كَرْمٍ فَإِنّمَا كَانَ شَمّاسٌ مِنْ النّاسِ
لَا تَقْتُلِي النّفْسَ إذْ حَانَتْ مَنِيّتُهُ فِي طَاعَةِ اللهِ يَوْمَ الرّوْعِ وَالِبَاسِ
قَدْ كَانَ حَمْزَةُ لَيْثَ اللهِ فَاصْطَبِرِي فَذَاقَ يَوْمَئِذٍ مِنْ كَأْسِ شَمّاسِ
_________________
(١) شِعْرُ كَعْبٍ اللّامِيّ وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ بَكَتْ عَيْنِي وَحُقّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ وَضَعَ الْمَقْصُورَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمَمْدُودَ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنّ الْبُكَاءَ مَقْصُورٌ بِمَعْنَى الْحُزْنِ وَالْغَمّ وَإِنْ كَانَ مَمْدُودًا فَهُوَ الصّرَاخُ وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الْأَصْوَاتِ أَنْ تَكُونَ عَلَى فِعَالٍ فَقَوْلُهُ حُقّ لَهَا بُكَاهَا، أَيْ حُقّ لَهَا حُزْنُهَا، لِأَنّهُ الّذِي يَحِقّ دُونَ الصّرَاخِ. ثُمّ قَالَ وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ أَيْ لَيْسَ يَنْفَعُ الصّيَاحُ وَلَا الصّرَاخُ وَلَا يُجْدِي عَلَى أَحَدٍ، فَتَنَزّلَتْ كُلّ كَلِمَةٍ مَنْزِلَتَهَا. وَقَوْلُهُ حُقّ لَهَا، أَيْ حُقّ وَالْأَصْلُ حَقِقَ عَلَى فَعِلَ فَبُكَاهَا: فَاعِلٌ لَا مَفْعُولٌ وَكُلّ فِعْلٍ إذَا أَرَدْت الْمُبَالَغَةَ فِي الْأَمْرِ وَمَعْنَى التّعَجّبِ نُقِلَتْ الضّمّةُ مِنْ عَيْنِ الْفِعْلِ إلَى فَائِهِ فَتَقُولُ حَسُنَ زَيْدٌ أَيْ حَسُنَ جِدّا، فَإِنْ لَمْ تُرِدْ مَعْنَى التّعَجّبِ لَمْ يَجُزْ إلّا الضّمّ أَوْ التّسْكِينُ تَقُولُ كَبُرَ زَيْدٌ وَكَبْرُ وَلَا تَقُولُ كُبْرَ إلّا مَعَ قَصْدِ
[ ٦ / ١٢٠ ]
شِعْرُ هِنْدٍ بَعْدَ عَوْدَتِهَا مِنْ أُحُدٍ:
وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، حِينَ انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ:
رَجَعْت وَفِي نَفْسِي بَلَابِلُ جَمّةٌ وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الّذِي كَانَ مَطْلَبِي
مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ يَثْرِبِ
وَلَكِنّنِي قَدْ نِلْت شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ كَمَا كُنْت أَرْجُو فِي مَسِيرِي وَمَرْكَبِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهَا:
وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الّذِي كَانَ مَطْلَبِي
وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُهَا لِهِنْدِ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) التّعَجّبِ. قَالَ الشّاعِرُ [الْأَخْطَلُ]: فَقُلْت: اُقْتُلُوهَا عَنْكُمْ بِمِزَاجِهَا وَحُبّ بِهَا مَقْتُولَةً حِينَ تُقْتَلُ يَعْنِي الْخَمْرَ. وَقَالَ آخَرُ [سَهْمُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْغَنَوِيّ]: لَمْ يَمْنَعْ الْقَوْمُ مِنّي مَا أَرَدْت وَلَمْ أُعْطِيهِمْ مَا أَرَادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا أَيْ حَسُنَ وَقَالَ آخَرُ أَلَا حُبّ بِالْبَيْتِ الّذِي أَنْتَ زَائِرُهُ وَقَالَ بِالْبَيْتِ لِأَنّ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى أَحْبِبْ بِالْبَيْتِ تَعَجّبًا. وَقَوْلُ كَعْبٍ أَبَا يَعْلَى لَك الْأَرْكَانُ هَدّتْ كَانَ حَمْزَةُ يُكَنّى أَبَا يَعْلَى بِابْنِهِ يَعْلَى، وَلَمْ يَعِشْ لِحَمْزَةِ وَلَدٌ غَيْرُهُ وَأَعْقَبَ يَعْلَى خَمْسَةٌ مِنْ الْبَنِينَ ثُمّ انْقَرَضَ عَقِبُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ مُصْعَبٌ وَيُكَنّى حَمْزَةُ أَيْضًا أَبَا عُمَارَةَ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَبْعَثِ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ قِيلَ إنّ عُمَارَةَ بِنْتٌ لَهُ كُنّيَ بِهَا،
[ ٦ / ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَهِيَ الّتِي وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي السّنَنِ لِلدّارَقُطْنِيّ أَنّ مَوْلَى لِحَمْزَةِ مَاتَ وَتَرَكَ بِنْتًا فَوَرِثَتْ مِنْهُ النّصْفُ وَوَرِثَتْ بِنْتُ حَمْزَةَ النّصْفَ الْآخَرَ وَلَمْ يُسَمّهَا فِي السّنَنِ وَلَكِنْ جَاءَ اسْمُهَا فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِبَكْرِ بْنِ الْعَلَاءِ وَاَللهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ الْوَلَاءَ كَانَ لَهَا، وَأَنّهَا كَانَتْ الْمُعْتِقَةَ لَا حَمْزَةَ.
[ ٦ / ١٢٢ ]
ذَكَرَ يَوْم الرجيع فِي سنة ثَلَاث
طلبت عضل والقارة نَفرا من الْمُسلمين ليعلموهم فأوفد الرَّسُول سِتَّة:
قَالَ حَدّثَنَا أَبُو مُحَمّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ.
_________________
(١) مَقْتَلُ خَبِيبٍ وَأَصْحَابِهِ وَذَكَرَ غَدْرَ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ بَنِي الْهُونِ، وَالْهُونُ هُمْ بَنُو الرّيشِ وَيَثِيعُ ابْنَيْ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَقَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِمَعْنَى الْقَارَةِ، وَبِالْمِثْلِ جَرَى فِيهِمْ وَالْقَارَةُ الْحَرّةُ، وَذَكَرْنَا السّبَبَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ بِهَا. وَذَكَرَ أَنّ أَصْحَابَ خَبِيبٍ كَانُوا سِتّةً وَفِي "الْجَامِعِ الصّحِيحِ" لِلْبُخَارِيّ أَنّهُمْ كَانُوا عَشْرَةً وَهُوَ أَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ١٢٣ ]
نَسَبُ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
عَضَلٌ وَالْقَارَةُ، مِنْ الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الْهُونُ، بِضَمّ الْهَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ فِينَا إسْلَامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِك يُفَقّهُونَنَا فِي الدّينِ وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ وَيُعَلّمُونَنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفَرًا سِتّةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ، حَلِيفُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللّيْثِيّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَخَبِيبُ بْنُ عَدِيّ، أَخُو بَنِي جَحْجَبَى بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَخُو بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ ; وَعَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ حَلِيفُ بَنِي ظَفَرِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ فَخَرَجَ مَعَ الْقَوْمِ. حَتّى إذَا كَانُوا عَلَى الرّجِيعِ، مَاءٍ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ، عَلَى صُدُورِ الْهَدْأَةِ
_________________
(١) وَذَكَرَ أَسَمَاءَ السّتّةِ وَقَدْ نَسَبَهُمْ فِيمَا تَقَدّمَ فَأَمّا خُبَيْبٌ فَهُوَ مِنْ بَنِي جَحْجَبَى بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَزَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْلُوبٌ مِنْ الثّدَنَةِ وَالثّدَنُ اسْتِرْخَاءُ اللّحْمِ.
[ ٦ / ١٢٤ ]
غَدَرُوا بِهِمْ فَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا فَلَمْ يَرُعْ الْقَوْمُ وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ إلّا الرّجَالُ بِأَيْدِيهِمْ السّيُوفُ قَدْ غَشُوهُمْ فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ إنّا وَاَللهِ مَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، وَلَكِنّا نُرِيدُ أَنْ نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكّةَ وَلَكُمْ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا نَقْتُلَكُمْ
مَقْتَلُ مَرْثَدٍ وَابْنِ الْبُكَيْرِ وَعَاصِمٍ
فَأَمّا مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالُوا: وَاَللهِ لَا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا وَلَا عَقْدًا أَبَدًا فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ
مَا عِلّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلٌ وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ
تَزِلّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ الْمَوْتُ حَقّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ
_________________
(١) وَذَكَرَ فِيهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَقَوْلَهُ مَا عِلّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ وَالْعُنَابِلُ الشّدِيدُ وَكَأَنّهُ مِنْ الْعَبَالَةِ وَهِيَ الْقُوّةُ وَالنّونُ زَائِدَةٌ وَالْعَبَالَةُ أَيْضًا: شَجَرَةٌ صُلْبَةٌ وَفِي الْخَبَرِ أَنّ عَصَا مُوسَى كَانَتْ مِنْ عَبَالَةٍ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ عَصَا مُوسَى كَانَتْ مِنْ عَيْنِ وَرَقَةِ آسِ الْجَنّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْحُوتًا مِنْ أَصْلَيْنِ مِنْ الْعَنَنِ وَالنّبْلِ كَأَنّهُ يُصِيبُ مَا عَزَلَهُ بِنَبْلِهِ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ وَرِيشُ الْمُقْعَدِ. قَوْلُهُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَيْ أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَدْ عُرِفْت فِي الْحُرُوبِ وَعِنْدِي نَبْلٌ رَاشَهَا الْمُقْعُدُ وَكَانَ رَائِشًا صَانِعًا. وَرِيشٌ السّهْمُ الْمَحْمُودُ فِيهِ اللّؤَامُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الرّيشَةُ بَطْنُهَا إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى، وَاللّغَابُ يَعْكِسُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ظَهْرُ وَاحِدَةٍ
[ ٦ / ١٢٥ ]
وَكُلّ مَا حَمّ الْإِلَهُ نَازِلُ بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إلَيْهِ آئِلُ
إنْ لَمْ أُقَاتِلْكُمْ فَأُمّي هَابِلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَابِلُ ثَاكِلُ.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ وَرِيشُ الْمُقْعَدِ وَضَالّةٌ مِثْلُ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ
إذَا النّوَاجِي اُفْتُرِشَتْ لَمْ أُرْعَدْ وَمُجْنَأٌ مِنْ جِلْدِ ثَوْرٍ أَجْرَدِ
وَمُؤْمِنٌ بِمَا عَلَى مُحَمّدٍ
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ وَمِثْلِي رَامِي وَكَانَ قَوْمِي مَعْشَرًا كِرَامَا
وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ يُكَنّى: أَبَا سُلَيْمَانَ. ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ وَقتل صَاحِبَاه.
_________________
(١) إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى، وَهُوَ الظّهَارُ أَيْضًا، وَهُوَ اللّؤَامُ أُخِذَ اللّأْمُ وَهُوَ السّهْمُ الْمَرِيشُ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: كَرّكَ لَأْمَيْنِ عَلَى نَابِلٍ وَسُئِلَ رُؤْبَةُ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ حَدّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدّثَتْنِي عَمّتِي، وَكَانَتْ فِي بَنِي دَارِمٍ قَالَتْ سَأَلْت امْرَأَ الْقَيْسِ وَهُوَ يَشْرَبُ طِلَاءً لَهُ مَعَ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: مَا مَعْنَى قَوْلِك: كَرّكَ لَأْمَيْنِ عَلَى نَابِلٍ فَقَالَ مَرَرْت بِنَابِلِ وَصَاحِبُهُ يُنَاوِلُهُ الرّيشَ لُؤَمًا وَظُهَارًا، فَمَا رَأَيْت شَيْئًا أَسْرَعَ مِنْهُ وَلَا أَحْسَنَ فَشَبّهْت بِهِ ذَكَرَ هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَوْلُهُ وَضَالّةٌ أَيْ سِهَامٌ قِدَاحُهَا مِنْ الضّالِ وَهُوَ السّدْرُ. قَالَ الشّاعِرُ [ذُو الرّمّةِ]: قَطَعْت إذَا تَخَوّفْت الْعَوَاطِي ضُرُوبَ السّدْرِ عُبْرِيًا وَضَالَا
[ ٦ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَالْعُبْرِيّ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى شُطُوطِ الْأَنْهَارِ وَالضّالّ مَا كَانَ فِي الْبَرّيّةِ وَالْعَوَاطِي هِيَ الْمَاشِيَةُ تَعْطُو أَيْ تَتَنَاوَلُ وَإِنّمَا تَتَنَاوَلُ أَطْرَافَ الشّجَرِ فِي الصّيْفِ فَمَعْنَاهُ قَطَعْت هَذِهِ الصّحْرَاءَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَتَخَوّفْت: أَيْ تَنَقّضْتُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوّفٍ﴾ [النّحْلُ ٤٧] . وَذَكَرَ أَنّ حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابٍ هُوَ الّذِي اشْتَرَى خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ قَدْ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ نَوْفَلٍ أَخَا حُجَيْرٍ لِأُمّهِ وَقَالَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ اشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ لِأَنّهُ قَتَلَ أَبَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ. وَقَوْلُهُ مَاوِيّةُ بِنْتُ حُجَيْرٍ بِالْوَاوِ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ: مَارِيّةُ بِالرّاءِ وَبِالْوَاوِ وَقَعَ فِي النّسَخِ الْعَتِيقَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَنْ اشْتِقَاقِ هَذَا الِاسْمِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ وَذَكَرْنَا أَنّ الْمَارِيَةَ بِالتّخْفِيفِ هِيَ الْبَقَرَةُ وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْقَطَاةُ الْمَلْسَاءُ وَأَمّا الْغُلَامُ الّذِي أَعْطَتْهُ الْمُدْيَةَ فَقِيلَ هُوَ أَبُو عِيسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ قَالَهُ الزّبَيْرُ وَهُوَ جَدّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الّذِي يَرْوِي عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطّأِ. وَذَكَرَ أَنّ أَبَا مَيْسَرَةَ هُوَ الّذِي طَعَنَ خُبَيْبًا فِي الْخَشَبَةِ وَهُوَ أَبُو مَيْسَرَةَ بْنُ عَوْفِ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ وَاَلّذِي طَعَنَهُ مَعَهُ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ يُكَنّى أَبَا سِرْوَعَةَ وَيُقَالُ إنّ أَبَا سِرْوَعَةَ وَعُقْبَةُ أَخَوَانِ أَسْلَمَا جَمِيعًا وَلِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي الرّضَاعِ وَشَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهِ. وَحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ فِي الصّحَاحِ، فِيهِ أَنّهُ قَالَ تَزَوّجْت بِنْتَ أَبِي إهَابِ بْنِ عَزِيزٍ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: إنّي قَدْ
[ ٦ / ١٢٧ ]
حَدِيث حِمَايَةُ الدّبْرِ لِعَاصِمِ:
فَلَمّا قُتِلَ عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْل أَخْذَ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ: لَئِنْ قَدَرْت عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَن فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ فَمَنَعَتْهُ الدّبْرُ فَلَمّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ الدّبْرُ قَالُوا: دَعُوهُ يُمْسِي فَتَذْهَبُ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ. فَبَعَثَ اللهُ الْوَادِيَ فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ. وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسّ مُشْرِكًا أَبَدًا، تَنَجّسًا ; فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنّ الدّبْرَ مَنَعَتْهُ يَحْفَظُ اللهُ الْعَبْدَ
_________________
(١) أَرْضَعْتُكُمَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ الدّارَقُطْنِيّ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ تَسْأَلُ فَلَمْ نُعْطِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ إنّي وَاَللهِ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبِيّ ﷺ وَقَالَ إنّهَا كَاذِبَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ لَهُ ﵇ "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ" فَطَلّقْهَا وَنَكَحَتْ ضَرِيبَ بْنَ الْحَارِثِ فَوَلَدَتْ لَهُ أُمّ قِتَالٍ وَهِيَ امْرَأَةُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأُمّ ابْنِهِ مُحَمّدٌ وَنَافِعٌ ابْنَا جَابِرٍ وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الّتِي طَلّقَهَا عُقْبَةُ غُنَيّةُ وَتُكَنّى أُمّ يَحْيَى، ذَكَرَ اسْمَهَا أَبُو الْحَسَنِ الدّارَقُطْنِيّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ النّسَاءِ وَلَا كَثِيرٌ مِمّنْ أَلّفَ فِي الْحَدِيثِ. وَذَكَرَ قِصّةَ عَاصِمٍ حِينَ حَمَتْهُ الدّبْرُ. الدّبْرُ هَاهُنَا: الزّنَابِيرُ وَأَمّا الدّبْرُ فَصِغَارُ الْجَرَادِ وَمِنْهُ يُقَالُ مَاءٌ دِبْرٌ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ وَقَدْ يُقَالُ لِلنّحْلِ أَيْضًا: دَبْرٌ بِفَتْحِ الدّالِ وَاحِدَتُهَا دَبْرَةٌ قَالَ وَيُقَالُ لَهُ خَشْرَمٌ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ الْأَصْمَعِيّ، وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ عَنْهُ أَنّ وَاحِدَتَهُ خَشْرَمَةٌ. وَالثّوْلُ جَمَاعَةُ النّحْلِ أَيْضًا، وَلَا وَاحِدَ لَهَا، وَكَذَلِكَ النّوَبُ وَاللّوْبُ. وَمِنْ اللّوْبِ حَدِيثُ زَبّان بْنِ قَسْوَرٍ قَالَ رَأَيْت النّبِيّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِوَادِي الشّوْحَطِ فَكَلّمْته، فَقُلْت:
[ ٦ / ١٢٨ ]
الْمُؤْمِنَ، كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسّ مُشْرِكًا أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ فَمَنَعَهُ اللهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ.
مَصْرَعُ خُبَيْبٍ وَابْنِ طَارِقٍ وَابْنِ الدّثِنّة
وَأَمّا زَيْدُ بْنُ الدّثِنّة وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ، فَلَانُوا وَرَقّوا وَرَغِبُوا فِي الْحَيَاةِ فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَأَسَرُوهُمْ ثُمّ خَرَجُوا إلَى مَكّةَ، لِيَبِيعُوهُمْ بِهَا، حَتّى إذَا كَانُوا بِالظّهْرَانِ انْتَزَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ يَدَهُ مِنْ الْقِرَانِ ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُ الْقَوْمُ فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى قَتَلُوهُ فَقَبَرَهُ ﵀ بِالظّهْرَانِ وَأَمّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ وَزَيْدُ بْنُ الدّثِنّة فَقَدِمُوا بِهِمَا مَكّةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
فَبَاعُوهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسِيرَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَا بِمَكّةَ
_________________
(١) يَا رَسُولَ اللهِ إنّ مَعَنَا لَوْبًا لَنَا - يَعْنِي نَخْلًا - كَانَتْ فِي عَيْلَمٍ لَنَا بِهِ طَرْمٌ وَشَمْعٌ فَجَاءَ رَجُلٌ فَضَرَبَ مَيّتَيْنِ فَأُنْتِجَ حَيّا، وَكَفّتْهُ بِالتّمَامِ يَعْنِي نَارًا مِنْ زَنْدَيْنِ ونحسه يَعْنِي: دُخْنَهُ فَطَارَ اللّوبُ هَارِبًا، وَدَلّى مِشْوَارَهُ فِي الْعَيْلَمِ فَاشْتَارَ الْعَسَلُ فَمَضَى بِهِ فَقَالَ النّبِيّ - ﷺ - " مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ سَرَقَ وَقَوْم، فَأَضَرّ بِهِمْ أَفَلَا تَبِعْتُمْ أَثَرَهُ وَعَرَفْتُمْ خَبَرَهُ؟ " قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُ دَخَلَ فِي قَوْمٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَهُمْ جِيرَانُنَا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ النّبِيّ - ﷺ - " صَبْرَك صَبْرَك تَرِدُ نَهَرَ الْجَنّةِ وَإِنّ سِعَتَهُ كَمَا بَيْنَ اللّقِيقَةِ وَالسّحِيقَةِ يَتَسَبْسَبُ جَرْيًا بِعَسَلِ صَافٍ مِنْ قَدّاهُ مَا تَقَيّاهُ لُوبٌ وَلَا مَجّهُ ثَوْبٌ ". فَالْعَيْلَمُ الْبِئْرُ وَأَرَادَ بِهَا هَا هُنَا قُبّةَ النّخْلِ أَوْ الْخَلِيّةَ وَقَدْ يُقَالُ لِمَوْضِعِ النّحْلِ إذَا كَانَ صَدْعًا فِي جَبَلٍ شِيقٌ وَجَمْعُهُ شِيقَانٌ وَيُقَالُ لِكُلّ دُخَانٍ نُحَاسٌ وَلَا يُقَالُ أَيّامٌ إلّا لِدُخَانِ النّحْلِ خَاصّةً يُقَالُ آمَهَا يَئُومُهَا إذَا دَخّنَهَا، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
[ ٦ / ١٢٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَابْتَاعَ خُبَيْبًا حُجَيْرُ بْنُ أَبِي إهَابٍ التّمِيمِيّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ لِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ أَبُو إهَابٍ أَخَا الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ لِأُمّهِ لَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ خَالُ أَبِي إهَابٍ وَأَبُو إهَابٍ أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَيُقَالُ أَحَدُ بَنِي عُدَس بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دَارِمٍ مِنْ بني تَمِيم.
مقتل ابْن الدثنة وَمثل من وفائه لِلرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأَمّا زَيْدُ بْنُ الدّثِنّة فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ نِسْطَاسُ إلَى التّنْعِيمِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ.
وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ
_________________
(١) مَقْتَلُ حُجْر بْنِ عَدِيّ فَصْلٌ وَذَكَرَ أَنّ خُبَيْبًا أَوّلُ مَنْ سَنّ الرّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ. قَوْلُهُ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُمَا سُنّةٌ جَارِيَةٌ وَكَذَلِكَ فَعَلَهُمَا حُجْر بْنُ عَدِيّ بْنِ الْأَدْبَرِ حِينَ قَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ - رَحْمَةُ اللهِ - وَذَلِكَ أَنّ زِيَادًا كَتَبَ مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى مُعَاوِيَةَ يَذْكُرُ أَنّ حُجْرا وَأَصْحَابَهُ قَدْ خَرَجُوا عَلَى السّلْطَانِ وَشَقّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَوَجّهَ مَعَ الْكِتَابِ بِك فِيهِ شَهَادَةُ سَبْعِينَ رَجُلًا فِيهِمْ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ وَابْنُ سِيرِينَ وَالرّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ عِلْيَةِ التّابِعِينَ ذَكَرَهُمْ الطّبَرِيّ يَشْهَدُونَ بِمَا قَالَ زِيَادٌ مِنْ خُرُوجِ حُجْر بْنِ عَدِيّ عَلَيْهِ وَكَانَ حُجْر شَدِيدَ الْإِنْكَارِ لِلظّلْمِ غَلِيظًا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَأَنْكَرَ عَلَى
[ ٦ / ١٣٠ ]
قَدِمَ لِيُقْتَلَ أَنْشُدُك اللهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِك نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنّك فِي أَهْلِك؟ قَالَ وَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنّي جَالِسٌ فِي أَهْلِي. قَالَ يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأَيْت مِنْ النّاسِ أَحَدًا يُحِبّ أَحَدًا كَحُبّ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ مُحَمّدًا ; ثُمّ قَتَلَهُ نِسْطَاسُ يَرْحَمُهُ اللهُ.
مَقْتَلُ خُبَيْبٍ وَحَدِيثُ دَعْوَتِهِ
وَأَمّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ، فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، أَنّهُ حَدّثَ عَنْ مَاوِيّةَ مُوَلّاةِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إهَابٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ قَالَتْ كَانَ خُبَيْبٌ عِنْدِي، حبسَ فِي بَيْتِي، فَلَقَدْ اطّلَعْت عَلَيْهِ يَوْمًا، وَإِنّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ مِثْلَ رَأْسِ الرّجُل يَأْكُل مِنْهُ وَمَا أَعْلَم فِي أَرْضِ اللهِ عِنَبًا يُؤْكَلُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ جَمِيعًا أَنّهَا قَالَتْ قَالَ لِي حِينَ حَضَرَهُ الْقَتْلُ ابْعَثِي إلَيّ بِحَدِيدَةِ أَتَطَهّر بِهَا لِلْقَتْلِ قَالَتْ فَأَعْطَيْت غُلَامًا مِنْ الْحَيّ الْمُوسَى، فَقُلْت: اُدْخُلْ بِهَا عَلَى هَذَا الرّجُلِ الْبَيْتَ قَالَتْ فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ وَلّى الْغُلَامُ بِهَا إلَيْهِ فَقُلْت: مَاذَا صَنَعْت أَصَابَ وَاَللهِ الرّجُلُ ثَأْرَهُ بِقَتْلِ هَذَا الْغُلَامِ فَيَكُونُ رَجُلًا بِرَجُلِ فَلَمّا نَاوَلَهُ الْحَدِيدَةَ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ثُمّ قَالَ لَعَمْرُك، مَا خَافَتْ أُمّك غَدْرِي حِينَ بَعَثْتُك بِهَذِهِ الْحَدِيدَةِ إلَيّ ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ إنّ الْغُلَامَ ابْنُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ عَاصِمٌ
_________________
(١) زِيَادٍ أُمُورًا مِنْ الظّلْمِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْخُرُوجَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَلَمّا حَمَلَ حُجْر إلَى مُعَاوِيَةَ فِي خَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ لَهُ السّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ أَوَأَنَا لِلْمُؤْمِنَيْنِ أَمِيرٌ؟ ثُمّ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ صَلّى حُجْر الرّكْعَتَيْنِ ثُمّ لَقِيَ مُعَاوِيَةُ عَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَتْ أَمَا اتّقَيْت اللهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي
[ ٦ / ١٣١ ]
ثُمّ خَرَجُوا بِخُبَيْبٍ حَتّى إذَا جَاءُوا بِهِ إلَى التّنْعِيمِ لِيَصْلُبُوهُ قَالَ لَهُمْ إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَدْعُونِي حَتّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَافْعَلُوا، قَالُوا: دُونَك فَارْكَعْ. فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنّوا أَنّي إنّمَا طَوّلْت جَزَعًا مِنْ الْقَتْلِ لَاسْتَكْثَرْت مِنْ الصّلَاةِ.
قَالَ فَكَانَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ أَوّلَ مَنْ سَنّ هَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ ثُمّ رَفَعُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ فَلَمّا أَوْثَقُوهُ قَالَ اللهُمّ إنّا قَدْ بَلّغْنَا رِسَالَةَ رَسُولِك، فَبَلّغْهُ الْغَدَاةَ مَا يُصْنَعُ بِنَا، ثُمّ قَالَ اللهُمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. ثُمّ قَتَلُوهُ ﵀.
فَكَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ حَضَرْته يَوْمئِذٍ فِيمَنْ حَضَرَهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ رَأَيْته يُلْقِينِي إلَى الْأَرْضِ فَرَقًا مِنْ دَعْوَةِ خُبَيْبٍ وَكَانُوا يَقُولُونَ إنّ الرّجُلَ إذَا دُعِيَ عَلَيْهِ فَاضْطَجَعَ لِجَنْبِهِ زَالَتْ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَمِعْته يَقُولُ
مَا أَنَا وَاَللهِ قَتَلْت خُبَيْبًا، لِأَنّي كُنْت أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنّ أَبَا مَيْسَرَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَجَعَلَهَا فِي يَدِي، ثُمّ أَخَذَ بِيَدِي وَبِالْحَرْبَةِ ثُمّ طَعَنَهُ بِهَا حَتّى قَتَلَهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ
كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيّ
_________________
(١) حُجْر بْنِ عَدِيّ وَأَصْحَابِهِ؟ فَقَالَ أَوْ أَنَا قَتَلْتهمْ إنّمَا قَتَلَهُمْ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ لَهَا دَعِينِي وَحُجْرًا فَإِنّي مُلَاقِيهِ غَدًا عَلَى الْجَادّةِ قَالَتْ فَأَيْنَ عَزَبَ عَنْك حُلْمُ أَبِي سُفْيَانَ؟ فَقَالَ حِينَ غَابَ عَنّي مِثْلُك مِنْ قَوْمِي
[ ٦ / ١٣٢ ]
عَلَى بَعْضِ الشّامِ، فَكَانَتْ تُصِيبُهُ غَشْيَةٌ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْقَوْمِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ وَقِيلَ إنّ الرّجُلَ مُصَابٌ؟ فَسَأَلَهُ عُمَرُ فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ يَا سَعِيدُ مَا هَذَا الّذِي يُصِيبُك؟ فَقَالَ وَاَللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بِي مِنْ بَأْسٍ وَلَكِنّي كُنْت فِيمَنْ حَضَرَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيّ حِينَ قُتِلَ وَسَمِعْت دَعْوَتَهُ فَاَللهِ مَا خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِي وَأَنَا فِي مَجْلِسٍ قَطّ إلّا غُشِيَ عَلَيّ فَزَادَتْهُ عِنْدَ عُمَرَ خَيْرًا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَقَامَ خُبَيْبٌ فِي أَيْدِيهِمْ حَتّى انْقَضَتْ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، ثُمّ قَتَلُوهُ.
_________________
(١) لِمَ صَارَتْ صَلَاةُ خُبَيْبٍ سُنّةً؟ وَإِنّمَا صَارَ فِعْلُ خُبَيْبٍ سُنّةً حَسَنَةً. وَالسّنّةُ إنّمَا هِيَ أَقْوَالٌ مِنْ النّبِيّ - ﷺ - وَأَفْعَالٌ وَإِقْرَارٌ لِأَنّهُ فَعَلَهَا فِي حَيَاتِهِ ﵇ فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْمُسْلِمُونَ مَعَ أَنّ الصّلَاةَ خَيْرُ مَا خُتِمَ بِهِ عَمَلُ الْعَبْدِ وَقَدْ صَلّى هَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَى النّبِيّ - ﷺ - وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ ﵇ حَدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ طَاهِرٍ الْإِشْبِيلِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيّ الْغَسّانِيّ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الْعُمَرِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ جَبْرُونٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمّدٍ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعِينٍ: أَخْبَرَنَا قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ الْمِصْرِيّ، قَالَ أَخْبَرَنَا اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ بَلَغَنِي أَنّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ بَغْلًا مِنْ الطّائِفِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْكَرْيَ أَنْ يُنْزِلَهُ حَيْثُ شَاءَ قَالَ فَمَالَ بِهِ إلَى خَرِبَةٍ فَقَالَ لَهُ انْزِلْ فَنَزَلَ فَمَاذَا فِي الْخَرِبَةِ قَتْلَى كَثِيرَةٌ قَالَ فَلَمّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ قَالَ دَعْنِي أُصَلّي رَكْعَتَيْنِ قَالَ صَلّ فَقَدْ صَلّى قَبْلَك هَؤُلَاءِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ صَلَاتُهُمْ شَيْئًا، قَالَ فَلَمّا صَلّيْت أَتَانِي، لِيَقْتُلَنِي، قَالَ فَقُلْت: يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ قَالَ فَسَمِعَ صَوْتًا: لَا تَقْتُلْهُ قَالَ فَهَابَ ذَلِكَ فَخَرَجَ يَطْلُبُ أَحَدًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَجَعَ إلَيّ فَنَادَيْت: يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإِذَا أَنَا بِفَارِسِ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ حَدِيدٌ فِي رَأْسِهَا شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ
[ ٦ / ١٣٣ ]
مَا نَزَلَ فِي سَرِيّةِ الرّجِيعِ مِنْ الْقُرْآنِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِمّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ السّرِيّةِ كَمَا حَدّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ. قَالَ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ:
لَمّا أُصِيبَتْ السّرِيّةُ الّتِي كَانَ فِيهَا مَرْثَدٌ وَعَاصِمٌ بِالرّجِيعِ قَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الّذِينَ هَلَكُوا "هَكَذَا"، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ وَلَا هُمْ أَدّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ وَمَا أَصَابَ
_________________
(١) فَطَعَنَهُ بِهَا، فَأَنْفَذَهُ مِنْ ظَهْرِهِ فَوَقَعَ مَيّتًا، ثُمّ قَالَ لَمّا دَعَوْت الْمَرّةَ الْأُولَى يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ كُنْت فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ فَلَمّا دَعَوْت الْمَرّةَ الثّانِيَةَ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ كُنْت فِي السّمَاءِ الدّنْيَا، فَلَمّا دَعَوْت الْمَرّةَ الثّالِثَةَ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ أَتَيْتُك مَا أَنَزَلَ اللهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي حَقّ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي خَبَرِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [الْبَقَرَةُ:٢٠٤] الْآيَةُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ التّفْسِيرِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ وَأَنّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثّقَفِيّ، رَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيّ كُنْت بِمَكّةَ فَسُئِلْت عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقُلْت: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، فَسَمِعَنِي رَجُلٌ مِنْ وَلَدِهِ فَقَالَ لِي: يَا هَذَا إنّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَهْلِ مَكّةَ، فَلَا تُسَمّ أَحَدًا مَا دُمْت فِيهَا، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ [الْبَقَرَةُ:٢٠٧] نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ هَاجَرَ، وَتَرَكَ جَمِيعَ
[ ٦ / ١٣٤ ]
أُولَئِكَ النّفَرَ مِنْ الْخَيْرِ بِاَلّذِي أَصَابَهُمْ فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا﴾ أَيْ لِمَا يُظْهِرُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِلِسَانِهِ ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [الْبَقَرَة:٢٠٤]: أَيْ ذُو جَدَالٍ إذَا كَلّمَك وَرَاجَعَك.
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْأَلَدّ: الّذِي يَشْغَبُ فَتَشْتَدّ خُصُومَتُهُ؟ وَجَمْعُهُ لُدّ. وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿ ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مَرْيَم:٩٧] . وَقَالَ الْمُهَلْهَلُ بْنُ رَبِيعَةَ التّغْلِبِيّ، وَاسْمُهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَيُقَالُ عَدِيّ بْنُ رَبِيعَةَ:
إنّ تَحْتَ الْأَحْجَارِ حَدّا وَلِينَا وَخَصِيمًا أَلَدّ ذَا مِعْلَاقِ
_________________
(١) مَالِهِ لِقُرَيْشِ وَيَدَعُونَهُ يُهَاجِرُ بِنَفْسِهِ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَلَدّ بِقَوْلِ مُهَلْهَلٍ قَالَ وَاسْمُهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَيُقَالُ عَدِيّ، وَقَدْ صَرّحَ مُهَلْهَلٌ بِاسْمِ نَفْسِهِ فِي الشّعْرِ الّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ: صَرَبَتْ صَدْرَهَا إلَيّ وَقَالَتْ يَا عَدِيّا لَقَدْ وَقَتْك الْأَوَاقِي وَفِيهِ الْبَيْتُ الّذِي ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ: إنّ تَحْتَ الْأَحْجَارِ حَدّا وَلِينَا وَخَصِيمًا أَلَدّ ذَا مِعْلَاقِ وَيُرْوَى: مِغْلَاقِ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِعْلَاقُ اللّسَانُ وَأَمّا الْمِغْلَاقُ بَالِغِينَ مُعْجَمَةً فَالْقَوْلُ الّذِي يَغْلِقُ فَمَ الْخَصْمِ وَيُسَكّتُهُ. وَبَعْدَهُ:
[ ٦ / ١٣٥ ]
وَيُرْوَى ذَا مِغْلَاقِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَهُوَ الْأَلَنْدَدُ. قَالَ الطّرِمّاحُ بْنُ حَكِيمٍ الطّائِيّ يَصِفُ الْحِرْبَاءَ
يُوفِي عَلَى جِذْمِ الْجُذُولِ كَأَنّهُ
خَصْمٌ أَبَرّ عَلَى الْخُصُومِ أَلَنْدَد
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلّى﴾ أَيْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِك سَعَى فِي الأَرْض ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَة:٢٠٥] أَيْ لَا يُحِبّ عَمَلَهُ وَلَا يَرْضَاهُ. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [الْبَقَرَة:٢٠٦-٢٠٧] أَيْ قَدْ شَرَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ اللهِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَالْقِيَامِ بِحَقّهِ حَتّى هَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي تِلْكَ السّرِيّةَ.
_________________
(١) حَيّةٌ فِي الْوِجَارِ أَرْبَدُ لَا يَنْ فَعُ مِنْهَا السّلِيمَ نَفَثَ الرّاقِي وَسُمّيَ مُهَلْهِلًا بِقَوْلِهِ لَمّا تَوَقّلَ فِي الْكُرَاعِ هَجِينُهُمْ هَلْهَلْت أَثَارُ جَابِرًا أَوْ صِنْبِلَا هَلْهَلْت: أَيْ كِدْت وَقَارَبْت، وَأَمّا الْأَلَدّ، فَهُوَ مِنْ اللّدِيدَيْنِ وَهُمَا جَانِبًا الْعُنُقِ فَالْأَلَدّ الّذِي يُرِيغُ الْحُجّةَ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ يُقَالُ تَرَكْته يَتَلَدّدُ وَقَالَ الزّجّاجُ الْخِصَامُ جَمْعٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْمُخَاصَمَةَ لِأَنّ
[ ٦ / ١٣٦ ]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
يَشْرِي نَفْسَهُ يَبِيعُ نَفْسَهُ. وَشَرَوْا: بَاعُوا. قَالَ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرّغٍ الْحِمْيَرِيّ:
وَشَرَيْت بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْت هَامَهْ
بُرْدٌ غُلَامٌ لَهُ بَاعَهُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَشَرَى أَيْضًا: اشْتَرَى.
قَالَ الشّاعِرُ:
فَقُلْت لَهَا لَا تَجْزَعِي أُمّ مَالِكٍ عَلَى ابْنَيْك إنْ عَبْدٌ لَئِيمٌ شَرَاهُمَا
شِعْرُ خُبَيْبٍ حِينَ أُرِيدَ صَلْبُهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِمّا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الشّعْرِ قَوْلُ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ، حِينَ بَلَغَهُ أَنّ الْقَوْمَ قَدْ اجْتَمَعُوا لِصَلْبِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.
لَقَدْ جَمّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلّ مَجْمِعِ
وَكُلّهُمْ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ عَلَيّ لِأَنّي فِي وِثَاقٍ بِمَضْبَعِ
وَقَدْ جَمَعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقُرّبْت مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنّعِ
إلَى اللهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمّ كُرْبَتِي وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَاب لِي عِنْدَ مَصْرَعِي
_________________
(١) أَفَعَلَ الّذِي يُرَادُ بِهِ التّفْضِيلُ إنّمَا يَكُونُ بَعْضَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ تَقُولُ زَيْدٌ أَفْصَحُ النّاسِ وَلَا تَقُولُ زَيْدٌ أَفْصَحُ الْكَلَامِ. قَالَ الشّيْخُ الْحَافِظُ ﵁ وَهَذَا الّذِي قَالَهُ حَسَنٌ إنْ كَانَ أَلَدّ مِنْ هَذَا الْبَابِ الّذِي مُؤَنّثُهُ " الْفُعْلَى، أَمّا إنْ كَانَ مِنْ بَابِ أَفْعَل الّذِي مُؤَنّثُهُ فَعْلَاء نَحْوُ أَخْرَس وَخَرْسَاء، فَالْخِصَامُ مَصْدَرُ خَاصَمْته، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُفَسّرِينَ فَإِنّهُمْ فَسَرّوهُ
[ ٦ / ١٣٧ ]
فَذَا الْعَرْشِ صَبّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي فَقَدْ بَضّعُوا الْحُمّى وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزّعِ
وَقَدْ خَيّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتَ دُونَهُ وَقَدْ هَمَلْت عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وَمَا بِي حِذَارِ الْمَوْتِ أَنّي لَمَيّتٌ وَلَكِنْ حَذَارِي جَحْمَ نَارٍ مُلَفّعِ
فَوَاَللهِ مَا أَرْجُو إذَا مُتّ مُسْلِمًا عَلَى أَيّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي
فَلَسْت بِمُبْدٍ لِلْعَدُوّ تَخَشّعًا وَلَا جَزَعًا إنّي إلَى اللهِ مَرْجِعِي
شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا:
مَا بَالُ عَيْنَيْك لَا تَرْقا مَدَامِعُهَا سُحّا عَلَى الصّدْرِ مِثْلَ اللّؤْلُؤِ الْقَلِقِ
عَلَى خُبَيْبٍ فَتَى الْفِتْيَانِ قَدْ عَلِمُوا لَا فَشَلّ حِينَ تَنَقّاهُ وَلَا نَزِقِ
فَاذْهَبْ خُبَيْبُ جَزَاك اللهُ طَيّبَةً وَجَنّةُ الْخُلْدِ عِنْدَ الْحَوَرِ فِي الرّفُقِ
مَاذَا تَقُولُونَ إنْ قَالَ النّبِيّ لَكُمْ حِينَ الْمَلَائِكَةُ الْأَبْرَارُ فِي الْأُفُقِ
_________________
(١) بِالشّدِيدِ الْخُصُومَةِ فَاللّدَد إِذا مِنْ صِفَةِ الْمُخَاصَمَةِ وَإِنْ وُصِفَ بِهِ الرّجُلُ مَجَازًا، وَيُقَوّي هَذَا قَوْلُهُ وَخَصِيمًا أَلَدّ وَلَمْ يُضِفْهُ وَلَا قَالَ أَلَدّ مِنْ كَذَا، فَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ أَصَمّ وَأَشَمّ وَنَحْوِهِ وَيُقَوّيهِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي الْجَمْعِ قَوْمٌ لُدّ، رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ النّبِيّ - ﷺ - أَنّهُ قَالَ "أَبْغَضُ الْخَلْقِ إلَى اللهِ الْخَصِمُ الْأَلَدّ" وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠٤] بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ وَرَفْعِ الْهَاءِ مِنْ اسْمِ اللهِ تَعَالَى، أَيْ وَيَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قَلْبِهِ. عُدَس فِي شِعْرِ حَسّانَ فِي خُبَيْبٍ وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ فِي قِصّةِ خُبَيْبٍ. وَقَوْلُهُ فِيهِ:
[ ٦ / ١٣٨ ]
فِيمَ قَتَلْتُمْ شَهِيدَ اللهِ فِي رَجُلٍ طَاغٍ قَدْ أَوْعَثَ فِي الْبُلْدَانِ وَالرّفَقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُرْوَى: " الطّرُق " وَتَرَكْنَا مَا بَقِيَ مِنْهَا، لِأَنّهُ أَقْذَعَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي خُبَيْبًا:
يَا عَيْنُ جُودِي بِدُفَعِ مِنْك مُنْسَكِبِ وَأَبْكِي خُبَيْبًا مَعَ الْفَتَيَانِ لَمْ يَؤُبْ
صَقْرًا تَوَسّطَ فِي الْأَنْصَارِ مَنْصِبَهُ سَمْحَ السّجِيّةِ مَحْضًا غَيْرَ مُؤْتَشِبِ
قَدْ هَاجَ عَيْنِي عَلَى عِلّاتِ عَبْرَتُهَا إذْ قِيلَ نُصّ إلَى جِذْعٍ مِنْ الْخَشَبِ
يَا أَيّهَا الرّاكِبُ الْغَادِي لِطِيّتِهِ أَبْلِغْ لَدَيْك وَعِيدًا لَيْسَ بِالْكَذِبِ
بَنِي كُهَيْبَةَ أَنّ الْحَرْبَ قَدْ لَقِحَتْ مَحْلُوبَهَا الصّابُ إذْ تُمْرَى لِمُحْتَلِبِ
فِيهَا أُسُودُ بَنِي النّجّارِ تَقْدُمُهُمْ شُهُبُ الْأَسِنّةِ فِي مُعْصَوْصَبٍ لَجِبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ مِثْلُ الّتِي قَبْلَهَا، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهُمَا لِحَسّانَ وَقَدْ تَرَكْنَا أَشْيَاءَ قَالَهَا حَسّانُ فِي أَمْرِ خُبَيْبٍ لِمَا ذَكَرْت.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
لَوْ كَانَ فِي الدّارِ قَرَمٌ مَاجِدٌ بَطَلُ أَلْوِي مِنْ الْقَوْمِ صَقْرٌ خَالُهُ أَنَسُ
إذَنْ وَجَدْت خُبَيْبًا مَجْلِسًا فَسِحًا وَلَمْ يُشَدّ عَلَيْك السّجْنُ وَالْحَرَسُ
وَلَمْ تَسُقْك إلَى التّنْعِيمِ زَعْنَفَةٌ مِنْ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مَنْ نَفَتْ عُدَسُ
_________________
(١) مِنْ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مَنْ نَفَتْ عُدَسُ قَوْلُهُ مَنْ نَفَتْ عُدَسُ يَعْنِي: حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابِ بْنِ عُرَيْنٍ وَهُوَ يُنْتَسَبُ إلَى
[ ٦ / ١٣٩ ]
دَلّوك غَدْرًا وَهُمْ فِيهَا أُولُو خُلُفٍ وَأَنْتَ ضَيْمٌ لَهَا فِي الدّارِ مُحْتَبَسُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنَسُ الْأَصَمّ السّلَمِيّ: خَالُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَقَوْلُهُ " مِنْ نَفَتْ عُدَسُ " يَعْنِي حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابٍ، وَيُقَالُ الْأَعْشَى بْنُ زُرَارَةَ بْنُ النّبّاشِ الْأَسَدِيّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
مَنْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِ خُبَيْبٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ الّذِينَ أَجَلَبُوا عَلَى خُبَيْبٍ فِي قَتْلِهِ حِينَ قُتِلَ مِنْ قُرَيْشٍ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثّقَفِيّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَعُبَيْدَةُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السّلَمِيّ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ وَبَنُو الْحَضْرَمِيّ.
_________________
(١) بَنِي عُدَس بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ وَيُقَالُ بَلْ هُوَ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ وَمِنْ هَاهُنَا ذَكَرَ نَفْيَ بَنِي عُدَس لَهُ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ فِي نَسَبِهِ. وَعُدَس بِضَمّ الدّالِ فِي تَمِيمٍ وَهُوَ هَذَا، وَكُلّ عُدَس فِي الْعَرَبِ سِوَاهُ فَهُوَ بِفَتْحِ الدّالِ وَهُوَ مِنْ عَدَسَ فِي الْأَرْضِ إذَا ذَهَبَ فِيهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ فَمِنْ الْمَفْتُوحِ الدّالِ عُدَس بْنُ عُبَيْدٍ فِي الْأَنْصَارِ، ثُمّ فِي بَنِي النّجّارِ وَهُوَ جَدّ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النّسّابِينَ فِي عُدُس بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دَارِمٍ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ عَدَس بِفَتْحِ الدّالِ وَالْأَوّلُ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ. دَعْوَةُ خُبَيْبٍ عَلَى قَاتِلِيهِ وَذَكَرَ قَوْلَ خُبَيْبٍ حِينَ رَفَعُوهُ فِي الْخَشَبَةِ اللهُمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا
[ ٦ / ١٤٠ ]
شِعْرُ حَسّانَ فِي هِجَاءِ هُذَيْلٍ لِقَتْلِهِمْ خُبَيْبًا:
وَقَالَ حَسّانُ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا فِيمَا صَنَعُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ:
أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو بِأَنّ أَخَاهُمْ شَرَاهُ امْرِئِ قَدْ كَانَ لِلْغَدْرِ لَازِمَا
شَرَاهُ زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرّ وَجَامِعٌ وَكَانَا جَمِيعًا يَرْكَبَانِ الْمَحَارِمَا
أَجَرْتُمْ فَلَمّا أَنْ أَجَرْتُمْ غَدَرْتُمْ وَكُنْتُمْ بِأَكْنَافِ الرّجِيعِ لَهَاذِمَا
فَلَيْتَ خُبَيْبًا لَمْ تَخُنْهُ أَمَانَةٌ وَلَيْتَ خُبَيْبًا كَانَ بِالْقَوْمِ عَالِمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرّ وَجَامِعٌ الْهُذَلِيّانِ اللّذَانِ بَاعَا خُبَيْبًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
إنْ سَرّك الْغَدْرُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ فَأْتِ الرّجِيعَ فَسَلْ عَنْ دَارِ لِحْيَانَ
_________________
(١) فَمَنْ رَوَاهُ بَدَدًا بِكَسْرِ الْهَاءِ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التّبَدّدِ أَيْ ذَوِي بَدَدٍ فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ أُجِيبَتْ فِيهِمْ دَعْوَةُ خُبَيْبٍ وَالدّعْوَةُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَبْدِ مُسْتَجَابَةٌ؟ قُلْنَا: أَصَابَتْ مِنْهُمْ مَنْ سُبِقَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنْ يَمُوتَ كَافِرًا، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَلَمْ يَعْنِهِ خُبَيْبٌ وَلَا قَصَدَهُ بِدُعَائِهِ وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَافِرًا بَعْدَ هَذِهِ الدّعْوَةِ فَإِنّمَا قُتِلُوا بَدَدًا غَيْرَ مُعَسْكِرِينَ وَلَا مُجْتَمَعِينَ كَاجْتِمَاعِهِمْ فِي أُحُد، وَقَبْلَ ذَلِكَ فِي بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْخَنْدَقُ بَعْدَ قِصّةِ خُبَيْبٍ فَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ آحَادٌ فِيهَا مُتَبَدّدُونَ ثُمّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَمْعٌ وَلَا مُعَسْكَرٌ غَزَوْا فِيهِ فَنَفَذَتْ الدّعْوَةُ عَلَى صُورَتِهَا وَفِيمَنْ أَرَادَ خُبَيْبٌ - ﵀ - وَحَاشَا لَهُ أَنْ يَكْرَهَ إيمَانَهُمْ وَإِسْلَامَهُمْ.
