الفصل الأول: السرايا ذات المهمات الخاصة
السرايا التعقبية
سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار
الفصل الأول: "السرايا ذات المهمات الخاصة"
وتشتمل: سرايا تعقبيَّة – وهي:
١) سرية سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى الخرَّار.
٢) سرية كرز بن جابر ﵁ لمطاردة المفسدين من الأعراب.
٣) سرية حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ لمطاردة هبَّار بن الأسود وصاحبه.
٤) سرية أبي عامر الأشعري ﵁ إلى أوطاس.
وبعوث تعليمية، ودعوية –وهي:
١) بعث الرجيع.
٢) بعث بئر معونة.
٣) بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى بني جذيمة –دعوية.
وسرايا ذات مهمات أخرى –مثل:
١) سرية عبد الله بن غالب الليثي إلى بني الملوح –تأديبية.
٢) سرية أبي قتادة بن ربعي إلى بطن أضم –تحويلية.
[ ١٩٢ ]
مقدمة
وتتوالى البعوث والسرايا النبوية على اختلاف مهماتها وأهدافها والتي تصب جميعا في بوتقة واحدة وهي بوتقة العقيدة، وتصهر لصالح خدمة الدعوة الإسلامية، كان منها سرايا تعقيبية اختلفت أهدافها وظروفها، منها ما كان لمطاردة الفارين من وجه العدالة مثل سعد بن أبي وقاص ﵁ لتعقُّب كرز بن جابر الفهري وأصحابه الذين أغاروا على سرح المدينة. ويمضي الزمن وتشاء قدرة الخالق ﷿ أن يكون المُتَعَقَّب متعقِّبًا، فهذا كرز بن جابر ﵁ بعد أن يسلم يقود سرية مطاردة لتعقب المفسدين في الأرض من عكل وعرينة الذين قتلوا راعي النبي ﷺ وفروا بلقاحه فيظفر بهم كرز ﵁ ويقدِّمهم للعدالة الشرعية.
وكان منها سرية بعثها النبي ﷺ لمطاردة هبَّار بن الأسود وصاحبه اللذين تعرضا لزينب بنت رسول الله ﷺ.
وفي أعقاب هزيمة هوازن وثقيف في حنين يجهِّز رسول الله ﷺ سرية مطاردة تعقُّبية بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁ ويأمرهم بمطاردة فلول الهاربين من ميدان المعركة والقضاء عليهم قبل تجمعهم مرة ثانية حيث ينجح في مهمته ويستشهد في أرض المعركة.
وقد كانت هذه السرايا التعقُّبية في أغلب الأحيان عبارة عن دوريات
[ ١٩٣ ]
صغيرة القوة خفيفة الحركة، أوكلت إليها مهمات سريعة، وكان يتم تجهيزها بسرعة ومن أماكن مختلفة في بعض الأحيان من ميادين القتال، وقد تنجح هذه الدوريات في أهدافها القصيرة المدى (الوقتية) وربما لا تحقق ذلك، ولكنها على الراجح كانت تحقق الأهداف البعيدة المدى والتي يتمثل بعضها في إثارة الرعب في صفوف الأعداء وإشعارهم بيقظة المسلمين التامة لهم، وردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على أي فرد من المسلمين في المستقبل، كما أن في دوريات المطاردة الميدانية بالغ الأثر في القضاء المبرم على فلول الأعداء الهاربين من أمام المسلين حتى لا يستطيعوا التحشد ثانية ضد المسلمين.
[ ١٩٤ ]
عندما بلغ رسول الله ﷺ في تعقُّبه كرز بن جابر١ الذي أغار على سرح المدينة٢، واستاقه معه –وادي سفوان من ناحية بدر٣، وقد فاته كرز بالسرح، استنتج ﷺ بذكائه العسكري المعروف أنه لن يستطيع اللحاق به بقوات قد تكون بطيئة الحركة نوعا ما في سيرها الاقترابي، لذلك جهَّز على الفور "دورية تعقُّبية"٤ صغيرة، قوتها "ثمانية رهط من المهاجرين"٥ وأسند القيادة فيها إلى رجل من أصحابه، معروف عنه سرعة البديهة في المناورة، وقد سبق له أن حقق نجاحا ملموسا على مستوى السرايا الاعتراضية
_________________
(١) ١ كرز بن جابر حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري، كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، استشهد في الفتح. انظر ابن حجر، إصابة (٣/٢٩٠-٢٩١) . ٢ السرح: المال السائم. (القاموس: سرح) . ٣ سميت تلك الغزوة ببدر الأولى. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠١) . ٤ اختلف أهل المغازي في مهمة هذه السرية، وهل كانت اعتراضية أم تعقبية؟ فالواقدي وكاتبه ابن سعد ذكرا أن هذه السرية كانت اعتراضية. انظر الواقدي، مغازي (١/١١)، وابن سعد، طبقات (٢/٤) . ولم يوضح ابن إسحاق مهمتها. انظر خليفة، تاريخ (٦٢)، وابن هشام، سيرة (٢/٦٠٠)، والبيهقي، دلائل (٢-١٣-١٤) . أما ابن حزم، وابن عبد البر: فقد ذكرا أن هذه السرية كانت لتعقُّب كرز بن جابر الذي أفلت من النبي ﷺ. انظر ابن حزم، جوامع (١٠٤)، وابن عبد البر، درر (١٠٦) . وفي اعتقادي أن ذلك هو الصواب، بناء على الوقت الذي خرجت فيه السرية وقوتها الصغيرة المناسبة لهذه المهمة التي لا تتطلب عددا كبيرا من القوات لأجل خفة الحركة في المسير الاقترابي، وابن حزم وابن عبد البر لم يوضحا مصدر معلوماتهما عن هذه السرية، ولكن غالب الظن أن مصدرهما هو مغازي موسى بن عقبة، الذي كثيرا ما يلخصان قوله. والله تعالى أعلم. ٥ من رواية ابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٠) . وقد اختلف في قوة السرية أيضا، فابن إسحاق وابن حزم وابن عبد البر: ذكروا أنهم كانوا ثمانية رهط فقط. ابن حزم، جوامع (١٠٤)، وابن عبد البر، درر (١٠٦) . أما الواقدي وابن سعد فقد ذكرا أن عددهم يتراوح ما بين العشرين إلى الواحد والعشرين فردا. انظر الواقدي، مغازي (١/١١)، وابن سعد، طبقات (٢/٧) . وقد اتفق الجميع على أنهم كانوا جميعا من المهاجرين ليس فيهم أنصاري واحد.
[ ١٩٦ ]
التي سبقت هذه السرية، ذلكم هو سعد بن أبي وقاص ﵁ و"عقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني١"٢.
وفي الحال٣ انطلقت الدورية في إثر كرز بن جابر ومن معه لعلها تلحق بهم قبل أن يدخلوا منطقة نفوذ قريش وحلفائها الواقعة بعد الخرَّار الذي حذَّرهم رسول الله ﷺ من مجاوزته. ولكن كرزًا تمكن من الإفلات أيضا فلم يستطع سعد الإمساك بهم حتى منطقة "الخرَّار من أرض الحجاز"٤ التي رجع منها.
_________________
(١) ١ المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراني، ثم الكندي، ثم الزهري حالف أبوه كندة، وتبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري فنسب إليه، صحابي مشهور من السايقين، ولم يثبت أنه كان ببدر فارس غيره، هاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها، مات سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة. انظر ابن حجر، إصابة (٣/٤٥٤)، وتقريب (٥٤٥) . ٢ من رواية ابن سعد، طبقات (٢/٧) . ٣ اختلف أقوال أهل المغازي في تحديد تاريخ هذه السرية حيث جعلها الواقدي وكاتبه ابن سعد في السنة الأولى، وبالتحديد في شهر ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة. انظر الواقدي، مغازي (١/١١)، وابن سعد، طبقات (٢/٧) . أما ابن إسحاق وابن حزم وابن عبد البر فأرَّخوا لها في السنة الثانية على خلاف بينهم في الشهر الذي أُرسلت فيه، فابن إسحاق ذكرها بعد غزوة العشيرة التي أرَّخ لها في جمادى الأولى. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٥٩٩-٦٠٠) . وقد خالفه ابن حزم وابن عبد البر، فذكرا أن رسول الله ﷺ بعثها خلال غزوة بدر الأولى. انظر ابن حزم، جوامع (١٠٤)، وابن عبد البر، درر (١٠٦) . وذكر ابن هشام في زيادات السيرة عن بعض أهل العلم: "أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة". وابن هشام، سيرة (٢/٦٠٠) . وبتحليل الأقوال السابقة نرى أن الواقدي وكاتبه قد جعلا هذه السرية مع السريتين اللتين قبلها في السنة الأولى، وفي أشهر متتالية هي رمضان، شوال، وذي القعدة، وكان الهدف منها دائما عير قريش. وإذا تمعَّنا في هذا القول جيدا عرفنا أنه يستلزم منه أن تكون هناك حركة قوافلية متتابعة إلى الشام بحيث تكون هناك أكثر من قافلة في الشهر؛ لأن الرحلة للقافلة في ذلك الوقت تستغرق شهرين ذهابا وإيابا من مكة إلى الشام، فهل يعقل أن تقدم قريش على إرسال هذا الكم من القوافل والحالة الأمنية لطريقها مهددة من قبل المسلمين؟ لذا فأنا أميل إلى قول من جعلها في السنة الثانية وخلال غزوة بدر الأولى، لأن ذلك يتناسب مع واجبها الذي انطلقت لأجله وهو تعقُّب كرز والسرح كما ذكرنا سابقا. ٤ من رواية ابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٠٠) . والخرَّار –بفتح أوله وتشديد ثانيه وبعده راء أخرى على وزن فعَّال- ماء لبني زهير وبني بدر، وهو واد بالحجاز يصب على الجحفة، وفيه آبار عن يسار الجحفة قريب من خمِّ، يقع شرق رابغ على قرابة خمسة وعشرين كيلًا. انظر ابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبكري، معجم ما استعجم (٢/٤٩٢)، والبلادي، معجم معالم السيرة (١١٢) .
[ ١٩٧ ]
امتثالًا لأمر القائد الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) ١ الخبر رواه ابن إسحاق بلا سند، وذكره بعد غزوة العشيرة. انظر خليفة، تاريخ (٦٢)، وابن هشام، سيرة (٢/٦٠٠)، والبيهقي، دلائل (٣/١٣-١٤) . كما رواه ابن حزم، جوامع (١٠٤)، وابن عبد البر، درر (١٠٦) بلا سند أيضا، وذكراها بعد بدر الأولى. وقد اعتمدتُ روايتهما لمناسبتها لسياق الأحداث مع الإفادة من بعض المعلومات التي وردت في المصادر الأخرى. وروى الواقدي وابن سعد الخبر بسياق يختلف كثيرا من حيث التاريخ، والهدف، والقوات المشاركة. انظر الواقدي، مغازي (١/١١)، وابن سعد، طبقات (٢/٧) . هذا وقد أوضحت هذا الاختلاف مع الترجيح فيما مضى –والله تعالى أعلم.
[ ١٩٨ ]
سرية كرز بن جابر لمطاردة المفسدين من الاعراب
سرية كرز بن جابر الفهري لمطاردة المفسدين من عكل وعرينة
(تعقُّبية)
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]
[ ١٩٩ ]
في السنة السادسة الهجرية باتفاق أهل المغازي١ قدم على رسول الله ﷺ رهط من الأعراب اختُلف فيهم وفي عدتهم، ففي رواية عن أنس أنهم كانوا "رهطا من عكل ثمانية"٢، وقيل: بل من عرينة٣، وذكر ابن إسحاق أنهم "من قيس كبة من بجيلة"٤، وشذَّ عبد الرزَّاق فذكرهم من بني فزارة٥
ووقع في رواية أخرى عن أنس "قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل"٦، وصوَّبه ابن حجر، وذكر أن ذلك لا يخالف الرواية الأولى لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبلتين وكان من أتباعهم فليس ينسب٧، وكان هؤلاء الأعراب بهم هزال شديد من الجوع٨ "فبايعوه على الإسلام"٩. "ثم
_________________
(١) ١ ولكنهم اختلفوا في الشهر الذي كانت فيه السرية، فذكر ابن إسحاق أنها كانت بعد غزوة ذي قرد التي كانت في جمادى الآخرة سنة ست. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٤)، وأرَّخها الواقدي في شوال من نفس السنة. الواقدي، مغازي (٢/٥٦٨)، وتابعه ابن سعد، طبقات (٢/٩٣)، وابن حبان، السيرة النبوية (ص ٢٧٤)، وذكر ابن حجر أن البخاري ذكرها بعد الحديبية. ابن حجر، الفتح (١/٣٣٧)، يقول الزرقاني: فالحاصل أن أصحاب المغازي اتفقوا على أنها سنة ست واختلفوا في الشهر. الزرقاني، شرح (٢/١٧٢) . ٢ وقع ذلك في رواية أبي قلابة عن أنس في كتاب الجهاد والسير. انظر ابن حجر، فتح (٦/١٥٣) . ٣ روى ذلك الواقدي عن يزيد بن رومان. الواقدي، مغازي (٢/٥٦٩)، وتابعه ابن سعد، طبقات (٢/٩٣) . قال ابن حجر: وزعم ابن التين تبعا للداودي: أن عرينة هم عكل، وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايران، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان، وعكل بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم الرباب، وعرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرا حي من قضاعة، وحي من بجيلة، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه الطبري من وجه آخر عن أنس. ابن حجر، فتح (١/٣٣٧) . ٤ من رواية ابن إسحاق بسند فيه مبهمين. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٤٠-٦٤١) . ٥ عبد الرزاق، المصنف (١٠/١٠٧) . قال ابن حجر: وهو غلط لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل، ولا عرينة أصلا. ابن حجر، فتح (١/٣٣٧) . ٦ من رواية قتادة عن أنس. انظر الطبري، تفسير (٤/٢٠٦) . ٧ ابن حجر، فتح (١/٣٣٧) . وقد وقع عند ابن مردويه من طريق سلام عن ثابت عن أنس: أنهم قدموا من البحرين. انظر ابن كثير، تفسير (٢/٤٨)، كما في رواية أخرى عن سلمة بن الأكوع: أنهم كانوا من اليمن. انظر الهيثمي، مجمع (٦/٢٩٤) . ٨ قال ابن حجر: إن ذلك من رواية غيلان عن أنس عند أبي عوانة. ابن حجر، فتح (٨/٣٣٧)، ووقع في رواية عبد الرزاق: "قد ماتوا هزلًا". عبد الرزاق، المصنف (١٠/١٠٦) . ٩ من رواية أبي رجاء عن أبي قلابة عن أنس في الديات. ابن حجر، فتح (١٢/٢٣٠) .
[ ٢٠٠ ]
قالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا"١.
فأنزلهم رسول الله ﷺ في الصفة٢ وأكرمهم٣، ونظرا لكونهم كانوا بادية أهل ضرع، ولم يكونوا أهل ريف٤ -كما ذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم٥- لم يستطيعوا التأقلم مع جو المدينة وهوائها، فأصابهم داء اختلف فيه، ففي رواية عند مسلم أنه وقع في المدينة داء يسمى الموم وهو البرسام٦، وفي البخاري٧ "فاجتووا المدينة"٨.
وفي رواية أخرى "فاستوخموا الأرض٩ فسقمت أجسامهم"١٠،
_________________
(١) ١ من رواية ثابت عن أنس في الطب. ابن حجر، فتح (١٠/١٤١) . ٢ الصفة: بضم الصاد وتشديد الفاء –مكان في مؤخر المسجد النبوي مكان القبلة الأولى، ظُلل وأُعد لنزول الغرباء والمساكين وضعفاء المسلمين ممن لا مأوى له، وإليها ينسب أهل الصفة. انظر أبا نعيم، الحلية (١/٣٢٠)، السمهودي، وفاء الوفاء (٢/٤٥٣-٤٥٤)، ياقوت، معجم البلدان (ظله)، ابن منظور: لسان (صفف) . ٣ من رواية وهيب عن أيوب في المحاربين. ابن حجر، فتح (١٢/٢٣٠) . ٤ أي كانوا أهل ماشية ولم يكونوا أهل زرع. ٥ من رواية قتادة عن أنس انظر ابن حجر، فتح (١٠/١٧٨)، وابن جرير الطبري، تفسير (٤/٢٠٦) . ٦ النووي على مسلم (١١/١٥٦-١٥٧)، قال النووي، وابن حجر: بكسر الباء سرياني معرب، أطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس وورم الصدر، وذكر ابن سينا: أن البرسام هو ذات الجنب، وهو ورم في نواحي الصدر إما في العضلات وفي الحجاب المستبطن للصدر، وإما في الحجاب الحاجز وهو الخالص، أو في العضل الظاهرة الخارجة، أو الحجاب الخارج بمشاركة الجلد أو بغير مشاركة، وأعظم هذا وأهوله ما كان في الحجاب الحاجز نفسه، وعلامته خمس: حمى لازمة لمجاورة القلب، ووجع ناخس تحت الأضلاع، وضيق نفس لضغط الورم، ونبض منشاري، وسعال. انظر ابن حجر، فتح (١/٣٣٨٩)، وابن سينا، القانون في الطب (٢/٢٣٨-٢٤٠-٢٤١) . وانظر اسمه الطبي الحديث (PLEURiSY) وأعراضه المشابهة لما ذكره ابن سينا في DOVIDSON'S PRINCIPALES' AND PRACTIC OF MEDICINE AND PRICE'S TEXT BOOK OF THE PRACTICE OF MEDICINE. ٧ انظر ابن حجر، فتح (١/٣٣٥) . ٨ الجوى: داء يصيب الجوف، قال ابن فارس: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة، وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة. انظر الخطابي، أعلام الحديث (١/٢٨٥)، وابن حجر، فتح (١/٣٣٧) . ٩ أي استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث (٥/١٦٤) . ١٠ ابن حجر، فتح (١٢/٢٣٠) .
[ ٢٠١ ]
وذكر أحمد: أن الوخم الذي شكوا منه هو من حمى المدينة١.
وفي رواية ابن إسحاق "فاستوبئوا، وطحلوا"٢٣، ولكن ابن القيم جزم بأن ذلك المرض "كان الاستسقاء"٤، وذلك بناء على الأعراض التي ظهرت عليهم حيث عظمت بطونهم، واصفرت ألوانهم٥، وكذلك الوصفة الدوائية٦ التي وصفها لهم رسول الله ﷺ حينما شكوا إليه ما أصابهم فقال:
_________________
(١) ١ انظر البنا، الفتح الرباني (١٨/١٥٨) ويُذْكر أن المدينة كانت موبوءة بحمى الملاريا في ذلك الوقت. ٢ أي عظمت طحالهم من المرض. القاموس (طحال)، ابن الأثير، نهاية (٥/١٤٤) . ٣ ابن هشام، سيرة (٤/٦٤١) . ٤ ابن القيم، زاد المعاد (٤/٤٦)، قال ابن سينا: الاستسقاء مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء، وتربو فيها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما الموضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة: لحمي: ويكون السبب فيه مادة مائية بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء. والثاني: زقي –يكون السبب فيه مادة مائية تنصب إلى فضاء الجوف الأسفل وما يليه. والثالث: طبلي –ويكون السبب فيه مادة ريحية تفشو في تلك النواحي. ابن سينا، القانون في الطب (٢/٣٨٤) . وقد عرف الطب الحديث الاستسقاء (Ascites) بأنه عبارة عن تجمع كمية أكبر من الطبيعي من السوائل في التجويف البريتوني (الغشاء المبطن للبطن) ويكون مصحوبا بقلة تركيز الدم، وتورم في الجسم، وقلة في البول، وهذه الأعراض المرضية هي انعكاس للخلل الذي يحدث في الأملاح المعدنية، والماء، والبروتين التي تكون أحد مضاعفات أمراض الكبد، فإذا ما قل الضغط الإسموزي في بلازما الدم بسبب نقص تناول المواد البروتينية، أو خلل في الكبد، فإن السوائل يتم رشحها في الغشاء البريتوني وذلك ما يسبب انتفاخ البطن. LOOK: ADAMES BRAUNWALD' PETERSDOROF' WISON' PRINSIPLES OF INTERNAL MEDICINE (١٤٨١-١٤٨٢) . ٥ وقع ذلك عند النسائي، سنن (٧/٩٨)، وانظر الألباني، صحيح سنن النسائي (٣/٨٤٨) وقال عنه: صحيح الإسناد، وانظر ابن سينا، القانون في الطب (٢/٣٨٣) . ٦ يقول ابن القيم: ولما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالية التي فيها إطلاق معتدل، وإدرار بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، أمرهم النبي ﷺ بشربها، فإن في لبن اللقاح جلاءً، وتليينا، وإدرارا وتلطيفا، وتفتيحا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح، والقيصوم، والبابونج، والأقحوان، والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء. ابن القيم، زاد (٣/٤٧) وقال ابن سينا: ولا تلتفت إلى ما يقال: من أن طبيعة اللبن مضادة للاستسقاء، بل اعلم أنه دواء نافع، لما فيه من الجلا يرفق ولما فيه من خاصية، واعلم أن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانا أقام عليه بدل الماء والطعام لشفي به، وقد جرب ذلك منه قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك فعوفوا. وألبان اللقاح قد تستعمل وحدها، وقد تستعمل مخلوطة بغيرها من الأدوية، وقد يخلط بأبوال الإبل، وقد يقتصر عليها طعاما وشرابا. ابن سينا، القانون (٢/٣٩٢) . وقد ذكر الدكتور أحمد ناظم النسيمي: أن هذا الاستنتاج خطأ، فإن الاستسقاء الحادث بسبب الكبد (أي الحبن يتشمع الكبد) لا يحدث في جماعة معا ولمدة غير طويلة، ففي الحديث السابق "فاجتووا المدينة"=
[ ٢٠٢ ]
"أفلا تخرجون مع راعينا١ في إبله٢، فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا:
_________________
(١) =والفاء للتعقيب، وفي رواية ابن السني وأبي نعيم: "فلم يمكثوا في المدينة إلا يسيرا حتى أصابهم وعك شديد". كما أن تشمع الكبد والحبن الذي قد يصاحبه لا يشفى شفاء تامًّا، وإذا جمعنا الأعراض التي أصيب بها رهط عرينة وعكل وجدناها: توعكا وحمى وضخامة بطن ونحولا وضعف القوة واصفرار اللون أي شحوبه، وهذه الأعراض تدل بالنسبة للمدينة المنورة وما يمكن أن ينتشر فيها من أمراض، تدل على أن مرضهم كان حمى المدينة كما تنص رواية أحمد في مسنده، وحمى المدينة سببها أحد مرضين محتملين: الأول: حميات الإنتانات المعوية، ففيها تنتفخ البطن بسبب انتفاخ الأمعاء. والثاني: جمى البرداء (الملاريا) وفيها يزداد حجم الطحال وقد يترافق بضخامة الكبد. وبيئة المدينة المنورة مساعدة على ظهورهما، لأن حول المدينة نخيل وزراعة وفي وادي بطحان مياه آسنة، والبعوض الخبيث ناقل لعامل البرداء ويفضل عيشة الريف والمزارع، وقد يوجد في الحدائق القريبة من المدن يضع بيوضه على شاطىء ماء راكد أو على ما فيه من أجسام سابحة. أما جراثيم الإنتانات المعوية فتكثر في المياه الملوثة. وللقصور في تشخيص الأمراض في ذلك الزمن وندرة الأطباء في الجزيرة العربية، يمكن أن تعد الإصابة بالإنتانات المعوية أو البرداء من حمَّى المدينة، وأن حديث ابن عباس المرفوع "إن في ألبان الإبل وأبوالها شفاء للذّربة بطونهم" يرجح احتمال الإصابة بالإنتانات المعوية، لأن الذرب يدل على فساد الأمعاء، ولم يجر بحث ولا تجارب علمية في العصر الحديث حول الفوائد العلاجية لألبان الإبل وأبوالها. انظر الدكتور محمود ناظم النسيمي، الطب النبوي والعلم الحديث (٢/٢٤٠-٢٤١) . قلت: ورواية ابن إسحاق: "فاستوبئوا وطحلوا" ترجح إصابتهم بالبرداء، إذَا فالاحتملان متقاربان، وربما يكونوا قد أصيبوا بهما معا، والله أعلم. وياحبذا لو يكون هناك قسم في الجامعة يقوم بالأبحاث حول الطب النبوي والأدوية النبوية، وذلك لإبراز الفوائد العلاجية لتلك الأدوية، وخاصة بعض الأدوية التي لم يجر حولها أبحاث حتى الآن، مثل: السَّنا، والإثمد، والحجامة، وألبان الإبل وأبوالها، وغيرها كثير، فإن أكثر العوام بل أكثر المثقفين من غير أهل العلم لا يعرفون عن هذه الأدوية شيئا يذكر لبعدهم عن كتب الحديث. ١ ذكر ابن إسحاق بإسناد فيه جهالة أن اسمه يسار، أصابه رسول الله ﷺ في غزوة محارب وبني ثعلية. ابن هشام، سيرة (٤/٦٤٠)، ورواه الطبراني موصولا من حديث سلمة بن الأكوع قال: رآه يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة فكان بها. الطبراني، المعجم (٧/٧) . وذكر ابن حجر: أن إسناده صالح. ابن حجر، فتح (١/٣٣٩) . وقال الهيثمي: فيه موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي وهو ضعيف. الهيثمي، مجمع (٦/٢٤٩) . قلت: لأنه منكر الحديث، كذا قال ابن حجر، تقريب (ص ٥٥٣) . ٢ وقع في روايات أخرى أنه أمرهم أن يأتوا إبل الصدقة. قال ابن حجر: والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة وصادف بعث النبي ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه فخرجوا معه إلى الإبل ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله ﷺ: "إن المدينة تنفي خبثها". ابن حجر، فتح (١/٣٣٨) . واختلف في مكان اللقاح (الإبل) فذكر موسى بن عقبة أنها كانت بفيفاء الخبار من وراء الجمَّاء، ويقع هذا المكان غربي وادي العقيق كما ذكر صاحب "وفاء الوفاء". انظر رواية موسى بن عقبة عند ابن سيد الناس، عيون (٢/١١٩)، وباقشيش، مرويات (٢/٤١٠)، وانظر السمهودي، وفاء الوفاء (٣/٨٧٩) . أما الواقدي وكاتبه ابن سعد فذكرا أنها كانت بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير، على ثمانية أميال من المدينة، كما ذكر أن عدد لقاحه ﷺ كانت خمس عشرة، وأن الأعراب نحروا منها واحدة يقال لها الحناء. انظر الواقدي، مغازي (٢/٥٦٨-٥٧٠-٥٧١) وابن سعد، طبقات (٢/٩٣) .
[ ٢٠٣ ]
بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحُّوا"١.
فعَدَوا على الراعي فقتلوه –بعد أن مثَّلوا به٢ وهربوا بالإبل "فجاء الخبر في أول النهار"٣ إلى رسول الله ﷺ.
