بسم الله الرّحمن الرّحيم
باب عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل من العرب أن يحموه ويناصروه على ما جاء به من الحق
أي لأنه ﷺ أخفى رسالته ثلاث سنين، ثم أعلن بها في الرابعة على ما تقدم، ودعا إلى الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام، يتبع الحجاج في منازلهم أي بمنى والموقف يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم ويأتي إليهم في أسواق المواسم، وهي: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، فقد تقدم أن العرب كانت إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوّال، ثم تجيء إلى سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما، ثم تجيء سوق ذي المجاز فتقيم به إلى أيام الحج يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال «كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول: ألا رجل يعرض عليّ قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» وعن بعضهم «رأيت رسول الله ﷺ قبل أن يهاجر إلى المدينة يطوف على الناس في منازلهم أي بمنى يقول: يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ووراءه رجل يقول يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم، فسألت من هذا الرجل؟ فقيل أبو لهب يعني عمه» .
وفي رواية عن أبي طارق رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وخلفه رجل له غديرتان» أي ذؤابتان «يرجمه بالحجارة حتى أدمي كعبه يقول يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب، فسألت عنه، فقيل إنه غلام عبد المطلب، فقلت ومن الرجل الذي يرجمه؟ فقيل هو عمه عبد العزى يعني أبا لهب» .
أي وفي السيرة الهشامية عن بعضهم قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله ﷺ يقف في منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه
[ ٢ / ٣ ]
من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا به وتصدقوني، وتمنعوني حتى أبين عن الله ﷿ ما بعثني به، قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه، فقلت لأبي: من هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول؟
قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب» .
وذكر ابن إسحاق أنه ﷺ عرض نفسه على كندة وكلب أي إلى بطن منهم، يقال لهم بنو عبد الله، فقال لهم «إن الله قد أحسن اسم أبيكم أي عبد الله» أي فقد قال ﷺ «أحب الأسماء إلى الله ﷿ عبد الله وعبد الرحمن» ثم عرض عليهم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم، وعرض على بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة أي فقال له رجل منهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك، فقال: الأمر إلى الله يضعه حيث شاء؛ قال: فقال له، أنقاتل العرب دونك؟ وفي رواية، أنهدف نحورنا للعرب دونك» أي نجعل نحورنا هدفا لنبلهم «فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه، فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيخ أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم الموسم؛ فلما قدموا عليه سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف» أي تدارك. «هل لها من مطلب؛ والذي نفس فلان بيده ما يقولها» أي ما يدعي النبوة «كاذبا أحد من بني إسماعيل قط، وإنها لحق، وإن رأيكم غاب عنكم» .
وذكر الواقدي أنه ﷺ أتى بني عبس أي وبني سليم وغسان وبني محارب أي وفزارة وبني نضر ومرة وعذرة والحضارمة، فيردون عليه ﷺ أقبح الرد، ويقولون:
أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه من بني حنيفة، أي وهم أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب؟ وقيل لهم بنو حنيفة، لأن أمهم حنيفة قيل لها ذلك لحنف كان في رجلها وثقيف، أي ومن ثم جاء «شر قبائل العرب بنو حنيفة وثقيف» .
أي ودفع ﷺ هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم. وقال: ممن القوم، قالوا: من ربيعة؟ قال: وأي ربيعة؟ من هامتها أو من لهازمها قالوا: بل الهامة العظمى، قال: من أيها؟ قالوا: من ذهل الأكبر، قال: منكم حامي الذمار ومانع الجار فلان؟ قالوا لا، قال: منكم قاتل الملوك وسالبها فلان؟ قالوا لا، قال: منكم صاحب العمامة الفردة فلان؟ قالوا لا،
[ ٢ / ٤ ]
قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه شاب حين بقل وجهه أي طلع شعر وجهه، فقال له: إن على سائلنا أن نسأله، يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك، فممن الرجل؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا من قريش، فقال الفتى، بخ بخ أهل الشرف والرياسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة فقال الفتى: أمنكم قصي الذي كان يدعى مجمعا قال لا، قال: فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه قال لا، قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذي كأن وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء قال لا، واجتذب أبو بكر رضي الله تعالى عنه زمام ناقته، ورجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك؛ فتبسم رسول الله ﷺ وقال له عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد وقعت من الأعرابي على باقعة أي داهية أي ذي دهاء. وهو في الأصل اسم لطائر حذر يطير يمنة ويسرة قال: أجل أبا حسن؛ ما من طامة إلا فوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق، أي واستفهام الفتى توبيخي لا حقيقي لأن من المعلوم أن من ذكر ليسوا من تيم، لأن أبا بكر كما تقدم إنما يجتمع مع النبي ﷺ في مرة؛ ومرة جد لقصي؛ فكأنه يقول له إن قبيلتكم لم تشتمل على هؤلاء الأشراف؛ أي كما أن قبيلتنا لم تشتمل على أولئك الأشراف.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه ﷺ لقي جماعة من شيبان بن ثعلبة؛ وكان معه أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما؛ وأن أبا بكر سألهم ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر، أي سادات في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو وهانىء» بالهمز «ابن قبيصة» بفتح القاف «ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك. وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا له غديرتان» أي ذؤابتان من شعر «وكان أدنى القوم، أي أقرب مجلسا من أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال مفروق: إنا لنزيد على الألف، ولن تغلب الألف من قلة، والذي قاله ﷺ «لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة» قاله لما أراد أن يغزو هوازن، وكان جيشه العدد المذكور كما سيأتي «فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه، كيف المنعة فيكم قال مفروق: علينا الجهد» أي بفتح الجيم وضمها أي الطاقة «ولكل قوم جد» بفتح الجيم أي حظ وسعادة أي علينا أن نجهد وليس علينا أن يكون لنا الظفر، لأنه من عند الله يؤتيه من يشاء، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال مفروق: إنا لأشد ما يكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد أي من الخيل على الأولاد، والسلاح على اللّقاح أي ذوات اللبن من الإبل، وربما قيل للبقر والغنم أيضا «والنصر من عند الله، يديلنا» بضم أوله وكسر الدال المهملة: أي ينصرنا «مرة، ويديل علينا مرة» أي ينصر علينا
[ ٢ / ٥ ]
أخرى «لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أوقد بلغكم أن رسول الله ﷺ فيها هوذا فقال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت» أي تعاونت «على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله ﷺ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) [الأنعام: الآية ١٥١] قال مفروق: ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم عرفناه، ثم قال:
وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش، فتلا رسول الله ﷺ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النّحل: الآية ٩٠] .
وهذه الآية ذكرها العز بن عبد السلام أنها اشتملت على جميع الأحكام الشرعية، وبين ذلك في سائر الأبواب الفقهية، وضمن ذلك كتابا سماه الشجرة «فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم» أي صرفوا عن الحق كذبوك وظاهروا أي عاونوا عليك، وكان مفروق أراد أن يشركه أي يشاركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال: هذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانىء قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا، واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لزلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: هذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، وإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب دون ما يلي أنهار كسرى فعلنا، فإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: أن لا نحدث حدثا، وأن لا نؤوي محدثا. وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما تكرهه الملوك فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الرد، إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله ﷿ لن ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم، ويغرسكم نساءهم تسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا فتلا رسول الله ﷺ يا أَيُّهَا النَّبِيُ
[ ٢ / ٦ ]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: الآيات ٤٥- ٤٧] ثم نهض رسول الله ﷺ» أي وهؤلاء لم أقف على إسلام أحد منهم؛ إلا أن في الصحابة شخصا يقال له المثنى بن حارثة الشيباني، وكان فارس قومه وسيدهم والمطاع فيهم، ولعله هو هذا، لقول هانىء بن قبيصة فيه: إنه صاحب حربنا.
ورأيت بعضهم ذكر أن النعمان بن شريك له وفادة، فيكون من الصحابة، أي وفي أسد الغابة أن مفروق بن عمرو من الصحابة، ونقل عن أبي نعيم أنه قال لا أعرف لمفروق إسلاما.
ولما قدمت بكر بن وائل مكة للحج قال رسول الله ﷺ لأبي بكر ائتهم.
فاعرضني عليهم، فأتاهم فعرض عليهم، فقال لهم: كيف العدد فيكم، قالوا: كثير مثل الثرى، قال: فكيف المنعة؟ قالوا: لا منعة، جاورنا فارس فنحن لا نمنع منهم ولا نجير عليهم، قال: فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم وتستنكحوا نساءهم وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين وتحمدوه وثلاثا وثلاثين وتكبروه ثلاثا وثلاثين؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا رسول الله، ثم مر بهم أبو لهب فقالوا له هل تعرف هذا الرجل؟ قال نعم، فأخبروه بما دعاهم إليه، وأنه زعم أنه رسول الله ﷺ، فقال لهم: لا ترفعوا بقوله رأسا فإنه مجنون يهذي من أم رأسه، فقالوا: لقد رأينا ذلك حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر» .
وفي رواية أنه لما سألهم قالوا له: حتى يجيء شيخنا حارثة، فلما جاء قال:
إنا بيننا وبينك من الفرس حربا، فإذا فرغنا عما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما تقول، فلما التقوا مع الفرس قال شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إليه؟ قالوا محمد، قال: فهو شعاركم فنصروا على الفرس، فقال رسول الله ﷺ: بي نصروا، أي نصروا بذكرهم اسمي.
ولا زال ﷺ يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، ويقول «لا أكره أحدا على شيء، من رضي الذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد منعي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، فلم يقبله أحد من تلك القبائل، ويقولون: قوم الرجل أعلم به ترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه.
وعن ابن إسحاق لما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز نبيه، ﷺ، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم.
وفي سيرة مغلطاي ومستدرك الحاكم أن ذلك كان في شهر رجب يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم «فبينا هو عند العقبة التي تضاف إليها
[ ٢ / ٧ ]
الجمرة فيقال جمرة العقبة، أي وهي عند يسار الطريق لقاصد منى من مكة، وبها الآن مسجد يقال له مسجد البيعة، إذ لقي بها رهطا من الخزرج: أي لأن الأوس والخزرج كانوا يحجون فيمن يحج من العرب، أي والأوس في الأصل أي اللغة:
العطية، ويقال للذئب، ويقال لرجل اللهو واللعب. والخزرج في الأصل: الريح الباردة، قيل هي الجنوب خاصة وكانوا ستة نفر، وقيل ثمانية أراد الله تعالى بهم خيرا، وقد عد الستة في الأصل، وبين الناس اختلاف في ذكرهم، فقال لهم: من أنتم؛ قالوا نفر من الخزرج، فقال: أمن موالي يهود: أي من حلفاء يهود المدينة قريظة والنضير، لأنهم تحالفوا معهم على التناصر والتعاضد على من سواهم، وأن يأمن بعضهم من بعض، وهذا كان في أول أمرهم قبل أن تقوى شوكتهم على يهود قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه ﷺ، وفي لفظ «وجدهم يحلقون رؤوسهم فجلس إليهم فدعاهم إلى الله ﷿ وعرض عليهم الإسلام، أي ورأوا امارات الصدق عليه ﷺ لائحة، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله أنه للنبي الذي يوعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، لأن يهود كانوا إذا وقع بينهم وبينهم شيء من الشر قالوا لهم: سيبعث نبي قد أظل: أي قرب زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتلة عاد وإرم: أي كما تقدم في أخبار الأحبار، والمراد نستأصلكم بالقتل، فلما دعاهم إلى الإسلام أجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا له: إنا تركنا قومنا يعنون الأوس والخزرج بينهم من العداوة والشر ما بينهم، أي فإن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت بينهما الحروب، فمكثوا على المحاربة والمقاتلة أكثر من مائة سنة: أي مائة وعشرين كما في الكشاف، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
أقول: وفي رواية «قالوا يا رسول الله إنما كانت بعاث» أي بضم الموحدة ثم عين مهملة مخففة وفي آخره ثاء مثلثة، وقيل بفتح الموحدة وبدل المهملة معجمة، قيل وذكر المعجمة تصحيف. فعن ابن دريد: صحف الخليل بن أحمد يوم بغاث بالغين المعجمة، وإنما هو بالمهملة. وفي القاموس بالمهملة والمعجمة «عام أول يوم من أيامنا اقتتلنا به ونحن كذلك، لا يكون لنا عليك اجتماع حتى نرجع إلى غابرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك» وبعاث مكان قريب من المدينة على ليلتين منها عند بني قريظة، ويقال إنه حصن للأوس كان به القتال قبل قدومه ﷺ المدينة بخمس سنين بين الأوس والخزرج. وسيد الأوس ورئيسهم حينئذ حضير والد أسيد، وبه قتل مع من قتل من قومه، وكان النصر فيهم أولا للخزرج ثم صار للأوس.
[ ٢ / ٨ ]
وسبب القتل أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف، فقتل رجل من الأوس أي وهو سويد بن الصامت رجلا حليفا للخزرج: أي وهو ذياد والد المحذر بن ذياد، وذياد بالذال المعجمة، مكسورة ومفتوحة وتخفيف المثناة تحت، والمحذر بالذال المعجمة مشددة مفتوحة، فأرادوا أن يقتلوا سويدا فيه، فأبى عليه الأوس، وذلك لأن سويدا هذا كان تسميه قومه الكامل لشرفه، ونسبه وشعره وجلده، كان ابن خالة عبد المطلب لأن أمه أخت سلمى أم عبد المطلب، وكان قدم مكة حاجا أو معتمرا فتصدى له رسول الله حين سمع به لأنه ﷺ كان لا يسمع بقادم قدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى، فدعا سويدا إلى الله ﷿ إلى الإسلام، فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله ﷺ اعرضها عليّ فعرضها عليه فقال رسول الله ﷺ: إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله عليّ هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف وقدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج» .
وفي كلام بعضهم أنه آمن بالله ورسوله وسافر حتى دخل المدينة إلى قومه، فشعروا بإيمانه، فقتلته الخزرج بغتة وقيل القاتل له المحذر ولد ذياد الذي قتله سويد، لأن سويدا كان قد شرب الخمر وجلس يبول وهو ممتلىء سكرا، فضربه إنسان من الخزرج فخرج حتى أتى المحذر بن ذياد فقال: هل لك في الغنيمة الباردة؟
قال: ما هي، قال: سويد أعزل لا سلاح معه فخرج المحذر بالسيف مصلتا فلما أبصر سويدا قال له: قد أمكن الله منك، قال: ما تريد مني؟ قال: قتلك فقتله، فكان ذلك سبب الحرب بين الأوس والخزرج ببعاث، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد والمحذر بن ذياد وشهدا بدرا، فجعل الحارث بن سويد يطلب محذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه، حتى كان وقعة أحد قدر عليه فقتله غيلة كما سيأتي.
وممن قتل في هذه الحرب التي يقال لها بعاث شخص، يقال له إياس بن معاذ قدم مكة هو وشخص يقال له أبو الحيسر أنس بن رافع، مع جماعة من قومهم يلتمسون الحلف من قريش على قومهم الخزرج، فأتاهم رسول الله ﷺ فجلس إليهم وقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له، قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله، بعثني للعباد، وأدعوهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان صغيرا: أي قوم والله خير مما جئنا إليه، فأخذ أبو الحيسر حفنة من تراب فضرب بها وجه إياس وانتهره، وقال له: دعنا منك لقد جئنا لغير هذا، فسكت إياس وقام رسول الله ﷺ عنهم، فلما دنا
[ ٢ / ٩ ]
موت إياس صار يحمد الله ويسبحه ويهلله ويكبره حتى مات» والله أعلم. ثم انصرف أولئك الرهط من الخزرج راجعين إلى بلادهم.
قال وفي رواية «أنهم لما آمنوا به ﷺ وصدقوه قالوا له: إنا نشير عليك أن تمكث على رسلك: أي على حالك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك وندعوهم إلى الله ﷿ ورسوله ﷺ لعل الله يصلح ذات بينهم ونواعدك الموسم من العام المقبل؛ فرضي بذلك رسول الله ﷺ» . انتهى أي فلم يقع لهؤلاء الستة أو الثمانية مبايعة، ويسمى هذا ابتداء الإسلام للأنصار، وربما سماه بعضهم العقبة الأولى، فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا: أي عشرة من الخزرج واثنان من الأوس. وقيل: كانوا أحد عشر رجلا منهم خمسة من الستة أو الثمانية الذين اجتمعوا به ﷺ عند العقبة أولا، فاجتمع بهم ﷺ عند العقبة أيضا، فبايعهم: أي عاهدهم ﷺ، أي وسميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية، وتلا عليهم آية النساء: أي الآية التي نزلت بعد ذلك في شأن النساء يوم الفتح لما فرغ من مبايعة الرجال وأراد مبايعة النساء.
فعن عبادة بن الصامت «بايعنا رسول الله ﷺ» أي كبيعة النساء أي كمبايعته للنساء التي كانت يوم فتح مكة، وهي على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا» أي لأن قتل الأولاد كان سائغا فيهم، وهو وأد البنات قيل والبنين خوف الإملاق.
وفي النهر: كان جمهور العرب لا يئدون بناتهم، وكان بعض ربيعة ومضر يئدونهن: وهو دفنهن أحياء؛ فبعضهم يئد خوف العيلة والافتقار، وبعضهم خوف السبي، قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ [الممتحنة: الآية ١٢] أي الكذب الذي يبهت صاحبه سامعه يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ [الممتحنة: الآية ١٢] أي في الحال والاستقبال، قيل وغير ذلك، ولا نعصيه في معروف أي ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا.
قال الحافظ ابن حجر: المبايعة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نص بيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره عن أهل المغازي «أن النبي ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو ﷺ وأصحابه» ثم ذكر جملة من الأحاديث، وقال: هذه أدلة صريحة في أن هذه البيعة بعد نزول الآية بعد فتح مكة.
أقول: ليس في كلام عبادة أن هذه البيعة بيعة العقبة، إذ لم يقل بايعنا رسول لله ﷺ بيعة العقبة وإن كان السياق يقتضيه، وحينئذ فلا يحسن أن يكون كلام عبادة شاهدا لمن قال، وتلا عليهم آية النساء، فلا يحسن التفريع المتقدم، بل هو
[ ٢ / ١٠ ]
دليل على أن هذه المبايعة متأخرة عن يوم الفتح كما قال الحافظ، والله أعلم.
زاد بعضهم «والسمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم، ثم قال:
ومن وفى» بالتخفيف والتشديد: أي ثبت على العهد «فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو» أي العقاب «طهرة له، أو قال كفارة له» .
واستشكل بأن أبا هريرة روى أنه ﷺ قال «لا أدري، الحدود كفارة لأهلها أو لا» وإسلام أبي هريرة تأخر عن بيعة العقبة بسبع سنين كما سيأتي، فإنه كان عام خيبر سنة سبع.
ويجاب بأن هذه البيعة التي ذكرها عبادة ليست بيعة العقبة، بل بيعة غيرها وقعت بعد فتح مكة كما علمت.
وحينئذ يكون ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كان قبل أن يعلم ﷺ ذلك ثم علمه: أي أن الحدود كفارة، قال ﷺ «ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله ﷿، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» أي وكون الحدود كفارة وطهرة مخصوص بغير الشرك، فقتل المرتد لا يكون كفارة وطهرة له، لأن الله لا يغفر أن يشرك به.
وفي رواية «فإن رضيتم فلكم الجنة» وإن غشيتم، من ذلك شيئا فأصبتم بحد في الدنيا فهو كفارة لكم في الدنيا، وإن سترتم عليه فأمركم إلى الله، إن شاء عذب، وإن شاء غفر» أي وفي هذا ردّ على من قال بوجوب التعذيب لمن مات بلا توبة، وعلى من قال يكفر مرتكب الكبيرة.
«فلما انصرفوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم ابن أم مكتوم» واسمها عاتكة، واسمه عمرو، وقيل عبد الله، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
قال الشعبي: غزا رسول الله ﷺ ثلاث عشرة غزوة، ما فيها غزوة إلا واستخلف ابن أم مكتوم على المدينة، وكان يصلي بهم» وليس له رواية، ومصعب بن عمير رضي الله تعالى عنهما يعلمان من أسلم منهم القرآن ويعلمانهم:
أي من أراد أن يسلم الإسلام، ويفقهانهم في الدين، ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام، وهذا ما في أكثر الروايات؛ وهو يفيد أنه ﷺ بعث بهما معا، ويدل له ما روي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه «أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن» أي وفي رواية «أن رسول الله ﷺ بعث إليهم مصعبا حين كتبوا إليه يبعث إليهم» .
[ ٢ / ١١ ]
وفي رواية «ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ معاذ ابن عفراء ورافع بن مالك رضي الله تعالى عنهما أن أبعث إلينا رجلا من قبلك يفقهنا ويدعو الناس بكتاب الله» وفي رواية «كتبوا إليه ﷺ بذلك، فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وكان يقال له المقرىء، وهو أول من تسمى بهذا الاسم، وهذا يدل على أن مصعبا لم يكن معهم.
أقول: وقد يقال لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون كتبوا وأرسلوا إليه ﷺ بذلك عند خروجهم من مكة، وقبل أن ينصرفوا منها راجعين إلى المدينة، والاقتصار على مصعب لا ينافي ما تقدم من ذكر ابن أم مكتوم معه.
ثم رأيت ما يبعد الجمع الأول، وهو عن ابن إسحاق «أن رسول الله ﷺ إنما بعثه يعني مصعب بن عمير بعدهم» وإنما كتبوا إليه «إن الإسلام قد فشا فينا، فابعث إلينا رجلا من أصحابك يقرئنا القرآن ويفقهنا في الإسلام ويعلمنا بسنته وشرائعه ويؤمنا في صلاتنا، فبعث مصعب بن عمير» وما يبعد الجمع الثاني، وهو ما نقل عن الواقدي «أن ابن أم مكتوم قدم المدينة بعد بدر بيسير» . وفي كلام ابن قتيبة: وقدم ابن أم مكتوم المدينة مهاجرا بعد بدر بسنتين.
وقد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون كل من مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رجعا إلى مكة بعد مجيئهما مع القوم، وأن مكاتبتهم بأن الإسلام فشا فينا إلى آخره كانت وهم بالمدينة، فجاء إليهم مصعب وتخلف ابن أم مكتوم، فليتأمل ذلك، والله تعالى أعلم. وهذه المبايعة يقال لها العقبة الأولى لوجود تلك المبايعة عندها.
ولما قدم مصعب المدينة نزل على أبي امامة أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه دون بقية رفقته، وكان سالم مولى أبي حذيفة رضي الله تعالى عنه يؤمّ المهاجرين بقباء قبل أن يقدم رسول الله ﷺ، وكان مصعب يؤمّ القوم: أي الأوس والخزرج، لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وجمع بهم أول جمعة جمعت في الإسلام قبل قدومه ﷺ، المدينة وقبل نزول سورة الجمعة الآمرة بها فإنها مدنية.
وقال الشيخ أبو حامد: فرضت الجمعة بمكة ولم يتمكن من فعلها. قال الحافظ ابن حجر: وهو غريب، أي وعلى صحته فهو ما تقدم حكمه على تلاوته.
وعند ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة وكانوا أربعين رجلا: أي فعن كعب بن مالك قال: أول من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي ﷺ في نقيع الخضمان، والنقيع بالنون قيل أو بالباء الموحدة، لكن قال الخطابي: إنه خطأ، والخضمان: جمع خضمة: وهي الماشية التي تخضم أي تأكل بفمها كله مما في ذلك المحل من الكلأ: وهو اسم لقرية من قرى المدينة، قال: وكنا أربعين رجلا: أي ولا مخالفة، لأن مصعب بن عمير كان عند أبي أمامة
[ ٢ / ١٢ ]
أسعد بن زرارة كما علمت فكان هو المعاون على الجمع، وكان الخطيب والمصلي مصعب بن عمير، فنسب الجمع لكل منهما، أي ويكون ما في الرواية الآتية من أن أسعد بن زرارة هو الذي صلى بهم على التجوز: أي جمعهم على الصلاة، ويؤيده ما تقدم من أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وأيضا المأمور بالتجميع مصعب بن عمير كما سيأتي.
قال السهيلي: وتسميتهم: أي الأنصار إياها بهذا الاسم: أي تسميتهم اليوم بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه هداية من الله تعالى لهم، وإلا فكانت تسمى في الجاهلية العروبة: أي يسمى ذلك اليوم بيوم العروبة: أي الرحمة. وقال ﵊ في حق ذلك اليوم «إنه اليوم الذي فرض عليهم» أي على اليهود والنصارى أي طلب منهم تعظيمه والتفرغ للعبادة فيه كما فرض علينا «أضلته اليهود والنصارى، وهداكم الله تعالى له» أي إن كلا من اليهود والنصارى أمر بذلك اليوم يعظمون فيه الحق ﷾ ويتفرغون فيه لعبادته، واختار اليهود من قبل أنفسهم بدله السبت لأنهم يزعمون أنه اليوم السابع الذي استراح فيه الحق ﷾ من خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات، أي بناء على أن أول الأسبوع الأحد، وأنه مبدأ الخلق. قال بعضهم: وهو الراجح.
وفي كلام بعضهم: أول الأسبوع الأحد لغة، وأوله السبت عرفا: أي في عرف الفقهاء في الإيمان ونحوها. ويؤيد الأول أن السبت مأخوذ من السبات وهي الراحة، قال تعالى وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) [النّبإ: الآية ٩] أي راحة ظنا منهم أنه أولى بالتعظيم لهذه الفضيلة.
واختارت النصارى من قبل أنفسهم بدل يوم الجمعة يوم الأحد، أي بناء على أنه أول يوم ابتدأ الله فيه بإيجاد المخلوقات ظنا منهم أنه أولى بالتعظيم لهذه الفضيلة.
وحينئذ يكون معنى قوله أضلوه: تركوه مع علمهم به، ويؤيد ذلك ما جاء «إن الله تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم، وهدى الله تعالى المسلمين ليوم الجمعة» أي وهداية المسلمين له تدل على أنهم لم يعلموا عينه، وإنما اجتهدوا فيه فصادفوه.
وفي «سفر السعادة»: كان من عوائده الكريمة ﷺ أن يعظم يوم الجمعة غاية التعظيم، ويخصه بأنواع التشريف والتكريم.
وجاء «إن أهل الجنة يتباشرون في الجنة بيوم الجمعة كما تتباشر به أهل الدنيا في الدنيا واسمه عندهم يوم المزيد» كما تقدم «لأن الله تعالى يتجلى عليهم في ذلك اليوم، ويعطيهم كل ما يتمنونه ويقول لهم: لكم ما تمنيتم ولدينا مزيد» فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير.
[ ٢ / ١٣ ]
وقد جاء في المرفوع «يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله تعالى، فهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان» .
والذي في البخاري «ثم هذا» أي يوم الجمعة «يومهم الذي فرض عليهم: أي على اليهود والنصارى، فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» وقوله فاختلفوا فيه يدل على أنهم لم يعلموا عينه، ويوافقه ما نقل عن بعض أهل العلم أن اليهود أمروا بيوم من الأسبوع يعظمون الله تعالى فيه ويتفرغون لعبادته، فاختاروا من قبل أنفسهم السبت فأكرموه في شرعهم، وكذلك النصارى أمروا على لسان عيسى بيوم من الأسبوع، فاختاروا من قبل أنفسهم الأحد، فالتزموه شرعا لهم، وهو يخالف ما سبق فليتأمل.
قال بعضهم: والراجح أن أول الأسبوع السبت، لأنه أول يوم ابتدىء فيه بإيجاد المخلوقات، فقد جاء في الصحيح «إن الله خلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء» كذا في مسلم. وعليه يشكل تسمية اليوم الذي يليه الأحد. وأجيب بأنه من تسمية اليهود، وتبعهم غيرهم.
وقد ذكر السهيلي أن تسمية هذه الأيام طارئة؛ ولو كان الله ﷾ سماها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد لقلنا هي تسمية صادقة، لكن لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت، وإنهما ليسا مشتقين من العدد هذا كلامه.
وردّ بأنه جاء «إن الله تعالى خلق يوما فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس» .
وأجاب ابن حجر الهيتمي بأن هذه: أي التسمية المذكورة لم تثبت، وأن العرب تسمى خامس الورد أربعاء، هذا كلامه، فيكون أول الأسبوع السبت.
ثم رأيت السهيلي قال: لم يسمها رسول الله ﷺ بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيا للغة قومه لا مبتدئا تسميتها، ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعا لهم، هذا كلامه فليتأمل.
وفي السبعيات للهمداني: أكرم الله موسى ﵊ بالسبت، وعيسى بالأحد، وداود بالاثنين، وسليمان بالثلاثاء، ويعقوب بالأربعاء، وآدم بالخميس، ومحمدا ﷺ بالجمعة، وهذا يدل على أن اليهود لم يختاروا يوم السبت والنصارى يوم الأحد من عند أنفسهم فليتأمل الجمع.
[ ٢ / ١٤ ]
وقد «سئل ﷺ عن يوم السبت؟ قال: يوم مكر وخديعة» أي وقع فيه المكر والخديعة، لأي لأنه اليوم الذي اجتمعت فيه قريش في دار الندوة، للاستشارة في أمره ﷺ «وسئل عن يوم الأحد؟ فقال: يوم غرس وعمارة» لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا وعمارتها. وفي رواية لأن الجنة بنيت فيه وغرست «وسئل عن يوم الاثنين، فقال: يوم سفر وتجارة» لأن فيه سافر شعيب فربح في تجارته. «وسئل عن يوم الثلاثاء؟ فقال: يوم دم» لأن فيه حاضت حواء وقتل ابن آدم أخاه.
وذكر الهمداني في السبعيات أيضا أنه قتل فيه سبعة: جرجيس، وزكريا، ويحيى ولده عليهم الصلاة والسلام، وسحرة فرعون، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وبقرة بني إسرائيل، وهابيل بن آدم، وبين قصة كل واحد.
أي ومن ثم نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة يوم الثلاثاء أشد النهي وقال «فيه ساعة لا يرقأ فيها الدم، وفيه نزل إبليس إلى الأرض، وفيه خلقت جهنم، وفيه سلط الله ملك الموت على أرواح بني آدم، وفيه ابتلي أيوب» وفي بعض الروايات أن اليوم الذي ابتلى الله فيه أيوب يوم الأربعاء.
وسئل «عن يوم الأربعاء؟ قال: يوم نحس» لأن فيه أغرق فرعون وقومه، وأهلك فيه عاد وثمود وقوم صالح، أي ومن ثم كان يسمى في الجاهلية دبار، والدبار الملهى لكن الذي في الحديث الموقوف على ابن عباس الذي لا يقال من قبل الرأي «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر» وجاء «يوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء» .
وذكر الزمخشري أن بعضهم قال لأخيه اخرج معي في حاجة فقال: هذا الأربعاء، قال: فيه ولد يونس، قال لا جرم قد بانت له بركته: أي حيث ابتلعه الحوت؛ قال: وفيه ولد يوسف، قال: فما أحسن ما فعل به إخوته! طال حبسه وغربته، قال: وفيه نصر المصطفى ﷺ يوم الأحزاب، قال: أجل، ولكن بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.
وورد في بعض الآثار النهي عن قص الأظفار يوم الأربعاء وأنه يورث البرص.
وعن ابن الحاج صاحب المدخل أنه همّ بقص أظفاره يوم الأربعاء، فتذكر ذلك فترك، ثم رأى أن قص الأظفار سنة حاضرة ولم يصح عنده النهي فقصها فلحقه البرص فرأى النبي ﷺ في النوم، فقال له ألم تسمع نهي عن ذلك؟ فقال: يا رسول الله لم يصح ذلك عندي، فقال: يكفيك أن تسمع، ثم مسح ﷺ بيده على بدنه فزال البرص جميعا. قال ابن الحاج، فجددت مع الله توبة أني لا أخالف ما سمعت عن رسول الله ﷺ أبدا.
[ ٢ / ١٥ ]
وجاء في حديث أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا، وخرجه الحاكم من طريقين آخرين «لا يبدو جذام ولا مرض إلا يوم الأربعاء» وكره بعضهم عيادة المريض يوم الأربعاء.
وفي منهاج الحليمي وشعب الإيمان للبيهقي «إن الدعاء مستجاب يوم الأربعاء بعد الزوال قبل وقت العصر» لأنه ﷺ أستجيب له الدعاء على الأحزاب في ذلك اليوم في ذلك الوقت. وكان جابر يتحرى ذلك بالدعاء في مهماته، وذكر أنه ما بدىء بشيء يوم الأربعاء إلا وتمّ، فينبغي البداءة بنحو التدريس فيه.
«وسئل عن يوم الخميس؟ فقال: يوم قضاء الحوائج» لأن فيه دخل إبراهيم الخليل على ملك مصر فقضى حاجته وأعطاه هاجر، ومن ثم زاد في رواية «والدخول على السلطان» . «وسئل عن يوم الجمعة؟ فقال: يوم نكاح نكح فيه آدم حواء، ويوسف زليخا، وموسى بنت شعيب، وسليمان بلقيس» أي ونكح فيه ﷺ خديجة وعائشة.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أذن النبي ﷺ لهم قبل الهجرة» أي قبل أن يهاجر ﷺ «في إقامة الجمعة» أي فلم يفعلوها باجتهاد، بل بإذنه ﷺ. وكتب إلى مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه «أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم أي اليوم الذي يليه يوم السبت، فأجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره فتقربوا إلى الله بركعتين، فجمع مصعب بن عمير عند الزوال: أي صلى الجمعة حتى قدم رسول الله ﷺ: أي استمر على ذلك حتى قدم النبي ﷺ.
وهذا يدل على أنه ﷺ عين لهم ذلك اليوم، وهو خلاف قوله السابق «فهداكم الله له» الظاهر في أن هدايتهم له باجتهاد منهم.
ويدل له ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح «أن الأنصار قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك، فهلمّ فلنجعل يوما نجتمع فيه، فنذكر الله ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة» أي لأنه اليوم الذي وقع فيه خلق آدم الذي هو مبدأ هذا الجنس، وجعل فيه فناء الخلق وانقضاءهم إذ فيه تقوم الساعة، ففيه المبدأ والمعاد إذ هو المرويّ عن ابن عباس، يقتضي أن الأنصار اختاروه باجتهاد منهم. إلا أن يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون هذا العزم على ذلك حصل منهم أوّلا ثم أرسلوا له ﷺ يستأذنونه في ذلك فأذن لهم فيه، فقد جاء الوحي موافقة لما اختاروه.
وفيه أنه لو كان كذلك لقال ﷺ لمصعب بن عمير افعلوا ذلك ولم يقل له انظروا إلى اليوم إلى آخره. إلا أن يقال: يجوز أنهم لما استأذنوه ﷺ في الاجتماع لم يعينوا له اليوم فبينه ﷺ لهم. وتقدم عن الشيخ أبي حامد أن الجمعة أمر بها ﷺ
[ ٢ / ١٦ ]
وهو بمكة، وتركها لعدم التمكن من فعلها، وتقدم عن الحافظ ابن حجر أنه غريب، ويؤيده أنه لو كان أمر بها ﷺ وهو بمكة وتركها لعدم التمكن من فعلها لأمر بها مصعب بن عمير عند إرساله للمدينة ولم يأمره بها إلا بعد ذلك. إلا أن يقال: إنما لم يأمره بها حينئذ، لأنه يجوز أن يكون إنما أمر بها بعد ذهاب مصعب إلى المدينة، أو أنه إنما لم يأمره بذلك لأن لإقامتها شروطا منها العدد وهو عند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أربعون بشروط ولم يكن ذلك موجودا عند إرساله ﷺ، ومن ثم لما علم ﷺ وجود العدد المذكور أرسل له يأمره بذلك في قوله: أما بعد فانظر اليوم الخ.
ثم لا يخفى أن ظاهر سياق الروايات يدل على أن الذي هداهم الله إليه إنما هو إيقاع العبادة في هذا اليوم لا تسميته بيوم الجمعة كما تقدم عن السهيلي، على أن تسميتهم له بذلك لم أقف عليها في رواية.
على أن السهيلي ذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ سماها يوم الجمعة لما أرسل لمصعب بن عمير أن يفعلها كما تقدم في الإسراء، وذكر أيضا أن كعب بن لؤيّ أول من سمى يوم العروبة الجمعة.
وقد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون الأنصار ومن معهم من المهاجرين لم يبلغهم ما ذكر عن كعب بن لؤيّ إن ثبت أنهم سموها بهذا الاسم اجتهادا منهم.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أنه سأل رسول الله ﷺ عن سبب تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة، فقال: لأن فيها جمعت طينة أبيك آدم» وقدمنا أنه لا مخالفة بين ما هنا وما تقدم في الإسراء والله أعلم.
وأسلم سعد بن معاذ وابن عمه أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما على يد مصعب بن عمير، وكان إسلام أسيد قبل سعد في يومه.
فعن ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه خرج بمصعب بن عمير إلى حائط: أي بستان من حوائط بني ظفر، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما: أي بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبالك، انطلق بنا إلى هذين الرجلين؛ يعني أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير اللذين أتيا دارينا تثنية دار، وهي المحلة، والمراد قبيلتنا وعشيرتنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما: أي وفي لفظ قال له: ائت أسعد بن زرارة فازجره عنا فليكف عنا ما نكره، فإنه بلغني أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب يسفه سفهاءنا وضعفاءنا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث علمت لكفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما، فأخذ
[ ٢ / ١٧ ]
أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق الله فيه، ثم قال مصعب: إن يجلس هذا كلمته. قال: فوقف عليهما متشمتا، قال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟
اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، وفي لفظ قال: يا أسعد ما لنا ولك؟ تأتينا بهذا الرجل الغريب تسفه به سفهاءنا وضعفاءنا.
وفي رواية: علام أتيتنا في دورنا بهذا الرجل الوحيد الغريب الطريد يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه. فقال له مصعب: أو تجلس بفتح الواو استفهاما فتسمع بالنصب في جواب الاستفهام، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره: أي منعنا عنك ما تكره، قال أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليها، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقال: ما أحسن هذا وأجمله بالنصب على التعجب، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل وتتطهر وتغسل ثوبك ثم تشهد بشهادة الحق ثم تصلي، فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد بشهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين: أي وهما صلاة التوبة.
فقد روى أصحاب السنن، وقال الترمذي حديث حسن أنه ﷺ قال «ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله ﷿ إلا غفر له» ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، وهو سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك: أي ينقضوا عهدك، فقام سعد مغضبا مبادرا فأخذ الحربة من يده وقال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما، ولما أقبل سعد قال أسعد لمصعب: لقد جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت مني هذا، هذا يغشانا في دارنا بما نكره، فقال له مصعب: أو تقعد تسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهت عزلنا عنك ما تكره، فقال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وعرض عليه القرآن، فقال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ فقال: تغتسل وتتطهر وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تركع ركعتين،
[ ٢ / ١٨ ]
فقام سعد فاغتسل وطهر ثوبه ثم شهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه، ومعه: أي مع ذلك النادي أسيد بن حضير. فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا وأبركنا نقيبة أي نفسا وأمرا؛ قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فو الله ما أمسي في دار: أي قبيلة بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة فأسلموا في يوم واحد كلهم، وكان ذلك بعد العقبة الأولى وقبل العقبة الثانية، إلا ما كان من الأصيرم وهو عمرو بن ثابت من بني عبد الأشهل فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد، ولم يسجد لله سجدة، وأخبره ﷺ أنه من أهل الجنة.
أي وفي كلام ابن الجوزي: أول دار أي قبيلة أسلمت من دور الأنصار دار بني عبد الأشهل، ثم رجع مصعب إلى دار أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور من الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من سكان عوالي المدينة: أي قراها من جهة نجد، قال:
وفي كلام بعضهم إلا جماعة من الأوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس وهو صيفي بن الأسلت، وكان شاعرا لهم يسمعون منه ويطيعونه، لأنه كان قوّالا بالحق معظما؛ وقد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، واغتسل من الجنابة، ودخل بيتا فاتخذه مسجدا وقال: أعبد إله إبراهيم لا يدخل فيه حائض ولا جنب، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق فأسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير اهـ أي سبب تأخر إسلامه ما ذكره بعضهم أنه لما أراد الإسلام عند قدومه ﷺ المدينة لقيه أبي ابن سلول وكلمه بما أغضبه ونفره عن الإسلام وقال أبو قيس: لا أتبعه إلا آخر الناس، فلما احتضر أرسل إليه رسول الله ﷺ أن قل: لا إله إلا الله أشفع لك بها، فقالها وهمّ ابنه أن ينكح امرأة أبيه، أي على ما هو عادة الجاهلية، أي وكان ذلك في المدينة حتى في أول الإسلام أنّ أكبر أولاد الرجل يخلفه على زوجته بعد موته فنزل التحريم: أي قوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [النساء: الآية ٢٢] وتقدم الكلام على سبب نزول هذه الآية مستوفى.
ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة مع من خرج من المسلمين من الأنصار إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، أي وأخبر النبي ﷺ بمن أسلم، فسرّ بذلك.
وعن كعب بن مالك قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ومعنا
[ ٢ / ١٩ ]
البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا، والبراء بالمد لغة: آخر ليلة من الشهر، سمي بذلك لأنه ولد فيها. ومعرور: معناه لغة: مقصود، فلما خرجنا من المدينة قال البراء لنا:
إني قد رأيت رأيا ما أدري أتوافقوني عليه أم لا، قال: قلنا وما ذاك؟ قال: رأيت أن لا أدع هذه البنية أي بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد المثناة تحت المفتوحة ثم تاء التأنيث على وزن فعيلة يعني الكعبة مني بظهر، وأن أصلي إليها، قال: قلنا والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام: يعنون بيت المقدس: أي صخرته، وما نريد أن نخالفه قال: فقال: إني أصلي إليها، قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل، قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام يعني بيت المقدس: أي واستدبرنا الكعبة، وصلى إلى الكعبة أي مستدبرا للشام حتى قدمنا مكة وقد كنا عبنا عليه ذلك وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قدمنا مكة قال لي: يا بن أخي انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه، لأنا لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله ﷺ فقال: تعرفانه؟
قلنا لا، قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا نعم، وكنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا، قال: فإذا دخلتما المسجد، فإذا هو الرجل الجالس مع العباس، فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ معه، فسلمنا حين جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال كعب:
فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ الشاعر؟ قال نعم، فقال له البراء بن معرور: يا رسول الله إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله بالإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر: يعني الكعبة، فصليت إليها، وخالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها، فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ وهي بيت المقدس: أي ولم يأمره بإعادة ما صلاه مع أنه كان مسلما؛ وبين له أنه كان الواجب عليه استقبال بيت المقدس، لأنه كان متأوّلا فليتأمل.
وفي هذا تصريح بأنه ﷺ وأصحابه كانوا بمكة قبل الهجرة وبعدها يصلون إلى بيت المقدس قبل أن تحوّل القبلة، وقد تقدم الوعد بذلك.
قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة: أي إلى أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفل العقبة حيث المسجد اليوم، أي الذي يقال له مسجد البيعة كما تقدم، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا، وذلك في ليلة اليوم الذي هو يوم النفر الأول، قال: فلما فرغنا من الحج وكانت
[ ٢ / ٢٠ ]
الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، وكان من جملة المشركين أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح الحاء والراء المهملتين، سيد من ساداتنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ فشهد معنا العقبة، فمكثنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ، أي بعد هدأة، يتسلل الرجل والرجلان تسلل القطا مستخفين، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان: نسيبة بالتصغير، وهي أم عمارة من بني النجار، أي وكانت تشهد الحرب مع رسول الله ﷺ هي وزوجها وابناها حبيب وعبد الله رضي الله تعالى عنهم. وحبيب هذا اكتنفه مسيلمة الكذاب وصار يعذبه يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله فيقول نعم، ثم يقول: وتشهد، أني رسول الله، فيقول لا، فيقطع عضوا من أعضائه وهكذا حتى فنيت أعضاؤه ومات، وسيأتي ما وقع لها رضي الله تعالى عنها في حرب مسيلمة.
وأم منيع: أي وهذه الرواية لا تخالف رواية الحاكم خمسة وسبعون نفسا، نعم تخالف قول ابن مسعود وهم سبعون رجلا يزيدون رجلا أو رجلين وامرأتان: أي منهم أحد عشر رجلا من الأوس، قال: فلا زلنا ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا. أي وفي رواية «أن رسول الله ﷺ سبقهم وانتظرهم» .
أقول: وقد يقال لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون سبقهم وانتظرهم، فلما لم يجيؤوا ذهب، ثم جاءهم بعد مجيئهم- والله أعلم- ومعه عمه العباس بن عبد المطلب: أي ليس معه غيره، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق به.
أقول: وهذا لا يخالف ما جاء أنه كان معه أيضا أبو بكر وعليّ لأن العباس أوقف عليا على فم الشعب عينا له، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا، فلم يكن معه عندهم إلا العباس والله أعلم، فلما جلسوا كان العباس أول من تكلم، فقال: يا معشر الخزرج أي قال ذلك، لأن العرب كانت تطلق الخزرج على ما يشمل الأوس، وكانت تغلب الخزرج على الأوس فيقولون الخزرجين إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له، بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن تدعونه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، فقال البراء بن معرور: إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه،
[ ٢ / ٢١ ]
ولكنا نريد الوفاء والصدق، وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله ﷺ: أي والبراء بن معرور هو أول من أوصى بثلث ماله.
وفي رواية أن العباس قال: قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فأروا رأيكم وائتمروا بينكم، ولا تفرقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه.
أقول: قول العباس قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، ربما يفيد أن الناس غير الأنصار وافقوه على مناصرته فأباهم، ولا يساعد عليه ما تقدم، ولولا التأكيد بلفظ كلهم لأمكن أن يراد بالناس قبيلة شيبان بن ثعلبة، فإنهم كما تقدم قالوا له: ننصرك بما يلي مياه العرب دون ما يلي مياه كسرى فأبى ذلك. ويحتمل أن المراد بالناس الذين أباهم أهله وعشيرته والله أعلم.
وعندما تكلم العباس بما ذكر، قالوا له: قد سمعنا مقالتك، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. وفي رواية: خذ لنفسك ما شئت، واشترط لربك ما شئت، فقال النبي ﷺ: أشترط لربي ﷿ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ونساءكم، فقال ابن رواحة: فإذا فعلنا فما لنا؟ فقال ﷺ: لكم الجنة، قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل.
وفي رواية: «فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله ﷿ ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» أي وفي رواية «أنهم قالوا له: يا رسول الله نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فأخذ البراء بن معرور بيده ﷺ، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا أي نساءنا وأنفسنا» لأن العرب تكنى بالإزار عن المرأة وعن النفس «فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة» أي السلاح «ورثناها كابرا عن كابر، وبينا البراء يكلم رسول الله ﷺ قال أبو الهيثم بن التيهان» بتشديد المثناة تحت وتخفيفها «نقبله على مصيبة المال وقتل الأشراف، فقال العباس: اخفوا جرسكم: أي صوتكم، فإن علينا عيونا، ثم قال أبو الهيثم: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال؛ يعني اليهود حبالا أي عهودا، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم، بفتح الدال وسكونها: إهدار دم القتيل: أي دمي دمكم: أي تطلبون بدمي وأطلب بدمكم،
[ ٢ / ٢٢ ]
فدمي ودمكم واحد» وفي لفظ بدل الدم «اللدم» وهو بالتحريك: الحرم من القرابات:
أي حرمي حرمكم. تقول العرب: اللدم اللدم، إذا أرادت تأكيد المحالفة هدمي وهدمكم واحد، أي وإذا أهدرتم الدم أهدرته «وذمتي ذمتكم، ورحلتي مع رحلتكم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» أي وعند ذلك قال لهم العباس رضي الله تعالى عنه «عليكم بما ذكرتم ذمة الله مع ذمتكم وعهد الله مع عهدكم في هذا الشهر الحرام والبلد الحرام، يد الله فوق أيديكم لتجدّن في نصرته ولتشدن من أزره، قالوا جميعا نعم، قال العباس: اللهم إنك سامع شاهد، وإن ابن أخي قد استرعاهم ذمته واستحفظهم نفسه، اللهم كن لابن أخي عليهم شهيدا. ثم قال رسول الله ﷺ: أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس» أي وفي رواية «أنه ﷺ قال لهم: إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، فلا يحدث أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل» أي لأنه ﵊ حضر البيعة «فلما تخيرهم أي وهم سعد بن عبادة، وأسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وسعد بن أبي خيثمة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، والبراء بن معرور، وأبو الهيثم بن التيهان، وأسيد بن حضير، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، ورافع بن مالك، كل واحد على قبيلة» رضي الله تعالى عنهم أجمعين. «وقال ﷺ لأولئك النقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي يعني المهاجرين» .
وقيل إن الذي تولى الكلام من الأنصار وشد العقدة لرسول الله ﷺ أسعد بن زرارة: أي وهو من أصغرهم «فإنه أخذ بيد النبي ﷺ وقال: رويدا يا أهل يثرب إنا لن نضرب، إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ، وإن إخراجه اليوم مفارقة لجميع العرب، وقتل خياركم، وإن تعطكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ومفارقة العرب كافة: أي جميعا، فخذوه وأجركم على الله تعالى، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو عذر لكم عند الله ﷿، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فو الله لا نذر: أي نترك هذه البيعة ولا نستقيلها: أي لا نطلب الإقالة منها.
وقيل إن الذي تكلم مع الأنصار وشدّ العقدة العباس بن عبادة بن نضلة، قال:
يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس: أي على من حاربه منهم، وإلا فهو ﷺ لم يؤذن له في البداءة بالمحاربة إلا بعد أن هاجر إلى المدينة بمدة كما سيأتي، وكان قبل ذلك مأمورا بالدعاء إلى الله تعالى والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، ثم ذكر ما
[ ٢ / ٢٣ ]
تقدم عن أسعد بن زرارة أي ثم توافقوا على ذلك وقالوا: يا رسول الله ما لنا بذلك إن نحن قضينا؟ قال: «رضوان الله والجنة» . قالوا: رضينا، ابسط يدك فبسط يده ﷺ فبايعوه، أي وأول من بايعه ﷺ البراء بن معرور، وقيل أسعد بن زرارة، وقيل أبو الهيثم بن التيهان، ثم بايعه السبعون كلهم، أي وبايعه المرأتان المذكورتان من غير مصافحة، «لأنه ﷺ كان لا يصافح النساء إنما كان يأخذ عليهن، فإذا أحرزن قال: اذهبن فقد بايعتكن» كما سيأتي، فكانت هذه البيعة على حرب الأسود والأحمر أي العرب والعجم، فهؤلاء الثلاثة لم يتقدم عليهم أحد غيرهم، وحينئذ تكون الأولية فيهم حقيقية واضافية.
أي ويقال: إن أبا الهيثم قال: أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر نقيبا من بني إسرائيل موسى بن عمران ﵊، وأن عبد الله بن رواحة قال: أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر من الحواريين عيسى ابن مريم ﵊، وقال أسعد بن زرارة: أبايع الله ﷿ يا رسول الله، فأبايعك على أن أتمّ عهدي بوفائي وأصدق قولي بفعلي في نصرك، وقال النعمان بن حارثة: أبايع الله ﷿ يا رسول الله، وأبايعك على الإقدام في أمر الله ﷿، لا أرأف فيه القريب ولا البعيد أي لا أعامل فيه بالرأفة والرحمة. وقال عبادة بن الصامت: أبايعك يا رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم، وقال سعد بن الربيع: أبايع الله وأبايعك يا رسول الله على أن لا أعصي لكما أمرا ولا أكذبكما حديثا، فلما انتهت البيعة، وهذه البيعة يقال لها العقبة الثانية، ولما وقعت صرخ الشيطان من رأس العقبة بأشد صوت وأبعده: يا أهل الجباجب: أي بجيمين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبعد كل جيم باء موحدة: وهي منازل منى. وفي الهدى: يا أهل الأخاشب هل لكم في مذمم والصباة معه، يعني بمذمم النبي ﷺ، لأن قريشا كانت تقول بدل محمد ﷺ مذمم، ويعني بالصباة أصحابه الذين بايعوه، لأنهم كانوا يقولون لمن أسلم صابىء، لأن الصابىء من خرج من دين إلى دين، وقد جاء «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يسبون مذمما وأنا محمد، فإنهم قد أجمعوا» أي عزموا على حربكم «فقال رسول الله ﷺ هذا إزب العقبة أسمع، أي عدو الله، أما والله لا أفزعن» وإزب بكسر الهمزة وإسكان الزاي ثم بالباء الموحدة الخفيفة، وقيل بفتح الهمزة وفتح الزاي وتشديد الموحدة: أي شيطان سمي بهذا الاسم المركب من المضاف والمضاف إليه عامرها. والإزب في الأصل: القصير، ومن ثم رأى عبد الله بن الزبير رجلا طوله شبران على برذعة رحله، فقال له: ما أنت؟ قال إزب، قال. وما إزب؟ قال: رجل من الجن، فضربه على رأسه بعود سوطة فهرب.
[ ٢ / ٢٤ ]
«وعند ذلك قال لهم رسول الله ﷺ: ارفضّوا» وفي لفظ «انفضوا إلى رحالكم» .
أقول: وفي رواية «لما بايع الأنصار بالعقبة صاح الشيطان من رأس الجبل: يا معشر قريش هذه بنو الأوس والخزرج تحالف على قتالكم، ففزعوا: أي الأنصار عند ذلك، فقال رسول الله ﷺ: لا يروعكم هذا الصوت، فإنما هو عدوّ الله إبليس وليس يسمعه أحد مما تخافون» .
ولا مانع من اجتماع صراخ إزب العقبة وصراخ إبليس الذي هو أبو الجن.
ويجوز أن يكون المراد بعدو الله إبليس إزب العقبة، لأنه من الأبالسة وإنه أتى باللفظين معا، وقد حضر البيعة جبريل كما تقدم.
فعن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه «لما فرغوا من المبايعة قلت: يا نبي الله، لقد رأيت رجلا عليه ثياب بيض أنكرته قائما على يمينك قال: وقد رأيته؟
قلت: نعم، قال: ذاك جبريل» والله أعلم.
ثم إن الحديث نما وسمع المشركون من قريش بذلك: أي وفي كتاب الشريعة أن الشيطان لما نادى بما ذكر شبه صوته بصوت منبه بن الحجاج، فنال عمرو بن العاص ما نال أبو جهل، قال عمرو: ذهبت أنا وهو إلى عتبة بن ربيعة فأخبره بصوت منبه بن الحجاج فلم يرعه ما راعنا، وقال: هل أتاكم فأخبركم بهذا منبه؟ قلنا لا، فقال: لعله إبليس الكذاب الحديث. وفيه طول وأمور مستغربة.
ولا ينافي سماع عمرو وأبي جهل صوت إبليس قوله ﷺ «ليس يسمعه أحد مما تخافون» لأن سماعهما لم يحصل منه خوف لهم «وعند فشوّ الخبر جاء أجلتهم وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار، فقالوا يا معشر الأوس والخزرج، وفي رواية:
يا معشر الخزرج أي بالتغليب بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا، والله ما من حي أبغض إلينا أن نشب الحرب بيننا وبينه منكم، فصار مشركو الأوس والخزرج يحلفون لهم ما كان من هذا شيء وما علمناه:
أي حتى أن أبيّ ابن سلول جعل يقول هذا باطل، وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا عليّ بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني» وصدقوا لأنهم لم يعلموه كما علم مما تقدم: أي ونفر الناس من منى وبحثت قريش عن خبر الأنصار فوجدوه حقا، فلما تحققوا الخبر اقتفوا آثارهم فلم يدركوا إلا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، فأما سعد فأمسك وعذب في الله، وأما المنذر فأفلت ثم أنقذ الله سعدا من أيدي المشركين، قال: نقل عنه أنه قال: لما ظفروا بي ربطوا يدي في عنقي، فلا زالوا يلطموني على وجهي ويجذبوني بجمتي: أي وكان ذا شعر كثير حتى أدخلوني مكة، فأومأ إليّ رجل أي وهو أبو البختري بن هشام، مات كافرا وقال: ويحك ما بينك وبين أحد من قريش، جوار ولا عهد، قال: بلى، قد كنت
[ ٢ / ٢٥ ]
أجير لجبير بن مطعم تجارة، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية: أي وهو أخو أبي سفيان، والأول أسلم بعد الحديبية، والثاني لا يعلم له إسلام، فقال: ويحك فاهتف باسم الرجلين، ففعلت، فخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد، فقال لهما إن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح يهتف باسمكما، فقالا: من هو؟ قال: يقول إنه سعد بن عبادة، فجاآ فخلصاني من أيديهم اهـ.
وعن سعد: بينا أنا مع القوم أضرب إذ طلع عليّ رجل أبيض وضيء شعشاع:
أي طويل زائد الحسن حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا مني رفع يديه ولكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي والله ما عندهم بعد هذا خير، أي وهذا الرجل سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه؛ فإنه أسلم بعد ذلك.
فلما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام، أي إظهارا كليا وتجاهروا، وإلا فقد تقدم أن الإسلام فشا فيهم قبل قدومهم لهذه البيعة، وكان عمرو بن الجموح وهو من سادات بني سلمة بكسر اللام وأشرافهم ولم يكن أسلم، وكان ممن أسلم ولده معاذ بن عمرو وكان لعمرو في داره صنم أي من خشب يقال له المناة لأن الدماء كانت تمنى: أي تصب عنده تقرّبا إليه، وكان يعظمه، فكان فتيان قومه ممن أسلم كمعاذ بن جبل وولده عمرو بن معاذ ومعاذ بن عمرو، يدلجون بالليل على ذلك الصنم فيطرحونه أي ولعله بعد إخراجه من داره في بعض الحفر التي فيها خرء الناس منكسا، فإذا أصبح عمرو قال: ويحكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يعود يلتمسه؛ حتى إذا وجده غسله، فإذا أمسى عدوا عليه وفعلوا به مثل ذلك، إلى أن غسله وطيبه وحماه بسيف علقه في عنقه، ثم قال له: ما أعلم من يصنع بك، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسى عدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها خرء الناس، فلما أصبح عمرو غدا إليه فلم يجده، ثم تطلبه إلى أن وجده في تلك البئر، فلما رآه كذلك رجع إلى عقله، وكلمه من أسلم من قومه، فأسلم وحسن إسلامه، وأنشد أبياتا منها:
والله لو كنت إلها لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن
أي حبل.
«وأمر ﷺ من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، أي لأن قريشا لما علمت أنه ﷺ آوى: أي استند إلى قوم أهل حرب وتحمل ضيقوا على أصحابه؛ ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالونه من الشتم والأذى، وجعل البلاء يشتد عليهم، وصاروا ما بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد شكوا
[ ٢ / ٢٦ ]
إليه ﷺ واستأذنوه في الهجرة: أي فمكث أياما لا يأذن لهم، ثم قال لهم: أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان، ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي» والسراة بفتح السين: أعظم جبال بلاد العرب «ثم خرج إليهم مسرورا، فقال: قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فأذن لهم، وقال: من أراد أن يخرج فليخرج إليها فخرجوا إليها أرسالا» أي متتابعين «يخفون ذلك» أي وفي رواية «أريت في المنام أني هاجرت من مكة إلى أرض بها نخل؛ فذهب وهلي» أي وهمي «إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» .
وفي الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله أوحى إليّ: أي هؤلاء الثلاثة نزلت هي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» قال الترمذي، هذا حديث غريب، وزاد الحاكم «فاختار المدينة» .
أقول: فيه أن هذا السياق المتقدم يدل على أن استئذانهم في الهجرة عبارة عن خروجهم من مكة لا لخصوص المدينة، وأن عدم إذنه ﷺ لهم في الهجرة لعدم تعيين المحل الذي يهاجرون إليه له ﷺ، وكل ذلك لا يناسب ما تقدم في حديث المعراج من قول جبريل له «صليت بطيبة وإليها المهاجرة» .
وقد يجاب بأنه يجوز أن يكون ﷺ أنسي قول جبريل المذكور حينئذ ثم تذكره بعد ذلك في قوله «قد أخبرت بدار هجرتكم» إلى آخره.
وفيه أن هذا لا يحسن بعد مبايعته ﷺ للأوس والخزرج على مناصرته ومحاربة عدوّه مع علمه بأن وطنه المدينة، وكونهم يبايعونه على مناصرته مع كونه ساكنا في البحرين أو قنسرين في غاية البعد.
على أنه سيأتي في غزوة بدر «أنه ﷺ خشي أن الأنصار لا ترى مناصرته إلا في المدينة» أي فإن في بعض الروايات «وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم بيثرب» والله أعلم.
وقبل الهجرة «آخي ﷺ بين المسلمين» أي المهاجرين «على الحق والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر ﵄، وآخى بين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبادة بن الحارثة وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، وبين عليّ ونفسه ﷺ، وقال: أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى يا رسول الله رضيت، قال:
فأنت أخي في الدنيا والآخرة» قال: وأنكر العباس بن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين سيما مؤاخاة النبي ﷺ لعليّ رضي الله تعالى عنه، قال: لأن المؤاخاة بين المهاجرين
[ ٢ / ٢٧ ]
والأنصار إنما جعلت لإرفاق بعضهم ببعض، ولتألف قلوبهم بعضهم ببعض، فلا معنى لمؤاخاة مهاجريّ لمهاجريّ.
قال الحافظ ابن حجر: هذا ردّ للنص بالقياس، وبعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى، وليستعين الأعلى بالأدنى، ولهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعليّ رضي الله تعالى عنه كان هو الذي يقوم بأمره قبل البعثة.
وفي الصحيح في عمرة القضاء «أن زيد بن حارثة قال إن بنت حمزة بنت أخي» أي بسبب المؤاخاة اهـ، وكان أول من هاجر منهم إليها أي لا معهم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهو أخوه من الرضاع وابن عمته. وهو أول من يدعي للحساب اليسير كما تقدم فإنه لما قدم من الحبشة لمكة آذاه أهلها وأراد الرجوع إلى الحبشة، فلما بلغه إسلام من أسلم من الأنصار، أي الاثني عشر الذين بايعوا البيعة الأولى خرج إليهم، وقدم المدينة بكرة النهار. ولما عزم على الرحيل رحل بعيره وحمل عليه أم سلمة وابنها سلمة في حجرها، وخرج يقود البعير رآه رجال من قوم أم سلمة فقاموا إليه وقالوا: يا أبا سلمة قد غلبتنا على نفسك فصاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد، ثم نزعوا خطام البعير منه، فجاء رجال من قوم أبي سلمة، وقالوا: إن ابننا معها إذا نزعتموها من صاحبنا ننزع ولدنا منها، ثم تجاذبوه حتى خلعوا يده وأخذه قوم أبيه ففرق بينها وبين زوجها وولدها، فكانت تخرج كل غداة بالأبطح فتبكي حتى المساء مدة سنة، فمرّ بها رجل من بني عمها فرأى ما بها فرحمها وقال لقومها: أما ترحمون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين ولدها وزوجها، فقالوا لها: الحقي بزوجك، فلما بلغ ذلك قوم أبي سلمة ردوا عليها ولدها، فارتحلت بعيرا وجعلت ولدها في حجرها وخرجت تريد المدينة وما معها أحد من خلق الله تعالى، حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة: أي الحجبي صاحب مفتاح الكعبة وكان عثمان بن طلحة يومئذ مشركا ثم أسلم رضي الله تعالى عنه في هدنة الحديبية وهاجر مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما سيأتي، فتبعها إلى المدينة حتى إذا وافى على قباء قال لها: هذا زوجك هنا ثم انصرف، وهي أول ظعينة دخلت من المهاجرين المدينة رضي الله تعالى عنها، وكانت أم سلمة تقول: ما رأيت صاحبا أكرم من عثمان بن طلحة.
قال: وقال ابن إسحاق وابن سعد: ثم كان أول من قدمها بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة- بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الثاء المثلثة- وهي أول ظعينة قدمت المدينة اهـ.
أقول: فأم سلمة أوّل ظعينة قدمت المدينة لا مع زوجها، وليلى أول ظعينة
[ ٢ / ٢٨ ]
قدمت المدينة مع زوجها، فلا منافاة.
وفي كلام ابن الجوزي: أول من هاجر إلى المدينة من النساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، والله أعلم.
قال: بينت: أي أم سلمة ما تقدم عنها في حق عثمان بن طلحة بقولها: فإنه لما رآني قال: إلى أين؟ قلت: إلى زوجي، قال: أو ما معك أحد؟ قلت لا، ما معي إلا الله وابني هذا، فقال: والله لا أتركك، ثم أخذ بخطام البعير وسار معي، فكان إذا وصلنا المنزل أناخ بي ثم استأخر، فإذا نزلت جاء وأخذ بعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة، ثم أتى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فرحله وقدمه ثم استأخر عني وقال اركبي، فإذا ركبت أخذ بخطامه فقادني اهـ.
أي وقد قال فقهاؤنا: من الصغائر مسافرة المرأة بغير زوج ولا محرم ولا امرأة ثقة في غير الهجرة وفرض الحج والعمرة؛ أما في ذلك فيجوز حيث أمنت الطريق.
وقولنا لا معهم لا ينافي أن أول من قدم المدينة من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير، لأن قدومه كان معهم على ما تقدم أو يقال: أبو سلمة أول من قدم المدينة بوازع طبعه. وأما مصعب فكان بإرسال منه ﷺ. ثم رأيت في السيرة الهشامية: أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من بني مخزوم أبو سلمة، وعليه فلا إشكال. ثم جاء عمار وبلال وسعد.
وفي رواية: ثم قدم أصحاب رسول الله ﷺ، أرسالا بعد العقبة الثانية فنزلوا على الأنصار في دورهم فأووهم وواسوهم، ثم قدم المدينة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعياش بن أبي ربيعة في عشرين راكبا. وكان هشام بن العاص واعد عمر بن الخطاب أن يهاجر معه وقال: تجدني أو أجدك عند محل كذا، فتفطن بهشام قومه فحبسوه عن الهجرة.
وعن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد بسيفه وتنكب قوسه وانتضى في يديه أسهما واختصر عنزته: أي وهي الحربة الصغيرة علقها عند خاصرته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس: أي الأنوف، من أراد أن تثكله أمه: أي تفقده، أو يوتم ولده، أو ترمل زوجته فيلقني وراء هذا الوادي، قال عليّ رضي الله تعالى عنه: فما تبعه أحد ثم مضى لوجهه. ثم إن أبا جهل وأخاه شقيقه الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح- قدما المدينة والنبي ﷺ
[ ٢ / ٢٩ ]
بمكة لم يهاجر، فكلما عياش بن أبي ربيعة وكان أخاهما لأمهما وابن عمهما كان أصغر ولد أمه، وأخبراه أن أمه قد نذرت أن لا تغسل رأسها. وفي لفظ: ولا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراه، أي وفي لفظ: أن لا تأكل ولا تشرب ولا تدخل مسكنا حتى يرجع إليها، وقالا له وأنت أحب ولد أمك إليها، وأنت في دين منه برّ الوالدين، فارجع إلى مكة فاعبد ربك كما تعبده بالمدينة، فرقت نفسه وصدّقهما: أي وأخذ عليهما المواثيق أن لا يغشياه بسوء، وقال له عمر: إن يريدا إلا فتنتك عن دينك فاحذرهما، والله لو آذى أمك القمل امتشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فقال عياش: أبرّ أمي ولي مال هناك آخذه، فقال عمر: خذ نصف مالي ولا تذهب معهما، فأبى إلا ذلك، فقال له عمر: فحيث صممت فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك منهما ريب فانج عليها، فأبى ذلك وخرج راجعا معهما إلى مكة، فلما خرجا من المدينة كتفاه بتخفيف التاء: أي شدّا يديه إلى خلف بالكتاف في الطريق. أي وفي السيرة الهشامية أنه أخذ الناقة وخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال بلى، قال: فأناخ وأناخ ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه وأوثقاء رباطا ودخلا به مكة نهارا موثقا. وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا. وفي لفظ:
بسفيهنا، فحبس بمكة مع هشام بن العاص، فإنه كما تقدم منع وحبس عن الهجرة، وجعل كل في قيد.
وفي لفظ: أنهما لما ذكرا له أن أمه حلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، وأعطياه موثقا أن لا يمنعاه وأن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه، فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقا وجلداه نحوا من مائة جلدة، وكان أعانهما عليه رجل من بني كنانة: أي يقال له الحارث بن يزيد القرشي وفي كلام ابن عبد البر أنه كان من يعذبه بمكة مع أبي جهل.
وفي الينبوع: جلده كل واحد منهما مائة جلدة، وأنه لما جيء به إلى مكة ألقي في الشمس، وحلفت أمه أنه لا يحل عنه حتى يرجع عن دينه ففتن. قيل وكان ذلك سبب نزول قوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ [العنكبوت: الآية ٨] الآية.
وفيه أنه تقدم أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص؛ إلا أن يقال يجوز أن يكون مما تكرر نزوله، فتكون نزلت فيهما، وحلف عياش ليقتلنّ ذلك الرجل إن قدر عليه.
قيل ولم يزل عياش محبوسا حتى فتح رسول الله ﷺ مكة، فخرج عياش فلقي ذلك الرجل الكناني وكان قد أسلم وعياش لا يعلم بإسلامه، فقتله وأعلم النبي ﷺ بذلك، فأنزل الله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النّساء: الآية ٩٢]
[ ٢ / ٣٠ ]
فقرأها النبي ﷺ وقال لعياش «قم فحرر» أي أعتق رقبة. وما ذكر من أن عياشا استمر محبوسا إلى الفتح يخالف قول بعضهم: مكث ﷺ وهو بالمدينة كما سيأتي أربعين صباحا يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع: أي من الركعة الأخيرة «وكان يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، والمستضعفين من المؤمنين بمكة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا» فإن هذا يدل على أن هشام بن العاص وعياش بن أبي ربيعة لم يفتتنا ولم يرجعا عن الإسلام. وفي السيرة الهشامية ما يفيد أنهما فتنا، الأول صريحا، والثاني ظاهرا.
وفي السيرة الهشامية التصريح بافتتانهما، وفيه نظر لما ذكر، ولأنهما لو كانا فتنا لأطلقا من الحبس والقيد وإدامة ذلك، إلا أن يقال فعل بهما ذلك لعدم الوثوق برجوعهما عن الإسلام. ومما يدل على أن رجوعهما عن الإسلام إن صح إنما كان ظاهرا فقط دعاؤه ﷺ لهما.
أي وسيأتي أن الوليد كان سببا لتخليص عياش بن أبي ربيعة وهشام بن أبي العاص بعد أن تخلص من الحبس وهاجر إلى المدينة، فإن الوليد كان أسر ببدر ثم افتداه أخوه خالد وهشام ابنا الوليد بن المغيرة وذهبا به إلى مكة فأسلم وأراد الهجرة فحبساه بمكة. وقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفدى؟ قال: كرهت أن يظن فيّ أني جزعت من الأسر، ثم نجا وتوصل إلى المدينة ورجع إلى مكة مستخفيا وخلص عياشا وهشاما وجاء بهما إلى المدينة، فسر رسول الله ﷺ بذلك وشكر صنيعه، وبه يعلم ضعف ما تقدم من أن عياشا لم يزل محبوسا إلى يوم الفتح.
وممن هاجر قبل النبي ﷺ سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أي لأنه لما أعتقته زوجة أبي حذيفة وكانت أنصارية تبناه أبو حذيفة، وكان يؤمّ المهاجرين بالمدينة فيهم عمر بن الخطاب، لأنه كان أكثرهم أخذ للقرآن، فكان عمر بن الخطاب يثني عليه كثيرا، حتى قال لما أوصى عند قتله: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما جعلتها شورى. قال ابن عبد البر: معناه أنه كان يأخذ برأيه فيمن يوّليه الخلافة: أي فإنه قتل في يوم اليمامة، وأرسل عمر بميراثه لمعتقته فأبت أن تقبله، فجعله في بيت المال.
ولما أراد صهيب الهجرة إلى المدينة، أي بعد أن هاجر إليها ﷺ، خلافا لما يوهمه كلام الأصل والشامي قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا فقيرا فكثر مالك عندنا ثم تريد أن تخرج بمالك؟ لا والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب، أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم، قال: فإني جعلته لكم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال «ربح صهيب» .
أقول: «وذكر أن صهيبا تواعد معه ﷺ أن يكون معه في الهجرة فلما أراد ﷺ
[ ٢ / ٣١ ]
الخروج للغار أرسل إليه أبا بكر مرتين أو ثلاثا فوجده يصلي، فكره أن يقطع عليه صلاته» كما سيأتي، وحينئذ يكون قول صهيب المذكور بعد هجرته ﷺ إلى المدينة كما تقدم، وهو ما في الخصائص الكبرى عن صهيب «لما خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة وخرج معه أبو بكر وقد كنت هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش» أي بعد أن أردت الخروج بعده «وقالوا له جئتنا فقيرا حقيرا صعلوكا فكثر مالك عندنا وتريد أن تخرج بمالك ونفسك لا يكون ذلك أبدا، قال فقلت لهم: أنا أعطيكم أواقي من الذهب. وفي لفظ ثلث مالي. وفي لفظ: مالي وتخلون سبيلي، ففعلوا، فقلت احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها الأواقي، وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ قباء قبل أن يتحوّل منها، فلما رآني قال يا أبا يحيى ربح البيع ثلاثا، فقلت: يا رسول الله إنه ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل ﵊» أي وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن المسيب قال «أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي ﷺ وقد أخذ سيفه وكنانته وقوسه، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته. ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلا وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقيّ في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي، فقالوا نعم، فقال لهم ما تقدم» وفي رواية «أنهم قالوا له: دلنا على مالك ونخلي عنك، وعاهدوه على ذلك ففعل» .
وذكر بعض المفسرين «أن المشركين أخذوه وعذبوه فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني، وتتركوا لي راحلة ونفقة ففعلوا، ونزل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٠٧] قال: فلما قدمت وجدت النبي ﷺ وأبا بكر جالسين، فلما رآني أبو بكر قام إليّ فبشرني بالآية التي نزلت فيّ أي وفي رواية «فتلقاني أبو بكر وعمر ورجال، فقال لي أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى، فقلت: وبيعك، هلا تخبرني ما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليّ الآية» .
وفي تفسير سهل بن عبد الله التستري أن صهيبا كان من المشتاقين لم يكن له قرار؛ كان لا ينام لا بالليل ولا بالنهار.
وقد حكي أن امرأة اشترته فرأته كذلك، فقالت: لا أرضى لك حتى تنام بالليل، لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي؛ فبكى وقال: إن صهيبا إذا ذكر النار طار نومه وإذا ذكر الجنة جاء شوقه، وإذا ذكر الله طال شوقه: أي وليتأمل هذا مع ما في تاريخ ابن كثير أن الروم أغارت على بلاد صهيب وكانت على دجلة، وقيل على الفرات، فأسرته وهو صغير، ثم اشتراه منهم بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه
[ ٢ / ٣٢ ]
عبد الله بن جدعان فأعتقه وأقام بمكة حينا، فلما بعث رسول الله ﷺ أسلم وكان إسلامه وإسلام عمار بن ياسر في يوم واحد. وقد يقال: يجوز أن تكون تلك المرأة التي اشترته كانت من بني كلب.
وعن صهيب رضي الله تعالى عنه «صحبت النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه وأنه قال له عمر رضي الله تعالى عنه: يا صهيب اكتنيت وليس لك ولد؛ فقال: كناني رسول الله ﷺ بأبي يحيى» فهو من جملة من كناه رسول الله ﷺ ولا ولد له؛ وكان في لسانه عجمة شديدة، وكان فيه دعابة «رآه رسول الله ﷺ يأكل قثاء ورطبا وهو أرمد إحدى عينيه، فقال له: تأكل رطبا وأنت أرمد؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة فضحك ﷺ» .
وفي المعجم الكبير للطبراني عن صهيب، قال «قدمت على رسول الله ﷺ وبين يديه تمر وخبز، فقال: ادن فكل، فأخذت آكل من التمر، فقال لي: أتأكل التمر وعينك رمدة، فقلت: يا رسول الله أمصه من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ» أي ولا مانع من التعدد «ولما أذن ﷺ لأصحابه في الهجرة وهاجروا مكث ﷺ بعد أصحابه ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه إلا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأبو بكر أي وصهيب كما علمت، ومن كان محبوسا أو مريضا أو عاجزا عن الخروج، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون هو» وفي رواية «تجهز أبو بكر، فقال له رسول الله ﷺ: على رسلك؛ فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال له أبو بكر هل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟
قال نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين عنده الخبط» أي وفي لفظ «ورق السمر» بفتح المهملة وضم الميم، قال الزهري، وهو الخبط. قال ابن فارس: والخبط ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، وكان مدة علفها أربعة أشهر، وكان اشتراهما بثمانمائة درهم.
أقول: ظاهر هذا السياق أن علفه للراحلتين كان بعد قول المصطفى ﷺ له ما ذكر. ومعلوم أن ذلك بعد مبايعة الأنصار ﷺ، والمدة بين مبايعة الأنصار له ﷺ والهجرة كانت ثلاثة أشهر أو قريبا منها، لأنها كانت في ذي الحجة، ومهاجرته ﷺ كانت في ربيع الأول.
وفي السيرة الشامية ما يصرح بأن علفة للراحلتين كان بعد قول المصطفى ﷺ له ما ذكر. ففيها «أنه ﷺ لما قال لأبي بكر وقد استأذنه في الهجرة: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» طمع بأن رسول الله ﷺ إنما يعني نفسه فابتاع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك، وسيأتي عن الحافظ ابن حجر أن بين ابتداء
[ ٢ / ٣٣ ]
هجرة الصحابة وبين هجرته ﷺ شهرين ونصف شهر على التحرير، والله أعلم.
«فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ صار له شيعة» أي أنصار وأصحاب من غيرهم «ورأوا خروج أصحابه إليهم، وأنهم أصابوا منعة لأن الأنصار قوم أهل حلقة» أي سلاح وبأس «حذروا: أي خافوا أن يخرج رسول الله ﷺ، وأن يجمع على حربهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ، وكانت محل مشورتهم لا يقطعون أمرا إلا فيها» أي وهي أول دار بنيت بمكة، كانت منزل قصيّ بن كلاب كما تقدم، ثم صارت لولده عبد الدار، ثم ابتاعها معاوية لما حج وهو خليفة من أولاد عبد الدار.
وتقدم أن معاوية إنما اشتراها من حكيم بن حزام، ويدل لذلك ما جاء عن مصعب بن عبد الله قال: جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام، فباعها لمعاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال له حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي إلى آخر ما تقدم، وكانت دار الندوة جهة الحجر عند المقام الحنفي الآن، وكان لها باب للمسجد، وكان لا يدخلها عند المشورة من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة.