[ ٦ / ١٤١ ]
قَوْمٌ تَوَاصَوْا بِأَكْلِ الْجَارِ بَيْنَهُمْ فَالْكَلْبُ وَالْقِرْدُ الْإِنْسَانُ مِثْلَانِ
لَوْ يَنْطِقُ التّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَأْنِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ قَوْلَهُ:
لَوْ يَنْطِقُ التّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَأْنِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذيَلًا:
سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللهِ فَاحِشَةً ضَلّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبْ
سَالُوا رَسُولَهُمْ مَا لَيْسَ مُعْطِيهِمْ حَتّى الْمَمَاتِ وَكَانُوا سُبّةَ الْعَرَبِ
وَلَنْ تَرَى لِهُذَيْلٍ دَاعِيًا أَبَدًا يَدْعُو لِمَكْرُمَةِ عَنْ مَنْزِلِ الْحَرْبِ
لَقَدْ أَرَادُوا خِلَالَ الْفُحْشِ وَيْحُهُمْ وَأَنْ يَحِلّوا حَرَامًا كَانَ فِي الْكتب
قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَعَمْرِي لَقَدْ شَانَتْ هُذَيْلُ بْنُ مُدْرِكٍ أَحَادِيثُ كَانَتْ فِي خُبَيْبٍ وَعَاصِمِ
أَحَادِيثُ لِحْيَانٍ صَلّوْا بِقَبِيحِهَا وَلِحْيَانُ جَرّامُونَ شَرّ الْجَرَائِمِ
أُنَاسٌ هُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ مِنْ صَمِيمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الزّمْعَانِ دُبْرَ الْقَوَادِمِ
هُمْ غَدَرُوا يَوْمَ الرّجِيعِ وَأَسْلَمَتْ أَمَانَتُهُمْ ذَا عِفّةٍ وَمَكَارِمِ
رَسُولُ رَسُولِ اللهِ غَدْرًا وَلَمْ تَكُنْ هُذَيْلٌ تَوَفّى مُنْكَرَاتِ الْمَحَارِمِ
فَسَوْفُ يَرَوْنَ النّصْرَ يَوْمًا عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ الّذِي تَحْمِيهِ دُونَ الْجَرَائِمِ
أَبَابِيلُ دُبْرٍ شُمّسٍ دُونَ لَحْمِهِ حَمَتْ لَحْمَ شَهّادٍ عِظَامَ الْمَلَاحِمِ
لَعَلّ هُذَيْلًا أَنْ يَرَوْا بِمُصَابِهِ مَصَارِعَ قَتْلَى أَوْ مَقَامًا لِمَأْتَمِ
وَنُوقِعُ فِيهِمْ وَقْعَةً ذَاتَ صَوْلَةٍ يُوَافِي بِهَا الرّكْبَانُ أَهْلَ الْمَوَاسِمِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٤٢ ]
بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ إنّ رَسُولَهُ رَأَى رَأْيَ ذِي حَزْمٍ بِلِحْيَانَ عَالَمِ
قَبِيلَةٌ لَيْسَ الْوَفَاءُ يُهِمّهُمْ وَإِن ظلمُوا لم يَدْفَعُوا كَفّ ظَالِمٍ
إذَا النّاسُ حَلّوا بِالْفَضَاءِ رَأَيْتهمْ بِمَجْرَى مَسِيلِ الْمَاءِ بَيْنَ الْمَخَارِمِ
مَحْلُهُمْ دَارُ الْبَوَارِ وَرَأْيُهُمْ إذَا نَابَهُمْ أَمْرٌ كَرَأْيِ الْبَهَائِمِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَهْجُو هُذَيْلًا:
لَحَى اللهُ لِحْيَانًا فَلَيْسَتْ دِمَاؤُهُمْ لَنَا مِنْ قَتِيلِي غَدْرَةٍ بِوَفَاءِ
هُمُو قَتَلُوا يَوْمَ الرّجِيعِ ابْنَ حُرّةٍ أَخَا ثِقَةٍ فِي وُدّهِ وَصَفَاءِ
فَلَوْ قُتِلُوا يَوْمَ الرّجِيعِ بِأَسْرِهِمْ بِذِي الدّبْرِ مَا كَانُوا لَهُ بِكِفَاءِ
قَتِيلٌ حَمَتْهُ الدّبْرُ بَيْنَ بُيُوتِهِمْ لَدَى أَهْلِ كُفْرٍ ظَاهِرٍ وَجَفَاءِ
فَقَدْ قَتَلَتْ لِحْيَانُ أَكْرَمَ مِنْهُمْ وَبَاعُوا خُبَيْبًا وَيْلَهُمْ بِلِفَاءِ
فَأُفّ لِلِحْيَانَ عَلَى كُلّ حَالِهِ عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي الذّكْرِ كُلّ عِفَاءِ
قَبِيلَةٌ بِاللّؤْمِ وَالْغَدْرِ تَغْتَرِي فَلَمْ تَمَسّ يَخْفِي لَوْمُهَا بِخِفَاءِ
فَلَوْ قُتِلُوا لَمْ تُوفِ مِنْهُ دِمَاؤُهُمْ بَلَى إنّ قَتْلَ الْقَاتِلِيهِ شِفَائِي
فَإِلّا أَمُتْ أَذْعَرُ هُذَيْلًا بِغَارَةِ كَغَادِي الْجَهَامِ الْمُغْتَدِي بِإِفَاءِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ يَبِيت لِلِحْيَانَ الْخَنَا بِفِنَاءِ
يُصْبِحُ قَوْمًا بِالرّجِيعِ كَأَنّهُمْ جِدَاءَ شِتَاءٍ بِتْنَ غَيْرَ دِفَاءِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
فَلَا وَاَللهِ مَا تَدْرِي هُذَيْلٌ أَصَافٍ مَاءُ زَمْزَمَ أَمْ مَشُوبُ
وَلَا لَهُمْ إذَا اعْتَمَرُوا وَحَجّوا مِنْ الْحِجْرَيْنِ وَالْمَسْعَى نَصِيبُ
وَلَكِنّ الرّجِيعَ لَهُمْ مَحَلّ بِهِ اللّؤْمُ الْمُبَيّنُ وَالْعُيُوبُ
كَأَنّهُمْ لَدَى الكّنّات أُصْلًا تُيُوسٌ بِالْحِجَازِ لَهَا نَبِيبُ
هُمْ غَرّوا بِذِمّتِهِمْ خُبَيْبًا فَبِئْسَ الْعَهْدُ عَهْدُهُمْ الْكَذُوبُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٤٣ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا وَأَصْحَابَهُ
صَلّى الْإِلَهُ عَلَى الّذِينَ تَتَابَعُوا يَوْمَ الرّجِيعِ فَأُكْرِمُوا وَأُثِيبُوا
_________________
(١) ابْنُ كُهَيْبَةَ فِي شِعْرِ حَسّانَ فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَشْعَارَ حَسّانَ فِي خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَعْنًى خَفِيّ، وَلَا لَفْظٌ غَرِيبٌ وَحْشِيّ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرِهِ وَلَكِنْ فِي بَعْضِهَا: بَنِي كُهَيْبَةَ أَنّ الْحَرْبَ قَدْ لَقِحَتْ جَعَلَ كُهَيْبَةَ كَأَنّهُ اسْمُ عِلْمٍ لِأُمّهِمْ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ بَنِي ضَوْطَرَي وَبَنِيّ الْغَبْرَاءِ وَبَنِيّ دَرَزَةَ قَالَ الشّاعِرُ: أَوْلَاد دَرْزَةَ أَسْلَمُوك وَطَارُوا وَهَذَا كُلّهُ اسْمٌ لِمَنْ يُسَبّ، وَعِبَارَةٌ عَنْ السّفْلَةِ مِنْ النّاسِ وَكُهَيْبَةُ مِنْ الْكُهْبَةِ وَهِيَ الْغُبْرَةُ وَهَذَا كَمَا قَالُوا: بَنِي الْغَبْرَاءِ وَأَكْثَرُ أَشْعَارِ حَسّانَ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ قَالَ فِيهَا مِنْ هُذَيْلٍ، لِأَنّهُمْ إخْوَةُ الْقَارَةِ، وَالْمُشَارَكُونَ لَهُمْ فِي الْغَدْرِ بِخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ وهُذَيل وَخُزَيْمَةُ أَبْنَاءُ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ وَعَضَلَ وَالْقَارَةُ مِنْ بَنِي خُزَيْمَةَ. حَوْلَ الْعَلَمِ وَضْعُهُ مِنْ التّنْوِينِ مَعَ الْخَفْضِ: وَقَوْلُهُ وَابْنٌ لِطَارِقِ وَابْنُ دَثْنَة مِنْهُمْ حَذَفَ التّنْوِين كَمَا تَقَدّمَ فِي قَوْلِهِ شُلّتْ يَدَا وَحْشِيّ مِنْ قَاتِلٍ وَلَوْ أَنّهُ حِينَ حَذَفَ التّنْوِينَ نَصَبَ وَجَعَلَهُ كَالِاسْمِ الّذِي لَا
[ ٦ / ١٤٤ ]
رَأْسُ السّرِيّةِ مَرْثَدٌ وَأَمِيرُهُمْ وَابْنُ الْبُكَيْرِ إمَامُهُمْ وَخُبَيْبُ
وَابْنٌ لِطَارِقِ وَابْنُ دَثْنَة مِنْهُمْ وَافَاهُ ثَمّ حِمَامُهُ الْمَكْتُوبُ
وَالْعَاصِمُ الْمَقْتُولُ عِنْدَ رَجِيعِهِمْ كَسَبَ الْمَعَالِيَ إنّهُ لَكَسُوبُ
مَنَعَ الْمَقَادَةَ أَنْ يَنَالُوا ظَهْرَهُ حَتّى يُجَالِدُ إنّهُ لَنُجِيبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: حَتّى يَجْدِلُ إنّهُ لَنَجِيبُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ لِحَسّانَ.
_________________
(١) يَنْصَرِفُ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ مَفْتُوحٌ لَكَانَ وَجْهًا وَقِيَاسًا صَحِيحًا، لِأَنّ الْخَفْضَ تَابِعُ التّنْوِينِ فَإِذَا زَالَ التّنْوِينُ زَالَ الْخَفْضُ لِئَلّا يَلْتَبِسُ بِالْمُضَافِ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلّمِ لِأَنّ ضَمِيرَ الْمُتَكَلّمِ وَإِنْ كَانَ يَاءً فَقَدْ يُحْذَفُ وَيَكْتَفِي بِالْكِسْرَةِ مِنْهُ وَزَوَالُ التّنْوِينِ فِي أَكْثَرِ مَا لَا يَنْصَرِفُ إنّمَا هُوَ لِاسْتِغْنَاءِ الِاسْمِ عَنْهُ إذْ هُوَ عَلَامَةُ الِانْفِصَالِ عَنْ الْإِضَافَةِ فَكُلّ اسْمٍ لَا يُتَوَهّمُ فِيهِ الْإِضَافَةُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التّنْوِينِ لَكِنّهُ إذَا لَمْ يُنَوّنْ لَمْ يُخْفَضْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْتِبَاسِهِ بِالْمُضَافِ إلَى الْمُتَكَلّمِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَشْعَارِ أُحُدٍ: كَنَارِ أَبِي حُبَاحِبَ وَالظّبَيْنَا بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ حُبَاحِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ وَكَانَ حَقّ كُلّ عَلَمٍ أَلّا يُنَوّنَ لِأَنّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْإِضَافَةِ كَمَا لَمْ يُنَوّنْ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ وَلَكِنّهُ نُوّنَ مَا نُوّنَ مَعَهُ لِلسّرّ الّذِي بَيّنّاهُ فِي أَسْرَارِ مَا لَا يَنْصَرِفُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي ذَلِكَ جُزْءًا، وَلَكِنْ الْخَفْضُ فِي طَارِقٍ وَوَحْشِيّ مَرْوِيّ، وَوَجْهُهُ أَنّهُ لَمّا كَانَ ضَرُورَةَ شِعْرٍ وَلَمْ يَكْثُرْ فِي كَلَامِهِمْ لَمْ يُتْبِعُوا الْخَفْضَ فِيهِ التّنْوِينَ إذْ لَا يُتَوَهّمُ إضَافَتُهُ إلَى الْمُتَكَلّمِ إذْ لَا يَقَعُ إلّا نَادِرًا فِي شِعْرٍ فَاللّبْسُ فِيهِ بَعِيدٌ. اشْتِقَاقُ اسْمِ خُبَيْبٍ وهُذَيل: وَقَوْلُهُ: وَابْنُ الْبُكَيْرِ إمَامُهُمْ وَخُبَيْبُ أَرْدَفَ حَرْفَ الرّوِيّ بِيَاءِ مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهَا،
[ ٦ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَدْ تَقَدّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مَرّتَيْنِ. وَخُبَيْبٌ فِي اللّغَةِ تَصْغِيرُ خِبّ وَهُوَ الْمَاكِرُ مِنْ الرّجَالِ لِلْخِدَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرَ خَابٍ مِنْ الْخَبِيبِ فَيَكُونُ. مِنْ بَابِ تَصْغِيرِ التّرْخِيمِ وَهُوَ الّذِي يَنْبَنِي عَلَى حَذْفِ الزّوَائِدِ وَأَمّا هُذَيْلٌ فَقَالُوا فِيهِ إنّهُ مُصَغّرٌ تَصْغِيرُ لِلتّرْخِيمِ لِأَنّهُ مِنْ هَوْذَل الرّجُلُ بِبَوْلِهِ إذَا بَاعَدَ بِهِ فَكَأَنّهُ تَصْغِيرُ مُهَوْذِلٍ عَلَى حَذْفِ الزّوَائِدِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرَ هُذْلُولٍ وَهُوَ التّلّ الصّغِيرُ مِنْ الرّمْلِ عَلَى تَصْغِيرِ التّرْخِيمِ أَيْضًا. سَالَتْ بِدُونِ هَمْزَةٍ: وَقَوْلُهُ: سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللهِ فَاحِشَةً لَيْسَ عَلَى تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي سَالَتْ وَلَكِنّهَا لُغَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ تَسَايَلَ الْقَوْمُ وَلَوْ كَانَ تَسْهِيلًا، لَكَانَتْ الْهَمْزَةُ بَيْنَ بَيْنَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ وَزْنُ الشّعْرِ بِهَا، لِأَنّهَا كَالْمُتَحَرّكَةِ وَقَدْ تُقْلَبُ أَلِفًا سَاكِنَةً كَمَا قَالُوا: الْمِنْسَاة، وَلَكِنّهُ شَيْءٌ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَتْ سَالَ لُغَةً فِي سَأَلَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِعُ يَسِيلُ وَلَكِنْ قَدْ حَكَى يُونُسُ سِلْت تَسَالُ مِثْلَ خِفْت تَخَافُ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ وَقَالَ الزّجّاجُ الرّجُلَانِ يَتَسَايَلَانِ وَقَالَ النّحّاسُ وَالْمُبَرّدُ يَتَسَاوَلَانِ وَهُوَ مِثْلُ مَا حَكَى يُونُسُ.
[ ٦ / ١٤٦ ]
حَدِيثُ بِئْر مَعُونَة فِي صفر سنة أَربع
بعث بِئْرِ مَعُونَةَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَقِيّةَ شَوّالٍ وَذَا الْقَعَدَةِ وَذَا الْحَجّةِ - وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجّةَ الْمُشْرِكُونَ - وَالْمُحَرّمَ ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أحد.
سَبَب إرْسَاله:
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ كَمَا حَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ الْإِسْلَامَ وَدَعَاهُ إلَيْهِ فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَقَالَ يَا مُحَمّدُ لَوْ بَعَثْت رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِك إلَى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ
_________________
(١) خَبَرُ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَالصّحِيحُ أَنّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ كَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ. مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ وَإِخْوَتُهُ وَمُعَوّذٌ الْحُكَمَاءُ وَذَكَرَ أَبَا بَرَاءٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ وَأَنّهُ أَجَارَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ سُمّيَ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ فِي يَوْمِ سُوبَانَ وَهُوَ يَوْمٌ كَانَتْ فِيهِ وَقِيعَةٌ فِي أَيّامِ جَبَلَةَ، وَهِيَ أَيّامُ حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ قَيْسٍ وَتَمِيمٍ وَجَبَلَةُ اسْمٌ لِهَضْبَةِ عَالِيَةٍ وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْ هَذَا
[ ٦ / ١٤٧ ]
إلَى أَمْرِك، رَجَوْت أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَك. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ. قَالَ أَبُو بَرَاءٍ أَنَا لَهُمْ جَارٌ فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النّاسَ إلَى أَمْرِك.
رِجَالُ الْبَعْثِ
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ الْمُعْنِقَ لِيَمُوتَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ
_________________
(١) الْحَدِيثِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ وَكَانَ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ فِي يَوْمِ سُوبَانَ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ أَنّ أَخَاهُ الّذِي يُقَالُ لَهُ فَارِسُ قُرْزل، وَهُوَ طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ مَعْنَى قُرْزل، كَانَ أَسْلَمَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفَرّ فَقَالَ شَاعِرٌ فَرَرْت وَأَسْلَمْت ابْنَ أُمّك عَامِرًا يُلَاعِبُ أَطْرَافَ الْوَشِيجِ الْمُزَعْزَعِ فَسُمّيَ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ وَمُلَاعِبُ الرّمَاحِ. قَالَ لَبِيدٌ وَإِنّنِي مُلَاعِبُ الرّمَاحِ وَمِدْرَهُ الْكَتِيبَةِ الرّدَاحِ وَهُوَ عَمّ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانُوا إخْوَةً خَمْسَةً طُفَيْلٌ فَارِسُ قُرْزل، وَعَامِرٌ مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ وَرَبِيعَةُ الْمُقْتِرِينَ وَهُوَ وَالِدُ لَبِيدٍ وَعُبَيْدَةُ الْوَضّاحُ وَمُعَاوِيَةُ مُعَوّذُ الْحُكَمَاءِ وَهُوَ الّذِي يَقُولُ إذَا سَقَطَ السّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا وَفِي هَذَا الشّعْرِ يَقُولُ يَعُوذُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءُ بَعْدِي إذَا مَا الْأَمْرُ فِي الْحَدَثَانِ نَابَا وَبِهَذَا الْبَيْتِ سُمّيَ مُعَوّذَ الْحُكَمَاءِ.
[ ٦ / ١٤٨ ]
وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ وَعُرْوَةُ بْنُ أَسَمَاءَ بْنِ الصّلْت السّلَمِيّ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ فِي رِجَالٍ مُسَمّينَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. فَسَارُوا حَتّى نَزَلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وَهِيَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ، كِلَا الْبَلَدَيْنِ مِنْهَا قَرِيبٌ وَهِيَ إلَى حَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ أَقْرَبُ.
عَامِرٌ يَقْتُلُ صَحَابِيّا
فَلَمّا نَزَلُوهَا بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ - إلَى عَدُوّ اللهِ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ. فَلَمّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ حَتّى عَدَا عَلَى الرّجُلِ فَقَتَلَهُ ثُمّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ بَنِي عَامِرٍ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ وَقَالُوا: لَنْ نُخْفِر أَبَا بَرَاءٍ، وَقَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا، فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ عُصَيّةَ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ، فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ فَخَرَجُوا حَتّى غَشَوْا الْقَوْمَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا سُيُوفَهُمْ ثُمّ قَاتَلُوهُمْ حَتّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ يَرْحَمُهُمْ اللهُ إلّا
_________________
(١) شِعْرُ لَبِيدٍ عَنْ مُلَاعِبٍ وَإِخْوَتِهِ أَمَامَ النّعْمَانِ وَإِيّاهُمْ عَنَى لَبِيدٌ حِينَ قَالَ بَيْنَ يَدَيْ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ: نَحْنُ بَنِي أُمّ الْبَنِينَ الْأَرْبَعَةِ الْمُطْمِعُونَ الْجَفْنَةَ الْمُدَعْدَعَهْ وَالضّارِبُونَ الْهَامَ تَحْت الْخَيْضَعَهْ يَا رُبّ هَيْجَا هِيَ خَيْرٌ مِنْ دَعَهْ ثُمّ ذَكَرَ الرّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ [الْعَبْسِيّ] فَقَالَ مَهْلًا أَبَيْتَ اللّعْنَ لَا تَأْكُلْ مَعَهْ إلَى آخِرِ الرّجَزِ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ إنّمَا قَالَ الْأَرْبَعَةُ وَهُمْ خَمْسَةٌ لِأَنّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ قَدْ كَانَ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النّاسِ وَهُوَ قَوْلٌ يُعْزَى إلَى الْفَرّاءِ أَنّهُ قَالَ إنّمَا قَالَ أَرْبَعَةً وَلَمْ يَقُلْ خَمْسَةً مِنْ أَجْلِ الْقَوَافِي، فَيُقَالُ لَهُ لَا يَجُوزُ
[ ٦ / ١٤٩ ]
كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أَخَا بَنِي دِينَارِ بْنِ النّجّارِ فَإِنّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارْتُثّ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَق شَهِيدًا، ﵀.
ابْنُ أُمَيّةَ وَالْمُنْذِرُ وَمَوْقِفُهُمَا مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ عِلْمِهِمَا بِمَقْتَلِ أَصْحَابِهِمَا
وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إلّا الطّيْرُ تَحُومُ عَلَى الْعَسْكَرِ فَقَالَا: وَاَللهِ إنّ لِهَذِهِ الطّيْرِ لَشَأْنًا، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا، فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ وَإِذَا الْخَيْلُ الّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ مَا تَرَى؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُخْبِرُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ: لَكِنْ مَا كُنْت لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَا كُنْت لِتُخْبِرَنِي عَنْهُ الرّجَالُ ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ وَأَخَذُوا
_________________
(١) لِلشّاعِرِ أَنْ يَلْحَنُ لِإِقَامَةِ وَزْنِ الشّعْرِ فَكَيْفَ بِأَنْ يَكْذِبَ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنّهُ اسْتَشْهَدَ بِهِ عَلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ تَأَوّلَهُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ﴾ [الرّحْمَنُ:٤٦] وَقَالَ أَرَادَ جَنّةً وَاحِدَةً وَجَاءَ بِلَفْظِ التّثْنِيَةِ لِتَتّفِقَ رُءُوسُ الْآيِ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ فَصَمّي صَمَامْ مَا أَشْنَعَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَبْعَدَهُ عَنْ الْعِلْمِ وَفَهْمِ الْقُرْآنِ وَأَقَلّ هَيْبَةَ قَائِلِهِ مِنْ أَنْ يَتَبَوّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النّارِ فَحَذَارِ مِنْهُ حَذَارِ. وَمِمّا يَدُلّك أَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةً حِينَ قَالَ لَبِيدٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إنّ فِي الْخَبَرِ ذِكْرُ يُتْمِ لَبِيَدٍ وَصِغَرِ سِنّهِ وَأَنّ أَعْمَامَهُ الْأَرْبَعَةَ اسْتَصْغَرُوهُ أَنْ يُدْخِلُوهُ مَعَهُمْ عَلَى النّعْمَانِ حِينَ هَمّهُمْ مَا قَاوَلَهُمْ بِهِ الرّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ فَسَمِعَهُمْ لَبِيدٌ يَتَحَدّثُونَ بِذَلِكَ وَيَهْتَمّونَ لَهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ
[ ٦ / ١٥٠ ]
عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ أَسِيرًا فَلَمّا أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ مِنْ مُضَرَ، أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ، وَجَرّ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنّهَا كَانَتْ عَلَى أُمّهِ.
قَتْلُ الْعَامِرِيّيْنِ
فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ حَتّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ، أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ مِنْ بَنِي كِلَابٍ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ أَنّهُمَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
حَتّى نَزَلَا مَعَهُ فِي ظِلّ هُوَ فِيهِ. وَكَانَ مَعَ الْعَامِرِيّيْنِ عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجِوَارٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ وَقَدْ سَأَلَهُمَا حِينَ نَزَلَا، مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَأَمْهَلَهُمَا، حَتّى إذَا نَامَا، عَدَا عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ يَرَى أَنّهُ قَدْ أَصَابَ بِهِمَا ثَوْرَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ فِيمَا أَصَابُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لَقَدْ قَتَلْت قَتِيلين لأدينهما"
حزن الرَّسُول من عَمَلَ أَبِي بَرَاءٍ:
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْت لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوّفًا". فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ فَشَقّ عَلَيْهِ إخْفَارُ عَامِرٍ إيّاهُ وَمَا أَصَابَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ
_________________
(١) يُدْخِلُوهُ مَعَهُمْ عَلَى النّعْمَانِ وَزَعَمَ أَنّهُ سَيُفْحِمُهُ فَتَهَاوَنُوا بِقَوْلِهِ حَتّى اخْتَبَرُوهُ بِأَشْيَاءَ مَذْكُورَةٍ فِي الْخَبَرِ، فَبَانَ بِهَذَا كُلّهِ أَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةً وَلَوْ سَكَتَ الْجَاهِلُ لَقَلّ الْخِلَافُ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
[ ٦ / ١٥١ ]
ابْن فهَيْرَة بعد مَقْتَله:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنّ عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ مَنْ رَجُلٌ مِنْهُمْ لَمّا قُتِلَ رَأَيْته رَفَعَ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتّى رَأَيْت السّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ
سَبَبُ إسْلَامِ ابْنِ سَلْمَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي جَبّارِ بْنِ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ - وَكَانَ جَبّارٌ فِيمَنْ حَضَرَهَا يَوْمئِذٍ مَعَ عَامِرٍ ثُمّ أَسْلَمَ - "قَالَ" فَكَانَ يَقُولُ إنّ مِمّا دَعَانِي إلَى الْإِسْلَامِ أَنّي طَعَنْت رَجُلًا مِنْهُمْ يَوْمئِذٍ بِالرّمْحِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَنَظَرْت إلَى سِنَانِ الرّمْحِ حِينَ خَرَجَ مِنْ صَدْرِهِ فَسَمِعْته يَقُولُ فُزْت وَاَللهِ فَقُلْت فِي نَفْسِي: مَا فَازَ أَلَسْت قَدْ قَتَلْت الرّجُلَ قَالَ حَتّى سَأَلْت بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ فَقَالُوا: لِلشّهَادَةِ فَقُلْت: فَازَ لَعَمْرو اللهِ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي تَحْرِيضِ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرّضُ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ:
_________________
(١) مَصِيرُ ابْنِ فُهَيْرَةَ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ قَالَ يَوْمئِذٍ مَنْ رَجُلٌ لَمّا طَعَنْته رَفَعَ حَتّى رَأَيْت السّمَاءَ مِنْ دُونِهِ. هَذِهِ رِوَايَةُ الْبَكّائِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنّ عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ لِلنّبِيّ ﵇ مَنْ رَجُلٌ يَا مُحَمّدُ لَمّا طَعَنْته رَفَعَ إلَى السّمَاءِ؟ فَقَالَ "هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ" وَرَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ أَنّ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ اُلْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ فَفُقِدَ فَيَرَوْنَ أَنّ الْمَلَائِكَةَ رَفَعَتْهُ أَوْ دَفَنَتْهُ.
[ ٦ / ١٥٢ ]
بَنِي أُمّ الْبَنِينَ أَلَمْ يَرْعَكُمْ وَأَنْتُمْ مِنْ ذَوَائِبِ أَهْلِ نَجِدْ
تَهَكّمْ عَامِرٌ بِأَبِي بَرَاءٍ لِيُخْفِرَهُ وَمَا خَطَأٌ كَعَمْدِ
أَلَا أَبْلِغْ رَبِيعَةَ ذَا الْمَسَاعِي فَمَا أَحْدَثْت فِي الْحَدَثَانِ بَعْدِي
أَبُوك أَبُو الْحُرُوبِ أَبُو بَرَاءٍ وَخَالُك مَاجِدٌ حَكَمُ بْنُ سَعْدِ
نَسَبُ حَكَمٍ وَأُمّ الْبَنِينَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
حَكَمُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جِسْرٍ، وَأُمّ الْبَنِينَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَهِيَ أُمّ أَبِي بَرَاءٍ.
طَعْنُ رَبِيعَةَ لِعَامِرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَحَمَلَ رَبِيعَةُ "بْنُ عَامِرِ" بْنِ مَالِكٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ، فَطَعَنَهُ بِالرّمْحِ فَوَقَعَ
_________________
(١) أُمّ الْبَنِينَ الْأَرْبَعَةِ وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانَ بَنِي أُمّ الْبَنِينَ أَلَمْ يَرْعَكُمْ وَأَنْتُمْ فِي ذَوَائِبِ أَهْلِ نَجْدِ وَهَذِهِ أُمّ الْبَنِينَ الّتِي ذَكَرَ لَبِيدٌ فِي قَوْلِهِ: نَحْنُ بَنِي أُمّ الْبَنِينَ الْأَرْبَعَةِ وَاسْمُهَا: لَيْلَى بِنْتُ عَامِرٍ - فِيمَا ذَكَرُوا وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ نَسَبَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهَا.
[ ٦ / ١٥٣ ]
فِي فَخِذِهِ فَأَشْوَاهُ وَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ فَقَالَ هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، إنْ أَمُتْ فَدَمِي لِعَمّي، فَلَا يُتْبَعَنّ بِهِ وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَرَى رَأْيِي فِيمَا أُتِيَ إلَيّ.
مَقْتَلُ ابْنِ وَرْقَاءَ وُرَثَاءُ ابْنِ رَوَاحَةَ لَهُ
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عَبّاسٍ السّلَمِيّ، وَكَانَ خَالَ طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ وَقَتَلَ يَوْمئِذٍ نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ:
تَرَكْت ابْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ ثَاوِيًا بِمُعْتَرَكِ تَسْفِي عَلَيْهِ الْأَعَاصِرُ
ذَكَرْت أَبَا الرّيّانِ لَمّا رَأَيْته وَأَيْقَنْت أَنّي عِنْدَ ذَلِكَ ثَائِرُ
وَأَبُو الرّيّانِ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيّ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَبْكِي نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ:
رَحِمَ اللهُ نَافِعَ بْنَ بُدَيْلٍ رَحْمَةَ الْمُبْتَغِي ثَوَابَ الْجِهَادِ
صَابِرٌ صَادِقٌ وَفِيّ إذَا مَا أَكْثَرَ الْقَوْمُ قَالَ قَوْلَ السّدَادِ
شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ، وَيَخُصّ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو:
عَلَى قَتْلَى مَعُونَةَ فَاسْتَهِلّي بِدَمْعِ الْعَيْنِ سَحّا غَيْرَ نَزْرِ
_________________
(١) وَذَكَرَ قَوْلَ أَنَسِ بْنِ عَبّاسٍ السّلَمِيّ تَرَكْت ابْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ ثَاوِيًا بِمُعْتَرَكِ تسْفِي عَلَيْهِ الْأَعَاصِرُ ذَكَرْت أَبَا الزّبّانِ لَمّا رَأَيْته وَأَيْقَنْت أَنّي عِنْدَ ذَلِكَ ثَائِرُ الزّبّانُ أَوْ الرّيّانُ هَكَذَا وَقَعَ فِي النّسْخَةِ أَبَا الزّبّانِ وَفِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: أَبَا الرّيّانِ
[ ٦ / ١٥٤ ]
عَلَى خَيْلِ الرّسُولِ غَدَاةَ لَاقَوْا مَنَايَاهُمْ وَلَاقَتْهُمْ بِقَدْرِ
أَصَابَهُمْ الْفَنَاءُ بِعَقْدِ قَوْمٍ نُخُوّن عَقْدُ حَبْلِهِمْ بِغَدْرِ
فَيَا لَهْفِي لِمُنْذِرِ إذْ تَوَلّى وَأَعْنَقَ فِي مَنِيّتِهِ بِصَبْرِ
وَكَائِنٌ قَدْ أُصِيبَ غَدَاةَ ذَاكُمْ مِنْ أَبْيَضِ مَاجِدٍ مِنْ سِرّ عَمْرِو
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي آخِرَهَا بَيْتًا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ
وَأَنْشَدَنِي لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ، يُعَيّرُ بَنِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ
تَرَكْتُمْ جَارَكُمْ لِبَنِي سُلَيْمٍ مَخَافَةَ حَرْبِهِمْ عَجْزًا وَهُونَا
فَلَوْ حَبْلًا تَنَاوَلَ مِنْ عُقَيْلٍ لَمَدّ بِحَبْلِهَا حَبْلًا مَتِينَا
أَوْ القرُطَاء مَا إنْ أَسْلَمُوهُ وَقِدْمًا مَا وَفَوْا إذْ لَا تَفُونَا
نَسَبُ القُرطاء:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: القُرطاء: قَبِيلَةٌ مِنْ هَوَازِنَ، وَيُرْوَى " مِنْ نُفَيْلٍ " مَكَانٌ " مِنْ عَقِيلٍ "، وَهُوَ الصّحِيحُ لِأَنّ القُرطاء مِنْ نُفَيل قَرِيبٌ.
_________________
(١) بِالرّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْيَاءِ أُخْتِ الْوَاوِ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ كَمَا فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. القُرطاء وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبٍ وَفِيهِ أَوْ القُرطاء مَا إنْ أَسْلَمُوهُ. القُرطاء: هُمْ بَنُو قُرْطٍ وَقُرَيْطٍ وَقَرِيطٍ وَهُمْ أَبَطْنُ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ثُمّ مِنْ بَنِي كِلَابٍ.
[ ٦ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) شَيْءٌ مَنْسُوخٌ وَلَمّا قُتِلَ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآنٌ ثُمّ رفعَ أَنْ أَبْلِغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَرَضِينَا عَنْهُ فَثَبَتَ هَذَا فِي الصّحِيحِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَوْنَقُ الْإِعْجَازِ فَيُقَالُ إنّهُ لَمْ يَنْزِلْ بِهَذَا النّظْمِ وَلَكِنْ بِنَظْمِ مُعْجِزٍ كَنَظْمِ الْقُرْآنِ. فَإِنْ قِيلَ إنّهُ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَا يَدْخُلُهُ النّسْخُ قُلْنَا: لَمْ يُنْسَخْ مِنْهُ الْخَبَرُ، وَإِنّمَا نُسِخَ مِنْهُ الْحُكْمُ فَإِنّ حُكْمَ الْقُرْآنِ أَنْ يُتْلَى فِي الصّلَاةِ وَأَنْ لَا يَمَسّهُ إلّا طَاهِرٌ وَأَنْ يَكْتُبَ بَيْنَ اللّوْحَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ تَعَلّمُهُ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ فَكُلّ مَا نُسِخَ وَرُفِعَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَإِنْ بَقِيَ مَحْفُوظًا، فَإِنّهُ مَنْسُوخٌ فَإِنْ تَضَمّنَ حُكْمًا جَازَ أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الْحُكْمُ مَعْمُولًا بِهِ وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَإِنْ تَضَمّنَ خَبَرًا بَقِيَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مُصَدّقًا بِهِ وَأَحْكَامُ التّلَاوَةِ مَنْسُوخَةٌ عَنْهُ كَمَا قَدْ نَزَلَ لَوْ أَنّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التّرَابُ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَاب وَيُرْوَى: لَا يَمْلَأُ عَيْنَيْ ابْنِ آدَمَ وَفَمَ ابْنِ آدَم كُلّ ذَلِكَ فِي الصّحِيحِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ أَيْضًا، فَهَذَا خَبَرٌ حَقّ، وَالْخَبَرُ لَا يُنْسَخُ وَلَكِنْ نُسِخَ مِنْهُ أَحْكَامُ التّلَاوَةِ لَهُ وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ لَوْ أَنّ لِابْنِ آدَمَ فِي سُورَةِ يُونُسَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يُونُس: ٢٤] كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَلّام، وَأَمّا الْحُكْمُ الّذِي بَقِيَ وَكَانَ قُرْآنًا يُتْلَى: " فَالشّيْخُ وَالشّيْخَةُ إذَا زَنَيَا،
[ ٦ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَارْجُمُوهُمَا الْبَتّةَ نَكَالًا مِنْ اللهِ وَلَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنّ ذَلِكَ كُفْرٌ بِكُمْ "، فَهَذَا حُكْمٌ كَانَ نَسْخُهُ جَائِزًا حِينَ نُسِخَ حُكْمُ التّلَاوَةِ وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَبْقَى حُكْمُ التّلَاوَةِ وَيُنْسَخُ هَذَا الْحُكْمُ بِخِلَافِ هَذَا الْخَبَرِ كَمَا تَقَدّمَ.
[ ٦ / ١٥٧ ]
أَمْرُ إجْلَاءِ بَنِي النّضِيرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ
خُرُوج الرَّسُول إِلَى بني النَّضِير يَسْتَعِينهُمْ فِي دِيَة قَتْلَى بني عَامر وهمهم بالغدر بِهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَنِي النّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِك الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ اللّذَيْنِ قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، لِلْجِوَارِ الّذِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي عَامِرٍ عَقْدٌ وَحِلْفٌ. فَلَمّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِك الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ نُعِينُك عَلَى مَا أَحْبَبْت، مِمّا اسْتَعَنْت بِنَا عَلَيْهِ. ثُمّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ فَقَالُوا: إنّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ - وَرَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ - فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟ فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ عَمْرَو بْنَ جِحَاش بْنِ كَعْبٍ أَحَدُهُمْ فَقَالَ أَنَا لِذَلِكَ فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيّ، رِضْوَانُ الله عَلَيْهِم.
_________________
(١) غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ وَمَا نَزَلَ فِيهَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا بَعْدَ بَدْرٍ لِمَا رَوَى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ.
[ ٦ / ١٥٨ ]
انكشاف نيتهم للرسول واستعداده لحربهم:
فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرَ مِنْ السّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمّا اسْتَلْبَثَ النّبِيّ ﷺ أَصْحَابَهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ " رَأَيْته دَاخِلًا الْمَدِينَةَ ". فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى انْتَهَوْا إلَيْهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، بِمَا كَانَتْ الْيَهُودُ أَرَادَتْ مِنْ الْغَدْرِ بِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالتّهَيّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالسّيْرِ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ سَارَ النّاسُ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ فَحَاصَرَهُمْ سِتّ لَيَالٍ وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ.
_________________
(١) قَطْعُ اللّينَةِ وَتَأْوِيلُهُ وَذَكَرَ نُزُولَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِبَنِي النّضِيرِ وَسَيْرَهُ إلَيْهِمْ حِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ الّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَهَمّوا بِقَتْلِهِ فَلَمّا تَحَصّنُوا فِي حُصُونِهِمْ وَحَرّقَ نَخْلَهُمْ نَادَوْهُ أَنْ يَا مُحَمّدُ قَدْ كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَهْلُ التّأْوِيلِ وَقَعَ فِي نَفُوسِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ حَتّى أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الْحَشْرُ ٥] الْآيَةُ. وَاللّينَةُ أَلْوَانُ التّمْرِ مَا عَدَا الْعَجْوَةَ وَالْبَرْنِيّ فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - لَمْ يُحَرّقْ مِنْ نَخْلِهِمْ إلّا مَا لَيْسَ بِقُوتِ لِلنّاسِ وَكَانُوا يَقْتَاتُونَ الْعَجْوَةَ وَفِي الْحَدِيثِ "الْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنّةِ"
[ ٦ / ١٥٩ ]
حِصَار الرَّسُول لَهُم وتقطيع نَخْلهمْ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَتَحَصّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ فَأَمَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ بِقَطْعِ النّخِيلِ وَالتّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ أَنْ يَا مُحَمّدُ قَدْ كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ، وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ فَمَا بَالُ قَطْعِ النّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟
تَحْرِيضُ الرّهْطِ لَهُمْ ثُمّ مُحَاوَلَتُهُمْ الصّلْحَ
وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ "عَدُوّ اللهِ" عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ وَوَدِيعَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ قَدْ بَعَثُوا إلَى بَنِي النّضِيرِ أَنْ اُثْبُتُوا وَتَمَنّعُوا، فَإِنّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ إنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ فَتَرَبّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ وَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَلّيَهُمْ وَيَكُفّ عَنْ دِمَائِهِمْ عَلَى أَنّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلّا الْحَلْقَةَ فَفَعَلَ. فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلّتْ بِهِ الْإِبِلُ فَكَانَ الرجل مِنْهُم يهدم بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَر وَمِنْهُم مَنْ سَارَ إلَى الشّامِ.
مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ إلَى خَيْبَرَ
فَكَانَ أَشْرَافُهُمْ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ إلَى خَيْبَرَ: سَلّام بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ وَكِنَانَةُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَحُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ. فَلَمّا نَزَلُوهَا دَانَ لَهُمْ أَهْلُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حَدّثَ
_________________
(١) وَثَمَرُهَا يَغْذُو أَحْسَنَ غِذَاءٍ وَالْبَرْنِيّ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيّةِ حِمْلٌ مُبَارَكٌ لِأَنّ بَرّ مَعْنَاهُ حِمْلٌ وَنِيّ مَعْنَاهُ جَيّدٌ أَوْ مُبَارَكٌ فَعَرّبَتْهُ الْعَرَبُ، وَأَدْخَلَتْهُ فِي كَلَامِهَا، وَفِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ - قَالَ لَهُم
[ ٦ / ١٦٠ ]
أَنّهُمْ اسْتَقَلّوا بِالنّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ مَعَهُ الدّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ وَالْقِيَانُ يَعْزِفْنَ خَلْفَهُمْ وَإِنّ فِيهِمْ لَأُمّ عَمْرٍو صَاحِبَةَ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الْعَبْسِيّ، الّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ وَكَانَتْ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي غِفَارٍ، بِزُهَاءِ وَفَخْرِ مَا رُئِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَيّ مِنْ النّاسِ فِي زَمَانِهِمْ.
تَقْسِيمُ الرّسُولِ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ
وَخَلّوْا الْأَمْوَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصّةً يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إلّا أَنّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ ذَكَرًا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي النّضِيرِ
وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْ بَنِي النّضِيرِ إلّا رَجُلَانِ يَامِينُ بْنُ عُمَرَ أَبُو كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ ; وَأَبُو سَعْدِ بْنِ وَهْبٍ، أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا.
تَحْرِيضُ يَامِينَ عَلَى قَتْلِ ابْنِ جِحَاشٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: - وَقَدْ حَدّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ أَلَمْ تَرَ مَا لَقِيت مِنْ ابْنِ عَمّك، وَمَا هم بِهِ مِنْ
_________________
(١) وَذكر الْبَرْنِيّ: "إنّهُ مِنْ خَيْرِ تَمْرِكُمْ وَإِنّهُ دَوَاءٌ وَلَيْسَ بِدَاءِ" رَوَاهُ مِنْهُمْ مَزِيدَةُ الْعَصْرِيّ، فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الْحَشْر:٥] وَلَمْ يَقُلْ مِنْ نَخْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ قَطْعِ مَا يَقْتَاتُ وَيَغْذُو مِنْ شَجَرِ الْعَدُوّ إذَا رُجِيَ أَنْ يَصِيرَ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَانَ الصّدّيقُ ﵁ يُوصِي الْجُيُوشَ أَلّا يَقْطَعُوا شَجَرًا مُثْمِرًا، وَأَخَذَ بِذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو]، الْأَوْزَاعِيّ، فَإِمّا تَأَوّلُوا حَدِيثَ بَنِي النّضِيرِ وَإِمّا رَأَوْهُ خَاصّا لِلنّبِيّ ﵇ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنّ سُورَةَ الْحَشْرِ نَزَلَتْ فِي بَنِي النّضِيرِ وَلَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْوَالِهِمْ لِأَنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهَا بِخَيْلِ وَلَا رِكَابٍ وَإِنّمَا قُذِفَ الرّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ وَجَلَوْا عَنْ مَنَازِلِهِمْ إلَى خَيْبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ قِتَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ فَقَسَمَهَا النّبِيّ ﷺ بَيْنَ
[ ٦ / ١٦١ ]
شَأْنِي؟ فَجَعَلَ يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ لِرَجُلِ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَقْتُلَ لَهُ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ
مَا نَزَلَ فِي بَنِي النّضِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ
وَنَزَلَ فِي بَنِي النّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا، يَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَابَهُمْ اللهُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ. وَمَا سَلّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وَمَا عَمِلَ فِيهِ فِيهِمْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الّذِي أَخْرَجَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنّوا أَنّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْحَشْر:٢] وَذَلِكَ لِهَدْمِهِمْ بُيُوتَهُمْ عَنْ نُجُفِ أَبْوَابِهِمْ إذَا احْتَمَلُوهَا. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ الْجَلَاءَ﴾ وَكَانَ لَهُمْ مِنْ اللهِ نِقْمَةٌ ﴿لَعَذّبَهُمْ فِي الدّنْيَا﴾ أَيْ بِالسّيْفِ ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النّارِ﴾ مَعَ ذَلِكَ. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ . وَاللّينَةُ مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ مِنْ النّخْلِ ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ أَيْ فَبِأَمْرِ اللهِ قُطِعَتْ لَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَلَكِنْ كَانَ نِقْمَةً مِنْ اللهِ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الْحَشْر:٣،٢،-٥]
_________________
(١) الْمُهَاجِرِينَ لِيَرْفَعَ بِذَلِكَ مُؤْنَتَهُمْ عَنْ الْأَنْصَارِ، إذْ كَانُوا قَدْ سَاهَمُوهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالدّيَارِ غَيْرَ أَنّهُ أَعْطَى أَبَا دُجَانَةَ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ لِحَاجَتِهِمَا، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ: وَأَعْطَى ثَلَاثَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَذَكَرَ الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ فِيهِمْ. حَوْلَ أَوّلِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْحَشْرُ: ٢] أَيْ يُخَرّبُونَهَا مِنْ دَاخِلٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ خَارِجٍ وَقِيلَ مَعْنَى بِأَيْدِيهِمْ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أَيْ بِجِهَادِهِمْ. وَقَوْلُهُ ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الْحَشْرِ:٢] رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنّهُمْ قَالُوا لَهُ إلَى أَيْنَ تَخْرُجُ يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ إلَى الْحَشْرِ يَعْنِي: أَرْضَ الْمَحْشَرِ وَهِيَ الشّامُ،
[ ٦ / ١٦٢ ]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
اللّينَةُ مِنْ الْأَلْوَانِ وَهِيَ مَا لَمْ تَكُنْ بَرْنِيّةَ وَلَا عَجْوَةً مِنْ النّخْلِ فِيمَا حَدّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ.
قَالَ ذُو الرّمّةِ:
كَأَنّ قُتُودِي فَوْقَهَا عُشّ طَائِرٍ عَلَى لِينَةٍ سَوْقَاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الْحَشْر:٦] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي مِنْ بني النَّضِير ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنّ اللهَ يُسَلّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْحَشْر:٦] أَيْ لَهُ خَاصّةً.
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أوْجَفْتُمْ: حَرّكْتُمْ وَأَتْعَبْتُمْ فِي السّيْرِ. قَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيّ بْنِ مُقْبِلٍ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ
_________________
(١) وَقِيلَ إنّهُمْ كَانُوا مِنْ بَسْطٍ لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ قَبْلَهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ لِأَوّلِ الْحَشْرِ وَالْحَشْرُ الْجَلَاءُ وَقِيلَ إنّ الْحَشْرَ الثّانِي، هُوَ حَشْرُ النّارِ الّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ فَتَحْشُرُ النّاسَ إلَى الْمَوْقِفِ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ قَالُوا، وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلّفَ وَالْآيَةُ مُتَضَمّنَةٌ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلّهَا، وَلِزَائِدِ
[ ٦ / ١٦٣ ]
مَذَاوِيدُ بِالْبِيضِ الْحَدِيثِ صِقَالُهَا عَنْ الرّكْبِ أَحْيَانًا إذَا الرّكْبُ أَوْجَفُوا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَهُوَ الْوَجِيفُ. "وَ" قَالَ أَبُو زَيْدٍ الطّائِيّ، وَاسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ
مُسْنِفَاتٌ كَأَنّهُنّ قِنَا الْهِنْ دِ لِطُولِ الْوَجِيفِ جَدْبَ الْمَرُودِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السّنَافُ الْبِطَانُ. وَالْوَجِيفُ "أَيْضًا): وَجِيفُ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ وَهُوَ الضّرْبَانِ. قَالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيم الظّفَرِيّ
إنّا وَإِنْ قَدّمُوا الّتِي عَلِمُوا أَكْبَادَنَا مِنْ وَرَائِهِمْ تَجِفُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الْحَشْر: ٧]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) عَلَيْهَا، فَإِنّ قَوْلَهُ لِأَوّلِ الْحَشْرِ يُؤْذِنُ أَنّ ثَمّ حَشْرًا آخَرَ فَكَانَ هَذَا الْحَشْرُ وَالْجَلَاءُ إلَى خَيْبَرَ، ثُمّ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ مِنْ خَيْبَرَ إلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَا، وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ التّثَبّتُ عَنْ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ لَا يَبْقِيَنّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ وَقَوْلُهُ ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الْحَشْرُ:٢] يُقَالُ نَزَلَتْ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الْحَشْرُ ٧]
[ ٦ / ١٦٤ ]
مَا يُوجَفُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرّكَابِ وَفَتْحٍ بِالْحَرْبِ عَنْوَةً فَللَّه وَلِلرَّسُولِ – ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الْحَشْر: ٧] يَقُولُ هَذَا قَسَمٌ آخَرُ فِيمَا أُصِيبَ بِالْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا وَضَعَهُ اللهُ عَلَيْهِ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ نَافَقُوا﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيّ وَأَصْحَابَهُ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمْ ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الْحَشْر:١١] يَعْنِي بَنِي النّضِيرِ إلَى قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الْحَشْر:١٥] يَعْنِي بَنِي قَيْنُقَاعَ. ثُمّ الْقِصّةُ.. إلَى قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين﴾ [الْحَشْر:١٦] ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنّهُمَا فِي النّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظّالِمِينَ﴾
مَا قِيلَ فِي بَنِي النّضِيرِ مِنْ الشّعْرِ
وَكَانَ مِمّا قِيلَ فِي بَنِي النّضِيرِ مِنْ الشّعْرِ قَوْلُ ابْنِ لُقَيْمٍ الْعَيْثَمِيّ وَيُقَالُ قَالَهُ قَيْسُ بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْسُ بْنُ بَحْرٍ الْأَشْجَعِيّ - فَقَالَ
أَهْلِي فِدَاءٌ لِامْرِئِ غَيْرِ هَالِكٍ أَحَلّ الْيَهُودَ بِالْحِسّيّ الْمُزَنّمِ
_________________
(١) وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنّهُ قَالَ هُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَأَهْلُ التّأْوِيلِ عَلَى أَنّهَا عَامّةٌ فِي جَمِيعِ الْقُرَى الْمُفْتَتِحَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا، فَرَأَى قَوْمٌ قَسْمَهَا كَمَا تَقْسِمْ الْغَنَائِمِ وَرَأَى بَعْضُهُمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ إنْ شَاءَ اللهُ. وَذَكَرَ شِعْرَ الْعَبْسِيّ فِي إجْلَاءِ الْيَهُودِ، فَقَالَ أَحَلّ الْيَهُودُ بِالْحِسّيّ الْمُزَنّمِ يُرِيدُ أَحَلّهُمْ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ وَفِي غَيْرِ عَشَائِرِهِمْ وَالزّنِيمُ وَالْمُزَنّمُ الرّجُلُ يَكُونُ فِي الْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَيْ أَنَزَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْحِسّيّ أَيْ الْمُبْعَدُ الطّرِيدُ وَإِنّمَا
[ ٦ / ١٦٥ ]
يَقِيلُونَ فِي جَمْرِ الغَضَاةِ وَبَدّلُوا أُهَيْضِبَ عُودِي بِالْوَدِيّ الْمُكَمّمِ
فَإِنْ يَكُ ظَنّي صَادِقًا بِمُحَمّدِ تَرَوْا خَيْلَهُ بَيْنَ الصّلَا وَيَرَمْرَمِ
يَؤُمّ بِهَا عَمْرَو بْنَ بُهْثَةَ إنّهُمْ عَدُوّ وَمَا حَيّ صِدّيقٌ كَمُجْرِمِ
عَلَيْهِنّ أَبْطَالٌ مَسَاعِيرُ فِي الْوَغَى يَهُزّونَ أَطْرَافَ الْوَشِيجِ الْمُقَوّمِ
وَكُلّ رَقِيقٍ الشّفْرَتَيْنِ مُهَنّدٌ تُوُورِثْنَ مِنْ أَزْمَانِ عَادٍ وَجُرْهُمِ
فَمَنْ مُبَلّغٌ عَنّي قُرَيْشًا رِسَالَةً فَهَلْ بَعْدَهُمْ فِي الْمَجْدِ مِنْ مُتَكَرّمِ
بِأَنّ أَخَاكُمْ فَاعْلَمُنّ مُحَمّدًا تَلِيدُ النّدَى بَيْنَ الْحَجُونِ وَزَمْزَمِ
فَدِينُوا لَهُ بِالْحَقّ تَجْسُمْ أُمُورُكُمْ وَتُسْمُوا مِنْ الدّنْيَا إلَى كُلّ مِعْظَمِ
نَبِيّ تَلَاقَتْهُ مِنْ اللهِ رَحْمَةٌ وَلَا تَسْأَلُوهُ أَمْرَ غَيْبٍ مُرَجّمِ
فَقَدْ كَانَ فِي بَدْرٍ لَعَمْرِي عِبْرَةٌ لَكُمْ يَا قُرَيْشًا وَالْقَلِيبُ الْمُلَمّمِ
غَدَاةَ أَتَى فِي الْخَزْرَجِيّةِ عَامِدًا إلَيْكُمْ مُطِيعًا لِلْعَظِيمِ الْمُكَرّمِ
مُعَانًا بِرُوحِ الْقُدُسِ يُنْكِي عَدُوّهُ رَسُولًا مِنْ الرَّحْمَن حَقًا بمعلم
_________________
(١) جَعَلَ الطّرِيدَ الذّلِيلَ حِسّيّا لِأَنّهُ عُرْضَةُ الْأَكْلِ وَالْحِسّيّ وَالْحَسْوُ مَا يُحْسَى مِنْ الطّعَامِ حَسْوًا، أَيْ أَنّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى آكِلٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحِسّيّ مَعْنَى الْغَذِيّ مِنْ الْغَنَمِ وَهُوَ الصّغِيرُ - الضّعِيفُ الّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرّعْيَ يُقَالُ بُدّلُوا بِالْمَالِ الدّثْرِ وَالْإِبِلِ الْكُومِ رُذَالَ الْمَالِ وَغِذَاءَ الْغَنَمِ وَالْمُزَنّمُ مِنْهُ فَهَذَا وَجْهٌ يُحْتَمَلُ وَقَدْ أَكْثَرْت النّقِيرَ عَنْ الْحِسّيّ فِي مَضَانّهِ مِنْ اللّغَةِ فَلَمْ أَجِدْ نَصّا شَافِيًا أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَلِيّ الْحِسّيّةُ وَالْحِسّيّ مَا يُحْسَى مِنْ الطّعَامِ وَإِذْ قَدْ وَجَدْنَا الْغَذِيّ وَاحِدَ غِذَاءِ الْغَنَمِ فَالْحِسّيّ فِي مَعْنَاهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُقَالَ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْمُزَنّمُ أَيْضًا: صِغَارُ الْإِبِلِ وَسَائِرُ هَذَا الشّعْرِ مَعَ مَا يَعُدّهُ مِنْ الْأَشْعَارِ لَيْسَ فِيهِ عَوِيصٌ مِنْ الْغَرِيبِ وَلَا مُسْتَغْلِقٌ مِنْ الْكَلَامِ.