وعلى وجه السرعة، قام بتجهيز دورية قتالية تعقُّبية، قوتها عشرون٤ شابًّا أنصاريًّا وأسند القيادة فيها إلى كرز بن جابر الفهري رضي الله عنه٥ وزوَّدهم بقائف لاقتفاء الأثر٦، اختزالا للجهد والوقت، لأن إهدارهما لا يتناسب مع
_________________
(١) ١ من رواية أبي قلابة عن أنس في الديات. ابن حجر، فتح (١٢/٢٣٠) . ٢ نقل ذلك أصحاب المغازي فذكروا:) أنهم ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه) . انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٦١) من رواية ابن إسحاق بسند ولم يرسل، والواقدي، مغازي (٢/٥٦٩)، وابن سعد، طبقات (٢/٩٣)، وزاد "أنهم قطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات". كما روى ذلك ابن مردويه بسنده عن سلمة بن الأكوع ﵁. انظر ابن كثير، تفسير (٢/٥٠) وقال عنه: غريب جدا، والهيثمي، مجمع (٦/٢٩٤)، وقال عنه: رواه الطبراني وفيه موسى بن محمد بن الحرث التميمي وهو ضعيف، ولكن ابن حجر ذكر أن إسناده صالح كما مر. فتح الباري (١/٣٣٩) ولهم شاهد عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: "إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء" النووي على مسلم (١١/١٥٧) . ٣ من رواية أبي قلابة عن أنس. ابن حجر، فتح (١/٣٣٥) . ٤ وقع ذلك في رواية معاوية بن قرة عن أنس عند مسلم. النووي على مسلم (١/١٥٧) قال ابن حجر: ولم أقف على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي أن السرية كانت عشرين رجلا ولم يقل من الأنصار بل سمى منه جماعة من المهاجرين منهم بريدة بن الحصيب، وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع ابنا مكيث الجهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحرث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان وغيرهم، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الأعم. فتح الباري (١/٣٤٠) . قلت: وذكر الواقدي في المغازي أن فيهم أيضا: جعال بن سراقة، وصفوان بن معطل، وأبو روعة معبد بن خالد الجهني، وعبد الله بن بدر، وسويد بن صخر، وأبو ضبيس الجهني. مغازي (٢/٥٧١) . ٥ وقع تسميته في حديث سلمة بن الأكوع السابق ذكره وفيه: "فبعث النبي ﷺ في آثارهم خيلا من المسلمين كبيرهم كرز بن جابر الفهري" وكذا ذكره ابن إسحاق. ابن هشام، سيرة (٢/٦٤١)، والواقدي، مغازي (٢/٥٦٩)، وابن سعد، طبقات (٢/٩٣) . يقول ابن حجر: وفي مغازي موسى بن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء، والذي ذكره غيره أنه سعد –بسكون العين- ابن زيد الأشهلي، وهذا أيضا أنصاري، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة، وروى الطبري وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي ﷺ بعثه في آثارهم لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريرا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة. والله أعلم. فتح الباري (١/٣٤٠) . ٦ أورد ذلك مسلم في رواية معاوية بن قرة عن أنس. مسلم بشرح النووي (١/٣٣٥) والقايف: بالقاف والتحتية، الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع: القافة. انظر القاموس،=
[ ٢٠٤ ]
الحالة الأمنية التي تتطلب سرعة القبض على هؤلاء المجرمين المفسدين في الأرض، والاقتصاص منهم فورا وبحزم؛ نتيجة ما قاموا به من إخلال وزعزعة بالأمن، وغدر وخيانة ونكران للجميل، إضافة إلى ارتدادهم عن الإسلام.
انطلقت الدورية في (مسير اقترابي سريع ومتقن) ١، يتقدمُّها القائف، وكما هو مخطط له تم القبض على العصابة في وقت وجيز جدًّا "فما ترجَّل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وَمَا حَسَمَهم، ثم أُلقوا في الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا"٢.
قال أنس بن مالك ﵁: "فرأيت الرجل منهم يكدم٣ الأرض بلسانه حتى يموت"٤٥.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن الله تعالى أنزل فيهم قوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٦.
_________________
(١) =واللسان (قاف)، وانظر الشامي، سبل (٦/١٩٢) . ١ مسير الاقتراب: هو الحركة من القاعدة إلى الهدف. خطّاب، الرسول القائد (ص ١١٦) . ٢ من رواية أبي قلابة عن أنس في كتاب الحدود. ابن حجر، فتح (١٢/١١١) . ٣ كدمه ويكدمه: عضَّه بأدنى فمه. (القاموس – كدمه) . ٤ من رواية ثابت عن أنس في الطب. ابن حجر، فتح (١٠/١٤١) . ٥ خبر السرية صحيح متفق عليه. فقد أخرجه البخاري في صحيحه في مواطن عدة. انظر ابن حجر، فتح (١/٣٣٥، ٦/١٥٣، ١٠/١٤١-١٤٢، ١٧٨، ١٢/١٠٩-١١١-١١٢) . وأخرجه مسلم أيضا في صحيحه. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١١/١٥٤-١٥٥-١٥٦-١٥٧) وأخرجه أصحاب السنن. انظر أبا داود، سنن (٤/٥٣١-٥٣٢-٥٣٤-٥٣٥-٥٣٦)، والمباركفوري، تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (٦/١٩٥)، والنسائي، سنن (٧/٩٣-٩٤-٩٥-٩٦-٩٧-٩٨-١٠٠-١٠١)، والألبياني، صحيح سنن ابن ماجه (٢/٨٦)، وعبد الرزاق، المصنف (١٠/١٠٦، ١٠٧) وابن أبي شيبة، المصنف (١٢/٢٦٢) . كما أخرجه الطبري في التفسير (٤/٢٠٦-٢٠٧-٢٠٨) وابن كثير، تفسير (٢/٤٨-٤٩-٥٠-٥١)، وأخرجه أصحاب المغازي كابن إسحاق انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٤٠-٦٤١)، والواقدي، مغازي (٢/٥٦٨-٥٦٩-٥٧٠-٥٧١)، ابن سعد، طبقات (٢/٩٣)، ابن سيد الناس، عيون (٢/١١٩-١٢٠-١٢١) . ٦ المائدة –آية (٣٣) . هذا وقد اختلف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية، فقيل: نزلت فيهم وقيل في غيرهم. لكن المعتمد –يقول ابن حجر -: إن الآية نزلت أولا فيهم وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق. ابن حجر، فتح (١٢/١١٠) .
[ ٢٠٥ ]
وقد يتصور البعض أن هذا العقاب كان جائرا وشديدا، لكن بالنظر إلى ما قام به هؤلاء من جرائم، وقياسا لما فعلوه من أعمال لا يقرها العقل؛ فضلا عن الدين الذي تمرَّدوا عليه وارتدوا عنه، فنقول: إن العقاب الذي نالهم كان عادلا وكان الجزاء من جنس العمل فهم قد ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا وسرقوا ومثَّلوا وحاربوا الله ورسوله واستهانوا بكل المبادىء والقيم الإنسانية.
وفي القصة من الفوائد: مشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وقد اختلف في طهارة أبوال الإبل وغيرها من مأكول اللحم. فاحتج مالك وأحمد وطائفة من السلف ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والأصطخري والروياني بهذا الحديث على طهارة بول الإبل، ويقاس عليها مأكول اللحم من غيرها، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره.
واحتج ابن المنذر بقوله: توزن الأشياء على طهارة حتى تثبت النجاسة، قال: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام لم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل. قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير دليل ظاهر. قال الحافظ: وهو استدلال ضعيف، لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته. وقد دلَّ على نجاسة الأبوال حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "دعوه وأهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسِّرين". وكان القاضي أبو بكر بن العربي الذي تعلق بهذا الحديث ممن قال بطهارة أبوال الإبل، وعورض بأنه أذن لهم في شربها للتداوي.وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب،فكيف يباح الحرام بما لا يجب؟ وأجيب بمعنى أنه
[ ٢٠٦ ]
ليس بحال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح لضرورة لا يسمى حراما، وقد تأوله لقوله تعالى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ١ فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وما تضمنه كلامه من أن الحرام يباح ولا الأمر واجب غير مسلَّم، فإن الفطر في رمضان حرام، ومع ذلك فيباح لأمر جائز كالسفر مثلا.
وأما قول غيره: ولو كان نجسا ما جاز التداوي به لقوله ﷺ: "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". رواه أبو داود من حديث أم سلمة، فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار. وأما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، ولا يردُّ قوله ﷺ في الخبر "إنها ليست بدواء، إنها داء" في سؤال من سأل عن التداوي بها فيما رواه مسلم، فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر. والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجرُّ إلى مفاسد كثيرة، لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم. قاله الطحاوي بمعناه.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: كان في الخمر منفعة في التداوي بها، فلما حرِّمت نزع الله الدواء منها، وأما أبوال الإبل فقد روى ابن عباس –﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم". والذَّرب- بذال معجمة فساء المعدة. فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، وبهذا الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها٢.
_________________
(١) ١ من الآية (١١٩) من سورة الأنعام. ٢ انظر ابن حجر، فتح (١/٣٤١-٣٤٢)، والشامي، سبل (٦/١٨٧-١٨٨) .
[ ٢٠٧ ]
وذكر ابن القيم: أن الصواب هو طهارة بول مأكول اللحم، فإن التداوي بالمحرمات غير جائز، ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم، وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة، وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة١.
وفيها من الفوائد أيضا: قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا إن قتلهم كان قصاصا، وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل أي المماثلة في القصاص وليس ذلك من المثلة المنهي عنها، فإن هؤلاء قتلوا الراعي وسملوا عينيه، ثبت ذلك في صحيح مسلم، وعلى أن الجنايات إذا تعددت، تغلَّظت عقوباتها، فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم، وقتلوا النفس ومثلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا بالمحاربة.
وفيها: ثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما القرى ففيه خلاف، كما أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم، فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك.
وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًّا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد.
وفيها: جواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره، قياسا عليه بإذن الإمام.
وفيها: العمل بقول القائف، وللعرب في ذلك المعرفة التامة٢.
_________________
(١) ١ ابن القيم، زاد المعاد (٤/٤٨) . ٢ انظر ابن حجر، فتح (١/٣٤١-٣٤٢)، والشامي، سبل (٦/١٨٧-١٨٨)، وابن القيم، زاد المعاد (٤/٨٤) .
[ ٢٠٨ ]
سرية حمزة بن عمرو الأسلمي لمطاردة هبار بن الأسود
بعد انتهاء معركة بدر بفوز ساحق للمسلمين على مشركي قريش وقتل من قُتل من أشرافهم وصناديدهم، وأسر من أُسر منهم، كان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله ﷺ، وزوج ابنته الكبرى زينب رضي الله عنها١.
فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب ﵂ في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت أم المؤمنين خديجة ﵂ أدخلتها بها عليه حين بنى بها، فلما رأى رسول الله ﷺ تلك القلادة تأثر كثيرا فطلب من آسريه أن يطلقوه لها ويردوا عليها مالها ففعلوا إكراما لبنت رسول الله ﷺ.
"وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه، أو وعد رسول الله ﷺ أن يخلَّي زينب إليه"٢ فلما قدم أبو العاص مكة أوفى بوعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم٣، فأمر زينب باللحوق بأبيها فأخذت تتجهز للسفر. فلما فرغت من جهازها خرجت "مع كنانة أو ابن كنانة٤ فخرجوا في أثرها، فأدركها هبَّار بن الأسود،
_________________
(١) ١ زينب بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله القرشية الهاشمية، هي أكبر بناته وأول من تزوج منهن، ولدت قبل البعثة بمدة قيل إنها عشر سنين، وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، توفيت في أول سنة ثمان من الهجرة، وكانت ولدت من أبي العاص عليًّا مات وقد ناهز الاحتلام، وأمامة عاشت حتى تزوجها عليّ بعد فاطمة. ابن سعد، طبقات (٣/٣٠-٣١-٣٤)، وابن حجر، إصابة (٤/٣١٢-٣١٣) . ٢ من رواية ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة ﵂. انظر البيهقي، دلائل (٣/١٥٤) . ٣ وقد مدحه رسول الله ﷺ لذلك في حديث ورد في الصحيح. انظر ابن حجر، فتح (٧/٨٥) . ٤ ترجم له ابن عبد البر على أنه: كنانة بن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس ابن أخي أبي العاص بن الربيع. أما ابن حجر فذكر أنه ابن عم أبي العاص. انظر ابن حجر، إصابة (٤/٣٠٨)، والاستيعاب بهامش الإصابة (٤/٣٢٠) وذلك خلافا لابن إسحاق الذي ذكر أنه أخو أبي العاص. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٦٥٤)، والبيهقي، دلائل (٣/١٥٥) .
[ ٢١٠ ]
فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها، وألقت ما في بطنها، وأهريق دمًا١"٢. ويذكر ابن إسحاق أن رجلا يدعى نافع بن عبد قيس الفهري قد شارك هبّارا في التعرض لزينب وترويعها٣.
تأثر رسول الله ﷺ لمصاب زينب ﵂ فكان يقول: "هي أفضل بناتي أصيبت فيَّ" ٤، ثم أرسل زيد بن حارثة ﵁ ليأتيه بها وأعطاه خاتمه كعلامة بينهما "فانطلق زيد فلم يزل يتلطف، حتى لقي راعيًا فقال لمن ترعى؟ قال: لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد ﷺ فسار معه شيئا، ثم قال: هل لك إن أعطيتك شيئا تعطه إياها ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم، فأعطاه الخاتم وانطلق الراعي فأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته، فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا، فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته قال لها: اركبي بين يدي على بعيري، فقالت: لا، ولكن اركب
_________________
(١) ١ أي صبَّ منها الدم. (القاموس واللسان – هرق) . ٢ من رواية عروة عن عائشة وسنده جيد، كما ذكر ابن حجر. انظر الطبراني، معجم (٢٢/٤٣١)، والحاكم، المستدرك (٤/٤٣)، والهيثمي، مجمع (٩/٢١٣) وقال عنه: رجاله رجال الصحيح، وانظر ابن حجر، فتح (٧/١٠٩) ٣ انظر ابن هشام سيرة (٤/٦٥٧)، والبيهقي، دلائل (٣/١٥٥) . قال ابن حجر: وحكى السهيلي عن مسند البزار أنه خالد بن عبد قيس فلعله تصحَّف عليه، وإنما هو نافع، كذلك هو في النسخ المعتمدة من مسند البزار. وكذلك أورده ابن بشكوال من مسند البزار. وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من طريق ابن لهيعة كذلك. فتح الباري (٦/١٥٠) . ٤ من رواية عروة عن عائشة. الطبراني، معجم (٢٢/٤٣٢)، والبيهقي، دلائل (٣/١٥٦)، وورد في نهاية الرواية أن علي بن الحسين لما بلغه حديث عروة انطلق إليه فقال: "ما حديث بلغني عنك تحدثه تنتقص فيه فاطمة ﵍؟ فقال عروة: والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة ﵍ حقًّا هو لها، وأما بعد فلك أن لا أحدثه أبدا". وللإجابة على هذا اللبس قال بعض الأئمة: بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدما، ثم وهب الله لفاطمة من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقا، والله أعلم. انظر ابن حجر، فتح (٧/١٠٦) .
[ ٢١١ ]
أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه حتى أتت المدينة"١.
وظلت زينب ﵂ متأثرة نتيجة تلك السقطة "فلم تزل وَجِعةً حتى ماتت من ذلك الوجع فكانوا يرون أنها شهيدة"٢. وتوفيت ﵂ سنة ثمان من الهجرة٣، فكان أن أهدر رسول الله ﷺ دم هبَّار وصاحبه يوم فتح مكة وذلك لعداوتهما لله ورسوله ولما تسببا فيه من موت زينب ﵂، ثم جهَّز ﷺ سرية تعقيبية بإمرة حمزة بن عمرو الأسلمي٤ وبمشاركة أبي هريرة ﵁، وبعثهم في طلب هبَّار وصاحبه اللذين هربا من مكة، وأصدر أوامره إلى أفراد السرية بتحريقهما بالنار إن قدروا عليهما، ولكنه عاد فتراجع عن التحريق، فلما أتى أصحاب السرية لتوديعه ﵊ قال لهم: "إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما" ٥، وانطلقت السرية لتنفيذ المهمة٦، ولكنها لم تنجح في القبض عليهما، وأفلت هبَّار وصاحبه فلم تصبها السرية.
_________________
(١) ١ من رواية عروة، عن عائشة. انظر الطبراني، المعجم (٢٢/٤٣١-٤٣٢)، والبيهقي، دلائل (٣/١٥٦)، واللفظ له. ٢ من رواية حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه. انظر الطبراني، المعجم (٢٢/٤٣٢) وقال عنه الهيثمي: وهو مرسل ورجاله رجال الصحيح. الهيثمي، المجمع (٩/٢١٦) . ٣ ذكر ذلك ابن سعد عن الواقدي، وذكره ابن عبد البر. انظر ابن سعد، طبقات (٨/٤٣) . وابن عبد البر، استيعاب (٤/١٨٥٤) . ٤ ترجم له ابن عبد البر: حمزة بن عمر الأسلمي –بدون واو- من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمر ابن عامر، يكنى أبا صالح، وقيل: يكنى أبا محمد، يعد في أهل الحجاز، مات سنة إحدى وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة، ويقال: ابن ثمانين سنة، روى عنه أهل المدينة وكان يسرد الصوم. ولم أجد له ترجمة في حرف الحاء من "الإصابة"، بينما ذكر ابن حجر في الكنى أن ترجمته تقدمت. إصابة (٤/١٠٧) فربما سقط اسمه من بعض النساخ، والله أعلم. ٥ من رواية البخاري، عم أبي هريرة. ابن حجر، فتح (٦/١٤٩) . ٦ لم تذكر روايات الصحيح وغيرها تاريخا محددا لهذه السرية، ويمكن أن نستشف لها تاريخا من خلال الروايات، فمشاركة أبي هريرة في السرية يدل على أن السرية كانت بعد خيبر وفتح مكة لأن النبي ﷺ أهدر دم هبار وصاحبه أثناء الفتح. والله أعلم.
[ ٢١٢ ]
وظل هبَّار هاربا من رسول الله ﷺ في كل وجه. ولكنه ما أن علم أن رسول الله ﷺ يعفو عن كل من جاءه مسلما معتذرا، حتى أسرع لمقابلته حيث لقيه منصرفه من الجعرَّانة١ كما يذكر الواقدي٢.
وهناك وقف على رأسه معلنًا إسلامه واعتذاره عما بدر منه تجاه ابنته، فعفا عنه رسول الله ﷺ وقبل منه٣.
_________________
(١) ١ الجعرانة –بكسر الجيم والعين وتشديد الراء المهملة- ما بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أدنى، وبها قسم رسول الله ﷺ غنائم حنين، ومنها أحرم بعمرته، والجعرانة اليوم قرية صغيرة في صدر وادي سِرْف فيها مسجد يعتمر منه أهل مكة المكرمة ولها مركز إمارة وتربطها بمكة طريق معبدة، وفيها زراعة قليلة، وماؤها يُضرب المثل بعذوبته. انظر البكري، معجم (٢/٣٨٤)، والحموي، معجم (٢/١٤٢)، والبلادي، معالم مكة (٦٤) . ٢ الواقدي، مغازي (٢/٨٥٨) . وقد رجح ابن حجر روايته على رواية ابن أبي نجيح التي ذكر أنه أسلم ثم هاجر، وقد صوَّب ابن حجر رواية الزبير بن بكار التي ذكرت أن هبَّارا أسلم ثم قدم المدينة إلخ. انظر ابن حجر، إصابة (٣/٥٩٧-٥٩٨) . ولكن عم الزبير وشيخه المصعب بن عبد الله الزبيري ذكر في روايته المشابهة لرواية الزبير أنه قدم مسلما مهاجرا. انظر المصعب بن عبد الله الزبيري، نسب قريش (٦/٢١٩) فليتأمل ذلك. ٣ الحديث مقسوم ثلاثة أجزاء، جزء مسند صحيح، وجزء إسناده جيد، والثالث متوقف فيه. فالقسم الصحيح هو قصة بعث السرية، فقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة من طريقين أحدهما مسند في (باب لا يعذب بعذاب الله)، والآخر معلق في باب (التوديع) كلاهما في كتاب الجهاد من فتح الباري (٦/١١٥، ١٤٩) وقد وصل الترمذي المعلق بنفس طريق البخاري المسند وقال عنه: حديث حسن صحيح. انظر المباركفوري، تحفة (٦/١٤٩) . كما روى الحديث أبو داود من طريقه عن حمزة بن عمرو الأسلمي وصحح ابن حجر إسناده. انظر أبا داود، سنن (٣/١٢٤)، وابن حجر، فتح (٦/١٤٩) . كما رواه عبد الرزاق في المصنف (٥/٢١٤)، وأحمد في المسند بإسناد جيد كما قال البنا. انظر الفتح الرباني (١٤/٦٧-٦٨) . ورواه ابن إسحاق بسند صرَّح فيه بالتحديث. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٥٧) . أما الجزء الخاص بسبب بعث السرية، فقد رواه عروة عن عائشة، وأخرجه كل من الحاكم، والبيهقي بسند جيد، كما ذكر ابن حجر. انظر الحاكم، المستدرك (٤/٤٣)، والبيهقي، دلائل (٣/١٥٤-١٥٦) وانظر ابن حجر، فتح (٧/١٠٩) . وكان القسم المتوقف فيه وهو قصة إسلام هبّار بن الأسود من رواية الواقدي، والواقدي متروك عند المحدثين خاصة إذا انفرد كما فعل هنا. ولكن الرواية تاريخية ونحتاج إليها لتكملة الإطار التاريخي للحادثة، فنذكرها استئناسًا بها مع التوقف فيها، ويمكن أن تعتضد هذه الرواية برواية مرسلة عن ابن شهاب الزهري، أشار إليها ابن حجر في الإصابة. انظر ابن حجر، إصابة (٣/٥٩٨) . وقد روى الحديث كاملا المصعب بن عبد الله الزبيري، نسب قريش (٦/٢١٩) .
[ ٢١٣ ]
فيا له من موقف رائع تجلَّت فيه سماحة الإسلام بأبهى صورها ومعانيها، ولا غرابة في ذلك، فهو نبي الرحمة المهداة ﷺ.
ورد في ثنايا ههذه القصة بعض الأحكام، أوردها ابن حجر وغيره، منها حكم التحريق بالنار، قال ابن حجر: واختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر، وابن عباس، وغيرهما مطلقا سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حالة مقاتلة أو كان قصاصا، وأجازه علي، وخالد بن الوليد وغيرهما. وقال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم، بل على سبيل التواضع، ويدلُّ على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي ﷺ أعين العرنيين بالحديد المحمى، وقد حرَّق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرَّق خالد بن الوليد بالنار أناسا من أهل الردة، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها. قاله الثوري والأوزاعي. وقال ابن المنير: لا حجة فيما ذُكر للجواز لأن قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة كما تقدم، وتجويز الصحابي معارَض بمنع صحابي آخر، وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو، ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان كما تقدم. وأما حديث وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم، وهو نسخ لأمره المتقدم سواء كان بوحي إليه أو اجتهاد منه. وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه. وقد اختلف في مذهب مالك في أصل المسألة، وفي التدخين، وفي القصاص بالنار١.
وقال البغوي: فأما تحريق الكافر بعد ما وقع في الأسر، وتحريق المرتد، فذهب عامتهم إلى أنه لا يجوز إنما يقتله بجزِّ الرقبة٢.
أما الخطابي فقال: إنما يكره إذا كان الكافر أسيرا قد ظفر به وحصل في
_________________
(١) ١ ابن حجر، فتح (٦/١٥٠) . ٢ البغوي، شرح السنة (١١/٥٥) .
[ ٢١٤ ]
الكف، وقد أباح رسول الله ﷺ أن تضرم النار على الكفار في الحرب، وقال لأسامة: "أَغِر على أُبني صباحا وحرّق".
ورخَّص سفيان الثوري والشافعي في أن يرمى أهل الحصون بالنيران، إلا أنه يستحب أن لا يرموا بالنار ما داموا يطاقون إلا أن يخافوا من ناحيتهم الغلبة فيجوز حينئذ أن يقذفوا بالنار١.
- وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادا ثم الرجوع عنه.
- أيضا استحباب ذكر الدليل عند الحكم لرفع الإلباس.
- كما يستفاد منه جواز الاستنابة في الحدود ونحوها.
- كما أن طول الزمان لا يرفع العقوبة عمن يستحقها.
- كراهة قتل مثل البرغوث بالنار.
- نسخ السنة بالسنة وهو اتفاق.
- مشروعية توديع المسافر لأكابر أهله، وتوديع أصحابه له أيضا.
- جواز نسخ الحكم قبل العمل به، أو قبل التمكن من العمل به، وهو اتفاق إلا
عن بعض المعتزلة فيما حكاه أبو بكر بن العربي، وهذه المسألة غير المشهورة في الأصول في وجوب العمل بالناسخ قبل العلم به. وقد اتفقوا على أنهم إن تمكنوا من العلم به ثبت حكمه في حقهم اتفاقا، فإن لم يتمكنوا فالجمهور أنه لايثبت. وقيل: يثبت في الذمة كما لو كان نائما ولكنه معذور.
ذكر هذه الأحكام ابن حجر في الفتح٢.
ويستفاد أيضا من هذا الحديث تحقيق بشريته ﷺ فهو بشر كغيره من البشر
_________________
(١) ١ انظر الخطابي، شرح سنن أبي داود (٣/١٢٤) حاشية (٢) . ٢ انظر ابن حجر، فتح (٦/١٥٠-١٥١) .
[ ٢١٥ ]
يعتريه الغضب والحزن والتأثر لمصاب أبنائه وأقاربه، ولكن ذلك لا يخرجه عن طوره ولا يطغيه عن الحق، فغضبه لا يعدو لحظات يتراجع بعدها، فيفيض رحمة ورأفة، فها هو بعد أن يصدر أوامره الشريفة لأصحاب السرية بتحريق الرجلين قصاصا لما ارتكبوه من محاربة الله ورسوله، يتراجع عن ذلك فينهاهم عن التحريق، لأن النار لا يعذب بها إلاَّ الله ﷿.
وفي ذلك أيضا أدب رفيع مع الله ﷾ وتواضع له.
ثم ها هو ﵊ يعفو ويصفح عن هبَّار رغم فظاعة وجرم ما ارتكبه، ومع من؟ مع أقرب الناس إليه.
ولكن الغضب والحنق الشديدين يتحولان في لحظة إسلام هبَّار إلى رحمة وإلى تسامح وإلى فرح غامر بإسلام رجل كان كافرًا، محادًّا لله ورسوله.
وهذه هي تعاليم الإسلام السمحة التي تقول: إن الإسلام يجُبُّ ما قبله" يطبقها المصطفى ﷺ بحذافيرها جاعلا عن نفسه القدوة لأمته، فيا له من موقف رائع عظيم مليء بالدروس والعبر.
[ ٢١٦ ]
سربة أبي عامر الأشعري إلى أوطاس
سرية أبي عامر إلى أوطاس
(مطاردة تعقُّبية)
_________________
(١) ١ المطاردة: تعبير عسكري يقصد به تعقُّب القوات المعادية المنسحبة لإحداث الخسائر فيها، ومحاولة قلب انسحابها إلى هزيمة. خطَّاب، الرسول القائد (١٨٨) .
