الفصل الأول: السرايا الا عتراضية
مقدمه
مقدمة
بعد أن استقر المقام بالمسلمين في المدينة النبوية، عاصمة الإسلام الأولى، ومأزره، بدأ العمل الدءوب الشاق لتثبيت دعائم الدولة الإسلامية، التي كانت فتية وفي طور الإنشاء والتكوين.
وكان رسول الله - ﷺ - قد أخذ على عاتقه النهوض بهذه الدولة، فقام بعدة مبادرات سريعة لحل بعض المشكلات العارضة، وإن كانت في حد ذاتها تمهيدًا (لاستراتيجيات) بعيدة المدى.
فعلى النطاق الاجتماعي سن نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ذلك النظام الذي استطاع به أن يحل مشكلة المجتمع المسلم في المدينة والذي تكون من فئات مختلفة ومستويات متفاوتة حتى أصبح بفضل من الله ﵎ مجتمعًا واحدًا مترابطًا انصهر تدريجيًّا في بوتقة الإيمان فذاب فيها.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ١.
هذه المبادرة – وإن كانت حلًاّ وقتيًّا أملته الظروف الحادثة – لكنها في نفس الوقت تمهيد (لاستراتيجية) أخوة الإسلام، تلك الأخوة التي لا تربط بالدم والعرق والأرض كما تعوَّد العرب في الجاهلية، بل بالدين والعقيدة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٢ وذلك هو شأن الإسلام الذي يعتمد أساسًا على عملية التدرج في تشريع الأحكام والمعاملات بين أفراده.
_________________
(١) ١ آل عمران: (١٠٣) . ٢ الحجرات: (١٠) .
[ ٧٣ ]
"إن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد بإمرة قائد واحد"١.
أما على النطاق السياسي فقد وضع دستور المدينة (الوثيقة) بموجب معاهدات وأحلاف عقدها بينه وبين مشركي المدينة، ويهودها، وذلك بتنظيم العلاقات بين سكانها على اختلاف عقائدهم، حتى يعرف كل طرف الالتزامات المنوطة به، ولتتحدد معالم الحقوق والواجبات بين الأطراف المختلفة.
"لقد نصت المعاهدة على قيادة محمد ﷺ لسكان المدينة المنورة كافة مسلمين، ومشركين، ويهود، فإليه يرجع الأمر كله، وله أن يحكم في كل اختلاف يقع بين السكان. وبذلك أصبح النبي ﷺ (قائدًا) في المدينة المنورة.
كما نصت المعاهدة على تعاون أهل المدينة في رد كل اعتداء يقع عليها من الخارج، وبذلك توحدت صفوف أهل المدينة وأصبح لهم هدف، هو الدفاع عن المدينة ضد كل اعتداء خارجي. كما أعلنت المعاهدة بصراحة أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالًا لقريش، أو نفسًا، وأن اليهود يعاونون المؤمنين في النفقة عليهم ما داموا محاربين، وبذلك أوشك الكفاح بين المسلمين وقريش أن يبدأ"٢.
لقد كانت نظرته ﷺ بعيدة حيث استطاع بهذا المعاهدة أن يضمن حياد اليهود ومشركي المدينة في الصراع المتوقع حدوثه بينه وبين قريش وحلفائها، وبالتالي يتفرغ للسياسة الخارجية للدولة التي جعل محورها هدفين سريعين:
١- محاولة كسب حلفاء الإيلاف التجاري القديم إلى جانبه تمهيدًا للهدف الثاني وهو:
_________________
(١) ١ محمود شيت خطاب، الرسول القائد، (ص ٧١) . ٢ المصدر السابق (ص ٧٣، ٧٤) .
[ ٧٤ ]
٢- التعرض لتجارة قريش، وبالتالي إضعافها اقتصاديًّا وصولًا إلى تحطيم معنوياتها العالية وهز صورتها القوية في مجتمع الجزيرة العربية.
من أجل ذلك بدأ العمل للحشد العسكري منذ وطئت قدماه ﷺ دار هجرته المدينة المنورة ونزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
"لقد استطاع الرسول ﷺ أن يلجأ إلى المدينة ويحشد قواته فيها، ويوحد صفوف سكانها على اختلاف ميولهم وأهوائهم ودياناتهم، ويجعلهم كتلة متحدة للدفاع ضد الغارات الخارجية"٢ على شكل سرايا اعتراضية كان من أهدافها ما يلي:
١- إعلان الحرب على قريش تنفيذًا لأمر الله ﷿ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٤.
٢- إشعار أعداء الدولة الإسلامية الفتية "بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم،
ذلك الضعف الذي مكَّن قريشًا في مكة من مصادرة عقائدهم، وحرياتهم، واغتصاب دُورهم وأموالهم"٥.
٣- استهدفت إرباك قريش وحلفائها، وإضعافهم، وتحطيم معنوياتهم بضرب نشاطهم التجاري
الذي يمثل عصب حياتهم، وشريان وجودهم٦.
وذلك يبث الرعب والفزع في نفوسهم بإثارتهم الدائمة فهم يتوقعون هجوم
_________________
(١) ١ الحج: (٣٩) . ٢ خطاب، الرسول القائد (ص ٧٤) . ٣ البقرة: (١٩٠) . ٤ الأنفال: (٣٩) . ٥ الغزالي محمد، فقه السيرة (ص ٢٢٨) . ٦ خليل عماد الدين، دراسة في السيرة (ص ١٧١) .
[ ٧٥ ]
المسلمين في كل لحظة، مما يشل تفكيرهم، فيسلبهم بذلك مبدأ المبادرة الأساسي في تحقيق أي نصر.
١- تدريب قوات المسلمين على القتال لتتحقق لهم اللياقة الكاملة اللازمة لخوض غمار المعارك
الكبرى، فهم في حالة استنفار قصوى منذ بدأت السرايا الأولى، "ومن جهة أخرى جاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حيَّة كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية، ماديًّا، ومعنويًّا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقته على الصمود"١.
٢- عقد المعاهدات مع حلفاء قريش التجارين الذين تخلوا عن حلفهم القديم المسمى بالإيلاف،
وبالتالي ضمن رسول الله ﷺ حيادة هذه القبائل وعدم نصرتها لقريش حتى يتمكن المسلمون من التعرض لقوافلهم وهي مفتقرة لحماية الحلفاء.
٣- المعاملة بالمثل فكما أن قريشًا قد استولت على أموال المهاجرين في مكة، كان في الاستيلاء
على قوافلهم نوع من العوض عما فقده المهاجرون من أموال ومتاع، وبالتالي "الحصول على مورد للتموين والتسليح في أعقاب الأزمة المالية التي كان المسلمون يعانون منها في مطلع عهدهم بالهجرة"٢ بسبب ما تركوه من مال ومتاع في مكة فرارًا بدينهم وحفاظًا على عقيدتهم وهجرة إلى الله ورسوله "فلا عجب إذا رأينا المسلمين يفكرون جديًّا في استخلاص أموالهم من قريش"٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ المصدر السابق. ٣ خطاب، الرسول القائد (ص ٩٩) .
[ ٧٦ ]
أول السرايا
اختلف أهل المغازي في أول السرايا والبعوث.
فمنهم من جعلها سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه١ وروى ابن إسحاق بلا سند أن راية عبيدة بي الحارث هي"أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام لأحد من المسلمين"٢ أما غالبية أهل المغازي فقد أجمعوا على أن أول سرية بعثها رسول الله ﷺ حمزة بن عبد المطلب"٣ ﵁.
_________________
(١) ١ وقع ذلك في روايتين إحداهما عن زر بن حبيش رواها الطبراني في معجمه، وأخرجها الهيثمي علي بن أبي بكر في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٦/٧٦) وقال عن إسنادها أنه حسن. قلت: وحيث إن هذه الرواية ليست مما يضمه القسم المطبوع من معاجم الطبراني الثلاثة، فلا نستطيع الحكم على سندها إلى زر، لأن الهيثمي معروف بتساهله في الحكم على رجال السند، وإن صح السند إلى زر فتبقى علة الإرسال. وقد ذكر مغلطاي أن النيسابوري رواه في كتابه الكبير بسند لا بأس به عن زر. انظر مغلطاي قلج، الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم (١٥/٢٣) . والرواية الثانية عن الشعبي أخرجها عنه خليفة بن خياط (تاريخ ص: ٦٢) لكن في سندها جهالة عين تضاف إلى علة الإرسال. وهناك رواية مسندة إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ في آخرها: "فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي فكان أول أمير أمر في الإسلام" أخرجها أحمد في المسند انظر البنا أحمد عبد الرحمن، الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل (٢١/٢٥-٢٦)، وابن أبي شيبة عبد الله، المصنف (١٤/٣٥١-٣٥٢)، ورواه البزار مختصرًا مسند سعد بن أبي وقاص (لوحة ١٣٤) . وقد ذكر البنا عن أبي زرعة: أن هذه الروايات منقطعة. راجع البنا، الفتح (٢١/٢٦) ولكن البيهقي رواها من وجه آخر موصولة. انظر البيهقي دلائل (٣/١٥) . قلت: إن سلمت الرواية من علة الانقطاع فإنها لا تسلم من ضعف المجالد بن سعيد الذي عليه مدار الروايات كلها، ومن ضعف محمد بن يونس الكديمي في الرواية الموصولة (انظر ابن حجر، تقريب ص: ٥١٥-٥٢٠) . ٢ رواها بن إسحاق بلا سند، وأخرجه عنه كل من ابن خياط، تاريخ (٦١)، وابن هشام، سيرة (٢/٥٩١) واللفظ له، والطبري محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك (٢/٤٠٤)، والبيهقي دلائل (٣/١٠)، وابن سيد الناس عيون الأثر (١/٢٧١-٢٧٢)، كما أخرج ابن سيد الناس بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ في رواية ذكر بعث عبيدة، ثم بعث حمزة بنحو ما ذكر ابن إسحاق عيون الأثر (١/٢٧٢)، وذكر ذلك الزبير بن بكار عن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز. انظر ابن حجر، فتح الباري (٨٤:٧)، والإصابة (٢/٣٤) . ٣ قال بذلك عروة بن الزبير في روايتين، الأولى أخرجها البيهقي في الدلائل (٣/٨)، والثانية أخرجها ابن سيد الناس في العيون (١/٢٧١)، لكن مدارهما على ابن لهيعة خلط بعد احتراق كتبه. انظر ابن=
[ ٧٨ ]
وبتحليل الأقوال السابقة نجد أن القول الأول في روايتان مرسلتان في سند إحداهما جهالة عين، أما الرواية الموصولة فإضافة إلى ضعف سندها الموضح سابقًا، ففيها اضطراب في المتن، كما أن الراوى لم ينص صراحة على أنها أول سرية، بل غاية ما ذكره أنه أول أمير أُمِّر وهو أمر محتمل، فربما كان قصده أول أمير يُنصَّبُ رسميًّا بأمر كتابي من رسول الله ﷺ وهو ماحدث في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ويؤيد ذلك ما وقع في رواية البزار: "أول أمير عُقد له في الإسلام"١ وذلك أمر لم يتعوده الصحابة من قبل حيث كان النبي ﷺ يعين قواد السرايا بأمر شفهي منه، وربما كان لقوله ﷺ في آخر الرواية معاتبًا إياهم: "لأعين عليكم رجلًا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش" ٢ بالغ الأثر عليهم فامتزج العقاب مع التطلع إلى هذا المنصب أو من يفوز به فعلق في أذهانهم وحفظوه.
أيضًا كيف تكون سرية عبد الله بن جحش ﵁ هي الأولى مع أن هذه السرية التي خرج فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ قد سبقتها، فالمفروض أن تكون هي الثانية في الترتيب لا الأولى. وهناك شيء آخر، فمن خلال سياق الرواية يتضح لنا أن إرسال سرية عبد الله بن جحش ﵁ في السنة الأولى بعد السرية التي خرج فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ مباشرة. والمعروف عند أهل المغازي أن سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة
_________________
(١) =حجر، تقريب (ص:٣١٩) . كما رواه موسى بن عقبة عن الزهري، وأخرجه البيهقي بسند لا بأس به. وممن قال بذلك أيضًا المدائني علي بن محمد وأخرجه عنه ابن خياط. تاريخ (٦٢) واللفظ له، ورواه أيضًا الواقدي في المغازي (١/٩)، وابن سعد كاتبه في الطبقات (٢/٧) عن جمع من شيوخهما بلفظ "قالوا" ونقله الأموي في مغازيه، والزرقاني في شرحه على المواهب عن أبي معشر السندي. انظر ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري (٧/٢٨٠)، والزرقاني شرح المواهب اللدنية (١/٣٩٠) كما نقل الزرقاني والشامي تصحيح ابن عبد البر لهذا القول. راجع الزرقاني، شرح (١/٣٩٠)، والشامي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (٦/١٢) . ١ ما روى الشيوخ عن سعد (لوحة: ١٣٤) البزار، المسند، مسند سعد بن أبي وقاص. ٢ رواه أحمد. البنا، الفتح الرباني (٢١/٢٥-٢٦٩) .
[ ٧٩ ]
كانت في السنة الثانية قبل بدر بشهرين تقريبًا وأنها هي السبب في غزوة بدر كما يقول بعض كُتَّاب السير والمغازي١.
إذًا نخلص إلى القول بأن اضطراب المتن علة أخرى تضاف إلى علة السند. وأعتقد والله أعلم أنه لشهرة سرية عبد الله بن جحش وحيازتها على أوليات مهمة في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني جعلها تطغى على أخبار السرايا التي قبلها والتي لم يحدث فيها صدام مسلح، ولم ينزل فيها قرآن، كما حدث في سرية ابن جحش ﵁ لأجل ذلك كله اعتقد البعض أنها أول سرية بعثها رسول الله ﷺ أو ربما أنه جعلها الأولى باعتبار أهميتها وما جرى فيها من أحداث. والله تعالى أعلم.
أما القول الثاني فنرى أن مدار رواياته على ابن إسحاق والذي لم يوضح مصدر معلوماته، فإذا علمنا أنه لا يحتج بكلامه عند المحدثين إذا لم يصرح بالتحديث عمن أخذ عنه، فكيف إذا أبهم، ولكن الخبر هنا تاريخي وكان يمكن قبول قوله لولا معارضته لإجماع أهل المغازي.
أما رواية ابن عباس فهي ضعيفة الإسناد بوجود عثمان بن عطاء الخراساني وأبيه فيه٢. كما أن رواية الزبير بن بكَّار ضعيفة أيضًا؛ لأنها من رواية إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز٣.
وكان القول الثالث عبارة عن شبه إجماع من أهل المغازي كما رأينا، وإن كانت بعض الروايات وردت من طرق لا تخلو من مقال في نظر النقاد من أهل الحديث، ولكنها صالحة للاحتجاج بها تاريخيًّا، فإن ابن لهيعة وإن ضعف بعد ضياع كتبه واحتراقها فإن روايته عن أبي الأسود في الغالب نسخة معروفة لمغازي عروة، مما يخفف من تخوفنا من عدم ضبطه، كما أن موسى بن عقبة
_________________
(١) ١ انظر ما قاله ابن كثير، البداية والنهاية (٢/٢٤٧) . ٢ انظر ابن حجر، تقريب (٣٨٥، ٣٩٢) . ٣ انظر الذهبي، ميزان الاعتدال (١/٥٦) .
[ ٨٠ ]
والزهري إمامان في المغازي، ومرسل الزهري ضعيف عند المحثين، لكن الخبر هنا تاريخي ونستأنس لقبوله بإجماع أهل المغازي عليه حيث لم يخالف إلا ابن إسحاق في تقديمه سرية عبيدة، وابن إسحاق على جلالة قدره وتمرسه في فن المغازي إلا أنه هنا قد خالف شيوخه – مصدر معظم معلوماته في المغازي – وكان يمكن أن نعتبر مخالفته لو أنه وضح لنا مصدر معلوماته وثبت لنا أنها تقوى على معارضة الإجماع، والله تعالى أعلم.
هذا وقد حاول بعض أهل المغازي الجمع بين القولين منهم ابن إسحاق نفسه الذي قال: "وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا فشبه ذلك على الناس"١.
وقد رد القسطلاني عليه فقال: "وهذا يشكل بقولهم: إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر، لكن يحتمل أن يكون ﷺ عقد رايتهما معًا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية لأمر اقتضاه، والله أعلم"٢.
قال الزرقاني معقبًا في شرحه عليه: "فيلتئم القولان"٣.
وقال ابن حزم: "وكان بعث حمزة، وبعث عبيدة متقاربين، واختُلف في أيهما أسبق"٤.
وبيَّن الحلبي سبب هذا الاختلاف بقوله: "قال بعضهم: ومنشأ الاختلاف أن بعث حمزة، وبعث عبيدة رضي الله تعالى عنهما كانا معًا أي في يوم واحد في محل واحد، أي وشيعهما رسول الله ﷺ جميعًا كما في
_________________
(١) ١ ابن هشام، سيرة (٢/٥٩٥-٥٩٦) . ٢ القطلاني، المواهب اللدنية (١/٧٥) . ٣ المصدر السابق. ٤ ابن حزم، جوامع السيرة (١٠١) .
[ ٨١ ]
ذخائر العقبي فاشتبه الأمر"١.
إضافة لما سبق فإن من الأمور التي تدعونا إلى الاعتقاد بأن سرية حمزة ﵁ هي الأولى، هو أنه ﵊ قد اجتهد أن تكون سراياه الأولى من المهاجرين دون الأنصار؛ لأن الأنصار لم يتعهدوا بنصرته خارج المدينة، لذلك نراه يرسل في تلك السرايا المهاجرين، وعلى رأسهم أهل بيته وأقاربه ليكونوا أول من يخوض معمعة القتال والمعارك، ليعطي بذلك القدوة الحسنة.
وبما أن السرية الأولى سيكون لها مردودات إيجابية أو سلبية في حالتي الظفر أو الهزيمة حرص ﷺ أن يكون قائدها على قدر عظيم من الشجاعة والإقدام وقوة الشكيمة، خاصة إذا علمنا أن قائد القافلة القرشية رجل معروف في قريش بقوة شكيمته وغطرسته حتى إن أبا جهل كان يلقب بأعز البطحاء فكان لا بد له من ند مثله، وقد اتضحت قدرات هذا الند في مكة عندما استطاع وبجرأة أن يضربه وعلى ملأ من قومه وعشيرته ويعلن إسلامه بين أيديهم دون خوف، بل تحداه أن يرد عليه إن استطاع٢، وقد دلت هذه الحادثة بما لا يدع مجالًا للشك بأنه فعلًا أعز فتًى في قريش بلا منازع، فكان حمزة بن عبد المطلب ﵁ والذي أصبح بعد إسلامه أسد الله وأسد رسوله، هو أول قائد لأول سرية والله تعالى أعلم. ليتحقق لرسول الله ﷺ ما يصبو إليه من نتائج إيجابية بعيدًا عن السلبيات المثبطة، وكان له ما أراد عندما رمى أعز البطحاء بأعز قريش.
والله تعالى أعلم بالصواب وهو من وراء القصد.
_________________
(١) ١ الحلبي، إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (٣/١٣٧) . ٢ انظر قصة إسلام حمزة رضي الله تعالى عنه في ابن هشام، سيرة (٣/٢٩١-٢٩٢) .
[ ٨٢ ]
سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر
سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁ إلى سيف البحر
تنفيذًا لأمر الله ﷿ ودعوته لجهاد المشركين انطلقت طلائع الإيمان تبث الرعب في صفوف المشركين، فقد علم رسول الله ﷺ أن هناك قافلة قرشية محملة بالأموال والبضائع وهي في طريق عودتها إلى مكة من الشام، يقودها أبو جهل بن هشام، ويحرسها حوالي ثلثمائة راكب من فرسان قريش١، فجهز لها رسول الله ﷺ "دورية قتال اعتراضية قوتها" ثلاثون مجاهدًا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد٢ وعلى رأسهم أسد الله
_________________
(١) ١ ذكر معظم أهل المغازي المعتمدين كعروة بن الزبير أخرجه عنه البيهقي، دلائل (٣/١٠)، وابن إسحاق. انظر ابن خياط، تاريخ (٦٢)، ابن هشام، سيرة (٢/٥٩٥)، والطبري تاريخ (٢/٤٠٤-٤٠٥)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) وابن كثير، بداية (٣/٢٤٤) والواقدي، مغازي (١/٩)، وابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧١)، والمدائني، أخرجه عمه العسكري في الأوائل (١/١٨٤)، وابن حزم، جوامع السيرة (١٠١)، وابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير (١٠٥) . والعامري، بهجة المحافل (١/١٧٦)، والقسطلاني، المواهب اللدنية (١/٧٥) . ولم يخالف إلا الزهري فيما رواه عنه موسى بن عقبة، وأخرجه عنه كل من البيهقي في الدلائل (٣/٩)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢١٧)، حيث ذكر أن عددهم كان ثلاثين ومائة راكب. وأعتقد أن ذلك هو الراجح؛ لأن ثلثمائة فارس لحراسة قافلة أمر مبالغ فيه، والله تعالى أعلم. قلت: ربما تحرف أحد الرقمين في وقت مبكر، والله أعلم. ٢ هذا ما أجمع عليه أهل المغازي غير ما انفرد به الواقدي من أنهم كانوا "شطرين خمسة عشر من المهاجرين، وخمسة عشر من الأنصار فكان من المهاجرين أبو عبيدة بن الجراح وأبوحذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن ربيعة، وعمرو بن سراقة، وزيد بن حارثة، وكناز بن الحصين، وابنه مرثد بن كناز، وأنس مولى رسول الله ﷺ في رجال، ومن الأنصار: أبي بن كعب، وعمارة بن حزم، وعبادة بن الصامت، وعبيد بن أوس، وأوس بن خولي، وأبو دجانة، والمنذر بن عمرو، ورافع بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن حزام، وقطبة بن عامر بن حديدة في رجال لم يسموا لنا"، ثم عاد الواقدي ليعقب برواية تناقض قوله رواها بسنده عن ابن المسيَّب، وعبد الرحمن بن سعبد بن يربوع، قالا: "لم يبعث رسول الله ﷺ أحدًا من الأنصار مبعثًا حتى غزا بنفسه إلى بدر، وذلك أنه ظن أنهم لا ينصرونه إلا في الدار، وهو المثبت. الواقدي، مغازي (١/٩-١٠) . وكذا جزم ابن سعد في "الطبقات" (٢/٧) إلا أن ابن سيد الناس ذكر في كتابه "نور العيون" ونقله عنه الزرقاني: أن ابن سعد قد ذكر في غزوة بواط مشاركة سعد بن معاذ ﵁ كحامل للواء، وأن ذلك يناقض قوله هذا، وقد حاول الزرقاني الذي أورد قول ابن=
[ ٨٤ ]
وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب ﵁.
وفي شهر رمضان من السنة الهجرية المباركة١ ارتفع أول لواء في سبيل الله تبارك وتعالى٢، وكان لونه أبيض، وحامله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي ﵁ حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٣.
تحركت الدورية في (مسير اقترابي) سريع نحو الهدف المحدد لها وهو ساحل البحر الأحمر، حيث التقت بالقافلة القرشية ناحية العيص في منطقة نفوذ قبيلة جهينة "فالتفوا حتى اصطفوا للقتال"٤، وقبل أن يشتبك الطرفان في مواجهة دامية، تدخل رجل من كبار رجالات جهينة في وساطة سلام بينهم، فقام بجولات من المفاوضات المباشرة مع كل طرف على حدة حتى
_________________
(١) =سيد الناس أن يؤول ذلك التناقض. انظر الزرقاني، شرح (١/٣٩٠) . قلت: وبالرجوع إلى غزوة بواط في طبقات ابن سعد (٢/٨) نجده يذكر أن حامل اللواء فيها هو سعد بن أبي وقاص ﵁ وليس سعد بن معاذ ﵁ والذي ذكر أن رسول الله ﷺ قد استخلفه على المدينة، فلربما التبس الأمر على ابن سيد الناس ﵀ أو لعله اطلع على نسخة من الطبقات فيها غلط (نسخي) والله أعلم. ١ هذا ما جزم به أهل المغازي، فقد نقل الأموي في مغازيه ذلك عن موسى بن عقبة، وأبي معشر، والواقدي، وآخرين. انظر ابن حجر، فتح الباري (٧/٢٨٠)، كما أخرج البيهقي وابن كثير وابن سيد الناس عن موسى بن عقبة "نص الزهري على أن بعث حمزة قبل غزوة الأبواء". انظر البيهقي، دلائل (٣/٩)، وابن كثير، بداية (٣/٢٤٤) واللفظ له، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) . وروى العسكري ذلك عن المدائني. انظر أبا هلال العسكري، الأوائل (١/١٨٤) . أما ابن إسحاق فجعلها في السنة الثانية في شهر ربيع الأول منها. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٥٩٥)، وابن جرير، تاريخ (٢/٤٠٤) ووافقه المدائني في رواية ثانية أخرجها عنه ابن خياط، تاريخ (ص ٦٢)، وإن كان قد خالفه بجعلها أول سرية، وأخرها ابن حزم وابن عبد البر إلى شهر ربيع الآخر من نفس السنة. انظر ابن حزم، جوامع (١٠١)، وابن عبد البر، درر (١٠٥) وهناك قول نقله الزرقاني عن ابن عبد البر في أنها كانت بعد شهر ربيع الآخر راجع الزرقاني، شرح (١/٣٩٠) . ٢ سبق الحديث عن الخلاف في أول لواء ارتفع في سبيل الله تعالى. ٣ هو كنَّاز بتشديد النون وآخره زاي، ابن الحصين بن يربوع الغنوي، أبو مرثد، بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة. صحابي بدري، مشهور بكنيته، مات سنة اثنتي عشرة من الهجرة. ابن حجر، تقريب (٤٦٢) . ٤ من رواية ابن سعد، طبقات (٢/٦) .
[ ٨٥ ]
تمكن أخيرًا من النجاح في مساعيه السليمة "فحجز بينهم مخشى١ بن عمرو الجهني وكان مخشي ورهطه حلفاء للفريقين جميعًا، فلم يعصوه فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهم، فلم يكن بينهم قتال"٢ ٣.
وقد كانت نتائج هذه السرية على المعسكر الوثني سيئة للغاية حيث هزت كيان قريش وبثت الرعب في نفوس رجالها، وفتحت أعينهم على الخطر المحدق بهم والذي أصبح يهدد طريق تجارتهم، وبالتالي اقتصادهم.
أما المسلمون فقد كانت نتائجها عليهم إيجابية حيث تصاعدت الروح الحماسية بينهم، وأعطتهم بعدًا عميقًا من الثقة بالنفس والجرأة على عدوهم، ذلك الذي استطاعوا ولأول مرة الوقوف في وجهه بقوة أبهرت قريش وأدهشتهم "قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدًا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه، وأن تقاربوه فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق٤ عليكم نفيتموه نفي
_________________
(١) ١ وقع اسمه في روايات أهل المغازي الآخرين غير رواية عروة، والزهري أنه (مجدي بن عمرو) وليس (مخشي بن عمرو) ولكن ذلك مخالف لرواية الصحيح، فقد ذكر مسلم في صحيحه خروج رسول الله ﷺ في غزوة بواط وهو يطلب (المجدي بن عمرو الجهني) . صحيح مسلم بشرح النووي (١٨/١٣٨) فربما تصحف الاسم على بعض الرواة قديمًا، ولأنه لو كان هو مجدي بن عمرو وكان حليفًا للمسلمين لما خرج رسول الله ﷺ في طلبه في غزوة بواط المتأخرة عن هذه السرية، أو أنه هو ولكنه نقض حلفه بعد ذلك مع المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢ من رواية عروة وموسى بن عقبة عن الزهري، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/٩) واللفظ له. ٣ أخرجه البيهقي، دلائل (٣/٩-١٠)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١)، وابن كثير، بداية (٣/٢٤٣)، والزرقاني، شرح (١/٣٩٠) من مراسيل عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، ورواه ابن إسحاق بلا سند، وأخرجه عنه كل من: ابن خياط، تاريخ (٦٢)، وابن هشام، سيرة (٢/٥٩٥)، والطبري: (٢/٤٠٤-٤٠٥)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧)، وابن كثير، بداية (٣/٢٤٤) . ورواه الواقدي، مغازي: (١/٩) وابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (١/٣٧١)، والمدائني، وأخرجه عنه خليفة بن خياط، تاريخ (٦٢)، والعسكري، أوائل (١/١٨٤)، كما أخرجه الأموي في مغازيه والزرقاني في شرحه على المواهب كلاهما عن أبي معشر السندي. انظر ابن حجر، فتح (٧/٢٨٠)، والزرقاني ، شرح (١/٣٩٠) ورواه أيضًا ابن حزم، جوامع (١٠١)، وابن عبد البر، درر (١٠٥)، والخبر وإن كان في بعض طرقه ضعف لكنه قد بلغ حد التواتر بين أصحاب المغازي مما يجعلنا نستأنس لقبوله لكثرة شواهده وإجماعهم عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. ٤ الحنق – محركة -: الغيظ أو شدته (القاموس: الحنق) .
[ ٨٦ ]
القردان١ على المناسم٢، والله إن له سحرة، ما رأيته قط ولا أحدًا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين وإنكم عرفتم عداوة ابني قيلة٣ فهو عدو استعان بعدو"٤.
ولما بلغ النبي ﷺ ما دار بينهم من حوار نتيجة ردة فعلهم نحو شرارة الإنذار الأولى التي أطلقها تجاههم قال: "والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم، وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله – ﷿ – ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على يدي، وأنا العاقب" ٥.
_________________
(١) ١ القردان: جمع قراد وهي دويبة تعض الإبل (اللسان: قرد) . ٢ المنسم: بكسر السين: طرف خف البعير والنعامة والفيل والحافر، وقبل: هو للناقة كالظفر للإنسان (اللسان: نسم) . ٣ كنابة عن الأوس والخزرج، فقيلة أمهم وكانوا ينسبون إليها. ٤ انظر ابن هشام، سيرة (١/٢١٨-٢١٩) . ٥ رواه الطبراني وجادة من طريق أحمد بن صالح المصري. الطبراني سليمان بن أحمد، المعجم الكبير (١٢٣-١٢٤) وقال عنه الهيثمي: ورجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٦٨) . قلت: الحديث ضعيف الإسناد، وذلك لوجود إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري، قال ابن عدي: عامة حديثه مناكير، وقال البخاري: سكتوا عنه. انظر البخاري محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير (١/١/٣٢٢)، وابن عدي عبد الرحمن، الكامل في الضعفاء (١/٢٥١) ولا معول لتوثيق الهيثمي لرجاله لأنه معروف بتساهله في هذا المجال، ولكن الخبر هنا تاريخي ويمكن الاستئناس به تارخيًّا لمناسبته لسياق الأحداث قبله، أما الجزء الأخير منه فله شواهد كثيرة تقويه، البعض منها ورد في الصحيحين. انظر، ابن حجر، فتح الباري (٦/٥٥٤)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٥/١٠٤-١٠٥)، وأحمد. انظر البنا، الفتح (٢/١٨٧-١٨٨) وهي في الطبراني، المعجم (٢/١٢٠، ١٢١، ١٢٢) .
[ ٨٧ ]
سرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ
سرية عبيدة بن الحرث ﵁ إلى رابغ
"وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله"..
سعد بن أبي وقاص ﵁.
صحيح سنن الترمذي (٢/٢٧٧) .
[ ٨٩ ]
عندما خرج رسول الله ﷺ إلى الأبواء غازيًا "يريد قريشًا١ وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة"٢ وفاتته القافلة القرشية أحيط علمًا ما يبدو بواسطة أحد عيونها بتوقفها في منطقة رابغ الساحلية فجهز لها (دورية قتال اعتراضية) بإمرة "عبيدة بن الحارث"٣ في ستين رجلًا"٤ "من المهاجرين الأولين، ولم يكن في تلك الغزوة من الأنصار أحد"٥ "وعقد له لواءً أبيض كان الذي حمله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف"٦.