[ ٦ / ١٦٦ ]
رَسُولًا مِنْ الرّحْمَنِ يَتْلُو كِتَابَهُ فَلَمّا أَنَارَ الْحَقّ لَمْ يُتَلَعْثَمْ
أَرَى أَمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلّ مَوْطِنٍ عُلُوّا لِأَمْرِ حَمّهُ اللهُ مُحْكَمِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ بُهْثَةَ، مِنْ غَطَفَانَ. وَقَوْلُهُ " بِالْحِسّيّ الْمُزَنّمِ " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النّضِيرِ وَقَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَعْرِفُهَا لِعَلِيّ
عَرَفْت وَمَنْ يَعْتَدِلْ يَعْرِفْ وَأَيْقَنْت حَقّا وَلَمْ أَصْدِفْ
عَنْ الْكَلِمِ الْمُحْكَمِ اللّاءِ مِنْ لَدَى اللهِ ذِي الرّأْفَةِ الْأَرْأَفِ
رَسَائِلُ تُدْرَسُ فِي الْمُؤْمِنِينَ بِهِنّ اصْطَفَى أَحْمَدَ الْمُصْطَفَى
_________________
(١) الْكَاهِنَانِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ الْكَاهِنَيْنِ فَهُمَا قُرَيْظَةُ وَالنّضِيرُ وَفِي الْحَدِيثِ يَخْرُجُ فِي الْكَاهِنَيْنِ رَجُلٌ يَدْرُسُ الْقُرْآنَ دَرْسًا لَمْ يَدْرُسْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا يَدْرُسُهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ فَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَنّهُ مُحَمّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ وَهُوَ مُحَمّدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَطِيّةَ وَسَيَأْتِي خَبَرُ جَدّهِ عَطِيّةَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْكَاهِنُ فِي اللّغَةِ بِمَعْنَى الْكَاهِلِ وَهُوَ الّذِي يَقُومُ بِحَاجَةِ أَهْلِهِ إذَا خَلَفَ عَلَيْهِمْ يُقَالُ هُوَ كَاهِنُ أَبِيهِ وَكَاهِلُهُ قَالَهُ الْهَرَوِيّ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُمّيَ الْكَاهِنَانِ بِهَذَا.
[ ٦ / ١٦٧ ]
فَأَصْبَحَ أَحْمَدُ فِينَا عَزِيزًا عَزِيزَ الْمُقَامَةِ وَالْمَوْقِفِ
فَيَا أَيّهَا الْمُوعِدُوهُ سَفَاهًا وَلَمْ يَأْتِ جَوْرًا وَلَمْ يَعْنُفْ
أَلَسْتُمْ تَخَافُونَ أَدُنَى الْعَذَابِ وَمَا آمِنُ اللهِ كَالْأَخْوَفِ
وَأَنْ تَصْرَعُوا تَحْتَ أَسْيَافِهِ كَمَصْرَعِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
غَدَاةَ رَأَى اللهُ طُغْيَانَهُ وَأَعْرَضَ كَالْجَمْلِ الْأَجْنَفِ
فَأَنْزَلَ جِبْرِيلَ فِي قَتْلِهِ بِوَحْيِ إلَى عَبْدِهِ مُلْطَفِ
فَدَسّ الرّسُولُ رَسُولًا لَهُ بِأَبْيَضَ ذِي هِبَةٍ مُرْهَفِ
فَبَاتَتْ عُيُونٌ لَهُ مَعُولَاتٍ مَتَى يُنْعَ كَعْبٌ لَهَا تَذْرِفُ
وَقُلْنَ لِأَحْمَدَ ذَرْنَا قَلِيلًا فَإِنّا مِنْ النّوْحِ لَمْ نَشْتَفِ
_________________
(١) خُرُوجُ بَنِي النّضِيرِ إلَى خَيْبَرَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ خُرُوجَ بَنِي النّضِيرِ إلَى خَيْبَرَ، وَأَنّهُمْ اسْتَقَلّوا بِالنّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ مَعَهُمْ - الدّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ وَالْقِيَانُ يَعْزِفْنَ خَلْفَهُمْ وَأَنّ فِيهِمْ لَأُمّ عَمْرٍو صَاحِبَةُ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ وَكَانَ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي غِفَارٍ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ إسْحَاقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهَا فِي رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ عَنْهُ وَذَكَرَهُ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ سَلْمَى، قَالَ الْأَصْمَعِيّ: اسْمُهَا: لَيْلَى بِنْتُ شَعْوَاءَ وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ هِيَ سَلْمَى أُمّ وَهْبٍ امْرَأَةٌ مِنْ كِنَانَةَ كَانَتْ نَاكِحًا فِي مُزَيْنَةَ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدُ فَسَبَاهَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ إنّهَا مِنْ كِنَانَةَ لَا يَدْفَعُ قَوْلَ ابْنِ إسْحَاقَ إنّهَا مِنْ غِفَارٍ، لِأَنّ غِفَارَ مِنْ كِنَانَةَ غِفَارُ بْنُ مُلَيْلِ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَعُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ بْنِ زَيْدٍ وَيُقَالُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ نَاشِبِ بْنِ هَدْمِ بْنِ عَوْذِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ فَهُوَ عَبْسِيّ غَطَفَانِيّ قَيْسِيّ، لِأَنّ عَبْسًا هُوَ ابْنُ بِغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ قَالَ فِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: مَا يَسُرّنِي أَنّ أَحَدًا مِنْ الْعَرَبِ وَلَدَنِي إلّا عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ لِقَوْلِهِ
[ ٦ / ١٦٨ ]
فَخَلّاهُمْ ثُمّ قَالَ اظْعَنُوا دُحُورًا عَلَى رَغْمِ الْآنِفِ
وَأَجْلَى النّضِيرَ إلَى غُرْبَةٍ وَكَانُوا بِدَارِ ذَوِي زُخْرُفِ
إلَى أَذَرِعَاتٍ رِدَافِي وَهُمْ عَلَى كُلّ ذِي دَبَرِ أَعْجَفِ
فَأَجَابَهُ سِمَاكٌ الْيَهُودِيّ، فَقَالَ
إنْ تَفْخَرُوا فَهُوَ فَخْرٌ لَكُمْ بِمَقْتَلِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
غَدَاةَ غَدَوْتُمْ عَلَى حَتْفِهِ وَلَمْ يَأْتِ غَدْرًا وَلَمْ يُخْلِفْ
فَعّلَ اللّيَالِيَ وَصَرَفَ الدّهُورَ يُدِيلُ مِنْ الْعَادِلِ الْمَنْصِفِ
بِقَتْلِ النّضِيرِ وَأَخْلَافِهَا وَعَقْرِ النّخِيلِ وَلَمْ تُقْطَفْ
فَإِنْ لَا أَمُتْ نَأْتِكُمْ بِالْقَنَا وَكُلّ جِسَامٍ مَعًا مُرْهَفِ
بِكَفّ كَمِيّ بِهِ يَحْتَمِي مَتَى يَلْقَ قَرْنًا لَهُ يُتْلِف
مَعَ الْقَوْمِ صَخْرٌ وَأَشْيَاعُهُ إذَا غَاوَرَ الْقَوْمَ لَمْ يُضَعّف
كَلَيْثِ بِتَرْجِ حَمَى غِيلَهُ أَخِي غَابَةٍ هَاصِرٍ أَجْوَفِ
_________________
(١) أَتَهْزَأُ مِنّي أَنْ سَمِنْت، وَقَدْ تَرَى بِجِسْمِي مَسّ الْحَقّ وَالْحَقّ جَاهِدُ إنّي امْرِئِ عَافِي إنَائِي شِرْكَةٌ وَأَنْتَ امْرِئِ عَافِي إنَائِك وَاحِدُ أُقَسّمُ جِسْمِي فِي جُسُومٍ كَثِيرَةٍ وَأَحْسُو قِرَاحَ الْمَاءِ وَالْمَاءُ بَارِدُ وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ قَالَ إنّ حَاتِمًا أَسْمَحُ الْعَرَبِ، فَقَدْ ظَلَمَ عُرْوَةَ بْنَ الْوَرْدِ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَكَانَ عُرْوَةُ يَتَرَدّدُ عَلَى بَنِي النّضِيرِ فَيَسْتَقْرِضُهُمْ إذَا احْتَاجَ وَيَبِيعُ مِنْهُمْ إذَا غَنِمَ فَرَأَوْا عِنْدَهُ سَلْمَى، فَأَعْجَبَتْهُمْ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَبِيعَهَا، مِنْهُمْ فَأَبَى فَسَقَوْهُ الْخَمْرَ وَاحْتَالُوا عَلَيْهِ حَتّى ابْتَاعُوهَا مِنْهُ وَأَشْهَدُوا عَلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ
[ ٦ / ١٦٩ ]
شِعْرُ كَعْبٍ فِي إجْلَاءِ بَنِي النّضِيرِ وَقَتْلُ ابْنِ الْأَشْرَفِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النّضِيرِ وَقَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ:
لَقَدْ خَزِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُورُ كَذَاك الدّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ
وَذَلِكَ أَنّهُمْ كَفَرُوا بِرَبّ عَزِيزٍ أَمْرُهُ أَمْرٌ كَبِيرُ
وَقَدْ أُوقُوا مَعًا فَهْمًا وَعِلْمًا وَجَاءَهُمْ مِنْ اللهِ النّذِيرُ
نَذِيرٌ صَادِقٌ أَدّى كِتَابًا وَآيَاتٍ مُبَيّنَةً تُنِيرُ
فَقَالُوا: مَا أَتَيْت بِأَمْرِ صِدْقٍ وَأَنْتَ بِمُنْكَرِ مِنّا جَدِيرُ
فَقَالَ بَلَى لَقَدْ أَدّيْت حَقّا يُصَدّقُنِي بِهِ الْفَهْمُ الْخَبِيرُ
فَمَنْ يَتْبَعْهُ يُهْدَ لِكُلّ رُشْدٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ يُجْزَ الْكَفُورُ
فَلَمّا أُشْرِبُوا غَدْرًا وَكُفْرًا وَحَادَ بِهِمْ عَنْ الْحَقّ النّفُورُ
أَرَى اللهُ النّبِيّ بِرَأْيِ صِدْقٍ وَكَانَ اللهُ يَحْكُمُ لَا يَجُورُ
فَأَيّدَهُ وَسَلّطَهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ نَصِيرُهُ نِعْمَ النّصِيرُ
فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا فَذَلّتْ بَعْدَ مَصْرَعِهِ النّضِيرُ
عَلَى الْكَفّيْنِ ثُمّ وَقَدْ عَلَتْهُ بِأَيْدِينَا مُشَهّرَةٌ ذُكُورُ
بِأَمْرِ مُحَمّدٍ إذْ دَسّ لَيْلًا إلَى كَعْبٍ أَخَا كَعْبٍ يَسِيرُ
فَمَا كَرِهَ فَأَنْزَلَهُ بِمَكْرِ وَمَحْمُودٌ أَخُو ثِقَةٍ جُسُورُ
فَتِلْكَ بَنُو النّضِيرِ بِدَارِ سَوْءٍ أَبَارَهُمْ بِمَا اجْتَرَمُوا الْمُبِيرُ
غَدَاةَ أَتَاهُمْ فِي الزّحْفِ رَهْوًا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ بِهِمْ بَصِيرُ
وَغَسّانَ الْحَمَاةَ مُوَازِرُوهُ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهُوَ لَهُمْ وَزِيرُ
فَقَالَ السّلْمُ وَيْحَكُمْ فَصَدّوا وَحَالَفَ أَمْرَهُمْ كَذِبٌ وَزُورُ
_________________
(١) سَقَوْنِي الْخَمْرَ ثُمّ تَكَنّفُونِي عُدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وَزُورِ وَرُوِيَ أَيْضًا أَنّ قَوْمَهَا افْتَدَوْهَا مِنْهُ وَكَانَ يَظُنّ أَنّهَا لَا تَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا
[ ٦ / ١٧٠ ]
فَذَاقُوا غِبّ أَمْرِهِمْ وَبَالًا لِكُلّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرُ
وَأَجْلَوْا عَامِدِينَ لِقَيْنُقَاعَ وَغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ وَدُورُ
شِعْرُ سِمَاكٍ فِي الرّدّ عَلَى كَعْبٍ:
فَأَجَابَهُ سِمَاكٌ الْيَهُودِيّ، فَقَالَ:
أَرِقْت وَضَافَنِي هَمّ كَبِيرُ بِلَيْلِ غَيْرُهُ لَيْلٌ قَصِيرُ
أَرَى الْأَخْبَارَ تُنْكِرُهُ جَمِيعًا وَكُلّهُمْ لَهُ عِلْمٌ خَبِيرُ
وَكَانُوا الدّارِسِينَ لِكُلّ عِلْمٍ بِهِ التّوْرَاةُ تَنْطِقُ وَالزّبُورُ
قَتَلْتُمْ سَيّدَ الْأَخْبَارِ كَعْبًا وَقِدْمًا كَانَ يَأْمَنُ مَنْ يُجِيرُ
تَدَلّى نَحْوَ مَحْمُودٍ أَخِيهِ وَمَحْمُودٌ سَرِيرَتُهُ الْفُجُورُ
فَغَادَرَهُ كَأَنّ دَمًا نَجِيعًا يَسِيلُ عَلَى مَدَارِعِهِ عَبِيرُ
فَقَدْ وَأَبِيكُمْ وَأَبِي جَمِيعًا أُصِيبَتْ إذْ أُصِيبَ بِهِ النّضِيرُ
فَإِنْ نُسْلِمْ لَكُمْ نَتْرُكْ رِجَالًا بِكَعْبِ حَوْلَهُمْ طَيْرٌ تُدَوّرُ
كَأَنّهُمْ عَتَائِرُ يَوْمِ عِيدٍ تُذَبّحُ وَهِيَ لَيْسَ لَهَا نَكِيرُ
_________________
(١) تُفَارِقُهُ فَاخْتَارَتْ قَوْمَهَا، فَنَدِمَ وَكَانَ لَهُ مِنْهَا بَنُونَ فَقَالَتْ لَهُ وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ أَرَخْت سِتْرًا عَلَى بَعْلٍ مِثْلِك أَغَضّ طَرَفًا، وَلَا أَنْدَى كَفّا وَلَا أَغْنَى غِنَاءً وَإِنّك لَرَفِيعُ الْعِمَادِ كَثِيرُ الرّمَادِ خَفِيفٌ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ ثَقِيلٌ عَلَى مُتُونِ الْأَعْدَاءِ رَاضٍ لِلْأَهْلِ وَالْجَارِ وَمَا كُنْت لَأُوثِرَ عَنْك أَهْلِي، لَوْلَا أَنّي كُنْت أَسْمَعُ بَنَاتَ عَمّك يَقُلْنَ فَعَلَتْ أُمّةُ عُرْوَةَ وَقَالَ أُمّةُ عُرْوَةَ فَأَجِدُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْتَ وَاَللهِ لَا يُجَامِعُ وَجْهِي وَجْهَ غَطَفَانِيّةٍ أَبَدًا، فَاسْتَوْصِ بِبَنِيك خَيْرًا، قَالَ ثُمّ تَزَوّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّضِيرِ فَسَأَلَهَا أَنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِ فِي نَادِي قَوْمِهِ كَمَا أَثْنَتْ عَلَى عُرْوَةَ فَقَالَتْ
[ ٦ / ١٧١ ]
بِبِيضِ لَا تَلِيقُ لَهُنّ عَظْمًا صَوَافِي الْحَدّ أَكْثَرُهَا ذُكُورُ
كَمَا لَاقَيْتُمْ مِنْ بَأْسِ صَخْرٍ بأُحْد حَيْثُ لَيْسَ لَكُمْ نَصِيرُ
شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي امْتِدَاحِ رِجَالِ بَنِي النّضِيرِ
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَخُو بَنِي سُلَيْمٍ يَمْتَدِحُ رِجَالَ بَنِي النّضِيرِ:
لَوْ أَنّ أَهْلَ الدّارِ لَمْ يَتَصَدّعُوا رَأَيْت خِلَالِ الدّارِ مَلْهًى وَمَلْعَبَا
فَإِنّك عَمْرِي هَلْ أُرِيك ظَعَائِنَا سَلَكْنَ عَلَى رُكْنِ الشّطاة فَتَيْأَبَا
عَلَيْهِنّ عِينٌ مِنْ ظِبَاءِ تَبَالَةٍ أَوَانِسُ يُصْبِينَ الْحَلِيمَ الْمُجَرّبَا
إذَا جَاءَ بَاغِي الْخَيْرِ قُلْنَ فُجَاءَةً لَهُ بِوُجُوهِ كَالدّنَانِيرِ مَرْحَبًا
وَأَهْلًا فَلَا مَمْنُوعُ خَيْرٍ طَلَبْته وَلَا أَنْتَ تَخْشَى عِنْدَنَا أَنْ تُؤَنّبَا
فَلَا تُحْسِبَنّي كُنْت مَوْلَى ابْنِ مِشْكَمٍ سَلّامٍ وَلَا مَوْلَى حُيَيّ بْنِ أَخَطَبَا
شِعْرُ خَوّاتٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ
فَأَجَابَهُ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ:
تَبْكِي عَلَى قَتْلَى يَهُودَ وَقَدْ تَرَى مِنْ الشّجْوِ لَوْ تَبْكِي أَحَبّ وَأَقْرَبَا
فَهَلّا عَلَى قَتْلَى بِبَطْنِ أُرَيْنِق بَكَيْت وَلَمْ تُعْوِل مِنْ الشّجْوِ مُسْهَبًا
إذَا السّلْمُ دَارَتْ فِي صَدِيقٍ رَدَدْتهَا وَفِي الدّينِ صُدّادًا وَفِي الْحَرْبِ ثَعْلَبًا
_________________
(١) اُعْفُنِي، فَإِنّي لَا أَقُولُ إلّا مَا عَلِمْته، فَأَبَى أَنْ يُعْفِيَهَا، فَجَاءَتْ حَتّى وَقَفَتْ عَلَى النّادِي، وَهُوَ فِيهِ فَقَالَتْ عَمُوا صَبَاحًا، ثُمّ قَالَتْ إنّ هَذَا أَمَرَنِي أَنْ أَثْنِي عَلَيْهِ بِمَا عَلِمْت فِيهِ ثُمّ قَالَتْ لَهُ وَاَللهِ إنّ شَمْلَتَك لَالْتِفَافٌ وَإِنّ شُرْبَك لِاشْتِفَافِ وَإِنّ ضَجْعَتَك لَانْجِعَافٌ وَإِنّك لَتَشْبَعُ لَيْلَةً تُضَافُ وَتَنَامُ لَيْلَةً تَخَافُ فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ قَدْ كُنْت فِي غِنًى عَنْ هَذَا، وَفِيهَا يَقُولُ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ
[ ٦ / ١٧٢ ]
عَمِدْت إلَى قَدْرٍ لِقَوْمِك تَبْتَغِي لَهُمْ شَبَهًا كَيْمَا تَعِزّ وَتَغْلِبَا
فَإِنّك لَمّا أَنْ كَلِفْت تَمَدّحًا لِمَنْ كَانَ عَيْبًا مَدْحُهُ وَتَكَذّبَا
رَحَلَتْ بِأَمْرِ كُنْت أَهْلًا لِمِثْلِهِ وَلَمْ تُلْفِ فِيهِمْ قَائِلًا لَك مَرْحَبَا
فَهَلّا إلَى قَوْمٍ مُلُوكٍ مَدَحْتهمْ تَبْنُوا مِنْ الْعِزّ الْمُؤَثّلِ مَنْصِبَا
إلَى مَعْشَرٍ صَارُوا مُلُوكًا وَكُرّمُوا وَلَمْ تُلْفِ فِيهِمْ طَالِبُ الْعُرْفِ مُجْدِبًا
أُولَئِكَ أُخْرَى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحَةِ تَرَاهُمْ وَفِيهِمْ عِزّةُ الْمَجْدِ تَرْتُبَا
شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرّدّ عَلَى خَوّاتٍ
فَأَجَابَهُ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ، فَقَالَ
هَجَوْت صَرِيحَ الْكَاهِنَيْنِ وَفِيكُمْ لَهُمْ نَعَمْ كَانَتْ مِنْ الدّهْرِ تُرْتُبا
أُولَئِكَ أَحْرَى لَوْ بَكَيْت عَلَيْهِمْ وَقَوْمُك لَوْ أَدّوْا مِنْ الْحَقّ مُوجِبَا
مِنْ الشّكْرِ إنّ الشّكْرَ خَيْرٌ مَغَبّةً وَأَوْفَقُ فَعَلَا لِلّذِي كَانَ أَصْوَبَا
فَكُنْت كَمَنْ أَمْسَى يَقْطَعُ رَأْسَهُ لِيَبْلُغَ عِزّا كَانَ فِيهِ مُرَكّبَا
فَبِك بَنِي هَارُونَ وَاذْكُرْ فَعَالَهُمْ وَقَتْلَهُمْ لِلْجُوعِ إذْ كُنْت مُجْدِبَا
أَخَوّاتُ أَذْرِ الدّمْعَ بِالدّمْعِ وَابْكِهِمْ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمَكْرُوهِ مِنْهُمْ وَنَكّبَا
_________________
(١) أَرِقْت وَصُحْبَتِي بِمَضِيقِ عُمْقٍ لِبَرْقِ فِي تِهَامَةَ مُسْتَطِيرِ إذَا قُلْت اسْتَهَلّ عَلَى قُدَيْدٍ يَحُورُ رَبَابُهُ حُورَ الْكَسِيرِ سَقَى سَلْمَى، وَأَيْنَ مَحَلّ سَلْمَى إذَا حَلّتْ مُجَاوِرَةَ السّرِيرِ إذَا حَلّتْ بِأَرْضِ بَنِي عَلِيّ وَأَهْلُك بَيْنَ أَمّرَةٍ وَكِيرِ ذَكَرْت مَنَازِلًا مِنْ أُمّ وَهْبٍ مَحَلّ الْحَيّ أَسْفَلَ ذِي النّقِيرِ وَآخَرُ مَعْهَدٍ مِنْ أُمّ وَهْبٍ مُعَرّسُنَا فُوَيْقَ بَنِي النّضِيرِ
[ ٦ / ١٧٣ ]
فَإِنّك لَوْ لَاقَيْتهمْ فِي دِيَارِهِمْ لَأُلْفِيت عَمّا قَدْ تَقُولُ مُنَكّبَا
سِرَاعٌ إلَى الْعُلْيَا كِرَامٌ لَدَى الْوَغَى يُقَالُ لِبَاغِي الْخَيْرِ أَهْلًا وَمَرْحَبَا
شِعْرٌ لِكَعْبِ أَوْ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَوْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
لَعَمْرِي لَقَدْ حَكّتْ رحى الْحَرْب بَعْدَمَا أَطَارَتْ لُؤَيّا قَبْلُ شَرْقًا وَمَغْرِبَا
بَقِيّةُ آلِ الْكَاهِنَيْنِ وَعِزّهَا فَعَادَ ذَلِيلًا بَعْدَمَا كَانَ أَغَلَبَا
فَطَاحَ سَلّامٌ وَابْنُ سَعْيَةَ عَنْوَةً وَقَيْدَ ذَلِيلًا لِلْمَنَايَا ابْنُ أَخَطَبَا
وَأَجْلَبَ يَبْغِي الْعِزّ وَالذّلّ يَبْتَغِي خِلَافَ يَدَيْهِ مَا جَنَى حِينَ أَجْلَبَا
كَتَارِكِ سَهْلِ الْأَضّ وَالْحُزْنُ هَمّهُ وَقَدْ كَانَ ذَا فِي النّاسِ أَكْدَى وَأَصْعَبَا
وَشَأْسٌ وعَزّال وَقَدْ صَلِيَا بِهَا وَمَا غَيْبًا عَنْ ذَاكَ فِيمَنْ تَغَيّبَا
_________________
(١) وَقَالَتْ مَا تُشَاءُ فَقُلْت: أَلْهُو إلَى الْإِصْبَاحِ آثُرَ ذِي أَثِيرِ بِآنِسَةِ الْحَدِيثِ رُضَابُ فِيهَا بُعَيْدَ النّوْمِ كَالْعِنَبِ الْعَصِيرِ أَطَعْت الْآمِرِينَ بِصِرْمِ سَلْمَى فَطَارُوا فِي بِلَادِ الْيَسْتَعُورِ سَقَوْنِي الْخَمْرَ ثُمّ تَكَنّفُونِي عُدَاةُ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وَزُورِ وَقَالُوا لَيْسَتْ بَعْدَ فِدَاءِ سَلْمٍ بِمُغْنٍ مَا لَدَيْك وَلَا فَقِيرِ وَلَا وَأَبِيك لَوْ كَالْيَوْمِ أَمْرِي وَمَنْ لَك بِالتّدَبّرِ فِي الْأُمُورِ إِذا لَمَلَكْت عِصْمَةَ أُمّ وَهْبٍ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَسَكِ الصّدُورِ فَيَا لِلنّاسِ كَيْفَ غَلَبْت نَفْسِي عَلَى شَيْءٍ وَيَكْرَهُهُ ضَمِيرِي قَوْلُهُ السّرِيرُ مَوْضِعٌ فِي نَاحِيَةِ كِنَانَةَ وَقَوْلُهُ الْيَسْتَعُورِ هُوَ مَوْضِعٌ قَبْلَ حَرّةِ الْمَدِينَةِ، فِيهِ عَضّاهُ مِنْ سَمُرٍ وَطَلْحٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْيَسْتَعُورُ شَجَرٌ يَسْتَاكُ بِهِ
[ ٦ / ١٧٤ ]
وُعُوفُ بْنُ سَلْمَى وَابْنُ عَوْفٍ كِلَاهُمَا وَكَعْبٌ رَئِيسُ الْقَوْمِ حَانَ وَخُيّبَا
فَبُعْدًا وَسُحْقًا لِلنّضِيرِ وَمِثْلُهَا إنْ أَعْقَبَ فَتْحٌ أَوْ إنّ اللهَ أَعْقَبَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ:
ثُمّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ بَنِي النّضِير بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهُمْ إنْ شَاءَ اللهُ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِيهِ.
_________________
(١) يَنْبُتُ بِالسّرَاةِ وَالْيَسْتَعُورُ أَيْضًا مِنْ أَسْمَاءِ الدّوَاهِي، وَالْيَاءُ فِي الْيَسْتَعُورِ أَصْلِيّةٌ فَهَذَا شَرْحُ مَا أَوْمَأَ إلَيْهِ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ أُمّ عَمْرٍو، وَإِنّمَا هِيَ أُمّ وَهْبٍ كَمَا تَكَرّرَ فِي شِعْرِهِ.
[ ٦ / ١٧٥ ]
غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ فِي سنة أَربع
الأهبة لَهَا:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النّضِيرِ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَبَعْضَ جُمَادَى، ثُمّ غَزَا نَجْدًا مُحَارِبًا وَبَنِيّ ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرّ الْغِفَارِيّ، وَيُقَالُ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
لِمَ سُمّيَتْ بِذَاتِ الرّقَاعِ؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ وَسُمّيَتْ ذَاتَ الرّقَاعِ، لِأَنّهُمْ رَقّعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ فِي قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ، قَالَ وَيُقَالُ ذَاتُ الرّقَاعِ شَجَرٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ الرّقَاعِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّهَا أَرْضٌ فِيهَا بُقَعٌ سُودٌ وَبُقَعٌ بِيضٌ كَأَنّهَا مُرَقّعَةٌ بِرِقَاعِ مُخْتَلِفَةٍ فَسُمّيَتْ ذَاتَ الرّقَاعِ لِذَلِكَ
[ ٦ / ١٧٥ ]
حَتّى نَزَلَ نَخْلًا، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَإِنّمَا قِيلَ لَهَا: غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ، لِأَنّهُمْ رَقّعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ وَيُقَالُ ذَاتُ الرّقَاعِ: شَجَرَةٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ الرّقَاعِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ غَطَفَانَ، فَتَقَارَبَ النّاسُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ وَقَدْ خَافَ النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتّى صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمّ انْصَرَفَ بِالنّاسِ.
صَلَاةُ الْخَوْفِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التّنّورِيّ - وَكَانَ يُكَنّى: أَبَا عُبَيْدَةَ - قَالَ حَدّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ
_________________
(١) وَكَانُوا قَدْ نَزَلُوا فِيهَا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ وَأَصَحّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلّهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ "خَرَجْنَا مَعَ النّبِيّ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ وَنَحْنُ سِتّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنّا نَلُفّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ" فَسُمّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرّقَاعِ، لِمَا كُنّا نَعْصِبُ مِنْ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَحَدّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا، ثُمّ كَرِهَ ذَلِكَ فَقَالَ مَا كُنْت أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ كَأَنّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ. صَلَاةُ الْخَوْفِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَأَوْرَدَهَا مِنْ طُرُقٍ ثَلَاثٍ وَهِيَ مَرْوِيّةٌ بِصُوَرِ
[ ٦ / ١٧٦ ]
"صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِطَائِفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ سَلّمَ وَطَائِفَةٌ مُقْبِلُونَ عَلَى الْعَدُوّ. قَالَ فَجَاءُوا فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمّ سَلّمَ"
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ حَدّثَنَا أَيّوبُ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
"صَفّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفّيْنِ فَرَكَعَ بِنَا جَمِيعًا، ثُمّ سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَجَدَ الصّفّ الْأَوّلُ فَلَمّا رَفَعُوا سَجَدَ الّذِينَ يَلُونَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ ثُمّ تَأَخّرَ الصّفّ الْأَوّلُ وَتَقَدّمَ الصّفّ الْآخَرُ حَتّى قَامُوا مَقَامَهُمْ ثُمّ رَكَعَ النّبِيّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا ثُمّ سَجَدَ النّبِيّ ﷺ وَسَجَدَ الّذِينَ يَلُونَهُ مَعَهُ فَلَمّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ سَجَدَ الْآخَرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فَرَكَعَ النّبِيّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وَسَجَدَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ
_________________
(١) مُخْتَلِفَةٍ أَكْثَرَ مِمّا ذُكِرَ. سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا بَكْرٍ - ﵀ - يَقُولُ فِيهَا سِتّ عَشْرَةَ رِوَايَةً وَقَدْ خَرّجَ الْمُصَنّفُونَ أَصَحّهَا، وَخَرّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْهَا جُمْلَةً ثُمّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التّرْجِيحِ فَقَالَ طَائِفَةٌ يُعْمَلُ مِنْهَا بِمَا كَانَ أَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُجْتَهَدُ فِي طَلَبِ الْآخِرِ مِنْهَا، فَإِنّهُ النّاسِخُ لِمَا قَبْلَهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُؤْخَذُ بِأَصَحّهَا نَقْلًا، وَأَعْلَاهَا رُوَاةً وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - وَهُوَ مَذْهَبُ شَيْخِنَا: يُؤْخَذُ بِجَمِيعِهَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْخَوْفِ فَإِذَا اشْتَدّ الْخَوْفُ أُخِذَ بِأَيْسَرِهَا مُؤْنَةً فَإِذَا تَفَاقَمَ الْخَوْفُ صَلّوْا بِغَيْرِ إمَامٍ لِقِبْلَةِ أَوْ لِغَيْرِ قِبْلَةٍ وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَلَامٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السّلَفِ أَنّ صَلَاةَ الْخَوْفِ قَدْ تَئُولُ إلَى أَنْ تَكُونَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَذَلِكَ عِنْدَ مَعْمَعَةِ الْقِتَالِ وَسَيَأْتِي بَقِيّةُ الْقَوْلِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي خَبَرِ بَنِي قُرَيْظَة إنْ شَاءَ اللهُ وَمِمّا تُخَالِفُ بِهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ حُكْمَ غَيْرِهَا أَنّهُ لَا سَهْوَ فِيهَا عَلَى إمَامٍ وَلَا عَلَى مَأْمُومٍ رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ بِسَنَدِ ثَابِتٍ عَنْ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ " لَا سَهْوَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ".
[ ٦ / ١٧٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التّنّورِيّ قَالَ حَدّثَنَا أَيّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ يَقُومُ الْإِمَامُ وَتَقُومُ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَطَائِفَةٌ مِمّا يَلِي عَدُوّهُمْ فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ وَيَسْجُدُ بِهِمْ ثُمّ يَتَأَخّرُونَ فَيَكُونُونَ مِمّا يَلِي الْعَدُوّ يَتَقَدّمُ الْآخَرُونَ فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِهِمْ ثُمّ تُصَلّي كُلّ طَائِفَةٍ بِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً فَكَانَتْ لَهُمْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً رَكْعَةً وَصَلّوْا بِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً رَكْعَة
غورث وَمَا هم بِهِ من قتل الرّسُولِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُحَارِبٍ، يُقَالُ لَهُ غَوْرَثُ قَالَ لِقَوْمِهِ مِنْ غَطَفَانَ وَمُحَارِبٍ أَلَا أَقْتُلُ لَكُمْ مُحَمّدًا؟ قَالُوا: بَلَى، وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ أَفْتِكُ بِهِ. قَالَ فَأَقْبَلَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ أَنْظُرُ إلَى سَيْفِك هَذَا؟ قَالَ نَعَمْ - وَكَانَ مُحَلّى بِفِضّةِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ فَأَخَذَهُ فَاسْتَلّهُ ثُمّ جَعَلَ يَهُزّهُ وَيَهُمّ فَيَكْبِتُهُ اللهُ ثُمّ قَالَ يَا مُحَمّدُ أَمَا تَخَافُنِي؟ قَالَ " لَا، وَلَا أَخَافُ مِنْك؟ " قَالَ أَمَا تَخَافُنِي وَفِي يَدِي السّيْفُ قَالَ " لَا، يَمْنَعُنِي اللهُ مِنْك ". ثُمّ عَمَدَ إلَى سَيْفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَدّهُ عَلَيْهِ ". قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الْمَائِدَة:١١]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ:
أَنّهَا إنّمَا أُنْزِلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، أَخِي بَنِي النّضِيرِ وَمَا هَمّ بِهِ فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ.
جَابر وقصته هُوَ وجمله مَعَ الرَّسُول
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
_________________
(١) رَفْعُ الْمَنْصُوبِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ حِينَ أَبْطَأَ بِهِ جَمَلُهُ فَنَخَسَهُ النّبِيّ - ﷺ – نَخَسَاتٍ،
[ ٦ / ١٧٨ ]
"خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ جَعَلَتْ الرّفَاقُ تَمْضِي، وَجَعَلْت أَتَخَلّفُ حَتّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ " مَا لَك يَا جَابِرُ؟ " قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْطَأَنِي جَمَلِي هَذَا ; قَالَ " أَنِخْهُ " ; قَالَ فَأَنَخْته، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ قَالَ " أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا مِنْ يَدِك، أَوْ اقْطَعْ لِي عَصَا مِنْ شَجَرَةٍ " ; قَالَ فَفَعَلْت. قَالَ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَاتٍ ثُمّ قَالَ " ارْكَبْ "، فَرَكِبْت، فَخَرَجَ وَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً.
_________________
(١) فَخرج يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً. الْمُوَاهَقَةُ كَالْمُسَابَقَةِ وَالْمُجَارَاةِ وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ تُوَاهِقُ رِجْلَاهَا يَدَاهَا وَرَأْسُهُ لَهَا قَتَبٌ خَلْفَ الْحَقِيبَةِ رَادِفُ رَفَعَ يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا رَفْعَ الْفَاعِلِ لِأَنّ الْمُوَاهَقَةَ لَا تَكُونُ إلّا مِنْ اثْنَيْنِ فَكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى كَمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِ الرّاجِزِ قَدْ سَالَمَ الْحَيّاتُ مِنْهُ الْقَدَمَا الْأُفْعُوَانَ وَالشّجَاعَ الشّجْعَمَا [وَذَاتَ قَرْنَيْنِ ضَمُورًا ضِرْزِمَا] هَكَذَا تَأَوّلَهُ سِيبَوَيْهِ، وَلَعَلّ هَذَا الشّاعِرَ كَانَ مِنْ لُغَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ التّثْنِيَةَ بِالْأَلِفِ فِي الرّفْعِ وَالنّصْبِ وَالْخَفْضِ كَمَا قَالَ: تَزَوّدْ مِنّا بَيْنَ أُذُنَاهُ طَعْنَةً دَعَتْهُ إلَى هَابِي التّرَابِ عَقِيمِ وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[ ٦ / ١٧٩ ]
قَالَ وَتَحَدّثْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي: " أَتَبِيعُنِي جَمَلَك هَذَا يَا جَابِرُ؟ " قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ بَلْ أَهَبُهُ لَك ; قَالَ "لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ"، قَالَ قُلْت: فَسُمْنِيهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ " قَدْ أَخَذْته بِدِرْهَمِ "؟ قَالَ قُلْت: لَا، إذَنْ تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ " فَبِدِرْهَمَيْنِ "، قَالَ قُلْت: لَا. قَالَ فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَمَنِهِ حَتّى
_________________
(١) قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا وَهِيَ لُغَةُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ النّحّاسُ فِي الْكِتَابِ الْمُقْنِعِ هِيَ أَيْضًا لُغَةٌ لِخَثْعَمَ وَطَيّئٍ وَأَبْطُنٍ مِنْ كِنَانَةَ، وَالْبَيْتُ أَعْنِي: تُوَاهِقُ رِجْلَاهَا يَدَاهَا، هُوَ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ الْأَسَدِيّ وَلَيْسَ مِمّنْ هَذِهِ لُغَتُهُ فَالْبَيْتُ إِذا عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ. مُسَاوَمَةُ جَابِرٍ فِي جَمَلِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ وَذَكَرَ مُسَاوَمَةَ النّبِيّ ﷺ لِجَابِرِ فِي الْجَمَلِ حَتّى اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأُوقِيّةِ وَأَنّهُ أَعْطَاهُ أَوّلًا دِرْهَمًا، فَقَالَ لَا إذَا تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ الدّرْهَمَ مَازِحًا، فَقَدْ كَانَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إلّا حَقّا، فَإِذَا كَانَ حَقّا، فَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ إبَاحَةُ الْمُكَايَسَةِ الشّدِيدَةِ فِي الْبَيْعِ وَأَنْ يُعْطِيَ فِي السّلْعَةِ مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهَا بِنَصّ الْحَدِيثِ وَفِي دَلِيلِهِ أَنّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَمَنًا، وَهُوَ عَاقِلٌ بَصِيرٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ تَدْلِيسٌ عَلَيْهِ فَهُوَ بَيْعٌ مَاضٍ لَا رُجُوعَ فِيهِ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ كُلّمَا زَادَ لَهُ دِرْهَمًا قَدْ أَخَذْته بِكَذَا وَاَللهُ يَغْفِرُ لَك، فَكَأَنّهُ ﵇ أَرَادَ بِإِعْطَائِهِ إيّاهُ دِرْهَمًا دِرْهَمًا أَنْ يُكْثِرَ اسْتِغْفَارَهُ لَهُ وَفِي جَمَلِ جَابِرٍ هَذَا
[ ٦ / ١٨٠ ]
بَلَغَ الْأُوقِيّةَ. قَالَ فَقُلْت: أَفَقَدْ رَضِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ " نَعَمْ "؟ قُلْت: فَهُوَ لَك، قَالَ " قَدْ أَخَذْته ". قَالَ ثُمّ قَالَ " يَا جَابِرُ هَلْ تَزَوّجْت بَعْدُ؟ " قَالَ قُلْت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ " أَثَيّبًا أَمْ بِكْرًا؟ " قَالَ قُلْت: لَا، بَلْ ثَيّبًا ; قَالَ " أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك " قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعًا، فَنَكَحَتْ امْرَأَةً جَامِعَةً تَجْمَعُ رُءُوسَهُنّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنّ؟ قَالَ " أَصَبْت إنْ شَاءَ اللهُ أَمَا
_________________
(١) أُمُورٌ مِنْ الْفِقْهِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ أَنّ طَائِفَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ احْتَجّوا بِهِ فِي جَوَازِ بَيْعٍ وَشَرْطٍ لِأَنّ النّبِيّ - ﷺ - شَرَطَ لَهُ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ بَيْعٌ وَشَرْطٌ وَإِنْ وَقَعَ فَالشّرْطُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَاحْتَجّوا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدّ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنّ النّبِيّ - ﷺ - نَهَى عَنْ شَرْطٍ وَبَيْعٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ. شُعَيْبٌ لَا يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ وَإِنّمَا عَنْ جَدّهِ: وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُسْتَغْرَبَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ جِدّا، لِأَنّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ أَنّ شُعَيْبًا إنّمَا يَرْوِي عَنْ جَدّهِ عَبْدِ اللهِ لَا عَنْ أَبِيهِ مُحَمّدٍ لِأَنّ أَبَاهُ مُحَمّدًا مَاتَ قَبْلَ جَدّهِ عَبْدِ اللهِ فَقِفْ عَلَى هَذِهِ التّنْبِيهَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَلّ مَنْ تَنَبّهَ إلَيْهَا، وَقَالُوا: حُجّةٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ قَالَ أَفْقِرْنِي ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ أَنّهُ قَالَ اسْتَثْنَيْت ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ أَنّهُ قَالَ شَرَطَ لِي ظَهْرَهُ وَقَالَ الْبُخَارِيّ: الِاشْتِرَاطُ أَكْثَرُ وَأَصَحّ، وَكَذَلِكَ اضْطَرَبُوا فِي الثّمَنِ
[ ٦ / ١٨١ ]
إنّا لَوْ قَدْ جِئْنَا صُرّارًا أَمَرْنَا بِجَزُورِ فَنُحِرَتْ وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَاكَ وَسَمِعَتْ بِنَا، فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا " قَالَ قُلْت: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا مِنْ نَمَارِقَ قَالَ " إنّهَا سَتَكُونُ فَإِذَا أَنْتَ قَدِمْت فَاعْمَلْ عَمَلًا كَيْسًا " قَالَ فَلَمّا جِئْنَا صُرّارًا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَزُورِ فَنُحِرَتْ وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمّا أَمْسَى رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخَلَ وَدَخَلْنَا، قَالَ " فَحَدّثَتْ الْمَرْأَةُ الْحَدِيثَ "، وَمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ فَدُونَك، فَسَمْعٌ
_________________
(١) فَقَالُوا: بِعْته مِنْهُ بِأُوقِيّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِأَرْبَعِ أَوَاقِيّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِخَمْسِ أَوَاقِيّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فِي مَعْنَى الْأُوقِيّةِ وَكُلّ هَذِهِ الرّوَايَاتِ قَدْ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ، وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ دِينَارَيْنِ وَدِرْهَمَيْنِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِإِبْطَالِ الشّرْطِ وَجَوَازِ الْبَيْعِ وَاحْتَجّوا بِحَدِيث بَرِيرَةَ حِينَ بَاعَهَا أَهْلُهَا مِنْ عَائِشَةَ وَاشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ فَأَجَازَ النّبِيّ ﷺ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشّرْطَ وَاسْتَعْمَلَ مَالِكٌ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَجْمَعَ فَقَالَ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ وَالشّرْطِ عَلَى صُورَةٍ وَبِجِوَازِهِمَا عَلَى صُورَةٍ أُخْرَى، وَبِإِبْطَالِ الشّرْطِ وَجَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى صُورَةٍ أَيْضًا، وَذَلِكَ بَيّنٌ فِي الْمَسَائِلِ لِمَنْ تَدَبّرَهَا، وَأَبْيَنُ مَا تُوجَدُ مُحْكَمَةَ الْأُصُولِ مُسْتَثْمَرَةَ الْجَنَا وَالْفُصُولِ فِي كِتَابِ الْمُقَدّمَاتِ لِابْنِ رُشْدٍ فَلْيَنْظُرْهَا هُنَالِكَ مَنْ أَرَادَهَا. الْحِكْمَةُ مِنْ مُسَاوَمَةِ النّبِيّ لِجَابِرِ فَصْلٌ وَمِنْ لَطِيفِ الْعِلْمِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ قَطْعًا أَنّ النّبِيّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا بَلْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ مَقْرُونَةً بِالْحِكْمَةِ وَمُؤَيّدَةً بِالْعِصْمَةِ فَاشْتِرَاؤُهُ الْجَمَلَ مِنْ جَابِرٍ ثُمّ أَعْطَاهُ الثّمَنَ وَزَادَهُ عَلَيْهِ زِيَادَةً ثُمّ رَدّ الْجَمَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ
[ ٦ / ١٨٢ ]
وَطَاعَةٌ. قَالَ فَلَمّا أَصْبَحْت أَخَذْت بِرَأْسِ الْجَمَلِ فَأَقْبَلْت بِهِ حَتّى أَنَخْته عَلَى بَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ ثُمّ جَلَسْت فِي الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ قَالَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَأَى الْجَمَلَ فَقَالَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ قَالَ فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ قَالَ فَدُعِيت لَهُ قَالَ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِك، فَهُوَ لَك، وَدَعَا
_________________
(١) يُمْكِنُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ الْعَطَاءَ دُونَ مُسَاوَمَةٍ فِي الْجَمَلِ وَلَا اشْتِرَاءٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا تَوْصِيلٍ فَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَدِيعَةٌ جِدّا، فَلْتَنْظُرْ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ وَذَلِكَ أَنّهُ سَأَلَهُ هَلْ تَزَوّجْت، ثُمّ قَالَ لَهُ هَلّا بِكْرًا، فَذَكَرَ لَهُ مَقْتَلَ أَبِيهِ وَمَا خَلّفَ مِنْ الْبَنَاتِ وَقَدْ كَانَ ﵇ قَدْ أَخْبَرَ جَابِرًا "بِأَنّ اللهَ قَدْ أَحْيَا أَبَاهُ وَرَدّ عَلَيْهِ رُوحَهُ وَقَالَ مَا تَشْتَهِي فَأَزِيدُك" فَأَكّدَ ﵇ هَذَا الْخَبَرَ بِمِثْلِ مَا يُشْبِهُهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْجَمَلَ وَهُوَ مَطِيّتُهُ كَمَا اشْتَرَى اللهُ تَعَالَى مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ الشّهَدَاءِ أَنْفُسَهُمْ بِثَمَنِ هُوَ الْجَنّةُ وَنَفْسُ الْإِنْسَانِ مَطِيّتُهُ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵁ - إنْ نَفْسِي مَطِيّتِي، ثُمّ زَادَهُمْ زِيَادَةً فَقَالَ ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يُونُسَ:٢٦] ثُمّ رَدّ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ الّتِي اشْتَرَى مِنْهُمْ فَقَالَ ﴿وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ [آلَ عِمْرَانَ:١٦٩] الْآيَةَ فَأَشَارَ ﵇ بِاشْتِرَائِهِ الْجَمَلَ مِنْ جَابِرٍ وَإِعْطَائِهِ الثّمَنَ وَزِيَادَتِهِ عَلَى الثّمَنِ ثُمّ رَدّ الْجَمَلِ الْمُشْتَرَى عَلَيْهِ أَشَارَ بِذَلِكَ كُلّهِ إلَى تَأْكِيدِ الْخَبَرِ الّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى بِأَبِيهِ فَتَشَاكَلَ الْفِعْلُ مَعَ الْخَبَرِ، كَمَا تَرَاهُ وَحَاشَ لِأَفْعَالِهِ أَنْ تَخْلُوَ مِنْ حِكْمَةٍ بَلْ هِيَ كُلّهَا نَاظِرَةٌ إلَى الْقُرْآنِ وَمُنْتَزَعَةٌ مِنْهُ ﷺ. سِيَاقُهُ الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: فَصْلٌ: وَحَدّثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرٍ وَذَكَرَ حَدِيثَ غَوْرَثَ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فَقَالَ فِيهِ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْخَطّابِيّ، فَقَالَ فِيهِ أَنّهُ لَمّا هَمّ بِقَتْلِ النّبِيّ - ﷺ - رُمِيَ بِالزّلَخَةِ فَنَدَرَ السّيْفُ مِنْ يَدِهِ وَسَقَطَ
[ ٦ / ١٨٣ ]
بِلَالًا، فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ بِجَابِرِ فَأَعْطِهِ أُوقِيّةً قَالَ فَذَهَبْت مَعَهُ فَأَعْطَانِي أُوقِيّةً
_________________
(١) إلَى الْأَرْضِ الزّلَخَةُ وَجَعٌ يَأْخُذُ فِي الصّلْبِ وَأَمّا رِوَايَتُهُ الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَأَعْجَبُ شَيْءٍ سِيَاقَتُهُ إيّاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الْأَثْبَاتُ عَنْ جَابِرٍ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ مُتّفَقٌ عَلَى وَهْنِ حَدِيثِهِ وَتَرْكِ الرّوَايَةِ عَنْهُ لِمَا اشْتَهَرَ مِنْ بِدْعَتِهِ وَسُوءِ نِحْلَتِهِ فَإِنّهُ حُجّةُ الْقَدَرِيّةِ فِيمَا يُسْنِدُونَ إلَى الْحَسَنِ - ﵁ - مِنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ وَقَدْ بَرّأَهُ اللهُ مِنْهُ وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا، وَأَمّا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ دَأْبٍ، فَقَدْ كَانَ عَظِيمًا فِي زَمَانِهِ عَالِيَ الرّتْبَةِ فِي الْوَرَعِ حَتّى اُفْتُتِنَ بِهِ وَبِمَقَالَتِهِ أُمّةٌ فَصَارُوا قَدَرِيّةً، وَقَدْ نُبِزَ بِمَذْهَبِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَلَمْ يُسْقَطْ حَدِيثُهُمْ لِأَنّهُمْ لَمْ يُجَادِلُوا عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَلَا طَعَنُوا فِي مُخَالِفِيهِمْ مِنْ أَهْلِ السّنّةِ كَمَا فَعَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ. فَمِمّنْ نُبِزَ بِالْقَدَرِ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَقَتَادَةُ وَدَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ مِنْ الْأَثْبَاتِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يُكَنّى أَبَا عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُبَيْدُ بْنُ دَأْبٍ كَانَ صَاحِبَ شُرْطَةٍ فِيمَا ذَكَرُوا وَسَمِعَ يَوْمًا نَاسًا فِي ابْنِهِ هَذَا خَيْرُ النّاسِ ابْنُ شَرّ النّاسِ فَالْتَفَتَ إلَيْهِمْ وَقَالَ وَمَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ هَذَا؟ هُوَ كَإِبْرَاهِيمَ وَأَنَا كَآزَرَ وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، يَقُولُ بَعْدَ مَوْتِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ يُسْتَحْيَا مِنْهُ بَعْدَ عَمْرٍو، وَكَانَ يَقُولُ: كُلّكُمْ خَاتِلُ صَيْدٍ كُلّكُمْ يَمْشِي رُوَيْدٍ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَقَدْ نُبِزَ ابْنُ إسْحَاقَ بِالْقَدَرِ أَيْضًا، وَرِوَايَتُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ تُؤَيّدُ قَوْلَ مَنْ عَزَاهُ إلَيْهِ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ١٨٤ ]
وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا. قَالَ فَوَاَللهِ مَا زَالَ يَنْمِي عِنْدِي، وَيُرَى مَكَانُهُ مِنْ بَيْتِنَا، حَتّى أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لَنَا، يَعْنِي يَوْمَ الْحَرّةِ.