[ ٢١٧ ]
"لما فرغ النبي ﷺ من حنين"١ أرسل سرية مطاردة تعقُّبية٢ بقيادة أبي عامر الأشعري٣ ﵁ وكان ضمن أفرادها أبو موسى الأشعري٤ وأبو سعيد الخدري٥ ﵄، وذلك لمطاردة الفارين من هوازان وجشم الذين كان على رأسهم دريد بن الصِّمة الجشمي٦ -للإجهاز مبكرًا
_________________
(١) ١ من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (٨/٤١) . ٢ التعقُّب: عمل هجومي ضد العدو المتراجع، حيث تطبق القوة المتقدمة إما أسلوب الضغط المباشر أو خليطا من الضغط المباشر وحركة التطويق، بغرض إبادة العدو. باهر، مصطلحات (٢٧) . ٣ اسمه عبيد بن سليم بن حضَّار الأشعري، ذكره ابن قتيبة فيمن هاجر إلى الحبشة فكأنه قدم قديما فأسلم، وذكر أنه كان عمى ثم أبصر. راجع ابن حجر، فتح (٨/٤٢) وإصابة (٤/١٢٣) ترجمة أبي عامر. ٤ هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، مشهور بكنيته، ذكر الواقدي: بأنه من مهاجرة الحبشة بعد حلفه في مكة مع سعيد بن العاص، ولكن موسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي في رواية أخرى: لم يذكروه في مهاجرة الحبشة، وإنما قدم مع أصحاب السفينة بعد أن التقت سفينته بسفينتهم فقدموا جميعا على رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر، استعمله النبي ﷺ على بعض اليمن، وولي البصرة لعمر وعثمان، وله بها فتوح كثيرة، وولي الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين ثم اعتزل الفريقين، كان خفيف الجسم قصيرا، وكان حسن الصوت بالقرآن. وفي الصحيح المرفوع: "لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود" وكان أبو موسى هو الذي فقه أهل البصرة وأقرأهم. قال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وزيد بن ثابت. قال البغوي: بلغتي أن أبا موسى مات سنة اثنتين، وقيل: أربع وأربعين وهو ابن نيف وستين. قال ابن حجر: بالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: عاش ثلاثا وستين. وقال الهيثمي وخليفة: مات سنة خمسين. وزاد خليفة: ويقال: سنة إحدى وخمسين. وقال المدائني: سنة ثلاث وخمسين. واختلفوا هل مات بالكوفة أو بمكة. انظر خليفة، طبقات (٦٨)، وابن سعد، طبقات (٤/١٠٥-١٠٦)، وابن حجر، إصابة (٢*٣٥٩-٣٦٠) . ٥ سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو عذرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها، روى عن النبي ﷺ الكثير. ابن حجر، إصابة (٢/٣) . ولم تذكر روايات الصحيحين غيرهما، حيث ورد ذكر أبي موسى عند البخاري، وأبي سعيد عند مسلم في رواية أخرى عن السرية سنتعرض لها لاحقا، وسيأتي أيضا في رواية أن الزبير بن العوام ﵁ كان ضمن المشاركين في السرية. ٦ قال ابن حجر: أما الصمِّة –فهو بكسر المهملة وتشديد الميم- أي ابن بكر بن علقمة، ويقال ابن الحارث بن بكر بن علقمة الجشمي –بضم الجيم وفتح المعجمة- من بني جشم بن بكر بن هوازن، فالصمة لقب لأبيه واسمه الحارث، وكان دريد من شعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية. ابن حجر، فتح (٨/٤٢) .
[ ٢١٨ ]
على أي تحشد آخر لهم مضاد للمسلمين، حيث التقوا بهم في وادٍ يسمى أوطاس١، وهناك دارت معركة قوية بين الطرفين قتل فيها دريد بن الصِّمة. "وهزم الله أصحابه"٢ بعد أن "أفضى فيهم إلى الذرية"٣
١ قال عياض: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين.
وهذا الذي قاله ذهب إليه أهل السير، والراجح أن أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس، كما يدل عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف. ابن حجر، فتح (٨/٤٢) .
وقال البكري: أوطاس –بفتح أوله، وبالطاء والسين المهملتين، واد في ديار هوازن وهناك عسكروا هم وثقيف، إذ أجمعوا على حرب رسول الله ﷺ فالتقوا بحنين. البكري، معجم ما استعجم (١/٢١٢) .
وذكر الحربيّ: أن بأوطاس قصورا، وأبياتا، وحوانيت، ويركة، يسرة، ويقال: إن النبي ﷺ كان يرضع في تلك الناحية، وثمّ مسجد يقال له مسجد عائشة ﵂، بناه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عم المنصور.
أما البلادي فقال: أوطاس سهل يقع على طريق حاج العراق إذا أقبل من نجد قبل أن يصعد الحرة، فالحاج إذا تسهل من كشب مرّ بطريق وجزة الشمالي، ثم في غمرة وبها بركة تنسب إلى زبيدة، ثم يجزع وادي العقيق –وليس هذا بعقيق المدينة- ثم يسير في أوطاس ساعة، فهي ضفة العقيق اليسرى، ثم يصعد الحرة، فَيَرِدِ الضريبة الميقات، فهي شمال شرقي مكة، وشمال بلدة عشيرة، وتبعد عن مكة قرابة (١٩٠) كيلا على طريق متعرجة. البلادي، معجم المعالم الجغرافية في السيرة (٣٤) .
٢ من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (٨/٤١) قال: واختلف في قاتله، فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رفيع –بفاء مصغَّر- ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السلمي، وكان يقال له: ابن الذعنة –بمعجمة ثم مهملة، ويقال: بمهملة ثم معجمة- وهي أمه.
وقال ابن هشام: يقال اسمه عبد الله بن قبيع بن أهبان، وساق بقية نسبه، ويقال له –أيضا- ابن الذعنة وليس هو ابن الذعنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة.
وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد هو الزبير بن العوام، ولفظه "ولما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة، فقال: خلوهم لي، فخلوهم، فقال: هذه فضاعة ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك فقال: هذه سليم، ثم رأوا فارسًا وحده، فقال: خلوه لي، فقالوا: معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوام، وهو قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال: فالتفت الزبير فرآهم فقال: علام هؤلاء ههنا؟ فمضى إليهم وتبعه جماعة فقتلوا منهم ثلثمائة، فحزَّ رأس دريد بن الصمّة فجعله من يديه.
ويحتمل أن يكون ابن الذعنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنُسبب إلى الزبير مجازا. ويقال: إنه لما قتل ابن عشرين، ويقال: ابن سنتين ومائة سنة. ابن حجر، فتح (٨/٤٢) .
وروى البيهقي بإسناده إلى الشافعي قال: قتل يوم حنين دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس، فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم ينكر قتله.البيهقي، سنن (٩/٩٢) .
٣ رواه أحمد عن الأسود بن سريع ولفظه "أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا قال رسول الله ﷺ: "ما حملكم على قتل الذريّة؟ " قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين. قال: "وهل خياركم إلا أولاد المشركين ". الحديث. البنا، الفتح (١٤/٦٥) وقال عنه: ورجاله رجال الصحيح. كما رواه البيهقي، سنن (٩/١٣٠) .
[ ٢١٩ ]
وسبوا نساءهم،١ وأصيب قائد السرية إصابةً قاتلةً إذ "رماه جشمي٢ بسهم فأثبته في ركبته"٣.
قال أبو موسى الأشعري ﵁ ابن أخي أبي عامر: "فانتهيت إليه فقلت: يا عم٤ من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني ولَّى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه٥ الماء"٦، وكأن الجرح قد التهب على أبي عامر التهابا حادًّا عرف منه قرب
_________________
(١) ١ وقع ذلك في رواية أبي سعيد الخدري عند مسلم ولفظها "إن رسول الله ﷺ بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوّا لهم فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا.. إلخ الحديث". صحيح مسلم بشرح النووي (١٠/٣٥) . كما رواه النسائي. الألباني، صحيح سنن النسائي (٢/٧٠) وقال عنه: صحيح. والترمذي، الألباني، صحيح الترمذي (٣/٣٧) . ٢ قال ابن حجر: اختلف في اسم هذا الجشمي، فقال ابن إسحاق: زعموا أن سبمة بن دريد بن الصمّة هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته فقتله، وأخذ الراية أبو موسى الأشعري فقاتلهم ففتح الله عليه. وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جشم وهما: أوفى، والعلاء ابنا الحارث، وفي نسخة: وافي بدل أوفى، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعري. وعند ابن عائذ، والطبراني في الأوسط من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري بإسناد حسن: "لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث رسول الله ﷺ على خيل الطلب أبا عامر الأشعري، وأنا معه، فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء" الحديث. فهذا يؤيد ما ذكره ابن إسحاق. قلت: روى هذا الحديث الذي ذكره ابن حجر –أحمد في مسنده. انظر البنا، الفتح (٢١/١٧٦) . وقال ابن حجر: وذكر ابن إسحاق في المغازي -أيضا- أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين إخوة فقتلهم واحدا بعد واحد، حتى كان العاشر فحمل عليه وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ فكف عنه أبو عامر ظنًّا منه أنه أسلم فقتله العاشر، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي ﷺ يسميه شهيد أبي عامر. وهذا يخالف الصحيح أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قتله. ابن حجر، فتح (٨/٤٢-٤٣) . ٣ من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (٨/٤١) . ٤ في ذلك خلاف، قال ابن حجر: هو عمُّ أبي موسى. وقال ابن إسحاق: هو ابن عمه. والأول أشهر. انظر ابن حجر، فتح (٨/٤٢-٤٣) . ٥ نزا منه الماء: أي ظهر وارتفع وجرى ولم ينقطع. النووي، صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/٦٠) . ٦ من رواية أبي موسى عند البخاري. ابن حجر، فتح (٨/٤١) .
[ ٢٢٠ ]
منيته١، فأوصى ابن أخيه أن يقرىء النبي ﷺ منه السلام ويطلب منه أن يستغفر له، وذلك بعد أن استخلفه على قيادة السرية "فمكث يسيرا ثم مات"٢.
ويرجع أبو موسى إلى النبي ﷺ ويدخل عليه بيته، حيث يصف لنا الحالة التي وجد عليها رسول الله ﷺ لنعرف مدى ما كان عليه من الزهد وشظف العيش، وهو الذي لو أراد لحيزت له الدنيا بأسرها.
يقول أبو موسى: "دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل٣، وعليه فراش وقد أثَّر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه، فأخبرته بخبرنا، وخبر أبي عامر، وقلت له: قال: قل له: يستغفر لي، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ، ثم رفع يديه ثم قال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس. فقلت: ولي يا رسول الله فاستغفر، فقال النبي ﷺ اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما" ٤ ٥.
_________________
(١) ١ وذلك لعدم وجود العقاقير والمضادات الحيوية المعروفة اليوم، والتي تعالج بها الجروح الملتهبة، والتي عرفت بعد اكتشاف البنسلين الذي أنقذ الله به الملايين من جرحى الحروب وغيرهم. ٢ من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (٨/٤١) . ٣ براء مهملة ثم ميم ثقيلة، أي معمول بالرمال وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأّسرَّة. ابن حجر، فتح (٨/٤٣) . ٤ من رواية مسلم عن أبي موسى. النووي، صحيح مسلم (١٦/٦٠) . ٥ الحديث صحيح رواه البخاري عن أبي موسى. انظر ابن حجر، فتح (٨/٤١-٤٢) باب غزوة أوطاس. كما رواه مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي –كتاب فضائل الصحابة (١٦/٥٩-٦٠) . ورواه أحمد. انظر البنا، الفتح الرباني (٢١/١٧٦-١٧٧) . كما رواه من أهل المغازي ابن إسحاق. ابن هشام، سيرة (٤/٤٥٤-٤٥٧)، والواقدي، مغازي (٣/٩١٥)، وابن عبد البر، درر (٢٤١) والعامري، بهجة المحافل (١/٤٢٥-٤٢٨)، والبيهقي، سنن (٩/٥١، ٩١، ٩٢، ٢٤١) .
[ ٢٢١ ]
البعوث التعليمية والدعوية
مقدمة
مقدمة
كان الأعراب حول المدينة يتحينون الفرص المواتية للنيل من المسلمين والقضاء عليهم إما بغزو المدينة قاعدتهم، أو الانتقام ممن ظفروا به منهم خارجها.
ولما عجزوا عن تحقيق هدفهم الأول نتيجة السرايا التعرُّضية التي كان يرسلها رسول الله ﷺ لتأديبهم ومباغتتهم في ديارهم أو قتل زعمائهم، كما حدث لخالد بن سفيان الهذلي، لذلك سعوا للهدف الثاني لسهولته.
أما قريش فكانت تعد العدة للكرة مرة أخرى على المسلمين تكون فيها استئصال شأفتهم والقضاء عليهم نهائيًّا.
ولم يغب كل ذلك عن رسول الله ﷺ وهو القائد العسكري العبقري –فكانت الدوريات الاستطلاعية إضافة إلى عيونه المبثوثين تأتيه بالأخبار والمعلومات عن تحركات أعدائه من قريش والأعراب أوّلًا بأوَّل. وهو ما يسمى الآن بنظام الاستخبارات العسكرية.
وذلك يؤكد أن المسلمين في عهد رسول الله ﷺ وما بعده لم يخوضوا حربًا عشوائية غير مخطَّطٍ لها مع أعدائهم، إنما حربًا ذات خطط "سوقية وتعبوية" منظمة. وكان من تلك السرايا والدوريات سرية استطلاعية لجمع المعلومات عن قريش وتحركاتها، وعن الأعراب وتجمعاتهم.
وإن كانت المصادر التاريخية تجزم بأنها كانت بعثة تعليمية أُرسلت بطلب من بعض الأعراب المدَّعين الإسلام والذين غدروا وأوقعوا بأصحاب السرية عند ماء الرجيع –الذي عرفت السرية به فيما بعد- ويمكن الجمع بين المهمتين كما أوضح البعض١.
_________________
(١) ١ كالزرقاني، شرح (٢/٦٥)، وأكرم العمري: المجتمع المدني (ص ٨٨) .
[ ٢٢٣ ]
"ورغم ما حدث في الرجيع، فإن وفود المسلمين لدعوة الأعراب لم تنقطع أبدا، إذ لا بدّ من تبليغ دعوة الإسلام مهما غلت التضحيات"١، حيث يرسل رسول الله ﷺ سرية تعليمية أخرى إلى أعراب نجد بمبادرة من أبي براء ملاعب الأسنة أحد زعماء نجد والذي طمأن خوف النبي ﷺ من فتك الأعراب بهم بإجارته لهم، ولكن إجارة أبي البراء لم تردع ابن أخيه عامر بن الطفيل الذي أوقع بالقراء بمعاونة الأعراب من سليم وفتكوا بسبعين من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ في حادثة آلمته كثيرًا، ولكنها لم تثبطه أو تقعده عن متابعة برامجه الدعوية والتعليمية.
وتستمر سياسته الدعوية لا تغيِّرها الظروف والمناسبات، فالدعوة إلى الله ﷿ وهي الأساس الذي بنى عليه دولة الإسلام، لا تتأثر بالظروف الحادثة إيجابا أو سلبا، لأنها كانت تتم وفق تخطيط مسبق ومدروس ومنظم بعناية فائقة –فهذا رسول الله ﷺ وهو الفاتح المظفر على أكبر أعداء الدعوة- لا يلهيه ظفره عليهم ولا يطغيه فتحه لأعظم معاقل الوثنية في الجزيرة ولا تنسيه فرحة رجوعه لمسقط رأسه غانمًا موفورًا هدفه الأسمى وغايته النبيلة، فيبادر إلى بثِّ السرايا والبعوث الدعوية حول مكة بعد فتحها مباشرة.
منها بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى بني جذيمة ذلك البعث الذي كثر الحديث حوله، وتفنَّن الرواة والإخباريون في تفسيراتهم وتبريراتهم الخاطئة عنه مستندين إلى خلفيَّات جاهلية لا تنسجم مع روح الإسلام، وما تربَّي عليه أصحاب رسول الله ﷺ من نبذ أدران الجاهلية الدَّفينة، وقد حاول بعض المتأخرين ممن عنوا بالمغازي استنادا على رواية الصحيح تفسير الواقعة باذلين في ذلك جهدهم للوصول إلى التفسير الصحيح –فكان أفضل ما وصلوا إليه أن خالدًا تأوَّل واجتهد فأخطأ. والله تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ أكرم العمري، المجتمع المدني (ص ٨٩) .
[ ٢٢٤ ]
السرايا التعليمية بعث الرجيع١
ولستُ أُبالي حين أُقْتَلُ مُسلمًا على أي شْقٍّ كان لله مصرعي
وذاك في ذات الإله وإن يَشَأ يُبارِك على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّع
خُبيب بن عدي ﵁.
البخاري، الصحيح (٥/٤١) .
_________________
(١) ١ الرَّجيع: بفتح أوله، وبالعين المهملة في آخره –ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدر الهدأة، والرجيع: ماء يعرف اليوم باسم الوطية، يقع شمال مكة على قرابة سبعين كيلا، قبيل عسفان إلى اليمن، في طرف شامية ابن حمادي من الشمال، بسفح حرة بني جابر الجنوبي، وشامية ابن حمادي هي أسفل الهدة، والهدة وادٍ يمر شمال مكة، وعلى يمين الجادة إلى عسفان، والرجيع اليوم من ديار حرب، لبشر خاصة منهم. انظر اين هشام، سيرة (٣/١٧٠)، والبكري، معجم (٢/٦٤١)، والبلادي، معجم (١٣٨)، ومعالم مكة (١١٣) .
[ ٢٢٥ ]
نتيجة للتحركات المعادية التي ظهرت على الأعراب في أعقاب غزوة أحد، وتحسبًا من هجوم قرشي مباغت، بعث رسول الله صص دورية قوتها عشرة أفراد١ بقيادة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح رضي الله عنه٢.
_________________
(١) ١ وقع ذلك عند البخاري وغيره من أهل الحديث.انظر البخاري، الصحيح (٥/٤٠-٤١) وابن حجر، فتح (٦/٦٦، ٧/٣٨٧)، وأبا داود، سنن (٣/١١٥-١١٧)، وعبد الرزاق المصنف (٥/٣٥٣)، وابن أبي شيبة، المصنف (١٤/٤٥٥)، وأحمد. المسند، البنا، الفتح الرباني (٢١/٦١) . بينما اختلف أهل المغازي في ذلك، فمنهم من وافق أهل الحديث كابن سعد الذي جزم بأنهم كانوا عشرة سمي منهم سبعة فقط هم: عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدُّثنة، وخالد بن أبي البكير، ومعتب بن عبيد. ابن سعد، طبقات (٢/٥٥) . وقال ابن حجر معلقا على عدم تسمية الثلاثة الباقين: فلعل الثلاثة الآخرين كانوا أتباعا لهم فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. فتح الباري (٧/٣٨٠) . وتردد الواقدي في روايته فذكر أنهم سبعة، ثم قال: ويقال كانوا عشرة وأميرهم مرثد بن أبي مرثد، ويقال: أميرهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. الواقدي: مغازي (١/٣٥٤-٣٥٥) . وجزم ابن إسحاق بأنهم ستة، وذكر أن أميرهم مرثد بن أبي مرثد، سيرة (٣/١٦٩) . أما موسى بن عقبة فكانت عنه روايتان: رواية وافق فيها ابن إسحاق، وأخرى لم يذكر فيها سوى أربعة سماهم. انظر البيهقي. دلائل (٣/٣٢٦-٣٢٧) . وذكر ابن سيد الناس أنه شاهد في كتاب الطبري: "ذيل المذيل" قصيدة لحسان يرثي فيها أصحاب الرجيع الستة: أَلاَ ليتني فيها شَهِدتُ ابنَ طارق وزيدًا وما تُغني الأماني ومرثدًا ودافعت عن حبي حبيبٍ وعاصمٍ وكان شفاءً لو تداركتُ خالدًا ابن سيد الناس. عيون (١/٥٩-٦٠) . وأيَّد بعض المتأخرين من أهل المعازي روايات الصحيح باعتبارها أصح إسنادا. انظر السهيلي، الروض (٦/١٨٤)، والمقريزي، إمتاع (١/١٧٤) . بينما رجع ابن حجر أن قائد السرية عاصم بن ثابت بناء على رواية الصحيح، ولكنه ذكر في موضع آخر أن البعض حاول الجمع بين رواية الصحيح ورواية أهل المغازي بأن أمير السرية مرثد، وأمير العشرة عاصم، بناء على التعدد. انظر ابن حجر. فتح (٧/٣٨٠) . ومما يجدر ذكره أن مرثدا ورد ذكره في شعر حسان بن ثابت الذي نقله ابن إسحاق كقائد لأصحاب السرية، ولكن ابن هشام ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٨٣) . ٢ هو عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه، من السابقين الأولين من الأنصار، يكنى أبا سليمان، وآخى رسول الله ﷺ بين عاصم بن ثابت وعبد الله بن جحش. وشهد عاصم بدرا وأحدا وثبت يوم أحد مع رسول الله ﷺ حين ولَّى الناس، وبايعه على الموت، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله ﷺ كان قتله وقتل أصحابه يوم الرجيع في صفر على رأس ستو وثلاثين شهرا من الهجرة. ابن سعد. طبقات (٣/٤٦٢-٤٦٣)، وابن حجر، إصابة (٢/٢٤٤) .
[ ٢٢٧ ]
وقد اختلفت الروايات في تحديد واجب السرية، فرواية الصحيح تذكر أن السرية كانت استطلاعية، كما يفيده اللفظ "عينًا"١، بينما تذكر بعض الروايات أنها كانت عبارة عن دورية قتال هدفها بنو لحيان٢، ويكاد يجمع أهل المغازي على أن مهمة السرية كانت تعليمية بحتة٣، وينفرد الواقدي منهم بتوضيح سبب ذلك٤.
وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين الروايات وجعل م
همة السرية ازدواجية مع إمكانية ذلك٥، فهي استطلاعية لرصد نشاط قريش والأعراب
_________________
(١) ١ انظر البخاري. الصحيح (٥/٤٠)، ابن حجر. فتح (٦/١٦٦، ٧/٣٨٧) . كما أخرج البيهقي رواية عن الواقدي بمثل ذلك. انظر البيهقي، دلائل (٣/٣٢٣) . ٢ أخرجه أبو نعيم عن عروة من طريق ابن لهيعة. دلائل (٣/٣٢٣) . كما أخرجه بطريق أخرى عن بريدة بن سفيان الأسلمي. دلائل (٢/٥٠٩) . كما أخرجه من نفس الطريق البيهقي، دلائل (٣/٣٣١) وبريدة هذا قال عنه ابن حجر: ليس بالقوي وفيه رفض. ابن حجر، تقريب (١٢١) . ٣ روى ذلك ابن إسحاق مفصلا. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٦٩)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٢٨) . كما أخرجه البيهقي عن موسى بن عقبة. انظر البيهقي، دلائل (٣/٣٢٧) . ورواه كل من الواقدي، مغازي (١/٣٥٤)، وابن سعد من طريقين أحدهما من طريق ابن إسحاق والأخرى من طريق الزهري عن عمرو بن أسيد مرسلا. ابن سعد، طبقات (٢/٥٥) ورواه البلاذري، أنساب (٣٧٥) ولكنه يضيف أنهم بُعثوا مزكَّين ومعلمين في وقت واحد، وابن حزم، جوامع (١٧٦)، وابن عبد البر، درر (١٦٨) . ٤ يذكر الواقدي في روايته أنه تم التمهيد لهجوم بني لحيان الغادر على أصحاب السرية بتآمرهم مع عضل والقارة وذلك انتقاما لمقتل زعيمهم خالد بن سفيان الهذلي. انظر الواقدي، مغازي (٢/٣٥٤) . ويذكر البغوي في تفسير قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] رواية بصيغة التمريض عن ابن عباس والضحاك أنها نزلت في سرية الرجيع، وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة بإسلامهم وطلبوا منه معلمين يفقهونهم في الدين. البغوي، معالم التنزيل (١/١٨٠-١٨١) . وهذه الرواية على ضعفها البالغ لا تتفق مع سياق الأحداث قبلها، فأُحد كانت قريبة العهد وذكراها لا زالت عالقة في الأذهان، والوضع متوتر بين الطرفين ويتطلب الحذر واليقظة منهما، فما كان رسول الله ﷺ لينخدع بمثل هذه السهولة بدعوى قريش. وإن كان حريصا على إسلامهم متمنيا ذلك. والله تعالى أعلم. ٥ قال الزرقاني: ويجمع بأنه لما أراد بعثهم عيونا، وافق مجيء النفر في طلب من يفقههم، فبعثهم في الأمرين. الزرقاني، شرح (٢/٦٥) . وقال الدكتور أكرم ضياء العمري بعد سياقه لرواية ابن إسحاق: ولكن البخاري يقول: إن مهمة الوفد استطلاعية في حين يذكر ابن إسحاق أنهم معلمون، ويمكن الجمع بين المهمتين. المجتمع المدني (٨٨) .
[ ٢٢٨ ]
المتزايد عقب أُحد وتحركاتهم المشبوهة، وتعليمية تلبيةً لرغبة بعض الأعراب الذين أظهروا الإسلام وطلبوا بعض المعلمين من صحابة رسول الله ﷺ ليفقهوهم في الدين
ومع اتفاق أهل المغازي في مهمة هذه السرية اختلفوا في تحديد تاريخها، فمنهم من ذكرها بعد أُحد ضمن أحداث السنة الثالثة الهجرية١.
ومنهم من حددها بشهر صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا، يعني في بداية السنة الرابعة٢.
وحددها البعض بمنتصف شهر صفر آخر السنة الثالثة٣.
وعلى كل حال انطلقت الدورية في مسير اقترابي حذر كما تذكر بعض الروايات٤ "حتى إذا كانوا بالهدأة٥- وهو بين عسفان ومكة- ذُكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان٦ فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل٧، كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا –تزودوه- من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم٨.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك ابن إسحاق مرسلا عن شيخه عاصم. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٦٩) . ورواه البخاري تعليقا. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٧٨) . ٢ انظر الواقدي، مغازي (١/٣٥٤)، وابن سعد، طبقات (٢/٥٥)، والبلاذري، أنساب (٣٧٥)، وذكرها ابن الأثير في أحداث السنة الرابعة. ابن الأثير علي بن أبي أكرم، الكامل في التاريخ (٢/١٦٧) . ٣ مثل ابن حزم، جوامع (١٧٦)، وابن عبد البر، درر (١٦٨) . ٤ في رواية أبي معشر في مغازيه: "وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار". أورد ذلك عنه ابن حجر، فتح (٧/٣٨١) . ٥ الهدأة: قال البلادي: الهدة واد بمر شمال مكة، وعلى يمين الجادة إلى عسفان. البلادي: معجم (١٣٨) . ٦ قال ابن حجر: لحيان هو ابن هذيل نفسه، وهذيل هو ابن مدركة بن إلياس بن مضر. وزعم الهمداني النسابة أن أهل بني لحيان من بقايا جرهم دخلوا في هذيل فنسبوا إليهم. فتح الباري (٧/٣٨١) . وانظر الكلبي، جمهرة (١٣٠) . ٧ في رواية إبراهيم بن موسى: "تبعوهم بقرب من مائة رام". ابن حجر، فتح (٧/٣٧٨) . وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايتين بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. فتح الباري (٧/٣٨١) . ٨ من رواية شعيب في الجهاد. انظر ابن حجر، فتح (٦/١٦٦) .
[ ٢٢٩ ]
فلما رآهم عاصم انسحب بأصحابه إلى مكان مرتفع تجنبا للاشتباك المباشر –الذي كان فيه القضاء التام عليهم- فاللحيانيون يفوقونهم في العدد والعدة بكثير.
وما أن وصل القوم حتى أحاطوا بهم، ثم أخذوا يفاوضونهم على الاستسلام المشروط بالأمان إن هم نزلوا إليهم دون مقاومة، ولكن عاصم بن ثابت ﵁ قائد السرية رفض ذلك العرض بشدة معطيا من نفسه القدوة لأصحابه وهو يقول: "أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كاف ر، اللهم أخبر عنا نبيك"١.
وعلى الرجيع حصلت ملحمة جهادية رائعة في معركة غير متكافئة، سقط خلالها الأبطال عاصم وستة من رفاقه شهداء في سبيل الله بعد أن قاوموا ببسالة شديدة، لكن إرادة الله ﷿ جعلت الهذليين الكثر والمهرة في الرمي يصطادونهم بنبالهم التي حصدوهم من كل جانب.