انطلقت الدورية في (مسيرها الاقترابي) ٧ حتى وصلوا إلى رابغ "فلقوا
_________________
(١) ١ يذكر الواقدي أنها قافلة تجارية لقريش. الواقدي، مغازي (١/١٢) وأعتقد والله أعلم أنها كذلك حيث لم ينقل أهل المغازي أن قريشًا بعثت جيشًا لحرب المسلمين في تلك المنطقة قبل بدر. ٢ رواه ابن إسحاق بلا سند. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٥١٩)، والبيهقي، دلائل (٣/١٠) . ٣ هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، أسلم قديمًا وكان رأس بني عبد مناف حينئذ مع أن العباس وإخوته كانوا في التعدد أقرب، وكان مع النبي ﷺ بمكة ثم هاجر وشهد بدرًا وجُرح فيها ثم مات في الطريق إلى المدينة ودفن في الصفراء. وهو أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٥٠)، وابن حجر، إصابة (٢/٤٤٩) . ٤ أخرجه أبو الأسود في مغازيه عن عروة، ووصله ابن عائذ من حديث ابن عباس. انظر ابن حجر. فتح (٧/٢٨٠) . ٥ أخرجه البيهقي من حديث عروة، وحديث الزهري من طريق موسى بن عقبة واللفظ له. البيهقي، دلائل (٣/٨-٩-١٠) . ٦ من رواية ابن سعد، طبقات (٢/٧)، ومسطح هو ابن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي، كان اسمه عوفًا، وأما مسطح فهو لقبه، وأمه بنت خالة أبي بكر، أسلمت وأسلم أبوها قديمًا، وكان أبو بكر يمونه لقرابته منه، فلما خاض مع أهل الإفك في أمر عائشة حلف أبو بكر أن لا ينفقه فنزلت ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ الآية [النور: ٢٢]، فعاد أبو بكر إلى الإنفاق. ابن حجر، الإصابة (٣/٤٠٨) . ٧ اختلف أهل المغازي في كيفية خروج هذه السرية، وكذا في تاريخ خروجها، ففي رواية عروة التي وصلها ابن عائذ عن ابن عباس ﵄ يذكر أن النبي ﷺ بعثها من الأبواء التي كانت في صفر على رأس اثني عشر شهرًا بإجماع أهل المغازي. ابن حجر، فتح (٧/٢٨٠) . وأخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله ﷺ أرسلها بعد رجوعه من الغزوة مباشرة. البيهقي، دلائل (٣/٩)، وكذا أخرج ابن سيد الناس عن موسى بن عقبة. ابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) ونسب ابن إسحاق هذا القول إلى بعض العلماء، ولكنهم خالفهم فذكر أنه ﷺ بعثها بعد أن أقام بالمدينة بقية شهر صفر أو صدرًا من ربيع الأول. ابن هشام، سيرة (٢/٥٩١-٥٩٢)، والبيهقي، دلائل (٣/١٠)، وزاد ابن حزم، وابن عبد البر شهرًا على قول ابن إسحاق. انظر ابن حزم، جوامع (١٠٠)، وابن عبد البر، درر (١٠٤) . أما الواقدي ومتابعوه فقد جعلوها في السنة الأولى على رأس ثمانية أشهر. انظر الواقدي، مغازي (١/١٠)، وابن سعد طبقات (٢/٧)،=
[ ٩٠ ]
بعثًا عظيمًا من المشركين١ على ماء يدعى الأحياء من رابغ"٢.
وهناك حدثت أول مواجهة عسكرية بين المسلمين والمشركين "وهو أول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال"٣ ولكن القتال اتخذ طابع المناوشة بالسهام فقط، فكان سعد بن أبي وقاص ﵁ "أول العرب رمى بسهم في سبيل الله"٤ في تلك المعركة التي لم تستمر طويلًا إذ قرر الفريقان الانسحاب من أرضها.
وقد كان انسحاب المسلمين قويًّا ومنظمًا حيث انسحبوا في قتال (تراجعي تعطيلي) ٥ بواسطة حامية منهم تغطي انسحابهم حتى هبطوا ثنية المرة، وكان بطل هذا الانسحاب الناجح سعد بن أبي وقاص ﵁ الذي كان له الدور الأكبر في تشتيت وإحباط استعدادات العدو لشن أي هجوم مضاد وذلك بوابل من السهام المزعجة التي قذفها نحوه، والتي كونت (ساترًا دفاعيًا) مهد لانسحاب سليم منظم بالنسبة للمسلمين، وانسحاب متوتر مرعوب بالنسبة للمشركين، هذا وقد فر عتبة بن غزوان، والمقداد بن الأسود يومئذ إلى المسلمين وكانا في حبس قريش قد أسلما قبل ذلك، فتوصلا بالمشركين حتى خرجا إلى
_________________
(١) =والبلاذري، أنساب (٣٧١) . ١ اختلف أصحاب المغازي في قائد المشركين حيث ذكر ابن إسحاق أنه عكرمة بن أبي جهل في رواية البكائي. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٥٩١)، وهو أبو سفيان بن حرب في رواية ابن بكير عنه البيهقي، دلائل (٣/١٠) وجزم بذلك الواقدي ومتابعوه. الواقدي، مغازي (١/١٠)، وانظر جزم الواقدي بذلك عند الطبري. تاريخ (٢/٤٠٢)، وابن كثير، بداية (٢/٢٢٣) وابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧١)، وينقل ابن هشام في زياداته على ابن إسحاق من طريق أبي عمرو المدني: "أنه كان عليهم مكرز بن حفص بن الأخيف". ابن هشام، سيرة (٣/٥٩٢) . ٢ من رواية عروة والزهري عند البيهقي، دلائل (٣/٩) . ٣ من رواية عروة والزهري عند البيهقي، دلائل (٣/٩) . ٤ أخرجه البخاري واللفظ له. انظر ابن حجر، فتح (٧/٨٣، ١١/٢٨٢) وذكر ابن حجر عن الزبير بن بكار أن ذلك كان في هذه السرية، كما أخرجه الترمذي. انظر الألباني، صحيح سنن الترمذي (٢/٢٧٧) . ٥ القتال التراجعي: هو ذلك الوضع الكريه أثناء الانسحاب، عندما يكون القسم الأكبر من قواتنا قد فشل في تحقيق تراجع سليم، وتتورط قواتنا في قتال مع العدو أثناء التحرك للخلف: باهر عبد الهادي، مصطلحات عسكرية (ص: ٤٧) .
[ ٩١ ]
عبيدة وأصحابه"١ ٢ وقد تحققت في هذه السرية بعض الأوليات المهمة في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني على المستويين العام والخاص. فعلى المستوى العام اعتبرت أول مواجهة عسكرية بين الطرفين، بعد انقضاء سنة كاملة على أول مواجهة انتهت سلميًّا دون قتال. أما على المستوى الخاص فقد حقق سعد بن أبي وقاص ﵁ من خلال هذه السرية سبقًا عسكريًا إسلاميًا يسجل في سجله الحافل بالإنجازات على امتداد حياته التي أفناها في سبيل إعلاء كلمة الله منذ أن نطق بالشهادتين فكان ثلث الإسلام٣، ثم أهريق على يديه أول دم في سبيل الله٤ ومرورًا بمشاركته الجهادية الفعالة مع رسول الله ﷺ وانتهاءً بالقادسية والمدائن وفتح فارس، وبناء الكوفة أول مدينة إسلامية خارج الجزيرة العربية.
كما أكدت هذه السرية استمرار سياسة رسول الله ﷺ التعبوية الخاصة بحشد المهاجرين فقط في الغزوات والسرايا الأولى حتى بدر تنفيذًا لاتفاقية العقبة الثانية.
_________________
(١) ١ من رواية عروة والزهري عند البيهقي، دلائل (٣/١٠) . ٢ الخبر عزاه ابن حجر في الفتح إلى أبي الأسود، وأنه ذكر ذلك في مغازيه عن عروة. ابن حجر، فتح (٧/٨٠)، ولا أدري هل اطلع ابن حجر على مغازي أبي الأسود فروى ذلك منها مباشرة أم لا؟، لأن البيهقي، وابن سيد الناس أخرجاه بسنديهما عن أبي الأسود بطريق واحدة هي طريق ابن لهيعة (راجع البيهقي، دلائل (٣/٨)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١)، وكان ابن حجر قد ذكر أن ابن عائذ وصله من حديث ابن عباس. قلت: ولكن في سنده عثمان بن عطاء الخراساني (ضعيف)، وأبوه (صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس) . انظر ابن حجر، تقريب (٣٨٥، ٣٩٢)، ولكن البيهقي وابن كثير أخرجاه بطريق أخرى هي طريق موسى بن عقبة عن الزهري. البيهقي، دلائل (٣/٨)، وابن كثير، بداية (٢٤٤)، والبيهقي وابن سيد الناس من طريق موسى بن عقبة. البيهقي، دلائل (٣/٨)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) كما رواه ابن إسحاق بلا سند انظر ابن خياط، تاريخ (٦١)، ابن هشام، سيرة (٢/٥٩١)، والطبري، تاريخ (٢/٤٠٤)، والبيهقي، دلائل (٣/١٠-١١) ورواه أيضا الواقدي مغازي (١/١١)، وأخرجه عنه الطبري، تاريخ (٢/٤٠٢)، ورواه ابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧١)، وابن حزم، جوامع (١٠٠)، وابن عبد البر، درر (١٠٤)، وبالنظر إلى الطرق التي ورد بها الخبر نجد أنها لا ترتقي به إلى مرتبة الصحيح أو الحسن ولكن الخبر تاريخي، ويلاحظ إجماع أهل المغازي عليه مما يقوي الظن بقبوله. كما أن طرفًا من الخبر ورد في الصحيح. انظر ابن حجر، فتح (٧/٨٣، ١١/٢٨٢) وكأنه منتزع من القصة مما يعطي الخبر نوعًا من التأييد، والله تعالى أعلم بالصواب. ٣ أخرجه البخاري في مناقب سعد. انظر ابن حجر، فتح (٧/٨٣) . ٤ أخرجه الترمذي. انظر الألباني، صحيح سنن الترمذي (٢/٢٧٧) .
[ ٩٢ ]
سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة
سرية عبد الله بن جحش ﵁ إلى نخلة
قال الله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .
[البقرة: ٢١٧]
[ ٩٣ ]
بعد عدد من الغزوات والسرايا الاعتراضية أراد رسول الله ﷺ أن يستطلع أخبار قريش ومن ثمَّ وقع تلك الهجمات عليها والتي صارت تهدد تجارة مكة الصيفية.
ففي شهر جمادى الآخرة أو رجب – على خلاف بين أهل المغازي١ - من السنة الثانية الهجرية جهَّز رسول الله ﷺ (دورية استطلاع منطقة) ٢ قوتها ثمانية مهاجرين٣ وأسند قيادتها في أول الأمر إلى أبي عبيدة عامر بن
_________________
(١) ١ اختلف في تحديد اليوم الذي كانت فيه الوقعة، ففي رواية جندب ﵁ وراية مقسم عن ابن عباس ﵄ والسدَّي والعوفي عنه أيضا أنها كانت في آخر جمادى وأول رجب. انظر الطبراني، المعجم (١/١٦٢)، والهيثمي، مجمع (٦/١٩٨)، والطبري، تفسير (١/٣٤٩-٣٥٠)، وتاريخ (٢/٤١٥)، والبيهقي، سنن (٩/١١-١٢)، وابن كثير، تفسير (١/١٥١-١٥٢)، وبداية (٢/٢٥٠) ونقل ذلك العامري، بهجة المحافل (١/١٧٩)، والواحدي عن المفسرين أسباب النزول (١٠١-١٠٢) . وجزم غلبية أهل المغازي على أنها كانت في آخر يوم من رجب وأول شعبان. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٣)، والواقدي، مغازي (١/١٣-١٤)، وابن سعد طبقات (٢/١٠)، والطبري، تاريخ (٢/٤١٠-٤١١)، والبلاذري، أنساب (٣٧١)، وابن حزم، جوامع (١٠٥) وابن عبد البر، درر (١٠٧-١٠٨)، والبيهقي، سنن (٩/٥٨)، ودلاءل (٣/١٧-١٨-١٩)، والواحدي، أسباب (٩٩)، والمقريزي إمتاع الأسماع (١/٥٦) . ٢ استطلاع المنطقة: هو مجموعة معلومات عن العدو أو الأرض أو الاثنين معًا داخل الحدود المعينة. قد يستخدم عندما يكون الموقف غامضًا ويتطلب استطلاعًا على جبهة عريضة. باهر عبد الهادي، مصطلحات عسكرية (ص: ١٦) . ٣ هذا ما جزم به غالبية أهل المغازي غير أن الواقدي ساق رواية عن سعد بن أبي وقاص ﵁ يذكر فيها أنهم كانوا اثني عشر رجلا، لكن الواقدي جزم في نهاية روايته بأن الثابت عنده أنهم ثمانية فقط. الواقدي، مغازي (١/١٥-١٦-١٧-١٩)، وتابعه في ذلك ابن القيم في زاد المعاد (٢/٨٤) بينما وقع في رواية السدي عن ابن عباس ﵄ وابن مسعود ﵁ أنهم كانوا سبعة ثامنهم القائد عبد الله بن جحش: وهم: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة، وسعد ين أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي. انظر ابن كثير، تفسير (١/٢٥٣) وذلك مخالف لقول ابن إسحاق حيث إنه ذكر فيهم عكاشة بن محصن، وخالد بن بيضاء بدلا من عمار بن ياسر، وعامر بن فهيرة إضافة إلى عامر بن ربيعة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠١-٦٠٢) . ويسوق الواقدي بسنده رواية عن المقداد بن الأسود ﵁ عنه يذكر فيها أنه هو الذي أسر الحكم بن كيسان أحد أفراد القافلة رغم أنه لم يذكره ضمن المشاركين في السرية. الواقدي، مغازي (١/١٥-١٩) . ويذكر ابن سيد الناس عن موسى بن عقبة وابن عائذأنهما ذكرا صفوان بن بيضاء بدل سهيل أخيه، ولم يذكرا خالدا ولا عكاشة، كما يقول إن بن عقبة ذكر فيهم عامر ابن إياس هذا، ولم أجد دكرا لعامر بن إياس في مرويات موسى بن عقبة، بل ذكر بدلا منه عمرو بن سراقة، كما أنه ذكر عكاشة في سياق القصة. انظر البيهقي دلائل (٣/٢١)، وباقشيش محمد، مرويات موسى بن عقبة (١/١٩٦-١٩٧) .
[ ٩٥ ]
بن الجراح ﵁ الذي لم يستطع الاعتذار عن المهمة بالكلام تأدبًا وخوفًا من معصية خليله رسول الله ﷺ الذي لم يكن يحب مفارقته والبعد عنه، لكنه لم يتمالك نفسه "فلما ذهب لينطلق بكى صبابة١ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ حبًّا فيه وجزعًا من مفارقته فاستبقاه رسول الله ﷺ واستدعى ابن عمته عبد الله ابن جحش رضي الله عنه٣ وكلفه بالمهمة بعد أن أعطاه (كتابًا مكتومًا) وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا٤ وقال: "لا تكرهَنَّ أحدا من أصحابك على المسير معك" ٥. امتثل القائد المتضبط للأوامر النبوية العليا فسار مع أصحابه بعد أن استوضح عن الجهة التي تقود للهدف غير المعلن٦. "فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا حتى تنزل نخلة٧
_________________
(١) ١ الصبابة: الشوق أو قيل: رقته وحرارته. انظر ابن منظور، لسان العرب، والفيروز آبادي، القاموس مادة (صبّ) . ٢من رواية جندب. انظر الطبراني، المعجم (١/١٦٢)، والطبري، تفسير (٢/٢٥٠)، وتاريخ (٢/٤١٥)، وفي رواية عند البيهقي، أنه عبيدة بن الحارث فلعل ذلك وهم، انظر البيهقي، سنن (٩/١١) . ٣ هو المجدَّع في الله عبد الله بن جحش بن رياب الأسدي أبو محمد حليف بني عبد شمس، وأمه أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، أحد السابقين، هاجر الهجرتين، وشهد واستشهد بأحد ومُثَّل به استجابة لدعوته قبل المعركة، قال الزبير: كان يقال له: المجدَّع في الله. كان له يوم قُتل نيف وأربعون سنة، ودفن هو وحمزة في قبر واحد. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٨٩)، وابن حجر، إصابة (٢/٢٨٦-٢٨٧) . ٤ وقع في رواية السدي عن ابن عباس أنه أمره أن لا يفتح الكتاب حتى ينزل بطن ملل. الطبري، تفسير (٢/٣٤٩)، وتاريخ (٢/٤١٣)، وملل: منزل على طريق المدينة إلى مكة على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة، وهو واد ينحدر من ورقانجبل مزينة حتى يصب في الفرش. فوق سويقة. الحموي ياقوت، معجم البلدان (٥/١٩٤) . ٥ من رواية جندب. انظر الطبراني، المعجم (١/١٦٢)، والطبري، تفسير (٢/٣٥٠)، وتاريخ (٢/٤١٥) . ٦ في رواية الواقدي عن عبد الله بن جحش قال: قلت يارسول الله أي ناحية؟، فقال: "اسلك النجدية تؤم ركبة". الوقداي، مغازي (١/١٣)، وركبة: على الطريق من مكة إلى الطائف. انظر البكري عبد اله، معجم ما استعجم (٢/٦٦٩)، والحموي، معجم (٣/٦٣) . ٧ نخلة: قال الواقدي: ونخلة وادي بستان ابن عامر. المغازي (١/١٣)، وقال ابن الأعرابي والأصمعي: نخلة اليمانية: هي بستان ابن عامر عند العامة، والصحيح أن نخلة اليمانية هي: بستان عبد الله بن معمر، وبنخلة قتل عامر بن الحضرمي. وهي موضع على ليلة من مكة، وهي التي ينسب إليها بطن نخلة. البكري، معجم (٤/١٣٠٤-١٣٠٥) .. ويقول البلادي: بستان ابن معمر قريب من التقاء النخلتين، ويشرف عليه=
[ ٩٦ ]
بين مكة والطائف١ فترصَّد بها قريشا تعلَّم لنا من أخبارهم"٢.
"فلما قرأ الكتاب استرجع٣ وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله"٤ "ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله ﷺ"٥.
فما كان لهؤلاء الجنود المؤمنين الذين استرخصوا حياتهم في سبيل الله أن
_________________
(١) =من الشرق جبل داءة، وبسفحه الغربي قرية صغيرة من صنادق وهنا أرض تستصلح للزراعة، وكأنها بستان ابن معمر الذي حدده المتقدمون بأنه بين التقاء النخلتين، وهذه الأرض تلتقي في نهايتها نخلتان الشاميو اليمانية. البلادي، على ربى نجد (١٩-٢٠) . ١ اترصد: الترقب. انظر ابن منظور، لسان، مادة (رصد) . ٢ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٢)، والبيهقي، سنن (٩/٥٨)، ودلائل (١٨٣) وفي رواية الواقدي ومتابعيه "فترصد بها عير قريش". انظر الواقدي، مغازي (١/١٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٠)، والبلاذري، أنساب: (٣٧٢)، والمقريزي، إمتاع (١/٥٦)، وابن القيم، زاد (٢/٨٤)، والبغوي، الحسين بن مسعود، معالم التنزيل (٢/١٨٩)، والواحدي، أسباب (١٠٠)، وقد يوهم هذا النص بأن السرية كانت اعتراضية لا استطلاعية كما ورد في رواية ابن إسحاق. وللجمع بين القولين أقول: إن واجب السرية هو استطلاع أخبار قريش ورصد تحركاتها المضادة لعمليات المسلمين التعرضية ونشاطهم في منطقة الإيلاف الصيفي، وقد يكون من ضمن المهمة استطلاع للطريق القوافلية الأخرى من مكة إلى الشام عن طريق نجد. يقول الشريف: "وكانت مهمة هذه السرية استطلاع حال قريش والوقوف على أخبارها، ولم يكن من أغراضها القتال إذ أن أمر النبي ﷺ إلى رجال السرية خلا من كل إشارة إلى القتال، ثم إن عدد هذه السرية كان قليلا لا يتجاوز الثمانية، الأمر الذي يقطع بأن مهمتها كانت استطلاعية محضة". الشريف أحمد، مكة والمدينة (ص ٤٤٤)، ولكن هذه المهمة الأساسية افترنت بمهمة ثانوية وباجتهاد من أفراد السرية اغتنموا فيها الفرصة المواتية التي التي سنحت لهم للنيل من عدو طالما ترصدوا له في الغزوات والسرايا السابقة لكنه كان يفلت منهم، وقد يكون في إرسالهم إلى هذه المنطقة القريبة من مكة (تكتيك) معين من رسول الله ﷺ إذ أنها منطقة أمان تجسسي بالنسبة لقريش لأنهم لا يتوقعون وصول المسلمين إليها لبعدها عن قاعدتهم، ووقوعها داخل الحزام الأمني الوثني، وذلك يفسر الرسالة المكتومة، والتأكيد فيها على حرية الاختيار التطوعي للانخراط في هذه المهمة بعد توضيحها. أما ما حدث من تغيير في المهمة من (استطلاع تعرضي)، فذلك لكونهم اكتشفوا ضعفا في ترتيبات عدوهم استغلوه لصالحهم والله أعلم. ٣ أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ٤ من رواية جندب. انظر الطبري، تفسير (٢/٣٥٠)، وتاريخ (٢/٤١٥)، والطبراني معجم (١/١٦٢) . ٥ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٢) واللفظ له، والبيهقي، سنن (٩/٥٨)، ودلائل (٣/١٩) .
[ ٩٧ ]
يتخلفوا عن أمر رسول الله ص "فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران١ أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه"٢ ولأنه لم تكن هنالك وسيلة تنقلهما غير البعير الذي أضلاه، ولأن المهمة سرية لا تحتمل التأخير وأهم عنصر فيها الوقت الذي يعتبر أساسيًّا لعنصر المباغتة استأذنا القائد في التخلف عنه في طلبه حتى لا يكونا سببًا في تعطيل مسير السرية الاقترابي نحو الهدف، لعلهما يجدانه فيلحقا بهم فيما بعد، فأذن لهما "فتخلفا في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا٣، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم"٤ ولكنهم ما لبثوا أن اطمأنوا إليهم بعد الخطة التمويهية الذكية التي قام بها بعض أفراد السرية عندما"أشرف لهم عكاشة بن محصن٥
_________________
(١) ١ بحران: بفتح أوله، على وزن فعلان معدن بالحجاز، مذكور في رسم الفرع. البكري، معجم (٣/٢٢٨)، وهو جبل يضرب إلى الخضرة والسمرة بين وادي حجر المعروف قديمًا بالسائرة، أو مر عنيب المعروف اليوم بمصر وبوادي رابغ. يقع بحران عند التقائهما يفترقان عنه شرق مدينة رابغ على (٩٠) كيلًا وهو في ديار زبيد بن حرب. البلادي، معجم معالم السيرة (٤٠) . ٢ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٢-٦٠٣) والبيهقي، سنن (٩/٥٨)، ودلائل (٣/١٩) . ٣ أدمًا: جمع أديم وهو الجلد. ابن منظور، لسان، مادة (أدم) . ٤ ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٢)، والبيهقي، سنن (٩/٥٨)، ودلائل (٣/١٩) . ٥ في رواية ابن بكير عند البيهقي "أشرف لهم واقد بن عبد الله". انظر البيهقي، سنن (٩/٥٨)، ودلائل (٣/١٩)، وابن حجر، إصابة (٣/٦٢٨) وذلك خلاف ما عليه أهل المغازي، إلا ما كان من البلاذري الذي شذ عن الجميع بقوله: إن واقد بن عبد الله، وعكاشة بن محصن رأيا الحكم بن كيسان محلوق الرأس إلخ. راجع البلاذري، أنساب (٣٧٢) . وعكاشة: بضم أوله بن محصن بن قيس بن مرة بن بكير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وقع ذكره في الصحيحين في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، استشهد في قتال الردة. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٩٢)، وابن حجر، إصابة (٢/٤٩٤) .
[ ٩٨ ]
وقد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمار، لا بأس عليكم منهم"١.
وفي الحال عقد عبد الله بن جحش ﵁ مع أصحابه مؤتمرًا حربيًّا مصغرًا تداولوا فيه الرأي حول القافلة هل يهجمون عليها؟، ويستغلون هذه الفرصة المواتية من غرة عدو طالما أفلت منهم نتيجة حذره الشديد، ولكن الشهر الحرام، ورسول الله ﷺ لم يأمرهم بقتال فيه، أيتركونهم لأجل ذلك؟ ولكن هل راعت قريش الحرمات عندما طردتهم من ديارهم واستولت على أموالهم، وصدتهم عن سبيل الله؟ إذًا فليعاملوهم بالمثل والبادي أظلم، وأخيرًا خرجوا بقرار جماعي حاسم بالهجوم عليهم و"قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم"٢ فاشتبكوا معهم في قتال سريع خاطف حيث "رمى واقد بن عبد الله التميمي٣ عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله، فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة"٤ فوقف العير والأسيرين"٥ قائلًا لهم: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"٦ ويصل الخبر إلى قريش فثارت ثائرتها وشنت هجومًا إعلاميًّا مركزًا تخللته دعايات مغرضة ضد المسلمين استغلت فيها التعاليم الإبراهمية التي لا زالت بعض آثارها باقية في المجتمع الجاهلي حتى ذلك الوقت من تحريم
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٣)، والبيهقي، سنن (٩/٥٩)، ودلائل (٣/١٩) . ٢ المصدر السابق. ٣ واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم التميمي الحنظلي اليربوعي حليف بني كعب بن عدي، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، شهد بدرا وأحدا، والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، ومات في أول قيام عمر بن الخطاب ﵁ لا يحفظ عنه حديث، وليس له عقب. انظر خليفة بن خياط، الطبقات (٢٣)، وابن سعد، طبقات (٣/٣٩٠)، وابن حجر، إصابة (٣/٦٢٨) . ٤ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٣) واللفظ له، والبيهقي، سنن (٩/٥٩)، ودلائل (٣/١٩) . ٥ المصدر السابق. ٦ المصدر السابق.
[ ٩٩ ]
القتال في الأشهر الحرم وغير ذلك.
"انتهزت قريش هذه الفرصة للتشهير بمحمد ﷺ وبالمسلمين وإظهارهم بمظهر المعتدي الذي لا يراعي الحرمات"١ "قالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال"٢.
ونجحت قريش في خطتها تلك بادىء الأمر حيث "كان لدعايتها صدَّى كبير، وأثر ملموس حتى في المدينة نفسها، فقد كثر الجدل والنقاش بين المسلمين أنفسهم، وأنكروا على رجال السرية محاربتهم في الشهر الحرام، واشتد الموقف، ودخلت اليهود تريد إشعال الفتنة"٣ حتى ظن أهل السرية أنهم قد هلكوا وسُقط في أيديهم، ولكن الله ﷿ لم يكن ليدع أولياءه تتقاذفهم أهواء ورغبات أعدائه، فهو قد تكفل بنصرهم. ماديًّا ومعنويًّا، فنزلت الآيات البينات ترد وبقوة على دعايات قريش المغرضة موضحة أنه وإن كان الشهر الحرام لا يحل فيه القتال، ولكن لا حرمة عند الله لمن هتك الحرمات، وصد عن سبيله.
وهنا اطمأن المسلمون لسلامة موقفهم ورد الله كيد أعدائهم إلى نحورهم "وقبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين وبعثت إليه قريش"٤ "ليفادوا الأسيرين، فأبى رسول الله ﷺ وقال: أخاف أن تكونوا قد أصبتم سعد بن مالك وعتبة بن غزوان، فلم يفادهما حتى قدم سعد وعتبة، ففوديا، فأسلم الحكم بن كيسان٥ وأقام عند رسول الله ﷺ، ورجع عثمان بن عبد الله بن
_________________
(١) ١ الشريف أحمد إبراهيم، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ﷺ (ص: ٤٤٥) . ٢ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٣)، والبيهقي، سنن (٩/٥٩)، ودلائل (٣/١٩) . ٣ الشريف، مكة والمدينة (ص: ٤٤٥) . ٤ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٣)، والبيهقي، سنن (٩/٥٩)، ودلائل (٣/١٩) . ٥ الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة المخزومي والد أبي جهل، أسلم بعد أسره في هذه السرية وحسن إسلامه، وكان حجَّامًا، وتزوج آمنة بنت عفان، وكانت ماشطة، استشهد الحكم يوم بئر معونة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٥)، وابن حجر، إصابة (٢/٣٤٧-٣٤٨) .
[ ١٠٠ ]
المغيرة كافرًا"١٢.
وهكذا "يمكن اعتبار سرية عبد الله بن جحش الجسر الذي اجتازه صراع المناوشات بين الإسلام والوثنية صوب القتال المنظم المكشوف الذي بدأته معركة بدر، ذلك أن هذه السرية كشفت بسبب توغل مقاتليها بعيدًا إلى طريق التجارة المكية اليمنية مدى خطورة الدولة الناشئة على تجارة مكة خاصة، ووجودها الوثني عامة"٣.
إن الجرأة الشديدة التي تمت بها هذه العملية أذهلت قريش التي لم يدر بخلدها أن النبي ﷺ وأصحابه يستطيعون التوغل إلى هذه الدرجة في منطقة نفوذها، وكان التوغل من منطقة بعيدة عن أعين قريش، وغير متوقعة على الإطلاق، ومما زاد في دهشتها تلك السَّرية التامة، والدقة المتناهية التي تمت بها
_________________
(١) ١ من رواية موسى بن عقبة عن الزهري. انظر البيهقي، دلائل (٣/٢١)، باقشيش، مرويات (١/١٩٨) . ٢ الحديث أورد طرفًا منه البخاري في باب ما يذكر في المناولة، لكنه لم يروه موصولا، وقد تتبعه الحافظ ابن حجر فصححه بمجموع طرقه حيث قال: "وهو صحيح وقد وجدته، من طريقين، إحداهما مرسلة ذكرها الن إسحاق في المغازي عن يزيد بن رومان، وأبو اليمان في نسخته عن شعيب عن الزهري، كلاهما عن عروة بن الزبير، والأخرى موصولة له أخرجها الطبراني من حديث جندب البجلي بإسناد حسن، ثم وجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير. فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا". ابنحجر، فتح (١/١٥٣-١٥٤) . قلت: وقد اعتضد بشواهد أخرى، فقد رواه موسى بن عقبة عن الزهري. انظر البيهقي، سنن (٩/٥٩)، ودلائل (٣/٢٠-٢١)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧٧) وابن كثير، بداية (٢/٢٤٩)، وباقشيش، مرويات (١/١٩٥) وقد ورد الخبر عن ابن عباس بطرق مختلفة غير ما وجده ابن حجر. انظر الطبري، تفسير (٢/٣٥٠-٣٥١-٣٥٢) وابن كثير، تفسير (١/٢٥٣)، وبداية (٢/٢٥٠) والسيوطي، لباب النقول (ص ٤٢٠)، والشوكاني، فتح القدير (١/٢١٩) . مع رواية غالبية أهل المغازي له فقد رواه الواقدي (١/١٣-١٤-١٥-١٦-١٧-١٨-١٩)، وابن سعد، طبقات (٢/١٠-١١)، والبلاذري، أنساب (٣٧١-٣٧٢)، وابن حزم، حوامع (١٠٤-١٠٥-١٠٦)، وابن عبد البر، درر (١٠٧-١٠٨-١٠٩)، والعامري، بهجة (١/١٧٩)، والمقريزي، إمتاع (١/٥٥-٥٦-٥٧-٥٨-٥٩)، وابن القيم، زاد (٢/٨٤)، إضافة إلى تخريج أهل التفسير له في قوله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ إلخ. انظر بالإضافة للمصادر التفسيرية السابقة: البغوي، معالم التنزيل (١٢/١٨٨-١٨٩-١٩٠)، والواحدي، أسباب النزول (٩٩-١٠٠-١٠١-١٠٢)، والسيوطي، الدرر المنثور (١/٢٥٠)، فجميع هذه الطرق التي ورد بها الخبر تؤيد رأي ابن حجر في تصحيحه له بحيث تتعاضد فيما بينها لتكسبه القوة، والله أعلم بالصواب. ٣ عماد الدين خليل، دراسة في السيرة (ص: ١٧٤) .