_________________
(١) وَقْعَةُ الْحَرّةِ وَمَوْقِفُ الصّحَابَةِ مِنْهَا فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ جَابِرٍ فَوَاَللهِ مَا زَالَ يَنْمِي عِنْدَنَا، وَيُرَى مَكَانُهُ مِنْ بَيْتِنَا حَتّى أُصِيبَ فِيمَا أُصِيبَ مِنّا يَوْمَ الْحَرّةِ يَعْنِي: وَقْعَةَ الْحَرّةِ الّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ أَيّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَدِي مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرّيّ الّذِي يُسَمّيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مُسْرِفَ بْنَ عُقْبَةَ وَكَانَ سَبَبُهَا أَنّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَأَخْرَجُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَبَنِيّ أُمَيّة وَأَمّرُوا عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ الّذِي غَسّلَتْ أَبَاهُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا الْخَلْعِ أَحَدٌ مِنْ أَكَابِرِ الصّحَابَةِ الّذِينَ كَانُوا فِيهِمْ. رَوَى الْبُخَارِيّ أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَمّا أُرْجِفَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِيَزِيدَ دَعَا بَنِيهِ وَمَوَالِيَهُ وَقَالَ لَهُمْ إنّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللهِ وَبَيْعَةِ رَسُولِهِ وَإِنّهُ وَاَللهِ لَا يَبْلُغَنّي عَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَنّهُ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ إلّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ثُمّ لَزِمَ بَيْتَهُ وَلَزِمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ بَيْتَهُ فَدُخِلَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ الّتِي اُنْتُهِبَتْ الْمَدِينَةُ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ مَنْ أَنْتَ أَيّهَا الشّيْخُ؟ فَقَالَ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ صَاحِبُ النّبِيّ - ﷺ - فَقَالُوا لَهُ قَدْ سَمِعْنَا خَبَرَك، وَلَنِعْمَ مَا فَعَلْت حِينَ كَفَفْت يَدَك، وَلَزِمْت بَيْتَك، وَلَكِنْ هَاتِ الْمَالَ فَقَالَ قَدْ أَخَذَهُ الّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَكُمْ عَلَيّ وَمَا عِنْدِي شَيْءٌ فَقَالُوا: كَذَبْت وَنَتَفُوا لِحْيَتَهُ وَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا حَتّى صُوفَ الْفَرْشِ وَحَتّى أَخَذُوا زَوْجَيْنِ مِنْ حَمَامٍ كَانَ صِبْيَانُهُ يَلْعَبُونَ بِهِمَا وَأَمّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الّذِي كُنّا بِمَسَاقِ حَدِيثِهِ فَخَرَجَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَطُوفُ فِي أَزِقّةِ الْمَدِينَةِ وَالْبُيُوتُ تُنْتَهَبُ وَهُوَ أَعْمَى، وَهُوَ يَعْثِرُ فِي الْقَتْلَى، وَيَقُولُ تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللهِ ﷺ
[ ٦ / ١٨٥ ]
ابْنُ يَاسِرٍ وَابْنُ بِشْرٍ وَقِيَامُهُمَا عَلَى حِرَاسَةِ جَيْشِ الرّسُولِ وَمَا أُصِيبَا بِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمّي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيّ قَالَ:
"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا، أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمّا أُخْبِرَ الْخَبَرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتّى يُهَرِيق فِي أَصْحَابِ مُحَمّدٍ ﷺ دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْزِلًا، فَقَالَ مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا "هَذِهِ)؟ " قَالَ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ " فَكُونَا بِفَمِ الشّعْبِ. قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إلَى شِعْبٍ مِنْ الْوَادِي، وَهُمَا عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
_________________
(١) فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ وَمَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ "مَنْ أَخَافَ الْمَدِينَةَ، فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيّ" فَحَمَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَأَجَارَهُ مِنْهُمْ مَرْوَانُ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ وَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ وَقُتِلَ مِنْ أَخْلَاطِ النّاسِ عَشَرَةُ آلَافٍ سِوَى النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ دَخَلَ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّامِ، وَهِيَ تُرْضِعُ صَبِيّهَا، وَقَدْ أَخَذَ مَا كَانَ عِنْدَهَا، فَقَالَ لَهَا: هَاتِ الذّهَبَ وَإِلّا قَتَلْتُك، وَقَتَلْت صَبِيّك، فَقَالَتْ وَيْحَك إنْ قَتَلْته فَأَبُوهُ أَبُو كَبْشَةَ صَاحِبُ النّبِيّ - ﷺ - وَأَنَا مِنْ النّسْوَةِ اللّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَمَا خُنْت اللهَ فِي شَيْءٍ بَايَعْت رَسُولَهُ عَلَيْهِ فَانْتَفَضَ الصّبِيّ مِنْ حِجْرِهَا، وَثَدْيُهَا فِي فِيهِ وَضَرَبَ بِهِ الْحَائِطَ حَتّى انْتَثَرَ دِمَاغُهُ فِي الْأَرْضِ وَالْمَرْأَةُ تَقُولُ يَا بُنَيّ لَوْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ نَفْدِيك بِهِ لَفَدَيْتُك، فَمَا خَرَجَ مِنْ الْبَيْتِ حَتّى اسْوَدّ نِصْفُ وَجْهِهِ وَصَارَ مُثْلَةً فِي النّاسِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ وَأَحْسَبُ أَنّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ جَدّةُ الصّبِيّ لَا أُمّا لَهُ إذْ يَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَنْ تُبَايِعَ النّبِيّ ﵇ وَتَكُونَ يَوْمَ الْحَرّةِ فِي سِنّ مَنْ تُرْضِعُ.
[ ٦ / ١٨٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا خَرَجَ الرّجُلَانِ إلَى فَمِ الشّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيّ لِلْمُهَاجِرِيّ أَيّ اللّيْلِ تُحِبّ أَنْ أَكْفِيَكَهُ: أَوّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟ قَالَ بَلْ اكْفِنِي أَوّلَهُ قَالَ فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيّ فَنَامَ وَقَامَ الْأَنْصَارِيّ يُصَلّي، قَالَ وَأَتَى الرّجُلُ فَلَمّا رَأَى شَخْصَ الرّجُلِ عَرَفَ أَنّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ. قَالَ فَرَمَى بِسَهْمِ فَوَضَعَهُ فِيهِ قَالَ فَنَزَعَهُ وَوَضَعَهُ فَثَبَتَ قَائِمًا، قَالَ ثُمّ رَمَاهُ بِسَهْمِ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ. قَالَ فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمّ عَادَ لَهُ بِالثّالِثِ فَوَضَعَهُ فِيهِ قَالَ فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ثُمّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمّ أَهَبّ صَاحِبَهُ فَقَالَ اجْلِسْ فَقَدْ أُثْبِتّ قَالَ فَوَثَبَ فَلَمّا رَآهُمَا الرّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرَا بِهِ فَهَرَبَ قَالَ وَلَمّا رَأَى الْمُهَاجِرِيّ مَا بِالْأَنْصَارِيّ مِنْ الدّمَاءِ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوّلَ مَا رَمَاك؟ قَالَ كُنْت فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتّى أُنْفِذَهَا،
_________________
(١) وَالْحَرّةُ الّتِي يُعْرَفُ بِهَا هَذَا الْيَوْمُ يُقَالُ لَهَا: حَرّةُ زُهْرَةَ وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - وَقَفَ بِهَا، وَقَالَ "لَيُقْتَلَنّ بِهَذَا الْمَكَانِ رِجَالٌ هُمْ خِيَارُ أُمّتِي بَعْدَ أَصْحَابِي"، وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، أَنّهُ قَالَ لَقَدْ وَجَدْت صِفَتَهَا فِي كِتَابِ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ الّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ تَبْدِيلٌ وَأَنّهُ يُقْتَلُ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ يَجِيئُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسِلَاحُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعُرِفَتْ حَرّةُ زُهْرَةَ بِقَرْيَةِ كَانَتْ لِبَنِي زُهْرَةَ قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ، وَكَانَتْ كَبِيرَةً فِي الزّمَانِ الْأَوّلِ وَيُقَالُ كَانَ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ صَائِغٍ ذَكَرَ هَذَا الزّبَيْرُ فِي فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ لَهُ وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتّينَ وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَدْ أَعْذَرَ إلَيْهِمْ فِيمَا ذَكَرُوا، وَبَذَلَ لَهُمْ مِنْ الْعَطَاءِ أَضْعَافَ مَا يُعْطِي النّاسَ وَاجْتَهَدَ فِي اسْتِمَالَتِهِمْ إلَى الطّاعَةِ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ الْخِلَافِ وَلَكِنْ أَبَى اللهُ إلّا مَا أَرَادَ وَاَللهُ يَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْبَقَرَة:١٣٤-١٤١]
[ ٦ / ١٨٧ ]
فَلَمّا تَابَعَ عَلَيّ الرّمْيَ رَكَعْت فَأَذِنْتُك، وَأَيْمُ اللهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أُنْفِذَهَا.
رُجُوعُ الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ غَزْوَةِ الرّقَاعِ أَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ جُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَة ورجبا.
_________________
(١) مَعْنَى الرّبِيئَةِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْأَنْصَارِيّ وَالْمُهَاجِرِيّ وَهُمَا عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ وَعَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأَنّ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوّ رَمَى الْأَنْصَارِيّ بِسَهْمِ وَهُوَ يُصَلّي لَمّا عَلِمَ أَنّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ. الرّبِيئَةُ هُوَ الطّلِيعَةُ يُقَالُ رَبَأَ عَلَى الْقَوْمِ يَرْبَأُ فَهُوَ رَبّاءٌ وَرَبِيئَةٌ قَالَ الشّاعِرُ [الْهُذَلِيّ]: رَبّاءُ شَمّاءُ لَا يَأْوِي لِقُلّتِهَا إلّا السّحَابُ وَإِلّا الْأَوْبُ وَالسّبَلُ فَرَبّاءُ فَعّالُ مِنْ رَبَا إذَا نَظَرَ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ وَشَمّاءُ يُرِيدُ هَضْبَةً شَمّاءَ وَإِنّمَا قَالُوا: رَبِيئَةٌ بِهَاءِ التّأْنِيثِ وَطَلِيعَةٌ لِأَنّهُمَا فِي مَعْنَى الْعَيْنِ وَالْعَيْنُ مُؤَنّثَةٌ تَقُولُ
[ ٦ / ١٨٨ ]
غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ
خُرُوجُ الرّسُولِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ خَرَجَ فِي شَعْبَانَ إلَى بَدْرٍ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ حَتّى نَزَلَهُ.
اسْتِعْمَالُهُ ابْنَ أُبَيّ عَلَى الْمَدِينَةِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ ابْنِ سلول الْأنْصَارِيّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٨٨ ]
رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ فِي رِجَالِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَ لَيَالٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكّةَ حَتّى نَزَلَ مِجَنّةَ، مِنْ نَاحِيَةِ الظّهْرَانِ، وَبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ قَدْ بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمّ بَدَا لَهُ فِي الرّجُوعِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّهُ لَا يُصْلِحُكُمْ إلّا عَامٌ خَصِيبٌ تَرْعَوْنَ فِيهِ الشّجَرَ وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللّبَنَ وَإِنّ عَامَكُمْ هَذَا عَامُ جَدْبٍ وَإِنّي رَاجِعٌ فَارْجِعُوا فَرَجَعَ النّاسُ. فَسَمّاهُمْ أَهْلُ مَكّةَ جَيْشَ السّوِيقِ، يَقُولُونَ إنّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السّوِيقَ.
الرّسُولُ وَمَخْشِيّ الضّمْرِيّ
وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَدْرٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ لِمِيعَادِهِ فَأَتَاهُ مَخْشِيّ بْنُ عَمْرٍو
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثَلَاثُ أَعْيُنٍ وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا، يَعْنِي الطّلَائِعَ لِأَنّ الطّلِيعَةَ وَالرّبِيئَةَ إنّمَا يُرَادُ مِنْهُ عَيْنُهُ النّاظِرَةُ كَمَا تَقُولُ فِي ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ أَعْتَقْت ثَلَاثَ رِقَابٍ فَتُؤَنّثُ لِأَنّ الرّقَبَةَ تَرْجَمَةٌ عَنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ كَمَا أَنّ الْعَيْنَ الّذِي هُوَ الطّلِيعَةُ كَذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي رَبِيئَةٍ وَطَلِيعَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا هِيَ فِي عَلّامَةٍ وَنَسّابَةٍ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوّلِ تَقُولُ ثَلَاثَ طَلَائِعَ وَثَلَاثَ رَبَايَا فِي جَمْعِ رَبِيئَةٍ كَمَا تَقُولُ ثَلَاثَ أَعْيُنٍ لِأَنّهُ بَابٌ وَاحِدٌ مِنْ التّأْنِيثِ وَإِذَا كَانَتْ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ قُلْت: ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً لِأَنّك تَقْصِدُ التّذْكِيرَ لِأَنّ هَاءَ الْمُبَالَغَةِ لَا تُوجِبُ تَأْنِيثَ الْمُسَمّى، وَلِأَنّهَا فِي الصّفَةِ وَالصّفَةُ بَعْدَ الْمَوْصُوفِ وَلِذَلِكَ تَقُولُ هَذَا عَلّامَةٌ وَلَا تَقُولُ هَذِهِ عَلّامَةٌ بِخِلَافِ الرّقَبَةِ وَالْعَيْنِ لِأَنّك تَقُولُ فِي الْعَبْدِ الذّكَرِ هَذِهِ رَقَبَةٌ فَأَعْتِقْهَا، وَفِي الْعَيْنِ هَذِهِ طَلِيعَةٌ وَهَذِهِ عَيْنٌ وَأَنْت تَعْنِي الرّجُلَ. هَذَا مَعْنَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. فِقْهُ الْحَدِيثِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ صَلَاةُ الْمَجْرُوحِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَقَدْ تَرْجَمَ بَعْضُ الْمُصَنّفِينَ عَلَيْهِ لِمَوْضِعِ هَذِهِ الْفِقْهِ وَفِيهِ مُتَعَلّقٌ لِمَنْ يَقُولُ إنّ غُسْلَ النّجَاسَةِ لَا يُعَدّ فِي شُرُوطِ صِحّةِ الصّلَاةِ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَيْضًا
[ ٦ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَعْظِيمُ حُرْمَةِ الصّلَاةِ، وَأَنّ لِلْمُصَلّي أَنْ يَتَمَادَى عَلَيْهَا، وَإِنْ جَرّ إلَيْهِ ذَلِكَ الْقَتْلَ، وَتَفْوِيتُ النّفْسِ، مَعَ أَنّ التّعَرّضَ لِفَوَاتِ النّفْسِ، لَا يَحِلّ إلّا فِي حَالِ الْمُحَارَبَةِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ أُضَيّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا، يَعْنِي: السّورَةَ الّتِي كَانَ يَقْرَؤُهَا
[ ٦ / ١٩٠ ]
الضّمْرِيّ، وَهُوَ الّذِي كَانَ وَادَعَهُ عَلَى بَنِي ضَمْرَةَ فِي غَزْوَةِ وَدّانَ، فَقَالَ يَا مُحَمّدُ أَجِئْت لِلِقَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا الْمَاءِ؟ قَالَ " نَعَمْ يَا أَخَا بَنِي ضَمْرَةَ، وَإِنْ شِئْت مَعَ ذَلِكَ رَدَدْنَا إلَيْك مَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك، ثُمّ جَالَدْنَاك حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَك "، قَالَ لَا وَاَللهِ يَا مُحَمّدُ مَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْك مِنْ حَاجَةٍ
مَعْبَدٌ وَشِعْرُهُ فِي نَاقَةٍ لِلرّسُولِ هَوَتْ
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، فَمَرّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ، فَقَالَ وَقَدْ رَأَى مَكَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَاقَتُهُ تَهْوِي بِهِ.
قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمّدٍ وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كَالْعَنْجَدِ
تَهْوِي عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي
وَمَاءَ ضُجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَدِ
شِعْرٌ لِابْنِ رَوَاحَةَ أَوْ كَعْبٍ فِي بَدْرٍ
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي ذَلِكَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
_________________
(١) حَوْلَ رَجَزِ مَعْبَدٍ وَشِعْرِ حَسّانَ وَأَبِي سُفْيَانَ وَذَكَرَ قَوْلَ مَعْبَدٍ وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كَالْعَنْجَدِ الْعَنْجَدُ حَبّ الزّبِيبِ وَقَدْ يُقَالُ الزّبِيبُ نَفْسُهُ أَيْضًا عَنْجَدٌ وَأَمّا الْعِنَبُ فَيُقَالُ لِعَجْمِهِ الْفِرْصِدُ. وَالْأَتْلَدُ الْأَقْدَمُ مِنْ الْمَالِ التّلِيدِ.
[ ٦ / ١٩٠ ]
وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا
فَأُقْسِمُ لَوْ وَافَيْتنَا فَلَقِيتنَا لَأُبْت ذَمِيمًا وَافْتَقَدْت الْمَوَالِيَا
تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ عُتْبَةَ وَابْنِهِ وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيَا
عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ أُفّ لِدِينِكُمْ وَأَمْرِكُمْ السّيّئِ الّذِي كَانَ غَاوِيَا
فَإِنّي وَإِنْ عَنّفْتُمُونِي لِقَائِلِ فِدَى لِرَسُولِ اللهِ أَهْلِي وَمَالِيَا
أَطَعْنَاهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينَا بِغَيْرِهِ شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللّيْلِ هَادِيَا
شِعْرُ حَسّانَ فِي بَدْرٍ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ
دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا جِلَادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ
بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبّهِمْ وَأَنْصَارِهِ حَقّا وَأَيْدِي الْمَلَائِكِ
إذَا سَلَكْت لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطّرِيقُ هُنَالِكِ
أَقَمْنَا عَلَى الرّسّ النّزُوعِ ثَمَانِيًا بِأَرْعَنَ جَرّارٍ عَرِيضِ الْمَبَارِكِ
بِكُلّ كُمَيْتٍ جَوْزُهُ نِصْفُ خَلْقِهِ وَقُبّ طِوَالٍ مُشْرِفَاتِ الْحَوَارِكِ
تَرَى الْعَزْفَجَ الْعَامّيّ تَذْرِي أُصُولُهُ مَنَاسِمَ أَخْفَافِ الْمَطِيّ الرّوَاتِكِ
_________________
(١) وَأَمّا قَوْلُ حَسّانَ دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ جَمْعُ فَلَجٍ وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي، سُمّيَ فَلَجًا، لِأَنّهُ قَدْ خَدّ فِي الْأَرْضِ وَفَرّقَ بَيْنَ جَانِبَيْهِ مَأْخُوذٌ مِنْ فَلَجِ الْأَسْنَانِ أَوْ مِنْ الْفَلْجِ وَهُوَ الْقَسْمُ وَالْفَالِجُ مِكْيَالٌ يُقْسَمُ بِهِ وَالْفَلْجُ وَالْفَالِجُ بَعِيرٌ ذُو سَنَامَيْنِ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْحَاءِ وَقَالَ الْفَلْجَةُ الْمَزْرَعَةُ.
[ ٦ / ١٩١ ]
فَإِنْ تَلْقَ فِي تَطْوَافِنَا وَالْتِمَاسِنَا فُرَاتَ بْنَ حَيّانٍ يَكُنْ رَهْنَ هَالِكِ
وَإِنْ تَلْقَ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ بَعْدَهُ يُزَدْ فِي سَوَادٍ لَوْنُهُ لَوْنُ حَالِكِ
فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي رِسَالَةً فَإِنّك مِنْ غُرّ الرّجَالِ الصّعَالِكِ
شِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الرّدّ عَلَى حَسّانَ
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَقَالَ:
أَحَسّانُ إنّا يَا ابْنَ آكِلَةِ الْفَغَا وَجَدّك نَغْتَالُ الْحُرُوقَ كَذَلِكِ
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا وَلَوْ وَأَلَتْ مِنّا بِشَدّ مُدَارِكِ
إذَا مَا انْبَعَثْنَا مِنْ مُنَاخٍ حَسِبْته مُدَمّنَ أَهْلِ الْمَوْسِمِ الْمُتَعَارِكِ
أَقَمْت عَلَى الرّسّ النّزُوعِ تُرِيدُنَا وَتَتْرُكُنَا فِي النّخْلِ عِنْدَ الْمَدَارِكِ
عَلَى الزّرْعِ تَمْشِي خَيْلُنَا وَرِكَابُنَا فَمَا وَطِئَتْ أَلْصَقْنَهُ بِالدّكَادِكِ
أَقَمْنَا ثَلَاثًا بَيْنَ سَلْعٍ وَفَارِعٍ بِجُرْدِ الْجِيَادِ وَالْمَطِيّ الرّوَاتِكِ
حَسِبْتُمْ جِلَادَ الْقَوْمِ عِنْدَ قِبَابِهِمْ كَمَأْخَذِكُمْ بِالْعَيْنِ أَرْطَالَ آنِكِ
_________________
(١) وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي سُفْيَانَ: أَحَسّانُ إنّا يَا ابْنَ آكِلَةِ الْفَغَا الْفَغَا: ضَرْبٌ مِنْ التّمْرِ وَيُقَالُ هِيَ غَبَرَةٌ تَعْلُو، الْبُسْرَ وَالْغَفَالِغَةُ فِي الْفَغَا. وَفِيهِ كَمَأْخَذِكُمْ بِالْعَيْنِ أَرْطَالَ آنِكِ
[ ٦ / ١٩٢ ]
فَلَا تَبْعَثْ الْخَيْلَ الْجِيَادَ وَقُلْ لَهَا عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الْمُعْصِمِ الْمُتَمَاسِكِ
سَعِدْتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ كَانَ أَهْلَهَا فَوَارِسُ مِنْ أَبْنَاءِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ
فَإِنّك لَا فِي هِجْرَةٍ إنْ ذَكَرْتهَا وَلَا حُرُمَاتِ الدّينِ أَنْتَ بِنَاسِكِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَقِيَتْ مِنْهَا أَبْيَاتٌ تَرَكْنَاهَا. لِقُبْحِ اخْتِلَافِ قَوَافِيهَا. وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ هَذَا الْبَيْتَ
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا
وَالْبَيْتُ الّذِي بَعْدَهُ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْله
دَعُوا فَلَجَاتِ الشّأْمِ قَدْ حَالَ دُونَهَا
وَأَنْشَدَنِي لَهُ فِيهَا بَيْتَهُ " فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ ".
_________________
(١) أَلْفَيْتُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي حَاشِيَةِ أَبِي بَحْرٍ مَا هَذَا نَصّهُ ذَكَرَ مُحَمّدُ بْنُ سَلَامٍ فِي الطّبَقَاتِ لَهُ هَذَا الْبَيْتَ حَسِبْتُمْ جِلَادَ الْقَوْمِ حَوْلَ بُيُوتِكُمْ كَأَخَذِكُمْ فِي الْعَيْنِ أَرْطَالَ آنِكِ وَوَصَلَ بِهِ بِأَنْ قَالَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ يَا ابْنَ أَخِي: لِمَ جَعَلْتهَا آنِكِ إنْ كَانَتْ لَفِضّةً بَيْضَاءَ جَيّدَةً. وَقَوْلُهُ: سَعِدْتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ كَانَ أَهْلَهَا وَفِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ شَقِيتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ أَهْلُ ذِكْرِهَا. وَقَوْلُهُ: خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا الْيَعَافِيرُ الظّبَاءُ الْعُفْرُ يُرِيدُ أَنّهُمْ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ لَا تَنْجُوا مِنْهُمْ الْيَعَافِيرُ.
[ ٦ / ١٩٣ ]
غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ سنة خمس
موعدها
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِهَا أَشْهُرًا حَتّى مَضَى ذُو الْحِجّةِ وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجّةَ الْمُشْرِكُونَ وَهِيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ثُمّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيّةَ سَنَتِهِ.
_________________
(١) غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ: سُمّيَتْ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ بِدُومِيّ بْنِ إسْمَاعِيلَ كَانَ نَزَلَهَا.
[ ٦ / ١٩٤ ]
غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ
تَارِيخُهَا
حَدّثَنَا أَبُو مُحَمّدِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ ثُمّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوّالٍ سنة خمس.
تحريض الْيَهُود لقريش وَمَا نزل فيهم:
فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، وَمَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَالزّهْرِيّ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ
_________________
(١) غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ وَحَفْرُ الْخَنْدَقِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنّهُ مِنْ مَكَايِدِ الْفُرْسِ وَحُرُوبِهَا، وَلِذَلِك أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ، وَأَوّلُ مَنْ خَنْدَقَ الْخَنَادِقَ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ فِيمَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ " مِنُوشِهْرُ بْنُ أبيرج بْنُ أَفْرِيدُونَ وَقَدْ قِيلَ فِي أَفْرِيدُونَ إنّهُ ابْنُ إسْحَاقَ ﵇ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ فِيهِ هُوَ ابْنُ أَثْقِيَانَ وَهُوَ أَوّلُ مَنْ اتّخَذَ آلَةَ " الرّمْيِ وَإِلَى رَأْسِ سِتّينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ بُعِثَ مُوسَى ﵇ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْكَمَائِنِ فِي الْحُرُوبِ وَأَنّ أَوّلَ مَنْ فَعَلَهَا بُخْتَنَصّرُ فِي قَوْلِ الطّبَرِيّ.
[ ٦ / ١٩٥ ]
قَتَادَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلّهُمْ قَدْ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ الْخَنْدَقِ، وَبَعْضُهُمْ يُحَدّثُ مَا لَا يُحَدّثُ بِهِ بَعْضٌ قَالُوا:
إنّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ أَنّ نَفَرًا مِنْ الْيَهُودِ، مِنْهُمْ سَلّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ النّضَرِيّ، وَحُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ النّضَرِيّ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ النّضَرِيّ وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ الْوَائِلِيّ، وَأَبُو عَمّارٍ الْوَائِلِيّ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النّضِيرِ، وَنَفَرٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَهُمْ الّذِينَ حَزّبُوا الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَرَجُوا حَتّى قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَكّةَ، فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا: إنّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتّى نَسْتَأْصِلَهُ - فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ إنّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمّدٌ أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقّ "مِنْهُ" فَهُمْ الّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النِّسَاء:٥١-٥٢] إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النِّسَاء:٥٤] أَيْ النّبُوّةِ ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاء:٥٤-٥٥]
تحريض الْيَهُود لغطفان
قَالَ فَلَمّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشِ سَرّهُمْ وَنَشَطُوا لِمَا دَعَوْهُمْ إلَيْهِ مِنْ حَرْبِ
_________________
(١) وَذَكَرَ تَحْزِيبَ بَنِي قُرَيْظَةَ الْأَحْزَابَ، وَنَسَبَ طَائِفَةً مِنْ بَنِي النّضِيرِ، فَقَالَ فِيهِمْ النّضَرِيّ، وَهَكَذَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ الْعَتِيقَةِ وَقِيَاسُهُ النّضِيرِيّ إلّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ ثَقَفِيّ وَقُرَشِيّ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ وَإِنّمَا يُقَالُ فَعَلِيّ فِي النّسَبِ إلَى فَعِيلَةٍ.
[ ٦ / ١٩٦ ]
رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتّعَدُوا لَهُ. ثُمّ خَرَجَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ يَهُودَ حَتّى جَاءُوا غَطَفَانَ، مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخْبَرُوهُمْ أَنّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ وَأَنّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ فِيهِ.
خُرُوجُ الْأَحْزَابِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ، وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ; وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ، وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، فِي بَنِي فَزَازَةَ ; وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرّيّ، فِي بَنِي مُرّةَ ; وَمِسْعَرُ بْنُ رُخَيْلَةَ بْنِ نُوَيْرَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ سُحْمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خُلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، فِيمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَشْجَعَ.
حَفْرُ الْخَنْدَقِ وَتَخَاذُلُ الْمُنَافِقِينَ وَجِدّ الْمُؤْمِنِينَ
فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ الْأَمْرِ ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَجْرِ وَعَمِلَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ فَدَأَبَ فِيهِ وَدَأَبُوا. وَأَبْطَأَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَجَعَلُوا يُوَرّونَ بِالضّعِيفِ مِنْ الْعَمَلِ وَيَتَسَلّلُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا إذْنٍ وَجَعَلَ الرّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَابَتْهُ النّائِبَةُ مِنْ الْحَاجَةِ الّتِي لَا بُدّ لَهُ مِنْهَا، يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي اللّحُوقِ بِحَاجَتِهِ فَيَأْذَنُ لَهُ فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَمَلِهِ رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ وَاحْتِسَابًا لَهُ.
مَا نَزَلَ فِي الْعَامِلِينَ فِي الخَنْدَق مُؤمنين ومنافقين:
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أُولَئِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴿إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ
_________________
(١) عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَذَكَرَ قَائِدَ غَطَفَانَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَهُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ وَسُمّيَ عُيَيْنَةُ لِشَتَرِ كَانَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ ﵇ "الْأَحْمَقُ الْمُطَاع" لِأَنّهُ كَانَ مِنْ الْجَرّارِينَ تَتْبَعُهُ عَشَرَةُ آلَافِ قَنَاةٍ، وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ "إنّ شَرّ
[ ٦ / ١٩٧ ]
وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنّ الّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النُّور:٦٢] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِسْبَةِ وَالرّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ وَالطّاعَةِ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الّذِينَ كَانُوا يَتَسَلّلُونَ مِنْ الْعَمَلِ وَيَذْهَبُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ النّبِيّ ﷺ ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور:٦٣]
تَفْسِيرُ بَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللّوَاذُ الِاسْتِتَارُ بِالشّيْءِ عِنْدَ الْهَرَبِ
قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَقُرَيْشٌ تَفِرّ مِنّا لِوَاذًا أَنْ يُقِيمُوا وَخَفّ مِنْهَا الْحُلُومُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ قَدْ ذَكَرْتهَا فِي أَشْعَارِ يَوْمِ أُحُدٍ.
﴿أَلَا إِنّ لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النُّور:٦٤]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مَنْ صَدَقَ أَوْ كَذَبَ.
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النُّور:٦٤]
_________________
(١) النّاسِ مَنْ وَدَعَهُ النّاسُ اتّقَاءَ شَرّهِ" وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنّهُ قَالَ "إنّي أُدَارِيهِ لِأَنّي أَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلَيّ خَلْقًا كَثِيرًا" وَفِي هَذَا بَيَانُ مَعْنَى الشّرّ الّذِي اتّقَى مِنْهُ وَكَانَ دَخَلَ عَلَى النّبِيّ ﷺ بِغَيْرِ إذْنٍ فَلَمّا قَالَ لَهُ " أَيْنَ الْإِذْنُ "؟ قَالَ مَا اسْتَأْذَنْت عَلَى مُضَرِيّ قَبْلَك، وَقَالَ مَا هَذِهِ الْحُمَيْرَاءُ مَعَك يَا مُحَمّدُ؟ فَقَالَ هِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي
[ ٦ / ١٩٨ ]
ارتجاز الْمُسلمين فِي الْحفر الخَنْدَق:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ حَتّى أَحْكَمُوهُ وَارْتَجَزُوا فِيهِ بِرَجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ جُعَيْلٌ سَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرًا، فَقَالُوا:
سَمّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرًا وَكَانَ لِلْبَائِسِ يَوْمًا ظَهْرًا
فَإِذَا مَرّوا " بِعَمْرِو " قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " عَمْرًا "، وَإِذَا مَرّوا " بِظَهْرِ " قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " ظَهْرًا ".
الْآيَاتُ الّتِي ظَهَرَتْ فِي حَفْرٍ الْخَنْدَقِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ أَحَادِيثُ بَلَغَتْنِي، فِيهَا مِنْ اللهِ تَعَالَى عِبْرَةٌ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَحْقِيقِ نُبُوّتِهِ عَايَنَ ذَلِك الْمُسلمُونَ.
معْجزَة الكدية:
فَكَانَ مِمّا بَلَغَنِي أَنّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ كَانَ يُحَدّثُ أَنّهُ اشْتَدّتْ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ فَشَكَوْهَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ – فَدَعَا
_________________
(١) بَكْرٍ "، فَقَالَ طَلّقْهَا، وَأَنْزِلُ لَك عَنْ أُمّ الْبَنِينَ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ تُذْكَرُ مِنْ جَفَائِهِ أَسْلَمَ، ثُمّ ارْتَدّ وَآمَنَ بِطُلَيْحَةَ حِينَ تَنَبّأَ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَسِيرًا، فَمَنّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَزَلْ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ عَلَى جَفْوَتِهِ وَعَنْجَهِيّتِهِ وَلُوثَةِ أَعْرَابِيّتِهِ حَتّى مَاتَ. قَالَ الشّاعِرُ: وَإِنّي عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَنْجَهِيّتِي وَلُوثَةِ أَعْرَابِيّتِي لَأَدِيبُ
[ ٦ / ١٩٩ ]
بِإِنَاءِ مِنْ مَاءٍ فَتَفَلَ فِيهِ ثُمّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ ثُمّ نَضَحَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ فَيَقُولُ مَنْ حَضَرَهَا: فَوَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ نَبِيّا، لَانْهَالَتْ حَتّى عَادَتْ كَثِيبًا، لَا تَرُدّ فَأْسًا وَلَا مسحاة
الْبركَة فِي تمر ابْنة بشير
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا أَنّهُ حُدّثَ
أَنّ ابْنَةً لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ أُخْتَ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَتْ دَعَتْنِي أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ، فَأَعْطَتْنِي حَفْنَةً مِنْ تَمْرٍ فِي ثَوْبِي، ثُمّ قَالَ أَيْ بُنَيّةُ اذْهَبِي إلَى أَبِيك وَخَالِك عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِغَدَائِهِمَا، قَالَتْ فَأَخَذْتهَا، فَانْطَلَقْت بِهَا، فَمَرَرْت بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَلْتَمِسُ أَبِي وَخَالِي، فَقَالَ تَعَالَيْ "يَا بُنَيّةُ مَا هَذَا مَعَك"؟ قَالَتْ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا تَمْرٌ بَعَثَتْنِي بِهِ أُمّي إلَى أَبِي بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ وَخَالِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ يَتَغَدّيَانِهِ قَالَ "هَاتِيهِ" قَالَتْ فَصَبَبْته فِي كَفّيّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَا مَلَأْتهمَا، ثُمّ أَمَرَ بِثَوْبِ فَبُسِطَ لَهُ ثُمّ دَحَا بِالتّمْرِ عَلَيْهِ فَتَبَدّدَ فَوْقَ الثّوْبِ ثُمّ قَالَ لِإِنْسَانِ عِنْدَهُ "اُصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ: أَنْ هَلُمّ إلَى الْغَدَاءِ" فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مَعَهُ وَجَعَلَ يَزِيدُ حَتّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهُ وَإِنّهُ لَيَسْقُطُ مِنْ أَطْرَاف الثَّوْب.
الْبركَة فِي طَعَام جَابر:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ "عَمِلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ، فَكَانَتْ عِنْدِي شُوَيْهَةٌ غَيْرُ جِدّ سَمِينَةٍ. قَالَ فَقُلْت: وَاَللهِ لَوْ صَنَعْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ فَأَمَرْت امْرَأَتِي، فَطَحَنَتْ لَنَا شَيْئًا مِنْ شَعِيرٍ فَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا، وَذَبَحَتْ تِلْكَ الشّاةَ فَشَوَيْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ فَلَمّا أَمْسَيْنَا وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الِانْصِرَافَ عَنْ الْخَنْدَقِ - قَالَ وَكُنّا نَعْمَلُ فِيهِ نَهَارَنَا، فَإِذَا أَمْسَيْنَا رَجَعْنَا إلَى أَهَالِينَا - قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قد صنعت لَك شُوَيْهَةً
_________________
(١) وَذَكَرَ حَفْرَهُ الْخَنْدَقَ، وَأَنّهُ عَرَضَتْ لَهُ صَخْرَةٌ وَوَقَعَ فِي غَيْرِ السّيرَةِ عَبْلَةٌ
[ ٦ / ٢٠٠ ]
كَانَتْ عِنْدَنَا، وَصَنَعْنَا مَعَهَا شَيْئًا مِنْ خُبْزِ هَذَا الشّعِيرِ فَأُحِبّ أَنْ تَنْصَرِفَ مَعِي إلَى مَنْزِلِي، وَإِنّمَا أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحْدَهُ. قَالَ فَلَمّا أَنْ قُلْت لَهُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ ثُمّ أَمَرَ صَارِخًا فَصَرَخَ أَنْ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ قُلْت: إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ قَالَ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَقْبَلَ النّاسُ مَعَهُ قَالَ فَجَلَسَ وَأَخْرَجْنَاهَا إلَيْهِ. قَالَ فَبَرّكَ وَسَمّى "اللهَ، ثُمّ أَكَلَ وَتَوَارَدَهَا النّاسُ كُلّمَا فَرَغَ قَوْمٌ قَامُوا وَجَاءَ نَاسٌ حَتّى صَدَرَ أَهْلُ الخَنْدَق عَنْهَا"
مَا أرى الله رَسُوله من الْفَتْح
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ، أَنّهُ قَالَ:
"ضَرَبْت فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْخَنْدَقِ، فَغَلُظَتْ عَلَيّ صَخْرَةٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنّي ; فَلَمّا رَآنِي أَضْرِبُ وَرَأَى شِدّةَ الْمَكَانِ عَلَيّ نَزَلَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ مِنْ يَدِي، فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً لَمَعَتْ تَحْتَ الْمِعْوَلِ بَرْقَةٌ قَالَ ثُمّ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بَرْقَةٌ أُخْرَى؟ قَالَ ثُمّ ضَرَبَ بِهِ الثّالِثَةَ فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بَرْقَةٌ أُخْرَى. قَالَ قُلْت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا الّذِي رَأَيْت لَمَعَ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ؟ قَالَ أَوَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ قُلْت: نَعَمْ قَالَ أَمّا الْأَوّلُ فَإِنّ اللهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الْيَمَنَ;
_________________
(١) وَهِيَ الصّخْرَةُ الصّمّاءُ وَجَمْعُهَا عَبَلَاتٌ وَيُقَالُ لَهَا: الْعَبْلَاءُ وَالْأَعْبَلُ أَيْضًا، وَهِيَ صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ. الْبَرَقَاتُ الّتِي لَمَعَتْ وَذَكَرَ أَنّهُ لَمَعَتْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الصّخْرَةِ بَرْقَةٌ بَعْدَ بَرْقَةٍ وَخَرّجَهُ النّسَوِيّ مِنْ طَرِيقِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ بِأَتَمّ مِمّا وَقَعَ فِي السّيرَةِ قَالَ "لَمّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ - أَنْ نَحْفِرَ الْخَنْدَقَ عَرَضَ لَنَا حَجَرٌ لَا يَأْخُذُ فِيهِ الْمِعْوَلُ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَقَالَ " بِسْمِ اللهِ "، فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الصّخْرَةِ وَقَالَ اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الشّامِ، وَاَللهِ إنّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، قَالَ ثُمّ ضَرَبَ أُخْرَى، وَقَالَ "بِسْمِ اللهِ"،
[ ٦ / ٢٠١ ]
وَأَمّا الثّانِيَةُ فَإِنّ اللهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الشّامَ وَالْمَغْرِبَ وَأَمّا الثّالِثَةُ فَإِنّ اللهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الْمَشْرِقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ حِينَ فُتِحَتْ هَذِهِ الْأَمْصَارُ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَزَمَانِ عُثْمَانَ وَمَا بَعْدَهُ افْتَتِحُوا مَا بَدَا لَكُمْ فَوَاَلّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ مَا افْتَتَحْتُمْ مِنْ مَدِينَةٍ وَلَا تَفْتَتِحُونَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلّا وَقَدْ أَعْطَى اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمّدًا ﷺ مَفَاتِيحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتّى نَزَلَتْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، بَيْنَ الْجُرُفِ وَزَغَابَةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي
_________________
(١) وَكَسَرَ ثُلُثًا آخَرَ قَالَ " اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاَللهِ إنّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ الْآنَ "، ثُمّ ضَرَبَ ثَالِثَةً وَقَالَ " بِسْمِ اللهِ "، فَقَطَعَ الْحَجَرَ، وَقَالَ " اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاَللهِ إنّي لَأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ [مِنْ مَكَانِي هَذَا السّاعَةَ] وَقَوْلُهُ " فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً ". الْمِسْحَاةُ مِفْعَلَةٌ مِنْ سَحَوْت الطّينَ إذَا قَشَرْته، وَيُقَالُ لِحَدّ الْفَأْسِ وَالْمِسْحَاةِ الْغُرَابُ وَلِنَصْلَيْهِمَا: الْفِعَالُ بِكَسْرِ الْفَاءِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ التّيْمِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النّهْدِيّ أَنّهُ ﵇ حِينَ ضَرَبَ فِي الْخَنْدَقِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَبِهِ بَدِينَا وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا حَبّذَا رَبّا وَحَبّذَا دِينَا تَحْقِيقُ اسْمِ زَغَابَةَ وَقَوْلُهُ حَتّى نَزَلُوا بَيْنَ الْجُرُفِ وَزَغَابَةَ. زَغَابَةُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْغَيْنِ الْمَنْقُوطَةِ
[ ٦ / ٢٠٢ ]
كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، حَتّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نَقْمَى، إلَى جَانِبِ أُحُدٍ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ حَتّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إلَى سَلْعٍ، فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَضَرَبَ هُنَالِكَ عَسْكَرَهُ وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَين الْقَوْم.
اسْتِعْمَال ابْنُ أم مَكْتُوم عَلَى الْمَدِينَةِ:
قَالَ ابْن هِشَام:
وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأَمَرَ بِالذّرَارِيّ وَالنّسَاءِ فَجُعِلُوا فِي الْآطَام.
_________________
(١) وَالزّايِ الْمَفْتُوحَةِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ بِهَذَا اللّفْظِ بَعْدَ أَنْ قَدّمَ الْقَوْلَ بِأَنّهُ زُعَابَةُ بِضَمّ الزّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَحُكِيَ عَنْ الطّبَرِيّ أَنّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ الْجُرُفِ وَالْغَابَةِ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الرّوَايَةَ وَقَالَ لِأَنّ زَغَابَةَ لَا تُعْرَفُ. قَالَ الْمُؤَلّفُ وَالْأَعْرَفُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الرّوَايَةِ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ زَغَابَةَ بِالْغَيْنِ الْمَنْقُوطَةِ لِأَنّ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ أَنّهُ ﵇ قَالَ فِي نَاقَةٍ أَهْدَاهَا إلَيْهِ أَعْرَابِيّ، فَكَافَأَهُ بِسِتّ بَكَرَاتٍ فَلَمْ يَرْضَ فَقَالَ ﵇ "أَلَا تَعْجَبُونَ لِهَذَا الْأَعْرَابِيّ أَهْدَى إلَيّ نَاقَةً أَعْرِفُهَا بِعَيْنِهَا، كَمَا أَعْرِفُ بَعْضَ أَهْلِي ذَهَبَتْ مِنّي يَوْمَ زَغَابَةَ، وَقَدْ كَافَأْته بِسِتّ فَسَخِطَ". الْحَدِيثَ وَقَالَ ذَنَبِ نُقْمٍ وَنَقْمَى مَعًا
[ ٦ / ٢٠٣ ]
حمل حييّ كَعْبًا على نقض عَهده للرسول:
[قَالَ]:
وَخَرَجَ عَدُوّ اللهِ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ النّضَرِيّ، حَتّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيّ، صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ وَكَانَ قَدْ وَادَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى قَوْمِهِ وَعَاقَدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَاهَدَهُ فَلَمّا سَمِعَ كَعْبٌ حَيَيّ بْنَ أَخْطَبَ أَغْلَقَ دُونَهُ بَابَ حِصْنِهِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ فَنَادَاهُ حُيَيّ: وَيْحَك يَا كَعْبُ افْتَحْ لِي، قَالَ وَيْحَك يَا حُيَيّ: إنّك امْرِئِ مَشْئُومٌ وَإِنّي قَدْ عَاهَدْت مُحَمّدًا، فَلَسْت بِنَاقِضِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إلّا وَفَاءً وَصِدْقًا ; قَالَ وَيْحَك افْتَحْ لِي أُكَلّمْك ; قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلِ قَالَ وَاَللهِ إنْ أَغْلَقْت دُونِي إلّا تَخَوّفْت عَلَى جَشِيشَتِك أَنْ آكُلَ مَعَهَا مِنْهَا، فَأَحْفَظَ الرّجُلَ فَفَتَحَ لَهُ فَقَالَ وَيْحَك يَا كَعْبُ جِئْتُك بِعِزّ الدّهْرِ وَبِبَحْرِ طَامٍ جِئْتُك بِقُرَيْشِ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، حَتّى أَنْزَلْتهمْ بِمُجْتَمَعِ مِنْ رُومَةَ، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا
_________________
(١) يَفْتِلُ فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ: وَذَكَرَ حَيَيّ بْنَ أَخْطَبَ، وَمَا قَالَ لِكَعْبِ وَأَنّهُ لَمْ يَزَلْ يَفْتِلُ فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ. هَذَا مَثَلٌ وَأَصْلُهُ فِي الْبَعِيرِ يُسْتَصْعَبُ عَلَيْك فَتَأْخُذُ الْقُرَادَ مِنْ ذِرْوَتِهِ وَغَارِبِ سَنَامِهِ وَتَفْتِلُ هُنَاكَ فَيَجِدُ الْبَعِيرُ لَذّةً فَيَأْنَسُ عِنْدَ ذَلِكَ فَضُرِبَ هَذَا الْكَلَامُ مَثَلًا فِي الْمُرَاوَضَةِ وَالْمُخَاتَلَةِ وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ الزّبَيْرِ حِينَ أَرَادَ عَائِشَةَ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْبَصْرَةِ، فَأَبَتْ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يَفْتِلُ فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتّى أَجَابَتْهُ. وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ لَعَمْرُك مَا قُرَادُ بَنِي بَغِيضٍ إذَا نُزِعَ الْقُرَادُ بِمُسْتَطَاعِ يُرِيدُ أَنّهُمْ لَا يُخْدَعُونَ وَلَا يُسْتَذَلّونَ
[ ٦ / ٢٠٤ ]
وَسَادَتِهَا حَتّى أَنْزَلْتهمْ بِذَنَبِ نَقْمَى إلَى جَانِبِ أُحُدٍ، قَدْ عَاهَدُونِي وَعَاقَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمّدًا وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ جِئْتنِي وَاَللهِ بِذُلّ الدّهْرِ وَبِجَهَامِ قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوَ يُرْعِدُ وَيُبْرِقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَيْحَك يَا حُيَيّ فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ فَإِنّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمّدٍ إلّا صِدْقًا وَوَفَاءً. فَلَمْ يَزَلْ حُيَيّ بِكَعْبِ يَفْتِلُهُ فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتّى سَمَحَ لَهُ عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا [مِنْ اللهِ] وَمِيثَاقًا: لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَك فِي حِصْنِك حَتّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَك. فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ وَبَرِئَ مِمّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُول الله ﷺ.
تحري الرَّسُول عَنْ نَقْضِ كَعْبٍ لِلْعَهْدِ
فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْخَبَرُ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَنِي دُلَيْمٍ أَحَدَ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ الْخَزْرَجِ وَمَعَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ; فَقَالَ "انْطَلِقُوا حَتّى تَنْظُرُوا، أَحَقّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ وَلَا تَفُتّوا فِي أَعْضَادِ النّاسِ وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنّاسِ". قَالَ فَخَرَجُوا حَتّى أَتَوْهُمْ فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ نَالُوا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا: مَنْ رَسُولُ اللهِ؟ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ
_________________
(١) اللّحْنُ وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ - ﷺ – "الْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ وَلَا تَفُتّوا فِي أَعْضَادِ النّاسِ" اللّحْنُ الْعُدُولُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النّاسِ إلَى وَجْهٍ لَا يَعْرِفُهُ إلّا صَاحِبُهُ كَمَا أَنّ اللّحْنَ الّذِي هُوَ الْخَطَأُ عُدُولٌ عَنْ الصّوَابِ الْمَعْرُوفِ. قَالَ السّيرَافِيّ: مَا عَرَفْت حَقِيقَةَ مَعْنَى النّحْوِ إلّا مِنْ مَعْنَى اللّحْنِ الّذِي هُوَ ضِدّهُ فَإِنّ اللّحْنَ عُدُولٌ عَنْ طَرِيقِ الصّوَابِ وَالنّحْوُ قَصْدٌ إلَى الصّوَابِ وَأَمّا
[ ٦ / ٢٠٥ ]
وَلَا عَقْدَ. فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَشَاتَمُوهُ وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ حِدّةٌ فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: دَعْ عَنْك مُشَاتَمَتَهُمْ فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنْ الْمُشَاتَمَةِ. ثُمّ أَقْبَلَ سَعْدٌ وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا، إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ فَسَلّمُوا عَلَيْهِ ثُمّ قَالُوا: "عَضَلٌ وَالْقَارَةُ"، أَيْ كَغَدْرِ
_________________
(١) اللّحَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ فَأَصْلُهُ مِنْ هَذَا إلّا أَنّهُ إذَا لَحَنَ لَك لِتَفْهَمَ عَنْهُ فَفَهِمْت سُمّيَ ذَلِكَ الْفَهْمُ لَحَنًا، ثُمّ قِيلَ لِكُلّ مَنْ فَهِمَ قَدْ لَحِنَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَأَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَهْمِ عَنْ اللّاحِنِ قَالَ الْجَاحِظُ فِي قَوْلِ مَالِكِ بْنِ أَسْمَاءَ [بْنِ خَارِجَةَ الْفَزَارِيّ]: مَنْطِقٌ صَائِبٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا نَا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا أَرَادَ أَنّ اللّحْنَ الّذِي هُوَ الْخَطَأُ قَدْ يُسْتَمْلَحُ وَيُسْتَطَابُ مِنْ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السّنّ وَخُطّئَ الْجَاحِظُ فِي هَذَا التّأْوِيلِ وَأُخْبِرَ بِمَا قَالَهُ الْحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ لِامْرَأَتِهِ هِنْدِ بِنْتِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ حِينَ لَحَنَتْ فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا، اللّحْنَ فَاحْتَجّتْ بِقَوْلِ أَخِيهَا مَالِكِ بْنِ أَسْمَاءَ وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا فَقَالَ لَهَا الْحَجّاجُ لَمْ يُرِدْ أَخُوك هَذَا، إنّمَا أَرَادَ اللّحْنَ الّذِي هُوَ التّوْرِيَةُ وَالْإِلْغَازُ فَسَكَتَتْ فَلَمّا حُدّثَ الْجَاحِظُ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ لَوْ كَانَ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ أَنْ أُؤَلّفَ كِتَابَ الْبَيَانِ مَا قُلْت فِي ذَلِكَ مَا قُلْت، فَقِيلَ لَهُ أَفَلَا تُغَيّرُهُ؟ فَقَالَ كَيْفَ وَقَدْ سَارَتْ بِهِ الْبِغَالُ الشّهْبُ وَأَنْجَدَ فِي الْبِلَادِ وَغَارَ. وَكَمَا قَالَ الْجَاحِظُ فِي مَعْنَى تَلْحَنُ أَحْيَانًا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِثْلَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
عَضَلٍ وَالْقَارَةِ بِأَصْحَابِ الرّجِيعِ، خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "اللهُ أَكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ"
ظُهُورُ نِفَاقِ الْمُنَافِقِينَ وَاشْتِدَادُ خَوْفِ الْمُسْلِمِينَ
وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ وَاشْتَدّ الْخَوْفُ وَأَتَاهُمْ عَدُوّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ حَتّى ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ كُلّ ظَنّ وَنَجَمَ النّفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ حَتّى قَالَ مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ مُحَمّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْغَائِطِ.