"وبقي خبيب وزيد، ورجل آخر٢، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم"٣، ومعهم العذر في ذلك، لأن رفضهم الاستسلام هو حكم بالقضاء المبرم عليهم، ففضلوا الإبقاء على أنفسهم تحيُّزًا لرسول الله ﷺ وأملا في مدد أو نجدة تأتيهم من عنده تكون فيها قوة لاستئناف قتال يكون فيه ولو بعض التكافؤ ضد بني لحيان٤، لكن اللحيانيين، وكما توقع عاصم من قبل غدروا بهم "فلما استمكنوا منهم حلُّوا أوتار قسيهم
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ تذكر كتب المغازي أن اسمه عبد الله بن طارق. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٧١) والواقدي، مغازي (٢/٣٥٧)، وابن سعد، طبقات (٢/٥٦) . ٣ من رواية إبراهيم بن موسى في المغازي. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٧٨) . ٤ لقد صدق توقع خبيب وصاحبه، فإن رسول الله ﷺ أرسل عدَّة سرايا إلى بني لحيان وقاد بنفسه غزوة إليهم، ولكن مشيئة الله ﷾ وقضاءه كانت قد نفذت في خبيب وصاحبه، ولا رادَّ لقضائه.
[ ٢٣٠ ]
فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجرَّروه وعالجوه أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل١، وكان خبيب هو قَتَلَ الحارث يوم بدر٢.
فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي٣. فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيتُه فزِعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله٤
نعم هذه هي أخلاق الإسلام التي أدهشت الكفار قديما وحديثا، لأنهم تعودوا على الانتقام العشوائي، ولا غرو في ذلك إذا كانوا يستقون أخلاقهم من قانون الغاب، بينما صدر أخلاق المسلمين القرآن الذي من مبادئه ﴿وَلا
_________________
(١) ١ يذكر الواقدي في روايته أن: خبيبا ابتاعه حُجين بن أبي إهاب بثمانين مثقال ذهب، ويقال: اشتراه بخمسين فريضة (أي بعير)، ويقال: اشترته ابنة الحارث بن عامر بن نوفل بمائة من الإبل. انظر الواقدي، مغازي (٢/٣١١) . ووقع في رواية بريدة الأسلمي: أن خبيبا بيع لبعض الجمحيين بأمة سوداء، وجاء عقبة بن عدي أحد بني نوفل بن عبد مناف يسأله أن يبيعه إياه فيقتله مكان طعيمة بن عدي، لأنه قتله يوم بدر فأبى أن يبيعه إياه وأعطاه إياه عطية. انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥١٠) . ٢ قال ابن حجر: كذا وقع في حديث أبي هريرة واعتمد البخاري على ذلك، فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرا، وهو اعتماد متجه، لكن تعقبه الدمياطي بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن خبيب بن عدي شهد بدرا ولا قتل الحارث بن عامر، وإنما ذكروا أن الذي قتل الحارث بن عامر ببدر خبيب بن أساف، وهو غير خبيب بن عدي، وهو خزرجي، وخبيب بن عدي أوسي. والله أعلم. ويلزم من الذي قال ذلك ردُّ هذا الحديث الصحيح فلو لم يقتل خبيب بن عدي الحارثَ بن عامر ما كان لاعتناء أبناء الحارث بأسر خبيب معنى ولا يقتله مع التصريح في الحديث الصحيح أنهم قتلوه به، لكن يحتمل أن يكون قتلوه بخبيب بن عدي لكون خبيب بن أساف قتل الحارث على عادتهم في الجاهلية بقتل بعض القبيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شارك في قتل الحارث-والعلم عند الله تعالى. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٨٢) . وقد اطلعت على مخطوطة في السيرة للدمياطي فلم أجد هذا الكلام فيها وأعتقد أنها في مختصر السيرة. ٣ قال ابن حجر: ذكر الزبير بن بكّار أن هذا الصبي هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكيّ المحدّث، وهو من أقران الزهري. فتح الباري (٧/٣٨٢) . ٤ من رواية إبراهيم بن موسى في كتاب المغازي. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٧٨) .
[ ٢٣١ ]
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
وهذه المرأة التي أسلمت فيما بعد٢ ذكرت ما شاهدته من خبيب حيث تقول: "ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلاّ رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل هو. ثم قال اللهم أحصهم عددا"٣.
ثم قتلوه ﵁ وهو يحمس نفسه بأبيات يذكر فيها غربته وتألب المشركين عليه٤.
"وأما زيد بن الدثنة فاشتراه صفوان بن أمية فقتله بأبيه أمية بن خلف، قتله نسطاس مولى بني جمح"٥. ويذكر ابن إسحاق بإسناد معضل أن أبا سفيان قد سأله مختبرا ثباته: "أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في
_________________
(١) ١ الأنعام (١٦٤) . ٢ روى ابن حجر عن خلف في كتابه الأطراف: أن اسمها زينب بنت الحارث وهي أخت عقبة بن الحارث الذي قتل خبيبا، وقيل: امرأته، ووقع عند ابن إسحاق بسند معضل أن التي رأت القطف في يد خبيب هي ماوية مولاة حجين بن أبي إهاب، والتي حُبس في بيتها. قال ابن حجر: فإن كان محفوظا احتمل أن يكون كلّ من ماوية وزينب رأت القطف في يده يأكله، وأن التي حُبس في بيتها ماوية، والتي كانت تحرسه زينب جمعا بين الروايتين. ويحتمل أن يكون الحارث أبا لماوية من الرضاع، ووقع عند ابن بطال: أن اسم المرأة جويرة، فيحتمل أن يكون لما رأى قول ابن إسحاق أنها مولاة حجين بن أبي إهاب أطلق عليها جويرة لكونها أمة، أو يكون وقع له رواية فيها اسمها جويرة. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٨٢) . ٣ من رواية إبراهيم بن موسى. انظر البخاري، الصحيح (٥/٤١) . ٤ ورد منها بيتان في الصحيح هما: ولست أُبالي حين أُقتل مسلمًا على أي شِقٍّ مان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع ٥ من مراسيل عروة. وأخرجه الطبراني من طريق ابن لهيعة. انظر الطبراني، المعجم (٥/٢٦١) .
[ ٢٣٢ ]
مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي"١. هذه الرواية٢ على ضعفها حديثيًّا إلا أننا نستأنس بها تاريخيًّا على مدى الحب المتمكن في قلوب أصحاب النبي ﷺ له، ذلك الحب الذي لا يتزعزع حتى في أصعب اللحظات حراجة، وهكذا نراهم يفدونه بأنفسهم أن تصيبه شوكة آمنا في بيته، وهو بين يدي أعدائهم يعاينون الموت، فما أخلصها من تضحية، وما أعظمه حبًّا أدهش أعداءهم في ذلك الوقت، يقول أبو سفيان في سياق الرواية السابقة "ما رأيت من الناس أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا"٣.
وقد استجاب الله ﷿ "لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبيُّ ﷺ أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حُدثوا أنه قتل ليؤتَوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر٤ فَبُعِثَ على عاصم مثل الظلة من الدَّبر٥. فحمتهم من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا٦.
وهكذا فقدت الدعوة إلى الله بعض فرسانها، وحزن رسول الله ﷺ و"المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه، ولمصرع أسيرهم على هذا النحو
_________________
(١) ١ رواه ابن إسحاق عن شيخه عاصم بن عمرو مصرحا بالتحديث عنه. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٧٢)، كما رواه الواقدي، مغازي (٢/٣٦٢) . ٢ في سياق رواية عروة المشار إليها أعلاه أن المشركين سألوا خبيبا مثل ذلك وأجابهم بمثل جواب زيد، فإن صحَّت الروايتان كان كلّ منهما سئل عن ذلك من جانب المشركين وأجابهم بجواب واحد يمثل حبًّا طاغيًا لرسول الله ﷺ من جانب أصحابه. ٣ انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٧٢)، والواقدي، مغازي (٢/٣٦٢) . ٤ قال ابن حجر: لعل العظيم المذكور غقبة بن أبي معيط، فإن عاصما قتله صبرا بأمر النبي ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحاق، وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن عاصما لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وهي أم مسافع وجلاّس ابني طلحة العبدي، وكان عاصم قتلهما يوم أحد وكانت نذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر في قحفه فمنعته الدَّبر. ابن حجر، فتح (٧/٣٨٤) . ٥ جماعة النحل، وقيل: ذكور النحل، أو الزنابير. القاموس، دبر، وابن حجر، فتح (٧/٣٨٤) . ٦ من رواية إبراهيم بن موسى. انظر البخاري، الصحيح (٥/٤١) .
[ ٢٣٣ ]
الفاجع، فقد خسروا فريقا من الدعاة الأكفاء يحتاج إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه"١.
وفي الحديث من الأحكام ما ذكره ابن حجر وغيره حيث قال: إن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكّن من نفسه ولو قُتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك، وقال سفيان الثوري: أكره ذلك.
وفي الحديث الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله.
وفيه الدعاء على المشركين بالتعميم، وإنشاء الشعر وإنشاده عند القتل.
ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه.
وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه.
ومن فوائد الحديث استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيًّا وميتًا، وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل، وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لِما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه٢.
وفي الحديث: إثبات كرامة الأولياء. وما أكرم الله به خبيبا من إطعامه له القطف من العنب في زمان وحين لا يوجد منه بمكة حبة ولا ثمرة، وهذه المكرمة شبيهة بما قصّ الله تعالى من شأن مريم:
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ ٣، وإبلاغ الله
_________________
(١) ١ الغزالي، فقه السيرة (٢٧٦) . ٢ ابن حجر، فتح (٧/٣٨٤-٣٨٥) . ٣ آل عمران (٣٧) .
[ ٢٣٤ ]
سلامه إلى رسوله، وهما دلالتان واضحتان مثلهما جائز في إبان النبوة١.
وقال ابن بطال: "هذا يمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته، فأما من يدَّعي وقوع ذلك اليوم بين ظهراني المسلمين فلا وجه له، إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم؟ ولو لم يكن في تجويز ذلك إلاّ أن يقول جاهل: إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبي فكيف نصدقها من نبي، والفرض أن غيره يأتي بها لكان في إنكار ذلك قطعا للذريعة، إلا أن يكون وقوع ذلك مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا، مثل أن يكرم الله بإجابة دعوة في الحين ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصمًا لئلا ينتهك عدوه حرمته"٢.
قال ابن حجر: "والحاصل أن ابن بطال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها فجعل الذي يثبت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانًا، والممتنع ما يقلب الأعيان مثلا، والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقا، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام والماء، والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخرق الآن فيما قاله القشيري، وتعيين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له من ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله بأن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب،
_________________
(١) ١ انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥١١-٥١٢) . ٢ انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٨٣) .
[ ٢٣٥ ]
فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان ذلك علامة ولايته، ومن لا فلا، وبالله التوفيق١.
وفيه أيضا مشروعية الصلاة عند القتل، قال في سياق رواية الصحيح: "فكان أول من سن الركعتين عند القتل"٢
قال السهيلي: "وإنما صار فعل خبيب سُنة حسنة، والسنة إنما هي أقوال من النبي ﷺ وأفعال، وإقرار؛ لأنه فعلها في حياته ﷺ فاستحسن ذلك من فعله، واستحسنه المعلمون مع أن الصلاة خير ما ختم به عمل العبد"٣.
قال الحلبي: "وكان ابن سيرين ﵀ إذا سئل عن الركعتين قبل القتل قال: صلاهما خبيب رضي الله تعالى عنه وحجر، وهما فاضلان، ويعني بحجر: حجر بن عدي رضي الله تعالى عنه"٤.
وقال: "واستدل أئمتنا بقصة خبيب هذه على أنه يستحب لمن أشرف على الموت أن يتعهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته، ولعل ذلك كان بلغ النبيَّ ﷺ وأقرَّه"٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ البخاري، الصحيح (٥/٤١) . ٣ السهيلي، الروض (٦/١٩٢) . ٤ الحلبي، سيرة (٣/١٦٢) . ٥ الحلبي، سيرة (٣/١٦٠) .
[ ٢٣٦ ]
بعث بئر معونة١
(سرية القُرَّاء)
وفي منظر رائع لا يتصوره العقل البشري المُجَرَّد عن الإيمان تتحقق إحدى معجزات النبي ﷺ، فما أن وجد الرجل مسَّ الرمح في جوفه حتى صاح وهو ينضح ماء الحياة على وجهه ورأسه فَرِحًا: الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة.
_________________
(١) ١ بئر معونة: بفتح أوله، وضم ثانيه، بعده واو ونون –هو ماء لبني عامر بن صعصعة، وهي بين ديار بني عامر، وحرة بني سليم، وهي إلى الحرة أقرب، وهي بلحف أبلى، وأبلى سلسلة جبلية سوداء تقع غرب المهد إلى الشمال، وتتصل غربا بحرة الحجاز العظيمة، وهي اليوم ديار مطير، ولم تعد سليم تقربها. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٨٤)، والبكري، معجم (٤/١٢٤٥)، والبلادي، معجم (٥٣) .
[ ٢٣٧ ]
استمرارا لمنهجية نشر الإسلام ورسالته، ورغم ما أصاب الدعوة في صميم عملها بفقدان عدد من خيرة فرسانها في الرجيع، فقد واصل رسول الله ﷺ بث الدعاة ونشر الدعوة إلى الله في كل مكان في الجزيرة العربية، حيثما وجد بصيصًا من الأمل لقبولها وانتشارها، "إذ لا بدَّ من تبليغ دعوة الإسلام مهما غلت التضحيات"١.
فلما قدم عليه ﷺ وفد من قبائل رعل وذكوان وعُصية السلمية، وذكروا أن فيهم إسلاما وطلبوا منه معلمين يفقهونهم في الدين، ويعينونهم على المشركين من قومهم بزعمهم٢.
قام رسول الله ﷺ بتجهيز بعثة تعليمية قوامها سبعون معلمًا٣ من خيرة
_________________
(١) ١ أكرم العمري، المجتمع المدني (٨٩) . ٢ جمعا بين رواية قتادة في البخاري التي تقول: "فزعموا أنهم أسلموا واستمدوا على قومهم"، ورواية مسلم ولفظها "فقالوا: ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة". انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٨٦)، والنووي على مسلم (١٣/٤٦) . وقد أجمع أهل المغازي كالزهري، وابن عائذ، وابن إسحاق، وابن سعد، والبلاذري، وابن حزم، على أن مهمة البعث تعليمية بحتة. انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٣٨٢-٣٨٣)، وابن هشام، سيرة (٣/١٨٤)، والواقدي، مغازي (٢/٣٤٦-٣٤٧)، وابن سعد، طبقات (٢/٥١-٥٢)، والبلاذري، أنساب (٣٧٥)، وابن حزم، جوامع (١٧٨-١٧٩)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٣٨-٣٣٩-٣٤٣)، وابن حجر، فتح (٧/٣٨٦-٣٨٧) . بينما اختلفت بقية الروايات في تحديد مهمة البعث. انظر رواية أبي معمر، وحفص، وعبد الأعلى، عند البخاري، فتح الباري (٣/٣٤٨، ٧/٣٨٥-٣٨٦-٣٨٩)، وروايات أحمد، البنا، الفتح الرباني (٢١/٦٣-٦٥)، وابن عبد البر، درر (١٧٠)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٨، ٣٤٩، ٣٥٠) . ٣ أجمع أهل الحديث على ذلك بناء على اتحاد مصدرهم في الروايات. انظر روايات البخاري عند ابن حجر، فتح (٦/١٨، ٧/٣٨٥-٣٨٦-٣٨٩)، والنووي على مسلم (١٣/٤٧)، وأحمد، البنا، الفتح الرباني (٣/٢٩٧، ٢١/٦٣-٦٤) . بينما اختلف أهل المغازي في ذلك فمنهم من وافق أهل الحديث كابن سعد في رواية، طبقات (٢/٥٢)، والطبري، تاريخ (٢/٥٤٦-٥٤٩-٥٥٠)، وابن عبد البر في رواية، درر (١٧٠)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٤٣-٣٤٤-٣٥٠) . وجزم ابن إسحاق أنهم كانوا أربعين سمى منهم: المنذر بن عمرو المعنق ليموت، والحارث بن الصمّةـ وحرام بن ملحان، وعروة بن أسماء، ونافع بن بديل، وعامر بن فهيرة. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٨٣) . وتردد الواقدي بين العددين ثم رجَّح أنهم كانوا أربعين. الواقدي، مغازي (٣٤٦-٣٤٧) . بينما شذّت بعض الروايات في ذلك، ففي رواية عند الطبراني وأخرجها الهيثمي، مجمع (٦/١٢٥) تقول إنهم كانوا عشرة. وذكر ابن عبد البر في رواية أخرى: أنهم كانوا ثلاثين. ابن عبد البر، درر (١٧٠) بينما رجع كل من السهيلي، الروض (٦/٢٠١)، والعامري، بهجة (١/٢٢٣) روايات المحدثين. وحاول ابن حجر الجمع بين القولين بأن: الأربعين كانوا رؤساء وبقية العدة أتباعا ووهَّم من قال: ثلاثين. فتح الباري (٧/٣٨٦) .
[ ٢٣٨ ]
الصحابة ومثقفيهم حتى إنهم كانوا يسمون القرَّاء لمثابرتهم على التحصيل العلمي حيث كانوا "يقرأون القرآن، ويتدارسون بالليل ويتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء"١.
وأسند القيادة إلى المنذر بن عمرو الساعدي رضي الله عنه٢، كما ذكر أهل المغازي٣، ثم وجههم إليهم.
وفي شهر صفر من السنة الثالثة، أو الرابعة على خلاف بين أهل المغازي٤
_________________
(١) ١ من رواية ثابت عن أنس عند مسلم. انظر النووي على مسلم (١٣/٤٧)، وانظر ابن حجر، فتح (٧/٣٨٥) . ٢ هو المنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة الأنصاري الخزرجي الساعدي، قال ابن أبي خيثمة: سمعت سعد بن عبد الحميد بن جعفر يقول: المنذر بن عمرو عقبي، بدري، نقيب استشهد يوم بئر معونة. وكذا قال ابن إسحاق، وثبت أنه استشهد يوم بئر معونة في صحيح البخاري، وسمى المنذر بن العوام على اسمه، وكان يلقب المعنق ليموت. وقال البغوي: ليست له رواية. ابن حجر، إصابة (٣/٤٦٠-٤٦١) . ٣ انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٨٤)، والواقدي، مغازي (٢/٣٤٦-٣٤٧)، وابن سعد، طبقات (٢/١٥-٥٢)، والبلاذري، أنساب (٣٧٥)، وابن حزم، جوامع (١٧٨-١٧٩)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٣٩-٣٤٢) . وهناك روايتان ألمحتا بشكل غير مباشر على أن القيادة كانت تحت تصرف حرام بن ملحان ﵁. انظر رواية موسى بن إسماعيل عند البخاري، فتح الباري (٧/٣٨٦)، ورواية العباس بن الوليد عند الطبري، تاريخ (٢/٥٥٠) . وشذَّ ابن عقبة بجعله مرثد بن أبي مرثد الغنوي في رواية البيهقي، دلائل (٣/٣٤)، وذلك وهم منه ﵀، فإن مرثدًا كما ذكر أهل المغازي ومنهم هو، كان قد استشهد في الرجيع. ٤ ذلك بناء على اختلافهم المشهور في تحديد بداية التاريخ الهجري، فالواقدي، مغازي (٢/٣٤٦)، وابن سعد، طبقات (٢/٥١)، وابن حزم، جوامع (١٧٩-١٨٠) جعلوها في السنة الثالثة، بينما أرَّخ لها ابن إسحاق، والبلاذري بالسنة الرابعة. انظر ابن هشام، سيرة (٣/١٨٣)، والبلاذري، أنساب (٣٧٥) . وقال ابن كثير: وأغرب مكحول ﵀ حيث قال: إنها كانت بعد الخندق. ابن كثير، بداية (٤/٧٣)، وذكر الزرقاني: أن بعضهم جعلها في المحرم، وقدَّمها على بعث الرجيع. الزرقاني، شرح (٢/٧٤) .
[ ٢٣٩ ]
انطلقت البعثة في مسيرها الاقترابي بحذر يتقدمهم دليل من أهل المنطقة كما تذكر رواية مرسلة عن عروة١.
حتى إذا ما وصلوا بئر معونة –وهي منطقة تماس حدودية بين أراضي قبيلة بني عامر وحرة بني سليم- عسكروا بإزائها، ومن هناك بعثوا حرام بن ملحان رضي الله عنه٢ أحد أفراد البعثة إلى الأعراب في مهمة استطلاعية وتمهيدية لمهمة البعثة الأساسية، وذلك بمبادرة منه تطوعية إذ قال لهم: "أتقدمكم فإن أمَّنوني حتى أبلغهم عن رسول الله ﷺ، وإلاَّ كنتم مني قريبا"٣. فتقدم نحو البيوت بعد أن أمَّنوه حيث وجه خطابه لهم –كما وقع في رواية عن أنس ﵁ فيها بعض الضعف٤ "يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم أني أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله"٥.
ولكن الأعراب كانوا أشدَّ كفرا ونفاقا وغدرا، فتنفيذا لخطة التآمر الدنيئة التي دبروها مع قائدهم عامر بن الطفيل العامري، وبينما حرام "يحدثهم عن النبي ﷺ إذ أومأوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه"٦، وفي منظر رائع لا يتصوره العقل البشري المجرَّد عن الإيمان، تتحقق إحدى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم٧، فما أن وجد الرجل مسَّ الرمح في جوفه حتى صاح وهو ينضح ماء
_________________
(١) ١ وفيها: "وبعث معهم المطلب السلمي ليدُلَّهم على الطريق". انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٩٠) . ٢ هو حرام بن ملحان بن مالك بن زيد بن حران بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، شهد بدر، وأحدا، وبئر معونة، وقتل يومئذ شهيدا وليس له عقب، وهو خال أنس بن مالك. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٥١٤)، وابن حجر، إصابة (١/٣١٩) . ٣ من رواية حفص في البخاري. ابن حجر، فتح (٦/١٩)، ورواية عند أحمد، البنا، الفتح الرباني (٢١/٦٤) . ٤ لأن في سندها محمد بن مرزوق، وعمرو بن يونس لم أعثر على ترجمتهما، وعكرمة بن عمار العجلي صدوق يعلط. انظر ابن حجر، تقريب (٣٩٦) . ٥ انظر الطبري، تاريخ (٢/٥٤٩) . ٦ من رواية حفص. ابن حجر، فتح (٦/١٩) . ٧ أخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ =
[ ٢٤٠ ]
الحياة على وجهه ورأسه فرحا "الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة"١.
ذلك المشهد العظيم والذي لم يعهده المشركون من قبل، جعل قاتله يسلم٢ متعجبا من رَدَّة الفعل التي لم يك أحد من الحاضرين يتوقعها من رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لم يكتف الأعراب بذلك بل تبعوا أثره حتى وجدوا أصحابه فأحاطوا بهم من كل جانب ودافع أصحاب رسول الله ﷺ عن عقيدتهم السمحة التي جاءوا لنشرها بين من غدروا بهم، ولكن هول المفاجأة وكثرة الأعراب المستعدين لخيانتهم المدبَّرة سلفا لم تتح لهم الفرصة في قتال متكافىء، فسقطوا شهداء على أرض بئر معونة إلاّ رجلا أو رجلين منهم٣، حيث سطروا بدمائهم الزكية ملحمة من أروع الملاحم الجهادية في تاريخ الإسلام بعد أن كسبوا رضوان الله عليهم.
فهذا الروح الأمين ﵇ يخبر "النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم"٤، قال أنس ﵁: "فقرأنا فيهم قرآنا ثم إن ذلك
_________________
(١) = "ما يجد الشهيد من مسِّ القتل إلاَّ كما يجد أحدكم مسَّ القرصة". انظر الألباني، صحيح سنن الترمذي (٢/١٣٣)، وصحيح سنن النسائي (٢/٦٦٥)، وصحيح سنن ابن ماجة (١٢/١٣١) . وقال عنه الألباني: حسن صحيح. ١ من رواية حيان في البخاري. انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٨٦) . ٢ وقع في رواية أحمد عن أنس: "فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحة يقول لي: هل لك في قاتل حرام. قلت له: ما له فعل الله به وفعل. قال: مهلًا فإنه قد أسلم". البنا، الفتح الرباني (٢١/٦٥) وقال عنه: سنده صحيح ورجاله رجال الصحيحين. وقال ابن حجر: لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه، ووقع في السيرة لابن إسحاق ما ظاهره أنه عامر بن الطفيل. لكن وقع في الطبراني من طريق ثالث عن أنس: أن قاتل حرام أسلم، وعامر مات كافرا. ابن حجر، فتح (٧/٣٨٨) . ٣ أورد أهل المغازي اسميهما، فعند ابن إسحاق: أنه عمرو بن أمية، ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف. وقال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح. كما ذكر ابن إسحاق: أن كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار ارتثَّ (أي رفع وبه جراح) من بين القتلى فعاش حتى قُتل يوم الخندق شهيدا. أما الواقدي فذكر أنهما: الحارث بن الصمَّة، وعمرو بن أمية، المغازي (٢/٣٤٨) . ٤ من رواية حفص عند البخاري. ابن حجر، فتح (٦/١٩) .
[ ٢٤١ ]
رفع "بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا"١.
فيا لها من منزلة عظيمة تتوق إليها نفس كل مسلم، وكان رسول الله ﷺ قد أخبر أصحابه بمصيرهم، ويصف أنس ﵁ شدّة تأثر رسول الله ﷺ لمصابهم: "ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على شيء قط ما وجد على أصحاب سرية بئر معونة، أصحاب سرية المنذر بن عمرو، فمكث شهرا يدعو على الذين أصابوهم في قنوت صلاة الغداة"٢٣.
ومن الطبعي أن يتأثر رسول الله ﷺ لمصابهم، فقد كانوا من خيرة أصحابه، ومن فرسان الدعوة المعدودين، وقد كان فقدهم في وقت كانت دعوة الإسلام بحاجة ماسَّة لخدماتهم، كما أن الطريقة التي تم فيها قتلهم تعصر القلب ألمًا وحزنًا عليهم، فهي طريقة شائنة لم تتح لهم الفرصة في قتال فروسي مشرف.
"إن هذه النازلة ملأت قلوب المسلمين غيظا، وهم لم يضيقوا بخسائرهم فحسب، بل الذي أحرج مشاعرهم في هذه الحادثة أنها كشفت عمَّا تخبئه
_________________
(١) ١ من رواية عبد الأعلى عند البخاري. ابن حجر، فتح (٧/٣٨٥) . ٢ من رواية عبد الرزاق بسند صحيح عن أنس، المصنف (٥/٣٨٤) . وأخرج البخاري نحوه عن أنس من طريق أبي النعمان. ابن حجر، فتح (٦/٢٧٢) . ومسلم أيضا. انظر النووي على مسلم (٥/١٧٩) . ٣ الخبر صحيح متفق عليه، فقد أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع عدة، انظر ابن حجر، فتح (٢/٤٩٠، ٦/١٩-٣١-٢٧٢، ٧/٣٨٦-٣٨٨-٣٨٩) . وأخرجه مسلم في صحيح. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٥/١٧٨-١٧٩، ١٣/٤٧) . كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده. انظر البنا، الفنح الرباني (٢١/*٦٣-٦٤-٦٥) . وروى الخبر بطرق مرسلة. انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٣٨٢-٣٨٣)، وخليفة بن خياط، تاريخ (٧٦-٧٧)، وابن هشام، سيرة (٣/١٨٣)، والبيهقي، دلائل (٣/٣٣٨-٣٣٩-٣٤٠-٣٤١-٣٤٢-٣٤٣-٣٤٤) . كما أخرج الخبر من أهل المغازي غير ابن إسحاق كلّ من: الواقدي، مغازي (١/٣٤٦-٣٤٧-٣٤٨-٣٤٩-٣٥٠-٣٥١-٣٥٢-٣٥٣)، وابن سعد، طبقات (٢/٥١-٥٢-٥٣-٥٤)، واليبلاذري، أنساب (٣٧٥)، وابن الأثير، الكامل (٢/١٧١-١٧٢)، وابن حزم، جوامع (١٧٨-١٧٩-١٨٠)، وابن عبد البر، درر (١٧٠-١٧١-١٧٢-١٧٣) .