وفي كلام بعضهم: ساد أبو جهل وما طرّ شاربه، ودخل دار الندوة وما استدارت لحيته، وقد أدخلت في المسجد. قيل لها دار الندوة لاجتماع الندي وهو الجماعة فيها، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة، لأنه اجتمع فيه أشراف بني عبد شمس وبني نوفل وبني عبد الدار وبني أسد وبني مخزوم وبني سهم وبني جمح، وغيرهم مما لا يعدّ من قريش، ولم يتخلف من أهل الرأي والحجا أحد. ثم إن إبليس جاء إليهم في صورة شيخ نجدي عليه طيلسان من خز وقيل من صوف: أي وإنما فعل ذلك ليقبل منه ما يشير به، لأن أهل الطيالسة في العادة من أهل الوقار والمعرفة؛ ووقف ذلك الشيخ على الباب، فقالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اجتمعتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا أجل: أي نعم، فادخل فدخل معهم، أي وإنما قال لهم من أهل نجد، لأن قريشا قالوا: لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم كان مع محمد ﷺ.
قيل لما سمعهم يقولون: لا يدخل معكم اليوم إلا من هو معكم، قال لهم لما سألوه وقالوا له من أنت؟ قال شيخ من نجد، وأنا ابن أختكم؛ فقالوا: ابن أخت القوم منهم.
وقيل إن إبليس لما دخل عليهم أنكروه وقالوا له من أنت وما أدخلك علينا في خلوتنا هذه بغير إذننا؟ فقال: إني رجل من أهل نجد، رأيتكم حسنة وجوهكم طيبة
[ ٢ / ٣٤ ]
ريحكم فأحببت أن أجلس إليكم وأسمع كلامكم، فإن كرهتم ذلك خرجت عنكم؛ فقال بعضهم لبعض: هذا نجدي ولا عين عليكم منه، وفي لفظ: هذا من أهل نجد لا من مكة فلا يضركم حضوره معكم. وعند المشهورة قال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل يعني النبي ﷺ: قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله لا نأمنه الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا فتشاوروا، فقال قائل: أي وهو أبو البختري بن هشام احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء حتى يصيبه ما أصابهم من هذا الموت، فقال الشيخ النجدي، لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلا تشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيدكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا برأي، فانظروا رأيا غيره، فتشاوروا، فقال قائل منهم، أي وهو الأسود بن ربيعة بن عمير: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين يذهب، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي الله به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل» بفتح أوله وضم الحاء المهملة أي ينزل، ويجوز أن يكون بكسرها: أي يسقط على حيّ من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله وحديثه حتى يبايعوه ثم يسير به إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذوا أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيا غير هذا؛ فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: الرأي أن تأخذوا من كل قبيلة شابا جلدا: أي قويا حسيبا في قومه نسيبا وسطا، ثم يعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يغدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضوا منا بالعقل: أي الدية فعقلنا لهم. فقال النجدي: القول ما قال هذا الرجل، هذا هو الرأي ولا أرى غيره، فتفرق القوم على ذلك، فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة في فراشك الذي كنت تبيت عليه: أي وأخبره بمكرهم، وأنزل الله ﷿ عليه وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: الآية ٣٠] الآية، فلما كانت عتمة من الليل: أي الثلث الأول من الليل اجتمعوا على باب رسول الله ﷺ يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه: أي وكانوا مائة.
أقول في الدرّ المنثور: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير «لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يحبسوني أو يقتلوني أو يخرجوني، قال: من حدّثك بهذا؟ قال: ربي، قال: نعم الرب، وربك فاستوص به خيرا، قال: أنا
[ ٢ / ٣٥ ]
أستوصي به، بل هو يستوصي بي» هذا كلامه. ولم يتعقبه بأن هذا كان بعد موت أبي طالب قال: وكان ائتمارهم يوم السبت.
فقد «سئل ﷺ عن يوم السبت؟ فقال: يوم مكر وخديعة، قالوا: ولم يا رسول الله؟ قال: إن قريشا أرادوا أن يمكروا فيه بي» أي أرادوا فيه المكر «فأنزل الله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[الأنفال: الآية ٣٠] .
وفي سيرة الحافظ الدمياطي «فاجتمع أولئك القوم من قريش يتطلعون من صير الباب أي شقه ويرصدونه يريدون بياته: أي يوقعون به الأمر ليلا ويأتمرون أيهم يحمل على المضطجع» وفيه أن ائتمارهم في ذلك لا يناسب ما اجتمع رأيهم عليه من أنهم يجتمعون على قتله ليتفرق دمه في القبائل.
ثم رأيت بعضهم قال: وأحدقوا ببابه ﷺ وعليهم السلاح يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا فيذهب دمه لمشاهدة بني هاشم قاتله من جميع القبائل فلا يتمّ لهم أخذ ثأره وهو المناسب لما ذكر، والله أعلم.
فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم: أي علم ما يكون منهم «قال لعليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: نم على فراشي، واتشح بردائي هذا الحضرمي، وقد كان يشهد فيه العيدين، وقد كان طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر» وهل كان أخضر أو أحمر؟ يدل للثاني قول جابر «كان يلبس رداء أحمر في العيدين والجمعة» ثم رأيت في بعض الروايات أنه كان أخضر فلينظر الجمع.
وفي سيرة الدمياطي «وارتد بردائي هذا الأحمر» والحضرمي: منسوب إلى حضر موت التي هي البلدة أو القبيلة باليمن. كان رسول الله ﷺ يتسجى بذلك البرد عند نومه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» .
أقول: وأما ما روي «أن الله تعالى أوحى إلى جبريل ومكائيل: أني قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب: آخيت بينه وبين محمد ﷺ فبات على فراشه ليفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه فنزلا فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، فقال جبريل: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب؟ باهى الله بك الملائكة، وأنزل الله ﷿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٠٧] قال فيه الإمام ابن تيمية: إنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير.
وأيضا قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له «لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» فلم يكن فيه فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة، والآية المذكورة في سورة البقرة
[ ٢ / ٣٦ ]
وهي مدنية باتفاق. وقد قيل إنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لما هاجر أي كما تقدم؛ لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه ﷺ قال لعليّ ما ذكر، وعليه فيكون فداؤه للنبي ﷺ بنفسه واضحا، ولا مانع من تكرر نزول الآية في حق عليّ وفي حق صهيب. وحينئذ يكون شري في حق عليّ رضي الله تعالى بمعنى باع: أي باع نفسه بحياة المصطفى ﷺ، وفي حق صهيب بمعنى اشترى: أي اشترى نفسه بماله، ونزول هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية، لأن الحكم يكون للغالب.
وفي السبعيات «أنه ﷺ نظر إلى أصحابه وقال: أيكم يبيت على فراشي وأنا أضمن له الجنة، فقال عليّ: أنا أبيت واجعل نفسي فداءك» هذا كلامه، ولعله لا يصح.
ثم رأيت في الإمتاع ما يدل لعدم الصحة، وهو قال ابن إسحاق: ولم علم فيما بلغني بخروجه ﷺ حين خرج إلا عليّ وأبو بكر الصدّيق، فليتأمل والله تعالى أعلم.
وكان في القوم الحكم بن أبي العاص وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبو لهب وأبو جهل، فقال: وهم على باب رسول الله ﷺ: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، أي بضم الهمزة وتشديد النون، وهو محل بأرض الشام بقريب بيت المقدس، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحترقون فيها، وسمعه رسول الله ﷺ فخرج عليهم وهو يقول: نعم أنا أقول ذلك، وأخذ حفنة من تراب وتلا قوله تعالى يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: الآيتان ١ و٢] إلى قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: الآية ٩] فأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلم يروه.
وفي مسند الحارث بن أبي أسامة عن النبي ﷺ «أنه ذكر في فضل يس (١) [يس: الآية ١] أنها إن قرأها خائف أمن، أو جائع شبع، أو عار كسي، أو عاطش سقي، أو سقيم شفي» «وعند خروجه ﷺ جعل ينثر التراب على رؤوسهم، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟
قالوا محمدا، فقال: قد خيبكم الله، والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب» . قال في النور وهذا يعارضه حديث مارية خادم النبي ﷺ تكنى أمّ الرباب «أنها طأطأت لرسول الله ﷺ حتى صعد حائطا ليلة فرّ من المشركين» وينبغي أن يوفق بينهما إن صحا وإلا فالعبرة بالصحيح منهما هذا كلامه.
أقول: التوفيق حاصل، وهو أنه يجوز أن يكون النبي ﷺ لم يحب أن يخرج عليهم من الباب فتسوّر الحائط التي نزل منها عليهم والله أعلم، أي وكان ذهابه ﷺ
[ ٢ / ٣٧ ]
في تلك الليلة إلى بيت أبي بكر ﵁، فكان فيه إلى الليل: أي إلى الليلة المقبلة، ثم خرج هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه، ثم مضيا إلى جبل ثور كذا في سيرة الدمياطي ثم أي بعد اخبارهم بخروجه ﷺ ووضعه التراب على رؤوسهم جعلوا يطلعون فيرون عليا نائما على الفراش مسجى ببرد رسول الله ﷺ؛ فيقولون: والله إن هذا محمد نائما عليه برده، فلم يزالوا كذلك، أي يريدون أن يوقعوا به الفعل، والله مانع لهم من ذلك «حتى أصبحوا واتضح النهار، فقام عليّ رضي الله تعالى عنه عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدّثنا، أي ولما قام عليّ رضي الله تعالى عنه سألوه عن رسول الله ﷺ، قال لا علم لي به وفي رواية: «فلما أصبحوا ساروا إليه يحسبونه النبي ﷺ، فلما رأوا عليا رضي الله تعالى عنه ردّ الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال لا أدري، فأنزل الله تعالى قوله أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) [الطّور: الآية ٣٠] وأنزل الله ﷿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال: الآية ٣٠] كذا في الأصل تبعا لابن إسحاق، ولا يخفى أن الآية الثانية موفية بما ذكروه من المشاورة.
قال: والمانع من اقتحام الجدار عليه في الدار مع قصر الجدار وقد جاؤوا لقتله، أنهم هموا بذلك فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمنا انتهى.
أقول: لا يخفى أن هذا لا يناسب ما قدمناه عن بعضهم أنهم إنما أرادوا قتله ﷺ عند طلوع الفجر ليظهر لبني هاشم قاتلوه فلا يثبوا عليه لئلا يتسور الجدار، إلا أن يقال إرادة ذلك منهم كانت عند طلوع الفجر، ووجود الأسباب المانعة لهم من الوثوب عليه لا ينافي أن المانع لهم عن الوثوب عليه الذي جاؤوا بصدده وهم مائة رجل من صناديد قريش، إنما هي حماية الله تعالى الموجبة لخذلانهم وإظهار عجزهم، وفي ذلك تصديق لرسول الله ﷺ حيث قال لعلي «لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم» على ما تقدم، والمراد بقول بعضهم: كان المشركون يرمون عليا يظنون أنه النبي ﷺ يرمونه بأبصارهم لا بنحو حجارة أو نبل كما لا يخفى.
فإن قيل: هلا نام ﷺ على فراشه؟ قلنا لو فعل ذلك لفات، إذ لا لهم بوضع التراب على رؤوسهم وإظهار حماية الله تعالى له بخروجه عليهم ولم يبصره أحد منهم. وفي رواية «أنهم تسوروا عليه ﷺ ودخلوا شاهرين سيوفهم، فثار علي في وجوههم فعرفوه، فقالوا: هو أنت أين صاحبك؟ فقال: لا أدري» وهذا مخالف لما تقدم، فلينظر الجمع بناء على صحة هذا.
وفي لفظ: «أمروه بالخروج فضربوه وأدخلوه المسجد وحبس به ساعة ثم خلوا عنه» والله أعلم.
[ ٢ / ٣٨ ]
ثم إن رسول الله ﷺ أذن له في الهجرة إلى المدينة، أي وأنزل الله تعالى عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠) [الإسراء: الآية ٨٠] قال زيد بن أسلم: جعل الله ﷿ مدخل صدق المدينة، ومخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الأنصار.
ويعارضه ما جاء «أن عند رجوعه ﷺ من تبوك إلى المدينة قال له جبريل: سل ربك، فإن لكل نبي مسألة، فقال: ما تأمرني أن أسأله؟ قال: قل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، فأنزل الله تعالى عليه ذلك في رجعته من تبوك بعد ما ختمت السورة» أي إلا أن يدعى تكرار النزول «وعند الإذن له ﷺ في الهجرة قال لجبريل: من يهاجر معي؟ قال جبريل: أبو بكر الصديق» .
أي ومن الغريب قول بعضهم: ومن ذلك اليوم سماه الله تعالى صدّيقا، فقد تقدم أن تسميته بذلك كان عند تصديقه له ﷺ عند إخباره بالإسراء، وعن صفة بيت المقدس.
ومن الغريب أيضا ما في السبعيات «أن النبي ﷺ تشاور مع أصحابه، فقال:
أيكم يوافق معي ويرافقني، فقد أمرني الله تعالى بالخروج من مكة إلى المدينة؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا يا رسول الله» .
ويرده ما في السير «أنه ﷺ أتى أبا بكر ذات يوم ظهرا، فناداه فقال أخرج من عندك، فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي يعني عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما، قال شعرت: أي علمت أنه قد أذن لي في الهجرة؟ فقال: يا رسول الله الصحبة» أي أسألك الصحبة «فقال: أي رسول الله ﷺ الصحبة» أي لك الصحبة عندي «فانطلقا» أي ليلا كما تقدم عن سيرة الدمياطي، لكن تقدم عنها أنه دخل بيت أبي بكر في ليلة خروجه من على فراشه؛ وأنه مكث ببيت أبي بكر إلى الليلة القابلة التي كان فيها خروجه ﷺ إلى جبل ثور، فيحتاج إلى الجمع.
وقد يقال: إن مجيئه ﷺ ظهرا كان قبل تلك الليلة، ومع خروجهما خرجا مستخفيين حتى أتيا الغار وهو بجبل ثور، فتواريا فيه.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ﷺ قال عند خروجه من مكة أي متوجها إلى المدينة «والله إني لأخرج منك وأني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله وأكرمها على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» .
أي وفي رواية «أنه ﷺ وقف أي على راحلته بالحزورة ونظر إلى البيت وقال والله إنك لأحب أرض الله إليّ وإنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك
[ ٢ / ٣٩ ]
أخرجوني منك قهرا ما خرجت» وفي لفظ «أنه ﷺ وقف في وسط المسجد والتفت إلى البيت فقال: إني لأعلم ما وضع الله بيتا أحب إلى الله منك، وما في الأرض بلد أحب إليه منك، وما خرجت منك رغبة، ولكن الذين كفروا أخرجوني» .
أي وهذا السياق يدل على أن وقوفه ﷺ على الحزورة أو في وسط المسجد يقتضي أنه جاء بعد خروجه من الغار إلى ما ذكر، ثم ذهب إلى المدينة. وفي رواية «وقف ﷺ على الحجون وقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو لم أخرج منك ما خرجت» وفي لفظ «ولو تركت فيك لما خرجت منك» ولا مانع من تكرر ذلك. ثم رأيت في كلام بعضهم أن وقوفه ﷺ على الحجون كان في عام الفتح. وفي لفظ آخر «قال لمكة: ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ؛ ولولا أن قومي أخرجوني ما سكنت غيرك» .
أي وفي «جمال القراء» للسخاوي «أن النبي ﷺ لما توجه مهاجرا إلى المدينة وقف ونظر إلى مكة وبكي؛ فأنزل الله ﷿ عليه وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً [محمّد: الآية ١٣] الآية» .
وأما ما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك» فقال الذهبي: إنه موضوع. وقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع.
أقول: والذي رأيته عن المستدرك للحاكم «اللهم: إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك» والمعنى واحد، وإليه وإلى ما روي عن الزهري «اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك» استند من قال بتفضيل المدينة على مكة، قال: لأن الله تعالى أجاب دعاءه فأسكنه المدينة. قيل وعليه جمهور العلماء، ومنهم الإمام مالك رضي الله تعالى عنه. وإلى الأحاديث الأول استند من قال بتفضيل مكة على المدينة وهم الجمهور، ومنهم إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه، واستندوا في ذلك إلى أنه ﷺ قال في حجة الوداع «أيّ بلد تعلمون أعظم حرمة؟ قالوا لا نعلم إلا بلدنا هذه» يعنون مكة، وهذا إجماع من الصحابة أقرهم عليه ﷺ أنها: أي مكة أفضل من سائر البلاد، لأن ما كان أعظم حرمة فهو أفضل. وقد قال ﷺ «المقام بمكة سعادة، والخروج منها شقاوة» وقال ﷺ «من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام» .
قال ابن عبد البر: وإني لأعجب ممن ترك قول رسول الله ﷺ، وهو قوله «والله إني لأعلم أنك خير أرض وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» وهذا حديث صحيح، ويميل إلى تأويل لا يجامع ما تأويله عليه: أي ولأن الحسنة فيها بمائة ألف حسنة. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ
[ ٢ / ٤٠ ]
قال «من حج ماشيا كتبت له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل:
وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة فيه بمائة ألف حسنة» .
والكلام في غير ما ضم أعضاءه الشريفة ﷺ من أرض المدينة، وإلا فذاك أفضل بقاع الأرض بالإجماع، بل حتى من العرش والكرسي.
على أن صاحب «عوارف المعارف» ذكر أن الطوفان موّج تلك التربة المكرمة عن محل الكعبة حتى أرساها بالمدينة، فهي من جملة أرض مكة. وحينئذ لا يحسن الاستناد في تفضيل المدينة على مكة بقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه إنهم لما اختلفوا في أي محل يدفن رسول الله ﷺ لم يقبضه الله إلا في أحب البقاع إليه ليدفن فيه كما سيأتي، والله أعلم.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت «بينا نحن جلوس يوما في بيت أبي بكر الصديق في نحر الظهيرة» أي وسطها وهو وقت الزوال «قال قائل لأبي بكر أي وهذا القائل هي أسماء بنت أبي بكر. وفي كلام بعض الحفاظ: يحتمل أن يفسر بعامر بن فهيرة أي مولى أبي بكر «قالت أسماء: قلت: يا أبت هذا رسول الله ﷺ متقنعا» أي متطيلسا «في ساعة لم يكن يأتينا فيها» أي فعن عائشة رضي الله تعالى عنها «لم يمر علينا يوم» أي قبل الهجرة «إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا» وفي لفظ «كان لا يخطىء أن يأتي رسول الله ﷺ بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشيا» أي ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحة الثانية وإلا فالأولى في البخاري. وتفسير التقنع بالتطيلس ذكره الحافظ ابن حجر، حيث قال: قوله: متقنعا: أي متطيلسا، وهو أصل في لبس الطيلسان، هذا كلامه.
واعترضه ابن القيم حيث قال: لم ينقل عنه ﷺ أنه لبس الطيلسان ولا أحد من أصحابه. وحينئذ لا يكون القناع هنا هو الطيلسان، بل التقنع تغطية الرأس وأكثر الوجه بالرداء من غير أن يجعل منه شيء تحت رقبته الذي يقال له التحنيك. وحمل قول ابن القيم المذكور على الطيلسان المقوّر التي تلبسها اليهود. قال بعضهم: وهذا الطيلسان المقور هو المعروف بالطرحة، وقد اتخذت خلفاء بني العباس الطرحة السوداء على العمامة عند الخطبة، واستمر ذلك شعارا للخلفاء.
فالحاصل أن ما يغطى به الرأس مع أكثر الوجه إن كان معه تحنيك: أي ادارة على العنق قيل له طيلسان، وربما قيل له رداء مجازا، وإن لم يكن معه تحنيك، قيل له رداء أو قناع، وربما قيل له مجازا طيلسان: هو ما كان شعارا في القديم لقاضي القضاة الشافعي خاصة. قال بعضهم: بل صار شعارا للعلماء، ومن ثم صار لبسه يتوقف على الإجازة من المشايخ كالإفتاء والتدريس. وكان الشيخ يكتب في إجازته:
[ ٢ / ٤١ ]
وقد أذنت له في لبس الطيلسان، لأنه شهادة بالأهلية، وما يجعل على الأكتاف دون الرأس يقال له رداء فقط، وربما قيل له طيلسان أيضا مجازا. وصح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وله حكم المرفوع «التقنع من أخلاق الأنبياء» . وقد ذكر بعضهم أن الطيلسان الخلوة الصغرى وفي حديث «لا يتقنع إلا من استكمل الحكمة في قوله وفعله» وكان ذلك من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع كالأسواق.
وأول من لبس الطيلسان بالمدينة جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه. وعن الكفاية لابن الرفعة أن ترك الطيلسان للفقيه مخلّ بالمروءة أي وهو بحسب ما كان في زمنه ﵀. وفي الترمذي «لم تكن عادته ﷺ التقنع إنما كان يفعله لحر أو برد» .
وتعقب بأن في حديث أنس «أنه ﷺ كان يكثر التقنع» وفي طبقات ابن سعد مرسلا أنه ذكر لرسول الله ﷺ فقال: «هذا ثوب لا يؤدي شكره» أي لأن فيه غض البصر، ومن ثم قيل إنه الخلوة الصغرى كما تقدم.
ولما قيل لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ذلك، أي هذا رسول الله ﷺ متقنعا، قال أبو بكر: فدا له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قال: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل، أي وتنحى أبو بكر عن سريره وجلس عليه رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: «أخرج من عندك، قال أبو بكر: إنما هي أهلك» أي لأنه ﷺ كان عقد على عائشة رضي الله تعالى عنها كما تقدم، فأمها من جملة أهله وأختها كذلك، وقيل هو على حدّ قول الشخص لآخر أهلي أهلك. وفي رواية «قال رسول الله ﷺ: اخرج من عندك، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لا عين عليك إنما هما ابنتاي» أي وسكت عن أمهما سترا «قال: فإنه قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ نعم، أي فبكى أبو بكر سرورا؟ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فرأيت أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر» ولله درّ القائل:
ورد الكتاب من الحبيب بأنه سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السرور عليّ حتى إنني من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين صار الدمع عندك عادة تبكين من فرح ومن أحزان
أي ومنه: أقرّ الله عينه لم يدعى له، وهو قرّة عين لمن يفرح به. وأسخن عينه لمن يدعى عليه: وهو سخنة العين لما يحزن به، لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة.
وقد روي «أن نبيا من الأنبياء اجتاز بحجر يخرج منه الماء، فسأل ربه عن
[ ٢ / ٤٢ ]
ذلك؟ فأنطق الله تعالى الحجر، فقال: منذ سمعت أن الله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة وأنا أبكي هذا الدمع خوفا من تلك النار، فاشفع لي عند ربك، فشفع له، فشفع فيه وبشره بذلك. ثم مرّ به بعد مدة فإذا الماء يخرج منه، فقال: ألم أبشرك أن الله أنجاك من النار فما هذا؟ فقال: يا نبيّ الله ذاك بكاء الخوف والخشية، وهذا بكاء الفرح والسرور» ومن ثم لما قال ﷺ لأبيّ بن كعب «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا: أي لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [البيّنة: الآية ١] بكى من الفرح، وقال: أو ذكرت هناك؟» أي ذكرني الله ﷿ وفي لفظ «وسماني؟ قال نعم» .
وفي سفر السعادة قال العلماء: البكاء على عشرة أنواع: بكاء فرح، وبكاء حزن لما فات، وبكاء رحمة، وبكاء خوف لما يحصل، وبكاء كذب كبكاء النائحة فإنها تبكي بشجو غيرها، وبكاء موافقة بأن يرى جماعة يبكون فيبكي مع عدم علمه بالسبب، وبكاء المحبة والشوق، وبكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله، وبكاء الخور والضعف، وبكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس. والبكى بالقصر:
دمع العين من غير صوت. والممدود: ما كان معه صوت. وأما التباكي فهو تكلف البكاء. وهو نوعان: محمود ومذموم؛ فالأول ما يكون لاستجلاب رقة القلب، وهو المراد بقول سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى المصطفى ﷺ وأبا بكر يبكيان في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت، ومن ثم لم ينكر عليه ﷺ ذلك. والثاني ما يكون لأجل الرياء والسمعة.
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، فإني أعددتهما للخروج، قال رسول الله ﷺ: «بل بالثمن» أي لتكون هجرته ﷺ إلى الله تعالى بنفسه وماله، أي وإلا فقد أنفق أبو بكر رضي الله تعالى عنه أكثر ماله عليه ﷺ:
أي فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أنفق أبو بكر على النبي ﷺ أربعين ألف درهم» . وفي لفظ «دينار» ومن ثم قال ﷺ «ليس من أحد أمنّ عليّ في أهل ومال من أبي بكر» وفي رواية «ما أحد أمنّ علي في صحبته وذات يده من أبي بكر، وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟» وفي رواية «ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا الله يكافئه بها يوم القيامة» .
أقول: ولا ينافي كونه ﷺ أخذ إحدى ناقتي أبي بكر بالثمن ما رواه أبان بن أبي عياش أحد التابعين عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه «ما أطيب مالك: منه بلال مؤذني، وناقتي التي هاجرت عليها، وزوجتني ابنتك وواسيتني بمالك كأني أنظر إليك على باب الجنة تشفع لأمتي» لأن أبان بن أبي عياش معدود من الضعفاء.
[ ٢ / ٤٣ ]
وقد قال شعبة: لأن أشرب من بول حمار حتى أروى أحبّ إليّ من أن أقول حديثا عن أبان بن أبي عياش، وقال فيه مرة أخرى: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان. وقد طلب من شعبة أن يكف عن أبان هذا، فقال: الأمر دين، وهذا يكذب على رسول الله ﷺ. وقد بين ابن حبان عذر أبان بأنه كان يروي عن أنس وأبان مجالس الحسن البصري فكان يسمع كلامه، فإذا حدث ربما جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعا وهو لا يعلم. وعلى تقدير صحة ما قاله لا منافاة أيضا، لأنها كانت من مال أبي بكر قبل أن يأخذها ﷺ بثمنها.
على أن في الترمذي ما وافق ما رواه أبان. ففيه عن عليّ رضي الله تعالى عنه، قال: قال ﷺ «رحم الله أبا بكر، زوّجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة وصحبني في الغار، وأعتق بلالا من ماله» .
قال: وهذا حديث غريب والله أعلم.
وكان الثمن عن تلك الناقة التي هي القصواء، وقد عاشت بعده ﷺ، وماتت في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه أو الجدعاء أربعمائة درهم، أي لما علمت أن الناقتين اشتراهما أبو بكر بثمانمائة درهم.
وأما ناقته ﷺ العضباء فقد جاء «أن بنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تحشر عليها» .
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «فجهزناهما أحب الجهاز» أي أسرعه.
والجهاز: بكسر الجيم أفصح من فتحها. ما يحتاج إليه في السفر «ووضعنا لهما سفرة في جراب» أي زادا في جراب، لأن السفرة في الأصل الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء الزاد «وكان في السفرة شاة مطبوخة فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب أي وأبقت الأخرى نطاقا لها» وهو يوافق ما في صحيح مسلم عن أسماء رضي الله تعالى عنها أنها قالت للحجاج: بلغني أنك تقول أي لولدها عبد الله بن الزبير تعيره بابن ذات النطاقين، أما أنا والله ذات النطاقين أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأما الآخر فنطاق المرأة: أي الذي لا تستغني عنه، أي عند اشتغالها؛ لأن النطاق ما تشدّ به المرأة وسطها لئلا تعثر في ذيلها على ثوب يلقى على أسفله. وقيل النطاق إزار فيه تكة؛ ومن ثم جاءت ذات النطاق: أي وكلاهما صحيح، لكن في لفظ «قطعت نطاقها قطعتين، فأوكت بقطعة منه فم الجراب، وشدّت فم القربة بالباقي»، أي فلم يبق لها شيء منه ويوافقه ما في البخاري عن أسماء: لم نجد لسفرة رسول الله ﷺ: أي لمحلها الذي هو الجراب ولا لسقائه أي الذي هو القربة ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: لا والله ما أجد شيئا
[ ٢ / ٤٤ ]
أربط به إلا نطاقي، قال فشقيه اثنين، واربطي بواحد السقاء الذي هو القربة وبواحد السفرة ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين: أي سماها رسول الله ﷺ وقال لها «أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة» .
وفيه أن الرواية الأولى التي عن عائشة، والرواية الثانية التي عن أسماء رواها مسلم لم يذكر السقاء. وفي رواية البخاري ذكر السقاء وإسقاط الجراب، لكن ذكر بعد الجراب السفرة.
وقد يقال: المراد بربط السفرة ربط محلها الذي هو الجراب كما أشار إليه.
قال بعضهم: وما تقدم عن مسلم ينبغي أن يكون أقرب إلى الضبط، لأن أسماء قالت في آخر عمرها مخبرة عن نفسها: أي ولم تربط إلا الجراب بأحد شقي النطاق وأبقت لها الآخر.
وقد يقال: الحصر ليس في محله لمنافاته لرواية البخاري. وحينئذ يجمع بأنه بجوازها لما شقت النطاق نصفين قطعت أحدهما قطعتين، فشدت بإحداهما الجراب والأخرى السقاء، فهي ذات النطاقين الذي أبقته، والذي فعلت به ما ذكر.
وفي السيرة الهشامية أن أسماء بنت أبي بكر جاءت إليهما لما نزلا من الغار بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما فدهشت لغلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها فجعلته عصاما فعلقتها به وانتطقت الآخر: أي وهذا يدل على أن المراد بقول عائشة: فجهزناهما أحب الجهاز: أي عند خروجهما من الغار، لا عند ذهابهما إلى الغار كما قد يتبادر من السياق. ثم على المتبادر جرى ابن الجوزي حيث قال:
أسما بنت أبي بكر أسلمت بمكة قديما، وبايعت وشقت نطاقها ليلة خروج رسول الله ﷺ إلى الغار، فجعلت واحدا لسفرة رسول الله ﷺ، والآخر عصاما لقربته، فسميت ذات النطاقين هذا كلامه.
وقد قال: لا مانع من تعدد ذلك، وكون النطاق ما تشد به المرأة وسطها لئلا تعثر في ذيلها يخالفه قول بعضهم: النطاق هو ثوب تلبسه المرأة ثم تشد وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل، وهذا يوافق القيل المتقدم، ولعل له إطلاقين، ويوافق الثاني ما قيل أول من فعله هاجر أم إسماعيل، اتخذته لتخفي أثر مشيتها على سارة، ولعله عند خروجها لما أمره الله ﷿ بإخراجها مع إبراهيم، فيذهب بها إلى مكة قبل أن تركب مع إبراهيم على البراق.
«ثم استأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو عبد الله بن أريقط» ويقال ابن أرقط أو أرقد اسم أمه، فأريقط مصغرها «ليدلهما على الطريق للمدينة» وكان على دين قريش، أي ثم أسلم بعد ذلك. وقيل لم يعرف له إسلام.
[ ٢ / ٤٥ ]
وفي الروض ما وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك «فدفعا إليها راحلتيهما، وواعداه على جبل ثور بعد ثلاث ليال» وقيل للجبل ذلك لأنه على صورة الثور الذي يحرث عليه، وسياق النسائي يدل على أن استئجار عبد الله المذكور كان قبل التجهيز.
«قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور» أي ليلا كما تقدم.
وعن ابن سعد: «لما خرج رسول الله ﷺ من بيته إلى بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه» أي وكان خروجهما من خوخة في ظهر بيت أبي بكر. فعن عائشة بنت قدامة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ، قال: «لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل لعنه الله فأعمى الله بصره عني» وعن أبي بكر «حتى مضينا» .
وفي كلام سبط ابن الجوزي: وعن وهب بن منبه أن رسول الله ﷺ إنما خرج إلى الغار من بيت أبي بكر، فخرج من خوخة في ظهر الدار. والأصح إنما كان خروجه من بيت نفسه.
«وجعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه يمشي مرة أمام النبي ﷺ ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك لا آمن عليك» .
أقول: في الدر المنثور «فمشى ﷺ ليلته على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثر رجليه على الأرض حتى حفيت رجلاه، فلما رآهما أبو بكر قد حفيتا حمله على كاهله وجعل يشتدّ به حتى أتى على فم الغار فأنزله» وفي لفظ «لم يصب رسول الله ﷺ الغار حتى قطرت قدماه دما» وفي كلام السهيلي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «نظرت إلى قدمي رسول الله ﷺ في الغار وقد تقطرتا دما» .
قال بعضهم: ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل، وإلا فبعد المكان لا يحتمل ذلك أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة، ويدل عليه قوله:
فمشى ليلته رسول الله ﷺ. وفي لفظ فانتهينا «إلى الغار مع الصبح» ولا يحتمل ذلك مشى ليلته إلا بتقدير ذلك، أو أنه ﷺ كما قيل ذهب إلى جبل حنين فناداه اهبط عني، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، فناداه جبل ثور: إليّ يا رسول الله» وساق في الأصل رواية تقتضي أنه ذهب إلى غار ثور راكبا ناقته الجدعاء. ثم رأيته في النور أشار إلى أن ركوبه ﷺ الجدعاء إنما كان بعد خروجه من الغار، لا أنه
[ ٢ / ٤٦ ]
ركبها من منزل أبي بكر إلى الغار كما هو ظاهر الرواية.
وفي الخصائص الكبرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لما تشاور المشركون في أمر رسول الله ﷺ، وأطلع الله نبيه على ذلك، فخرج تلك الليلة حتى أتى الغار، فلما أصبحوا اقتفوا أثره ﷺ، فلما بلغوا الجبل» الحديث، أي وهو مخالف لما تقدم من أن خروجه ﷺ إلى الغار كان في الليلة الثانية لا في ليلة خروجه على قريش.
وقد يقال: لا منافاة، لأن قوله: حتى لحق بالغار غاية لمطلق الخروج من بيته لا في خصوص تلك الليلة، أي خرج من بيته واستمر على خروجه حتى لحق بالغار وذلك في الليلة الثانية، لكن تقدم أنه ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر متقنعا في وقت الظهيرة فليتأمل.
وأعلم رسول الله ﷺ عليا بخروجه إلى الهجرة وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عند رسول الله ﷺ للناس، لأنه لم يكن بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ﷺ لما يعلمون من أمانته، أي ولعل إعلام عليّ بذلك كان عند توجهه ﷺ إلى بيت أبي بكر، لأنه لم يثبت أنه ﷺ اجتمع بعلي رضي الله تعالى عنه بعد ذلك إلا في المدينة لكن سيأتي عن الدرّ ما يقتضي أنه اجتمع به عند خروجه من الغار.
وفي الفصول المهمة «أنه ﷺ وصى عليا رضي الله تعالى عنه بحفظ ذمته وأداء أمانته ظاهرا على أعين الناس، وأمره أن يبتاع رواحل للفواطم»: فاطمة بنت النبي ﷺ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ولمن هاجر معه من بني هاشم ومن ضعفاء المؤمنين، وشراء علي ﵁ الرواحل مخالف لما يأتي في الأصل «أنه ﷺ أرسل إلي عليّ حلة وأرسل يقول: تشقها خمرا بين الفواطم، وهي فاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت عتبة، وفاطمة أم علي، وفاطمة بنته ﷺ» وإرساله لتلك الحلة كان بعد وصوله إلى المدينة فليتأمل.
قال في الفصول المهمة: وقال له: أي لعليّ «إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله، وبقدوم كتابي عليك، وإذا جاء أبو بكر توجهه خلفي نحو بئر أم ميمون» وكان ذلك في فحمة العشاء، والرصد من قريش قد أحاطوا بالدار ينتظرون أن تنتصف الليلة وتنام الناس، ودخل أبو بكر على عليّ وهو يظنه: أي وأبو بكر يظن عليا رسول الله ﷺ، فقال له علي: إن رسول الله ﷺ خرج نحو بئر أم ميمون، وهو يقول لك: أدركني، فحلقه أبو بكر، ومضيا جميعا يتسايران حتى أتيا جبل ثور فدخلا الغار، فليتأمل الجمع بينه وبين ما تقدم.
[ ٢ / ٤٧ ]
«ولما انتهيا إلى فم الغار قال أبو بكر للنبي ﷺ: والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل رضي الله تعالى عنه فجعل يلتمس بيده كلما رأى حجرا قال بثوبه فشقه، ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بجميع ثوبه، فبقي جحر، وكان فيه حية فوضع عقبه عليه، ثم دخل رسول الله ﷺ، ثم إن الحية التي في الجحر لما أحست بعقب سيدنا أبي بكر جعلت تلسعه وصارت دموعه تتحدر» قال ابن كثير: وفي هذا السياق غرابة ونكارة «أي وقد كان ﷺ وضع رأسه في حجر أبي بكر رضي الله تعالى عنه ونام، فسقطت دموع أبي بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ قال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت» بالدال المهملة والغين المعجمة «فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ على محل اللدغة فذهب ما يجده» قال بعضهم: وقاه بعقبه فبورك في عقبه.
قالت بعضهم: والسر في اتخاذ رافضة العجم اللباد المقصص على رؤوسهم تعظيما للحية التي لدغت أبا بكر في الغار، أي لأنهم يزعمون أن ذلك على صورة تلك الحية.
«ولما أصبح رسول الله ﷺ، قال لأبي بكر: أين ثوبك؟ فأخبره الخبر» زاد في رواية «وأنه رأى على أبي بكر أثر الورم فسأل عنه، فقال: من لدغة الحية، فقال ﷺ:
هلا أخبرتني؟ قال: كرهت أن أوقظك فمسحه النبي ﷺ فذهب ما به من الورم والألم» .
أي ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما «وحين أخبره أبو بكر بذلك رفع رسول الله ﷺ يديه وقال: اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة، فأوحى الله تعالى إليه: قد استجاب الله لك» .
وروي أنه لما صار يسد كل جحر وجده أصاب يده ما أدماها، فصار يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول:
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
وسيأتي أن هذا البيت من كلام ابن رواحة. وقيل من كلامه ﷺ، وأنه يجوز أن يكون ابن رواحة ضم ذلك البيت لأبياته.
ومما قد يؤيد أن ذلك من كلامه ﷺ ما ذكره سبط ابن الجوزي «أن أبا بكر لما لحقه ﷺ في أثناء الطريق ظنه رسول الله ﷺ من الكفار فأسرع في المشي، فانقطع قبال نعله، ففلق إبهامه حجر فسال الدم، فرفع أبو بكر صوته ليعرفه رسول الله ﷺ فعرفه» .
ومما يصرح بذلك ما رأيت عن جندب البجلي قال «كنت مع النبي ﷺ في غار
[ ٢ / ٤٨ ]
كذا فدميت أصبعه فذكر البيت المذكور» وأراد بالغار غارا من الغيران لا هذا الغار كما توهم.
وجاء في الصحيحين عن جندب بن عبد الله «بينا نحن مع رسول الله ﷺ إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت إلا إصبع دميت» البيت.
«أي ويقال إنه ﷺ دعا تلك الشجرة وكانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار وأنها كانت مثل قامة الإنسان وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بين فروعها» أي نسجا متراكما بعضه على بعض أي كنسج أربع سنين كما قال بعضهم.
وقد نسج العنكبوت أيضا على عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه لما قتل سفيان بن خالد وقطع رأسه وأخذها ودخل في غار في الجبل وكنّ فيه حتى انقطع عنه الطلب كما سيأتي. ونسج على نبي الله داود لما طلبه طالوت. ونسج أيضا على عورة سيدنا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وهو أخو الإمام محمد الباقر وعم الإمام جعفر الصادق، وهو الذي ينسب إليه الزيدية كان إماما مجتهدا، وكان ممن أخذ عن واصل بن عطاء الآخر عن الحسن البصري.
ولما أثبت ابن عطاء المنزلة بين المنزلتين أمره الحسن البصري باعتزال مجلسه، فقيل له معتزلي، وصار يقال لأصحابه معتزلة.
ولا يلزم من كون شيخ سيدنا زيد معتزليا أن يسلك زيد مسلكه. وصلب سيدنا زيد عريانا، وأقام مصلوبا أربع سنين، وقيل خمس سنين فلم تر عورته، وقيل إن بطنه الشريف ارتخى على عورته فغطاها. ولا مانع من وجود الأمرين. وكان عند صلبه وجهوه إلى غير القبلة فدارت خشبته التي صلب عليها إلى أن صار وجهه إلى القبلة، أي وقد وقع لخبيب نحو ذلك كما سيأتي، ثم أحرقوا خشبة زيد وجسده وذري رماده في الرياح على شاطىء الفرات، فإنه خرج على هشام بن عبد الملك وقد سمت نفسه للخلافة، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك، فانهزم أصحاب زيد عنه بعد أن خذله وانصرف عنه أكثرهم.
فقد بايعه ناس كثير من أهل الكوفة وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر لينصروه، فقال: كلا، بل أتولاهما، فقالوا اذن نرفضك، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة، فسموا بذلك من حينئذ رافضة. وجاءت إليه طائفة وقالوا: نحن نتولاهما ونبرأ ممن يبرأ منهما وقاتلوا معه فسموا الزيدية.
أقول: والعجب ممن يتمذهب بمذهب سيدنا زيد، ويتبرأ من الشيخين
[ ٢ / ٤٩ ]
ويكرههما ويكره من يذكرهما بخير، بل ربما سبهما.
وعند مقاتلته أصابته جراحات وأصابه سهم في جبهته وحال الليل بين الفريقين، فطلبوا حجاما من بعض القرى لينزع له النصل، فاستخرجه فمات من ساعته، فدفنوه من ساعته، وأخفوا قبره، وأجروا عليه الماء، واستكتموا الحجام ذلك، فلما أصبح الحجام مشى إلى يوسف بن عمر منتصحا وأخبره، ودله على موضع قبره، فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام. فكتب إليه هشام أن أصلبه عريانا فصلبه كذلك.
ويقال إن هشام بن عبد الملك قال يوما لزيد: بلغني أنك تريد الخلافة ولا تصلح لك لأنك ابن أمة، فقال: قد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرة، فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم، فقال له هشام: قم، قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره. ومن شعره:
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
قيل ورأس زيد دفنت بمصر القديمة بمسجد يقال له مشهد زيد العابدين بن الحسين. وكذلك وقع في طبقات الشيخ الشعراني، نفعنا الله به وببركاته، وليس كذلك؛ بل هو محل زيد بن زين العابدين كما ذكره المقريزي في الخطط، ويقال له زيد الأزياد.
وذكر في حياة الحيوان أن ما ينسجه العنكبوت يخرج من خارج جلدها لا من جوفها وعن عليّ رضي الله تعالى عنه «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيوت يورث الفقر» .
وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغاز: أي ويروى «أنهما باضتا» أي وفرختا، قال لأبي بكر: «ضع قدمك موضع قدمي، فإن الرمل لا ينم» وتقدم ما في ذلك: أي لأن المشركين لما فقدوا رسول الله ﷺ شق عليهم ذلك وخافوا ذلك وطلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة: أي الذين يقصون الأثر في كل وجه يقفون أثره، فوجدوا الذي ذهب إلى جبل ثور أثره، وقال ما تقدم.
«وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وسيوفهم، أي ولما أقبلوا أشفق ﷺ على صهيب وخاف عليه، وقال: واصهيباه ولا صهيب لي» أي لأنه تواعد معهما أن يكون ثالثهما «فلما أراد ﷺ الخروج للغار أرسل له أبو بكر مرتين أو ثلاثا فوجده يصلي، فقال: يا رسول الله وجدت صهيبا يصلي فكرهت أن أقطع عليه صلاته، فقال أصبت» وتقدمت الحوالة على هذا.
«فلما كان فتيان قريش على أربعين ذراعا من الغار تعجل بعضهم ينظر في الغار، فلم ير إلا حمامتين وحشيتين أي مع العنكبوت، فقال: ليس فيه أحد، فسمع
[ ٢ / ٥٠ ]
النبي ﷺ ما قال، فعرف أن الله ﷿ قد درأ عنه أي دفع عنه» .
وفي رواية «فلما انتهوا إلى فم الغار، قال قائل منهم: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أربكم» أي حاجتكم إلى الغار «إنّ عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد ﷺ» أي ولو دخل الغار لا نفتح ذلك العنكبوت وتكسر البيض. وهذا يدل على أن البيض لم يكن فرخ: أي ويحتمل أن بعض البيض فرخ وبعضه لم يفرخ «ثم جاء قبالة فم الغار فبال، فقال أبو بكر: يا رسول الله إنه يرانا، فقال رسول الله ﷺ: يا أبا بكر لو كان يرانا ما فعل هذا» وفي بعض الروايات «لو رآنا ما تكشف عن فرجه» أي ما استقبلنا بفرجه وبوله، وقال أبو جهل: أما والله إني لأحسبه قريبا يرانا، ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا، فانصرفوا.
وذكر ابن كثير أن بعض أهل السير ذكر أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما قال للنبي ﷺ: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال له النبي ﷺ: لو جاؤونا من هاهنا لذهبنا من هاهنا، فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه. قال ابن كثير: وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا «ونهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العنكبوت، وقال: إنها جند من جند الله» انتهى.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال «لا أزال أحب العنكبوت منذ رأيت رسول الله ﷺ أحبها، ويقول: جزى الله العنكبوت عنا خيرا، فإنها نسجت عليّ وعليك يا أبا بكر» إلا أن البيوت تطهر من نسجها، أي ينبغي ذلك لما تقدم أن وجود نسجها في البيوت يورث الفقر.
وفي الجامع الصغير «جزى الله العنكبوت عنا خيرا، فإنها نسجت على الغار» .
أقول: فيه أن في الحديث «العنكبوت شيطان فاقتلوه» وفي لفظ «العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه» فإن صح وثبت تأخره فهو ناسخ له، وإن كان متقدما على ما هنا وصح ما هنا فهو منسوخ به والله أعلم، «وبارك ﷺ على الحمامتين، وفرض جزاء الحمام وانحدرتا في الحرم فأفرختا كل شيء في الحرم من الحمام» أي ولأجل ذلك ذهب الغزالي من أئمتنا إلى صحة الوقف على حمام مكة دون غيره من الطيور وهو الراجح.
ونظر في الإمتاع في كون حمام الحرم من نسل ذلك الزوج، فإنه روي في قصة نوح ﵊ «أنه بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الأرض فوقعت بوادي الحرم فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء
[ ٢ / ٥١ ]
فاختضبت رجلاها، ثم جاءته فمسح عنقها وطوّقها طوقا، ووهب لها الحمرة في رجليها، وأسكنها الحرم، ودعا لها بالبركة» .
وفي شعر الحارث بن مضاض الذي أوله:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ويبك لبيت ليس يؤذى حمامه يظل به أمنا وفيه العصافر
ففي هذا الحمام قد كان في الحرم من عهد جرهم، أي ونوح. وذكر بعضهم «أن حمام مكة أظله ﷺ يوم فتحها، فدعا له بالبركة» .
ويروى «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما رأى قريشا أقبلت نحو الغار خصوصا ومعهم القافة بكى، أي ويقال لما سمع القائف يقول لقريش: والله ما جاز مطلوبكم من هذا الغار حزن وبكى، وقال: والله ما على نفسي أبكي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فقال له ﷺ: لا تحزن إن الله معنا وأنزل الله تعالى سكينته على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أي وأنزل عليه أمنته التي تسكن عندها القلوب» قيل قال له لا تحزن ولم يقل له لا تخف، لأن حزنه على رسول الله ﷺ، وهذا النهي تأنيس وتبشير له كما في قوله تعالى له ﷺ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس: الآية ٦٥] وبه يردّ ما زعمته الرافضة، أن ذلك غضبا من أبي بكر وذما له، لأن حزنه رضي الله تعالى عنه إن كان طاعة فالنبي ﷺ لا ينهى عن الطاعة فلم يبق إلا أنه معصية.
وفي رواية عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه «قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار:
لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه» أي لأنهما علوا على رؤوسهما.
فعن أبي بكر قال «نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال:
يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» .
قال بعضهم: كان معهما وثالثهما باللفظ والمعنى؛ أما باللفظ فكان يقال: يا رسول الله ويقال لأبي بكر، يا خليفة رسول الله، وأما بالمعنى فكان مصاحبا لهما بالنصر والهداية والإرشاد، والضمير في وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: الآية ٤٠] راجع النبي ﷺ، وتلك الجنود ملائكة أنزلهم الله تعالى عليه في الغار يبشرونه بالنصر على أعدائه.
وروي «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عطش في الغار، فقال له رسول الله ﷺ:
اذهب إلى صدر الغار فاشرب، فانطلق أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى صدر الغار فوجد ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأزكى رائحة من المسك فشرب منه، فقال له رسول الله ﷺ: إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن يخرق نهرا من جنة
[ ٢ / ٥٢ ]
الفردوس إلى صدر الغار لتشرب، قال أبو بكر: يا رسول الله، ولي عند الله هذه المنزلة؟ فقال النبي ﷺ: نعم وأفضل، والذي بعثني بالحق نبيا لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان عمله عمل سبعين نبيا» .
أي وذكر بعضهم قال: «كنت جالسا عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال:
من كان له عند رسول الله ﷺ عدة فليقم، فقام رجل فقال: إن رسول الله ﷺ وعدني بثلاث حثيات من تمر، فقال أرسلوا إلى عليّ فجاء، فقال: يا أبا الحسن إن هذا يزعم كذا وكذا فاحث له فحثى له، فقال أبو بكر. عدوّها، فعدوها فوجدوها كل حثية ستين تمرة لا تزيد ولا تنقص، فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، قال لي رسول الله ﷺ ليلة الهجرة من الغار: كفي وكف عليّ في العدد سواء» ذكر الذهبي أنه موضوع، ولعل قول الصديق صدق الله ورسوله علة لاختياره عليا على نفسه في أن يحثو، لا أن ذلك علة لكون كل حثية جاءت ستين حبة.
«ولما أيست قريش منهما أرسلوا لأهل السواحل إن من أسر أو قتل أحدهما كان له مائة ناقة» أي ويقال إن أبا جهل أمر مناديا ينادي في أعلى مكة وأسفلها: من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير، وإلى قصة الغار أشار صاحب الهمزية بقوله:
أخرجوه منها وآواه غار وحمته حمامة ورقاء
وكفته بنسجها عنكبوت ما كفته الحمامة الحصداء
واختفى منهم على قرب مرآ هـ ومن شدة الظهور الخفاء
أي كانوا سببا لإخراجه من تلك الأرض التي هي مولده ﷺ ومرباه ووطنه ووطن آبائه، بسبب مبالغتهم في إيذائه وإيذاء أصحابه خصوصا ضعفاءهم، وآواه غار وحمته منهم حمامة في لونها بياض وسواد، وكفته أعداءه عنكبوت بنسجها الذي كفته إياهم الحمامة الكثيرة الريش، فتلك الحمامة كانت ورقاء حصداء واستتر منهم مع قرب محل رؤيته.
وحكمة خفائه واستتاره منهم مع ظهوره لهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه شدة ظهوره عليهم بالغلبة والمعونة الإلهية، ومكثا في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام يعرف ما يقال، يأتيهما حين يختلط الظلام ويدلج من عندهما بفجر فيصبح مع قريش كبائت في بيته فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه ويخبرهما به.
وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما كان مملوكا للطفيل فأسلم وهو مملوك، وكان ممن يعذب في الله ﷿، فاشتراه أبو بكر من الطفيل وأعتقه كما تقدم، فكان يروح عليهما بمنحه غنم: أي قطعة من غنم أبي بكر، فكان
[ ٢ / ٥٣ ]
يراعها حيث تذهب ساعة من العشاء ويغدو بها عليهما ثم يغلس: أي إذا خرج من عندهما عبد الله تبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يقفو أثر قدميه، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث: أي وذلك بإرشاد من أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
ففي السيرة الهشامية: وأمر أبو بكر ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن يستمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهارا، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار، وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام.
أقول: وفي الدر عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان أحد يعلم مكان ذلك الغار إلا عبد الله بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر، فإنهما كانا يختلفان إليهما وعامر بن فهيرة، فإنه كان إذا سرح غنمه مر بهما فحلب لهما.
وفي الفصول المهمة «وأقام رسول الله ﷺ ثلاثة أيام بلياليها في الغار وقريش لا يدرون أين هو؟ وأسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها تأتيهما ليلا بطعامهما وشرابهما، فلما كان بعد الثلاث أمرها ﷺ أن تأتي عليا وتخبره بموضعهما وتقول له يستأجر لهما دليلا ويأتي معه بثلاث من الإبل بعد مضي ساعة من الليلة الآتية: أي وهي الليلة الرابعة: فجاءت أسماء إلى علي كرم الله وجهه فأخبرته بذلك، فاستأجر لهما رجلا يقال له الأريقط بن عبد الله الليثي، وأرسل معه بثلاث من الإبل فجاء بهن إلى أسفل الجبل ليلا، فلما سمع النبي ﷺ رغاء الإبل نزل من الغار هو وأبو بكر فعرفاه» أي والذي في البخاري «فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا» .
وتقدم أن المستأجر لهما للدليل النبي ﷺ وأبو بكر.
وقد يجمع بأن المراد باستئجار علي رضي الله تعالى عنه إعطاؤه الأجرة، وكونه استأجر لهما ثلاث رواحل وأتى بها معه فيه نظر ظاهر، وركب النبي ﷺ وركب أبو بكر وركب الدليل.
وفي الدر المنثور «فمكث هو ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهما بالطعام عامر بن فهيرة وعليّ يجهزهما، فاشترى ثلاثة أباعر واستأجر لهم دليلا، فلما كان في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم عليّ بالإبل والدليل» . فليتأمل ذلك مع ما قبله.
وفي حديث مرسل «مكثت مع صاحبي في الغار بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا ثمر البرير» أي الأراك. وتقدم في باب رعية الغنم أن ثمر الأراك النضيج يقال له الكباث بكاف فباء موحدة مفتوحتين فثاء مثلثة.
[ ٢ / ٥٤ ]
قال ابن عبد البر: وهذا أي القول بأنهما مكثا في الغار بضعة عشر يوما غير صحيح عند أهل العلم بالحديث. قال الحافظ ابن حجر: والمراد كما قال الحاكم أنهما مكثا مختفيين من المشركين في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما، وذكر في الغار: أي الاقتصار عليه من بعض الرواة، والله أعلم.
قال: وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما «أن أبا بكر أرسل ابنه عبد الله فحمل ماله وكان خمسة آلاف درهم أو أربعة آلاف، وكان حين أسلم أربعين ألف درهم» وفي لفظ «أربعين ألف دينار» أي ويؤيد ذلك ما جاء عن أنس رضي الله تعالى عنه «أنفق أبو بكر على النبي ﷺ أربعين ألف دينار، فحمل إليه ذلك في الغار» قالت أسماء: فدخل علينا جدّي أبو قحافة رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وكان قد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه- يعني أبا بكر- قد فجعكم بماله مع نفسه فقالت: كلا يا أبت إنه ترك لنا خيرا كثيرا، قالت فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة: أي طاقة في البيت كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا، ففي هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن قلب الشيخ اهـ.
أي ولما بلغ ضمرة بن جندب خروجه ﷺ وكان مريضا فقال: لا عذر لي في مقامي بمكة فأمر أهله فخرجوا به، فلما وصل إلى التنعيم مات به، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النّساء: الآية ١٠٠] وقيل نزلت في خالد بن حرام بن خويلد بن أسد، أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية، فمات من نهش حية قبل أن يصل. وجاء «أنه قال لحسان رضي الله تعالى عنه هل قلت في أبي بكر شيئا؟ قال نعم، قال: قل وأنا أسمع، فقال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدّو به إذ صاعدوا الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلا
فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه» أي وفي لفظ «فتبسم، ثم قال صدقت يا حسان، هو كما قلت» إنه أحب البرية إليه، أي إلى رسول الله ﷺ لم يعدل به غيره.
أقول: في ينبوع الحياة: والذي أعرف في هذين البيتين، أنهما من أبيات رثى بهما حسان أبا بكر رضي الله تعالى عنهما هذا كلامه.
وقد يقال: لا مانع أن يكون أدخلهما حسان في مرثيته لأبي بكر بعد ذلك،
[ ٢ / ٥٥ ]
والله أعلم. وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال لجماعة: أيكم يقرأ سورة التوبة؟
قال رجل أنا أقرأ، فلما بلغ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التّوبة: الآية ٤٠] بكى وقال: أنا والله صاحبه.
وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال «رآني رسول الله أمشي أمام أبي بكر، فقال: يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو أفضل منك في الدنيا والآخرة؟ فو الذي نفس محمد بيده ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر» وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «أتاني جبريل فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تستشير أبا بكر» وعن أنس قال:
رسول الله ﷺ «حب أبي بكر واجب على أمتي» .
[ ٢ / ٥٦ ]
باب الهجرة إلى المدينة
لا يخفى أنه لما كان صبيحة الليلة الثالثة من دخولهما الغار على ما تقدم، جاءهما الدليل الذي هو الرجل الدؤلي براحلتيهما، فركبا وانطلق بهما وانطلق معهما عامر بن فهيرة: أي رديفا لأبي بكر يخدمهما، أي وفي البخاري «أن أبا بكر كان رديفا له ﷺ» أي ولا مخالفة لما سيأتي.
ويروى «أنه ﷺ لما خرج من الغار وركب أخذ أبو بكر بغرزه» أي بركابه، والغرز بغين معجمة مفتوحة وراء ساكنة وزاي: ركاب الإبل خاصة «فقال ﷺ: ألا أبشرك؟ قال بلى فداك أبي وأمي، قال: إن الله ﷿ يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، ويتجلى لك خاصة» قال الخطيب: هذا الحديث لا أصل له. قال السيوطي:
رأيت له متابعات «ودعا ﷺ بدعاء منه: اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي» .
«وأخذ بهم الدليل على طريق السواحل، وصار أبو بكر إذا سأله سائل عن النبي ﷺ من هذا الذي معك» أي وفي رواية: «من هذا الذي بين يديك؟» وفي رواية: «من هذا الغلام بين يديك» أي بناء على أنه كان رديفا له ﷺ يقول: هذا الرجل يهديني الطريق يعني طريق الخير، أي لأنه ﷺ قال لأبي بكر «أله الناس» أي أشغل الناس عني: أي تكفل عني بالجواب لمن سأل عني، فإنه لا ينبغي لنبيّ أن يكذب: أي ولو صورة كالتورية، فكان أبو بكر يقول لمن سأله عن النبي ﷺ ما ذكر، وإنما لم يسأل أبو بكر عن نفسه، لأن أبا بكر كان معروفا لهم، لأنه كان يكثر المرور عليهم في التجارة للشام: أي معروفا لغالبهم، فلا ينافي ما جاء في بعض الروايات أنه كان إذا سئل من أنت؟ يقول: باغي أي طالب حاجة، فعلم أن الأنبياء لا ينبغي لهم الكذب ولو صورة، ومن ذلك التوراة، لكن سيأتي في غزوة بدر وقوع التوراة منه ﷺ.
وفي رواية «ركب رسول الله ﷺ وراء أبي بكر ناقته» وفي التمهيد لابن عبد البر «أنه لما أتي براحلة أبي بكر سأل أبو بكر رسول الله ﷺ أن يركب ويردفه، فقال رسول الله ﷺ: بل أنت اركب وأردفك أنا، فإن الرجل أحق بصدر دابته، فكان إذا قيل له من هذا وراءك؟ قال: هذا يهديني السبيل» .
أقول: لا مخالفة بين هذا وما تقدم، لأنه يجوز أن يكون ركب ﷺ تارة خلف
[ ٢ / ٥٧ ]
أبي بكر على ناقة أبي بكر، وتارة ركب ﷺ على ناقة نفسه أمامه، وأن ركوبه لها كان في أثناء الطريق، ويكون ﷺ إما أركب راحلته عامر بن فهيرة، أو ترك ركوبها لأجل إراحتها، والهداية كما تكون من المتقدم تكون من المتأخر، وإن كان الأوّل هو الغالب والله أعلم، وإلى توجهه ﷺ إلى المدينة أشار صاحب الهمزية بقوله:
ونحا المصطفى المدينة واشتا قت إليه من مكة الأنحاء
أي وقصد ﷺ المدينة واشتاقت إليه الجهات والنواحي من مكة. وقد جاء «أنه لما خرج ﷺ من مكة إلى المدينة مهاجرا وبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله تعالى عليه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: الآية ٨٥] أي إلى مكة» .
وأهل الرجعة يقولون إلى الدنيا: أي من يقول بأن النبي ﷺ يرجع إلى الدنيا كما يرجع عيسى، وقد أظهرها عبد الله بن سبأ، كان يهوديا وأمه يهودية سوداء؛ ومن ثم كان يقال له ابن السوداء، أظهر الإسلام في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وقيل في خلافة عثمان ﵁، وكان قصده بإظهار الإسلام بوار الإسلام، فكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع إلى الدنيا ويكذب برجعة محمد ﷺ، وقد قال الله تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: الآية ٨٥] فمحمد أحق بالرجعة من عيسى عليهما الصلاة والسلام، وتقدم ذلك في أثناء الكلام على بدء الوحي، وسيأتي ذلك عند بناء المسجد. وكانت قريش كما تقدم أرسلت لأهل السواحل أن من قتل أو أسر أبا بكر أو محمدا كان له مائة ناقة، أي فمن قتلهما أو أسرهما كان له مائتان.
فعن سراقة قال «جاءنا رسل كفار قريش يجعلون فيهما إن قتلا أو أسرا ديتين، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج: أي بقديد وهو محل قريب من رابغ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني رأيت أسودة: أي أشخاصا بالسواحل أراه محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا: أي بمعرفتنا يطلبون ضالة لهم، أي وفي لفظ «قال رأيت ركبة بالتحريك جمع راكب ثلاثا مروا عليّ آنفا» أي قريبا «إني لأراهم محمدا وأصحابه. قال سراقة: فأومأت إليه أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يتبعون ضالة لهم، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت إلى منزلي، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي خفية إلى بطن الوادي وتحبسها عليّ، وأخذت رمحي وخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه في الأرض» والزج الحديدة التي تكون في أسفل الرمح «وخفضت عاليه» أي أمسكت بأعلاه «وجعلت أسفله في الأرض لئلا يراه أحد» وإنما فعل ذلك كله ليفوز بالجعل المتقدم ذكره،
[ ٢ / ٥٨ ]
ولا يشركه فيه أحد من قومه بخروجه معه لقتلهما أو أسرهما، زاد في رواية «ثم انطلقت فلبست لأمتي، وجعلت أجر الرمح مخافة أن يشركني أهل الماء يعني قومه.
قال: حتى أتيت فرسي» أي وكان يقال لها العود، والفرس لغة تقع على الذكر والأنثى. قال في النور: والمراد هنا الأنثى، لقوله «فركبتها» أي بالغت في إجرائها «حتى دنوت منهم» ..
وفي لفظ: «فرفعتها تقرب بي» وحينئذ يكون المراد أسرعت بالسير بها، لأن التقريب دون العدو وفوق العادة «فعثرت بي فرسي» أي فوقعت لمنخريها كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
زاد في رواية «ثم قامت تحمحم، فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدي على كنانتي فاستخرجت الأزلام» أي وهي عيدان السهام التي لا ريش لها ولم تركب فيها النصال «واستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره وهو عدم إضرارهم» أي لأنه مكتوب عليها افعل لا تفعل، ويقال للأوّل الآمر، ويقال للثاني الناهي «فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت» أي غابت «يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، أي وكانت الأرض جلدة فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها عثان» أي غبار «ساطع في السماء مثل الدخان أي مع كون الأرض جلدة، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان:
أي وقلت أنظروني لا أوذيكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه» .
أي وفي رواية: «ناديت القوم، وقلت أنا سراقة بن مالك، انظروني أكلمكم، أنا لكم نافع غير ضار، وإني لا أدري لعل الحي فزعوا لركوبي: أي أن بلغهم ذلك وأنا راجع رادّهم عنكم، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: قل له: ماذا تبتغي؟ فوقفوا فأخبرتهم بما تريد الناس منهم» .
وفي رواية «قال يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك وأرد من ورائي» وفي رواية قال «يا هذان ادعوا لي الله ربكما، ولكما أن لا أعود ففعل: أي دعا له رسول الله ﷺ فانطلق الفرس» وحينئذ يكون زجره لها ونهوضها بعد الدعاء فلا مخافة، «قال: فركبت فرسي» أي بعد نهوضها «حتى جئتهم، فقلت: إن قومك جعلوا فيك الدية: أي مائة من الإبل لمن قتلك أو أسرك» وهذا هو المراد بقوله في الرواية السابقة فأخبرتهم بما يريد الناس منهم، وكأنه رأى أن ذلك كاف في لحوقه بهم عن ذكر أبي بكر. «قال سراقة وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يقبلا وقالا:
اخف عنا» أي وفي رواية «عرضت عليهما الزاد والحملان» أي ولعل الحملان هو المراد بالمتاع، أي لأنه جاء «أنه قال لهما خذا هذا السهم من كنانتي، وغنمي وإبلي
[ ٢ / ٥٩ ]
بمحل كذا وكذا فخذا منهما ما شئتما، فقالا: اكفنا نفسك، فقال: كفيتماهما» .
أقول: وفي رواية قال له ﷺ «يا سراقة إذا لم ترغب في دين الإسلام فإني لا أرغب في إبلك ومواشيك» . وفي رواية عن أبي بكر ﵁، قال «لما أدركنا سراقة، قلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا قال لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: الآية ٤٠] أي وقد تقدم أنه قال ذلك له في الغار فلما، كان بيننا وبينه قيد: أي مقدار رمح أو ثلاثة، قلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت، قال: لم تبكي؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك، فدعا رسول الله ﷺ، فقال: اللهم اكفناه بما شئت، فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها وكانت الأرض صلبة» أي ولا يخالف ما سبق أنها بلغت الركبتين، لجواز أن يكون ذلك في أوّل أمرها، ثم صارت إلى بطنها، وذلك كله في المرة الأولى، فلا يخالف ما في الإمتاع «لما قرب من رسول الله ﷺ ساخت يدا فرسه في الأرض إلى بطنها، فقال: ادع لي يا محمد أن يخلصني الله تعالى ولك عليّ أن أرد عنك الطلب، فدعا فخلص فعاد فتبعهم، فساخت قوائم فرسه في الأرض أشد من الأولى، فقال: يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك عليّ» الحديث إذ هو يدل على أنها في المرة الأولى وصلت إلى بطنها؛ وفي الثانية وصلت إلى ما هو زائد على ذلك. وقد يدل له ما يأتي عن الهمزية، ولعل المراد أنه دخل جزء من بطنها في الأرض في المرة الثانية. وفي لفظ «فقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك، فادع الله ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمينّ على من ورائي من الطلب، فدعا له فانطلق راجعا» .
وفي السبعيات للهمداني «أن سراقة لما دنا منه ﷺ صاح وقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: يمنعني الجبار الواحد القهار، ونزل جبريل ﵇ وقال: يا محمد إن الله ﷿ يقول: جعلت الأرض مطيعة لك فأمرها بما شئت، فقال رسول الله ﷺ: يا أرض خذيه فأخذت الأرض أرجل جواده إلى الركب، فساق سراقة فرسه فلم يتحرك، فقال: يا محمد الأمان وعزة العزى لو أنجيتني لأكونن لك لا عليك، فقال: يا أرض أطلقيه فأطلقت جواده» .
وروي في بعض التفاسير أن سراقة عاهد سبع مرات ثم ينكث العهد، وكلما ينكث العهد تغوص قوائم فرسه في الأرض؛ وهذا أي الاقتصار على غوص قوائم فرسه في الأرض لا ينافي الزيادة، فلا يخالف ما سبق، وفي السابغة تاب توبة صدق.
وفي الفصول المهمة «لما اتصل خبر مسيره ﷺ إلى المدينة وذلك في اليوم الثاني من خروجه ﷺ من الغار جمع الناس أبو جهل وقال: بلغني أن محمدا قد مضى نحو يثرب على طريق الساحل ومعه رجلان آخران، فأيكم يأتيني بخبره فوثب
[ ٢ / ٦٠ ]
سراقة، فقال، أنا لمحمد يا أبا الحكم. ثم إنه ركب راحلته واستجنب فرسه وأخذ معه عبدا له أسود كان ذلك العبد من الشجعان المشهورين فسارا: أي في أثر النبي ﷺ سيرا عنيفا حتى لحقا به، فقال أبو بكر: يا رسول الله قد دهينا، هذا سراقة قد أقبل في طلبنا ومعه غلامه الأسود المشهور، فلما أبصرهم سراقة نزل عن راحلته وركب فرسه وتناول رمحه وأقبل نحوهم، فلما قرب منهم، قال النبي ﷺ اللهم اكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت وأن شئت؛ فغابت قوائم فرسه في الأرض حتى لم يقدر الفرس أن يتحرك، فلما نظر سراقة إلى ذلك هاله ورمى نفسه عن الفرس إلى الأرض ورمى رمحه وقال: يا محمد أنت أنت وأصحابك، أي أنت كما أنت أي آمن وأصحابك، فادع ربك يطلق لي جوادي ولك عهد وميثاق أن أرجع عنك، فرفع النبي ﷺ يديه إلى السماء، وقال: اللهم إن كان صادقا فيما يقول فأطلق له جواده قال: فأطلق الله تعالى قوائم فرسه حتى وثب على الأرض سليما» أي ولعل هذا في المرة الثانية أو المرة الأخيرة من السبع على ما تقدم، وتقدم أن الاقتصار على القوائم لا ينافي الزيادة عليها، فلا يخالف ما سبق في هذه الرواية «ورجع سراقة إلى مكة فاجتمع الناس عليه فأنكر أنه رأى محمدا، فلا زال به أبو جهل حتى اعترف وأخبرهم بالقصة» وفي ذلك يقول سراقة مخاطبا لأبي جهل:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه؟
وسياق هذه الرواية يدل على أنه خرج خلف النبي ﷺ من مكة، ويدل لذلك ما ذكر أنه كان أحد القاصين لأثره ﷺ في الجبل؛ لكنه مخالف لما تقدم أنه خرج خلفه ﷺ من قديد من مجلس قومه وأخفى خروج فرسه وخروجه عن قومه.
وقد يقال: لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون لما خرج من مكة سلك طريقا غير الطريق الذي سلكها النبي ﷺ فلم يجده وسبقه على قديد فجلس في مجلس قومه؛ فلما أخبر بمرورهم فعل ما تقدم ثم وجد عبده الأسود في مروره وكان معه راحلته فركبها واستجنب فرسه وصحب عبده.
ولا مانع أن يخرج من مكة بعد خروجهم من الغار، ويسبقهم على قديد. ولا ينافي ذلك قوله فأتانا رسل كفار قريش، لأنه يجوز أن يكون ذلك هو الحامل لسراقة على الذهاب إلى مكة لعله يجده بطريقة. ولا ينافي ذلك كونه كان أحد القصاصين لأثره ﷺ، لأنه يجوز أن يكون عاد إلى قديد قبل أن يجعل الجعل. وفي كلام بعضهم أنه أرسل بهذين البيتين إلى أبي جهل. ولا منافاة لجواز أن يكون أرسل بهما قبل أن يشافهه بهما.
[ ٢ / ٦١ ]
وفي رواية «أنه لما لحق بهم قال ﷺ: اللهم اصرعه فصرع عن فرسه، فقال:
يا نبي الله مرني بما شئت، قال: تقف مكانك لا تتركنّ أحدا يلحق بنا» .
ثم لا يخفى أن صرعه عن فرسه يحتمل أن يكون لما ساخت. ويحتمل أنه صرع عنها قبل ذلك وهو ظاهر سياق الرواية الأولى وهي: فعثرت بي فرسي فخررت عنها. وحينئذ يكون عثورها بدعائه ﷺ، والله أعلم.
قال سراقة «فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، لأنه وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ» .
وفي السبعيات «قال سراقة: يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر أمرك في العالم؛ وتملك رقاب الناس، فعاهدني أني إذا أتيتك يوم ملكك فأكرمني، فأمر عامر بن فهيرة، أي وقيل أبا بكر فكتب لي في رقعة من أدم، أي وقيل في قطعة من عظم، وقيل في خرقة» .
أقول: وحينئذ يمكن أن يكون كتب عامر بن فهيرة أولا فطلب سراقة أن يكون أبو بكر هو الذي يكتب، فأمره رسول الله ﷺ بكتابة ذلك، فأحدهما كتب في الرقعة من الأدم، والآخر كتب في العظم أو الخرقة. أو المراد بالخرقة الرقعة من الأدم، فلا مخالفة.
«ولما أراد الانصراف قال له: يكف بك يا سراقة إذا تسورت بسواري كسرى؟
قال كسرى بن هرمز؟ قال نعم» وسيأتي أن سراقة أسلم بالجعرانة، ولما قدم على رسول الله ﷺ بها قال له مرحبا بك.
وعن سراقة «لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين والطائف خرجت ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابي وأنا سراقة، فقال رسول الله ﷺ: يوم وفاء وبشر، أدنه، فدنوت منه وأسلمت» .
ولما جيء لعمر رضي الله تعالى عنه في زمن خلافته بسواري كسرى وتاجه ومنطقته أي وبساطه وكان ستين ذراعا في ستين ذراعا، منظوما باللؤلؤ والجواهر الملونة على ألوان زهر الربيع، كان يبسط له في إيوانه ويشرب عليه إذا عدمت الزهور- وجيء له بمال كثير من مال كسرى وبنات كسرى وكنّ ثلاثا وعليهنّ الحليّ والحلل والجواهر ما يقصر اللسان عن وصفه. وعند ذلك دعا سراقة وقال: ارفع يديك وألبسه السوارين وقال له: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك: أي ورفع عمر بها صوته
[ ٢ / ٦٢ ]
وصبّ المال الذي جيء به من أموال كسرى في صحن المسجد، وفرقه على المسلمين، ثم قطع البساط وفرقه بين المسلمين، فأصاب عليا رضي الله تعالى عنه منه قطعة باعها بخمسين ألف دينار. ثم جيء ببنات الملك الثلاث فوقفن بين يديه، وأمر المنادي أن ينادي عليهنّ، وأن يزيل نقابهنّ عن وجوههنّ ليزيد المسلمون في ثمنهن، فامتنعن من كشف نقابهن ووكزن المنادي في صدره فغضب عمر رضي الله تعالى عنه وأراد أن يعلوهن بالدرة وهن يبكين، فقال له علي رضي الله تعالى عنه:
مهلا يا أمير المؤمنين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ارحموا عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر» فسكن غضبه، فقال له علي: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال له عمر: كيف الطريق إلى العمل معهن؟ فقال: يقوّمن ومهما بلغ ثمنهن يقوم به من يختارهن، فقومن وأخذهن علي رضي الله تعالى عنه، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر فجاء منها بولده سالم، وأخرى لمحمد بن أبي بكر فجاء منها بولده القاسم، والثالثة لولده الحسين فجاء منها بولده عليّ الملقب بزين العابدين وهؤلاء الثلاثة فاقوا أهل المدينة علما وورعا، وكان أهل المدينة قبل ذلك يرغبون عن التسريّ، فلما نشأ هؤلاء الثلاثة فيهم رغبوا فيه.
ومن غريب الاتفاق ما حكاه بعضهم قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب وأعجب سعيد بي يوما، فقال لي: من أخوالك؟ فقلت: أمي فتاة، فكأني نقصت من عينه، فأنا عنده إذ دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر، فلما خرج من عنده، قلت له: يا عم من هذا؟ قال: سبحان الله أتجهل مثل هذا من قومك؟ هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت فمن أمه؟ قال فتاة. ثم دخل القاسم بن محمد فجلس عنده ثم نهض، فلما خرج قلت: يا عم من هذا؟ قال: ما أعجب أمرك! أتجهل مثل هذا؟
قال القاسم بن محمد بن أبي بكر، قلت: فمن أمه؟ قال فتاة. ثم دخل عليه علي بن الحسين فجلس ثم نهض، فلما خرج قلت له: من هذا؟ قال: عجبت منك! أتجهل مثل هذا؟ هذا علي زين العابدين بن الحسين، قلت: فمن أمه؟ قال: فتاة. قلت: يا عمي رأيتني نقصت من عينك لما علمت أن أمي فتاة فما لي في هؤلاء أسوة؟ فقال:
أجل وعظمت في عينه جدا.
ولما رجع سراقة صار يردّ عنهم الطلب، لا يلقى أحدا إلا ردّه، يقول: سيرت أي اختبرت الطريق فلم أراد أحدا. وفي لفظ قال لقريش: أي الجماعة منهم قصدوه ﷺ كأنهم أخبروا بمكان مسيره ذلك: قد عرفتم بصرى بالطريق، وقد سرت فلم أر شيئا فرجعوا» أي فإن كفار قريش لما سمعوا من الهاتف أي ومن غيره بأنه ﷺ نزل في خيمة أم معبد كما سيأتي، أرسلوا سرية في طلبه، يقول قائلهم: اطلبوه قبل أن يستعين عليكم بكلبان العرب، فيحتمل أن هؤلاء هم الذين ردهم سراقة، فكان
[ ٢ / ٦٣ ]
سراقة أول النهار جاهدا على رسول الله ﷺ وآخر النهار مسلحة أي سلاحا له.
وفي رواية «قال سراقة: خرجت وأنا أحب الناس في تحصيلهما، ورجعت وأنا أحب الناس في أن لا يعلم بهما أحد» ويحتمل أنه بعد أن ردهم سراقة ذهبوا إلى أمّ معبد.
ففي تتمة الخبر: أن تلك السرية جاءت إلى أمّ معبد فسألوها عن رسول الله ﷺ، فأشفقت: أي خافت عليه منهم، فتعاجمت عليهم: أي أظهرت عدم علمها بذلك؛ فقالت: إنكم تسألوني عن أمر ما سمعت به قبل عامي هذا، ثم قالت: لئن لم تنصرفوا عني لأصرخنّ في قومي عليكم وكانت في عز من قومها، فانصرفوا ولم يعلموا أين توجه: أي من أي طريق توجه، أي ولعلها قالت لهم ذلك لما رأت منهم التثقيل عليها وهذا السياق يدل على أن قصة سراقة قبل قصة أمّ معبد، وإلى قصة سراقة أشار صاحب الأصل بقوله:
غرّت سراقة أطماع فساخ به جواده فانثنى للصلح مطلبا
وإليها أشار أيضا صاحب الهمزية بقوله:
واقتفى أثره سراقة فاسته وته في الأرض صافن جرداء
ثم ناداه بعد ما سيمت الخس ف وقد ينجد الغريق النداء
أي وتبع أثره سراقة، فهوت: أي سقطت به صافن، وهي الفرس التي تقوم على ثلاث قوائم وتقيم الرابعة على طرف الحافر، وهو وصف محمود في الخيل.