أَكَانَ مُعَتّبٌ مُنَافِقًا؟
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ مُعَتّبَ بْنَ قُشَيْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَاحْتَجّ بِأَنّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَتّى قَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ مِنْ الْعَدُوّ وَذَلِكَ عَنْ مَلَأٍ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ فَأَذِنَ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنَرْجِعَ إلَى دَارِنَا، فَإِنّهَا خَارِجٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ يَفُتّ فِي أَعْضَادِ النّاسِ أَيْ يَكْسِرُ مِنْ قُوّتِهِمْ وَيُوهِنُهُمْ وَضُرِبَ الْعَضُدُ مَثَلًا، وَالْفَتّ: الْكَسْرُ وَقَالَ فِي أَعْضَادِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ يَفُتّ أَعْضَادَهُمْ لِأَنّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الرّعْبِ الدّاخِلِ فِي الْقَلْبِ وَلَمْ يُرِدْ كَسْرًا حَقِيقِيّا، وَلَا الْعَضُدَ الّذِي هُوَ الْعُضْوُ وَإِنّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَمّا يَدْخُلُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْوَهْنِ وَهُوَ مِنْ أَفْصَحِ الْكَلَامِ. وَذَكَرَ أَوْسَ بْنَ قَيْظِيّ وَهُوَ الْقَائِلُ إنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَابْنُهُ عَرَابَةُ بْنُ أَوْسٍ كَانَ سَيّدًا، وَلَا صُحْبَةَ لَهُ وَقَدْ قِيلَ لَهُ صُحْبَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَنْ اُسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِيهِ الشّمّاخُ
[ ٦ / ٢٠٧ ]
لَيْلَةً قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إلّا الرّمْيَا بِالنّبْلِ وَالْحِصَارُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الرّمْيَا.
هم الرَّسُول بِعقد صلح بَينه وَبَين غطفان ثمَّ عدل:
فَلَمّا اشْتَدّ عَلَى النّاسِ الْبَلَاءُ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَمَا حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَمَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ - إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرّيّ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا الصّلْحُ حَتّى كَتَبُوا الْكِتَابَ وَلَمْ تَقَعْ الشّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصّلْحِ إلّا الْمُرَاوَضَةَ فِي ذَلِكَ.
فَلَمّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ بَعَثَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ فَقَالَا لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْرًا نُحِبّهُ فَنَصْنَعُهُ أَمْ شَيْئًا أَمَرَك اللهُ بِهِ لَا بُدّ لَنَا مِنْ الْعَمَلِ بِهِ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ "بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاَللهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِأَنّنِي رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلّ جَانِبٍ فَأَرَدْت أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إلَى أَمْرٍ مَا" ;
_________________
(١) إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدِ تَلَقّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ وَلِعَرَابَةَ أَخٌ اسْمُهُ كَبَاثَةُ مَذْكُورٌ فِي الصّحَابَةِ أَيْضًا. مُصَالَحَةُ الْأَحْزَابِ فَصْلٌ وَذَكَرَ مَا هَمّ بِهِ النّبِيّ ﷺ مِنْ مُصَالَحَةِ الْأَحْزَابِ عَلَى ثُلُثِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ إعْطَاءِ الْمَالِ لِلْعَدُوّ إذَا كَانَ فِيهِ نَظَرُ الْمُسْلِمِينَ وَحِيَاطَةٌ لَهُمْ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا الْخَبَرَ، وَأَنّهُ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ وَذَكَرَ أَنّ مُعَاوِيَةَ صَالَحَ مَلِكَ الرّومِ عَلَى الْكَفّ عَنْ ثُغُورِ الشّامِ بِمَالِ دَفَعَهُ إلَيْهِ قِيلَ كَانَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَخَذَ مِنْ
[ ٦ / ٢٠٨ ]
فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ كُنّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشّرْكِ بِاَللهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللهَ وَلَا نَعْرِفُهُ. وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إلّا قِرَى أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزّنَا بِك وَبِهِ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا "وَاَللهِ" مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ وَاَللهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلّا السّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "فَأَنْتَ وَذَاكَ". فَتَنَاوَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الصّحِيفَةَ فَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ ثُمّ قَالَ لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا
عُبُورُ نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْخَنْدَقَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ وَعَدُوّهُمْ مُحَاصِرُوهُمْ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ إلّا أَنّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ -
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيّانِ وَضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ الشّاعِرُ ابْنُ مِرْدَاسٍ أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْر، تَلَبّسُوا لِلْقِتَالِ ثُمّ خَرَجُوا عَلَى خَيْلِهِمْ حَتّى مَرّوا بِمَنَازِلِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالُوا: تَهَيّئُوا يَا بَنِي كِنَانَةَ لِلْحَرْبِ فَسَتَعْلَمُونَ مِنْ الْفُرْسَانُ الْيَوْمَ ثُمّ أَقْبَلُوا تُعْنِقُ بِهِمْ خَيْلُهُمْ حَتّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا: وَاَللهِ إنّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا.
_________________
(١) الرّومِ رَهْنًا، فَغَدَرَتْ الرّومُ، وَنَقَضَتْ الصّلْحَ فَلَمْ يَرَ مُعَاوِيَةُ قَتْلَ الرّهَائِنِ وَأَطْلَقَهُمْ وَقَالَ وَفَاءً بِغَدْرِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ بِغَدْرِ قَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيّ وَأَهْلِ الشّامِ أَلّا تُقْتَلَ الرّهَائِنُ وَإِنْ غَدَرَ الْعَدُوّ.
[ ٦ / ٢٠٩ ]
سَلْمَانُ وَإِشَارَتُهُ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
يُقَالُ إنّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ أَشَارَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَالُوا: سَلْمَانُ مِنّا; وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَلْمَانُ مِنّا أهل الْبَيْت
قتل عَلِيّ لِعَمْرِو بْنِ عبد ود وشعره فِي ذَلِك:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ تَيَمّمُوا مَكَانًا ضَيّقًا مِنْ الْخَنْدَقِ، فَضَرَبُوا خَيْلَهُمْ فَاقْتَحَمَتْ مِنْهُ فَجَالَتْ بِهِمْ فِي السّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَخَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتّى أَخَذُوا عَلَيْهِمْ الثّغْرَةَ الّتِي أَقْحَمُوا مِنْهَا خَيْلَهُمْ وَأَقْبَلَتْ الْفُرْسَانُ
_________________
(١) سَلْمَانُ مِنّا وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﵇ "سَلْمَانُ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ" بِالنّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوْ عَلَى إضْمَارِ أَعْنِي، وَأَمّا الْخَفْضُ عَلَى الْبَدَلِ فَلَمْ يَرَهُ سِيبَوَيْهِ جَائِزًا مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلّمِ وَلَا مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ لِأَنّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَجَازَهُ الْأَخْفَشُ. حَوْلَ مُبَارَزَةِ ابْنِ وُدّ لِعَلِيّ فَصْلٌ وَذَكَرَ خَبَرَ عَمْرِو بْنِ وُدّ الْعَامِرِيّ، وَمُبَارَزَتَهُ لِعَلِيّ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ وَوَقَعَ فِي مَغَازِي ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ عَنْ الْبَكّائِيّ فِيهَا زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ رَأَيْت أَنْ أُورِدَهَا هُنَا تَتْمِيمًا لِلْخَبَرِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إنّ عَمْرَو بْنَ وُدّ خَرَجَ فَنَادَى: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَقَامَ عَلِيّ -
[ ٦ / ٢١٠ ]
تُعْنِقُ نَحْوَهُمْ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلِمًا لِيُرَى مَكَانُهُ. فَلَمّا وَقَفَ هُوَ وَخَيْلُهُ قَالَ مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ يَا عَمْرُو، إنّك قَدْ كُنْت عَاهَدْت اللهَ أَلّا يَدْعُوك رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى إحْدَى خَلّتَيْنِ إلّا أَخَذْتهَا مِنْهُ قَالَ لَهُ أَجَلْ قَالَ لَهُ عَلِيّ: فَإِنّي أَدْعُوك إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ
_________________
(١) ﵁ - وَهُوَ مُقَنّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ أَنَا لَهُ يَا نَبِيّ اللهِ فَقَالَ "إنّهُ عَمْرٌو اجْلِسْ"، وَنَادَى عَمْرٌو أَلَا رَجُلٌ يُؤَنّبُهُمْ وَيَقُولُ أَيْنَ جَنّتُكُمْ الّتِي تَزْعُمُونَ أَنّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ دَخَلَهَا، أَفَلَا تُبْرِزُونَ لِي رَجُلًا، فَقَامَ عَلِيّ، فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ "اجْلِسْ إنّهُ عَمْرٌو" ثُمّ نَادَى الثّالِثَةَ وَقَالَ: وَلَقَدْ بَحِحْت مِنْ النّدَا ءِ بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ؟ وَوَقَفْت إذْ جَبُنَ الْمُشَ جّعُ مَوْقِفَ الْقِرْنِ الْمُنَاجِزْ وَكَذَاك إنّي لَمْ أَزَلْ مُتَسَرّعًا قَبْلَ الْهَزَاهِزْ إنّ الشّجَاعَةَ فِي الْفَتَى وَالْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزْ فَقَامَ عَلِيّ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا لَهُ فَقَالَ " إنّهُ عَمْرٌو "، فَقَالَ وَإِنْ كَانَ عَمْرًا، فَأَذِنَ لَهُ النّبِيّ - ﷺ - فَمَشَى إلَيْهِ عَلِيّ، حَتّى أَتَاهُ وَهُوَ يَقُولُ لَا تَعْجَلَنّ فَقَدْ أَتَا ك مُجِيبُ صَوْتِك غَيْرَ عَاجِزْ ذُو نِيّةٍ وَبَصِيرَةٍ وَالصّدْقُ مُنْجِي كُلّ فَائِزْ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أُقِ يمَ عَلَيْك نَائِحَةَ الْجَنَائِزْ مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلَاءَ يَبْ قَى ذِكْرُهَا عِنْدَ الْهَزَاهِزْ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ أَنَا عَلِيّ، قَالَ ابْنُ عبد منَاف؟ فَقَالَ أَنا
[ ٦ / ٢١١ ]
قَالَ فَإِنّي أَدْعُوك إلَى النّزَالِ فَقَالَ لَهُ لِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَوَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك، قَالَ لَهُ عَلِيّ: لَكِنّي وَاَللهِ أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك، فَحَمِيَ عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ وَضَرَبَ وَجْهَهُ ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ فَتَنَازَلَا وَتَجَاوَلَا، فَقَتَلَهُ عَلِيّ ﵁. وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً حَتّى اقْتَحَمَتْ مِنْ الْخَنْدَقِ هَارِبَةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ وَنَصَرْت رَبّ مُحَمّدٍ بِصَوَابِي
_________________
(١) عَليّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ "غَيْرَك يَا ابْنَ أَخِي مِنْ أَعْمَامِك مَنْ هُوَ أَسَنّ مِنْك، فَإِنّي أَكْرَهُ أَنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فَقَالَ لَهُ عَلِيّ ﵁ وَلَكِنّي وَاَللهِ لَا أَكْرَهُ أَنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فَغَضِبَ وَنَزَلَ فَسَلّ سَيْفَهُ كَأَنّهُ شُعْلَةُ نَارٍ ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيّ مُغْضَبًا، وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ عَلَى فَرَسِهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: كَيْفَ أُقَاتِلُك وَأَنْتَ عَلَى فَرَسِك، وَلَكِنْ انْزِلْ مَعِي، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيّ وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيّ - ﵁ - بِدَرَقَتِهِ فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِيهَا فَقَدّهَا وَأَثْبَتَ فِيهَا السّيْفَ وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجّهُ وَضَرَبَهُ عَلِيّ عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ فَسَقَطَ وَثَارَ الْعَجَاجُ وَسَمِعَ النّبِيّ ﷺ التّكْبِيرَ فَعَرَفَ أَنّ عَلِيّا - ﵁ - قَدْ قَتَلَهُ فَثَمّ يَقُولُ عَلِيّ ﵁ أَعَلَيّ تَقْتَحِمُ الْفَوَارِسُ هَكَذَا عَنّي وَعَنْهُ أَخّرُوا أَصْحَابِي فَالْيَوْمَ تَمْنَعُنِي الْفِرَارَ حَفِيظَتِي وَمُصَمّمٌ فِي الرّأْسِ لَيْسَ بِنَابِي أَدّى عُمَيْرٌ حِينَ أُخْلِصَ صَقْلُهُ صَافِي الْحَدِيدَةِ يَسْتَفِيضُ ثَوَابِي فَغَدَوْت أَلْتَمِسُ الْقِرَاعَ بِمُرْهَفِ عَضْبٍ مَعَ الْبَثْرَاءِ فِي أَقْرَابِ قَالَ ابْنُ عَبْدٍ حِينَ شَدّ أَلِيّةً وَحَلَفْت فَاسْتَمِعُوا مِنْ الْكَذّابِ أَلّا يَفِرّ وَلَا يُهَلّلَ فَالْتَقَى رَجُلَانِ يَلْتَقِيَانِ كُلّ ضِرَابِ
[ ٦ / ٢١٢ ]
فَصَدَدْت حِينَ تَرَكْته مُتَجَدّلًا كَالْجِذْعِ بَيْنَ دَكَادِكٍ وَرَوَابِي
وَعَفَفْت عَنْ أَثْوَابِهِ وَلَوْ أَنّنِي كُنْت الْمُقَطّرَ بَزّنِي أَثْوَابِي
لَا تَحْسَبُنّ اللهَ خَاذِلَ دِينِهِ وَنَبِيّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَشُكّ فِيهَا لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي عِكْرِمَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) وَبَعْدَهُ نَصَرَ الْحِجَارَةَ إلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ إلّا أَنّهُ رُوِيَ عَبَدَ الْحِجَارَةَ وَعَبَدْت رَبّ مُحَمّدٍ وَرُوِيَ فِي مَوْضِعٍ وَلَقَدْ بَحِحْت: وَلَقَدْ عَجِبْت، وَيُرْوَى: فَالْتَقَى أَسَدَانِ يَضْطَرِبَانِ كُلّ ضِرَابِ وَفِيهِ إنْصَافٌ مِنْ عَلِيّ - ﵁ - لِقَوْلِهِ أَسَدَانِ وَنَسَبِهِ إلَى الشّجَاعَةِ وَالنّجْدَةِ. وَقَوْلُهُ أَدّى عُمَيْرٌ إلَى قَوْلِهِ ثَوَابِي، أَيْ أَدّى إلَيّ ثَوَابِي، وَأَحْسَنَ جَزَائِي حِينَ أَخْلَصَ صَقْلَهُ ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ النّبِيّ ﷺ وَهُوَ مُتَهَلّلٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ هَلّا سَلَبْته دِرْعَهُ فَإِنّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ دِرْعٌ خَيْرٌ مِنْهَا، فَقَالَ إنّي حِينَ ضَرَبْته اسْتَقْبَلَنِي بِسَوْأَتِهِ فَاسْتَحْيَيْت ابْنَ عَمّي أَنْ أَسْتَلِبَهُ وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً حَتّى اقْتَحَمَتْ الْخَنْدَقَ هَارِبَةً فَمِنْ هُنَا لَمْ يَأْخُذْ عَلِيّ سَلَبَهُ وَقِيلَ تَنَزّهَ عَنْ أَخْذِهَا، وَقِيلَ إنّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ إذَا قَتَلُوا الْقَتِيلَ لَا يَسْلُبُونَهُ ثِيَابَهُ. وَقَوْلُ عَمْرٍو لِعَلِيّ وَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك، زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ فَإِنّ أَبَاك كَانَ لِي صَدِيقًا، قَالَ الزّبَيْرُ كَانَ أَبُو طَالِبٍ يُنَادِمُ مُسَافِرَ بْنَ أَبِي عَمْرٍو، فَلَمّا هَلَكَ اتّخَذَ عَمْرَو بْنَ وُدّ نَدِيمًا، فَلِذَلِكَ قَالَ لِعَلِيّ حِينَ بَارَزَهُ مَا قَالَ. الفوعل وَقَوْلُ حَسّانَ فِي عِكْرِمَةَ:
[ ٦ / ٢١٣ ]
وَأَلْقَى عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رُمْحَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ عَنْ عَمْرٍو، فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ
فَرّ وَأَلْقَى لَنَا رُمْحَهُ لَعَلّك عِكْرِمَ لَمْ تَفْعَلْ
وَوَلّيْت تَعْدُو كَعَدْوِ الظّلِيمِ مَا إنْ تَجُورَ عَنْ الْمَعْدِلِ
وَلَمْ تَلْقَ ظَهْرَك مُسْتَأْنِسًا كَأَنّ قَفَاك قَفَا فُرْعُلِ
قَالَ ابْن هِشَام:
الفوعل: صَغِيرُ الضّبَاعِ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَبَنِيّ قُرَيْظَةَ: حم، لَا ينْصرُونَ
شَأْن سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيّ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ: أَنّ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ فِي حِصْنِ بَنِي حَارِثَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ مِنْ أَحْرَزِ حُصُونِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ وَكَانَتْ أُمّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مَعَهَا فِي الْحِصْنِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ فَمَرّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ مُقَلّصَةٌ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا ذِرَاعُهُ كُلّهَا، وَفِي يَده حربته يرقد بِهَا وَيَقُولُ:
لَبّثْ قَلِيلًا يَشْهَدْ الْهَيْجَا حَمَلْ لَا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إذَا حَانَ الْأَجَلْ
_________________
(١) كَأَنّ قَفَاك قَفَا فُرْعُلِ الْفُرْعُلُ وَلَدُ الضّبْعِ. وَذَكَرَ قَوْلَ سَعْدٍ لَبّثْ قَلِيلًا يَلْحَقْ الْهَيْجَا حَمَلْ
[ ٦ / ٢١٤ ]
[قَالَ] فَقَالَتْ لَهُ أُمّهُ: الْحَقْ أَيْ بُنَيّ فَقَدْ وَاَللهِ أَخّرْت ; قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْت لَهَا: يَا أُمّ سَعْدٍ وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّ دِرْعَ سَعْدٍ كَانَتْ أَسْبَغَ مِمّا هِيَ قَالَتْ وَخِفْت عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ السّهْمُ مِنْهُ فَرُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بِسَهْمِ فَقَطَعَ مِنْهُ الْأَكْحَلَ رَمَاهُ كَمَا حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، حِبّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، فَلَمّا أَصَابَهُ قَالَ خُذْهَا مِنّي وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ عَرّقَ اللهُ وَجْهَك فِي النّارِ اللهُمّ إنْ كُنْت أَبْقَيْت مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنّهُ لَا قَوْمَ أَحَبّ إلَيّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَك وَكَذّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ اللهُمّ وَإِنْ كُنْت قَدْ وَضَعْت الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً وَلَا تُمِتْنِي حَتّى تُقِرّ عَيْنَيّ مِنْ بني قُرَيْظَة.
شعر يدل على أَنه قَاتِلُ سَعْدٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ:
مَا أَصَابَ سَعْدًا يَوْمَئِذٍ إلّا أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُوم. وَقَدْ قَالَ أَبُو أُسَامَةَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ
_________________
(١) هُوَ بَيْتٌ تَمَثّلَ بِهِ عَنَى بِهِ حَمَلَ بْنَ سَعْدَانَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُلَيْمِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيّ. وَقَوْلُهُ يَرْقَدّ بِالْحَرْبَةِ أَيْ يُسْرِعُ بِهَا، يُقَالُ ارْقَدّ وَارْمَدّ بِمَعْنَى وَاحِدٍ. قَالَ ذُو الرّمّةِ: يَرْقَدّ فِي أَثَرِ عَرّاصٍ وَتَتْبَعُهُ صَهْبَاءُ شَامِيّةٌ عُثْنُونُهَا حَصِبُ يَعْنِي الرّيحَ. ابْنُ الْعَرِقَةِ وَأُمّ سَعْدٍ وَابْنُ الْعَرِقَةِ الّذِي رَمَى سَعْدًا هُوَ حِبّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ وَالْعَرِقَةُ هِيَ قِلَابَةُ
[ ٦ / ٢١٥ ]
أَعِكْرِمَ هَلّا لُمْتنِي إذْ تَقُولُ لِي فِدَاك بِآطَامِ الْمَدِينَةِ خَالِدُ
أَلَسْت الّذِي أَلْزَمْت سَعْدًا مُرِشّةً لَهَا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْمَرَافِقِ عَانِدُ
قَضَى نَحْبَهُ مِنْهَا سُعَيْدٌ فَأَعْوَلَتْ عَلَيْهِ مَعَ الشّمْطِ الْعَذَارَى النّوَاهِدُ
وَأَنْتَ الّذِي دَافَعْت عَنْهُ وَقَدْ دَعَا عُبَيْدَةُ جَمْعًا مِنْهُمْ إذْ يُكَابِدُ
عَلَى حِينِ مَا هُمْ جَائِرٌ عَنْ طَرِيقِهِ وَآخَرُ مَرْعُوبٌ عَنْ الْقَصْدِ قَاصِدُ
[وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ إنّ الّذِي رَمَى سَعْدًا خَفَاجَةُ بْنُ عَاصِمِ بن حبَان.
_________________
(١) بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ [بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ] تُكَنّى أُمّ فَاطِمَةَ سُمّيَتْ الْعَرِقَةَ لِطِيبِ رِيحِهَا، وَهِيَ جَدّةُ خَدِيجَةَ أُمّ أُمّهَا هَالَةُ وَحِبّانُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ مُنْقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَعِيصَ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ. وَأُمّ سَعْدٍ اسْمُهَا: كَبْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ [بْنِ عُبَيْدٍ] . حَوْلَ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ وَحَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ ثَابِتٌ مِنْ وُجُوهٍ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنّ جِبْرِيلَ ﵇ نَزَلَ حِينَ مَاتَ سَعْدٌ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ مَنْ هَذَا الْمَيّتُ الّذِي فُتّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السّمَاءِ وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ؟ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ عَلَيْهِ
[ ٦ / ٢١٦ ]
صَفِيَّة وَحسان وَمَا ذكرته عَن جبنه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ: كَانَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي فَارِعٍ، حِصْنِ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ ; قَالَتْ وَكَانَ
_________________
(١) السّلَامُ "لَقَدْ نَزَلَ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ مَا وَطِئُوا الْأَرْضَ قَبْلَهَا" وَيُذْكَرُ أَنّ قَبْرَهُ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَقَالَ ﵇ "لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَنَجَا مِنْهَا سَعْد" وَفِي كِتَابِ الدّلَائِلُ أَنّ النّبِيّ ﷺ جَلَسَ عَلَى قَبْرِ سَعْدٍ حِينَ وُضِعَ فِيهِ فَقَالَ "سُبْحَانَ اللهِ لِهَذَا الْعَبْدِ الصّالِحِ ضُمّ فِي قَبْرِهِ ضَمّةً ثُمّ فُرّجَ عَنْهُ" وَأَمّا ضَغْطَةُ الْقَبْرِ الّتِي ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ أَنّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ مَا انْتَفَعْت بِشَيْءِ مُنْذُ سَمِعْتُك تَذْكُرُ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ وَضَمّتَهُ [وَصَوْتَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ] فَقَالَ يَا عَائِشَةُ "إنّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَوْ قَالَ ضَمّةُ الْقَبْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَضَمّةِ الْأُمّ الشّفِيقَةِ يَدَيْهَا عَلَى رَأْسِ ابْنِهَا، يَشْكُو إلَيْهَا الصّدَاعَ وَصَوْتُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ وَلَكِنْ يَا عَائِشَةُ وَيْلٌ لِلشّاكّينَ [فِي اللهِ] أُولَئِكَ الّذِينَ يُضْغَطُونَ فِي قُبُورِهِمْ ضَغْطَ الْبَيْضِ عَلَى الصّخْر" ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيّ فِي كِتَابِ الْمُعْجَمِ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ [يُونُسَ] الشّيْبَانِيّ عَنْهُ قَالَ حَدّثَنِي أُمَيّةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ قُلْت لِبَعْضِ أَهْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: مَا بَلَغَكُمْ فِي هَذَا، يَعْنِي: الضّمّةَ الّتِي انْضَمّهَا الْقَبْرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ كَانَ يُقَصّرُ فِي بَعْضِ الطّهُورِ مِنْ الْبَوْلِ بَعْضَ التّقْصِيرِ. أَكَانَ حَسّانُ جَبَانًا؟ فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ حَسّانَ حِينَ جُعِلَ فِي الْآطَامِ مَعَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ وَمَا
[ ٦ / ٢١٧ ]
حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَنَا فِيهِ مَعَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ قَالَتْ صَفِيّةُ فَمَرّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ وَقَدْ حَارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَطَعَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنّا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوّهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إلَيْنَا إنْ أَتَانَا آتٍ.
قَالَتْ فَقُلْت: يَا حَسّانُ إنّ هَذَا الْيَهُودِيّ كَمَا تَرَى يُطِيفُ بِالْحِصْنِ وَإِنّي وَاَللهِ مَا آمَنُهُ أَنْ يَدُلّ عَلَى عَوْرَتِنَا مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ وَقَدْ شُغِلَ عَنّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَانْزِلْ إلَيْهِ فَاقْتُلْهُ قَالَ يَغْفِرُ اللهُ لَك يَا ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَاَللهِ لَقَدْ عَرَفْت مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا: قَالَتْ فَلَمّا قَالَ لِي ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ عِنْدَهُ شَيْئًا، احْتَجَزْت ثُمّ أَخَذْت عَمُودًا، ثُمّ نَزَلْت مِنْ الْحِصْنِ إلَيْهِ فَضَرَبْته بالعمود حَتَّى قتلته. قَالَتْ فَلَمّا فَرَغْت مِنْهُ رَجَعْت إلَى الْحِصْنِ فَقُلْت: يَا حَسّانُ انْزِلْ إلَيْهِ فَاسْلُبْهُ فَإِنّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ سَلَبِهِ إلّا أَنّهُ رَجُلٌ قَالَ مَا لِي بِسَلَبِهِ مِنْ حَاجَةٍ يَا ابْنَةَ عبد الْمطلب.
شَأْن نعيم فِي تخذيل الْمُشْركين عَن الْمُسلمين:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا وَصَفَ اللهُ مِنْ الْخَوْفِ وَالشّدّةِ لِتَظَاهُرِ عَدُوّهِمْ عَلَيْهِمْ وَإِتْيَانِهِمْ إيّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ.
[قَالَ] ثُمّ إنّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ قُنْفُدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قَدْ أَسْلَمْت، وَإِنّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْت، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنّمَا
_________________
(١) قَالَتْ لَهُ صَفِيّةُ فِي أَمْرِ الْيَهُودِيّ حِينَ قَتَلَتْهُ وَمَا قَالَ لَهَا، وَمَحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ النّاسِ عَلَى أَنّ حَسّانَ كَانَ جَبَانًا شَدِيدَ الْجُبْنِ وَقَدْ دَفَعَ هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَأَنْكَرَهُ وَذَلِكَ أَنّهُ حَدِيثٌ مُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ وَقَالَ لَوْ صَحّ هَذَا لَهُجِيَ بِهِ حَسّانُ فَإِنّهُ كَانَ يُهَاجِي الشّعَرَاءَ كَضِرَارِ وَابْنِ الزّبَعْرَى، وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ يُنَاقِضُونَهُ وَيَرُدّونَ عَلَيْهِ فَمَا عَيّرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِجُبْنِ وَلَا وَسَمَهُ بِهِ فَدَلّ هَذَا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ،
[ ٦ / ٢١٨ ]
أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذّلْ عَنّا إنْ اسْتَطَعْت، فَإِنّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ" فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا فِي الْجَاهِلِيّةِ فَقَالَ يَا بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ عَرَفْتُمْ وُدّي إيّاكُمْ وَخَاصّةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قَالُوا: صَدَقْت، لَسْت عِنْدَنَا بِمُتّهَمِ فَقَالَ لَهُمْ إنّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَحَوّلُوا مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَإِنّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قَدْ جَاءُوا لِحَرْبِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَدْ ظَاهَرْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا بِبِلَادِهِمْ وَخَلّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرّجُلِ بِبَلَدِكُمْ وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إنْ خَلَا بِكُمْ فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رُهُنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمّدًا حَتّى تُنَاجِزُوهُ فَقَالُوا لَهُ لَقَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ.
ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمّدًا، وَإِنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْت عَلَيّ حَقّا أَنْ أُبَلّغَكُمُوهُ نُصْحًا لَكُمْ فَاكْتُمُوا عَنّي ; فَقَالُوا: نَفْعَلُ قَالَ تَعْلَمُوا أَنّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمّدٍ وَقَدْ أَرْسَلُوا إلَيْهِ أَنْ قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيك أَنْ نَأْخُذَ لَك مِنْ الْقَبِيلَتَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَنُعْطِيَكَهُمْ فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ثُمّ نَكُونَ مَعَك عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ أَنْ نَعَمْ. فَإِنْ بَعَثَتْ إلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رُهُنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا.
ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إنّكُمْ أَصْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبّ النّاسِ إلَيّ وَلَا أَرَاكُمْ تَتّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْت، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتّهَمِ قَالَ
_________________
(١) وَإِنْ صَحّ فَلَعَلّ حَسّانَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَلّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعِلّةِ مِنْ شُهُودِ الْقِتَالِ وَهَذَا أَوْلَى مَا تَأَوّلَ عَلَيْهِ وَمِمّنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا صَحِيحًا أَبُو عُمَرَ ﵀ فِي كِتَابِ الدّرَرِ لَهُ.
[ ٦ / ٢١٩ ]
فَاكْتُمُوا عَنّي، قَالُوا: نَفْعَلُ فَمَا أَمْرُك؟ ثُمّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشِ وَحَذّرَهُمْ مَا حذرهم.
دَبِيب الْفرْقَة بَين الْمُشْركين:
فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ السّبْتِ مِنْ شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللهِ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَرُءُوسُ غَطَفَانَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فَقَالُوا لَهُمْ إنّا لَسْنَا بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفّ وَالْحَافِرُ فَاغْدُوا لِلْقِتَالِ حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا، وَنَفْرُغَ مِمّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَأَرْسَلُوا إلَيْهِمْ إنّ الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ وَهُوَ "يَوْمٌ" لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِاَلّذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمّدًا حَتّى تُعْطُونَا رُهُنًا مِنْ رِجَالِكُمْ يَكُونُونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا، فَإِنّا نَخْشَى إنْ ضَرّسَتْكُمْ الْحَرْبُ وَاشْتَدّ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَنْ تَنْشَمِرُوا إلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا، وَالرّجُلُ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمّا رَجَعَتْ إلَيْهِمْ الرّسُلُ بِمَا قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ: وَاَللهِ إنّ الّذِي حَدّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقّ، فَأَرْسِلُوا بَنِي قُرَيْظَةَ إنّا وَاَللهِ لَا نَدْفَعُ إلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا، فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتْ الرّسُلُ إلَيْهِمْ بِهَذَا: إنّ الّذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقّ، مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ إلّا أَنْ يُقَاتِلُوا، فَإِن رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إلَى بِلَادِهِمْ. وَخَلّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ فَأَرْسَلُوا إلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إنّا وَاَللهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمّدًا حَتّى تُعْطُونَا رُهُنًا، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ وَخَذّلَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ الرّيحَ فِي لَيَالٍ شَاتِيَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَجَعَلَتْ تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ وتطرح أبنيتهم.
أرسل الرَّسُول حُذَيْفَة ليتعرف مَا حَلّ بِالْمُشْرِكِينَ
[قَالَ]:
فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا اخْتَلَفَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا فَرّقَ اللهُ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٠ ]
دَعَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ لِيَنْظُرَ مَا فَعَلَ الْقَوْمُ لَيْلًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَرَأَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَحِبْتُمُوهُ؟ قَالَ نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ وَاَللهِ لَقَدْ كُنّا نَجْهَدُ قَالَ فَقَالَ وَاَللهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَلَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا. قَالَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ يَا ابْنَ أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْتنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ وَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوِيّا مِنْ اللّيْلِ ثُمّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمّ يَرْجِعُ - يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرّجْعَةَ - أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنّةِ"؟ فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، مِنْ شِدّةِ الْخَوْفِ وَشِدّةِ الْجُوعِ وَشِدّةِ الْبَرْدِ فَلَمّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدّ مِنْ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ "يَا حُذَيْفَةُ اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَلَا تُحْدِثَنّ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنَا". قَالَ فَذَهَبْت فَدَخَلَتْ فِي الْقَوْمِ وَالرّيحُ وَجُنُودُ اللهِ تَفْعَلُ بِهِمْ مَا تَفْعَلُ لَا تُقِرّ لَهُمْ قِدْرًا وَلَا نَارًا وَلَا بِنَاءً. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ. فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لِيَنْظُرْ امْرؤ مَنْ جَلِيسُهُ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذْت بِيَدِ الرّجُلِ الّذِي كَانَ إلَى جَنْبِي، فَقُلْت: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ فُلَانُ ابْن فلَان
مناداة أبي سُفْيَان فيهم بِالرّحِيلِ:
ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ وَاَللهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفّ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمْ الّذِي نَكْرَهُ وَلَقِينَا مِنْ شِدّةِ الرّيحِ مَا تَرَوْنَ مَا تَطْمَئِنّ لَنَا قِدْرٌ وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ فَارْتَحِلُوا فَإِنّي مُرْتَحِلٌ ثُمّ قَامَ إلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ بِهِ عَلَى ثَلَاثٍ فَوَاَللهِ مَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إلّا وَهُوَ قَائِمٌ وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَيّ أَنْ لَا تُحْدِثْ شَيْئًا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢١ ]
حَتّى تَأْتِيَنِي ثُمّ شِئْت، لَقَتَلْته بِسَهْمِ.
قَالَ حَذِيقَةُ فَرَجَعْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ مَرَاجِلَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاجِلُ ضَرْبٌ مِنْ وَشْيِ الْيَمَنِ.
فَلَمّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إلَى رِجْلَيْهِ وَطَرَحَ عَلَيّ طَرَفَ الْمِرْطِ ثُمّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنّي لَفِيهِ فَلَمّا سَلّمَ أَخْبَرْته الْخَبَرَ، وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَانْشَمَرُوا رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ.
الِانْصِرَافُ عَنْ الْخَنْدَقِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاق: وَلَمّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ عَنْ الْخَنْدَقِ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ وَالْمُسْلِمُونَ وَوَضَعُوا السّلَاحَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٢ ]
غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي سنة خمس
أَمر الله لرَسُوله على لِسَان جِبْرِيل بِحَرْبِ بَنِي قُرَيْظَةَ
فَلَمّا كَانَتْ الظّهْرُ أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا حَدّثَنِي الزّهْرِيّ، مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ فَقَالَ أَوَقَدْ وَضَعْت السّلَاحَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "نَعَمْ" فَقَالَ جِبْرِيلُ فَمَا وَضَعَتْ الْمَلَائِكَةُ السّلَاحَ بَعْدُ وَمَا رَجَعَتْ الْآنَ إلّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ إنّ اللهَ ﷿ يَأْمُرُك يَا مُحَمّدُ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَإِنّي عَامِدُ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِل بهم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٢ ]
دَعْوَة الرَّسُول الْمُسلمين لِلْقِتَالِ:
فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُؤَذّنًا، فَأَذّنَ فِي النّاسِ "مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلَا يُصَلّيَنّ الْعَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ". وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ فِيمَا قَالَ ابْن هِشَام.
تقدم عَليّ وتبليغه الرّسُولَ مَا سَمعه من سفهائهم:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ
وَقَدّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِرَايَتِهِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَابْتَدَرَهَا النّاسُ. فَسَارَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَتّى إذَا دَنَا مِنْ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهَا مَقَالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالطّرِيقِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ لَا عَلَيْك أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثِ قَالَ "لِمَ؟ أَظُنّك سَمِعْت مِنْهُمْ لِي أَذَى"؟ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ لَوْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَلَمّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ حُصُونِهِمْ. قَالَ "يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ هَلْ أَخْزَاكُمْ اللهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ"؟ قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْت جَهُولًا
سَأَلَ الرَّسُول عَمَّن مر بهم فَقيل دحْيَة فَعرف أَنه جِبْرِيل:
وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالصّوْرَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَالَ "هَلْ مَرّ بِكُمْ أَحَدٌ"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ مَرّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ، عَلَى
_________________
(١) الْحَدِيثُ عَنْ الصّوْرَيْنِ وَدِحْيَةَ فَصْلٌ وَذَكَرَ خُرُوجَ النّبِيّ ﷺ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ مَرّ بِالصّوْرَيْنِ وَالصّوْرُ الْقِطْعَةُ مِنْ النّخْلِ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: مَرّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ. هُوَ دِحْيَةُ بِفَتْحِ
[ ٦ / ٢٢٣ ]
بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ عَلَيْهَا قَطِيفَةُ دِيبَاجٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "ذَلِكَ جِبْرِيلُ بُعِثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ وَيَقْذِفُ الرّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ"
وَلَمّا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا مِنْ نَاحِيَةِ أَمْوَالِهِمْ يُقَالُ لَهَا بِئْرُ أَنَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِئْرُ آنَى.
تَلَاحُقُ النّاسِ بِالرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) الدّالِ وَيُقَالُ دِحْيَةُ بِكَسْرِ الدّالِ أَيْضًا، وَالدّحْيَةُ بِلِسَانِ الْيَمَنِ: الرّئِيسُ وَجَمْعُهُ دِحَاءٌ وَفِي مَقْطُوعِ الْأَحَادِيثِ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - رَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ دِحْيَةٍ تَحْتَ يَدِ كُلّ دِحْيَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ، وَرَوَاهُ ابْنُ سُنْجُرٍ فِي تَفْسِيرِهِ مُسْنَدًا إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهُذَيْلِ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو التّيّاحِ وَذَكَرَ أَنّ حَمّادَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ لِأَبِي التّيّاحِ حِينَ حَدّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا الدّحْيَةُ؟ قَالَ الرّئِيسُ وَأَمّا نَسَبُ دِحْيَةَ فَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ فَضَالَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْخَزْرَجُ الْعَظِيمُ الْبَطْنِ ابْنُ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَامِرِ الْأَكْبَرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللّاتِ بْنِ رُقَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبٍ يُذْكَرُ مِنْ جَمَالِهِ أَنّهُ كَانَ إذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ تَبْقَ مُعْصِرٌ وَهِيَ الْمُرَاهِقَةُ لِلْحَيْضِ إلّا خَرَجَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ. فِقْهُ لَا يُصَلّيَنّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﵇ "لَا يُصَلّيَنّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ" فَغَرَبَتْ عَلَيْهِمْ الشّمْسُ قَبْلَهَا، فَصَلّوْا الْعَصْرَ بِهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَمَا عَابَهُمْ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَلَا عَنّفَهُمْ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ أَنّهُ لَا يُعَابُ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ
[ ٦ / ٢٢٤ ]
وَتَلَاحَقَ بِهِ النّاسُ فَأَتَى رِجَالٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَلَمْ يُصَلّوا الْعَصْرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ "لَا يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ" فَشَغَلَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ بُدّ فِي حَرْبِهِمْ وَأَبَوْا أَنْ يُصَلّوا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ حَتّى تَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ فَصَلّوْا الْعَصْرَ بِهَا، بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَمَا عَابَهُمْ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَلَا عَنّفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. حَدّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالك الْأنْصَارِيّ.
حصارهم ومقالة كَعْب بن أَسد لَهُم:
[قَالَ]:
وَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتّى جَهِدَهُمْ الْحِصَارُ وَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ
_________________
(١) حَدِيثٍ أَوْ آيَةٍ فَقَدْ صَلّتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشّمْسُ وَقَالُوا: لَمْ يُرِدْ النّبِيّ - ﷺ - إخْرَاجَ الصّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَإِنّمَا أَرَادَ الْحَثّ وَالْإِعْجَالَ فَمَا عُنّفَ أَحَدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ كُلّ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْفُرُوعِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ وَفِي حُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي الْحَرْثِ أَصْلٌ لِهَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا، فَإِنّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فَفَهّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الْأَنْبِيَاءَ:٧٩] وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشّيْءُ صَوَابًا فِي حَقّ إنْسَانٍ وَخَطَأً فِي حَقّ غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَنْ اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَدّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى التّحْلِيلِ مُصِيبًا فِي اسْتِحْلَالِهِ وَآخَرُ اجْتَهَدَ فَأَدّاهُ اجْتِهَادُهُ وَنَظَرُهُ إلَى تَحْرِيمِهَا، مُصِيبًا فِي تَحْرِيمِهَا، وَإِنّمَا الْمُحَالُ أَنْ يُحْكَمَ فِي النّازِلَةِ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادّيْنِ فِي حَقّ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَإِنّمَا عَسُرَ فَهْمُ هَذَا الْأَصْلِ عَلَى طَائِفَتَيْنِ الظّاهِرِيّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، أَمّا الظّاهِرِيّةُ فَإِنّهُمْ عَلّقُوا الْأَحْكَامَ بِالنّصُوصِ فَاسْتَحَالَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ النّصّ يَأْتِي بِحَظْرِ وَإِبَاحَةٍ مَعًا إلّا عَلَى وَجْهِ النّسْخِ وَأَمّا الْمُعْتَزِلَةُ، فَإِنّهُمْ عَلّقُوا الْأَحْكَامَ بِتَقْبِيحِ الْعَقْلِ وَتَحْسِينِهِ فَصَارَ حُسْنُ الْفِعْلِ عِنْدَهُمْ أَوْ قُبْحُهُ صِفَةَ عَيْنٍ فَاسْتَحَالَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتّصِفَ فِعْلٌ بِالْحُسْنِ فِي حَقّ زَيْدٍ وَالْقُبْحِ فِي حَقّ عَمْرٍو،
[ ٦ / ٢٢٥ ]
وَقَدْ كَانَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ.
نَصِيحَةُ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ لِقَوْمِهِ
فَلَمّا أَيْقَنُوا بِأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتّى يُنَاجِزَهُمْ قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيّهَا شِئْتُمْ قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ نُتَابِعُ هَذَا الرّجُلَ وَنُصَدّقُهُ فَوَاَللهِ لَقَدْ تَبَيّنَ لَكُمْ أَنّهُ لَنَبِيّ مُرْسَلٌ وَأَنّهُ لَلّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ قَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ قَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيّ هَذِهِ فَهَلُمّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، ثُمّ نَخْرُجْ إلَى مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالًا مُصْلِتِينَ السّيُوفَ لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثِقَلًا، حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكْ وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا فَلَا نَخْشَى عَلَيْهِ وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَجِدَنّ النّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيّ هَذِهِ فَإِنّ اللّيْلَةَ لَيْلَةُ السّبْتِ وَإِنّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمِنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلّنَا
_________________
(١) كَمَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِي الْأَلْوَانِ وَالْأَكْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالذّوَاتِ وَأَمّا مَا عَدَا هَاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ مِنْ أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ فَلَيْسَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ عِنْدَهُمْ بِصِفَاتِ أَعْيَانٍ وَإِنّمَا هِيَ صِفَاتُ أَحْكَامٍ وَالْحُكْمُ مِنْ اللهِ تَعَالَى يَحْكُمُ بِالْحَظْرِ فِي النّازِلَةِ عَلَى مَنْ أَدّاهُ وَاجْتِهَادُهُ إلَى الْحَظْرِ وَكَذَلِكَ الْإِبَاحَةُ وَالنّدْبُ وَالْإِيجَابُ وَالْكَرَاهَةُ كُلّهَا صِفَاتُ أَحْكَامٍ فَكُلّ مُجْتَهِدٍ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ وَجْهًا مِنْ التّأْوِيلِ وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ مَا يَتَرَفّعُ بِهِ عَنْ حَضِيضِ التّقْلِيدِ إلَى هَضْبَةِ النّظَرِ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي اجْتِهَادِهِ مُصِيبٌ لِلْحُكْمِ الّذِي تَعَبّدَ بِهِ وَإِنْ تَعَبّدَ غَيْرُهُ فِي تِلْكَ النّازِلَةِ بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ مَا تَعَبّدَ هُوَ بِهِ فَلَا يُعَدّ فِي ذَلِكَ إلّا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَقَائِقَ أَوْ عَدَلَ بِهِ الْهَوَى عَن أوضح الطرائق.
[ ٦ / ٢٢٦ ]
نُصِيبُ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ غُرّةً قَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إلّا مَنْ قَدْ عَلِمْت، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك مِنْ الْمَسْخِ قَالَ مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ الدَّهْر حازما
أَبُو لبَابَة وتوبته:
[قَالَ]:
ثُمّ إنّهُمْ بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ ابْعَثْ إلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَانُوا حُلَفَاء الْأَوْسِ، لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ إلَيْهِ الرّجَالُ وَجَهَشَ إلَيْهِ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ فَرَقّ لَهُمْ وَقَالُوا لَهُ يَا أَبَا لُبَابَةَ أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمّدٍ؟ قَالَ نَعَمْ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ إنّهُ الذّبْحُ. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ فَوَاَللهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتّى عَرَفْت أَنّي قَدْ خُنْت اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ثُمّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ وَقَالَ لَا أَبْرَحُ مِنْ عُمُدِهِ وَقَالَ لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيّ مِمّا صَنَعْت، وَعَاهَدَ اللهَ أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْت اللهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ أبدا
مَا نزل فِي خِيَانَة أَبِي لُبَابَةَ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) حَوْلَ قِصّةِ أَبِي لُبَابَةَ فَصْلٌ وَذَكَرَ أَبَا لُبَابَةَ وَاسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَر وَقِيلَ اسْمُهُ مُبَشّرٌ وَتَوْبَتَهُ وَرَبْطَهُ نَفْسَهُ حَتّى تَابَ اللهُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ فِيهِ أَنّهُ أَقْسَمَ أَلّا يَحُلّهُ إلّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَوَى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنّ
[ ٦ / ٢٢٧ ]
وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي لُبَابَةَ فِيمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَنْفَالَ ٢٧] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَبَرُهُ وَكَانَ قَدْ اسْتَبْطَأَهُ قَالَ "أَمَا إنّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْت لَهُ فَأَمّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِاَلّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ"
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ إنّ تَوْبَةَ أَبِي لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ السّحَرِ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ. "فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: فَسَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ السّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ فَقُلْت: مِمّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَضْحَكَ اللهُ سِنّك؟ "قَالَ تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ"، قَالَتْ قُلْت: أَفَلَا أُبَشّرُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "بَلَى"، إنْ شِئْت. قَالَ فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنّ الْحِجَابُ فَقَالَتْ يَا أَبَا لُبَابَةَ أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَيْك. قَالَتْ فَثَارَ النّاسُ إلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ لَا وَاَللهِ حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الّذِي
_________________
(١) فَاطِمَةَ أَرَادَتْ حَلّهُ حِينَ نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ فَقَالَ قَدْ أَقْسَمْت أَلّا يَحُلّنِي إلّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنّ فَاطِمَةَ مُضْغَةٌ مِنّي" فَصَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى فَاطِمَةَ فَهَذَا حَدِيثٌ يَدُلّ عَلَى أَنّ مَنْ سَبّهَا فَقَدْ كَفَرَ وَأَنّ مَنْ صَلّى عَلَيْهَا، فَقَدْ صَلّى عَلَى أَبِيهَا - ﷺ - وَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ [التّوْبَةَ:١٠٢] الْآيَةَ غَيْرَ أَنّ الْمُفَسّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي ذَنْبِهِ مَا كَانَ فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا ذَكَرَهُ فِي السّيرَةِ مِنْ إشَارَتِهِ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَالَ آخَرُونَ كَانَ مِنْ الْمُخَلّفِينَ الّذِينَ تَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَنَزَلَتْ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
[ ٦ / ٢٢٨ ]
يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ فَلَمّا مَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَارِجًا إلَى صَلَاةِ الصُّبْح أطلقهُ.