[ ٢٤٢ ]
الوثنية في ضميرها من غلّ كامن على الإسلام وأهله، غلٍّ عاصف بكل مبادىء الشرف والوفاء"١ التي اشتهر بها العرب في الجاهلية وزادها الإسلام قوة وعزًّا، لكن حقد الوثنية الدفين على الإسلام ورجالاته طغى على هذه المبادىء في قلوب أصحابها فأعمى بصائرهم وبصيرتهم.
ومن فقه هذه القصة ما بوَّب له البخاري بقوله: باب القنوت قبل الركوع وبعده، ثم ذكر الأحاديث الخاصة بهذه القصة٢.
قال ابن حجر: القنوت يطلق على معان، والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، قال الزين بن المنيّر: أثبت بهذا الترجمة مشروعية القنوت إشارة إلى الردّ على من رُوي عنه أنه بدعة كابن عمر، وفي الموطأ عنه: أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات، ووجه الردِّ عليه ثبوته من فعل النبي ﷺ فهو مرتفع عن درجة المباح.
وهل هو قبل الركوع أو بعده خلاف؟ قال ابن حجر: ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع. وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح.
ذكر ابن العربي: أن القنوت ورد لعشرة معان فنظمها شيخنا الحافظ زين الدين العراقي فيما أنشدنا لنفسه إجازة غير مرة:
ولَفْظُ القنوت اعدُدْ معانيه تجد مزيدًا على عشرة معانٍ مرضية
دعاء، خشوع، والعبادة، طاعة إقامتها، إقراره بالعبودية
سكوت، صلاة، والقيام وطوله كذاك دوام الطاعة الرابح القنية٣
_________________
(١) ١ الغزالي، فقه السيرة (٢٧٨) . ٢ انظر ابن حجر، فتح (٢/٤٨٩-٤٩٠-٤٩١) . ٣ المصدر السابق.
[ ٢٤٣ ]
وقال النووي: مذهب الشافعي ﵀: أن القنوت مسنون في صلاة الصبح دائما، وأما غيرها فله فيها ثلاثة أقوال: الصحيح المشهور أنه إن نزلت نازلة كعدو وقحط وعطش وضررٍ ظاهر في المسلمين، ونحو ذلك قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة، وإلا فلا. والثاني: يقنتون في الحالين. والثالث: لا يقنتون في الحالين. ومحل القنوت بعد رفع الرأس من الركوع في الركعة الأخيرة.
وفي استحباب الجهر بالقنوت في الصلاة الجهرية وجهان: أصحهما يجهر ويستحب رفع اليدين فيه ولا يمسح الوجه. وقيل: يستحب مسحه. وقيل: لا يرفع اليد واتفقوا على كراهية مسح الصدر. والصحيح أنه لا يتعين فيه دعاء مخصوص، بل يحصل بكل دعاء. وفيه وجه: أنه لا يحصل إلاَّ بالدعاء المشهور: اللهم اهدني فيمن هديت.. إلى آخره، والصحيح أن هذا مستحب لا شرط له، ولو ترك القنوت في الصبح سجد السهو. وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وآخرون إلى أنه لا قنوت في الصبح. وقال مالك: يقنت قبل الركوع. ودلائل الجمع معروفة١.
كما أن من فقه هذه القصة معرفة كيفية موت الشهيد، فقد ورد في ثنايا القصة أن حرام بن ملحان ﵁ عندما طعن بالرمح لم يتألم كما هو معروف ومشاهد في مثل هذه الحالة، بل بالعكس من ذلك صاح فرحًا: الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة.
وهذا الموقف الخارق للعادة يدعونا للتساؤل: هل يتعرض الشهيد لألم الموت؟
وتأتينا الإجابة الشافية من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي (٥/١٧٦) .
[ ٢٤٤ ]
هو إلاّ وحي يوحى: "ما يجد الشهيد من مسِّ القتل إلاَّ كما يجد أحدكم من مسِّ القرصة" ١.
نعم فللشهيد منزلة خاصة عند الله، فجزاء الثمن الباهظ الذي يدفعه وهو روحه رخيصة في سبيل الله ﷿ لم يبخسه أعدل العادلين حقه فكافأه بست جوائز كل واحدة منها تعدل الدنيا وما فيها، فعن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلَّى حلَّة الإيمان، ويزوَّج من الحور العين، ويشفَّع في سبعين إنسانا من أقاربه" ٢.
هذا بالإضافة إلى العلامة المميَّزة المشرفة التي يأتي بها يوم القيامة. عن أبي هريرة –﵁- قال: قال رسول- الله ﷺ: "ما من مجروح يجرح في سبيل الله، والله أعلم بمن يجرح في سبيله، إلاَّ جاء يوم القيامة، وجرحه كهيئته يوم جرح: اللون لون الدم، والريح ريح مسك" ٣.
كما أن حياة الشهداء لا تنتهي بمجرد موتهم، بل هم أحياء يرزقون ويتنعمون عند ربهم، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ أخرجه ابن ماجه. انظر الألباني، صحيح سنن ابن ماجه (٢/١٢٩) وقال عنه: صحيح. ٣ أخرجه ابن ماجه، انظر الألباني، صحيح سنن ابن ماجه (٢/١٢٨) وقال عنه حسن صحيح. ٤ سورة آل عمران (١٦٩) .
[ ٢٤٥ ]
بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
(دعوية)
(فلم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا)
[ ٢٤٧ ]
عقب فتح مكة بعث رسول الله ﷺ سراياه وبعوثه حولها لإخضاع قبائل الأعراب الحليفة لقريش، والتي كانت تكوِّن كتلة الأحابيش التي شاركت ضمن الجيوش القرشية التي خاضت بدرا وأحدا والخندق ضد المسلمين، وذلك إكمالا لإحكام سيطرة المسلمين على المنطقة ونشر الدعوة فيها، وفتح الطريق أمامهم إلى الطائف ثاني أكبر معاقل الوثنية في الجزيرة العربية آنذاك، والتي كانت تمثل حاجزا أمام نشر الدعوة الإسلامية فيها.
وكان من تلك البعوث (دورية قتال) دعوية، هدفها بني جذيمة١، يذكر أهل المغازي أن قوتها كانت حوالي ثلثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار٢، ورجال من بعض القبائل العربية المسلمة كسليم، وبني مدلج بن مرة٣، وكان بعض كبار الصحابة ﵃ مثل عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وأبي قتادة، وسالم مولى أبي حذيفة٤، جنودا ضمن أفراد هذه الدورية التي أُسندت القيادة فيها إلى سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁.
وفي شهر شوال من السنة الثامنة الهجرية، قبيل الخروج إلى حنين، كما يذكر أهل المغازي٥، تحركت الدورية في مسيرها الاقترابي نحو هدفها.
_________________
(١) ١ أجمعت مصادر أهل المغازي على أن هذه السرية كانت دعوية. انظر، ابن هشام سيرة (٥/٤٢٨)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٧) . وأشار رواية أهل الحديث إلى ذلك ضمن السياق. انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧)، والبنا، الفتح الرباني (٢١/١٦٧) . ٢ ذكر ذلك الواقدي، مغازي (٣/٨٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٧) . ٣ ذكر ذلك ابن إسحاق في روايته. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٢٩) في حين لم يذكر الواقدي وكاتبه غير بني سليم معهم. ٤ ترددت هذه الأسماء عند كل من: ابن إسحاق، ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٠-٤٣١) والواقدي، مغازي (٣/٨٧٧-٨٨٠-٨٨١) . ٥ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٢٨)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٥) وكان الذي حددها بشهر شوال ابن سعد، طبقات (٢/١٤٧) .
[ ٢٤٨ ]
ويذكر ابن إسحاق في روايته المنقطعة: أن بني جذيمة لما سمعوا بخبر السرية استعدوا للقتال ولبسوا السلاح١، وعلى الغميصاء٢ تقابل الجيشان، فدعاهم خالد إلى الإسلام "فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا"٣.
ونظرًا لما هذه الكلمة من ماضٍ سيء في تاريخ الإسلام، حيث كانت تطلق في مقام الذم للمسلمين الأوائل بمكة، والاستهزاء بهم من قِبَلِ المشركين، ونظرا لدقة الموقف وحراجته والذي يتطلب سرعة الخاطر في إعطاء القرار الحاسم من أي قائد يحرص على نجاح مهمته، فقد تأوَّل خالد بن الوليد ﵁ "الذي كان يعرف الكلمة وظروف استعمالها"٤، كلمتهم تلك على أنها استهزاء وسخرية بالمسلمين "فجعل يقتل منهم ويأسر"٥ثم إنه أمر بعد فترة بقتل الأسرى باعتبار أنهم كانوا مستهزئين بالإسلام، فرأى أنه لا بدَّ وأن يثخن فيهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم من الأعراب.
ولكن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وبعض الصحابة ﵃ كما تذكر روايات أهل المغازي٦، لم ينقادوا لأمر خالد ﵁ وخالفوه في اجتهاده، ورأوا أن بني جذيمة قد "عبروا عن إسلامهم بما يعرفون"٧، وكان أكثرهم معارضة له عبد الرحمن بن عوف،
_________________
(١) ١ رواية ابن إسحاق حول هذه السرية هي من مراسيل أبي جعفر محمد بن علي الباقر فهي منقطعة. انظر أكرم العمري، المجتمع المدني (١٩٤) . ٢ الغميصاء –بضم أوله وفتح ثانيه وبالصاد المهملة- على لفظ التصغير: مكان أسفل مكة على ليلة ناحية بلملم.انظر ابن سعد، طبقات (٢/١٤٧)، والبكري، معجم (٣/١٠٠٠)، وذكر البلادي أنه لا يعرف موضعا قريبا من مكة يعرف بهذا الاسم، وأنه ربما تغيَّر اسم المكان مع الزمن. البلادي، معالم مكة (٢٠٥) . ٣ من رواية الزهري عند البخاري. انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧، ١٣/١٨٢) . ٤ أكرم العمري، المجتمع المدني (١٩٤) . ٥ من رواية الزهري عند البخاري: انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧، ١٣/١٨٢) . ٦ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٠-٤٣١)، والواقدي، مغازي (٣/٨٨٠-٨٨١) . ٧ أكرم العمري،المجتمع المدني (١٩٤) .
[ ٢٤٩ ]
وعبد الله بن عمر ﵃، حيث قال عبد الله ﵁: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره"١.
ويذكر الواقدي أن بني سليم قتلوا كل من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم، فكان عدد قتلى بني جذيمة قريبا من ثلاثين رجلا٢، منهم رجل غير جذيمي ساقته منيته وأودى به عشقه لامرأة جذيمية إلى مصيره المحتوم٣.
وعند رجوع السرية من مهمتها رفع المعارضون لخالد تقريرا مفصلا بما حدث للقائد الأعلى رسول الله ﷺ والذي عبَّر عن إنكاره لفعل خالد بقوله: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"٤. قالها مرتين.
ووقع في رواية ابن إسحاق المنقطعة أن رسول الله ﷺ بعث عليَّ بن أبي طالب ﵁ بمال فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال وزادهم فوق ذلك إحسانا إليهم وتطييبا لنفوسهم٥٦.
_________________
(١) ١ من رواية الزهري.انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧، ١٣/١٨١) . ٢ الواقدي، مغازي (٣/٨٨٤) . ٣ وردت عدة روايات حول قصة هذا الرجل، منها رواية ابن عباس ﵄ أخرجها الطبراني، معجم (١١/٣٧٠)، والبيهقي، دلائل (٥/١١٧-١١٨) . كلاهما من طريق النسائي الذي لم أجد روايته في كتاب السنن المتداول، وإن كان ابن حجر قد صحَّح إسناده. انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٨) . وجاء في الرواية ما يلي: "فقال: إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم، فدعوني أنظر إليها نظرة –قال فيه-: فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت. فذكروا ذلك للنبي ﷺ قال: "أما كان فيكم رجل رحيم". ووردت الرواية بسياقات مختلفة نوعًا ما عند كل من الحميدي، المسند (٢/٣٥٩-٣٦٠-٣٦١)، والبزار. انظر الهيثمي، كشف الأستار (٢/٢٩٠)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٩)، والطبراني. انظر الهيثمي، مجمع (٥/٣٢٤-٣٢٥) كل منهم بسنده عن عاصم المزني ﵁ وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني والبزار وإسنادهما حسن. ورواه ابن إسحاق، انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٣)، الطبري، تاريخ (٣/٦٨) بسنده عن ابن أبي حدرد. ٤ ابن حجر، فتح (٨/٥٧)، القسطلاني، إرشاد الساري (٦/٤١٧) . ٥ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٠) . ٦ خبر السرية في مجمله صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح. انظر ابن حجر، فتح (٦/٢٧٤، ٨/٥٧، ١٣/١٨١)، والقسطلاني، إرشاد (٦/٤١٦-٤١٧) . وأخرجه الإمام أحمد. انظر البنا، الفتح الرباني (٢١/١٦٧) .=
[ ٢٥٠ ]
وقد ذهب أهل المغازي بعيدا في تفسيراتهم للواقعة، فأخذوا يسوقون الروايات الضعيفة المُشْعِرِةِ بإدانة خالد ﵁، وأنه فعل ذلك إدراكا لثأر قديم مع بني جذيمة١، ولو أننا تأملنا في هذه الحادثة بعمق –وذلك ما يجب علينا كباحثين مسلمين، حيث لا بدَّ لنا من الإحاطة الكاملة بكل جوانب القضية –لظهرت لنا عدة تساؤلات منها على سبيل المثال:
.. ما مدى صحة الروايات التي ساقها أهل المغازي تفسيرًا للخبر؟ ربما كان بعض هذه الروايات أو تفسيراتها دسًّا من بعض الرواة غير العدول على خالد ﵁.
..لماذا أثيرت كل هذه الضجة حول هذه الحادثة؟ ولماذا خالد بالذات الذي أثيرت حوله.
ما هو التفسير الصحيح للخبر؟ وهنا مربط الفرس، حيث لا بدَّ لمن يتعرَّض لتفسير الخبر أن يتجرد عن العواطف والاتجاهات المسبقة، ولا بدَّ له من دراسة النوازع الشخصية لكل أفراد الحادثة، بدءا من خالد ﵁، إلى أفراد القبيلة، ومعرفة الظروف والملابسات التي أحاطت بالحادثة.
_________________
(١) =وأخرجه عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٢١) . كما أخرجه أهل المغازي كابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٢٨-٤٣٣)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٥-٨٨٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٧-١٤٩)، والبيهقي، دلائل (٥/١١٣-١١٨)، ولكني لم أعتمد رواياتهم في سياق الأحداث، لضعفها حديثيًّا، ولكونها تذكر أمورا عن خالد بن الوليد ﵁ لا يمكنْ التسليم بها، ولا يعني ذلك أني أطرحت رواياتهم، بل استفدت منها في رواية بعض الحقائق التاريخية التي أغفلتها رواية الصحيح، مثل تاريخ السرية، وقوتها، وعدد قتلى بني جذيمة وغير ذلك. ١ انظر إلى الروايات التي ساقها ابن إسحاق، والواقدي حول هذا الموضوع. ابن هشام، سيرة (٤/٤٣١)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٦-٨٨٢) وكلها روايات ضعيفة لا يحتج بها، فالواقدي متروك، وابن إسحاق ساقها بلا سند. والغريب أن الواقدي بعد ما يسوق عدة روايات تدين لخالد ﵁، يختمها برواية حول الحادثة كلها تذكر أن خالدا ﵁ ما قتل بني جذيمة إلاّ بعد أن امتنعوا أشدّ الامتناع وقاتلوا وتلبسوا السلاح، وأنه انتظر بهم صلاة العصر والمغرب والعشاء، ولا يسمع أذانا ثم حمل عليهم فادَّعوا بعدُ الإسلام. انظر الواقدي، مغازي (٣/٨٨٣) .
[ ٢٥١ ]
فهناك شخصية خالد قائد الجيش وما يتطلبه منه الموقف من حزم وسرعة بديهة وتصرُّف عاجل، وهناك على ما أعتقد قلة خبرته الفقهية الضرورية لإصدار الأحكام الاجتهادية قياسا مع الصحابة الذين أنكروا عليه، كعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر ﵃، لسابقتهم في الإسلام، وحداثة عهده به١.
وهناك شخصية أفراد القبيلة وماضيهم المليء بالغدر والفتك٢، والذي بعرفه خالد جيدا.
وهناك الأهم، وهو تصرفهم أثناء الحادثة، قوم مدجَّجون بالسلاح، مستعدون للقتال، وفجأة عند ما ظهر عليهم المسلمون قالوا: صبأنا صبأنا. وكانت هذه اللفظة متداولة في مكة، وتطلق على كل من أسلم حديثا على سبيل الذم والاحتقار، فكان واجب القيادة يحتم على خالد سرعة الحسم، فربَّما أنه رأى في تقديره الشخصي وما أدَّى إليه اجتهاده أنهم لو كانوا قد أسلموا لما لبسوا السلاح، واستعدوا للقتال وهم يعرفون أن المسلمين قريبون منهم ويسمعون أخبارهم.
وما خبر فتح مكة بالخبر الذي يخفى، وربما أنه اعتقد أنهم لو أسلموا لكانوا عرفوا النطق بالشهادتين، وهي الوثيقة الوحيدة التي تفرق بين المسلم والكافر٣ أو ربما أنه ظن أنهم قالوا كلمتهم تلك احترازا وخوفا من
_________________
(١) ١ لم يسلم خالد ﵁ كما تذكر روايات أهل المغازي إلاّ قبيل فتح مكة. انظر ابن هشام، سيرة (٣/٢٧٧)، والواقدي، مغازي (٢/٧٤٦-٧٤٩) . والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتفاوتون في الفقه، ويدل على ذلك حديث: "ربَّ مبلغ أفقه من سامع". ٢ ورد في بعض روايات أهل المغازي أنهم كانوا من أشرِّ حيِّ في الجاهلية وكانوا يسمّون "لعقة الدم". انظر الحلبي، إنسان (٣/٢١٠) . ٣ قال الخطابي: وهذا نظير حديثه الآخر أنه ﷺ بعث خالدا إلى أناس من خثعم فاستعصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم النبي ﷺ بنصف الدية، وإنما عذر خالدا في هذا لأن السجود لا تمحص دلالته على قبول الدين؛ لأن كثيرا من الأمم يعظمون رؤساءهم ويظهرون لهم الخضوع والانقياد، بأن يخروا على وجوهمم. الخطابي أحمد بن محمد، أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٣/١٧٦٦) .
[ ٢٥٢ ]
السيف١.
وقال الخطابي: "وقد يحتمل أن يكون خالد إنما لم يكفَّ عن قتالهم بهذا القول من قِبَلِ أنه ظنَّ أنهم عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد فلم ير ذلك القول منهم إقرارا منهم بالدين"٢.
كما أنني أعتقد –والله أعلم- أنه قد جرى اجتهاده بالنسبة للأسرى قياسا على أسرى بدر، وما جرى حولهم من عتاب الله ﷿ لنبيه ﷺ، فربما أنه ظنَّ أنهم أسرى كفّار، لا بدَّ من أن يثخن فيهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم من المشركين.
فكل هذه الاحتمالات وما يصاحبها من أمور دقيقة وملابسات شائكة، تجعل أي قائد في مثل موقف خالد ﵁ في موضع شكٍّ في مثل من هم في موقف بني جذيمة، فجرى اجتهاده الذي لامه عليه رسول الله ﷺ؛ لأن المسألة تتعلق بأرواح أناس بَدَرَ منهم شبهة تدرأ القتل عنهم "وإنما نقم رسول الله ﷺ من خالد موضع العجلة، وترك التثبت في أمرهم أن يتبين المراد من قولهم: صبأنا"٣.
وأخيرا لو كان الأمير سيئًا للدرجة التي وردت في بعض الروايات التي لا تصلح للاحتجاج بها لضعفها الشديد ونكارتها، والتي استغلها بعض الحاقدين على الإسلام ورجالاته الأفذاذ، مثل خالد بن الوليد ﵁، سيف الله المسلول، الذي دوّخ الكفرة والمشركين بانتصاراته الباهرة –لحدث بعد هذه الحاديثة أمران مهمان جدا لا بدّ من حدوثهما في مثل هذه المسائل الخطيرة وهما: أولا: نزول آيات قرآنية تشجب تصرف خالد وتعاتبه عليه كما حدث
_________________
(١) ١ وقد حدث مثل ذلك لأسامة بن زيد في سرية الحُرقات من جهينة، حينما قتل رجلا منهم قال: لا إله إلا الله بعد أن رفع عليه السيف. انظر ابن حجر، فتح (٧/٥١٧) . ٢ الخطابي، أعلام (٣/١٧٦٥) . ٣ المصدر السابق.
[ ٢٥٣ ]
في سرية أضم وقصة محلم بن جثامة مع عامر بن الأضبط١.
ثانيًا: محاسبة خالد ومعاقبته على فعلته أو على أقل تقدير عزله من قيادة الجيش والسرايا بعد تلك الحادثة، وذلك أمر لم يحدث مطلقا.
وحتى يكتمل حديثنا عن هذه المسألة نعرج على رأي الفقهاء فيها، قال ابن بطال: لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود، لكن ينظر، فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط، وأما لضمان فيلزم عند الأكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقله الحاكم أو بيت المال؟
وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق: ما كان في قتل أو جراح ففي بيت المال.
وقال الأوزاعي والشافعي وصاحبا أبا حنيفة: على العاقلة.
وقال ابن الماجشون: لا يلزم ضمان٢.
قال ابن حجر: والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله، ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطىء مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود٣.
وقال الخطابي: الحكمة في تبرئه ﷺ من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله٤.
وفي نهاية المطاف نقول: إن خالد بن الوليد ﵁ قد ائتمنه
_________________
(١) ١ انظر ابن حجر، فتح (٨/٢٥٨-٢٥٩) . ٢ انظر ابن حجر، فتح (٦/٢٧٤، ١٣/١٨٢) . ٣ ابن حجر، فتح (٦/٢٧٤/١٨٢) . ٤ المصدر السابق.
[ ٢٥٤ ]
رسول الله ﷺ على دماء المسلمين وأعراضهم، ومن بعده صاحبُه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁، فلا يمكن أن يقتل أحدًا من الناس دون حقٍّ إلاَّ متأولًا. قالها أبو بكر الصديق ﵁ حينما بلغه قتل خالد لمالك بن نويرة١.
_________________
(١) ١ رواه خليفة بإسناد حسن. انظر خليفة بن خياط، تاريخ (١٠٥) .
[ ٢٥٥ ]
سرايا ذات مهمات خاصة
مقدمه
مقدمة
دأب رسول الله ﷺ على إرسال سراياه وبعوثه بانتظام وفق خطط مدروسة، وكانت هذه السرايا والبعوث تؤدي مهماتها وتنجز أعمالها الموكلة إليها، فمن سرايا استطلاع إلى سرايا قتالية وبعوث اعتراضية وأخرى تعرُّضية. ولكن كانت هناك بعض السرايا ترسَل لتؤدي مهمات محددة قد لا يكون فيها استطلاع ولا تعرُّض واعتراض، مثل سرية أبي قتادة بن ربعي ﵁ إلى أضم التي بعثها إلى تلك المنطقة لتحويل أنظار قريش وحلفائها عن نية رسول الله ﷺ الخروج إلى مكة حيث يظن ظان أنه يريد مهاجمة تلك المنطقة.
وهذه العملية تسمى اليوم بالعمليات الاستعراضية التضليلية، وذلك يعطينا دلالة قوية على ذكاء النبي ﷺ وفطنته العسكرية، فهو دائم الابتكار، حاضر البديهة في مواجهة أعدائه، لا يدع مجالا ولا أسلوبا يستطيع التغلب فيه عليهم ومباغتتهم إلاَّ عمل به، وكان دائما يردد قولته المشهورة: "الحرب خدعة"١.
ولكن خُدَعَه وأساليبه العسكرية لا تخرج عن نطاق الحرب الفروسية المشرفة، لا كما يفعل غالبية قادة الجيوش في العالم قديما وحديثا، فكان دائما ما يوصي جنوده بالضبط العسكري التام، وعدم خرق الأعراف والتقليد الإنسانية الخيِّرة، فكان يشدد على عدم الاعتناء على الآمنين والضعفاء من الشيوخ والنساء والأطفال، بل كان يغضب عندما يسمع أو يرى بعض التجاوزات غير الخارقة من بعض جنوده وقواده، ويحاسبهم على ذلك، لأن
_________________
(١) ١ انظر الألباني، صحيح الجامع الصغير وزياداته. الفتح الكبير (١/٦٠٦) .
[ ٢٥٨ ]
هدفه من الحرب كان ساميا للغاية، غايته إعلاء كلمة الله ﷿، ونشر العقيدة الإسلامية، ولأجل ذلك كان النصر والتأييد دائما حليفه وحليف جيوشه وسراياه، والمدد من الله ينزل عليهم دائما وبأشكال وصور مختلفة، تارة بالملائكة كما في بدر وحنين، وأخرى بالسيل ينجيهم من أعدائهم.
فهذا غالب بن عبد الله الليثي يغير على جموع الأعراب الكديد في سرية تأديبية فيقتل منهم ويسلب ويسوق ماشيتهم، فلا يستطيع بنو الملوح اللحاق به وبأصحابه على الرغم من قصر المسافة بينهم، لأن المدد جاءهم من الله. ولكن في هذه المرة على صورة سيل عارم يضرب جنبات وادي قديد من غير مطر ولا رعد ولا برق، فينظرون إليهم بحنق شديد وهم يسوقون نَعمهم لا يستطيعون إدراكهم، لأن بينهم جنديا من جنود الله أرسله مددًا وعزًّا لأصحاب السرية ومزيدًا من الذل والهوان والغيظ للمشركين. والفرق شاسع بين الفريقين لأن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ النساء: (٧٦) .
[ ٢٥٩ ]
سرية عبد الله بن غالب الليثي إلى بني الملوح
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد
أَبَى أبو القاسم أَنْ تعرّ بي في خطل نباته مغلولب
صُفْرٌ أعالِيه كَلَوْنِ المُذَهَّبِ
الطبراني، المعجم (٢/١٧٩) .
(تأديبية)
[ ٢٦١ ]
نتيجة للتحركات المشبوهة والمعادية من الأعراب المحيطين بالمدينة، فضلا عن قطعهم الطريق أمام الدعاة المسلمين، فقد قام رسول الله ﷺ بحملة واسعة ومكثفة لتأديب هؤلاء الأعراب، قاد خلالها عدة غزوات، وبعث أصحابه في سرايا تعرضيَّة١ تأدبية، كان منها سرية بقيادة غالب بن عبد الله الليثي٢، وقوة بضعة عشر رجلا٣، إلى بني الملوح٤. القاطنين في منطقة الكديد الواقعة بين عسفان وقديد٥.