[ ١٠١ ]
العملية، حتى إن عيون قريش لم ترصدها (ومخابراتها) لم تستطع معرفة الوجهة التي قصدتها، وكان ذلك ما أراده رسول الله ﷺ وخطط له بابتكاره أسلوب الرسائل المكتومة للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن حركات المسلمين "ولكتمان أهم عامل من عوامل مبدأ (المباغتة) وهي أهم مبدأ من مبادىء الحرب"١.
وبالإضافة إلى ذلك فقد أثبتت هذه السرية بما لا يدع مجالًا للشك بأن جيش النبي ﷺ قوي يندفع للقيام بأصعب الأعباء والمهمات، ويتحلى بمزايا القتال، وبمقدرته على إنجاز الواجبات بكل كفاءة واقتدار مما يدل على روحه المعنوية العالية.
فكم كان موقف قائد السرية رائعًا، يدل على ضبطه العسكري الجيد بإطاعته الأوامر النبوية العليا دون تردد أو تخاذل، وهو بعيد عن مقر القيادة العليا، فما أن قرأ الكتاب حتى امتثل فورا للأمر ونفذه بحذافيره، معطيًا من نفسه القدوة الحسنة، باثًّا في نفوس جنوده الحماس وهو يقول لهم: "من كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضً لأمر رسول الله ﷺ"٢.
ولا غرو في ذلك، فهو خريج مدرسة رسول الله ﷺ العسكرية.
وكم كان موقف جنوده البواسل عظيمًا، عندما امتثلوا جميعًا لأمر رسول الله ﷺ ومضوا له لم يتخلف عنه منهم أحد، على الرغم من تأكيدات الرسول ﷺ للقائد بترك الحرية الكاملة لهم في الاختيار.
ومن هذا المنطلق تتجلى عدالة الإسلام بإعطاء الأفراد الحرية الكاملة في أمر لم تكن فيه ضرورة إلزامية.
_________________
(١) ١ خطاب، الرسول القائد (ص: ٩٤) . ٢ من رواية ابن إسحاق عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٢) .
[ ١٠٢ ]
إن النتائج التي تحققت في هذه السرية، اعتُبرت أوليات في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني، فاقتال الذي دار فيها اعتبر أول مواجهة عسكرية دموية بين الطرفين نتج عنها أول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين، وأول غنيمة ينفلّها الله ﷿ للمسلمين، كأول تعويض يقبضه المهاجرون عن أموالهم التي استولت عليها قريش في مكة، والشاهد أن ما تمخض عن هذه السرية من أحداث مهمة أصبح سابقة في التاريخ الإسلامي، مما جعلها تستأثر باهتمام كبير ومركز من أهل المغازي حتى اعتبرها بعضهم أول سرية في الإسلام١.
وقد كان موقف قريش التالي لأحداث هذه السرية مزيجًا من الغضب والخوف في آن واحد، لذلك فكرت وبدهاء شديد استغلال الثغرة الناتجة عن الخطأ التقديري الذي وقع فيه أصحاب السرية علَّها تستطيع بذلك أن تشفي غيظها من المسلمين بإثارة العرب ضدهم، فأخذت أبواق دعايتها ترعد، وتبرق تصم الآذان بشتم المسلمين، ووصفهم بأنهم أناس لا يراعون الحرمات، ولا يحترمون التقاليد والأعراف المتعارف عليها بين العرب، وأن ما قاموا به يناقض تعاليمهم التي ينادون بها، وغير ذلك فلما أكثرت قريش وتمادت في غيها نزلت الآيات من فوق سبع سماوات تقريعًا وتوبيخًا لقريش المتشدقة بحماية الحرمات ورعاية الأعراف.
قال الله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ٢.
"فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عن ذلك في أول السرايا. ٢ البقرة (٢١٧) .
[ ١٠٣ ]
الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله، حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ وكفرهم بالله، وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنهم إياهم عن الدين١.
فمن يدافع عن الحرمات لا بد أن يكون مؤهلا لذلك بأن يكون على الأقل قدوة فيما يدَّعيه، فهلا قومت قريش سلوكها تجاه من فرض وأمر بهذه الحرمات التي يدَّعون أنهم قَيَّمون عليها، وهم يشركون معه في العبادة أحجارًا وأوثانًا لا تنفع ولا تضر. لقد كان في هذا التقريع والتوبيخ الإلهي ما يكفي لردع قريش وكبح جماحها وكتم أبواق دعايتها وبالتالي تعريتها أمام الرأي العام العربي.
وكان فيه الطمأنينة والأمان للمسلمين وعلى رأسهم رسول الله ﷺ وراحةُ بال لأهل السرية الذين أسعدهم دفاع الله ﷿ عنهم فطمعوا في الأجر فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ فوضعهم الله ﷿ من ذلك على أعظم الرجاء"٣.
أما موقف اليهود بالمدينة فكان ينم عن حقد دفين وكره للمسلمين الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر، فما حصلت تلك المواجهة بينهم وبين قريش حتى تفاءلوا عليهم بها شامتين، وهم يعتقدون أنها بداية الشرارة لحرب شعواء؛ يكون فيها القضاء تمامًا على المسلمين القلة في ذلك الوقت بالنسبة لقوة قريش وحلفائها الضاربة في الجزيرة العربية. ولكن الله كبتهم، فصار فألُهم شؤمًا
_________________
(١) ١ أخرج ذلك البيهقي عن عروة، دلائل (٣/١٨) . ٢ البقرة (٢١٨) . ٣ أخرجه ابن إسحاق والطبري عن عروة. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٥)، والطبري، تفسير (٢/٣٥٦)، وذكر عن قتادة وعن الربيع مثله.
[ ١٠٤ ]
عليهم عندما أعز الله جنده ونصرهم على أعدائهم من المشركين، فتفرغوا بذلك اليهود، وقذف الله الرعب في قلوبهم، وركبهم الذل والهوان حتى خرجوا من المدينة صاغرين.
ومما يستفاد في هذه السرية من الأحكام صحة الرواية بالمناولة أو الإجازة بالمناولة. قال السهيلي: "وترجم البخاري على هذا الحديث في كتاب العلم احتجاجا به على صحة الرواية بالمناولة، لأن رسول الله ﷺ ناول عبد الله بن جحش كتابه، ففتحه بعد يومين، فعمل على ما فيه، وكذلك العالم إذا ناول التلميذ كتابا جاز له أن يروي عنه ما فيه وهو فقه صحيح"١.
قلت: قال البخاري في باب العلم: "واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي ﷺ، حيث كتب لأمير السرية كتابا"٢.
قال ابن حجر: "هذا المحتج هو الحميدي، ذكر ذلك في كتاب النوادر له.
ووجه الدلالة في هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب، وأمره أن يقرأه على أصحابه ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة ومعنى المكاتبة، وقد سوَّغ الجمهور الرواية بها، وردها من رد عرض القراءة من باب الأولى، وتعقبه بعضهم بأن الحجة إنما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة. بخلاف من بعده. حكاه البيهقي.
وأقول: شرط قيام الحجة بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوما، وحامله مؤتمنا، والمكتوب إليه يعرف خط الشيخ، إلى غير ذلك من الشروط الدافعة لتوهم التغيير، والله أعلم"٣.
ومما يستفاد أيضا: "أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يرد ناسخ، وذلك أن
_________________
(١) ١ السهيلي، الروض الأنف (٥/٧٨-٧٩) . ٢ انظر ابن حجر، فتح (١/١٥٤-١٥٥) . ٣ المصدر السابق..
[ ١٠٥ ]
تحريم القتال في الأشهر الحرم كان حكما معمولا به من عهد إبراهيم، وإسماعيل، وكان من حرمات الله، ومما جعله الله مصلحة لأهله، قال الله تعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ١.
فكان رجب أمانا للسالكين إليها مصلحة لأهلها، ونظرا من الله لهم دبَّره، وأبقاه من ملة إبراهيم لم يُغيِّر حتى جاء الإسلام، ثم أباحته آية السيف في سورة براءة؛ فإن براءة كان فيها نبذ العهد العام وهو أن لا يصد أحد عن البيت جاءه، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم، وأن لا يحج مشرك، وإباحة القتال في الأشهر الحرم، أي مع بقاء حرمتها فإنها لم تنسخ، قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢ فتعظيم حرمتها باق، وإن أبيح القتال٣.
وفيها أيضا دليل على تسويغ الاجتهاد في زمنه ﷺ، فإن أصحاب السرية قد أدَّاهم اجتهادهم إلى مهاجمة القافلة دونما أمر منه ﷺ، ونزل قول الحق ﷾ فيه تصويب لاجتهادهم ذلك بعد أن أكثر الناس في تقريعهم ولومهم بناء على دعاية قريش المغرضة ضدهم والله أعلم..
_________________
(١) ١ المائدة (٩٧) . ٢ التوبة (٣٦) . ٣ بتصرف من السهيلي، الروض (٥/٨٠-٨١)، والحلبي، سيرة (٣/١٤٢)، والزرقاني، شرح المواهب (١/٣٩٨) .
[ ١٠٦ ]
خبر اعتراض أبي بصير وأصحابة لقافلة أبي العاص
خبر اعتراض أبي بصير١ وأبي جندل لقافلة أبي العاص
(ويلُ أمه مُسعر حرب، لو كان معه أحد)
رسول الله ﷺ واصفا أبًا بصير
البيهقي، دلائل: (٤/١٧٣)
الله ربي العليُّ الأكبر مَن ينصرِ الله فسوف يُنْصَر
ويقع الأمرُ على ما يُقَدَّر
"أبو بصير"
البيهقي، دلائل: (٤/١٧٣)
_________________
(١) ١ هذا الخبر لا يدخل ضمن نطاق هذا البحث الخاص بسرايا رسول الله ﷺ فأبو بصير وأبو جندل وأصحابهما كانوا لا يخضعون لسيطرة رسول الله ﷺ العسكرية في أعمالهم الاعتراضية ضد قوافل قريش التجارية، وإنما كان ذلك اجتهادا منهم كرد فعل انتقامي من قريش التي فتنتهم عن دينهم ومنعتهم من تحقيق أمنيتهم في اللحاق بإخوانهم في المدينة، ولكن بما أن بعض أهل المغازي قديما وبعض الباحثين المعاصرين اعتبروها سرية اعتراضية بقيادة زيد بن حارثة بعثها رسول الله ﷺ لاعتراض قافلة أبي العاص التجارية، لذلك أدرجتها ضمن القسم الخاص بالسرايا الاعتراضية من هذا البحث لأوضح حقيقة الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١٠٧ ]
اعتبر بعض أهل المغازي كابن إسحاق١، والواقدي، ومتابعيه٢ أن هذا الخبر خاص بسرية اعتراضية بعثها رسول الله ﷺ لاعتراض قافلة قرشية مقبلة من الشام، ووافقهم في ذلك بعض المحدِّثين كالشعبي٣، والحاكم من المتأخرين الذي ساق الخبر برواية موصولة من طربق ابن إسحاق إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها٤.
وقد رجح ابن حجر روايته بناء على اتصال سندها على رواية الشعبي التي وصفها بالشذوذ٥.
وبناء عليه أيضا رجح بعض الباحثين المعاصرين٦ رواية الحاكم على رواية الزهري الذي جزم بأن الذي اعترض القافلة القرشية هو أبو جندل، وأبو بصير وأصحابهما الذين كانوا بسيف البحر لما وقع صلح الحديبية٧.
وكان يمكن اعتبار رواية الحاكم هذه على أساس أنها أقوى الروايات سندا. ولكنهم ذهلوا جميعا عن علتها، وبالتالي تعجلوا بالحكم عليها، حيث
_________________
(١) ١ ذكر ابن إسحاق في رواية البكائي عنه: أن أبا العاص خرج قبل الفتح في عير لقريش، فلقيته سرية لرسول الله ﷺ دون أن يوضح من كان في تلك السرية. كذلك في رواية ابن بكير عنه لكن لم يذكر فيها التاريخ، انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٥٧-٦٥٨)، والبيهقي، سنن (٩/١٤٣) . ٢ كان الواقدي ومتابعوه أكثر وضوحا في معلوماتهم حيث ذكروا أنها سرية بقيادة زيد بن حارثة ﵁ بعثها رسول الله ﷺ في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة لاعتراض عير قرشية أقبلت من الشام فيها أبو العاص بن الربيع. انظر الواقدي، مغازي (٢/٥٥٣)، وابن سعد، طبقات (٢/٨٧)، وابن سيد الناس، عيون (٢/١٤٠)، وابن كثير، بداية (٤/١٨٠)، والمقريزي، إمتاع (١/٢٦٥) . ٣ ذكر الشعبي أن أبا العاص خرج في تجارة إلى الشام، فلما كان يقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه فيقتلوه ويأخذوا ما معه، فعلمت زوجه زينب بنت رسول الله ﷺ بذلك فأجارته، فلما علم أصحاب رسول الله ﷺ بذلك خرجوا إليه عزَّلًا بلا سلاح إلخ. ابن حجر، إصابة (٤/١٢١-١٢٢) . ٤ انظر رواية الحاكم مفصلة في المستدرك (٣/٢٣٦) . ٥ ابن حجر، إصابة (٤/١٢٢) . ٦ حكم الألباني على رواية موسى بن عقبة عن الزهري بعدم الصحة لإرسالها مرجحا عليها رواية الحاكم الموصولة، وأن الأولى الاعتماد عليها. الغزالي، فقه السيرة (ص: ٣٣٨) (حاشية: ١) واستدل بها الحكمي على أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة. انظر الحكمي، مرويات غزوة الحديبية، (ص: ١٩٢ الحاشية) . ٧ انظر البيهقي، دلائل (٤/١٧٤)، وباقشيش، مرويات موسى بن عقبة (٢/٤٠٥) .
[ ١٠٨ ]
أعتقد أن في الرواية إدراجا في المتن وعلة في السند، أما إدراج المتن فقوله: "وقيل إن رسول الله ﷺ كان هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص قافلة من الشام، وكانوا سبعين ومائة راكب أميرهم زيد بن حارثة، وذلك في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة إلخ"١، فهذا الكلام لم يرد في بقية الروايات عن ابن إسحاق ومنها ما رواه ابن بكير واسطة الحاكم إليه٢، فربما كان هذا الكلام مدرجا من أحد الرواة الحاكم فظنه من كلام عائشة ﵂ والله أعلم.
أما علة السند فهي أن السند الذي جعله الحاكم لكامل القصة ليس كذلك، فالقصة وردت عن ابن إسحاق عند غير الحاكم مجزأة وبأسانيد مختلفة، والسند الموصول الذي ذكره الحاكم يختص بالجزء الذي يحكي قصة فداء أبي العاص من أسره يوم بدر فقط، وليس لكامل القصة، أما بقية الرواية فليست موصولة، فبعضها عن يزيد بن رومان، وبعضها عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم موقوفة عليهما٣ خاصة فيما يتعلق بالعير التي خرج فيها أبو العاص تاجرا واعتراض السرية له والتي لم يرد فيها ذكر عن قائد السرية، بل إن في سياقها ما يؤيد ما ذهب إليه الزهري حيث ذكر أن خروجها كان قبيل الفتح أي في زمن الهدنة، وذكر فيها قول النبي ﷺ لزينب: "ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له" ٤، فمن المعلوم أن قريشا لم تستأنف رحلاتها التجارية إلى الشام إلا زمن الهدنة، فهل يعقل أن يقدم رسول الله ﷺ على بعث سرايا لاعتراض القوافل القرشية وهو مرتبط بمعاهدة صلح وتهادن مع قريش، كما أن تحريم المؤمنات على المشركين إنما نزل بعد الحديبية بقوله تعالى ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٥، فلو كان اعتراض أبي العاص قبل الحديبية لما قال
_________________
(١) ١ الحاكم أبو عبد الله، المستدرك (٣/٢٣٦) . ٢ انظر البيهقي، سنن (٩/١٤٣) . ٣ ولكن الحاكم وصلها، انظر المستدرك (٣/١٦٣) . ٤ انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٥٨)، وانظر الذهبي، تاريخ الإسلام، المغازي (٣٥٩-٣٦٠) . ٥ الممتحنة (١٠) .
[ ١٠٩ ]
لها رسول الله ﷺ ذلك. وهذا هو الذي جعل ابن القيم، والصالحي يصوِّبون رواية الزهري١، والغريب أن الواقدي ذكر ذلك في روايته على الرغم من أنه أرخ للسرية في جمادى الأولى سنة ست٢، والحديبية كانت في ذي القعدة بالإجماع٣ حتى الواقدي أرخ لها في ذي القعدة. كما أن في روايته اضطرابا، فهو يذكر أن أصحاب السرية أسروا أبا العاص٤. ثم يعود فيذكر أن أبا العاص جاء إلى زينب فاستجار بها٥.
إذًا.. فأنا أعتقد أن الذي اعترض قافلة أبي العاص هو أبو بصير، وأبو جندل وأصحابهما الذين تحشدوا في منطقة العيص الساحلية٦ بعد هروبهم من قريش التي فتنتهم عن دينهم ومنعتهم من تحقيق أمنيتهم في اللحاق بإخوانهم في المدينة، وذلك حسب اتفاقيات صلح الحديبية٧ فكانوا "بين العيص وذي مروة من أرض جهينة، على طريق عيرات قريش، مما يلي سيف البحر، لا يمر بهم عير لقرش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها٨ ولا زالوا كذلك
_________________
(١) ١ بعد أن ساق رواية ابن إسحاق، والواقدي، وموسى بن عقبة، عقَّب ابن القيم بقوله: "وقول موسى بن عقبة أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة، وقريش إنما انبسطت عيرها إلى الشام زمن الهدنة، وسياق الزهري للسياق بيِّن ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة. ابن القيم، زاد المعاد (٢/١٢١-١٢٢)، أما الصالحي فقال: "وقول ابن إسحاق أن هذه السرية كانت قبل الفتح يشعر بما ذهب إليه الزهري، وصوَّبه في زاد المعاد، واستظهر في النور. ويؤيد قول الزهري قوله ﷺ فيما ذكره محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر وغيرهما لزينب: "لا يخلص إليك فإنك لا تحلين له"، فإن تحريم المؤمنات على المشركين إنما نزل بعد صلح الحديبية. الصالحي، سبل (٦/١٣٧) . ٢ الواقدي، مغازي (٢/٥٥٣) . ٣ انظر الحكمي، مرويات غزوة الحديبية (ص: ٢٨) . ٤ الواقدي، مغازي (٢/٥٧٣) . ٥ المصدر السابق (٢/٥٥٣) . ٦ بكسر العين ومثناة تحتية ساكنة وصاد مهملة، وادٍ لجهينة بين المدينة والبحر يصب في أضم من اليسار من أطراف جبل الأجرد الغربية ومن الجبال المتصلة به، ومن حرار تقع بين أضم وينبع، وفيه عيون وقرى كثيرة. البلادي عاتق غبث، معجم المعالم الجغرافية في السيرة) (ص: ٢١٩) . ٧ كان أحد شروط صلح الحديبية: أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه ردَّه عليهم، انظر: الحكمي حافظ، مرويات غزوة الحديبية (ص: ١٦٣) . ٨ من رواية موسى بن عقبة عن الزهري. انظر البيهقي، دلائل (٤/١٧٣)، وباقشيش، مرويات ابن=
[ ١١٠ ]
حتى مر بهم أبو العاص بن الربيع صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم١ قادمًا من الشام في نفر من قريش معهم تجارة لهم فسيطروا على القافلة، وأسروا رجالها دون أن يقتلوا منهم أحدًا إكرامًا لصهر أبي العاص من رسول الله ﷺ وأطلقوا سراح أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته زينب ﵂ التي كانت عند أبيها منذ أن أذن لها أبو العاص باللحوق به "فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل، وأبو بصير، وما أخذوا لهم"٢.
وتروي أم المؤمنين أم سلمة قصة إجارة زينب ﵂ لزوجها أبي العاص فتقول: "فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها، والنبي ﷺ في صلاة الصبح يصلي بالناس، فقالت: أيها الناس، أنا زينب بنت رسول الله ﷺ وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: "أيها الناس إني لم أعلم بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم" ٣.
ثم قام رسول الله ﷺ فخطب الناس، حيث وضح لهم مكانة أبي العاص منه، وذكر لهم ما أصابه وأصحابه، وأن زوجه زينب قد أجارته "فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه"، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى رد إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال٤ امتثالا لرغبة رسول الله
_________________
(١) =عقبة (٢/٤٠٣-٤٠٤) . ١ أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي. أمه هالة بنت خويلد، كان يلقب جرو البطحاء، واختلف في اسمه، كان قبل البعثة مؤاخيًا لرسول الله ﷺ وكان يكثر غشاءه في منزله، وزوَّجه زينب أكبر بناته وهي من خالته خديجة. وكان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، أسلم بعد الحديبية، ومات في خلافة أبي بكر في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة. انظر ابن حجر، إصابة (٤/١٢١-١٢٢-١٢٣) . ٢ من رواية موسى بن عقبة عن الزهري البيهقي، دلائل (٤/١٧٤)، وباقشيش، مرويات (٢/٤٠٥) . ٣ أخرجه الطبراني من رواية أم سلمة. انظر المعجم الكبير (٢٢/٤٢٥، ٢٣/٢٧٥) وقال عنه الهيثمي: فيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٢١٣)، وأخرجه من نفس الطريق البيهقي سنن (٩/٩٥) . ٤ الخبر بهذا السياق رواه ابن عقبة عن الزهري مرسلا. انظر البيهقي، دلائل (٤/١٧٤) وباقشيش،=
[ ١١١ ]
ﷺ. فهم وإن كانوا لا يخضعون لسيطرة رسول الله ﷺ العسكرية في عملياتهم الاجتهادية ضد قريش إلا أنهم كانوا يخضعون لأوامره ونواهيه ويحققون رغباته، ثم كتب لهم رسول الله ﷺ يأمرهم أن يقدموا عليه بعد شكوى قريش منهم وتنازلهم عن شرطهم السابق الذي اعتقدوا أنهم حققوا به كسبا ضد المسلمين، لكن الله جعله وبالا عليهم، فأسرعوا يتضرعون إلى رسول الله ﷺ أن يبعث إلى أبي بصير، وأبي جندل ومن معه ولهم الحرية المطلقة في اللحاق بالمسلمين في المدينة إذا أرادوا، وبذلك فرج الله على المستضعفين من المسلمين.
ويذكر الشعبي أن أبا العاص رجع إلى مكة فأدى على الناس ما كان معه من بضائعهم حتى إذا فرغ وأدى "إلى كل ذي حق حقه قام فقال: يا أهل مكة أوفيت ذمتي، قالوا: اللهم نعم، فقال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قدم المدينة مهاجرًا، فدفع إليه رسول الله ﷺ زوجته بالنكاح الأول"١.
ويستفاد من هذه القصة من الأحكام جواز إجارة المرأة، قال ابن المنذر:
_________________
(١) =مرويات ابن عقبة (٢/٤٠٥-٤٠٦)، كما ورد الخبر بسياقات أخرى مختلفة من طرق كل من الشعبي. انظر ابن حجر، إصابة (٤/١٢٢) وابن إسحاق، ابن هشام، سيرة (٢/٦٥٧-٦٥٨) البيهقي، سنن (٩/١٤٣)، والواقدي (٢/٥٥٣-٥٥٤) وابن سعد، طبقات (٢/٨٧)، وقد رجح ابن القيم، والصالحي رواية الزهري على الروايات الأخرى بناء على النقد الباطني للروايات. انظر ابن القيم، زاد (٢/١٢٢)، والصالحي، سبل (٦/١٣٧) . وربما يعتضد الخبر بروايات موصولة يعتقد أنها منتزعة من نفس القصة منها رواية أم سلمة في حديث الإجارة والتي أخرجها الطبراني، والبيهقي. انظر الطبراني، المعجم (٢/٤٢٥، ٢٣/٢٧٥)، والبيهقي، سنن (٩/٩٥) وقال عنها الهيثمي: فيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٩/٢١٣)، ورواية ابن عباس في حديث رد زينب التي أخرجها كل من أبي داود، والترمذي، وابن ماجه وصححها الألباني. انظر الألباني، صحيح أبي داود (٢/٤٢١) وصحيح الترمذي (١/٣٣٣)، وصحيح ابن ماجه (١/٣٤٠) والله تعالى أعلم بالصواب. ١ من مرسل الشعبي. انظر ابن حجر، إصابة (٤/١٢١-١٢٢)، ولكن رد حديث زينب ﵂ على ابن العاص بالنكاح الأول أخرجه أبو داود، والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس. راجع الألباني، صحيح أبي داود (٢/٤٢١)، وصحيح الترمذي (١/٣٣٣)، صحيح ابن ماجه (١/٣٤٠)، وقال عنه الترمذي: حديث ابن عباس ليس بإسناده بأس ولكن لا يعرف وجهه. انظر المباركفوري، تحفة الأحوذي (٤/٢٩٦) .
[ ١١٢ ]
أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك – يعني ابن الماجشون – صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.
قال ابن المنذر: وفي قول النبي ﷺ: "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل انتهى.
وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز وإن رده رُدَّ١.
والإجارة حكم شرعي كان يُعمل به في الجاهلية، وقد أقره الإسلام، وتتضح مدى أهميته بوروده بندا أساسيًّا في دستور المدينة الذي وضعه رسول الله ﷺ عند تأسيسه لدولة الإسلام في المدينة٢.
وهو حكم عظيم يوضح استعلاء المسلمين على غيرهم من الأمم، وهم فيه سواء لا فرق بين شريفهم ووضيعهم، وذلك على خلاف ما كان عليه الناس في الجاهلية حيث لا يستطيع أن يقوم بالإجارة إلا الشريف منهم، أما في الإسلام "فالمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم على من سواهم"٣ قالها رسول الله ﷺ قائد هذه الأمة صراحة: "يُجير على أمتي أدناهم"٤.
كما ورد في ثنايا الخبر ما يفيد أن رسول لله ﷺ رد ابنته زينب ﵂ إلى زوجها بالنكاح السابق دون إحداث نكاح جديد ومهر جديد. وهذه المسألة خلافية بين الفقهاء، حيث يخالف هذا الحديث آخر أخرجه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ رد زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد، ونكاح جديد".
_________________
(١) ١ انظر ابن حجر، فتح (٦/٢٧٣) . ٢ انظر محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، (ص ٦٠) البند (١٥) . ٣ رواه أحمد. انظر البنا، الفتح الرباني (١٤/١١٥) . ٤ المرجع السابق (١٤/١١٦) .
[ ١١٣ ]
وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم زوجها وهي في العدة، أن زوجها أحق بها ما كانت في العدة، وهو قول مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق١.
وقال في مكان آخر: قال يزيد بن هارون: حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب٢.
وقال ابن عبد البر: حديث أنه ﷺ أقرهما على النكاح الأول متروك، لا يعمل به عند الجميع، وحديث ردها بنكاح جديد عندنا صحيح يعضده الأصول، وإن صح الأول أريد به على الصداق الأول وهو حمل حسن٣.
وقال بعضهم: تصحيح ابن عبد البر الحديث أنه ردها بنكاح جديد مخالف لكلام أئمة الحديث كالبخاري وأحمد بن حنبل، ويحي بن سعيد القطان، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم٤.
وقد اختلف العلماء في تأويل وترجيح أحد الحديثين على الآخر بما لا طائل لذكره هنا.
قال ابن حجر بعد أن ذكر أقوالهم في ذلك: وأحسن المسالك في هذين الحديثين ترجيح حديث ابن عباس كما رجحه الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص، ولا مانع من ذلك من حيث العادة فضلًا عن مطلق الجواز٥.
_________________
(١) ١ انظر المباركفوري، تحفة الأحوذي (٤/٢٩٥-٢٩٦) . ٢ انظر المبار كفوري، تحفة الأحوذي (٤/٢٩٥-٢٩٦) . ٣ الحلبي، سيرة (٣/١٧٨) . ٤ المصدر السابق. ٥ ابن حجر، فتح (٩/٤٢٤) .
[ ١١٤ ]
سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
سرية الخبط
أو بعث أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
"فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: كيف كنتم تصنعون بها؟، قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله".
جابر بن عبد الله ﵁
النووي على مسلم (١٧/٨٤)
[ ١١٥ ]
تعتبر سرية الخبط، استمرارا لسياسة النبي ﷺ العسكرية لإضعاف قريش، ومحاصرتها اقتصاديًّا على المدى الطويل، ولتعويض المهاجرين، ولو جزءًا بسيطًا مما فقدوه من أموال ومتاع استولت عليها قريش عند مغادرتهم وطنهم مكة.
ولم توضح لنا غالبية الروايات، وخاصة الصحيحة منها تاريخ محدد لهذه السرية. وقد أغرب الشامي حين ذكر أن جمهور أئمة المغازي حددوا تاريخها برجب في السنة الثامنة الهجرية١؛ حيث لم يقل بذلك غير الواقدي ومن تابعه٢.
وقد رد كل من ابن القيم، وابن حجر هذا القول باعتبار تلك الفترة فترة هدنة مع قريش، فالظاهر أن ذلك وهم غير محفوظ، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل الهدنة٣.
وذكر العراقي أن السرية كانت بعد نكث قريش للعهد، وقبل الفتح٤، وعلق الزرقاني بعد ذلك: بأنه لا يعتبر قول ابن القيم كون السرية في رجب وهم غير محفوظ٥.
وعلى تسليم ظاهره، يحتمل أن يكون البعث في أواخر رجب بحيث لا يصلون إلى جهينة ويلقون العير، إلا في شعبان٦.
_________________
(١) ١ الشامي، سبل (٦/٢٧٥) . ٢ انظر الواقدي، مغازي (١/٦) وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢)، ابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٦)، القسطلاني، إرشاد الساري (٦/٤٢٧) . ٣ بتصرف واختصار من ابن القيم، زاد (٢/١٥٨) وابن حجر، فتح (٨/٧٨) . ٤ انظر أبا زرعة العراقي، طرح التثريب في شرح التقريب (٦/٨-٩) . ٥ انظر الزرقاني، شرح المواهب (٢/٢٨١) . ٦ هذا الاحتمال بعيد لأنه قال في الخبر أنهم مكثوا في الساحل نصف شهر حتى أكلوا الخبط، ثم مكثوا يأكلون من الحوت حوالي الشهر، فتكون المدة التي قضوها في هذه السرية أكثر من شهر، ومعلوم أن فتح مكة كان في رمضان، وكان معظم المشاركين في السرية قد شارك في غزوة الفتح، كما أن خبر السرية يمكن أن يشتهر ويذيع لو أنها حدثت قبل لفتح بهذه المدة الوجيزة وكان يبعد أن لا يذكر أهل المغازي أن رسول الله ﷺ بعث سرية اعتراضية لتلقى عير قريش بعد نقضها العهد مع المسلمين، وقريش ليست من الغباء بمكان حتى ترسل قوافلها في فترة توتر العلاقات مع المسلمين. وإنني أتساءل لماذا لم يوضح جابر بن عبد الله ﵁ أحد أفراد هذه السرية لهم حكم ميتة البحر=
[ ١١٦ ]
وعلى كل حال فقد حشد رسول الله ﷺ مجموعة من رجاله المخلصين في (دورية قتال اعتراضية قوتها) ثلثمائة صحابي١ من المهاجرين والأنصار٢ وأسند قيادتها إلى أمين الأمه أبي عبيدة بن الجراح٣، وحدد لهم الهدف المنشود وهو رصيد عير المشركين٤ ربما قافلة تجارية مساحلة عن طريقها المعتاد، وقد تمر بمنطقة نفوذ قبيلة جهينة على ساحل البحر الأحمر.