مَا نزل فِي التَّوْبَة على أبي لبَابَة:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ مُرْتَبِطًا بِالْجِذْعِ سِتّ لَيَالٍ تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي كُلّ وَقْتِ صَلَاةٍ فَتَحُلّهُ لِلصّلَاةِ ثُمّ يَعُودُ فَيَرْتَبِطُ بِالْجِذْعِ فِيمَا حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَالْآيَةُ الّتِي نَزَلَتْ فِي تَوْبَتِهِ قَوْلُ اللهِ ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
_________________
(١) لَعَلّ وَعَسَى وَلَيْتَ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصّ عَلَى تَوْبَتِهِ وَتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَة:١٠٢] فَالْجَوَابُ أَنّ عَسَى مِنْ اللهِ وَاجِبَةٌ وَخَبَرُ صِدْقٍ. فَإِنْ قِيلَ وَهُوَ سُؤَالٌ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ إنّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَتْ عَسَى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِخَبَرِ وَلَا تَقْتَضِي وُجُوبًا، فَكَيْفَ تَكُونُ عَسَى وَاجِبَةً فِي الْقُرْآنِ وَلَيْسَ بِخَارِجِ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ؟ وَأَيْضًا: فَإِنّ لَعَلّ تُعْطِي مَعْنَى التّرَجّي، وَلَيْسَتْ مِنْ اللهِ وَاجِبَةً فَقَدْ قَالَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [ابراهيم:٣٧] فَلَمْ يَشْكُرُوا، وَقَالَ ﴿لَعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] فَلَمْ يَتَذَكّرْ وَلَمْ يَخْشَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ لَعَلّ وَعَسَى حَتّى صَارَتْ عَسَى وَاجِبَةً؟. قُلْنَا: لَعَلّ تُعْطِي التّرَجّيَ وَذَلِكَ التّرَجّي مَصْرُوفٌ إلَى الْخَلْقِ وَعَسَى مِثْلُهَا فِي التّرَجّي، وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِالْمُقَارَبَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءَ:٧٩] وَمَعْنَاهُ التّرَجّي مَعَ الْخَبَرِ بِالْقُرْبِ كَأَنّهُ قَالَ قَرُبَ أَنْ يَبْعَثَك، فَالتّرَجّي مَصْرُوفٌ إلَى الْعَبْدِ كَمَا فِي لَعَلّ وَالْخَبَرُ عَنْ الْقُرْبِ وَالْمُقَارَبَةِ مَصْرُوفٌ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَخَبَرُهُ حَقّ وَوَعْدُهُ حَتْمٌ فَمَا تَضَمّنَتْهُ مِنْ الْخَبَرِ فَهُوَ
[ ٦ / ٢٢٩ ]
خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَة:١٠٢]
إسْلَامُ بَعْضِ بَنِي هَدَلٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأَسَدَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هَدَلٍ لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النّضِيرِ نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ هُمْ بَنُو عَمّ الْقَوْمِ أَسْلَمُوا تِلْكَ اللّيْلَةَ الّتِي نَزَلَتْ فِيهَا بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
عَمْرُو بْنُ سُعْدَى
وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقُرَظِيّ، فَمَرّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللّيْلَةَ فَلَمّا رَآهُ قَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى - وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَا أَغْدِرُ بِمُحَمّدِ أَبَدًا - فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ اللهُمّ لَا تَحْرِمْنِي
_________________
(١) الْوَاجِبُ دُونَ التّرَجّي الّذِي هُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَمَصْرُوفٌ إلَى الْعَبْدِ وَلَيْسَ فِي لَعَلّ مِنْ تَضَمّنِ الْخَبَرِ مِثْلُ مَا فِي عَسَى، فَمِنْ ثَمّ كَانَتْ عَسَى وَاجِبَةً إذَا تَكَلّمَ اللهُ بِهَا، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَعَلّ. فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَجُوزُ فِي لَيْتَ مَا كَانَ فِي لَعَلّ مِنْ وُرُودِهَا فِي كَلَامِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ التّمَنّي مَصْرُوفًا إلَى الْعَبْدِ كَمَا كَانَ التّرَجّي فِي لَعَلّ كَذَلِكَ؟ قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي لَعَلّ عَلَى شَرْطٍ وَصُورَةٍ نَحْوَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا فِعْلٌ وَبَعْدَهَا فِعْلٌ وَالْأَوّلُ سَبَبٌ لِلثّانِي نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْل: من الْآيَة٩٠] فَقَالَ بَعْضُ النّاسِ لَعَلّ هَاهُنَا بِمَعْنَى كَيْ أَيْ كَيْ تَذْكُرُوهُ وَأَنَا أَقُولُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا مَعْنَى التّرَجّي، لِأَنّ الْمَوْعِظَةَ مِمّا يُرْجَى أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلتّذَكّرِ فَعَلَى هَذِهِ الصّورَةِ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوَ قَوْلِهِ أَيْضًا: ﴿فَلَعَلّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٌ:١٢] هِيَ هَاهُنَا تَوَقّعٌ
[ ٦ / ٢٣٠ ]
إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ. فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتّى أَتَى بَابَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللّيْلَةَ ثُمّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجّهَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَأْنُهُ فَقَالَ ذَاكَ رَجُلٌ نَجّاهُ اللهُ بِوَفَائِهِ وَبَعْضُ النّاسِ يَزْعُمُ أَنّهُ كَانَ أُوثِقَ بِرُمّةِ فِيمَنْ أُوثِقَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَصْبَحَتْ رُمّتُهُ مُلْقَاةً وَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِك كَانَ.
نزُول بَنِي قُرَيْظَةَ على حكم الرَّسُول وتحكيم سعد:
[قَالَ] F فَلَمّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَوَاثَبَتْ الْأَوْسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْت فِي مَوَالِي إخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْت - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَسَأَلَهُ إيّاهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ فَوَهَبَهُمْ لَهُ. فَلَمّا كَلّمَتْهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ"؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) وَتَخَوّفٌ أَيْ مَا أَصَابَك مِنْ التّكْذِيبِ مِمّا يَتَخَوّفُ وَيُتَوَقّعُ مِنْهُ ضِيقُ الصّدْرِ فَهَذَا هُوَ الْجَائِزُ فِي لَعَلّ وَأَمّا أَنْ تَرِدَ فِي الْقُرْآنِ دَاخِلَةً عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ مِثْلَ أَنْ تَقُولَ مُبْتَدِئًا: لَعَلّ زَيْدًا يُؤْمِنُ فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنّ الرّبّ سُبْحَانَهُ لَا يَتَرَجّى، وَإِنّ صُرِفَ التّرَجّي إلَى حَقّ الْمَخْلُوقِ وَمَوْضُوعُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلّمُ بِهَا لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا إلّا عَلَى الصّورَةِ الّتِي قَدّمْنَا مِنْ كَوْنِهَا بِمَعْنَى: كَيْ وَوُقُوعُهَا بَيْنَ السّبَبِ وَالْمُسَبّبِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي لَيْتَ أَنّهَا لَا تَكُونُ فِي كَلَامِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ لِأَنّ التّمَنّي مُحَالٌ عَلَيْهِ وَالتّرَجّي وَالتّوَقّعُ وَالتّخَوّفُ كَذَلِكَ حَتّى تُزِيلَهَا عَنْ الْمَوْضِعِ الّذِي يَكُونُ مَعْنَاهَا فِيهِ لِلْمُتَكَلّمِ بِهَا. مِنْ أَسْمَاءِ السّمَاءِ فَصْلٌ وَذَكَرَ حُكْمَ سَعْدٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَوْلُ النّبِيّ ﵇ لَهُ " لَقَدْ
[ ٦ / ٢٣١ ]
قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لِامْرَأَةِ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهَا: رُفَيْدَةُ فِي مَسْجِدِهِ كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السّهْمُ بِالْخَنْدَقِ "اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ". فَلَمّا حَكّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطّئُوا لَهُ بِوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيك، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ - إنّمَا وَلّاك ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ فَلَمّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ لَقَدْ آنَ لِسَعْدِ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ عَنْ كَلِمَتِهِ الّتِي سَمِعَ مِنْهُ. فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ" - فَأَمّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ إنّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَنْصَارَ، وَأَمّا الْأَنْصَارُ، فَيَقُولُونَ قَدْ عَمّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ - فَقَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ وَلّاك أَمْرَ مَوَالِيك لِتَحْكُمَ فِيهِمْ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ، أَنّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْت؟ قَالُوا: نَعَمْ وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا، فِي النّاحِيَةِ الّتِي فِيهَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إجْلَالًا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَعَمْ قَالَ سَعْدٌ فَإِنّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُقْسَمَ الْأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذَّرَارِي وَالنِّسَاء.
رِضَاء الرَّسُول بِحكم سعد:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقّاصٍ اللّيْثِيّ، قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَعْدِ "لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ.
_________________
(١) حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ " هَكَذَا فِي السّيرَةِ أَرْقِعَةٍ وَفِي
[ ٦ / ٢٣٢ ]
سَبَب نزُول بني قريضة على حكم سعد فِي رَأْي ابْن هِشَام
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
حَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ:
أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَاحَ وَهُمْ مُحَاصِرُو بَنِي قُرَيْظَةَ يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ، وَتَقَدّمَ هُوَ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، وَقَالَ وَاَللهِ لَأَذُوقَنّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ لَأَفْتَحَنّ حِصْنَهُمْ فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بن معَاذ
مقتل بَنِي قُرَيْظَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ اسْتُنْزِلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ
_________________
(١) الصّحِيحِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنّ الرّقِيعَ مِنْ أَسْمَاءِ السّمَاءِ لِأَنّهَا رُقِعَتْ بِالنّجُومِ وَمِنْ أَسْمَائِهَا: الْجَرْبَاءُ وَبِرْقِعُ وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ أَنّهُ ﵇ قَالَ فِي حُكْمِ سَعْدٍ "بِذَلِكَ طَرَقَنِي الْمَلَكُ سَحَرًا". فَوْقِيّةُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ تَعْلِيمُ حُسْنِ اللّفْظِ إذَا تَكَلّمَتْ بِالْفَوْقِ مُخْبِرًا عَنْ اللهِ سُبْحَانَهُ أَلَا تَرَاهُ كَيْفَ قَالَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَلَمْ يَقُلْ فَوْقُ عَلَى الظّرْفِ فَدَلّ عَلَى أَنّ الْحُكْمَ نَازِلٌ مِنْ فَوْقُ وَهُوَ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النّحْلَ:٥٠]، أَيْ يَخَافُونَ عِقَابًا يَنْزِلُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَهُوَ عِقَابُ رَبّهِمْ.
[ ٦ / ٢٣٣ ]
بَنِي النّجّارِ ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، الّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ ثُمّ بَعَثَ إلَيْهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ يُخْرَجُ بِهِمْ إلَيْهِ أَرْسَالًا، وَفِيهِمْ عَدُوّ اللهِ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، رَأْسُ الْقَوْمِ وَهُمْ سِتّ مِائَةٍ أَوْ سَبْعُ مِائَةٍ وَالْمُكْثِرُ لَهُمْ يَقُولُ كَانُوا بَيْن الثّمَانِ مِائَةٍ وَالتّسْعِ مِائَةٍ. وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْسَالًا: يَا كَعْبُ مَا تَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ أَفِي كُلّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدّاعِيَ لَا يَنْزِعُ وَأَنّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ؟ هُوَ وَاَللهِ الْقَتْلُ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدّأْبَ حَتّى فَرَغَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) فَإِنْ قِيلَ أَوَلَيْسَ بِجَائِزِ أَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ أَنّهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ؟ قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إطْلَاقِ ذَلِكَ فَإِنْ جَازَ فَبِدَلِيلِ آخَرَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ زَيْنَبَ زَوّجَنِي اللهُ مِنْ نَبِيّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَإِنّمَا مَعْنَاهُ أَنّ تَزْوِيجَهُ إيّاهَا نَزَلَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَلَا يَبْعُدُ فِي الشّرْعِ وَصْفُهُ سُبْحَانَهُ بِالْفَوْقِ عَلَى الْمَعْنَى الّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا عَلَى الْمَعْنَى الّذِي يَسْبِقُ لِلْوَهْمِ مِنْ التّحْدِيدِ وَلَكِنْ لَا يُتَلَقّى إطْلَاقُ ذَلِكَ الْوَصْفِ مِمّا تَقَدّمَ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثَيْنِ لِارْتِبَاطِ حَرْفِ الْجَرّ بِالْفِعْلِ حَتّى صَارَ وَصْفًا لَهُ لَا وَصْفًا لِلْبَارِي سُبْحَانَهُ وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي حَدِيثِ الْأُمّةِ الّتِي قَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ فِي السّمَاءِ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ شَافِيَةٌ رَافِعَةٌ لِكُلّ لَبْسٍ وَالْحَمْدُ لِلّهِ. كَيّسَةُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَبْسَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَدَثِ كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَالصّحِيحُ عِنْدَهُمْ بِنْتُ الْحَارِثِ وَاسْمُهَا: كَيّسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ
[ ٦ / ٢٣٤ ]
مَقْتَلُ ابْن أَخطب وَشعر ابْن جوال فِيهِ:
وَأُتِيَ بِحُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ عَدُوّ اللهِ وَعَلَيْهِ حُلّةٌ لَهُ فُقّاحِيّةٌ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فُقّاحِيّةٌ ضَرْبٌ مِنْ الْوَشْيِ - قَدْ شَقّهَا عَلَيْهِ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ لِئَلّا يَسْلُبَهَا، مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ. فَلَمّا نَظَرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ أَمَا وَاَللهِ مَا لُمْت نَفْسِي فِي عَدَاوَتِك، وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلْ اللهُ يُخْذَلْ لَمّا أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ أَيّهَا النّاسُ إنّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللهِ كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا اللهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ ثُمّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ
فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثّعْلَبِيّ:
_________________
(١) حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ، ثُمّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَكَيّسَةُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي النّسَاءِ وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ وَكَيّسَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرَة، رَوَتْ عَنْ أَبِيهَا عَنْ النّبِيّ - ﷺ - أَنّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ أَشَدّ النّهْيِ وَيَقُولُ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ فِيهَا الدّمُ وَأَمّا كَيْسَةُ بِسُكُونِ الْيَاءِ فَهِيَ بِنْتُ أَبِي كَثِيرٍ تَرْوِي عَنْ أُمّهَا عَنْ عَائِشَةَ فِي الْخَمْرِ لَا طَيّبَ اللهُ مَنْ تَطَيّبَ بِهَا، وَلَا شَفَى مَنْ اسْتَشْفَى بِهَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَةِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْكِتَابِ وَوَقَعَ اسْمُهَا فِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ: زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ النّجّارِيّةُ فَاَللهُ أَعْلَمُ. وَأَمّا كَيّسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فَهِيَ الّتِي أُنْزِلَ فِي دَارِهَا وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا. رُفَيْدَةُ وَذَكَرَ رُفَيْدَةَ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ أَسْلَمَ الّذِي كَانَ سَعْدٌ يُمَرّضُ فِي خَيْمَتِهَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو عُمَرَ وَزَادَهَا أَبُو عَلِيّ الْغَسّانِيّ فِي كِتَابِ أَبِي عُمَرَ حَدّثَنِي بِتِلْكَ الزّوَائِدِ
[ ٦ / ٢٣٥ ]
لَعَمْرُك مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلْ اللهُ يُخْذَلْ
لَجَاهَدَ حَتّى أَبْلَغَ النّفْسَ عُذْرَهَا وَقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزّ كُلّ مُقَلْقَلِ
الْمَرْأَةُ الْقَتِيلُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنّهَا قَالَتْ لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إلّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَتْ وَاَللهِ إنّهَا لَعِنْدِي تَحَدّثُ مَعِي،
_________________
(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ عَنْهُ وَحَدّثَنِي عَنْهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عُمَرَ أَنّهُ قَالَ لِأَبِي عَلِيّ أَمَانَةُ اللهِ فِي عُنُقِك، مَتَى عَثَرْت عَلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الصّحَابَةِ لَمْ أَذْكُرْهُ إلّا أَلْحَقْته فِي كِتَابِي الّذِي فِي الصّحَابَةِ. غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأَسَدَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدَ بْنَ سَعْيَةَ وَهُمْ مِنْ بَنِي هَدَلٍ وَقَدْ تَكَلّمْنَا فِي الْجُزْءِ الثّانِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى سَعْيَةَ وَسُعْنَةَ بِالنّونِ وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي أَسِيدٍ وَأُسَيْدٍ وَذَكَرْنَا خَبَرًا عَجِيبًا لِزَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ بِالْيَاءِ وَمَنْ قَالَ مِنْ النّسّابِينَ هَدْلٌ بِسُكُونِ الدّالِ فِي بَنِي هَدَلٍ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ. قَتْلُ الْمُرْتَدّةِ وَأَمّا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَفِيهَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِقَتْلِ الْمُرْتَدّةِ
[ ٦ / ٢٣٦ ]
وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السّوقِ إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟ قَالَتْ أَنَا وَاَللهِ قَالَتْ قُلْت لَهَا: وَيْلَك، مَا لَك؟ قَالَتْ أُقْتَلُ قُلْت: وَلِمَ؟ قَالَتْ لِحَدَثِ أَحْدَثْته، قَالَتْ فَانْطُلِقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ فَوَاَللهِ مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنّهَا تُقْتَلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَهِيَ الّتِي طَرَحَتْ الرّحَا عَلَى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَقَتَلَتْهُ.
شَأْنُ الزّبِيرِ بْن بَاطَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ كَمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، أَتَى الزّبِيرَ بْنَ بَاطَا الْقُرَظِيّ وَكَانَ يُكَنّى أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ وَكَانَ الزّبِيرُ قَدْ مَنّ عَلَى
_________________
(١) مِنْ النّسَاءِ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ "مَنْ بَدّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الْعُمُومِ قُوّةٌ أُخْرَى، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْعِلّةِ وَهُوَ التّبْدِيلُ وَالرّدّةُ وَلَا حُجّةَ مَعَ هَذَا لِمَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاق بِأَنْ لَا تُقْتَلَ الْمَرْأَةُ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ قَتْلِ النّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَلِلِاحْتِجَاجِ لِلْفَرِيقَيْنِ وَمَا نَزَلَ بِهِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْطِنٌ غَيْرُ هَذَا. الزّبِيرُ بْنُ بَاطَا فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ الزّبِيرِ بْنِ بَاطَا، وَهُوَ الزّبِيرُ بِفَتْحِ الزّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ جَدّ الزّبِيرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُوَطّأِ فِي كِتَابِ النّكَاحِ
[ ٦ / ٢٣٧ ]
ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ. ذَكَرَ لِي بَعْضُ وَلَدِ الزّبِيرِ أَنّهُ كَانَ مَنّ عَلَيْهِ يَوْمَ بُعَاثٍ أَخَذَهُ فَجَزّ نَاصِيَتَهُ ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ - فَجَاءَهُ ثَابِتٌ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَك، قَالَ إنّي قَدْ أَرَدْت أَنْ أَجْزِيَك بِيَدِك عِنْدِي، قَالَ إنّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ ثُمّ أَتَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُ قَدْ كَانَتْ لِلزّبِيرِ عَلَيّ مِنّةٌ وَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا، فَهَبْ لِي دَمَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "هُوَ لَك"، فَأَتَاهُ فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ وَهَبَ لِي دَمَك، فَهُوَ لَك، قَالَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟ قَالَ فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ هَبْ لِي امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ قَالَ "هُمْ لَك". قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ قَدْ وَهَبَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَك وَوَلَدَك، فَهُمْ لَك، قَالَ أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَالَهُ قَالَ "هُوَ لَك". فَأَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ قَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَالَك، فَهُوَ لَك، قَالَ أَيْ ثَابِتُ مَا فَعَلَ الّذِي كَأَنّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيّةٌ يَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيّ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ قُتِلَ قَالَ فَمَا فَعَلَ سَيّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ قُتِلَ قَالَ فَمَا فَعَلَ مُقَدّمَتُنَا إذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا، عَزّالُ بْنُ سَمَوْأَلٍ؟ قَالَ قُتِلَ قَالَ فَمَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وَبَنِيّ عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ؟ قَالَ ذَهَبُوا قُتِلُوا. قَالَ فَإِنّي أَسْأَلُك يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَك إلّا أَلْحَقْتنِي بِالْقَوْمِ فَوَاَللهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ فَمَا أَنَا بِصَابِرِ لِلّهِ قَتْلَةُ دَلْوٍ نَاضِحٍ حَتّى أَلْقَى الْأَحِبّةَ. فَقَدّمَهُ ثَابِتٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
فَلَمّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ قَوْلُهُ أَلْقَى الْأَحِبّةَ. قَالَ يَلْقَاهُمْ وَاَللهِ فِي نَارِ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا مخلد.
_________________
(١) وَاخْتُلِفَ فِي الزّبِيرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ فَقِيلَ الزّبِيرُ بِفَتْحِ الزّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ كَاسْمِ جَدّهِ وَقِيلَ الزّبَيْرُ وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيّ فِي التّارِيخِ. وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ الزّبِيرِ فَمَا أَنَا بِصَابِرِ لِلّهِ فَتْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحِ
[ ٦ / ٢٣٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَبَلَةَ دَلْوٍ نَاضِحٍ. وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى فِي " قَبَلَةٍ":
وَقَابِلٍ يَتَغَنّى كُلّمَا قَدَرَتْ عَلَى الْعَرَاقِيّ يَدَاهُ قَائِمًا دَفَقَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَقَابِلٍ يُتَلَقّى، يَعْنِي قَابِلَ الدَّلْو يتَنَاوَل.
أَمر عَطِيّةُ وَرِفَاعَةُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجّاجِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيّةَ الْقُرَظِيّ، قَالَ
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ كُلّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ وَكُنْت
_________________
(١) وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: إنّمَا هُوَ قَبَلَةُ دَلْوٍ بِالْقَافِ وَالْبَاءِ وَقَابِلُ الدّلْوِ هُوَ الّذِي يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُسْتَقَى. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْحَدِيثَ فِي الْأَقْوَالِ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَاهُ جَمِيعًا، فَقَالَ قَالَ الزّبِيرُ يَا ثَابِتُ أَلْحِقْنِي بِهِمْ فَلَسْت صَابِرًا عَنْهُمْ إفْرَاغَةُ دَلْوٍ. الْإِنْبَاتُ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَطِيّةَ الْقُرَظِيّ، وَهُوَ جَدّ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَذَكَرَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ أَنْبَتَ فَتُرِكَ فَفِي هَذَا أَنّ الْإِنْبَاتَ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ إذَا جُهِلَ الِاحْتِلَامُ وَلَمْ تُعْرَفْ سِنُوهُ.
[ ٦ / ٢٣٩ ]
غُلَامًا، فَوَجَدَنِي لَمْ أُنْبِتْ فَخَلّوْا سَبِيلِي.
قَالَ [ابْن إِسْحَاق] وَحَدّثَنِي أَيّوبُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ
أَنّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ، أُمّ الْمُنْذِرِ أُخْتَ سَلِيطِ ابْنِ أُخْتِ سَلِيطِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَتْ إحْدَى خَالَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ صَلّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ وَبَايَعَتْهُ بَيْعَةَ النّسَاءِ - سَأَلَتْهُ رِفَاعَةُ بْنُ سَمَوْأَلٍ الْقُرَظِيّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ بَلَغَ فَلَاذَ بِهَا، وَكَانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَتْ
_________________
(١) حُلّةُ حُيَيّ وَذَكَرَ حُيَيّ بْنَ أَخْطَبَ حِينَ قُدّمَ إلَى الْقَتْلِ وَعَلَيْهِ حُلّةٌ فُقّاحِيّةٌ. الْحُلّةُ: إزَارٌ وَرِدَاءٌ وَأَصْلُ تَسْمِيَتِهَا بِهَذَا إذَا كَانَ الثّوْبَانِ جَدِيدَيْنِ كَمَا حَلّ طَيّهُمَا، فَقِيلَ لَهُ حُلّةٌ لِهَذَا، ثُمّ اسْتَمَرّ عَلَيْهِ الِاسْمُ قَالَهُ الْخَطّابِيّ. وَقَوْلُهُ فُقّاحِيّةٌ نُسِبَتْ إلَى الْفُقّاحِ وَهُوَ الزّهْرُ إذَا انْشَقّتْ أَكِمّتُهُ وَانْضَرَجَتْ بَرَاعِيمُهُ وَتَفَتّقَتْ أَخْفِيَتُهُ فَيُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ فَقّحَ وَهُوَ فُقّاحٌ. وَالْقَنَابِعُ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْبَرَاعِيمِ وَاحِدُهَا: قُنْبُعَةٌ وَأَمّا الْفُقّاعُ بِالْعَيْنِ فَهُوَ الْفِطْرُ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: آذَانُ الْكَمْأَةِ مِنْ كِتَابِ النّبَاتِ. وَيُرْوَى أَيْضًا: حُلّةٌ شُقَحِيّةٌ وَهُوَ سَنْحُ الْبُسْرِ إذَا تَلَوّنَ. قَالَهُ الْخَطّابِيّ. وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلْ اللهَ يُخْذَلْ بِنَصْبِ الْهَاءِ مِنْ اسْمِ اللهِ وَيُصَحّحُ هَذِهِ الرّوَايَةَ أَنّ فِي الْخَبَرِ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ "أَلَمْ يُمَكّنْ اللهُ مِنْك؟ فَقَالَ بَلَى، وَلَقَدْ قَلْقَلْت كُلّ مُقَلْقَلِ وَلَكِنْ مَنْ يَخْذُلْك يُخْذَلْ" فَقَوْلُهُ يَخْذُلْك كَقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْبَيْتِ
[ ٦ / ٢٤٠ ]
يَا نَبِيّ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، هَبْ لِي رِفَاعَةَ، فَإِنّهُ قَدْ زَعَمَ أَنّهُ سَيُصَلّي وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ قَالَ فَوَهَبَهُ لَهَا فاستحيته
قسم فَيْءَ بَنِي قُرَيْظَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَسّمَ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَعْلَمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُهْمَانَ الْخَيْلِ وَسُهْمَانَ الرّجَالِ وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ الْفَرَسُ سَهْمَانِ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ وَلِلرّاجِلِ مَنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ سَهْمٌ. وَكَانَتْ الْخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ أَوّلَ فَيْءٍ وَقَعَتْ فِيهِ السّهْمَانُ وَأُخْرِجَ مِنْهَا الْخُمُسُ فَعَلَى سُنّتِهَا وَمَا مَضَى مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا وَقَعَتْ الْمَقَاسِمُ وَمَضَتْ السّنّةُ فِي الْمَغَازِي.
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ أَخَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِسَبَايَا مِنْ
_________________
(١) وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلْ اللهَ يُخْذَلْ لِأَنّهُ إنّمَا نَظَمَ فِي الْبَيْتِ كَلَامَ حُيَيّ. سَلْمَى بِنْتُ أَيّوبَ وَذَكَرَ حَدِيثَهُ عَنْ أَيّوبَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ قَالَ وَقَعَ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيّ أَنّ أَيّوبَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُخْبِرُ أَنّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ هِيَ سَلْمَى بِنْتُ أَيّوبَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ الصّحِيحُ وَاَللهُ أَعْلَمُ. سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ وَقَوْلُهُ عَنْ سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ، هِيَ سَلْمَى بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ النّجّارِ.
[ ٦ / ٢٤١ ]
سَبَايَا بَنِي قُرَيْظَةَ إلَى نَجْدٍ، فَابْتَاعَ لَهُمْ بِهَا خَيْلًا وَسِلَاحًا.
شَأْن رَيْحَانَة
[قَالَ]:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ فَكَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى تُوُفّيَ عَنْهَا وَهِيَ فِي مُلْكِهِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوّجَهَا، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مُلْكِك، فَهُوَ أَخَفّ عَلَيّ وَعَلَيْك، فَتَرَكَهَا. وَقَدْ كَانَتْ حِينَ سَبَاهَا قَدْ تَعَصّتْ بِالْإِسْلَامِ وَأَبَتْ إلّا الْيَهُودِيّةَ فَعَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ لِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا. فَبَيْنَا هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ إذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ فَقَالَ إنّ هَذَا لِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ يُبَشّرُنِي بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ فَجَاءَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ فَسَرّهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا
مَا نَزَلَ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِيّ قُرَيْظَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ، وَأَمَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْقُرْآنِ الْقِصّةُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، يَذْكُرُ فِيهَا مَا نَزَلَ مِنْ الْبَلَاءِ وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَكِفَايَتِهِ إيّاهُمْ فَرّجَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بَعْدَ مَقَالَةِ مَنْ قَالَ مِنْ أهل النِّفَاق ﴿﴿ريَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) تَفْسِيرُ آيَاتٍ قُرْآنِيّةٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الْأَحْزَاب:١٠] وَالْقَلْبُ لَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَوْ انْتَقَلَ إلَى الْحَنْجَرَةِ لَمَاتَ صَاحِبُهُ وَاَللهُ سُبْحَانَهُ لَا يَقُولُ إلّا الْحَقّ فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ التّكَلّمَ بِالْمَجَازِ عَلَى جِهَةِ الْمُبَالَغَةِ فَهُوَ حَقّ إذَا فَهِمَ الْمُخَاطَبُ عَنْك، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضّ فَأَقَامَهُ﴾ [الْكَهْف:٧٧] [الْكَهْفَ: ٧٧]، أَيْ مَثَلُهُ كَمَثَلِ مَنْ يُرِيدَ أَنْ يَفْعَلَ الْفِعْلَ وَبِهِمْ بِهِ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التّشْبِيهِ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ مِثْلُهُمْ فِيمَا بَلَغَهُمْ مِنْ الْخَوْفِ وَالْوَهَلِ وَضِيقِ
[ ٦ / ٢٤٢ ]
إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الْأَحْزَاب:٩] وَالْجُنُودُ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانَتْ الْجُنُودُ الّتِي أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرّيحِ الْمَلَائِكَةَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الْأَحْزَاب:١٠] فَاَلّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَاَلّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ. يَقُولُ اللهُ "تَبَارَكَ وَ" تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الْأَحْزَاب:١٢] لِقَوْلِ مُعَتّبِ بْنِ قُشَيْرٍ إذْ يَقُولُ مَا قَالَ ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النّبِيّ يَقُولُونَ إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الْأَحْزَاب:١٣﴾ لِقَوْلِ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيّ وَمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِ مِنْ قَوْمِهِ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الْأَحْزَاب:١٤] أَيْ الْمَدِينَةِ.
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) الصّدْرِ كَمِثْلِ الْمُنْخَلِعِ قَلْبُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ. تَقْدِيرُهُ بَلَغَ وَجِيفُ الْقُلُوبِ الْحَنَاجِرَ وَأَمّا قَوْلُهُ ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غَافِرَ:١٨] فَلَا مَعْنَى لِحَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ لِأَنّهُ فِي صِفَةِ هَوْلِ الْقِيَامَةِ وَالْأَمْرُ فِيهِ أَشَدّ مِمّا تَقَدّمَ لَا سِيمَا وَقَدْ قَالَ فِي أُخْرَى: ﴿لَا يَرْتَدّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ٌ﴾ [إبْرَاهِيمَ ٤٣]، أَيْ قَدْ فَارَقَ الْقَلْبُ الْفُؤَادَ وَبَقِيَ فَارِغًا هَوَاءً وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْقَلْبَ غَيْرُ الْفُؤَادِ كَأَنّ الْفُؤَادَ هُوَ غِلَافُ الْقَلْبِ وَيُؤَيّدُهُ قَوْلُ النّبِيّ ﷺ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ: "أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقّ أَفْئِدَةً" مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزّمَرَ ٢٢] . وَلم يقل القاسية أفئدتهم، وَالْقَسْوَة ضد اللين، فَتَأَمّله.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
الْأَقْطَارُ الْجَوَانِبُ وَوَاحِدُهَا: قُطْرٌ، وَهِيَ الْأَقْتَارُ وَوَاحِدُهَا: قُتْرٌ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
كَمْ مِنْ غِنَى فَتَحَ الْإِلَهُ لَهُمْ بِهِ وَالْخَيْلُ مُقْعِيَةٌ عَلَى الْأَقْطَارِ
وَيُرْوَى: " عَلَى الْأَقْتَارِ ". وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
﴿ثُمّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ الرّجُوعَ إلَى الشّرْكِ ﴿لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبّثُوا بِهَا إِلّا يَسِيرًا وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ [الْأَحْزَاب:١٥] فَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ، وَهُمْ الّذِينَ هَمّوا أَنْ يَفْشَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ بَنِي سَلِمَةَ حِينَ هَمّتَا بِالْفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمّ عَاهَدُوا اللهَ أَنْ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِهَا أَبَدًا، فَذَكَرَ لَهُمْ الّذِينَ أَعْطَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتّعُونَ إِلّا قَلِيلًا ً، قُلْ مَنْ ذَا الّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّا وَلَا نَصِيرًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أَيْ أَهْلَ النّفَاقِ ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الْأَحْزَاب:١٨] لَا أَيْ إلّا دَفْعًا وَتَعْذِيرًا ﴿أَشِحّةً عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ لِلضّغْنِ الّذِي فِي أَنْفُسِهِمْ ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أَيْ إعْظَامًا لَهُ وَفَرَقًا مِنْهُ ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أَيْ فِي الْقَوْلِ بِمَا لَا تُحِبّونَ لِأَنّهُمْ لَا يَرْجُونَ آخِرَةً وَلَا تَحَمّلُهُمْ حِسْبَةً فَهُمْ يَهَابُونَ الْمَوْتَ هَيْبَةَ مَنْ لَا يَرْجُونَ مَا بَعْدَهُ.
_________________
(١) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الْأَحْزَابَ:١٨] أَيْ الْمُخَذّلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ فَيُعَوّقُونَهُمْ بِالتّخْذِيلِ عَنْ الطّاعَةِ لِقَوْلِهِمْ هَلُمّ إلَيْنَا. تَقُولُ عَاقَنِي الْأَمْرُ عَنْ كَذَا، وَعَوّقَنِي فُلَانٌ عَنْ كَذَا، أَيْ صَرَفَنِي عَنْهُ.
[ ٦ / ٢٤٤ ]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
سَلَقُوكُمْ بَالَغُوا فِيكُمْ بِالْكَلَامِ فَأَحْرَقُوكُمْ وَآذَوْكُمْ. تَقُولُ الْعَرَبُ: خَطِيبٌ سَلّاقٌ وَخَطِيبٌ مِسْلَقٌ وَمِسْلَاقٌ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
فِيهِمْ الْمَجْدُ وَالسّمَاحَةُ وَالنّ جْدَةُ فِيهِمْ وَالْخَاطِبُ السّلّاقُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدّوا لَوْ أَنّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلا﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٠]
ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الْأَحْزَاب: ٢١] أَيْ لِئَلّا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ مَكَانٍ هُوَ بِهِ.
ثُمّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ وَصِدْقَهُمْ وَتَصْدِيقَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ اللهُ مِنْ الْبَلَاءِ يَخْتَبِرُهُمْ بِهِ فَقَالَ ﴿وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٢] أَيْ صَبْرًا عَلَى الْبَلَاءِ وَتَسْلِيمًا لِلْقَضَاءِ وَتَصْدِيقًا لِلْحَقّ لَمّا كَانَ اللهُ تَعَالَى وَعَدَهُمْ وَرَسُولُهُ ﷺ ثُمّ قَالَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَه﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٣] أَيْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَرَجَعَ إلَى رَبّهِ كَمَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ.
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٤٥ ]
قَضَى نَحْبَهُ مَاتَ وَالنّحْبُ النّفْسُ فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمْعُهُ نُحُوبٌ قَالَ ذُو الرّمّةِ
عَشِيّةَ فَرّ الْحَارِثِيّونَ بَعْدَ مَا قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى الْخَيْلِ هَوْبَرُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَهَوْبَرُ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ أَرَادَ زَيْدَ بْنَ هَوْبَرٍ. وَالنّحْبُ "أَيْضًا": النّذْرُ قَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى:
بِطِخْفَةَ جَالَدْنَا الْمُلُوكَ وَخَيْلُنَا عَشِيّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
يَقُولُ عَلَى نَذْرٍ كَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تَقْتُلَهُ فَقَتَلَتْهُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَبَسْطَامٌ بَسْطَامُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ الشّيْبَانِيّ، وَهُوَ ابْنُ ذِي الْجَدّيْنِ حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّهُ كَانَ فَارِسَ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَطِخْفَةُ: مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الْبَصْرَةِ. وَالنّحْبُ "أَيْضًا": الْخِطَارُ وَهُوَ الرّهَانُ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَإِذْ نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلَى النّاسِ أَيّنَا عَلَى النّحْبِ أَعْطَى لِلْجَزِيلِ وَأَفْضَلُ
وَالنّحْبُ "أَيْضًا": الْبُكَاءُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ يَنْتَحِبُ. وَالنّحْبُ "أَيْضًا ": الْحَاجَةُ وَالْهِمّةُ تَقُولُ مَا لِي عِنْدَهُمْ نَحْبٌ. قَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِيّ:
وَمَا لِي نَحْبٌ عِنْدَهُمْ غَيْرَ أَنّنِي تَلَمّسْت مَا تَبْغِي مِنْ الشّدُنِ الشّجْرِ
وَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَؤُلَاءِ مَوَالِي بَنِي حَنِيفَةَ
وَنَجّى يُوسُفَ الثّقَفِيّ رَكَضٌ دِرَاكٌ بَعْدَ مَا وَقَعَ اللّوَاءُ
وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ لَقَضَيْنَ نَحْبًا بِهِ وَلِكُلّ مُخْطَأَةٍ وِقَاءُ
وَالنّحْبُ "أَيْضًا": السّيْرُ الْخَفِيفُ الْمَرّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٤٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ أَيْ مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ مِنْ نَصْرِهِ وَالشّهَادَة عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الْأَحْزَاب:٢٣] أَيْ مَا شَكّوا وَمَا تَرَدّدُوا فِي دِينِهِمْ وَمَا اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ. ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَرَدّ اللهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ أَيْ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أَيْ بَنِي قُرَيْظَةَ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٤-٢٦] وَالصّيَاصِي: الْحُصُونُ وَالْآطَامُ الّتِي كَانُوا فِيهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
قَالَ سُحَيْمٌ عِنْدَ بَنِي الْحَسْحَاسِ وَبَنُو الْحَسْحَاسِ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ:
وَأَصْبَحَتْ الثّيرَانُ صَرْعَى وَأَصْبَحَتْ نِسَاءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصّيَاصِيَا
_________________
(١) وَذَكَرَ الصّيَاصِيَ وَأَنّهَا الْحُصُونُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ سُحَيْمٍ يَصِفُ سَيْلًا: وَأَصْبَحَتْ الثّيرَانُ صَرْعَى، وَأَصْبَحَتْ نِسَاءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصّيَاصِيَا وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ ﵀ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ الصّيَاصِي: قُرُونُ الثّيرَانِ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ لَا مَا تَوَهّمَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّهَا الْحُصُونُ وَالْآطَامُ يَقُولُ لَمّا أَهْلَكَ هَذَا السّيْلُ الثّيرَانَ وَغَرّقَهَا أَصْبَحَتْ نِسَاءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ أَخْذَ قُرُونِهَا، لِيَنْسِجْنَ بِهَا الْبُجُدَ وَهِيَ الْأَكْسِيَةُ قَالَ هَذَا يَعْقُوبُ عَنْ الْأَصْمَعِيّ. وَيُصَحّحُ هَذَا أَنّهُ لَا حُصُونَ فِي بَادِيَةِ الْأَعْرَابِ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَيُصَحّحُ هَذَا التّفْسِيرَ أَيْضًا رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ لَهُ فَإِنّهُ أَنْشَدَهُ فِي كِتَابِ النّبَاتِ لَهُ فَقَالَ فِيهِ يَلْتَقِطْنَ الصّيَاصِيَا وَلَمْ يَقُلْ يَبْتَدِرْنَ وَأَنْشَدَ
[ ٦ / ٢٤٧ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصّيَاصِي "أَيْضًا): الْقُرُونُ. قَالَ النّابِغَةُ الْجَعْدِيّ:
وَسَادَةَ رَهْطِي حَتّى بَقِي ت فَرْدًا كَصِيصَةِ الْأَعْضَبِ
يَقُولُ أَصَابَ الْمَوْتُ سَادَةَ رَهْطِي. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الْإِيَادِيّ:
فَذَعَرْنَا سُحْمَ الصّيَاصِي بِأَيْدِي هِنّ نَضْحٌ مِنْ الْكُحَيْلِ وَقَارُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصّيَاصِي أَيْضًا: الشّوْكُ الّذِي لِلنّسّاجِينَ فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. وَأَنْشَدَنِي لِدُرَيْدِ بْنِ الصّمّةِ الْجُشَمِيّ جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ:
نَظَرْت إلَيْهِ وَالرّمَاحُ تَنُوشُهُ كَوَقْعِ الصّيَاصِي فِي النّسِيجِ الْمُمَدّدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصّيَاصِي "أَيْضًا": الّتِي تَكُونُ فِي أَرْجُلِ الدّيَكَةِ نَاتِئَةٍ كَأَنّهَا الْقُرُونُ الصّغَارُ وَالصّيَاصِي "أَيْضًا): الْأُصُولُ. أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْعَرَبَ تَقُولُ جَذّ اللهُ صِيصِيَتَهُ أَيْ أَصْلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الْأَحْزَاب:٢٦] أَيْ قَتْلَ الرّجَالِ وَسَبْيَ الذّرَارِيّ وَالنّسَاءِ ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ
_________________
(١) فَذَعَرْنَا سُحْمَ الصّيَاصِي بِأَيْدِي هِنّ نَضْحٌ مِنْ الْكُحَيْلِ وَقَارُ الْكُحَيْلُ الْقَطِرَانُ وَالْقَارُ الزّفْتُ شَبّهَ السّوَادَ الّذِي فِي أَيْدِيهِنّ بِنَضْحِ مِنْ ذَلِكَ الْكُحَيْلِ وَالْقَارِ يَصِفُ بَعْرَ وَحْشٍ وَأَنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصّمّةِ كَوَقْعِ الصّيَاصِي فِي النّسِيجِ الْمُمَدّدِ وَحَمَلَهُ الْأَصْمَعِيّ عَلَى مَا تَقَدّمَ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ هَذَا مِنْ أَنّهَا الْقُرُونُ الّتِي يُنْسَجُ بِهَا، لَا أَنّهَا شَوْكٌ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
تَطَأُوهَا﴾ يَعْنِي خَيْبَرَ ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرا﴾ [الْأَحْزَاب:٢٧]
وَفَاة سَعْدٍ بن معَاذ وَمَا ظهر مَعَ ذَلِك
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جُرْحُهُ فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
حَدّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ الزّرَقِيّ، قَالَ حَدّثَنِي مَنْ شِئْت مِنْ رِجَالِ قَوْمِي:
أَنّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قُبِضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ مَنْ هَذَا الْمَيّتُ الّذِي فُتّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السّمَاءِ وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيعًا يَجُرّ ثَوْبَهُ إلَى سَعْدٍ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ.
_________________
(١) اهْتِزَازُ الْعَرْشِ وَذَكَرَ اهْتِزَازَ الْعَرْشِ وَقَدْ تَكَلّمَ النّاسُ فِي مَعْنَاهُ وَظَنّوا أَنّهُ مُشْكِلٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الِاهْتِزَازُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِبْشَارِ بِقُدُومِ رُوحِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ حَمَلَةَ الْعَرْشِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِبْعَادًا مِنْهُمْ لِأَنْ يَهْتَزّ الْعَرْشُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا بُعْدَ فِيهِ لِأَنّهُ مَخْلُوقٌ وَتَجُوزُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالْهَزّةُ وَلَا يُعْدَلُ عَنْ ظَاهِرِ اللّفْظِ مَا وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلٌ وَحَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ لِمَوْتِ سَعْدٍ صَحِيحٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي مَعْنَاهُ أَنّهُ سَرِيرُ سَعْدٍ اهْتَزّ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَقَالُوا: كَانَتْ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيّيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ ضَغَائِنُ. وَفِي لَفْظِ الْحَدِيثِ اهْتَزّ عَرْشُ
[ ٦ / ٢٤٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَتْ:
أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ قَافِلَةً مِنْ مَكّةَ، وَمَعَهَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَلَقِيَهُ مَوْتُ امْرَأَةٍ لَهُ فَحَزِنَ عَلَيْهَا بَعْضَ الْحُزْنِ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَغْفِرُ اللهُ لَك يَا أَبَا يَحْيَى، أَتَحْزَنُ عَلَى امْرَأَةٍ وَقَدْ أُصِبْت بِابْنِ عَمّك، وَقَدْ اهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، قَالَ كَانَ سَعْدٌ رَجُلًا بَادِنًا، فَلَمّا حَمَلَهُ النّاسُ وَجَدُوا لَهُ خِفّةً فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَاَللهِ إنْ كَانَ لَبَادِنًا، وَمَا حَمَلْنَا مِنْ جِنَازَةٍ أَخَفّ مِنْهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ "إنّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرَكُمْ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ اسْتَبْشَرَتْ الْمَلَائِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ"
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَحَدّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
لَمّا دُفِنَ سَعْدٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَبّحَ النّاسُ مَعَهُ ثُمّ كَبّرَ فَكَبّرَ النّاسُ مَعَهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مِمّ سَبّحْت؟ قَالَ "لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصّالِحِ قَبْرُهُ، حَتّى فَرّجَهُ اللهُ عَنْهُ"
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَمَجَازُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ عَائِشَةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إنّ لِلْقَبْرِ لَضَمّةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا لَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ"
_________________
(١) الرّحْمَنِ رَوَاهُ أَبُو الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ كِلَاهُمَا عَنْ جَابِرٍ وَرَوَاهُ مِنْ الصّحَابَةِ جَمَاعَةٌ غَيْرُ جَابِرٍ مِنْهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَرُمَيْثَةُ بِنْتُ عَمْرٍو، ذَكَرَ ذَلِكَ التّرْمِذِيّ. وَالْعَجَبُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ مِنْ إنْكَارِهِ لِلْحَدِيثِ
[ ٦ / ٢٥٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِسَعْدِ يَقُولُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ:
وَمَا اهْتَزّ عَرْشُ اللهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكٍ سَمِعْنَا بِهِ إلّا لِسَعْدِ أَبِي عَمْرٍو
وَقَالَتْ أُمّ سَعْدٍ حِينَ اُحْتُمِلَ نَعْشُهُ وَهِيَ تَبْكِيهِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - وَهِيَ كُبَيْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ وَهُوَ خُدْرَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ:
وَيْلُ أُمّ سَعْدٍ سَعْدًا صَرَامَةً وَحَدّا
وسُودَدًا وَمَجْدًا وَفَارِسًا مُعَدّا
سُدّ بِهِ مَسَدّا يَقُدّ هَامًا قَدّا
يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ إلّا نَائِحَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
شُهَدَاءُ يَوْم الخَنْدَق
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمْ يُسْتَشْهَدْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلّا سِتَّة نفر.
من بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَنَسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
_________________
(١) وَكَرَاهِيَتِهِ لِلتّحَدّثِ بِهِ مَعَ صِحّةِ نَقْلِهِ وَكَثْرَةِ الرّوَاةِ لَهُ وَلَعَلّ هَذِهِ الرّوَايَةَ لَمْ تَصِحّ عَنْ مَالِكٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ
[ ٦ / ٢٥١ ]
من بني جشم:
وَمِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ الطّفَيْلُ بْنُ النّعْمَانَ وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ. رَجُلَانِ.
من بني النجار:
وَمِنْ بَنِي النّجّارِ ثُمّ مِنْ بَنِي دِينَارٍ: كَعْبُ بْنُ زَيْدٍ أَصَابَهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ.
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَهْمُ غَرْبٍ وَسَهْمٌ غَرْبٌ بِإِضَافَةِ وَغَيْرِ إضَافَةٍ وَهُوَ الّذِي لَا يُعْرَفُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ وَلَا مَنْ رَمَى بِهِ.
قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ
وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي عبد الدَّار:
من بني عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: مُنَبّهُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، أَصَابَهُ سَهْمٌ فَمَاتَ مِنْهُ بِمَكّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ مُنَبّهِ بْنِ عُبَيْدِ بن السباق.
عرض الْمُشْركين على الرَّسُول شِرَاء جَسَد نَوْفَل:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَهُمْ جَسَدَهُ وَكَانَ اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ، فَتَوَرّطَ فِيهِ فَقُتِلَ فَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَسَدِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَا حَاجَةَ لَنَا فِي جَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ، فَخَلّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ".
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَعْطَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِجَسَدِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٥٢ ]
من بني عَامر:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
بْنِ لُؤَيّ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي الثّقَةُ أَنّهُ حُدّثَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ قَتَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدّ وَابْنَهُ حِسْلَ بْنَ عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ، وَيُقَالُ عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ.
شُهَدَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: خَلّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحَى، فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ "إنّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ"
وَمَاتَ أَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ الّتِي يَدْفِنُونَ فِيهَا الْيَوْمَ وَإِلَيْهِ دَفَنُوا أَمْوَاتَهُمْ فِي الْإِسْلَام.