جرداء، قصيرة الشعر، وذلك وصف محمود في الخيل أيضا بعد أن قاربت أن يخسف بها كلها. وقد يخلص الدعاء الغريق، كما وقع ليونس صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه.
قال: وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه «أنه قال: سرنا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق فلا يرى فيه أحد، رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسوّيت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ في ظلها، ثم بسطت له فروة معي، ثم قلت: يا رسول الله نم وأنا أتجسس وأتعرّف من تخافه فنام ﷺ وإذا براع يقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردناه: أي وهو الظل، فلقيته، فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من أهل مكة فسماه فعرفته» أي وقال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الراعي ولا على اسم صاحب الغنم «قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال نعم، قلت: أفتحلب لي؟ قال نعم، فأخذ شاة فحلب لي في قعب معه» وفي رواية في إداوة معي على فيها خرقة فأتيت النبي ﷺ، وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت
[ ٢ / ٦٤ ]
حتى أستيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن فشرب، لأنه جرت العادة بإباحة مثل ذلك لابن السبيل إذا احتاج إلى ذلك، فكان كل راع مأذونا له في ذلك أي كما تقدم، فلا ينافي ما جاء «لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه» أو أن هذا الحديث محمول على فعل ذلك اختلاسا من غير معرفة الراعي.
وأما قول بعضهم «إنما استجاز شربه لأنه مال حربي، ففيه نظر، لأن الغنائم:
أي أموال الحربيين لم تكن أبيحت له حينئذ؛ ثم قال: يعني النبي ﷺ: ألم يأن للرحيل؟ قلت بلى، فارتحلنا بعد ما زالت الشمس» انتهى.
أي وفي رواية «أن أبا بكر، قال: قد آن الرحيل يا رسول الله» أي دخل وقته، قال الحافظ ابن حجر: يجمع بينهما بأن يكون النبي ﷺ بدأ فسأل فقال له أبو بكر:
بلى، ثم أعاد عليه بقوله قد آن الرحيل «واجتازوا في طريقهم بأمّ معبد» أي واسمها عاتكة، وكان منزلها بقديد، أي وهو محل سراقة كما تقدم، ولعلها كانت بطرفه الأخير الذي يلي المدينة، ومنزل سراقة بطرفه الذي يلي مكة وكانت مسافته متسعة فليتأمل. «وكانت أمّ معبد امرأة برزة جلدة تختبي بفناء بيتها وتطعم وتسقي وهي لا تعرفهم، أي وسألوها لحما وتمرا» أي وفي رواية «أو لبنا يشترونه، فقالت: والله لو كانت عندنا شيء ما أعوزناكم» أي للشراء، وفي رواية «ما أعوزناكم القرى» لأنهم كانوا مسنتين: أي مجدبين «فقال لها رسول الله ﷺ: يا أم معبد هل عندك من لبن؟
قالت: لا والله، فرأى شاة خلفها الجهد عن الغنم» أي لم تطق اللحاق بها لما بها من الهزال «قال هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك قال: أتأذنين في حلابها؟ قالت: والله ما ضربها من فحل قط فشأنك» أي أصلح شأنك «بها إن رأيت منها حلبا فاحلبها، فدعا بها فمسح ظهرها بيده» أي وفي رواية «فبعث النبي ﷺ معبدا وكان صغيرا فقال ادع هذه الشاة، ثم قال: يا غلام هات فرقا، فمسح ظهرها» وفي رواية «فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمى الله تعالى، أي وقال: اللهم بارك لنا في شاتنا فدرت واجترت وتفاحجت» أي فتحت ما بين رجليها للحلب «ثم دعا بإناء يربض الرهط» أي يرويهم بحيث يغلب عليهم الريّ فيربضون وينامون. والرهط من الثلاثة للعشرة، وقيل من التسعة إلى الأربعين «فحلب فيها ثجا» أي بقوة لكثرة اللبن.
ومن ثم قال «حتى علاه البهاء» وفي رواية «حتى علته الثمالة» بضم المثلثة: أي الرغوة. وفي رواية «فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا عللا بعد نهل» أي مرة ثانية بعد الأولى «ثم شرب ﷺ، فكان آخرهم شربا» وقال «ساقي القوم آخرهم شربا» ثم حلب فيه وغادره» أي تركه عندها وارتحل، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي بقوله في تائيته:
[ ٢ / ٦٥ ]
مسحت على شاة لدى أم معبد بجهد فألفتها أدرّ حلوبة
وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله في وصف راحته الشريفة:
درت الشاة حين مرت عليها فلها ثروة بها ونماء
أي أرسلت الشاة لبنها حين مرت راحته الشريفة على تلك الشاة فلتلك الشاة بسبب تلك الراحة كثرة لبن وزيادة.
وعن أم معبد: أن هذه الشاة بقيت إلى خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى سنة ثماني عشرة، وقيل سبع عشرة من الهجرة، ويقال لتلك السنة عام الرمادة: أي وكانت تلك السنة أجدبت الأرض إجدابا شديدا، حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس ويذبح الرجل الشاة فيعافها، أي لخبث لحمها، وكانت الريح إذا هبت ألقت ترابا كالرماد، فسمي ذلك العام عام الرمادة، وعند ذلك آلى عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يذوق لبنا ولا سمنا ولا لحما حتى تحيا الناس: أي يجيء عليهم الحيا وهو المطر، وقال: كيف لا يعنيني شأن الرعية إذ لم يمسني ما مسهم، وهذا السياق يدل على أن الذي حلبه ﷺ عند أم معبد شاة واحدة.
وفي تاريخ العيني شارح البخاري، قال يونس «عن ابن إسحاق أنه دعا ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله وحلب في العس حتى أرغى، وقال اشربي يا أم معبد، فقالت اشرب اشرب فأنت أحق به فرده عليها فشربت ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فشربه، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك، فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فهيرة، وطلبت قريش رسول الله ﷺ حتى بلغوا أم معبد، فسألوا عنه ﷺ، ووصفوه لها، فقالت: ما أدري ما تقولون قد ضافني حالب الحائل، فقالوا: ذلك الذي نريده» .
وعند قول عمر رضي الله تعالى عنه ذلك، قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء، فقال عمر: هذا عم النبي ﷺ، وصنو أبيه، وسيد بني هاشم يعني العباس، فمشى إليه عمر وشكا إليه ما فيه الناس، فصعد عمر المنبر ومعه العباس، وقال: اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا وصنوا أبيه ﷺ فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين؛ ثم قال عمر للعباس: يا أبا الفضل قم وادع، فقام وحمد الله وأثنى عليه ودعا بدعاء منه: اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا. اللهم إنا نشكو إليك جوع كل جائع. اللهم إنا لا نرجو إلا إياك، ولا ندعو غيرك، ولا نرغب إلا إليك، فسقوا قبل أن يصلوا إلى منازلهم، وخاضوا في الماء وأخصبت الأرض، وعاش الناس، فقال عمر: هذا والله هو الوسيلة إلى الله تعالى، فصار الناس يتمسحون بالعباس ويقولون: هنيئا لك، سقينا في الحرمين.
[ ٢ / ٦٦ ]
وذكر السهيلي أن جماعة كانت مقبلة إلى المدينة في ذلك اليوم فسمعوا صائحا يصيح في السحاب. أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص.
هذا، وذكر العلامة ابن حجر الهيتمي في الصواعق عن تاريخ دمشق أن الناس كرروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا، فقال عمر رضي الله تعالى عنه، لأستسقين غدا بمن يسقيني الله به، فلما أصبح غدا للعباس رضي الله تعالى عنه فدق عليه الباب، فقال من؟ قال: عمر، قال: ما حاجتك؟ قال: اخرج حتى نستسقي الله بك، قال اقعد، فأرسل إلى بني هاشم أن تطهروا، والبسوا من صالح ثيابكم فأتوه، وأخرج طيبا وطيبهم، ثم خرج وعليّ أمامه بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره، وقال يا عمر لا تخلط بنا غيرنا، ثم أتى المصلى فوقف فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: اللهم إنك خلقتنا ولم تؤامرنا، وعلمت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا. اللهم فكما تفضلت علينا في أوله فتفضل علينا في آخره. قال جابر: فما برحنا حتى سحت السماء علينا سحا، فما وصلنا إلى منازلنا إلا خوضا، فقال العباس: أنا ابن المسقي ابن المسقي ابن المسقي ابن المسقي ابن المسقي خمس مرات، أشار إلى أن أباه عبد المطلب استسقى خمس مرات فسقي، هذا كلامه فلينظر الجمع.
قال ابن شهاب: كان أصحاب النبي ﷺ يعرفون للعباس فضله ويقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه: أي وكان لا يمر عمر وعثمان وهما راكبان إلا ترجلا حتى يجوز العباس، وربما مشيا معه إلى بيته إجلالا له، أي لأنه ﷺ قال «احفظوني في العباس، فإنه عمي وصنو أبي» وفي رواية «فإنه بقية آبائي» .
قالت أم معبد في وصف تلك الشاة «وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا» أي بكرة وعشية وما في الأرض قليل ولا كثير: أي مما يتعاطى الدواب أكله «ولما جاء زوجها أبو معبد» قال السهيلي: لا يعرف اسمه، وقيل اسمه أكثم بالثاء المثلثة كما تقدم، وقيل خنيس، وقيل عبد الله «جاء عند المساء يسوق أعنزا عجافا، ورأى اللبن الذي حلبه ﷺ عجب، وقال: يا أم معبد ما هذا اللبن ولا حلوب في البيت؟ أي والشاة عازب» أي لم يطرقها فحل، لكن رأيته في النور فسر العازب بالبعيدة المرعى التي لا تأوي إلى المنزل في الليل. وفي الصحاح: العازب الكلأ البعيد الذي لم يؤكل ولم يوطأ.
قالت: «مرّ بنا رجل مبارك، قال: صفيه، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه» أي مشرقه «في أشفاره» أي أجفان عينيه أي شعرها النابت بها «وطف» أي طول «وفي عينيه دعج» أي شدة سواد في بياض، أي وهذا هو الحور، ومن ثم
[ ٢ / ٦٧ ]
فسر بعضهم الدعج بشدة السواد. وفيه أنه ﷺ لم يكن بياض عينيه شديد البياض، بل كان أشكل العين. والشكلة: حمرة في بياض العين، وهو دليل الشهامة، وهي من علامات نبوته ﷺ في الكتب القديمة كما تقدم «وفي صوته صحل» أي بحة بضم الموحدة، أي ليس حاد الصوت «غصن بين الغصنين، لا تشنؤه من طول» أي لا تبغضه لفرط طوله «ولا تقتحمه من قصر» أي تحتقره من قصره «لم تعبه ثجلة» أي عظم البطن وكبرها «ولم تزر به صعلة» أي صغر الرأس، «كأن عنقه إبريق فضة» أي والإبريق السيف الشديد البريق «إذا نطق فعليه البهاء، وإذا صمت فعليه الوقار، له كلام كخرزات النظم، أزين أصحابه منظرا، وأحسنهم وجها، أصحابه يحفون به، إذا أمر ابتدروا أمره، وإذا نهى انتهوا عند نهيه» .
قال: وفي لفظ «أنها قالت: رأيت رجلا ظاهرا الوضاءة أبلج الوجه» أي مشرقه «حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزره صعلة، وسيما قسيما» أي حسنا «في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل» أو قالت «صهل، أحور أكحل» أي في أجفان عينيه سواد خلقه «وفي عنقه سطع» أي نور «وفي لحيته كثافة» أي لا طويلة ولا دقيقة «أزج» أي رقيق طرف «الحاجب، أقرن» أي مقرون الحاجبين «شديد سواد الشعر، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما به» أي ارتفع على جلسائه «وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم من قريب، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة لا تشنؤه» أي تبغضه «من طول» أي من فرط طوله «ولا تقتحمه عين من نظر» أي لا تتجاوزه إلى غيره اختيارا له «غصنا بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا؛ له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر ابتدروا إلى أمره، محفود مخدوم محشود، له حشد وجماعة، لا عابس ولا مفند» أي يكثر اللوم اهـ «قال: هذه والله صفة صاحب قريش، ولو رأيته لاتبعته، ولأجتهدن أن أفعل» .
أي وفي الإمتاع «ويقال إنها» أي أم معبد «ذبحت لهم شاة وطبختها فأكلوا منها، ووضعت لهم في سفرتهم منها ما وسعته تلك السفرة، وبقي عندها أكثر لحمها» .
وفي الخصائص الكبرى «أنه ﷺ بايعها» أي أسلمت قبل أن يرتحلوا عنها. وفي كلام ابن الجوزي أن أم معبد هاجرت وأسلمت وكذا زوجها هاجر وأسلم.
أقول: في شرح السنة للبغوي: وهاجرت هي وزوجها؛ وأسلم أخوها حبيش بن الأصفر، واستشهد يوم الفتح، وكان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك، ويقال إن زوجها خرج في أثرهم فأدركهم، وبايعه ﷺ ورجع.
وفي الأجوبة المسكتة لابن عون، قيل لأم معبد: ما بال صفتك لرسول الله ﷺ
[ ٢ / ٦٨ ]
أشبه به من سائر صفات من وصفه: أي من الرجال، فقالت: أما علمتم أن نظر المرأة من الرجل أشفى من نظر الرجل إلى الرجل؟.
وفي ربيع الأبرار للزمخشري عن هند بنت الجون «أنه ﷺ لما كان بخيمة خالتها أم معبد قام من رقدته، فدعا بماء فغسل يديه، ثم تمضمض ومجّ ذلك في عوسجة إلى جانب الخيمة فأصبحت وهي أعظم دوحة» أي شجرة ذات فروع كثيرة «وجاءت بثمر كأعظم ما يكون، في لون الورس، ورائحة العنبر، وطعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برىء، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا درّ فكنا نسميها المباركة، فأصحبنا في يوم من الأيام وقد سقط ثمرها واصفر ورقها ففزعنا لذلك، فما راعنا إلا نعي رسول الله ﷺ» قال:
والعجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما اشتهر أمر الشاة.
وعن أم معبد أنها قالت: مرّ علي خيمتي غلام سهيل بن عمرو ومعه قربتان، فقلت ما هذا؟ قال: إن النبي ﷺ كتب إلى مولاي: يستهديه ماء زمزم فأنا أعجل السير كي لا تنشف القرب، أي فإنه ﷺ كتب إلى سهيل بن عمرو «إن جاءك كتابي ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين حتى تبعث إليّ من ماء زمزم» فجاء بقربتين فملأهما من ماء زمزم وبعث بهما على بعير مولاه أزهر» ولا زال كفار قريش بمكة لا يعلمون أين توجه رسول الله ﷺ وأبو بكر حتى سمعوا هاتفا يذكرهما ويذكر أم معبد في أبيات، منها:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم ترحلا فأفلح من أمسى رفيق محمد
فعلموا توجهه ليثرب: أي وفي طريق اليمن محل يقال له الدهيم وبئر أم معبد، قال بعضهم: وليست بأم معبد التي نزل بها رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة.
ويجوز أن يكون الخبر الذي وصل إليهم في اليوم الثاني من خروجه من الغار هو قول هذا الهاتف أو عقبه من شخص رآهم، وإلى قول الهاتف أشار صاحب الهمزية بقوله:
وتغنت بمدحه الجن حتى أطرب الإنس منه ذاك الغناء
أي وأظهرت الجن أوصافه ﷺ الحميدة في صورة الغناء الذي تتولع به النفس حتى أطرب ذلك الغناء الإنس حيث سمعوه، وأما قول بعضهم إنهم علموا ذلك من هاتف هتف بقوله:
إن يسلم السعدان يصبح محمد من الأمر لا يخشى خلاف المخالف
فقالوا: السعود سعد بن بكر وسعد بن زيد مناة، وسعد هديم، فلما كانت
[ ٢ / ٦٩ ]
القابلة سمعوا ذلك الهاتف يقول:
فيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
فقالوا: سعد الأوس سعد بن معاذ، وسعد الخزرجين سعد بن عبادة، ففيه نظر، لأن السعدين المذكورين كانا أسلما قبل ذلك؟ فلا يحسن قوله إن يسلم السعدان.
أقول: يجوز أن تكون أن هنا بمعنى إذ: أي صيرورته ﷺ آمنا لا يخشى خلاف المخالف لأجل إسلام السعدين، أو المراد دوامهما على الإسلام، على أنه ذكر في الأصل إن إنشاد هذين البيتين وسماع أهل مكة له كان قبل إسلام سعد بن معاذ.
وذكر بعضهم أن السعود من الأنصار سبعة: أربعة من الأوس: سعد بن معاذ، وسعد بن خيثمة، وسعد بن عبيد، وسعد بن زيد، وثلاثة من الخزرج: سعد بن عبادة، وسعد بن الربيع وسعد بن عثمان أبو عبيدة، والله أعلم.
قال: وتقديم قصة سراقة على قصة أم معبد هو ما في الأصل، وقد التزم فيه ترتيب الوقائع وقضية الترتيب ذكر قصة أم معبد قبل قصة سراقة لأنه الصحيح الذي صرح به جماعة اهـ.
أقول: ومما يدل لذلك ما تقدم من أن كفار قريش لم يعلموا أين توجه ﷺ حتى سمعوا الهاتف يذكر أم معبد.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: لما خرج رسول الله ﷺ أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل وقفوا على الباب فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك؟ قلت: والله لا أدري، فرفع أبو جهل يده فلطم خدي لطمة خرم منها قرطي، أي وفي لفظ: طرح منها قرطي. والقرط: ما يعلق في شحمة الأذن، قالت. ثم انصرفوا فمضى ثلاث ليال ولم ندر أي توجه رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يغني بأبيات وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته حتى خرج بأعلى مكة يقول:
جزى الله رب الناس
الأبيات كذا في الأصل.
وفيه أن قولها لما خرج رسول الله ﷺ ظاهر في خروجه للغار، وقولها فمضى ثلاث لا ندري أين توجه يقتضي أن المراد خروجه من الغار، وتقدم أنهم علموا بخروجه إلى المدينة في اليوم الثاني من خروجه من الغار، وتقدم أنهم لم يعلموا بذلك إلا من الهاتف فليتأمل.
[ ٢ / ٧٠ ]
وقد تبع الأصل في ذلك شيخه الحافظ الدمياطي حيث قدّم خبر سراقة على قصة أم معبد، إلا أن يقال الدمياطي لم يلتزم الترتيب فلا تحسن تبعيته، وهنا قصة أخرى فيها زيادة ونقص. قيل هي قصة أم معبد وقيل غيرها، «وهي أنه اجتاز ﷺ بغنم فقال لراعيها لمن هذه؟ فقال لرجل من أسلم، فالتفت ﷺ قال لأبي بكر وقال:
سلمت إن شاء الله تعالى، ثم قال للراعي: ما اسمك؟ قال مسعود، فالتفت إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: سعدت إن شاء الله تعالى» .
وفي الإمتاع: ولقى بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه في ركب من قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا: أي والحصيب بضم الحاء المهملة وفتح الصاد.
وفي الشرف «أن بريدة لما بلغه ما جعلته قريش لمن يأخذ النبي ﷺ طمع في ذلك، فخرج هو في سبعين من أهل بيته. وفي لفظ كانوا نحو ثمانين بيتا، وحينئذ يراد ببيته قومه، فلما رآه ﷺ قال له: من أنت؟ قال: بريدة بن الحصيب، فالتفت النبي ﷺ: قال يا أبا بكر برد أمرنا وصلح، قال: ممن أنت؟ قال: من أسلم من بني سهم، قال النبي ﷺ سلمنا وخرج سهمك يا أبا بكر» أي لأنه ﷺ كان يتفاءل ولا يتطير كما تقدم. ثم قال بريدة للنبي ﷺ من أنت؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وكل من كان معه: أي وصلوا خلفه ﷺ العشاء الآخرة، ثم قال بريدة: يا رسول الله لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، فحلّ بريدة عمامته، ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه: أي وقال له كما في الوفاء: تنزل على من يا نبي الله؟ فقال النبي ﷺ: إن ناقتي هذه مأمورة، فقال بريدة: الحمد لله الذي أسلمت بنو سهم» يعني قومه «طائعين غير مكرهين» .
ولما سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله ﷺ من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حرّ الظهيرة.
أقول: ولعلّ خروجهم كان في ثلاثة أيام، وهي المدة الزائدة على المسافة المعتادة بين مكة والمدينة التي كان بها في الغار، والله أعلم.
فانقلبوا يوما بعد أن طال انتظارهم أي وأحرقتهم الشمس، وإذا رجل من اليهود صعد على أطم: أي محل مرتفع من آطامهم أي من محالهم المرتفعة لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين: أي لأنهم لقوا الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابا بيضا كما في البخاري.
[ ٢ / ٧١ ]
وقيل إن الذي كساهما طلحة بن عبيد الله. فقال في النور: ولعلهما لقياه معا أو متعاقبين فكسواه وأبا بكر ما ذكره، وهذا الجمع أولى من ترجيح الحافظ الدمياطي لهذا القيل ومن ثم ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا القيل هو الذي في السير. ومال الدمياطي إلى ترجيحه على عادته في ترجيح ما في السير على ما في الصحيح، لكنه ذكر أن ذلك كان شأنه في ابتداء أمره، فلما تضلع من الأحاديث الصحيحة كان يرى الرجوع عن كثير مما وافق عليه أهل السير وخالف الأحاديث الصحيحة.
فلما رآهم ذلك اليهودي يزول بهم السراب، أي يرفعهم ويظهرهم: أي والسراب ما يرى كالماء في وسط النهار في زمن الحرّ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم: أي حظكم الذي تنتظرون، أي وفي رواية: فلما دنوا من المدينة بعثوا رجلا من أهل البادية إلى أبي أمامة وأصحابه من الأنصار، أي ولا مانع من وجود الأمرين، فثار المسلمون إلى السلاح، فبلغوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، أي وفي لفظ: فوافوه وهو مع أبي بكر في ظل نخلة، ولعل تلك النخلة كانت بظهر الحرة فلا مخالفة، ثم قالوا لهما ادخلا آمنين مطمئنين.
وفي لفظ: فاستقبله زهاء خمسمائة أي ما يزيد على خمسمائة من الأنصار، فقالوا:
اركبا آمنين مطاعين، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بقباء في دار بني عمرو بن عوف، وذلك في يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول على كلثوم بن الهدم: أي لأنه كان شيخ بني عمرو بن عوف: أي وهم بطن من الأوس، قيل وكان يومئذ مشركا ثم أسلم وتوفي قبل بدر بيسير وقيل أسلم قبل وصوله ﷺ المدينة، أي وعند نزوله ﷺ نادى كلثوم بغلام له يا نجيح، فقال رسول الله ﷺ:
أنجحت يا أبا بكر، وكان يجلس للناس ويتحدث مع أصحابه في بيت سعد بن خيثمة: أي لأنه كان عزبا لا أهل له هناك، أي وكان منزله يسمى منزل العزاب، والعزب من الرجال من لا زوجة له ولا يقال أعزب، وقيل هي لغة رديئة.
أقول: وبذلك يجمع بين قول من قال: نزل على كلثوم وقول من قال: نزل على سعد بن خيثمة، ثم رأيت الحافظ الدمياطي أشار إلى ذلك، والله أعلم.
ونزل عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما قدم المدينة على كلثوم أيضا بقباء بعد أن تأخر بمكة بعده ﷺ ثلاث ليال يؤدي الودائع التي كانت عند النبي ﷺ، لأمره له ﷺ بذلك كما تقدم.
فلما توجه ﷺ إلى المدينة قام عليّ رضي الله تعالى عنه بالأبطح ينادي: من كان له عند رسول الله ﷺ وديعة فليأت تؤدى إليه أمانته، فلما نفد ذلك ورد عليه كتاب رسول الله ﷺ بالشخوص إليه، فابتاع ركائب وقدم ومعه الفواطم، ومعه أم أيمن وولدها أيمن، وجماعة من ضعفاء المؤمنين.
[ ٢ / ٧٢ ]
أقول: سيأتي ما يخالف ذلك، وهو «أنه ﷺ لما نزل في دار أبي أيوب بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة وأعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين يقدمان عليه بفاطمة وأم كلثوم بنته وسودة زوجته وأم أيمن وولدها أسامة» إلا أن يقال يجوز أن يكون الكتاب الذي فيه استدعاء سيدنا علي رضي الله تعالى عنه للهجرة كان مع زيد وأبي رافع رضي الله تعالى عنهما وأنهما صحباه. ولا ينافي ذلك ما تقدم من أنه ﷺ تأخر بعد عليّ رضي الله تعالى عنه بمكة ثلاث ليال يؤدي الودائع، لأن تلك الليالي الثلاث كانت مدة تأدية الودائع؛ ومكث بعدها إلى أن جاءه كتاب رسول الله ﷺ، وحينئذ يكون قدم على النبي ﷺ بالمدينة بعد نزوله بقباء على أم كلثوم فلا مخالفة، لكن في السيرة الهشامية «فنزل: أي عليّ معه أي مع النبي ﷺ على أم كلثوم» وهو لا يتأتى إلا على القول بأنه ﷺ مكث في قباء بضع عشرة ليلة كما سيأتي، وحينئذ يخالف ما سبق من مجيئه مع زيد وأبي رافع، لما علمت أنه ﷺ إنما أرسلهما بعد أن تحول من قباء إلى المدينة.
وفي الإمتاع: لما قدم عليّ من مكة كان يسير الليل ويكمن النهار حتى تفطرت قدماه، فاعتنقه النبي ﷺ، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وتفل في يديه وأمرّهما على قدميه فلم يشكهما بعد ذلك، ولا مانع من وقوع ذلك من عليّ مع وجود ما يركبه، لأنه يجوز أن يكون هاجر ماشيا رغبة في عظيم الأجر.
وفي السيرة الهشامية: أن إقامة عليّ بقباء كانت ليلة أو ليلتين، وأنه رأى امرأة مسلمة لا زوج لها يأتيها إنسان من جوف الليل يضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه، قال علي: فسألتها فقالت: هذا سهل بن حنيف قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى غدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا: أي اجعليه للنار، فكان عليّ يعرف ذلك لسهل بن حنيف والله أعلم.
قال: ونزل أبو بكر على حبيب بن أبي إساف، وقيل على خارجة بن زيد بالسنح بضم السين المهملة فنون ساكنة فحاء مهملة.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولد نبيكم يوم الاثنين، وحملت به أمه يوم الاثنين، وخرج من مكة: أي من الغار يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين.
قال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه ﷺ كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين. زاد بعضهم: وفتح مكة كان يوم الاثنين، ووضع الركن كان يوم الاثنين.
ومن الغريب ما حكاه بعضهم عن الربيع المالكي، وكان بمصر كان يوم الاثنين خاصة إذا نام فيه تنام عيناه ولا ينام قلبه. وقيل خرج من مكة أي إلى الغار يوم
[ ٢ / ٧٣ ]
الخميس، وعليه يكون مكث ﷺ في الغار تلك الليلة التي هي ليلة الجمعة، وليلة السبت وليلة الأحد، وعليه يكون خروجه من الغار صبيحة ليلة الأحد.
ففي البخاري «أتاهما» أي الدليل «براحلتيهما صبح ثلاث» وتقدم أن خروجهما إلى الغار كان ليلا من بيت أبي بكر، وقول أبي بكر «سرنا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة» يقتضي أنهما خرجا من الغار ليلا، بل أول الليل، لأن مع التأكيد يبعد أن يكون المراد بقية ليلتنا، وتقدم عن البخاري «أتاهما براحلتيهما صبح ثلاث» وحمل ذلك على ما قارب الصبح من الليل بعيد فليتأمل هذا المحل. وقيل دخلها أي المدينة ليلا كما في رواية لمسلم، أي وقال الحافظ ابن حجر: ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل فدخلها نهارا.
أقول: لعل مراد الحافظ أن الوصول كان ليلا إلى قرب المدينة فأقاموا بذلك المحل إلى أن أسفر النهار وساروا فما وصلوا إلا وقت الظهيرة، فلا يخالف ما تقدم، وقيل دخلها يوم الجمعة. وذكر الحافظ ابن حجر أنه شاذ والله أعلم.
وسرى السرور إلى القلوب بحلوله ﷺ في المدينة. فعن البراء رضي الله تعالى عنه، قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير:
أي الأسطحة عند قدومه ﷺ يعلنّ بقولهن: طلع البدر علينا. الخ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
قال: واستشكل بأن ثنيات الوداع ليست من جهة القادم من مكة، بل هي من جهة الشام. فقد قال ابن القيم في الهدى في غزوة تبوك: ثنيات الوداع من جهة الشام لا يطؤها القادم من مكة. ونقل الحافظ ابن حجر عنه عكس ذلك، وليس في محله، وأجيب بأنه ﷺ جاء من جهتها في دخوله للمدينة عند خروجه من قباء اهـ.
أي وفي كلام بعضهم: ما كان أحد يدخل المدينة إلا منها، فإن لم يعبر منها مات قبل أن يخرج لوبائها كما زعمت اليهود، فإذا وقف عليها قيل قد ودع فسميت به؛ وقيل قيل لها ثنية الوداع لأن المودع يمشي مع المسافر من المدينة إليها، وهو اسم قديم جاهلي، وقيل إسلامي؛ سمي ذلك المحل لذلك، وقيل لأن الصحابة
[ ٢ / ٧٤ ]
رضي الله تعالى عنهم ودعوا فيها النساء اللاتي استمتعوا بهن في خيبر عند رجوعهن من خيبر، أو وقع توديع من خرج إلى غزوة تبوك فيها، أو لكونه ﷺ ودّع بعض المسافرين عندها، وهذا يدل على أن هذا الشعر قيل له عند دخوله المدينة لا عند دخوله قباء، وسياق بعضهم يقتضيه؛ وسياق بعض آخر يقتضي أنه كان عند دخوله قباء؛ ومن هذا تعلم أن المدينة تطلق ويراد بها ما يشمل قباء، ومنه قولنا وسرى السرور إلى القلوب بحلوله ﷺ في المدينة؛ فعن البراء إلى آخره، وهي المرادة بدخوله المدينة يوم الاثنين على ما تقدم؛ وتطلق ويراد بها ما قابل قباء وحينئذ تكون هذه المرادة بقول أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة إلى آخره، ولعل منه ما في بعض الروايات المتقدمة «دخل المدينة يوم الجمعة» الذي حكم الحافظ ابن حجر بشذوذه كما تقدم.
«ولما جلس رسول الله ﷺ قام أبو بكر للناس» أي وأبو بكر شيخ: أي شيبه ظاهر، والنبي ﷺ شاب: أي شعر لحيته أسود مع كونه أسن من أبي بكر كما تقدم.
وقد قال أنس: لم يكن في الذين هاجروا أشمط غير أبي بكر «فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يجيء أبا بكر فيعرفه بالنبي ﷺ حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرفه الناس» أي عرفه من جاء منهم بعد ذلك: أي لأن عدم تأثير الشمس فيه لتظليل الغمامة كان قبل البعثة إرهاصا كما تقدم.
ومما يدل على أن خروجه من قباء كان يوم الجمعة قول بعضهم «ولبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف» أي في قباء «بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثة ويوم الأربعاء ويوم الخميس وخرج يوم الجمعة» وقيل لبث بضع عشرة ليلة، وهو المنقول عن البخاري.
وعن ابن عقبة «أقام ﷺ ثنتين وعشرين ليلة» وفي الهدى «أقام أربعة عشر يوما» وهو ما في صحيح مسلم فليتأمل «وأسس في قباء المسجد الذي أسس على التقوى:
أي الذي نزلت فيه الآية، وصلى فيه رسول الله ﷺ» قال في الهدى: ولا ينافي هذا قوله ﷺ «وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: مسجدكم هذا، وأشار لمسجد المدينة» أي وفي رواية «فأخذ حصاة فضرب به الأرض، وقال:
مسجدكم هذا» يعني مسجد المدينة، لأن كلا منهما مؤسس على التقوى هذا كلامه.
ويوافقه ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرى كل مسجد بني المدينة الشاملة لقباء أسس على التقوى: أي لكن الذي نزلت فيه الآية مسجد قباء «وكان خروجه ﷺ من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار» قال: قيل وكان محل مسجد قباء مربد أي محلا يجفف فيه التمر لكلثوم بن الهدم، وهو أول مسجد بني
[ ٢ / ٧٥ ]
في الإسلام لعموم المسلمين، فلا ينافي أنه بني قبله غيره من المساجد لكن لخصوص الذي بناه كالمسجد الذي بناه الصديق بفناء داره بمكة كما تقدم انتهى.
أي وفي كلام ابن الجوزي: أول من بنى مسجدا في الإسلام عمار بن ياسر.
وفي السيرة الهشامية عن الحكم بن عيينة «لما قدم رسول الله ﷺ فنزل قباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله ﷺ بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء» أي فإنه لما جمع الحجارة أسسه ﷺ واستتم بنيانه عمار، فعمار أول من بنى مسجدا لعموم المسلمين.
قال: وعن جابر «لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ بسنتين، نعمر المساجد، ونقيم الصلاة» انتهى.
ونعمر يحتمل أن يكون بالتخفيف فيكون عطف نقيم الصلاة من عطف التفسير. ويحتمل أن يكون بالتشديد فيكون بناء المساجد تعدد في المدينة قبل قدومه ﷺ.
وفيه أن الحافظ ابن حجر قال: كان بين ابتداء هجرة الصحابة وبين هجرته ﷺ شهران ونصف شهر على التحرير كما تقدم، أي ورواية جابر تدل على أنه كان بين اجتماع الاثني عشر من الأنصار به ﷺ ومجيئهم إلى المدينة وبين قدومه ﷺ للمدينة سنتان.
وقد يقال: ليس مراد جابر أن ابتداء المدة من قدوم الاثني عشر عليه، بل مراده أن ابتداءها من قدوم الستة عليه الذين منهم جابر، والمدة تزيد على السنتين فليتأمل. وهو: أي مسجد قباء أول مسجد صلى فيه ﷺ بأصحابه جماعة ظاهرين أي آمنين.
وقيل: إن هذا المسجد بناه المهاجرون والأنصار يصلون فيه، فلما هاجر رسول الله ﷺ وورد قباء صلى فيه ولم يحدث فيه شيئا.
ويخالفه ما تقدم عن السيرة الهشامية، وما في الطبراني بسند رجاله ثقات، عن الشموس بفتح الشين المعجمة بنت النعمان رضي الله تعالى عنها قالت «نظرت إلى رسول الله ﷺ حين قدم ونزل وأسس المسجد مسجد قباء، فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يصهره الحجر» أي يتبعه «فيأتي الرجل من أصحابه فيقول: يا رسول الله بأبي أنت وأمي تعطيني أكفك. فيقول: لآخذ مثله حتى أسسه.
أي وجاء «أنه ﷺ لما أراد بناءه قال: يا أهل قباء ائتوني بأحجار من الحرة، فجمعت عنده أحجار كثيرة، فخط القبلة وأخذ حجرا فوضعه، ثم قال: يا أبا بكر خذ بحجر فضعه إلى جنب حجري، ثم قال: يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب
[ ٢ / ٧٦ ]
حجر أبي بكر، ثم قال: يا عثمان خذ حجر فضعه إلى جنب حجر عمر» قال بعضهم: كأنه ﷺ أشار إلى ترتيب الخلافة، وسيجيء في بناء مسجد المدينة نحوه، ويحتاج للجمع بين هذه الروايات.
وبعد تحوله ﷺ إلى المدينة كان يأتيه يوم السبت ماشيا وراكبا وقال «من توضأ وأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه كان له أجر عمرة» وروي: أي الترمذي والحاكم وصححاه عن أسيد بن حضير عن النبي ﷺ أنه قال «صلاة في مسجد قباء كعمرة» وفي رواية «من صلى في مسجد قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة» وكان عمر رضي الله تعالى عنه يأتيه يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: لو كان بطرف من الأطراف. وفي رواية في أفق من الآفاق لضربت إليه أكباد الإبل.
أي وصحح الحاكم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال «كان رسول الله ﷺ يكثر الاختلاف إلى قباء ماشيا وراكبا» وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن أبيه قال «خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء» وعن ابن عمر «أنه ﷺ كان يأتي مسجد قباء فيصلي فيه ركعتين» وعنه قال «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى قباء فقام يصلي فجاءته الأنصار تسلم عليه. فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم، قال: يشير إليهم بيده وهو يصلي» أي يجعل باطنها إلى أسفل وظهرها إلى فوق.
وقد وقعت له ﷺ الإشارة في الصلاة برد السلام لما قدمت عليه ابنته رضي الله تعالى عنها من الحبشة وهو يصلي فسلمت فأومأ إليها برأسه.
وفي الهدى: وأما حديث «من أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فليعد صلاته» فحديث باطل. وفي كلام بعضهم: قد ثبت في الأحاديث الصحيحة «أنه ﷺ كان إذا سلم عليه أحد وهو في الصلاة أشار باصبعه المباركة جواب السلام» وليس لهذه الأحاديث معارض إلا حديث مجهول، وهو «من أشار في صلاته إشارة مفهمة فليعد صلاته» وهذا الحديث لا يصلح للمعارضة.
ولما نزل قوله تعالى فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التّوبة: الآية ١٠٨] أرسل رسول الله ﷺ يسألهم عن ذلك فقال: ما هذا الطهور الذي أنثى الله عليكم به. فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه، فقال: هو هذا» وفي لفظ «أتاهم رسول الله في مسجد قباء» أي وفي الكشاف «ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال: أمؤمنون أنتم؟ فسكت القوم ثم أعادها، فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا منهم، فقال ﵊: أتؤمنون بالقضاء؟ قالوا نعم، قال: وتصبرون على البلاء؟ قالوا نعم، قال: أتشكرون على الرخاء؟
قالوا نعم، قال ﵊: مؤمنون ورب الكعبة، فجلس وقال: يا معشر
[ ٢ / ٧٧ ]
الأنصار إن الله ﷿ قد أثنى عليكم، فما الذي تتبعون عند الوضوء وعند الغائط» أي المعبر عنه بالطهور «فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا النبي ﷺ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التّوبة: الآية ١٠٨]» هذا كلامه. وفي رواية، «فقال إن الله قد أحسن إليكم الثناء في الطهور، فما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟
قالوا: يا رسول الله ما نعلم شيئا، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلناها كما غسلوا» وفي لفظ «كنا نستنجي بالماء في الجاهلية، فلما جاء الإسلام لم ندعه، قال: فلا تدعوه» وفي لفظ «قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنانة، فقال: هل مع ذلك غيره؟ قالوا لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحبّ أن يستنجي بالماء» وفي رواية، «نستنجي من البول والغائط» زاد في رواية «ولا ننام الليل كله على الجنابة، قال: هو ذاك فعليكموه» أي ألزموه.
أي وفي مسند البزار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ﷺ لما سألهم قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. قال بعضهم في إسناده ضعف، وبهذا وما تقدم من ذكر الحجارة يرد على الإمام النووي حيث قال: هكذا أي ذكر الحجر مع الماء في خبر الأنصار بقباء رواه الفقهاء في كتبهم، وليس له أصل في كتب الحديث، بل المذكور فيها أنهم قالوا كنا نستنجي بالماء وليس فيها مع الحجر. أي ويكون السكون عن ذكر الحجر لكونه كان معلوما فعله.
وفي الخصائص الصغرى أن مما اختص به ﷺ في شرعه وأمته الاستنجاء بالجامد، وبالجمع فيه بين الماء والحجر.
ومن أهل قباء عويمر بن ساعدة قال في حقه ﷺ «نعم العبد من عباد الله والرجل من أهل الجنة عويمر بن ساعدة» أي لأنه كان أول من استنجى بالماء كما قيل، أي ومن ثم جاء تخصيصه بالسؤال. فقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «بعث رسول الله ﷺ إلى عويمر بن ساعدة فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به. فقال: يا نبي الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط» الحديث، وهذا السياق ربما يقتضي أن الاستنجاء بالماء لم يكن معروفا في غير أهل قباء نزول هذه الآية.
وفي كلام بعضهم: أول من استنجى بالماء إبراهيم الخليل. وكره بعض الصحابة الاستنجاء بالماء وهو حذيفة، ولعله لكونه في الاستنجاء بالماء عدول عن الرخصة.
ونقل عن ابن عمر أنه كان لا يستنجي بالماء، ولعله لما ذكرنا، وكذا ما نقل عن ابن الزبير «ما كنا نفعله» وعن الإمام أحمد أنه لم يصح حديث في الاستنجاء بالماء. وبالغ مغلطاي في رده. وعن سيدنا مالك إنكار أن النبي ﷺ استنجى بالماء،
[ ٢ / ٧٨ ]
ولعل المراد إنكار صحة ذلك عنه ﷺ فليتأمل.
وذكر الأحجار في الخبر يؤيد ظاهره ما ذكره إمامنا في الأم أن سنة الجمع بين الحجر والماء تتوقف على كون الاستنجاء بالحجر كافيا لو اقتصر عليه بقوله والاستنجاء بالحجر كاف، ولو أتى به: أي بالاستنجاء الكافي رجل ثم غسل بالماء كان أحب إليّ، وإنما قلنا ظاهره لإمكان رجوع الضمير للاستنجاء لا بقيد كونه كافيا.
والذي عليه متأخرو أصحابنا أن سنة الجمع يكتفي فيها بإزالة العين ولو بحجر واحد. وقد يقال هذا محبوب، وما ذكره الإمام أحب.
ولا يخفى أن حديث الأنصار يقتضي اختصاص سن الجمع بين الحجر والماء بالغائط، وبه قال القفال في كتابه «محاسن الشريعة» والمفهوم من نص الأم أن مثل الغائط البول، ثم بعد إقامته ﷺ المدة المذكورة بقباء ركب راحلته الجدعاء، وقيل القصواء، وقيل العضباء. أي قاصدا المدينة. والجدعاء بالدال المهملة: المقطوعة الأنف أو مقطوعة الأذن كلها. والقصواء: المقطوع طرف أذنها. والعضباء: المشقوقة الأذن. قال بعضهم. وهذه ألقاب، ولم يكن بها: أي بتلك النوق شيء من ذلك، وسيأتي عن الأصل أن هذه ألقاب لناقة واحدة.
ولما ركب ﷺ وخرج من قباء وسار سار الناس معه ما بين ماش وراكب أي ولازال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا: أي حرصا على كرامة رسول الله ﷺ وتعظيما له حتى دخل المدينة. قال: وصار الخدم والصبيان يقولون: الله أكبر، جاء رسول الله ﷺ، جاء محمد ﷺ، ولعبت الحبشة بحرابها فرحا برسول الله ﷺ. وقد قالت بنو عمرو بن عوف له ﷺ: «يا رسول الله أخرجت ملالا لنا، أم تريد دارا خيرا من دارنا؟ قال إني أمرت بقرية تأكل القرى» أي تغلبها وتقهرها، والمراد أهلها: أي أن أهلها تفتح القرى فيأكلون أموال أهل تلك القرى، ويسبون ذراريهم فخلوا سبيلها، يعني ناقته ﷺ، أي ومن أسماء تلك القرية المدينة.
وروى الشيخان «أمرت بقرية تأكل القرى يثرب وهي المدينة» فالمدينة علم بالغلبة على تلك القرية كالنجم للثريا إذا أطلق فهي المرادة، وإن أريد غيرها قيد، والنسبة إليها مدني، ولغيرها من المدن مديني للفرق بينهما. ويثرب: اسم محل فيها سميت كلها به، ولعل ذلك المحل سمي بذلك لأنه نزل به يثرب من نسل نوح.
وفي الحديث «المدينة تنفي الناس» أي شرارهم «كما ينفي الكبير خبث الحديد» .
ففي بعض الروايات «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» قيل وكان ذلك في حياته ﷺ. وقيل يكون ذلك في زمن الدجال، فقد جاء أن الدجال يرجف بأهلها
[ ٢ / ٧٩ ]
فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه» وفي رواية «ينزل الدجال السبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل منافق وكافر» وبهذا استدل من قال: كون المدينة تنفي الخبث ليس عاما في الأزمنة ولا في الأشخاص، لأن المنافقين كانوا بها، وخرج منها جماعة من خيار الصحابة منهم علي وطلحة والزبير وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود.
وفي كلام ابن الجوزي أن عبد الله بن مسعود مات بالمدينة، وقد قال ﷺ:
«أيّ أرض مات بها رجل من أصحابي كان قائدهم ونورهم يوم القيامة» وفي رواية «فهو شفيع لأهل تلك الأرض» .
وأما قوله ﷺ «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» أي خير لهم من بلاد الرخاء، بدليل صدر الحديث «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله من هو خير منه» أي من خرج منها رغبة عنها إلى غيرها من بلاد الرخاء والسعة فلا دليل في ذلك على أنها أفضل من مكة.
ومن أسمائها أكالة البلدان، ومن أسمائها البارة بتشديد الراء، وتسمى الفاضحة لأن من أضمر فيها شيئا أظهر الله ما أضمره وافتضح به: أي فالمراد أضمر شيئا من السوء. وقد قال ﷺ «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى، هي طابة» كشامة «هي طابة، هي طابة، قال ذلك ثلاثا» وفي رواية «فليستغفر الله، فليستغفر الله، فليستغفر الله، هي طيبة» كهيبة «هي طيبة، هي طيبة، هي طائب» ككاتب.
قيل: وإنما سميت طيبة لطيب رائحة من مكث بها وتزايد روائح الطيب بها، ولا يدخلها طاعون ولا دجال، ولا يكون بها مجذوم: أي لأن ترابها يشفي من الجذام، وتسميتها يثرب في القرآن إنما هو حكاية لقول المنافقين أي بعد نهيهم عن ذلك، وقوله ﷺ «لا أراها إلا يثرب» أي ونحو ذلك من كل ما وقع في كلامه ﷺ من تسميتها بذلك كان قبل النهي عن ذلك انتهى.
أي وجاء «إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها» ويأزر بكسر الزاي أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض، وفي رواية «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، يأزر كما تأزر الحية إلى جحرها»، وإنما كرهت تسميتها بيثرب، لأن يثرب مأخوذ من التثريب وهو المؤاخذة بالذنب، ومنه قوله تعالى لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف: الآية ٩٢] أو من الثرب بالتحريك وهو الفساد.
وعن القاسم بن محمد، قال: بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسما، وقيل
[ ٢ / ٨٠ ]
أحد عشر، من جملتها سكينة، أي ومن جملتها الجابرة: أي التي تجبر، والعذراء والمرحومة. وفي كلام بعضهم: لها نحو مائة اسم منها دار الأخيار، ودار الأبرار، ودار الإيمان، ودار السنة، ودار السلامة، ودار الفتح. قال الإمام النووي: لا يعرف في البلاد أكثر اسما منها ومن مكة.
ومما يدل على أن خروجه ﷺ من قباء متوجها إلى المدينة كان يوم الجمعة قول بعضهم: وعند مسيره ﷺ إلى المدينة أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي بمن معه من المسلمين وهم مائة، وصلاها بعد ذلك في المدينة وكانوا به ﷺ أربعين.
فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا، أي ولم يحفظ أنه صلاها مع النقص عن هذا العدد ومن حينئذ صلى الجمعة في ذلك المسجد. سمي هذا المسجد بمسجد الجمعة، وهو على يمين السالك نحو قباء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة: أي وخطب لها، وهي أول خطبة خطبها في الإسلام أي ومن خطبته تلك «فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإنها تجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والسلام على رسول الله ﷺ ورحمة الله وبركاته» وفي رواية «والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ونقل القرطبي هذه الخطبة في تفسيره، وأوردها جميعها في المواهب، وليس فيها هذا اللفظ.
أقول: هذا واضح إن كان أقام في قباء الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس كما تقدم وأما على أنه ﷺ أقام بضع عشر ليلة أو أكثر من ذلك كما تقدم، فيبعد أنه لم يصل الجمعة في قباء في تلك المدة. ثم رأيت في كلام بعضهم أنه كان يصلي الجمعة في مسجد قباء في إقامته هناك.
أي ويبعد أن صلاها من غير خطبة. وفي الجامع الصغير «إن الله كتب عليكم الجمعة في مقامي هذا، وفي ساعتي هذه، في مشهدي هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، من تركها من غير عذر مع إمام عادل أو إمام جائر فلا جمع له شمله ولا بورك له في أمره، إلا ولا صلاة له ولا حج له، إلا ولا بركة له ولا صدقة له» فإن كان قال ذلك في هذه الخطبة التي خطبها في مسجد الجمعة كما هو المتبادر، اقتضى ذلك أنها لم تكن واجبة قبل ذلك وهو مخالف قول فقهائنا أنها وجبت بمكة ولم تقم بها لعدم قدرتهم على إظهارها بمكة، لأن إظهارها أقوى من إظهار جماعة الصلوات الخمس.
وفي الإتقان مما تأخر حكمه عن نزوله آية الجمعة فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة. وقول ابن الغرس إن اقامة الجمعة لم تكن بمكة قط يرده ما أخرجه ابن ماجه
[ ٢ / ٨١ ]
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع النداء يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا؟ قال:
أي بني، كان أول من صلى بنا الجمعة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ من مكة، هذا كلامه، وليتأمل ما وجه الرد من هذا.
وجاء «صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها، وصيام شهر رمضان في المدينة ألف شهر فيما سواها» كذا في الوفاء عن نافع عن ابن عمر. وأوّل قرية صليت فيها الجمعة بعد المدينة قرية عبد القيس بالبحرين، وهل كانت الخطبة قبل الصلاة أو بعدها.
في الدر أنه ﷺ كان وهو بالمدينة يخطب الجمعة بعد أن يصلي مثل العيدين، فبينما هو يخطب يوم الجمعة قائما، إذ قدمت عير دحية الكلبي، وكان إذا قدم يخرج أهله للقائه بالطبل واللهو، ويخرج الناس للشراء من طعام تلك العير والتفرج عليها، وقيل للتفرج على وجه دحية، فقد قيل كان إذا قدم دحية المدينة لم تبق معصر إلا خرجت لتنظر إليه لفرط جماله. ولا مانع أن يكون ذلك لاجتماع الأمرين، فانفض الناس ولم يبق معه ﷺ إلا نحو اثني عشر رجلا. والجلال المحلي في قطعة التفسير أسقط لفظ نحو: أي وانفضاض ما عدا هؤلاء، يحتمل أن يكون بعد ذلك في حال الخطبة قبل تمام الأركان. ويحتمل أن يكون بعد ذلك.
وعلى الأول: يجوز أن يكون رجع ممن انفض ما يكمل به العدد أربعين قبل طول الفصل. وقد أعاد ﷺ ما لم يسمعوه من أركان الخطبة عند انفضاضهم، فلا يخالف ما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجوب سماع أربعين لأركان الخطبة.
قال مقاتل: بلغني أنهم فعلوا ذلك أي الانفضاض عند الخطبة ثلاث مرات، فأنزل الله تعالى وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا [الجمعة: الآية ١١] الآية. ثم صار ﷺ يخطب قبل أن يصلي أي ليحافظ الناس على عدم الانفضاض لأجل الصلاة، وعليه انعقد الإجماع، فلا نظر لمخالفة الحسن البصري. وحينئذ يكون قول بعض فقهائنا استدلالا على وجوب تأخر صلاة الجمعة عن الخطبتين يثبت صلاته ﷺ بعد خطبتين أي استقر ثبوت ذلك.
وعن الزهري «بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا خطب» أي في غير الخطبة المتقدمة «كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر من الناس، يريد الناس أمرا ويريد الله أمرا، فما شاء الله كان لا ما شاء الناس، وما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما
[ ٢ / ٨٢ ]
بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله» والله أعلم.
ثم ركب ﷺ راحلته بعد الجمعة متوجها للمدينة: أي وقد أرخى زمامها ولم يحركها وهي تنظر يمينا وشمالا، فسأله بنو سالم منهم عتبان بكسر العين المهملة ابن مالك، ونوفل بن عبد الله بن مالك، وعبادة بن الصامت، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعزة والمنعة. وفي لفظ «والثروة» وفي لفظ «أنزل فينا، فإن فينا العدد والعدة والحلقة» أي السلاح «ونحن أصحاب الحدائق والدرك، يا رسول الله كان الرجل من العرب يدخل هذه البحيرة خائفا فيلجأ إلينا، فقال لهم خيرا، وقال:
خلوا سبيلها» يعني ناقته «دعوها فإنها مأمورة»، أي وفي رواية «إنها مأمورة خلوا سبيلها وهو يتبسم ويقول: بارك الله عليكم، فانطلقت حتى وردت دار بني بياضة» أي محلتهم، أي والمراد القبيلة «فسأله بنو بياضة أي ومنهم زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو ومثل ما تقدم، وأجابهم بأنها مأمورة خلوا سبيلها، فانطلقت حتى وردت دار بني ساعدة أي ومنهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة، فسأله بنو ساعدة بمثل ذلك وأجابهم بخلوا سبيلها فإنها مأمورة، فانطلقت حتى مرت بدار عديّ بن النجار وهم أخواله ﷺ» أي أخوال جده عبد المطلب كما تقدم أي بأوائل دورهم «فسأله بنو عدي بن النجار أي أولئك الطائفة منهم بمثل ما تقدم» أي وفي رواية «أنهم قالوا له: نحن أخوالك، هلم إلى العدة والمنعة والعزة مع القرابة لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله» أي زاد في رواية لا تجاوزنا، ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا، وأجابهم بأنها مأمورة، فانطلقت حتى بركت في محل من محلات بني النجار وذلك في محل المسجد، أي محل بابه أو في محل المنبر الآن وذلك عند دار بني مالك بن النجار، وعند باب أبي أيوب الأنصاري» أي واسمه خالد بن زيد النجاري الأنصاري الخزرجي شهد العقبة وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان مع علي بن أبي طالب من خاصته شهد معه الجمل وصفين والنهروان. غزا أيام معاوية أرض الشام مع يزيد بن معاوية سنة خمسين، وقيل:
إحدى وخمسين فتوفي عند مدينة قسطنطينية فدفن هناك. وأمر يزيد بالخيل فجعلت تقبل وتدبر على قبره حتى خفي أثر القبر خوفا أن تنبشه الكفار، فكان المشركون إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فيمطروا فلم ينزل عنها ﷺ ثم وثبت، وسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها، ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مبركها فبركت فيه وتجلجلت أي بالجيم تضعضعت ووضعت جرانها أي باطن عنقها من المذبح إلى المنحر، وأزرمت أي صوتت من غير أن تفتح فاها فنزل عنها ﷺ، وقال رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: الآية ٢٩] أي قال ذلك أربع مرات، وأخذه ﷺ الذي كان يأخذه عند الوحي أي وسري عنه وقال: هذا إن شاء الله يكون المنزل أي وأمر
[ ٢ / ٨٣ ]
أن يحط رحله وفي لفظ: أن أبا أيوب قال له ائذن لي أن أنقل رحلك فأذن له، واحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، أي وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده، أي وذكر بعضهم أن أبا أيوب لما نقل رحله أناخ الناقة في منزله. وقد يقال: لا مخالفة، لجواز أن يكون أسعد أخذ بزمامها بعد ذلك فكانت عنده.
أي وعن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه «لما قدم النبي ﷺ المدينة اقترعت الأنصار أيهم يأويه فقرعتهم» الحديث. وقد يقال: مراده بالأنصار أهل تلك المحلة التي بركت فيها الناقة.
وذكر السهيلي أنها لما ألقت جرانها في دار بني النجار: أي في محل من محلاتها جعل رجل من بني سلمة وهو جبار بن صخر، أي وكان من صالحي المسلمين ينخسها رجاء أن تقوم فينزل في دار بني سلمة فلم تفعل.
وجاء أنه ﷺ «قال خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» .
ولما بلغ ذلك سعد بن عبادة وجد في نفسه وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع، أسرجوا إليّ حماري أتي رسول الله ﷺ فكلمه ابن أخته سهل، فقال: أتذهب لتردّ على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ أعلم؟ أو ليس حسبك أن تكون رابع أربع، فرجع وقال: الله ورسوله أعلم، وأمر بحماره فحل عنه. وفي رواية قال له: اجلس، ألا ترضى أن سماك رسول الله في الأربع الدور التي سمى، فمن ترك فلم يسم أكثر ممن سمي، فانتهى سعد بن عبادة عن كلام رسول الله ﷺ وخرجت جويريات من بني النجار بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فخرج إليهن رسول الله ﷺ، وقال: «أتحببنني، وفي رواية أتحبوني؟ قلن نعم يا رسول الله، فقال: الله يعلم أن قلبي يحبكن» وفي رواية «والله أحبكم» وفي رواية «وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم قال ذلك ثلاثا» وهذا دليل لسماع الغناء على الدفّ من المرأة لغير العرس؛ ويدل لذلك أيضا ما جاء عن ابن عباس مرفوعا «أن أصحاب النبي ﷺ جلسوا سماطين، وجاءت جارية يقال لها سيرين معها مزهر تختلف به بين القوم، وهي تغنيهم وتقول:
هل عليّ ويحكم إن لهوت من حرج
فتبسم النبي ﷺ وقال: «لا حرج إن شاء الله تعالى» .
وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها «دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان من جواري الأنصار يغنيان» وفي رواية «يضربان بدفين، فاضطجع ﷺ على
[ ٢ / ٨٤ ]
الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فانتهرني، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: دعها» وفي رواية «قال أبو بكر بمزمور» وفي رواية «بمزمار» وفي لفظ «بمزمارة الشيطان في بيت رسول الله ﷺ، قال ذلك مرتين وانتهرني، وكان ﷺ متغشيا بثوبه، فكشف النبي ﷺ عن وجهه الشريف، فقال: دعها يا أبا بكر فإنها أيام عيد» أي لأن تلك كانت أيام منى.
وقيل كان يوم عيد الفطر. وقيل الأضحى، ولا مانع من تعدد الواقعة.
أقول: في البخاري عن الربيّع بنت معوّذ «أنه ﷺ دخل عليها غداة بنى عليها وعندها جويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال لها النبي ﷺ لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين» .
وفي حديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ خرج في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف، فقال لها: إن كنت نذرت فاضربي، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحتها وقعدت عليه؛ فقال النبي ﷺ: إن الشيطان ليفرق منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب ودخل أبو بكر وهي تضرب، فلما دخلت أنت ألقت الدف» أي وإذا كان الشيطان يخاف منك فما بالك بامرأة ضعيفة العقل.
ولا ينافي هذا: أي سماعه الغناء من المرأة مع الضرب على الدف ما تقدم في باب ما حفظ به ﷺ في صغره من أمر الجاهلية، لأن الدف ثم كان معه مزمار بخلافه هنا، وتسمية أبي بكر رضي الله تعالى عنه الدف مزمارا، لأنه كان يعتقد حرمة ذلك، فشبهه بالمزمار المحرم سماعه.
قال بعضهم: واعلم أن السماع في طريق القوم معروف وفي الجواذب إلى المحبة معدود وموصوف. وقال بعض آخر: إنه من أكبر مصايد النفوس أي والرجوع بها إلى الله تعالى. وقد شوهد تأثير السماع في الحيوانات غير الناطقة بل في الأشجار، ومن لم يحركه السماع فهو فاسد المزاج غليظ الطبع.
وعن أبي بشير: أن النبي ﷺ وأبا بكر مرّا بالحبشة وهم يلعبون ويرقصون ويقولون:
يا أيها الضيف المعرج طارقا لولا مررت بآل عبد الدار
لولا مررت بهم تريد قراهم منعوك من جهد ومن إقتار
أي ولم ينكر عليهم، وبه استدل أئمتنا على جواز الرقص حيث خلا عن
[ ٢ / ٨٥ ]
التكسر، فقد صحت الأخبار وتواترت الآثار بإنشاد الأشعار بين يديه ﷺ بالأصوات الطيبة مع الدف وبغيره، وبذلك استدل أئمتنا على جواز الضرب بالدف ولو فيه جلاجل لما هو سبب لإظهار السرور. وعلى جواز إنشاد الشعر واستماعه، حيث خلا عن هجو لغير نحو فاسق متجاهر بفسقه، وخلا عن تشبب بمعين من امرأة أو غلام، والخلاف إنما هو في سماع الملاهي كالأوتار والمزامير، وخوف الفتنة من سماع صوت المرأة أو الأمرد الجميل.
ونقل عن الجنيد أنه قال: الناس في السماع: أي سماع الآلات على ثلاثة أضرب العوام وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم. والزهاد وهو مباح لهم لحصول مجاهداتهم. والعارفون وهو مستحب لهم الحياة قلوبهم. وذكر نحوه أبو طالب المكي، وصححه السهروردي في عوارف المعارف.
وفي كلام بعضهم: جبلت النفوس حتى غير العاقلة على الإصغاء إلى ما يحسن من سماع الصوت الحسن، فقد كانت الطيور تقف على رأس داود ﵊ لسماع صوته، لكن يشكل على ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة عن صفوان بن أمية وهو من المؤلفة قال: «كنا عند النبي ﷺ إذ جاء عمر بن قرة، فقال: يا رسول الله إن الله كتب عليّ الشقوة فلا أنال الرزق إلا من دفي بكفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال النبي ﷺ: لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت أي عدوّ الله: أي يا عدوّ الله، والله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرّم الله عليك من رزقه، مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد كهذه المقالة، لضربتك ضربا وجيعا» إلا أن يقال هذا النهي إن صح محمول على من يتخذ ضرب الدف حرفة، وهو مكروه تنزيها. وقوله ﷺ «اخترت ما حرم الله عليك» إلى آخره للمبالغة في التنفير عن ذلك.
«ونزل ﷺ على أبي أيوب وقال: المرء مع رحله، أي بعد أن قال أي بيوت أهلنا يعني أهل تلك المحلة من بني النجار أقرب؟ فقال أبو أيوب: داري هذه وقد حططنا رحلك فيها، فذهبت تلك الكلمة أي التي هي: المرء مع رحله مثلا وقال:
اذهب فهيىء لنا مقيلا فذهب فهيأ ذلك، ثم جاء فقال: يا نبي الله قد هيأت مقيلا فقم على بركة الله تعالى، ونزل معه ﷺ زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه» .
أقول: وفي رواية «فتنازع القوم أيهم ينزل عليه» أي كل يحرص على أن تكون داره له منزلا أي مقاما «فقال رسول الله ﷺ: أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك، فلما أصبح غدا حيث أمر» وحينئذ يكون قوله ﷺ:
أنزل الليلة: أي غد تلك الليلة، ولا يخالف هذا ما قبله من قول بني النجار هلم إلينا، وقوله لهم: إنها مأمورة، لجواز أن يكون أمر بالنزول عليهم.
[ ٢ / ٨٦ ]
واعلم أن خصوص البقعة والمحلة من محلات بني النجار التي ينزل بها من دارهم ما تبرك به الناقة. وفيه أنه يبعد مع ذلك، أي مع قوله المذكور أي أنه ينزل على بني النجار سؤال غير بني النجار في النزول عنده، إلا أن يقال لعل السائلين له ﷺ في ذلك لم يبلغهم قوله المذكور، أو جوزوا أن يكون رسول الله ﷺ بدا له في ذلك رأي، وقد أشار إلى نزوله ﷺ على بني النجار الإمام السبكي في تائيته بقوله:
نزلت على قوم بأيمن طائر لأنك ميمون السنا والنقيبة
فيا لبني النجار من شرف به يجرون أذيال المعالي الشريفة
وهذا السياق يدل على أن تنازع القوم، وقوله لهم المذكور كان في آخر ليلة، وهو في قباء، وهو يرد قول بعضهم: يشبه أن يكون ذلك في أول قدومه ﷺ من مكة قبل نزوله قباء، لا في قدومه باطن المدينة. فالمراد بأهل المدينة أهل قباء.
ويرد قول سبط ابن الجوزي لعله نزل على بني النجار ليلة انتهى: أي تلك الليلة ثم ارتحل إلى بني عمرو بن عوف أي في قباء. هذا وفي رواية عن أنس بن مالك ﵁ «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا متقلدين سيوفهم. قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر رديفه وملأ من بني النجار حوله حتى أناخ بفناء أبي أيوب» وهذه الرواية وقع فيها اختصار كبير.
ويقال «إنه ﷺ عرّج على عبد الله بن أبي ابن سلول وكان جالسا محتبيا وأراد النزول عليه، فقال له اذهب إلى الذين دعوك وأنزل عليهم، فقال له سعد بن عبادة:
يا رسول الله لا تجد في نفسك من قوله، فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملكه» وقد وقع له في بعض الأيام «أنه ﷺ، قيل له: يا رسول الله لو أتيت عبد الله بن أبي ابن سلول» أي متألفا له ليكون ذلك سببا لإسلام من تخلف من قومه، وليزول ما عنده من النفاق «فانطلق النبي ﷺ وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه، فلما أتاه النبي ﷺ قال له: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد، والأيدي والنعال، فنزل وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات:
الآية ٩] كذا في البخاري.
وفيه أيضا «أن رسول الله ﷺ مرّ على ابن أبي ابن سلول وهو في جماعة فقال
[ ٢ / ٨٧ ]
ابن أبيّ: لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنه، فاستأذن رسول الله ﷺ أن يأتيه برأسه، فقال له ﷺ لا، ولكن برّ أباك» وكان ابن أبيّ جميل الصورة ممتلىء الجسم، فصيح اللسان، وهو المعنيّ بقوله تعالى وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [المنافقون: الآية ٤] الآية، ولكونه متبوعا جيء فيه بصيغة الجمع.
وعن الزهري «أخبرني عروة بن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ ركب حمارا على إكاف وأردف أسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ابن سلول، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة فثار غبار من مشي الحمار، فخمر ابن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا؛ فسلم رسول الله ﷺ عليهم ثم نزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال ابن أبيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بل يا رسول الله فاغشنا فإنا نحب ذلك، واستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتبادرون، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله ﷺ دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول الله ﷺ: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يعني ابن أبيّ، قال كذا وكذا، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما ردّ بالحق الذي أعطاك الله شرق، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ» والله أعلم.
ومكث ﷺ ببيت أبي أيوب إلى أن بني المسجد وبعض مساكنه، وقد مكث في بناء ذلك من شهر ربيع الأول إلى شهر صفر من السنة القابلة، أي وذلك اثنا عشر شهرا: وقيل مكث ببيت أبي أيوب سبعة أشهر.
«قال ولما تحول رسول الله ﷺ من بين عمرو بن عوف إلى المدينة تحول المهاجرون» أي غالبهم أخذا مما يأتي «فتنافس فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بينهم. فكان المهاجرون في دور الأنصار وأموالهم» اهـ.
وكان من جملة محل مسجده ﷺ مسجد لأبي أمامة أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه، وكان أبو أمامة يجمع فيه بمن يليه، بناه في بعض مربد للتمر لسهل وسهيل: أي يجفف فيه التمر، ويرادف المربد الجرين والمسطح والبيدر: وهو ما
[ ٢ / ٨٨ ]
يبسط فيه الزرع أو التمر للتجفيف.
«وكان رسول الله ﷺ يصلي في ذلك المسجد، قال: فعن أمّ زيد بن ثابت أنها قالت: رأيت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ المدينة يصلي بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل، قالت: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم وصلى بهم في ذلك المسجد وبناه» أي مع إدخال بقية ذلك المربد فهو مسجده.
وحينئذ لا يخالف ذلك قول الحافظ الدمياطي عن الزهري قال «بركت ناقة رسول الله ﷺ عند موضع مسجد رسول الله ﷺ، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين قبل قدومه ﷺ، وكان مربدا لسهل وسهيل، وكان جدار مجدرا ليس عليه سقف وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، وكان يصلي بأصحابه ويجمع بهم فيه الجمعة قبل قدوم رسول الله ﷺ، أي ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة صار يصلي فيه» .
وفي الإمتاع «كان أسعد بن زرارة بنى فيه جدارا تجاه بيت المقدس كان يصلي إليه بمن أسلم قبل قدوم مصعب بن عمير، ثم صلى بهم إليه مصعب» هذا كلامه، وتعلم ما فيه لما قدّمناه في قدوم مصعب المدينة، لكن في البخاري «أنه ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يا بني المسجد» أي ولعله اتفق له ذلك في بعض الأوقات، لأنه ﷺ كان يصلي حيث أدركته الصلاة.
«ثم إنه ﷺ بعد ذلك سأل أسعد بن زرارة أن يبيعه تلك البقعة التي كان من جملتها ذلك المسجد ليجعلها مسجدا فإنها كانت في يده ليتيمين في حجره، وهما سهل وسهيل، وقيل كانا في حجر معاذ ابن عفراء» قال في الأصل، وهو الأشهر.
وفي المواهب: أن الأول هو المرجح، واليتيمان المذكوران من بني مالك بن النجار، وقيل كانا في حجر أبي أيوب الأنصاري. قال بعضهم: والظاهر أن الكل:
أي من أسعد ومعاذ وأبي أيوب كانوا يتكلمون لليتيمين لأنهم بنو عمّ فنسبا إلى حجر كل.
«وقد عرض أبو أيوب عليه ﷺ أن يأخذ تلك الأرض ويغرم لليتيمين قيمتها، فأبى رسول الله ﷺ وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر» أي وفي رواية «فدعا الغلامين فساومهما بالمربد فقالا: نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك» أي وحينئذ يكون وصفهما باليتيم باعتبار ما كان.
وفي رواية «أرسل ﷺ إلى ملأ من بني النجار ولعلهم من تقدم وهم أسعد
[ ٢ / ٨٩ ]
ومعاذ وأبو أيوب ومعهم سهل وسهيل فجاؤوه ﷺ، فقال لهم ثامنوني بحائطكم هذا أي خذوا مني ثمنه. قالوا لا يا رسول الله، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأبى أن يأخذه إلا بالثمن» .
قال «وجاء أن أسعد بن زرارة عوض اليتيمين من تلك الأرض نخلا أي له في بني بياضة، وقيل: أرضا هما فيها أبو أيوب، وقيل معاذ ابن عفراء» .
وطريق الجمع بين ذلك أنه يحتمل أن كلا من أسعد وأبي أيوب ومعاذ ابن عفراء دفع للغلامين شيئا: أي زيادة على العشرة دنانير فنسب ذلك لكل منهم.
وجاء «أنه كان في تلك الأرض قبور جاهلية فأمر بها ﷺ فنبشت؛ وأمر بالعظام فألقيت» اهـ، أي وفي رواية «وأمر بالعظام أن تغيب» أي وفي رواية «كان في موضع المسجد نخل وخرب» أي حفر ومقابر للمشركين «فأمر ﷺ بالقبول فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطعت» .
أي وفي سيرة الحافظ الدمياطي «فأمر رسول الله ﷺ بالنخل الذي في الحديقة» أي وهي تلك الأرض التي كانت مربدا، أي وسمي حديقة لوجود النخل به «وأمر بالغرقد الذي فيه أن يقطع» أي والغرقد: شجر معروف. وبقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة. وشجر الغرقد: يقال له شجر اليهود، فإنه لا يدل على اليهودي إذا توارى به عند نزول عيسى ﵊ وقتله للدجال ولجنده من اليهود، فإذا توارى اليهودي بشجرة نادته يا روح الله هاهنا يهودي، فيأتي حتى يقف عليه، فإما أن يسلم وإما أن يقتل؛ إلا شجر الغرقد فإنه لا يدل على اليهودي إذا توارى به؛ فقيل له شجر اليهود لذلك.
قال: وكان في المربد ماء مستبحر فسيروه حتى ذهب. والمستبحر الذي ينشع ويظهر من الأرض.
«ثم إن رسول الله ﷺ أمر باتخاذ اللبن فاتخذ وبنى المسجد» وجاء «أنه ﷺ عند الشروع في البناء وضع لبنة، ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة أي بجانب لبنته ﷺ، ثم دعا عمر فوضع لبنة بجانب لبنة أبي بكر، ثم جاء عثمان فوضع لبنة بجانب لبنة عمر» .
أي وقد أخرج ابن حبان «لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان ضع حجرك إلى جنب حجر عمر، ثم قال:
هؤلاء الخلفاء بعدي» قال أبو زرعة إسناده لا بأس به، فقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وفي رواية «هؤلاء ولاة الأمر بعدي» قال ابن كثير وهذا الحديث بهذا الإسناد غريب جدا.
[ ٢ / ٩٠ ]
قال بعضهم: وقوله ﷺ لعثمان ما ذكر. أي ضع حجرك إلى جنب حجر عمر يرد على من زعم أن هذا منه ﷺ إشارة إلى قبورهم، أي إذ لو كان إشارة إلى ذلك لدفن عثمان بجانب عمر كما دفن عمر بجانب أبي بكر، بل هو إشارة إلى ترتيب الخلافة، أي لأنه لا يستفاد من قوله ﷺ «هؤلاء الخلفاء بعدي إلا ذلك» ومن ثم جاء في رواية «فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال أمر الخلافة من بعدي» .
وتصحيح الحاكم لما ذكر يظهر التوقف في قول بعضهم إن هذا لم يجىء في الصحيح إلا أن يريد صحيح الشيخين.
وأما قوله قال البخاري في تاريخه: إن ابن حبان لم يتابع على الحديث المذكور، لأن عمر وعثمان وعليا قالوا: لم يستخلف النبي ﷺ، فقد يقال عليه:
معناه لم ينص على استخلاف أحد بعينه عند موته، وذلك لا ينافي الإشارة إلى وقوع الخلافة لهؤلاء بعده، ولا ينافي قوله «هؤلاء الخلفاء بعدي» لجواز أن يراد الخلافة في العلم. ثم رأيت ابن حجر الهيتمي أشار إلى ذلك حيث قال: قلت هذا أي وضع تلك الأحجار، وقوله ﷺ «هؤلاء الخلفاء بعدي» مع احتماله للخلافة في العلم والإرشاد متقدم على وقت الاستخلاف عادة وهو قرب الموت، فلم يكن نصا سالما من المعارض هذا كلامه «ثم قال للناس ضعوا أي الحجارة فوضعوا، ورفع بالحجارة أي قريب من ثلاثة أذرع، وبني باللبن وجعل عضادتيه أي جانبيه بالحجارة وسقفه بالجريد، وجعلت عمده» وفي رواية «سواريه من جذوع النخل، وطول جداره قامة» أي كان ارتفاعه قدر قامة.
قال: وعن شهر بن حوشب قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يا بني المسجد قال «ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك، قيل: وما ظلة موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السقف» انتهى.
أي فالمراد اجعلوا سقفه يكون بحيث إذا قمت أصاب رأسي السقف، أو رفعت يدي أصابت السقف.
والجمع بين هاتين الروايتين يدل على أن المراد ما هو قريب من ذلك، بحيث لا يكون كثير الارتفاع، فلا ينافي ما يأتي من أمره بجعل ارتفاعه سبعة أذرع فليتأمل.
وفي سيرة الحافظ الدمياطي «فقيل له: ألا تسقف؟ فقال: عريش كعريش موسى، خشبات وثمام» أي وقيل للحسن: ما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العرش: يعني السقف.
وفي رواية «لما أراد رسول الله ﷺ بناء المسجد، قال: قيل لي: أي قال له
[ ٢ / ٩١ ]
جبريل: عريش كعريش أخيك موسى، سبعة أذرع طولا في السماء، وكان سبعة أذرع بحيث يصيب رأسه ولا تزخرفه، ثم الأمر أعجل من ذلك» أي وفيه أن هذا يقتضي أن موسى كان طوله سبعة أذرع، وهو يخالف ما اشتهر أن قامة موسى كانت أربعين ذراعا، وعصاه كذلك، ووثبته كذلك. وقد جاء «ما أمرت بتشييد المساجد» أي ولعل قوله ذلك كان «لما جمع الأنصار مالا وجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد» .
وجاء «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» . وجاء «من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» أي تزخرفها كما تزخرف اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم ولم يكن على السقف كبير طين، إذ كان المطر يكف: أي ينزل منه ماء المطر المخالط للطين عليهم بحيث يمتلىء: أي المسجد طينا، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت فطين: أي جعل عليه طين كثير بحيث لا ينزل عليه المطر فقال:
«لا عريش كعريش موسى» فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله ﷺ، وعند بنائه عمل فيه المسلمون المهاجرون والأنصار، وعمل فيه رسول الله ﷺ بنفسه ليرغب المسلمين في العمل فيه.
قال: فقد جاء «أنه ﷺ صار ينقل اللبن» أي في ثيابه. وفي رواية «في ردائه حتى اغبرّ صدره الشريف، وصار يقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبرّ ربنا وأطهر»
أي هذا المحمول من اللبن أبرّ وأطهر يا ربنا مما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب، فالحمال بالحاء المهملة بمعنى المحمول؛ ووقع في رواية بالجيم جمع جمل، قال بعضهم: وله وجه، والأول أظهر، ولا يحسن هذا الوجه إلا إذا كانت جمال خيبر أنفس من جمال غيرها وصار يقول:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجره
قال البلاذري: وهذا القول لامرأة من الأنصار، وتمامه:
وعافهم من حرّ نار ساعره فإنها لكافر وكافره
والذي في البخاري «فاغفر للأنصار والمهاجرة» ولعله ﷺ هو الذي أخرجه عن الوزن كما هو عادته في إنشاد الشعر كما سيأتي: وفي لفظ «فأصلح» وفي لفظ «فأكرم» وفي رواية «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فارحم المهاجرين والأناصرة» وفي رواية «فانصر الأنصار والمهاجرة» وعن الزهري أنه كان يقول «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فارحم المهاجرين والأنصار» لأنه كان لا يقيم الشعر: أي لا يأتي به موزونا ولو متمثلا، وفيه أنه مع قوله: اللهم إن الأجر إلى آخره لا يكون شعرا موزونا، إلا
[ ٢ / ٩٢ ]
إن حذف أل من اللهم وقال لا هم وكسر همزة فارحم؛ وحينئذ تكون المرأة من الأنصار إنما نطقت بذلك: أي قالت لا هم إلى آخره، وهو ﷺ هو الذي غيره.
ونقل عن الزهري «أنه ﷺ لم يقل بيتا موزونا متمثلا به إلا قوله هذا الحمال» البيت، ولم أقف على قائله، وسيأتي عن الزهري أنه من إنشائه ﷺ وسيأتي ما فيه.
وفي كلام بعضهم: قال ابن شهاب: يعني الزهري: لم يبلغنا في الأحاديث أنه ﷺ تمثل ببيت شعر تام: أي موزون إلا هذه الأبيات، قال ابن عائذ: أي التي كان يرتجز بهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد: أي وفيه أن هذا مخالف لما تقدم عن الزهري أنه ﷺ لم يقل بيتا موزونا إلا قوله هذا الحمال، فلا يحسن أن يفسر كلامه بذلك، على أنه تمثل ببيت شعر تام موزون غير ذلك، فقد جاء «أنه ﷺ جعل يدور بين قتلى بدر ويقول:
نفلق هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعقّ وألّا ما
وفي المواهب: وقد قيل إن الممتنع عليه ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، أي ولذلك جاء «ما أبالي ما أوتيت إن أنا قلت الشعر من قبل نفسي» وفي الكشاف: وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر، ولا دليل على منه إنشاده أي الشعر موزونا متمثلا.