ونظرا للضائقة الاقتصادية التي كان يمر بها المسلمون في ذلك الوقت، فقد كان تموين هذا الجيش ضعيفا بحيث لم يجد لهم رسول الله ﷺ غير
_________________
(١) =عندما توقفوا بادىء الأمر في الأكل من الحوت، وهو الذي مر بتجربة مماثلة مع رسول الله ﷺ في غزوة بواط وعلم الحكم. انظر النووي على مسلم (١٨/١٤٦-١٤٧) . هل كانت هذه السرية قبل غزوة بواط ربما، والله أعلم بالصواب؟ ا. ١ في رواية النسائي ثلاثمائة وبضعة عشر. انظر النسائي، سنن (٤/٢٠٩) . ٢ وضحت ذلك رواية الواقدي وكاتبه ابن سعد نصا "ثلثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب. انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢) واللفظ له بينما اتضحت مشاركة الجانبين من خلال سياق روايات الصحيحين. انظر ابن حجر، فتح (٨/٧٧)، والنووي على مسلم (١٣/٨٩) . ٣ وقع في روايات شاذة أن قائد السرية كان قيس بن سعد بن عبادة. انظر ابن حجر، فتح (٨/٧٩-٨١) . والطبري، تاريخ (٣/٣٣)، وابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٦) ثم ينقل ابن سيد الناس قول أحد رواته للخبر. "قال إبراهيم: لم يكن قيس بن سعد أمير هذا الجيش، إنما كان أبو عبيدة، وقيس معه، كذا أخبرني محمد بن صالح، عن محمد بن عمر، عيون الأثر (٢/٢٠٦-٢٠٧)، أما ابن حجر فقال معقبا على ذلك: "والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين". ٤ ذكر الواقدي وابن سعد أن هذه السرية كانت موجهة لحيِّ من جهينة. انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢) وهو مخالف لما في الصحيحين. وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين القولين، فذكر أنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرا لقريش ويقصدون حيًّا من جهينة لمحاربتهم. انظر القسطلاني، المواهب اللدنية (١/١٤٧) . قلت: البعث للمقصدين لا يستقيم لأنه يصعب على دورية قوتها ثلثمائة فرد أن تقوم بمهمة مزدوجة في آن واحد، وعلى فرض إمكانية ذلك فإنه لم يقع شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدا، بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، والله أعلم. ابن حجر فتح (٨/٧٨) . بل إن الواقدي الذي انفرد بهذا القول ساق في روايته تعامل أحد أفراد السرية التجاري مع بعض أفراد قبيلة جهينة. الواقدي، مغازي (٢/٧٧٥) . أما ابن حجر فذكر في صدد الجمع بين القولين أنه يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة. ابن حجر، فتح (٨/٧٨) وهذا الاحتمال بعيد لأن قبيلة جهينة هي من القبائل الداخلة ضمن الإيلاف الصيفي مع قريش، ولم يرد في أخبار المغازي أن رسول الله ﷺ عقد حلفا معها ضد قريش كما فعل مع القبائل الأخرى كبني مدلج وغيرهم، فليس لجهينة مصلحة في نقض حلفها مع قريش، وعلى فرض أنهم فعلوا ذلك من أجل المسلمين. فلماذا يبعث رسول الله ﷺ سرية تحمي عير قريش منهم. والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١١٧ ]
جراب من تمر زودهم إياه، إضافة إلى أزوادهم الخاصة التي كانت في مجملها قليلة أيضا. (وأثناء المسير الاقترابي) لموقع العمليات، فَنِي زاد السرية العام "فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع فكان مزودي تمر"١٢ لأجل البركة في اجتماع الأزواد، وحتى يتساوى الكل في القوت فلا يتميز أحد عن أحد.
ورغم هذا الإجراء المنضبط من القائد الذكي إلا أن جرابا من تمر وهو مقدار ما تجمع من الزاد الخاص للجيش لم يكن يكفي جيشا مكونًا من ثلثمائة رجل.
فكان أبو عبيدة يقوتهم من هذا الجراب كل يوم "قبضة قبضة"٣ ثم تمرة تمرة. عندما قارب من الانتهاء، وقد أدرك الجند صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن.
يقول جابر ﵁ أحد أفراد هذه السرية: "كنَّا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل"٤ وكم هو رائع هذا الموقف المدهش حقّا والذي أدهش قبلنا وهب بن كيسان ﵀ الذي سأل جابرا ﵁ دهشًا: "ما تغني عنكم تمرة؟، فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت"٥.
ومع ذلك لم يؤثر ذلك على معنويات الجيش، ويستسلموا للأمر الواقع بل فكروا في حيلة يُبقون على أنفسهم حيث اضطروا إلى أكل ورق الشجر.
قال جابر ﵁: وكنا نضرب بعصينا الخبط٦، ثم نبله بالماء
_________________
(١) ١ المزود بكسر الميم وسكون الزاي ما يجعل فيه الزاد. ابن حجر، فتح (٨/٧٩)، وإرشاد الساري (٦/٤٢٧) . ٢ من رواية وهب بن كيسان عن جابر. ابن حجر فتح (٨/٧٧) . ٣ من رواية عمرو بن دينار عن جابر عند مسلم. مسلم بشرح النووي (١٣/٨٨) . ٤ من رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم، مسلم بشرح النووي (١٣/٨٤) . ٥ من رواية وهب عن جابر عند البخاري، ابن حجر. (٨/٧٧) . ٦ الخبط: ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط خَبَط بالتحريك، فعل بمعنى مفعول وهو من علف الإبل، والخبط ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق أو غيره ويخفف بالماء. راجع ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، والقاموس المحيط، مادة (خبط) .
[ ١١٨ ]
فنأكله"١.
"فسمى ذلك الجيش جيش الخبط"٢، وقد أثر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة ﵄ أحد جنود هذه السرية الشجاعة وهو رجل من كرماء الصحابة المشهورين٣فنحر للجيش "ثلاث جزائر٤، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه"٥.
ولم يكن الله ﷿ ليتخلى عن جند له خرجوا في سبيله ابتغاء مرضاته، وطمعا فيما عنده من الأجر، فبينما هم كذلك من الجهد والجوع الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطىء، ويصف لنا جابر بن عبد الله ﵄ مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: "وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم٦، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر٧، قال: قال
_________________
(١) ١ من رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم، مسلم بشرح النووي (١٣/٨٤) . ٢ من رواية عمرو بن دينار عن جابر عند البخاري، ابن حجر، فتح (٨/٧٨) . ٣ هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: كان قيس ضخما حسنا طويلا إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض، وذكر الزبير أنه كان سِناطا ليس في وجهه شعرة، وفي صحيح البخاري عن أنس: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ويوم الفتح أخذ الراية من أبيه فدفعها إليه، وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب، من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع. قال خليفة وغيره: مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة. ابن حجر، إصابة (٣/٢٤٩) . ٤ جمع جزور، والجزور: البعير، أو خاص بالناقة. (القاموس، مادة جزر) . ٥ من رواية عمروبن دينار عن جابر عند البخاري، ابن حجر فتح (٨/٧٨) وذكر الواقدي في روايته أن قيس بن سعد ﵁ استدان هذه الجزر من رجل جهني، وأن أبا عبيدة ﵁ نهاه قائلا: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك. الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤-٧٧٥)، هذا وقد رجح ابن حجر هذا السبب عند ذكر الاختلاف في سبب نهي أبي عبيدة لقيس، فقال: قيل لخشية أن تفنى حمولتهم، وفيه نظر؛ لأن القصة أنه اشترى من غير العسكر، وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته، وليس له مال، فأريد الرفق به، وهذا أظهر والله أعلم، فتح (٨/٨١) . ٦ الكثيب: التل من الرمل. (القاموس: الكثب) . ٧ العنبر سمكة كبيرة يتخذ من جلدها التراس، قال الأزهري: العنبر سمكة بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين دراعا يقال لها بالة، وليست بعربية، ويقال إن العنبر المشموم رجيعها، وقال ابن سينا: بل=
[ ١١٩ ]
أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلثمائة حتى سمِنَّا، قال: لقد رأيتنا نغترف من وقب١ عينيه بالقلال٢ الدهن. وتقتطع منه الفدر٣ كالثور، أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رجل أعظم بعير معنا
_________________
(١) =المشموم يخرج من الشجر، وإنما يوجد في أجواف السمك الذي يبتلعه، ونقل الماوردي عن الشافعي قال: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتًا في البحر ملتويًا مثل عنق الشاة، وفي البحر دابة تأكله وهو سم لها فيقتلها، فيقذفها البحر فيخرج العنبر من بطنها، قال الحلبي: وفي زمن الحاكم بأمر الله وجدت سمكة بدمياط طولها مائتا ذراع، وعرضها مائة وستون ذراعا وكان يقف في حلقها خمس رجال بالمجاريف يجرفون الشحم، وأقام أهل دمياط يأكلون من لحمها خمسة أشهر. وحوت العنبر SPERMWHALE مميز الشكل والهيئة، ومظهره ملتوٍ، ويتميز عن غيره من الحيتان بالرأس الضخم والبوز المَربع الذي يخزن فيه كمية كبيرة من الدهن، وهو من أكبر أنواع المسننات من الحيتان حيث يتراوح طول الذكر منه خمسة عشر إلى عشرين مترا، ويزن حوالي من خمسة وثلاثين إلى ستين طنًّ، والأنثى أصغر من الذكر، وتعتبر الحبارة هي غذاءه الرئيسي إذ يصيد منها كميات كبيرة وضخمة، وقد وجد في معدته من هذه الحبارات ما يبلغ طوله عشرة أمطار. والعنبر من الكائنات البحرية الغواصة فهو يستطيع الغوص إلى عمق ألف متر أو أكثر، كما يستطيع البقاء في الأعماق حوالي ساعة من الزمان. وحوت العنبر متواجد باستمرار في منطقة البحر العربي، وهنالك شواهد تدل على مشاهدته في البحر الأحمر حيث ذكر شهود عيان أنهم رأوه في منطقة جيزان عدة مرات، ولا تعرف الأسباب العلمية التي تؤدي بمثل هذه الحيتان الضخمة إلى الظهور في البحار القليلة العمق نسبيا كالبحر الأحمر، ربما بسبب تعطل أجهزة الاتصال لديها، أو لكبر سنها، وربما سبب بحث الذكر عن أنثاه. وبغض النظر عن هذه الشواهد والأسباب فإن ورود الخبر في الصحيحين يُغنينا عن الاستشهاد بغيرهما، فالخبر صحيح، وظهور مثل هذا الحوت الضخم للصحابة في تلك المنطقة غير المألوفة بالنسبة لأمثاله يُعد كرامة أكرمهم بها الله ورزقا أخرجه لهم كما أخبرهم بذلك الصادق المصدوق ﷺ والكرامة والمعجزة تُصنَّف في عِدد خوارق العادات، ولكن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو على كل شيء قدير. انظر الفيروز آبادي، القاموس، وابن منظور، لسان مادة: عنبر، وانظر ابن حجر، فتح (٨/٨٠)، والحلبي، سيرة (٣/٢٠٣)، ومنير البعلبكي: المورد قاموس انكليزي – عربي (ص: ٨٨٦) والثدييات البحرية، مذكرة من جمع الدكتور محمد موسى العمودي (ص: ١٤) وكلقاء شخصي معه. AND M. GRANTGROSS، OCCANOGRAPHY A VIEW OF THE EATH: ٣٦١ AND JAMES W NYBAKKEN BIOLOGYAN ECOLOGICAL APROCH: ٩٩. ١ الوقب هو النقرة التي تكون فيها العين. ابن منظور، لسان، مادة (وقب) . ٢ جمع قلة وهي الجرة العظيمة، وذلك مما يقور الظن بأنه حوت العنبر حيث إنه يتميز عن غيره من الحيتان بالرأس الضخم الذي يتركز فيه كمية كبيرة من الدهن. انظر الثدييات البحرية، مذكرة من جمع الدكتور/ موسى العمودي (ص: ١٤)، وروى تشابمان آندروز، كل شيء عن الحيتان (ص: ١٠٣)، القاموس، واللسان (قلة) . ٣ جمع فدرة وهي القطعة من اللحم. القاموس، واللسان (فدر) .
[ ١٢٠ ]
فمر من تحتها١ وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. فقال: "ما حبسكم"؟، فقلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة"٣. فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله"٤٥.
وقد أورد بعض شارحي حديث هذه السرية، وبعض أهل المغازي المتأخرين بعض الأمور الفقهية المستفادة من خلال أحداث هذه السرية، قال النووي: في هذا الحديث جواز صدِّ أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ مالهم واغتنامه.
وأن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه،وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، قالوا: يستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك، وأحسن في العشرة، وأن لا يختص بعضهم بأكل دون بعض والله أعلم٦.
_________________
(١) ١ في رواية عمرو بن دينار: "فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش، وأطول جمل فحمله عليه، فمر تحته". انظر ابن حجر فتح (٨/٧٨)، ومسلم بشرح النووي (١٣/٨٨) واللفظ له. قال ابن حجر: وهذا الرجل لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة فإن له ذكرا في هذا الغزوة، وكان مشهورا بالطول. ابن حجر، فتح (٨/٨٠) . قلت: مر بنا في ترجمة قيس ﵁ أنه كان إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض. ٢ من رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم. مسلم بشرح النووي (١٣/٨٥-٨٧) . ٣ من رواية النسائي، سنن (٧/٢٠٩)، والألباني، صحيح سنن النسائي (٣/٩١٠) وقال عنه "صحيح". وانظر الطيالسي، سليمان بن داود، المسند (٧/٢٤١) . ٤ من رواية أبي الزبير عن جابر. مسلم بشرح النووي (١٣/٨٧) . ٥ الخبر صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه في أماكن متفرقة وبطرق مختلفة. انظر ابن حجر، فتح (٦/١٣٠، ٨/٧٧-٧٨)، والقسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٦/٤٢٧-٤٢٨)، كما أخرجه مسلم بطرق مختلفة أيضا. انظر مسلم بشرح النووي (١٣/٨٤-٨٥-٨٧-٨٨-٨٩-٩٠)، وأخرجه النسائي في "السنن" (٧/٢٠٧-٢٠٨-٢٠٩)، وانظر الألباني، صحيح سنن النسائي (٣/٩٠٨-٩٠٩-٩١٠)، وأحمد في "المسند" انظر البنا، الفتح (٢١/١٤١)، وأخرجه من أهل المغازي ابن إسحاق بسند صحيح. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٢-٦٣٣) والواقدي، وكاتبه ابن سعد ولكن باختلاف جوهري في بعض الوقائع مما ورد في الصحيحين، وابن إسحاق. انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤-٧٧٥-٧٧٦-٧٧٧) وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢)، والطبري، تاريخ (٣/٣٢-٣٣) . ٦ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) .
[ ١٢١ ]
قال ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد مشروعية المواساة بين الجيش عند وقوع المجاعة، وأن الاجتماع على الطعام يستدعي البركة فيه١.
ومن الفوائد أيضا جواز أكل ورق الشجر عند المخمصة، وكذلك عشب الأرض، قاله ابن القيم٢.
وفيه أيضا بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا، والنتقلل منها، والصبر على الجوع وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال٣.
وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله ﷿ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٤ وقد قال الله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ ٥، وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة "أن صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما مات فيه"، وفي السنن عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا " أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: "أُحل لنا كذا، وحُرِّم
_________________
(١) ١ ابن حجر، فتح (٨/٨١) . ٢ ابن القيم، زاد (٢/١٥٩)، قلت: ما أقدم عليه أصحاب السرية من أكل الخبط دليل على قوة شكيمتهم، وتمتعهم بفكر سليم هداهم إلى أكل ورق الشجر كي يبقوا على أنفسهم ولا يستسلموا للجوع فيُقضى عليهم، مع عظيم توكلهم على الله ﷿ الذي لم يخب ظنهم فأطعمهم رزقا من عنده من حيث لا يحتسبون. وصدق الله القائل في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الطلاق (٢-٣) . وقد سمعنا في وقتنا الحاضر بأن الجيوش الحديثة لديها فرق خاصة تسمى (قوات الصاعقة) يتم تدريبها تدريبا عنيفا يتضمن تعويدهم على أكل ورق الشجر وغيره استعدادا لما قد يلاقونه من جوع في مهماتهم، وقد رأينا الصحابة ﵃، في هذه السرية يأكلون ورق الشجر، كل تلك الفترة بدون تدريب مسبق على ذلك، وليس ذلك بمستغرب من جنود سامية أهدافهم يملأ الإيمان جوانحهم. ٣ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) . ٤ المائدة (٣) . ٥ المائدة (٩٦) .
[ ١٢٢ ]
علينا" ينصرف إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه، فإن قيل: فالصحابة في هذه الواقعة كانوا مضطرين، ولهذا لما هموا بأكلها قالوا: إنها ميتة، وقالوا: نحن رسل رسول الله ﷺ ونحن مضطرون فأكلوا، وهذا دليل على أنهم لو كانوا مستغنين عنها لما أكلوا منها١.
قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين ولكن هيأ الله لهم من الرزق أطيبه وأحله، وقد قال النبي ﷺ لهم بعد أن قدموا: "هل بقي معكم من لحمه شيء؟ " قالوا: نعم، فأكل منه ﷺ وقال: إنما هو رزق ساقه الله لكم"، ولو كان هذا رزق مضطر لم يأكل منه للضرورة فكيف ساغ لهم أن يدهنوا بوكدها، وينجسوا به ثيابهم وأبدانهم، وأيضا كثير من الفقهاء لا يُجَوِّز الشبع من الميتة، إنما يجوزون منها سد الرمق. والسرية أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم وسمنوا وتزودوا منها٢.
وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي ﷺ وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الإجتهاد وعدم تمكنهم من مراجعة النص. وقد اجتهد أبو بكر وعمر ﵄ بين يدي رسول الله ﷺ في عدة من الوقائع وأقرهما على ذلك، لكن في قضايا جزئية معينة لا في أحكام عامة وشرائع كلية؛ فإن هذا لم يقع بين يدي رسول الله ﷺ من أحد من
_________________
(١) ١ ربما أنهم توقفوا بادىء الأمر لعدم معرفتهم بالحكم الذي لم يرد فيه نص قاطع من رسول الله ﷺ إلا في وقت متأخر في الحديث الذي يرويه أبو هريرة الذي أسلم بعد فتح خيبر – في البحر، وفيه: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" أخرجه مالك وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح. انظر موطأ مالك (١/٢٢، ٢/٤٩٥) ن والمباركفوري، تحفة (١/٢٢٥-٢٣٠) والألباني صحيح سنن الترمذي (١/٢١)، وصحيح سنن أبي داود (١/١٩)، وصحيح سنن النسائي (١/١٤)، وصحيح سنن ابن ماجه (١/٦٧)، وابن حبان، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٧/٣٣٧)، وكان يمكن لابن القيم الاعتماد على هذا الحديث في بيان حكم ميتة البحر، وإن كان ما ذكره من آثار تدخل ضمن هذا الإطار، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢ ابن القيم، زاد (٢/١٥٩) .
[ ١٢٣ ]
الصحابة في حضوره ﷺ ألبتة١.
ومن الفوائد أيضا جواز نهي الإمام، وأمير الجيش للغزاة عن نحر ظهورهم وإن احتاجوا إليه خشية أن يحتاجوا إلى ظهورهم عند لقاء العدو، ويجب عليهم الطاعة إذا نهاهم٢.
كما يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طمأنينة للمستفتي، قاله النووي٣.
_________________
(١) ١ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) . ٢ ابن القيم، زاد (٢/١٥٩)، وفيه نظر إذ لم يثبت في القصة أن قيس بن سعد ﵄ نحر لهم من الجزر التي كانوا يركبونها، ولا يعقل أن تصل رواحله وحده إلى هذا العدد الكبير، وفي القصة كما قال ابن حجر أنه اشترى من غير العسكر. ٣ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) .
[ ١٢٤ ]
الفصل الثاني: البعوث ذات المهمات الصعبة سرايا المغاوير
مقدمه
الفصل الثاني
البعوث ذات المهمات الصعبة
(سرايا المغاوير)
ويشتمل على:
١ـ مقدمة.
٢ـ بعث سالم بن عمير إلى أبي عفك.
٣ـ خبر مقتل المرأة التي تسب رسول الله ﷺ.
٤ـ البعث إلى كعب بن الأشرف.
٥ـ بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي.
٦ـ بعث عمرو بن أمية إلى أبي سفيان بن حرب.
٧ـ البعث إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق.
٨ـ البعث إلى اليسير بن رزام.
٩ـ سرية أبي قتادة بن ربعي إلى خضره.
_________________
(١) ١ المغاوير: جمع مغوار، والمغوار هو الفدائي يقابل كلمة COMMANDO الإنجلزية. خطا، الرسول القائد (٢٣٩) .
[ ١٢٥ ]
مقدمة
لكل دولة أعداء، وهؤلاء إما يكونوا على شكل جماعات منفصلة لها معسكرها الخاص بها، وإما يكونوا مندسين ضمن جماعات مسالمة أو معاهدة، وربما يخضعون لسيادة الدولة نفسها.
والأعداء الظاهرون يتم التعامل معهم صراحة وبشكل مباشر ومعلن. أما الأشخاص المندسون في الجماعات غير المعادية فيصعب التعامل معهم مباشرة، نظرا لوقوعهم تحت مظلة العهد المبرم مع قومهم، وتمتعهم بحمايتهم، فيستغلون هذا الموضع لتنفيذ مخططاتهم العدائية ضد الدولة من تحريض، وبثٍّ لأسباب الفرقة والشقاق، مع مؤازرة أعداء الدولة أو موالاتهم. وهذا العدو خطره أكبر بكثير من العدو الظاهر المعلِن للعداء، ويكون التعامل معه فيه نوع من الحيطة، والحذر، والترقب مع تحين الفرص المناسبة للقضاء عليه.
وأحسن وسيلة تحقق هذا الغرض هي استعمال الحيلة بشتى أساليبها لاستدراجه بعيدا عن قاعدته الأمنية، أو مباغتته فيها والقضاء عليه دون إثارة انتباه الآخرين.
وهذا العمل تقوم به الآن الدول المتقدمة، وتعتبره أسلوبا من أساليب الحرب المطورة، ورسول الله ﷺ له قصب السبق في استحداث هذا الأسلوب المتطور، فقد أحسن التعامل مع التوعيات المختلفة مع الأعداء، حيث استطاع ﵊ بحنكته العسكرية الفذة أن يواجه أعداءه، ويتغلب عليهم بشتى الطرق الممكنة كلٌّ بحسب وضعه. فمن رأى أنه يستطيع القضاء عليه
[ ١٢٦ ]
بأيسر الطرق دونما إراقة دماء كثيرة أرسل إليه (فرقة مغاوير) للقضاء عليه قبل أن يستفحل أمره ويقوى كيده.
وهكذا نراه دائم الحذر يحرص دائما على مراقبة أعدائه، وتتبع أخبارهم ونشاطاتهم المعادية أولا بأول، مما يعطينا دلالة واضحة على أنه كان يستخدم الأسلوب المسمى اليوم (بالمخابرات) مع البون الشاسع في الأساليب والإمكانيات.
إن فرق المغاوير ونظم المخابرات تحتل اليوم حيزًا كبيرا ومهمًّا في جيوش الدول الحديثة، بل إنها تعتمد عليها في كل الأوقات سلمًا وحربًا لتنفيذ أغراضها ومخططاتها.
ورسول الله ﷺ لم يلجأ لأسلوب تحشيد سرايا يوكل إليها القيام بالمهمات الصعبة، إلا بعد ظهور طائفة من الأعداء عرف بثاقب بصره العسكري المحنك، أنه يمكن القضاء عليهم بطرق ميسرة وتحول دونما إراقة دماء كثيرة، وهو الهدف الذي كان طالما كان يسعى إليه في صراعه مع أعدائه، كما أنها قد تحقق له من النتائج أفضل ما قد تحققه بعض المعارك الميدانية المكشوفة من إثارة الرعب في نفوس الأعداء، وردع كل من حاول منهم القيام بمثل ما قام به أولئك، مع إخماد ما قاموا به من التحريض وإثارة الفتنة في مهدها، والقصاص العادل من الخونة ومثيري الأحزاب.
فعدو مثل كعب بن الأشرف مرتبط مع الدولة التي يتفيأ ظلال حمايتها بمعاهدة وخاضع لسيادتها، عندما يقوم بتجاهل كل ذلك، فينقض العهد والميثاق ويوالي أعداء الدولة ألا يعتبر خائنًا لها، ومحاربًا مهدور الدم يجب قتله واستئصال شره.
ورجل مثل أبي سفيان بن حرب يخطط لمؤامرة تستهدف حياة النبي ﷺ
[ ١٢٧ ]
ألا يجب معاملته بالمثل على أقل تقدير.
وعدو كخالد بن سفيان الهذلي يؤلب الأعراب ويحشدهم لحرب المسلمين، ألا يكون في القضاء عليه قبل أن يستكمل خطته ويحشد الأعراب فيه تشتيت لشملهم وتجنب خطرهم الداهم وشرهم بأقل قدر ممكن من الخسائر وإراقة الدماء.
كما أن في قتل عدوين مثل "سلام بن أبي الحقيق، واليسير بن رزام من زعماء خيبر تمهيدًا للغزو، وحرمانًا لليهود من زعيمين كبيرين لهما رأي وتدبير١ كما يعتبر قتل سلام بن أبي الحقيق قصاصا عادلا لدوره الكبير في تأليب الأحزاب ضد المسلمين.
وهكذا نرى أن سرايا المغاوير التي أطلقها رسول الله ﷺ نحو الأفراد من أعداء الدولة الإسلامية، قد حققت أغراضها، وأصابت أهدافها بدقة متناهية على الرغم من قلة رجالها وبساطة إمكانياتها موفرة على دولة الإسلام في المدينة الكثير الكثير من الجهد والعناء، وجنبت المسلمين العديد من المعارك، وحقنت الكثير من الدماء، فإن في "تحطيم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود لها"٢.
لقد "استهدفت هذه السرايا إنذار أعداء الدولة الناشئة من غير قريش وحلفائها كاليهود في الداخل وجماعات البدو في الخارج بأن المسلمين قادرون على الرد ومستعدون للتصدي لأي عدوان يستهدف منجزاتهم التي حققوها طيلة أربعة عشر عاما من الجهد والعناء"٣.
_________________
(١) ١ الشريف، مكة والمدينة (ص: ٥٢٥) . ٢ الشريف، مكة والمدينة (ص: ٤٧٣) . ٣ عماد خليل، دراسة في السيرة (ص: ١٧) .
[ ١٢٨ ]
بعث سالم بن عمير إلى عفك
بعث سالم بن عمير الأنصاري لقتل أبي عفك١
تُكَذِّبُ دينَ الله والمرءَ أحمَدا لَعَمْرُ الذي أَمْناك أنْ بئس ما يُمنيِ
حَبَاكَ حنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنَّ
أمامة المريدية
ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦)
_________________
(١) ١ لم ترد في خبر هذه السرية روايات مسندة صحيحة أو حسنة، فكان الاعتماد على روايات أهل المغازي ونقدها باطنيًّا بمقارنتها مع بعضها مع الأخذ بأوثقها قدر المستطاع.
[ ١٢٩ ]
عندما قام رسول الله ﷺ المدينة المنورة دار هجرته بدعوة من الأوس والخزرج الذين آمنوا به وبرسالته ونصروه حتى عُرفوا فيما بعد بالأنصار، ولكن كانت هنالك قلة قليلة منهم بقيت على شركها، وبنو عمرو بن عوف هي إحدى القبائل الأوسية المنضمة إلى حظيرة الإسلام، وقد كانت كغيرها من القبائل الأنصارية، الغالبية العظمى مسلمين، وقليل منهم الذين بقوا على شركهم.
وكان من هؤلاء شيخ كبير١ قد عسا٢، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، يدعى أبا عفك، وكان قد امتلأ قلبه بالحقد والحسد للمسلمين، وهو يرى التفاف الأوس والخزرج على نصرة رسول الله ﷺ وازداد كيده بالإسلام وأهله بعد أن رأى رسول الله ﷺ يزداد قوة وتمكينًا في المدينة وما حولها بعد غزوة بدر٣، فلم يطق لذلك صبرًا، فأخذ ينشد الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ويحرض على عداوته، ويسفه رأي الأنصار لمتابعتهم رسول الله ﷺ ومناصرته٤.
فلما رأى رسول الله ﷺ أنه متمادٍ في غيه، لدرجة أنه يريد تأليب الناس عليه، وإثارة الفتنة والشقاق بين المسلمين ندب الصحابة لقتله قائلًا: "من لي
_________________
(١) ١ يذكر الواقدي، وابن سعد أنه قد بلغ من العمر عشرين ومائة سنة. انظر: الواقدي، مغازي (١/١٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٨) . ٢ العسوس من الرجال إذا قل خيره. ابن منظور، لسان (عس) . ٣ يذكر ابن إسحاق أنه قد نجم نفاقه بعد قتل الحارث بن سويد بأمر رسول الله ﷺ بعد أحد. انظر ابن هشام، سيرة (٣/٨٩، ٣/٦٣٥) وهو بذلك قد خالف الواقدي، وابن سعد اللذين حددا تاريخ هذه الواقعة بشوال على رأس عشرين شهرا. الواقدي، مغازي (١/١٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٨) . ٤ كان مما قاله: لقد عشتُ دهرا وما إن أرى من الناس دارًا ولا مَجمعا أبرَّ عهودًا وأوفى لمن من أولاد قَبلة في جمعِهم يعاقدُ فيهم إذا ما دعا يَهُدُّ الجبالَ ولم يخضعا فصدَّهم راكبٌ جاءهم حلالٌ حرام لشتى معا فلو أن بالعز صدَّقتم أو الملكِ تابعتم تُبَّعا ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦) .
[ ١٣٠ ]
بهذا الخبيث"١. وهنا يتجلى الإيمان في أروع مظاهره، فلا يتطوع لقتل أبي عفك ذلك الخبيث المرجف إلا رجلٌ من قومه٢ شاب مغواري إيماني، من بني عمرو بن عوف، وأحد البكائين في غزوة تبوك، ذلكم هو سالم بن عمير رضي الله عنه٣ حيث نذر على نفسه ليقتلنه أو يموت دونه، فقام بإعداد خطة محكمة للقضاء عليه دون أن يشعر به أحد من أشياعه "فأمهل يطلب له غرة٤ حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله"٥ فتركه سالم ﵁ مضرجًا بدمائه يخور كالثور، حيث ثاب إليه ناس من أصحابه "ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله، وقبروه"٦. متسائلين بدهشة كما يذكر الواقدي "من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به"٧.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق بلا سند. ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦) . ٢ يذكر ابن سعد أن أبا عفك كان يهوديا مع أنه نسبه إلى بني عمرو بن عوف. الطبقات (٢/٢٨) فلا أدري أيقصد بذلك أنه من متهودتهم أم أن ذلك وهم منه، أو نسبه إلى اليهود مجازًا، لأن غالبية المنافقين كانوا يوالونهم، ويجتمعون بهم كثيرا، ويأتمرون فيما بينهم بالمسلمين، كما ذكر القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . قال بعض المفسرين: المراد بشياطينهم من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به رسول الله ﷺ. انظر ابن كثير، تفسيره (١/٥١) والله أعلم. ٣ سالم بن عمير، ويقال بن عمرو، ويقال ابن عبد الله بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرىء القيس بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، ذكره موسى بن عقبة في البدريين، وقال ابن سعد ويونس بن بكير عن ابن إسحاق: هو أحد البكائين. وقال فيه: سالم بن عمرو بن عوف. وكذا قال ابن مردويه من طريق مجمع بن جارية وزاد في نسبه (العمري) يعنب من بني عمرو بن عوف، وقال أبو عمر: شهد العقبة وبدرا، وما بعدها، مات في خلافة معاوية. انظر ابن حجر، إصابة (٢/٥) ويذكر البلاذري أن الذي تطوع لقتل أبي عفك هو علي بن أبي طالب ﵁ ذكر ذلك عن قوم. انظر البلاذري، أنساب الأشراف (٣٧٣) . ٤ غرة: غفلة. اللسان، والقاموس (غرو) . ٥ من رواية ابن سعد بلا سند، طبقات (٢/٢٨) . ٦ المصدر السابق. ٧ الواقدي، مغازي (٢/١٧٥) .
[ ١٣١ ]
فقالت أمامة المريدية١ في ذلك:
تُكَذِّبُ دينَ الله والمَرْءَ أحمدا لَعَمْرُ الذي أَمْنَاكَ أَنْ بِئْسَ ما يُمْني
حبَاكَ حَنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنِّ٢ ٣
_________________
(١) ١ بضم الميم وكسر الراء، كذا في التبصير تبعا للذهبي، وقال في الأنساب بفتحها وعليه جرى ابن الأثير، وبسكون التحتية، وبالدال المهملة بعدها تحتية مشددة، بطن من بلى. وهي المزيرية عند ابن إسحاق، والنهدية عند الواقدي، والربذية عند ابن حجر، وربما تصحف اسمها مبكرٍا. انظر ابن هشام، سيرة مع شرح أبي ذر الخشني (٤/٣٧٧)، والواقدي، مغازي (٢/١٧٥)، وابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة (٥/٤٠٠-٤٠١) وابن حجر، إصابة (٤/٢٣٨)، والشامي، سبل (٦/٣٩) . ٢ رواه ابن سيد الناس عن ابن سعد. عيون الأثر (١/٣٥١) . ٣ الخبر رواه ابن إسحاق بلا سند. ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٥-٦٣٦)، فالخبر بذلك ضعيف من الناحية الحديثية لكنه تاريخي، ويمكن أن يستأنس به تاريخيًّا لرواية أهل المغازي المتخصصين له. والله أعلم.
[ ١٣٢ ]
خبر مقتل المرأة التي كانت تسب النبي صلى لله عليه وسلم
خبر قتل المرأة التي كانت تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم١
_________________
(١) ١ هذا الخبر لا يدخل ضمن نطاق هذا البحث، ولكن بسبب احتمال تعدد القصة أدخلته ضمن السرايا، وخاصة ون كثيرا من أهل المغازي اعتبروها من (سرايا المغاوير) لذلك أدرجته هنا في القسم الخاص بهذه السرايا.
[ ١٣٣ ]
ساق ابن إسحاق، والواقدي بسند واحد منقطع١، وابن سعد، والبلاذري تبعا للواقدي٢، والخطيب البغدادي٣، وابن عساكر٤ بسنديهما٥ عن ابن عباس ﵄ هذا الخبر باعتباره سرية لقتل امرأة من بني خطمة٦ هجت النبي ﷺ، فندب رسول الله ﷺ أصحابه لها فتطوع رجل من قومها٧ لقتلها.
واختلف سياق القصة عند أهل الحديث، فالطبراني يذكر في رواية أخرجها بسنده عن عمير بن أمية ﵁ أنه كانت له أخت تشتم النبي ﷺ
_________________
(١) ١ كلاهما عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦)، والواقدي، مغازي (١/١٧٤) . قلت: الحارث بن الفضيل ثقة من السادسة. ابن حجر، تقريب (١٤٧)، أما ابنه عبد الله فلم أعثر له على ترجمة. وإن صح السند إلى الحارث تبقى علة الانقطاع، والله تعالى أعلم. ٢ ابن سعد، طبقات (٢/٢٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧٣) . ٣ ذكر ذلك الخطيب في ترجمة مسلم بن عيسى. انظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (١٣/٩٩) . ٤ ذكره ابن عساكر في ترجمة أحمد بن أحمد البلخي. انظر محمد بن مكرم. ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/٥-٦) . ٥ لكن في سنديهما مجالد بن سعيد: ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. ابن حجر، تقريب (٥٢٠) . ٦ سماها أهل المغازي بالعصماء بنت مروان. ونسبوها إلى بني أمية بن زيد، وأنها كانت تؤذي النبي ﷺ وتعيب الإسلام. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦-٦٣٧) والواقدي، مغازي (١/١٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٧) في حين يذكر البلاذري أنها كانت يهودية. انظر البلاذري، أنساب (٣٧٣)، وذكر ذلك أيضا السهيلي نقلا عن مصنف حماد بن سلمة، وذكر أنها كانت تطرح المحائض في مسجد بني خطمة، فأهدر رسول الله ﷺ دمها. السهيلي، الروض الأنف (٧/٥٣٢)، وقد حاول الزرقاني الجمع، فقال: ولا يعارض كونها يهودية نسبة من نسبها إلى بني أمية بن زيد وهو في الأنصار لجواز أنها منهم بالحلف، أو لكون زوجها منهم، أو نحو ذلك. انظر الزرقاني في شرحه المواهب اللدنية للقسطلاني (١/٤٥٣-٤٥٤) . هذا ولم يرد إسمها في روايتي الخطيب وابن عساكر، بل إنهما نسباها إلى بني خطمة فقط. الخطيب، تاريخ (١٣/٩٩)، وابن منظور، مختصر تاريخ دمشق (٣/٥-٦) . ٧ وضحت روايات أهل المغازي اسمه وصفته في حين أبهمته روايتا الخطيب وابن عساكر، وورد في ترجمته عند ابن حجر ما نصه: "عمير بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمَة، كان أبوه عدي شاعرًا، وأخوه الحارث قُتل بأحد، وهو الأنصاري، ثم الخطمي، ذكره ابن السكن في الصحابة، وقال: هو البصير الذي كان رسول الله ﷺ يزوره في بني واقف، ولم يشهد بدرا لضرارته. ابن حجر، إصابة (٣/٣٤)، وانظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦-٦٣٧)، والواقدي، مغازي (١/١٧٤-١٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧٣) .
[ ١٣٤ ]
وكانت مشركة فقتلها تطوعا منه دون أن يندبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولأجل ذلك اعتبرها ابن حجر قصتين مختلفتين ووهَّم تبعا لذلك ابن عبد البر لخلطه بينهما٢.
أما السهيلي فخلط بين روايات أهل المغازي، وروايتي أبي داود والنسائي٣ التي أخرجاها بسند حسن عن ابن عباس ﵄ وفيها: أن رجلا أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ وكانت له أم ولد تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ، فقتلها٤.
كما أخرج أبو داود أيضا عن الشعبي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت٥.
وإذا نظرنا إلى هذه القصة نجد أن هناك اضطرابا كبيرا في الروايات التي
_________________
(١) ١ الطبراني، المعجم (١٧/٦٤) وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني عن تابعين أحدهما ثقة، وبقية رجاله ثقات، مجمع الزوائد (٦/٢٢٠) . قلت: في سنده يعقوب بن حميد، صدوق ربما وهم، ابن حجر، تقريب (٦٠٧)، ولم أجد ترجمة شيخ الطبراني ولا ترجمة التابعين اللذين ذكرهما الهيثمي. ٢ انظر ابن حجر، إصابة، ترجمة عمير بن أمية (٣/٢)، وانظر ابن عبد البر، استيعاب، هامش الإصابة (٢/٤٩٠-٤٩١) . ٣ قال السهيلي في الروض: "وذكر ابن هشام مقتل العصماء بنت مروان، وفي خبرها قال رسول الله ﷺ: "لا ينتطح فيها عنزان"، وكانت تسب رسول الله ﷺ فقتلها بعلها على ذلك، فقال رسول الله ﷺ: "اشهدوا أن دمها هدر". السهيلي، الروض (٧/٥٣٢)، وقد حاول الحلبي الجمع فقال: وقد يقال لا مخالفة لأن عميرا جاز أن يكون بعلا لها قبل مرثد بن زيد. الحلبي، سيرة (٣/١٤٦) . قلت: وقع تصحيف عند الحلبي في اسم زوج عصماء حيث لم يرد الاسم بهذا الشكل إلا عنده، وعند الجميع (يزيد)، كما أنه لم يرد ترجمة لمرثد في لإصابة، ولا الاستيعاب مما يقوي الظن بوقوع التصحيف. والله أعلم.. ٤ انظر محمد بن إسماعيل الكحلاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام (٣/٢٦٦)، والنسائي، سنن (٤/١٠٧-١٠٨)، والألباني، صحيح سنن النسائي (٣/٨٥٣-٨٥٤) وقال عنه: صحيح الإسناد، وأبو داود، سنن (٢/٥٢٨-٥٢٩) . قلت: في السند عثمان بن الشحام لا بأس به. ابن حجر، تقريب (٣٨٧) وبقية رجاله ثقات، ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٥٤) وقال عنه: هذا حديث صحيح إن شاء الله على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. كما أخرج الحديث الدارقطني، سنن (٤/٢١٦-٢١٧) . ٥ أبو داود سنن (٤/٥٣٠) وقال عنه ابن تيمية: "وهذا الحديث جيد، فإن الشعبي رأى عليًّا وروى عنه حديث شراحة الهمداني، وكان على عهد عليّ قد ناهز العشرين سنة، وهو كوفي، فقد ثبت لقاؤه فيكون=
[ ١٣٥ ]
نقلتها مما يدعونا إلى الاعتقاد باحتمال تعددها، وبسبب ذلك، واستنادا إلى منهجي في هذا البحث فسوف أعتمد إن شاء الله تعالى على رواية التي أعتقد أنها الأصح بين تلك الروايات، وهي رواية ابن عباس ﵄ في السنن التي ذكرت: "أن أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ، وكانت له أم ولد١ شقية انزلقت في مهاوي الضلال، فأعماها الحقد والحسد للإسلام وأهله، مما جعلها "تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ، وتسبه، فيزجرها فلا تنزجر وينهاها فلا تنتهي"٢ فضاق بها ذرعًا لتماديها في أمر لا يُصبر على مثله، فقرر القضاء عليها على الرغم من حاجته الماسة إليها لضرارته، فضلا عن كونها أمًّا لولده، ولكن الإيمان وحب الله ورسوله ﷺ وموالاتهما لا يدانيه حب مهما بلغ "فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول٣ فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل٤ فلطخت ما هناك بالدم"٥.
وفي صباح اليوم التالي يصل الخبر إلى رسول الله ﷺ، فأمر بجمع الناس، ثم قام فيهم خطيبا كعادته حينما يحدث أمر ما فقال: "أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام" ٦.
_________________
(١) =الحديث متصلا، ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي فهو حجة وفاقا؛ لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل، لا يعرف له مرسلا إلا صحيحا، ثم هو من أعلم الناس بحديث علي وأعلمهم بثقات أصحابه". هذا وقد ذكر ابن تيمية أنه يمكن أن تكون هذه القصة والتي قبلها واحدة، ويمكن أن تكون غيرها، كما أنه ساق قصة العصماء بنت مروان على اعتبار أنها قصة منفصلة. انظر شيخ الإسلام ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول (٦١-٦٨-٦٩-٩٥) . ١ من رواية النسائي عن ابن عباس ﵄ انظر. النسائي، سنن (٤/١٠٧)، والألباني، صحيح سنن النسائي (٤/٨٥٣) . ٢ المصدر السابق. ٣ المغول: حديدة رقيقة لها حد ماض وقفا. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث (غول) . ٤ ربما كانت حاملا عندما قتلها فأسقطت ما في بطنها، أو أنه أحد ولديهما الصغيرين وقع بين رجليها، والله أعلم. ٥ من رواية أبي داود عن ابن عباس ﵄. انظر أبي داود سنن (٤/٥٢٨-٥٢٩) . ٦ المصدر السابق.
[ ١٣٦ ]
فما كان من الرجل وهو يسمع مناشدة رسول الله ﷺ له بد من إجابته، فقام يتخطى الناس مضطربا حتى قعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت أم ولدي، وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتمك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر١ ثم شرح له بالتفصيل كيف قتلها، عند ذلك قال لهم رسول الله ﷺ: "ألا اشهدوا أن دمها هدر"٢.
يتضح لنا من سياق هذه القصة مدى الحب الطاغي المسيطر على قلوب أصحاب النبي ﷺ له، فهذا رجل ضرير لديه مثل هذه المرأة الرفيقة به، اللطيفة معه على ما به من الضرارة، علاوة على أنها أم لولديه الصغيرين، ومع ذلك كله قتلها غضبا لله ﷿ ولرسوله ﷺ لم تمنعه حاجته الشديدة لها، ولم يغره لطفها ورفقها به، ولم يشفع لها عنده أمومتها لولديه الصغيرين، لأنه ممن كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وهكذا المؤمن الكامل الإيمان يقدم حبّ الله ﷿ ورسوله ﷺ وموالاتهما على كل شيء آخر حتى لو كان نفسه، قال الله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.
ومما نستنبطه من هذا الخبر والذي قبله: أن سابَّ النبي ﷺ مهدر الدم، فقد ذكر كل من المنذري والخطابي، أنه لا خلاف في أن سابه من المسلمين
_________________
(١) ١ من رواية النسائي عن ابن عباس ﵄ انظر النسائي، سنن (٤/١٠٧) والألباني، صحيح سنن النسائي (٤/٨٥٣) . ٢ من رواية أبي داود، والنسائي عن ابن عباس ﵄ انظر أبي داود سنن (٤/٥٢٩)، والنسائي، سنن (٤/١٠٨) . ٣ المجادلة (٢٢) .
[ ١٣٧ ]
يجب قتله، وأما الخلاف إذا كان ذميّا، فقال الشافعي: يقتل وتبرأ منه الذمة، وقال أبو حنيفة: لا يقتل، ما هم عليه من الشرك أعظم. وقال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذلك قال أحمد بن حنبل١.
وقال ابن بطال: "اختلف العلماء فيمن سب النبي ﷺ فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبه ﷺ إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي، وأحمد، وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه، وروي عن الأوزاعي ومالك – في المسلم – أنها ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين: إن كان ذميًّا عُزِّر، وإن كان مسلما فهي ردة، وحكى عياض خلافا: هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو مصلحة التأليف؟ ونقل عن المالكية: إنه إنما لم يقتل اليهود اللذين كانوا يقولون له السام عليك، لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به، فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل: إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم، وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السب، بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه، ولذلك قال في الرد عليهم: وعليكم، أي: الموت نازل علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به، كذا في النيل٢.
وقد حكى ابن تيمية إجماع أهل العلم على قتل من سب النبي ﷺ مسلما كان أو كافرا٣.
ومما نستنبطه أيضا: اعتبار قول الرسول ﷺ: "ألا اشهدوا أن دمها هدر" سنة في الأصل في إشهاد الحاكم على نفسه بإنفاذ القضاء، قاله الدارقطني"٤.
_________________
(١) ١ أبو داود، سنن (٤/٥٢٨-٥٢٩) حاشية (٣)، وأبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود (١٢/١٦-١٧) . ٢ أبو الطيب محمد العظيم آبادي، عون المعبود (١٢/١٧) . ٣ ابن تيمية، الصارم المسلول (٣) . ٤ الدارقطني، سنن (٤/٢١٧) .
[ ١٣٨ ]
البعث إلى كعب بن الأشرف
بعث محمد بن مسلمة وأصحابه لقتل كعب بن الأشرف
"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"
رسول الله ﷺ
ابن حجر، فتح (٦/١٥٨)
[ ١٣٩ ]
يقع حصن كعب بن الأشرف جنوب المدينة، وهو الآن جنوب شرق مسجد قباء على يمين الذاهب إلى سد بطحان ويبعد عنه حوالي ٢/١كم، وهو مبنى مربع الشكل تقريبا، ومبني من حجارة الجرانيت وهي حجارة حرة المدينة القريبة من الحصن، ويتكون الحصن من عشر غرف تقريبا متقابلة وفي أركانه أبنية ضخمة ربما كانت أبراجا للحصن،كما يقع في ركنه الشرقي بئر يدويه، ربما كانت البئر التي كان يشرب منها أهل الحصن، ويوجد للحصن باب من الناحية الغربية ربما كان بابه الرئيسي، كما يوجد بجانب أحد الغرف آثار سلم هذا وقد تحطمت وتهدمت معظم جدران الحصن وخاصة من الناحية الشرقية أما آثاره الباقية فهي كما ترى في اللقطات المصورة.
[ ١٤٠ ]
كعب بن الأشرف النضري من زعماء يهود المدينة، وأحد كبار أحبارهم١ أضمر الحقد والحسد للنبي ﷺ منذ اللحظة التي وصلته فيها أخبار بعثته للناس هاديا ومبشرًا ونذيرًا٢.
وعند وصول النبي ﷺ إلى المدينة وعقده الحلف الدستوري مع اليهود كان كعب بن الأشرف أحد المشاركين في هذا الحلف مع قبيلته بني النضير، فأصبح بذلك فردا من أفراد الدولة الناشئة في المدينة له حقوق وعليه واجبات بموجب الدستور الموقع من قبل الأطراف المعنية٣، إلا أن ذلك لم يردعه عن أذية رسول الله ﷺ حيث "كان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش"٤.
ويستمر كعب متماديا في غيه، فيذكر ابن إسحاق عن جمع من شيوخه٥ أنه استنكر مندهشًا النتيجة التي آلت إليها غزوة بدر، وأنه لما تيقن من صدق الخبر "ركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله ﷺ"٦
_________________
(١) ١ يذكر موسى بن عقبة أنه كان أحد بني النضير وقيمهم. البيهقي، دلائل (٣/١٩٠)، ويذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان عربيًّا من بني نبهان من طيء، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية، ثم أتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، شاعرا، ساد يهود الحجاز بكثرة ماله. انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٧)، وابن هشام، سيرة (٣/٥١)، والزرقاني، شرح (٢/٨) . ٢ يذكر الزرقاني عن بعض المصادر أن كعبا هدد بقطع صلته المعتادة لأحبار يهود بني قريظة وقينقاع عندما أقروا بنبوة رسول الله ﷺ، وأنه ما زال بهم حتى تراجعوا عن قرارهم ذلك. الزرقاني، شرح (٢/٨)، وروى الطبري عن الزهري وقتادة أنه نزل فيه قوله تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية [البقرة: ١٠٩]، تفسير الطبري (١/٤٨٧) . ٣ أخرج البيهقي، وابن تيمية عن ابن أبي أويس – وهو صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه. التقريب (١٠٨) بسند فيه إبراهيم بن جعفر – لم أعثر على ترجمته - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله. البيهقي، دلائل (٣/١٩٤)، وابن تيمية، الصارم المسلول (٧١) . وانظر في حلف رسول الله ﷺ مع اليهود، محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية (٣٩-٤٠) والدكتور أكرم العمري، المجتمع المدني في عهد النبوة خصائصه وتنظيماته الأولى (١٢١-١٢٢) . ٤ رواه أبوداود، السنن (٨/٢٢٨)، وانظر الألباني، صحيح سنن أبي داود (٢/٥٨١) . ٥ ابن إسحاق، سيرة (٢٩٧)، وابن هشام، سيرة (٣/٥١)، وشيوخ ابن إسحاق فيهم الثقات والضعفاء وقد جمع كلامهم دون تمييز، وذكر ذلك الواقدي، مغازي (١/١٨٥)، وابن سعد، طبقات (٢/٣٢) . ٦ من مراسيل عروة. انظر ابن سيد الناس، عيون (١/٣٥٧) والزرقاني، شرح (٢/٩-١٠) اللذان أخرجاه من طريق ابن عائذ، ومغازي ابن عائذ مفقودة.
[ ١٤١ ]
كما أنه لفرط عداوته لرسول الله ﷺ، وما جاء به من الحق المصدق لما معه من الكتاب، نسي المبادىء والتعاليم التوراتية التي يدَّعي أنه يؤمن بها ويدافع عنها، نسي ذلك أو أنه تناساه عمدا، فشهد لحماة الوثنية قريش بأن وثنيتهم وشركهم خير من التوحيد الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وقد وضح القرآن الكريم ذلك التناقض بقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢.
ولم يكتف كعب بكل ذلك، بل إنه حالف قريشا على قتال رسول الله ﷺ ثم قدم المدينة معلنًا لمعادة النبي ﷺ وهجاء المسلمين٣ فأصبح بذلك عدوًّا مستأمنًا بعهد لم يرع ذمامه، ومواطنَ دولة خان دستورها، فكان لزاما أن يُعاقب بجريمته، ويلقى جزاء خيانته، وحتى لا يثير قومه فيتحزبوا معه إذا طالبهم بتسليمه أو على الأقل يدبروا أمر هروبه بعيدا فلا تطوله يد العدالة خاصة وهو من كبار زعمائهم، لذلك رأى رسول الله ﷺ أن خير وسيلة يتم بها التخلص منه هي بقتله سرًّا دون علم قومه، فندب الصحابة لذلك قائلا: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله" ٤ ويتطوع لهذه المهمة الصعبة
_________________
(١) ١ وقع ذلك في عدة روايات، البعض منها مرسل والآخر متصل ضعيف، ولكنها تتضافر فيما بينها لإكسابها القوة لاختلاف طرقها. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٧٢)، والطبري، تفسير (٤/٢٠١/، ٥/١٣٤-١٣٥)، والبيهقي، دلائل (٣/١٩٠-١٩٣-١٩٤)، والواحدي، أسباب (١٨٧-١٨٨)، وابن سيد الناس، عيون (١/٣٥٧)، وابن كثير، تفسير (٧/٥١١)، والزرقاني، شرح (٢/٩-١٠)، وباقشيش، مرويات (١/٢٩٦) . ٢ النساء: (٥١) . ٣ المصادر السابقة، وذكر ابن حجر في الإصابة: أن السراج أخرج في تاريخه قصة كعب وفيها أنه كان يحرض القبائل الغطفانية ضد رسول الله ﷺ. إصابة، ترجمة أبي نائلة (٤/١٩٥) . ٤ ابن حجر، فتح (٦/١٥٨-١٥٩-١٦٠، ٧/٢٢٦)، ومسلم (١٢/١٦١)، ووقع في رواية أبي داود عن الزهري أن النبي ﷺ أمر سعد بن معاذ ﵁ أن يبعث رهطا فيقتلوه فبعث إليه سعد بن معاذ محمد بن مسلمة وأصحابه. قلت: حلَّت رواية عروة هذا التعارض، ففيها أن رسول الله ﷺ قال لمحمد بن مسلمة: إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، فقال: فشاوره. ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) . قال الزرقاني: وجمع شيخنا بين هذا الروايات بأنه سأل خصوص سعد مرة ثم قال: من لنا بابن الأشرف مرة ثانية، شرح (٢/٩-١٠) .
[ ١٤٢ ]
مغوار أنصاري من بني عبد الأشهل يذكر بعض أهل السير أنه كان أخًا لكعب من الرضاعة١ إنه محمد بن مسلمة رضي الله عنه٢ الذي قام فقال: "يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ " قال: "نعم"، قال: "فأْذن لي أن أقول شيئا٣.
ويذكره عروة: أن محمد بن مسلمة تشاور مع سعد بن معاذ ﵁ بناء على أمر رسول الله ﷺ، فاتفق معه على خطة استدراجية يطمئن بها كعب إليه فلا يشك بنواياه تجاهه، فقال له سعد: "توجه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاما"٤.
فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: "إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنَّانا، فلما سمعه قال: وأيضا والله لتملَّنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترْهُنني، قال: ما تريد؟، قال: تَرْهُنني نساءكم، قال: أنت أجمل
_________________
(١) ١ قال النووي والزرقاني: ذكر أهل السير: أن أبا نائلة كان رضيعا لابن مسلمة، فتحصل أن أبا نائلة رضيع لمحمد وكعب. مسلم بشرح النووي (١٢/١٦٢) ويذكر ابن حجر رأيا آخر فيقول: إن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته، وذلك كما في مرسل عكرمة: "فقال: محمد بن مسلمة هو خالي" ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) . ٢ هو محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي، وهو ممن سُمي في الجاهلية محمدا، أسلم قديما على يدي مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، وشهد المشاهد: بدر وما بعدها، إلا غزوة تبوك، تخلف بإذن النبي ﷺ له أن يقيم بالمدينة. كان من فضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل أو الصفين. وقال ابن الكلبي: ولاه عمر على صدقات جهينة، وقال غيره: كان عند عمر مُعدًّا لكشف الأمور المعضلة في البلاد. قال ابن شاهين: سكن المدينة ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان. قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة، وأرخه المدائني سنة ثلاث وأربعين، وقال ابن أبي داود: قتله أهل الشام، وكذا قال يعقوب بن سفيان في تاريخه. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٤٤٣-٤٤٤-٤٤٥)، وابن عبد البر، استيعاب هامش الإصابة (٣/٣٣٤-٣٣٥)، وابن حجر، إصابة (٣/٣٨٣-٣٨٤) . ٣ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٥) . ٤ انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) .
[ ١٤٣ ]
العرب، أنرهنك نساءنا، قال له: ترهونني أولادكم قال: يُسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللأمة (يعني السلاح)، قال: نعم"١.
وواعده أن يأتيه ومعه أبو نائلة –وهو أخو كعب من الرضاعة-٢ وذلك زيادة لاطمئنانه، وثلاثة نفر من الأوس كانوا هم قوة السرية التي توجهت لقتله. وقد اختلفت المصادر في تسميتهم، وعددهم٣.
_________________
(١) ١ من رواية مسلم. مسلم بشرح النووي (١٢/١٦١-١٦٢) وعند أهل المغازي أن الذي جاءه هو أبو نائلة أخوه من الرضاعة. انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٨)، وابن هشام، سيرة (٣/٥٥)، والواقدي، مغازي (١/١٨٧)، وابن سعد، طبقات (٢/٣٢) . قال الشامي: وجلّ أهل المغازي على أنه أبو نائلة، ورجح ذلك الدمياطي. الصالحي، سبل (٦/٤٨)، وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون كلا منهما كلّمه في ذلك. وفي مرسل عكرمة: في الكل بصيغة الجمع؛ قالوا". ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) . ٢ اسمه سلكان بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي أخو سلمة بن سلامة بن وقش، وقيل: اسمه سعد، وسلكان لقب وهو مشهور بكنيته، شهد أحدا وغيرها، وكان شاعرا ومن الرماة المذكورين. ابن عبد البر، استيعاب هامش الإصابة (٤/١٩٦)، وابن حجر، إصابة (٤/١٩٥) . قلت: اسمه واسم آبائه ورضاعه مع كعب يعطي إشارة ولو غير مباشرة إلى الاندماج الشديد الذي كان بين الأوس وحلفائهم من اليهود. ٣ اختلفت المصادر في قوة السرية، فغالبية أهل المغازي، ومسلم، والبخاري عن غير عمرو بن دينار ذكروا أنهم كانوا خمسة مغاوير أَوْسِيُّون هم محمد بن مسلمة، وأبو نائلة، وعباد بن بشر، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبير. انظر البخاري، الصحيح (٥/٢٦)، ومسلم بشرح النووي (١٢/١٦٢)، عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٣)، وابن إسحاق، سيرة (٢٩٨)، والواقدي، مغازي (١/١٨٧)، وابن سعد، طبقات (٢/١٩٧-١٩٨) . ويذكر ابن حجر في روايات يشير إليها في الفتح أن عددهم كان ثلاثة فقط، ثم إنه رجح روايات أهل المغازي، وبعد ذلك يحاول الجمع فيقول ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة، وفي الأخرى خمسة. ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨-٣٣٩) . أما الطبراني فيروي لنا روايتين الأولى موصولة عن عبادة بن الصامت ﵁: يذكر فيها أنهم كانوا ثلاثة. الهيثمي، مجمع (٦/١٩٦)، وقال عنها: وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة، وبقية رجاله ثقات، والثانية مرسلة عن عروة وفيها أن سعد بن معاذ بعث الحرث بن أوس مع محمد بن مسلمة. الهيثمي، مجمع (٦/١٩٦)، وقال عنها: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن. هذا بالنسبة لعددهم. أما أسماؤهم وصلتهم بكعب فإضافة إلى ما ذكرناه سابقا حول هذا الموضوع يضيف البلاذري معلومة أخرى فيذكر أن عباد بن بشر أخا لكعب من الرضاعة أيضا مستدلا بقصيدته التي يقول فيها: قعدت له فقال: من المنادي؟ فقلت: أخوك عباد بن بشر=
[ ١٤٤ ]
وفي ليلة مقمرة –حددها ابن سعد بأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة١ في حين ذهب جمهور العلماء أن ذلك كان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة بني النضير دونما تحديد٢- شيَّع رسول الله ﷺ أصحاب السرية إلى بقيع الغرقد، كما يروي ابن إسحاق بسند حسن، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم"، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته٣.
وأقبلوا حتى أتوا حصن كعب بن الأشرف الذي يذكر أهل المغازي أنه حديث عهد بعرس، وأنهم حينما هتفوا به وثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب٤. وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة٥، "قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب"٦.
وكان محمد بن مسلمة قد اتفق مع أصحابه على كيفية قتله، "فقال: إذا ما جاء فإني قائل٧ بشعره فأشمه، ثم أشمكم، فإذا رأيتموني استمكنت
_________________
(١) =البلاذري، أنساب (٣٧٤) . أما موسى بن عقبة فيذكر أن كعبا هو المكنى بأبي نائلة وليس سلكان الذي ذكر أن كنيته أبو ليلى. البيهقي، دلائل (٣/١٩٢) . ١ ابن سعد، طبقات (٢/٣١) . ٢ ذكر ذلك الدكتور أكرم العمري، المجتمع المدني، خصائصه وتنظيماته الأولى (١٤١) . ٣ انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٨-٢٩٩)، وحسنَّ ابن حجر إسناده. ابن حجر فتح (٧/٣٣٨)، وأخرجه عن ابن إسحاق الإمام أحمد، الفتح الرباني (٢١/٤٩)، والبزار. الهيثمي، كشف الأستار عن زوائد البزار (٢/١٣٠-١٣١)، والطبراني، معجم (١١/٢٢١) وقال الهيثمي: وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٦/١٩٦) . قلت: ولكن ابن إسحاق صرَّح بالتحديث فانتفت شبهة التدليس، كما أخرج الحديث عن ابن إسحاق بن راهويه. انظر السيوطي، الخصائص الكبرى (١/٥٢٧) . ٤ هذا اعتراف ضمني من امرأة كعب بأنه عدو محارب للمسلمين، ولكن كيف نُقل عنها ما قالت فلعلها حدثت به نفسها، أو لعله نُقل ما حدثت به للصحابة الذين قتلوه. ٥ انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٩)، وابن هشام، سيرة (٣/٥٦)، والواقدي، مغازي (١/١٨٩)، وابن سعد طبقات (٢/٣٢)، وابن عبد البر، درر (١٥٢) . ٦ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٦) . ٧ من باب إطلاق القول على الفعل. ابن حجر، فتح (٧/٣٣٩) .