_________________
(١) ١ التعرض: هو التوجه بصورة عامة إلى طلب الخصم بقصد ملاقاته ومقاتلته وتدميره في ساحات القتال. العقيد/محمد صفا، الحرب (٢١) . ٢ قال في "الإصابة": غالب بن عبد الله كناني الليثي، قال البخاري: له صحبة، ونسبه ابن الكلبي فقال: ابن عبد الله بن مسعر بن جعفر بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة الكلبي ثم الليثي، وصحح أبو عمر بعد أن قال: غالب بن عبد الله وهو الأكثر، ويقال ابن عبد الله الليثي، ويقال: الكلبي. وأشار إلى أن الحديث في مسند أحمد بسند حسن. وأخرجه أبو داود من طريق عبد الوارث عن محمد بن إسحاق لكن قال في روايته: عبد الله بن غالب، والأول أثبت. ابن حجر، إصابة (٣/١٨٣-١٨٤) . هذا وقد ورد في رواية الطبراني التي نقلها الهيثمي أن اسمه غالب بن أبحر الكلبي. انظر مجمع الزوائد (٦/٢٠٢) . قال ابن حجر: وسياق نسبه من عند ابن الكلبي أصح؛ فإنه أعرف بذلك من غيره. إصابة (٣/١٨٤) . قلت: تظهر من ذلك منهجية رسول الله ﷺ التخصصية حيث يرسل لكل منطقة ولكل قوم من هم خبير ومتخصص بأحوالهم وغالبا ما يكون منهم. ٣ روى ذلك الواقدي بسنده عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: كنت معهم، وكنا بضعة عشر رجلا (٢/٧٥٢)، وتابعه كاتبه ابن سعد، طبقات (٢/١٢٥) . وإن كان قد ساق روايته بسند عن ابن إسحاق الذي لم يذكر هذا الكلام في روايته عند كل من رووا عنه عدا ابن سعد. وقد أغرب ابن كثير ﵀ فذكر أن عددهم كان مائة وثلاثين رجلا بناء على ما ذكره الواقدي في روايته. ابن كثير، بداية (٣/٢٢٣) . قال الصالحي: والواقدي ذكر ذلك في سرية لغالب غيرها. الصالحي، سير (٦/٢١٨) . قلت: هي سريته إلى بني عبد ثعلبة، وعوال، كما ذكر الواقدي نفسه، فلعل ابن كثير خلط بينهما. والله أعلم. ٤ بنو الملوح: قال الواقدي: هم بنو ليث. مغازي (٢/٧٥٠) وتابعه ابن سعد رغم نقله لرواية ابن إسحاق الذي لم يذكر ذلك. طبقات (٢/١٢٤) وذكر ابن الكلبي: أنهم من بني يعمر. ٥ ورد ذكرها في الصحيح في قصة فتح مكة –شرفها الله- وفيها: "صام رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ الكديد الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر". ابن حجر، فتح (٨/٣) .=
[ ٢٦٢ ]
وكانت مهمتها بناء على الأوامر الصادرة لهم من القيادة العليا هي مباغتة بني الملوح بشنِّ غارة مفاجئة ومركَّزة عليهم١.
خرجت السرية ميممة شطر الهدف٢ وفي منطقة قديد٣ أثناء مسيرهم الاقترابي التقوا برجل من قبيلة ليث يدعى الحارث بن البرصاء الليثي، فألقوا القبض عليه فقال محتجًّا: "إنما جئت أريد الإسلام، ما خرجت إلا إلى رسول الله ﷺ"٤.
فرد عليه القائد: "إن كنت إنما جئت مسلمًا فلن يضرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك فسنوثق منك"٥.
_________________
(١) =وقال البكري: موضع بين مكة والمدينة بين منزلتي أمج وعسفان، وهو ماء عين جارية عليها نخل كثير لابن محرز المكي (معجم ما استعجم –كتاب الكاف والدال) . وقال الحموي: هو موضع على اثنين وأربعين ميلا من مكة (الحموي: معجم البلدان –باب الكاف والدال وما يليهما) . قال البلادي: والكديد يعرف اليوم باسم (الحمض) أرض بين عسفان وخليص على (٩٠) ميلا من مكة على الجادة العظمى إلى المدينة، وسمي الحمض لكثرة نبات العصلاء فيها، وهي أرض تزرع عثريًّا يسقيها وادي غران، وأهلها زبيد من حرب. البلادي، معجم (٢٦٣) . ١ كانت تلك هي الاستراتيجية التي اتبعها رسول الله ﷺ في غزواته، وسراياه ضد الأعراب، استطاع من خلالها تحقيق النصر عليهم، وذلك يدل على ذكائه وشدة معرفته بأحوال الأعراب ونفسياتهم، فهم أشداء إذا استعدوا للقتال، وتأهبوا للدفاع عن أنفسهم، أما بمباغتتهم فتسهل السيطرة عليهم وإرعابهم. ٢ اختلف أهل المغازي في تاريخ خروج هذه السرية، وقد ذكر ابن عبد البر فيما نقله عن ابن حجر كلاما يوحي بإجماع أهل السير على وقوعها في سنة خمس من الهجرة. انظر الإصابة (٣/١٨٤) . ولكن بالرجوع إلى روايات أهل المغازي التي بين أيدينا لم أجد أحدا منهم ذكرها في حوادث السنة الخامسة سوى ابن خياط الذي ذكرها في سرايا السنة الخامسة، علما بأنه ساق روايته بسنده عن ابن إسحاق، والذي لم يحدد لها تاريخا في رواياته الأخرى. ابن خياط، تاريخ (٨٧) . أما الواقدي وتلميذه ابن سعد ومن تابعهما فقد أرَّخا لها في السنة الثامنة في شهر صفر منها. الواقدي، مغازي (٢/٧٥٠)، وابن سعد، طبقات (٢/١٢٤) . ٣ قديد: ثرية جامعة، مذكورة في رسم الفرع، وفي رسم العقيق، وهي كثيرة المياه والبساتين، وسميت قديدا لتقدد السيول بها، وهو واد فحل من أودية الحجاز التهامية يأخذ أعلى مساقط مياهه من حرة "ذرة" فيسمى أعلاه ستارة، وأسفله قديدا، يقطعه الطريق من مكة إلى المدينة على نحو من (١٢٠) كيلوا مترا ثم يصب في البحر عند القضيمة، فيه عيون، وقرى كثيرة لحرب وبني سليم. انظر البكري، معجم (٣/١٠٥٤)، والبلادي، معجم (٢٤٩) . ٤ من رواية ابن إسحاق عند ابن هشام، سيرة (٢/٦١٠)، وعند ابن سعد، طبقات (٢/١٢٤) . ٥ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. انظر البنا، الفتح (٢١/١٢٩) وعند الطبراني، المعجم (٢/١٢٨) .
[ ٢٦٣ ]
ثم أمر بشد وثاقه، ودفع به إلى أحد أفراد السرية١، وقال له: "امكث معه حتى نمرَّ عليك، فإن نازعك فاحتز رأسه"٢.
ثم انطلقوا في طريقهم حتى وصلوا منطقة الكديد عند غروب الشمس، فكمنوا في الوادي، ثم أرسلوا جندب بن مكيث الجهني رضي الله عنه٣ أحد أفراد السرية للاستطلاع، واستكشاف أحوال القوم.
يقول جندب ﵁: "فخرجت حتى آتي تلًاّ مشرفا على الحاضر٤، فأسندت فيه، فعلوت على رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فوالله إني لمنبطح على التل إذ خرج رجل منهم من خبائه، فقال لامرأته: إني لأرى على التل سوادًا ما رأيته في أول يومي، فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين منها شيئا، لا تكون الكلاب جرَّت بعضها، قال: فنظر، فقلت: لا والله ما أفقد شيئا، قال: فناوليني قوسي وسهمين، فناولته، قال: فأرسل سهما، فوالله ما أخطأ جنبي٥ فأنزعه فأضعه، وثبتُّ مكاني، قال: ثم أرسل الآخر، فوضعه
_________________
(١) ١ اختلف أهل المغازي فيه، ففي روايات ابن إسحاق أنه رجل أسود. انظر البنا، الفتح (٢١/١٢٩)، الطبراني، المعجم (٢/١٧٨)، وابن هشام، سيرة (٢/٦٢٠)، وابن سعد، طبقات (٢/١٢٤)، والبيهقي، دلائل (٤/٢٩٨)، وابن كثير، بداية (٣/٢٢٣) . أما الواقدي فذكر أنه يقال له: سويد بن صخر. الواقدي، مغازي (٢/٧٥١) . ٢ وقع ذلك في رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح (٢١/١٢٩)، وعند الطبراني، المعجم (٢/١٧٨) . ٣ هو: جندب بن مكيث الجهني، أخو رافع بن مكيث، يعد في أهل المدينة، روى عنه مسلم بن عبد الله بن حبيب، وله ولأخيه صحبة ورواية. الاستيعاب، هامش الإصابة (١/٢١٨) . ٤ الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به، ولا يرحلون عنه. ويقال للمناهل المحاضر، للاجتماع والحضور عليها. قال الخطابي: ربما جعلوا الحاضر اسما للمكان المحضور. يقال: نزلنا حاضر بني فلان، فهو فاعل بمعنى مفعول، ابن الأثير نهاية –باب الحاء مع الضاد. ٥ قال الصالحي في سياق روايته: ولفظ ابن إسحاق، وابن سعد (بين عيني) . الصالحي، سبل (٦/٢١٧) . قلت: لفظ (بين عيني) تفرد به ابن سعد، أما لفظ ابن إسحاق في رواية البكائي والطبراني، وأحمد (جنبي)، وفي رواية ابن بكير عند البيهقي على الشك (فوضعه في حبيني، أو قال: في جنبي) فلعل كلمة (جنبي) تصحيف (جبيني) خاصة وأن رواية ابن سعد قد فسرته.. والله أعلم.. انظر ابن سعد، طبقات (٢/١٢٤)، وابن هشام، سيرة (٤/٦١٠)، والطبراني، المعجم (٢/١٧٩)، والبنا، الفتح الرباني (٢١/١٢٩) .
[ ٢٦٤ ]
في منكبي، فأنزعه فأضعه، وثبتُّ مكاني، فقال لامرأته: لو كان ربيئة١ لقوم لقد تحرك، لقد خالطه سهماي لا أبا لك، إذا أصبحت فابتغيهما، فخذيهما، لا يمضغهما عليَّ الكلاب. قال ثم دخل"٢.
ويرجع جندب إلى أصحابه الذين وضعوا خطة الهجوم بناء على ملحوظاته التي ضمَّنها تقريره عن مهمته التي أثبت من خلالها أن جند الإسلام الأوائل كانوا على قدر كبير من الشجاعة والقوة ورباطة الجأش، وقوة الاحتمال٣.
واتفقوا على شعار (أمت، أمت) كلمة تعارف بينهم٤.
وفي وجه السَّحر وبعد أن اطمأن بنو الملوح وناموا، شنُّوا عليهم هجوما فجريًّا خاطفًا ومباغتًا أفقدهم توازنهم مما أمكنهم من السيطرة على المدافعين منهم بسهولة، حيث قتلوا بعضهم، ثم استاقوا ماشيتهم وتوجهوا قافلين بسرعة، حيث مروا بابن البرصاء وصاحبه فاحتملاهما معهم، ولكن الليثيين ما لبثوا أن نظموا صفوفهم بسرعة بعد زوال آثار الهجوم المباغت عنهم، وتبعوهم بقوة تعقُّبية كبيرة، حتى إذا ما أدركوهم في منطقة قديد ليس بينهم إلا الوادي فقط يقطعونه ليطبقوا عليهم بما لا قبل لهم به إذ بالعناية الإلهية تتدخل في آخر لحظة لإنقاذهم من الخطر المحدق بهم.
يقول جندب ﵁: "فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء ﵎ من غير سحابة نراها، ولا مطر، فجاء بشيء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر أن يجاوزه، فوقفوا ينظرون إلينا، وإنا لنسوق نعمهم، ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا، ونحن نحدوها٥ سراعًا، حتى فُتناهم، فلم يقدروا
_________________
(١) ١ الربيئة: هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدوّ، ولا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه. ابن الأثير: نهاية –باب الراء مع الباء. ٢ من رواية ابن إسحاق عند ابن هشام (٤/٦١٠) . ٣ هناك قصة مماثلة جرت لصحابي آخر من الأنصار في غزوة من غزوات النبي ﷺ. ٤ كلمة التعارف، هو الشعار المتفق عليه في أرض المعركة بين المقاتلين، حتى لا يضرب بعضهم بعضًا عن طريق الخطأ خاصة وأن المسلمين والمشركين كانوا يتشابهون في المظهر الخارجي، وهو أسلوب متبع الآن في المعارك الحديثة. خطَّاب، الرسول القائد: (١٢٣) بتصرف. ٥ نحدوها: نسوقها، حدا الإبل: زجرها وساقها. (القاموس: حدا) .
[ ٢٦٥ ]
على طلبنا"١٢.
لقد أثبتت هذه السرية القوة، والجلد، ورباطة الجأش، والشجاعة النادرة، والتحكم في الأعصاب، والأحاسيس، التي كان يتحلى بها جند الحق والإيمان، وطلائع الجهاد الإسلامي، إن الروعة لم تكن تتجلى في قوة وجلد ذلك الجندي الشجاع المؤمن جندب بن مكيث ﵁ فحسب، بل في رباطة الجأش العظيمة التي تميَّز بها وهو يواجه سهمين قويين من رام قنَّاص ماهر، استقرا في جسمه وخالطاه، ومع ذلك ثبت كالطود٣ ولم يتزعزع، وكأنه قطعة من التل الذي كان منبطحا عليه، حتى إن الأعرابي تراجع عن شكه واثقًا أن ما رماه لم يكن كائنًا حيًّا، فلو كان كذلك لتحرك من مكانه على الأقل كما ذكر لزوجته. ولم يعلم ذلك الأعرابي أن الإيمان إذا تمكن من قلب الإنسان، فإنه يسمو به في روحانية عجيبة، وشفافية نادرة تسيطران عليه فتملكان عليه حسَّه وأحاسيسه.
إن قوة الإيمان تحرك في الجسم البشري قواه وطاقاته الكامنة، وتنفق فيه قوة عجيبة من التحكم والسيطرة والتحمل. وذلك ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ الأشداء على الكفر والكافرين، وهذه القصة إحدى الشواهد القوية على ذلك.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند ابن هشام (٤/٦١١) . ٢ الحديث مداره على ابن إسحاق والذي رواه عنه كل من أحمد في المسند. انظر البنا، الفتح (٢١/١٢٨-١٢٩)، والطبراني، المعجم (٢/١٧٨-١٧٩)، وابن خياط، تاريخ (٧٨)، وابن هشام، سيرة (٤/٦٠٩-٦١٠-٦١١)، وابن سعد، طبقات (٢/١٢٤-١٢٥)، والبيهقي، دلائل (٤/٢٩٨-٢٩٩) . وابن إسحاق صدوق وروايته تقبل إذا صرَّح بالسماع والتحديث فيها، وقد صرح هنا بذلك، قال الهيثمي عن رواية أحمد والطبراني: ورجاله ثقات، فقد صرح ابن إسحاق بالسماع (٦/٢٠٣) . ومرَّ بنا تحسين ابن عبد البر لرواية ابن إسحاق عند أحمد. وقال عنه البنا: سنده جيد. الفتح الرباني (٢١/١٢٩) . وقال محقق زاد المعاد، ورجاله ثقات، خلا مسلم بن عبد الله الجهني، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان. زاد المعاد (٣/٣٦٣ حاشية١) . كما رواه الواقدي بسنده عن يعقوب بن عتبة. الواقدي، مغازي (٢/٧٥٠-٧٥١-٧٥٢) . ٣ الطود: الجبل.
[ ٢٦٦ ]
وقد تحققت في السرية بعض الكرامات التي يجعلها الله ﷿ لأوليائه الصالحين عندما يكونون في حاجة ماسة للعون الإلهي، فيمدهم بهذه الكرامات لنصرهم على أعدائهم وحمايتهم ممن يريد الشر بهم، وهذا الأمر ليس قاعدة، وإنما يظهرها الله في بعض الأحيان لتكون عبرة وعظة وتثبيتا للمؤمنين إلى جانب مهمتها الأساسية.
إن هذه المكرمة مع الفارق الكبير تشبه المعجزة التي أجراها الله ﷿ على يد نبيه موسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ِإنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقد تكررت مثل هذه الكرامات لبعض الصحابة مثل العلاء بن الحضرمي ﵁، الذي جاز بجنده مياه الخليج العربي إلى جزيرة دارين، وسعد بن أبي وقاص ﵁، الذي جاز هو وجيشه نهر دجلة إلى المدائن ففتحوها بإذن الله، إن هذه الكرامات هي من جنود الجبار ﷿، يرسلها في الوقت المناسب لتكون نصرًا وتثبيتًا للمؤمنين، وخذلانًا للكافرين وما يعلم جنود ربك إلا هو.
_________________
(١) ١ الشعراء: (٦١-٦٧) .
[ ٢٦٧ ]
سرية أبي قتادة بن ربعي إلى بطن أضم
سرية أبي قتادة إلى بطن أضم
(تحويلية، تمويهية، استعراضية١)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء/٩٤]
_________________
(١) ١ الهجوم التمويهي:هو استعراض للقوة القصد منه تضليل العدو، وهو عادة هجوم محدود الهدف غير عميق، تقوم بتنفيذه جزء صغير من القوة الكلية، وهي عملية استعراضية لخداع العدو بعرض للقوات في منطقة لم يستقر عليها العزم. انظر باهر عبد الهادي، مصطلحات عسكرية: (٤٥-٦٨) .
[ ٢٦٩ ]
في السنة الثامنة الهجرية١ وقبل خروج رسول الله ﷺ إلى مكة٢، قام بعملية استعراضية مرسومة القصد منها تحويل انتباه قريش وحلفائها عن خطته لغزوها٣.
حيث أرسل رسول الله ﷺ (سرية تحويلية) "إلى أضم وادٍ من أودية أشجع"٤ يشير الواقدي إلى أنها كانت بقوة ثمانية أفراد منهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي٥ ومحلَّم بن جثَّامة الليثي٦، وكانوا تحت قيادة أبي
_________________
(١) ١ حدَّدها ابن سعد بأنها في أول شهر رمضان من تلك السنة. ابن سعد، طبقات (٢/١٣٣) . ٢ وقع ذلك في رواية ابن إسحاق عند الأموي في مغازيه والتي نقلها البغوي. انظر الواحدي، أسباب (٢٠٤) . ٣ ذكر ذلك الواقدي أثناء سياقه لغزوة الفتح حيث لم يفرد لهذه السرية فصلا خاصًّا بها، فقال: وبعث رسول الله ﷺ أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر إلى بطن أضم، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار. المغازي (٢/٧٩٦-٧٩٧) . وتابعه في ذلك كاتبه ابن سعد الذي ساق روايته عن جمع شيوخه بلفظ: قالوا. طبقات (٢/١٣٣) . قلت: هو ما يسمى اليوم بالعمليات الاستعراضية، التضليلية. انظر باهر عبد الهادي، مصطلحات عسكرية (ص ٤٥) . ٤ من رواية ابن إسحاق عند البيهقي، سنن (٩/١١٥) . قال البكري: وادٍ دون المدينة، قاله الطوسي. وقال عمرو الشيباني وابن الأعرابي: أضم جبل لأشجه وجهينة، وقيل: وادٍ لهم. البكري، معجم (١/١٦٥-١٦٦) . وذكر الشريف: أن وادي أضم من أعظم أودية الحجاز، ويسمى اليوم وادي الحمض، وهو يسيل من الجنوب الشرقي لحرة خيبر، ويسير نحو الجنوب الغربي حتى يقارب (يثرب) المدينة. حيث تتصل به أودية فرعية منها وادي العقيق، ويتصل به كذلك وادي القرى. وهو يستمد مياهه من السيول التي تنحدر إليه من العيون التي عند خيبر، ثم يتجه غربا حيث يصب في البحر الأحمر جنوب قرية الوجه، ويبلغ طول وادي الحمض زهاء (٩٠٠) كيلو متر، الشريف، مكة والمدينة: (ص ٢٦) . ٥ راوي الخبر، قال في الإصابة: "له ولأبيه صحبة"، وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته. وقال البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان: له صحبة. وقال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية، ثم خيبر، وقال ابن عساكر: روى عن النبي ﷺ وروى عن عمر، روى عنه يزيد بن عبد الله بن قسيط، وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وابنه القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، شهد الجابية مع عمر، وقال ابن البرقي: جاءت عنه أربعة أحاديث. ابن حجر، إصابة (٢/٢٩٥) . ٦ قال ابن حجر: محلم بن جثامة الليثي أخو الصعب بن جثامة، قال ابن عبد البر: يقال إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إن محلمًا غير الذي قتل، وإنه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه مات في حياة رسول الله ﷺ ودفن فلفظته الأرض مرة بعد أخرى. قلت: جزم بالأول ابن السكن. ابن حجر، إصابة (٣/٣٦٩) .
[ ٢٧٠ ]
قتادة بن ربعي رضي الله عنه١. فخرجوا حتى إذا توسطوا وادي أضم، مرَّ بهم رجل أشجعي يقال له عامر بن الأضبط٢ على جمل له ومعه زاده ومتاعه، فسلم عليهم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم. "وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره، ومتاعه"٣ ويذكر الواقدي٤: أنهم لم يلقوا جمعًا، فانصرفوا راجعين حتى انتهوا إلى ذي خشب٥، فبلغهم أن رسول الله ﷺ قد توجه إلى مكة، فيمموا شطر مكة حتى لحقوا بالنبي ﷺ بالسقيا٦.
وتلاحقت أحداث الفتح، ثم غزوة حنين، وبينما فرغ رسول الله ﷺ من صلاة الظهر، إذ "عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها، وهو بحنين، فقام إليه الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، يختصمان في عامر بن أضبط الأشجعي، عيينة يطلب بدم عامر، وهو يومئذ رئيس غطفان، والأقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف، فتداولا
_________________
(١) ١ الواقدي، مغازي (٢/٧٩٧)، وابن سعد، طبقات (٢/١٣٣) . ٢ عامر بن الأضبط الأشجعي، ذكره ابن شاهين وغيره، وساق قصة تدل على أنه قتل حين أسلم قبل أن يلقى النبي ﷺ. ابن حجر، إصابة (٢/٢٤٨) . ٣ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح (١٨/١١٧)، وعند ابن هشام، سيرة (٤/٦٢٦)، وعند البلاذري، أنساب (٣٨٥)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٠٥) . ٤ انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٩٧) . ٥ ذي خشب: وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة. الحموي، معجم البلدان (٢/٣٧٢) . ٦ السقيا: قرية جامعة وهي في طريق مكة بينها وبين المدينة، وقال كثير: إنما سميت السقيا بما سقيت من الماء العذب وهي كثيرة الآبار والعيون والبرك، وبالسقيا مسجد لرسول الله ﷺ إلى حنب الجبل وعنده عين وهي تجري إلى صدقات الحسين، عليها نخل كثير. وقال عبد الله بن خميس: ونترك يمينا ونحن نجتاز حدود الحرم جبلا كبيرا ممتدًّا ما بين المأزمين وعرنة وبه شعب نتركه على يميننا قبيل المأزمين يقال له الآن السقيا، ويعبر عنه قديما بشعب السقيا، سقيا خالصة مولاة الخيزران. وقيل: إن البئر التي نثلها عبد الله بن الزبير إلى جانب بئره وبستانه هنالك. يقول حمد الجاسر محقق المناسك: تعرف السقيا الآن باسم أم البرك، لكثرة ما كان فيها منها، وهي قرية كانت قبل سنتين (يعني عام ١٩٦٧م) قوية لكونها على طريق مكة-المدينة، ولكن الطريق هذا عدل إلى الساحل فأصبح المرور بها قليلا. انظر الحربي، المناسك (ص ٤٥٠)، وحاشية رقم (٣)، والبكري، المعجم (٣/٧٤٢-٧٤٣)، وعبد الله بن خميس، المجاز بين اليمامة والحجاز (ص ٢٩٦) .
[ ٢٧١ ]
الخصومة عند رسول الله ﷺ"١ "ثم ارتفعت الأصوات، وكثرت الخصومة واللغط"٢، "فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر بن الأضبط الأشجعي: هل لكم أن تأخذوا منا خمسين بعيرا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة٣ مثل ما أذاق نسائي".
"فقام رجل من بني ليث يقال له ابن مكيتل، وهو قصد من الرجال٤، فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مثلًا في غرة الإسلام٥، إلا كغنم وردت فرميت أولادها فنفرت أخراها، اسنن اليوم، وغيِّر غدًا، فقال رسول الله ﷺ هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرًا الآن، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، قال قوم محلم: ائتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ قال: فجاء رجل طوال ضرب اللحم٦ في حلة قد تهيأ فيها للقتل"٧، "فجلس بين يدي رسول الله ﷺ وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله إني قد فعلت الذي بلغك وإني أتوب إلى الله، فاستغفر لي يا رسول الله. فقال رسول الله: أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام: اللهم لا تغفر لمحلم. بصوت عال" ٨ "فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه"٩.
قال راوي الحديث: "فأما نحن بيننا فنقول: قد استغفر له، ولكنه أظهر
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند ابن هشام، سيرة (٤/٣٢٧) . ٢ من رواية ابن إسحاق عند البيهقي، دلائل (٤/٣٠٨) . ٣ الحرقة: التوجع والألم والحرارة. (اللسان: حرق) . ٤ في رواية ابن إسحاق عند أحمد، والبلاذري، مكيتل رجل قصير مجموع. انظر البنا، الفتح (١٦/٥٠)، والبلاذري، أنساب (٣٨٥) . وعند ابن هشام (مكيثر) . سيرة (٤/٦٢٧) . ٥ غرة الإسلام: أوله. ابن الأثير، النهاية (٣/٣٥٤) . ٦ ضرب اللحم: خفيفه. (القاموس: ضربه) . ٧ من رواية ابن إسحاق عند البيهقي، دلائل (٣/٣٠٦-٣٠٧) . ٨ من رواية ابن إسحاق عند أبي داود، سنن (٤/٦٤٣) . ٩ من رواية ابن إسحاق عند البيهقي، دلائل (٣/٣٠٦-٣٠٧) .
[ ٢٧٢ ]
ما أظهر ليدع الناس بعضهم من بعض"١ ٢
وقد ذكر أصحاب المغازي أنه نزل فيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا..﴾ ٣ ٤.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، فتح (١٦/٥٠) . ٢ الحديث جزءان مدارهما على ابن إسحاق الذي صرَّح بالتحديث فيهما، وقد روى الجزء الأول الذي يتحدث عن قصة السرية بسند قال عنه الهيثمي: رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٧/٨) . قلت: فيه القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد اختلف فيه، فقيل: له صحبة، وقيل: لا تصح صحبته وهو الراجح، فلأجل ذلك لم يُيبين حاله. وإن كان ابن أبي حاتم قد ذكر فيه قولا فقال: "أدخله بعض الناس في كتاب الضعفاء، فسمعت أبي يقول: يحوَّل من هذا الكتاب، فإن الراوي عنه عبد الله بن سعيد المقبري، وعبد الله ضعيف، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل (٢/٣/١٣٦) . وانظر في ترجمته: البخاري، التاريخ الكبير (٤/١٨٧١)، وابن حجر في تعجيل المنفعة (٢٢٧)، والإصابة (٣/٢٣٩) . هذا وقد أخرج هذا الجزء من الحديث عن ابن إسحاق كل من أحمد. البنا، الفتح الرباني (١٨/١١٧)، وابن أبي شيبة، المصنف (١٤/٥٤٧)، والأموي سعيد بن يحي. انظر الواحدي، أسباب (٢٠٤)، وابن هشام، سيرة (٤/٦٢٦)، والبلاذري، أنساب (٣٨٥)، والبيهقي، سنن (٩/١١٥)، ودلائل (٤/٣٠٥-٣٠٦) . أما الجزء الثاني الخاص بتخاصم الأقرع، وعيينة بين يدي النبي ﷺ في حنين.فقد أخرجه عن ابن إسحاق كل من الإمام أحمد في المسند. انظر البنا، الفتح الرباني (١٦/٥٠)، وأبو داود، سنن (٤/٦٤١-٦٤٣)، وابن أبي شيبة، المصنف (٤/٥٤٧-٥٤٨)، وابن هشام، سيرة (٤/٦٢٧-٦٢٨)، والبلاذري، أنساب (٣٨٥)، والبيهقي، سنن (٩/١١٦)، ودلائل (٣/٣٠٦-٣٠٧) . وقد حسن الحافظ ابن حجر سند أبي داود. انظر الإصابة، ترجمة سعد بن ضميرة (٢/٢٩) . ومع ذلك فللحديث بكامله شواهد قد تقويه. فقد أخرج ابن جرير الحديث كاملا عن ابن عمر بسند فيه سفيان بن وكيع: صدوق لكنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنُصح فلم يقبل فسقط حديثه. انظر الطبري، تفسير (٩/٧٣)، وابن حجر، تقريب (٢٤٥) كما أخرج البيهقي الحديث عن أبي داود مختصرا عن زياد بن سعد بن ضميرة (مقبول) . انظر البيهقي، سنن (٩/١١٦)، ودلائل (٣/٣٠٧، ٣٠٨)، وابن حجر، تقريب (٢١٩) وأخرج البيهقي أيضا قصة مشابهة من طريق الزهري عن قبيصة بن ذؤيب (من أولاد الصحابو وله رؤية) . انظر البيهقي، دلائل (٣/٣٠٩-٣١٠)، وابن حجر، تقريب (٤٥٣) . قلت: لكنه لم يسمِّ فيها أبطال القصة. والله أعلم. ٣ انساء (٩٩) . ٤ اختلف في سبب نزول هذه الآية، وفيمن نزلت فيه اختلافا كبيرا. قال السهيلي: "وأما الذي نزلت فيه الآية ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ والاختلاف فيه شديد، فقيل اسمه فليت، وقيل: هو محلم كما تقدم، وقيل: نزلت في المقداد بن عمرو، وقيل في أسامة، وقيل: في أبي الدرداء. قلت: لا يستقيم نزولها في أسامة ﵁ لأنه لم يكن مشركا بل ولد في الإسلام. واختلف أيضا في المقتول، فقيل: مرداس بن سهيل، وقيل: عامر بن الأضبط. والله أعلم. كل هذا مذكور في التفاسير والمسندات. السهيلي،=
[ ٢٧٣ ]
كما أخرج ابن إسحاق بسند فيه مجهول١، عن الحسن قال: "فو الله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته –والذي نفس الحسن بيده- الأرض. ثم عاد والله فلفظته، فلما غل قومه عمدوا إلى صدَّين٢ فسطحوه٣ بينهما، ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه، قال: بلغ رسول الله ﷺ شأنه، فقال: والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم فيما أراكم منه"٤.