أقول: نقل الحافظ الدمياطي عن الزهري أنه كان يقول: إنه ﷺ لم يقل شيئا من الشعر إلا ما قد قيل قبله إلا قوله:
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبرّ ربنا وأطهر
أي فإنه من قوله، وهو يخالف ما تقدم عنه، ولعله سقط من عبارة الزهري المذكورة شيء، والأصل أنه لم يقل شيئا من الشعر إلا ما قد قيل قبله، ولم يقل ما قبله تاما: أي موزونا إلا قوله: هذا الحمال إلى آخره، فلا يخالف ما تقدم عنه، وكونه كان لا يقيم الشعر: أي لا يأتي به موزونا ولو متمثلا هو المنقول عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد قيل لها: هل كان رسول الله ﷺ يأتي بشيء من الشعر؟
فقالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه كان يتمثل ويجعل أوله آخره وآخره أوله: أي غالبا كان يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار، ويقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا أي وذلك قول سحيم بمهملة مصغرا عبد بني الحساس، شاعر مشهور مخضرم:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
ولما غير ذلك رسول الله ﷺ قال له الصديق رضي الله تعالى عنه: إنما قال الشاعر كذا، فأعاده ﷺ كالأول، فقال الصديق: أشهد أنك رسول الله وَما عَلَّمْناهُ
[ ٢ / ٩٣ ]
الشِّعْرَ [يس: الآية ٦٩] . ولما سمع رسول الله ﷺ قول سحيم:
الحمد لله حمدا لا انقطاع له فليس إحسانه عنا بمقطوع
قال أحسن وصدق، وقول الصديق أشهد أنك رسول الله وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: الآية ٦٩] يدل على أنه ﷺ لا يجري الشعر على لسانه موزونا وقد قيل له ﷺ: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطيب طيبا
الأصل وجدت بها طيبا وإن لم تطيب.
وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما أنت بشاعر ولا رواية، والمراد بكون الشعر أبغض إليه الإتيان به، وإلا فقد كان يسمع الشعر كما تقدم ويستنشده، فقد ذكر بعضهم «أنه ﷺ كان يستنشد الخنساء أخت صخر لأمه، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده وهو يقول: هيه يا خناس، ويومىء بيده» .
وقد قال بعضهم: أجمع أهل العلم أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، ومن شعرها في أخيها المذكور:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندا
طويل النجاد عظيم الرماد وساد عشيرته أمردا
وللجلال السيوطي كتابه سماه «نزهة الجلساء في أشعار الخنساء» وقولنا في قول عائشة إنه كان يتمثل بالشعر، ويجعل أوله آخره: أي غالبا حتى لا ينافي ما جاء عنها: كان يتمثل بشعر ابن رواحة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقولها: ما سمعت رسول الله ﷺ ينشد شعرا إلا بيتا واحدا:
تفاءل لما تهوى بكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تخلفا
وفي الخصائص الكبرى قال المزني: ولم يبلغني أنه ﷺ أنشد بيتا تاما على رويه، بل إما الصدر كقول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
أو العجز كقول طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
أي وفيه ما تقدم عن عائشة، وكقوله- وقد أنشده أعشى بني مازن أبياتا في ذم النساء، آخر تلك الأبيات:
[ ٢ / ٩٤ ]
وهن من شر غالب لمن غلب
فجعل ﷺ يقول:
وهن شر غالب لمن غلب
فإن أنشد بيتا كاملا غيره أي غالبا، لما تقدم كبيت العباس بن مرداس، أي فإنه ﷺ قال يوما للعباس بن مرداس «أرأيت قولك» وفي لفظ أنت القائل:
أصبح نهبي ونهب العبي د بين الأقرع وعيينه
فقيل له: إنما هو بين عيينة والأقرع، فقال ﵊: إنما هو الأقرع وعيينة، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله» وفي لفظ «أشهد أنك رسول الله، ما أنت بشاعر ولا رواية، ولا ينبغي لك» إنما قال بين عيينة والأقرع: أي أنه لا ينبغي لك أن تكون شاعرا كما قال الله، ولا ينبغي لك أن تكون راويا للشعر: أي بأن تأتي به على وجهه، أي لا يكون شأنك ذلك مباعدة عن الشعر، وكون شأنه ذلك لا ينافي وجوده منه على وجهه في بعض الأحيان فليتأمل.
وعن بعضهم: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط أي موزونا. وقد يقال: لا يخالف هذا ما تقدم عن المواهب، لأنه يجوز أن يكون هذا المنقول عن عائشة.
وعن المزني وعن بعضهم: كان أغلب أحواله كما قدمناه في المنقول عن عائشة ثم رأيته في الامتاع أشار إلى ذلك بقوله: وربما أنشد ﷺ البيت المستقيم في النادر، وقول المواهب: لا دليل على منع إنشاده متمثلا، أي دائما وأبدا، ويدل لذلك قول الزهري: إنه لم يقل بيتا موزونا متمثلا به إلا قوله: هذا الحمال إلى آخره، وفيه ما علمت ولا يخفى أن الشعر عرف بأنه كلام عربي موزون عن قصد.
قال البدر الدمياطي. وقولنا عن قصد يخرج ما كان وزنه اتفاقيا كآيات شريفة اتفق جريان الوزن فيها: أي من بحور الشعر الستة عشر، وقد ذكرها الجلال السيوطي في نظمه للتخليص، وذلك كما في قوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الآية ٩٢] وكقوله تعالى وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [سبإ: الآية ١٣] وقوله تعالى نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصّف: الآية ١٣] وككلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقيا غير مقصود، كما في قول النبي ﷺ:
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
أي بناء على تسليم أنه من قوله ﷺ، وإلا فقد قيل إنه من قول عبد الله بن رواحة: أي فإن ذلك مذكور في أبيات قالها في غزوة مؤتة وقد صدمت أصبعه فدميت، وذكر بدل «في سبيل الله» في كتاب الله، ولا مانع أن يكون ابن رواحة أدخل ذلك البيت في تلك الأبيات التي صنعها كما تقدم.
[ ٢ / ٩٥ ]
وفي كلام ابن دحية: ولا يمرّ على لسان رسول الله ﷺ من ضروب الرجز إلا ضربان منهوك ومشطور؛ فالمنهوك:
أنا النبي لا كذب
والمشطور:
هل أنت إلا أصبع دميت
وقيل البيت الواحد لا يكون شعرا، على أنه قيل: إن الرجز ليس من الشعر عند الأخفش خلافا للخليل: أي فإن الأخفش احتج على أن الرجز ليس بشعر رادا على الخليل ومن تبعه القائلين بأنه من الشعر حيث قال: لأحتجنّ عليهم بحجة إن لم يقروا بها كفروا: لم كان شعرا ما جرى على لسان رسول الله ﷺ، لأن الله تعالى يقول وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩] هذا كلامه. قال في النور:
والصحيح أنه شعر أي موافقة للخليل، وقد علمت أن ما جرى منه على لسانه ﷺ ليس شعرا لعدم قصده فليتأمل.
وقد نقل الماوردي من أئمتنا أنه كما يحرم عليه قول الشعر أي إنشاؤه، يحرم عليه روايته أي دون إنشاده متمثلا.
وفرق بعضهم بين الإنشاد والرواية، بأن الرواية يقول: قال فلان كذا؛ وأما إنشاده متمثلا، فلا يقول ذلك هذا كلامه.
وفيه أنه قال لما قيل له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول إلى آخره. وقال للعباس بن مرداس: أنت القائل إلى آخره. قال ذلك البعض. وكان الفرق بين الرواية والإنشاد أن في قوله قال فلان فيه رفعة للقائل بسبب قوله، وهذا متضمن لرفع شأن الشعر، والمطلوب منه الإعراض عن الشعر من حيث كونه شعرا.
وفيه أن الصديق قال له عند كل من الرواية والإنشاد، لست بروايه كما تقدم، وعن الخليل: كان الشعر أحب إليه ﷺ من كثير من الكلام.
أي وقد يقال لا يخالف هذا ما تقدم عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان أبغض الحديث إليه ﷺ الشعر، لأن المراد بالشعر الذي يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق؛ والذي يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو ونحو ذلك.
ومن ثم قيل: الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح. وفي الجامع الصغير:
الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، الشعر الحسن أحد الجمالين، يكسوه الله المرء المسلم.
وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا خفي عليكم شيء من غريب
[ ٢ / ٩٦ ]
القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب، وفي كلام سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه: نعم الأبيات من الشعر يقدمها الرجل في صدر حاجته، يستعطف بها قلب الكريم ويستميل بها لؤم اللئيم.
والحاصل أن الحق الحقيق بالاعتماد وبه تجتمع الأقوال أن المحرم عليه ﷺ إنما هو إنشاد الشعر: أي الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه، وهذا هو المعنى بقوله تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: الآية ٦٩] .
فإن فرض وقوع كلام موزون منه ﷺ لا يكون ذلك شعرا اصطلاحا لعدم قصد وزنه، فليس من الممنوع منه.
والغالب عليه ﷺ أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله لا يأتي به موزونا، وربما أتى به موزونا.
وادّعى بعض الأدباء أنه ﷺ كان يحسن الشعر: أي يأتي به موزونا قصدا، ولكنه كان لا يتعاطاه: أي لا يقصد الإتيان به موزونا. قال: وهذا أتم وأكمل مما لو قلنا بأنه كان لا يحسنه، وفيه أن في ذلك تكذيبا للقرآن.
وفي التهذيب للبغوي. من أئمتنا، قيل: كان ﷺ يحسن الشعر ولا يقوله.
والأصح أنه كان لا يحسنه، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه، ولعل المراد بين الموزون منه وغير الموزون. ثم رأيته في ينبوع الحياة. قال: كان بعض الزنادقة المتظاهرين بالإسلام حفظا لنفسه وماله يعرّض في كلامه بأن النبي ﷺ كان يحسن الشعر، يقصد بذلك تكذيب كتاب الله تعالى في قوله تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩] .
قال بعضهم: والحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره أن القرآن منبع الحق، ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخيل بتصور الباطل في صورة الحق، والإفراط في الإطراء، والمبالغة في الذم والإيذاء، دون إظهار الحق وإثبات الصدق، ولهذا نزه الله تعالى نبيه عنه، ولأجل شهر الشعر بالكذب سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية.
وقد جاء التنفير عن إنشاد الشعر في المسجد، قال ﷺ «من رأيتموه ينشد شعرا في المسجد فقولوا: فض الله فاك ثلاث مرات» والأخذ بعمومه فيه من العسر ما لا يخفى.
وفي العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: من قال آدم قد قال الشعر فقد كذب على الله ورسوله ورمى آدم بالإثم، وإن محمدا والأنبياء صلوات الله
[ ٢ / ٩٧ ]
وسلامه عليهم كلهم في النهي عن الشعر سواء.
وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي في قوله وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: الآية ٦٩] اعلم أن الشعر محل الإجمال واللغز والتوراة: أي ما رمزنا لمحمد ﷺ شيئا ولا ألغزنا ولا خاطبناه بشيء ونحن نريد شيئا آخر، ولا أجملنا له الخطاب بحيث لم يفهمه، وأطال في ذلك. وهل يشكل على ذلك الحروف المقطعة أوائل السور، ولعله رضي الله تعالى عنه لا يرى أن ذلك من المتشابه، أو أن المتشابه ليس مما استأثر الله بعلمه والله أعلم.
ولما رأته ﷺ الصحابة ينقل اللبن بنفسه دأبوا في ذلك، أي في نقل اللبن أي وهو المراد بالصخر في قول بعضهم وجعل أصحابه ينقلون الصخر، أو المراد الصخر الذي يا بنى به الجدار وجانبا الباب كما تقدم، حتى قال قائلهم:
لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل
وجعل يحمل كل رجل لبنة لبنة، وعمار بن ياسر يحمل لبنتين لبنتين، فجعل رسول الله ﷺ ينفض التراب عن رأس عمار ويقول: «يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد الأجر من الله تعالى» وفي رواية «كان يحمل لبنة عن نفسه ولبنة عنه ﷺ، فمسح رسول الله ﷺ ظهره وقال: يا بن سمية: للناس أجر، ولك أجران، وآخر زادك أي من الدنيا شربة من لبن» وجاء في حق عمار ابن سمية «ما عرض عليه أمران قط إلا اختار ﵁ الأرشد منهما، إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق، وتقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة، وتدعوك إلى النار، وعمار يقول: أعوذ بالله» . وفي رواية: بالرحمن من الفتن، أي وهذا السياق يدل على أنه ﷺ لم يستمر ينقل اللبن، بل نقل ذلك في بعض الأوقات.
وفي مسلم وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال أخبرني من هو خير مني «أن رسول الله ﷺ نظر لعمار حين شغل بحفر الخندق، فجعل يمسح رأس عمار ويقول: ابن سمية تقتلك فئة باغية» . وفي رواية: تعيين من أبهمه أبو سعيد وهو أبو قتادة. وزاد في رواية «أن النبي ﷺ لما حفر الخندق وكان الناس يحملون لبنة لبنة» أي من الحجارة التي تقطع «وعمار ناقة من وجع كان به، فجعل يحمل لبنتين، قال لعمار: بؤسا لك يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية» .
ثم رأيت بعضهم قال: يشبه أن يكون ذكر الخندق وهما، أو قالها عند بناء المسجد وقالها يوم الخندق، هذا كلامه: أي ويكون عمار بن ياسر في الخندق قد صار يحمل الحجرين وكان في بناء المسجد يحمل اللبنتين، وكان عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه رجلا متنظفا أي مترفها، فكان إذا حمل اللبنة يجافي بها عن ثوبه لئلا يصيبه التراب، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب
[ ٢ / ٩٨ ]
رضي الله تعالى عنه وأنشد يقول: أي مباسطة مع عثمان بن مظعون لأطعنا فيه:
لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن التراب حائدا
أي وكان عثمان هذا من جملة من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال:
لا أشرب شرابا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني.
وذكر ابن إسحاق قال: سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز، هل تمثل به عليّ أو أنشأه؟ فكل يقول: لا أدري، فسمع ذلك الرجز عمار بن ياسر، فصار يرتجز بذلك وهو لا يدري من يعني بذلك، فمرّ يرتجز بذلك على عثمان، فظن عثمان أن عمارا يقصد التعريض به، فقال له عثمان: يا بن سمية ما أعرفني بمن تعرض به، لتكفنّ أو لأعترضنّ بهذه الحديدة- لحديدة كانت معه- وجهك، وفي لفظ: والله إني أراني سأعرض هذه العصا بأنفك، لعصا كانت في يده، فسمعه رسول الله ﷺ فغضب وقال «إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني. ووضع يده الشريفة بين عينيه الشريفتين فقال الناس لعمار: قد غضب رسول الله ﷺ: أي ونخاف أن ينزل فينا قرآن، فقال: أنا أرضيه، فقال: يا رسول الله ما لي ولأصحابك؟
قال: ما لك ولهم؟ قال: يريدون قتلي فيحملون لبنة لبنة ويحملون عليّ لبنتين لبنتين» أي وفي لفظ «يحملون عليّ اللبنتين والثلاث» أي ولعله حمل ثلاث لبنات في بعض الأوقات «فأخذ بيده وطاف به المسجد، وجعل يمسح ذفرته من التراب» والذفرة بالذال المعجمة: الشعر الذي جهة القفا، ويقول يا بن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية، ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة» أي إلى سببها، وهو اتباع الإمام الحق، لأنه كان يدعو إلى اتباع عليّ وطاعته وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك «ويدعونه إلى النار» أي إلى سببها، وهو عدم اتباع عليّ وطاعته واتباع معاوية وطاعته.
وفيه أن تلك الفئة التي كان فيها قاتلة كان فيها جمع من الصحابة وهم معذورون بالتأويل الذي ظهر لهم، إلا أن يقال: يدعونه إلى النار باعتبار اعتقاده، وإطلاق البغي عليهم حينئذ باعتبار ذلك، قال بعضهم: وفئة معاوية وإن كانت باغية لكنه بغي لا فسق فيه، لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه انتهى، أي وما زاده بعضهم في الحديث: «لا أنا لهم الله شفاعتي يوم القيامة» قال ابن كثير: من روى هذا فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ فإنه لم يقلها، إذ لم تنقل عمن يقبل.
وقال الإمام أبو العباس بن تيمية: وهذا كذب مزيد في الحديث، لم يروه أحد من أهل العلم، بإسناد معروف وكذلك قوله ﷺ «عمار جلدة ما بين عينيّ» لا يعرف له إسناد. والذي في الصحيح «تقتل عمارا الفئة الباغية» وعن أبي العالية، سمعت
[ ٢ / ٩٩ ]
رسول الله ﷺ يقول «قاتل عمار في النار» ومن العجب أن أبا العالية هذا هو القاتل لعمار يوم صفين، فكان أبو العالية مع معاوية، وكان عمار مع عليّ، أي ويقول: إن عمارا لما برز للقتال قال: اللهم لو أعلم رضاك عني أن أوقد نارا فأرمي نفسي فيها لفعلت، أو أغرق نفسي لفعلت، وإني لا أريد قتال هؤلاء إلا لوجهك الكريم، وأنا أرجو أن لا تخيا بني وجعلت يده ترتعش على الحربة، أي لأن عمره يومئذ كان ثلاثا وسبعين سنة، أي وقد كان جيء به بلبن فضحك، فقيل له: ما يضحكك؟ قال:
سمعت رسول الله ﷺ «آخر شراب تشربه حين تموت لبن» وفي رواية «آخر زادك من الدنيا مشيج من اللبن» ثم نادى: اليوم زخرفت الجنان، وزينت الحور الحسان، اليوم نلقى الأحبة، محمدا وحزبه.
ولما قتل عمار دخل عمرو بن العاص على معاوية فزعا وقال: قتل عمار، فقال معاوية قتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول «تقتل عمارا الفئة الباغية» فقال له معاوية: دحضت، أي زلقت في بولك، أنحن قتلناه، إنما قتله من أخرجه، وفي رواية قال له: اسكت، فوالله ما تزال تدحض، أي تزلق في بولك، إنما قتله عليّ وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بيننا.
وذكر أن عليا رضي الله تعالى عنه لما احتج على معاوية رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث ولم يسع معاوية إنكاره، قال إنما قتله من أخرجه من داره يعني بذلك عليا، فقال علي رضي الله تعالى عنه فرسول الله ﷺ إذن قتل حمزة حين أخرجه.
ولما قتل عمار، جرد خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه سيفه وقاتل مع علي وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين، وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية» فقاتل معاوية حتى قتل. وكان ذو الكلاع رضي الله تعالى عنه مع معاوية، وقال له يوما ولعمرو بن العاص: كيف نقاتل عليا وعمار بن ياسر، فقالا له: إن عمارا يعود إلينا ويقتل معنا فقتل ذو الكلاع قبل قتل عمار.
ولما قتل عمار قال معاوية: لو كان ذو الكلاع حيا لمال بنصف الناس إلى علي أي لأن ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت، وقيل عشرة آلاف.
وكان عبد الله بن بديل بن ورقاء رضي الله تعالى عنه مع علي رضي الله تعالى عنه، فلما قتل عمار أخذ سيفين ولبس درعين، ولم يزل يضرب بسيفيه حتى انتهى إلى معاوية، فأزاله عن موقفه، وأزال أصحابه الذين كانوا معه عن موقفهم. ثم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ثم قال: ألا إن معاوية ادعى ما ليس له ونازع الأمر أهله. ومن ليس قبله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وأنتم والله على الحق، على نور من ربكم وبرهان مبين، فقاتلوا
[ ٢ / ١٠٠ ]
الطغاة الجناة؛ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا الأمر أهله، قوموا رحمكم الله.
ولما قتل عمار ندم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على عدم نصرة عليّ والمقاتلة معه، وقال عند موته: ما أسفي على شيء ما أسفي على ترك قتال الباغية، قال بعضهم: شهدنا صفين مع علي بن أبي طالب في ثمانمائة من أهل بيعة الرضوان، وقتل منهم ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر، وكان خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين كان مع علي يوم صفين كافا سلاحه حتى قتل عمار جرد سيفه وقاتل حتى قتل، لأنه كان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «عمار تقتله الفئة الباغية» .
وفي الحديث «من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، مما يزول مع الحق حيث يزول، عمار خلط الإيمان بلحمه ودمه، عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما» .
وجاء «أن عمارا دخل على النبي ﷺ فقال: مرحبا بالطيب المطيب إن عمار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا» وفي رواية «إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» .
وتخاصم عمار مع خالد بن الوليد في سرية كان فيها خالدا أميرا، فلما جاآ إليه ﷺ استبا عنده، فقال خالد: يا رسول الله أيسرك أن هذا العبد الأجدع يشتمني، فقال رسول الله ﷺ: يا خالد لا تسب عمارا؛ فإن من سب عمارا فقد سب الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله، ثم إن عمارا قام مغضبا، فقام خالد فتبعه حتى أخذ بثوبه واعتذر إليه، فرضي عنه.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه؛ أن رسول الله ﷺ قال «الحق مع عمار ما لم يغلب عليه دلهة الكبر» وهذا الحديث من أعلام النبوّة، فإن عمارا وقع بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشحناء، وأشيع عنه أنه يريد أن يخلع عثمان، فاستدعاه سعد بن أبي وقاص وكان مريضا، فقال له: ويحك يا أبا اليقظان، كنت فينا من أهل الخير، فما الذي بلغني عنك، من السعي في الفساد بين المسلمين، والتألب على أمير المؤمنين، أمعك عقلك أم لا؟ فغضب عمار ونزع عمامته وقال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه، فقال سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحك حين كبر سنك ورق عظمك ونفد عمرك، خلعت ربقة الإسلام من عنقك، وخرجت من الدين عريانا كما ولدتك أمك، فقام عمار مغضبا موليا وهو يقول: أعوذ بربي من فتنة سعد، وعند ذلك روى سعد الحديث وقال: قد دله وخرف عمار، وأظهر عمار القوم على ذلك.
[ ٢ / ١٠١ ]
قال: وجعلت قبلة المسجد إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، باب في مؤخره والباب الذي كان يقال له باب عاتكة، وكان يقال له باب الرحمة، والباب الذي يقال له الآن باب جبريل. انتهى، أي وهو الباب الذي كان يدخل منه ﷺ ويقال له باب عثمان، لأنه كان يلي دار عثمان، وهو الذي يخرج منه الآن إلى البقيع.
أقول: وجعل قبلته إلى بيت المقدس كان قبل أن تحول القبلة، ولما حولت قبلته إلى الكعبة وهذا محمل قوله ﷺ «ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت لي الكعبة فوضعتها أتيممها أو أؤمها» أي أقصدها. وفي رواية «ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى فرج لي ما بيني وبين الكعبة» والله أعلم.
أي وفي كلام بعضهم: ومن الفوائد الحسنة ما ذكره مغلطاي، أن موضع المسجد كان ابتاعه تبع لرسول الله ﷺ قبل مبعثه بألف سنة، وإنه لم يزل على ملكه:
أي متعلقا به من ذلك العهد على ما دل عليه كتاب تبع.
أقول: سيأتي أن تبعا بنى للنبي ﷺ دارا بالمدينة إذا قدمها ينزل في تلك الدار، وأنه يقال: إنها دار أبي أيوب.
وقد يجمع بأنه يجوز أن يكون ذلك المربد ودار أبي أيوب مجموعها تلك الدار، وأن تلك الدار قسمت فكان دار أبي أيوب بعضها وذلك المربد بعضها الآخر؛ وأن الأيدي تداولت سكنى تلك الدار إلى أن صارت سكنا لأبي أيوب، وهذا هو المراد بقول المواهب: تداولت الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب.
لكن قد يقال: لو كانت الدار مذكورة في الكتاب لذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فإن الكتاب كما سيأتي وصل إليه في مكة في أول البعثة ونزوله دار أبي أيوب، وأخذه المربد على الكيفية المذكورة يبعد ذلك، أي أنه ذكر له أمر تلك الدار، والله أعلم.
قال «ومكث ﷺ يصلي في المسجد بعد تمامه إلى بيت المقدس خمسة أشهر، ولما حولت القبلة سد ﷺ الباب الذي كان في مؤخر المسجد» .
وفي كلام بعضهم: لما حولت القبلة لم يبق من الأبواب التي كان يدخل منها ﷺ إلا الباب الذي يقال له باب جبريل ﵇، أي فإنه بقي في محله وأما باب الرحمة الذي كان يقال له أيضا باب عاتكة فأخر عن محله.
وسبب وضع الحصا في المسجد أن المطر جاء ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يأتي بالحصا في ثوبه فيبسطه تحته ليصلي عليه، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: «ما أحسن هذا» وفي رواية «ما أحسن هذا البساط» .
[ ٢ / ١٠٢ ]
وقد يعارض هذا ما قيل «إن رسول الله ﷺ أمر أن يحصب المسجد» فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضي الله تعالى عنه.
أقول: قد يقال لا معارضة، لأنه يجوز أن يكون ﷺ لما أعجبه ذلك من فعل بعض الصحابة أمره أن يحصب جميع المسجد، لأن الواقع تحصيب بعضه، لكن يشكل على ذلك قول بعضهم من البدع فرش المساجد، إلا أن يراد بالحصر ونحوها لأنه لم يكن زمنه ﷺ ولا أمر به، ثم رأيت بعضهم ذكر ذلك حيث قال: أول من فرش الحصر في المساجد عمر بن الخطاب، وكانت قبل ذلك مفروشة بالحصباء أي في زمنه ﷺ كما تقدم.
وفي الإحياء: أكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذ من عزيز المعروف في زماننا فرش المساجد بالبسط الرقيقة فيها، وقد كان يعدّ فرش البواري في المسجد بدعة؛ كانوا لا يرون أن يكون بينهم وبين الأرض حائل، هذا كلام الإحياء: أي والحصباء لا تعد حائلا، وسيأتي أن المسجد بني بعد فتح خيبر، وهي التي عناها خارجة رضي الله تعالى عنه بقوله «ما كثر الناس قالوا: يا رسول الله لو زيد فيه، ففعل» ولعلها هي التي أدخل فيها الأرض التي اشتراها عثمان رضي الله تعالى عنه من بعض الأنصار بعشرة آلاف درهم، ثم جاء عثمان إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله أتشتري مني البقعة التي اشتريتها من الأنصار أي التي كانت مجاورة للمسجد «فاشتراها منه ببيت في الجنة» .
أي وفي رواية: أن عثمان رضي الله تعالى عنه لما حصر، أي الحصرة الثانية وأشرف على الناس من فوق سطح داره، وقد اشتد به العطش، قال: أهاهنا عليّ؟
قالوا لا، قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا لا، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال «من يبتاع مربد بني فلان» أي لمربد كان مجاورا للمسجد «غفر الله له» فابتعته بعشرين ألفا أو بخمسة وعشرين ألفا شك عثمان، وتقدم أنه اشتراها بعشرة آلاف درهم فليتأمل «فأتيت النبي ﷺ فقلت: قد ابتعته، فقال اجعله مسجدنا وأجره لك، قالوا: اللهم نعم، قد كان ذلك» وفي لفظ، أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ من يشتري بقعة ابن فلان لبقعة كانت إلى جنب المسجد؟ فقال ﷺ: من يشتريها ويوسعها في المسجد له مثلها» وفي لفظ «خير له منها في الجنة» فاشتريتها ووسعتها في المسجد فأنتم الآن تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين، أي وزاد فيه عثمان رضي الله تعالى عنه بعد ذلك زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج كما في البخاري، وعدد عثمان رضي الله تعالى عنه أشياء منها أنه قال «أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها
[ ٢ / ١٠٣ ]
ماء يستعذب غير بئر رومة، ولم يكن يشرب منها أحد إلا بالثمن، فقال رسول الله ﷺ: من يشتري بئر رومة، ولم يكن يشرب منها أحد إلا بالثمن، فقال رسول الله ﷺ: من يشتري بئر رومة يجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين» في لفظ:
«ليكون دلوه فيها كدلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» وفي لفظ له «بها مشرب في الجنة» فاشتريتها من صلب مالي فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها، بل وتمنعوني الماء: ألا أحد يسقينا فإني أفطر على الماء الملح وفي رواية: هل فيكم من يبلغ عليا عطشنا فأبلغوه، فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية أي وكانت هذه البئر ركية ليهودي يقال له رومة، يقال إنه أسلم، وكان يبيع المسلمين ماءها، كانت بالعقيق، وتفل فيها ﷺ فعذب ماؤها: ولما قال رسول الله ﷺ «من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين، يضرب بدلوه في دلائهم وله بها مشرب في الجنة» فساومه فيها عثمان فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم، وجعل ذلك للمسلمين، وجعل له يوما ولليهودي يوما، فإذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى اليهودي ذلك قال لعثمان: أفسدت عليّ زكيتي، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف، وقيل جملة ما اشتراها به خمسة وثلاثون ألف درهم. وقول عثمان جعلتها للغني والفقير وابن السبيل، دليل على أن قوله دلوي فيها كدلاء المسلمين على أنه لم يشترط ذلك بل قصد به التعميم في الموقوف عليه. ولا دليل فيه على جواز أن للواقف أن يشترط له الانتفاع بما وقفه كما زعمه بعضهم.
وكان حصار عثمان رضي الله تعالى عنه شهرين وعشرين يوما. وفي كلام سبط ابن الجوزي: كان الحصار الأول عشرين يوما، والثاني أربعين يوما، وفي يوم من تلك الأيام قال: وددت لو أن رجلا صادقا أخبرني عن أمري هذا: أي من أين أوتيت؟ فقام رجل من الأنصار، فقال أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، إنك تطأطأت لهم فركبوك وما جرأهم على ظلمك إلا إفراط حلمك، فقال له: صدقت، اجلس.
وأول من دخل عليه الدار محمد بن أبي بكر، تسور عليه هو وجماعة من الحائط من دار عمرو بن حزم فأخذ بلحيته، فقال له: دعها يا بن أخي، فوالله لقد كان أبوك يكرمها فاستحى وخرج. وفي رواية: لما أخذ بلحيته هزها وقال له ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، فقال له: يا بن أخي أرسل لحيتي، فوالله إنك لتجر لحية كانت تعز على أبيك، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني، فتركه وخرج، ويقال إنه قال له: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك، فقال عثمان: أستنصر بالله عليك وأستعين به، ثم طعن جبينه بمشقص كان في يده، ثم
[ ٢ / ١٠٤ ]
ضربه بعض هؤلاء بالسيف فأتته نائلة زوج عثمان فقطع أصابع يدها الخمس.
وعن ابن الماجشون، عن مالك أن عثمان بعد قتله ألقي على المزبلة ثلاثة أيام، وقيل أغلق عليه بابه بعد قتله ثلاثة أيام لا يستطيع أحد أن يدفنه، فلما كان الليل أتاه اثنا عشر رجلا منهم حويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير، وقيل ﷺ أربعة، وإن ابن الزبير لم يشهد قتل عثمان فاحتملوه، فلما اجتازوا به للمقبرة منعوهم وقالوا: والله لا يدفن في مقابر المسلمين فدفنوه بمحل كان الناس يتوقون أن يدفنوا موتاهم به، فكان يمر به ويقول: سيدفن هنا رجل صالح فيتأسى به الناس في دفن موتاهم به وكان ذلك المحل بستانا فاشتراه عثمان وزاده في البقيع، فكان هو أول من قبر فيه، وحملوه على باب وإن رأسه ليقرع الباب لإسراعهم به من شدة الخوف، ولما دفنوه عفّوا قبره خوفا عليه أن ينبش. وأما غلاماه اللذان قتلا معه فجروهما برجليهما وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب.
وسبب هذه الفتنة أنهم نقموا عليه أمورا:
منها عزلة لأكابر الصحابة ممن ولاه رسول الله ﷺ، ومنهم من أوصى عمر رضي الله تعالى عنه بأن يبقى على ولايته، وهو أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه من البصرة، فإن عمر رضي الله تعالى عنه أوصى بأن يبقى على ولايته، فعزله عثمان وولى ابن خاله عبد الله بن عامر محله، وعزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها ابن أبي سرح وعزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وعزل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عنها أيضا وأشخصه إلى المدينة، وعزل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه عن الكوفة وولى أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي سماه الله تعالى فاسقا بقوله تعالى أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا [السّجدة: الآية ١٨] وصار الناس يقولون بئس ما فعل عثمان، عزل اللين الهين الورع المستجاب الدعوة، وولى أخاه الخائن الفاسق المدمن للخمر، ولعل مستندهم في ذلك ما رواه الحاكم في صحيحه «من ولى رجلا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» .
ومنها أنه أدخل عمه الحكم بن أبي العاص والد مروان المدينة وكان يقال له طريد رسول الله ﷺ ولعينه، وقد كان ﷺ طرده إلى الطائف، ومكث بها مدة رسول الله ﷺ ومدة أبي بكر بعد أن سأله عثمان في إدخاله المدينة فأبى، فقال له عثمان: عمي، فقال: عمك إلى النار، هيهات هيهات أن أغير شيئا فعله رسول الله ﷺ، والله لا رددته أبدا، فلما توفي أبو بكر وولي عمر كلمه عثمان في ذلك، فقال له: ويحك يا عثمان، تتكلم في لعين رسول الله ﷺ وطريده وعدو الله وعدو رسوله؟ فلما ولي عثمان ردّه إلى المدينة، فاشتد ذلك على المهاجرين
[ ٢ / ١٠٥ ]
والأنصار، فأنكر ذلك عليه أعيان الصحابة، فكان ذلك من أكبر الأسباب على القيام عليه، واعتذر عثمان عن ذلك بأن النبي ﷺ كان وعده برده وهو في مرض موته، قال: فشهدت عند أبي بكر، فقال إنك شاهد واحد ولا تقبل شهادة الواحد، ثم قال لي عمر كذلك، فلما صار الأمر إليّ قضيت بعلمي. أي: وأما عزله لأبي موسى، فإن جند عمله شكوا شحه فعزله خوف الفتنة.
ومنها أنه جاء إلى عثمان أهل مصر يشكون ممن ولاه عليهم وهو ابن أبي سرح وقالوا: كيف توليه على المسلمين وقد أباح رسول الله ﷺ يوم الفتح دمه؟ وتعزل عمرو بن العاص عنا.
وردّ هذا بأن عزله لعمرو إنما كان لكثرة شكايتهم منه، وابن أبي سرح أسلم بعد الفتح وحسن حاله ووجدوه لسياسة الأمر أقوى من عمرو بن العاص، وعزله للمغيرة بأنه أنهي إليه فيه أنه ارتشى فرأى المصلحة في عزله، فلما عادوا إلى مصر قتل ابن أبي سرح رجلا منهم فعادوا إلى عثمان وكلموا أكابر الصحابة كعلي وطلحة بن عبيد الله، فقالوا اعزله عنهم فإنهم يسألونك رجلا مكانه، فقال لهم عثمان: يختارون رجلا أوليه عليهم، فاختاروا محمد بن أبي بكر، فكتب إليه عهده وولاه، فخرج وخرج معه جماعة من المهاجرين والأنصار وجماعة من التابعين لينظروا بين أهل مصر وبين ابن أبي سرح، فلما كان محمد بن أبي بكر ومن معه على مسيرة ثلاثة مراحل من المدينة، فإذا هم بغلام أسود على بعير، فقالوا له: ما قضيتك؟ فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، أرسلني إلى عامل مصر، فقال له واحد منهم: هذا عامل مصر يعني محمد بن أبي بكر، فقال: ما هذا أريد، فلما أخبر ذلك الرجل محمد بن أبي بكر استدعاه، فقال له بحضور من معه من المهاجرين والأنصار: أنت غلام من؟ فصار تارة يقول غلام أمير المؤمنين وتارة يقول غلام مروان، فعرفه رجل من القوم وقال: هذا غلام عثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر برسالة، قال: معك كتاب؟ قال لا، ففتشوه فإذا معه كتاب: من عثمان إلى ابن أبي سرح في قصبة من رصاص في جوف الإداوة في الماء، ففتح الكتاب، فحضره جميع من معه، فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وفي رواية: انظر فلانا وفلانا إذا قدموا عليك فاضرب أعناقهم، وعاقب فلانا بكذا وفلانا بكذا، منهم نفر من الصحابة ونفر من التابعين.
وفي رواية: اذبح محمد بن أبي بكر واحش جلده تبنا، وكن على عملك حتى يأتيك كتابي، فلما قرؤوا الكتاب فزعوا ورجعوا إلى المدينة، وقرىء الكتاب على جميع من بالمدينة من الصحابة والتابعين، فما منهم أحد إلا واغتم لذلك، فدخل عليه عليّ مع جماعة من أهل بدر ومعه الكتاب والغلام، فقالوا له: هذا الغلام
[ ٢ / ١٠٦ ]
غلامك؟ قال نعم، قالوا والبعير بعيرك؟ قال نعم، قالوا: فأنت كتبت هذا الكتاب؟
فقال: لا، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به، فقال له عليّ: والخاتم خاتمك، قال نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتابك عليه ختمك وأنت لا تعلم به؟ فحلف بالله ما أمرت بهذا الكتاب ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر، فعرفوا أنه خط مروان لا عثمان، لأن عثمان لا يحلف باطلا: وفي رواية: الخط خط كاتبي، والخاتم خاتمي. وفي رواية: انطلق الغلام بغير أمري وأخذ الجمل بغير علمي، قالوا: فما نقش خاتمك؟ قال: نقش عليه مروان، فسألوه أن يدفع لهم مروان وكان مروان عنده في الدار فأبى، فخرجوا من عنده غضابا، وقالوا لا يبرأ عثمان إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحث ونعرف حال الكتاب، فإن كان عثمان أمر به عزلناه، وإن كان مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون في أمر مروان، فأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان خوفا عليه من القتل، فحوصر عثمان بسبب ذلك، ومنعوه الماء ووقع ما تقدم.
وذكر ابن الجوزي أنه لما دخل المصريون على عثمان ﵁ والمصحف في حجره يقرأ فيه، فمدوا إليه أيديهم، فمد يده فضربت فسال الدم.
وقيل: وقعت قطرة على فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: الآية ١٣٧] فقال:
أما إنها أول يد خطت المفصل هذا كلامه: أي وهذا من أعلام النبوة. فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة، فتقع قطرة من دمك على فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: الآية ١٣٧] قال الذهبي: إنه حديث موضوع: أي قوله فيه وأنت تقرأ إلى آخره.
وروي أنه لما حوصر قال: والله ما زينت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسا فيم تقتلونني؟ وقال وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) [هود: الآية ٨٩] يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه، وقال معددا لنعم الله تعالى عليه: ما وضعت يدي على فرجي منذ بايعت رسول الله ﷺ، وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك، قال بعضهم: وجملة من أعتقه عثمان ألفان وأربعمائة رقبة تقريبا.
وذكر أنه رأى في الليلة التي قتل في يومها المصطفى ﷺ وأبا بكر وعمر في المنام وقالوا له: اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة، فلما أصبح دعا بالمصحف فنشره بين يديه ولبس السراويل، ولم يكن لبسها قبل ذلك في الجاهلية ولا في الإسلام خوفا أن يطلع على عورته عند قتله.
[ ٢ / ١٠٧ ]
وكان من جملة ما انتقم به على عثمان رضي الله تعالى عنه، أنه أعطى ابن عمه مروان بن الحكم مائة ألف وخمسين أوقية. وأعطى الحارث عشر ما يباع في السوق:
أي سوق المدينة. وأنه جاء إليه أبو موسى بكيلة ذهب وفضة فقسمها بين نسائه وبناته، وأنه أنفق أكثر ببيت المال في عمارة ضياعه ودوره، وأنه حمى لنفسه دون إبل الصدقة، وأنه حبس عبد الله بن مسعود وهجره، وحبس عطاء وأبي بن كعب، ونفى أبا ذر إلى الربذة، وأشخص عبادة بن الصامت من الشام لما شكاه معاوية، وضرب عمار بن ياسر وكعب بن عبدة، ضربه عشرين سوطا ونفاه إلى بعض الجبال، وقال لعبد الرحمن بن عوف: إنك منافق، وإنه أقطع أكثر أراضي بيت المال، وأن لا يشتري أحد قبل وكيله وأن لا تسير سفينة في البحر إلا في تجارته، وأنه أحرق الصحف التي فيها القرآن، وأنه أتمّ الصلاة بمنى ولم يقصرها لما حج بالناس، وأنه ترك قتل عبيد الله وقد قتل الهرمزان. وقد أجاب عن ذلك كله في الصواعق فراجعه.
وما رواه الزبير بن بكار عن أنس من أنه ﷺ لم يعمل اللبن ولم يبن به المسجد إلا بعد أربع سنين من الهجرة رأيت ما يرده في تاريخ للمدينة. ونصه: ما روي عن أنس واه أو مؤوّل، والمعروف خلافه والله أعلم.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال «لو بني مسجدي هذا إلى صنعاء كان مسجدي» قال بعضهم: إن صح هذا كان من أعلام نبوته ﷺ، أي لأنه وسع بعد ذلك: أي وسعه المهدي وذلك في سنة ستين ومائة ثم زاد فيه المأمون في سنة اثنتين ومائتين.
وبه يرد القول بأن المضاعفة خاصة بالموجود حين الإشارة: أي لكن المحافظة على الصلاة فيما كان في عهده ﷺ أولى.
قال: وبنى حجرتين لعائشة وسودة: أي بناهما مجاورتين للمسجد وملاصقتين له على طرز بناء المسجد من لبن، وجعل سقفهما من جذوع النخل والجريد: أي وقدم رجل من أهل اليمامة عند الشروع في بناء المسجد يقال له طلق من بني حنيفة.
فعنه رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على النبي ﷺ وهو يا بني مسجده والمسلمون يعملون معه فيه، وكنت صاحب علاج الطين، فأخذت المسحاة وخلطت بها الطين، فقال لي: يعني رسول الله ﷺ «رحم الله امرأ أحسن صنعته» وقال لي «الزم أنت هذا الشغل فإني أراك تحسنه» وفي لفظ «إن هذا الحنفي لصاحب طين» وفي لفظ «قربوا اليماني من الطين، فإنه أحسنكم له مسكا، وأشدكم منكبا» وفي لفظ «دعوا الحنفي والطين فإنه من أصنعكم للطين» وأرسل وهو في بيت أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع مكة وأعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين ليأتيا بأهله: أي والخمسمائة أخذها من أبي بكر ليشتريا بها ما يحتاجان إليه، فاشترى بها زيد ثلاثة أبعرة، وأرسل معهما أبو
[ ٢ / ١٠٨ ]
بكر رضي الله تعالى عنه عبد الله بن الأريقط دليلا أي ببعيرين أو ثلاثة، فقدما بفاطمة وأم كلثوم بنتيه ﷺ وسودة زوجته وأم أيمن حاضنته ﷺ زوج زيد بن حارثة وابنها أسامة بن زيد، فأسامة أخو أيمن لأمه، وكان أسامة حب رسول الله ﷺ وابن حبه وابن حاضنته.
عن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن أسامة عثر يوما في أسكفة الباب فشج وجهه، فقال لي رسول الله ﷺ: أميطي عنه، قالت عائشة: فكأني تقذرته» أي لأنه كان أسود أفطس «فجعل رسول الله ﷺ يمصه» يعني الدم «ثم يمجه» .
وأما بنته ﷺ زينب التي هي أكبر بناته، فكانت مع زوجها ابن خالتها أبي العاص بن الربيع فمنعها من الهجرة، وسيأتي أنها هاجرت بعد ذلك قبله وتركته على شركه، وبعد أن أسر في بدر وأطلق، وأمره ﷺ بأن يخلي سبيلها، ففعل ثم لما أسلم ردها إليه.
وأما بنته رقية، فتقدم أنها هاجرت مع زوجها عثمان بن عفان، وخرج مع فاطمة ومن ذكر معها عبد الله بن أبي بكر، ومعه عيال أبي بكر فيهم زوجته أم رومان وعائشة وأختها أسماء زوج الزبير: أي وهي حامل بابنها عبد الله بن الزبير، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «أنها كانت هي وأمها على بعير في محفة فنفر البعير، قالت: فصارت أمي تقول: وابنتاه واعروساه، فمسك البعير وسلم الله» وفي رواية عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «لما صارت أمي تقول: واعروساه وابنتاه سمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه، فأرسلت خطامه، فوقف بإذن الله، وسلمنا الله» وأم رومان ولدت لأبي بكر عائشة وعبد الرحمن رضي الله تعالى عنهم؛ وكانت قبل أبي بكر تحت عبد الله بن الحارث فولدت له الطفيل، قال ﷺ في حقها «من يسره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان» وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ.
ماتت سنة ست من الهجرة «ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، وقال: اللهم إنه لم يخف عليك ما لاقت أم رومان فيك وفي رسولك ﷺ» .
وعورض القول بموتها في حياة رسول الله ﷺ بما في البخاري عن مسروق قال: سألت أم رومان وهي أم عائشة رضي الله تعالى عنهما، ومسروق ولد بعد موت النبي ﷺ بلا خلاف، وما في البخاري حديث صحيح مقدم على ما ذكره أهل السير من موتها في حياته ﷺ.
وفي البخاري عن أسماء «فنزلت بقباء فولدته بها» يعني ولدها عبد الله بن الزبير، «ثم أتيت النبي ﷺ فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ، ثم حنكه بتمرة» أي بتلك التمرة. ففي المواهب «وحنكه بها، ثم دعا له وبرك عليه» وهو أوّل مولود ولد في
[ ٢ / ١٠٩ ]
الإسلام أي للمهاجرين.
وفيه أن أسماء إنما قدمت المدينة: أي إلى قباء بعد تحوله ﷺ من قباء، ويدل له قول بعضهم: قدم آل أبي بكر من مكة وهو ﷺ يا بني مسجده، وأنزلهم أبو بكر في السنح، إلا أن يقال: يجوز أن يكون ﷺ جاء إلى قباء بعد ذلك فقد قال بعضهم: وهذا السياق يدل على أن عبد الله بن الزبير ولد في السنة الأولى لا في الثانية كما قاله الواحدي وتبعه غيره، فقال: ولد بعد عشرين شهرا من الهجرة ففرح به المسلمون فرحا شديدا، لأن اليهود كانوا يقولون قد سحرناهم فلا يولد لهم مولود، وهذا ربما يؤيد القول الثاني، إلا أن يقال: يجوز أن يكون عبد الله مكث في بطنها المدة المذكورة.
فقد ذكر أن مالكا رضي الله تعالى عنه مكث في بطن أمه سنتين، وكذا الضحاك بن مزاحم التابعي مكث في بطن أمه سنتين. وفي المحاضرات للجلال السيوطي أن مالكا مكث في بطن أمه ثلاث سنين، وأخبر سيدنا مالك أن جارة له ولدت ثلاثة أولاد في اثنتي عشرة سنة بحمل أربع سنين، وحينئذ يجوز أن تكون سيدتنا أسماء جاءت إلى قباء فولدت سيدنا عبد الله، وصادف مجيئه ﷺ إلى قباء في ذلك اليوم، وقد سماه النبي ﷺ عبد الله، وكناه أبا بكر بكنية جده الصديق رضي الله تعالى عنه.
وروي «أنه جاء إلى النبي ﷺ وهو ابن سبع أو ثمان ليبايع رسول الله ﷺ، وقد أمره والده الزبير بذلك فتبسم رسول الله ﷺ وبايعه» وكون آل أبي بكر نزلوا عند مجيئهم المدينة في السنخ لا ينافي كون أسماء نزلت بقباء وولدت بها لأنه يجوز أن يكون نزول أسماء في السنح بعد نزولها في قباء، قصدا لراحتها لكونها كانت حاملا حتى وضعت، والسياق المتقدم يدل على ذلك، وكون عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة كذلك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أول مولود ولد للمهاجرين بالحبشة، ويقال له عبد الله الجواد.
واتفق أن النجاشي ولد له مولود يوم عبد الله هذا، فأرسل إلى جعفر يقول له:
كيف سميت ابنك، فقال: سميته عبد الله، فسمى النجاشي ابنه عبد الله وأرضعته أسماء بنت عميس مع ابنها عبد الله المذكور، فكانا يتراسلان بتلك الأخوة من الرضاع.
وأوّل مولود ولد للأنصار بعد الهجرة مسلمة بن مخلد، وقيل النعمان بن بشير.
وذكر أن أم أسماء قدمت المدينة وهي مشركة على أسماء بهدية، فحجبتها أسماء وردت عليها هديتها، فسألت عائشة رضي الله تعالى عنها ﷺ عن ذلك، فأمر أسماء أن تؤوي أمها وتقبل هديتها.
[ ٢ / ١١٠ ]
قيل وفي ذلك وفي إرسال عبد الرحمن بن أبي بكر وهو بمكة على دينه قبل أن يسلم إلى أبيه يسأله النفقة فأبى أبوه أن ينفق عليه أنزل الله الإذن في الإنفاق على الكفار.
وقال أبو أيوب الأنصاري «لما نزل رسول الله ﷺ في بيتي نزل في أسفل البيت وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني أكره وأعظم أن أكون في العلو وتكون تحتي، فأظهر أنت وكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل، فقال ﷺ: يا أبا أيوب أرفق بنا»: أي السفل أرفق بنا «وبمن يغشانا» أي وفي لفظ «إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت، قال أبو أيوب: فانكسر حب لنا فيه ماء» والحب بضم الحاء المهملة: الجرة الكبيرة «فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر منه على رسول الله ﷺ شيء فيؤذيه، ولم أزل أتضرع للنبي ﷺ حتى تحول في العلو» أي وفي رواية عن أبي أيوب قال «نزل عليّ رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فكنت في العلو، فلما خلوت إلى أم أيوب، فقلت لها: رسول الله ﷺ أحق بالعلو منا، ينتثر التراب عليه من وطء أقدامنا، وتنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي» وفي رواية «ينزل عليه القرآن، ويأتيه جبريل، فما بت تلك الليلة أنا ولا أم أيوب، فلما أصبحت قلت: يا رسول الله ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب قال: لم؟ يا أبا أيوب؛ قلت: كنت أحق بالعلو منا، ينزل عليك الملائكة، وينزل عليك الوحي والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا» أي وعن أفلح مولى أبي أيوب «أن رسول الله ﷺ لما نزل أسفل وأبو أيوب في العلو انتبه أبو أيوب ذات ليلة؛ فقال: نمشي فوق رسول الله ﷺ فباتا في جانب، فلما أصبح» الحديث.
وعند نزوله ﷺ في بيت أبي أيوب صارت تأتي إليه جفنة سعد بن عبادة، وجفنة أسعد به زرارة كل ليلة، أي وكانت جفنة سعد بن عبادة؛ بعد ذلك تدور معه ﷺ في بيوت أزواجه، فقد جاء «كانت لرسول الله ﷺ من سعد بن عبادة جفنة من ثريد» أي عليه لحم أو خبز في لبن أو في سمن أو في عسل أو بخل وزيت، في كل يوم تدور معه أينما دار مع نسائه، وصار وهو في بيت أبي أيوب يأتي إليه الطعام من غيرهما» أي فقد جاء «وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله ﷺ الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون، حتى تحول رسول الله ﷺ من منزل أبي أيوب» أي وفي لفظ «وجعل بنو النجار يتناوبون في حمل الطعام إليه ﷺ مقامه في منزل أبي أيوب رضي الله تعالى عنه وهو تسعة أشهر. وأول طعام جيء به إليه ﷺ في دار أبي أيوب قصعة أم زيد بن ثابت» .
فعن زيد بن ثابت «أول هدية دخلت على رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب
[ ٢ / ١١١ ]
قصعة أرسلتني بها أمي إليه فيها ثريد خبز برّ بسمن ولبن فوضعتها بين يديه، وقلت:
يا رسول الله أرسلت بهذه القصعة أمي، فقاله: بارك الله فيها» أي وفي رواية «بارك الله فيك ودعا أصحابه فأكلوا» قال زيد: فلم أرم الباب: أي أرده حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم» أي بفتح العين عظم عليه لحم، فإن أخذ عنه اللحم قيل له عراق بضم العين. وقد جاء «كان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ الثريد» ويقال له الثفل بالمثلثة والفاء.
ولما بني المسجد جعل في المسجد محلا مظللا يأوي إليه المساكين يسمى الصفّة، وكان أهله يسمون أهل الصفة، وكان ﷺ في وقت العشاء يفرقهم على أصحابه ويتعشى معه منهم طائفة.
وظاهر السياق أن ذلك: أي المحل فعل في زمن بناء المسجد وآوى إليه المساكين من حينئذ، لكن روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: «لما كثر المهاجرون بالمدينة ولم يكن لهم زاد ولا مأوى، أنزلهم رسول الله ﷺ المسجد، وسماهم أصحاب الصفة؛ وكان يجالسهم ويأنس بهم، أي وكان إذا صلى أتاهم فوقف عليهم فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فقرا وحاجة» .
أقول: ذكر «أن المسجد كان إذا جاءت العتمة يوقد فيه بسعف النخل، فلما قدم تميم الداري المدينة صحب معه قناديل وحبالا وزيتا وعلق تلك القناديل بسواري المسجد وأوقدت، فقال له رسول الله ﷺ نوّرت مسجدنا نوّر الله عليك، أما والله لو كان لي ابنة لأنكحتكها» .
هذا، وفي كلام بعضهم: أول من جعل في المسجد المصابيح عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ويوافقه قول بعضهم: والمستحب من بدع الأفعال تعليق القناديل فيها: أي المساجد. وأول من فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه لما جمع الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح علق القناديل، فلما رآها عليّ تزهر قال: نورت مساجدنا نور الله قبرك يابن الخطاب، ولعل المراد تعليق ذلك بكثرة، فلا يخالف ما تقدم عن تميم الداري.
ثم رأيت في أسد الغابة عن سراج غلام تميم الداري قال «قدمنا على رسول الله ﷺ ونحن خمسة غلمان لتميم الداري، فأمرني يعني سيده فأسرجت المسجد بقنديل فيه زيت وكانوا لا يسرجون فيه إلا بسعف النخل، فقال رسول الله ﷺ: من أسرج مسجدنا؟ فقال تميم: غلامي هذا، فقال: ما اسمه؟ فقال فتح. فقال رسول الله ﷺ بل اسمه سراج، فسماني رسول الله ﷺ سراجا» .
وعن بعضهم قال: أمرني المأمون أن أكتب بالاستكثار من المصابيح في
[ ٢ / ١١٢ ]
المساجد، فلم أدر ما أكتب، لأنه شيء لم أسبق إليه، فأريت في المنام أكتب، فإن فيها أنسا للمتجهدين، ونفيا لبيوت الله عن وحشة الظلم، فانتبهت وكتبت بذلك. قال بعضهم: لكن زيادة الوقود كالواقع ليلة النصف من شعبان، ويقال لها ليلة الوقود ينبغي أن يكون ذلك كتزويق المساجد ونقشها. وقد كرهه بعضهم والله أعلم.
قال: وذكر ابن إسحاق في كتاب المبدأ وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن تبع بن حسان الحميري، هو تبع الأول: أي الذي ملك الأرض كلها شرقها وغربها، وتبع بلغة اليمن: الملك المتبوع، ويقال له الرئيس لأنه رأس الناس بما أوسعهم من العطاء وقسم فيهم من الغنائم، وكان أول من غنم.
ولما عمد إلى البيت يريد تخريبه رمي بداء تمخض منه رأسه قيحا وصديدا، وأنتن حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه قيد رمح كما تقدم، وتقدم أنه بعد ذلك كسا الكعبة، وبعد ذلك اجتاز بيثرب، وكان في ركابه مائة ألف وثلاثون ألفا من الفرسان، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة، فأخبر أن أربعمائة رجل من أتباعه من الحكماء والعلماء تبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في ذلك؟ فقالوا:
إن شرف البيت إنما هو برجل يخرج يقال له محمد هذه دار إقامته ولا يخرج منها، فبنى فيها لكل واحد منهم دارا، واشترى له جارية وأعتقها وزوجها منه، وأعطاهم عطاء جزيلا، وكتب كتابا وختمه ودفعه إلى عالم عظيم منهم، وأمره أن يدفع ذلك الكتاب لمحمد ﷺ إن أدركه، وفي ذلك الكتاب، أنه آمن به وعلى دينه، وبني دار له ﷺ ينزلها إذا قدم تلك البلد ويقال إنها دار أبي أيوب. أي كما تقدم، وأنه من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، أي فهو ﷺ لم ينزل إلا داره أي على ما تقدم.
ولما خرج رسول الله ﷺ: أي دعا إلى الإسلام أرسلوا إليه ذلك الكتاب مع شخص يسمى أبا ليلى، فلما رآه رسول الله ﷺ قال له: أنت أبو ليلى الذي معك كتاب تبع الأول؟ فقال له أبو ليلى: من أنت؟ قال: أنا محمد، هات الكتاب، فلما قرأه: أي قرىء عليه. وذكر بعضهم: أن مضمون الكتاب. أما بعد يا محمد، فإني آمنت بك وبربك ورب كل شيء، وبكل ما جاءك من ربك من شرائع الإسلام والإيمان. وإني قلت ذلك، فإن أدركتك فيها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني فإني من أصل الأولين، وبايعتك قبل مجيئك وقبل أن يرسلك الله، وأنا على ملتك وملة إبراهيم. وختم الكتاب وتلا: أي قرأ عليه لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم: الآية ٤] فقد قرأ هذا قبل نزوله: وكتب عنوان الكتاب: إلى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين ورسول رب العالمين، من تبع الأول حمير، أمانة الله في يد من وقع هذا الكتاب في يده،
[ ٢ / ١١٣ ]
إلى أن يدفعه إلى صاحبه ودفعه إلى رأس العلماء المذكورين. ثم وصل الكتاب المذكور إلى النبي ﷺ على يد بعض ولد العالم المذكور حين هاجر وهو بين مكة والمدينة، وسياق الرواية الأولى يدل على أن ذلك كان في أول البعثة، وبعد قراءة الكتاب عليه ﷺ قال: مرحبا بتبع الأخ الصالح ثلاث مرات» وكان بين تبع هذا، أي بين قوله إنه آمن به وعلى دينه، وبين مولد النبي ﷺ ألف سنة سواء، أي وتقدم أنه ابتاع المحل الذي بناه دارا له قبل مبعثه بألف سنة فليتأمل. ويقال إن الأوس والخزرج من أولاد أولئك العلماء والحكماء اهـ.
أقول: قد علمت أن نزوله ﷺ دار أبي أيوب على الوجه المتقدم، وأخذه المربد على الكيفية المتقدمة مع وصول الكتاب إليه أول البعثة أو بين مكة والمدينة وهو مهاجر إلى المدينة يبعد هذا.
وفيه أيضا: أن الذي في «التنوير» لابن دحية أن هذا تبع الأوسط، وأنه الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه، وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه محمد.
أي فقد ذكر بعضهم أن تبعا أراد تخريب المدينة واستئصال اليهود، فقال له رجل منهم بلغ من العمر مائتين وخمسين سنة: الملك أجل من أن يستخفه غضب، وأمره أعظم أن يضيق عنا حمله أو نحرم صفحة، مع أن هذه البلدة مهاجر نبي يبعث بدين إبراهيم. فكتب كتابا وذكر فيه شعرا، فكانوا يتوارثون ذلك الكتاب إلى أن هاجر النبي ﷺ، فأدوه إليه. ويقال إن الكتاب كان عند أبي أيوب الأنصاري وكان ذلك قبل مبعثه بسبعمائة عام.
وفي «التنوير» أيضا أن ابن أبي الدنيا ذكر أنه حفر قبر بصنعاء قبل الإسلام، فوجد فيه امرأتان لم يبليا، وعهد رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر فلانة وفلانة ابنتي تبع، ما تتاوهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. وجاء «لا تسبوا تبعا، فإنه كان مؤمنا» .. وفي رواية «لا تسبوا تبعا الحميري، فإنه أول من كسا الكعبة» قال السهيلي: وكذا تبع الأول كان مؤمنا بالنبي ﷺ، وقال شعر ينبىء فيه بمبعثه ﷺ، والله أعلم.
وكانت المدينة في الجاهلية معروفة بالوباء: أي الحمى، وكان إذا أشرف على واديها أحد ونهق نهيق الحمار لا يضره الوباء. وفي لفظ: كان إذا دخلها غريب في الجاهلية يقال له إن أردت السلامة من الوباء فانهق نهيق الحمار، فإذا فعل ذلك سلم.
وفي حياة الحيوان: كانوا في الجاهلية إذا خافوا وباء بلد عشروا كتعشير
[ ٢ / ١١٤ ]
الحمار: أي نهقوا عشرة أصوات في طلق واحد قبل أن يدخلوها، وكانوا يزعمون أن ذلك يمنعهم من الوباء.
ولما قدم ﷺ المدينة وجد أهلها من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) [المطفّفين: الآية ١] الآية فأحسنوا الكيل بعد ذلك.
ولما قدم ﷺ المدينة وأصحابه أصابت أصحابه بالحمى. وفي لفظ: استوخم المهاجرون هواء المدينة ولم يوافق أمزجتهم، فمرض كثير منهم وضعفوا، حتى كانوا يصلون من قعود، فرآهم ﷺ، فقال: «اعلموا: أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فتجشموا المشقة وصلوا قياما» .
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، ولما حصلت لها الحمى قال لها رسول الله ﷺ: ما لي أراك هكذا؟ قالت: بأبي أنت وأمي هذه الحمى وسبتها، فقال: لا تسبيها فإنها مأمورة، ولكن إن شئت علمتك كلمات إذا قلتهن أذهبها الله تعالى عنك، قالت: فعلمني، قال، قولي: اللهم ارحم جلدي الرقيق وعظمي الدقيق، من شدة الحريق؛ يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله العظيم فلا تصدعي الرأس، ولا تنتني الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتخذ مع الله إلها آخر، فقالتها، فذهبت عنها» .
وعن علي رضي الله تعالى عنه «لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فأصابنا بها وعك»: أي حمى، ومن جملة من أصابته الحمى سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه ومولياه عامر بن فهيرة وبلال: أي وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى أنشد:
كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
أي وهذا من شعر حنظلة بن يسار، بناء على الصحيح أن الرجز يقال له شعر كما تقدم؛ وليس من شعر أبي بكر.
فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام، أي ولا في الجاهلية كما في رواية عنها: والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا في الإسلام: أي لم ينشئه حتى مات، أي وهذا ربما ينافي ما في الينبوع: ليس عمل الشعر رذيلة، قد كان الصديق وعمر وعلي رضوان الله تعالى عليهم يقولون الشعر، وعليّ كرم الله وجهه أشعر من أبي بكر وعمر. وما تقدم عن عائشة معارض بظاهر ما روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إذا رأى النبي ﷺ يقول:
أمين مصطفى بالخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام
إلا أن يحمل قولها على أنها لم تسمع ذلك منه بناء على أن ذلك من إنشاء
[ ٢ / ١١٥ ]
الصديق. وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته: أي صوته يقول متشوقا إلى مكة
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
اللهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، وأراد بلال بالوادي وادي مكة. والإذخر: نبت معروف. وجليل: بالجيم نبت ضعيف، وشامة وطفيل: جبلان بقرب مكة، أي وفي رواية:
وهل يبدون لي عامر وطفيل
وعامر أيضا: جبل من جبال مكة.
وفي شرح البخاري للخطابي: كنت أحسب شامة وطفيلا جبلين حتى مررت بهما، فإذا هما عينان من ماء هذا كلامه.
وقد يقال: يجوز أن تكون العينان بقرب الجبلين المذكورين، فأطلق اسم كل منهما على الآخرين، ولعل هذا اللعن من بلال كان قبل النهي عن لعن المعين، لأنه لا يجوز لعن الشخص المعين على الراجح، إلا إن علم موته على الكفر كأبي جهل وأبي لهب دون الكافر الحيّ، لأنه يحتمل أن يختم له بالحسنى فيموت على الإسلام، لأن اللعن هو الطرد عن رحمة الله تعالى المستلزم لليأس منها. وأما اللعن على الوصف كآكل الربا فجائز أو أن ذلك محمول في ذلك على الإهانة والطرد عن مواطن الكرامة لا على الطرد عن رحمة الله تعالى الذي هو حقيقة اللعن، وكان كل من أبي بكر وعامر وبلال في بيت واحد. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
فاستأذنت رسول الله ﷺ في عيادتهم، فدخلت عليهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فإذا بهم ما لا يعلمه إلا الله تعالى من شدة الوعك فسلمت عليهم، أي وقالت لأبيها: يا أبت كيف أصبحت؟ فأنشدها الشعر المتقدم، قالت: فقلت: إنا لله، إن أبي ليهذي، قالت: فقلت لعامر بن فهيرة: كيف تجدك؟ فقال:
إني وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان خنقه من فرقه
قالت: فقلت: هذا والله لا يدري ما يقول، قالت: ثم قلت لبلال: كيف أصبحت فإذا هو لا يعقل. وفي رواية فأنشدها البيتين، قالت: وذكرت حالهم للنبي ﷺ، وقلت: إنهم يهذون ولا يعقلون من شدة الحمى.
أي وهذا السياق يخالف ما في السيرة الهشامية أن الصديق رضي الله تعالى عنه لما قدم المدينة أخذته الحمى هو وعامر بن فهيرة وبلال، إلا أن يقال لا مخالفة لأنه يجوز أنها أخذتهم أولا وأقلعت عنهم ثم عادت عليهم بعد دخوله ﷺ بعائشة، أو أن
[ ٢ / ١١٦ ]
عائشة استأذنته في ذلك وذكرت له حالهم قبل دخوله بها لأنها كانت معقودا عليها، ولعل الصديق كان في غير بيت أم عائشة.
والذي في تاريخ الأزرقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «لما قدم المهاجرون المدينة شكوا بها، فعاد النبي ﷺ أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقال:
كيف تجدك؟ فأنشده ما تقدم، ثم دخل على بلال فقال: كيف تجدك يا بلال؟
فأنشده ما تقدم، ثم دخل على عامر بن فهيرة فقال: كيف تجدك يا عامر؟ فأنشده ما تقدم» ولا مانع من التعدد فليتأمل.
وحين ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها له ذلك نظر إلى السماء، أي لأنها قبلة الدعاء وقال «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد» وفي رواية «وأشدّ وبارك لنا في مدّها وصاعها، وصححها لنا ثم انقل وباءها إلى مهيعة» أي الجحفة كما في رواية. وهي قرية قريبة من رابع محل إحرام من يجيء من جهة مصر حاجا، وكان سكانها إذ ذاك يهود. ودعاؤه ﷺ أن يحبب إليهم المدينة إنما هو لما جبلت عليه النفوس من حبّ الوطن والحنين إليه، ومن ثم جاء في حديث «أن عائشة رضي الله تعالى عنها سألت رجلا بحضور رسول الله ﷺ قدم المدينة من مكة، فقالت له: كيف تركت مكة؟ فذكر من أوصافها الحسنة ما غرغرت منه عينا رسول الله ﷺ وقال: «لا تشوقنا يا فلان» وفي رواية «دع القلوب تقر» .
أقول: ودعاؤه ﷺ بنقل الحمى كان في آخر الأمر، وأما عند قدومه ﷺ المدينة فخير بين الطاعون والحمى: أي بقائها، فأمسك الحمى بالمدينة وأرسل الطاعون إلى الشام كما جاء في بعض الأحاديث «أتاني جبريل بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام» وقولنا أي بقائها ردّ لما قد يتوهم من الحديث أن الحمى لم تكن بالمدينة قبل قدومه ﷺ إليها، وإنما اختار الحمى على الطاعون لأنه كان حينئذ في قلة من أصحابه، فاختار بقاء الحمى لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون. ثم لما أحتاج للجهاد وأذن له في القتال ووجد الحمى تضعف أجساد الذين يقاتلون دعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد الله تعالى بعد أن كانت بخلاف ذلك، كذا قيل فليتأمل.
فإنه يقتضي أن الحمى لما نقلت إلى الجحفة لم يبق منها بقية بالمدينة، وهو الموافق لما يأتي عن الخصائص، وحين نقلت الحمى إلى الجحفة صارت الجحفة لا يدخلها أحد إلا حم، بل قيل إذا مر بها الطائر حم.
واستشكل حينئذ جعلها ميقاتا للإحرام، وقد علم من قواعد الشرع أنه ﷺ لا يأمر بما فيه ضرر.
[ ٢ / ١١٧ ]
وأجيب بأن الحمى انتقلت إليها مدة مقام اليهود بها ثم زالت بزوالهم من الحجاز أو قبله حين التوقيت بها، كذا قيل فليتأمل.
وعنه ﷺ قال «رأيت» أي في النوم «امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة» .
وفي الخصائص الصغرى للسيوطي: «وصرف الحمى عنها: يعني المدينة أول ما قدمها ونقلها إلى الجحفة، ثم لما أتاه جبريل بالحمى والطاعون أمسك الحمى بالمدينة وأرسل الطاعون إلى الشام، ولما عادت الحمى إلى المدينة باختياره ﷺ إياها لم تستطع أن تأتي أحدا من أهلها حتى جاءت ووقفت ببابه واستأذنته فيمن يبعثها إليه، فأرسلها إلى الأنصار» .
فقد جاء «إن الحمى جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت: أنا أم ملدم» وفي رواية «أنا الحمى، أبري اللحم، وأشرب الدم، قال: لا مرحبا بك ولا أهلا» .
وفيه أنه تقدم «أنه ﷺ نهى عائشة عن سبها، فقالت له: أمضي إلى أحب قومك أو أحب أصحابك إليك، فقال: اذهبي للأنصار، فذهبت إليهم فصرعتهم فقالوا له: ادع لنا بالشفاء، فقال: إن شئتم دعوت الله ﷿ يكشفها عنكم، وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم» وفي رواية «كانت لكم طهورا، فقالوا بلى دعها يا رسول الله» ولعله هذا كان لطائفة من الأنصار، فلا ينافي ما جاء «أن الأنصار لما شكوا له الحمى وقد مكثت عليهم ستة أيام بليالها دعا لهم بالشفاء، وصار ﷺ يدخل دارا دارا وبيتا بيتا يدعو لهم بالعافية» وهذا الذي في الخصائص يدل على أن الحمى لما ذهبت إلى الجحفة لم يبق منها بقية بالمدينة، وأنها بعد ذلك عادت إلى المدينة باختيار منه ﷺ.
والذي نقله هو عن الحافظ ابن حجر أن الحمى كانت تصيب من أقام بالمدينة من أهلها وغيرهم، فارتفعت بالدعاء عن أهلها إلا النادر ومن لا يألف هواها.
وقد جاء «وإن حمى ليلة كفارة سنة، ومن حم يوما كانت له براءة من النار، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .
والذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه عن جابر «استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ فقال: من هذه؟ قالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء فلقوا ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فشكوا إليه ﷺ، فقال: إن شئتم دعوت الله تعالى ليكشفها وإن شئتم تكون لكم طهورا، قالوا أو يفعل؟ قال نعم، قالوا فدعها» والله أعلم.
ثم دعا ﷺ بقوله «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة وفي رواية «واجعل مع البركة بركتين» وجاء «أنهم شكوا له ﷺ سرعة فناء طعامهم، فقال
[ ٢ / ١١٨ ]
لهم: قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه» قيل معناه تصغير الأرغفة، ودعا لغنم كانت ترعى بالمدينة فقال «اللهم اجعل نصف أكراشها مثل ملئها في غيرها من البلاد» أي ولعل الدعاء بذلك ليس خاصا بتلك الأغنام الموجودة في زمنه ﷺ.
ويدل لذلك ما ذكره السيوطي في الخصائص الصغرى: مما اختصت به المدينة أن غبارها يطفىء الجذام، ونصف أكراش الغنم فيها مثل ملئها في غيرها من البلاد، والكرش كالمعدة للإنسان.
وكما صينت المدينة عن الطاعون بإرساله إلى الشام صينت عن الدجال. روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «على أنقاب المدينة» أي على أبوابها «ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» وفي رواية «لها»:
أي المدينة «سبعة أبواب على كل باب ملك» .
فإن قيل: كيف مدحت المدينة بعدم دخول الطاعون، وكيف أرسله ﷺ إلى الشام مع أنه شهادة؟.
وأجيب بأنه إنما أرسله إلى الشام لما تقدم، وصينت عنه بعد انتفاء ما تقدم، لأن سببه طعن كفار الجن وشياطينهم، فمنع من المدينة احتراما لها، ولم يتفق دخول الطاعون بها في زمن من الأزمنة، بخلاف مكة فإنه وجد بها في بعض السنين وهي سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
ويقال إنه وقع في سنة تسع وثلاثين بعد الألف لما هدم السيل الكعبة: أي الجانب الذي جهة الحجر. قال بعضهم: فمن حين انهدم وجد الطاعون بمكة، واستمر إلى أن أقاموا الأخشاب موضع المنهدم وجعلوا عليها الستر، فعند ذلك ارتفع الطاعون، كذا أخبر بعض الثقات من أهل مكة.
وكونه لم يتفق دخول الطاعون في المدينة في زمن من الأزمنة يخالفه قول بعضهم: وفي السنة السادسة من الهجرة وقع طاعون في المدينة أفنى الخلق، وهو أول طاعون وقع في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ «إذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها، وإن سمعتم به في أرض فلا تقربوها» .
ويروى «أنه لما قدم ﷺ المدينة رفع يديه وهو على المنبر وقال: اللهم انقل عنها الوباء ثلاثا» أي وفيه أن هذا قد يخالف ما سبق من أن هذا كان في آخرة الأمر لا عند قدومه ﷺ المدينة، إلا أن يحمل على أن قدومه ﷺ كان من سفر لا للهجرة.
وفي الحديث «سيأتي على الناس زمان يلتمسون فيه الرخاء فيحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون؛ لا يلبث فيها أخذ فيصبر للأوائها
[ ٢ / ١١٩ ]
وشدتها حتى يموت إلا كنت له يوم القيامة شهيدا وشفيعا» .
وفي مسلم «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا وكنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا» أي شفيعا للعاصي وشهيد للطائع. واللأواء بالمد الجوع.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت، فإني أشفع لمن يموت بها، لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله تعالى ذوب الملح في الماء» وفي رواية «أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» أي وفي رواية في مسلم «تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة» وتقدم أن هذا ليس عاما في الأزمنة ولا في الأشخاص، وفي رواية «مكة والمدينة ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ﷿ وعليه لعنة الله والملائكة والناس، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» أي وبهذا الحديث تمسك من جوّز اللعن على يزيد، لما تقدم عنه في إباحة المدينة في وقعة الحرة.
وردّ بأنه لا دلالة فيه على جواز لعن يزيد باسمه، والكلام إنما هو فيه، وإنما يدل على جواز لعنه بالوصف وهو «من أخاف أهل المدينة» وليس الكلام فيه، والفرق بين المقامين واضح كما علمت.
وجاء «أهل المدينة جيراني وحقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر من حفظهم كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال، أي وهي عصارة أهل النار» وفي لفظ «من أخاف هذا الحيّ من الأنصار، فقد أخاف ما بين هذين ووضع يده على جنبيه» وقيل لها طيبة لطيب العيش بها، ولأن للعطر أي الطيب بها رائحة لا توجد فيه في غيرها.
ومن خصائصها أن ترابها شفاء من الجذام كما تقدم. زاد بعضهم: ومن البرص، بل من كل داء، وعجوتها شفاء من السم.
أي وفي الحديث «تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة، وإن خرابها يكون من الجوع، وإن خراب اليمن يكون من الجراد» أي وقد دعا ﷺ على الجراد، فقال «اللهم أهلك الجراد، واقتل كباره، وأهلك صغاره واقطع دابره، وخذ بأفواهها عن مواشينا وارزقنا إنك سميع الدعاء» وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «كان ﷺ يؤتى بأول التمر فيقول: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارها، وفي مدّنا، وفي صاعنا بركة مع بركة، ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. اللهم إن
[ ٢ / ١٢٠ ]
إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لمكة، وإني عبدك ونبيك أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه» .
ثم بنى ﷺ بقية الحجر التسع عند الحاجة إليها، أي وهذا هو الموافق لما سبق أن بعضها بني مع المسجد وهي حجرة سودة وحجرة عائشة رضي الله تعالى عنهما كما تقدم.
وفي كلام أئمتنا أن بيوته ﷺ كانت مختلفة وأكثرها كان بعيدا عن المسجد، وكلام الأصل يقتضي أنها بنيت كلها في السنة الأولى من الهجرة حيث قال: وفيها:
أي السنة الأولى بنى مسجده ﷺ ومساكنه: أي وخط ﷺ للمهاجرين في كل أرض ليست لأحد وفيما وهبته له الأنصار من خططها. وأقام قوم منهم ممن لم يمكنه البناء بقباء عند من نزلوا عليه بها.
قال عبد الله بن زيد الهذلي: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد بن عبد الملك: أي بعد موت أزواجه ﷺ. قال بعضهم:
حضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ بإدخالها في المسجد،، فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم: أي وكانت تسعة: أربعة مبنية باللبن، أي وسقفها من جريد النخل مطين بالطين، ولها حجر من جريد، أي غير بيت أم سلمة فإنها جعلت حجرتها بناء.
وكان ﷺ في غزوة دومة الجندل، فلما قدم دخل عليه أول نسائه فقال لها: ما هذا البنيان؟ قالت: أردت أن أكف أبصار الناس، فقال ﷺ «وإن شر ما ذهب فيه مال المرء المسلم البنيان» وعن علي رضي الله تعالى عنه «إن لله بقاعا تسمى المنتقمات، فإذا اكتسب الرجل المال من حرام سلط الله عليه الماء والطين، ثم لا يمتعه به» أي وكانت تلك الحجر التي من الجريد مغشاة من خارج بمسوح الشعر، وخمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر بها، على أبوابها ستور من مسوح الشعر، أي وهي التي يقال لها البلانس ذرع الستر فوجد ثلاثة أذرع في ذراع.
هذا، وفي كلام السهيلي: كانت مساكنه ﷺ مبنية من جريد عليه. طين، وبعضها من حجارة موضوعة وسقوفها كلها من جريد، وكانت حجرته ﵊ أكسية من شعر مربوطة بخشب من عرعر، هذا كلامه.
قال بعضهم: وليتها تركت ولم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء، يريدون ما رضي الله تعالى لنبيه ﷺ ومفاتيح خزائن الأرض بيده، أي فإن ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر في البنيان.