[ ١٤٥ ]
من رأسه فدونكم اضربوه، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب-"١.
فقال كعب مفتخرًا:"نعم تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب"٢ فقال محمد بن مسلمة: "أتأذن لي أن أشم رأسك؟، فشمه، ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟، قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه"٣٤.
"فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا إلى النبي ﷺ، فقالوا: طُرق صاحبنا فقُتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه. فكتب النبي ﷺ بينه وبين المسلمين عامة صحيفة"٥
_________________
(١) ١ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٥-٢٦)، وابن حجر، فتح (٧/٣٣٧) . ٢ من رواية مسلم بشرح النووي (١٢/١٦٣) . ٣ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٥-٢٦)، وابن حجر، فتح (٧/٣٣٧) . ٤ الحديث صحيح بمجموع طرقه، فقد رواه البخاري في مواضع متفرقة من صحيحه. انظر البخاري الصحيح، كتاب المغازي (٥/٢٥-٢٦)، وابن حجر، فتح، كتاب الجهاد (٦/١٥٩-١٦٠)، كما رواه مسلم بشرح النووي (١٢/١٦٠-١٦١-١٦٢-١٦٣)، وأبو داود، سنن (٣/٢١١-٢١٢)، ونسبه المنذري النسائي. قلت: أخرجه النسائي في كتابه السنن الكبرى، كتاب السير (٢/٥) . وروى الزهري الحديث مرسلا عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٣-٢٠٤)، وشمس الحق آبادي، عون المعبود (٨/٢٢٨-٢٢٩-٢٣٠)، وذكر في الشرح أنه ربما يكون الحديث مسندا إلى كعب. وإلى ذلك ذهب الألباني فأورده في صحيح سنن أبي داود (٢/٥٨١-٥٨٢)، وقال عنه: صحيح الإسناد. وانظر البيهقي، دلائل (٣/١٩٦-١٩٧-١٩٨)، وابن كثير، تفسير (١/٥١١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٩٦-٢٩٧-٢٩٨)، وروى ابن إسحاق طرفا من الحديث بإسناد حسن، والباقي رواه مرسلا منقطعا. ابن إسحاق، سيرة (١/٢٩٧-٢٩٨-٢٩٩-٣٠٠)، وابن هشام، سيرة (٣/٥١-٥٢-٥٣-٥٤-٥٥-٥٦-٥٧-٥٨)، كما رواه بقية أهل المغازي. انظر الواقدي، مغازي (١/١٨٤-١٨٥-١٨٦-١٨٧-١٨٨-١٩٠-١٩١-١٩٢)، وابن سعد، طبقات (٢/٣١-٣٢-٣٣-٣٤)، والبلاذري، أنساب (٣٧٤)، وابن حزم، جوامع (١٥٤-١٥٥)، وابن عبد البر، درر (١٥٠-١٥١-١٥٢)، والعامري، بهجة (١/١٩١-١٩٢)، والمقريزي، إمتاع (٦/١٠٨-١٠٩-١١٠) ن والحلبي، سيرة (٣/١٤٦-١٤٧-١٤٨-١٤٩-١٥٠)، والشامي، سبل (٦/٤٠-٤١-٤٢-٤٣-٤٤-٤٥-٤٦) . ٥ انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٤)، والألباني، صحيح سنن أبي داود (٢/٥٨١) واللفظ له، والبيهقي، دلائل (٣/١٩٨) . وعنده"فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة". وذلك أتم.
[ ١٤٦ ]
"وقد يبدو مقتل ابن الأشرف متسمًا بالغدر، ولكن صاحب النظر الفاحص، والبصيرة النافذة يدرك أن ابن الأشرف معاهد بموجب الصحيفة التي التزم فيها يهود بني النضير مع الآخرين، وأنه بهجائه للنبي ﷺ، وهو رئيس الدولة بالنسبة لابن الأشرف، وبإظهاره التعاطف مع أعداء المسلمين ورثاء قتلاهم، وتحريضهم على المسلمين يكون قد نقض العهد وصار محاربا مهدور الدم، وأما استدراجه ممن يثق بهم وقتله بالخديعة، فإنه جائز مع المحارب، وقد تم بأمر رسول الله ﷺ"١.
هذا وقد ذكر ابن القيم أن قتل ساب النبي ﷺ جائز بإجماع الخلفاء الراشدين ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، فإن الصديق ﵁ قال لأبي برزة وقد هم بقتل من سبه: لم يكن هذا لأحد غير رسول الله ﷺ. ومر عمر ﵁ براهب، فقيل له: هذا يسب رسول الله ﷺ، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا ﷺ.
فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يقتل عبد الله بن أُبي وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل، فإنك لم تعدل، ولم يقتل من قال له: يقولون: إنك تنهى عن الغي وتستخلي به، ولم يقتل القائل له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: إن كان ابن عمتك، وغير هؤلاء، قيل: الحق كان له فله أن يستوفيه، وله أن يسقطه، وليس لمن بعده أن يسقط حقه، كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه، وله أن يسقط، وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة في حياته زالت بعد موته من تأليف الناس، وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه، لنفروا، وقد أشار إلى هذا
_________________
(١) ١ الدكتور أكرم ضياء العمري: المجتمع المدني، خصائصه وتنظيماته الأولى (١٤٢-١٤٣) .
[ ١٤٧ ]
بعينه، وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: "لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه. ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجحت جدًّا قَتَلَ الساب، كما فعل بكعب بن الأشرف فإنه جاهر بالعداوة والسب فكان قتله أرجح من إبقائه، وكذلك قَتَلُ ابن خطل، ومقيس، والجاريتين، وأم ولد الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة، وكف للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه، لم يكن لهم أن يسقطوا حقه"١.
ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذيةً ونكاية لنا من المحاربة باليد ومنع دينار جزية في السنة، فكيف يُنقض عهده ويُقتل بذلك دون السب، وأي نسبة لمفسدة منعه دينارًا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسب نبينا أقبح سب على رءوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب، فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سب رسول الله ﷺ، ولا ينتقض عهده بشيء أعظم منه إلا سبه الخالق سبحانه. فهذا محض القياس ومقتضى النصوص، وإجماع الخلفاء الراشدين ﵃ وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلا٢.
وقال الزرقاني: واستشكل قتله على هذا الوجه –وأجاب المنازري: بأنه إنما قتله كذلك لأنه نقض عهد النبي ﷺ وهجاه وسبه، وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدًا، ثم جاءه مع أهل الحرب معينًا عليه.
قال عياض: ولا يحل لأحد أن يقول إن قتله كان غدرًا، وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به فضُربت عنقه، وإنما يكون الغدر
_________________
(١) ١ ابن القيم، زاد (٣/٤٤١) . ٢ ابن القيم، زاد (٣/٤٤٠) .
[ ١٤٨ ]
بعد أمان موجود، وكعب قد نقض عهده ﷺ، ولم يؤمنه محمد ورفقته لكنه استأنس بهم فتمكنوا منه من غير عهد ولا أمان، وقيل: لأن محمد بن مسلمة لم يصرح له بالأمان في شيء من كلامه، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء، واشتكى إليه وليس في كلامه عهد ولا أمان١.
وساق الخطابي والبيهقي بسنديهما عن عباية بن رافع قصةً مشابهة للقصة التي أوردها عياض، وملخصها أنه ذكر قتل كعب بن الأشرف في مجلس معاوية، فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا، فلم ينكر عليه معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة وحلف أن لا يجالس معاوية أبدًا٢. وهذه الرواية فيها اضطراب في متنها، فقد روى الواقدي بسنده٣ ما يفيد أن هذه القصة وقعت في مجلس مروان بن الحكم الذي كان أميرا على المدينة، كما روى عبد الرزاق في مصنفه موقفا آخر مماثلًا وقع لأبي عبس ﵁ أحد المشاركين في هذه السرية٤. مما يدعونا إلى الاعتقاد بضعف الرواية.
ولا أظن أن يكون مثل هذا الموقف السلبي يصدر من صحابي جليل كمعاوية. والله تعالى أعلم..
وربما يلتبس على البعض أن قَتْلَ كعب بن الأشرف يتعارض مع بعض الأحاديث الناهية عن الفتك والغدر، ولكن اللبس هنا مرفوع؛ فالغدر لا يكون إلا بإنسان له عهد وميثاق ملتزم بهما غير ناكث لهما، وإلا قيل إن غزو مكة وفتحها كان غدرًا لوجود العهد والميثاف المبرم في صلح الحديبية. وكعب بن الأشرف علاوة على عدم التزامه بميثاق الدولة التي يعتبر أحد أفرادها جاهر بعداوته للمسلمين ولقائد الدولة، وأخذ يحرض عليهم، ولم يقتصر الأمر
_________________
(١) ١ الزرقاني، شرح (٢/١٣)، ولم أجد قول عياض الذي نقله في كتابه الشفا. ٢ انظر البيهقي، دلائل (٣/١٩٣)، والخطابي، معالم السنن، شرح السنن لأبي داود (٣/٢١٢-٢١٣) . ٣ الواقدي، مغازي (١/١٩٢-١٩٣) . ٤ عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٤) .
[ ١٤٩ ]
بفداحته على ذلك، بل سافر إلى عدوهم وعاهدهم على قتال المسلمين، وكان كل ذلك كافيا لإظهار عداوته، ولكنه عندما رجع إلى المدينة صار يؤذي المسلمين –وهم أفراد مساوون له في الحقوق تحت ظل دولة واحدة غير مكترث ولا عابىء- وذلك بهجائهم والتشبيب بنسائهم، وهو أمر عظيم كانت الدماء تسيل فيه أودية في الجاهلية فكيف وقد أعز الله المسلمين بالإسلام.
هذا وقد روي عن ابن إسحاق بسند فيه مجهولان، والواقدي عن شيوخه: أن رسول الله ﷺ لما أصبح من الليلة التي قُتل فيها ابن الأشرف قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة –رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم-فقتله، فكان ذلك سببا في إسلام أخيه حويصة بعد نقاش حاد دار بينهما١.
وهذه الرواية إضافة إلى ضعف سندها، خالفتها رواية أخرى ذكرها ابن هشام في سبب إسلام حويصة متأخرة كثيرا عن قصة كعب بن الأشرف٢، كما يزيد في ضعفها مخالفتها لأصل من أصول الشريعة، وهو تحريم الذمي المستأمن إلا بحقه من نقض العهد والميثاق، والانضمام إلى صفوف المشركين وغير ذلك كما فعل ابن الأشرف. وإن صحت الرواية فإنه ربما كان ابن سنينة على مثل ما كان عليه كعب، فعلم بذلك حليفه محيصة لقربه منه فقتله إذ لا يمكن أن يطلق رسول الله ﷺ أصحابه على اليهود هكذا يقتلونهم بلا ذنب ولا جرم فعلوه إلا إذا كانوا على مثل رأي ابن الأشرف وفعلوا مثل فعلته.. والله تعالى أعلم بالصواب.
وعلى كل حال فإن اليهود خافوا خوفا شديدا بعد مقتل كعب بن
_________________
(١) ١ انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٠٠)، وابن هشام، سيرة (٣/٥٨)، والواقدي، مغازي (١/١٩١-١٩٢) . ٢ ابن هشام، سيرة (٢/٥٩) .
[ ١٥٠ ]
الأشرف، فلم يطلع أحد من عظمائهم، وبذلك العمل الجريء أخرس رسول الله ﷺ ألسنتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، وكبت حقدهم في صدورهم دون أن تراق دماء كثيرة، فالمجرم المحارب نال جزاءه وعقابه العادل والذي أصبح عبرة وعظة لمن تسول له نفسه من اليهود، أو المشركين في المدينة القيام بمثل ما فعل.
ومن خلال سياق أحداث هذه القصة يبدو لنا أمران ملفتان للنظر:
أولهما: قول امرأة كعب له: إنك امرؤ محارب.
وثانيهما: ردة فعل وفد اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله ﷺ يشتكون من مقتل زعيمهم كعب، حيث إنهم حينما وضح لهم رسول الله ﷺ صنيعه وما كان يفعل سكتوا ولم ينطقوا بشيء.
فهذان اعترافان من أقرب الناس لكعب بجريمته التي استحق عليها القصاص العادل.
[ ١٥١ ]
بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي
وكُنْتُ إذا هَمَّ النبيُّ بكافر
سَبَقْتُ إليه باللسانِ وباليَدِ
"عبد الله بن أنيس"
[ ١٥٣ ]
كان على المسلمين في المدينة أن يواجهوا أعداءهم المتربصين في كل ناحية من نواحي الجزيرة العربية من قريش الموتورين مرورا باليهود الخائنين إلى الأعراب الطامعين في خيرات المدينة، ولكن عين النبي ﷺ لم تكن تغفل عنهم ولو للحظة حيث كان يرصد تحركاتهم، وسكناتهم، ويتحسس أخبارهم عن طريق شبكة منظمة من العيون والجواسيس المبثوثين في مناطق الأعداء١ والتي ساهمت بشكل كبير وفعال في موضع النبي ﷺ في الصورة دائما، فكان باستمرار يسبق الأحداث، ويفاجىء أعداءه بمبادرة عجيبة تقضي على مخططاتهم العدوانية في مهدها.
وكان من هؤلاء رجل من أشد الأعراب وشياطينهم يدعى خالد بن سفيان الهذلي كما سمته بعض المصادر والروايات٢، بينما ورد اسمه سفيان بن خالد في روايات أخرى٣. ومنها ما نسبه إلى جده٤، وسماه موسى بن عقبة: سفيان بن عبد الله بن نبيح٥، وذكر المزِّي: إنه خالد بن نبيح العنبري٦.
_________________
(١) ١ لم يرد ذكر في مصادر السيرة والمغازي عن هذه الشبكة. ولكننا نستطيع أن نلتمس بعض الإشارات الدالة على وجودها مبثوثة في ثنايا الروايات، فمثلا قول النبي ﷺ لعبد الله بن أنيس ﵁: "إنه قد بلغني أن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الجموع"، وما نقله الواقدي في البعث إلى اليسير بن رزام حول خارجة بن حسيل الأشجعي عين النبي ﷺ في خيبر، ومثل ما ذكره أهل المغازي من أن العباس عم النبي ﷺ كان يطلعه على أخبار قريش أولا بأول، ومثل سرايا الاستطلاع التي يبثها من حين لآخر إلى مناطق أعدائه وهكذا. ٢ انظر روايات ابن إسحاق عند كل من أبي داود، سنن (٢/٤١)، أحمد بن حنبل، الفتح الرباني (٧/٢٦، ٢٢/٢٨٠)، والطبراني، الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣)، وابن هشام سيرة (٤/٦١٩) . ٣ انظر الواقدي، مغازي (٢/٥٣١)، وابن سعد، طبقات (٢/٥٠)، الطبراني، الهيثمي مجمع (٦/٢٠٤)، والبيهقي عن عروة، دلائل (٤/٤٠)، وانظر المقريزي، إمتاع (١/٢٥٤)، والحلبي، سيرة (٣/١٥٦) . ٤ انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨) رواية عن مالك، وروايات ابن إسحاق عند أبي نعيم، دلائل (٢/٥١٧)، والبيهقي، دلائل (٤/٤٢) . ٥ انظر روايات موسى بن عقبة عند عمر بن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨-٤٦٩)، والبيهقي، دلائل (٤/٤١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٢٩) . ٦ المزِّي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٤/٣١٤) .
[ ١٥٤ ]
وصلت المعلومات إلى رسول الله ﷺ عن هذا الأعرابي بأنه يتحرك –وبنشاط كبير وملحوظ- لحشد عدد كبير من الأحابيش والأعراب ليغزو بهم المدينة، مع إظهاره العداوة لرسول الله ﷺ بهجائه وشتمه كما ورد في بعض روايات الطبراني عن الحادثة١ وعلى الفور استدعى النبي ﷺ أحد رجال المهمات الصعبة المعدودين، مغوارٍ من أبطال الصحابة وذي باع وخبرة في هذا المضمار ذلكم هو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه٢ والذي وصف نفسه في بعض روايات هذا الخبر بأنه لا يهاب الرجال، ولا فَرِقَ٣ من شيء قط٤ وهذه الصفة هي أهم صفات أفراد فرق المغاوير في جيوش العالم قديما وحديثا، والتي تتطلب مهماتها الجرأة والشجاعة.
_________________
(١) ١ الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٤) . ٢ اختُلف في عبد الله بن أنيس ﵁ كثيرا، قال علي بن المديني: "هذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، وليس بالجهني الذى روى عنه جابر بن عبد الله". الهيثمي، مجمع (٦/١٩٨) . وقال ابن حجر: وأما عبد الله بن أنيس فهو الجهني حليف الأنصار، وقد فرق المنذري بين عبد الله بن أنيس الجهني، وعبد الله بن أنيس الأنصاري، وجزم بأن الأنصاري هو الذي كان في قتل ابن أبي الحقيق، وتبع في ذلك ابن المديني، وجزم غير واحد بأنهما واحد وهو جهني حليف الأنصار. فتح الباري (٧/٣٤٣) . أما الشامي فقال: تردد الإمام محب الدين الطبري ﵀ في عبد الله بن أنيس قاتل سفيان بن خالد لا معنى له؛ لأنه هو الجهني بلا تردد، وهو أشهر ذكرا من الخمسة الذين وافقوه في الاسم واسم الأب من الصحابة ﵃. سبل الهدى (٦/٦٠) . وترجم له ابن حجر في "الإصابة": "عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني حليف بني سلمة من الأنصار". وقال ابن الكلبي، والواقدي: هو من ولد البرك بن وبرة من قضاعة. قال ابن الكلبي: واسم جده أسعد بن حرام بن حبيب بن مالك بن غنم بن كعب بن تيم، وقد دخل ولد البرك في جهينة فقيل له الجهني، والقضاعي، والأنصاري، والسَّلَمي بفتحتين كذلك. روى عن النبي ﷺ، روى عنه أولاده: عطية، وعمر، وضمرة، وعبد الله، وجابر بن عبد الله الأنصاري وآخرون. وكان أحد من يكسر أصنام بني سلمة من الأنصار. وذكر المزي في "التهذيب" عن ابن يونس أنه أرخ وفاته سنة ثمانين، وتعقب بأن الذي في تاريخ ابن يونس أنه مات في هذه السنة أو غيره وهو مذكور بعد عبد الله بن أنيس بترجمتين. والمعروف أنه مات بالشام سنة أربع وخمسين، فرق علي بن المديني وخياط وغير واحد بينه وبين الأنصاري، وجزم البغوي وابن السكن وغيرهما بأنهما واحد، وهو الراجح بأنه جهني حالف بني سلمة من الأنصار. انظر خليفة، طبقات (ص ١١٨)، والمزي، تهذيب الكمال (١٤/٣١٤)، وابن حجر، إصابة (٢/٢٧٩) . ٣ أي: خاف وفزع. القاموس، واللسان (فرق) . ٤ انظر الواقدي، مغازي (٢/٥٣٢)، وابن سعد، طبقات (٢/٥١)، وروايات موسى بن عقبة عند ابن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨-٤٦٩)، والبيهقي، دلائل (٤/٤١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٢٩) .
[ ١٥٥ ]
إن تخير رسول الله ﷺ هذا الصحابي المغوار لهذه المهمة البابغة الصعوبة يعطي دلالة واضحة على معرفته ﵊ الشديدة برجاله حيث كان يكل لكل منهم المهمة التي تناسب وضعه وإمكانيته، يعني الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو عمل قائم على التخطيط السليم والدقة في الاختيار وكون رسول الله ﷺ يختار لهذه السرايا بعض رجاله لا يعني بالضرورة أن بقية الصحابة لا يصلحون لهذه المهمات، فهم جميعا كانوا لا يهابون الموت بل ويتحرقون دائما للشهادة في سبيل الله، ولكن المواقف الحساسة التي تمر بها مثل هذه السرايا تتطلب رجالا فيهم صفات مميزة كعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عتيك، ومحمد بن سلمة، وعمرو بن أمية وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ولنستمع إلى الحوار التالي الذي دار بين رسول الله ﷺ وبين عبد الله بن أنيس ﵁ والذي يعتبر من دلائل نبوته ﵊ كما يوضح صفة ذلك الأعرابي المخيفة والتي كانت تؤثر حتى في أشد الرجال صرامة وقوة أمثال عبد الله بن أنيس، والذي تبين من خلال هذا الحوار مدى ما كان يتمتع به من رباطة جأش وقوة شكيمة، حيث تحددت أبعاد المهمة الخطيرة التي أنيطت به.
قال عبد الله: "دعاني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: "إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة١، فأْته فاقتله، قلت: يا رسول الله انعته لي٢ حتى
_________________
(١) ١ وادي عرنة: هو الوادي الفحل الذي يخترق أرض المغمس، فيمر بطرف عرفة من الغرب عند مسجد نمرة ثم يجتمع مع وادي نعمان غير بعيد من عرفة ثم يأخذ الواديان اسم عرنة، فيمر جنوب مكة على حدود الحرم، ثم يُغرب حتى يفيض في البحر جنوب جدة على قرابة ٣٠ كيلا وهو من الأودية الفحول ذات السيول الجارفة وزراعته قليلة، فيه زرائع على الضخ الآلي، وبطن عرنة هو بطن الوادي الذي فيه مسجد عرفة. قال ابن المواز: حائط مسجد عرفة القبلي على حد عرنة، ولو سقط ما سقط إلا فيها. البكري، معجم (٤/١١٩١)، والبلادي، معجم (٢٠٥) . ٢ أي: صفه لي.
[ ١٥٦ ]
أعرفه قال: "إذا رأيته وجدت له قشعريرة" ١٢.
بهذه الكلمات الموجزة تزود عبد الله بن أنيس ﵁ معلومات كافية ومهمة عن الهدف المقصود مكانه وصفته، وكانت الخطة المتفق عليها كما يذكر موسى بن عقبة هي أن يتوصل بالناس، ويخبر من لقي أنما يريد خالد بن سفيان ليكون معه٣ فضمن بهذا التكتيك الذكي ثقة ابن نبيح، وعدم ارتيابه به إذا لقيه.
وقد اختلف في تاريخ خروج عبد الله في هذا البعث بين الواقدي وكاتِبه ابن سعد وهما من حددا تاريخه بدقة من بين أهل المغازي، وكان الاختلاف بينهما محصورا في السنة التي كان فيها، بينما تطابقت أقوالهما في اليوم، والشهر، فقد ذكرا أن عبد الله خرج من المدينة٤ يوم الإثنين لخمس خَلَون من المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا عند الواقدي٥، وعلى رأس خمسة وثلاثين شهرا عند ابن سعد٦، وإذا علمنا مدى التشابه في المعلومات حول هذا البعث بين الاثنين، وأن ابن سعد تلميذ الواقدي فيكون هو مصدر معلوماته هنا، خاصة وأنه لم يُحل على شيوخه كعادته بلفظ (قالوا)، مما يدعونا إلى الاعتقاد بوجود تحريف في أحد الرقمين، وأعتقد أن ذلك في الرقم الذي ساقه الواقدي؛ لأنه يذكر في روايته حول حادثة الرجيع أنها كانت انتقاما لمقتل الهذلي، وموقعة الرجيع حدثت في السنة الثالثة٧ فكيف يكون هذا البعث
_________________
(١) ١ أي رعدة. (القاموس: اقشعر) وعند ابن هشام: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان. سيرة (٤/٦١٩) . ٢ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح (٧/٢٦-٢٧، ٢٢/٢٨٠) . قال عنها الهيثمي: فيه راوٍ لم يسم هو ابن عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣) . ٣ البيهقي، دلائل (٤/٤١) . ٤ قال موسى بن عقبة في روايته: ولا ندري من أين بعث ﷺ ابن أنيس إلى ابن نبيح أمِن المدينة أم من غيرها. البيهقي، دلائل (٤/٤١) . ٥ الواقدي، مغازي (٢/٥٣١) . ٦ ابن سعد، طبقات (٢/٥٠) . ٧ انظر: (سرية الرجيع من هذا البحث) .
[ ١٥٧ ]
بعدها، هذا وقد اختلف المتأخرون من أهل المغازي تبعا لاختلافهما، فمن تابع الواقدي ذكرها في حوادث السنة الخامسة١ ومن تابع ابن سعد ذكرها في حوادث السنة الثالثة٢، وذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت سنة خمس٣.
وينطلق عبد الله في مسيره الاقترابي نحو الهدف، عدته اليقين والتوكل على الله، وسلاحه سلاح الراكب، يقول ﵁: "فخرجت متوشحا بسيفي حتى وقعت عليه، وهو بعرنة مع ظعن٤، يرتاد لهن منزلا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأقبلت نحوه"٥ فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي، وأنا أصلي أومىء إيماء نحوه، فلما دنوت منه، قال لي: من أنت؟ قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد٦"٧.
"ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت إلى رسول الله ﷺ فرآني، قال: "أفلح الوجه"، قلت: قتلتُه يا رسول الله، قال: صدقت، قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ فدخل بيته فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس، قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا:
_________________
(١) ١ انظر البيهقي، دلائل (٤/٤٠)، والمقريزي، إمتاع (١/٢٥٤) وابن كثير، بداية (٤/١٤٢) . ٢ انظر: ابن سيد الناس، عيون (٢/٥٥)، وابن القيم، زاد (٣/٢٤٣) وذلك يشير إلى وقوع التحريف مبكرا نوعا ما. والله أعلم. ٣ خليفة، تاريخ (٧٧) . ٤ الظعن: جمع ظعينة وهو الهودج فيه امرأة، والمرأة ما دامت في الهودج. (القاموس: ظعن) . ٥ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح الرباني (٧/٢٦، ٢٢/٢٨٠) . ٦ أي: مات. ٧ من رواية ابن إسحاق عند أبي داود. سنن (٢/٤١-٤٢)، وسكت عنه هو والمنذري، وحسن الحافظ في الفتح إسناده. ابن حجر، فتح (٢/٤٣٧) .
[ ١٥٨ ]
ما هذه العصا، قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله ﷺ تسأله عن ذلك، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المختصرون١ يومئذ يوم القيامة، فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات بها فضمت في كفنه، ثم دُفنا جميعا" ٢٣.
وهكذا لم تكن المكافأة على هذا العمل العظيم الجريء مادية دنوية كما يتمناه الكثير ممن يقوم بالمهمات الصعبة في جيوش العالم قديما وحديثا، بل
_________________
(١) ١ المخصرة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازه، أو مقرعة أو قضيب، وقد يتكىء عليه. ابن الأثير، النهاية (٢/٣٦) . ٢ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح الرباني (٢٢/٢٨١) . قال الهيثمي: فيه راو لم يسم هو عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣) . قال المنذري: وابن أنيس هذا هو عبد الله بن أنيس، جاء ذلك مبينا من رواية محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق. انظر سنن أبي داود (٢/٤٢)، حاشية (٢) . قلت: رواية محمد بن سلمة عند البيهقي، دلائل (٤/٤٢) ومسند الإمام أحمد إلى ابن إسحاق قوي، والرواية لها شواهد عند أبي نعيم، دلائل (٢/٤٥)، والبيهقي، دلائل (٤/٤٢)، وابن هشام، سيرة (٤/٦١٩-٦٢٠) . ٣ الحديث أخرجه أبو داود مختصرا في كتاب الصلاة، باب صلاة الطالب سنن (٢/٤١-٤٢)، عون المعبود (٤/١٢٩)، وسكت عنه هو والمنذري، وحسن الحافظ إسناده في الفتح. ابن حجر، فتح (٢/٤٣٧)، والشامي في السبل (٦/٥٧) . وأخرج الحديث مطولا ابن هشام عن ابن إسحاق الذي رواه منقطعا. ابن هشام، سيرة (٤/٦١٩-٦٢٠)، ووصله أحمد من حديث ابن إسحاق نفسه. البنا، الفتح الرباني (٧/٢٦-٢٧، ٢٢/٢٨٠-٢٨١)، وأبو يعلى، المسند (٢/٢٠١-٢٠٢)، وأبو نعيم، دلائل (٢/٥١٧-٥١٨)، والبيهقي، دلائل (٤/٤٢-٤٣)، وقال عنه الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، وفيه راو لم يسم وهو ابن عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣) . وأخرج الحديث البيهقي من طريق ابن لهيعة عن عروة مختصرا. البيهقي، دلائل (٤/٤٠)، ورواه موسى بن عقبة عن الزهري. انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨-٤٦٩)، والبيهقي، دلائل (٤/٤١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٢٩)، كما رواه الواقدي، مغازي (٢/٥٣١-٥٣٣)، وابن سعد، طبقات (٢/٥٠-٥١)، وورد الحديث بسياقات أخرى مختلفة قليلا عند الطبراني. انظر الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣-٢٠٤)، وقال عنه: رجاله ثقات، وعند عمر بن شبة عن مالك بن أنس تاريخ (٢/٤٦٨) وبسياق مختلف تماما عن السياقات السابقة عند الطبراني عن عبد الله بن أنيس، قال عنه الهيثمي فيه الوازع بن نافع، وهو متروك. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٤) وعن عبادة بن الصامت، وقال الهيثمي: وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة. مجمع (٦/٢٠٤) .
[ ١٥٩ ]
كانت أسمى من ذلك وأعظم فهي وسام شرف أخروي قليل من يناله.
تضمن هذا الخبر بعض الأحكام والفوائد منها (صلاة الطالب) / قال الخطابي: واختلفوا في صلاة الطالب، فقال عوام أهل العلم: إذا كان مطلوبا كان له أن يصلي إيماءً، وإذا كان طالبا نزل إن كان راكبا وصلى بالأرض راكعا أو ساجدا١ وكذلك قال ابن المنذر٢، أما الشافعي فشرط شرطا لم يشترطه غيره، قال: إذا قل الطالبون عن المطلوبين وانقطع الطالبون عن أصحابهم فيخافون عودة المطلوبين عليهم فإذا كان هكذا كان لهم أن يصلوا يُومئون إيماء.
قال الخطابي: وبعض هذه المعاني موجودة في قصة عبد الله بن أنيس٣.
وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي فإنه قيده بخوف الفوت، ولم يستثن طالبا من مطلوب، وبه قال ابن حبيب من المالكية٤.
وقال في عمدة القاري: ومذاهب الفقهاء في هذا الباب فعند أبي حنيفة إذا كان الرجل مطلوبا فلا بأس بصلاته سائرا، وإن كان طالبا فلا.
وقال مالك وجماعة من أصحابه: هما سواء كل واحد منهما يصلي على دابته.
وقال الأوزاعي والشافعي في آخرين كقول أبي حنيفة، وهو قول عطاء والحسن والثوري وأحمد وأبي ثور.
وعن الشافعي إن خاف الطالب فوت المطلوب أومأ وإلا فلا٥.
_________________
(١) ١ أبو داود، سنن (٢/٤٤)، حاشية (١) . ٢ نقل ذلك عنه ابن حجر، فتح (٢/٤٣٦-٤٣٧) . ٣ أبو داود، سنن (٢/٤٢)، حاشية (١) . ٤ ابن حجر، فتح (٢/٤٣٧) . ٥ انظر بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٦/٢٦٣) .
[ ١٦٠ ]
ومنها: جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ، فعبد الله بن أنيس ﵁ أداه اجتهاده أن يصلي هذه الصلاة، ولم ينكر عليه ﷺ مما يدل على جواز الصلاة عند شدة الخوف يالإيماء.