بشر الرَّسُول الْمُسلمين بِغَزْوِ قُرَيْشٍ
وَلَمّا انْصَرَفَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْ الْخَنْدَقِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي: "لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنّكُمْ تَغْزُونَهُمْ". فَلَمْ تَغْزُهُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ هُوَ الّذِي يَغْزُوهَا، حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مَكّةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٥٣ ]
مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ وَبَنِيّ قُرَيْظَةَ
شِعْرُ ضِرَارٍ
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
وَمُشْفِقَةٍ تَظُنّ بِنَا الظّنُونَا وَقَدْ قُدْنَا عَرَنْدَسَةً طَحُونَا
كَأَنّ زُهَاءَهَا أُحُدٌ إذَا مَا بَعُدَتْ أَرْكَانُهُ لِلنّاظِرِينَا
تَرَى الْأَبْدَانَ فِيهَا مُسْبَغَاتٍ عَلَى الْأَبْطَالِ وَالْيَلَبَ الْحَصِينَا
_________________
(١) فَصْلٌ فِي أَشْعَارِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ شِعْرُ ضِرَارٍ ذَكَرَ فِيهَا شِعْرَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطّابِ: عَلَى الْأَبْطَالِ واليلب الحصينا ليلب التّرَسَةُ وَقِيلَ الدّرَقُ وَقِيلَ بَيْضَاتٌ وَدُرُوعٌ كَانَتْ تُتّخَذُ مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُ حَبِيبٍ هَذِهِ الْأَسِنّةُ وَالْمَاذِيّ قَدْ كَثُرَا فَلَا الصّيَاصِي لَهَا قَدْرٌ وَلَا الْيَلَبُ
[ ٦ / ٢٥٤ ]
وَجُرْدًا كَالْقِدَاحِ مُسَوّمَاتٍ نَؤُمّ بِهَا الْغُوَاةَ الْخَاطِيِينَا
كَأَنّهُمْ إذَا صَالُوا وَصُلْنَا بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ مُصَافِحُونَا
أَنَاسٌ لَا نَرَى فِيهِمْ رَشِيدًا وَقَدْ قَالُوا أَلَسْنَا رَاشِدِينَا
فَأَحْجَرْنَاهُمُ شَهْرًا كَرِيتًا وَكُنّا فَوْقَهُمْ كَالْقَاهِرِينَا
مُزَاوِحُهُمْ وَتَغْدُو كُلّ يَوْمٍ عَلَيْهِمْ فِي السّلَاحِ مُدَجّجِينَا
بِأَيْدِينَا صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٍ نَقُدّ بِهَا الْمَفَارِقَ وَالشّؤُونَا
كَأَنّ وَمِيضَهُنّ مُعَرّيَاتٍ إذْ لَاحَتْ بِأَيْدِي مُصَلّتِينَا
وَمِيضُ عَقِيقَةٍ لَمَعَتْ بِلَيْلِ تَرَى فِيهَا الْعَقَائِقَ مُسْتَبِينَا
فَلَوْلَا خَنْدَقٌ كَانُوا لَدَيْهِ لَدَمّرْنَا عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَا
وَلَكِنْ حَالَ دُونَهُمْ وَكَانُوا بِهِ مِنْ خَوْفِنَا مُتَعَوّذِينَا
فَإِنْ نَرْحَلْ فَإِنّا قَدْ تَرَكْنَا لَدَى أَبْيَاتِكُمْ سَعْدًا رَهِينًا
إذَا جَنّ الظّلَامُ سَمِعْت نَوْحَى عَلَى سَعْدٍ يُرَجّعْنَ الْحَنِينَا
وَسَوْفَ نَزُورُكُمْ عَمّا قَرِيبٍ كَمَا زُرْنَاكُمْ مُتَوَازِرِينَا
بِجَمْعِ مِنْ كِنَانَةَ غَيْرِ عُزْلٍ كَأُسْدِ الْغَابِ قَدْ حمت العرينا
شعركعب فِي الرَّد عَلَى ضِرَارٍ:
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ:
_________________
(١) أَيْ لَا حَاجَةَ بَعْدَ وُجُودِ الدّرُوعِ الْمَاذِيّةِ إلَى الْيَلَبِ وَبَعْدَ الْأَسِنّةِ إلَى الصّيَاصِي، وَهِيَ الْقُرُونُ وَكَانَتْ أَسِنّتُهُمْ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ. قَالَ الشّاعِرُ يُهَزْهِزُ صَعْدَةً جَرْدَاءَ فِيهَا نَقِيعُ السّمّ أَوْ قَرْنٌ مُحِيقُ شِعْرُ كَعْبٍ وَذَكَرَ فِي شِعْرِ كَعْبٍ:
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ مَا لَقِينَا وَلَوْ شَهِدَتْ رَأَتْنَا صَابِرِينَا
صَبَرْنَا لَا نَرَى لِلّهِ عَدْلًا عَلَى مَا نَابَنَا مُتَوَكّلِينَا
وَكَانَ لَنَا النّبِيّ وَزِيرَ صِدْقٍ بِهِ نَعْلُو الْبَرِيّةَ أَجْمَعِينَا
نُقَاتِلُ مَعْشَرًا ظَلَمُوا وَعَقّوا وَكَانُوا بِالْعَدَاوَةِ مُرْصِدِينَا
نُعَاجِلُهُمْ إذَا نَهَضُوا إلَيْنَا بِضَرْبِ يُعْجِلُ الْمُتَسَرّعِينَا
تَرَانَا فِي فَضَافِضَ سَابِغَاتٍ كَغُدْرَانِ الْمَلَا مُتَسَرْبِلِينَا
وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ خِفَافٌ بِهَا نَشْفِي مِرَاحَ الشّاغِبِينَا
بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ كَأَنّ أُسْدًا شَوَابِكُهُنّ يَحْمِينَ الْعَرِينَا
فَوَارِسُنَا إذَا بَكَرُوا وَرَاحُوا عَلَى الْأَعْدَاءِ شُوسًا مُعْلَمِينَا
لِنَنْصُرَ أَحْمَدًا وَاَللهَ حَتّى نَكُونَ عِبَادَ صِدْقٍ مُخْلِصِينَا
وَيَعْلَمُ أَهْلُ مَكّةَ حِينَ سَارُوا وَأَحْزَابٌ أَتَوْا مُتَحَزّبِينَا
بِأَنّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَأَنّ اللهَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَا
فَإِمّا تَقْتُلُوا سَعْدًا سِفَاهًا فَإِنّ اللهَ خَيْرُ الْقَادِرِينَا
سَيُدْخِلُهُ جِنَانًا طَيّبَاتٍ تَكُونُ مُقَامَةً لِلصّالِحِينَا
كَمَا قَدْ رَدّكُمْ فَلّا شَرِيدًا بِغَيْظِكُمْ خَزَايَا خَائِبِينَا
خَزَايَا لَمْ تَنَالُوا ثَمّ خَيْرًا وَكِدْتُمْ أَنْ تَكُونُوا دَامِرِينَا
بِرِيحِ عَاصِفٍ هَبّتْ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ تَحْتَهَا مُتَكَمّهِينَا
شِعْرُ ابْنِ الزّبَعْرَى:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
حَيّ الدّيَارِ مَحَا مَعَارِفَ رَسْمِهَا طُولُ الْبِلَى وَتَرَاوُحُ الْأَحْقَابِ
فَكَأَنّمَا كَتَبَ الْيَهُودُ رُسُومَهَا إلّا الْكَنِيفَ وَمَعْقِدَ الْأَطْنَابِ
_________________
(١) فَكُنْتُمْ تَحْتَهَا مُتَكَمّهِينَا مُتَفَعّلِينَ مِنْ الْكَمَهِ وَهُوَ الْعَمَى، وَالْأَظْهَرُ فِي الْأَكْمَهِ أَنّهُ الّذِي يُولَدُ
[ ٦ / ٢٥٦ ]
قَفْرًا كَأَنّك لَمْ تَكُنْ تَلْهُو بِهَا فِي نِعْمَةٍ بِأَوَانِسٍ أَتْرَابِ
فَاتْرُكْ تَذَكّرَ مَا مَضَى مِنْ عِيشَةٍ وَمَحِلّةٍ خَلْقِ الْمَقَامِ يَبَابِ
وَاذْكُرْ بَلَاءَ مَعَاشِرَ وَاشْكُرْهُمْ سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ مِنْ الْأَنْصَابِ
أَنْصَابِ مَكّةَ عَامِدِينَ لِيَثْرِبِ فِي ذِي غَيَاطِلَ جَحْفَلٍ جَبْجَابِ
يَدَعُ الْخُزُونَ مَنَاهِجًا مَعْلُومَةً فِي كُلّ نَشْرٍ ظَاهِرٍ وَشِعَابِ
فِيهَا الْجِيَادُ شَوَازِبٌ مَجْنُوبَةٌ قُبّ الْبُطُونِ لَوَاحِقُ الْأَقْرَابِ
مِنْ كُلّ سَلْهَبَةٍ وَأَجْرَدَ سَلْهَبٍ كَالسّيّدِ بَادَرَ غَفْلَةَ الرّقّابِ
جَيْشٌ عُيَيْنَةُ قَاصِدٌ بِلِوَائِهِ فِيهِ وَصَخْرٌ قَائِدُ الْأَحْزَابِ
قَرْمَانُ كَالْبَدْرَيْنِ أَصْبَحَ فِيهِمَا غَيْثَ الْفَقِيرِ وَمَعْقِلَ الْهُرّابِ
حَتّى إذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَدَوْا لِلْمَوْتِ كُلّ مُجَرّبٍ قَضّابِ
شَهْرًا وَعَشْرًا قَاهِرِينَ مُحَمّدًا وَصِحَابُهُ فِي الْحَرْبِ خَيْرُ صِحَابِ
نَادَوْا بِرِحْلَتِهِمْ صَبِيحَةَ قُلْتُمْ كِدْنَا نَكُونُ بِهَا مَعَ الْخُيّابِ
لَوْلَا الْخَنَادِقُ غَادَرُوا مِنْ جَمْعِهِمْ قَتْلَى لِطَيْرِ سغب وذئاب
شعرحسان:
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ
هَلْ رَسْمُ دَارِسَةِ الْمَقَامِ يَبَابِ مُتَكَلّمٍ لِمُحَاوِرِ بِجَوَابِ
قَفْرٌ عَفَا رِهَمُ السّحَابِ رُسُومَهُ وَهُبُوبُ كُلّ مُطِلّةٍ مِرْبَابِ
وَلَقَدْ رَأَيْت بِهَا الْحُلُولَ يَزِينُهُمْ بِيضُ الْوُجُوهِ ثَوَاقِبُ الْأَحْسَابِ
_________________
(١) أَعْمَى، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ إنّهُ الّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللّيْلِ شَيْئًا، ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ الْبُخَارِيّ فِي التّفْسِيرِ مِنْ شِعْرِ حَسّانَ حَوْلَ أَسمَاء الله جلّ وَعلا: وَفِيهِ قَوْلُهُ وَجُنُودِ رَبّك سَيّدِ الْأَرْبَابِ
[ ٦ / ٢٥٧ ]
فَدَعْ الدّيَارَ وَذِكْرَ كُلّ خَرِيدَةٍ بَيْضَاءَ آنِسَةِ الْحَدِيثِ كَعَابِ
وَاشْكُ الْهُمُومَ إلَى الْإِلَهِ وَمَا تَرَى مِنْ مَعْشَرٍ ظَلَمُوا الرّسُولَ غِضَابِ
سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ إلَيْهِ وَأَلّبُوا أَهْلَ الْقُرَى وَبَوَادِيَ الْأَعْرَابِ
جَيْشٌ عُيَيْنَةُ وَابْنُ حَرْبٍ فِيهِمْ مُتَخَمّطُونَ بِحَلْبَةِ الْأَحْزَابِ
حَتّى إذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَجَوْا قَتْلَى الرّسُولِ وَمَغْنَمَ الْأَسْلَابِ
وَغَدَوْا عَلَيْنَا قَادِرِينَ بِأَيْدِهِمْ رُدّوا بِغَيْظِهِمْ عَلَى الْأَعْقَابِ
بِهُبُوبِ مُعْصِفَةٍ تُفَرّقُ جَمْعَهُمْ وَجُنُودِ رَبّك سَيّدِ الْأَرْبَابِ
_________________
(١) فِيهِ شَاهِدٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنّ السّيّدَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ وَقَدْ كَرِهَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَقُولَ فِي الدّعَاءِ يَا سَيّدِي، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَاحْتَجّ بِحَدِيثِ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيّ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا سَيّدُ فَقَالَ " السّيّدُ اللهُ " وَأَمّا مَذْهَبُ الْقَاضِي فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الّتِي يُرَادُ بِهَا الْمَدْحُ وَالتّعْظِيمُ فَذِكْرُ اللهِ بِهِ جَائِزٌ مَا لَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنْهُ أَوْ تُجْمِعْ الْأُمّةُ عَلَى تَرْكِ الدّعَاءِ بِهِ كَمَا أَجْمَعُوا أَلّا يُسَمّى بِفَقِيهِ وَلَا عَاقِلٍ وَلَا سَخِيّ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ. قَالَ الْمُؤَلّفُ وَاَلّذِي أَقُولُ فِي السّيّدِ أَنّهُ اسْمٌ يُعْتَبَرُ بِالْإِضَافَةِ لِأَنّهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ بَعْضُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ. تَقُولُ فُلَانٌ سَيّدُ قَيْسٍ، إذَا كَانَ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَا يُقَالُ فِي قَيْسٍ هُوَ سَيّدُ تَمِيمٍ لِأَنّهُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي اللهِ تَعَالَى: هُوَ سَيّدُ النّاسِ وَلَا سَيّدُ الْمَلَائِكَةِ وَإِنّمَا يُقَالُ رَبّهُمْ فَإِذَا قُلْت: سَيّدُ الْأَرْبَابِ وَسَيّدُ الْكُرَمَاءِ جَازَ لِأَنّ مَعْنَاهُ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَعْظَمُ الْأَرْبَابِ ثُمّ يُشْتَقّ لَهُ مِنْ اسْمِ الرّبّ فَيُوصَفُ بِالرّبُوبِيّةِ وَلَا يُوصَفُ بِالسّؤْدُدِ لِأَنّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَدْ جَاءَ فِي شِعْرِ حَسّانَ الّذِي يَرْثِي بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَا ذَا الْجَلَالِ وَذَا الْعُلَا وَالسّؤْدَدِ يَصِفُ الرّبّ وَلَكِنْ لَا تَقُومُ الْحُجّةُ فِي إطْلَاقِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إلّا أَنْ يَسْمَعَهَا الرّسُولُ ﵇ فَلَا يُنْكِرَهَا، كَمَا سَمِعَ شِعْرَ كَعْبٍ فَلَمْ يُنْكِرْهُ
[ ٦ / ٢٥٨ ]
فَكَفَى الْإِلَهُ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَهُمْ وَأَثَابَهُمْ فِي الْأَجْرِ خَيْرَ ثَوَابِ
مِنْ بَعْدِ مَا قَنِطُوا فَفَرّقَ جَمْعَهُمْ تَنْزِيلُ نَصْرِ مَلِيكِنَا الْوَهّابِ
وَأَقَرّ عَيْنَ مُحَمّدٍ وَصِحَابِهِ وَأَذَلّ كُلّ مُكَذّبٍ مُرْتَابِ
عَاتِي الْفُؤَادِ مُوَقّعٍ ذِي رِيبَةٍ فِي الْكُفْرِ لَيْسَ بِطَاهِرِ الْأَثْوَابِ
عَلِقَ الشّقَاءُ بِقَلْبِهِ فَفُؤَادُهُ فِي الْكُفْرِ آخِرُ هَذِه الأحقاب
شعر كَعْبٌ:
وَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فَقَالَ:
أَبْقَى لَنَا حَدَثُ الْحُرُوبِ بَقِيّةً مِنْ خَيْرِ نِحْلَةِ رَبّنَا الْوَهّابِ
بَيْضَاءَ مُشْرِفَةَ الذّرَى وَمَعَاطِنًا حُمّ الْجُذُوعِ غَزِيرَةَ الْأَحْلَابِ
_________________
(١) وَإِنّمَا وُصِفَ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي قَدّمْنَاهُ، وَعَلَى الْمَعْنَى الّذِي بَيّنّاهُ مِنْ شِعْرِ كَعْبٍ وَقَوْلِ كَعْبٍ بَيْضَاءَ مُشْرِفَةَ الذّرَى وَمَعَاطِنًا يَعْنِي: الْآطَامَ وَقَوْلُهُ مَعَاطِنًا يَعْنِي: مَنَابِتَ النّخْلِ عِنْدَ الْمَاءِ شَبّهَهَا بِمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَهِيَ مَبَارِكُهَا عِنْدَ الْمَاءِ. وَقَوْلُهُ حُمّ الْجُذُوعِ وَصَفَهَا بِالْحُمّةِ وَهِيَ السّوَادُ لِأَنّهَا تَضْرِبُ إلَى السّوَادِ مِنْ الْخُضْرَةِ وَالنّعْمَةِ وَشَبّهَ مَا يُجْتَنَى مِنْهَا بِالْحَلَبِ فَقَالَ غَزِيرَةَ الْأَحْلَابِ.
[ ٦ / ٢٥٩ ]
كَاللّوبِ يُبْذَلُ جَمّهَا وَحَفِيلُهَا لِلْجَارِ وَابْنِ الْعَمّ وَالْمُنْتَابِ
وَنَزَائِعًا مِثْلَ السّرَاجِ نَمَى بِهَا عَلَفُ الشّعِيرِ وَجِزّةُ لِلْقَضّابِ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ كَاللّوبِ اللّوبُ جَمْعُ لُوبَةٍ وَاللّابُ جَمْعُ لَابَةٍ وَهِيَ الْحَرّةُ، يُقَالُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مِثْلُ فُلَانٍ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي كُلّ بَلَدٍ فَقَدْ قَالَ شَبِيبُ بْنُ شَبِيبَةَ لِرَجُلِ نَسَبَهُ إلَى التّصْحِيفِ فِي حَدِيثِ السّقْطِ إنّهُ يَظِلّ مُحْبَنْطِئًا عَلَى بَابِ الْجَنّةِ فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ بِالظّاءِ مَنْقُوطَةً فَقَالَ الرّجُلُ أَخْطَأْت، إنّمَا هُوَ بِالطّاءِ. قَالَ الرّاجِزُ إِنّي إِذَا اسْتَنْشَدْت لَا أَحْبَنْطِي وَلَا أُحِبّ كَثْرَةَ التّمَطّي فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: أَتُلَحّنُنِي وَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَفْصَحُ مِنّي، فَقَالَ لَهُ الرّجُلُ وَهَذِهِ لَحْنَةٌ أُخْرَى، أوَ لِلْبَصْرَةِ لَابَتَانِ؟ إنّمَا اللّابَتَانِ لِلْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ. وَقَوْلُهُ يُبْذَلُ جَمّهَا وَحَفِيلُهَا، أَيْ الْكَثِيرُ مِنْهَا، وَالْمُنْتَابِ الزّائِرُ مُفْتَعِلٌ مِنْ نَابَ يَنُوبُ إذَا أَلَمّ وَقَوْلُهُ: وَنَزَائِعًا مِثْلَ السّرَاجِ يَعْنِي: الْخَيْلَ الْعَرَبِيّةَ الّتِي نَزَعَتْ مِنْ الْأَعْدَاءِ. وَقَوْلُهُ مِثْلَ السّرَاجِ بِالْجِيمِ كَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ أَيْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَالسّرَاجِ وَوَقَعَ فِي الْحَاشِيَةِ بِالْحَاءِ وَفَسّرَهُ فَقَالَ جَمْعُ سِرْحَانٍ وَهُوَ الذّئْبُ وَهَذَا الْجَمْعُ إنّمَا جَازَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الزّائِدَتَيْنِ مِنْ الِاسْمِ وَهِيَ الْأَلِفُ وَالنّونُ وَلَوْ جَمَعَهُ عَلَى لَفْظِهِ لَقَالَ سَرَاحِينَ. وَقَوْلُهُ وَجِزّةُ الْمِقْضَابِ الْمِقْضَابُ مَزْرَعَةٌ وَجِزّتُهَا مَا يُجَزّ مِنْهَا لِلْخَيْلِ.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
عَرِيَ الشّوَى مِنْهَا وَأَرْدَفَ نَحْضَهَا جُرْدُ الْمُتُونِ وَسَائِرُ الْآرَابِ
قُودًا تَرَاحُ إلَى الصّيَاحِ إذْ غَدَتْ فِعْلَ الضّرَاءِ تَرَاحُ لِلْكُلّابِ
وَتَحُوطُ سَائِمَةَ الدّيَارِ وَتَارَةً تُرْدِي الْعِدَا وَتَثُوبُ بِالْأَسْلَابِ
حُوشُ الْوُحُوشِ مَطَارَةٌ عِنْدَ الْوَغَى عُبْسُ اللّقَاءِ مُبِينَةُ الْإِنْجَابِ
عُلِفَتْ عَلَى دَعَةٍ فَصَارَتْ بُدّنًا دُخْسَ الْبَضِيعِ خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ
يَغْدُونَ بِالزّغْفِ الْمُضَاعِفِ شَكّهُ وَبِمُتْرَصَاتِ فِي الثّقَافِ صِيَابِ
وَصَوَارِمٍ نَزَعَ الصّيَاقِلُ غَلْبَهَا وَبِكُلّ أَرْوَعَ مَاجِدِ الْأَنْسَابِ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ عَرِيَ الشّوَى مِنْهَا، يَعْنِي: الْقَوَائِمَ. وَالنّحْضُ اللّحْمُ. وَالْآرَابُ الْمَفَاصِلُ وَاحِدُهُمَا إرْبٌ وَفِي الْحَدِيثِ أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ. وَقَوْلُهُ قُودًا، أَيْ طِوَالُ الْأَعْنَاقِ وَالضّرَاءُ الْكِلَابُ الضّارِيَةُ وَفِي الْحَدِيثِ إنّ قَيْسًا ضِرَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ أَيّ أَشُدّهُ الضّارِيَةُ وَالْكُلّابُ جَمْعُ كَالِبٍ وَهُوَ صَاحِبُ الْكِلَابِ الّذِي يَصِيدُ بِهَا. وَقَوْلُهُ عُبْسُ اللّقَاءِ جَمْعُ عَبُوسٍ. وَقَوْلُهُ دُخْسَ الْبَضِيعِ. الْبَضْعُ اللّحْمُ الْمُسْتَطِيلُ وَالدّخِيسُ مِنْ اللّحْمِ الْكَثِيرُ. وَقَوْلُهُ خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ يَعْنِي: جَمْعَ قُصْبٍ وَهُوَ الْمِعَى وَمِنْهُ سُمّيَ الْجَزّارُ قَصّابًا، وَقَوْلُهُ يَعْدُونَ بِالزّغْفِ أَيّ بِالدّرُوعِ. وَقَوْلُهُ: شَكّهُ حِلَقُهُ وَنَسْجُهُ وَقَوْلُهُ وَبِمُتْرَصَاتِ فِي الثّقَافِ صِبَابِ الْمُتْرَصَاتُ الْمُحْكَمَةُ يَعْنِي: الرّمَاحَ الْمُثَقّفَةَ. وَقَوْلُهُ نَزَعَ الصّيَاقِلُ عَلْبَهَا، أَيْ جُسْأَتَهَا وَخُشُونَةَ دَرْئِهَا، يُقَالُ عَلِبَ
[ ٦ / ٢٦١ ]
يَصِلُ الْيَمِينَ بِمَارِنِ مُتَقَارِبٍ وُكِلَتْ وَقِيعَتُهُ إلَى خَبّابِ
وَأَغَرّ أَزْرَقَ فِي الْقَنَاةِ كَأَنّهُ فِي طُخْيَةِ الظّلْمَاءِ ضَوْءَ شِهَابِ
وَكَتِيبَةٍ يَنْفِي الْقِرَانُ قَتِيرَهَا وَتَرُدّ حَدّ قَوَاحِذِ النّشّابِ
جَأْوَى مُلَمْلَمَةٍ كَأَنّ رِمَاحَهَا فِي كُلّ مَجْمَعَةٍ ضَرِيمَةُ غَابِ
يَأْوِي إلَى ظِلّ اللّوَاءِ كَأَنّهُ فِي صَعْدَةِ الْخَطّيّ فَيْءُ عُقَابِ
أَعْيَتْ أَبَا كَرِبٍ وَأَعْيَتْ تُبّعًا وَأَبَتْ بَسَالَتُهَا عَلَى الْأَعْرَابِ
وَمَوَاعِظٌ مِنْ رَبّنَا نُهْدَى بِهَا بِلِسَانِ أَزْهَرَ طَيّبِ الْأَثْوَابِ
عُرِضَتْ عَلَيْنَا فَاشْتَهَيْنَا ذِكْرَهَا مِنْ بَعْدِمَا عُرِضَتْ عَلَى الْأَحْزَابِ
حِكَمًا يَرَاهَا الْمُجْرِمُونَ بِزَعْمِهِمْ حَرَجًا وَيَفْهَمُهَا ذَوُو الْأَلْبَابِ
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبّهَا فَلَيُغْلَبَنّ مُغَالِبُ الْغَلّابِ
_________________
(١) اللّحْمُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَخْصًا، وَعَلِبَ النّبَاتُ إذَا جَسَأَ. وَقَوْلُهُ بِمَارِنِ مُتَقَارِبٍ. الْمَازِنُ اللّيّنُ وَوَقِيعَتُهُ صَقْلُهُ وَخَبّابُ اسْمُ صَيْقَلٍ. وَقَوْلُهُ وَأَغَرّ أَزْرَقَ يَعْنِي: الرّمْحَ وَطُخْيَةِ الظّلْمَاءِ أَيْ شِدّتِهَا، وَطَخَاءُ الْقَلْبِ ظُلْمَتُهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ فِي السّفَرْجَلِ " إنّهُ يَذْهَبُ بِطَخَاءِ الْقَلْبِ". وَقَوْلُ كَعْبٍ: جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبّهَا كَانَ هَذَا الِاسْمُ مِمّا سُمّيَتْ بِهِ قُرَيْشٌ قَدِيمًا، ذَكَرُوا أَنّ قُصَيّا كَانَ إذَا ذُبِحَتْ ذَبِيحَةٌ أَوْ نُحِرَتْ نَحِيرَةٌ بِمَكّةَ أَتَى بِعَجُزِهَا، فَصَنَعَ مِنْهُ خَزِيرَةً وَهُوَ لَحْمٌ يُطْبَخُ بِبُرّ فَيُطْعِمُهُ النّاسَ فَسُمّيَتْ قُرَيْشٌ بِهَا سَخِينَةَ. وَقِيلَ إنّ الْعَرَبَ كَانُوا إذَا
[ ٦ / ٢٦٢ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ قَالَ حَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ:
لَمّا قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبّهَا فَلَيُغْلَبَنّ مُغَالِبُ الْغَلّابِ
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَقَدْ شَكَرَك اللهُ يَا كَعْبُ عَلَى قَوْلِك هَذَا".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
مَنْ سَرّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الْأَبَاءِ الْمُحْرَقِ
_________________
(١) أَسْنَتُوا أَكَلُوا الْعِلْهِزَ وَهُوَ الْوَبْرُ وَالدّمُ وَتَأْكُلُ قُرَيْشٌ الْخَزِيرَةَ وَالْفَتّةَ فَنَفِسَتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلَقّبُوهُمْ سَخِينَةَ وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ تَكْرَهُ هَذَا اللّقَبَ وَلَوْ كَرِهَتْهُ مَا اسْتَجَازَ كَعْبٌ أَنْ يَذْكُرَهُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهُمْ وَلَتَرَكَهُ أَدَبًا مَعَ النّبِيّ ﵇ إذْ كَانَ قُرَشِيّا، وَلَقَدْ اُسْتُنْشِدَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مَا قَالَهُ الْهَوَازِنِيّ فِي قُرَيْشٍ: يَا شَدّةً مَا شَدَدْنَا غَيْرَ كَاذِبَةٍ عَلَى سَخِينَةَ لَوْلَا اللّيْلُ وَالْحَرَمُ فَقَالَ مَا زَادَ هَذَا عَلَى أَنْ اسْتَثْنَى، وَلَمْ يَكْرَهْ سَمَاعَ التّلْقِيبِ بِسَخِينَةَ فَدَلّ هَذَا عَلَى أَنّ هَذَا اللّقَبَ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا عِنْدَهُمْ وَلَا كَانَ فِيهِ تَعْيِيرٌ لَهُمْ بِشَيْءِ يُكْرَهُ. شِعْرٌ آخَرُ لِكَعْبِ: وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ أَيْضًا: مَنْ سَرّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ الْمَعْمَعَةُ صَوْتُ
[ ٦ / ٢٦٣ ]
فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً تُسَنّ سُيُوفُهَا بَيْنَ الْمَذَادِ وَبَيْنَ جَزْعِ الْخَنْدَقِ
دَرِبُوا بِضَرْبِ الْمُعْلِمِينَ وَأَسْلَمُوا مُهُجَاتِ أَنْفُسِهِمْ لِرَبّ الْمَشْرِقِ
فِي عُصْبَةٍ نَصَرَ الْإِلَهُ نَبِيّهُ بِهِمْ وَكَانَ بِعَبْدِهِ ذَا مَرْفِقِ
_________________
(١) النّارِ فِيمَا عَظُمَ وَكَثُفَ مِنْ الشّعْرَاءِ وَالْقَصْبَاءِ وَنَحْوِهَا، وَالْكَلْحَبَةُ صَوْتُهَا فِيمَا دَقّ كَالسّرَاجِ وَنَحْوِهِ وَالْقَطْمَطَةُ صَوْتُ الْغَلَيَانِ وَكَذَلِكَ الْغَرْغَرَةُ وَالْجَعْجَعَةُ صَوْتُ الرّحَى، وَالدّرْدَبَةُ صَوْتُ الطّبْلِ. وَقَوْلُهُ: الْأَبَاءَ هُوَ الْقَصَبُ وَاحِدَتُهَا أَبَاءَةٌ وَالْهَمْزَةُ الْآخِرَةُ فِيهَا بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ، لِأَنّهُ عِنْدَهُ مِنْ الْأَبَايَةِ كَأَنّ الْقَصَبَ يَأْبَى عَلَى مَنْ أَرَادَهُ بِمَضْغِ أَوْ نَحْوِهِ وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ قَوْلُ الشّاعِرِ [بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ]: يَرَاهُ النّاسُ أَخْضَرَ مِنْ بَعِيدٍ وَتَمْنَعُهُ الْمَرَارَةُ وَالْإِبَاءُ وَقَوْلُهُ فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً هِيَ الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ الْأُسْدِ وَكَذَلِكَ الْمَسْبَعَةُ الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ السّبَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْسَدَةٌ جَمْعَ أَسَدٍ كَمَا قَالُوا: مَشْيَخَةً وَمَعْلَجَةً حَكَى سِيبَوَيْهِ مَشْيَخَةً وَمَشْيُوخَاءَ وَمَعْلَجَةً وَمَعْلُوجَاءَ وَأَلْفَيْت أَيْضًا فِي النّبَاتِ مَسْلُومَاءَ لِجَمَاعَةِ السّلَمِ وَمَشْيُوحَاءَ لِلشّيحِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْكَثِيرُ. وَقَوْلُهُ تَسُنّ سُيُوفَهَا، بِنَصْبِ الْفَاءِ وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ عِنْدَ أَبِي بَحْرٍ تُسَنّ سُيُوفُهَا بِالرّفْعِ وَمَعْنَى الرّوَايَةِ الْأُولَى: تَسُنّ أَيْ تَصْقُلُ وَمَعْنَى الرّوَايَةِ الثّانِيَةِ أَيْ تُسَنّ لِلْأَبْطَالِ وَلِمَنْ بَعْدَهَا مِنْ الرّجَالِ سَنّةَ الْجُرْأَةِ وَالْإِقْدَامِ.
[ ٦ / ٢٦٤ ]
فِي كُلّ سَابِغَةٍ تَخُطّ فُضُولُهَا كَالنّهْيِ هَبّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ
بَيْضَاءَ مُحْكَمَةٍ كَأَنّ قَتِيرَهَا حَدَقُ الْجَنَادِبِ ذَاتِ شَكّ مُوثَقِ
جَدْلَاءَ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ صَافِي الْحَدِيدَةِ صَارِمٍ ذِي رَوْنَقِ
تِلْكُمْ مَعَ التّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا يَوْمَ الْهِيَاجِ وَكُلّ سَاعَةِ مَصْدَقِ
نَصِلُ السّيُوفَ إذَا قَصُرْنَ بِخَطْوِنَا قُدُمًا وَنُلْحِقُهَا إذَا لَمْ تَلْحَقْ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِ الدّرْعِ: جَدْلَاءَ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ جَدْلَاءَ مِنْ الْجَدَلِ وَهُوَ قُوّةُ الْفَتْلِ وَمِنْهُ الْأَجْدَلُ لِلصّقْرِ وَفِي هَذَا الْبَيْتِ دَلِيلٌ عَلَى قُوّةِ امْتِنَاعِ الصّرْفِ فِي أَجْدَلَ وَأَنّهُ مِنْ بَابِ أَفْعَلَ الّذِي مُؤَنّثُهُ فَعْلَاءُ وَمَنْ صَرَفَهُ شَبّهَهُ بِأَرْنَبِ وَأَفْكَلٍ وَهُوَ أَضْعَفُ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا فِي جَمْعِهِ أَجَادِلُ مِثْلَ أَرَانِبَ فَقَدْ قَالُوا أَيْضًا: الْأَجَارِعُ وَالْأَبَاطِحُ فِي جَمْعِ أَجْرَعَ وَأَبْطَحَ وَلَكِنّهُمْ لَا يَصْرِفُونَهُمَا مِنْ حَيْثُ قَالُوا فِي الْمُؤَنّثِ بَطْحَاءَ وَجَرْعَاءَ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَبْرَقَ وَبَرْقَاءَ. وَقَوْلُهُ: يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ كَقَوْلِ [أَبِي قَيْسِ] بْنِ الْأَسْلَتِ فِي وَصْفِ الدّرْعِ أَحْفِزُهَا عَنّي بِذِي رَوْنَقٍ أَبْيَضَ مِثْلِ الْمَلِحِ قَطّاعِ وَذَلِكَ أَنّ الدّرْعَ إذَا طَالَتْ فُضُولُهَا حَفَزُوهَا، أَيْ شَمّرُوهَا فَرَبَطُوهَا بِنِجَادِ السّيْفِ. وَقَوْلُهُ تِلْكُمْ مَعَ التّقْوَى تَكُون لِبَاسَنَا مِنْ أَجْوَدِ الْكَلَامِ وَأَمْلَحِ الِالْتِفَاتَاتِ لِأَنّهُ قَوْلٌ انْتَزَعَهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الْأَعْرَافَ ٢٦] . وَقَالَ الشّاعِرُ إنّي كَأَنّي أَرَى مَنْ لَا وَفَاءَ لَهُ وَلَا أَمَانَةَ وَسْطَ الْقَوْمِ عُرْيَانَا
[ ٦ / ٢٦٥ ]
فَتَرَى الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا بَلْهَ الْأَكُفّ كَأَنّهَا لَمْ تُخْلَقْ
نَلْقَى الْعَدُوّ بِفَخْمَةِ مَلْمُومَةٍ تَنْفِي الْجُمُوعَ كَقَصْدِ رَأْسِ الْمَشْرِقِ
وَنُعِدّ لِلْأَعْدَاءِ كُلّ مُقَلّصٍ وَرْدٍ وَمَحْجُولِ الْقَوَائِمِ أَبْلَقِ
تُرْدِي بِفُرْسَانِ كَأَنّ كُمَاتَهُمْ عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلّ مُلْثِقِ
_________________
(١) وَمَوْضِعُ الْإِجَادَةِ وَالْإِحْسَانِ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ أَنّهُ جَعَلَ لِبَاسَ الدّرْعِ تَبَعًا لِلِبَاسِ التّقْوَى، لِأَنّ حَرْفَ مَعَ تُعْطِي فِي الْكَلَامِ أَنّ مَا بَعْدَهُ هُوَ الْمَتْبُوعُ وَلَيْسَ بِتَابِعِ وَقَدْ احْتَجّ الصّدّيقُ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السّقِيفَةِ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ الّذِينَ آمَنُوا، وَنَحْنُ الصّادِقُونَ وَإِنّمَا أَمَرَكُمْ اللهُ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا فَقَالَ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التّوْبَةَ ١١٩] . وَالصّادِقُونَ هُمْ الْمُهَاجِرُونَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الْحَشْرَ ٨] . حُكْمُ بَلْهَ وَمَا بَعْدَهَا: وَقَوْلُهُ بَلْهَ الْأَكُفّ بِخَفْضِ الْأَكُفّ هُوَ الْوَجْهُ وَقَدْ رُوِيَ بِالنّصْبِ لِأَنّهُ مَفْعُولٌ أَيْ دَعْ الْأَكُفّ فَهَذَا كَمَا تَقُولُ رُوَيْدَ زَيْدٍ وَرُوَيْدَ زَيْدَ بِلَا تَنْوِينٍ مَعَ النّصْبِ وَبَلْهَ كَلِمَةٌ بِمَعْنَى دَعْ وَهِيَ مِنْ الْمَصَادِرِ الْمُضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَهَا وَهِيَ عِنْدِي مِنْ لَفْظِ الْبَلَهِ وَالتّبَالُهِ وَهُوَ مِنْ الْغَفْلَةِ لِأَنّ مَنْ غَفَلَ عَنْ الشّيْءِ تَرَكَهُ وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بَلْهَ الْأَكُفّ أَيْ لَا تَسْأَلْ عَنْ الْأَكُفّ إذَا كَانَتْ الْجَمَاجِمُ ضَاحِيَةً مُقَطّعَةً وَفِي الْحَدِيثِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: "أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ بَلْهَ مَا أَطْلَعْتهمْ عَلَيْهِ". وَقَوْلُهُ بِفَخْمَةِ مَلْمُومَةٍ أَيْ كَتِيبَةٍ مَجْمُوعَةٍ. وَقَوْلُهُ كَفَصْدِ رَأْسِ الْمَشْرِقِ الصّحِيحُ فِيهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ كَرَأْسِ قُدْسِ الْمَشْرِقِ لِأَنّ قُدْسَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ. وَقَوْلُهُ عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلّ مُلْثِقِ
[ ٦ / ٢٦٦ ]
صُدُقٌ يُعَاطُونَ الْكُمَاةَ حُتُوفَهُمْ تَحْتَ الْعَمَايَةِ بِالْوَشِيجِ الْمُزْهِقِ
أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوّهِ فِي الْحَرْبِ إنّ اللهَ خَيْرُ مُوَفّقِ
لِتَكُونَ غَيْظًا وَحُيّطًا لِلدّارِ إنْ دَلَفَتْ خُيُولُ النّزّقِ
وَيُعِينُنَا اللهُ الْعَزِيزُ بِقُوّةِ مِنْهُ وَصِدْقِ الصّبْرِ سَاعَةَ نَلْتَقِي
وَنُطِيعُ أَمْرَ نَبِيّنَا وَنُجِيبُهُ وَإِذَا دَعَا لِكَرِيهَةِ لَمْ نُسْبَقْ
وَمَتَى يُنَادِ إلَى الشّدَائِدِ نَأْتِهَا وَمَتَى نَرَ الْحَوْمَاتِ فِيهَا نُعْنِقْ
مَنْ يَتّبِعْ قَوْلَ النّبِيّ فَإِنّهُ فِينَا مُطَاعُ الْأَمْرِ حَقّ مُصَدّقِ
فَبِذَاكَ يَنْصُرُنَا وَيَظْهَرُ عِزّنَا وَيُصِيبُنَا مِنْ نَيْلِ ذَلِكَ بِمِرْفَقِ
إنّ الّذِينَ يُكَذّبُونَ مُحَمّدًا كَفَرُوا وَضَلّوا عَنْ سَبِيلِ الْمُتّقِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ
تِلْكُمْ مَعَ التّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا
وَبَيْتُهُ
مَنْ يَتّبِعْ قَوْلَ النّبِيّ
أَبُو زَيْدٍ. وَأَنْشَدَنِي:
تَنْفِي الْجُمُوعَ كَرَأْسِ قُدْسِ الْمَشْرِقِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
لَقَدْ عَلِمَ الْأَحْزَابُ حِينَ تَأَلّبُوا عَلَيْنَا وَرَامُوا دِينَنَا مَا نُوَادِعُ
_________________
(١) الطّلّ مَعْرُوفٌ وَاللّثَقُ مَا يَكُونُ عَنْ الطّلّ مِنْ زَلَقٍ وَطِينٍ وَالْأُسْدُ أَجْوَعَ مَا تَكُونُ وَأَجْرَأَ فِي ذَلِكَ الْحِينِ. قَصِيدَةُ كَعْبٍ الْعَيْنِيّةُ وَقَوْلُهُ فِي الْعَيْنِيّةِ:
[ ٦ / ٢٦٧ ]
أَضَامِيمَ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أَصْفَقَتْ وَخِنْدِفَ لَمْ يَدْرُوا بِمَا هُوَ وَاقِعُ
يَذُودُونَنَا عَنْ دِينِنَا وَنَذُودُهُمْ عَنْ الْكُفْرِ وَالرّحْمَنُ رَاءٍ وَسَامِعُ
إذَا غَايَظُونَا فِي مَقَامٍ أَعَانَنَا عَلَى غَيْظِهِمْ نَصْرٌ مِنْ اللهِ وَاسِعُ
وَذَلِكَ حِفْظُ اللهِ فِينَا وَفَضْلُهُ عَلَيْنَا وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ اللهُ ضَائِعُ
هَدَانَا لِدِينِ الْحَقّ وَاخْتَارَهُ لَنَا وَلِلّهِ فَوْقَ الصّانِعِينَ صَنَائِعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) أَضَامِيمَ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أَصْفَقَتْ وَاحِدُ الْأَضَامِيمِ إضْمَامَةٌ وَهُوَ كُلّ شَيْءٍ مُجْتَمَعٍ يُقَالُ إضْمَامَةٌ مِنْ النّاسِ وَإِضْمَامَةٌ مِنْ كُتُبٍ. قَيْسُ عَيْلَانَ وَقَيْسُ كُبّةَ وَقَوْلُهُ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إنّ قَيْسًا هُوَ عَيْلَانُ لَا ابْنُهُ قَالَ وَعُرِفَ قَيْسُ بْنُ عَيْلَانَ بِفَرَسِ كَانَ لَهُ يُسَمّى: عَيْلَانًا، كَمَا عُرِفَ قَيْسُ كُبّةَ مِنْ بَجِيلَةَ بِفَرَسِ اسْمُهُ كُبّةُ وَكَانَ هُوَ وَقَيْسُ عَيْلَانَ مُتَجَاوِرَيْنِ فَكَانَ إذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا وَقِيلَ أَيّ الْقَيْسَيْنِ هُوَ قِيلَ قَيْسُ عَيْلَانَ أَوْ قَيْسُ كُبّةَ وَقِيلَ إنّ عَيْلَانَ اسْمُ كَلْبٍ، كَانَ لَهُ وَقِيلَ عَيْلَانُ اسْمُ جَبَلٍ وُلِدَ عِنْدَهُ وَقِيلَ اسْمُ غُلَامٍ لِمُضَرَ كَانَ حَضَنَهُ وَقِيلَ كَانَ جَوَادًا أَتْلَفَ مَالَهُ فَأَدْرَكَهُ عَيْلَةُ فَسُمّيَ عَيْلَانَ وَمِمّا يُحْتَجّ بِهِ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ قَوْلُ رُؤْبَةَ وَقَيْسَ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا
[ ٦ / ٢٦٨ ]
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
أَلَا أَبْلِغْ قُرَيْشًا أَنّ سَلْعًا وَمَا بَيْنَ الْعُرَيْضِ إلَى الصّمَادِ
نَوَاضِحُ فِي الْحُرُوبِ مُدَرّبَاتٌ وَخُوصٌ ثُقّبَتْ مِنْ عَهْدِ عَادِ
رَوَاكِدَ يَزْخَرُ الْمُرّارُ فِيهَا فَلَيْسَتْ بِالْجِمَامِ وَلَا الثّمَادِ
كَأَنّ الْغَابَ وَالْبَرْدِيّ فِيهَا أَجَشّ إذَا تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ
_________________
(١) شِعْرُ كَعْبٍ فِي الْخَنْدَقِ وَقَوْلُهُ فِي الدّالِيّةِ وَمَا بَيْنَ الْعُرَيْضِ إلَى الصّمَادِ الْعُرَيْضِ: مَوْضِعٌ وَالصّمَادُ: جَمْعُ صَمْدٍ وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ نَوَاضِحُ فِي الْحُرُوبِ. يَعْنِي: حَدَائِقَ نَخْلٍ تُسْقَى بِالنّضْحِ وَأَرَادَ بِالْخُوصِ آبَارًا، وَإِنّمَا جَعَلَ الْبِئْرَ خُوصًا لِأَنّ الْعَيْنَ الْخَوْصَاءَ هِيَ الْغَائِرَةُ وَجَمْعُهَا خُوصٌ. فَعُيُونُ الْمَاءِ فِي الْآبَارِ كَذَلِكَ غَائِرَةٌ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي وَصْفِ الْإِبِلِ مُحَبّسَةً بُزْلًا كَأَنّ عُيُونَهَا عُيُونُ الرّكَايَا أَنْكَزَتْهَا الْمَوَاتِحُ وَقَوْلُهُ يَزْخَرُ الْمُرّارُ فِيهَا. الْمُرّارُ اسْمُ نَهَرٍ. وَقَوْلُهُ كَأَنّ الْغَابَ وَالْبَرْدِيّ فِيهَا أَجَشّ إذَا تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ يُرِيدُ صَوْتَ حَفِيفِ الرّيحِ كَصَوْتِ الْأَجَشّ وَهُوَ الْأَبَحّ، وَقَدْ يُوصَفُ النّبَاتُ أَيْضًا بِالْغُنّةِ مِنْ أَجْلِ حَفِيفِ الرّيحِ فِيهِ فَيُقَالُ رَوْضَةٌ غَنّاءُ وَقَدْ قِيلَ إنّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الذّبَابِ الّذِي يَكُونُ فِيهِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَوْلُهُ: تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ أَيْ صَارَتْ فِيهِ بُقَعٌ بِيضٌ مِنْ الْيَبْسِ يُقَالُ لِلزّرْعِ إذَا
[ ٦ / ٢٦٩ ]
وَلَمْ نَجْعَلْ تِجَارَتَنَا اشْتِرَاءَ الْحَمِ يرِ لِأَرْضِ دَوْسٍ أَوْ مُرَادِ
بِلَادٌ لَمْ تَثُرْ إلّا لِكَيْمَا نُجَالِدَ إنْ بِشِطْمٍ لِلْجِلَادِ
أَثَر سِكّة الأَنْبَاط فِيهَا فَلَم تَر مِثْلَها جَلْهَاتِ وَاد
_________________
(١) صَارَ كَذَلِكَ ارْقَاطّ وَاسْحَامّ وَاسْحَارّ وَإِذَا أَخَذَ السّبَلُ الْحَبّ قِيلَ أَلْحَمَ وَأَسْفَى مِنْ السّفَى، وَأَشَعّ مِنْ الشّعَاعِ بِفَتْحِ الشّينِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ السّفَى، وَيُقَالُ أَسْبَلَ الزّرْعُ مِنْ السّبَلِ كَمَا يُقَالُ بَعِيرٌ حَظِلٌ وَأَحْظَلَ الْمَكَانُ مِنْ الْحَنْظَلِ وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ سَبَلٌ وَأَمّا هَمْدَان فَيُسَمّونَ السّنْبُلَ سُبُولًا، وَالْوَاحِدَةُ سَبُولَةٌ فَقِيَاسُ لُغَتِهِمْ أَنْ يُقَالَ أَسْبَلَ وَإِنّمَا فَخَرَتْ الْأَنْصَارُ فِي هَذَا الشّعْرِ وَاَلّذِي قَبْلَهُ بِنَخْلِهَا وَآطَامِهَا، إشَارَةً إلَى عِزّهَا وَمَنَعَتِهَا، وَأَنّهَا لَمْ تُغْلَبُ عَلَى بِلَادِهَا عَلَى قَدِيمِ الدّهْرِ كَمَا أُجْلِيَتْ أَكْثَرُ الْأَعَارِيبِ عَنْ مَحَالّهَا، وَأَزْعَجَهَا الْخَوْفُ عَنْ مَوَاطِنِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ حَسّانُ فِي قَوْلِهِ أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفْضِلِ لِأَنّ إقَامَتَهُمْ حَوْلَ قُبُورِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى مَنَعَتِهِمْ وَأَلّا مُغَالِبَ لَهُمْ عَلَى مَا تَخَيّرُوهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَآثَرُوهُ عِنْدَ ارْتِيَادِهِمْ. وَقَوْلُهُ أَثَرْنَا سِكّةَ الْأَنْبَاطِ فِيهَا السّكّةُ النّخْلُ الْمُصْطَفّ، أَيْ حَرَثْنَاهَا وَغَرَسْنَاهَا، كَمَا تَفْعَلُ الْأَنْبَاطُ فِي أَمْصَارِهَا لَا تَخَافُ عَلَيْهَا كَيْدَ كَائِدٍ وَإِيّاهَا أَرَادَ النّبِيّ ﷺ بِقَوْلِهِ خَيْرُ الْمَالِ سِكّةٌ مَأْبُورَةُ. وَالسّكّةُ أَيْضًا: السّنّةُ وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الّتِي يَشُقّ بِهَا الْفَدّانُ
[ ٦ / ٢٧٠ ]
قَصَرْنَا كُلّ ذِي حُضْرٍ وَطُولٍ عَلَى الْغَايَاتِ مُقْتَدِرٍ جَوَادِ
أَجِيبُونَا إلَى مَا نَجْتَدِيكُمْ مِنْ الْقَوْلِ الْمُبَيّنِ وَالسّدَادِ
وَإِلّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ لَكُمْ مِنّا إلَى شَطْرِ الْمِدَادِ
نُصَبّحُكُمْ بِكُلّ أَخِي حُرُوبٍ وَكُلّ مُطَهّمٍ سَلِسِ الْقِيَادِ
وَكُلّ طِمِرّةٍ خَفِقٍ حَشَاهَا تَدِفّ دَفِيفَ صَفْرَاءِ الْجَرَادِ
_________________
(١) الْأَرْضَ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْمَانُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْأَصْمَعِيّ، وَفَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ وَأَنّهَا النّخْلُ وَيُقَالُ أَيْضًا: أُبِيثَتْ الْأَرْضُ فِي مَعْنَى أُثِيرَتْ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَيُرْوَى فِي الْحَمَاسَةِ هَلُمّ إلَيْهَا قَدْ أُبِيثَتْ زُرُوعُهَا أَيْ أُثِيرَتْ وَفِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ وَحَقّ بَنِي شِغَارَةَ أَنْ يَقُولُوا لِصَخْرِ الْغَيّ مَاذَا تَسْتَبِيثُ وَغَلِطَ أَبُو عُبَيْدٍ [الْقَاسِمُ بْنُ سَلّامٍ] فَجَعَلَ تَسْتَبِيثُ مِنْ نَبِيثَةِ الْبِئْرِ وَهُوَ تُرَابُهَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ تَسْتَنْبِيثُ بِنُونِ قَبْلَ الْبَاءِ. وَقَوْلُهُ جَلْهَاتِ وَادٍ. الْجَلْهَاتُ مِنْ الْوَادِي مَا كَشَفَتْ عَنْهُ السّيُولُ الشّعْرَاءُ فَأَبْرَزَتْهُ وَهُوَ مِنْ الْجَلَهِ وَهُوَ انْحِسَارُ الشّعْرِ عَنْ مُقَدّمِ الرّأْسِ. وَقَوْلُهُ صَفْرَاءِ الْجَرَادِ وَهِيَ الْخَيْفَانَةُ مِنْهَا، وَهِيَ الّتِي أَلْقَتْ سُرُأَهَا، أَيْ بَيْضَهَا، وَهِيَ أَخَفّ طَيَرَانًا، وَالْكُتْفَانُ مِنْ الْجَرَادِ أَكْبَرُ مِنْ الْخَيْفَانِ وَأَوّلُ أَمْرِ
[ ٦ / ٢٧١ ]
وَكُلّ مُقَلّصٍ الْآرَابِ نَهْدٍ تَمِيمِ الْخَلْقِ مِنْ أُخْرٍ وَهَادِي
خُيُولٌ لَا تُضَاعُ إذَا أُضِيعَتْ خُيُولُ النّاسِ فِي السّنَةِ الْجَمَادِ
يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ مُصْغِيَاتٍ إذَا نَادَى إلَى الْفَزَعِ الْمُنَادِي
إذَا قَالَتْ لَنَا النّذُرُ اسْتَعِدّوا تَوَكّلْنَا عَلَى رَبّ الْعِبَادِ
وَقُلْنَا لَنْ يُفَرّجَ مَا لَقِينَا سِوَى ضَرْبِ الْقَوَانِسِ وَالْجِهَادِ
فَلَمْ تَرَ عُصْبَةً فِيمَنْ لَقِينَا مِنْ الْأَقْوَامِ مِنْ قَارٍ وَبَادِي
أَشَدّ بَسَالَةً مِنّا إذَا مَا أَرَدْنَاهُ وَأَلْيَنَ فِي الْوِدَادِ
إذَا مَا نَحْنُ أَشْرَجْنَا عَلَيْهَا جِيَادَ الْجُدْلِ فِي الْأُرَبِ الشّدَادِ
قَذَفْنَا فِي السّوَابِغِ كُلّ صَقْرٍ كَرِيمٍ غَيْرِ معتلث الزِّنَاد
شم كَأَنّهُ أَسَدٌ عَبُوسٌ غَدَاةَ بَدَا بِبَطْنِ الْجِزْعِ غَادِي
يُغَشّى هَامَةُ الْبَطَلِ الْمُذَكّى صَبِيّ السّيْفِ مُسْتَرْخِي النّحَادِ
لِنُظْهِرَ دِينَك اللهُمّ إنّا بِكَفّك فَاهْدِنَا سُبُلَ الرّشَادِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ بَيْتُهُ
_________________
(١) الْجَرَادِ دُودٌ وَيُقَالُ لَهُ الْغَمَص يُلْقِيهِ بَحْرُ الْيَمَنِ، وَلَهُ عَلَامَةٌ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَهُوَ بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرّةً فَيَعْلَمُونَ بِخُرُوجِ الْجَرَادِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَوْلُهُ غَيْرِ مُعْتَلِثِ الزّنَادِ. الزّنَادُ الْمُعْتَلِثُ هُوَ الّذِي لَا يُدْرَى مِنْ أَيّ عُودٍ هُوَ وَأَصْلُ الِاعْتِلَاثِ الِاخْتِلَاطُ يُقَالُ عَلَثْت الطّعَامَ إذَا خَلَطْت حِنْطَةً بِشَعِيرِ وَالْعُلَاثَةُ الزّنْدُ الّذِي لَا يُورِي نَارًا.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
قَصَرْنَا كُلّ ذِي حُضْرٍ وَطُولٍ
وَالْبَيْتُ الّذِي يَتْلُوهُ وَالْبَيْتُ الثّالِثُ مِنْهُ وَالْبَيْتُ الرّابِعُ مِنْهُ وَبَيْتُهُ
أَشَمّ كَأَنّهُ أَسَدٌ عَبُوسٌ
وَالْبَيْتُ الّذِي يَتْلُوهُ عَنْ أَبِي زيد الْأنْصَارِيّ.