وجاء «أنه ﷺ خرج إلى بعض طرق المدينة فرأى فيه مشرعة، فقال: ما هذه؟
[ ٢ / ١٢١ ]
قالوا: هذه لرجل من الأنصار، فجاء ذلك الرجل فسم على النبي ﷺ فأعرض عنه فعل ذلك مرارا، فاعلم بالقصة فهدمها الرجل» .
وعن الحسن البصري قال: كنت وأنا مراهق أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي، أي لأن الحسن البصري ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب يقينا، وكان ابنا لمولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ اسمها خيرة، وكانت أم سلمة تخرجه للصحابة يباركون عليه، وأخرجته إلى عمر رضي الله تعالى عنه فدعا له بقوله: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس، وكان والده من جملة السبي الذي سباه خالد في خلافة الصديق من الفرس.
وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، لأن عمره كان قبل أن يخرج عليّ من المدينة إلى الكوفة، وذلك بعد قتل عثمان أربع عشرة سنة. قيل له:
يا أبا سعيد: إنك تقول قال رسول الله ﷺ وإنك لم تدركه؟ فقال لذلك السائل: كل شيء سمعتني أقول قال رسول الله ﷺ فهو عن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا، أي خوفا من الحجاج.
وقد أخرج له عن عليّ جماعة من الحفاظ كالترمذي والنسائي والحاكم والدارقطني وأبو نعيم ما بين حسن وصحيح، وبه يردّ قول من أنكر أنه لم يسمع من علي، لأن المثبت مقدم على النافي، أو هو محمول على أنه لم يسمع من علي بعد خروج علي من المدينة.
قال بعضهم: وتلك الفصاحة التي كانت عند الحسن والحكمة من قطرات لبن شربها من ثدي أم المؤمنين أم سلمة ﵂، فإن أمه ربما غابت فيبكي فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه فربما در عليه ثديها فشربها.
قال بعضهم: كان الحسن البصري أجمل أهل البصرة. وفي كلام ابن كثير:
كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا، هذا كلامه. وكان إذا أقبل كأنه أقبل من دفن حميمة، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له.
وعن الواقدي: كان لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، فكلما أخذ رسول الله ﷺ أهلا تحول له حارثة عن منزل حتى صارت منازله كلها لرسول الله ﷺ، أي وهذا يخالف ما تقدم عن الأصل، من أن مساكنه بنيت في السنة الأولى.
ومات عثمان بن مظعون، وهو أخوه ﷺ من الرضاعة «وأمر ﷺ أن يرش قبره بالماء، ووضع حجرا عند رأس القبر، أي بعد أن أمر رجلا أن يأتيه بحجر، فأخذ الرجل حجرا ضعف عن حمله، فقام إليه رسول الله ﷺ فحسر عن ذراعيه ثم حمله
[ ٢ / ١٢٢ ]
ووضعه في المحل المذكور، وقال: أتعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي» أي ومن ثم دفن ولده إبراهيم عند رجليه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، قالت: ورأيت دموع رسول الله ﷺ على خدي عثمان بن مظعون.
أي وفي الاستيعاب «أنه مات بعد شهوده بدرا، فلما غسل وكفن قبله رسول الله ﷺ بين عينيه» ولا معاوضة بينه وبين خبر عائشة رضي الله تعالى عنها السابق كما لا يخفى «وجعل النساء يبكين، فجعل عمر يسكتهنّ، فقال رسول الله ﷺ:
مهلا يا عمر، ثم قال: إياكن ونعيق الشيطان، ومهما كان من العين فمن الله من الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان، وقالت امرأته، وهي خولة بنت حكيم، وقيل أمّ العلاء الأنصارية وكان نزل عليها، وقيل أم خارجة بن زيد: طبت، هنيئا لك الجنة أبا السائب، فنظر إليها رسول الله ﷺ نظرة غضب وقال: وما يدريك؟ فقالت: يا رسول الله مارسك وصاحبك، فقال رسول الله ﷺ: وما أدري ما يفعل بي، فأشفق الناس على عثمان» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن خولة بنت حكيم دخلت عليها وهي متشوشة الخاطر، فقالت لها عائشة: ما بالك؟ قالت: زوجي «تعني عثمان بن مظعون» يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ على عائشة فذكرت له ذلك، فلقي عثمان فقال له: يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك بي أسوة، والله إن أخشاكم لله وحدوده لأنا» أي وسماه السلف الصالح فقال عند دفن ولده إبراهيم «الحق بسلفنا الصالح» وقال عند دفن بنته زينب «الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون» .
ومات أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه «ووجد» أي حزن «رسول الله ﷺ وجدا شديدا عليه، وكان نقيبا لنبي النجار، فلم يجعل لهم رسول الله ﷺ نقيبا بعده، أي بعد أن قالوا له اجعل لنا رجلا مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيم، وقال لهم: أنتم أخوالي وأنا نقيبكم، وكره أن يخص بذلك بعضهم دون بعض، فكانت من مفاخرهم» .
أي ووهم ابن منده وأبو نعيم في قولهما إن أبا أمامة كان نقيبا لبني ساعدة، لأنه ﷺ كان يجعل نقيب كل قبيلة منهم، ومن ثم كان نقيب بني ساعدة سعد بن عبادة.
أي وقد قيل إن قبل قدومه ﷺ المدينة مات البراء بن معرور، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهب هو وأصحابه فصلى على قبره، وقال: «اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وقد فعلت» وهي أول صلاة صليت على الميت في الإسلام بناء
[ ٢ / ١٢٣ ]
على أن المراد بالصلاة حقيقتها، وإلا جاز أن يراد بالصلاة الدعاء، ويوافق ذلك قول الإمتاع: لم أجد في شيء من كتب السير متى فرضت صلاة الجنازة.
ولم ينقل أنه ﷺ صلى على عثمان بن مظعون. وقد مات في السنة الثانية، وكذلك أسعد بن زرارة مات في السنة الأولى.
ولم ينقل أنه ﷺ صلى عليه الصلاة الحقيقة، وقد تقدم ذلك وتقدم ما فيه.
وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود، أي بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير: أي صالحهم على ترك الحرب والأذى: أي أن لا يحاربهم ولا يؤذيهم، وأن لا يعينوا عليه أحدا، وأنه إن دهمه بها عدوّ ينصروه، وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم.
وقد ذكر في الأصل صورة الكتاب، وآخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وهي دار أبي طلحة زوج أمّ أنس، أي واسمه زيد بن سهل، وقد ركب البحر غازيا فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه بها ولم يتغير.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن أبا طلحة لم يكن يكثر من الصوم في عهد رسول الله بسبب الغزو، فلما مات ﷺ سرد الصوم. وكانت المؤاخاة- بعد بناء المسجد، وقيل والمسجد يا بنى- على المواساة والحق، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام، وفي لفظ دون القرابة، فقال «تآخوا في الله أخوين أخوين» .
أقول: ذكر ابن الجوزي عن زيد بن أبي أوفى قال «دخلت على رسول الله ﷺ في مسجد المدينة، فجعل يقول: أين فلان أين فلان؟ فلم يزل يتفقدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده، فقال: إني محدثكم بحديث فاحفظوه وعوه وحدثوا به من بعدكم: إن الله تعالى اصطفى من خلقه خلقا، ثم تلا هذه الآية اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحجّ: الآية ٧٥] وإني أصطفي منكم من أحبّ أن أصطفيه، وأواخي بينكم كما آخى الله تعالى بين ملائكته، قم يا أبا بكر، فقام فجثا بين يديه ﷺ، فقال: إن لك عندي يدا الله يجزيك بها، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي وحرك قميصه بيده، ثم قال: ادن يا عمر، فدنا فقال: قد كنت شديد البأس علينا يا أبا حفص، فدعوت الله أن يعزّ بك الدين أو بأبي جهل ففعل الله ذلك بك، وكنت أحبهما إلى الله فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة، وآخى بينه وبين أبي بكر» هذا كلام ابن الجوزي، وهو يقتضي أنه ﷺ بعد الهجرة آخى بين المهاجرين والأنصار أيضا كما آخى بينهم قبل الهجرة، وهذا لا يتم إلا لو آخى بين غير أبي بكر وعمر من المهاجرين، ويكون ابن أبي أوفى اقتصر.
والمعروف المشهور أن المؤاخاة إنما وقعت مرتين مرة بين المهاجرين قبل
[ ٢ / ١٢٤ ]
الهجرة، ومرة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة والله أعلم. ويدلّ لذلك قول بعضهم: كانوا إذ ذاك خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار، أي وقيل كانوا تسعين «فأخذ بيد عليّ بن أبي طالب وقال: هذا أخي، فكان رسول الله ﷺ وعليّ أخوين، وآخى بين أبي بكر وخارجة بن زيد» وكان صهرا لأبي بكر، كانت ابنته تحت أبي بكر «وبين عمر وعتبان بن مالك، وبين أبي رويم الخثعمي وبين بلال، وبين أسيد بن حضير وبين زيد بن حارثة، وكان أسيد ممن كناه النبي ﷺ كناه أبا عبس، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان أحد العقلاء أهل الرأي، وكان الصديق رضي الله تعالى عنه يكرمه ولا يقدم عليه أحدا، وآخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن معاذ، وآخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع، وعند ذلك قال سعد لعبد الرحمن: يا عبد الرحمن إني من أكثر الأنصار مالا، فأنا مقاسمك، وعندي امرأتان فأنا مطلق إحداهما فإذا انقضت عدتها فتزوجها فقال له بارك الله لك في أهلك ومالك» .
وفي الأصل عن ابن إسحاق «آخى رسول الله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: تآخوا في الله أخوين أخوين» .
وفي كلام بعضهم «أنه ﷺ آخى بين حمزة وبين زيد بن حارثة» وإليه أوصى حمزة يوم أحد، فليتأمل فإنهما مهاجران «ثم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب وقال هذا أخي، فكان رسول الله ﷺ وعليّ أخوين» وفيه أن هذا ليس من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد تقدم في المؤاخاة بين المهاجرين قبل الهجرة مؤاخاته له ﷺ. وفي رواية «لما آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه جاء عليّ تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال له رسول الله ﷺ: أنت أخي في الدنيا والآخرة» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب «وآخى بين جعفر بن أبي طالب، وهو غائب بالحبشة وبين معاذ بن جبل» أي أرصد، معاذا لأخوة جعفر إذا قدم من الحبشة.
وبه يردّ ما قيل جعفر بن أبي طالب إنما قدم في فتح خيبر سنة سبع، فكيف يؤاخي بينه وبين معاذ بن جبل أول مقدمه ﵊ «وآخى بين أبي ذرّ الغفاري والمنذر بن عمرو، وبين حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب» .
وفي الاستيعاب «أنه آخى بين سلمان وأبي الدرداء» وجاء سلمان لأبي الدرداء زائرا فرأى أمّ الدرداء مبتذلة فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك ليس له حاجة في شيء من الدنيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه، فسأل أبو الدرداء النبي ﷺ عما قال
[ ٢ / ١٢٥ ]
سلمان، فقال له مثل ما قال سلمان» ولعل هذه المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء كانت قبل عتق سلمان، لأنه تأخر عتقه عن أحد، لأن أول مشاهده الخندق كما تقدم.
وروى الإمام أحمد عن أنس «أنه آخى بين أبي عبيدة وبين أبي طلحة» وقد تقدم أنه آخى بينه وبين سعد بن معاذ، وقال المهاجرون «يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا في كثير، كفونا المؤنة وأشركونا في المهنة. أي الخدمة «حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله» قال: لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم لهم» أي فإن ثناءكم عليهم ودعاءكم لهم حصل منكم به نوع مكافأة.
قال بعضهم: والمؤاخاة من خصائصه ﷺ، ولم يكن ذلك لنبيّ قبله «ثم إن رسول الله ﷺ قال: من لي بعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص» أي المحبوسين عند قريش المانعين لهما من الهجرة، فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة» أي بعد أن خرج إلى المدينة من حبس أهله له بمكة كما تقدم «أنا لك يا رسول الله بهما، فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقي امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعهما وكان بيتا لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما، ثم أخذ مروة: أي حجرا فوضعها تحت قيدهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه ذو المروة، ثم جعلهما على بعيره وساق بهما، فعثر فدميت أصبعه، فأنشد أي متمثلا:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
ثم قدم بهما على رسول الله ﷺ» وتقدم أن ذلك يردّ القول بأن عياشا استمرّ محبوسا حتى فتح رسول الله ﷺ مكة، وقد دعا ﷺ في قنوت الصلاة بقوله «اللهم أنج الوليد بن الوليد» أي وذلك أن يتخلص من حبسه بمكة، أي فإن الوليد أسر يوم بدر، أسره عبد الله بن جحش فقدم في فدائه أخواه خالد وكان أخاه لأبيه وهشام وكان أخاه لأمه وأبيه، أي ومن ثم لما أبى عبد الله أن يأخذ في فداء الوليد إلا أربعة آلاف درهم وصار خالد يأبى ذلك، قال له هشام: إنه ليس بابن أمك، والله لو أبى فيه إلا كذا وكذا لفعلت.
ويقال «إنه ﷺ قال لعبد الله بن جحش: «ولا تقبل في فدائه إلا شملة أبيه» وهي درع فضفافة مقومة بمائة دينار «فجاآ بها وسلماها إلى عبد الله» فلما افتدي وقدم إلى مكة أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟ فقال: كرهت أن يظنوا بي أني جزعت من الإسار، فلما أسلم حبسه أهل مكة، ثم أفلت ولحق برسول الله ﷺ، وشهد عمرة القضاء، وكتب إلى أخيه خالد، فوقع الإسلام في قلب
[ ٢ / ١٢٦ ]
خالد، وكان خالد من جملة من خرج من مكة فارّا لئلا يرى رسول الله ﷺ وأصحابه كراهة الإسلام وأهله، فسأل رسول الله ﷺ الوليد عنه، وقال «لو أتانا خالد لأكرمناه، وما مثله يجهل الإسلام» فكتب له أخو الوليد بذلك، وفي مدة حبس الوليد كان ﷺ في كل ليلة إذا صلى العشاء الآخرة قنت في الركعة الأخيرة يقول «اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم انج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج هشام بن العاص، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين مثل سني يوسف، فأكلوا العلهز؛ ثم لم يزل يدعو للمستضعفين حتى نجاهم الله» أي بعد أن نجى عياشا وهشاما والوليد.
أقول: هذه الرواية تدل على أنه كان يدعو بما ذكر في الركعة الأخيرة من العشاء الآخرة. وفي البخاري أن ذلك كان في الركعة الأخيرة من الصبح.
وقد يقال: لا مخالفة، لأنه كان ﷺ تارة يدعو في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء الآخرة، وتارة في الركعة الأخيرة من الصبح، أو كان يدعو بذلك فيهما وكل روى بحسب ما رأى، والله أعلم.
ثم لا زال المهاجرون والأنصار يتوارثون بذلك الإخاء دون القرابات إلى أن نزل قوله تعالى في وقعة بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ [الأنفال: الآية ٧٥] أي القرابات بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: الآية ٧٥] أي في الإرث فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: الآية ٧٥] أي اللوح المحفوظ فنسخت ذلك، أي لأنه كان الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة ومفارقة الأهل والعشيرة، وشدّ أزر بعضهم ببعض؛ فلما عزّ الإسلام، واجتمع الشمل، وذهبت الوحشة، بطل التوارث، ورجع كل إنسان إلى نسبة وذوي رحمه: أي ومن ثم قيل لزيد بن حارثة زيد بن حارثة: أي بعد أن كان يقال له زيد بن محمد، وكانت المؤاخاة بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل غير ذلك.
أقول: تقدم أن سبب امتناع أن يقال زيد بن محمد نزول قوله تعالى ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الأحزاب: الآية ٥] أي ومن ثم قيل للمقداد بن عمرو، وكان يقال له المقداد بن الأسود، لأن الأسود كان تبناه في الجاهلية، ومن لم يعرف أبوه ردّ إلى مواليه؛ ومن ثم قيل لسالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بعد أن كان يقال له سالم بن أبي حذيفة، فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، ومن ثم أنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة.
وجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو امرأة أبي حذيفة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: «يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يدخل عليّ وقد بلغ ما يبلغ الرجال، وإنه يدخل عليّ، وأظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا فماذا ترى فيه؟
فقال: أرضعيه تحرمي» .
[ ٢ / ١٢٧ ]
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت لعائشة «ما ترى هذه إلا رخصة رخصها رسول الله ﷺ لسالم» وكان سالم رضي الله تعالى عنه يؤم المهاجرين الأولين في مسجد، قباء فيهم أبو بكر وعمر.
وفي ينبوع الحياة: كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار توجب التوارث بينهم ثم نسخ ذلك قبل العمل به، وأما قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: الآية ٧٥] فمعناه أنهم التزموا هذا الحكم ودانوا به.
ومن المشكل حينئذ ما نقل «أن الحتات» بضم الحاء وفتح المثناة فوق مخففة «كان ﷺ آخى بينه وبين معاوية، ولما مات الحتات عند معاوية في خلافته ورثه بالأخوة مع وجود أولاده» ثم رأيت الحافظ ابن حجر في الإصابة ذكر ذلك ونظر فيه، والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٨ ]
باب بدء الأذان ومشروعيته
أي والإقامة ومشروعيتها، وكل منهما من خصائص هذه الأمة، كما أن خصائصها الركوع والجماعة وافتتاح الصلاة بالتكبير، فإن صلاة الأمم السابقة كانت لا ركوع فيها ولا جماعة، وكانت الأنبياء كأممهم يستفتحون الصلاة بالتوحيد والتسبيح والتهليل، أي وكان دأبه ﷺ في إحرامه لفظة الله أكبر، ولم ينقل عنه سواها أي كالنية.
ولا يشكل على الركوع قوله تعالى لمريم وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: الآية ٤٣] لأن المراد به في ذلك الخضوع أو الصلاة، لا الركوع المعهود كما قيل، لكن في البغوي قيل إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم وقيل بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها وليست الواو للترتيب بل للجمع هذا كلامه فليتأمل، وكان وجود ذلك: أي الأذان والإقامة في السنة الأولى، وقيل في الثانية.
ذكر أن الناس إنما كانوا يجتمعون للصلاة لتحين مواقيتها، أي لدخول أوقاتها من غير دعوة، أي وقد قال ابن المنذر: هو ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرض الصلاة بمكة، إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور.
قال: ووردت أحاديث تدلّ على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة من تلك الأحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال «لما أسري برسول الله ﷺ أوحى الله تعالى إليه بالأذان، فنزل به وعلمه بلالا» قال الحافظ ابن رجب: هو حديث موضوع.
ومنها ما رواه ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا «لما أسري بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه» أي جبريل «يصلي بهم، فقدمني فصليت» قال فيه الذهبي: حديث منكر، بل موضوع هذا كلامه. على أنه يدل على أن المراد بالأذان الإقامة كما تقدم أنها المرادة بالأذان انتهى.
أقول: ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل «إن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة» وقد سئل الحافظ السيوطي: هل ورد أن بلالا أو غيره أذن بمكة قبل الهجرة؟ فأجاب بقوله: ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يعتمد عليها. والمشهور الذي صححه أكثر العلماء ودلت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة، وأنه لم يؤذن قبلها لا بلال ولا
[ ٢ / ١٢٩ ]
غيره. وذكر في الدرّ في قوله تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا [فصّلت: الآية ٣٣] أنها نزلت بمكة في شأن المؤذنين، والأذان إنما شرع في المدينة، فهي مما تأخر حكمه عن نزوله هذا كلامه.
وفي كلام الحافظ ابن حجر ما يوافقه، حيث ذكر أن الحق أنه لا يصح شيء من الأحاديث الدالة على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، وذكر ما تقدم عن ابن المنذر، من أنه ﷺ كان يصلي من غير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة، إلى أن هاجر، ﷺ إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك: أي فقد ائتمر ﷺ هو وأصحابه كيف يجمع الناس للصلاة؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رآها الناس أذن» أي أعلم «بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك، فذكر له بوق «يهود» أي يقال له الشبور بفتح الشين المعجمة ثم موحدة مشددة مضمومة ثم واو ساكنة ثم راء، ويقال له القبع بضم القاف وإسكان الموحدة وقيل بفتحها، وقيل باسكان النون وبالعين المهملة.
قال السهيلي: وهو أولى بالصواب، وقيل بالمثناة فوق، وقيل بالمثلثة، وهو القرن الذي يدعون به لصلاتهم: أي يجتمعون لها عند سماع صوته «فكرهه ﷺ وقال: هو من أمر اليهود، فذكر له الناقوس الذي يدعون به النصارى لصلاتهم، فقال: هو من أمر النصارى، أي فقالوا لو رفعنا نارا أي فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة، فقال ذلك للمجوس، وقيل كما في حديث الشيخين عن ابن عمر «أن عمر ﵄ قال: أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة» أي بحضورها «أي ففعلوا ذلك وكان المنادي هو بلال رضي الله تعالى عنه» .
قال الحافظ ابن حجر: وكان اللفظ الذي ينادي به بلال: أي قبل رؤيا عبد الله «الصلاة جامعة» كما رواه ابن سعد وسعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا.
وقد جاء أنه ﷺ قال «لقد هممت أن أبث رجالا ينادون الناس بحين الصلاة» أي في حينها: أي وقتها «وقد هممت أن آمر رجالا تقوم على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة» أي ولعل هذا كان منه ﷺ قبل وقوع ما تقدم بلال، ثم أمر بلال بما تقدم.
وقيل ائتمر رسول الله ﷺ هو وأصحابه بالناقوس: أي اتفقوا عليه فنحت ليضرب به المسلمون أي وهو خشبة طويلة يضرب عليها بخشبة صغيرة، فنام عبد الله بن زيد، فأري الأذان أي والإقامة في منامه.
فعنه رضي الله تعالى عنه، قال «لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس فطاف بي وأنا نائم رجل» وفي لفظ «إني لبين نائم ويقظان طاف بي رجل» والمراد أنه نام نوما
[ ٢ / ١٣٠ ]
خفيفا قريبا من اليقظة فروحه كالمتوسطة بين النوم واليقظة.
قال الحافظ السيوطي: أظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون، ويسمعون ما يسمعون، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين هم رؤوس أرباب الأحوال، أي وهذه الحالة هي التي عناها الشيخ عبد الله الدلاصي بقوله: كنت بالمسجد الحرام في صلاة الصبح، فلما أحرم الإمام وأحرمت أخذتني أخذة، فرأيت رسول الله ﷺ يصلي إماما وخلفه العشرة فصليت معهم، فقرأ رسول الله ﷺ في الركعة الأولى سورة المدثر، وفي الثانية عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) [النّبإ: الآية ١] ثم سلم الإمام فعقلت تسليمه فسلمت.
أي ويدل لذلك قول عبد الله بن زيد كما جاء في رواية: ولولا أن يقول الناس: أي يستبعد الناس ذلك لقلت إني كنت يقظان غير نائم وذلك الرجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده؛ فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت بلى: أي وفي رواية فقلت أتبيع الناقوس؛ فقال: ماذا تريد به؟ فقلت:
أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فأنا أحدثك بخير لك من ذلك، فقلت بلى، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال عبد الله: ثم استأخر عني: أي ذلك الرجل غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله: أي ففي هذه الرواية افراد ألفاظ الإقامة إلا لفظها ولفظ التكبير أولا وآخرا. وفي رواية «رأى رجلا عليه ثياب خضر وهو قائم على سقف المسجد. وفي رواية: على جذم حائط، بكسر الجيم وسكون المعجمة: أي أصل الحائط، ولا مخالفة لما سيعلم فأذن ثم قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها، أي مثل الكلمات، أي كلمات الأذان، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، أي زيادة على تلك الكلمات التي هي الأذان. ففي هذه الرواية تثنية ألفاظ الإقامة والإتيان بالتكبير في أولها أربعا كالأذان، أي وهذا: أي كونه على سقف المسجد، وكونه على جذم حائط لا مخالفة بينهما، لأنه يجوز أن يكون لما قال له تقول الله أكبر، إلى آخر الأذان والإقامة كانا قائما على سقف المسجد قريبا من جذم الحائط، فنسب قيامه إلى كل منهما، ويكون قوله ثم استأخر عني غير بعيد: أي سكت غير طويل. قال عبد الله: فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ
[ ٢ / ١٣١ ]
فأخبرته بما رأيت. أي وفي رواية: أنه أتاه ليلا وأخبره، وهي المذكورة في سيرة الحافظ الدمياطي.
ولا منافاة لأنه يجوز أن يكون قول عبد الله: فلما أصبحت: أي قاربت الصباح، فقال له رسول الله ﷺ: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به فإنه أندى» وفي رواية «أمدّ صوتا منك» أي أعلى وأرفع. وقيل أحسن وأعذب. ولا مانع من إرادة ذلك كله هنا «فقمت مع بلال» وفي رواية «فقال لبلال: قم فانظر ما أمرك به عبد الله بن زيد فافعله، فجعلت ألقيه عيه ويؤذن به» أي فبلال أول مؤذنيه ﷺ، أي وقيل أول مؤذنيه عبد الله بن زيد ذكره الإمام الغزالي، وأنكره ابن الصلاح، أي حيث قال لم أجد هذا بعد البحث عنه، هذا كلامه.
وقد يقال: لا منافاة لأن عبد الله أول من نطق بالأذان، وبلال أول من أعلن به، وحينئذ يكون أوّل مشروعيته كان في أذان الصبح، فلما سمع بذلك: أي بأذان بلال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في بيته خرج يجر رداءه. وفي رواية: إزاره أي عجلا، أي وقد أعلم بالقصة لقوله «والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه» . وفي رواية «مثل ما يقول» أي بلال رضي الله تعالى عنه «فقال رسول الله ﷺ، فلله الحمد» قال الترمذي:
عبد الله بن زيد بن عبد ربه لا نعرف له عن النبي ﷺ شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان.
وقيل رأى مثل ما رأى عبد الله أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وقيل سبعة من الأنصار وقيل أربعة عشر.
قال ابن الصلاح: لم أجد هذا بعد إمعان النظر، وتبعه النووي، فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف، وإنما الثابت خروج عمر يجرّ رداءه، وقيل رآه ﷺ ليلة الإسراء «أسمع ملكا يؤذن» أي فقد جاء في حديث بعض رواته متروك.
بل قيل إنه من وضعه «أنه لما أراد الله ﷿ أن يعلم رسوله الأذان جاء جبريل ﵊ بدابة يقال لها البراق، فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك خرج من الحجاب ملك فقال: الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر» وذكر بقية الأذان.
فرؤيا عبد الله دلت على أن هذا الذي رآه في السماء يكون سنة في الأرض عند الصلوات الخمس التي فرضت عليه تلك الليلة، أي فلذلك قال «إنها لرؤيا حق إن شاء الله» .
[ ٢ / ١٣٢ ]
وفيه أن الذي تقدم عن الخصائص أن المراد بهذا الأذان الذي أتى به الملك الإقامة لا حقيقة الأذان، أي ويدل لذلك أن الملك قال فيه «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقال الله: صدق عبدي، أنا أقمت فريضتها، ثم قيل لرسول الله ﷺ تقدم، فأمّ أهل السماء فيهم آدم ونوح» .
قال بعضهم: والأذان ثبت بحديث عبد الله بن زيد بإجماع الأمة لا يعرف بينهم خلاف في ذلك، إلا ما روي عن محمد ابن الحنفية. وعن أبي العلاء قال: قلت لمحمد ابن الحنفية: إنا لنتحدث أن بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد ابن الحنفية فزعا شديدا، وقال: عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنه إنما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب، وقد تكون أضغاث أحلام؛ قال: فقلت له: هذا الحديث قد استفاض في الناس، قال: هذا والله هو الباطل، ثم قال: «وإنما أخبرني أبي أن جبريل ﵊ أذن في بيت المقدس ليلة الإسراء، وأقام، ثم أعاد جبريل الأذان لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء فسمعه عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب.
وفي رواية عنه أنه لما انتهى إلى مكان من السماء وقف به وبعث الله ملكا، فقيل له علمه الأذان، فقال الملك: الله أكبر، فقال الله: صدق عبدي، أنا الله أكبر، إلى أن قال: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. وفيه ما علمت أن هذه الإقامة لا الأذان، وقد ردّ عليه بأنه لو ثبت بقول جبريل لما احتاج ﷺ إلى المشورة، والمعراج كان بمكة قبل الهجرة.
والأولى أن يتمسك ابن الحنفية بما يأتي عن بعض الروايات، من قوله ﷺ لعبد الله «قد سبقك بذلك الوحي» وكونه أتى بالبراق إلى الحجاب هو بناء على أن العروج كان على البراق وتقدم ما فيه. ويحتمل أن يكون هذا عروجا آخر غير ذلك، وحينئذ لا يخالف هذا ما تقدم أنه لما أسري به أذن جبريل وتقدم ما فيه، ولا ما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه «مؤذن أهل السماء جبريل» لجواز حمل ذلك على الغالب، وحينئذ لا يخالف أيضا ما جاء «إسرافيل مؤذن أهل السماء، وامامهم ميكائيل عند البيت المعمور» وفي لفظ «يؤم بالملائكة في البيت المعمور» ولعلّ كون ميكائيل إمام أهل السماء لا يخالف ما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها «إمام أهل السماء جبريل» لما علم، وجاء «إن مؤذن أهل السماء يؤذن لاثنتي عشرة ساعة من النهار، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل» .
أقول: وفي النور لو رآه أي الأذان ليلة الإسراء لم يحتج إلا إلى ما يجمع به المسلمين إلى الصلاة. ويردّ بأنه لم يكن يعلم قبل هذه الرؤيا أن ما رآه في السماء
[ ٢ / ١٣٣ ]
يكون سنة للصلوات الخمس التي فرضت عليه تلك الليلة، فبتلك الرؤيا علم أن ذلك سنة في الأرض كما تقدم.
وعبارة بعضهم: ولا يشكل على أذان جبريل ببيت المقدس أن الأذان إنما كان بعد الهجرة، لأنه لا مانع من وقوعه ليلة الإسراء قبل مشروعيته للصلوات الخمس، وهذا كله على تسليم أن المرئي له الأذان حقيقة لا الإقامة، وقد علمت ما فيه.
ثم رأيت بعضهم قال: وأما قول القرطبي. لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه، ففيه نظر لقوله في أوله: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان، أي لأن المتبادر تعليمه الأذان الذي يأتي به في الأرض للصلوات.
وقد يقال: على تسليم ذلك قد علمت أن المراد بالأذان الذي سمعه ليلة الإسراء الإقامة وقد قال الحافظ ابن حجر: الحق أنه لم يصح شيء من هذه الأحاديث الواردة بأنه سمعه ليلة الإسراء، ومن ثم قال ابن كثير في بعض الأحاديث الواردة بأنه سمع هذا الأذان في السماء ليلة المعراج: هذا الحديث ليس كما زعم البيهقي أنه صحيح، بل هو منكر، تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين، وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى:
خص ﷺ بذكر اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى، والله أعلم.
أي وروي بسند واه: إن أول من أذن بالصلاة جبريل ﵊ في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال رضي الله تعالى عنهما، فسبق عمر بلالا، فأخبر النبي ﷺ؛ ثم جاء بلال، فقال له: سبقك بها عمر، وهذا لا دلالة فيه، لأنه يجوز أن يكون ذلك بعد رؤيا عبد الله.
وذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه رآه من عشرين يوما وكتمه، ولما أخبر ﷺ بذلك، قال له: ما منعك أن تخبرني؟ قال سبقني عبد الله بن زيد فاستحيت منه.
أقول: في هذا الكلام ما لا يخفى فليتأمل، إنما قال له «إنها رؤيا حق» لأنه يجوز أن يكون جاءه ﷺ الوحي بذلك قبل أن يجيء إليه عبد الله بن زيد به، ومن ثم قال له حين أخبره بذلك على ما في بعض الروايات «قد سبقك بذلك الوحي» فالأذان إنما ثبت بالوحي لا بمجرد رؤيا عبد الله.
قال بعضهم في قوله وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا [المائدة: الآية ٥٨] الآية، كان اليهود إذا نودي إلى الصلاة وقام المسلمون إليها يقولون: قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا، على طريق الاستهزاء والسخرية.
وفيها دليل على مشروعية الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده هذا كلامه.
ورده أبو حيان بأن هذه جملة شرطية دلت على سبق المشروعية لا على إنشائها أي
[ ٢ / ١٣٤ ]
وذلك على تسليم أن يكون المدعوّ به للصلاة خصوص اللفظ الذي وجد في المنام، وصار بلال يؤذن بذلك للصلوات الخمس، وينادي في الناس لغير الصلوات الخمس، لأمر يحدث يطلب له حضور الناس كالكسوف والخسوف والاستسقاء «الصلاة جامعة» .
قيل «وكان بلال إذا أذن، قال: أشهد أن لا إله إلا الله حيّ على الصلاة، فقال له عمر على أثرها: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ لبلال: قل كما قال عمر» وهذا روي عن ابن عمر في حديث فيه راو ضعيف، ولولا التعبير بكان لأمكن حمل ذلك على أن بلالا أتى بذلك ناسيا في ذلك الوقت لما لقنه عبد الله بن زيد. ثم رأيت ابن حجر الهيتمي، قال: والحديث الصحيح الثابت في أول مشروعية الأذان يرد هذا كله، هذا كلامه.
قيل وزاد بلال في أذان الصبح بعد الحيعلات «الصلاة خير من النوم مرتين» فأقرها ﷺ» أي لأن بلالا كان يدعو النبي ﷺ للصلاة، فيقول له الصلاة «فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم مرتين» أي اليقظة الحاصلة للصلاة خير من الراحة الحاصلة بالنوم.
أقول: وهذا يقال له التثويب، وذكر فقهاؤنا أنه صح أنه ﷺ لقن ذلك لأبي محذورة أي قال له «فإن كانت صلاة الصبح، قلت الصلاة خير من النوم» ولا منافاة لأن تعليم أبي محذورة للأذان كان عند منصرفه. ﷺ من حنين على ما سيأتي، وكذا ما ورد من أنه ﷺ قال إن ذلك من السنة، لأنه يجوز أن يكون ذلك صدر منه بعد أن أقرّ بلالا عليه، نعم ذكر أنه لم ينقل أن ابن أم مكتوم كان يقوله، أي لقول بلال له في الأذان الأول، وهو يدل لمن قال إنه إذا قيل في الأذان الأول لا يقال في الثاني، لأن أذانه للصبح كان متأخرا عن أذان بلال في أكثر الأحوال، وهو محمل ما جاء في كثير من الأحاديث «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» ومن غير الأكثر محمل ما جاء «إن ابن أم مكتوم ينادي بليل وكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، إن ابن أم مكتوم أعمى، فإذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا، وإذا أذن بلال فأمسكوا ولا تأكلوا» والراجح أنه يقوله فيهما: لكن ربما يخالف ذلك ما في الموطأ أن المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر ﵁ أن يجعلها في نداء الصبح» وفي الترمذي «أن بلالا قال: قال رسول الله ﷺ: لا تثويب في شيء من الصلاة» أي من أذان الصلاة «إلا في صلاة الفجر» أي يقول الصلاة خير من النوم.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع الأذان في مسجد، فأراد أن يصلي فيه، فسمع المؤذن يثوب في غير الصبح، فقال لرفيق له: اخرج بنا من عند
[ ٢ / ١٣٥ ]
هذا المبتدع، فإن هذه بدعة: أي سمع المؤذن يقول بين الأذان والإقامة على باب المسجد الصلاة، الصلاة وهذا هو المراد بالتثويب الذي سمعه ابن عمر كما قاله بعضهم.
وفي كلام بعضهم: من المحدثات أن المؤذن يجيء بين الأذان والإقامة إلى باب المسجد فيقول: حي على الصلاة. قيل وأول من أحدثه مؤذن معاوية رضي الله تعالى عنه فكان يأتيه بعد الأذان وقبل الإقامة يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، وحي على الفلاح، حي على الفلاح يرحمك الله.
أما قول المؤذن بين الأذان والإقامة: الصلاة الصلاة فليس بدعة، لأن بلالا كان يقول ذلك للنبي ﷺ. وأما قوله «حي على الصلاة» فهذا لم يعهد في عصره ﷺ.
ثم رأيت في «درر المباحث في أحكام البدع والحوادث»: اختلف الفقهاء في جواز دعاء الأمير إلى الصلاة بعد الأذان وقبل الإقامة؛ بأن يأتي المؤذن باب الأمير، فيقول: حي على الصلاة حي على الفلاح أيها الأمير، وفسر به التثويب. فاحتج من قال بجوازه: أي بسنتيه «أن بلالا كان إذا أذن يأتي النبي ﷺ ثم يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله» أي كما كان يفعل مؤذن معاوية رضي الله تعالى عنه، فليس من المحدثات.
وفي الحديث المشهور «أنه في مرضه ﷺ أتاه بلال، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال ﷺ له: مر أبا بكر فليصلّ بالناس» . واحتج من قال بالمنع، بأن عمر رضي الله تعالى عنه لما قدم مكة أتاه أبو محذورة فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فقال:
ويحك أمجنون أنت؟ أما كان في دعائك الذي دعوته ما يكفيك حتى تأتينا؟ ولو كان هذا سنة لم ينكر عليه، أي وكون عمر رضي الله تعالى عنه لم يبلغه فعل بلال من البعيد.
وعن أبي يوسف: لا أرى بأسا أن يقول المؤذن: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، لاشتغال الأمراء بمصالح المسلمين، أي ولهذا كان مؤذن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يفعله.
وذكر بعضهم أن في دولة بني بويه كانت الرافضة تقول بعد الحيعلتين: حيّ على خير العمل، فلما كانت دولة السلجوقية منعوا المؤذّنين من ذلك، وأمروا أن يقولوا في أذان الصبح بدل ذلك: الصلاة خير من النوم مرتين، وذلك في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
[ ٢ / ١٣٦ ]
ونقل عن ابن عمرو عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يقولان في أذانيهما بعد حي على الفلاح: حي على خير العمل.
ورد الترجيع في خبر أذان أبي محذورة أيضا، وهو أن يخفض صوته بالشهادتين قبل رفعه بهما. ففي مسلم عن أبي محذورة أنه قال «قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدّم رأسي وقال: تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله» وكان أبو محذورة يشفع الإقامة كالأذان: أي يكرر ألفاظها فيقول «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله» لقنه ﷺ ذلك وهي الرواية الثانية التي تقدمت عن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه.
وذكر الإمام أبو العباس بن تيمية ﵀ أن النقل ثبت أن النبي ﷺ علم أبا محذورة الأذان فيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان، وأن بلالا كان يشفع الأذان ويوتر الإقامة، أي ولا يرجع الأذان.
ففي الصحيحين «أمر بلال أن يشفع الأذان» أي ومن شفع الأذان التكبير أوله أربعا، ولم يصح عنه ﷺ الاقتصار فيه على مرتين وإن كان هو عمل أهل المدينة كما سيأتي، نعم يرد على شفع الأذان التهليل آخره فإنه مفرد، فالأولى أن يقال يشفع معظم الأذان، ويوتر الإقامة إلا الإقامة: أي لفظها، أي وهي «قد قامت الصلاة» فإنه يكررها مرتين يقول «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» ولم يصح عنه ﷺ إفرادها البتة أي وإن كان هو عمل أهل المدينة كما سيأتي، وصح عنه تكرير لفظ التكبير مرتين أولا وآخرا؛ وحينئذ يكون المراد بإفراد الإقامة إفراد معظمها، فكان يقول في الإقامة «الله أكبر، الله أكبر؛ أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» ولم يكن في أذانه ترجيع: أي وهو الإتيان بالشهادتين مرتين سرا، ثم يأتي بهما جهرا: أي كما تقدم، قال: فنقل إفراد الإقامة صحيح بلا ريب، وتثنيتها صحيح بلا ريب.
أي وكل روى عن عبد الله بن زيد كما علمت، قال: أي ابن تيمية وأحمد وغيره: أخذوا بأذان بلال وإقامته، أي فلم يستحبوا الترجيع في الأذان، واستحبوا إفراد الإقامة إلا لفظها.
[ ٢ / ١٣٧ ]
والشافعي رضي الله تعالى عنه أخذ بأذان أبي محذورة وإقامة بلال، فاستحب الترجيع في الأذان والإفراد في الإقامة إلا لفظها.
وأبو حنيفة ﵀ أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، أي فلم يستحب الترجيع، واستحب تثنية ألفاظ الإقامة.
قال في الهدى: وأخذ مالك بما عليه عمل أهل المدينة من الاقتصار في التكبير على مرتين في الأذان وعلى كلمة الإقامة مرة واحدة؛ أي ولعل هذا بحسب ما كان في المدينة، وإلا ففي أبي داود «ولم يزل ولد أبي محذورة وهم الذين يلون الأذان بمكة يفردون الإقامة» أي معظم ألفاظها «ويحكونه عن جدهم» غير أن التثنية عنه أكثر؛ فيحتمل أن إتيان أبي محذورة بالإقامة فرادى، واستمراره وولده بعده على ذلك كان بأمر منه ﷺ له بذلك بعد أمره أولا له بتثنيتها، أي فيكون آخر أمره الإفراد. وقد قيل لأحمد رضي الله تعالى عنه- وقد كان يأخذ بأذان بلال أي كما تقدم: أليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال، أي لأن النبي ﷺ علمه له عند منصرفه من حنين على ما سيأتي، وهو الذي رواه إمامنا الشافعي ﵁ عن أبي محذورة أنه قال «خرجت في نفر وكنا ببعض طريق حنين، فقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلبث رسول الله ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون» أي عن الطريق «فصرنا نحكيه ونستهزىء به، فسمع النبي ﷺ فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليّ فحبسني» أي أبقاني عنده «وأرسلهم وقال: قم فأذن، فقمت ولا شيء أكره إليّ من النبي ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقى عليّ التأذين هو بنفسه ﷺ» الحديث «ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتي ومر بها على وجهي، ثم بين يدي، ثم على كبدي حتى بلغت يده سرتي، ثم قال: بارك الله فيك، وبارك عليك، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال ﷺ: قد أمرتك به» وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهته وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه عامل رسول الله ﷺ على مكة فأذنت بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ.
وقيل علمه ﷺ ذلك يوم فتح مكة لما أذن بلال رضي الله تعالى عنه للظهر على ظهر الكعبة، وصار فتية من قريش يستهزئون ببلال ويحكون صوته، وكان من جملتهم أبو محذورة، فأعجبه ﷺ صوته فدعاه وعلمه الأذان، وأمره أن يؤذن لأهل مكة فليتأمل الجمع، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ: أي بالمتأخر عنه، لأن المتأخر ينسخ المتقدم، فقال: أليس لما عاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه؟.
[ ٢ / ١٣٨ ]
قال أبو داود: وتثنية الأذان وإفراد الإقامة مذهب أكثر علماء الأمصار، وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد الشام واليمن وديار مصر ونواحي المغرب، أي إلا مصر في المساجد التي تغلب صلاة الأروام بها فإن الإقامة تثنى كالأذان فيها.
وقد ذكر أن أبا يوسف ﵀ ناظر إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في المدينة بين يدي مالك رضي الله تعالى عنه والرشيد، فأمر الشافعي بإحضار أولاد بلال وأولاد سائر مؤذني رسول الله ﷺ وقال لهم: كيف تلقيتم الأذان والإقامة عن آبائكم؟ فقالوا: الأذان مثنى مثنى والإقامة فرادى، هكذا تلقيناه من آبائنا، وآباؤنا عن أسلافنا إلى زمن رسول الله ﷺ. وجاء «أنه ﷺ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال:
قد قامت الصلاة، قال ﷺ أقامها الله وأدامها» وفي البخاري «من قال حين يسمع النداء: أي الأذان، اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وجبت له شفاعتي يوم القيامة» .
قال بعضهم: كان المؤذنون في عهد رسول الله ﷺ مؤذنين بلالا وابن أم مكتوم، فلما كان زمن عثمان رضي الله تعالى عنه جعلهم أربعا وزاد الناس بعده.
ولما مات ﷺ ترك بلالا الأذان ولحق بالشام، فمكث زمانا، فرأى النبي ﷺ في المنام فقال له: يا بلال جفوتنا وخرجت من جوارنا فاقصد إلى زيارتنا. وفي لفظ أنه قال له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا فانتبه بلال رضي الله تعالى عنه فقصد المدينة، فلما انتهى إلى المدينة تلقاه الناس، أي وأتى قبر النبي ﷺ وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، وأقبل على الحسن والحسين يقبلهما ويضمهما، وألحوا عليه أن يؤذن، فلما صعد ليؤذن اجتمع أهل المدينة رجالهم ونساؤهم، وخرجت العذارى من خدورهن ليستمعوا أذانه رضي الله تعالى عنه، فلما قال: الله أكبر ارتجت المدينة وصاحوا وبكوا؛ فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله ضجوا جميعا، فلما قال:
أشهد أن محمدا رسول الله لم يبق ذو روح إلا بكى وصاح، وكان ذلك اليوم كيوم موت رسول الله ﷺ، ثم انصرف إلى الشام وكان يرجع إلى المدينة في كل سنة مرة فينادي بالأذان إلى أن مات رضي الله تعالى عنه.
أقول: في كلام بعضهم كان سعد القرظ رضي الله تعالى عنه مؤذنه ﷺ بقباء، فلما لحق بلال بالشام أيام عمر رضي الله تعالى عنه أمر سعد القرظ أن يؤذن في مسجد رسول الله ﷺ، أي فإن بلالا لما توفي رسول الله ﷺ جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا خليفة رسول الله، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «أفضل أعمال المؤمن الجهاد في سبيل الله» وقد أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنشدك الله يا بلال وحرمتي وحقي عليك أن لا تفارقني، فأقام بلال حتى توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو يؤذن. ثم جاء إلى
[ ٢ / ١٣٩ ]
عمر فقال له كما قال لأبي بكر وردّ عليه ﵁ كما رد عليه أبو بكر، فأبى وخرج إلى الشام مجاهدا.
وفي «أنس الجليل»: لما فتح أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه بيت المقدس حضرت الصلاة، فقال: يا بلال أذن لنا يرحمك الله، قال بلال: يا أمير المؤمنين والله ما أردت أن أؤذن بعد رسول الله ﷺ إلى أحد ولكن سأطيعك إذ أمرتني في هذه الصلاة وحدها، فلما أذن بلال وسمعت الصحابة رضي الله تعالى عنهم صوته ذكروا النبي ﷺ فبكوا بكاء شديدا، ولم يكن من الصحابة يومئذ أطول بكاء من أبي عبيدة ومعاذ بن جبل، حتى قال لهما عمر رضي الله تعالى عنه:
حسبكما رحمكما الله تعالى، فلم يؤذن بلال بعد رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة لما أمره عمر بالأذان؛ هذا ما في أنس الجليل، أي فالمراد بالمرة هذه المرة التي كانت ببيت المقدس.
وفيه أن هذا يخالف ما تقدم مما ظاهره أنه استمر يؤذن مدة خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وما تقدم من إلحاح الحسن والحسين عليه في أن يؤذن عند مجيئه للمدينة.
إلا أن يقال: المراد لم يؤذن خارج المدينة فلا يخالف ما سبق من أذانه بعد إلحاح الحسن والحسين، ولعل ما سبق كان بعد فتح بيت المقدس، بل وبعد موت الخلفاء الأربعة.
ثم رأيت الزين العراقي قال: لم يؤذن بلال بعد موت النبي ﷺ لأحد من الخلفاء، إلا أن عمر لما قدم الشام حين فتحها أذن بلال، هذا كلامه فليتأمل مع ما سبق.
وفي الكتاب المذكور: روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه «أن رجلا قال: يا رسول الله أي الخلق أول دخولا الجنة، قال: الأنبياء، قال: ثم من؟
قال الشهداء، قال: ثم من؟ قال مؤذنو بيت المقدس، قال: ثم من؟ قال مؤذنو بيت الحرام قال: ثم من؟ قال مؤذنو مسجدي، قال: ثم من؟ قال سائر المؤذنين» .
ثم رأيت في نسخة من شرح المنهاج للدميري عن جابر تقديم مؤذني المسجد الحرام على مؤذني بيت المقدس. ورأيت في بعض الروايات ما يوافقه، وهي «أول من يدخل الجنة بعدي أبو بكر ثم الفقراء، ثم مؤذنو المسجد الحرام، ثم مؤذنو بيت المقدس، ثم مؤذنو مسجدي، ثم سائرهم على قدر أعمالهم» .
وفي «البدور السافرة» عن جابر رضي الله تعالى عنه «أن رجلا قال: يا رسول الله أي الخلق أول دخولا الجنة يوم القيامة؟ قال: الأنبياء، قال: ثم من؟ قال الشهداء،
[ ٢ / ١٤٠ ]
قال ثم من؟ قال: مؤذنو الكعبة، قال: ثم من؟ قال: مؤذنو بيت المقدس، قال: ثم من؟ قال: مؤذنو مسجدي هذا، قال: ثم من؟ قال: سائر المؤذنين على قدر أعمالهم» .
وفيها عن جابر أيضا «أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم، ثم محمد ﷺ، ثم النبيون والرسل، ثم يكسى المؤذنون» .
وجاء «إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك، فقال: إما إنه يكون قوم بعدكم سفلتهم مؤذنوهم» قيل وهذه الزيادة منكرة وقال الدارقطني: ليست محفوظة.
وجاء «إذا أخذ المؤذن في أذانه وضع الرب جل وعز يده فوق رأسه، ولا يزال كذلك حتى يفرغ من أذانه، وإنه ليغفر له مدّ صوته، فإذا فرغ قال الرب: صدقت عبدي؛ وشهدت شهادة الحق، فأبشر» والله أعلم.
قال: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رجل من اليهود أي من التجار وعن السدي: من النصارى بالمدينة سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: خزى الله الكاذب. وفي رواية: أحرق الله الكاذب، فدخلت خادمه بنار وهو نائم وأوله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت واحترق هو وأهله انتهى.
أي وفي بعض الأسفار «حضر وقت الصلاة: أي صلاة الصبح فطلبوا بلالا يؤذن فلم يوجد أي لتأخره في السير عن رسول الله ﷺ، فأذن زياد بن الحارث الصدائي أي بأمره ﷺ، فقال له أذن يا أخا صداء» وصداء حي من اليمن.
وعنه رضي الله تعالى عنه «سألت رسول الله ﷺ يؤمرني على قومي، فقال: لا خير في الإمرة لرجل مؤمن، فقلت: حسبي، ثم سار النبي ﷺ مسيرا فسرت معه، فانقطع عنه أصحابه وأضاء الفجر، فقال لي: أذن يا أخا صداء، فأذنت، ثم لما حضرت الصلاة أراد بلالا أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ لا، إنما يقيم من أذن» واختلف هل أذن ﷺ بنفسه؟ فقيل نعم أذن مرة، واستدل على ذلك بأنه جاء في بعض الأحاديث، أي وقد صح «أنه ﷺ أذن في السفر وصلى وهم على رواحلهم، فتقدم على راحلته ﷺ فصلى بهم يومىء إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع» وقيل ما أذن، وإنما أمر بلالا بالأذان كما في بعض طرق ذلك الحديث.
ففي الهدى «وصلى بهم الفرض على الرواحل لأجل المطر والطين» وقد روى أحمد والترمذي «أنه ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، والسماء من فوقهم، والمسيل من أسفل منهم فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله ﷺ فصلى بهم» الحديث والمفصل يقضي على المجمل.
[ ٢ / ١٤١ ]
وفي رواية «أذن اختصارا»: أي أمر بالأذان، أي وهذا المجمل الذي تشير إليه هو «فأذن ﷺ على راحلته وأقام»: أي ويروى «أن بلالا كان يبدل الشين في أشهد سينا، فقال ﷺ: سين بلال عند الله شين» قال ابن كثير: لا أصل لرواية سين بلال شين في الجنة، ولا يلزم من كون هذه الرواية لا أصل لها أن تكون تلك الرواية كذلك.
وكان بلال وابن أم مكتوم يتناوبان في أذاني الصبح، فكان أحدهما يؤذن بعد مضي نصف الليل الأول والليل باق، والثاني يؤذن بعد طلوع الفجر» وروى الشيخان «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» أي وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال أو قال نداء بلال من سحوره فإنه يؤذن، أو قال ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، إنما يؤذن بليل بعد نصفه الأول، فيرجع القائم المتهجد إلى راحلته لينام غفوة ليصبح نشيطا ويستيقظ النائم ليتأهب للصبح» .
قال في الهدى: وانقلب على بعض الرواة، فقال إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال. أي وقد علمت أنه لا قلب وأنهما كانا يناديان، فكان بلال تارة يؤذن بليل وابن أم مكتوم عند الفجر الثاني، وتارة يكون ابن أم مكتوم بالعكس، فوقع كل من الأحاديث باعتبار ما هو موجود عند النطق، ولم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا: أي أن ينزل المؤذن الأول من أذانه ويرقى المؤذن الثاني كما ذكر، فمن كان يؤذن أولا يتربص بعد أذانه لنحو الدعاء ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر صاحبه فيرقى ويؤذن مع الفجر أو عقبه من غير فاصل، وهذا هو المراد مما قيل «إن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت» .
وعن ابن عمر كان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه. وفي أبي داود عن ابن عمر «أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام» أي غفل عن الوقت، أو رجع لينام لبقاء الليل، ولعل هذا كان قبل أن يتخذ ابن أم مكتوم مؤذنا ثانيا أو كان أذان بلال في هذه المرة بعد أذان ابن أم مكتوم على ما تقدم، فلا مخالفة.
والثابت في الجمعة أذان واحد كان يفعل بين يديه ﷺ إذا صعد المنبر وجلس عليه، كذا قال فقهاؤنا، مستدلين على ذلك بحديث البخاري عن السائب بن يزيد قال «كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما» وليس فيه أن ذلك الأذان كان بين يديه ولما كثر المسلمون أمر عثمان رضي الله تعالى عنه، أي وقيل عمر، وقيل معاوية بأن يؤذن قبله على المنارة.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وعبارة بعضهم: وفي السنة الرابعة والعشرين زاد عثمان النداء على الزوراء يوم الجمعة ليسمع الناس فيأتوا إلى المسجد؛ وأول من أحدثه بمكة الحجاج، والتذكير قبل الأذان الأول الذي هو التسبيح أحدث بعد السبعمائة في زمن الناصر محمد بن قلاوون.
وأول ما أحدثت الصلاة والسلام على النبي ﷺ: أي على الكيفية المعهودة الآن بعد تمام الأذان على المنارة، أي في غير المغرب في زمن السلطان المنصور حاجي بن الأشرف شعبان بن حسن بن محمد بن قلاوون بأمر المحتسب نجم الدين الطنبدي في أواخر القرن الثامن، واستمر ذلك إلى الآن، لكن في غير أذان الصبح الثاني وغير أذان الجمعة أول الوقت، أما أذان الصبح الثاني وأذان الجمعة المذكور، فتقدم الصلاة والسلام عليه ﷺ على الأذان فيهما، وكان أحدث ذلك في زمان صلاح الدين بن أيوب، ولعل الحكمة في ذلك، أما في الأول فلاستيقاظ النائم، وأما في الثاني فلأجل حصول التكبير المطلوب في الجمعة.
ولا يخفى أن من السنة مطلق الصلاة والسلام عليه ﷺ بعد فراغ الأذان ففي مسلم «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ» وقيس بذلك الإقامة، فالأذان والإقامة من المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي ﷺ، لقوله تعالى وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) [الشّرح: الآية ٤] فقد قيل في معناه: لا أذكر إلا وتذكر معي، لكن بعد فراغهما لا عند الابتداء بهما كما يقع لبعض الأروام أن يقول المقيم للصلاة عند ابتداء الإقامة اللهم صل على سيدنا محمد الله أكبر الله أكبر فإن ذلك بدعة.
ومن البدع التطريب في الأذان والتلحين فيه. وفي كلام إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: ويكون الأذان مرسلا بغير تمطيط ولا تغن. قيل التمطيط التفريط في المد والتغني أن يرفع صوته حتى يجاوز المقدار.
ومن البدع رفع المؤذنين أصواتها بتبليغ التكبير لمن بعد عن الإمام من المقتدين. قال بعضهم: ولا بأس به لما فيه من النفع، أي حيث لم يبلغهم صوت الإمام بخلاف ما إذا بلغهم.
ففي كلام بعضهم: التبليغ بدعة منكرة باتفاق الأئمة الأربعة حيث بلغ المأمومين صوت الإمام، ومعنى منكرة أنها مكروهة.
وأول ما أحدث التسبيح بالأسحار في زمن موسى ﵊ حين كان بالتيه، واستمر إلى أن بنى داود ﵊ بيت المقدس، فرتب فيه جماعة يقومون به على الآلات إلى ثلث الليل الأخير، ثم بعد ثلث الليل الأخير يقومون به على الآلات عند الفجر.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وأول حدوثه في ملتنا كان بمصر، أمر به أميرها من قبل معاوية مسلمة بن مخلد الصحابي رضي الله تعالى عنهما، فإنه لما اعتكف بجامع عمرو سمع أصوات النواقيس عالية، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين بجامع عمرو، ففعل ذلك من نصف الليل إلى قريب الفجر. ومسلمة هذا تولى مصر من معاوية بعد عتبة بن أبي سفيان أخي معاوية رضي الله تعالى عنهما، وعتبة تولاها حين مات أميرها عمرو بن العاص، وهذا مما يدل على أن عمرو بن العاص مدفون بمصر، وكان عتبة خطيبا فصيحا.
قال الأصمعي: الخطباء من بني أمية: عتبة بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان. خطب عتبة يوما أهل مصر فقال: يا أهل مصر خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تأتونه، وذم الباطل وأنتم تفعلونه كالحمار يحمل أسفارا، يثقله حملها ولا ينفعه علمها، وإني لا أداوي داءكم إلا بالسيف، ولا أبلغ السيف ما كفاني السوط، ولا أبلغ السوط ما صلحتم على الدرة، فألزموا ما ألزمكم الله لنا تستوجبوا ما فرض الله لكم علينا، وهذا يوم ليس فيه عتاب ولا بعده عتاب.
ومما يؤثر عنه: ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم. وقال لبنيه يوما: تلقوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا المزيد منها بالشكر عليها.
ومسلمة أول من جعل بنيان المنابر التي هي محل التأذين في المساجد، فلما ولي أحمد بن طولون رتب جماعة يكبرون ويسبحون ويحمدون، فلما ولي صلاح الدين يوسف بن أيوب وحمل الناس على اعتقاد مذهب الأشعري والخروج عما كان يعتقد الفواطم أمر المؤذنين أن يعلنوا وقت التسبيح بذكر العقيدة المرشدة، وقد وقفت عليها فإذا هي ثلاث ورقات، ولم أقف على اسم مؤلفها، فواظبوا على ذكرها في كل ليلة.
قيل في سبب نزول قوله تعالى قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النّساء: الآية ٧٨] أن اليهود قالوا في حق رسول الله ﷺ: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، وغلت أسعارها، فرد الله تعالى عليهم بقوله قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النّساء: الآية ٧٨] أي يبسط الأرزاق ويقبضها، وعند ظهور الإسلام وقوته في المدينة قامت نفوس أحبار اليهود ونصبوا العداوة لرسول الله ﷺ فنزل قوله تعالى لرسول الله ﷺ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: الآية ١١٨] وقال في موضع آخر إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [آل عمران: الآية ١٢٠] .
وعن صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بنت حيي قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، وكانا من أكبر اليهود وأعظمهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوا إليه ثم جاآ من العشي، فسمعت عمي يقول لأبي؛ أهو هو؟ قال: نعم
[ ٢ / ١٤٤ ]
والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عدواته والله ما بقيت؛ قال: وفي رواية أنها قالت: إن عمي أبا ياسر حين قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهب إليه وسمع منه ﷺ وحادثه، ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم أطيعوني، فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرونه فاتبعوه ولا تخالفوه، ثم انطلق أبي إلى رسول الله ﷺ، ثم رجع إلى قومه فقال لهم: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعد لا تهلك، فقال: والله لا نطيعك اهـ، أي ثم وافق أخاه حييا فكانا أشد اليهود عداوة لرسول الله ﷺ جاهدين في رد الناس من الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله تعالى فيهما وفيمن كان موافقا لهما في ذلك وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: الآية ١٠٩] .
وحيي بن أخطب هذا، قيل هو الذي قال لما نزل قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة: الآية ٢٤٥]: يستقرضنا ربنا؛ وإنما يستقرض الفقير الغني، فأنزل الله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: الآية ١٨١] .
أي وقيل في سبب نزولها إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دخل بيت المدارس، فقال لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، فقال: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا وقال: والله لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك، فشكاه فنحاص إلى رسول الله ﷺ، فذكر له أبو بكر ما كان منه، فأنكر قوله ذلك؛ فنزلت الآية.
وقيل في سبب نزولها أيضا «إن رسول الله ﷺ أرسل أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى فنحاص بن عازوراء بكتاب، وكان انفرد بالعلم والسيادة على يهود بني قينقاع بعد إسلام عبد الله بن سلام، يأمرهم في ذلك الكتاب بالإسلام وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فلما قرأ فنحاص الكتاب قال: أقد احتاج ربكم؟ سنمده» . وفي رواية «قال: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان حقا ما تقول، فإن الله جل وعلا إذا لفقير ونحن أغنياء، فضرب أبو بكر وجه فنحاص ضربا شديدا وقال: لقد هممت أن أضربه بالسيف وما منعني أن أضربه بالسيف إلا أن رسول الله ﷺ لما دفع إليّ الكتاب قال لي: لا تفتت عليّ بشيء حتى ترجع إليّ، فجاء فنحاص إلى النبي ﷺ وشكا أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقال ﷺ لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟
قال: يا رسول الله إنه قال قولا عظيما، زعم أن الله ﷿ فقير وأنهم أغنياء،
[ ٢ / ١٤٥ ]
فغضبت لله تعالى، وقال فنحاص: والله ما قلت هذا، فنزلت الآية تصديقا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه» .
وقد قال بعض اليهود لبعض العلماء إنما قلنا إن الله فقير ونحن أغنياء لأنه استقرض أموالنا، فقال له: إن كان استقرضها لنفسه فهو فقير، وإن كان استقرضها لفقرائكم ثم يكافىء عليها فهو الغني الحميد.
ومن شدة عداوتهم: أي اليهود أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي ﷺ في مشط أي له ﷺ وقيل في أسنان من مشطه ﷺ ومشاطة: وهي ما يخرج من الشعر إذا مشط: أي من شعر رأسه ﷺ، أعطاها لهم غلام يهودي كان يخدمه ﷺ، وجعل مثالا من شمع. وقيل من عجين كمثال رسول الله ﷺ وغرز فيه إبرا وجعل معه وترا عقد فيه إحدى عشرة عقدة.
وفي لفظ أن الإبر كانت في العقد، ودفن ذلك تحت راعونة في بئر ذي أروان. وقد مسخ الله ماءها حتى صار كنقاعة الحناء،. فكان يخيل إليه ﷺ أنه يفعل الفعل ولا يفعله: أي ومكث في ذلك سنة، وقيل سنة أشهر، وقيل أربعين يوما.
قال بعضهم: ويمكن أن تكون السنة أو الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه الشريف، وأن مدة اشتداده كانت في الأربعين، وقيل اشتد عليه ثلاثة أيام. وقد يقال هي أشدّ الأربعين، فلا منافاة. وعند ذلك نزل جبريل ﵊ وقال له «إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا ودفنها بمحل كذا فأرسل ﷺ عليا رضي الله تعالى عنه فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وجد ﷺ بذلك خفة حتى قام كأنما نشط من عقال» وفي رواية: أن اليهودي دفن ذلك بقبر، فأنزل الله تعالى سورة الفلق وسورة الناس وهما إحدى عشرة آية، سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها. وفي لفظ: فإذا وتر في إحدى عشرة عقدة مغروزة بلإبر، فلم يقدروا على حل تلك العقد، فنزلت المعوذتان، فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة، ووجد ﷺ بعض الخفة حتى قام عند انحلال العقدة الأخيرة كأنما نشط من عقال، وجعل جبريل يقول: «بسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء يؤذيك» أي ولعله كان يقول ذلك عند حل كل عقدة بعد قراءة الآية أي وكان ذلك بين الحديبية وخيبر.
وذكر بعضهم أنه بعد خيبر جاءت رؤساء يهود الذين بقوا في المدينة ممن يظهر الإسلام إلى لبيد بن الأعصم وكان أعلمهم بالسحر، فقالوا له: يا أبا الأعصم قد سحرنا محمدا، سحره منا الرجال فلم يصنع شيئا أي ولم يؤثر سحرهم، وأنت ترى أمره فينا وخلافه في ديننا ومن قتل وأجلى، ونجعل لك على سحره ثلاثة دنانير ففعل ذلك. ثم إنه ﷺ قال «جاءني رجلان» أي وهما جبريل وميكائيل كما في بعض طرق
[ ٢ / ١٤٦ ]
الحديث «فقعد أحدهما عند رأسي والآخر تحت رجلي» فقال أحدهما: ما وجع الرجل؟ فقال الآخر: مطبوب، أي مسحور، فقال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيم؟ قال في مشط ومشاطة» وفي لفظ «ومشاقة» أي وهي المشاطة. وقيل هي مشاقة الكتان وجف بالجيم والفاء، وقيل بالباء الموحدة طلعة ذكر: أي غشاء طلع الذكر الذي يقال له كوز الطلع، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي ذروان» على وزن مروان. وفي لفظ «بئر ذي أروان» وفي لفظ «بئر ذروان» وعليه اقتصر في الإمتاع «تحت صخرة في الماء قال: فما دواء ذلك؟ قال: تنزح البئر ثم تقلب الصخرة فتوجد الكدية فيها تمثال فيه إحدى عشرة عقدة فتحرق: فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، ثم أحضر ﷺ لبيدا فاعترف فعفا عنه لما اعتذر له بأن الحامل له على ذلك حب الدنانير. وقيل له: يا رسول الله لو قتلته، فقال ﷺ: قد عافاني الله، ما وراءه من عذاب الله تعالى أشد» .
ويحتاج إلى الجمع بين كون جبريل قال له سحرك إلى آخره، وكون جاءه رجلان قعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر ما وجع الرجل إلى آخره قيل وهذا: أي عدم قتل الساحر ربما يعارض القول بأن الساحر يتحتم قتله. وفيه أنه عندنا لا يتحتم قتله، ولا يقتل إلا إذا قتل بسحره واعترف بأن سحره يقتل غالبا.
ولبيد هذا قيل إنه أول من قال بنفي صفات الباري، وقال بها الجهم بن صفوان وأظهرها، فقيل لأتباعه في ذلك الجهمية.
«فعند ذلك بعث ﷺ عليا وعمار بن ياسر إلى تلك البئر فاستخرجا ذلك» .
وقيل الذي استخرج السحر بأمر رسول الله ﷺ قيس بن محصن.
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها «أنه ﷺ توجه إلى البئر مع جماعة من أصحابه، فإذا ماؤها كأنه خضب بالحناء، فاستخرجا» أي النبي ﷺ وجماعته «منها ذلك» .
ويحتاج إلى الجمع بين كون ﷺ أرسل لاستخراج السحر عليا كرم الله وجهه، وكونه بعث لاستخراجه عليا وعمار بن ياسر، وكونه أمر قيس بن محصن باستخراجه، وكونه ﷺ ذهب هو وجماعته لاستخراجه، فإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة: أي وإذا فيها إبر مغروزة، ونزلت المعوذتان، فجعل رسول الله ﷺ كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد، فذهب عنه ﷺ ما كان يجد.
أي ولا ينافي ما تقدم أن القارىء لذلك جبريل ﵊، لجواز أن يكون كلاهما صار يقرأ الآية، أو أنه ﷺ صار يقرأ بعد قراء جبريل.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وفي الإمتاع عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت له «أفلا استخرجته؟
قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله؛ وكرهت أن أثير على الناس شرا» ومراد عائشة بقولها أفلا استخرجته السحر: أي هلا استخرجت السحر من الجف والمشاطة حتى تنظر إليه، فقال أكره أن أثير على الناس شرا.
قال ابن بطال: أي كره أن يخرجه فيتعلم منه بعض الناس، فذلك هو الشر الذي كرهه ﷺ: وذكر السهيلي أنه يجوز أنه يكون الشر غير هذا، وهو أنه لو أظهر للناس لربما قتله طائفة من المسلمين، ويغضب آخرون من عشيرته فيثور شر.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «أنها قالت له ﷺ: هلا تنشرت»؟ أي استعملت النشرة قال بعضهم: وفيه دليل على عدم كراهة استعمال النشرة حيث لم ينكر عليها قولها. وكرهها جمع واستندوا لحديث في أبي داود مرفوعا «النشرة من عمل الشيطان» وحمل ذلك على النشرة التي تصحبها العزائم المشتملة على الأسماء التي لا تفهم «فأمر بها فطمت» أي تلك البئر، وحفروا بئرا أخرى، فأعانهم رسول الله ﷺ في حفرها حيث طموا الأخرى التي سحر فيها، هذا كلامه، فليتأمل مع ما قبله.
وقيل إنما سحره بنات أعصم أخوات لبيد، ودخلت إحداهنّ على عائشة فسمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول الله ﷺ من بصره ثم خرجت إلى أخواتها فأخبرتهن بذلك، فقالت إحداهن: إن يكن نبيا فسيخبر، وإن يكن غير ذلك فسوف يذهله هذا السحر حتى يذهب عقله، فدله الله تعالى عليه.
وقد يجمع بين كون الساحر له ﷺ لبيدا وكون الساحر له أخوات لبيد بأن الساحر له أخوات لبيد، ونسب السحر إلى لبيد لأنه جاء أنه الذي ذهب به فأدخله تحت راعونة البئر: أي أو في القبر كما تقدم. ولا منافاة، لجواز أن يكون وضعه في القبر مدة ثم أخرجه منه ووضعه تحت تلك الراعونة أي وهي حجر يوضع على رأس البئر يقوم عليه المستقي، وقد يكون في أسفل البئر يجلس عليه الذي ينظف البئر، أي والثاني هو المراد بدليل ما سبق.
وفي النهر لأبي حيان: ونص القرآن والحديث أن السحر تخييل: أي لا يقلب الأعيان ولا شك في وجوده في زمن الرسول ﷺ، وأما في زماننا الآن فكل ما وقفنا عليه من كتبه فهو كذب وافتراء لا يترتب عليه شيء، فلا يصبح منه شيء ألبتة.
وطعنت المعتزلة وطوائف من أهل البدع في كونه ﷺ سحر وقالوا: لا يجوز على الأنبياء أن يسحروا، ولو جاز أن يسحروا لجاز أن يجنوا وقد عصموا من الناس.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وردّ بأن الحديث الدال على ذلك صحيح، والعصمة إنما وجبت لهم في عقولهم وأديانهم وأما أبدانهم فيبتلون فيها، والسحر إنما أثر في بعض جوارحه ﷺ فقد تقدم عن عائشة رضي الله تعالى عنها من ذكرها ما أنكر ﷺ من بصره لكن تقدم أنه ﷺ صار يخيل له أنه يفعل الشيء ولا يفعله، وهذا متعلق بالعقل.
ثم رأيت أبا بكر العربي قال: لم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه ﷺ أمر، وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث لا أصل له.
قال: ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا واستجرارا إلى القول وإبطال معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والقدح فيها؛ وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبين فعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد هذا كلامه.
وممن كان حريصا على رد الناس عن الإسلام أيضا شاس بن قيس، كان شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم. مر يوما على الأنصار الأوس والخزرج وهم مجتمعون يتحدّثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم بعد ما كان بينهم من العداوة، فقال: قد اجتمع بنو قيلة، والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر فتى شابا من يهود، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم؛ ثم اذكر يوم بعاث: أي أيوب الحرب الذي كان بينهم، وما كان فيه، وأنشدهم ما كانوا يتقاولون به من الأشعار ففعل، فتكلم القوم عند ذلك: أي قال أحد الحيين: قد قال شاعرنا كذا، وقال الآخر قد قال شاعرنا كذا، وتنازعوا وتواعدوا على المقاتلة: أي قالوا: تعالوا نرد الحرب جذعا كما كانت، فنادى هؤلاء يا للأوس، ونادى هؤلاء يا للخزرج، ثم خرجوا إليهم وقد أخذوا السلاح، واصطفوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم، فقال: «يا معشر المسلمين الله الله» أي اتقوا الله «أبدعوى الجاهلية» أي وهي يا للخزرج يا للأوس «وأنا بين أظهركم؟ بعد أن هداكم الله إلى الإسلام، وألفكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر؛ وألف به بينكم؟ فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى في شاس بن قيس يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا [آل عمران: الآية ٩٩] الآية» .
وقد جاء في ذم هذه الكلمة التي هي دعوى الجاهلية، وهي: يا لفلان قوله ﷺ «إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا» أي قولوا له اعضض على ذكر أبيك ولا تكنوا عنه بالهن؛ فلا تقولوا على هن أبيك، بل قولوا على ذكر أبيك، تنكيلا له وزجرا عما أتى به: أي وقد كان أنزل الله تعالى فيهم
[ ٢ / ١٤٩ ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [آل عمران: الآية ١٠٠] الآية، وقد قرأها رسول الله ﷺ عليهم وهو بين الصفين رافعا بها صوته، فألقوا السلاح وفعلوا ما تقدم.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن يهود كانوا يستفتحون» أي يستنصرون «على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه» أي يقولون سيبعث نبي صفته كذا وكذا نقتلكم معه قتل عاد وإرم كما تقدم عند مبايعة العقبة، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك وكفر، وتخبرونا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام» أي بالتشديد «ابن مشكم من عظماء يهود بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، ما هو الذي كنا نذكره لكم، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) [البقرة: الآية ٨٩]» .
وقيل في سبب نزول قوله تعالى ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: الآية ٩١] أنه ﷺ قال لمالك بن الصيف وكان رئيسا على اليهود: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين، فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي تطعمك اليهود، فضحك القوم، فغضب والتفت إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقالت له اليهود: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال:
إنه أغضبني فنزعوه من الرياسة وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف» أي لأن في قوله المذكور طعنا في التوراة.
وقيل «إن يهود المدينة من بني قريظة وبني النضير وغيرهم كانوا إذا قاتلوا من بينهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة قبل مبعث النبي ﷺ يقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي الذي وعدت أنك باعثه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم» وفي لفظ «قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة فينصرون» وفي لفظ «يقولون: اللهم ابعث النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم» وفي لفظ «أن يهود خيبر كانت تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود، فدعت يوما: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فيهزموا غطفان وصار اليهود يسألونه ﷺ عن أشياء ليلبسوا الحق بالباطل» أي ومن جملة ما سألوه ﷺ عن الروح؛ فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال «كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرث المدينة يتوكأ على عسيب» أي جريدة من جريد النخل «إذ مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما
[ ٢ / ١٥٠ ]
تكرهون» وفي رواية: «لئلا يستقبلكم بشيء تكرهونه» أي يجيبكم بما هو دليل عندكم على أنه النبي الأمي وأنتم تنكرون نبوّته «فقاموا إليه فقالوا: يا محمد» وفي رواية «يا أبا القاسم ما الروح؟» وفي رواية «أخبرنا عن الروح فسكت» قال ابن مسعود: فظننت أنه ﷺ يوحى إليه، فقال وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: الآية ٨٥] أي التي يكون بها الحيوان حيا قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: الآية ٨٥] فقالوا: هكذا نجد في كتابنا أي التوراة» وقد تقدم الكلام على ذلك عند الكلام على فترة الوحي.
قال صاحب الإفصاح: إنه إنما سأل اليهود عن الروح تعجيزا وتغليطا؛ لأن الروح تطلق بالاشتراك على الروح للإنسان، وعلى القرآن، وعلى عيسى، وعلى جبريل، وعلى ملك آخر، وعلى صنف من الملائكة، فقصد اليهود أنه بأي شيء أجابهم به، قالوا: ليس هو، فجاءهم الجواب مجملا، فكان هذا الجواب لرد كيدهم، لأن كل واحد مما ذكر أمر من مأمورات الحق تعالى. ولما أنزل الله تعالى في حق اليهود وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: الآية ٨٥] قالوا أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) [الكهف: الآية ١٠٩] وفي الكشاف «أنهم قالوا: نحن مخصوصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟
فقال ﷺ: نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا، فقالوا: ما أعجب شأنك، ساعة تقول وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: الآية ٢٦٩] وساعة تقول هذا، فنزلت وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: الآية ٢٧] هذا كلامه «وسألوه ﷺ متى الساعة إن كنت نبيا» فأنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [الأعراف: الآية ١٨٧] الآية» .
أي «وجاء يهوديان إلى رسول الله ﷺ، فسألاه عن قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء: الآية ١٠١]، فقال ﷺ لهما لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، فقبلا يديه ورجليه ﷺ وقالا: نشهد أنك نبيّ، قال: ما يمنعكما أن تسلما؟ فقالا: نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا يهود» .
أي «وسألوه ﷺ عن خلق السموات، أي في أيّ زمن، والأرض وما بينهما، أي مدة ما بينهما؟ فقال لهم: خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيها يوم الثلاثاء» أي، ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل «وخلق البحر والماء والمدائن والعمران والخراب يوم الأربعاء، وخلق السموات يوم الخميس، وخلق الشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الجمعة، قالوا: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم
[ ٢ / ١٥١ ]
استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو تممت ثم استراح» أي لو قلت هذا اللفظ، لأنهم يقولون إنه استراح جل وعز يوم السبت، ومن ثم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) [ق: الآية ٣٨] أي تعب فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [طه: الآية ١٣٠] .
وفي رواية «خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق الأنهار والأشجار يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت» .
وهذا يشكل على ما تقدم أن مبدأ الخلق يوم السبت حتى يكون آخر الأسبوع يوم الجمعة، وهو الراجح على ما تقدم.
وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران: الآية ١٨] إلى قوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران:
الآية ١٩] أن حبرين من أراضي الشام لم يعلما ببعثته ﷺ، فقدما المدينة، فقال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه بمدينة النبي الخارج في آخر الزمان، فأخبرا بمهاجرة النبي ﷺ ووجوده في تلك المدينة، فلما رأياه قالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: نسألك مسألة إن أخبرتنا بها آمنا، فقال ﷺ: اسألاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله تعالى، فنزلت هذه الآية، فتلاها ﷺ عليهما فآمنا» .