وهذا الاستدلال صحيح لا شك فيه، لأن عبد الله بن أنيس فعل ذلك في حياة النبي ﷺ وذلك زمن الوحي، ومحال أن النبي ﷺ لم يطلع عليه"١.
وفعل الصحابي أيضا حجة ما لم يعارضه حديث مرفوع كذا في الغاية٢.
ومنها أيضا حديث المخصرة، وقد استحسن البعض المخصرة والتخصر لأجل هذا الحديث.
قال الجاحظ: ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة وهو صاحب ليلة الجهني، وكان النبي ﷺ أعطاه مخصرة، وقال: تلقاني في الجنة٣.
كما ظهر في هذا الخبر دليل من دلائل نبوته ﵊ فهو قد وصف ابن نبيح لعبد الله بن أنيس وصفًا دقيقًا دون أن يراه حتى إن ابن أنيس عندما رد على رسول الله ﷺ متعجبا كما وقع في رواية الواقدي: "يا رسول الله ما فرقت من شيء قط، قال له رسول الله ﷺ: بلى آية ما بيني وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته"٤.
وفعلًا وجده على الصفة التي ذكر رسول الله ﷺ، يقول عبد الله: "فلما رأيته هبته وفرقت منه، فقلت: صدق الله ورسوله"٥.
_________________
(١) ١ العظيم آبادي، عون المعبود (٤/١٢٩) . ٢ المصدر السابق. ٣ انظر عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين (٣/١١-١٢) . ٤ الواقدي، مغازي (٢/٥٣٢) . ٥ من رواية موسى بن عقبة. البيهقي، دلائل (٤/٤١) .
[ ١٦١ ]
بعث عمرو بن أمية إلى أبي سفيان بن حرب
اختلف أهل المغازي في هذه السرية، فذكر ابن هشام أنها من زياداته على سيرة ابن إسحاق١، فاستدرك عليه السهيلي ذاكرا أن ذلك وهم منه، فإن ابن إسحاق قد روى الخبر في ذلك بسند متصل إلى عمرو بن أمية٢، وكذلك ساق الخبر الطبري عن ابن إسحاق٣ مما يدل على وجودها في أصل السيرة، ولكن الطبري يذكر قبل ذلك –وعقب حديثه عن الرجيع وقصة صلب خبيب بن عدي ﵁ ومن غير طريق ابن إسحاق- رواية مختصرة عن عمرو بن أمية أيضا يذكر فيها "أن رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش"٤، وأنه في أثناء ذلك أنزل خبيبا من خشبته.
وقد روى البيهقي مثل ذلك٥، ثم من خلال سياقهما لأحداث هذه السرية تبرز لنا قصة عمرو مع جثة خبيب، ولكن بتفصيل أكثر٦.
وينفرد الواقدي بزيادة ذكر فيها أن سبب بعث عمرو بن أمية كان ردًّا على إرسال أبي سفيان أعرابيًّا لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم٧، وتابعه في ذلك ابن سعد٨.
_________________
(١) ١ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٣)، وانظر ما قاله ابن كثير، بداية (٢/٧٣)، والزرقاني، شرح (٢/١٧٨) . ٢ السهيلي، الروض (٢/٢٦٣)، وفي سنده إلى عمرو: جعفر بن عمرو بن أمية لم أجد له ترجمة، وإنما وجدت عند الرازي: "جعفر بن عمرو بن جعفر بن عمرو، روى عنه إبراهيم بن إسماعيل، قاله علي بن المديني". الرازي عبد الرحمن بن المنذر، الجرح والتعديل (٢/٥٤٢)، فربما يكون هو أو غيره، والله أعلم. ٣ الطبري، تاريخ (٥٤١)، ولكن في سنده جعفر بن الفضل بن الحسن لم أعثر على ترجمتة أيضا. ٤ الطبري، تاريخ (٥٤١-٥٤٢)، وقد روى هذا الخبر –أيضا- خليفة بن خياط، تاريخ (٧٦)، وأحمد، البنا، الفتح الرباني (٢٢/١٣٢)، والطبراني، الهيثمي، مجمع (٥/٣٢١)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٣٢) . وقد ذكر الديار بكري في تاريخ الخميس (١/٤٥٨)، والشامي، سبل (٦/٧٣)، نقلا عن أبي يوسف في كتابه اللطائف، والحلبي، سيرة (٣/١٦١): أن رسول الله ﷺ بعث الزبير والمقداد لإنزال خبيب من خشبته، فليتأمل ذلك. ٥ البيهقي، دلائل (٣/٣٣٣) . ٦ الطبري، تاريخ (٢/٥٤٤)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٦٦) . ٧ انظر رواية الواقدي عند البيهقي، سنن (٩/٢١٣)، ودلائل (٣/٣٣٣) حيث لم ترد هذه الرواية في كتاب المغازي المحقق. ٨ ابن سعد، طبقات (٢/٩٣) .
[ ١٦٤ ]
أما بقية أحداث القصة فتكاد تكون متفقًا عليها عندهم، مما يجعلنا نعتقد أنها قصة واحدة رويت بطرق مختلفة، وإن كان خليفة بن خياط قد فرق بين الحادثين، ولكنه أشار إلى هذه السرية إشارة عابرة١.
وكما اختُلِفَ في مهمة السرية اختُلِفَ أيضا في تاريخها، فالطبري وابن هشام وتابعهما البيهقي وابن القيم٢ جعلوها بعد حادثة الرجيع مباشرة، أما خليفة فذكرها بعد بئر معونة، ولكنه جعلها من السرايا التي كانت سنة خمس٣، وأرَّخ لها ابن حجر بعد وقعة بني النضير حكاية عن الواقدي٤، ولكن الواقدي في روايته المنقولة عنه لم يذكر لها تاريخا، وتابعه كاتبه ولكنه ذكرها بعد سرية كرز بن جابر إلى العرنيين التي أرَّخ لها في شوال سنة ست٥.
يقول عمرو بن أمية ﵁: "بعثني رسول الله ﷺ بعد قتل خبيب وأصحابه وبعث معي رجلا من الأنصار٦، فقال: ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه"٧ كانت (نقلية هذه الدورية) عبارة عن بعير واحد لعمرو بن أمية كان يحمل صاحبه عليه لعلة كانت برجله، حيث انطلقا في مسير اقترابي حذر حتى وصلا إلى بطن وادي يأجج٨ القريب من مكة. وهناك عقلا
_________________
(١) ١ خليفة بن خياط، تاريخ (٧٦-٧٧)، ولكنه يذكر في مكان آخر أن رسول الله ﷺ أرسل" عمرو بن أمية بهدية إلى أبي سفيان بن حرب بمكة". تاريخ (٩٨) . ٢ انظر الطبري، تاريخ (٢/٥٤٢)، وابن هشام، سيرة (٤/٦٣٣)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٣٣)، وابن القيم، زاد (٢/١٠٩)، وانظر قول الشافعي في سنن البيهقي (٩/٢١٣) . ٣ ابن خياط، تاريخ (٧٧) . ٤ ابن حجر، إصابة، ترجمة سلمة بن أسلم بن حريش (٢/٦٣) . ٥ ابن سعد، طبقات (٢/٩٣) . ٦ سماه ابن هشام جبار بن صخر الأنصاري (٤/٦٣٣) بينما سماه الواقدي وكاتبه: سلمة بن أسلم بن حريش. البيهقي، دلائل (٣/٣٣٢-٣٣٥) . ابن سعد، طبقات (٢/٩٤) . ٧ من رواية الطبري عن ابن إسحاق، تارخ (٢/٥٤٣) . ٨ وادي يأجج: بفتح أوله وإسكان ثانيه، بعده جيمان، الأولى مفتوحة وقد تكسر. قال أبو عبيد: يأجج واد يصب من مطلع الشمس إلى مكة قريب منها ويعرف اليوم باسم (ياج) وهو وادٍ من أودية مكة يمر شمال التنعيم، فيصب في مر الظهران، تسميه عامة أهل مكة وادي بئر مقيت، وقد أصبح قسمه الذي يمر به الطريق من مكةإلى المدينة المنورة معمورا وبه بساتين ضعيفة، البكري، معجم (٤/١٣٨٥)، والبلادي، معالم مكة التاريخية والأثرية (٣٢٥) .
[ ١٦٥ ]
بعيرهما في فناء شعب من شعابه، وقال عمرو لصاحبه: "انطلق بنا إلى دار أبي سفيان، فإني محاول قتله! فانظر فإن كانت محاولة، أو خشيت شيئا فالحق ببعيرك فاركبه، والحق بالمدينة فأت رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، وخل عني، فإني رجل عالم بالبلد جريء عليه، نجيب الساق"١.
ودخلا مكة على حين غفلة من أهلها، وكان عمرو قد أعدَّ خنجرًا حاد النصل لقتال أبي سفيان، فقال له الأنصاري: "هل لك أن نبدأ فنطوف بالبيت أسبوعا٢ ونصلي ركعتين"٣.
فرد عليه عمرو: "أنا أعلم بأهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم، ثم جلسوا بها، وأنا أعرف بها من الفرس الأبلق٤"٥ ولكن الأنصاري أصرَّ على رأيه فما زال بعمرو حتى طاف بالبيت سبعا، وصليا ركعتين، ثم خرجا فمرَّا على مجلس من مجالس قريش، فعرف رجل منهم عمرو بن أمية٦ "فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية"٧ فتبادرتهما أهل مكة "وقالوا: تالله ما جاء بعمرو خيرٌ والذي يُحلف به ما جاءها قط إلا لشر"٨. وكان عمرو فاتكًا ذائع الصيت في الجاهلية فحشد أهل مكة جمعهم وخرجوا يشتدون في أثره وأثر صاحبه، وهو يقول له: "النجاء، هذا والله الذي كنت أحذر، أما الرجل فليس إليه سبيل فانج بنفسك"٩. وخرجا يشتدان حتى
_________________
(١) ١ من رواية الطبري عن ابن إسحاق. تاريخ (٢/٥٤٣) . ٢ أي: سبعا. ٣ من رواية الطبري عن ابن إسحاق. تاريخ (٢/٥٤٣) . ٤ الأبلق: أي الفرس المحجلة، والبلق: سواد وبياض، وارتفاع التحجيل إلى الفخذين. (الصحاح، اللسان، القاموس: بلق) . ٥ من رواية الطبري عن ابن إسحاق. تاريخ (٢/٥٤٣) . ٦ أوضحت رواية الواقدي وكاتبه ابن سعد اسم هذا الرجل وهو معاوية بن أبي سفيان. انظر البيهقي، دلائل (٣/٣٣٥)، ابن سعد، طبقات (٢/٩٤) . ٧ من رواية الطبري عن ابن إسحاق. تاريخ (٢/٩٤) . ٨ المصدر السابق. ٩ المصدر السابق.
[ ١٦٦ ]
حتى صعدا في جبل فرجعوا عنهما بعد أن أعجزوهم ثم دخلا غارا في الجبل وباتا ليلتهما فيه بعد أن استترا فيه بحجارة، فلما أصبحا غدا رجل من قريش يدعى عثمان بن مالك التميمي يجمع حشيشا لفرسه، فلم يزل يدنو منهما حتى قام على باب الغار، فقال عمرو لصاحبه: "هذا والله ابن مالك، والله إن رآنا ليُعلمن بنا أهل مكة"١، فيخرج إليه عمرو فيطعنه بالخنجر تحت ثديه، فصاح صيحة أسمع أهل مكة فأقبلوا إليه، ورجع عمرو إلى مكانه، واتبع أهل مكة الصوت مسرعين "فوجدوه وبه رمق، فقالوا: ويلك من ضربك، قال: عمرو بن أمية، ثم مات"٢.
فشغلوا به عن البحث عنهما، فمكثا في الغار يومين حتى سكن عنهما الطلب، ثم خرجا، وفي التنعيم وهما في طريقهما إلى المدينة مرَّا على خشبة خُبيب فصعدها عمرو وأنزله عنها.
يقول عمرو بن أمية ﵁: "فصعدت خشبته ليلا، فقطعت الشَّرَكَ٣ وألقيته فسمعت وجبته خلفي٤، فالتفتُّ فلم أر شيئا٥. ولكأنما ابتلعته الأرض، فلم يُرَ لخُبيب أثر حتى الساعة"٦.
وأقبل عمرو يمشي نحو المدينة، وكان صاحبه قد انطلق بالبعير قبله إلى المدينة، ثم أتى النبيَّ ﷺ فأخبره الخبر، ولما بلغ عمرو حرة ضجنان٧ دخل
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ من رواية الطبري عن ابن إسحاق. تاريخ (٢/٥٤٣) . ٣ الشرك: الحبل. ٤ وجبته: صوته. ٥ من رواية خليفة عن عمرو بن أمية. خليفة بن خياط، تاريخ (٧٦) . ٦ من رواية أحمد عن عمرو بن أمية. البنا، الفتح (٢٢/١٣٢)، وانظر الهيثمي، مجمع (٥/٣٢١)، والطبري، تاريخ (٢/٥٤١-٥٤٢) . ٧ ضجنان: بفتح أوله وسكون ثانيه على وزن فعلان: حرة مستطيلة من الشرق إلى الغرب، ينقسم عنها سيل وادي الهدة، ويمر بها الطريق من مكة إلى المدينة بنصفها الغربي على ٥٤ كيلًا ويعرف هذا النغف اليوم يخشم المحسنية، وكذلك الحرة تسمى حرة المحسنية. انظر البكري، معجم (٣/٨٥٦) والبلادي، معالم مكة (١٥٩) .
[ ١٦٧ ]
كهفًا هناك ومعه قوسه وسهمه، قال عمرو: "فبينا أنا فيه إذ دخل عليَّ رجل من بني الديل بن بكر، أعور طويل يسوق غنما له فقال: من الرجل؟، فقلت: رجل من بني بكر، قال: وأنا من بكر، ثم أحد بني الديل، ثم اضطجع معي فيه، فرفع عقيرته يتغنى ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيًّا ولست أدين دين المسلمينا
فقلت: سوف تعلم! فلم يلبث الأعرابي أن نام وغطَّ١، فقمت إليه فقتلته أسوأ قتلة قتلها أحدٌ أحدًا"٢.
ثم خرج عمرو مسرعا حتى إذا بلغ وادي النقيع٣ لقي جاسوسين لقريش يتحسسان الأخبار فعرفهما، فقتل أحدهما، وأسر الآخر، فقدم به المدينة، فجعل عمرو يخبر رسول الله ﷺ خبره ورسول الله ﷺ يضحك، ثم قال له خيرا، ودعا له بخير٤.
_________________
(١) ١ غط: اشتد عليه النوم. (القاموس: غط) . ٢ من رواية الطبري عن ابن إسحاق. تاريخ (٢/٥٤٤) . ٣ وادي النقيع: بفتح أوله، وكسر ثانيه، بعده ياء، وعين مهملة، موضع تلقاء المدينة، بينها وبين مكة، على ثلاث مراحل من مكة، بقرب قدس، والنقيع صدر وادي العقيق، وهو متبدي للناس ومتصيد، وهو من أفضل الأحماء التي حماها رسول الله ﷺ لخيل المسلمين، والنقيع وادٍ فحل من أودية الحجاز، يسيل منها الحرار التي يسيل منها وادي الفرع، ثم يتجه شمالا جاعلا جبال قدس على يساره، ويأخذ كل مياهها الشرقية، وأول النقيع مما يلي المدينة يبعد عنها قرابة ٤٠ كيلًا جنوبا على طريق الفرع، وأقصاه على قرابة (١٢٠) كيلًا قرب الفرع. انظر البكري، معجم (٤/١٣٢٣-١٣٢٤)، والبلادي، معجم (٣٢٠) . ٤ الخبر في مجمله أخرجه الطبري عن ابن إسحاق الذي رواه عم جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية (لم أعثر على ترجمته) عن أبيه عن جده عمرو بن أمية، وبذلك يكون في السند انقطاع إلا إذا ثبت أن الفضل سمع من جده، وفيه أيضا عنعنة ابن إسحاق. انظر الطبري تاريخ (٢/٥٤٢-٥٤٥) . ورواه ابن هشام بلا سند. سيرة (٤/٦٣٣-٦٣٥)، ورواه ابن سعد، طبقات (٢/٩٣-٩٤) بلا سند. وأخرج الجزء الخاص بقصة إنزال خبيب عن خشبته كل من: خليفة بن خياط، تاريخ: (٧٦)، وأحمد بن حنبل والبنا، الفتح الرباني (٢٢/١٣٢)، والطبري، تاريخ (٢/٥٤١-٥٤٢)، والطبراني. انظر الهيثمي، مجمع (٥/٣٢١)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٣٢)، لكن مدار رواياتهم على إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، قال عنه الهيثمي، وابن حجر: "ضعيف". انظر الهيثمي، مجمع (٥/٣٢١)، وابن حجر، تقريب (٨٨) .=
[ ١٦٨ ]
وبذلك انتهت هذه المهمة التي وإن كانت لم تحقق هدفها الأساسي، وهو قتل أبي سفيان لأمر أراده الله ولا راد لقضائه، ولكنها حققت بعض الأهداف التي من أهمها إدخال الرعب في نفوس قريش وزعمائها على الخصوص وإعلامهم بأن المسلمين قادرون على الوصول إليهم حتى في بيوتهم.
وإن ما قام به عمرو بن أمية ﵁ خلال هذه السرية إن صحت الروايات حولها يعتبر اجتهادا منه أقره عليه رسول الله ﷺ والله أعلم.
_________________
(١) =إذًا فالخبر لا تخلو طرقه المتعددة من الضعف، ولكنها تتعاضد فيما بينها لتكسبه نوعا من القوة مما يجعلنا نستأنس لقبوله تاريخيًّا. والله تعالى أعلم.
[ ١٦٩ ]
البعث إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق
البعث إلى أبي رافع
سرية عبد الله بن عتيك وأصحابه لقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق
لله دُرُّ عِصابةٍ لاقَيتَهم يا بنَ الحقيقيِ وأنت يا بن الأشرف
يَسْرُونَ بالبِيض الخِفافِ لكم مرحًا كأُسدٍ في عَرينِ مغرف
حتى أَتَوْكُم في مَحِلِّ بلادِكم فَسَقَوْكُم حتفًا ببَيض ذفف
مستبصرين لنصرِ دينِ نبيِّهم مستَضْعِفِين لكلِّ أمرٍ مجحف
حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ
ديوان حسان بن ثابت (١٦٥)
[ ١٧١ ]
أبو رافع عبد الله بن أبي الحقيق، أو سلاّم بن أبي الحقيق١ اختلفت المصادر في ذلك، فمنها ما سماه عبد الله٢، ومنها ما سماه سلاّم، ومنهم من نسبه إلى أبيه دون ذكر اسمه٣، والبعض نسبه إلى كنيته فقط٤، ولكن الأكثر على أنه سلاّم بن أبي الحقيق٥.
كان من زعماء اليهود بني النضير الذين أجلاهم رسول الله ﷺ عن المدينة بعد نقضهم العهد والميثاق معه٦ فتوجه مع بقية زعماء بني النضير إلى خيبر، فدان لهم يهودها٧، ومع ذلك كانوا دائما يتطلعون إلى الفرص السانحة للثأر من المسلمين والعودة مرة ثانية إلى المدينة، ورأوا أن هذا الهدف صعب المنال ما
_________________
(١) ١ هكذا ذكره البخاري والشافعي على الشك بين الاسمين نظرا لاختلاف أهل المغازي في اسمه تبعا لاختلاف الرواة في تسميته. انظر ابن حجر، فتح (٧/٢٤٣)، والبيهقي، سنن (٩/٨٠) . ٢ قال ابن حجر: "والذي سماه عبد الله هم عبد الله بن أنيس، وذلك فيما أخرجه الحاكم في الإكليل من حديثه مطولا". فتح الباري (٧/٢٤٣)، ولكن رواية عبد الله بن أنيس عند الطبراني، وأبي يعلى لم تسمه عبد الله، بل نسبته إلى أبيه. انظر أبا يعلى، المسند (٢/٢٠٤)، والهيثمي، مجمع (٦/١٩٧) لأن الرواية من القسم غير المطبوع من المعجم. وممن سماه عبد الله من أهل المغازي العامري في البهجة (١/١٩٣) . ٣ مثل رواية عبد الله بن أنيس عند أبي يعلى والطبراني التي ذكرنا، ومم نسبه إلى أبيه الزهري عند ابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (٣/٢٧٤)، والبيهقي، سنن (٩/٧٨) . ٤ مثل روايات البراء بن عازب في الصحيح. ابن حجر، فتح (٦/١٥٥، ٧/٣٤٠-٣٤١)، ووقع ذلك عند البيهقي. سنن (٩/٨٠-٨١)، وعند موسى بن عقبة. انظر البيهقي، دلائل (٤/٣٩)، وباقشيش، مرويات (١/٣٧٩)، وعند ابن إسحاق. ابن هشام، سيرة (٣/٢٧٣)، والواقدي، مغازي (١/٣٩١)، وابن القيم، زاد (٢/١١٩) . ٥ وقع ذلك عند معظم أهل المغازي. انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٤٠٨)، وابن هشام، سيرة (٢/٢٧٣)، وابن سعد، طبقات (٢/٩١)، وابن حزم، جوامع (١٩٨)، وابن عبد البر، درر (١٩٥) . ٦ انفرد المقريزي بذكر أنه كانت له رياسة بني قريظة بعد يوم بعاث. إمتاع الأسماع (١/١٨٩)، ولا أدري من أين جاء بذلك، فكل أهل المغازي مجمعون على أنه كان من زعماء بني النضير. ٧ ذكرت بعض المصادر بأنه كان يسكن حصنا بأرض الحجاز. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٤٠) والبيهقي، سنن (٩/٨٠)، بينما أكثر المصادر وخاصة روايات أهل المغازي حددت سكناه بخيبر. انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٤٠٨)، وابن هشام، سيرة (٣/٢٧٥)، والواقدي، مغازي (١/٣٩٠)، وابن سعد، طبقات (٢/٩١)، والبيهقي، مجمع (٦/١٧٩-١٩٨)، وابن حجر، فتح (٧/٣٤٢)، وانظر ما قاله ابن حجر، والشامي، والزرقاني جمعا بين الروايات. ابن حجر، فتح (٧/٣٤٢)، والشامي، سبل (٦/١٧٦)، والزرقاني، شرح (٢/١٦٦) .
[ ١٧٢ ]
لم يتم القضاء على قوة المسلمين المسيطرة في المدينة وما حولها، وأن ذلك لن يكون إلا بعمل ضخم منسق ضد المسلمين، فقوة اليهود وحدها لا تكفي لذلك، ومن خيبر بدأوا اتصالات موسعة وسفارات متعددة كان الهدف منها تحزيب أكبر قوة ممكنة من العرب تغزو المسلمين في عقر دارهم وتستأصلهم، وقد تم تقسيم خطة العمل بين هؤلاء الزعماء لهذا الغرض، فكان سلام بن أبي الحقيق –كما يذكر عروة- له اليد الطولى في تحزيب قبائل غطفان النجدية الكبيرة وحلفائها من "مشركي العرب يدعوهم إلى قتال رسول الله ﷺ ويجعل لهم الجعل١ العظيم"٢.
ولما انقضى أمر الخندق وبني قريظة بعد أن انفض الأحزاب عن المدينة بغيظهم لم ينالوا خيرا، وقُتل حُيي بن أخطب النضري شريكُ أبي رافع القوي في تحزيب الأحزاب –مع بني قريظة- فنال بذلك القصاص العادل الذي أفلت منه سلام بن أبي الحقيق حيث كان بعيدا في قومه في حصون خيبر فأصبح بالنسبة للمسلمين مجرم حرب خطيرا هاربًا لابد من القضاء عليه حتى لا يقوم بتحركات مماثلة في المستقبل تهدد أمنهم وسلامتهم.
وكانت الأنصار كما أشار أهل المغازي٣ يتنافسون فيما بينهم تفانيًا في خدمة رسول الله ﷺ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ٤. فلما أصابت الأوس كعبَ بن الأشرف بمبادرة بطولية من جانبهم، فحققوا بذلك سبقا إسلاميًّا على منافسيهم من الخزرج الذين بَدَوْا متحفزين للقيام بدور مماثل، فما أن ندب رسول الله ﷺ إلى ابن أبي الحقيق حتى سارعوا إلى التطوع للانخراط
_________________
(١) ١ الجعل: ما تجعل للغازي إذا غزا عنك بجعل. (لسان العرب، والقاموس، مادة: جعل) . ٢ من رواية ابن عائذ عن عروة. ابن حجر فتح (٧/٣٤٣)، ومغازي ابن عائذ مفقودة كما ذكرنا، ولكن البيهقي رواه من طريقه إلى عروة. انظر الدلائل (٤/٣٨) كما روى ذلك ابن سعد عن جمع من شيوخه. الطبقات (٢/٩١) . ٣ انظر الزهري، المغازي النبوية (١١٣)، وعبد الرزاق، المصنف (٥/٤٠٧-٤٠٨)، وابن هشام، سيرة (٣/٢٧٤)، والواقدي، مغازي (١/٣٩١)، وابن سعد، طبقات (٢/٩١)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٣) . ٤ المطففين (٢٦) .
[ ١٧٣ ]
في هذه المهمة الشاقة على صعوبتها وما يحيط بها من أخطار، فالرجل بعيد عن قاعدة الإسلام: المدينة، وهو في مَنَعة من قومه وحصونهم وحلفائهم من غطفان، ومن أجل ذلك تخيَّر رسول الله ﷺ رجالًا منهم فيهم بعض الشروط المناسبة لهذه المهمة الصعبة، فكان عبد الله بن عتيك رضي الله عنه١ قائدًا لهذه السرية حيث تذكر بعض المصادر أنه كان يتقن العبرية بطلاقة –إضافة إلى صلته السابقة بأبي رافع٢. واهتمت روايات أهل المغازي بتسمية بقية أفراد السرية على خلاف بينها في بعضهم٣، وقد اختلف أهل المغازي في تاريخ هذا البعث اختلافًا كبيرا فروى البخاري تعليقا عن الزهري قال: "هو بعد كعب بن الأشرف"٤. أما ابن إسحاق الذي أخذ روايته عن الزهري، فحدد
_________________
(١) ١ عبد الله بن عتيك بن قيس بن الأسود بن بري بن كعب بن غنم بن سلمة بن الخزرج الأنصاري، لا يختلفون أنه شهد أحدا وما بعدها، وأظنه شهد بدرا، روى عن رسول الله ﷺ وقُتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر سنة ثنتي عشرة، وقيل: بل شهد الصفين مع علي ﵁. خليفة بن خياط، طبقات (١٠٣)، وابن عبد البر، استيعاب، هامش الإصابة (٢/٣٦٤-٣٦٥)، وابن حجر، إصابة (٢/٣٤١) . ٢ ذكر ذلك الواقدي، وكاتبه ابن سعد رواية عن جمع من شيوخه، منهم الواقدي. وذكر خليفة أن أم عبد الله كانت بخيبر، ولكن الواقدي ذكر أنها أمه من الرضاعة. انظر خليفة بن خياط، الطبقات (١٠٣)، والواقدي، مغازي (١/٣٩١-٣٩٢)، وابن سعد، طبقات (٢/٣٩٥) . وربما يؤيد رواية الواقدي وابن سعد ما وقع في روايات الصحيح من أن عبد الله بن عتيك ﵁ حينما دخل على أبي رافع وضربه، ثم رجع إليه كلَّمه كهيئة المغيث، وتكرر ذلك منه مرارا، ولا يمنع أن يكون الحديث بينهما باللغة العربية التي يتقنها أبو رافع، ولكن ما عرف من خبث اليهو د وحذرهم الشديد وجبنهم يجعلنا نستأنس بهذه الروايات على ضعفها. والله أعلم. ٣ اتفق أهل المغازي في أسماء ثلاثة منهم، هم: عبد الله بن أنيس، ومسعود بن سنان، وأبو قتادة. انظر روايات الزهري عند كل من عبد الرزاق، المصنف (٥/٤٠٧-٤٠٨)، وعند ابن إسحاق الذي أخرج روايته ابن هشام، سيرة (٣/٢٧٤)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٤)، وانظر الواقدي، مغازي (١/٣٩١)، وابن سعد، طبقات (٢/٩١)، واختلفوا في الرابع الأسود بن خزاعي، فقلبه بعضهم، وسماه البعض أسود بن حرام، وآخرون أسعد بن حرام. انظر بالإضافة إلى المصادر السابقة عمر بن شبة، تاريخ المدينة (٢/٤٦٥)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٩)، وابن حجر، فتح (٧/٣٤٣)، وإصابة (١/٣٤-٤٢-٤٣)، والشامي، سبل (٦/١٦٨-١٦٩)، وذكر في الصحيح أن فيهم عبد الله بن عتبة الذي وقع الخلاف في اسمه أيضا. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٤٣)، ومغلطاي قلج، الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم (٢١/٩)، والشامي، سبل (١٦٣-١٦٧-١٦٨)، والزرقاني، شرح (٢/١٦٥-١٦٦)، وزاد حماد بن سلمة في روايته فيهم أبيض بن أسود في رواية عمر بن شبة عنه. تاريخ المدينة (٢/٤٦٣)، وبالقلب: أسود بن أبيض في رواية ابن حجر عنه، إصابة (١/٤١) . كما وقع خلاف في نسب عبد الله بن أنيس، والظاهر أنه جهني أصلا، أنصاري سلمي جزرجي حلفا. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٤٣)، والشامي، سبل (٦/١٦٨) . ٤ ابن حجر، فتح (٧/٣٤٠-٣٤٢)، وقد وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن الزهري (قاله ابن حجر، ولم أجد ذلك في كتاب التاريخ المطبوع) ولم يكن مراد الزهري ﵀ أنها كانت بعد قتل كعب بن الأشرف مباشرة كما يتوهم من النص، وإن كان البعض ظن ذلك فوضع لها تاريخا بعده مباشرة. انظر الزرقاني، شرح المواهب (٢/١٦٥) .
[ ١٧٤ ]
تاريخها بعد الخندق، وقريظة مباشرة١، وحددها الواقدي كعادته بدقة فقال: "خرجوا ليلة الإثنين في السَّحَّر لأربعٍ خلون من ذي الحجة على رأس ستة وأربعين شهرا وغابوا عشرة أيام" ولكنه يعقَّب في نهاية روايته "ويقال: كانت السرية في شهر رمضان سنة ست"٢ وهذا هو التاريخ الذي اعتمده كاتبه ابن سعد تاريخا للسرية٣، وذكرها الطبري في حوادث السنة الثالثة٤ ونقل المتأخرون من أهل المغازي أقوالا في تاريخها متعددة لم ينسبوها لأحد وحاول بعضهم الجمع بينها أو الترجيح٥.