شعر مسافع فِي بكاء عَمْرو
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ مُسَافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ يَبْكِي عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدّ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إيّاهُ
عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ كَانَ أَوّلَ فَارِسٍ جَزِعَ الْمَذَادِ وَكَانَ فَارِسَ يَلْيَلِ
سَمْحُ الْخَلَائِقِ مَاجِدٌ ذُو مِرّةٍ يَبْغِي الْقِتَالَ بِشِكّةٍ لَمْ يَنْكُلْ
وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ حِينَ وَلّوْا عَنْكُمْ أَنّ ابْنَ عَبْدٍ فِيهِمْ لَمْ يَعْجَلْ
حَتّى تَكَنّفَهُ الْكُمَاةُ وَكُلّهُمْ يَبْغِي مَقَاتِلَهُ وَلَيْسَ بِمُؤْتَلِي
وَلَقَدْ تَكَنّفَتْ الْأَسِنّةُ فَارِسًا بِجَنُوبِ سَلْعٍ غَيْرَ نَكْسٍ أَمْيَلِ
تَسَلُ النّزَالَ عَلِيّ فَارِسَ غَالِبٍ بِجَنُوبِ سَلْعٍ لَيْتَهُ لَمْ يَنْزِلْ
فَاذْهَبْ عَلِيّ فَمَا ظَفِرْت بِمِثْلِهِ فَخْرًا وَلَا لَاقَيْت مِثْلَ الْمُعْضِلِ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِفَارِسِ مِنْ غَالِبٍ لَاقَى حِمَامَ الْمَوْتِ لَمْ يَتَحَلْحَلْ
أَعْنِي الّذِي جَزِعَ الْمِدَادُ بِمُهْرِهِ طَلَبًا لِثَأْرِ مَعَاشِرٍ لم يخذل
شعر مسافع فِي تأنيب الْفُرْسَانَ الّذِينَ كَانُوا مَعَ عَمْرٍو:
وَقَالَ مُسَافِعٌ أَيْضًا يُؤَنّبُ فُرْسَانَ عَمْرٍو الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فَأَجْلَوْا عَنْهُ وَتَرَكُوهُ
عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ وَالْجِيَادُ يَقُودُهَا خَيْلٌ تُقَادُ لَهُ وَخَيْلٌ تُنْعَلُ
أَجْلَتْ فَوَارِسُهُ وَغَادَرَ رَهْطُهُ رُكْنًا عَظِيمًا كَانَ فِيهَا أَوّلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٣ ]
عَجَبًا وَإِنْ أَعْجَبْ فَقَدْ أَبْصَرْته مَهْمَا تَسُومُ عَلِيّ عَمْرًا يَنْزِلُ
لَا تَبْعَدَنّ فَقَدْ أُصِبْت بِقَتْلِهِ وَلَقِيت قَبْلَ الْمَوْتِ أَمْرًا يَثْقُلُ
وَهُبَيْرَةُ الْمَسْلُوبُ وَلّى مُدْبِرًا عِنْدَ الْقِتَالِ مَخَافَةً أَنْ يُقْتَلُوا
وَضِرَارُ كَانَ الْبَأْسُ مِنْهُ مُحْضَرًا وَلّى كَمَا وَلّى اللّئِيمُ الْأَعْزَلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ. وَقَوْلُهُ " عَمْرًا يَنْزِلُ " عَنْ غَيْرِ ابْن إِسْحَاق.
شعر هُبَيْرَة فِي بكاء عَمْرو والاعتذار مِنْ فِرَارِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ يَعْتَذِرُ مِنْ فِرَارِهِ وَيَبْكِي عَمْرًا، وَيَذْكُرُ قَتْلَ عَلِيّ إيّاهُ
لَعَمْرِي مَا وَلّيْت ظَهْرِي خَمْدًا وَأَصْحَابُهُ جُبْنًا وَلَا خِيفَةَ الْقَتْلِ
وَلَكِنّنِي قَلّبْت أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ لِسَيْفِي عَنَاءً إنْ شَرِبْت وَلَا نَبْلِي
وَقَفْت فَلَمّا لَمْ أَجِدْ لِي مُقَدّمًا صَدَدْت كَضِرْغَامِ هِزَبْرٍ أَبِي شِبْلِ
ثَنَى عِطْفَهُ عَنْ قَرْنِهِ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَكَرّا وَقِدْمًا كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي
فَلَا تَبْعَدَنْ يَا عَمْرُو حَيّا وَهَالِكًا وَحُقّ لِحُسْنِ الْمَدْحِ مِثْلُك مِنْ مِثْلِي
وَلَا تَبْعَدَنْ يَا عَمْرُو حَيّا وَهَالِكًا فَقَدْ بِنْت مَحْمُودَ الثّنَا مَاجِدَ الْأَصْلِ
فَمَنْ لِطِرَادِ الْخَيْلِ تُقْدَعُ بِالْقَنَا وَلِلْفَخْرِ يَوْمًا عِنْدَ قَرْقَرَةِ الْبُزْلِ
هُنَالِكَ لَوْ كَانَ ابْنُ عَبْدٍ لَزَارَهَا وَفَرّجَهَا حَقّا فَتَى غَيْرُ مَا وَغْلِ
فَعَنْك عَلَى لَا أَرَى مِثْلَ مَوْقِفٍ وَقَفْت عَلَى نَجْدِ الْمُقَدّمِ كَالْفَحْلِ
فَمَا ظَفِرَتْ كَفّاك فَخْرًا بِمِثَالِهِ أَمِنْت بِهِ مَا عِشْت مِنْ زلَّة النَّعْل
شعر آخر لهبيرة فِي بكاء عَمْرو:
قَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ يَبْكِي عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدّ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ عَلِيّ إيّاهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٤ ]
لَقَدْ عَلِمَتْ عُلْيَا لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ لَفَارِسُهَا عَمْرٌو إذَا نَابَ نَائِبُ
لَفَارِسُهَا عَمْرٌو إذَا مَا يَسُومُهُ عَلِيّ وَإِنّ اللّيْثَ لَا بُدّ طَالِبُ
عَشِيّةَ يَدْعُوهُ عَلِيّ وَإِنّهُ لَفَارِسُهَا إذْ هَامَ عَنْهُ الْكَائِبُ
فَيَا لَهْفَ نَفْسِي إنّ عَمْرًا تَرَكْته بِيَثْرِبَ لَا زَالَتْ هُنَاكَ المصائب
شعر حسان فِي الْفَخر بِقَتْلِ عَمْرٍو:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَفْتَخِرُ بِقَتْلِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدّ:
بَقِيّتُكُمْ عَمْرٌو أَبَحْنَاهُ بِالْقَنَا بِيَثْرِبَ نَحْمِي وَالْحُمَاةُ قَلِيلُ
وَنَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ بِكُلّ مُهَنّدٍ وَنَحْنُ وُلَاةُ الْحَرْبِ حِينَ نَصُولُ
وَنَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ بِبَدْرِ فَأَصْبَحَتْ مَعَاشِرُكُمْ فِي الْهَالِكِينَ تَجُولُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسّانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدّ:
أَمْسَى الْفَتَى عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ يَبْتَغِي بِجُنُونِ يَثْرِبَ ثَأْرَهُ لَمْ يُنْظَرْ
فَلَقَدْ وَجَدْت سُيُوفَنَا مَشْهُورَةً وَلَقَدْ وَجَدْت جِيَادَنَا لَمْ تُقْصَرْ
وَلَقَدْ لَقِيت غَدَاةَ بَدْرٍ عُصْبَةً ضَرَبُوك ضَرْبًا غَيْرَ ضَرْبِ الْحُسّرِ
أَصْبَحْت لَا تُدْعَى لِيَوْمِ عَظِيمَةٍ يَا عَمْرُو أَوْ لِجَسِيمِ أَمْرٍ مُنْكَرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسّانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٥ ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا هِدْمٍ رَسُولًا مُغَلْغَلَةً تَخُبّ بِهَا الْمَطِيّ
أَكُنْت وَلِيّكُمْ فِي كُلّ كُرْهٍ وَغَيْرِي فِي الرّخَاءِ هُوَ الْوَلِيّ
وَمِنْكُمْ شَاهِدٌ وَلَقَدْ رَآنِي رُفِعْت لَهُ كَمَا اُحْتُمِلَ الصّبِيّ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِرَبِيعَةَ بْنِ أُمَيّةَ الدّيلِيّ وَيُرْوَى فِيهَا آخِرُهَا:
كَبَبْت الْخَزْرَجِيّ عَلَى يَدَيْهِ وَكَانَ شِفَاءُ نَفْسِي الْخَزْرَجِيّ
وَتُرْوَى أَيْضًا لِأَبِي أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبُكَاءُ ابْنِ مُعَاذٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ يَبْكِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَيَذْكُرُ حِكْمَةً فِيهِمْ
لَقَدْ سَجَمَتْ مِنْ دَمْعِ عَيْنِي عَبْرَةٌ وَحُقّ لِعَيْنِي أَنْ تَفِيضَ عَلَى سَعْدِ
قَتِيلٍ ثَوَى فِي مَعْرَكٍ فُجِعَتْ بِهِ عُيُونٌ ذَوَارِي الدّمْعِ دَائِمَةُ الْوَجْدِ
عَلَى مِلّةِ الرّحْمَنِ وَارِثَ جَنّةٍ مَعَ الشّهَدَاءِ وَفْدُهَا أَكْرَمُ الْوَفْدِ
فَإِنْ تَكُ قَدْ وَدّعْتنَا وَتَرَكْتنَا وَأَمْسَيْت فِي غَبْرَاءَ مُظْلِمَةِ اللّحْدِ
فَأَنْتَ الّذِي يَا سَعْدُ أُبْت بِمَشْهَدِ كَرِيمٍ وَأَتْوَابِ الْمَكَارِمِ وَالْحَمْدِ
بِحُكْمِك فِي حَيّيْ قُرَيْظَةَ بِاَلّذِي قَضَى اللهُ فِيهِمْ مَا قَضَيْت عَلَى عَمْدِ
فَوَافَقَ حُكْمَ اللهِ حُكْمُك فِيهِمْ وَلَمْ تَعْفُ إذْ ذُكّرْت مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ
فَإِنْ كَانَ رَيْبُ الدّهْرِ أَمْضَاكَ فِي الْأُلَى شَرَوْا هَذِهِ الدّنْيَا بِجَنّاتِهَا الْخُلْدِ
فَنِعْمَ مَصِيرُ الصّادِقِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللهِ يَوْمًا لِلْوَجَاهَةِ وَالْقَصْدِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٦ ]
شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ ابْنِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، يَبْكِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الشّهَدَاءِ، وَيَذْكُرُهُمْ بِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْخَيْرِ
أَلَا يَا لَقَوْمِي هَلْ لِمَا حُمّ دَافِعٌ وَهَلْ مَا مَضَى مِنْ صَالِحِ الْعَيْشِ رَاجِعُ
تَذَكّرْت عَصْرًا قَدْ مَضَى فَتَهَافَتَتْ بَنَاتُ الْحَشَى وَانْهَلّ مِنّي الْمَدَامِعُ
صَبَابَةَ وَجْدٍ ذَكّرَتْنِي أَحِبّةً وَقَتْلَى مَضَى فِيهَا طُفَيْلُ وَرَافِعُ
وَسَعْدٌ فَأَضْحَوْا فِي الْجِنَانِ وَأَوْحَشَتْ مَنَازِلُهُمْ فَالْأَرْضُ مِنْهُمْ بَلَاقِعُ
وَفَوْا يَوْمَ بَدْرٍ لِلرّسُولِ وَفَوْقَهُمْ ظِلَالُ الْمَنَايَا وَالسّيُوفُ اللّوَامِعُ
دَعَا فَأَجَابُوهُ بِحَقّ وَكُلّهُمْ مُطِيعٌ لَهُ فِي كُلّ أَمْرٍ وَسَامِعُ
فَمَا نَكَلُوا حَتّى تَوَلّوْا جَمَاعَةً وَلَا يَقْطَعُ الْآجَالَ إلّا الْمَصَارِعُ
لِأَنّهُمْ يَرْجُونَ مِنْهُ شَفَاعَةً إذَا لَمْ يَكُنْ إلّا النّبِيّونَ شَافِعُ
فَذَلِكَ يَا خَيْرَ الْعِبَادِ بَلَاؤُنَا إجَابَتُنَا لِلّهِ وَالْمَوْتُ نَاقِعُ
لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إلَيْك وَخَلْفَنَا لِأَوّلِنَا فِي مِلّة اللهِ تَابِعُ
وَنَعْلَمُ أَنّ الْمُلْكَ لِلّهِ وَحْدَهُ وَأَنّ قَضَاءَ اللهِ لَا بُدّ وَاقِعُ
شِعْرٌ لِحَسّانَ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
لَقَدْ لَقِيَتْ قُرَيْظَةُ مَاسَآهَا وَمَا وَجَدَتْ لِذُلّ مِنْ نَصِيرِ
أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ كَانَ فِيهِ سِوَى مَا قَدْ أَصَابَ بَنِي النّضِيرِ
غَدَاةَ أَتَاهُمْ يَهْوِي إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ كَالْقَمَرِ الْمُنِيرِ
لَهُ خَيْلٌ مُجَنّبَةٌ تَعَادَى بِفُرْسَانِ عَلَيْهَا كَالصّقُورِ
تَرَكْنَاهُمْ وَمَا ظَفِرُوا بِشَيْءِ دِمَاؤُهُمْ عَلَيْهِمْ كَالْغَدِيرِ
فَهُمْ صَرْعَى تَحُومُ الطّيْرُ فِيهِمْ كَذَاكَ يَدَانِ ذُو الْعَنْدِ الْفَجُورِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٧ ]
فَأَنْذِرْ مِثْلَهَا نُصْحًا قُرَيْشًا مِنْ الرّحْمَنِ إنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
لَقَدْ لَقِيَتْ قُرَيْظَةُ مَاسَآهَا وَحَلّ بِحِصْنِهَا ذُلّ ذَلِيلُ
وَسَعْدٌ كَانَ أَنْذَرَهُمْ بِنُصْحِ بِأَنّ إلَهَكُمْ رَبّ جَلِيلُ
فَمَا بَرِحُوا بِنَقْضِ الْعَهْدِ حَتّى فَلَاهُمْ فِي بِلَادِهِمْ الرّسُولُ
أَحَاطَ بِحِصْنِهِمْ مِنّا صُفُوفٌ لَهُ مِنْ حَرّ وقعتهم صليل
قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ
هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيّعُوهُ وَهُمْ عُمْيٌ مِنْ التّوْرَاةِ بُورُ
كَفَرْتُمْ بِالْقُرْآنِ وَقَدْ أُتِيتُمْ بِتَصْدِيقِ الّذِي قَالَ النّذِيرُ
فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
شِعْرُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الرّدّ عَلَى حَسّانَ
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَقَالَ:
أَدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ وَحَرّقَ فِي طَرَائِقِهَا السّعِيرُ
سَتَعْلَمُ أَيّنَا مِنْهَا بِنُزْهِ وَتَعْلَمُ أَيّ أَرَضِينَا تَضِيرُ
فَلَوْ كَانَ النّخِيلُ بِهَا رِكَابًا لَقَالُوا لَا مُقَامَ لَكُمْ فَسِيرُوا
شِعْرُ بْنِ جَوّالٍ فِي الرّدّ عَلَى حَسّانَ
وَأَجَابَهُ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثّعْلَبِيّ أَيْضًا، وَبَكَى النّضِيرَ وَقُرَيْظَةَ فَقَالَ"
أَلَا يَا سَعْدُ بَنِي مُعَاذٍ لِمَا لَقِيَتْ قُرَيْظَةُ وَالنّضِيرُ
لَعَمْرُك إنّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ غَدَاةَ تَحَمّلُوا لَهُوَ الصّبُورُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٨ ]
فَأَمّا الْخَزْرَجِيّ أَبُو حُبَابٍ فَقَالَ لِقَيْنُقَاعِ لَا تَسِيرُوا
وَبُدّلَتْ الْمَوَالِي مِنْ حُضَيْرٍ أُسَيْدًا وَالدّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ
وَأَقْفَرَتْ الْبُوَيْرَةُ مِنْ سَلَامٍ وَسَعْيَةَ وَابْنِ أَخْطَبَ فَهْيَ بُورُ
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصّخُورُ
فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو حَكَمٍ سَلَامٌ فَلَا رَثّ السّلَاحِ وَلَا دَثُورُ
وَكُلّ الْكَاهِنِينَ وَكَانَ فِيهِمْ مَعَ اللّينِ الْخَضَارِمَةُ الصّقُورُ
وَجَدْنَا الْمَجْدَ قَدْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ بِمَجْدِ لَا تُغَيّبُهُ الْبُدُورُ
أَقِيمُوا يَا سَرَاةَ الْأَوْسِ فِيهَا كَأَنّكُمْ مِنْ الْمَخْزَاةِ عُورُ
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٩ ]
مَقْتَلُ سَلّامِ بْنِ أبي الْحقيق
اسْتِئْذَان الْخَزْرَج الرَّسُول فِي قَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا انْقَضَى شَأْنُ الْخَنْدَقِ، وَأَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ سَلّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ وَهُوَ أَبُو رَافِعٍ فِيمَنْ حَزّبَ الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ وَكَانَتْ الْأَوْسُ قَبْلَ أُحُدٍ قَدْ قَتَلَتْ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، فِي عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَحْرِيضِهِ عَلَيْهِ اسْتَأْذَنَتْ الْخَزْرَجُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قَتْلِ سَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَهُوَ بِخَيْبَرِ فَأَذِنَ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عبد الله بْنِ
_________________
(١) مَقْتَلُ ابْنِ أَبِي الْحقيق ذكر فِي النّفَرَ الْخَمْسَةَ الّذِينَ قَتَلُوهُ وَسَمّاهُمْ، وَذَكَرَ فِيهِمْ ابْنَ عُقْبَةَ أَسْعَدَ بْنَ حَرَامٍ وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
وَكَانَ مِمّا صَنَعَ اللهُ بِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنّ هَذَيْنِ الْحَيّيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْأَوْسِ، وَالْخَزْرَجِ، كَانَا يَتَصَاوَلَانِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ لَا تَصْنَعُ الْأَوْسُ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَنَاءً إلّا قَالَتْ الْخَزْرَجُ: وَاَللهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَذِهِ فَضْلًا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي الْإِسْلَامِ قَالَ فَلَا يَنْتَهُونَ حَتّى يُوقِعُوا مِثْلَهَا ; وَإِذَا فَعَلَتْ الْخَزْرَجُ شَيْئًا قَالَتْ الْأَوْسُ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَلَمّا أَصَابَتْ الْأَوْسُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فِي عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ الْخَزْرَجُ: وَاَللهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَا فَضْلًا عَلَيْنَا أَبَدًا، قَالَ فَتَذَاكَرُوا: مَنْ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْعَدَاوَةِ كَابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُوَ بِخَيْبَرِ فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قَتْلِهِ فَأذن لَهُم
النَّفر الّذِينَ خَرَجُوا لِقَتْلِ ابْنِ أبي الْحقيق وقصتهم:
فَخَرَجَ إلَيْهِ مِنْ الْخَزْرَجِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ خَمْسَةُ نَفَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيّ، وَخُزَاعِيّ بْنُ أَسْوَدَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَسْلَمَ. فَخَرَجُوا وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَقْتُلُوا وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً فَخَرَجُوا حَتّى إذَا قَدِمُوا خَيْبَرَ، أَتَوْا دَارَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ لَيْلًا، فَلَمْ يَدَعُوا بَيْتًا فِي الدّارِ إلّا أَغْلَقُوهُ عَلَى أَهْلِهِ. وَكَانَ فِي عِلّيّةٍ لَهُ إلَيْهَا عَجَلَةٌ قَالَ فَأَسْنَدُوا فِيهَا حَتّى قَامُوا عَلَى بَابِهِ فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ فَخَرَجَتْ إلَيْهِمْ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ نَلْتَمِسُ الْمِيرَةَ. قَالَتْ ذَاكُمْ صَاحِبُكُمْ فَأُدْخِلُوا عَلَيْهِ قَالَ فَلَمّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ أَغْلَقْنَا عَلَيْنَا وَعَلَيْهَا الْحُجْرَةَ تَخَوّفًا أَنْ تَكُونَ دُونَهُ مُحَاوَلَةٌ تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قَالَتْ فَصَاحَتْ امْرَأَتُهُ فَنَوّهَتْ بِنَا وَابْتَدَرْنَاهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَسْيَافِنَا، فَوَاَللهِ مَا يَدُلّنَا عَلَيْهِ فِي سَوَادِ اللّيْلِ إلّا بَيَاضُهُ كَأَنّهُ قُبْطِيّةٌ مُلْقَاةٌ. قَالَ وَلَمّا صَاحَتْ بِنَا امْرَأَتُهُ جَعَلَ الرّجُلُ مِنّا يَرْفَعُ عَلَيْهَا سَيْفَهُ ثُمّ يَذْكُرُ نَهْيَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٠ ]
رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَكُفّ يَدَهُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَفَرَغْنَا مِنْهَا بِلَيْلِ. قَالَ فَلَمّا ضَرَبْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا تَحَامَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ فِي بَطْنِهِ حَتّى أَنْفَذَهُ وَهُوَ يَقُولُ قَطْنِي قَطْنِي: أَيْ حَسْبِي حَسْبِي. قَالَ وَخَرَجْنَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ رَجُلًا سَيّئَ الْبَصَرِ قَالَ فَوَقَعَ مِنْ الدّرَجَةِ فَوَثِئَتْ يَدُهُ وَثْئًا شَدِيدًا - وَيُقَالُ رِجْلُهُ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ – وَحَمَلْنَاهُ
_________________
(١) قَطْنِي وَقَدْ وَنُونُ الْوِقَايَةِ وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قَطْنِي قَطْنِي، قَالَ مَعْنَاهُ حَسْبِي حَسْبِي. قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَصْلُهَا مِنْ الْقَطّ وَهُوَ الْقَطْعُ ثُمّ خُفّفَتْ وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى الْحَرْفِ وَكَذَلِكَ قَدْ بِمَعْنَى قَطْ هِيَ أَيْضًا مِنْ الْقَدّ وَهُوَ الْقَطْعُ طُولًا، وَالْقَطّ بِالطّاءِ هُوَ الْقَطْعُ عَرْضًا، يُقَالُ إنّ عَلِيّا - ﵀ - كَانَ إذَا اسْتَعْلَى الْفَارِسَ قَدّهُ وَاذَا اسْتَعْرَضَهُ قَطّهُ وَلَمّا كَانَ الشّيْءُ الْكَافِي الّذِي لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَدْعُو إلَى قَطْعِ الطّلَبِ وَتَرْكِ الْمَزِيدِ جَعَلُوا قَدْ وَقَطْ تُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِذَا ذَكَرْت نَفْسَك قُلْت: قَدِي وَقَطِي، كَمَا تَقُولُ حَسْبِي، وَإِنْ شِئْت أَلْحَقْت نُونًا، فَقُلْت: قَدْنِي، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ سُكُونِ آخِرِهَا فَكَرِهُوا تَحْرِيكَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ كَمَا كَرِهُوا تَحْرِيكَ آخِرِ الْفِعْلِ فَقَالُوا: ضَرَبَنِي، وَكَذَلِكَ كَرِهُوا تَحْرِيكَ آخِرِ لَيْتَ فَقَالُوا: لَيْتَنِي، وَقَدْ يَقُولُونَ لَيْتِي وَهُوَ قَلِيلٌ وَقَالُوا: لَعَلّنِي وَلَعَلّي، وَقَالُوا: مِنْ لَدُنّي فَأَدْخَلُوهَا عَلَى الْيَاءِ الْمَخْفُوضَةِ بِالظّرْفِ كَمَا أَدْخَلُوهَا عَلَى الْيَاءِ الْمَخْفُوضَةِ بِمِنْ وَعَنْ فَعَلُوا هَذَا وِقَايَةً لِأَوَاخِرِ هَذَا الْكَلِمِ مِنْ الْخَفْضِ وَخَصّوا النّونَ بِهَذَا ; لِأَنّهَا إذَا كَانَتْ تَنْوِينًا فِي آخِرِ الِاسْمِ آذَنَتْ بِامْتِنَاعِ الْإِضَافَةِ وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الّتِي سَمّيْنَا تُشْعِرُ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ الْخَفْضِ وَتُشْعِرُ فِي الْفِعْلِ وَالْحُرُوفِ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ الْإِضَافَةِ أَيْضًا، لِأَنّ الْحَرْفَ لَا يُضَافُ وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ مَعَ أَنّ النّونَ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِضْمَارِ فِي فَعَلْنَا، وَفَعَلَنَا فِي ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فَأَمّا قَدْ وَقَطْ فَاسْمَانِ وَكَذَلِكَ لَدُنْ وَلَكِنْ كَرِهُوا تَحْرِيكَ أَوَاخِرِهَا لِشَبَهِهَا بِالْحُرُوفِ. فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَوْضِعُ نِيّ مِنْ قَوْلِهِ قَطْنِي؟ قُلْنَا: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ بِالْإِضَافَةِ كَمَا هِيَ فِي لَدُنّي فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَكُونُ ضَمِيرَ الْمَفْعُولِ وَالْمَنْصُوبِ فِي
[ ٦ / ٢٨١ ]
حَتّى نَأْتِيَ بِهِ مَنْهَرًا مِنْ عُيُونِهِمْ فَنَدْخُلُ فِيهِ. قَالَ فَأَوْقَدُوا النّيرَانَ وَاشْتَدّوا فِي كُلّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَنَا، قَالَ حَتّى إذَا يَئِسُوا رَجَعُوا إلَى صَاحِبِهِمْ فَاكْتَنَفُوهُ وَهُوَ يُقْضَى بَيْنَهُمْ. قَالَ فَقُلْنَا: كَيْفَ لَنَا بِأَنْ نَعْلَمَ بِأَنّ عَدُوّ اللهِ قَدْ مَاتَ؟ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنّا: أَنَا أَذْهَبُ فَأَنْظُرُ لَكُمْ فَانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ فِي النّاسِ. قَالَ فَوَجَدْت امْرَأَتَهُ وَرِجَالَ يَهُودَ حَوْلَهُ وَفِي يَدِهَا الْمِصْبَاحُ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَتُحَدّثُهُمْ وَتَقُولُ أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ سَمِعْت صَوْتَ ابْنِ عَتِيكٍ ثُمّ أَكْذَبْت نَفْسِي وَقُلْت: أَنّى ابْنُ عَتِيكٍ بِهَذِهِ الْبِلَادِ؟ ثُمّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ ثُمّ قَالَتْ فَاظَ وَإِلَهِ يَهُودَ فَمَا سَمِعْت مِنْ كَلِمَةٍ كَانَتْ أَلَذّ إلَى نَفْسِي مِنْهَا. قَالَ ثُمّ جَاءَنَا الْخَبَرُ فَاحْتَمَلْنَا صَاحِبَنَا فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوّ اللهِ وَاخْتَلَفْنَا عِنْدَهُ فِي قَتْلِهِ كُلّنَا يَدّعِيهِ. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "هَاتُوا أَسْيَافَكُمْ" قَالَ فَجِئْنَاهُ بِهَا، فَنَظَرَ إلَيْهَا، فَقَالَ لِسَيْفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ: "هَذَا قَتَلَهُ أَرَى فِيهِ أثر الطَّعَام".
_________________
(١) ضَرَبَنِي وَلَيْتَنِي، ثُمّ تَقُولُ إنّهَا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ؟ قُلْنَا: الضّمِيرُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْيَاءُ وَحْدَهَا فِي الْخَفْضِ وَالنّصْبِ كَمَا أَنّ الْكَافَ وَالْهَاءَ كَذَلِكَ وَقَدْ قَالُوا: مِنّي وَعَنّي، وَهُوَ ضَمِيرُ خَفْضٍ وَفِيهِ النّونُ وَقَالُوا: لَيْتِي وَلَعَلّي، وَهُوَ ضَمِيرُ نَصْبٍ وَلَيْسَ فِيهِ نُونٌ فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَوْضِعُ الِاسْمِ مِنْ الْإِعْرَابِ إذَا قُلْت: قَطِي وَقَدِي؟ قُلْنَا: إعْرَابُهُمَا كَإِعْرَابِ حَسْبِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَإِنّمَا لَزِمَ حَذْفُ خَبَرِهِ لِمَا دَخَلَهُ مِنْ مَعْنَى الْأَمْرِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ جَهَنّمَ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا: قَطِي وَعِزّتِك قَطِي، وَيُرْوَى: قَطْنِي، وَذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهَا: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَإِذَا وُضِعَتْ فِيهَا الْقَدَمُ وَزَوَى بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ قَالَتْ قَطْنِي. وَقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللّغَتَيْنِ فَقَالَ: قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الْحُبَيْبَيْنِ قَدِي
[ ٦ / ٢٨٢ ]
مقتل سلام بن أبي الحقيق
مقتل سَلام ابْنِ أبي الْحقيق
شعر حسان فِي قتل ابْن الْأَشْرَفِ وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ يَذْكُرُ قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَقَتْلَ سَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ:
لِلّهِ دَرّ عِصَابَةٍ لَاقَيْتهمْ يَا ابْنَ الْحُقَيْقِ وَأَنْتَ يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ
يَسْرُونَ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ إلَيْكُمْ مَرَحًا كَأُسْدِ فِي عَرِينٍ مُغْرِفِ
حَتّى أَتَوْكُمْ فِي مَحَلّ بِلَادِكُمْ فَسَقَوْكُمْ حَتْفًا بِبِيضِ ذُفّفِ
مُسْتَبْصِرِينَ لِنَصْرِ دِينِ نَبِيّهِمْ مُسْتَصْغِرِينَ لِكُلّ أَمْرٍ مُجْحِفِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ " ذُفّفِ"، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
_________________
(١) فَهَذَا مَا فِي قَطْ الّتِي هِيَ بِمَعْنَى حَسْبِي، فَأَمّا قَطّ الْمَبْنِيّةُ عَلَى الضّمّ فَهِيَ ظَرْفٌ لِمَا مَضَى، وَهِيَ تقال بِالتَّخْفِيفِ والتثقيل وَهِيَ مِنْ الْقَطّ أَيْضًا الّذِي بِمَعْنَى الْقَطْعِ وَفِي مُقَابَلَتِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَوْضُ مَا فَعَلْته قَطّ، وَلَا أَفْعَلُهُ عَوْضُ مِثْلُ قَبْلُ وَبَعْدُ.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
إسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدِ بن الْوَلِيد.
ذهَاب عَمْرو مَعَ آخَرين إِلَى النّجَاشِيّ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثّقَفِيّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثّقَفِيّ قَالَ حَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ فِيهِ قَالَ:
لَمّا انْصَرَفْنَا مَعَ الْأَحْزَابِ عَنْ الْخَنْدَقِ جَمَعْت رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي، وَيَسْمَعُونَ مِنّي، فَقُلْت لَهُمْ تَعْلَمُونَ وَاَللهِ أَنّي أَرَى أَمْرَ مُحَمّدٍ يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوّا مُنْكَرًا، وَإِنّي قَدْ رَأَيْت أَمْرًا، فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَاذَا رَأَيْت؟ قَالَ رَأَيْت أَنْ نَلْحَقَ بِالنّجَاشِيّ فَنَكُونَ عِنْدَهُ فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمّدٌ عَلَى قَوْمِنَا كُنّا عِنْدَ النّجَاشِيّ، فَإِنّا أَنْ
_________________
(١) إسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ "يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ اللّيْلَةَ رَجُلٌ حَكِيمٌ فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُهَاجِرًا"، ذَكَرَ فِيهِ اجْتِمَاعَهُ
[ ٦ / ٢٨٤ ]
نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمّدٍ وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلَنْ يَأْتِيَنَا مِنْهُمْ إلّا خَيْرٌ قَالُوا: إنّ هَذَا الرّأْيُ. قُلْت: فَاجْمَعُوا لَنَا مَا نُهْدِيهِ لَهُ وَكَانَ أَحَبّ مَا يُهْدَى إلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ. فَجَمَعْنَا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، ثُمّ خَرَجْنَا حَتّى قدمنَا عَلَيْهِ.
سُؤال النَّجَاشِيّ فِي قتل عَمْرو الضمرِي ورده عَلَيْهِ:
فَوَاَللهِ إنّا لَعِنْدَهُ إذْ جَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ إلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. قَالَ فَقُلْت لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، لَوْ قَدْ دَخَلْت عَلَى النّجَاشِيّ وَسَأَلْته إيّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْت عُنُقَهُ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّي قَدْ أَجْزَأْت عَنْهَا حِينَ قَتَلْت رَسُولَ مُحَمّدٍ. قَالَ فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَسَجَدْت لَهُ كَمَا كُنْت أَصْنَعُ فَقَالَ مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْت إلَيّ مِنْ بِلَادِك شَيْئًا؟ قَالَ قُلْت: نَعَمْ أَيّهَا الْمَلِكُ قَدْ أَهْدَيْت إلَيْك أَدَمًا كَثِيرًا ; قَالَ ثُمّ قَرّبْته إلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ ثُمّ قُلْت لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ إنّي قَدْ رَأَيْت رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِك، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوّ لَنَا، فَأَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ فَإِنّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا، قَالَ فَغَضِبَ ثُمّ مَدّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْت أَنّهُ قَدْ كَسَرَهُ فَلَوْ انْشَقّتْ لِي الْأَرْضُ لَدَخَلْت فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ ثُمّ قُلْت لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ وَاَللهِ لَوْ ظَنَنْت أَنّك تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ قَالَ أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَك رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النّامُوسُ الْأَكْبَرُ الّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ قَالَ قُلْت: أَيّهَا الْمَلِكُ أَكَذَاك هُوَ؟ قَالَ وَيْحَك يَا عَمْرُو أَطِعْنِي وَاتّبِعْهُ فَإِنّهُ وَاَللهِ لَعَلَى الْحَقّ وَلَيَظْهَرَنّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ قَالَ قُلْت: أَفَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ نَعَمْ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْته: عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمّ خَرَجْت إلَى أَصْحَابِي وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمّا كَانَ عَلَيْهِ وَكَتَمْت أَصْحَابِي إسْلَامِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٥ ]
اجْتِمَاعُ عَمْرٍو مَعَ خَالِد على الْإِسْلَام:
ثُمّ خَرَجْت عَامِدًا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأُسْلِمَ فَلَقِيت خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكّةَ، فَقُلْت: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ وَاَللهِ لَقَدْ اسْتَقَامَ الْمِيسَمُ وَإِنّ الرّجُلَ لَنَبِيّ، أَذْهَبُ وَاَللهِ فَأُسْلِمُ فَحَتّى مَتَى ; قَالَ قُلْت: وَاَللهِ مَا جِئْت إلّا لِأُسْلِمَ. قَالَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَقَدّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ ثُمّ دَنَوْت، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أُبَايِعُك عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلَا أَذْكُرُ مَا تَأَخّرَ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "يَا عَمْرُو، بَايِعْ فَإِنّ الْإِسْلَامَ يَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنّ الْهِجْرَةَ تَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهَا" ; قَالَ فَبَايَعْته، ثُمّ انْصَرَفْت.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ فَإِنّ الْإِسْلَامَ يَحُتّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَإِنّ الْهِجْرَةَ تَحُتّ مَا كَانَ قَبْلَهَا.
إسْلَامُ ابْنِ طَلْحَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ
أَنّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، كَانَ مَعَهُمَا، حِينَ أسلما.
_________________
(١) مَعَ خَالِدٍ فِي الطّرِيقِ وَقَوْلُ خَالِدٍ لَهُ وَاَللهِ لَقَدْ اسْتَقَامَ الْمِيسَمُ. مَنْ رَوَاهُ الْمِيسَمُ بِالْيَاءِ فَهِيَ الْعَلَامَةُ أَيْ قَدْ تَبَيّنَ الْأَمْرُ وَاسْتَقَامَتْ الدّلَالَةُ وَمَنْ رَوَاهُ الْمَنْسَمُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالنّونِ فَمَعْنَاهُ اسْتَقَامَ الطّرِيقُ وَوَجَبَتْ الْهِجْرَةُ وَالْمَنْسَمُ مُقَدّمُ خُفّ الْبَعِيرِ وَكُنّيَ بِهِ عَنْ الطّرِيقِ لِلتّوَجّهِ بِهِ فِيهِ. وَذَكَرَ الزّبَيْرُ خَبَرَ عَمْرٍو هَذَا، وَزَادَ فِيهِ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ صَحِبَهُمَا فِي تِلْكَ الطّرِيقِ فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى النّبِيّ ﷺ قَالَ عَمْرٌو: وَكُنْت أَسَنّ مِنْهُمَا، فَأَرَدْت أَنْ أَكِيدَهُمَا، فَقَدّمْتهمَا قَبْلِي لِلْبَيْعَةِ فَبَايَعَا، وَاشْتَرَطَا أَنْ يُغْفَرَ مِنْ ذَنْبِهِمَا مَا تَقَدّمَ فَأَضْمَرْت فِي نَفْسِي أَنْ نُبَايِعَ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ اللهُ مِنْ ذَنْبِي مَا تَقَدّمَ وَمَا تَأَخّرَ فَلَمّا بَايَعْت ذَكَرْت مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِي وَأُنْسِيت أَنْ أَقُولَ وَمَا تَأَخّرَ.
[ ٦ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَا قَالَهُ الضّمْرِيّ لِلنّجَاشِيّ وَذَكَرَ فِيهِ قُدُومَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ عَلَى النّجَاشِيّ بِكِتَابِ النّبِيّ ﷺ وَكَانَ فِي الْكِتَابِ مَا تَكَلّمَ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ فَإِنّهُ لَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ يَا أَصْحَمَةُ إنّ عَلَيّ الْقَوْلَ وَعَلَيْك الِاسْتِمَاعَ إنّك كَأَنّك فِي الرّقّةِ عَلَيْنَا مِنّا، وَكَأَنّا بِالثّقَةِ بِك مِنْك لِأَنّا لَمْ نَظْنُنْ بِك خَيْرًا قَطّ إلّا نِلْنَاهُ وَلَمْ نَخَفْك عَلَى شَيْءٍ إلّا أَمِنّاهُ وَقَدْ أَخَذْنَا الْحُجّةَ عَلَيْك مِنْ فِيك أَلّا يُحِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك شَاهِدٌ لَا يُرَدّ، وَقَاضٍ لَا يَجُورُ وَفِي ذَلِكَ وَقْعُ الْحَزّ وَإِصَابَةُ الْمَفْصِلِ وَإِلّا فَأَنْتَ فِي هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ كَالْيَهُودِ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ فَرّقَ النّبِيّ ﵇ رُسُلَهُ إلَى النّاسِ فَرَجَاك لِمَا لَمْ يَرْجُهُمْ لَهُ وَأَمِنَك عَلَى مَا خَافَهُمْ عَلَيْهِ لِخَيْرِ سَالِفٍ وَأَجْرٍ يُنْتَظَرُ فَقَالَ النّجَاشِيّ: أَشْهَدُ بِاَللهِ أَنّهُ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَنْتَظِرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَنّ بِشَارَةَ مُوسَى بِرَاكِبِ الْحِمَارِ كَبِشَارَةِ عِيسَى بِرَاكِبِ الْجَمَلِ وَإِنّ الْعِيَانَ لَهُ لَيْسَ بِأَشْفَى مِنْ الْخَبَرِ عَنْهُ وَلَكِنّ أَعْوَانِي مِنْ الْحَبَشِ قَلِيلٌ فَأَنْظِرْنِي حَتّى أُكَثّرَ الْأَعْوَانَ وَأُلَيّنَ الْقُلُوبَ وَسَنَذْكُرُ فِيمَا بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللهُ - مَا قَالَتْهُ أَرْسَالُ النّبِيّ - ﷺ - إلَى الْمُلُوكِ وَمَا رَدّتْ عَلَيْهَا. الرّسُلُ إلَى الْمُلُوكِ فَإِنّ دِحْيَةَ كَانَ رَسُولَهُ إلَى قَيْصَرَ، وَخَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ كَانَ رَسُولَهُ إلَى كِسْرَى، وَشُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسّانِيّ وَسَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ، وَالْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوِي [مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ] وَالْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ إلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِي إلَى الْجُلَنْدَى صَاحِبِ عُمَانَ، وَحَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى الْمُقَوْقَسِ صَاحِبِ مِصْرَ،
[ ٦ / ٢٨٧ ]
شعر للسهمي فِي إسْلَامِ ابْنِ طَلْحَةَ وَخَالِدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَقَالَ ابْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ:
أَنْشُدُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ حِلْفَنَا وَمُلْقَى نِعَالِ الْقَوْمِ عِنْدَ الْمُقَبّلِ
وَمَا عَقَدَ الْآبَاءُ مِنْ كُلّ حِلْفِهِ وَمَا خَالِدٌ مِنْ مِثْلِهَا بِمُحَلّلِ
أَمِفْتَاحَ بَيْتٍ غَيْرِ بَيْتِك تَبْتَغِي وَمَا يُبْتَغَى مِنْ مَجْدِ بَيْتٍ مُؤَثّلِ
فَلَا تَأْمَنَنّ خَالِدًا بَعْدَ هَذِهِ وَعُثْمَانُ جَاءَ بِالدّهَيْمِ الْمُعَضّلِ
وَكَانَ فَتْحُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَصَدْرِ ذِي الْحِجّةِ وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجّةَ الْمُشْرِكُونَ.
_________________
(١) وَعَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ إلَى النّجَاشِيّ كَمَا تَقَدّمَ وَلِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَلَامٌ قَالَهُ وَشِعْرٌ نَظَمَهُ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ. السّمْهَرِيّةُ فَصْلٌ: وَمَا وَقَعَ فِي أَشْعَارِ السّيرَةِ مِنْ ذِكْرِ السّمْهَرِيّةِ مِنْ الرّمَاحِ فَمَنْسُوبَةٌ إلَى سَمْهَرٍ وَكَانَ صَنَعًا فِيمَا زَعَمُوا يَصْنَعُ الرّمَاحَ وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ رُدَيْنَةُ تَبِيعُهَا، فَقِيلَ لِلرّمَاحِ الرّدَيْنِيّةُ لِذَلِكَ وَأَمّا الْمَاسِخِيّ مِنْ الْقِسِيّ فَمَنْسُوبَةٌ إلَى مَاسِخَةَ وَاسْمُهُ نُبَيْشَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَحَدُ بَنِي نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ، وَقَالَ الْجَعْدِيّ: بِعِيسِ تُعَطّفُ أَعْنَاقَهَا كَمَا عَطّفَ الْمَاسِخِيّ الْقِيَانَا وَقَدْ تُنْسَبُ الْقِسِيّ أَيْضًا إلَى زَارَةَ وَهِيَ امْرَأَةُ مَاسِخَةَ. قَالَ صَخْرُ الْغَيّ سَمْحَةٍ مِنْ قسي زارة حَمْرَاء هَتُوفٍ عِدَادُهَا غِرَدُ
[ ٦ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ كِتَابِ النّبَاتِ لِلدّينَوَرِيّ وَالْيَزَنِيّةُ مَنْسُوبَةٌ إلَى عُبَيْدِ الطّعّانِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِيَزَنَنَ بْنِ هَمَاذِي، وَالْمَاذِيّةُ مَنْسُوبَةٌ إلَى مَاذِي بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ قَالَهُ الطّبَرِيّ، وَزَعَمَ أَنّهُ أَوّلُ مَنْ عَمِلَ السّيُوفَ جَمّ وَهُوَ رَابِعُ مُلُوكِ الْأَرْضِ.
[ ٦ / ٢٨٩ ]
غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ
خُرُوج الرَّسُول إِلَى بني لحيان:
قَالَ ابْن اسحاق:
ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحِجّةِ وَالْمُحَرّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ وَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى عَلَى رَأْسِ سِتّةِ أَشْهُرٍ مِنْ فَتْحِ قُرَيْظَةَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرّجِيعِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ وَأَصْحَابِهِ وَأَظْهَرَ أَنّهُ يُرِيدُ الشّامَ، لِيُصِيبَ مِنْ الْقَوْمِ غِرّةً. فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ ﷺ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْن هِشَام.
_________________
(١) غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ لَيْسَ فِيهَا مَا يُشْكِلُ وَفِيهَا مِنْ شِعْرِ حَسّانَ لَقُوا سَرَعَانًا يَمْلَأُ السّرْبَ رَوْعُهُ
[ ٦ / ٢٩٠ ]
طريقهم إِلَيْهِم ثمَّ رُجُوعه عَنْهُم:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَسَلَكَ عَلَى غُرَابٍ، جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِهِ إلَى الشّامِ، ثُمّ عَلَى مَحِيصٍ، ثُمّ عَلَى الْبَتْرَاءِ، ثُمّ صَفّقَ ذَاتَ الْيَسَارِ فَخَرَجَ عَلَى بِينٍ ثُمّ عَلَى صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمّ اسْتَقَامَ بِهِ الطّرِيقُ عَلَى الْمَحَجّةِ مِنْ طَرِيقِ مَكّةَ، فَأَغَذّ السّيْرَ سَرِيعًا، حَتّى نَزَلَ عَلَى غُرَانٍ، وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي لِحْيَانَ، وَغُرَانٌ وَادٍ بَيْنَ آمَجَ وَعُسْفَانَ، إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ سَايَةُ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَذِرُوا وَتَمَنّعُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ. فَلَمّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَخْطَأَهُ مِنْ غِرّتِهِمْ مَا أَرَادَ قَالَ "لَوْ أَنّا هَبَطْنَا عُسْفَانَ لَرَأَى أَهْلُ مَكّةَ أَنّا قَدْ جِئْنَا مَكّةَ" فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى نَزَلَ عُسْفَانَ، ثُمّ بَعَثَ فَارِسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى بَلَغَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمّ كَرّ وَرَاحَ رَسُولُ الله ﷺ قَافِلًا.
مقَالَة الرَّسُول فِي رُجُوعه:
فَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:
سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ وَجّهَ رَاجِعًا: "آيِبُونَ تَائِبُونَ إنْ شَاءَ اللهُ لِرَبّنَا حَامِدُونَ أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ وَعْثَاءِ السّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْل وَالْمَال"
شعر كَعْب فِي غَزْوَةِ بني لحيان:
والْحَدِيث فِي غَزْوَة بَنِي لِحْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ.
لَوْ أَنّ بَنِي لِحْيَانَ كَانُوا تَنَاظَرُوا لَقُوا عُصَبًا فِي دَارِهِمْ ذَاتَ مَصْدَقِ
لَقُوا سَرَعَانًا يَمْلَأ السّرْبَ رَوْعُهُ أَمَامَ طَحُونٍ كَالْمَجَرّةِ فَيْلَقِ
_________________
(١) سَرَعَانُ النّاسِ سُبّاقُهُمْ وَالسّرْبُ الْمَالُ الرّاعِي، كَأَنّهُ جَمْعُ سَارِبٍ وَيُقَالُ هُوَ آمِنٌ فِي سَرْبِهِ إذَا لَمْ يُذْعَرْ وَلَا خَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ الْغَارَةِ وَمَنْ قَالَ فِي
[ ٦ / ٢٩١ ]
وَلَكِنّهُمْ كَانُوا وِبَارًا تَتَبّعَتْ شِعَابَ حِجَازٍ غَيْرَ ذِي متنفق
_________________
(١) سِرْبِهِ بِكَسْرِ السّينِ فَهُوَ مَثَلٌ لِأَنّ السّرْبَ هُوَ الْقَطِيعُ مِنْ الْوَحْشِ وَالطّيْرِ فَمَعْنَى: آمِنٌ فِي سِرْبِهِ أَيْ لَمْ يُذْعَرْ هُوَ نَفْسُهُ وَلَا ذُعِرَ أَهْلُهُ وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ اللّغَةِ مَعْنَى فِي سِرْبِهِ أَيْ فِي نَفْسِهِ لَمْ يُرِدْ أَنّ النّفْسَ يُقَالُ لَهَا: سِرْبٌ وَإِنّمَا أَرَادَ أَنّهُ لَمْ يُذْعَرْ هُوَ وَلَا مَنْ مَعَهُ لَا كَالْآخَرِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ وَقِيلَ فِيهِ آمِنٌ فِي سَرْبِهِ بِفَتْحِ السّينِ فَكَانَ الْوَاحِدُ آمِنٌ فِي مَالِهِ وَالْآخَرُ آمِنٌ فِي نَفْسِهِ وَيُقَالُ فِي سَرْبِهِ أَيْ فِي طَرِيقِهِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ أَمَامَ طَحُونٍ كَالْمَجَرّةِ فَيْلَقِ يَعْنِي: كَتِيبَةً جَعَلَهَا كَالْمَجَرّةِ لِلَمَعَانِ السّيُوفِ وَالْأَسِنّةِ فِيهَا كَالنّجُومِ حَوْلَ الْمَجَرّةِ لِأَنّ النّجُومَ - وَأَكْثَرَ مَا تَكُونُ - حَوْلَهَا، وَقَدْ قِيلَ إنّ الْمَجَرّةَ نَفْسَهَا نُجُومٌ صِغَارٌ مُتَلَاصِقَةٌ فَبَيَاضُ الْمَجَرّةِ مِنْ بَيَاضِ تِلْكَ النّجُومِ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ أَنّ الْمَجَرّةَ الّتِي فِي السّمَاءِ هِيَ مِنْ لُعَابِ حَيّةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ " إنّك سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ يَسْأَلُونَك عَنْ الْمَجَرّةِ فَقُلْ لَهُمْ هِيَ مِنْ عَرَقِ الْأَفْعَى الّتِي تَحْتَ الْعَرْشِ" لَكِنّ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ النّقْلِ لَا يُعَرّجُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيّ، وَعَنْ عَلِيّ أَنّهَا شَرَجُ السّمَاءِ الّذِي تَنْشَقّ مِنْهُ وَأَمّا قَوْلُ الْمُنَجّمِينَ غَيْرِ الْإِسْلَامِيّينَ فِي مَعْنَى الْمَجَرّةِ فَذَكَرَ لَهُمْ الْقَاضِي فِي النّقْضِ الْكَبِيرِ نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ وَأَكْثَرَ مِنْهَا مَا
[ ٦ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يُجَوّزُهُ الْعَقْلُ وَمِنْهَا مَا هُوَ شِبْهُ الْهَذَيَانِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَالْمَجَرّةِ أَيْ أَثَرُ هَذِهِ الْكَتِيبَةِ الطّحُونِ كَأَثَرِ الْمَجَرّةِ تَقْشِرُ مَا مَرّتْ عَلَيْهِ وَتَكْنُسُهُ. وَالْفَيْلَقُ فَيْعَلٌ مِنْ الْفِلْقِ وَهِيَ الدّاهِيَةُ كَأَنّهَا تَفْلِقُ الْقُلُوبَ وَهِيَ الْفِلْقَةُ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ قَدْ طَرّقَتْ بِبِكْرِهَا أُمّ طَبَقْ فَدَبّرُوهُ خَبَرًا ضَخْمَ الْعُنُقْ فَقِيلَ وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ مَوْتُ الْإِمَامِ فَلِقَةٌ مِنْ الْفِلَقْ تمّ بِحَمْد الله وفضله الْجُزْء السَّادِس ويليه إِن شَاءَ الله الْجُزْء السَّابِع وأوله: غَزْوَة ذِي قرد.
[ ٦ / ٢٩٣ ]