قال: وعن قتادة رضي الله تعالى عنه «أن رهطا من اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد هذا الذي خلق الجن والإنس من خلقه» وفي لفظ «خلق الله الملائكة من نور الحجاب، وآدم من حمأ مسنون، وإبليس من لهب النار، والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك من أي شيء خلق؟ فغضب ﷺ حتى انتقع لونه، فجاء جبريل ﵊، وقال له:
خفض عليك، فأنزل الله تعالى عليه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] السورة» أي متوحد في صفات الجلال والكمال، منزه عن الجسمية، واجب الوجود لذاته:
أي اقتضت ذاته وجوده، مستغن عن غيره، وكل ما عداه محتاج إليه اهـ.
أقول: ونزول جبريل بذلك ربما يدل على أنه ﷺ توقف ولم يدر ما يقول كما وقع له لما سأله ﷺ عبد الله بن سلّام رضي الله تعالى عنه، وقال له صف ربك كما سيأتي.
ثم رأيت عن الشيخين وغيرهما أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذكر في سبب نزول هذه السورة غير ما ذكر، ولعله ما سيأتي في قصة إسلام عبد الله بن سلام، ولا مانع من تكرر النزول لأسباب مختلفة.
ثم رأيته في الإتقان ذكر أن سورة الإخلاص تكرر نزولها، فنزلت جوابا
[ ٢ / ١٥٢ ]
للمشركين بمكة وجوابا لأهل الكتاب بالمدينة، وقال قبل ذلك إنها إنما نزلت بالمدينة.
وفي دعوى تكرر نزولها يقال: حيث سئل أولا ونزلت جوابا كيف يتوقف ثانيا عند السؤال الثاني حتى يحتاج إلى نزولها مع بعد نسيان ذلك له ﷺ.
ثم رأيت عن البرهان: قد ينزل الشيء مرتين، تعظيما لشأنه وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهو كما ترى لا يدفع التوقف. وكان من أعلم أحبار يهود عبد الله بن سلام بالتخفيف: وكان قبل أن يسلم اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله وكان من ولد يوسف الصديق: أي وقد أثنى الله تعالى عليه في قوله تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:
الآية ١٠] وكان من يهود بني قينقاع كما تقدم. جاء إلى النبي ﷺ وسمع كلامه، أي في أول يوم دخل فيه رسول الله دار أبي أيوب أي ولعل الذي سمعه من النبي ﷺ، هو قوله «يا أيها الناس أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» .
فعنه رضي الله تعالى عنه، قال «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل إليه الناس» أي بالجيم: أسرعوا «فكنت ممن أتى إليه» أي وهذا يدل على أنه جاءه في قباء وسيأتي «قال: فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أنه وجه غير كذاب» أي لأن صورته وهيئته وسمته ﷺ تدل العقلاء على صدقه، وأنه لا يقول الكذب، قال عبد الله «فسمعته ﷺ يقول: أيها الناس إلى آخره» .
أي ولا مانع أن يكون ذلك تكرر منه ﷺ، وعند ذلك قال: أشهد أنك رسول الله حقا، وأنك جئت بحق ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا، وكتمت إسلامي من اليهود، ثم جئته ﷺ، أي في بيت أبي أيوب وقلت له لقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فأخبئني يا رسول الله قبل أن يدخلوا عليك، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني أسلمت، فإنهم قوم بهت» أي بضم الباء والهاء «يواجهون الإنسان بالباطل، وأعظم قوم عضيهة» أي كذبا، «وإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ، وخذ عليهم ميثاقا أني إن أتبعتك وآمنت بكتابك أن يؤمنوا بك وبكتابك الذي أنزل عليك، فأرسل رسول الله ﷺ إليهم فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ: يا معشر يهود ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق، أسلموا، قالوا ما نعلم، فأعاد ذلك عليهم ثلاثا وهم يجيبونه كذلك، قال فأي رجل فيكم ابن سلّام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا» وفي رواية «خيرنا وابن خيرنا» بالخاء المعجمة والياء المثناة تحت أفعل تفضيل، وقيل بالمهملة والياء
[ ٢ / ١٥٣ ]
الموحدة، أي أعلمنا بكتاب الله «سيدنا وعالمنا وأفضلنا، قال: أفرأيتم إن شهد أني رسول الله وآمن بالكتاب الذي أنزل عليّ تؤمنوا بي؟ قالوا نعم، فدعاه، فقال: يا ابن سلام اخرج عليهم، فخرج عليهم فقال: يا عبد الله بن سلام، أما تعلم أني رسول الله تجدني عندكم مكتوبا في التوراة والإنجيل، أخذ الله ميثاقكم أن تؤمنوا بي وأن تتبعوني من أدركني منكم؟ قال ابن سلام: بلى يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله حقا، وأنه جاء بالحق»، قال زاد في رواية «تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة اسمه وصفته، قالوا: كذبت، أنت أشرنا، وابن أشرنا» وهذه لغة رديئة، والفصحى شرنا وابن شرنا بغير همزة وهي رواية البخاري «قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور؟» انتهى «فأخرجهم رسول الله ﷺ وأظهرت إسلامي، وأنزل الله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [فصّلت:
الآية ٥٢] يعني الكتاب أو الرسول وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [الأحقاف: الآية ١٠] يعني عبد الله بن سلام عَلى مِثْلِهِ [الأحقاف: الآية ١٠] يعني اليهود فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) [الأحقاف: ١٠]» .
أقول: هذا السياق لا يناسب ما حكاه في الخصائص الكبرى عن تاريخ الشام لابن عساكر: أن ابن سلام اجتمع بالنبي ﷺ بمكة قبل أن يهاجر، فقال له النبي ﷺ، أنت ابن سلام عالم أهل يثرب؟ قال نعم، قال: ناشدتك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد صفتي في كتاب الله يعني التوراة؟ قال: أنسب ربك يا محمد، فأرتج النبي ﷺ» أي توقف «ولم يدر ما يقول، فقال له جبريل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) [الإخلاص: ١- ٤]، فقال ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وأن الله مظهرك ومظهر دينك على الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) [الأحزاب: الآية ٤٥] أنت عبدي ورسولي» إلى آخر ما تقدم عن التوراة، فإنه يدل على أن ابن سلام أسلم بمكة وكتم إسلامه، ولو كان كذلك لما قال «فلما رأيت وجهه الشريف عرفت أنه غير وجه كذاب» ولما قال «وكنت عرفت صفته واسمه» ولما سأله عن الأمور الآتية، ولما احتاج إلى الإسلام ثانيا، إلا أن يقال على تسليم صحة ما قاله ابن عساكر جاز أن يكون قال ذلك، وفعل ما ذكر إقامة للحجة على اليهود.
وقد وقع لابن سلام هذا أنه لقي عليا بالربذة وقد خرج بعد قتل عثمان وبعد أن بويع بالخلافة متوجها إلى البصرة لما بلغه أن عائشة وطلحة والزبير ومن معهم خرجوا إلى البصرة في طلب دم عثمان، وكان ذلك سببا لوقعة الجمل، فأخذ بعنان فرس عليّ، وقال: يا أمير المؤمنين لا تخرج منها يعني المدينة، فوالله لئن خرجت
[ ٢ / ١٥٤ ]
منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا، فسبه بعض الناس، وقال له: ما لك ولهذا؟ يابن اليهودية، فقال عليّ: دعوه، فنعم الرجل من أصحاب النبي ﷺ» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لقد لقيت عبد الله بن سلام، فقلت له: أخبرني عن ساعة الإجابة يوم الجمعة، فقال في آخر ساعة في يوم الجمعة؟
قلت: وكيف وقد قال رسول الله ﷺ «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي» وتلك الساعة لا صلاة فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي» .
وفيه أن في الصحيحين «إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي فسأل الله ﷿ شيئا إلا أعطاه إياه» ثم رأيت عن سنن ابن ماجه أن جواب ابن سلام تلقاه عن النبي ﷺ.
ونص السنن المذكورة، عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، قال «قلت ورسول الله ﷺ جالس، إنا لنجد في كتابنا يعني التوراة، في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله ﷿ فيها شيئا إلا قضى حاجته، قال عبد الله بن سلام:
فأشار إلى رسول الله ﷺ أو بعض ساعة؟ فقلت: صدقت يا رسول الله، أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: آخر ساعة من ساعات النهار، قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: بلى؛ إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في الصلاة» أي ولعل لفظ قائم في رواية الصحيحين يراد به مريد القيام إلى الصلاة، أي صلاة العصر. وقد قيل: إن تلك الساعة رفعت بعد موته ﷺ. وقيل هي باقية، وهو الصحيح. وعليه، فقيل لا زمن لها معين، وقيل هي في زمن معين وعليه ففي تعيينها أحد عشر قولا، وقيل أربعون قولا.
وقد وقع لميمون بن يامين وكان رأس اليهود مثل ما وقع لابن سلام مع اليهود «فإنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ابعث إليهم واجعلني حكما فإنهم يرجعون إليّ، فأدخله داخلا وأرسل إليهم، فجاؤوه ﷺ، فقال لهم اختاروا رجلا حكما يكون بيني وبينكم، قالوا: قد رضينا ميمون بن يامين، فقال: أخرج إليهم، فقال: أشهد إنه لرسول الله، فأبوا أن يصدقوه» والله أعلم.
وقد أشار إلى إنكارهم نبوته ﷺ مع معرفتهم لها صاحب الهمزية يقوله:
عرفوه وأنكروه فظلما كتمته الشهادة الشهداء
أو نور الإله تطفئه الأف واه وهو الذي به يستضاء
كيف يهدي الإله منهم قلوبا حشوها من حبيبه البغضاء
أي عرفوه أنه النبي المنتظر، وأنكروه بظواهرهم، ولأجل ظلمهم كتمت
[ ٢ / ١٥٥ ]
الشهادة به العارفون به. أو نور الإله الذي هو النبوة تذهبه الألسن؟ لا يكون ذلك، وكيف يكون ذلك وهو الذي يستضاء به في الظاهر والباطن، كيف يوصل الإله قلوبا للحق وملؤها البغضاء لحبيبه ﷺ؟.
أقول: وقيل في سبب نزول سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] أن وفد نجران لما نطقوا بالتثليث، قال لهم المسلمون: من خلقكم؟ قالوا الله، قالوا لهم:
فلم عبدتم غيره وجعلتم معه إلهين؟ فقالوا: بل هو إله واحد؛ لكنه حل في جسد المسيح، إذا كان في بطن أمه، فقالوا لهم: هل كان المسيح يأكل الطعام؟ قالوا: كان يأكل الطعام، فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) تكذيبا لهم في أنه ثالث ثلاثة، والصمد: هو الذي لا جوف له، فهو غير محتاج إلى الطعام.
وقيل سبب نزولها أن قريشا هم الذين قالوا له انسب لنا ربك يا محمد؛ وتقدم ما فيه والله أعلم.
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: الآية ٤٠] قال الله تعالى للأحبار من اليهود وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: الآية ٤٠] الذي أخذته في أعناقكم للنبي ﷺ إذ جاءكم بتصديقه واتباعه أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: الآية ٤٠] أنجز لكم ما وعدتم عليه؛ بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: الآية ٤١] وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: الآية ٤٢] أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما جاء به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
قال بعضهم: ولم يسلم من رؤساء علماء اليهود إلا عبد الله بن سلام وضم إليه السهيلي عبد الله بن صوريا، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف لعبد الله بن صوريا على إسلام من طريق صحيح، وإنما نسب لتفسير النقاش؛ أي ويضم لعبد الله بن سلام ميمون المتقدم ذكره.
وروي في سبب إسلام عبد الله بن سلام: أي إظهار إسلامه على ما تقدم أنه لما بلغه مقدم النبي ﷺ أتاه في قباء، فعنه رضي الله تعالى عنه «جاء رجل حتى أخبر بقدومه ﷺ وأنا في رأس نخلة أعمل فيها وعمتي تحتي جالسة، فلما سمعت بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت لي عمتي: لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، فقلت لها: أي عمة، فو الله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به. قالت يا بن أخي أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع بعث الساعة وفي لفظ «مع نفس الساعة، فقلت لها نعم» .
أي وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «بعثت بين يدي الساعة
[ ٢ / ١٥٦ ]
بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري» وجاء أنه ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين وقال بأصبعيه هكذا يعني السبابة والوسطى» أي جمع بينهما. وفي رواية «بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه هذه» وفي رواية «سبقتها بما سبقت هذه هذه وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة» قال الطبري الوسطى تزيد على السبابة نصف سبع أصبع، كما أن نصف يوم من سبعة أيام نصف سبع، أي وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة، وبعث رسول الله ﷺ في آخر يوم منها، وتقدم في حديث أخرجه أبو داود «لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم» يعني خمسمائة سنة قال بعضهم: فإن قيل ما وجه الجمع بين هذا وبين قوله ﷺ لما سئل عن الساعة «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» لدلالة الرواية الأولى على علمه بها.
أجيب بأن القرآن نطق بأن علمها عند الله لا يعلمها إلا هو. ومعنى قوله «بعثت أنا والساعة كهاتين» أنه ليس بيني وبينها نبي آخر يأتي بشريعة ولا يتراخى إلى أن تندرس شريعتي، فهو ﷺ أول أشراطها لأنه نبي آخر الزمان، وهذا لا يقتضي أن يكون عالما بخصوص وقتها. قال ابن سلام: وكنت عرفت صفته واسمه: أي في التوراة. زاد في رواية «فكنت مسرّا لذلك ساكتا عليه حتى قدم المدينة فجئته ﷺ، فقلت: يا محمد إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟
وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي ﷺ: أخبرني بهن جبريل آنفا، فقال ابن سلام: ذلك يعني جبريل عدو اليهود من الملائكة» .
وقيل قائل ذلك عبد الله بن صوريا، ولا مانع من أن يكون قال ذلك كل منهما: أي وعن ابن صوريا أنه قال له ﷺ: «من ينزل عليك بالوحي؟ قال جبريل، قال: ذلك عدّونا لو كان غيره» وفي لفظ «لو كان ميكائيل لآمنا بك لأن جبريل ينزل بالخسف والحرب والهلاك، وميكائيل، ينزل بالخصب والسلم» .
وسبب العداوة أنهم زعموا أنه أمر أن يجعل النبوة فيهم: أي يجعل النبي المنتظر في بني إسرائيل الذين هم أولاد إسحاق فجعلها في غيرهم: أي في ولد إسماعيل.
وقيل سبب عداوتهم لجبريل أنه أنزل على نبيهم أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثوا من يقتله من أعظم بني إسرائيل قوة، فأراد قتله فمنعه عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بإهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، فصدقه ورجع عنه.
أي فإن بني إسرائيل لما اعتدوا وقتلوا شعياء جاء بختنصر ملك فارس وحاصر
[ ٢ / ١٥٧ ]
بيت المقدس وفتحها عنوة وأحرق التوراة وخرب بيت المقدس.
وقيل في سبب العداوة كونه يطلع النبي ﷺ على سرهم، ولا مانع من أن يكون كل ذلك سببا للعداوة.
ثم قال ﷺ: «أما أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت» أي وهي القطعة المنفردة المعلقة بالكبد. قال بعضهم: وهي في الطعم في غاية اللذة. ويقال إنها أهنأ طعام وأمرؤه.
وروي «أن الثور ينطح الحوت بقرنه فيموت فتأكل منه أهل الجنة، ثم يحيا فينحر الثور بذنبه فتأكله أهل الجنة، ثم يحيا، قال: وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها» أي لكن في فتح الباري عن عائشة رضي الله تعالى عنها «إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله» والمراد بالعلو السبق.
وعن ثوبان «إذ علا منيّ الرجل منيّ المرأة جاء الولد ذكرا، وإن علا منيّ المرأة منيّ الرجل جاء أنثى» والعلو فيه على بابه هذا كلامه، أي وإذا استوى الماآن جاء خنثى وفي رواية «قالوا له ﷺ: أين تكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ ومن أول الناس إجازة وما تحفتهم» أي الناس حين يدخلون الجنة «وما غذاؤهم على أثره، وما شرابهم عليه؟ فأجابهم ﵊ بأنهم يكونون في ظلمة دون الجسر» ولعل المراد بالجسر الصراط، لكن في رواية مسلم «أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط» ثم رأيت عن البيهقي أن قوله: على الصراط مجاز لكونهم بمجاورته.
ونقل القرطبي على صاحب الإفصاح أن الأرض والسماء يتبدلان مرتين.
المرأة الأولى: تتبدل صفتها فقط، وذلك قبل نفخة الصعق فتناثر كواكبها، وتخسف الشمس والقمر وتتناثر السماء كالمهل، وتنكشط الأرض، وتسير الجبال.
والمرة الثانية: تتبدل ذاتهما، وذلك إذا وقفوا في المحشر، فتتبدل الأرض بأرض من فضة لم يقع عليها معصية وهي الساهرة: أي والسماء تكون من ذهب كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفأها الخباز كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة، فيأكل المؤمن من تحت رجليه، ويشرب من الحوض» .
قال الحافظ ابن حجر: ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعذبون بالجوع في طول زمان الموقف، بل يقلب الله بقدرته طبع الأرض خبزا حتى يأكلون منها من تحت
[ ٢ / ١٥٨ ]
أقدامهم ما شاء الله من غير علاج ولا كلفة.
قال: ويؤيد أن هذا مراد الحديث ما جاء «تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب» هذا كلامه، فليتأمل ما مع قبله من أن الأرض تبدل بأرض من فضة، وأن هذا يدل على أن تلك الأرض التي تكون خبزة تكون في موقف الحساب. وما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه يدل على أنها تكون بعد مجاوزتهم الصراط «وأول الناس إجازة فقراء المهاجرين، وتحفة أهل الجنة حين يدخلونها زيادة كبد النون» أي الحوت «وغذاؤهم ينحر لهم ثور الجنة التي يأكل من أطرافها، وشرابهم من عين تسمى سلسبيلا. وسألوه ﷺ فقالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ فقال ﵊: تنام عيناه ولا ينام قلبه. وسألوه أي طعام حرم إسرائيل على نفسه قبل أن تنزل التوراة؟ قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا وطال سقمه، فنذر لله لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرمنّ أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، فكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ قالوا: اللهم نعم» أي حرمهما ردعا لنفسه ومنعا لها عن شهواتها. وقيل لأنه كان به عرق النسا وكان إذا طعم ذلك هاج به.
وذكر أن سبب نزول قوله تعالى كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [آل عمران: الآية ٩٣] قول اليهود له ﷺ «كيف تقول إنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وتشرب ألبانها وكان ذلك محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا أي علمه في التوراة، فنحن أولى الناس بإبراهيم منك ومن غيرك، فأنزل الله تعالى الآية تكذيبا لهم أي بأن هذا إنما حرمه يعقوب على نفسه، ومن ثم جاء فيها فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: الآية ٩٣] .
وكانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها أي وفي كلام الواحدي قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت كفعل المجوس هذا كلامه «فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك» أي قال له بعض الأعراب «يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلك الحيض فأنزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: الآية ٢٢٢] الآية فقال لهم رسول الله ﷺ: اصنعوا كل شيء إلا النكاح» أي الوطء وما في معناه، وهو مباشرة ما بين السرة والركبة، أي فإن الآية لم تنص إلا على عدم قربانهن بالوطء في الحيض.
ومن ثم جاء في رواية «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم
[ ٢ / ١٥٩ ]
باخراجهن من البيوت، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى رسول الله ﷺ، وقالا إن اليهود قالت كذا فهلا نجامعهن؟ أي نوافقهن، فتغير وجه رسول الله ﷺ» أي وعند ذلك قال بعض الصحابة «فظننا أنه قد وجد أي غضب عليهما فلما خرجا استقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما» .
وذكر المفسرون أن في منع الوطء للحائض اقتصادا من إفراط اليهود وتفريط النصارى، فإنهم لا يمتنعون من وطء الحيض، أي وذكر أن ابن سلام وغيره ممن أسلم من يهود استمروا على تعظيم السبت وكراهة أكل لحم الإبل وشرب ألبانها، فأنكر ذلك عليهم المسلمون فقالوا: إن التوراة كتاب الله فنعمل به أيضا، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: الآية ٢٠٨]: أي وفي رواية «قالوا له ما هذا السواد الذي في القمر؟ فأجابهم ﷺ عن ذلك بأنهما كانا شمسين أي شمس في الليل وشمس في النهار، قال الله تعالى فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: الآية ١٢] فالسواد الذي يرى هو المحو» أي أثره. قال بعضهم في قوله تعالى وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: الآية ٣٧] أن الليل ذكر والنهار أنثى، فالليل كآدم والنهار كحواء.
وقد ذكر أن الليل من الجنة والنهار من النار، ومن ثم كان الأنس بالليل أكثر وجاء «أنه ﷺ قال لرجل من علماء اليهود: أتشهد أني رسول الله؟ قال لا، قال أتقرأ التوراة؟ قال نعم، قال: والإنجيل؟ قال نعم، فناشده هل تجدني في التوراة والإنجيل؟ قال: نجد مثلك ومثل مخرجك ومثل هيئتك، فلما خرجت خفنا أن تكون أنت، فنظرنا فإذا أنت لست هو، قال: ولم ذاك؟ قال: معه من أمته سبعون ألفا ليس عليهم حساب ولا عذاب، وإنما معك نفر يسير، قال: والذي نفسي بيده لأنا هو وإنهم لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا» وقد سأله ﷺ اليهود عن الرعد أي والبرق فقال «صوت ملك موكل بالسحاب يسوقه أي بمخراق من نار في يده يزجر به السحاب إلى حيث أمره الله تعالى» .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال «البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة يزجرون به السحاب» والمخراق المنديل يلف ليضرب به، أي وحينئذ فالمراد بالملك الجنس. وفي رواية «إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك، ومنطقها الرعد، وضحكها البرق» .
وفي بعض الآثار «لله ملائكة يقال لهم الحيات، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق» أي وتحريكهم لأجنحتهم يكون غالبا عند الرعد، لأن الغالب وجود البرق عند الرعد.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وعن بعضهم قال: بلغني أن البرق ملك له أربعة وجوه، وجه إنسان، ووجه ثور ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه، أي حركه فذلك البرق، أي وتحريكه غالبا يكون عند وجود الرعد.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «البرق ملك يتراءى» أي يظهر ويغيب وفي رواية «الرعد ملك يزجر السحاب، والبرق طرف ملك» أي ينظر به عند وجود الرعد غالبا. وفي رواية «إن ملكا موكل بالسحاب في يده مخراق، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضربه صعقت» .
وعن مجاهد: «الرعد ملك، والبرق أجنحته يسوق بها السحاب» فيكون المسموع صوته أو صوت سوقه، فليتأمل الجمع بين هذه الروايات.
وذهب الفلاسفة إلى أن الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب، والبرق ما ينقدح من اصطكاكها، فقد زعموا أن عند اصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض تخرج نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.
وقيل في سبب نزول قوله تعالى ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: الآية ١٠٦] أن اليهود أنكروا النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافة، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فنزلت.
«وسألوه ﷺ مم يخلق الولد؟ فقال: يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، أما نطفة الرجل فنطفة غليظة أي بيضاء منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة أي صفراء منها اللحم والدم؛ فقالوا: هكذا كان يقول من قبلك أي من الأنبياء» وتقدم في ترجمة سطيح إيراد عيسى ﵊ على ذلك، أي وقالوا إغاظة ﷺ له ما نرى لهذا الرجل همة، إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء؛ فأنزل الله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً [الرّعد: الآية ٣٨] .
فقد جاء «إنه كان لسليمان ﵊ مائة امرأة وتسعمائة سرية» .
«وسألوه ﷺ عن رجل زنى بامرأة بعد إحصانه: أي كان شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله ﷺ: أي قالوا لهم إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب، فسألوه فأجابهم بالرجم؛ فلم يفعلوا ذلك فقال لجمع من علمائهم:
أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أما تجدون في التوراة على من زنى بعد إحصان الرجم؟ الرجم فأنكروا ذلك، فقال عبد الله بن سلام كذبتم، فإن فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة، فوضع واحد منهم يده على تلك الآية، فقال له ابن سلام ارفع
[ ٢ / ١٦١ ]
يدك عنها فرفعها فإذا آية الرجم.
أقول: هذا كان في السنة الرابعة، وهو يخالف ما في بعض الروايات «أن بعض أحبار يهود أي وهم كعب بن الأشرف وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق اجتمعوا في بيت المدارس حين قدم رسول الله ﷺ المدينة وقد زنى رجل من يهود بعد إحصانه بامرأة محصنة من اليهود وقالوا: إن أفتانا بالجلد أخذنا به واحتججنا بفتواه عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، وإن أفتانا بالرجم خالفناه، لأنا خالفنا التوراة فلا علينا من مخالفته» .
وفي رواية الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا: أي بعد إحصان، فقال لهم رسول الله: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قالوا: نفضحهما: أي بأن نسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل إدبار الحمار» وفي لفظ «يحملان على الحمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما ويجلدان، أي بحبل من ليف مطلي بقار، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك؛ فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم» .
وقد جاء «إن موسى ﵊ خطب بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة، ومن زنى وله امرأة رجمناه حتى يموت» والله أعلم.
قال «ولما جاؤوا إليه ﷺ قالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا: أي بعد إحصان فقال لهم: ما تجدون في التوراة؟ فقالوا: دعنا من التوراة، فقل لنا ما عندك فأفتاهم بالرجم فأنكروه، فلم يكلمهم رسول الله ﷺ حتى أتى بيت مدارسهم، فقام على الباب فقال: يا معشر يهود أخرجوا إليّ أعلمكم، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا وأبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهود، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فقال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى بعد إحصان قالوا: يحم أي يعير ويجتنب، فقال عبد الله بن سلام كذبتم فإن فيها آية الرجم»، أي وفي رواية «لما سألهم وأجابوه إلا شابا منهم فإنه سكت، فألح عليه ﷺ في النشدة فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، ولكن رأينا أنه إن زنى الشريف جلدناه والوضيع رجمناه كان من الحيف، فاتفقنا على ما نقيمه على الشريف والوضيع وهو ما علمت فعند ذلك قال رسول الله ﷺ: أنا أحكم بما في التوراة» ولعل هذا الشاب ابن صوريا، ففي الكشاف «أنه لما أمرهم ﵊ بالرجم فأبوا
[ ٢ / ١٦٢ ]
أن يأخذوا به، فقال له جبريل ﵇: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا حكما» أي ووصفه له جبريل «فقال ﷺ: هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا نعم؛ وهو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى في التوراة ورضوا به حكما، فقال له رسول الله ﷺ: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى وفلق البحر، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكم، وأغرق فرعون، وظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المنّ والسلوى والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ قال: نعم، فوثب عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب»، وفي رواية «قال نعم، والذي ذكرتني به لولا خشيت أن تحرقني التوراة إن كذبتك ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم، فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى» فليتأمل الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها «ثم سأله رسول الله ﷺ عن أشياء يعرفها من أعلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي» وهذا مما يدل على إسلامه، وتقدم إنكار صحته عن الحافظ ابن حجر، فقال رسول الله ﷺ: ائتوا بالشهود، فجاؤوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده ﷺ» قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة، فكان ذلك سببا لنزول قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة: الآية ٤٤] ولنزول قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: الآية ٤٥] وفي آية أخرى فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمران: الآية ٨٢] وفي أخرى فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: الآية ٤٤] .
وعن عمرو بن ميمون قال: رأيت الرجم في الجاهلية في غير نبي آدم، كنت في اليمن في غنم لأهلي، فجاء قرد ومعه قردة فتوسد يدها ونام، فجاء قرد أصغر منه فغمزها فسلت يدها من تحت رأس القرد برفق وذهبت معه، ثم جاءت فاستيقظ القرد فزعا فشمها فصاح فاجتمعت القردة، فجعل يصيح ويومي إليها بيده، فذهبت القردة يمنة ويسرة، فجاؤوا بذلك القرد، فحفروا لهما حفرة فرجموهما. وفي لفظ:
رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها يعني القردة ورجمتها معهم.
قال في الاستيعاب: وهذا عند جماعة من أهل العلم منكر لإضافة الزنا إلى غير المكلف وإقامة الحدود في البهائم، ولو صح هذا لكانوا من الجن، لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما، هذا كلامه فليتأمل والله أعلم.
وقد ذكر غير واحد أن أحبار يهود غيروا صفته ﷺ التي في التوراة خوفا على
[ ٢ / ١٦٣ ]
انقطاع نفقتهم، فإنهم كانت على عوامهم لقيامهم بالتوراة، فخافوا أن تؤمن عوامهم فتنقطع عنهم النفقة، أي وكانوا يقولون لمن أسلم: لا تنفقوا مالكم على هؤلاء، يعني المهاجرين فإنا نخشى عليكم الفقر، فأنزل الله تعالى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النّساء: الآية ٣٧] أي من صفة النبي ﷺ التي يجدونها في كتابهم، فقد كان فيه «أكحل عين؛ ربعة جعد الشعر، حسن الوجه، فمحوه وقالوا نجده طويلا، أزرق العين، سبط الشعر، وأخرجوا ذلك إلى اتباعهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج آخر الزمان، وعند ذلك أنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ [البقرة: الآية ١٧٤] الآية.
وكان اليهود إذا كلموا النبي ﷺ قالوا راعنا سمعك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [النساء:
الآية ٤٦]، ويضحكون فيما بينهم، أي لأن ذلك كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلسان اليهود السب القبيح، فلما سمع المسلمون منهم ذلك ظنوا أن ذلك شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فصاروا يقولون ذلك للنبي ﷺ، ففطن سعد بن معاذ لليهود يوما وهم يضحكون. فقال لهم: يا أعداء الله لئن سمعنا من رجل منكم هذا بعد هذا المجلس لأضربن عنقه: فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا [البقرة: الآية ١٠٤] .
وفي رواية أن اليهود لما سمعوا الصحابة رضي الله تعالى عنهم تقول له ﷺ إذا ألقى عليهم شيئا: يا رسول الله راعنا: أي انتظرنا وتأن علينا حتى نفهم، وكانت هذه الكلمة عبرانية تتسابب بها اليهود، فلما سمعوا المسلمين يقولون له ﷺ راعنا خاطبوا رسول الله ﷺ براعنا يعنون بها تلك السبة، ومن ثم لما سمع سعد بن معاذ ذلك من اليهود قال لهم: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها فنزلت «وجاءه ﷺ جماعة من اليهود بأطفالهم، فقالوا له: يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟
قال لا، فقالوا: والذي يحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار وما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، فأنزل الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النّساء: الآية ٤٩] الآية.
وجاء «أن أحبار يهود منهم ابن صوريا: أي قبل أن يسلم على ما تقدم وشاس بن قيس وكعب بن أسيد اجتمعوا وقالوا نبعث إلى محمد لعلنا نفتنه في دينه، فجاؤوا إليه ﷺ فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم، وإن اتبعناك اتبعك كل اليهود وبيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم فنؤمن بك، فأبى ذلك عليهم فنزل قوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [المائدة: الآية ٤٩] الآية» .
[ ٢ / ١٦٤ ]
ومن اليهود من دخل في الإسلام تقية من القتل، لما قهرهم الإسلام بظهوره واجتماع قومهم عليه، فكان هواهم مع يهود في السر، أي هم المنافقون.
وقد ذكر بعضهم «أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثمائة منهم الجلاس بجيم مضمومة فلام مخففة فألف فسين مهملة ابن سويد بن الصامت قال يوما إن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعها عمير بن سعد رضي الله تعالى عنه، وهو ابن زوجة جلاس، أي فإن الجلاس كان زوجا لأم عمير، وكان عمير يتيما في حجره ولا مال له، وكان يكفله ويحسن إليه، فجاء الجلاس ليلة فاستلقى على فراشه فقال: لئن كان ما يقوله محمد حقا فلنحن شر من الحمير. فقال له عمير: يا جلاس إنك لأحب الناس وأحسنهم عندي يدا، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمتّ عليها: أي سكت عنها ليهلكن عليّ ديني ولأحداهما أيسر علي من الأخرى فمشى إلى رسول ﷺ فذكر له مقالة جلاس، فأرسل رسول الله ﷺ إلى جلاس، فحلف بالله لقد كذب عليّ عمير وما قلت ما قال عمير، فقال عمير: بلى والله لقد قلته فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته» .
وجاء «أنه ﷺ استحلف الجلاس عند المنبر، فحلف أنه ما قال، واستحلف الراوي عنه فحلف لقد قال وقال: اللهم أنزل على نبيك تكذيب الكاذب وتصديق الصادق، فقال النبي ﷺ آمين، فنزل قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التّوبة: الآية ٧٤] إلى قوله فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ [التّوبة:
الآية ٧٤] فاعترف الجلاس وتاب، وقيل منه ﷺ توبته، وحسنت توبته، ولم ينزع عن خير كان يصنعه مع عمير؛ فكان ذلك مما عرف به حسن توبته، فقال ﷺ لعمير: وقيت أذنك» .
ومنهم نبتل بنون مفتوحة فموحدة ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فلام ابن الحارث قال النبي ﷺ «من أحبّ أن فلينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث، كان يجلس إليه ﷺ ثم ينقل حديثه للمنافقين، وهو الذي قال لهم: إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدقه فأنزل الله فيه وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التّوبة:
الآية ٦١] الآية» .
وجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له «يجلس إليك رجل معك صفته كذا، تقال:
أي للحديث الذي تحدث به، كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين فاحذره» .
ومنهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول وهو رأس المنافقين، ولاشتهاره بالنفاق لم يعدّ في الصحابة، وكان من أعظم أشراف أهل المدينة، وكانوا قبل مجيئه ﷺ للمدينة
[ ٢ / ١٦٥ ]
قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، أي كما تقدم، لأن الأنصار من آل قحطان. ولم يتوج من العرب إلا قحطان، ولم يبق من الخرز إلا خرزة واحدة كانت عند شمعون اليهودي، فلما جاءهم الله تعالى برسوله ﷺ انصرف عنه قومه إلى الإسلام فضغن: أي أضمر العداوة، لأنه رأى أن رسول الله ﷺ قد سلبه ملكا عظيما، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على النفاق، أي وكان له إماء يكرههن على الزنا ليأخذ أجورهن، فأنزل الله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [النّور: الآية ٣٣] الآية.
وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [البقرة:
الآية ١٤] أي عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم. فقال عبد الله بن أبيّ:
انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد أبي بكر، فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله ﷺ في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ. ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ. ثم أخذ بيد عليّ فقال: مرحبا يا بن عمّ رسول الله ﷺ وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله ﷺ، ثم افترقوا فقال له عليّ: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق، فإن المنافقين شرّ خليفة الله تعالى، فقال له عبد الله: مهلا يا أبا الحسن، إليّ تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم. فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا فنزلت.
وقد قال ﷺ «مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين الغنمين» أي المترددة بينهما تعبر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة.
وفي السنة الأولى من الهجرة أعرس ﷺ بعائشة رضي الله تعالى عنها كذا في الأصل. وفي المواهب أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرا، وقيل بعد سبعة أشهر، وقيل بعد ثمانية أشهر من مقدمه ﷺ.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «تزوجني رسول الله وبنى بي في شوال فأيّ نساء رسول الله ﷺ كانت أحظى عنده مني» أي فما توهمه بعض الناس من التشاؤم بذلك، لكونه بين العيدين، فتحصل المفارقة بين الزوجين لا عبرة به ولا التفات إليه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «جاء رسول الله ﷺ فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال ونساء من الأنصار، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين» أي نخلتين «فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة» أي شعر «لأني وعكت» أي مرضت «لما قدمنا المدينة» أي أصابتها الحمى.
[ ٢ / ١٦٦ ]
فعن البراء رضي الله تعالى عنه قال «دخلت مع أبي بكر الصديق على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها الحمى، فرأيت أباها يقبل خدها ويقول: كيف أنت يا بنية؟ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فتمزق شعري، ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، بارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا» أي فقد بني بها نهارا.
وفي الصحاح: العامة تقول: بنى بأهله وهو خطأ، وإنما يقال بنى على أهله، قال الحافظ ابن حجر: ولا يغني عن الخطأ كثرة استعمال الفصحاء له: أي كاستعمال عائشة له هنا. وفي الاستيعاب وأقره، عن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال: الصداق، فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية ونشا، فبعث بها إلينا وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي به، ودفن فيه رسول الله ﷺ» وفيه أن سياق ما تقدم وما يأتي يدلّ على أنه إنما دخل بها في بيت أبيها بالسنح.
ثم رأيت بعضهم صرح بذلك، فقال «كان دخوله بها ﵊ بالسنح نهارا» وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم هذا كلامه. وفي رواية عنها «أتتني أمي وإني لفي أرجوحة مع صواحب لي فصرخت بي، فأتيتها ما أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي حتى وقفت بي على باب الدار وأنا أنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهنّ وأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين» قال بعضهم: دخل رسول الله ﷺ بعائشة ولعبتها معها.
أي وعنها رضي الله تعالى عنها أنها كانت تلعب بالبنات أي اللعب عند رسول الله ﷺ، وكانت تأتيها جويريات يلعبن معها بذلك، وربما كان رسول الله ﷺ يسيرهن إليها: أي يطلبهن لها ليلعبن معها. قالت «وقدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو حنين، فهبت ريح فكشفت ناحية من ستر على صفة في البيت عن بنات لي، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: بناتي، ورأى بينهن فرسا لها جناحان من رقاع، قال:
وما هذا الذي أرى وسطهن؟ قلت: فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قلت جناحان، قال: جناحان! قلت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه» وفيه هلا أمرها بتغيير ذلك.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وأجيب بأن هذا مستثنى من عدم جواز تصوير ذي الروح، وقولها «أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة» وإقراره ﷺ لها على ذلك يدل على صحته.
ثم رأيت بعضهم أورد أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة، وقد ذكرت ذلك عند الكلام على إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه في أوائل هذه السيرة.
وعنها رضي الله تعالى عنها أيضا أنها قالت: «وما نحرت عليّ جزور ولا ذبحت عليّ شاة، أي عند بنائه بها ﷺ حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنته التي كان يرسلها» وأرسل بها إلى رسول الله ﷺ» أي وفي كلام بعضهم: وروي «أنه ﷺ ما أولم على عائشة رضي الله تعالى عنها بشيء غير أن قدحا من لبن أهدي من بيت سعد بن عبادة، فشرب النبي ﷺ بعضه وشربته عائشة رضي الله تعالى عنها باقيه» .
أقول: يجوز أن يكون سعد رضي الله تعالى عنه أرسل بالقدح من اللبن وبالجفنة، وأن بعض الرواة اقتصر على أحدهما.
ثم لا يخفى أنه يجوز أن تكون الرواية الأولى واقعة بعد هذه الرواية الثانية، وأنها ذهبت إلى الأرجوحة ثانيا بعد أن أصلح النساء من شأنها، وفعلت بها أمها ما ذكر، وأنه وقع الاقتصار في الرواية الأولى، والله ﷾ أعلم.
[ ٢ / ١٦٨ ]
باب ذكر مغازيه ﷺ
ذكر أن مغازيه: أي وهي التي غزا فيها بنفسه كانت سبعا وعشرين، أي وهي:
غزوة بواط، ثم غزوة العشيرة، ثم غزوة سفوان، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة بني قينقاع، ثم غزوة السويق، ثم غزوة قريرة الكدر ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر ثم غزوة نجران بالحجاز ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوت ذات الرقاع وهي غزوة محارب وبني تغلبة، ثم غزوة بدر الآخرة وهي غزوة بدر الموعد، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بني المصطلق ويقال لها المريسيع، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة ذي قرد ويقال لها قرد بضمتين. وهي في اللغة:
الصوف الرديء، ثم غزوة حنين، ثم غزوة وادي القرى، ثم غزوة عمرة القضاء، ثم غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين والطائف، ثم غزوة تبوك.
والتي وقع فيها القتال من تلك الغزوات: أي وقع القتال فيها من أصحابه وهو المراد بقول بعضهم كالأصل التي قاتل فيها رسول الله ﷺ تسع، وهي: غزوة بدر الكبرى وأحد والمريسيع؛ أعني بني المصطلق والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف، أي وبعضهم أسقط فتح مكة. قال النووي ﵀: ولعل مذهبه أنها فتحت صلحا كما قال إمامنا الشافعي وموافقوه، أي فيصح بيع دورها وإجارتها، واستدل لذلك بأنها لو كانت فتحت عنوة لقسمها بين الغانمين، وسيأتي الجمع بأن أسفلها فتح عنوة، أي لوقوع القتال فيه من خالد بن الوليد مع المشركين؛ وأعلاها فتح صلحا لعدم وجود القتال فيه.
وفي الهدى: من تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها كلها دالة على قول الجمهور إنها فتحت عنوة: أي لوقوع القتال بها.
ومما يدل على ذلك أنه ﷺ لم يصالح أهلها عليها، وإلا لم يحتج إلى قوله «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن إلى الخ» وإنما لم يقسمها لأنها دار المناسك، فكل مسلم له فيها حق.
أقول: هذا واضح في غير دورها، وسيأتي الجواب عن ذلك، وبما قررناه يعلم أن قول المواهب قاتل ﷺ في تسع بنفسه، فيه نظر ظاهر، لأنه ﷺ لم يقاتل بنفسه في شيء من تلك الغزوات إلا في أحد كما سيأتي، وكأنه اغتر في ذلك بقول
[ ٢ / ١٦٩ ]
بعضهم المتقدم قاتل فيها رسول الله ﷺ، وقد علمت المراد منه والله أعلم.
ولا يخفى أنه ﷺ مكث بضع عشرة سنة ينذر بالدعوة بغير قتال، صابرا على شدة أذية العرب بمكة، واليهود بالمدينة له ﷺ ولأصحابه لأمر الله تعالى له بذلك:
أي بالإنذار والصبر على الأذى والكف بقوله فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: الآية ٦٣] وبقوله وَاصْبِرْ [المزمل: الآية ١٠] ووعده بالفتح، أي فكان يأتيه أصحابه بمكة ما بين مضروب ومشجوج فيقول ﷺ لهم «اصبروا، فإني لم أومر بالقتال» لأنهم كانوا بمكة شر ذمة قليلة. ثم لما استقر أمره ﷺ: أي بعد الهجرة وكثرت أتباعه، وشأنهم أن يقدموا محبته على محبة آبائهم وأبنائهم وأزواجهم، وأصرّ المشركون على الكفر والتكذيب أذن الله تعالى لنبيه ﷺ أي ولأصحابه في القتال، أي وذلك في صفر من السنة الثانية من الهجرة، لكن لمن قاتلهم وابتدأهم به بقوله فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] قال بعضهم: ولم يوجبه بقوله تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ [الحجّ: الآية ٣٩] أي للمؤمنين أن يقاتلوا بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحجّ: الآية ٣٩] أي بسبب أنهم ظلموا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحجّ: الآية ٣٩]، أي فكان ذلك القتال عوضا من العذاب الذي عوملت به الأمم السالفة لما كذبت رسلهم.
وذكر في سبب نزول قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النّساء:
الآية ٧٧] الآية «أن جماعة منهم عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبي وقاص، وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا بمكة، فقالوا: يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فأذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: كفوا أيديكم عنهم، فإني لم أومر بقتالهم. فلما هاجر ﷺ إلى المدينة وأمر بالقتال للمشركين كرهه بعضهم وشق عليه ذلك، فأنزل الله تعالى الآية» .
لا يقال: يدل لما تقدم من أنه قاتل ﷺ بنفسه في تلك الغزوات ما جاء عن بعض الصحابة «كنا إذا لقينا كتيبة أو جئنا أول من يضرب النبي ﷺ» لأني أقول لا يبعد أن يكون المراد بالضرب السير في الأرض: أي أول من يسير إلى تلقاء العدو.
ويؤيده ما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه «لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ، وكان أشد الناس بأسا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه ﷺ» .
وفي رواية «كنا إذا حمي البأس والتقى القوم بالقوم اتقينا رسول الله ﷺ، أي كان وقاية لنا من العدوّ» .
وقد نقل إجماع المسلمين على أنه لم يرو أحد قط أنه ﷺ انهزم بنفسه في موطن من المواطن، بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه ﷺ وثباته في جميع المواطن.
لا يقال: سيأتي في غزوة بدر عن السيرة الهشامية غير معزوّ لأحد أنه قاتل
[ ٢ / ١٧٠ ]
بنفسه قتالا شديدا، وكذلك أبو بكر ﵁ وكانا في العريش يجاهدان بالدعاء، فقاتلا بأبدانهما جمعا بين المقامين وأيضا سيأتي في خيبر ما قد يدل على أنه ﷺ قاتل بنفسه.
لأنا نقول: سيأتي ما في ذلك مما يدل على أنه ﷺ لم يباشر القتال إلا في أحد كما سيأتي، ولم تقاتل معه الملائكة إلا في بدر وإلا في حنين. قيل وأحد، وسيأتي ما في ذلك، ولم يرم ﷺ بالحصباء في وجوه العدوّ في شيء من الغزوات إلا في هذه الثلاثة على خلاف في الثالثة، أي ولم يجرح أي لم يصبه جراحة في غزوة من الغزوات إلا في أحد، ولم ينصب المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف، وفيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر، وسيأتي الجمع بينهما، ولم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب.
ثم لا يخفى أن الآية المذكورة: أي التي هي أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) [الحجّ: الآية ٣٩] قال بعضهم: هي أول آية نزلت في شأن القتال، ولما نزلت أخبر ﷺ بقوله «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» أي وفي لفظ «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى، قيل: وما حقها؟ قال زنا بعد إحصان وكفر بعد إسلام، أو قتل نفس» .
أقول: وظاهر هذا السياق يقتضي أن الآية فيها الأمر له ﷺ بالقتال المذكور.
وقد يتوقف في ذلك، ولعله أمر بذلك بغير الآية المذكورة، لأن الآية إنما هي ظاهرة في الإباحة والمباح ليس مأمورا به، وحينئذ يكون قوله في الآية الأخرى وهي فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] للإباحة، لأن صيغة أفعل تأتي لها وإن كان الأصل فيها الوجوب.
وعلى أن قوله ﷺ «أمرت» وأن أمره كان بغير هذه الآية يحمل على أن المراد الندب، لأن الأمر مشترك بين الوجوب والندب، فلا ينافي ما تقدم من أنه لم يكن وجب عليه القتال حينئذ والله أعلم.
ثم لما رمتهم العرب قاطبة عن قوس، وتعرضوا لقتالهم من كل جانب كانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه ويقولون ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الله ﷿؛ أنزل الله ﷿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النّور: الآية ٥٥] ثم أذن في القتال، أي أبيح الابتداء به حتى لمن لم يقاتل أي لكن في غير الأشهر الحرم أي التي هي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، أي بقوله فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: الآية
[ ٢ / ١٧١ ]
٥] الآية ثم أمر به وجوبا أي بعد فتح مكة في السنة الثانية مطلقا، أي من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التّوبة: الآية ٣٦] أي جميعا في أي زمن.
فعلم أن القتال كان قبل الهجرة وبعدها إلى صفر من السنة الثانية محرّما، أي لأنه كان في ذلك مأمورا بالتبليغ، وكان إنذارا بلا قتال، لأنه نهى عنه في نيف وسبعين آية ثم صار مأذونا له فيه أي أبيح قتال من قاتل ثم أبيح قتال من لم يبدأ به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقا: أي لمن قاتل ومن لم يقاتل في كل زمن؛ أي في الأشهر الحرم وغيرها.
وظاهر كلام الإمام الإسنوي أن القتال في الحالة الثانية كان مأمورا به لا مباحا كالحالة الأولى. وعبارته: لما بعث ﷺ أمر بالتبليغ والإنذار بلا قتال، فقال فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: الآية ٦٣] وقال وَاصْبِرْ [المزمّل: الآية ١٠] ثم أذن له بعد الهجرة في القتال إن ابتدؤوا فقال فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] ثم أمر بذلك ابتداء ولكن في غير الأشهر الحرم فقال فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: الآية ٥] ثم أمر به مطلقا فقال وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التّوبة: الآية ٣٦] هذا كلامه.
ولا يخفى أن الإسنوي ممن يرى أن «أمر» للوجوب، وهو يقتضي أن يكون الأمر به في الحالة الثانية للوجوب. والراجح ما علمت أن «أمر» مشترك بين الوجوب والندب، وأنه في الحالة الثانية مباح لا مأمور به.
ثم استقر أمر الكفار معه ﷺ بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول محاربون له ﷺ، وهؤلاء المحاربون إذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم على الكفاية في كل عام مرة أي يكفي ذلك في إسقاط الحرج كإحياء الكعبة، واستدل لذلك بقوله تعالى فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التّوبة: الآية ١٢٢] أي فهلا نفر. وقيل كان فرض عين، لقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك. ويحتاج إلى الجواب عن ذلك.
وقيل كان فرض كفاية في حق الأنصار، وفرض عين في حق المهاجرين.
والقسم الثاني أهل عهد وهم المؤمنون من غير عقد الجزية: أي صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوّهم، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم.
والقسم الثالث أهل ذمة: أي وهم من عقدت لهم الجزية.
وهناك قسم آخر، وهو من دخل في الإسلام تقية من القتل وهم المنافقون كما تقدم. وأمر ﷺ أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، فكان معرضا عنهم إلا فيما يتعلق بشعائر الإسلام الظاهرة كالصلاة فلا يخالف ما رواه الشيخان «لقد
[ ٢ / ١٧٢ ]
هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» فقد ذكر أئمتنا أن ذلك ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون: أي أصلا بدليل السياق، أي لأن صدر الحديث «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر» أي جماعتهما «ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت الخ» .
وفي الخصائص الصغرى: وكان الجهاد في عهده ﷺ فرض عين في أحد الوجهين عندنا، وكان إذا غزا بنفسه ﷺ يجب على كل أحد الخروج معه، لقوله تعالى ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التّوبة:
الآية ١٢٠] ومن ثم وقع لمن تخلف عنه في غزوة تبوك ما وقع.
وأما بعده ﷺ فللكفار حالان مذكوران في كتب الفقه. وعند الإذن له ﷺ في القتال خرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة: أي مكث بالمدينة باقي الشهر الذي قدم فيه وهو شهر ربيع الأوّل وباقي ذلك العام كله إلى صفر من السنة الثانية من الهجرة.
«فخرج ﷺ غازيا حتى بلغ ودّان» بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون:
وهي قرية كبيرة، بينها وبين الأبواء ستة أميال أو ثمانية. والأبواء بالمد: قرية كبيرة بين مكة والمدينة كما تقدم؛ سميت بذلك لتبوؤ السيول بها. وقيل لما كان فيها من الوباء فيكون على القلب، وإلا لقيل الأوباء. وحينئذ لا تخالف بين تسمية ابن الخفاف لها بغزوة ودّان وبين تسمية البخاري لها بغزوة الأبواء لتقارب المكانين، أي وفي الإمتاع: ودان جبل بين مكة والمدينة.
وأقول: قد يقال لا منافاة، لأنه يجوز أن تكون تلك القرية كانت عند الجبل المذكور فسميت باسمه، والله أعلم.
وكان خروجه ﷺ بالمهاجرين ليس فيهم أنصاري يعترض عيرا لقريش ولبني ضمرة أي وخرج ﷺ لبني ضمرة، فكان خروجه للشيئين كما يفهم من الأصل.
ويوافقه قول بعضهم: وخرج ﷺ في سبعين رجلا من أصحابه يريد قريشا وبني ضمرة. والمفهوم من سيرة الشامي أن خروجه ﷺ إنما كان لاعتراضه العير، وإنه اتفق له موادعة بني ضمرة، ويوافقه قول الحافظ الدمياطي: خرج يعترض عيرا لقريش، فلم يلق كيدا. وفي هذه الغزوة وادع بني ضمرة هذا كلامه، أي صالح سيدهم حينئذ، وهو مجدي بن عمر.
وعبارة بعضهم: فلما بلغ الأبواء لقي سيد بني ضمرة مجدي بن عمر الضمري، فصالحه ثم رجع إلى المدينة والمصالحة على أن لا يغزوهم ولا يغزوه ولا
[ ٢ / ١٧٣ ]
يكثروا عليه ﷺ جمعا ولا يعينوا عليه عدوّا، قال: وكتب بينه وبينهم كتابا نسخته «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الكتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصرة على من رامهم» أي قصدهم «ألا أن يحاربوا في دين الله، ما بلّ بحرصوفة» أي ما بقي فيه ما يبل الصوفة «وأن النبي ﷺ إذا دعاهم لنصره أجابوه عليهم، بذلك ذمة الله وذمة رسوله» أي أمانهما انتهى.
وكان لواؤه ﷺ أبيض. وكان مع عمه حمزة؛ واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، وانصرف إلى المدينة راجعا، فهي أوّل غزواته ﷺ، أي وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، والله أعلم.
غزوة بواط
ثم غزا رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول، أي وقيل الآخر: أي من السنة المذكورة، يريد عيرا لقريش فيها أمية بن خلف، ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير خرج في مائتين من أصحابه: أي من المهاجرين خاصة، وحمل اللواء وكان أبيض سعد بن أبي وقاص، واللواء: هو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به موضع أمير الجيش. وقد يحمله أمير الجيش، وقد يجعل في مقدم الجيش.
وأول من عقد الألوية إبراهيم الخليل ﷺ: بلغه أن قوما أغاروا على لوط ﵇، فعقد لواء وسار إليهم بعبيده ومواليه. قال بعضهم: صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية، أي فيطلق على كل اسم الآخر.
وعن ابن إسحاق وابن سعد أن اسم الراية إنما حدث بعد خيبر، واستعمل ﷺ على المدينة سعد بن معاذ وقيل السائب بن مظعون: أي أخا عثمان بن مظعون وقيل السائب بن عثمان حتى بلغ بواط- بضم الموحدة وفتحها وتخفيف الواو والطاء المهملة- أي وهي جبل الينبع، أي ومن ثم قيل لها غزوة بواط.
قال بعضهم: ومن هذا الجبل تقلع أحجار المسانّ، وهذا الجبل لجهينة من ناحية رضوى، وهو أحد الأجبل التي بني منها أساس الكعبة.
وفيه أنه لم يذكر رضوى في تلك الأجبل الخمس التي كان منها أساس الكعبة المتقدم ذكرها على المشهور.
وقد جاء في الحديث «رضوى رضي الله تعالى عنه» وتزعم الكيسانية وهم أصحاب كيسان مولى علي رضي الله تعالى عنه أن محمد ابن الحنفية مقيم برضوى حي يرزق وهو الإمام المنتظر عندهم.
أي وفي كلام بعضهم أن المنتظر هو محمد القاسم بن الحسن العسكري الذي
[ ٢ / ١٧٤ ]
تزعم الشيعة أنه المنتظر وهو صاحب السرداب، يزعمون أنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه فلم يخرج إليها، وكان عمره تسع سنين، وأنه يعمر إلى آخر الزمان كعيسى، وسيظهر فيملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا، واختفاؤه الآن خوفا من أعدائه. قال: وهو زعم باطل لا أصل له، ثم رجع ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا أي حربا وأصل الكيد الاحتيال والاجتهاد ومن ثم يسمى الحرب كيدا، والله أعلم.
غزوة العشيرة
أي وبها بدأ البخاري المغازي، ويدل له ما جاء عن زيد بن أسلم وقد قيل له:
ما أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ؟ فقال: ذات العشيرة. وأجيب عنه بأن المراد ما أول غزوة غزاها وأنت معه.
ثم غزا رسول الله ﷺ في شهر جمادى الأولى. وفي سيرة الدمياطي الآخرة من تلك السنة.
أي وفي الإمتاع في جمادى الآخرة: ويقال جمادى الأولى، يريد عيرا لقريش متوجهة للشام. يقال إن قريشا جمعت جميع أموالها في تلك العير لم يبق بمكة لا قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في تلك العير إلا حويطب بن عبد العزى، يقال إن في تلك العير خمسين ألف دينار أي وألف بعير. وكان فيها أبو سفيان، أي قائدها. وكان معه سبعة وعشرون وقيل تسعة وثلاثون رجلا منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت من الشام. وكان سببا لوقعة بدر الكبرى كما سيأتي. خرج في خمسين ومائة؛ ويقال في مائتين من المهاجرين خاصة حتى بلغ العشيرة بالمعجمة والتصغير آخره هاء، أي ولم يختلف فيه أهل المغازي كما قال الحافظ ابن حجر. وفي البخاري آخرها همزة، وفيه أيضا العسيرة بالسين المهملة آخره هاء أي بالتصغير. وأما التي بغير تصغير فهي غزوة تبوك كما سيأتي، والتي بالتصغير فقال أيضا لموضع ببطن الينبع: أي وهو منزل الحاج المصري، وهي لبني مدلج. واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل اللواء- وكان أبيض- عمه حمزة بن عبد المطلب، خرجوا على ثلاثين بعيرا يتعقبونها، فوجدوا العير قد مضت قبل ذلك بأيام، ورجع ولم يلق حربا. ووداع ﷺ فيها بني مدلج، قال في الأصل وحلفاءهم من بني ضمرة.
وذكر في المواهب هنا صورة الكتاب الذي كتبه ﷺ لبني ضمرة في غزوة ودّان الذي قدمناه ثم، فليتأمل ذلك؛ وكنى ﷺ فيها عليا بأبي تراب حين وجده نائما وهو وعمار بن ياسر وقد علق به التراب، فأيقظه ﵊ برجله وقال له «قم أبا تراب» لما يرى عليه من التراب: أي الذي سفته عليه الريح؛ ولما قام قال له ﷺ
[ ٢ / ١٧٥ ]
«ألا أخبرك بأشقى الناس أجمعين: عاقر الناقة والذي يضربك على هذا ووضع يده على قرن رأسه، فيخضب هذه ووضع يده على لحيته» وفي رواية «أشقى الأولين عاقر ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك» . وفي رواية «أنه ﷺ قال يوما لعليّ كرم الله وجهه من أشقى من الأولين؟ فقال عليّ: الذي عقر الناقة يا رسول الله قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال عليّ: لا علم لي يا رسول الله قال: الذي يضربك على هذه وأشار إلى يافوخه» وكان كما أخبر ﷺ، فهو من أعلام نبوته.
فإنه لما كان شهر رمضان سنة أربعين صار يفطر ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد في أكله على ثلاث لقم ويقول: أحب أن ألقى الله وأنا خميص، فما كانت الليلة التي ضرب صبيحتها أكثر الخروج والنظر إلى السماء، وجعل يقول: والله إنها الليلة التي وعدت، فلما كان وقت السحر وأذن المؤذن بالصلاة خرج إلى المسجد فأقبل الأوز الذي في داره يصحن في وجهه فمنعهن بعض نساء أهل بيته، فقال: دعوهن فإنهن نوائح، فلما دخل المسجد أقبل ينادي «الصلاة الصلاة» فشد عليه عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله من طائفة الخوارج، فضربه الضربة التي أخبر بها ﷺ، وعند ذلك شد عليه الناس من كل جانب فطرح عليه رجل قطيفة ثم طنبوه وأخذ السيف منه، وقالوا له: يا أمير المؤمنين خلّ بيننا وبين مراد، يعنون قبيلة الرجل الذي ضربه، فقال: لا، ولكن احبسوا الرجل، فإن أنا مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص. فحبس.
فلما مات رضي الله تعالى عنه غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، ومحمد ابن الحنفية يصب الماء، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه الحسن وكبر عليه سبعا، ودفن ليلا؛ قيل بدار الإمارة بالكوفة، وقيل بغير ذلك، وأخفي قبره لئلا تنبشه الخوارج. وقيل حملوه على بعير ليدفنوه مع رسول الله ﷺ، فبينا هم في مسيرهم ليلا إذ ندّ البعير الذي عليه فلم يدر أين ذهب.
ومن الناس من يزعم أنه انتقل إلى السماء، وأنه الآن في السحاب.
ولما أصيب كرم الله وجهه دعا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما فقال لهما: أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا، ولا تبكيا على شيء زوى منها عنكما، وقولا الحق فلا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى ولده محمد ابن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ فقال نعم، فقال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك، ولا ترينّ أمرا دونهما، ثم قال: أوصيكما به فإنه أخوكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله إلى أن قبض، فلما قبض أخرج الحسن رضي الله تعالى عنه ابن ملجم من الحبس وقتله.
[ ٢ / ١٧٦ ]
أقول: ذكر بعضهم عن المبرد قال ابن ملجم لعليّ كرم الله تعالى وجهه: إني اشتريت سيفي هذا بألف، وسممته بألف، وسألت الله تعالى أن يقتل به شر خلقه، فقال عليّ: قد أجاب الله دعوتك، يا حسن إذا أنا مت فاقتله بسيفه ففعل به الحسن ذلك ثم أحرقت جثته. وقد ذكر أنه قطعت أطرافه وجعل في قوصرة وأحرقوه بالنار.
وقد ذكر أن عليا قال يوما وهو مشير لابن ملجم: هذا والله قاتلي، فقيل له ألا نقتله؟ فقال: من يقتلني؟ وتبع الأصل في كون تكنية عليّ بأبي تراب في هذه الغزوة شيخه الدمياطي.
واعترضه في الهدى بأنه ﷺ إنما كناه بذلك بعد نكاحه فاطمة رضي الله تعالى عنها «فإنه ﷺ دخل عليها يوما وقال أين ابن عمك؟ قالت: خرج مغاضبا، فجاء إلى المسجد فوجده مضطجعا فيه وقد لصق به التراب، فجعل ينفضه عنه ويقول: اجلس أبا تراب» وقيل إنما كناه أبا تراب لأنه كان إذا غضب على فاطمة في شيء لم يكلمها ولم يقل لها شيئا تكرهه، إلا أنه يأخذ ترابا فيضعه على رأسه. وكان رسول الله ﷺ إذا رأى التراب على رأسه عرف أنه عاتب على فاطمة.
قال في النور: يجوز أن يكون ﷺ خاطبه بهذه الكنية مرتين، أي ويكون سبب الكنية علوق التراب به، وكونه يضعه على رأسه، والله أعلم.
غزوة سفوان ويقال لها غزوة بدر الأولى
وحين قدم ﷺ من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة إلا ليالي لم تبلغ العشرة حتى غزا وخرج خلف كرز بن جابر الفهري وقد أغار قبل أن يسلم على سرح المدينة:
أي النعم والمواشي التي تسرح للمرعى بالغداة. خرج في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان بالمهملة والفاء ساكنة، وقيل مفتوحة من ناحية بدر، أي ولذا قيل لها غزوة بدر الأولى، وفاته ﷺ كرز ولم يدركه. وكان قد استعمل على المدينة زيد بن حارثة، وحمل اللواء- وكان أبيض- علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد تبعت الأصل في تقديم غزوة العشيرة على غزوة سفوان لما تقدم، وهو عكس ما في سيرة الشامي الموافق لسيرة الدمياطي ولما في الإمتاع، والله أعلم.
باب تحويل القبلة
وحولت القبلة في شهر رجب من السنة المذكورة التي هي الثانية في نصفه، وقيل في نصف شعبان. قال بعضهم: وعليه الجمهور الأعظم، وقيل كان في جمادى الآخرة، أي فقد قيل «إنه ﷺ في المدينة إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وقيل
[ ٢ / ١٧٧ ]
سبعة عشر شهرا وقيل أربعة عشر شهرا، وقيل غير ذلك، وتقدم أنه ﷺ صلى في مسجده بعد تمامه إلى بيت المقدس خمسة أشهر» .
والأكثرون على أن تحويلها كان في صلاة الظهر، وقيل العصر، أي ففي الصحيحين عن البراء «إن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ أي للكعبة صلاة العصر» .
وقد يقال: لا منافاة لجواز أن يكون المراد أول صلاة صلاها كلها للكعبة صلاة العصر، لأن الظهر صلى نصفها الأول لبيت المقدس ونصفها الثاني للكعبة: ثم رأيت الحافظ ابن حجر فعل كذلك، حيث قال: التحقيق أن أول صلاة صلاها بالمسجد النبوي صلاة العصر، أو أن التحويل في العصر كان في محل آخر للأنصار أي وهم بنو حارثة. وقيل حولت في صلاة الصبح وهو محمول على أن ذلك كان في قباء، لأن الخبر لم يبلغهم إلا حينئذ كما سيأتي، وإنما حولت لأنه ﷺ كان يعجبه أن تكون قبلته الكعبة سيما لما بلغه أن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. أي وفي لفظ: قالوا للمسلمين: لو لم نكن على هدى ما صليتم لقبلتنا فاقتديتم بنا فيها.
وفي لفظ «كان يحب أن يستقبل الكعبة محبة لموافقة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وكراهة لموافقة اليهود، ولقول كفار قريش للمسلمين لم تقولون نحن على ملة إبراهيم وأنتم تتركون قبلته وتصلون إلى قبلة اليهود؟ أي ولأنه لما هاجر صار إذا استقبل صخرة بيت المقدس يستدبر الكعبة، فشق ذلك عليه ﷺ، فقال لجبريل: وددت أن الله ﷾ صرفني عن قبلة اليهود، فقال جبريل: إنما أنا عبد لا أملك لك شيئا إلا ما أمرت به، فادع الله تعالى، فكان رسول الله ﷺ يدعو الله تعالى، يكثر إذا صلى إلى بيت المقدس من النظر إلى السماء ينتظر أمر الله تعالى» أي لأن السماء قبلة الدعاء، وفي رواية، أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: وددت أنك سألت الله تعالى أن يصرفني إلى الكعبة، فقال جبريل: لست أستطيع أن أبتدىء الله جل وعز بالمسألة، ولكن إن سألني أخبرته، وخرج رسول الله ﷺ زائرا أمّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد هناك، فلما صلى ركعتين نزل جبريل فأشار إليه أن صلّ إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة، أي فاستدار النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء» أي فقد تحول من مقدم المسجد إلى مؤخره، لأن من استقبل الكعبة في المدينة يلزم أن يستدبر بيت المقدس أي كما أن من يستقبل بيت المقدس يستدبر الكعبة، وهو ﷺ لو دار كما هو مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف. قيل وكان ذلك وهم راكعون، وفيه أن هذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة وهو مفسد لها عندنا إذا توالى.
وقد يقال: لا مانع لجواز أن يكون ذلك قبل تحريم العمل الكثير في الصلاة،
[ ٢ / ١٧٨ ]
أو أن هذا العمل لم يكن على التوالي.
أقول: وبدخوله أي على أم بشر ﷺ وعلى الربيع بنت معوذ ابن عفراء، وعلى أم حرام بنت ملحان، وعلى أختها أم سليم، والخلوة بكل منهن، فقد كانت أم حرام بنت ملحان تفلي رأسه الشريفة وينام عندها، استدل أن من خصائصه ﷺ جواز النظر إلى الأجنبية والخلوة بها لأمنه الفتنة كما سيأتي، والله أعلم.
وسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، وقيل كانت تلك الصلاة التي هي صلاة الظهر التي وقع التحول فيها في مسجده ﷺ، فخرج عباد بن بشر وكان صلى مع رسول الله ﷺ ومرّ على قوم من الأنصار يصلون العصر وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل البيت يعني الكعبة ثم بلغ أهل قباء ذلك وهم في صلاة الصبح في اليوم الثاني أي وهم ركوع، وقد ركعوا ركعة فنادى مناد: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فتحولوا إليها.
أي وفي البخاري «بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا إلى الكعبة، وفي مسلم بدل صلاة الصبح صلاة الغداة. قال الحافظ ابن حجر: وهو أحد أسمائها.
وقد نقل بعضهم كراهة تسميتها بذلك، ولم ينقل أنهم أمروا بقضاء العصر والمغرب والعشاء، ولا إعادة الركعة التي صلوها من الصبح، وهو دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به وإن تقدم نزوله. وعلى أنه يجوز ترك الأمر المقطوع به، وهو استقبال بيت المقدس إلى أمر مظنون وهو خبر الواحد.
وأجيب عن هذا الثاني بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن أفادت القطع عندهم بصدق المخبر، فلم يتركوا الأمر المعلوم إلا لأمر معلوم أيضا. على أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، لأن محل النسخ الحكم، ودلالة المتواتر عليه ظنية كما تقرر في محله. ويقال إن المبلغ لهم عباد بن بشر أيضا فيكون عباد أتى بني حارثة أولا في صلاة العصر ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح، والقرآن الذي نزل قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: الآية ١٤٤] الآيات أي وإلى هذا يشير بعضهم بقوله:
كم للنبي المصطفى من آية غراء حار الفكر في معناها
لما رأى الباري تقلب وجهه ولاه أيمن قبلة يرضاها
وعن عمارة بن أوس الأنصاري، قال: صلينا إحدى صلاتي العشي أي وهما الظهر والعصر، فقام الرجل على باب المسجد ونحن في الصلاة، فنادى: إن الصلاة
[ ٢ / ١٧٩ ]
قد وجهت نحو الكعبة فتحول إمامنا نحو الكعبة وقوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [البقرة: الآية ١٤٤] أي متطلعا نحو الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة فَلَنُوَلِّيَنَّكَ [البقرة: الآية ١٤٤] أي نحو لنك قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة: الآية ١٤٤] أي تحبها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: الآية ١٤٤] أي نحوه، والمراد بالمسجد الحرام الكعبة وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ [البقرة:
الآية ١٤٤] أي الرجوع إلى الكعبة مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: الآية ٥] أي لما في كتبهم من نعته ﷺ بأنه يتحول إلى الكعبة.
أقول: ولعل هذه القصة التي رواها عمارة هي التي رويت عن رافع بن خديج، قال «أتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل، فقال إن رسول الله ﷺ قد أمر أن يتوجه إلى الكعبة فدار أمامنا إلى الكعبة ودرنا معه» والله أعلم.
«واجتمع قوم من كبار اليهود جاؤوا إليه ﷺ وقالوا له: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه أي وما كنت عليه قبلة إبراهيم» وهذا بناء على دعواهم أن بيت المقدس كان قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما سيأتي عنهم، وسيأتي ما فيه ثم قالوا ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك «وإنما يريدون بذلك فتنة ليعلم الناس أنه ﷺ في حيرة من أمره» أي واختبار لما يجدونه في نعته ﷺ من أنه يرجع عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة وأنه لا يرجع عن تلك القبلة، وفي رواية أنهم قالوا للمسلمين: ما صرفكم عن قبلة موسى ويعقوب وقبلة الأنبياء» أي ويوافقه قول الزهري «لم يبعث الله منذ هبط آدم ﵊ إلى الأرض نبيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس» ويوافق هذا ظاهر قول الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته:
وصليت نحو القبلتين تفردا وكل نبيّ ما له غير قبلة
قال شارحها: يشير إلى أن كل نبي كانت قبلته بيت المقدس، وهو ﷺ قد شاركهم فيها، أي واختص بالكعبة.
ومن ثم جاء في التوراة في وصفه ﷺ «صاحب القبلتين» وفيه أن قبلة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما هي الكعبة. فعن أبي العالية كانت الكعبة قبلة الأنبياء، وكان موسى يصلي إلى صخرة بيت المقدس، وهي بينه وبين الكعبة، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف، أي ويقال بمثل هذا فيما تقدم عن اليهود وعن الزهري، على تسليم صحته من أن صخرة بيت المقدس كانت قبلة لجميع الأنبياء أنهم كانوا يصلون إليها ويجعلونها بينهم وبين الكعبة، فلا مخالفة.
لا يقال: هذا ليس أولى من العكس، أي أن استقبال الأنبياء للكعبة إنما كانوا يجعلونها بينهم وبين صخرة بيت المقدس. لأنا نقول: قد ذكر في الأصل في تفسير
[ ٢ / ١٨٠ ]
قوله تعالى لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [البقرة: الآية ١٤٦- ١٤٧] أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء، أي المقصودة بالاستقبال، لا أنهم يستقبلونها لأجل صخرة بيت المقدس.
وذكر عن بعضهم أن اليهود لم تجد كون الصخرة قبلة في التوراة، وإنما كان تابوت السكينة على الصخرة، فلما غضب الله على بني إسرائيل رفعه فصلوا إلى الصخرة بمشاورة منهم، أي وادعوا أنها قبلة الأنبياء- وما تقدم عن الزهري تقدم الجواب عنه- ثم قالوا والله إن أنتم إلا قوم تفتنون، فأنزل الله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة: الآية ١٤٢] أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء لا اعتراض عليه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: الآية ١٤٢] أي فكان أوّل ما نسخ أمر القبلة.
فعن ابن عباس أول ما نسخ من القرآن فيما يذكر لنا والله أعلم شأن القبلة فاستقبل ﷺ بيت المقدس- أي بمكة والمدينة- ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة.
أي وأما قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: الآية ١١٥] فمحمول على النفل في السفر إذا صلى حيث توجه.
وما قيل إن سبب نزولها ما ذكره بعض الصحابة، قال «كنا في سفر ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت» ففيه نظر لضعف الحديث؛ أو هو محمول على ما إذا صلوا باجتهاد.
أي ولما توجه ﷺ إلى الكعبة، قال المشركون من أهل مكة توجه محمد بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أي يقرب أن يدخل في دينكم ومن ثم ارتد جماعة وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا.
«ولما حوّلت القبلة إلى الكعبة أتى رسول الله ﷺ مسجد قباء فقدم جدار المسجد موضعه الآن، وقالت الصحابة له: يا رسول الله لقد ذهب منا قوم قبل التحول، فهل يقبل منا ومنهم؟ فأنزل الله تعالى قوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: الآية ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس» . وذكر في الأصل «أن الصحابة قالوا:
مات قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا، أي وهم عشرون، ثمانية عشر من أهل مكة، واثنان من الأنصار وهما البراء بن معرور، وأسعد بن زرارة فلم ندر ما نقول فيهم؛ فأنزل الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: الآية ١٤٣] الآية» ولفظة القتل وقعت في البخاري.
وأنكرها الحافظ ابن حجر فقال: ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت
[ ٢ / ١٨١ ]
هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر، قتل في تلك المدة في غير الجهاد.
ثم قال: وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار، فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما كان بعد الإسراء، هذا كلام الحافظ وفيه أن الركعتين اللتين كان يصليهما وهو والمسلمون بالغداة وبالعشي قبل فرض الصلوات الخمس كانتا لبيت المقدس، فقد تقدم أنه كان يصلي هو وأصحابه إلى الكعبة ووجوههم إلى بيت المقدس، فكانوا يصلون بين الركنين اليماني والذي عليه الحجر الأسود لأجل استقبال بيت المقدس، وتقدم أنه ﷺ لم يلتزم ذلك بل كان في بعض الأوقات يصلي إلى الكعبة في أي جهة أراد.
ثم لما قدم المدينة صار يستقبل بيت المقدس ويستدبر الكعبة إلى وقت التحويل، ومن ثم قال في الأصل «ولما كان ﷺ يتحرى القبلتين جميعا أي يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس لم يتبين توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة» أي فإنه استدبر الكعبة واستقبل بيت المقدس.
فقول ابن عباس؛ لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، واليهود يستقبلون بيت المقدس، أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، معناه أمره الله تعالى أن يستمر على استقبال بيت المقدس، وهذا هو المراد بقوله الذي نقله بعضهم عنه، وهو أنه ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجروا أمره الله تعالى أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس، أي يستمر على ذلك ويستدبر الكعبة، ثم أمره الله باستقبال الكعبة واستدبار بيت المقدس؛ فلم يقع النسخ مرتين كما قد يفهم من ظاهر السياق ومن قول ابن جرير ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى صلاة ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه، ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة» هذا كلامه، ومن ثم قال الحافظ ابن حجر: هذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين. قيل وكان أمره بمداومة استقبال بيت المقدس ليتألف أهل الكتاب لأنه كان ابتداء الأمر يحب أن يتألف أهل الكتاب فيما لم ينه عنه، فلا يخالف ما سبق من أنه كان يحب أن يستقبل الكعبة كراهة لموافقة اليهود في استقبال بيت المقدس ولا يخالف هذا قول بعضهم، كان ﷺ قبل فتح مكة يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه، وبعد الفتح يحب مخالفتهم، لجواز أن يكون ذلك أغلب أحواله.
وقد يؤخذ من استدامة استقباله لبيت المقدس كان لتألف أهل الكتاب، جواب عما يقال إذا كانت الكعبة قبلة الأنبياء كلهم، فلم وفق إلى استقبال بيت المقدس وهو بمكة؟ بناء على أن صلاته لبيت المقدس وهو بمكة كانت باجتهاد.
وحاصل الجواب أنه أمر بذلك أو وفق إليه، لأنه سيصير إلى قوم قبلتهم بيت
[ ٢ / ١٨٢ ]
المقدس، ففيه تأليف لهم، وقد يوافقه ما في الأصل عن محمد بن كعب القرظي قال: ما خالف نبي نبيا قط في قبلة إلا أن رسول الله ﷺ استقبل بيت المقدس، أي فهو مخالف لغيره من الأنبياء في ذلك، وهذا موافق لما تقدم عن أبي العالية: كانت الكعبة قبلة الأنبياء: أي ثم في السنة المذكورة التي هي الثانية فرض صوم رمضان، وفرضت زكاة الفطر، وطلبت الأضحية، أي استحبابا.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه» فرض شهر رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان، أي على ما تقدم «وكان ﷺ يصوم هو وأصحابه قبل فرض رمضان ثلاثة أيام من كل شهر، أي وهي الأيام البيض وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر» قيل وجوبا.
فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «كان رسول الله ﷺ لا يفطر الأيام البيض في حضر ولا سفر، وكان يحث على صيامها» .
وقيل: كان الواجب عليه ﷺ قبل فرض رمضان صوم عاشوراء، ثم نسخ ذلك بوجوب رمضان.
وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم: ففي البخاري، ثم عن ابن عمر ﵄ «صام النبي ﷺ عاشوراء، فلما فرض رمضان ترك صوم عاشوراء، هذا والمشهور من مذهبنا معاشر الشافعية أنه لم يجب على هذه الأمة صوم قبل رمضان.
وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا دلالة فيه على الوجوب، لجواز أن يكون شأنه ﷺ صيام تلك الأيام على الوجه المذكور حتى بعد فرض رمضان.
وحديث البخاري أيضا لا دلالة فيه، لجواز أن يكون تركه لصوم يوم عاشوراء في بعض الأحايين، بعد فرض رمضان خشية اعتقاد وجوب صومه كرمضان.
ويجاب بمثل ذلك عما في الترمذي، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه موافقه لهم» أي ولم يأمر أحد من أصحابه بصيامه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه أي ترك ﷺ صومه خوفا من توهم أنه فرض كرمضان، وقولها رضي الله تعالى عنها فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه أي لأنه ﷺ حين قدم المدينة: أي في أيام قدومه للمدينة، وذلك في شهر ربيع الأول وجد اليهود تصومه وتعظمه، فسألهم عن ذلك، فقالوا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ «نحن أحق
[ ٢ / ١٨٣ ]
بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه» كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وفي كلام الحافظ ناصر الدين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رسول الله ﷺ قدم المدينة يوم عاشوراء، فإذا اليهود صيام، فقال رسول الله ﷺ ما هذا؟ قالوا: هذا يوم أغرق الله تعالى فيه فرعون وأنجى فيه موسى، فقال رسول الله ﷺ أنا أولى بموسى، فأمر رسول الله ﷺ بصومه» هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم.