وعلى كلٍّ انطلق هؤلاء المغاوير الشجعان ببسالة لإنجاز مهمتهم، ووصية رسول الله ﷺ يتردد صداها على مسامعهم "لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة"٦ حتى إذا ما دَنوا من الحصن الذي يقيم فيه أبو رافع "وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم٧"٨.قال قائد السرية عبد الله بن عتيك لأصحابه:
_________________
(١) ١ ابن هشام، سيرة (٢/٢٧٣)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٣)، وتابعه ابن عبد البر، درر (١٩٥)، والعامري، بهجة (١/١٩٣) . ٢ الواقدي، مغازي (٣٩١-٣٩٥) . ٣ ابن سعد، طبقات (٢/٩١)، وذكر القسطلاني أن ابن سعد ذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي رافع سنة خمس بعد وقعة بني النضير. القسطلاني، المواهب اللدنية (١/١٢٢-١٢٣)، وبالبحث في طبقات ابن سعد المتداولة لم أعثر على ترجمة عبد الله بن عتيك ﵁ فيها، فربما اطلع القسطلاني على نسخة أخرى، والله أعلم. ٤ ذكر ذلك الطبري بصيغة التمريض. انظر الطبري، تاريخ (٢/٤٩٣) . ٥ انظر البيهقي، سنن (٩/٧٨-٧٩) والمقريزي، إمتاع (١/١٨٩)، وابن حجر، فتح (٧/٣٤٢)، والشامي، سبل (٦/١٧٦)، والزرقاني، شرح (٢/١٦٥) . ٦ رواه الزهري مرسلا عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وعن عبد الله بن كعب بن مالك. انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٤٠٧)، وابن هشام، سيرة (٣/٢٧٤) ووقع موصولا في روايات. انظر البيهقي، سنن (٩/٧٧)، وابن حجر، إصابة (٢/٣٤١)، والهيثمي، مجمع (٦/١٩٨) وقال عنه: رواه أبو يعلى، والطبراني. وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وهو ضعيف. ٧ السرح: المال السائم الراعي وسرحت الماشية، أي: أخرجتها بالغداة إلى المرعى (القاموس واللسان: سرح) . ٨ من رواية يوسف بن موسى عند البخاري. ابن حجر، فتح (٧/٣٤١)، ورواها البيهقي بسنده عن البراء، دلائل (٤/٣٧)، كما رواها العامري، بهجة (١/١٩٣) باختصار.
[ ١٧٥ ]
"اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل"١ فأقبل عبد الله –وكان قد فكر بحيلة يستطيع بها خداع البواب فيدخل دون أن يفطن إليه فلما دنا من الباب" تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته٢. وقد دخل الناس فهتف البواب: يا عبد الله٣ إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب٤، قال عبد الله: "فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن٥ فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة٦ فأخذته ففتحت به باب الحصن"٧، "فجعلت كلما أفتح بابا أغلقت عليَّ من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليَّ حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ "٨ وهنا يتذكر عبد الله ﵁ وصية رسول الله ﷺ فإن هو ضرب على غير هدى كخبط عشواء لربما أصاب بعض عياله أو نسائه، لأجل ذلك صاح به ليعرف مكانه "أبا رافع، قال: من هذا؟ "٩ يقول عبد الله: "فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح، فخرجت
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ أي يتبول أو يتبرز وكان الناس في ذلك العهد تعودوا على قضاء حوائجهم خارج بيوتهم، وقد حققت له هذه الحيلة على بساطتها ما كان يهدف إليه حيث ظن البواب أنه من أهل الحصن يقضي حاجته خارجه، فهتف به للدخول غير شاك به. ٣ لم يُرِد اسمه العلم لأنه لو كان كذلك لكان قد عرفه، فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي لأن الجميع عبيد الله. ابن حجر، فتح (٧/٣٤٣) . ٤ من رواية يوسف بن موسى عند البخاري. ابن حجر، فتح (٧/٣٤١) . ٥ كأنه كان للحصن بابان، باب من داخل، وآخر من خارج. ٦ الكوة: بفتح الكاف وبضم، والكوة: الخرق في الحائط، وقيل بالفتح غير النافذة، وبالضم النافذة. ابن حجر، فتح (٧/٣٤٣)، والقاموس، مادة (كوه) . ٧ من رواية أحمد بن عثمان عند البخاري. ابن حجر، فتح (٧/٣٤٢)،وانظر البيهقي، دلائل (٤/٣٥) . ٨ من رواية يوسف بن موسى. ابن حجر، فتح (٧/٣٤١)، وانظر البيهقي، دلائل (٤/٣٧) . ٩ المصدر السابق.
[ ١٧٦ ]
من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟، فقال: لِأُمك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبلُ بالسيف"١. "قال: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا فصاح وأقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلقٍ على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفىء عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي٢ فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل٣ فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية"٤ "فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز"٥ "قال فقمت أمشي ما بي قلبة٦ فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ"٧ "فحدثته، فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط"٨٩.
وهكذا تم بهذا العمل الجريء الشجاع القضاء على مجرم حرب خطير
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ في رواية يوسف بن موسى: "فانكسرت ساقي"، قال ابن حجر: ويجمع بينهما بأنهما انخلعت من المفصل وانكسرت الساق، وقال الداودي: هذا اختلاف، وقد يتجوز في التعبير بأحدهما عن الآخر لأن الخلع هو زوال المفصل من غير بينونة أي بخلاف الكسر. قلت: والجمع بينهما بالحمل على وقوعهما معا أولى، ووقع في رواية ابن إسحاق: "فوثبت يده"، وهو وهم، والصواب: "رجله"، وإن كان محفوظا فوقع جميع ذلك. ٣ الحجل: أن يرفع رجلا ويقفز على الأخرى. (اللسان: حجل) . ٤ من رواية أحمد بن عثمان، ابن حجر، فتح (٧/٣٤٢)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٥) . ٥ من رواية يوسف بن موسى. ابن حجر، فتح (٧/٣٤١)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٧) . ٦ أي: ألمٌ وعلة. ابن الأثير، النهاية (٤/٩٨) . ٧ من رواية أحمد بن عثمان عند البخاري. ابن حجر، فتح (٧/٣٤٢)، وانظر البيهقي، دلائل (٤/٣٥) . ٨ من رواية يوسف بن موسى. ابن حجر، فتح (٧/٣٤١)، وانظر البيهقي، دلائل (٤/٣٧) . ٩ الحديث أخرجه البخاري في الصحيح في باب قتل النائم المشرك ابن حجر، فتح (٦/١٥٥) (باب قتل أبي رافع )، ابن حجر، فتح (٧/٣٤٠-٣٤١-٣٤٢)، ورواه الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. انظر المغازي النبوية (١١٣-١١٤-١١٥)، وعبد الرزاق، المصنف (٥/٤٠٧-٤٠٨)، وابن هشام، سيرة (٣/٢٧٣-٢٧٤-٢٧٥)، كما أخرجه ابن عائذ والبيهقي كلاهما عن عروة. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٤٣)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٨)، ورواه أبو يعلى، المسند (٢/٢٠٤-٢٠٥-٢٠٦) والطبراني وأخرجها عنه الهيثمي، مجمع (٦/١٩٧) لأنها من القسم المفقود من المعجم، وذكر ابن حجر أن الحاكم قد روى الخبر في إكليله. ابن حجر، فتح (٧/٢٤٣)، وكتاب "الإكليل" مفقود أيضا، والخبر رواه أهل المغازي. انظر الواقدي، مغازي (١/٣٩١-٣٩٤)، وابن سعد، طبقات (١/٩١-٩٢)، والطبري، تاريخ (٣/٤٩٣-٤٩٩)، وابن حزم، جوامع (١٩٨-١٩٩)، وابن عبد البر، درر (٢٠٩-٢١١)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٣-٣٩) .
[ ١٧٧ ]
كان له دور بارز ومميز في تحزيب الأحزاب ضد المسلمين، فنال بذلك القصاص العادل الذي يستحقه بالفعل، فلو أراد الله ﷿ ونجحت مخططات الأحزاب لكان في ذلك القضاء المبرم على المسلمين ولكن الله سلَّم، وفشلت مخططاتهم وهزمهم الله وحده وقتل الله حُييَّ بن أخطب مع بني قريظة، ثم قضى على أبي رافع بمبادرة بطولية من الخزرج فتخلص المسلمون من عدوين خطيرين كان في بقائهما تهديد كبير لأمنهم وسلامتهم.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصرَّ، وقَتْلِ من أعان على رسول الله ﷺ بيده، أو ماله أو لسانه، وجواز التجسيس على أهل الحرب وتطلُّب غِرتهم، والأخذِ بالشدة في محاربة المشركين، وتعرُّضِ القليل من المسلمين للكثير من المشركين، والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته١.
ومما يستفاد من الحديث أيضا النهي عن قتل النساء والولدان إلا إذا كانوا من قوم مبيّتين، وهي مسألة خلافية حيث فيها هذا الحديث وحديث الصعب بن جثامة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يُسأل عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال النبي ﷺ "هم منهم"٢.
قال الشافعي: فكان سفيان بن عيينة يذهب إلى أن قول النبي ﷺ: "هم منهم" إباحة لقتلهم، وأن حديث ابن أبي الحقيق ناسخ له، قال: وكان الزهري إذا حدَّث بحديث الصعب بن جثامة أتبعه بحديث ابن كعب بن مالك. قال الشافعي ﵀: وحديث الصعب بن جثامة في عمرة النبي ﷺ
_________________
(١) ١ ابن حجر، فتح (٧/٣٤٥) . ٢ محمد فؤاد عبد الباقي، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (٢/٢٣٧) .
[ ١٧٨ ]
فإن كان في عمرته الأولى فقد قتل ابن أبي الحقيق قبلها وقيل في سنتها، وإن كان في عمرته الآخرة فهو بعد أمر ابن أبي الحقيق غير شك، ولم نعلمه رخص في قتل النساء والولدان، ثم نهى عنه، ومعنى نهيه عندنا والله أعلم عن قتل النساء والولدان أن يقصد قصدهم بقتل وهم يُعرفون مميَّزِين ممن أمر بقتله منهم"١.
وما أشار إليه الشافعي وجيه لأن التبييت من نتائجه عدم التفريق بين الرجال والنساء والأطفال لحدوثه في الظلام، ولأجل المباغتة التي هي عنصر أساسي للتبييت، أما حديث أبي رافع فهو لإنسان مخصوص بعينه ومعروف، فلا يجوز قتل من سواه إذا اجتُهِد في الخلوص إليه، ومعرفة مكانه وهو ما حدث من الصحابي الذي قتله، والله أعلم.
وقد علق البيهقي على إمكانية حدوث النسخ بين الحديثين من عدمه بأن ساق رواية ابن إسحاق التي ذكر فيها أن قتل ابن أبي الحقيق كان بعد الخندق، قال: "ثم غزا بني المصطلق في شعبان سنة ست، ثم خرج في أول ذي القعدة معتمرًا عام الحديبية".
قال الشيخ:
ثم كانت عمرته التي تسمى عمرة القضاء، ثم عمرة الجعرانة ثم عمرته سنة حجته كلهن بعد ذلك، وقتل ابن أبي الحقيق كان قبلهن، فكيف يكون نهيه في قصة ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان ناسخًا لحديث الصعب ابن جثامة الذي كان بعده٢.
_________________
(١) ١ البيهقي، سنن (٩/٧٨) . ٢ البيهقي، سنن (٩/٧٨-٧٩) .
[ ١٧٩ ]
البعث إلى اليسير بن رزام
بعد أن نجحت سرية المغاوير الخزرجية باغتيال أبي رافع زعيم يهود خيبر بعد حُيي بن أخطب اختارت اليهود رجلا شجاعًا منهم ليكون أميرا عليهم.
اختلفت المصادر التاريخية في اسمه واسم أبيه، فمنها ما سماه أُسير بن زارم١، وقيل: ابن رزام٢، ويقال: ابن رقرام٣، ولكن الأكثر على أنه اليُسير بن رزام٤.
وما أن تقلد اليسير مهام منصبه كزعيم اختير تقديرًا لشجاعته حتى أصرَّ على أن يثبت لهم أنه أهل لهذا الاختيار فقرر إكمال مهمة سلفه والقيام بمحاولة جديدة لحشد اليهود وحلفائهم غطفان وتوجيه طاقاتهم لمباغتة المسلمين في عقر دارهم٥.
ولكن عين رسول الله ﷺ لا تنام عن أعداء الإسلام المتربصين ولا تغفل عن تحركاتهم العدوانية ضد قاعدته الحصينة.
حيث وصلته الأخبار من أحد عيونه في خيبر بنوايا اليُسير ونشاطاته المشبوهة ضد المسلمين كما يذكر الواقدي٦.
ولكن رسول الله ﷺ أراد أن يستوثق من تلك الأخبار، فيذكر ابن سعد
_________________
(١) ١ سماه كذلك الواقدي، مغازي (٢/٥٦٦)، وتابعه كاتبه ابن سعد، طبقات (٢/٩٢) . ٢ ذكر ذلك ابن هشام في زياداته، سيرة (٣/٦١٨) . ٣ ورد اسمه هكذا في الإصابة. ابن حجر، إصابة (٢/٣٠٦)، ولعل ذلك تصحيف رزام؛ لأن كتاب الإصابة المتداول غير محقق علميًّا وتكثر فيه التصحيفات. ٤ وقع ذلك في روايات عروة. انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥١٧)، وابن سيد الناس، عيون (٢/١٦٤)، وفي روايات الزهري. انظر البيهقي، دلائل (٤/٢٩٤)، وباقشيش، مرويات (٢/٤٣١-٤٣٢)، وفي رواية ابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (٣/٦١٨) . ٥ يذكر الواقدي أنه قام في اليهود فقال: إنه والله ما سار محمد إلى أحد من اليهود إلا بعث أحدا من أصحابه فأصاب منهم ما أراد، ولكني أصنع ما لا يصنع أصحابي، فقالوا: ما عسيت أن تصنع ما لم يصنع أصحابك؟، قال: أسير في غطفان فأجمعهم، فسار في غطفان، فجمعها، ثم قال: يا معشر اليهود، نسير إلى محمد في عقر داره، فإنه لم يُغز أحد في داره إلا أدرك منه عدوه بعض ما يريد، قالوا: نعم ما رأيت، الواقدي، مغازي (٢/٥٦٦) . ٦ ذكر الواقدي في روايته عن ابن عباس ﵄: أنه قدم على رسول الله ﷺ خارجة بن حسيل الأشجعي، فاستخبره رسول الله ﷺ ما وراءه فقال: تركت أسير بن رزام يسير إليك في كتائب اليهود. الواقدي، مغازي (٢/٥٦٦-٥٦٧) .
[ ١٨٢ ]
أنه أرسل (دورية استطلاع منطقة) ١ صغيرة إلى خيبر قوتها ثلاثة أفراد بإمرة قائد خيبر بمنطقة خيبر وأهلها هو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه٢.
انطلقت الدورية في رمضان ووصلت خيبر سرًّا وهناك وزع القائد أفرادها على حصونها الرئيسية-الشق، والنطاة، والكتيبة.
فدخلوا مع الناس يسمعون منهم ويرون بأعينهم حال أهل خيبر وما يتكلمون به، خلال أيام رجعوا بعدها إلى رسول الله ﷺ بتقرير مفصل يؤكد المعلومات السابقة، فقرر رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن رواحة ﵁ ثانية إلى خيبر، ولكن هذه المرة على رأس٣ فرقة مغاوير تطوعية قوتها ثلاثون رجلا من بينهم عبد الله بن أنيس رضي الله عنه٤ للإفادة من شجاعته وخبرته في هذا المجال.
و"في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ"٥ كما أرخها
_________________
(١) ١ استطلاع المنطقة: مجموعة معلومات عن العدو أو الأرض أو الاثنين معا داخل الحدود المعينة، قد يستخدم عندما يكون الموقف غامضا ويتطلب استطلاعا على جبهة عريضة باهر عبد الهادي مصطلحات (١٦) . ٢ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس بن مالك بن الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، الشاعر المشهور، يكنى أبا محمد، وأمه كبشة بنت واقد بن عمرو، خزرجية أيضا، وليس له عقب، من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أحد النقباء ليلة العقبة كان يكتب للنبي ﷺ وهو الذي جاء ببشارة وقعة بدر إلى المدينة، شهد بدرا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. ابن سعد، طبقات (٣/٥٢٥-٥٢٦، ٦١٢)، وابن حجر، إصابة (٢/٣٠٦) . ٣ ذكر عروة في روايته أن قائد السرية هو عبد الله بن عتيك. انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥١٧)، والبيهقي، دلائل (٤/٢٩٣) . وقد ذكر الشامي أن ذلك من رواية ابن عائذ. سبل الهدى (٦/١٧٧) في حين يذكر ابن سيد الناس أنه من رواية شيخه الوليد، وأن غير الوليد قال: بعث عبد الله بن رواحة. عيون الأثر (٢/١٦٤)، قال محقق دلائل النبوة للأصبهاني: لعل الاشتباه نشأ من حيث إن سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع كانت سبب هذه السرية. أبو نعيم، دلائل (٤٥٠) . قلت: ربما كان ذلك هو السبب، أو أن الوهم وقع من ابن لهيعة أحد رواة عروة، فإنه اختلط بعد احتراق كتبه، خاصة إذا علمنا أن ذلك الوهم وقع في روايتي أبي نعيم والبيهقي عن عروة أيضا. انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥١٧)، والبيهقي، دلائل (٤/٢٩٣) . ٤ مرت ترجمته. ٥ انظر الواقدي، مغازي (٢/٥٦٦)، وابن سعد، طبقات (٢/٩٢) واللفظ له. وقد أوردها البيهقي وابن القيم بعد فتح خيبر. وانظر البيهقي، دلائل (٤/٢٩٠-٢٩٣)، وابن القيم، زاد (٣/٣٥٩-٣٦٠) . قال الشامي: "قال في النور: وهو الذي يظهر؛ فإنهم قالوا: إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك ليستعملك على خيبر، هذا الكلام لا يناسب أن يقال: إنها قبل الفتح، والله أعلم. قلت: كونها قبل خيبر أظهر، قال في القصة: إنه سار في غطفان وغيرهم قطعا إذ لم يصدر من يهود بعد فتح خيبر شيء من ذلك، وقول الصحابة لأسير بن رزام: إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك ليستعملك على خيبر لا ينافي ذلك؛ لأن مرادهم باستعماله المصالحة وترك القتال والاتفاق على أمر يحصل له بذلك، والله أعلم". الشامي، سبل (٦/١٧٨) . وكتاب النور الذي أشار إليه الشامي لم أعثر عليه، وإنما وجدت كتابا باسم نور العيون لمؤلفه ابن سيد الناس، وهو اختصار
[ ١٨٣ ]
الواقدي وكاتبه ابن سعد، بينما ذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت خمس١.
انطلقت السرية إلى هدفها في خيبر بعد الاتفاق على خطة استدراجية مغايرة تماما لخطة الفرقة الخزرجية التي قتلت أبا رافع، ومشابهة لخطة الأوسية التي قتلت كعب بن الأشرف، وكانت ترتكز أساسا على تقرير الدورية الاستطلاعية الذي ورد فيه معلومات دقيقة عن اليُسير وشخصيته فوضعت الخطة بناء على ذلك "فأتوه فقالوا: إنا أرسلنا إليك رسول الله ﷺ ليستعملك على خيبر"٢.
تردد اليُسير في البداية، ولكنهم ما زالوا به يغرونه ويمنُّونه حتى طمع فيما قالوا، وشاور اليهود فخالفوه في الخروج، ولكنه أصرَّ عليه فخرج في رفقة ثلاثين يهوديًّا لحراسته ركب كل منهم مع رديف من المسلمين أفراد السرية، وحمل عبد الله بن أنيس اليُسير على بعيره.
"فلما بلغوا قرقرة ثبار٣ وهي من خيبر على ستة أميال ندم اليُسير٤
_________________
(١) شديد لكتابه "عيون الأثر" حيث يشير فيه للأحاديث إشارات عابرة ومختصرة جدًّا، وهو مخطوط يقع ضمن مجموعات. ١ انظر خليفة، تاريخ (٧٧) . ٢ من رواية عروة، انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥١٧) . ٣ قرقرة ثبار، قاع جنوب خيبر بين الحرة والصهباء المعروفة اليوم باسم جبل عطوة، على ستة أكيال من خيبر يقسمه الطريق إلى المدينة، ويسمى اليوم قعقران. البلادي، معجم (٢٥٣)، وقد ذكر البكري أنها تسمى قرقرة الكدر. البكري، معجم (٣/١٠٦٦) . ٤ في رواية الدلائل (البشير) وأظنه تصحيفا.
[ ١٨٤ ]
فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له عبد الله، فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم، حتى إذا استمكن من اليُسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم اليُسير وفي يده مخرش١ من شوحط٢ فضرب به وجه عبد الله فشجه شجة مأمومة٣، وانفكأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدًّا، ولم يصب من المسلمين أحد وقدموا على رسول الله ﷺ فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح، ولم تؤذه حتى مات٤٥.
_________________
(١) ١ بميم مكسورة فخاء معجمة ساكنة فراء مفتوحة: عصا معوجة الرأس. الصالحي، سبل (٦/١٨٠) . ٢ الشوحط: شجر تتخذ منه القسي. (القاموس، واللسان، والصحاح: "شحط") . ٣ الشجة المأمومة: التي تبلغ أم الرأس وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. الصحاح مادة "شج"، والصالحي، سبل (٦/١٨٠) . ٤ من رواية موسى بن عقبة عن الزهري. انظر البيهقي، دلائل (٤/٢٩٤)، وباقشيش، مرويات (٢/٤٣٢) واللفظ له، وقارن مع رواية عروة، أبو نعيم، دلائل (٢/٥١٧) . ٥ ورد الحديث عن طريق أهل المغازي بطرق مختلفة وبروايات مرسلة، فقد رواه عروة وأخرجه عنه كل من أبي نعيم، دلائل (٢/٥١٧)، والبيهقي، دلائل (٤/٢٩٣) باختصار شديد، وابن سيد الناس، عيون (٢/١٦٤) باختصار أيضا، كما رواه الزهري، وأخرج روايته من طريق موسى بن عقبة كل من البيهقي، دلائل (٤/٢٩٤)، وباقشيش، مرويات (٢/٤٣١، ٤٣٢) . ورواه ابن إسحاق بلا سند، ابن هشام، سيرة (٣/٦١٨)، وابن سعد عن جمع شيوخه، طبقات (٢/٩٢)، ولم يروه موصولا إلا الواقدي بسنده عن ابن عباس ﵄، ورواية أخرى مختصرة عن عبد الله بن أنيس ﵁ ورواية مختصرة أيضا عن عروة. انظر المغازي (٢/٥٦٦-٥٦٨)، ولكن الواقدي متروك عند المحدثين خاصة إذا انفرد، وهكذا فإن جميع مرويات الخبر لا تخلو من مقال، ولكنه قد يقوى بتعدد طرقه، وقد ذكر باقشيش أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن لغيره. مرويات موسى بن عقبة (٢/٤٣١) .
[ ١٨٥ ]
سرية أبي قتادة بن ربعي إلى خضرة١
_________________
(١) ١ هذه السرية لا تدخل ضمن النطاق الجغرافي لهذا البحث ولكن بما أن ابن إسحاق قد ذكر أنها سرية استطلاعية توجهت إلى الغاية القريبة من المدينة، ثم تطورت الأحداث بعد ذلك حتى أصبحت من السرايا ذات المهمات الصعبة، وبسبب احتمال تعدد القصة أدرجتها هنا مجتهدًا توضيح أمرها، والله تعالى أعلم.
[ ١٨٦ ]
وقع الخلاف بين أهل المغازي في هذه السرية، فذكر الواقدي أنها كانت سرية (تعرُّضية) بقيادة أبي قتادة بن ربعي١ ﵁، وذكر فيها مشاركة عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنهما٢ الذي جاء يستعين رسول الله ﷺ على نكاحه، فأرسله مع هذه السرية إلى غطفان نحو نجد٣ لعله يصيب مهر زوجته، وفعلًا غنموا في تلك السرية نَعَمًا كثيرة وغنما بحيث كانت سُهمَانهم اثني عشر بعيرا٤، وقد أخرج الهيثمي رواية عن الإمام أحمد مشابهة تماما لرواية الواقدي٥.
وكذلك أخرج الإمام مسملم في صحيحه٦ رواية مشابهة غير أنه لم يذكر فيها اسم الصحابي المستعين برسول الله صلى الله عليه وسلم٧، ولكن هناك بعض القرائن الدالة على وحدة القصة مثل التاريخ الذي ذكره الواقدي للسرية لا يتعارض مع
_________________
(١) ١ أبو قتادة ربعي الأنصاري، مشهور أن اسمه الحارث، وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكلبي بأن اسمه النعمان، وقيل اسمه عمرو، اختلف في شهوده بدرا، واتفقوا على أنه شهد أحدا وما بعدها، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ. كانت وفاته بالكوفة في خلافة علي بعد أن شهد معه مشاهده، وقال خليفة: "ولاه على مكة". ابن حجر، إصابة (٤/١٥٨-١٥٩) . ٢ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، أبو محمد، له ولأبيه صحبة، وقال ابن منده: لا خلاف في صحته، وقال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية ثم خيبر، وقال ابن عساكر: روى عن النبي ﷺ، وروى عن عمر، روى عنه يزيد بن عبد الله بن قسيط، وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، زابنه القعقاع، شهد الجابية مع عمر. قال المدائني والواقدي ويحيى بن سعيد وابن سعد: مات سنة إحدى وسبعين وله إحدى وثمانون سنة. ابن حجر، إصابة (٢/٢٩٤-٢٩٦) . ٣ عنون لها الواقدي بقوله (سرية خضرة أميرها أبو قتادة) . ٤ انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٧-٧٨٠) . ٥ انظر الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٦-٦٠٧)، ولم أجد له هذه الرواية بنفس السياق في المسند، بل وجدت رواية مختصرة، فربما كانت هذه الرواية من الجزء الساقط من المسند، والله أعلم.. ٦ النووي على مسلم (٩/٢١٠-٢١١) . ٧ اختلفت الروايات في تسمية الصحابي المستعين برسول الله ﷺ فرواية ابن خياط والطبري عن ابن إسحاق، والواقدي، وابن حجر ورد اسمه عندهم (عبد الله بن أبي حدرد) ونسبته رواية ابن هشام إلى أبيه، بينما وقع اسمه في رواية أحمد، ورواية البيهقي عن ابن إسحاق (أبو حدرد الأسلمي) ولعل الخلاف وقع لكون كل منهما له صحبة، فلعله اشتبه على بعض الرواة فجعلهما واحدا، أو أن كلمة ابن سقطت من بعض النساخ فتلقفها من بعده أبو حدرد، وباعتبار أن كليهما له صحبة لم يشك في الأمر وأمضاه. والله تعالى أعلم.
[ ١٨٨ ]
إمكانية رواية أبي هريرة ﵁ للخبر في الصحيح١.
كما أن منطقة عمليات السرية وهدفها الذي توجهت إليه يكاد يكون واحدا في كلا الروايتين، ففي رواية الصحيح أنه ﷺ بعثهم إلى بني عبس، وفي رواية الواقدي أنه بعثهم إلى غطفان نحو نجد، ومعلوم أن بني عبس من غطفان ومسكنهم في نجد٢ فرواية الصحيح أخص وأدق من رواية الواقدي.
وكذلك كون المرأة من الأنصار في الروايتين، وتقارب قيمة المهر المدفوع فيهما هو مائتا درهم في رواية الواقدي، وأربع أواق في رواية الصحيح، وقد صرح ابن حجر في "الإصابة" في رواية مختصرة ولكنها مماثلة لرواية الصحيح –خاصة فيما يتعلق بقيمة المهر- أنه ابن أبي حدرد نفسه٣.
فكل هذه القرائن٤ تعطينا بعض الدلائل التي يمكن بواسطتها الحكم بوحدة القصة، وبالتالي ترجيح رواية الواقدي الموافقة للصحيح على رواية ابن إسحاق الضعيفة من الناحية الحديثية٥ والتي يذكر فيها أن هذه السرية سرية استطلاعية بعثها رسول الله ﷺ إلى الغابة٦ بقيادة عبد الله بن أبي حدرد نفسه، وذلك
_________________
(١) ١ لأن أبا هريرة ﵁ لم يهاجر إلا بعد خيبر، والتاريخ الذي ذكره الواقدي للسرية هو شعبان سنة ثمان، كما أن ابن حجر قد ذكر أن أول مشاهد عبد الله الحديبية ثم خيبر. ٢ انظر الكلبي، جمهرة النسب (٤١٤) . ٣ ابن حجر، إصابة (٢/٢٩٥) . ٤ استدل بعض أهل المغازي بقرينة واحدة هي عدد سهمان الجيش على جعل هذه السرية هي السرية التي خرج فيها ابن عمر ﵄ وجاء ذكرها في الصحيحين. انظر ابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٩)، والشامي، سبل (٦/٢٩٠)، وابن حجر، فتح (٨/٥٦)، والزرقاني، شرح (٢/٢٨٤) . ٥ وردت رواية ابن إسحاق بثلاث صيغ إحداها مبهمة أخرجها ابن هشام، والثانية منقطعة أخرجها البيهقي، والثالثة متصلة أخرجها عنه الطبري بسند ضعيف، فكل الروايات الثلاث لا تخلو من مقال. والله أعلم. ٦ الغابة: هي أرض من مقصر جبل أحد إذا أكنع في قناة إلى الشمال، تشمل مدفع وادي النقمي في الخليل، ويمكن اعتبار الخليل كله من الغابة. البلادي، معجم (٣٢٢) . وينقل عبد القدوس الأنصاري مشاهداته عن الغابة فيذكر: أنها أرض ذات شجر متكاثف وبها شقوق هائلة غائرة في بطن الأرض، وأنه لاحظ بأطراف هذه الشقوق تقوم شجيرات الأثل والطرفاء القصيرة. عبد القدوس الأنصاري، آثار المدينة المنورة (ص ١٢٦-١٢٧) . قلت: قد تغير حال الغابة الآن فلم تعد غابة كما كانت من قبل حيث دخل بعض أرضها في مزارع الخليل، والبعض الآخر أصبح أرضا جرداء فيها بقايا من الشجر الأثل القصير يحكي قصة الغابة المندثرة.
[ ١٨٩ ]
لاستطلاع خبر رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس –أو قيس بن رفاعة- كان قد أقبل "في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسًا على حرب رسول الله ﷺ، وكان عبد لله بن أبي حدرد قد استعان برسول الله ﷺ في صداق امرأة تزوجها وأصدقها مائتي درهم، فلم يجد رسول الله ﷺ ما يعينه به، فلما أقبل هذا الرجل بقومه، استدعاه رسول الله ﷺ، وبعثه ورجلين معه في هذه السرية، وفي الغابة تطورت المهمة وباجتهاد من أصحاب السرية من الاستطلاع إلى هجوم ليلي مكثف على حاضر القوم بعد قتل صاحبهم رفاعة بن قيس فنجحوا في ذلك وفر الأعراب بنسائهم وأطفالهم وما خف من أموالهم تاركين نَعَمًا كثيرة خلفهم١.
وساق الطبري الروايتين تحت عنوان (سرية وجهها رسول الله ﷺ في شعبان أميرها أبو قتادة) ٢.
أما بقية أهل المغازي فمنهم من تابع ابن إسحاق٣، ومنهم من تابع الواقدي٤. وفرق بنهما ابن سيد الناس، فساق روايتي ابن إسحاق والواقدي في مكانين مختلفين من كتابه باعتبار أنهما سريتان منفصلتان٥.
بينما جمع الشامي كعادته بين روايات أهل المغازي وأهل الحديث، واعتبرها حادثة واحدة٦.
أما الحلبي فبعد أن ساق الروايتين ذكر أن البعض اعتبرها قصة واحدة، ثم علق على ذلك بقوله: "ولا يخفى أن السياق في كل يبعد كونهما واحدة"٧.
_________________
(١) ١ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٢٩) . ٢ انظر الطبري، تاريخ (٣/٣٤-٣٥) . ٣ انظر خليفة بن خياط، تاريخ (١٨٥)، والسهيلي، الروض (٧/٤٩١-٤٩٢)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٠٣)، وابن القيم، زاد (٢/١٥٠)، وابن كثير، بداية (٤/٢٢٣-٢٢٤) . ٤ انظر ابن سعد، طبقات (٢/١٣٢-١٣٣)، لكنه لم يشر إلى مشاركة ابن أبي حدرد في السرية. ٥ انظر ابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٩-٢١١) . ٦ انظر الشامي، سبل (٦/٢٨٧) . ٧ انظر الحلبي، سيرة (٣/٢٠٦) .
[ ١٩٠ ]