_________________
(١) =الروض (٧/٥٢٩) . قلت: وقد أخرج أحمد والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي: أنها نزلت في رجل من بني سليم. انظر البنا، الفت (١٨/١١٦)، والألباني، صحيح سنن الترمذي (٣/٤٠)، وقال عنه الألباني: صحيح، والحاكم، المستدرك (٢/٢٣٥) . كما ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة جزء بن الجدرجان أن ابن منده قد أخرج بنده عنه أن أخاه فداد بن الجدرجان وفد على رسول الله ﷺ فلقيته سرية له فقتلوه بعد أن قال لهم: إنه مؤمن، فنزلت فيه الآيات. انظر ابن حجر، إصابة – ترجمة جزء بن الجدرجان (١/٢٣٣) . قال ابن حجر: وإن ثبت الاختلاف في تسمية من باشر القتل مع الاختلاف في المقتول، احتمل تعدد القصة. إصابة، ترجمة مرداس (١٣/٤٠١) . ١ وضحت رواية ابن إسحاق عند ابن أبي شيبة المجهول، وهو عمرو بن عبيد. ابن أبي شيبة، مصنف (١٤/٥٤٨-٥٤٩) قال عنه ابن حجر: "معتزلي مشهور كان داعية إلى بدعته، اتهمه جماعة مع أنه كان عابدًا" (تقريب: ٢٤٥) . إذًا فالرواية ضعيفة السند، ولكن لها شاهد من حدث ابن عمر عند الطبري بإسناد فيه سفيان بن وكيع، صدوق ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنُصح، فلم يقبل فسقط حديثه. ابن حجر، تقريب (٢٤٥) . ٢ صدَّين: جبلين صغيرين، (القاموس: صدّ) . ٣ فسطحوه بينهما: بسطوه وأضجعوه بينهما. (القاموس: السطح) . ٤ رواه ابن هشام، سيرة (٤/٦٢٨)، وابن أبي شيبة، المصنف (١٤/٥٤٨-٥٤٩)، والطبري، تفسير (٩/٧٢-٧٣) .
[ ٢٧٤ ]
الفصل الثاني: سرايا تحطيم الأوثان
مقدمه
الفصل الثاني: سرايا تحطيم الأوثان
ويحتوي على:
١- مقدمة.
٢- بعث خالد بن الوليد إلى العزَّى.
٣- سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة.
٤- سر ية عمرو بن العاص إلى سواع.
٥- بعث خالد بن الوليد وأبي سفيان بن حرب إلى اللات.
[ ٢٧٥ ]
مقدمة
بعد أن كان العالم غارقًا في سبات عميق يتخبط في ليل حالك الظلام، وهو يتمرغ في أدران الجاهلية والشرك يبحث عمن يخرجه من الظلمات إلى النور يبعث الله ﷿ الغيث بعدما قنطوا، فكانت الرسالة المحمدية الحنيفية التي كان عليها فطرة البشر منذ خُلقوا وأُخذ عليهم العهد والميثاق بذلك.
لكنهم نقضوا العهد وخانوا الميثاق بتحريض من الشياطين أعدائِهم.
وصدق الله القائل في حديث قدسي يرويه رسول الله ﷺ عن ربه: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" ١.
فهؤلاء قوم نوح يُعرضون عن عبادة الله ﷿ ويعبدون ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا وهم رجال صالحون كانوا فيهم، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عبدت٢.
ويواصل الشيطان نشاطه في الأرض أينما وجد له أرضًا خصبة ولقي له أتباعا وجنودًا من الإنس والجن، فلما حدث الطوفان وبعد سنين طويلة انتقلت هذه الأصنام بطريقة ما إلى العرب٣.
_________________
(١) ١ صحيح أخرجه مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁. انظر الألباني، مختصر صحيح مسلم، (ص: ٥٢٣)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (١/٥١٤-٥١٥) . ٢ أخرجه البخاري تعليقا عن ابن عباس ﵄. انظر ابن حجر، فتح (٨/٦٦٧-٦٦٨) . ٣ تذكر بعض الروايات أن ذلك كان بفعل مجهودات أبي خزاعة عمرو بن لحي. انظر ابن الكلبي، الأصنام (ص ٥٦) .
[ ٢٧٦ ]
فصارت ودٌّ لكلب بدومة الجندل "وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع"١.
أما بقية القبائل العربية وخاصة القريبة من مكة عاصمة الشرك والوثنية قي الجاهلية فقد "اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحُجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده"٢.
وكان من أشهر هذه الطواغيت بل وأعظمها في نظر العرب –بعد الكعبة- الثلاثة التي ذكرها الله ﷿ في سورة النجم، قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٣.
"ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام إعظامهم العزى ثم اللات ثم مناة"٤.
وقد بلغ من تعظيمهم إياها أنهم كانوا إذا طافوا بالكعبة يقولون: "واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"٥.
حتى إذا تلا رسول الله ﷺ الآية السابقة من سورة النجم إلى آخر السورة ثم سجد سجد معه المشركون ظنًّا منهم أن رسول الله ﷺ قد غير موقفه من آلهتهم المزعومة والتي كان موقفه منها سابقا متدرجًا من الإنكار القلبي قبل
_________________
(١) ١ ابن حجر، فتح (٨/٦٦٧) . ٢ من رواية ابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (١/٨٣) . ٣ النجم (١٩-٢٠) . ٤ انظر. ابن الكلبي، الأصنام، (ص: ٢٧) . ٥ المصدر السابق (ص: ١٩)، وقد ذكرت بعض الروايات غير الصحيحة أن هذه الكلمات وقعت في تلاوة النبي ﷺ وأنه بسببها سجد المشركون معه.
[ ٢٧٧ ]
بعثته إلى الإنكار القولي بعد البعثة والذي استمر طيلة الفترة المكية.
ولكن بعد أن استعلى الإسلام باندحار الشرك في الجزيرة العربية تدريجيًّا حتى سقوط مكة عاصمة الوثنية في أيدي المسلمين جاء دور الإنكار الفعلي نحو تلك الأوثان والتي غيَّرها وأزالها من حول الكعبة بيده الشريفة ﷺ.
ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنمًا إلا كسره"١.
ثم بث سراياه وبعوثه لإزالة كل رموز الشرك والوثنية من أرض الجزيرة العربية فكان منها بعثان بقيادة خالد بن الوليد ﵁ إلى كلِّ من العزى، ثم اللات، وسرية إلى مناة الثالثة الأخرى بقيادة سعد بن زيد الأشهلي، وأخرى لتحطيم سواع بقيادة عمرو بن العاص ﵁، وغيرها من البعوث والسرايا التي انطلقت لتطهير أرض الجزيرة من الأوثان، قال تعالى ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ابن القيم، زاد المعاد. ٢ الإسراء: (٨١) .
[ ٢٧٨ ]
بعث خالد بن الوليد إلى العزى
بعث خالد بن الوليد لهدم وتحطيم العزى
(يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك)
[ ٢٧٩ ]
العُزَّى بضم المهملة وفتح الزاي، اشتقوها من اسم الله تعالى العزيز سبحانه وتعالى عما يشركون، قالوا: العزى تأنيث الأعز، مثل الكبرى تأنيث الأكبر، والأعز بمعنى العزيز، والعزى بمعنى العزيزة١.
"وكانت العرب وقريش تسمي بها عبد العزى"٢.
وقد اختُلف في صفتها ولمن كانت من العرب، فقيل: كانت شجرة بنخلة٣ لغطفان يعبدونها٤، وقيل: بل كانت بيتًا ببطن نخلة٥.
قال ابن دريد: كانت بيتًا بالطائف٦.
وأخرج أبو نعيم، والبيهقي عن أبي الطفيل، وابن الكلبي عن ابن عباس ﵄: أنها كانت بيتا على ثلاث سمرات٧.
ولكن سعيد بن جبير يقول: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه٨.
ويروي الطبري نقلا عن الواقدي، قال: "هو صنم لبني شيبان، بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى يقولون: هذا صنمنا"٩.
ولكن ابن إسحاق، وابن سعد والكلبي يقولون: كانت سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم، وإن آخر مَن سدنتها منهم دبية بن حرمي السُّلمي١٠.
_________________
(١) ١ انظر الجوهري، الصحاح،باب الزاي، فصل العين، الحموي، معجم، باب العين والزاي، والزرقاني، شرح (٢/٣٤٧) . ٢ انظر هشام بن السائب الكلبي، الأصنام (١٨) . ٣ بحددها لنا ابن الكلبي فيقول: وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له: حراض بإزاء الغمير على عين المصعد إلى العراق من مكة وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال. ابن الكلبي، الأصنام (١٨) . ٤ انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨)، والحموي، معجم (٤/١١٦) . ٥ ذكر ذلك قتادة. انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨) . ٦ انظر العامري، بهجة المحافل (١/٤٤٥) . ٧ انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧)، وابن الكلبي، الأصنام (١٢٥) . ٨ انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨) . ٩ انظر الطبري، تاريخ (٣/٦٥) . ١٠ انظر ابن هشام سيرة (٤/٤٢٦)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٦)، وابن الكلبي، الأصنام (٢٢) .
[ ٢٨٠ ]
قال خليفة: كانت بيتا عظيما لقريش، وكنانة، ومضر كلها١.
وكان أول من وضعه من العرب كما تذكر الروايات هو ظالم بن أسعد، أو سعد بن ظالم الغطفاني٢.
ويذكر ابن الكلبي: أنها كانت لها مكانة عظيمة عند العرب عامة وقريش خاصة، حيث كانوا يزورونها ويهدون إليها ويتقربون عندها بالذبائح، وقد بلغ من تعظيمهم لها أن قريشا حمت لها شعبًا من وادي حراض يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة، كما جعلوا لها منحرًّا خاصًّا ينحرون فيه هداياها يقال له: الغبغب٣.
فلم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه ﷺ فعابها وغيرها من الأصنام ونهاهم عن عبادتها، فاشتد ذلك على قريش فأخذت تدافع عن آلهتها بكل ما تملك من قوة، وأعلنت الحرب على المسلمين من أجلها، بل إن أبا سفيان بن حرب قال يوم أحد للمسلمين مفتخرًا بها: لنا العزى ولا عزى لكم، فرد عليه المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم.
ويوم جاء الحق وزهق الباطل –يوم الفتح الأعظم- يومها تساقطت تلك الأصنام المحيطة بالكعبة المشرفة على يد نبي الهدى والرحمة ﷺ ثم بث رسول الله ﷺ سراياه وبعوثه لتحطيم بقية معاقل الشرك والوثنية منها سرية قوتها ثلاثون فارسًا كما يذكر الواقدي٤ بقيادة خالد بن الوليد ﵁، توجهت إلى الطاغوت الأعظم منزلة ومكانة عند قريش وسائر العرب العزى، وقد اتفق أهل المغازي على أنها كانت بعد الفتح ولكنهم اختلفوا في تحديد تاريخها
_________________
(١) ١ انظر خليفة بن خياط، تاريخ (٨٨) . ٢ انظر ابن الكلبي، الأصنام (١٨)، والعامري، بهجة (١/٤٤٥)، والزرقاني، شرح (٢/٣٤٧) . ٣ ابن الكلبي، الأصنام (١٩-٢٠) . ٤ الواقدي، مغازي (٣/٨٧٣) .
[ ٢٨١ ]
بدقة، حيث ذكرها ابن إسحاق ومن تابعه بعد سرية خالد إلى بني جذيمة١.
وذكرها الواقدي وابن سعد قبلها وحدداها بخمس ليال بقين من شهر رمضان٢.
وذكر مغلطاي أن ذكر ابن إسحاق لها بعد سرية بني جذيمة فيه نظر من حيث إن رسول الله ﷺ كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة، ولا يتجه إرساله بعد ذلك في بعث٣.
قال الشامي: إن صح ما ذكره ابن إسحاق من كون سرية خالد لهدم العزى بعد سرية بني جذيمة فوجهه: أن رسول الله ﷺ رضي عنه وعذره في اجتهاده٤.
انطلق خالد بن الوليد ﵁ وأصحابه لإزالة ذلك الطاغوت من الوجود نهائيًّا، وعندما وصلت السرية إلى العزى قام إليها خالد "فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها"٥ وهو يردد: "كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك"٦.
ثم رجع خالد وأصحابه إلى رسول الله ﷺ وقدم تقريره بإنجاز المهمة، ولكن النبي ﷺ استدرك على قائد السرية كما يذكر الواقدي وكاتبه في روايتهما: "هل رأيت شيئًا؟، قال: لا"٧ فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئًا"٨.
_________________
(١) ١ انظر ابن خياط، تاريخ (٨٨)، وابن هشام، سيرة (٤/٤٣٦)، الطبري، تاريخ (٣/٦٥)، والعامري، بهجة (١/٤٤٥) . ٢ انظر الواقدي، مغازي (٣/٨٧٣)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٥) . ٣ مغلطاي قلج، الزهر الباسم (٢٣/٢٠) . ٤ الشامي،سبل (٦/٣٠١)، وانظر ما علقناه على هذا الموضوع في سرية خالد إلى بني جذيمة. ٥ أخرج ذلك النسائي، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي الطفيل ﵁. انظر ابن كثير، تفسير (٤/٤٥٤)، وأبا نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧) . ٦ من رواية أبي الهذيل عند ابن خياط بسند حسن لكنه مرسل. ابن خياط، تاريخ (٨٨) . ٧ انظر الواقدي، مغازي (٣/٨٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٦) . ٨ من رواية أبي الطفيل. انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧)، وابن كثير، تفسير (٤/٤٥٤) .
[ ٢٨٢ ]
فرجع خالد وهو متغيظ حنق على عدم إنهاء مهمته على الوجه المطلوب، فلما وصل إليها ونظرت السدنة إليه عرفوا أنه جاء هذه المرة ليكمل ما فاته في المرة السابقة فهربوا إلى الجبل وهو يصيحون "يا عزى خبليه، يا عزى عوريه. فأتاه خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها"١.
فقدم إليها خالد ﵁ بشجاعته الإيمانية المعروفة، وضربها بالسيف حتى قتلها" ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك فقال: "تلك هي العزى"٢ ٣.
وقد يبدو هذا الخبر غريبا بعض الشيء وقد حاول الزرقاني تفسيرة، فقال:
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ أبو نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧)، ابن كثير، تفسير (٤/٤٥٤) . ٣ خبر السرية أخرجه كل من أبي يعلى، المسند (٢/٥٣٥)، والنسائي، السنن الكبرى – كتاب التفسير (٤/١٧)، وأبو نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧) عن أبي الطفيل ﵁ من طريق الوليد بن جميع الذي اختلف فيه، فوثقه ابن سعد، وابن معين، والعجلي، وقال عنه أحمد، وأبو داود، وأبو زعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، ثم ذكره في الضعفاء، وقال عنه: فحش تفرده فبطل الاحتجاج به. وقال البزار: احتملوا حديثه وكان فيه تشيع. وقال العقيلي: في حديثه اضطراب، وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى، وذكر الفلاس أن يحي بن سعيد كان لا يحدثهم عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدثهم عنه. وأخيرا قال عنه ابن حجر: صدوق يهم. انظر ابن سعد، طبقات (٦/٣٥٤)، وابن أبي حاتم، الجرح والتعديل (٩/٨)، وابن حبان، الثقات (٥/٤٩٢)، والذهبي، ميزان الاعتدال (٤/٣٣٧)، وابن حجر، تهذيب التهذيب (١١/١٣٨-١٣٩)، وتقريب التهذيب (٥٨٢) . كما روى الخبر ابن خياط باختصار وسنده جيد لكنه مرسل. انظر خليفة بن خياط، تاريخ (٨٨)، وأخرجه ابن الكلبي بسنده عن ابن عباس. انظر ابن الكلبي، الأصنام (٢٥١)، ورواه من أهل المغازي ابن إسحاق بلا سند. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦-٦٣٧) والواقدي، مغازي (٣/٨٧٣-٨٧٤)، وابن سعد عن جمع من شيوخه، طبقات (٢/١٤٥-١٤٦)، وهكذا.. فإن رواية أبي الطفيل المتصلة وإن كان فيها بعض مقال من ناحية الوليد بن جميع الذي عليه مدار الروايات، لكنها لم تتحد مع رواية خليفة المرسلة مما يقوي القاسم المشترك بين الروايتين، كما تتعاضد بقية طرق الخبر مع بعضها فتكون شاهدا يكسبه بعض القوة، وإن كان محقق مسند أبي يعلى قد حكم على سنده بالصحة. انظر أبا يعلى، المسند (٢/١٩٧)، حاشية (٢) .. والله تعالى أعلم.
[ ٢٨٣ ]
أمرتهم بتجديدها أو تخبرهم أنها لو قطعت شجراتها أو كسرت حجارتها لم تزل عظمتها، وفي خروجها لخالد ثانية آية أخرى؛ لأنها لم تكن مشاهدة١.
_________________
(١) ١ الزرقاني، شرح المواهب (٢/٣٤٨) .
[ ٢٨٤ ]
سرية سعد بن زيد الأشهلي١ إلى مناة
﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾
[النجم/٢٠]
_________________
(١) ١ لم ترد حول هذه السرية روايات صحيحة أو حسنة، لذا كان الاعتماد على أقوال الإخباريين وروايات أهل المغازي المتخصصين بعد نقد متونها.
[ ٢٨٥ ]
قال الله تعالى ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ١.
مناة بفتح الميم والنون الخفيفة٢ اسم صنم كانت على ساحل البحر الأحمر مما يلي قديدا٣ في منطقة تعرف بالمشلل٤. وكانت للأوس والخزرج وغسان ومن دان بدينهم، يعبدونها ويعظمونها في الجاهلية ويهلون منها للحج، وقد بلغ من تعظيمهم إياهم كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة تحرجًا وتعظيمًا لها حيث كان "ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة"٥.
ولم تزل هذه عادتهم حتى أسلموا " فلما قدموا مع النبي ﷺ للحج ذكروا
_________________
(١) ١ النجم (٢٠) . ٢ ابن حجر، فتح (٨/١٧٥)، وقال عنها: والطاغية صفة لها، إسلامية. وقال الشوكاني: قرأ الجمهور مناة بألف من دون همزة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمد والهمزة، فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمني أي: صب؛ لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها، وأما القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر، لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، وقيل: هما لغتان للعرب. فتح القدير (٥/١٠٨) . ٣ سبق التعريف بها. ٤ المشلل: قال عنها البكري: والمشلل من قديد وبالمشلل كانت مناة. وقال مالك: كانت حذو قديد. البكري، معجم ما استعجم (٣/١٠٥٥) . قلت: ورد ذلك في حديث عائشة ﵂ عند البخاري"وكانت مناة حذو قديد". ابن حجر، فتح (٨/١٧٥) . وقال الحموي: والمشلل الطرد، وهو جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر. معجم (٥/١٣٦) . ويقول البلادي: المشلل ثنية تأتي أسفل قديد من الشمال إذا كنت في بلد صعبر بين رابغ والقضيمة، كانت المشلل مطلع شمس مع ميل إلى الجنوب، وحرة المشلل هي التي تراها من تلك القرية، سوداء مدلهمة تشرق الشمس عليها وفيها كانت مناة الطاغية، ومحلها معلوم. البلادي، معجم (٢٩٨) . ٥ حديث صحيح موقوف على عائشة ﵂ رواه مسلم وهذا لفظه. النووي على مسلم (٩/٢٤)، وانظر روايات عائشة ﵂ حول ذلك عند البخاري. ابن حجر، فتح (٨/١٧٥، ٣/٤٩٨)، وعند مسلم. النووي على مسلم (٩/٢٢-٢٣-٢٤)، وعند أحمد بسند صحيح. البنا، الفتح (١٨/٧٩) . وانظر رواية ابن إسحاق حول نفس الموضوع. ابن هشام، سيرة (١/٨٥)، وهناك روايات عن قتادة، والضحاك، وابن هشام يذكرون فيها أنها كانت لخزاعة وهذيل. وقال الشوكاني: هي صنم بني هلال. أما ابن زيد فيقول: لبني كعب. انظر الزرقاني، شرح (٢/٣٤٩)، والشوكاني، فتح (٥/١٠٨) .
[ ٢٨٦ ]
ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية"١.
قال الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وقد كان أول من نصبها لهم مؤسس الشرك في الجزيرة العربية ومبتدع الأوثان محرف الحنيفية دين إبراهيم ﵇ الخزاعي عمرو بن لحي٣.
ولما كان الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة سنة تحطيم الأوثان وبالتحديد في الرابع والعشرين من شهر رمضان٤ بعث رسول الله ﷺ إليها رجلا من أهلها سابقا الذين كانوا يعظمونها في الجاهلية وهو سعد بن زيد الأشهلي ﵁ على رأس سرية قوتها عشرون فارسًا٥ وكان واجب السرية هو إزالة مناة من الوجود نهائيًّا.
_________________
(١) ١ صحيح موقوف أخرجه مسلم عن عروة عن عائشة ﵂. النووي على مسلم (٩/٢٢) . ٢ البقرة (١٥٨) . ٣ قال ابن حجر: وبذلك جزم محمد بن إسحاق فيما رواه الفاكهي من طريق عثمان بن ساج عنه. فتح الباري (٣/٤٩٩) . وانظر الفاكهي، أخبار مكة (٥/١٦٣) كما ذكر ذلك ابن الكلبي في الأصنام، (ص ١٣)، وانظر قصة عمرو بن لحي في الصحيح، وأن رسول الله ﷺ رآه يجر أمعاءه في النار، وذلك جزاء فعله هذا. ابن حجر، فتح (٦/٥٤٧) . ٤ رواه ابن سعد عن جمع من شيوخه بلفظ قالوا. الطبقات (٢/١٤٦)، وتابعه نقلا عنه اليعمري، عيون (٢/٢٣٨)، والشامي بدون أن يشير إلى ذلك، السبل (٦/٣٠٤) . وقال الزرقاني: فكان اللائق تقديمها على العزى، لكنه قدمها عليها تبعا للعيون وغيرها لتقديمها في الذكر العزيز، وللاهتمام بشأن ذكر هدمها لأنها كانت من أصنام قريش. انظر الزرقاني، شرح (٢/٣٤٩) . ويذكر ابن الكلبي أن رسول الله ﷺ بعث عليًّا ﵁ إليها بعد توجهه من المدينة إلى مكة بأربع ليال أو خمس وذلك سنة ثمان للهجرة، الأصنام (ص ١٥)، كما ذكرها ضمن أحداث سنة ثمان من الهجرة الطبري وابن كثير كلاهما نقلا عن الواقدي. الطبري، تاريخ (٣/٦٦)، ابن كثير، تفسير (٤/٣٧٥)، وأشار إليها الواقدي في حوادث سنة ثمان (٢/٨٧٠) . ٥ يذكر ابن كثير والزرقاني عن ابن إسحاق: أن المبعوث هو أبو سفيان بن حرب ﵁ وليس سعدا، انظر ابن كثير، تفسير (٥/٢٥٤)، والزرقاني، شرح (٢/٣٤٩)، في حين أن القائل بذلك هو ابن شام في زوائد السيرة. انظر ابن هشام، سيرة (١/٨٦)، ويوافق الواقدي في رواية الطبري وابن كثير عنه انظر ابن كثير، بداية (٤/٣٧٥)، والطبري، تاريخ (٣/٦٦)، ويذكر ابن الكلبي وابن هشام في رواية أنه كان عليَّ بن أبي طالب ﵁.
[ ٢٨٧ ]
انطلق زيد ومن معه في مسير اقترابي سريع لإنجاز المهمة المحددة حتى وصل إليها فقابله سادنها متسائلًا: ما تريد قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها"١.
فصاح بها السادن صيحة الواثق: "مناة دونك بعض عصاتك"٢ ولكن صيحته ذهبت أدراج الرياح، فلم يأبه سعد ﵁ بكل ذلك ويضربها ضربة إيمانية قاتلة قضت عليها، ثم يقبل على الصنم مع أصحابه "فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئا، وانصرف راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٣ ٤.
وتزول مناة من الوجود كما زالت من قبل من القلوب، ويطوف الأنصار بين الصفا والمروة من غير جناح ولا حرج.
ومن الأمور العجيبة المضحكة ما ذكره الذهبي عن بعض المخرفين من مشركي الهند أنهم كانوا يعتقدون في صنمهم المسمى (سومنات) أنه هو مناة "وأنه تحوَّل بنفسه في أيام النبوة من ساحل جدة، وحصل بهذا المكان ليُقصد ويُحج معارضة للكعبة"٥ "وكانوا يقولون: أنه يرزق ويُحيى ويُميت
_________________
(١) ١ رواه ابن سعد عن جمع من شيوخه بلفظ قالوا. ابن سعد، طبقات (٢/١٤٦) . ٢ المصدر السابق. ٣ المصدر السابق. ٤ خبر السرية انفرد به ابن سعد بين أهل المغازي فرواه عن جمع شيوخه بلفظ قالوا، وشيوخ ابن سعد الذين صدرهم كتابه الطبقات فيهم الثقات وفيهم الضعفاء. انظر ابن سعد، طبقات (٢/٥، ١٤٦)، كما نقل الطبري رواية عن شيخ ابن سعد الواقدي حول الخبر لكنها مقتضبة. انظر الطبري، تاريخ (٣/٦٣)، وكذلك رواه ابن هشام في زوائد السيرة. انظر ابن هشام، سيرة (١/٨٦) . إذًا فالخبر ضعيف من الناحية الحديثية ويمكن الاستئناس به تاريخيًّا حيث ذكر أهل المغازي أن رسول الله ﷺ أرسل بعض السرايا لتحطيم الأصنام في الجزيرة العربية ولا يمكن استثناء مناة من ذلك لكونها أحد أكبر طواغيت في الجزيرة. والله أعلم.