والمدينة يحتمل أن المراد بها قباء، ويحتمل أن المراد بها باطنها، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلما فرض رمضان قال ﷺ أي لأصحابه، من شاء صامه ومن شاء تركه، أي قال ذلك لهم خشية اعتقادهم وجوب صومه كوجوب صوم رمضان.
وفي كونه ﷺ وجدهم صائمين لذلك اليوم إشكال، لأن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم كما تقدم، أو هو اليوم التاسع منه كما يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فكيف يكون في ربيع الأول.
وأجيب بأن السنة عند اليهود شمسية لا قمرية، فيوم عاشوراء الذي كان عاشر المحرم واتفق فيه غرق فرعون لا يتقيد بكونه عاشر المحرم، بل اتفق في ذلك الزمن: أي زمن قدومه ﷺ وجود ذلك اليوم بدليل سؤاله ﷺ، إذ لو كان ذلك اليوم يوم عاشوراء ما سأل.
ومما يدل على ذلك ما في المعجم الكبير للطبراني عن خارجة بن زيد، قال ليس يوم عاشوراء اليوم الذي تقوله الناس؟ إنما كان يوم تستر في الكعبة، وتلعب فيه الحبشة عند رسول الله ﷺ، وكان يدور في السنة، وكان الناس يأتون فلانا اليهودي فيسألونه، فلما مات اليهودي أتوا زيد بن ثابت فسألوه، فصام ﷺ ذلك اليوم وأمر بصيامه، حتى إنه أرسل في ذلك اليوم أسلم بن حارثة إلى قومه وهم أسلم وقال: مر قومك بصيام عاشوراء، فقال: أرأيت إن وجدتهم قد طعموا؟ قال: فليتموا أي يمسكوا تعظيما لذلك اليوم.
وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعض الصحابيات قالت «كان رسول الله ﷺ يعظم يوم عاشوراء ولقد سمعت رسول الله ﷺ يدعو يوم عاشوراء بالرضعاء فيتفل في أفواههم ويقول للأمهات لا ترضعنهن إلى الليل» .
والظاهر أن المراد بيوم عاشوراء هذا اليوم الذي هو عاشر المحرم الهلالي لا الشمسي، وكذا يقال في قوله وقيل سمي الخ فليتأمل.
وقيل: سمي يوم عاشوراء لأن عشرة من الأنبياء أكرمهم الله تعالى فيه بعشر
[ ٢ / ١٨٤ ]
كرامات تاب الله فيه على آدم واستوت فيه سفينة نوح على الجودي أي فصامه نوح ومن معه حتى الوحش شكر الله ورفع الله فيه إدريس، ونصر الله فيه موسى، ونجى فيه إبراهيم من النار وفيه أخرج يوسف من السجن، أي وفيه ولد، ورد فيه على والده يعقوب، وأخرج فيه يونس من بطن الحوت، أي وتاب الله على أهل مدينته، وتاب الله فيه على داود، وعوفي فيه أيوب.
وفي كلام الحافظ ابن ناصر الدين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال:
قال رسول الله ﷺ «إن الله ﷿ افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة» وهو يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، فصوموه ووسعوا على أهاليكم فيه فإنه من وسع على أهله من ماله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، فصوموه، وهو اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، وذكر ما تقدم وزاد عليه، «وأنه اليوم الذي أنزل الله فيه التوراة على موسى، وفيه فدى الله إسماعيل من الذبح، وهو اليوم الذي رد الله فيه على يعقوب بصره، وهو اليوم الذي رد الله فيه على سليمان ملكه، وهو اليوم الذي غفر الله فيه لمحمد ﷺ ذنبه ما تقدم وما تأخر، وأول يوم خلق من الدنيا يوم عاشوراء، وأول مطر نزل من السماء يوم عاشوراء، وأول رحمة نزلت من السماء يوم عاشوراء، فمن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله، وهو صوم الأنبياء، الحديث بطوله، ثم قال: هذا حديث حسن، ورجاله ثقات.
وذكر الحافظ المذكور عن بعضهم قال: كنت أفت للنمل خبزا في كل يوم، فلما كان يوم عاشوراء لم تأكل، وتقدم أن الصّرد أول طير صام عاشوراء.
وفي كلام بعضهم: ما قيل في يوم عاشوراء كانت توبة آدم إلى آخر ما تقدم من الأحاديث الموضوعة، وفي كلام بعض آخر: ما يفعل فيه من إظهار الزينة بالخضاب والاكتحال، ولبس الجديد، وطبخ الحبوب والأطعمة والاغتسال والتطيب من وضع الكذابين.
والحاصل أن الرافضة اتخذوا ذلك مأتما يندبون وينوحون ويحزنون فيه، والجهال اتخذوا ذلك موسما وكلاهما مخطىء مخالف للسنة، وأما التوسعة فيه على العيال، فحديثها وإن لم يكن صحيحا فهو حسن، خلافا لقول ابن تيمية إن التوسعة على العيال لم يرد فيها شيء عنه ﷺ وكان ﷺ يصوم عاشوراء كما تصومه اليهود، أي ويوم عاشوراء مختلف، لأنه عند اليهود من السنة الشمسية، وعند أهل الإسلام من السنة الهلالية.
وفي مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رسول الله ﷺ حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قال له بعض الصحابة يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود، فقال رسول الله ﷺ: إذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع قبله» أي مخالفة
[ ٢ / ١٨٥ ]
لليهود، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ وفي هذا الحديث إشكال، فإن سياقه يدل على أنه ﷺ ما صام يوم عاشوراء ولا أمر بصيامه، إلا في السنة التي توفي فيها وهو مخالف لما سبق.
ويجاب عن هذا الإشكال بأن المراد بقوله حين صام: أي حين واظب على صومه. واتفق أن قول بعض الصحابة ذلك كان في السنة التي توفي فيها، وهو ﷺ كان شأنه موافقة أهل الكتاب قبل فتح مكة ومخالفتهم بعده كما تقدم، وبعض متأخري فقهائنا ظن أن قوله ﷺ «إذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمن اليوم التاسع» من تتمة حديث «ولما قدم ﷺ المدينة وجد اليهود تصومه فصامه وأمر بصيامه» فاستشكل.
وأجاب، بأن المراد لما قدم من سفرة سافرها من المدينة بعد الهجرة. أي وكان قدومه من تلك السفرة في السنة التي توفي فيها، وقد علمت أنهما حديثان؛ وقد علمت معنى الحديث الذي تتمته إذا كان العام المقبل. وفي كون إغراق فرعون ونجاة موسى كان يوم قدومه ﷺ المدينة يلزم عليه أن ذلك اليوم انتقل من ذلك الشهر إلى اليوم العاشر من المحرم الذي هو الشهر الهلالي من السنة الثانية، واستمر كذلك كما هو ظاهر سياق الأحاديث أن الذي واظب على صيامه إنما هو ذلك اليوم، وكونه وافق اليهود على صوم ذلك اليوم، ثم خالفهم في السنة الثانية وما بعدها من أبعد البعيد.
ثم رأيت أبا الريحان البيروتي نازع في ذلك في كتابه «الآثار الباقية عن القرون الخالية» حيث قال: رواية أن الله أغرق فرعون ونجى موسى وقومه يوم قدومه ﷺ المدينة لامتحان يشهد عليها بالبطلان، وبين ذلك بما يطول. وحينئذ يكون من جملة ما يحكم عليها بالبطلان إقرارهم على ذلك؛ وكونه ﷺ صامه وأمر بصيامه وفرض الله ﷿ عليه ﷺ وعلى أمته صيام شهر رمضان أو الإطعام عن كل يوم مسكينا بقوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [البقرة: الآية ١٨٤] من الأصحاء المقيمين فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا [البقرة: الآية ١٨٤]: أي زاد على إطعام المسكين فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: الآية ١٨٤] أي من الفطر والإطعام، فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم عن كل يوم مدا.
ثم إن الله تعالى نسخ هذا التخيير بإيجاب صوم رمضان عينا بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ [البقرة: الآية ١٨٥] أي علمه فَلْيَصُمْهُ [البقرة: الآية ١٨٥] إلا في حق من لا يستطيع صومه لكبر أو لمرض لا يرجى زواله فيجزيه الإطعام ورخص فيه للمريض، أي إذا كان بحيث تحصل له مشقة تبيح التيمم، وللمسافر أي الذي يباح له قصر الصلاة وإن لم يحصل له مشقة بالكلية مع وجوب القضاء إذا زال المرض والسفر بقوله تعالى وَمَنْ
[ ٢ / ١٨٦ ]
كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: الآية ١٨٥] أي فأفطر فعليه صيام عدة ما أفطر من أيام أخر، وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا بعد الغروب أو يدخل وقت العشاء الآخرة، فإذا ناموا أو دخل وقت العشاء الآخرة امتنع عليهم ذلك إلى الليلة القابلة، ثم نسخ الله ذلك، وأحل الأكل والشرب وإتيان النساء إلى طلوع الفجر ولو بعد النوم ودخول وقت العشاء بقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: الآية ١٨٧] ثم قال تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة: الآية ١٨٧] ولما فهم بعض الصحابة أن المراد الخيط حقيقة حتى صار يجعل عند وسادته حبلا أبيض وحبلا أسود أنزل الله تعالى من الفجر إشارة إلى أن المراد بياض النهار وسواد الليل.
وذكر في التفسير في سبب نزول هذه الآية: «أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع أهله بعد ما صلى العشاء، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي، فجامعت أهلي، فقال النبي ﷺ: ما كنت جديرا بذلك يا عمر. فقام رجال فاعترفوا بمثله، فنزلت» وذكر له ﷺ أن بعض أصحابه سقط مغشيا عليه بسبب الصوم، فسأله ﷺ عن ذلك فأخبر أنه أهل حرث، وأنه جاء لينظر ما تعمله له زوجته ليتعشى به فغلبته عينه فنام فلم يستيقظ إلا بعد الغروب، فلم يتناول شيئا فأنزل الله تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة: الآية ١٨٧] الآية: وقوله تعالى كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: الآية ١٨٣] جاء في بعض الروايات، أن المراد بهم أهل الكتاب: أي اليهود والنصارى، جاء في بعضها أن المراد بهم النصارى خاصة، وجاء في بعض الروايات أن المراد بهم جميع الأمم السابقة:
فقد جاء «ما من أمة إلا وجب عليها صوم رمضان إلا أنهم أخطؤوه ولم يهتدوا له» وهذه الرواية تدل على أنه لم يصمه أحد من الأمم السابقة. فصومه من خصوصيات هذه الأمة.
وفي الأنساب لابن قتيبة «أول من صام رمضان نوح ﵊» هذا كلامه: وفي بعض الروايات ما يفيد أن النصارى صامته، واتفق أنه وقع في بعض السنين في شدة الحر فاقتضى رأيهم تأخيره بين الصيف والشتاء، وأن يزيدوا في مقابلة تأخيره عشرين يوما، وعلى هذا فصومه ليس من خصائص هذه الأمة، وقيل التشبيه إنما هو في مطلق الصوم لا في خصوص صوم رمضان، لأنه كان الواجب على جميع ما تقدم من الأمم صوم ثلاثة أيام من كل شهر، صام ذلك نوح فمن دونه حتى صامه النبي ﷺ كما تقدم؛ وتقدم أن تلك الأيام التي صامها ﷺ كانت البيض التي هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وتقدم أنه قيل: إن صوم ذلك كان واجبا عليه ﷺ وعلى أمته.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وقيل: كان الواجب عليه وعلى أصحابه قبل صوم رمضان عاشوراء، وتقدم رده، وكان فرض زكاة الفطر قبل العيد بيومين «وكان ﷺ يخطب قبل العيد بيومين يعلم الناس زكاة الفطر فيأمر باخراج تلك الزكاة قبل الخروج إلى صلاة العيد» أي بعد أن شرعت، لأن مشروعيتها تأخرت عن مشروعية صلاة عيد الأضحى، وكان فرض زكاة الفطر قبل فرض زكاة الأموال، وكان فرض زكاة الأموال في تلك السنة التي هي الثانية، ولم أقف على خصوص الشهر الذي وجبت فيه. قال بعضهم:
ولعل هذا محمل قول بعض المتأخرين المطلعين على الفقه والحديث، لم يتحرر لي وقت فرض الزكاة: أي زكاة المال، ولعله عنى ببعض المتأخرين الإمام سراج الدين البلقيني ﵀، لأن الإمام سراج الدين البلقيني سئل هل علمت السنة التي فرضت فيها زكاة المال؟ فأجاب بقوله: لم يتعرض الحفاظ ولا أصحاب السير للسنة التي فرض فيها زكاة المال، ووقع لي حديثان ظهر منهما تقريب ذلك ولم أسبق إليه.
ثم قال: فقد ظهر أن زكاة المال بعد زكاة الفطر؛ وقيل قدوم ضمام بن ثعلبة، وقدومه كان في السنة الخامسة هذا كلامه.
وقيل: فرضت زكاة الفطر قبل الهجرة، وعليه يحمل ظاهر ما في «سفر السعادة» كان ﷺ يرسل مناديا ينادي في الأسواق والمحلات والأزقة من مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة الحديث.
ورد بأنه لم يفرض قبل الهجرة بعد الإيمان إلا الصلوات الخمس، وكل الفروض فرضت بعد الهجرة. وفيه أنه فرض قيام الليل كما تقدم، وصلاة الركعتين بالغداة والركعتين بالعشي على ما تقدم. إلا أن يقال المراد الفروض الموجودة الآن المستمر فرضها وما تقدم عن «سفر السعادة» يجوز أن يكون ﷺ يرسل المنادي الذي ينادي في مكة بوجود زكاة الفطر وهو بالمدينة بعد وجوبها بالمدينة «وأمر ﷺ أن تخرج زكاة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من زبيب أو صاع من بر، فكان يصلي العيدين قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة» أي بل يقال: الصلاة جامعة، لكن في «سفر السعادة» «وكان ﷺ إذا بلغ المصلى شرع في الصلاة من وقته بلا أذان ولا إقامة ولا الصلاة جامعة» والسنة أن لا يكون شيء من هذا كله هذا كلامه «وكانت تحمل العنزة بين يديه، فإذا وصل المصلى نصبت تجاهه» وهي عصا قدر نصف الرمح في أسفلها زج من حديد «وكان تلك العنزة للزبير بن العوام قدم بها من أرض الحبشة، فأخذها منه ﷺ وكان يصلي إليها» أي أخذها منه بعد وقعة بدر. وقد قتل بها الزبير عبيدة بفتح العين المهملة وبضمها ابن سعيد بن العاص الذي كان يقال له أبو ذات الكرش. قال الزبير: لقيته لا يرى منه إلا عيناه، فقال لي أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه
[ ٢ / ١٨٨ ]
بالعنزة فطعنته في عينه فمات، وأردت إخراجها فوضعت رجلي عليه، ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفها. ولما قبض ﷺ أخذها الزبير، ثم طلبها أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه أخذها الزبير ثم سألها عمر رضي الله تعالى عنه فأعطاه إياه، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قتل دفعت إلى علي، ثم أخذها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل.
«وكان ﷺ إذا رجع من صلاة عيد الفطر وخطبته يقسم زكاة الفطر بين المساكين» ولعل المراد الزكاة المتعلقة به لأنه تقدم أنه ﷺ كان يأمر الناس بإخراجها قبل الصلاة. إلا أن يقال المراد بإخراجها جمعها له ﷺ ليفرقها.
«وإذا فرغ ﷺ من صلاة الأضحى وخطبته يؤتى له بكبشين وهو قائم في مصلاه فيذبح أحدهما بيده ويقول: هذا عن أمتي جميعا، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ» .
وعند الحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله ﷺ ذبح كبشا أقرن بالمصلى، أي بعد أن قال: بسم الله والله أكبر. وقال: اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» .
واستدل بذلك على أن من خصائصه ﷺ أن يضحي عن غيره بغير إذنه «ويذبح الآخر ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيأكل هو وأهله منهما، ويطعم المساكين، ولم يترك الأضحية قط» وهل كانت الأنبياء من بعد إبراهيم تضحي هم وأممهم أو هم خاصة؟ وكان في مسجده ﷺ يوم الجمعة قبل أن يوضع له المنبر يخطب ويسند ظهره إلى أسطوانة من جذوع النخل أو من الدوم وهو شجر المقل.
وعبارة بعضهم «كان يخطب الناس وهو مستند إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي، فلما كثر الناس أي وقالوا له ﷺ: لو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس وتسمعهم خطبتك، فقال: ابنوا لي منبرا فلما بني له المنبر عتبتين، أي ومحل الجلوس، فكان ثلاث درجات، وقام عليه في يوم جمعة أي وخطب» وفي لفظ «لما عدل إلى المنبر ليخطب عليه وجاوز ذلك الجذع سمع لتلك الأسطوانة حنين كحنين الواله بصوت هائل سمعه أهل المسجد حتى ارتج» أي اضطرب «المسجد، وكثر بكاء الناس لذلك، ولا زالت تحنّ حتى تصدعت وانشقت» أي وفي رواية «سمع له صوت كصوت العشار» أي النوق التي أتى لحملها عشرة أشهر. وقيل التي أخذ ولدها. وفي بعض الروايات «كحنين الناقة الحلوج» وهي التي انتزع ولدها منها. وفي رواية «جأر» بفتح الجيم وبعدها همزة مفتوحة: أي صوت، أو بالخاء المعجمة بلا همزة وهو بمعناه «كخوار الثور، فنزل ﷺ فالتزمها وحضنها» أي فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت فيسكت.
[ ٢ / ١٨٩ ]
أي وفي كلام بعضهم: وذكر الإسفراييني «أن النبي ﷺ دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض، فالتزمه فعاد إلى مكانه» وفي رواية «ووضع يده عليها، وقال لها اسكني واسكتي فسكتت» وفي رواية «أن هذا» أي الجذع «يبكي لما فقد من الذكر، والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا» أي يحن إلى يوم القيامة. زاد في رواية «حزنا على رسول الله ﷺ» وقوله لما فقد من الذكر هو واضح على الرواية الأولى. وأما على الثانية فالمراد لما يفقده من الذكر، وإلى حنين الجذع أشار الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:
وحن إليك الجذع حين تركته حنين الثكالى عند فقد الأحبة
وعن بعضهم قال: قال لي الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ، فقلت أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا ﷺ حنين الجذع، فهذا أكبر من ذاك. وفي رواية «لا تلوموه» أي الجذع «على حنينه فإن رسول الله ﷺ لم يفارق شيئا إلا وجد عليه» أي حزن. وفي رواية «أنه قال له: إن شئت أردك إلى الحائط» أي البستان الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك.
ثم أصغى له ﷺ يسمع ما يقول فقال بصوت سمعه من يليه: بل تغرسني في الجنة، فقال رسول الله ﷺ قد فعلت قد فعلت» وفي رواية «لما أصغى إليه رسول الله ﷺ فقال: اختار أن أغرسه في الجنة» أي وفي رواية «اختار دار البقاء على دار الفناء» ولا يخالف ما قبله، لأنه يجوز أن يكون السائل من غير من سمع جوابه وأمر به فدفن تحت المنبر، وقيل جعل في السقف وأخذه عنده أبيّ ﵁ بعد أن هدم المسجد وأزيل سقفه، فكان عنده إلى أن أكلته الأرضة وعاد رفاتا أي متكسرا من شدة اليبس.
أقول: في سيرة الحافظ الدمياطي قالوا «كان رسول الله ﷺ يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائما، فقال: إن القيام شق عليّ، فقال له تميم الداري ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، أي تصنعه النصارى في كنائسهم لأساقفتهم تسمى المرقاة يصعدون إليها عند تذكيرهم فتشاور رسول الله ﷺ مع المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذوه، فقال العباس بن عبد المطلب ﵄ إن لي غلاما يقال له كلاب أعلم الناس أي بالنجارة، فقال رسول الله ﷺ مره أن يعمله، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عمل منها درجتين ومقعدا، ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم، فجاء رسول الله ﷺ، وقام عليه» أي وقال «إن أتخذ منبرا فقد اتخذه أبي إبراهيم» أي ولعله ﷺ عنى به المقام الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت وهو الحجر، إلا إن ثبت أن إبراهيم كان له منبر يحدث عليه الناس.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي ﷺ وهو عند المنبر يقول «يأخذ الجبار بسمواته وأرضه بيده، ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ويميل يعني النبي ﷺ عن يمينه وشماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ» وفي رواية عنه «فقال المنبر هكذا وهكذا، فجاء وذهب ثلاث مرات» . وفي رواية عن عائشة رضي الله تعالى عنها «فرجف برسول الله ﷺ منبره حتى قلن ليحزن، وقال: منبري هذا على ترعة» بضم المثناة فوق وإسكان الراء وبالعين المهملة «من ترع الجنة، أي أفواه جداول الجنة، وقوائم منبري رواتب أي ثوابت في الجنة» وقال ﷺ «منبري على حوضي» وقال «إن حوضي كما بين عدن إلى عمان، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، أباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأكثر الناس ورودا عليه يوم القيامة فقراء المهاجرين. قلنا: من هم يا رسول الله؟ قال: الشعثة، رؤوسهم، الدنسة ثيابهم، الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم السدد، أي الأبواب الذين يعطون الذي عليهم ولا يأخذون الذي لهم» وقال ﷺ «ما بين قبري ومنبري» . وفي رواية بدل قبري «بيتي» وفي لفظ «حجرتي» والمراد قبره الشريف، فإنه في حجرته، وحجرته هي بيته ﷺ «روضة من رياض الجنة» أي يكون بعينه في الجنة بقعة من بقاعها أي ينقلها الله تعالى فتكون في الجنة بعينها.
وقيل إن الصلاة والدعاء فيها يستحق بذلك من الثواب ما يكون موجبا لدخول الجنة، كما قيل بذلك في قوله ﷺ «الجنة تحت ظلال السيوف» مع أن تلك السيوف كانت بأرض الكفر. وقيل إنها لبركتها أضيفت إلى الجنة كما قيل في الضأن إنها من دواب الجنة.
وقال ابن حزم: ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة. وقال ﷺ «من حلف على منبري كاذبا ولو على سواك أراك فليتبوأ مقعده من النار» وفي رواية «إلا وجبت له النار» .
أقول: وجاء «أنه ﷺ كان على المنبر يعتمد على عصا من شوحط» وفي الهدى: لم يعتمد ﷺ في خطبته على سيف أبدا، وقبل أن يتخذ له المنبر كان يعتمد على قوس أو عصا، أي وقيل كان يعتمد على قوس إن خطب في الحرب وعلى عصا إن خطب في غيره.
واختلف فيها؛ يعني تلك العصا، هل هي العنزة التي كان يصلي إليها أو غيرها، وما يظنه بعض الناس من أنه كان يعتمد على سيف، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله هذا كلامه. وفيه أن بعض فقهائنا ذكر أن اعتماده
[ ٢ / ١٩١ ]
في خطبته كان على سيف روي ولم يثبت.
وذكر فقهاؤنا تلك الحكمة حيث قالوا: وحكمة اعتماده على العصا أو القوس أو السيف الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح، وقول صاحب الهدى: وكان قبل أن يتخذ المنبر يعتمد على قوس أو عصا، يقتضي أن بعد اتخاذ المنبر لم يعتمد على شيء من ذلك، أي وصرح به صاحب القاموس في «سفر السعادة» حيث قال: لم يكن يأخذ السيف والحربة بيده، بل كان يعتمد على القوس أو العصا، وذا قبل اتخاذ المنبر؛ وأما بعد اتخاذ المنبر فلم يحفظ أنه اعتمد على العصا، ولا على القوس، ولا على غير ذلك هذا كلامه؛ فيكون الاعتماد على ذلك فوق المنبر بدعة، وهو خلاف ما عليه أئمتنا من أنه يسن أن يشغل يمناه بحرف المنبر ويسراه بما يعتمد عليه من نحو العصا، لكن قالوا: كعادة من يريد الضرب بالسيف والرمي بالقوس، وهو لا يأتي في العصا ولا يأتي في السيف إذا كان في غمده.
ووجود المرقى الذي يقرأ الآية والخبر المشهور بدعة، لأنه حدث بعد الصدر الأول ولم أقف على أول زمان فعل فيه ذلك، لكن ذكر بعضهم أنه ﷺ في حجة الوداع أمر من يستنصت له الناس عند إرادة خطبته، وعليه إن كان استنصتهم بالحديث فذكر المرقى للخبر ليس من البدعة. إلا أن يقال هو بالنسبة لخطبة الجمعة بدعة، لأنه ﷺ كان يذكر الحديث على المنبر، فالسنة أن يذكره الخطيب كذلك.
ففي «سفر السعادة»: وكان ﷺ في أثناء الخطبة يأمر الناس بالإنصات ويقول «إن الرجل إذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له» وكان ﷺ يقول «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول أنصت ليس له جمعة» .
وقول الحافظ الدمياطي: كان ﷺ يخطب على جذع قائما، وأنه قال: إن القيام شق عليّ، يقتضي أن حنين الجذع كان عند قيامه على ذلك المنبر من الخشب، وأنه لم يتخذ قبل ذلك المنبر من الطين الذي قدمناه، وفيه نظر. وكذا في قوله: وقال له تميم الداري إلى آخره، لأن تميما الداري إنما أسلم في السنة التاسعة، وهذا المنبر الذي من الخشب إنما فعل في السابعة أو الثامنة، وعلى هذا اقتصر الأصل حيث قال في الحوادث.
وفيها: أي السنة الثامنة اتخاذ المنبر والخطبة عليه، وحنين الجذع، وهو أول منبر عمل في الإسلام، وهو في ذلك موافق لما قدمه هو: أي الأصل من اتخاذ المنبر له من الطين قبل ذلك، وأنه كان عنده حنين الجذع.
وعلى كون المنبر عمل في الثامنة، لا يشكل كون العباس رضي الله تعالى عنه
[ ٢ / ١٩٢ ]
أمر غلامه بعمله، لأن العباس ﵁ قدم المدينة في السنة الثامنة، لكن في بعض الروايات «أنه ﷺ دعا رجلا فقال: أتصنع لي المنبر؟ قال نعم، قال: ما اسمك؟ قال فلان، قال لست بصاحبه، ثم دعا آخر فقال له مثل ذلك، ثم دعا الثالث فقال له: ما اسمك؟ قال إبراهيم، قال خذ في صنعته فصنعه» وفي رواية «عمله رجل رومي اسمه باقوم، غلام سعيد بن العاص» أي ولعله هو الذي تقدم ذكره عند بناء قريش للكعبة.
وفي رواية «أنه ﷺ أرسل إلى امرأة فقال لها: مري غلامك يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها، فعمل له ﷺ درجات من طرفاء الغابة» ويجوز أن يكون غلام العباس رضي الله تعالى عنه انتقل إلى ملك تلك المرأة، وأنه كان غلاما لسعيد بن العاص، وأنه اشترك في عمله مع إبراهيم المتقدم ذكره فنسب لكل منهما.
فعلم من كلام الأصل في غير الحوادث، أنه كان ﷺ يخطب أولا على الجذع، ثم على المنبر من الطين، وأن حنين الجذع كان عند قيامه ﷺ على ذلك المنبر من الطين، وهو مخالف لكلامه في الحوادث، أن حنين الجذع كان عند اتخاذه ﷺ المنبر من الخشب، وأنه أول منبر عمل في الإسلام. إلا أن يقال أول منبر عمل في الإسلام من خشب، ويكون ذكر حنين الجذع عند القيام عليه من تصرف بعض الرواة، لأن حنين الجذع لم يتكرر حتى يقال جاز أن يكون كان عند قيامه ﷺ على المنبر من الطين، ثم عند قيامه على المنبر من الخشب.
ثم رأيته في النور رجع كلام الأصل في غير الحوادث إلى كلام الأصل في الحوادث من أنه ﷺ لم يكن له منبر من طين حيث قال: قوله أي الأصل فبنوا له منبرا، وهذا الكلام فيه تجوّز، يعني اتخذوا له منبرا، وذلك لأن المنبر كان من طرفاء الغابة وهو شجر معروف هذا كلامه، وليته عكس، لأن هذا منه يقتضي حينئذ أن يكون ﷺ استمر من حين خطب في المسجد إلى السنة الثامنة يخطب إلى الجذع، لأن المنبر من الخشب اتخذ في السنة الثامنة كما تقدم عن الأصل.
ويشكل عليه قول عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك: فثار الحيان، الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر» لأن قصة الإفك كانت في سنة خمس.
ثم رأيت في كتاب الشريعة للآجري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه «كان ﷺ يخطب مسندا ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا فبنوا له عتبتين» أي غير المستراح «فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة» الحديث.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه «لما كثر الناس وصار يجيء القوم ولا يكادون يسمعون رسول الله ﷺ في الخطبة، قال الناس: يا رسول الله، قد كثر الناس وكثير منهم لا يكاد يسمع كلامك، فلو أنك اتخذت شيئا تخطب عليه مرتفعا من الأرض ويسمع الناس كلامك،؛ فأرسل ﷺ إلى غلام نجار لامرأة من الأنصار فاتخذ له مرقاتين من طرفاء الغابة، فلما قام حنت الخشبة التي كان يخطب إليها» هذا كلامه، وهو موافق لما تقدم عن الأصل في الحوادث.
والذي ينبغي الجمع بين الروايتين لأن ما علم من أن اتخاذ المنبر من طرفاء الغابة كان بعد اتخاذه من الطين، لأنه أقوى من الارتفاع من منبر الطين، وكون حنين الجذع عند اتخاذ المنبر من الطرفاء من تصرف بعض الرواة، لأن حنينه إنما كان عند اتخاذ المنبر من الطين، ولم يتكرر حنينه كما تقدم.
ولما ولي معاوية الخلافة كسا ذلك المنبر قبطية، ثم كتب إلى عامله بالمدينة وهو مروان بن الحكم أن يرفع ذلك المنبر عن الأرض، فدعا بالنجارين وفعل ست درج، ورفع ذلك المنبر عليها فصارت تسع درجات. وهذا يدل على أن قوله فاتخذ له مرقاتين أي غير المستراح، ومن ثم تقدم «فعمل له درجات» .
وقيل أمره بحمله إلى الشام، فلما أرادوا قلعه أظلمت المدينة وكسفت الشمس حتى بدت النجوم، وثارت ريح شديدة، فخرج مروان إلى الناس فخطبهم، وقال: يا أهل المدينة إنكم تزعمون أن أمير المؤمنين بعث إليّ أن أبعث إليه بمنبر رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين أعلم بالله من أن يغير منبر رسول الله ﷺ، إنما أمرني أن أكرمه وأرفعه ففعل ما تقدم.
وقيل: إن معاوية لما حج أراد أن ينقل المنبر إلى الشام، فحصل ما تقدم من كسوف الشمس الخ، فاعتذر معاوية للناس وقال: أردت أن أنظر إلى ما تحته وخشيت عليه من الأرضة، وكساه يومئذ قبطية.
ولا مانع من تعدد الواقعة، وأن واقعة معاوية سابقة على واقعة مروان، لقوله:
لأنظر ما تحته، وإلا فمروان رفعه عن الأرض.
ثم إن هذا المنبر أحرق بسبب الحريق الواقع في المسجد أول مرة، فأرسل صاحب اليمن منبرا فوضع موضعه مكث عشر سنين.
وفي الإمتاع: ثم تهافت المنبر النبوي على طول الزمان، فعمل بعض خلفاء بني العباس منبرا واتخذ من أعواد المنبر النبوي أمشاطا يتبرك بها، فاحترق هذا المنبر المجدد في حريق المسجد، فبعث المظفر ملك اليمن منبرا هذا كلامه. ثم أرسل الملك الظاهر بيبرس من مصر منبرا، فرفع منبر صاحب اليمن ووضع منبر الملك
[ ٢ / ١٩٤ ]
الظاهر، فمكث مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة، فبدأ فيه أكل الأرضة، فأرسل الظاهر برقوق منبرا، فرفع منبر الملك الظاهر بيبرس ووضع منبر الملك الظاهر برقوق، ومكث ثلاثا أو أربعا وعشرين سنة.
ثم إن السلطان المؤيد شيخ لما بنى مدرسته بالقاهرة التي يقال لها المؤيدية عمل أهل الشام له منبرا وأرسلوا به إليه ليجعله في مدرسته، فوجد أهل مصر قد صنعوا لها منبرا فسير المؤيد منبر أهل الشام إلى المدينة فمكث سبعا وستين سنة. ثم أحرق في الحريق الواقع في المسجد ثاني مرة، ثم جعل موضعه منبر مبني بالآجر مطلي بالنورة، فمكث إحدى وعشرين سنة ثم جعل موضعه المنبر الرخام الموجود الآن.
قيل: وأعجب منبر في الدنيا منبر جامع قرطبة قاعدة بلاد الأندلس بالمغرب.
ذكر أن خشبه من ساج وأبنوس وعود قاقلى، أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه سبع صناع، لكل صانع في كل يوم نصف مثقال ذهب، فكان جملة ما صرف على أجرته عشرة آلاف مثقال وخمسين مثقالا، وبالجامع المذكور مصحف فيه أربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بخط يده، وفيه نقط من دمه. وفي هذا المسجد ثلاثة أعمدة حمر، مكتوب على أحدها اسم محمد ﷺ. وعلى الثاني صفة عيسى وموسى عليهما الصلاة والسلام، وأهل الكهف.
وعلى الثالث صورة غراب نوح، الجميع خلقة ربانية ولا بدع.
فقد ذكر بعضهم رأيت بحمام القاهرة رخامة عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم مفسرا يقرؤه كل أحد خلقة.
وعن سهل قال «رأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس على المنبر أي من الخشب كبّر، فكبر الناس خلفه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رجع فنزل القهقرى، ثم سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى إذا فرغ من الصلاة يصنع فيها كما يصنع في الركعة الأولى. فلما فرغ أقبل على الناس وقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» وقوله لتأتموا بي: أي تقتدوا بي في مثل هذا الفعل من الإحرام والركوع على المحل المرتفع ثم النزول عنه والسجود تحته ثم الصعود إليه، وهكذا إلى أن تتم الصلاة، وهذا عند أئمتنا مخصوص جوازه بما إذا لم يلزم عليه استدبار القبلة أو توالي حركات ثلاث، وقوله: «ولتعلموا صلاتي» هو واضح، لو كان ذلك أول صلاة. إلا أن يقال المراد ولتعلموا جواز صلاتي هذه.
وفي كلام فقهائنا أنه ﷺ كان ينزل من المنبر، ويسجد للتلاوة أسفل المنبر، وآخر الأمرين ترك ذلك. فعلم أن منبره ﷺ كان ثلاث درجات بالمستراح. وحينئذ يشكل إن صح، ما روي أن أبا بكر نزل درجة عن موقفه ﷺ، وعمر نزل درجة
[ ٢ / ١٩٥ ]
أخرى، وعثمان درجة أخرى. ومن ثم قال في النور: وهذا يدل على أنه كان أكثر من ثلاث درجات. أي أربعة غير المستراح، وإلا يلزم أن يكون عمر وعثمان كانا يخطبان على الأرض.
قال: ويمكن تأويله، هذا كلامه، ولينظر ما تأويله، فإنه يلزم على كونه درجتين غير المستراح، أن يكون الصدّيق كان يخطب على الدرجة الثانية، وعمر يخطب على الأرض، وأن عثمان فعل كفعل عمر. وحينئذ لا يحسن قولهم وعثمان نزل درجة أخرى، إذ لا درجة بعد الدرجة الثانية ينزل عنها. وحينئذ يشكل ما في الإمتاع وهو: كان منبره ﷺ درجتين ومجلسا، وكان رسول الله ﷺ يجلس على المجلس ويضع رجليه إذا قعد على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر رضي الله تعالى عنه قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة السفلى، فلما ولي عمر رضي الله تعالى عنه، قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان رضي الله تعالى عنه فعل كذلك: أي كفعل عمر ست سنين من خلافته ثم علا إلى موضع وقوفه ﷺ، هذا كلامه، وكان ينبغي أن يقول: بدل قوله، فلما ولي أبو بكر قام على الدرجة الثانية جلس على الدرجة الثانية، وكذا قوله: فلما ولي عمر قام على الدرجة السفلى جلس على الدرجة السفلى، أي فقد خطب على الأرض وكذا عثمان.
وذكر فقهاؤنا أن منبره ﷺ كان ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح وتسمى بالمقعد والمجلس، فكان ﷺ يقف على الثالثة: أي بالنسبة للسفلى، وإذا جلس يجلس على المستراح ويجعل رجليه محل وقوفه إذا قام للخطبة، وكذا الخلفاء الثلاثة كل يجعل رجليه محل وقوفه.
ويذكر أن المتوكل قال يوما لجلسائه وفيهم عبادة: أتدرون ما الذي نقم على عثمان؟ نقم عليه أشياء، منها أنه قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه دون مقام رسول الله ﷺ بمرقاة، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه دونه بمرقاة، فصعد عثمان رضي الله تعالى عنه ذروة المنبر، فقال له عبادة: ما أحد أعظم منه عليك يا أمير المؤمنين من عثمان، قال: وكيف ذاك. قال: لأنه صعد ذروة المنبر وإنه لو كان كلما قام خليفة نزل عمن تقدمه كنت أنت تخطبنا في بئر عميق، فضحك المتوكل ومن حوله، وكون عثمان صعد ذروة المنبر إنما هو آخر الأمر كما علمت.
وفي كلام بعضهم: أول من اتخذ المنبر خمس عشرة درجة معاوية رضي الله تعالى عنه، وأنه أول من اتخذ الخصيان في الإسلام، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وعثمان أول من كسا المنبر قبطية.
وعن الواقدي أن امرأة سرقت كسوة عثمان للمنبر فأتى بها إليه، فقال لها
[ ٢ / ١٩٦ ]
عثمان: هل سرقت؟ قولي لا، فاعترفت، فقطعها، ثم كساه معاوية كما تقدم، ثم كساه عبد الله بن الزبير، فسرقتها امرأة فقطعها كما قطع عثمان، ثم كساه الخلفاء من بعده.
باب غزوة بدر الكبرى
ويقال لها بدر العظمى، ويقال لها بدر القتال، ويقال بدر الفرقان: أي لأن الله تعالى فرق فيها بين الحق والباطل.
«ثم إن العير التي خرج ﷺ في طلبها حتى بلغ العشيرة ووجدها سبقته بأيام لم يزل مترقبا قفولها: أي رجوعها من الشأم، فلما سمع بقفولها من الشام ندب المسلمين» أي دعاهم وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب ناس»، أي أجابوا «وثقل آخرون أي لم يجيبوا لظنهم أن رسول الله ﷺ لم يلق حربا، ولم يحتفل لها رسول الله ﷺ» أي لم يهتم بها، بل قال «من كان ظهره»: أي ما يركبه «حاضرا فليركب معنا» ولم ينتظر من كان ظهره غائبا عنه» .
ولما خرج ﷺ إلى بدر قالت له أمّ ورقة بنت نوفل: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرّض مرضاكم، لعل الله يرزقني الشهادة، فقال لها: قري في بيتك، فإن الله يرزقك الشهادة، وكانت قد قرأت القرآن، فكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة» فكان الناس يقولون لها الشهيدة. فلما كان زمن خلافة سيدنا عمر عدا عليها غلام وجارية كانت دبرتهما فغمياها بقطيفة إلى أن ماتت، فجيء بهما إلى سيدنا عمر، فأمر بصلبهما، فكانا أوّل مصلوب بالمدينة، وقال: صدق رسول الله ﷺ كان يقول «انطلقوا بنا نزور الشهيدة» .
فكان أبو سفيان حين دنا بالعير من أرض الحجاز يتجسس الأخبار: أي يبحث عنها ويسأل من لقي من الركبان تخوفا من رسول الله ﷺ، فبلغه أن رسول الله ﷺ قد استنفر أصحابه للعير، أي ويقال: إنه لقي رجلا فأخبره أنه ﷺ قد كان عرض لغيره في بدايته وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير فخاف خوفا شديدا، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري: أي استأجره بعشيرين مثقالا، ولا يعرف له إسلام، والذي من الصحابة ضمضم بن عمر الخزاعي ليأتي مكة، أي وأن يجدع بعيره وأن يحول رحله ويشق قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة، ويستنفر قريشا، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم هو وأصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وقبل أن يقدم بثلاث ليال رأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، اختلف في إسلامها رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا
[ ٢ / ١٩٧ ]
أخي. والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني: أي اشتدت علي وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدّثك.
قال: وفي رواية أنها قالت له: لن أحدثك حتى تعاهدني أن لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها- تعني كفار قريش- آذونا وأسمعونا ما لا نحب، فعاهدها العباس اهـ.
فقال لها: ما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح: أي وهو ما بين المحصب ومكة، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا فانفروا يا آل غدر: أي يا أصحاب الغدر وعدم الوفاء إلى مصارعكم في ثلاث: أي بعد ثلاثة أيام.
وفي كلام السهيلي: يا آل غدر بضم الغين والدال جمع غدور، أي إن تخلفتم فأنتم غدر لقومكم، قالت: فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره: أي انتصب به على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت: أي تكسرت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلها منه فلقة، فقال لها العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، أي وكان صديقا له ذكرها له أي واستكتمه، فذكرها الوليد لابنه عتبة، فتحدث بها ففشا الحديث. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش فعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال أبو جهل لعنه الله: يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: ذاك الرؤيا التي رأت عاتكة! فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تستنبىء رجالكم حتى تستنبىء نساؤكم.
وفي رواية: ما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء اهـ. قال أبو جهل: قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه، الثلاث، فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فو الله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا. وفي رواية أن العباس قال لأبي جهل هل أنت منته يا مصفر استه: أي يا مأبون، أو يا جبان، أو الذي يغير لون البرص الذي بمقعدته بالزعفران، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك.
فقال من حضرهما: ما كنت يا أبا الفضل جهولا ولا خرقا، ولقي العباس رضي الله تعالى عنه من أخته عاتكة أذى شديدا حين أفشى من حديثها، قال العباس: فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني أقررتم؟ أي قائلة، أقررتم لهذا
[ ٢ / ١٩٨ ]
الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟.
ثم قلت لهنّ: وأيم الله لأتعرضن له، وإن عاد قاتلته، وغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود إلى بعض ما قاله فأوقع به، إذ هو قد خرج نحو باب المسجد يشتد: أي يعدو، فقلت في نفسي ما له لعنه الله؟
أكل هذا فرق؟ أي خوف مني، فإذا هو يسمع ما لم أسمع، سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره، أي قطع أنفه وأذناه، وحول رحله وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة: أي أدركو اللطيمة، وهي العير التي تحمل الطيب والبز، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها. وفي لفظ: إن أصابها محمد لم تفلحوا أبدا، الغوث الغوث. قال العباس: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا، أي وفزعوا أشد الفزع؛ وأشفقوا: أي خافوا من رؤيا عاتكة.
ويروى أنهم قالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، والله ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إما خارج، وإما باعث مكانه رجلا، أي وأعان قويهم ضعيفهم؛ وقام أشراف قريش يحضون الناس على الخروج، وقال سهيل بن عمرو: يا آل غالب أتاركون أنتم محمدا والصباة من أهل يثرب يأخذون أموالكم؟ من أراد مالا فهذا مالي، ومن أراد قوتا فهذا قوتي ولم يتخلف من أشراف قريش إلا أبو لهب، أي خوفا من رؤيا عاتكة، فإنه كان يقول رؤيا عاتكة كأخذ بيد، أي صادقة لا تتخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة: أي استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه دينا أفلس بها أي قال له اخرج وديني لك، أي ويقال إن ذلك الدين كان ربا. ومن ثم جاء في لفظ: وكان لاطه بأربعة آلاف درهم، قال أبو عبيد:
وسمي الربا لياطا لأنه ملصق بالبيع وليس ببيع.
وفي كلام البلاذري، أنه قامر أبا لهب على أن يطيعه فيما أراد، فقمره أبو لهب فأسلمه إلى ضيق، أي ضيق عليه بالطلب، ثم قامره فقمره أبو لهب أيضا، فأرسله مكانه إلى بدر وهشام هذا قتله عمر بن الخطاب في هذه الغزوة، حتى أن أمية بن خلف أراد القعود وكان شيخا جسيما ثقيلا، فجاء إليه وهو جالس مع قومه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها مجمر: أي بخور يحملها حتى وضعها بين يديه. ثم قال: يا أبا عليّ استجمر فإنما أنت من النساء، فقال له: قبحك الله وقبح ما جئت به، أي وكان عقبة كما في فتح الباري سفيها. وكان أبو جهل سلط عقبة على ذلك. وفي
[ ٢ / ١٩٩ ]
لفظ أتاه أبو جهل، فقال له: يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي، وفي لفظ: وأنت من أشراف الوادي تخلفوا معك، فسر يوما أو يومين، أي ولا مانع من وجود ذلك كله، فتجهز مع الناس.
أي وسبب تخلفه أن سعد بن معاذ قدم مكة معتمرا فنزل عليه لأن أمية كان ينزل على سعد بالمدينة إذا ذهب إلى الشام في تجارته. فقال سعد لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفلت الناس انطلقت فطفت. وفي لفظ: فخرج أمية به قريبا من نصف النهار، فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف؟ فقال له سعد: أنا سعد بن معاذ. فقال له أبو جهل: أتطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه؟
وفي لفظ: آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فتلاحيا: أي تخاصم، وسعد يرفع صوته بقوله: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة؟ فصار أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي وجعل يسكت سعدا. فقال سعد لأمية: إليك عني، فإني سمعت محمدا ﷺ يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال نعم، قال: بمكة؟ قال: لا أدري، قال: والله ما كذب محمد، فكاد يحدث أي يبول في ثيابه فزعا، فرجع إلى امرأته، فقال: ما تعلمين ما قال أخي اليثربي- يعني سعد بن معاذ؟ قالت: وما ذاك؟ قال زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد. قال: فلما جاء الصريخ وأراد الخروج، قالت له امرأته: أما علمت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فإني إذن لا أخرج، فلما صمم على عدم الخروج بل أقسم بالله لا يخرج من مكة قيل له ما تقدم، فخرج ناويا أن يرجع عنهم.
أي ومعنى كونه ﷺ قاتله، أنه كان سببا في قتله، وإلا فهو ﷺ لم يباشر إلا قتل أخيه. وهو أبيّ بن خلف في أحد كما سيأتي. ومن ثم جاء في رواية قال لأمية:
إن أصحابه يعني النبي ﷺ يقتلونك.
ويحتمل أن سعد بن معاذ ﵁ سمعه ﷺ يقول «أنا أقتل أبيّ بن خلف» ففهم سعد ﵁ أنه ﷺ يريد أمية لا أبيا.
أي وفي الإمتاع: أن أمية بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام استقسموا بالأزلام، فخرج لهم القدح الناهي: أي المكتوب عليه لا تفعل، فأجمعوا على المقام، فجاءهم أبو جهل لعنه الله وأزعجهم، وأعانه على ذلك عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث.
ويقال إن عداسا قال لسيديه عتبة وشيبة ابني ربيعة بأي وأمي أنتما، والله ما
[ ٢ / ٢٠٠ ]
تساقان إلا لمصارعكما، فأراد عدم الخروج، فلم يزل بهما أبو جهل حتى خرجا عازمين على العود عن الجيش.
ولما فرغوا من جهازهم، أي وكان ذلك في ثلاثة أيام، وقيل في يومين وأجمعوا السير: أي عزموا عليه وكانوا خمسين وتسعمائة. وقيل كانوا ألفا وقادوا مائة فرس أي عليها مائة درع سوى دروع المشاة. قال ابن إسحاق: وخرجوا على الصعب والذلول: أي لشدة إسراعهم، والصعب: الذي لا ينقاد، والذلول: الذي ينقاد، معهم القيان: أي بفتح القاف وتخفيف المثناة تحت وفي آخره نون جمع قينة:
وهي الأمة مطلقا. وقيل المغنية؛ والمراد هنا الثاني، لقوله في الإمتاع: ومعهم القينات يضربن بالدفوف يغنين: أي بهجاء المسلمين.
وسيأتي في أحد خروج جماعة من نساء قريش معهن الدفوف، وعند خروجهم ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب أي والدماء، وقالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا: أي لأن قريشا كانت قتلت شخصا من كنانة، وأن شخصا من قريش كان شابا وضيئا له ذؤابة وعليه حلة خرج في طلب ضالة له، فمر ببني كنانة وفيهم سيدهم وهو عامر بن الخلوج فرآه فأعجبه، فقال له: من أنت يا غلام؟ فذكر أنه من قريش، فلما ولّى الغلام. قال عامر لقومه: أما لكم في قريش من دم؟ قالوا بلى، فأغراهم به فقتلوه، ثم قال بنو كنانة لقريش رجل برجل: فقالت قريش، نعم رجل برجل. ثم إن أخا المقتول ظفر بعامر بمر الظهران فعلاه بالسيف حتى قتله ثم خاط بطنه بسيفه، ثم جاء وعلقه بأستار الكعبة من الليل فلما أصبحت قريش رأوا سيف عامر عرفوه وعرفوا قاتله، أي وكاد ذلك يثنيهم، أي يصرفهم عن الخروج فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي- وكان من أشراف بني كنانة- وقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا وخرج معهم إبليس يعدهم أن بني كنانة وراءهم قد أقبلوا لنصرهم وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: الآية ٤٨] .
«ولما خرج رسول الله ﷺ من المدينة ضرب رسول الله ﷺ عسكره ببئر أبي عتبة، أي وأمر أصحابه أن يستقوا منها وشرب من مائها» .
وفي الإمتاع عسكر ببيوت للسقيا، وهي عين بينها وبين المدينة يومان كان يستقى له ﷺ الماء منها.
وقد جاء أن عبده ﷺ رباحا كان يستقي له من بئر غرس مرة ومن بيوت السقيا مرة. وقال ﷺ «بئر غرس من عيون الجنة» ومن ثم غسل منها ﷺ كما سيأتي.
وغرس: اسم عبد كان يقوم عليها، وقيل غير ذلك.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وأمر ﷺ حين فصل من بيوت السقيا أن تعدّ المسلمون، فوقف لهم عند بئر أبي عتبة فعدوا، وهي على ميل من المدينة فعرض أصحابه وردّ من استصغر، أي وكان ممن رده أسامة بن زيد، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت ﵃، وردّ عمير بن أبي وقاص فبكى فأجازه، وقتل وعمره ستة عشر عاما. وحينئذ يتوقف في رده، لأن الخمسة عشر بلوغ بالسن على ما عليه أئمتنا.
وخرج ﷺ في خمسة وثلاثمائة رجل، من المهاجرين أربعة وستون، وباقيهم من الأنصار. وقيل كان المهاجرون نيفا وثمانين، وكانت الأنصار نيفا وأربعين ومائتين.
وذكر الإمام الدواني أنه سمع من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم يعني أصحاب بدر مستجاب، وقد جرب ذلك. وخلف عثمان على ابنته ﷺ رقية وكانت مريضة، أي وقيل لأنه كان مريضا بالجدري: أي ولا مانع من وجود الأمرين، وقد قال ﷺ «إن لك لأجر رجل وسهمه» أي وكان أبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري أجمع الخروج إلى بدر وكانت أمه مريضة، فأمره ﷺ بالمقام على أمه، فرجع رسول الله ﷺ من بدر وقت توفيت، فصلى على قبرها.
واستعمل ﷺ أبا لبابة ﵁ واليا على المدينة ورده من المحل المذكور، أي من بئر أبي عتبة كذا في الأصل. وقيل رده من الروحاء، وهو المشهور: وهي قرية على ليلتين من المدينة كما تقدم.
واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس في المدينة، وخلف عاصم بن عدي على أهل قباء وأهل العالية، أي لشيء بلغه عن أهل مسجد الضرار لينظر في ذلك، وكسر بالروحاء خوات بن جبير.
أي وفي كلام ابن عبد البر وقال موسى بن عقبة: خرج خوات بن جبير مع رسول الله ﷺ، فلما بلغ الصفراء أصاب ساقه حجر ودميت رجله واعتلت فرجع، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. وأهل الأخبار يقولون إنه شهد بدرا.
وله في الجاهلية قصة مشهورة مع ذات النحيين: التي تضرب العرب بها المثل فتقول «أشغل من ذات النحيين» وهي خولة «يروى أنه ﷺ سأله عنها وتبسم، فقال:
يا رسول الله قد رزقني الله خيرا منها، وأعوذ بالله من الحور بعد الكور» وروي «أن ﷺ قال له: ما فعل بعيرك الشارد» يعرّض بهذه القصة، فقال: قيده الإسلام يا رسول الله، وقيل لم يعرض رسول الله ﷺ بهذا القول لتلك القضية، وإنما هو لقضية أخرى هي «أن خوّاتا مر بنسوة في الجاهلية أعجبه حسنهن، فسألهن أن يفتلن له قيدا
[ ٢ / ٢٠٢ ]
لبعيره وزعم أنه شارد؛ وجلس إليهن بهذه العلة، فمر عليه رسول الله ﷺ وهو يتحدث إليهن، فأعرض عنه وعنهن، فلما أسلم سأله رسول الله ﷺ عن ذلك البعير وهو يتبسم. وكسر أيضا الحارث بن الصمة.
وبعث له ﷺ طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم يتحسسان خبر العير. والتحسس للأخبار بالحاء المهملة: أن يفحص الشخص عن الأخبار بنفسه، وبالجيم: أي يفحص عنها بغيره. وجاء «تحسسوا ولا تجسسوا» ولم يحضرا لهذا القتال، بل رجعا بخبر العير إلى المدينة على ظن أنه ﷺ بالمدينة، فلما علما أنه ببدر خرجا إليه فلقياه منصرفا من بدر، وأسهم لكل وصار كل من أسهم له يقول «وأجري يا رسول الله؟ فيقول: وأجرك. ودفع ﷺ اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، وكان أمامه ﷺ رايتان سوداوتان: إحداهما مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أي ويقال لها العقاب، وكانت من مرط لعائشة» .
وفي كلام بعضهم: كان أبو سفيان بن حرب من أشراف قريش وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكان لا يحملها في الحرب إلا هو أو رئيس مثله، وسيأتي أنه حملها في هذه الغزوة الأب الخامس لإمامنا الشافعي وهو السائب بن يزيد «والأخرى مع بعض الأنصار» وابن قتيبة اقتصر على الأولى. وذكر بعضهم أن بعض الأنصار هذا قيل هو سعد بن معاذ، وقيل الحباب بن المنذر، وهذا يردّ ما تقدم في غزوة بواط عن ابن إسحاق، وما سيأتي في غزوة بني قينقاع. عن ابن سعد أن الرايات لم تكن وجدت وإنما حدثت يوم خيبر.
ومما يؤيد الرد ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن النبي ﷺ أعطى عليا كرم الله وجهه الراية يوم بدر وهو ابن عشرين سنة» وفي الهدى أن لواء المهاجرين كان من مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، ولم يذكر الرايتين.
وفي الإمتاع أنه ﷺ عقد الألوية وهي ثلاثة، لواء يحمله مصعب بن عمير، ورايتان سوداوتان: أحداهما مع علي، والأخرى مع رجل من الأنصار وفيه إطلاق اللواء على الراية، وقد تقدم أن جماعة من أهل اللغة صرحوا بترادف اللواء والراية.
وكان ﷺ خرج من المدينة على غير لواء معقود. وقال في الأصل: والمعروف أن سعد بن معاذ كان على حرس رسول الله ﷺ في العريش أي كما سيأتي، قال أي جوابا عما تقدم عن الأصل العريش كان ببدر؛ أي وهذا كان عند خروجهم وفي الطريق، فلا منافاة أي لأنه يجوز أن يكون في بدر دفع الراية لغيره بإذنه ﷺ ليكون معه في العريش ولبس ﷺ درعه ذات الفضول، وتقلد ﷺ سيفه العضب.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وحين فصل ﷺ من بيوت السقيا قال: اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك، فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا، للرجل البعير والبعيران، واكتسى من كان عاريا، وأصابوا طعاما من أزوادهم، وأصابوا فداء الأسارى، فاغتنى به كل عائل.
وكان حبيب بن يساف ذا بأس ونجدة ولم يكن أسلم، ولكنه خرج نجدة لقومه من الخزرج طالبا للغنيمة، ففرح المسلمون بخروجه معهم، فقال له رسول الله ﷺ «لا يصحبنا إلا من كان على ديننا» أي وفي رواية «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك» أي وسيأتي في أحداثه ﷺ قال «لا ننتصر بأهل الشرك على أهل الشرك» لما رد حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول من يهود «وتكررت من حبيب المراجعة لرسول الله ﷺ، وفي الثالثة قال له: تؤمن بالله ورسوله؟ قال نعم، فأسلم وقاتل قتالا شديدا» .
وفي الإمتاع وقدم حبيب بن يساف بالروحاء مسلما. ولا مخالفة، لجواز أن يكون أسلم قبل الروحاء.
«ولما سار رسول الله ﷺ صام يوما أو يومين، ثم نادى مناديه، يا معشر العصاة إني مفطر فأفطروا» .
وذلك «أنه ﷺ كان قال لهم قبل ذلك أفطروا فلم يفطروا، انتهى وسيأتي في فتح مكة أنه ﷺ أمرهم بالفطر فلم يفعل جماعة منهم ذلك، فقال أولئك العصاة، وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ، أي التي معهم يومئذ سبعين بعيرا، فاعتقبوها كل ثلاثة يعتقبون بعيرا، أي إلا ما كان من حمزة وزيد بن حارثة وأبي كبشة وأنيسة مولى رسول الله ﷺ، فإن هؤلاء الأربعة كانوا يعتقبون بعيرا» .
أي وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن رسول الله ﷺ أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر» .
وفي الإمتاع: فكانوا يتعاقبون الإبل الاثنين والثلاثة والأربعة، وهذا كلامه «فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ومرثد يعتقبون بعيرا» وفي لفظ «كان أبو لبابة وعلي والنبي ﷺ يعتقبون بعيرا» أي وذلك قبل أن يردّ أبا لبابة للمدينة من الروحاء، وبعد أن رده قام مقامه مرثد، وقيل زيد بن حارثة، وقيل زيد كان مع حمزة أي كما تقدم.
ويجوز أن كان مع حمزة تارة، ومع النبي ﷺ أخرى، فكان إذا كانت عقبة النبي ﷺ قالا له: أي رفيقاه: اركب حتى نمشي معك، فيقول «ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» .
«وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ﵃ يعتقبون بعيرا،
[ ٢ / ٢٠٤ ]
أي ورفاعة وخلاد ابنا رافع وعبيد بن يزيد الأنصاري يعتقبون بعيرا، حتى إذا كانوا بالروحاء برك بعيرهم عيا، فمرّ بهم رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله برك علينا بكرنا، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتمضمض وألقاه في إناء» أي وفي الإمتاع «فتمضمض وتوضأ في إناء، ثم قال: افتح فاه، فصب منه في فيه ثم صب باقي ذلك عليه، ثم قال: اركبا ومضى فلحقاه؛ وإنه لينفر بهم» أي وأمر ﷺ بإحصاء من معه، وهو محتمل لأن يكون أمر بذلك ثانيا بعد الروحاء بعد أن رد أبا لبابة «وبعد عدهم في بئر أبي عتبة، فإذا هم ثلاثمائة وثلاثة عشر، ففرح بذلك، وقال عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر» وهذا قول عامة السلف كما قاله ابن جرير ﵀، ومن زاد على ذلك عدّ منهم من رده ﷺ من الروحاء ومن أسهم له ولم يحضر ومن نقص عن ذلك، وعدهم ثلاثمائة وخمس رجال أو ست رجال أو سبعة رجال، فالجواب عنه لا يخفى.
وكان في الجيش خمسة أفراس: فرسان له ﷺ وفرس لمرثد، ويقال له السيل، وفرس للمقداد بن الأسود نسب إليه لأنه تبناه في الجاهلية كما تقدم، ويقال لها سبحة، وفرس للزبير ويقال له اليعسوب، وقيل لم يكن في الجيش إلا فرسان، فرس المقداد وفرس الزبير.
وعن علي رضي الله تعالى عنه: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد.
أقول: يجوز أن يكون المراد لم يقاتل يوم بدر فارسا إلا المقداد وغيره ممن له فرس قاتل راجلا؛ ويؤيد ما يأتي «أنه ﷺ لما قسم الغنيمة لم يميز أحدا عن أحد الراجل مع الراجل والفارس مع الفارس» لكن قد يخالفه قول الزمخشري في خصائص العشرة «كان الزبير ﵁ صاحب راية رسول الله ﷺ يوم بدر، وليس على الميمنة يومئذ فارس غيره» هذا كلامه. إلا أن يقال كون الزبير فارسا على الميمنة لا يخالف كون المقداد فارسا في محل آخر مع الجماعة الذين فيهم سيدنا علي كرّم الله وجهه فقول سيدنا علي لم يكن فينا: أي في الجماعة الملازمين لنا تأمل، والله أعلم.
وفي أثناء الطريق بعرق الظبية لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله ﷺ قال: أفيكم رسول الله ﷺ قالوا نعم، فسلم عليه، ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني بما في بطن ناقتي هذه؟
فقال له سلامة بن سلامة بن وقش: لا تسل رسول الله ﷺ، أقبل عليّ أنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها ففي بطنها منك سحلة، فقال له رسول الله ﷺ: مه أفحشت على الرجل، ثم أعرض عن سلامة فلما نزلوا بواد يقال له ذفران» بكسر الفاء: أي وهو واد قريب من الصفراء أتاه الخبر عن قريش، بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار
[ ٢ / ٢٠٥ ]
النبي ﷺ أصحابه وأخبرهم الخبر: أي قال لهم إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول أي مسرعين، فما تقولون؟ العير أحب إليكم من النفير؟ فقالوا: بلى، أي قالت ذلك طائفة منهم العير أحب إلينا من لقاء العدو. وفي رواية هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له، إنا خرجنا للعير وفي رواية «يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فعند ذلك تغير وجه رسول الله ﷺ» وقد روي ذلك عن أبي أيوب ﵁ في سبب نزول قوله تعالى كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) [الأنفال: الآية ٥] وعند ذلك قام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: أي لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) [المائدة: الآية ٢٤] اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ما دامت منا عين تطرف، فو الله الذي بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك الغماد- وهي مدينة بالحبشة- لجالدنا: أي ضربنا بالسيوف معك من دونه حتى نبلغه. وفي لفظ «نقاتل عن يمينك وعن يسارك. ومن بين يديك ومن خلفك، قال ابن مسعود:
فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسر بذلك» .
وفي الكشاف «فضحك رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ خيرا ثم دعا له بخير» .
هذا، وفي العرائس روي «أن النبي ﷺ، قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد عن البيت إني ذاهب بالهدى، فتأخر عند البيت واستشار أصحابه في ذلك، فقال المقداد بن الأسود أما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: الآية ٢٤] ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون، والله لنقاتلن عن يمينك وشمالك ومن بين يديك، ولو خضت بحرا لخضناه معك، ولو علوت جبلا لعلوناه معك، ولو ذهبت بنا برك الغماد لتابعناك، فلما سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك تابعوه، فأشرق عند ذلك وجه رسول الله ﷺ والتعدد ممكن لكنه بعيد ثم قال أشيروا عليّ، فقال عمر: يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك، فتأهب لذلك أهبته واعدد لذلك عدته، أي ثم استشارهم ثالثا، فقال أشيروا عليّ أيها الناس ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، وذلك لأنهم عدد الناس: أي أكثرهم عددا ومن ثم قيل: وإنما كرر رسول الله ﷺ الاستشارة: أي في ذلك المجلس ليعرف حال الأنصار، فإنه تخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه أي جاءه على حين غفلة بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم عملا بظاهر قولهم له ﷺ حين بايعوه عند العقبة «يا رسول الله إناء براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إليها فأنت في ذمتنا، نمنعك بما نمنع به أبناءنا ونساءنا، ومن ثم قال له سعد بن معاذ سيد الأوس. وقيل سعد بن عبادة سيد
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الخزرج وإنما حكي بصيغة التمريض لأنه قد اختلف في عده في البدريين.
والصحيح أنه لم يشهد بدرا فإنه كان تهيأ للخروج فنهش بالمهملة أي لدغته الحية قبل أن يخرج فأقام أي وضرب له بسهم، فقال: لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله، فقال أجل قال قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، زاد في رواية ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت. وفي لفظ وصل جبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا وإنا لصبر في الحرب، صدق اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك. وفي لفظ: بعض ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله تعالى، فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك، فسر النبي ﷺ لذلك، أي وأشرق وجهه بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال ﷺ: سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، أي وهما عير قريش ومن خرج من مكة من قريش يريد حماية ذلك العير «فوالله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» أي فقد أعلمه الله تعالى بعد وعده بذلك الظفر بالطائفة الثانية، وأراه مصارعهم فعلم القوم أنهم ملاقون القتال وأن العير لا تحصل لهم.
ثم ارتحل رسول الله ﷺ من ذفران حتى نزل قريبا من بدر، فركب ﷺ هو وأبو بكر ﵁، أي وقيل بدل أبي بكر قتادة بن النعمان، وقيل معاذ بن جبل حتى وقفا على شيخ من العرب أي يقال له سفيان قال في النور: لا أعلم له إسلاما، فسأله ﷺ عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم. فقال الشيخ، لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما فقال له رسول الله ﷺ إذا أخبرتنا أخبرناك فقال الشيخ ذاك بذاك قال نعم، قال فإنه قد بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدق الذي أخبرني به فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي نزل به رسول الله ﷺ وأصحابه، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني به صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي نزلت به قريش فلما فرغ من خبره قال من أنتما فقال رسول الله ﷺ: نحن من ماء أي من ماء دافق وهو المني، ثم انصرفا عنه.
فقال الشيخ من ماء من ماء العراق؟ فهم أن المراد بالماء حقيقته.
أي لكن في الإمتاع «فقال النبي ﷺ نحن من ماء، وأشار بيده إلى العراق.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فقال: من ماء العراق» أي وأضيف الماء إلى العراق لكثرته به، وفيه أن هذا من التوراة، وقد تقدم في أوائل الهجرة أنه لا ينبغي لنبي أن يكذب ولو صورة، ومنه التوراة.
لكن في كلام القاضي البيضاوي وما روي «أنه ﵊ قال لإبراهيم ﵊ ثلاث كذبات» تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته.
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه ودعا لهم فقال: اللهم إنهم حفاة فاحملهم اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم، ففتح الله لهم يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا» أخرجه أبو داود عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: أي شبعوا واكتسوا بما أصابوه من كسوة وأزواد قريش.
وفي الإمتاع أن دعاءه ﷺ المذكور كان عند مفارقته محل معسكره بالمدينة وهو بيوت السقيا كما تقدم، وتقدم فيه زيادة وعالة فأغنهم، فأصابوا الأسرى فاغتنى بهم كل عائل ولا مانع أن يكون دعاؤه ﷺ بذلك تكرر.
«فلما أمسى ﷺ بعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا رواية لقريش معها غلام لبني الحجج وغلام لبني العاص، فأتوا بهما ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فقالوا: لمن أنتما؟ وظنوا أنهما لأبي سفيان، فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء فضربوهما، فلما أوجعوهما ضربا قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، فلما فرغ رسول الله ﷺ من صلاته قال: إذا صدقا كم ضربتوهما وإذا كذبا كم تركتموها، صدقا والله، إنهما لقريش، أخبراني عن قريش، قالا: هم وراء هذا الكثيب» أي التل من الرمل الذي يرى بالعدوة القصوى: أي جانب الوادي المرتفع «فقال لهما رسول الله ﷺ: كم القوم؟ قالا كثير» أي وفي لفظ هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، قال: ما عدتهم؟ قالا لا ندري، أي وجهد النبي ﷺ أن يخبراه كم هم فأبيا. قال ﷺ كم تنحرون؟ أي من الجزر كل يوم؟ قالا يوما تسعا ويوما عشرا، فقال ﷺ: القوم ما بين التسعمائة والألف» أي لكل جزور مائة، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو العامري أي رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح، وهو من أشراف قريش
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وخطبائهم، وسيأتي أنه ممن أسر في هذه الغزاة وعمرو بن عبد ود فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ- أي قطع- كبدها أي أشرافها وعظماءها» وذكر أن مسيرهم وإقامتهم كانت عشر ليال حتى بلغوا الجحفة: أي وهي قرية بقرب رابغ كما تقدم، نزلوا بها عشاء: أي وفي الإمتاع أنهم ردوا القيان من الجحفة.
أقول: هذا والذي في مسلم وأبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه «فإذا هم بروايا قريش فيها رجل أسود لبني الحجاج، فجاؤوا به، فكانوا يسألونه عن أبي سفيان فيقول: ما لي بأبي سفيان علم، فإذا قال ذلك ضربوه، وإذا قال هذا أبو سفيان تركوه» الحديث.
أي وفي الإمتاع «وأخذ تلك الليلة يسار غلام عبيدة بن سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج وأبو رافع غلام أمية بن خلف، فأتي بهم النبي ﷺ وهو يصلي» الحديث.
وقد يقال: لا منافاة، لأن بعض الرواة ذكر الثلاثة، وبعضهم اقتصر على اثنين، وبعضهم اقتصر على واحد، والله أعلم.
وكان مع قريش رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال له جهم بن الصلت رضي الله تعالى عنه» . فإنه أسلم في عام خيبر «وأعطاه رسول الله ﷺ من خيبر ثلاثين وسقا، وقيل أسلم بعد الفتح فوضع رأسه فأغفى، ثم قام فزعا، فقال لأصحابه هل رأيتم الفارس الذي وقف عليّ فقالوا لا، قال: قد وقف عليّ فارس فقال: قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأبو البختري وأمية بن خلف وفلان وفلان، وعد رجالا من أشراف قريش ممن قتل يوم بدر، أي وقال: أسر سهيل بن عمرو وفلان وفلان، وعدّ رجالا ممن أسر، قال: ثم رأيت ذلك الفارس ضرب في لبة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما من خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمه، فقال له أصحابه: إنه لعب بك الشيطان، ولما شاعت هذه الرؤيا في العسكر وبلغت أبا جهل قال: قد جئتم بكذب بني عبد المطلب مع كذب بني هاشم سيرون غدا من يقتل» وفي لفظ «قال أبو جهل: هذا نبي آخر من بني المطلب، سيعلم غدا من المقتول، نحن أو محمد وأصحابه، وأول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام عشر جزائر أي بمر الظهران، وكانت جزور منها بعد أن نحرت بها حياة فجالت في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها» كذا في الإمتاع.
ومن هذا المحل رجع بنو عدي أي تفاؤلا بذلك، ثم نحر لهم سفيان بن أمية بعسفان تسع جزائر، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشر جزائر، وساروا من قديد فضلوا بهائم أصبحوا بالجحفة، فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشر جزائر، فلما أصبحوا
[ ٢ / ٢٠٩ ]
بالأبواء نحر لهم مقيس بن عمرو الجمحي تسع جزائر أي ويقال إن الذي نحر لهم بالأبواء نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا، ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشر جزائر، ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعا، ونحر لهم أبو البختري على ماء بدر عشر جزائر، ونحر لهم مقيس الجمحي على ماء بدر تسعا، أي ثم شغلهم الحرب فأكلوا من أزوادهم، ثم مضى رجلان من الصحابة أي قبل وصوله ﷺ إلى بدر، وكذا قبل وصول قريش إلى بدر كما يدل عليه الكلام الآتي خلاف ما يدل عليه هذا السياق إلى ماء بدر «فنزلا قريبا منه عند تلّ هناك، ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه وشخص على الماء وإذا جاريتان يتلازمان: أي يتخاصمان، وتمسك إحداهما الأخرى على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها إنما يأتي العير غدا أو بعد غد. فأعمل لهم وأقضيك الذي لك، فقال ذلك الرجل الذي على الماء صدقت، ثم خلص بينهما، وسمع ذلك الرجلان فجلسا على بعيرهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بما سمعا ثم إن أبا سفيان تقدم العير حذرا حتى ورد الماء، فلقي ذلك الرجل، فقال له: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما ثم انطلقا» .
فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيرهما ففتته، فإذا فيه النوى، فقال:
والله علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعا فصوّب عيره عن الطريق وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع، فلما علم أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش، أي وقد كان بلغه مجيئهم ليحرزوا العير وكانوا حينئذ بالجحفة إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله تعالى فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نحضر بدرا فنقيم عليه ثلاثة أيام، فلا بد أن ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان أي تضرب بالمعازف: أي الملاهي، وقيل الدفوف، وقيل الطنابير وقيل نوع منها يتخذه أهل اليمن، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها وسيأتي في غزاة بدر الموعد أن موسم بدر يكون عند هلال ذي القعدة في كل عام يمكث ثمانية أيام، ويبعد إرادة ذلك لأبي جهل أي إقامتهم ببدر بقية رمضان وتمام شوّال.
قال «ولما أرسل أبو سفيان يقول لقريش ما تقدم، أي ورد عليه أبو جهل بما ذكر قال: هذا بغي، والبغي منقصة وشؤم وعند ذلك رجع منهم بنو زهرة وكانوا نحو المائة انتهى» أي وقيل ثلاثمائة، وقائدهم كان الأخنس بن شريق.
وفي كلام ابن الأثير «فلم يقتل منهم» أي من بني زهرة أحد «ببدر» وفي كلام غيره «ولم يشهد بدر أحد من بني زهرة إلا رجلان قتلا كافرين، فإن الأخنس قال لبني زهرة يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن
[ ٢ / ٢١٠ ]
نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، واجعلوا بي حميتها، وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير منفعة لا ما يقول هذا» يعني أبا جهل «وقال لأبي جهل أي وقد خلا به، أترى محمدا يكذب؟ فقال: ما كذب قط، كنا نسميه الأمين، لكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية والرفادة والمشورة، ثم تكون فيهم النبوّة فأي شيء يكون لنا؟ فانخنس الأخنس ورجع ببني زهرة» أي واسمه أبيّ وإنما لقب بالأخنس من حين رجع ببني زهرة، فقيل خنس بهم فسمي الأخنس، كان حليفا لبني زهرة ومقدما فيهم رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم يوم الفتح، وأعطاه رسول الله ﷺ مع المؤلفة قلوبهم» .
ورأيت عن السهيلي «أنه قتل يوم بدر كافرا» وتبعه على ذلك التلمساني في حاشية الشفاء واستدل له بقول القاضي البيضاوي: أن قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: الآية ٢٠٤] الآية نزلت في الأخنس بن شريق.
وفي الإصابة أنه كان من المؤلفة، ومات في خلافة عمر.
وعن السدي «أن الأخنس جاء إلى النبي ﷺ فأظهر إسلامه وقال: الله يعلم إني لصادق ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم مسلمين فحرق زرعهم، فنزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: الآية ٢٠٤] إلى قوله: وَبِئْسَ الْمِهادُ [الرّعد: الآية ١٨] .
قال ابن عطية، ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، قلت قد أثبته في الصحابة جماعة، ولا مانع أن يكون أسلم ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، هذا كلام الإصابة.
وفي كلام ابن قتيبة، ولم يسلم الأخنس، وفي كلام بعضهم: ثلاثة ابن وأبوه وجده شهدوا بدرا الأخنس وابنه يزيد وابنه معن فليتأمل ذلك.
«قال وأرادوا بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع» انتهى.
ثم لم يزالوا سائرين حتى نزلوا بالعدوة القصوى قريبا من الماء، ونزل رسول الله ﷺ والمسلمون بعيدا من الماء، بينهم وبين الماء رحلة، فظمىء المسلمون وأصابهم ضيق شديد، وأجنب غالبهم، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس إليهم، تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وأنكم على الحق وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم عطاش، وتصلون مجنبين، أي وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب قواكم، فيحكموا فيكم كيف شاؤوا» .
وفي الكشاف «فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم، فقتلوا من أحبوا، وساقوا بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، وكان الوادي دهسا بالسين
[ ٢ / ٢١١ ]
المهملة، أي لينا كثير التراب تسيخ فيه الأقدام، فبعث الله السماء» أي المطر «فأطفأت الغبار»، ولبدت الأرض» أي شدتها للنبي ﷺ ولأصحابه، أي وطهرهم به وأذهب عنهم رجز الشيطان» أي وسوسته «وشربوا منه وملؤوا الأسقية وسقوا الركائب، واغتسلوا من الجنابة، أي وطابت نفوسهم، فذلك قوله تعالى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: الآية ١١] أي من الأحداث وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ [الأنفال: الآية ١١] أي وسوسته وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ [الأنفال: الآية ١١] أي يشدّها ويقويها وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: الآية ١١] أي بتلبيد الأرض حتى لا تسوخ في الرمل «وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه أي ويصلوا إلى الماء» أي فكان المطر نعمة وقوة للمؤمنين وبلاء ونقمة للمشركين.
وعن علي رضي الله تعالى عنه «أصابنا من الليل طس من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والجحف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه» .
وعن عليّ رضي الله تعالى عنه «ما كان فينا أي تلك الليلة قائم إلا رسول الله يصلي تحت شجرة ويكثر في سجوده أن يقول، يا حي يا قيوم يكرر ذلك حتى أصبح أي لأن المسلمين أصابهم تلك الليلة نعاس شديد يلقي الشخص على جنبه» .
أي وعن قتادة «كان النعاس أمنة من الله، وكان النعاس نعاسين، نعاس يوم بدر، ونعاس يوم أحد» لأن النعاس هنا كان ليلا قبل القتال؛ وفي أحد كان وقت القتال، وكون النعاس أمنة وقت القتال أو وقت التأهب له وهو وقت المصافة واضح لا قبله.
هذا وذكر الشمس الشامي أنه لما نزلت الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم، وبشرهم ﷺ بنزول الملائكة حصل لهم الطمأنينة والسكينة، وقد حصل لهم النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة، وربما يقتضي أنه حصل لهم النعاس عند المصافة، وإلا فقد يقال إن قوله وقد حصل لهم النعاس جملة حالية، أي والحال أنه حصل لهم قبل ذلك في تلك الليلة؛ لا في وقت المصافة.
ولا يبعد ذلك قوله بعد ذلك: ولهذا قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه:
النعاس في المصاف من الإيمان والنعاس في الصلاة من النفاق، أي لأنه في الأول يدل على ثبات الجنان، وفي الثاني يدل على عدم الاهتمام بأمر الصلاة.