[ ٢٨٨ ]
ويسمع ويعي، يحجون إليه ويتحفونه بالنفائس ويتغالون فيه كثيرا، فتجمع عند هذا الصنم مالّ يتجاوز الوصف، وكانوا يغسلونه كل يوم بماء وعسل ولبن وينقلون إليه الماء من نهر حيل مسيرة شهر، وثلاثمائة يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم، وثلاثمائة ويغنون"١.
وسومنات هذا كان في معبد شهير في الهند في مدينة كُجرات على شاطىء بحر العرب، وكان المعبد مبنيًّا على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص والذهب المرصعة بالأحجار الكريمة. أما سومنات الصنم نفسه فكان من حجر طوله خمسة أذرع، ثلاثة مدورة ظاهرة واثنتان في البناء وكان في حجرة مظلمة تضيئها قناديل الجوهر الفائق، كما كان عنده سلسلة ذهبية وزنها مائتا منِّ، وعنده خزانه فيها عدة الأصنام الذهبية والفضية المرصعة بالجواهر، وعلى رأس الصنم تاج لا يُقوَّم يندهش منه الناظر، وله من الوقف ما يزيد على عشرة آلاف قرية. وقد أصبحت كل تلك النفائس العظيمة غنيمة للمسلمين من جند البطل المسلم فاتح الهند السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي الذي سار بجيش ضخم قوامه ثلاثون ألف فارس غير المتطوعين والرجالة، فقطعوا القفار والمفاوز وقاسوا المشاق حتى وصلوا إلى هذا الصنم وحطموه بعد أن هزموا المدافعين عنه شر هزيمة وأحرقوا الصنم حتى صار كلسًا وألقيت النيران في المعبد٢، وكانت الهنادك يعتقدون أن سومنات مانعهم من المسلمين وأنه لا يلبث أن ينزل بهم غضبه الشديد، ولكنهم ما لبثوا أن تحسروا وسُقط في أيديهم وهم يرونه صريعًا مَهينًا، وكان كهنته قد توسلوا إلى السلطان ألا يمس معبودهم ويعطونه ما شاء من مال، ولكنه أبى فإنه لم يخرج لطلب المال وإنما خرج لإعلاء كلمة الله وهدم هذه الأصنام التي تعبد من دون الله"٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ أعادت الحكومة الهندية بعد استقلالها بناء هذا المعبد من جديد وافتتحه رئيس الجمهورية في احتفال كبير. ٣ انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء (١٧/٤٩٠-٤٩١)، وعبد المنعم النمر، تاريخ
[ ٢٨٩ ]
سرية عمرو بن العاص ﵁ إلى سواع
بعث عمرو بن العاص ﵁ إلى سواع١
﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾
[نوح/٢٣]
_________________
(١) ١ لم ترد حول موضوع هذا البعث روايات مسندة يمكن الحكم على إسنادها ومن ثم الاعتماد عليها، فكان من الضروري الاعتماد على روايات أهل المغازي ومناقشتها. وسواع: بالسين المضمومة، والعين المهملة بينهما ألف، وسمي باسم سواع بن نوح ﵇. انظر الشامي، سبل (٦/٣٠٣)، والحلبي، سيرة (٣/٢٠٩) .
[ ٢٩١ ]
قال الله تعالى مخبرًا عن قوم نوح ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١.
وسواع المذكور ضمن هذه الأصنام: هو اسم صنم كان لقوم نوح ﵇ ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية٢.
روى البخاري تعليقا عن ابن عباس ﵄، قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما وَدٌّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع"٣.
ويوضح لنا ابن الكلبي كيف صار سواع صنمُ قوم نوح صنمًا لهذيل بعد كل تلك السنين الطويلة، فيذكر أن مبتدع الأوثان للعرب عمرو بن لحي الخزاعي كان له قرين من الجن، فأتاه يوما وأخبره أن أصنام قوم نوح المشهورة قد دفعها الطوفان إلى ساحل جدة٤ وطمرتها الرمال، وأمره أن يستخرجها ويخرج بها إلى تهامة في موسم الحج ويدعو العرب إلى عبادتها٥ ففعل وكان ممن أجاب دعوته قبيلة مضر، فدفع إلى رجل من هذيل سواعًا حيث نصبه لهم في منطقة يقال لها رهاط، وكانت سدنته منهم بني لحيان٦ وكان سواع هذا
_________________
(١) ١ نوح: (٢٣) . ٢ ذكر ذلك ابن إسحاق بلا سند، سيرة ابن هشام (١/٧٨)، وابن الكلبي، الأصنام (٥٦)، والجوهري، (صحاح، باب العين، فصل السين)، وانظر رواية ابن عباس عند البخاري التي سنذكرها الآن. ٣ أخرجه البخاري موصولا إلى ابن جريج، ومعلقا عن ابن عباس، وانظر تعليق ابن حجر عليه. فتح الباري (٨/٦٦٧-٦٦٨) . ٤ هي: مدينة جدة المعروفة اليوم. ٥ ابن الكلبي، الأصنام (ص ٥٦) . قلت: قد يستبعد البعض هذه القصة لضعف سندها ولاستحالة بقاء تلك الأصنام على حالتها كل هذه المدة، ولكن بغض النظر عن صحة سند الرواية فإن علم الآثار والحديث قد يؤيد هذه الرواية، فكثير من الحفريات والآثار البالغة القِدم حتى قبل عهد نوح بسنين وجدت مدفونة تحت الرمال وبحالة جيدة والله تعالى أعلم بالصواب. ٦ يذكر ابن حجر عن ابن إسحاق أن رهاط بضم الراء وتخفيف الهاء من أرض الحجاز من جهة الساحل. فتح الباري (٨/٦٦٨) .=
[ ٢٩٢ ]
حجرًا على صورة امرأة كما ذكر الواقدي١.
وظل هذا الوثن منصوبا تعبده هذيل وتعظمه حتى إنهم كانوا يحجون إليه٢ حتى فُتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخل في دين الله أفواجا.
بعث رسول الله ﷺ سرية بقيادة عمرو بن العاص ﵁ لتحطيم سواع.
ويحدثنا قائد السرية عن مهمته، فيقول: "فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟، قلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لِمَ؟، قال: تُمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك وهل يسمع أو يبصر، قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئًا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟. قال: أسلمت لله"٣.
وهكذا تم القضاء على سواع الذي لم يجد من يدافع عنه بقوله: "ولا تذرن سواعًا".
_________________
(١) =ويقول ابن الكلبي: سواع كان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة بعيدة من مضر، ابن الكلبي، الأصنام (ص ٥٧٠) . ويذكر الشامي نقلا عن الجوهري: إنها قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة ساحل البحر. سبل (٦/١٠٣) . قلت: لم يرد هذا الكلام في نسخة الصحاح المتداولة، ولعل الشامي اطلع على نسخة مغايرة. ويذكر ابن الكلبي في مكان آخر من كتابه "الأصنام" أنه كان برهاط من أرض ينبع. ابن الكلبي، الأصنام (ص ٩)، وربما كان ذلك ذهولا منه فإن رهاط تقع بعيدا عن ينبع، ولا أدري كيف وقع ذلك التناقض منه ﵀ حيث لم يذكر أحد وجود مكان في منطقة ينبع يسمى برهاط، كما أن ديار هذيل وهم أهل هذا الصنم وسدنته سابقا بعيدة عن منطقة ينبع. يقول البلادي: رهاط واد هو صدر وادي غران، ووادي غران يمر شمال عسفان على نحو (٨٥) كيلا من مكة شمالا، وكان من ديار هذيل، أما اليوم فهو مشترك بين الروقة من عتيبة، ومعبد بن حرب، البلادي، معجم (١٤٣) . ١ ذكر ذلك عن الواقدي الطبري. تاريخ (٣/٦٦) . وذكر ابن حجر أن هذا شاذ. فتح الباري (٨/٦٦٩) . ٢ ذكره عن الواقدي وابن سعد، الشامي، سبل (٦/٣٠٣) . ٣ الخبر رواه ابن سعد عن جمع شيوخه وهذا لفظه. طبقات (٢/١٤٦) . كما رواه الواقدي، مغازي (٢/٨٧٠)، ونقله عنه بإيجاز الطبري، تاريخ (٣/٦٦)، والشامي عنه وعن ابن سعد، سبل (٦/٣٠٣)، والحلبي، سيرة (٣/٢٠٩) دون أن يشير إلى ذلك. وبهذا يكون الخبر ضعيفًا حديثيًّا، ولكنه يدخل ضمن نطاق الأخبار التي ذكرت بعث النبي ﷺ بعض السرايا والبعوث لتحطيم الأصنام بعد فتح مكة، وسواع أحد هذه الأصنام، وبذلك يمكن الاستئناس بهذا الخبر تاريخيًّا. والله أعلم.
[ ٢٩٣ ]
بعث خالد بن الوليد،وأبي سفيان بن حرب إلى اللات
بعث أبي سفيان بن حرب وخالد بن الوليد لهدم وتحطيم اللات
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ..﴾
[النجم/١٩]
[ ٢٩٥ ]
قال الله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ ١ قرأها الجمهور بتخفيف التاء٢ وقرأها ابن عباس وابن الزبير ﵃، وتابعهما بعض التابعين٣ بتشديد التاء، قال ابن عباس ﵄: "كان اللات رجلا٤ يلت السويق الحاج"٥.
وقد اختلفوا في مكانه بالتحديد فقيل: بالطائف، وقيل: بنخلة، وقيل: بعكاظ، والراجح الأول٦.
أما صفته فقد ذكر ابن إسحاق وغيره: أنه عبارة عن صخرة بيضاء مربعة منقوشة، عليها بيت له أستار وكسوة، وحوله فناء، وله سدنة
_________________
(١) ١ النجم (١٩) . ٢ ذكر ذلك الشوكاني وقال: فقيل: هو مأخوذ من اسم الله سبحانه، وقيل: أصله لات يليت، فالتاء أصلية، وقيل: هي زائدة وأصله لوى يلوي؛ لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أي يلتوون عليها ويطوفون بها. الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨)، وقال في الصحاح: وبعض العرب يقف عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء، وجوز سيبويه أن يكون لاه أصل اسم الله تعالى. (الجوهري، الصحاح، باب الهاء، فصل اللام) . ٣ مثل مجاهد، والربيع بن أنس، ومنصور بن المعتمر، وأبي الجوزاء، وأبي صالح، وحميد. انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨) . ٤ اختلفوا في اسم هذا الرجل فزعم البعض أنه عامر بن الظرب العدواني، وذكر ابن حجر عن ابن الكلبي: أن اسمه صرمة بن غنم. انظر ابن حجر، فتح (٨/٦١٢)، ولكن الشوكاني ذكر عن الكلبي: إنه رجل من ثقيف يقال له صرمة بن غنم. انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨)، ولكن ابن الكلبي في كتابه "الأصنام" يذكر أنه يهودي كان يلت السويق. ابن الكلبي، الأصنام (١٦) . وحكى السهيلي: إنه عمرو بن لحي الخزاعي. انظر السهيلي، الروض (١/٣٥٧) . والصحيح أن اللات غير عمرو بن لحي، فقد أخرج الفاكهي من وجه آخر عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة، فعبدوها وبنوا عليها بيتا. انظر الفاكهي، أخبار مكة (٥/١٦٤)، وابن حجر، فتح (٨/٦١٢) . ٥ أخرجه البخاري موقوفا على ابن عباس ﵄، وذكر ابن حجر أن ابن أبي حاتم أخرجه أيضا من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ ولفظه فيه زيادة "كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه". انظر ابن حجر، فتح (٨/٦١١-٦١٢) . ٦ قاله ابن حجر، فتح (٨/٦١٢)، وروى أبو داود والبيهقي بسنديهما عن عثمان بن أبي العاص ﵁ "أن النبي ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم". انظر أبا دود، سنن (١/٣١١)، والبيهقي، دلائل (٥/٣٠٦) . قال ابن الكلبي: "إنها كانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم" ابن الكلبي، الأصنام (١٦) .
[ ٢٩٦ ]
وحجبة١، وكان معظما عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون به على من عداهم من العرب، وكانوا يسيرون إلى ذلك البيت ويحرمون واديه يضاهئون به الكعبة٢.
ويذكر ابن الكلبي: أن قريشا وجميع العرب كانوا يعظمونها أيضا وبها كانت العرب تسمى زيد اللات، وتيم اللات٣وهكذا ظلت اللات طاغوتا من طواغيت العرب المعظمة حتى ظهر الحق، وانتشر الإسلام ودخل العرب في دين الله أفواجا، ومنهم ثقيف التي أرسلت وفدًا إلى رسول الله ﷺ يريدون الصلح، والقضية حين رأوا أن قد فتحت مكة، وأسلمت عامة العرب"٤.
_________________
(١) ١ اختلف في سدنة اللات، فابن إسحاق يقول: هم بنو معتب من ثقيف. انظر ابن هشام، سيرة (١/٨٥)، ويذكر ابن الكلبي: إنهم بنو عتاب بن مالك. ابن الكلبي، الأصنام (١٦)، لكن الواقدي يقول: هم بنو العجلان بن عتاب بن مالك وصاحبها منهم عتاب بن مالك بن كعب، ثم بنوه من بعده. الواقدي، مغازي (٣/٩٧٢)، أما ابن حبيب فيقول: كان سدنته آل أبي العاص بن أبي يسار بن مالك. انظر الحموي، معجم، باب اللام والألف. ٢ انظر ابن هشام، سيرة (١/٨٥)، وابن كثير، تفسير (٤/٥٣)، والجوهري، الصحاح باب الهاء، فصل اللام. ٣ ابن الكلبي، الأصنام (١٦) . ٤ أخرجه البيهقي من مراسيل عروة من طريق ابن لهيعة، وعمر بن شبه من مراشيل الزهري من طريق موسى بن عقبة، والبيهقي عن موسى بن عقبة واللفظ له. انظر عمر بن شبه، تاريخ (٢/٥٠١)، والبيهقي، دلائل (٥/٣٠٠)، وباقشيش، مرويات (٢/٥٠٢) . هذا وقد اختلف أئمة المغازي في تاريخ قدوم وفد ثقيف الذي يقودنا بالتالي إلى تاريخ السرية، فابن إسحاق والواقدي ذكرا أن الوفد قدم المدينة في رمضان سنة تسع مقفل رسول الله ﷺ من تبوك، وذكر أن الوفد صام مع رسول الله ﷺ ما بقي من شهر رمضان، ولكنهما اختلفا في كيفية خروج السرية، فابن إسحاق يذكر أنها خرجت مع الوفد عند توجههم إلى بلادهم، أما الواقدي فيذكر أنهم بقوا يومين أو ثلاثة بعد خروج الوفد ثم انطلقوا. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٥٣٧-٥٤٠-٥٤١)، والواقدي مغازي (٣/٩٢٢)، وأخرج البيهقي عن عروة وموسى بن عقبة أن قدوم وفد ثقيف كان بعد مقتل عروة بن مسعود الثقفي الذي قتل بعد صدور أبي بكر، وعلي ﵄ من الحج. انظر البيهقي، دلائل (٥/٢٩٩) . قال ابن كثير: وهذا بعيد والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم.. ابن كثير، بداية (٣/٢٧)، كما أخرج عمر بن شبه رواية عن عروة: يذكر فيها أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة وحنين وانصرافه إلى المدينة". انظر=
[ ٢٩٧ ]
كان وفد ثقيف وهم يحاورون رسول الله ﷺ يعرفون في قرارة أنفسهم أنه لا بقاء لطاغوتهم اللات بعد هدم العزى، وتكسير هبل وإساف ونائلة، بل كانوا يتوقعون أن يكلفهم رسول الله ﷺ بهدمها، لذلك حاولوا ي ائسين مساومة رسول الله ﷺ على إبقاء الربَّة –كما يسمونها- مدة من الزمن علهم يمهدون لذلك الأمر الخطير الذي كان في اعتقادهم فيه جرح لمشاعر ثقيف التي تعلقت بحب الرَّبة وتعظيمها كل هذه السنين، ومن ثم يحاولون إقناع ثقيف بقبوله كأمر واقع لا بد منه، وإن كانوا لحداثة عهدهم بالإسلام يخافون من انتقام الرَّبة لمجرد علمها بنيتهم في هدمها.
"قالوا له: أرأيت الرَّبة، ماذا تصنع فيها؟، قال: اهدموها، قالوا: هيهات، لو تعلم الرَّبة أنك تريد هدمها قتلت أهلينا"١.
ولكن رسول الله ﷺ رفض مساومتهم بإصرار موضحًا لهم بالحسنى ربَّتهم الجاهلية اعتقاد زائف لا يسمح الإسلام باستمراره بعد الآن، وأن ما يخافون انتقامه وغضبه إنما هو حجر جامد لا يضر ولا ينفع، بل لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى.
وبعد محاورات وتداول للرأي فيما بينهم اقتنع الوفد، وأذعنوا لتعاليم الإسلام بل قاموا بأداء بعض تكاليفه والتي كانوا يساومون رسول الله ﷺ على تركها٢.
وكان ذلك مصداقا لقول رسول الله ﷺ: "سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا" ٣.
_________________
(١) =عمر بن شبه، تاريخ (٢/٥٠٧)، وفي سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد. ابن حجر، تقريب (٣٤٠) . ١ المصادر السابقة. ٢ تذكر بعض الروايات أنهم بدأوا يصلون مع المسلمين ويصومون بقية شهر رمضان. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٥٤٠-٥٤١)، والواقدي، مغازي (٣/٩٦٨)، والبيهقي، دلائل (٥/٣٠٥) . ٣ رواه أبو داود، سنن، كتاب الخراج والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف (٣/١٦٣) .
[ ٢٩٨ ]
ولكنهم مع ذلك تحرجوا من تولي هدمها بأنفسهم وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم من يهدمها بعد رحيلهم١.
وفعلا جهَّز رسول الله ﷺ سرية بقيادة خالد بن الوليد ﵁، ومشاركة المغيرة بن شعبة٢ ﵁، وأبي سفيان بن حرب رضي الله عنه٣. وبعثهم في أثر الوفد٤.
وبينما نجحت مساعي الوفد في إقناع ثقيف بالدخول في الإسلام وأخبروهم بمصير اللات، وإذا بالسرية قد وصلت إلى الطائف "ودخل المغيرة بن شعبة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة"٥، كما يذكر الواقدي،وذلك تحت حراسة مشددة من قومه بني معتب الذين قاموا دونه "خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة"٦. وخرجت ثقيف عن بكرة أبيها رجالها ونساؤها وصبيانها حتى الأبكار من خدورهن، وكانوا لقرب عهدهم بالشرك
_________________
(١) ١ يذكر ابن إسحاق في روايته أن السرية التي وجهها خرجت مع الوفد. ابن هشام، سيرة (٢/٥٤١) . ٢ المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد. وقال الطبري: يكنى أبا عبد الله، قال: وكان ضخم القامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أصهب الشعر جعده وكان لا يفرقه. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان وله فيها ذكر، وحدَّث عن النبي ﷺ كان يقال له: مغيرة الرأي، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق. وقال الشعبي: كان من دهاة العرب وكذا ذكره الزهري، ولاه عمر البصرة ففتح ميسان وهمذان وعدة بلاد إلى أن عزله. قال البغوي: كان أول من وضع ديوان البصرة. وقال ابن حبان: كان أول من سلم عليه بالإمرة، ثم ولاه عمر الكوفة، وأقره عثمان ثم عزله، فلما قتل عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه ثم ولاه الكوفة فاستمر في إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر ونقل فيه الخطيب الإجماع، وقيل: مات قبل سنة، وقيل بعدها بسنة. انظر ابن سعد، طبقات (٤/٢٨٤-٢٨٥)، وابن حجر، إصابة (٣/٤٥٢-٤٥٣) . ٣ لم يرد ذكر خالد في روايتي عروة وابن إسحاق. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٤)، وابن هشام، سيرة (٤/٥٤١)، بينما لم يرد ذكر أبي سفيان في رواية موسى بن عقبة. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٣) . ويضيف إليهم الواقدي: أبا مليح بن عروة، وقارب بن الأسود. انظر الواقدي، مغازي (٣/٩٧١) . ٤ كما وقع في رواية عروة، وموسى بن عقبة. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٣-٣٠٤) . ٥ الواقدي، مغازي (٣/٩٧١) . ٦ أخرجه البيهقي من مرسل عروة من طريق ابن لهيعة. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٤) .
[ ٢٩٩ ]
"لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة"١.
وكان المغيرة ﵁ رجلا فيه دعابة وظرف فقال لأصحابه "والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين٢ ثم سقط يركض، فارتج الطائف بصيحة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة قد قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطا"٣وقالوا مخاطبين أفراد السرية: "من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فوالله لا تستطاع أبدا، فوثب المغيرة بن شعبة، وقال:قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع٤ حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه"٥.
لقد كان المغيرة ﵁ محقًّا في قوله ذلك، فالإنسان العاقل اللبيب لا يتصور أن يكون ربه حجرا أصم لا يعقل أو يسمع، ولكنها سخافة الجاهلية وأدرانها التي تذهب بالعقول اللبيبة، فالحمد لله على نعمة الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أكمل المغيرة بن شعبة ﵁ ومن معه هدم الطاغية حتى سووها بالأرض، وكان سادنها واقفا على أحر من الجمر ينتظر نقمة الربة وغضبها على هؤلاء العصاة، فما أن وصلوا إلى أساسها حتى صاح قائلا كما يذكر الواقدي "سترون إذا انتهى إلى أساسها يغضب الأساس غضبًا يخسف بهم"٦.
_________________
(١) ١ أخرجه عمر بن شبة من مرسل الزهري من طريق موسى بن عقبة، انظر ابن شبة، تاريخ (٢/٥٠١-٥٠٥-٥٠٧)، والبيهقي عن موسى بن عقبة. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٣) . ٢ الكرزين: الفأس، ويقال له أيضا كرزن بالفتح والكسر والجمع كرزان وكرازين. انظر ابن الأثير، نهاية (٤/١٦٣) . ٣ أخرجه عمر بن شبة من مرسل الزهري من طريق ابن عقبة. انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٥٠٦)، والبيهقي عن موسى بن عقبة، واللفظ له. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٣) . ٤ اللكع عند العرب: العبد ثم استعمل في الحمق والذم. يقال للرجل لكع وللمرأة لكاع، وقد لكع الرجل يلكع لكعا، وأكثر ما يقع في النداء وهو اللئيم، وقيل: الوسخ. انظر ابن الأثير، نهاية (٤/٢٦٨) . ٥ أخرجه عمر بن شبة من مرسل الزهري. انظر ابن شبة، تاريخ (٢/٥٠٦)، والبيهقي عن موسى بن عقبة واللفظ له. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٣) . ٦ الواقدي، مغازي (٣/٩٧٢) .
[ ٣٠٠ ]
فلما سمع المغيرة ﵁ السخف قال لقائد السرية: "دعني أحفر أساسها فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها، فبُهتت ثقيف"١. وأدركت الواقع الذي كانت تحجبه غشاوة على أعينهم.
تقول عجوز منهم وهي تتأوه حزنًا وحسرة "أسلمها الرضاع وتركوا المصاع"٢.
وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله ﷺ بحليتها وكسوتها، فقسمه رسول الله ﷺ من يومه، وحمدوا الله ﷿ على نصرة نبيه ﷺ وإعزاز دينه"٣.
وتم القضاء على ثاني أكبر طواغيت الشرك في الجزيرة العربية، وحل محلها بيت من بيوت الله ﷿ يوحد فيه الربُّ الذي لا إله إلا هو، وذلك بتوجيه كريم من رسول الله ﷺ إلى عثمان بن أبي العاص٤ ﵁ عامله على الطائف حيث أمره "بأن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم"٥ ٦ ولله الحمد.
_________________
(١) ١ أخرجه عمر بن شبة من مرسل الزهري. انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٥٠٦)، والبيهقي عن موسى بن عقبة واللفظ له. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٣) . ٢ الرضاع: جمع راضع وخو اللئيم، والمصاع المضاربة بالسيوف. ابن الأثير، نهاية (٢/٢٣٠) . ٣ أخرجه عمر بن شبة من مرسل الزهري. انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٥٠٧)، والبيهقي عن موسى بن عقبة واللفظ له. انظر البيهقي، دلائل (٥/٣٠٣-٣٠٤) . ٤ عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان الثقفي، أبو عبد الله، نزيل البصرة. أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي ﷺ على الطائف، وأقره أبو بكر، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل سنة خمس، وقيل سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفا عن الردة، خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أولهم ارتدادا. ابن حجر، إصابة (٢/٤٦٠) . ٥ أخرجه أبو داود، سنن (١/٣١١)، والبيهقي، دلائل (٥/٣٠٦) واللفظ له. ٦ خبر السرية من مراسيل عروة من طريق ابن لهيعة. انظر البيهقي، دلائل (٥/٢٩٩-٣٠٤)، وهو من مرسل الزهري عن طريق موسى بن عقبة. انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٥٠١، ٥٠٥-٥٠٧)، كما رواه البيهقي عن موسى بن عقبة. انظر البيهقي، دلائل (٥/٢٩٩-٣٠٣)، ورواه ابن إسحاق بلا سند. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٥٤٠-٥٤٢) كما رواه الواقدي، مغازي (٣/٩٧٠-٩٧٢) . وهكذا ترى الخبر مداره على أهل المغازي وأئمتهم، وقد اختلفت طرقهم وأجمعوا عليه. ومرسل عروة=
[ ٣٠١ ]
هذا وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف١ عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: "أُتي رسول الله ﷺ بأسارى من اللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ: هل دعوهم إلى الإسلام؟، فقالوا: لا، قال: خلوا سبيلهم حتى يبلغوا مأمنهم، ثم قرأ رسول الله ﷺ هاتين الآيتين ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ٢، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ ٣ ٤.
وفي القصة وما قبلها من الفقه: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة. وهذا حكم المَشَاهِد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. أو أعظم شركا عندها وبها، والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة
_________________
(١) =وإن كان من طريق ابن لهيعة الذي اختلط بعد احتراق كتبه، لكن روايته هنا عن أبي الأسود، وهي في الغالب نسخة معروفة لمغازي عروة مما يقلل من تخوفنا من عدم ضبطه. كما أن الزهري وموسى بن عقبة إمامان لهما شأنهما في المغازي وإن كان مرسل الزهري ضعيفا عند المحدثين، لكن الخبر في مجمله تاريخي يمكننا أن نستأنس به لإجماع أئمة المغازي عليه مع اختلاف طرقهم والله تعالى أعلم ١ لأن فيه روح بن مسافر، قال عنه البيهقي "ضعيف". انظر البيهقي، سنن (٩/١٠٧) . وانظر ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال (٣/١٣٩-١٤١)، والذهبي، ميزان الاعتدال (٢/٦١) . ٢ الأحزاب: (٤٥-٤٦) . ٣ الأنعام: (١٩) . ٤ انظر البيهقي، سنن (٩/١٠٧) .
[ ٣٠٢ ]
بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين١.
ومنها أيضا جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإمام، بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تساق إليها كلها، ويصرفها على الجند والمقاتلة، ومصالح الإسلام، كما أخذ النبي ﷺ أموال اللات وأعطاها لأبي سفيان يتألفه بها، وقضى منها دين عروة والأسود. وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا، وله أن يقطعها للمقاتلة، أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين. وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها، فالوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد ولا قبر يسرج عليه ويعظم وينذر له، ويحج إليه، ويعبد من دون الله، ويتخذ وثنا من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام، ومن اتبع سبيلهم٢.
_________________
(١) ١ ابن القيم، زاد المعاد (٣/٥٠٦-٥٠٧) . ٢ المصدر السابق (٣/٥٠٧) .
[ ٣٠٣ ]