«فلما أن طلع الفجر نادى ﷺ الصلاة عباد الله، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرض على القتال» أي في خطبة خطبها «فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، إلى أن قال: وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله تعالى به الهمّ وينجي به من الغم» الحديث.
[ ٢ / ٢١٢ ]
«ثم خرج رسول الله ﷺ يبادرهم» أي يسابق قريشا إلى الماء «فسبقهم عليه، حتى جاء أدنى ماء من بدر» أي أقرب ماء إلى بدر من بقية مياهها «فنزل به ﷺ، فقال له الحباب بن المنذر، يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل؛ فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم» أي إذا نزل القوم: يعني قريشا كان ذلك الماء أقرب المياه، أي محله أقرب المياه إليهم. قال الحباب: فإني أعرف غزارة مائة وكثرته بحيث لا ينزح، فننزله ثم نغور ما عداه من القلب: أي وهي الآبار غير المبنية، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء فنشرب ولا يشربون؛ لأن القلب كلها حينئذ تصير خلف ذلك القليب، فقال رسول الله ﷺ: لقد أشرت بالرأي، ونزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: الرأي ما أشار إليه الحباب، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم» أي من المحل الذي ينزل به القوم «فنزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت» بسكون الواو.
وقال السهيلي: لما كانت القلب عينا جعلها كعين الإنسان، ويقال في عين الإنسان غرتها فغارت، ولا يقال غورتها أي بالتشديد «وبنى ﷺ حوضا على القليب الذي نزل به فملأه ماء، ثم قذفوا فيه الآنية، ومن يومئذ قيل للحباب ذو الرأي» وظاهر كلام بعضهم أنه كان معروفا بذلك قبل هذه الغزاة.
وفيه أن ذلك القليب إذا كان خلف ظهورهم وسائر القلب خلفه ما المعنى في تغويرها لأنها إذا لم تغورهم يشربون ولا يشرب القوم. إلا أن يقال: المعنى لئلا يأتوا إليها من خلفهم، فالغرض قطع أطماعهم من الماء، فليتأمل، واستدل بقوله ﷺ «بل هو الرأي» على جواز الاجتهاد له ﷺ في الحرب نظرا لصورة السبب أو مطلقا لأن صورة السبب لا تخصص، وجواز الاجتهاد له مطلقا هو الراجح.
ومما استدل به على وقوع الاجتهاد له ﷺ في الأحكام قوله «إلا الإذخر» عقب ما قيل له إلا الإذخر. قال السبكي: وليس قاطعا، لاحتمال أن يكون أوحي إليه في تلك اللحظة.
هذا، وفي كلام بعضهم أنهم نزلوا على ذلك القليب نصف الليل فصنعوا الحوض وملؤوه وقذفوا فيه الآنية بعد أن استقوا منه، وسيأتي ما يؤيده.
«وقال سعد بن معاذ: يا نبي الله ألا نبني عريشا» أي وهو شيء كالخيمة من جريد يستظل به «تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله تعالى وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم
[ ٢ / ٢١٣ ]
ولا أطوع لك منهم، لهم رغبة في الجهاد ونية، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، إنما ظنوا أنها العير يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير، أي وقال: أو يقضي الله خيرا من ذلك يا سعد أي وهو نصرهم وظهورهم على عدوهم ثم بني» أي ذلك العريش «لرسول الله ﷺ أي فوق تل مشرف على المعركة كان فيه» .
أي وعن علي رضي الله تعالى عنه «أنه قال لجمع من الصحابة، أخبروني عن أشجع الناس؟ قالوا أنت؛ قال: أشجع الناس أبو بكر، لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا فقلنا: من مع رسول الله ﷺ» أي من يكون معه «لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله، ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه» أي ولذلك حكم عليّ أنه أشجع الناس. وبه يرد قول الشيعة والرافضة إن الخلافة لا يستحقها إلا عليّ، لأنه أشجع الناس، أي وهذا كان قبل أن يلتحم القتال، وإلا فبعد التحامه كان عليّ على باب العريش الذي به ﷺ، وأبو بكر وسعد بن معاذ قائمان على باب العريش في نفر من الأنصار كما سيأتي.
ومما استدل على أن أبا بكر أشجع من علي أن عليا أخبره النبي ﷺ أنه لا يقتله إلا ابن ملجم، فكان إذا دخل الحرب ولاقى الخصم علم أنه لا قدرة له على قتله، فهو معه كالنائم على فراشه. وأما أبو بكر فلم يخبر بقاتله، فكان إذا دخل الحرب لا يدري هل يقتل أو لا، ومن هذه حاله يقاسي من التعب ما لا يقاسيه غيره.
ومما يدل على ذلك ما وقع له في قتال أهل الردة، وتصميمه العزم على مقاتلة مانعي الزكاة مع تثبيط سيدنا عمر له عن ذلك.
«فلما كان الصباح أقبلت قريش من الكثيب» هذا يؤيد القول بأنه ﷺ سار بأصحابه ليلا يبادرهم إلى الماء، لأن ذلك بعد طلوع الفجر وصلاة الصبح كما تقدم، لأن الظاهر من قول الراوي أقبلت: أي عليهم هم ماكثون.
ويؤيده أيضا ما في مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه «أن النبي ﷺ قال ليلة بدر» أي بعد أن وصل إلى محل الوقعة «هذا مصرع فلان إن شاء الله غدا ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان ها هنا، وهذا مصرع فلان هاهنا. قال أنس: ما ماط أحدهم عن موضع يده ﷺ» أي ما تنحى فليتأمل الجمع.
ولما رأى رسول الله ﷺ قريشا وقد أقبلت بالدروع الساترة والجموع الوافرة والأسلحة الشاكية أي التامة قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها» أي كبرها
[ ٢ / ٢١٤ ]
وعجبها وفخرها «تجادلك: أي تعاديك وتخالف أمرك وتكذب رسولك، فنصرك» أي أنجز نصرك «الذي وعدتني» أي وفي لفظ «اللهم إنك أنزلت على الكتاب وأمرتني بالثبات، ووعدتني إحدى الطائفتين، أي وقد فاتت إحداهما وهي العير وإنك لا تخلف الميعاد. اللهم أحبهم» أي أهلكهم «الغداة» وفي رواية «اللهم لا تفلتن أبا جهل فرعون هذه الأمة، اللهم لا تفلتن زمعة بن الأسود، اللهم وإسحاق عين أبي زمعة، وأعم بصر أبي زمعة، اللهم لا تفلتن سهيلا» الحديث.
«ولما اطمأنت قريش أرسلوا عمير بن وهب الجمحي- أي رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وشهد أحدا معه ﷺ فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد» أي انظر لنا عدتهم «فاستجال بفرسه حول عسكر النبي ﷺ ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمينا أو مددا، فذهب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ثم رجع إليهم وقال:
ما رأيت شيئا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا» أي وهي في الأصل النوق تبرك على قبر صاحبها، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت «تحمل المنايا» أي الموت «أي نواضح يثرب تحمل الموت النافع» أي البالغ.
زاد بعضهم: ألا ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي، لا يريدون أن ينقلبوا إلى أهلهم، زرق العيون كأنهم الحصا تحت الجحف، يعني الأنصار قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما نرى أن نقتل منهم رجلا حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم؛ فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس؛ فقام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه وابن خاله ورجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك أكفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون، أي يا قوم أعصبوها اليوم برأسي، أي اجعلوا عارها متعلقا بي، وقولو جبن عتبة وأنتم تعلمون أني لست بأجبنكم.
أي وفي لفظ آخر «أن حكيم بن حزام قال لعتبة بن ربيعة: تجير بين الناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي» أي الذي قتله واقد بن عبد الله في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، وهو أوّل قتيل قتله المسلمون «وتحمل ما أصاب محمد من تلك العير أي الذي غنمه عبد الله بن جحش» كما سيأتي في السرايا «فإنهم لا
[ ٢ / ٢١٥ ]
يطلبون من محمد إلا ذلك؟ فقال عتبة نعم قد فعلت، أي هو حليفي فعليّ عقله وما أصيب من المال، ونعم ما قلت، ونعم ما دعوت إليه، وركب عتبة جملا له وصار يجيله في صفوف قريش يقول: يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون غير دم ابن الحضرمي وما أخذ من العير، وقد تحملت ذلك.
زاد بعضهم «أنه قال: يا معشر قريش أنشدكم الله في هذه الوجوه التي تضيء ضياء المصابيح» يعني قريشا «أن تجعلوها أندادا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات» يعني الأنصار، وهذا كما ترى وما يأتي أيضا يضعف قول من قال إنه ﷺ عقل ابن الحضرمي أي أعطى ديته.
«وقد كان ﷺ لما رأى قريشا أقبلت من الكثيب وعتبة على جمل أحمر قال:
إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر» .
أي وفي رواية «إن يكن أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر أن يطيعوه يرشدوا. ولما رأى رسول الله ﷺ راكب الجمل الأحمر يجيله في صفوف قريش، قال: يا علي ناد حمزة وكان أقربهم إلى المشركين، فقال له رسول الله ﷺ:
من صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم؟ فقال: هو عتبة بن ربيعة ينهى عن القتال» وحينئذ يكون قوله ﷺ إن يكن في أحد من القوم خير الخ من أعلام نبوته ﷺ.
«ثم قال عتبة لحكيم بن حزام انطلق لابن الحنظلية» يعني أبا جهل «قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد سل درعا له من جرابها» أي أخرجها منه، فقلت له: «يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال، فقال: انتفخ والله سحره» أي رئته كلمة تقال للجبان.
وفي لفظ أنه قال لعتبة، وقد جاء إليه، أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته أي قلت له اعضض على بظر أمك أن قد ملأت رئتك وجوفك رعبا كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وقال لحكيم: ما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور أي في قلة بحيث يكفيهم الجزور وفيهم ابنه أي وهو أبو حذيفة رضي الله تعالى عنه، فإنه كان ممن أسلم قديما «فقد تخوفكم عليه» .
أي وفي رواية أنه قال: يا معشر قريش إنما يشير عليكم عتبة بهذا، لأن ابنه مع محمد ومحمد ابن عمه، فهو كره أن تقتلوا ابنه وابن عمه، فغضب عتبة وسب أبا جهل وقال، سيعلم أينا أفسد لقومه.
أي ومن غريب الاتفاق أن أم أبان بنت عتبة بن ربيعة المذكور كان لها أربعة
[ ٢ / ٢١٦ ]
إخوة وعمان، كل منهم حضر بدرا اثنان من إخوتها مسلمان، واثنان مشركان، وواحد من عميها مسلم، والآخر كافر، فالأخوان المسلمان: أبو حذيفة ومصعب بن عمير ولعله كان أخاها لأمها، والكافران: الوليد بن عتبة وأبو عزيز، والعم المسلم معمر بن الحارث ولعله كان أخا لعتبة لأمه، والعم الكافر شيبة بن ربيعة، وكان من حكمة الله تعالى أن الله جعل المسلمين قبل أن يلتحم القتال في أعين المشركين قليلا استدراجا لهم ليقدموا، ولما التحم القتال جعلهم الله في أعين المشركين كثيرا ليحصل لهم الرعب والوهن، وجعل الله المشركين عند التحام القتال في أعين المسلمين قليلا ليقوى جأشهم على مقاتلتهم.
ومن ثم جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد قلّوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل أتراهم سبعين، قال: أراهم مائة، وأنزل الله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: الآية ٤٤]، ومن ثم قال الله تعالى قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ [آل عمران: الآية ١٣] أي يرى أولئك الكفار المؤمنين مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: الآية ١٣] .
أي وقد ذكر أن قباث بن أشيم رضي الله تعالى عنه- فإنه أسلم بعد ذلك- قال في نفسه يوم بدر: لو خرجت نساء قريش بأكمتها لردّت محمدا وأصحابه. وعنه أنه قال: لما كان بعد الخندق قدمت المدينة سألت عن رسول الله ﷺ، فقالوا: هو ذاك في محل المسجد مع ملأ من أصحابه، فأتيته وأنا لا أعرفه من بينهم، فسلمت عليه فقال ﷺ «يا قباث أنت القائل يوم بدر: لو خرجت نساء قريش بأكمتها ردت محمدا وأصحابه، فقال قباث: والذي بعثك بالحق ما تحدث به لساني ولا ترفرفت به شفتاي ولا سمعه مني أحد، وما هو إلا شيء هجس في قلبي» وحينئذ يكون معنى قوله ﷺ «أنت القائل: أي في نفسك، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جئت به الحق» .
«ولما بلغ عتبة ما قاله أبو جهل قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو» وقد تقدم معنى مصفر استه.
وذكر السهيلي هنا أن هذه الكلمة لم يخترعها عتبة ولا هو أبو عذرتها، فقد قيلت لبعض الملوك وكان مترفها لا يغزو في الحروب يريدون صفرة الخلوق والطيب، وسادة العرب لا تستعمل الخلوق والطيب إلا في الدعة وتعيبه في الحرب أشد العيب. وأظن أن أبا جهل لما علم بسلامة العير استعمل الطيب والخلوق، فلذلك قال له عتبة هذه الكلمة وإنما أراد مصفر بدنه، ولكنه قصد المبالغة في الذم، فخص منه بالذكر ما يسوؤه أن يذكر هذا كلامه.
[ ٢ / ٢١٧ ]
وذكر «أن النبي ﷺ بعث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إليهم يقول:
ارجعوا فإنه إن يلي هذا الأمر مني غيركم أحب إليّ من أن تلوه مني، فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصفا فأقبلوه، فوالله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النصف، فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن مكننا الله منهم. ثم إن أبا جهل بعث إلى عامر بن الحضرمي أي أخو المقتول الذي هو عمرو، وقال هذا حليفك: يعني عتبة يريد أن يرجع الناس، وفي لفظ «يخذل الناس عن القتال، وقد تحمل دية أخيك من ماله يزعم أنك قابلها، ألا تستحي أن تقبل الدية من مال عتبة، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فاذكر مقتل أخيك، وكان عامر كأخيه المقتول من حلفاء عتبة» وسيأتي ذلك «فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف أي كشف استه أي وحثا عليه التراب، ثم صرخ واعمراه واعمراه، فثارت النفوس» أي وعامر هذا لا يعرف له إسلام.
أي وفي الاستيعاب: عامر بن الحضرمي قتل يوم بدر كافرا، وأما أخوهما العلاء فمن فضلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أي وقد كان يقال إنه مجاب الدعوة وأنه خاض البحر هو وسريته التي كان أميرا عليها، وذلك في زمن خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، ويقال يبس حتى رئي الغبار من حوافر الخيل بكلمات قالها ودعا بها، وهي «يا عليّ يا حكيم، يا عليّ يا عظيم، أنا عبيدك، وفي سبيلك نقاتل عدوك، اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلا» .
وقد وقع نظير ذلك: أي دخول البحر لأبي مسلم الخولاني التابعي، فإنه لما غزا الروم مع جيشه مروا بنهر عظيم بينهم وبين العدوّ، فقال أبو مسلم: اللهم أجزت بني إسرائيل البحر وإنا عبادك في سبيلك، فأجزنا هذا النهر اليوم. ثم قال: اعبروا بسم الله فعبروا، فلم يبلغ الماء بطون الخيل.
وكذا وقع نظير ذلك لأبي عبيد الثقفي التابعي أمير الجيوش في أيام سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فإن دجلة حالت بينه وبين العدو، فتلا قوله تعالى وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران: الآية ١٤٥] ثم سمى الله تعالى، واقتحم بفرسه الماء، واقتحم الجيش وراءه ولما نظر إليهم الأعاجم صاروا يقولون ديوانا ديوانا: أي مجانين ثم ولوا مدبرين، فقتلهم المسلمون وغنموا أموالهم» وله أخ يقال له ميمون وهو الذي حفر البئر التي بأعلى مكة التي يقال لها بئر ميمون ولم أقف على إسلامه.
وأما أختهم التي هي الصعبة وهي أم طلحة بن عبيد الله فصحابية رضي الله تعالى عنها كانت أولا تحت أبي سفيان بن حرب فطلقها، فخلف عليها عبيد الله، فولدت له طلحة الذي قال في حقه ﷺ «من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» .
[ ٢ / ٢١٨ ]
ثم إن الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وهو أخو أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وكان رجلا شرسا، سيىء الخلق، شديد العداوة لرسول الله ﷺ «وجاء أنه أول من يعطى كتابه بشماله، كما أن أخاه أبا سلمة أول من يعطى كتابه بيمينه كما تقدم قال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فلما خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه» أي أسرع قطعها «فطارت وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه أي وشرب منه وهدمه برجله الصحيحة يريد أن تبر يمينه» فاتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض، وأقبل نفر من قريش حتى وردوا ذلك الحوض منهم حكيم بن حزام. فقال رسول الله ﷺ: دعوهم، فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل كافرا إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجاني يوم بدر» .
وعلى أن هذا الحوض كان وراء ظهره ﷺ يكون مجيء هؤلاء للحوض من خلفه ﷺ فليتأمل.
«ثم إن عتبة بن ربيعة التمس بيضة» أي خوذة «ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسع رأسه لعظمها فاعتجر على رأسه ببرد له» أي تعمم به ولم يجعل تحت لحيته من العمامة شيئا، وخرج بين أخيه شيبة وابنه الوليد حتى فصل من الصف ودعا للمبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار، ثلاثة إخوة أشقاء: هم معوذ ومعاذ وعوف بنو عفراء، وقيل بدل عوف عبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟
قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة» وفي رواية «أكفاء كرام، إنما نريد قومنا» أي وفي لفظ «ولكن أخرجوا إلينا من بني عمنا» أي وفي لفظ «أنه ﷺ أمرهم بالرجوع فرجعوا إلى مصافهم، وقال لهم خيرا» لأنه كره أن تكون الشوكة لغير بني عمه وقومه في أول قتال «وعند ذلك نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال النبي ﷺ: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي» وفي لفظ «قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إذ جاؤوا ببطلانهم ليطفئوا نور الله، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي، فلما قاموا ودنوا قالوا لهم، من أنتم، أي لأنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح» قال عبيدة:
عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ: قالوا نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة بن الحارث وكان أسنّ القوم، كان أسنّ من النبي ﷺ بعشر سنين عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وأما علي فلم يمهل أن قتل الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذففاه» بالمهملة والمعجمة «واحتملا صاحبهما
[ ٢ / ٢١٩ ]
فجراه إلى أصحابه، أي وأضجعوه إلى جانب موقفه ﷺ، فأفرشه رسول الله ﷺ قدمه الشريفة فوضع خده عليها، وقال له رسول الله ﷺ: أشهد أنك شهيد، أي بعد أن قال له عبيدة: ألست شهيدا يا رسول الله؟ فتوفي في الصفراء، ودفن بها عند مرجع المسلمين إلى المدينة» .
وقيل برز حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وعليّ للوليد، واختلف عبيدة وشيبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه وقعت الضربة في ركبة عبيدة فأطاحت رجله وصار مخ ساقه يسيل، ثم مال حمزة وعليّ على شيبة فذففا عليه.
أي ويقال إن شيبة لما صرع من ضربة عبيدة قام، فقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين لم يصنع سيفهما شيئا فاعتنق كل واحد منهما صاحبه فأهوى عبيدة وهو صريع فضرب شيبة فقطع ساقة فذفف عليه حمزة.
وقيل بارز عليّ شيبة وبارز عبيدة الوليد. فقد روى الطبراني بإسناد حسن عن علي أنه قال «أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد، فلم يعب النبي ﷺ علينا ذلك» .
وقال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الروايات ولكن المشهور أن عليا كرم الله وجهه إنما بارز الوليد، وهذا هو اللائق بالمقام، لأن عتبة وشيبة كانا شيخين كعبيدة وحمزة، بخلاف عليّ والوليد فكانا شابين. وقتل حمزة طعيمة بن عدي أخا المطعم بن عدي وتقدم أن المطعم مات قبل هذه الغزاة بستة أشهر كافرا.
قيل وهذه المبارزة أول مبارزة وقعت في الإسلام.
وفي الصحيحين عن أبي ذر «أنه كان يقسم قسما إن هذه الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحجّ: الآية ١٩] نزلت في حمزة وصاحبه وعتبة وصاحبه يوم بدر» .
وفي البخاري عن علي رضي الله تعالى عنه أنه أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.
وقيل أول من يقف بين يدي الله للخصومة علي ومعاوية «ثم تزاحم الناس ودنا بعضهم من بعض. وقد كان عدل رسول الله ﷺ صفوف أصحابه بقدح في يده» أي بسهم لا نصل له ولا ريش «فمر بسواد» بتخفيف الواو لا بتشديدها كما زعمه ابن هشام بن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء «أي حليف بني النجار وهو خارج من الصف، فطعنه ﷺ في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني» أي مكني من القود أي القصاص «من نفسك، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال استقد» أي خذ القود أي القصاص «فاعتنقه فقبل بطنه الشريف، فقال: ما حملك على هذا يا سواد، فقال: يا
[ ٢ / ٢٢٠ ]
رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ وسلم بخير» .
وفيه أن هذا لا قود فيه ولا قصاص عندنا فليتأمل. وسواد هذا جعله ﷺ بعد فتح خيبر عاملا على خيبر كما سيأتي.
أي وفي حديث حسن عن عبد الرحمن بن عوف قال «صفنا رسول الله ﷺ يوم بدر، فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر إليهم النبي ﷺ فقال معي معي» .
أقول: وقع له ﷺ مع بعض الأنصار: أي وهو سواد بن عمرو مثل هذا الذي وقع له مع سواد بن غزية.
ففي أبي داود «أن رجلا من الأنصار كان فيه مزاح، فبينما هو يحدّث القوم يضحكهم إذ طعنه رسول الله ﷺ في خاصرته بعود كان في يده» وفي لفظ «بعرجون» وفي آخر «بعصا، فقال أصبرني يا رسول الله» أي أقدني «ومكني من نفسك لأقتص منك، فقال اصبر» أي اقتص «قال: إن عليك قميصا وليس عليّ قميص فرفع رسول الله ﷺ قميصه فاحتضنه وجعل يقبل كشحه» .
أي ومن خصائصه ﷺ أنه ما التصق ببدنه مسلم وتمسه النار كذا في الخصائص الصغرى. وفيها في محل آخر: ولا تأكل النار شيئا مس جسده، وكذلك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
«ثم لما عدّل الصفوف قال لهم: إن دنا القوم منكم فانضحوهم» أي ادفعوهم «عنكم بالنبل، واستبقوا نبلكم» أي لا ترموهم على بعد، فإن الرمي مع البعد غالبا يخطىء فيضيع النبل بلا فائدة، أي وقال لهم «لا تسلوا السيوف حتى يغشوكم.
وخطبهم خطبة حثهم فيها على الجهاد وعلى المصابرة فيه. منها: وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله ﷿ به الهم وينجي به من الغم» وهذا السياق يدل على تكرر هذه الخطبة: أي وقوعها قبل مجيئهم إلى محل القتال وبعد مجيئهم إليه.
ولا مانع منه.
«ثم رجع ﷺ إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره وسعد بن معاذ قائم على باب العريش متوشح بسيفه مع نفر من الأنصار، يخافون على رسول الله ﷺ كرة العدوّ أي والجنائب مهيأة لرسول الله ﷺ إن احتاج إليها ركبها.
ولما اصطف الناس للقتال رمى قطبة بن عامر حجرا بين الصفين وقال: لا أفر إلا إن فرّ هذا الحجر، وكان أول من خرج من المسلمين مهجع» بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة «مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرمي بسهم أرسله إليه» ونقل بعض المشايخ أنه أول من يدعى من شهداء هذه الأمة، وأنه ﷺ
[ ٢ / ٢٢١ ]
قال يومئذ «مهجع سيد الشهداء» أي من هذه الأمة، فلا ينافي ما جاء «أن سيد الشهداء يوم القيامة يحيى بن زكريا، وقائدهم إلى الجنة وذابح الموت يوم القيامة، يضجعه ويذبحه بشفرة في يده والناس ينظرون إليه» لكن جاء «سيد الشهداء هابيل» إلا أن تجعل الأولية إضافية، فيراد أول أولاد آدم لصلبه.
قيل وكون مهجع أول قتيل من المسلمين لا ينافي كون أول قتيل من المسلمين عمير بن الحمام، لأن ذاك أول قتيل من المهاجرين، وعمير أول قتيل من الأنصار، ولا ينافي ذلك أن أول قتيل من الأنصار حارثة بن قيس: أي قتل بسهم لم يدر راميه.
ففي البخاري عن حميد، قال: سمعت أنسا يقول «أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، قتل بإرسال سهم إليه»، أي فإنه أصابه سهم غرب: أي لا يعرف راميه، وهو يشرب من الحوض.
وفي كلام ابن إسحاق: أول من قتل من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب، ومن بعده حارثة بن سراقة. وقد جاءت أم حارثة وهي عمة أنس بن مالك إلى النبي ﷺ، فقالت «يا رسول الله حدّثني عن حارثة، فإن يكن في الجنة لم أبك عليه ولكن أحزن، وإن يكن في النار بكيت ما عشت في دار الدنيا» . وفي رواية «إن يكن في الجنة صبرت، وإن يكن غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، فقال: يا أم حارثة إنها ليست بجنة ولكنها جنات، وحارثة في الفردوس الأعلى، فرجعت وهي تضحك وتقول بخ بخ لك يا حارثة» وهذا قد يخالف قول ابن القيم كالزمخشري أن الجنة التي هي دار الثواب واحدة بالذات كثيرة بالأسماء والصفات، وهذا الاسم الذي هو الجنة يجمعها من أسمائها: جنة عدن، والفردوس، والمأوى، ودار السلام، ودار الخلد، ودار المقامة ودار النعيم، ومقعد صدق، وغير ذلك مما يزيد على عشرين اسما.
أي وعن الواقدي أنه بلغ أمه وأخته وهما بالمدينة مقتله، فقالت أمه: والله لا أبكي عليه حتى يقدم رسول الله ﷺ فأسأله، فإن كان في الجنة لم أبك عليه وفي رواية: «أصبر وأحتسب، وإن كان ابني في النار بكيته» .
وفي رواية: «ترى ما أصنع، فلما قدم رسول الله ﷺ من بدر جاءت أمه فقالت: يا رسول الله قد عرفت موقع حارثة من قلبي فأردت أن أبكي عليه، ثم قلت لا أفعل حتى أسأل رسول الله ﷺ، فإن كان في الجنة لم أبك عليه، وإن كان في النار بكيته، فقال النبي ﷺ: هبلت» وفي رواية «ويحك أو هبلت، أجنة واحدة إنها جنان كثيرة، والذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الأعلى ودعا رسول الله ﷺ بإناء من ماء فغمس يده فيه ومضمض فاه ثم ناوله أم حارثة فشربت، ثم ناولت ابنتها فشربت
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ثم أمرهما ينضحان في جيوبهما ففعلنا فرجعتا من عند النبي ﷺ وما بالمدينة امرأتان أقر عينا منهما ولا أسر» .
وقد كان حارثة سأل رسول الله ﷺ أن يدعو له بالشهادة، فقد جاء أنه ﷺ قال لحارثة يوما وقد استقبله «كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا بالله حقا، قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة، قال: يا رسول الله عزلت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي واظمأت نهاري، فكأني بعرش ربي بارزا، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، قال: أبصرت فالزم عبد:
أي أنت عبد بذر الله الإيمان في قلبه قال: فقلت ادع الله لي بالشهادة فدعا له رسول الله ﷺ بذلك، وقال أبو جهل وأصحابه حين قتل عتبة وشيبة والوليد تصبرا، لنا العزى ولا عزى لكم، ونادى منادي رسول الله ﷺ: الله مولانا ولا مولى لكم، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» .
أقول: سيأتي وقوع مثل ما قال أبو جهل وأصحابه من أبي سفيان وأنه أجيب بمثل هذا الجواب في يوم أحد، والله أعلم.
«وصار رسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر» أي وهذا العريش هو المراد بالقبة في قول البخاري. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رسول الله ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: اللهم أنشدك عهدك» الحديث ويقول «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلا تعبد» أي وفي مسلم «أنه ﷺ قال: اللهم: إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض» قال ذلك في هذا اليوم وفي يوم أحد.
قال العلماء: فيه التسليم لقدر الله تعالى، والردّ على غلاة القدرية الذين يزعمون أن الشر غير مراد لله ولا مقدور له.
وذكر الإمام النووي أن كونه قال ما ذكر يوم بدر هو المشهور. وفي كتب التفسير والمغازي أنه يوم أحد، ولا معارضة بينهما، فقاله في اليومين هذا كلامه.
أي يجوز أن يكون قال ذلك في يوم بدر وفي يوم أحد. وفي رواية: «اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين أي لأنه ﷺ علم أنه آخر النبيين، فإذا هلك هو ومن معه لا يبقى من يتعبد بهذه الشريعة» . وفي لفظ آخر «اللهم لا تودّع مني ولا تخذلني، أنشدك ما وعدتني» لأنه كان وعده النصر وفي رواية «ما زال يدعو ربه مادّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه، فأخذ أبو بكر رداءه وألقاه على منكبه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك تناشد ربك فإنه سينجز لك ما وعدك» أي وفي رواية «والله لينصرنك الله، وليبيضن وجهك» أي وفي لفظ «قد ألححت على ربك» وكون وعد الله لا يتخلف لا ينافي الإلحاح في الدعاء
[ ٢ / ٢٢٣ ]
لأن الله يحب الملحين في الدعاء، وإنما قال أبو بكر ما ذكر لأنه شق عليه تعب النبي ﷺ في إلحاحه بالدعاء، لأنه رضي الله تعالى عنه رقيق القلب شديد الإشفاق على رسول الله ﷺ.
وقيل لأن الصديق كان في تلك الساعة في مقام الرجاء والنبي ﷺ كان في مقام الخوف، لأن الله يفعل ما يشاء، وكلا المقامين سواء في الفضل ذكره السهيلي.
وحين رأى المسلمون القتال قد نشب عجوا بالدعاء إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى عند ذلك إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) [الأنفال: الآية ٩] أي متتابعين. وقيل ردفا لكم ومددا لكم. وقيل وراء كل ملك ملك آخر.
ويوافق ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أمدّ الله نبيه يوم بدر بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة، فأمده الله تعالى بالملائكة ألف مع جبريل وألف مع ميكائيل؟» وجاء «أمدّه الله بثلاثة آلاف: ألف مع جبريل، وألف مع ميكائيل وألف مع إسرافيل» وهذا رواه البيهقي في الدلائل عن علي بإسناد فيه ضعف.
وقيل وعدهم الله تعالى أن يمدهم بألف ثم زيدوا في الوعد بألفين، ثم زيدوا في الوعد بألفين أيضا.
وقيل أمدهم الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ثم أكملهم بخمسة آلاف، قال الله تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) [آل عمران: الآية ١٢٤] أي ألف من جبريل، وألف مع ميكائيل، وألف مع إسرافيل بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) [آل عمران: الآية ١٢٥] فإن ذلك كان يوم يدر على ما عليه الأكثر، وقيل يوم أحد كان الإمداد فيه بذلك: أي بثلاثة آلاف، ثم وقع الوعد بإكمالهم خمسة آلاف معلقا على شرط، وهو التقوى، والصبر عن حوز الغنائم فلم يصبروا ففات الإمداد بما زاد على الثلاثة آلاف.
وهذا الثاني هو الذي في النهر لأبي حيان، كان المدد يوم بدر بألف من الملائكة، ويوم أحد بثلاثة آلاف، ثم بخمسة لو صبروا عن أخذ الغنائم فلم يصبروا، فلم تنزل، هذا كلامه، وهو واضح لأن عدم صبرهم عن أخذ الغنائم وعدم امتثال أمره إنما كان في أحد لا في بدر.
وروى البيهقي عن حكيم بن حزام ﵁ أن يوم بدر وقع نمل من السماء قد سدّ الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا، أي نازلا من السماء فوقع في نفسي أن هذا شيء أيد به ﷺ وهي الملائكة.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
أي وروي بسند حسن عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود مبثوث حتى امتلأ الوادي، فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم. والبجاد: كساء مخطط من أكسية الأعراب، وسيأتي وقوع مثل ذلك في حنين.
قال: وإنما كانت الملائكة شركاء لهم في بعض الفعل ليكون الفعل منسوبا للنبي ﷺ ولأصحابه، وإلا فجبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه كما فعل بمدائن قوم لوط، وأهلك قوم صالح وثمود بصيحة واحدة، وليهابهم العدّ وبعد ذلك، حيث يعلمون أن الملائكة تقاتل معهم.
وبهذا يرد ما قيل لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وإنما كانوا يكثرون السواد، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم.
وجاء «لولا أن الله حال بيننا وبين الملائكة التي نزلت يوم بدر لمات أهل الأرض خوفا من شدة صعقاتهم وارتفاع أصواتهم» .
وجاء في حديث مرسل «ما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر ولا أصغر من يوم عرفة إلا ما رئي يوم بدر» أي وكذا سائر مواسم المغفرة والعتق من النار كأيام رمضان سيما ليلة القدر.
وجاء «إن إبليس جاء في صورة سراقة بن مالك المدلجي الكناني في جند من الشياطين» أي مشركي الجنّ في صور رجال من بني مدلج من بني كنانة معه رايته، وقال للمشركين لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨] اهـ أي كما قال لهم ذلك عند ابتداء خروجهم وقد خافوا من بني كنانة قوم سراقة، وقد تقدم أنه كان وحده. ولا منافاة لجواز أن يكون جنده لحقوا به بعد «قال: فلما رأى جبريل والملائكة» وفي رواية: وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين أي وهو الحارث بن هشام أخو أبي جهل انتزع يده من يد الرجل، ثم نكص على عقبيه وتبعه جنده، فقال له الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ [الأنفال: الآية ٤٨] وتشبث به الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك وقال له: والله لا أرى إلا خفافيش يثرب، فضربه إبليس في صدره فسقط، وعند ذلك قال أبو جهل: يا معشر الناس لا يهمنكم خذلان سراقة، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة وشيبة أي والوليد فإنهم قد عجلوا، واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه بالجبال، وصار يقول: لا تقتلوهم خذوهم باليد.
وذكر السهيلي أنه يروى أن من بقي من قريش وهرب إلى مكة وجد سراقة بمكة، فقالوا له: يا سراقة خرقت الصف، وأوقعت فينا الهزيمة، فقال: والله ما
[ ٢ / ٢٢٥ ]
علمت بشيء من أمركم، وما شهدت، وما علمت، فما صدّقوه حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل الله، فعلموا أنه إبليس هذا كلامه.
قال قتادة: صدق إبليس في قوله إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [الأنفال: الآية ٤٨] وكذب في قوله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ [المائدة: الآية ٢٨] والله ما به مخافة من الله.
قال في ينبوع الحياة: ولا يعجبني هذا، فإن إبليس عارف بالله، ومن عرف الله خافه، أي وإن لم يكن إبليس خافه حتى الخوف.
قيل وإنما خاف أن يكون هذا اليوم هو اليوم الموعود الذي قال فيه ﷾ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان: الآية ٢٢] .
ورأيت عن سيدي علي الخواص أنه لا يلزم من قول إبليس ذلك أن يكون معتقدا له بالباطن كما هو شأن المنافقين.
ورأيت عن وهب أن اليوم المعلوم الذي أنظر فيه إبليس هو يوم بدر قتلته الملائكة في ذلك اليوم. والمشهور أنه منظر إلى يوم القيامة، ويدل لذلك ما روي أن إبليس لما ضرب الحارث في صدره لم يزل ذاهبا حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال: يا رب موعدك الذي وعدتني، اللهم إني أسألك نظرتك إياي، وخاف أن يخلص إليه القتل.
هذا، وفي زوائد الجامع الصغير عن مسلم أن سيدنا عيسى ﵇ يقتل إبليس بيده بعد نزوله وفراغه من صلاته، ويرى المسلمين دمه في حربته.
وفي كلام بعضهم: ولعل المراد بيوم القيامة الذي أنظر إليه إبليس ليس نفخة البعث بل نفخة الصعق التي بها يكون موت من لم يمت من أهل السموات وأهل الأرض، قيل إلا حملة العرش وجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهؤلاء ممن استثنى الله تعالى في قوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: الآية ٦٨] ثم يموت جبريل وميكائيل ثم حملة العرش ثم إسرافيل ثم ملك الموت فهو آخر من يموت.
وفي كلام بعضهم: الصعق أعم من الموت، أي فالمراد ما يشمل الغشي وذهاب الشعور، أي فمن مات قبل ذلك وصار حيا في البرزخ كالأنبياء والشهداء لا يموت، وإنما يحصل له غشي وذهاب شعور، ويكون المستثنى من القسم الأول من تقدم ذكره من الملائكة، ومن القسم الثاني موسى صلوات الله وسلامه عليه، فإنه جوزي بذلك: أي بعدم الغشي وذهاب الشعور بما حصل له من ذلك بسبب صعقة الطور.
وفيه أنه ﷺ لم يجزم بذلك بل تردد في ذلك حيث قال «فأكون أوّل من رفع
[ ٢ / ٢٢٦ ]
رأسه» أي أفاق من الغشي «فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوام العرش فلا أدري أرفع رأسه» أي أفاق «من الغشي قبلي، أو كان ممن استثنى الله فلم يصعق» . وفي رواية «فإذا موسى متعلق بقائمة العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله؟» ولعل بعض الرواة ضم هذا الخبر لخبر الشيخين «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة،، فإذا موسى الخ» وفيه نظر لأن المراد بيوم القيامة عند نفخة البعث ونفخة الصعق سابقة عليها كما علمت.
ويلزم على هذا التردد مع كون الخبرين خبرا واحدا إشكال جزمه ﷺ بأنه أوّل من تنشق عنه الأرض.
وأجاب شيخ الإسلام بما يفيد أنهما خبران لا خبر واحد حيث قال: لتردد كان قبل أن يعلم أنه أوّل من تنشق عنه الأرض، أي فهما حديثان لا حديث واحد.
فإن قيل قوله ﷺ «لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق، فإذا موسى» الحديث يقتضي أنه ﷺ ليس أفضل من موسى.
قلنا هو كقوله ﷺ «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» وذلك منه ﷺ تواضع؛ أو كان قبل أن يعلم أنه أفضل الخلق أجمعين. وقيل الوقت المعلوم خروج الدابة، وإذا خرجت قتلته بوطئها.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إبليس إذا مرّت عليه الدهور وحصل له الهرم عاد ابن ثلاثين سنة، وهذه النفخة التي هي نفخة الصعق مسبوقة بنفخة الفزع التي تفزع بها أهل السموات والأرض فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج، وتسير الجبال كسير السحاب، وتنشق السماء، وتكسف الشمس، ويخسف القمر وهي المعنية بقوله تعالى يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) [النازعات:
٦، ٧] وبقوله تعالى إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها [الحج: ١، ٢] الآية، وقال تعالى فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [النمل: ٨٧] قيل وهم الشهداء.
فقد جاء «إن الأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك، قلنا: يا رسول الله فمن استثنى الله تعالى في قوله إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [النّمل: الآية ٨٧] فقال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) [آل عمران: الآية ١٦٩] وقاهم الله فزع ذلك اليوم وأمنهم منه» .
واقتصاره ﷺ على ذكر الشهداء وسكوته عن الأنبياء لما هو معلوم من الأصل أن مقام الأنبياء أرقى من مقام الشهداء، وإن كان قد يوجد في المفضول ما لا يوجد
[ ٢ / ٢٢٧ ]
في الفاضل. ومن ثم قيل: الرزق خاص بالشهداء، ومن ثم اختصوا بحرمة الصلاة عليهم.
ويقال إنه كان مع المسلمين يوم بدر من مؤمني الجنّ سبعون، أي لكن لم يثبت أنهم قاتلوا فكانوا مجرد مدد.
«ثم إن رسول الله ﷺ خفق خفقة أي مالت رأسه من النعاس ثم انتبه فقال:
أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه» وفي لفظ «آخذ برأس فرسه يقوده على ثناياه النقع» أي الغبار «وهو يقول: أتاك نصر الله إذ دعوته» .
أي وفي رواية «أن جبريل ﵊ أتى النبي ﷺ بعد ما فرغ من بدر على فرس حمراء معقودة الناصية قد خضب الغبار ثنيته عليه درعه وقال: يا محمد إن الله بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى أرضيت» .
أي ولا مانع من تعدد رؤيته ﷺ لجبريل ﵊، وأن هذه بعد تلك، وأن المرة الأولى مساقها يقتضي أنها كانت مناما، وأن الغبار في المرة الثانية كان أكثر منه في المرة الأولى بحيث علا على ثناياه.
«ثم خرج رسول الله ﷺ من العريش إلى الناس فحرضهم وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام» بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم «وبيده تمرات يأكلهن بخ بخ» كلمة تقال لتعظيم الأمر والتعجب منه «ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل» أي وفي رواية «أنه ﷺ قال: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فقال عمير بن الحمام بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ: لم تبخبخ» أي مم تتعجب «فقال:
رجاء أن أكون من أهلها» أي وفي رواية «ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، فأخذ تمرات فجعل يلوكهن ثم قال.
والله إن بقيت حتى ألوكهن» وفي لفظ إن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فنبذهن وقاتل أي وهو يقول:
ركضنا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبرد والرشاد
ولا زال يقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه وسيأتي في غزاة أحد مثل هذا لبعض الصحابة أبهمه جابر رضي الله تعالى عنه في ألقاء التمرات من يده ومقاتلته حتى قتل.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، قال: فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل» أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وسيأتي ما في ذلك.
وقال عوف بن الحارث ابن عفراء «يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده» أي ما يرضيه غاية الرضا «قال: غمسه يده في العدو حاسرا» أي لا درع له ولا مغفر «فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رضي الله تعالى عنه» فالضحك في حق الله كناية عن غاية رضاه.
وقد جاء أنه ﷺ قال في طلحة بن الغمر «اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه» أي ألقه لقاء كلقاء المتحابين المظهرين لما في أنفسهما من غاية الرضا والمحبة فهي كلمة وجيزة تتضمن الرضا مع المحبة وإظهار البشر، فهي من جوامع كلمه التي أوتيها ﷺ.
وقاتل في ذلك اليوم معبد بن وهب زوج هريرة بنت زمعة أخت سودة بنت زمعة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بسيفين «ثم أخذ رسول الله ﷺ حفنة من الحصباء» بالمد «أمره بذلك جبريل ﵊» كما جاء في بعض الروايات: أي قال خذ قبضة من تراب وارمهم بها «فتناولها ﷺ» .
وفي رواية «أنه قال لعلي كرم الله وجهه ناولني فاستقبل بها قريشا، ثم قال:
شاهت الوجوه» أي قبحت الوجوه أي وزاد بعضهم «اللهم أرعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم، ثم نفخهم» أي ضربهم بها «فلم يبق من المشركين رجل إلا ملأت عينه» وفي رواية «وأنفه وفمه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب لينزعه من عينيه» أي فانهزموا وردفهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
هذا، والمحفوظ المشهور أن ذلك إنما كان في حنين، لكن يوافق الأول ما نقله بعضهم أن قوله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: الآية ١٧] نزل يوم بدر، هكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد وقتادة، قال هذا البعض، وقد فعل ﵊ مثل ذلك في غزوة أحد هذا كلامه.
وفي رواية «أنه ﷺ أخذ ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم؛ وحصاة بين أيديهم، فقال: شاهت الوجوه؛ فانهزم القوم» وهذه الحصيات الثلاث قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست، فأخذهن رسول الله ﷺ فرمى بهن في وجوه المشركين، أي يمنة ويسرة وبين أيديهم وحين رمى ﷺ بذلك قال لأصحابه: شدوا فكانت الهزيمة، وأنزل الله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: الآية ١٧] .
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وقد يقال: لا مانع من اجتماع الأمرين، وكل منهما مراد من الآية. قال، وقاتل رسول الله ﷺ يومئذ بنفسه قتالا شديدا. وكذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء قاتلا بأبدانهما جمعا بين المقامين انتهى.
أقول: كذا نقل بعضهم عن الأموي، ويتأمل ذلك، فإني لم أقف عليه في كلام أحد غيره، وكأنّ قائل ذلك فهم مباشرته ﷺ للقتال مما تقدم عن علي رضي الله تعالى عنه «لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ، وكان أشد الناس بأسا» ولا دلالة في ذلك، والله أعلم.
نعم ذكر ابن سعد «أنه لما انهزم المشركون رئي رسول الله ﷺ في أثرهم مصلتا السيف يتلو هذه الآية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: الآية ٤٥] وهذه الآية ذكر في الإتقان أنها مما تأخر حكمه عن نزوله، فإنها نزلت بمكة، وكان ذلك يوم بدر.
فعن عمر رضي الله تعالى عنه: قلت أيّ جمع، فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتا السيف يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: الآية ٤٥] فكانت ليوم بدر، أخرجه الطبراني في الأوسط، ولو قاتل ﷺ لجرح أو قتل من قاتله، ولو وقع ذلك لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله.
وسيأتي في أحد عن النور «أنه ﷺ لم يقتل بيده الشريفة قط أحد إلا أبي بن خلف لا قبله ولا بعده» وإلى رميه بالحصا أشار صاحب الهمزية بقوله:
ورمى بالحصا فأقصد جيشا ما العصا عنده وما الإلقاء
أي ورمى ﷺ بالحصا جيشا فأصابهم كلهم بها، أي شيء إلقاء عصا موسى ﵊ على حبال سحرة فرعون وعصيهم عند ذلك الحصى المرميّ به لا يقاربه ذلك الإلقاء ولا يدانيه، لأن ذاك وجد له نظير وهو إلقاء السحرة الحبال والعصي، والرمي بالحصا لم يوجد له نظير.
أي وقال ﷺ حينئذ «من قتل قتيلا فله سلبه ومن أسر أسيرا فهو له» كما في الإمتاع «فلما وضع القوم أيديهم يأسرون نظر رسول الله ﷺ إلى سعد فوجد في وجهه الكراهية لما يصنع القوم، فقال له رسول الله ﷺ: لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم، قال: أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل» أي الإكثار منه والمبالغة فيه أحب إليّ من استبقاء الرجال.
وذكر بعضهم أن النبي ﷺ قال لأصحابه «إنكم قد عرفتم أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا إكراها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله» أي بل يأسره وذكر أبا البختري بن هشام، أي فقال «من لقي أبا البختري فلا يقتله» أي لأنه كان ممن قام في نقض الصحيفة ونص على العباس بن
[ ٢ / ٢٣٠ ]
عبد المطلب، فقال أبو حذيفة رضي الله تعالى عنه: أيقتل آباؤنا وأبناؤنا وإخواننا وعشيرتنا ويترك العباس؟ أي لأنه تقدم أن أباه عتبة وعمه شيبة وأخاه الوليد أول من قتل من الكفار مبارزة وعشيرته وهي بنو عبد شمس قد قتل منها جماعة، لئن لقيته يعني العباس لألجمنه السيف هو بالمهملة والمعجمة، فبلغت أي تلك المقالة رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعمر: يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ فقال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص: يا رسول الله دعني أضرب عنقه يعني أبا حذيفة بالسيف، فو الله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا في جملة من قتل فيها من الصحابة وهم أربعمائة وخمسون، وقيل ستمائة رضي الله تعالى عنهم.
ولقي المجذر رضي الله تعالى عنه أبا البختري فقال له «إن رسول الله ﷺ قد نهانا عن قتلك، فقال: وزميلي؟ أي ورفيقي وكان معه زميل له خرج معه من مكة أي قال له جنادة بن مليحة، فقال له المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله ﷺ إلا بك وحدك، قال: لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي، أي يقتل حرصا على الحياة، فقتله المجذر أي بعد أن قاتله، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقتلته» .
أقول: لعل المجذر فهم أن ما عدا من نهى عن قتله يقتل وإن استأسر حتى قال ما نحن بتاركي زميلك، أي ولا بد من قتله وإن استأسر، فكان ذلك حاملا لأبي البختري على أن لا يستأسر ويترك زميله فيقتل خوف السبة والله أعلم.
أي وكان من جملة من خرج مع المشركين يوم بدر عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما وكان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، وقيل عبد العزى، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن وكان من أشجع قريش وأشدهم رماية، وكان أسن ولد أبيه وكان صالحا وفيه دعابة، فلما أسلم قال لأبيه لقد أهدفت لي أي ارتفعت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك أي أعرضت عنك، فقال أبو بكر: لو هدفت لي لم أصدف أي أعرض عنك، فالمراد بكونه أهدف له ارتفع وهو لا يشعر بذلك، فلا ينافي ما قيل إن عبد الرحمن بن أبي بكر يوم بدر دعا إلى البراز، فقام إليه أبوه أبو بكر ليبارزه، فقال له رسول الله ﷺ «متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما علمت أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري» .
أي وفي بعض السير أن الصديق قال لولده عبد الرحمن يوم بدر وهو مع المشركين لم يسلم: أين مالي يا خبيث؟ فقال له عبد الرحمن كلاما معناه: لم يبق
[ ٢ / ٢٣١ ]
إلا عدة الحرب التي هي السلاح وفرس سريعة الجري وجنان يقاتل عليه شيوخ الضلال، أي وهذا يدل على أن الصديق رضي الله تعالى عنه ترك مالا عند أهله لما هاجر، وهو قد يخالف ما تقدم عن ابنته أسماء من قولها: إن أبا بكر أرسل ابنه عبد الله فحمل ماله وكان خمسة آلاف درهم إلى الغار، فدخل علينا جدي أبو قحافة الحديث، ولعل ماله الذي عناه الصديق ما كان من نحو أمتعة وبعض مواشي لا النقد فلا مخالفة.
ويروى عن ابن مسعود أن الصديق رضي الله تعالى عنه دعا ابنه يعني عبد الرحمن يوم أحد إلى البراز، فقال له النبي ﷺ «متعنا بنفسك، أما علمت أنك مني بمنزلة سمعي وبصري» فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: الآية ٢٤] ولا مانع من التعدد حتى في نزول الآية، لكن يبعد نزولها في أحد أيضا كون أبي بكر يدعو للمبارزة بعد نزولها أولا في بدر.
ثم رأيت ابن ظفر قال في الينبوع: إنه لم يثبت أن أبا بكر دعا ابنه للمبارزة، وإنما هو شيء ذكر في كتب التفسير، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: الآية ٢٤] فالآية مدنية لا مكية وبه يرد ما ذكر أن سببها أن أبا بكر سمع والده أبا قحافة يذكر النبي ﷺ بشر فلطمه لطمة سقط منها، فأخبر أبو بكر النبي ﷺ، فقال له لا تعد لمثلها، فقال: والله لو حضرني السيف لقتلته به.
وفي كلام الزمخشري أن عبد الرحمن أسلم في هدنة الحديبية وهاجر إلى المدينة ومات سنة ثلاث وخمسين بمحل بينه وبين مكة ستة أميال، وحمل على أعناق الرجال إلى مكة، وقدمت أخته عائشة رضي الله تعالى عنها من المدينة فأتت قبره فصلت عليه.
أي وفي هذا اليوم الذي هو يوم بدر قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه وكان مشركا، فإن أباه قصده ليقتله فولى عنه أبو عبيدة لينكفّ عنه فلم ينكف عنه، فرجع عليه وقتله وأنزل الله تعالى لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: الآية ٢٢] الآية.
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: لقد لقيت أمية بن خلف وكان صديقا لي في الجاهلية ومعه: أي مع أمية ابنه عليّ أي آخذ بيده وكان عليّ ممن أسلم والنبي ﷺ بمكة قبل أن يهاجر، ففتنهم أقاربهم عن الإسلام ورجعوا عنه وماتوا على كفرهم، وأنزل الله تعالى فيهم إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ [النّساء: الآية ٩٧] الآية، أي وهم الحارث بن ربيعة، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد، والعاص بن منبه، وعلي بن أمية المذكور.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وفي السيرة الهشامية: وذلك أنهم كانوا أسلموا ورسول الله ﷺ بمكة فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة حبستهم آباؤهم وعشريتهم بمكة، وفتنوهم فافتتنوا:
أي رجعوا عن الإسلام، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا جميعا، وسياقه كما ترى يقتضى أنهم لم يرجعوا إلى الكفر إلا بعد الهجرة، وسياق ما قبله ربما يقتضي أنهم رجعوا إلى الكفر قبل أن يهاجر ﷺ.
قال عبد الرحمن بن عوف: وكان معي أدراع استلبتها أي فأنا أحملها، فلما رآني أمية ناداني باسمي الأوّل يا عبد عمرو فلم أجبه، لأنه كان قال لي لما سماني رسول الله ﷺ عبد الرحمن، أترغب عن اسم سماك به أبوك؟ فقلت: نعم. قال:
الرحمن لا أعرفه، ولكني أسميك بعبد الإله كما تقدم فلما ناداني بعبد الإله، قلت نعم.
أي وظاهر السياق يقتضي أنه عرف أنه المراد بذلك، وأنه ترك إجابته قصدا، حيث جعله عبدا للصنم. ويحتمل وهو الأقرب أنه لم يجبه لعدم معرفته أنه المراد بذلك الاسم، لكونه هجر بالمرة، فلما ناداه أمية بما ذكر عرفه وعرف أنه المراد بذلك لما ذكر «وعند ذلك قال له أمية: هل لك فيّ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قلت نعم، فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده وبيد ابنه عليّ وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، ثم قال لي: يا عبد الإله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ أي كانت في درعه بحيال صدره. قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل وقيل قائل ذلك ابنه ثم خرجت أمشي بهما، فو الله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام أي كما تقدم، فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. فقلت: أي بلال، أفبأسيري؟ أي تفعل ذلك بهما، قال: لا نجوت إن نجا وكررت وكرر ذلك، ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا وكرر ذلك، فأحاطوا بنا فأصلت رجل السيف» أي سله من غمده «وذلك الرجل هو بلال فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فضربوهما بأسيافهم فهبروهما» .
أقول: الذي في البخاري عن عبد الرحمن بن عوف «أن بلالا لما استصرخ الأنصار، قال: خشيت أن يلحقونا فخلفت لهم ابنه لأشغلهم به فقتلوه ثم أتونا حتى لحقوا بنا، وكان أمية رجلا ثقيلا» أي كما تقدم «فقلت ابرك، فألقيت نفسي عليه لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، فأصاب أحدهم رجلي بسيفه» أي ظهر قدمه.
وفي كلام ابن عبد البر. قال ابن هشام: قتل أمية بن خلف معاذ ابن عفراء
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وخارجة بن زيد وحبيب بن أساف اشتركوا فيه.
قال ابن إسحاق: وابنه علي قتله عمار بن ياسر وحبيب بن أساف، هذا شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وتزوّج بنت خارجة بعد أن توفي عنها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ وهو جد حبيب شيخ مالك رضي الله تعالى عنه والله أعلم.
وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: يرحم الله بلالا، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري أي وفي رواية: لما كان يوم بدر حصل لي درعان ولقيني أمية، فقال: خذني وابني فأنا خير لك من الدرعين، فألقيت الدرعين فأخذتهما، فلما قتلا صار يقول:
يرحم الله بلالا فلا درعيّ ولا أسيريّ، أي لأنه ﷺ جعل في هذه الغزاة أن كل من أسر أسيرا فهو له كما تقدم وسيأتي: أي فله فداؤه، وهو يخالف ما عليه أئمتنا أن مال فداء الأسرى ورقابهم إذا استرقوا كسائر أموال الغنيمة، إلا أن يقال ذاك كان في صدر الإسلام ترغيبا في الجهاد، ثم استقر الأمر على ما قاله فقهاؤنا، أي وقال رسول الله ﷺ «من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي كرّم الله وجهه: أنا قتلته، فكبر رسول الله ﷺ وقال: الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه» أي فإنه لما التقى الصفان نادى نوفل بصوت رفيع: يا معاشر قريش اليوم يوم الرفعة والعلاء، فقال ﷺ «اللهم اكفني نوفل بن خويلد» وفي كلام بعضهم ما يفيد أن قتل علي كرّم الله وجهه له كان بعد أن أسره جبار بن صخر، فقد جاء «أن جبارا بينما هو يسوقه إذ رأى عليا، فقال: يا أخا الأنصار من هذا واللات والعزى؟ إنه ليريدني، فقال: هذا علي بن أبي طالب، فعمد له علي كرم الله وجهه فقتله، ثم أمر رسول الله ﷺ بأبي جهل أن يلتمس في القتلى وقال: إن خفي عليكم» أي بأن قطع رأسه وأزيل عن جثته «انظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوما أنا وهو على مائدة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أسن منه: أي أكبر من بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش» أي خدش «على أحديهما جحشا لم يزل أثره به» .
أي ولعل هذا هو محمل قول بعضهم إنه ﷺ صارع أبا جهل، فإنه لم يصح أنه صارعه، ولعل هذا الأثر هو الذي عناه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بقوله: لما قتلت أبا جهل لعنه الله، وقلت لرسول الله ﷺ. قتلت أبا جهل، فقال لي عقيل وهو أسير عند النبي ﷺ: كذبت ما قتلته؛ فقلت له: بل أنت الكذاب الآثم يا عدوّ الله، قد والله قتلته، قال: فما علامته؟ قلت: إن بفخذة حلقة كحلقة الجمل المحلق، قال صدقت، وكان أبو جهل، قد استفتح أي طلب الحكم على نفسه، لأنه لما دنا القوم بعضهم من بعض قال: اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأخنه: أي أهلكه الغداة، أي زاد بعضهم: اللهم من كان أحب إليك وأرضى عندك، وفي لفظ: اللهم
[ ٢ / ٢٣٤ ]
أولانا بالحق فانصره اليوم، فأنزل الله تعالى إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال: الآية ١٩] .
أقول: كون أبي جهل طلب الحكم على نفسه واضح لو سكت عن قوله وأتانا بما لا نعرف، إذ هو نص فيه ﷺ.
وفي تفسير سهل أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين عندك وارضاهما لك، أي وفي رواية اللهم انصر خير الدينين، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحادث، فنزل إِنْ تَسْتَفْتِحُوا [الأنفال: الآية ١٩] يعني تستنصروا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال: الآية ١٩] .
وفي أسباب النزول للواحدي أن المشركين حين أرادوا الخروج من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدي الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى الآية.
وقد روي عن النبي ﷺ «أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين» والله أعلم.
قال معاذ بن عمرو بن الجموح: رأيت أبا جهل وقد أحاطوا به وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه، فلما سمعتها عمدت نحوه وحملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه: أي أسرعت قطعه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى، والمرضخة: بالخاء المعجمة وبالمهملة. وقيل الرضخ بالمعجمة: كسر الرطب، وبالمهملة كسر اليابس، وضربني ابنه أي عكرمة رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جسمي، وأجهضني القتال: أي شغلني عنه، فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأستحسها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها. وفي رواية «أنه جاء بها إلى رسول الله ﷺ فبصق عليها، أي ولصقها فلصقت» وإلى ذلك يشير الإمام السبكي في تائيته، لكن قال ابن عفراء: ولا منافاة لجواز أن يكون معاذ بن عمرو بن الجموح ابن عفراء، وسيأتي ما يدل على ذلك بقوله:
وبانت بها كف ابن عفراء فاشتكى إليك فعادت بعد أحسن عودة
إلا أن قوله بها يرجع لغزاة أحد، وقد علمت أن ذلك إنما هو ببدر، واحتمال تكرر ذلك في أحد وفي بدر لشخص واحد بعيد، إلا أن يثبت النقل بذلك، ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بضم الميم وتشديد الواو مفتوحة ومكسورة ابن عفراء، فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق، أي وما جاء في بعض الروايات ضربه حتى برد بفتح الموحدة والراء والدال المهملة: أي مات لا ينافيه؛ لأنه يجوز أن يكون المراد صار في حالة من مات بأن صار إلى حركة المذبوح، ومن ثم جاء في بعض الروايات
[ ٢ / ٢٣٥ ]
حتى برك بالكاف بدل الدال أي سقط إلى الأرض: أي إلى جنبه، وإلا فقطع قدمه مع نصف ساقه لا يفضي غالبا أن يسقط إلى جنبه، ومعوذ هذا لا زال يقاتل حتى قتل. قال عبد الله بن مسعود ﵁: ورأيت أبا جهل بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه، ثم قلت له هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبم أخزاني؟ أعار عليّ رجل قتلتموه: أي ليس بعار على رجل قتلتموه. وفي رواية:
أعمد من رجل قتلتموه، أي أنا سيد رجل قتلتموه، لأن عميد القوم سيدهم: أي فلا عار عليّ في قتلكم إياي.
وجاء أنه قال: لو غير أكار قتلني، والأكار: الزراع يعني الأنصار لأنهم كانوا أصحاب زرع: أي لو كان الذي قتلني غير فلاح لكان أحب إليّ وأعظم لشأني، ولم يكن عليّ في ذلك نقص، لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا، أخبرني لمن الديرة؟ أي النصرة والظفر اليوم. زاد في رواية، لنا أو علينا؟ قلت لله ولرسول الله ﷺ. وفي الصحاح في دبر بالباء الموحدة، والدبرة: الهزيمة في القتال.
ومما يدل للأول ما تقدم من قول أبي جهل: أخبرني على من كانت الدبرة لنا أو علينا؟ وفي مغازي ابن عقبة التي قال فيها مالك رضي الله تعالى عنه مغازي موسى بن عقبة أصح المغازي «أن رسول الله ﷺ وقف على القتلى والتمس أبا جهل فلم يجده حتى عرف ذلك في وجهه ثم قال: اللهم لا تعجزني فرعون هذه الأمة، فسعى له الرجال حتى وجده ابن مسعود الحديث. وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه لما قال رسول الله ﷺ «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فوجده قد ضربه ابن عفراء حتى برد» ولمسلم «برك» أي وهو المراد من الأول كما تقدم، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل» الحديث، وأخذه بلحيته لا ينافي وضع رجله على رقبته، لجواز أن يكون جمع بينهما. قال ابن مسعود: ثم احتززت رأسه.
وفي رواية رويت عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال «لما ضربته بسيفي لم يغن شيئا فبصق في وجهي وقال خذ سيفي فاحتزّ به رأسي من عرشي، ليكون أنهى للرقبة، والعرش: عرق في أصل الرقبة، ففعلت كذلك، ثم جئت به إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، فقال رسول الله ﷺ: الله الذي لا إله غيره، أي ورددها ثلاثا» وروى الطبراني «الله قتلت أبا جهل» بنصب الجلالة، وهو بهذا اللفظ عندنا كناية يمين، ومثل النصب الرفع والجر «قال: قلت نعم والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ﷺ فحمد الله تعالى» أي ويقال إنه ﷺ سجد خمس سجدات شكرا، ويقال إنه قال «الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» وكون أبي
[ ٢ / ٢٣٦ ]
جهل بصق في وجه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وقال له خذ سيفي الخ، ينافي كونه وصل إلى حركة المذبوح، إلا أن يقال يجوز أن يكون في أول الأمر كان كذلك ثم تراجعت إليه روحه حتى قدر على ما ذكر فليتأمل، مع ما يأتي.
قيل وبهذا أي بحمل رأس أبي جهل إلى رسول الله ﷺ يردّ على الزهري قوله:
لم يحمل إلى النبي ﷺ رأس قط ولا يوم بدر وحمل رأس لأبي بكر ﵁ فأنكره. ويجاب بأن البيهقي ﵀ قال: ما روي من حمل رأس أبي جهل قد تكلم في ثبوته وبتقدير صحته فهو من محل إلى محل لا من بلد إلى بلد، أي من بلد الكفر إلى دار الإسلام: أي الذي أنكره أبو بكر ﵁، فإنه أنكر نقل الرأس من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
وقد جوّزه من أئمتنا الماوردي والغزالي إذا كان في ذلك مكايدة للكفار. وفي النور: تحصلنا على جماعة حملت رؤوسهم إليه ﷺ: أبو جهل، وسفيان بن خالد، وكعب بن الأشرف، ومرحب اليهودي، والأسود العنسي على ما روي، وعصماء بنت مروان، ورفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة: أي ورأس عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعيته ﷺ وشق شفته السفلى يوم أحد كما سيأتي.
وفي وضع ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رجله على عنق أبي جهل وقطع رأسه تصديق لتعبيره للرؤيا التي رآها لأبي جهل وقال له: إن صدقت رؤياي لأطأنّ رقبتك ولأذبحنك ذبح الشاة.
وفي رواية أن ابن مسعود ﵁ وجده مقنعا في الحديد وهو منكب لا يتحرك فرفع سابغة البيضة: أي الخودة عن قفاه لأن سابغة البيضة ما يغطى بها العنق، ومن ثم يقال بيضة لها سابغ، فضربه فوقع رأسه بين يديه.
وعن ابن مسعود كما في المعجم الكبير للطبراني: انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد ومعي سيف رديء فجعلت أنقف رأسه وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة، فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال: على من كانت الدبرة؟ ألست برويعينا بمكة؟ فقتله ثم سلبه، فلما نظر إليه إذ هو ليس به جراح، وإنما هي أحدار:
أي أورام في عنقه ويديه وكتفيه كهيئة آثار السياط: أي آثار سود كسمة النار: أي ليس به جراح من جراح الآدميين داخل بدنه، فلا ينافي ما تقدم من قطع ابن الجموح لرجله.
ويجوز أن يكون ضرب ابن عفراء له حتى أثبته لم ينشأ عنه جراحة داخل بدنه، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ذاك ضرب الملائكة، أي فإن الملائكة ﵈ كانت لا تعلم كيف قتل الآدميين فعلمهم الله تعالى ذلك بقوله تعالى فَاضْرِبُوا فَوْقَ
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال: الآية ١٢] أي مفصل، فكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم بآثار سود كسمه النار. ولا ينافي ذلك وصفه بالخضرة في بعض الروايات، لأن الأخضر لشدة خضرته ربما قيل فيه أسود، وتلك الآثار في الأعناق، والبنان الظاهر أن ذلك يكون موجودا حتى بعد مفارقة الرأس أو اليد ليستدل به على أن مفارقة الرأس أو اليد من فعل الملائكة، وينبغي أن يكون هذا: أي ضربهم فوق الأعناق والبنان أكثر أحوالهم، فلا ينافي وجود أثر ضربهم في الكتفين كما تقدم وفي الوجه والأنف.
فعن بعض الصحابة ﵃: كنا ننظر إلى المشرك أمامنا مستلقيا فننظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق في وجهه كضربة السوط فاحضر ذلك الموضع، وفسر بعضهم الأعناق بالرؤوس، وهو غير مناسب لما ذكر هنا.
وروي عن سهل بن حنيف عن أبيه ﵁ قال «لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك» أي يرفعه عليه «فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف» ويمكن الجمع بين هذا وما قبله بأن ضرب الملائكة في الأعناق تارة يفصلها وتارة لا، وفي الحالتين يرى أثر ذلك أسود في العنق ليستدل به على أنه من فعل الملائكة كما تقدم.
وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال «انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد قطعت رجله وهو صريع وهو يذب الناس عنه بسيف له، فقلت: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، قال: هل هو إلا رجل قتله قومه، قال: فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده، فبدر» أي سقط سيفه «فأخذته فضربته حتى قتلته، ثم خرجت حتى أتيت النبي ﷺ كأنما أقلّ من الأرض» أي أحمل من شدة الفرح «فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو» وفي لفظ تقدم «لا إله غيره رددها ثلاثا» وفي رواية عن ابن مسعود «فاستحلفني ﷺ ثلاث مرات، ثم قال: الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله ثلاث مرات وخر ساجدا: أي خمس سجدات شكرا» كما تقدم.
وفي رواية: صلى ركعتين. قال ابن مسعود ﵁: ثم إنه ﷺ خرج يمشي معي حتى قام عليه فقال: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة» زاد في لفظ «ورأس قاعدة الكفر، ونفلني سيفه أي وكان قصيرا عريضا فيه قبائع فضة وحلق فضة» ومع قصره كان أقصر من سيف ابن مسعود فلا منافاة.
أقول: يجوز أن يكون المضيّ إليه بعد إلقاء الرأس بين يديه ﷺ استعظاما لقتله، أي وأن ابن مسعود في هذه الرواية سكت عن قطع رأسه والمجيء بها إلى رسول الله ﷺ: فلا مخالفة؛ وقد قال له النبي ﷺ يوما وقد أخذ بمجامع ثوبه «أولى
[ ٢ / ٢٣٨ ]
لك فأولى ثم أولى لك فأولى» أي وعيدا على وعيد «فقال: ما تستطيع أنت ولا ربك بي شيئا، وإني لأعز من مشى بين جبليها، فأنزل الله تعالى فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) [القيامة: الآيات ٣١- ٣١] وقيل نزلت كالتي قبلها في عدي بن ربيعة لما سأل رسول الله ﷺ عن أمر القيامة فأخبره به، فقال: لو عاينت هذا اليوم لم أصدقك، أو يجمع الله هذه العظام؟ فأنزل الله تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) [القيامة: الآية ٣] الآيات، والله أعلم.
وعن قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن لكل أمة فرعونا وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل، قتله الله شر قتله» بكسر القاف الهيئة. قتلته الملائكة، وفي لفظ قتله ابن عفراء وقتلته الملائكة، وقد ذففه: أي أجهز عليه ابن مسعود وابن عفراء هذا يجوز أن يكون هو معاذ بن عمرو بن الجموح. ويجوز أن يكون أخاه معاذ بن الحارث، وكونه قتله لأنه أزال منعته كما تقدم.
وفي مسلم عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، نظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل بن هشام؟ قلت نعم، وما حاجتك به؟ قال: بلغني أنه كان يسب رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سواده: أي شخص شخصه حتى يموت الأعجل منا: أي الأقرب أجلا، فغمزني الآخر فقال مثلها، فعجبت لذلك، أي لحرص كل منهما على ذلك وإخفائه عن صاحبه ليكون المختص به فلم أنشب: أي ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس: أي بالزاي يتحول من محل إلى محل آخر، فقلت لهما ألا تريان؟
هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه أي أشرفا به على القتل فصيراه إلى حركة مذبوح، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما أنا قتلته، قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قال لا، فنظر رسول الله ﷺ في السيفين، فقال كلاكما قتله، وقضى بسلبه: أي ما عدا سيفه لهما، فلا ينافي ما سبق من اعطائه لابن مسعود ﵁، وهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء بن الحارث، فهما: أي معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن الحارث ابنا عفراء، غاية الأمر أن الأول اشتهر بأبيه عمرو بن الجموح، والثاني اشتهر بأمه التي هي عفراء.
وقول الحافظ ابن حجر: إن معاذ بن عمرو بن الجموح ليس اسم أمه عفراء يجوز أن يكون مستنده في ذلك مقابلة ابن الجموح بابن عفراء في كلامهم المقتضي ذلك، لأن يكون ابن الجموح ليس ابن عفراء.
ولا يشكل على ذلك ما في النور نقلا عن الإمام النووي، أن عمرو بن
[ ٢ / ٢٣٩ ]
الجموح وابني عفراء: أي معاذ ومعوذ اشتركوا في قتل أبي جهل، لأن معاذا الثاني ابن الحارث، فكل من عمرو بن الجموح والحارث تزوج عفراء، وكل سمى ولده منها بمعاذ. ويدل لذلك ما يأتي عن الإمتاع أنه ﷺ قال «رحم الله ابني عفراء اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة، ولما قيل له: يا رسول الله من قتله معهما، قال الملائكة، ولم يقل عمرو بن الجموح» لكن رأيت بعضهم ذكر أن عفراء شهد لها بدرا سبع بنين ثلاثة من الحارث بن رفاعة، وهم معوذ ومعاذ، وعامر، وأربعة من بكر بن عبد ياليل، وهم خالد وأساس وعاقل وعامر، واستشهد منهم ببدر معاذ ومعوذ وعاقل هذا كلامه، وذكر عامر في الأول تقدم بدله ذكر عوف وهو واضح، فقد تقدم أن عوف بن الحارث ابن عفراء قال «يا رسول الله ما يضحك الرب الخ» ولم يذكر هذا البعض أن من أولادها معاذ بن عمرو بن الجموح، وهو يؤيد ما تقدم عن الحافظ، وعن الإمام النووي، فعليك بالتأمل. وقيل قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
أقول: أي لكونه هو الذي أزال منعته فاستحق سلبه، ولا ينافي ذلك قوله ﷺ لهما «كلاكما قتله» لجواز أن يكون أتى بذلك ملاطفة للثاني وترغيبا له في الجهاد، لأن له مشاركة ما في قتله، لأنه زاد في إثخانه إلى أن صيره إلى آخر رمق.
ويرده كونه ﷺ أشركهما في سلبه، ومن ثم قال فقهاؤنا: يعطي السلب لمن أثخن دون من قتل: أي بعد ذلك، فقد أعطى رسول الله ﷺ سلب أبي جهل لمثخنيه ابني عفراء دون قاتله ابن مسعود، لكن هذا القيل قال به بعض آخر من فقهائنا، وهو الموافق لما في البخاري في كتاب فرض الخمس: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء قتلا أبا جهل ثم تنازعا فيه، وذلك لأن النبي ﷺ نظر إلى السيفين فرأى فيهما أثر الدم فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن الجموح، قال الأصحاب لأنه أثخنه والآخر جرحه بعده، وقوله: كلاكما قتله تطييب لقلب الآخر هذا كلامه فليتأمل، فإن الذي أظنه أن كونه رأى أثر الدم في سيفيهما خلط من الراوي لأن ذلك كان في قتل ابن الأشرف، ويؤيد الخلط ما تقدم عن ابن مسعود أنه لم ير فيه أثر جراح داخل بدنه.
وفي الإمتاع أنه ﷺ قال «يرحم الله ابني عفراء فإنهما قد اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر، فقيل: يا رسول الله من قتله معهما؟ قال: الملائكة، وذففه ابن مسعود» وهذا السؤال يقتضي أن معنى قوله ﷺ «إنهما قد اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة» أن غيرهما شاركهما في ذلك، فليتأمل.
وفي شرح الروض وهو من أجل كتبنا أن عبد الله بن رواحة وابني عفراء تقاتلا مع أبي جهل مبارزة وأنه ﷺ علم ذلك وأقره؛ وجعلوا ذلك دليلا على إباحة مبارزة القوي لكافر لم يطلب المبارزة.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
أي وأما ما تقدم من أمره ﷺ لحمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث بمبارزة عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة فذاك لكافر طلب المبارزة فقد تقدم أن عتبة خرج بين أخيه شيبة وولده الوليد حتى فصل من الصف ودعا للمبارزة، وأنه خرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة إخوة أشقاء وهم: معاذ ومعوذّ وعوف بنو عفراء، وقيل بدل عوف عبد الله بن رواحة، فلم يرضوا بمبارزتهم، فعند ذلك أمر ﷺ من ذكر بمبارزتهم، وعندي أن ما ذكره في شرح الروض من مبارزة عبد الله بن رواحة وابني عفراء لأبي جهل، ذكر أبي جهل اشتباه، وإنما هو لهؤلاء الثلاثة ولم تقع منهم مقاتلة، وكيف يبارز ثلاثة واحدا؟ فليتأمل.
وجاء في الحديث «إن الله قتل فرعون هذه الأمة أبا جهل، فالحمد لله الذي صدق وعده، ونصر دينه» والله أعلم.
وكان على الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهورهم، أي إلا جبريل فإنه كان عليه عمامة صفراء، أي وقيل حمراء.
قال بعضهم: وكان بعضهم بعمائم خضر وبعضهم بعمائم صفر، وبعضهم بعمائم حمر أي وبعضهم بعمائم بيض، وبعضهم بعمائم سود، فلا منافاة.
وذكر أن عمامة جبريل ﵇ يوم أغرق فرعون كانت سوداء، قال وفي رواية «سيماهم عمائم سود» وعند ابن مسعود ﵁ «كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر» اهـ أي وبيض وسود.
وفي كلام بعضهم: نزلت الملائكة يوم بدر بعمائم صفر، ورواية بيض وسود ضعيفة.
وفي كلام ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال «كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل، فإنه كان عليه عمامة صفراء من نور» أي وكانوا يوم أحد بعمائم حمر ويوم حنين كذلك» .
في الجامع الصغير «كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم أحد عمائم حمر» وما ذكر لا ينافي ما قيل سيماهم ببدر عمائم صفر قد أرخوها بين أكتافهم. وما جاء «كان على الزبير ﵁ ببدر عمامة صفراء معتجرا بها، فقال ﷺ: نزلت الملائكة عليّ بسيماء أبي عبد الله» يعني الزبير ﵁، لجواز أن يكون أكثرهم كان بعمائم صفر.
وقد ذكر أن الزبير ﵁ قاتل يوم بدر قتالا شديدا حتى كان الرجل يدخل يده في الجراح في ظهره وعاتقه.
وقد سئل الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى عن قوله تعالى يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ
[ ٢ / ٢٤١ ]
آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: الآية ١٢٥] ما السمة التي كانت عليهم؟ فأجاب بأن ابن أبي حاتم ذكر في تفسيره بأسانيد عن علي كرم الله وجهه أنها الصوف الأبيض في نواصي خيولهم وأذنابها.
وعن مكحول وغيره أنها العمائم. وعن ابن عباس ﵄ أنها كانت عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهورهم، وفي سنده رجل ضعيف. وعنه أيضا عمائم سود، وفي سنده متروك، ثم قال: ورواية البيض والسود ضعيفة هذا كلامه، أي وعلى تقدير صحتها يجاب بما قدمنا. وكان شعار الأنصار: أي علامتهم التي يتعارفون بها في ذلك إذا جاء الليل أو وقع اختلاط «أحد أحد» أي وشعار المهاجرين يومئذ «يا بني عبد الرحمن» .
أي وعن زيد بن علي قال: كان شعار النبي ﷺ أي المهاجرين أو هو حتى لا يشتبه بغيره «يا منصور أمت» ويقال «أحد أحد» وشعار الخزرج «يا بني عبد الله» وشعار الأوس «يا بني عبيد الله» .
وعن ابن سعد يقال كان شعار الجميع يومئذ «يا منصور أمت» .
أي وقد يقال: لا منافاة بين هذه الرواية وما قبلها من الروايات، لأن المراد بالجميع المجموع، لكن يحتاج إلى الجمع بين تلك الروايات السابقة على تقدير صحتها وكانت خيل الملائكة بلقا.
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان سيما الملائكة: أي سيما خيلهم يوم بدر الصوف الأبيض، أي وفي لفظ: بالعهن الأحمر في نواصي الخيل وأذنابها.
أي ولا منافاة، لجواز أن يكون بعضهم كذا، وبعضهم كذا، وعند ذلك قال ﷺ «سوّموا خيلكم فإن الملائكة قد سومت» فهو أول يوم وضع فيه الصوف أي في نواصي الخيل وأذنابها، ولم أقف على لون الصوف الذي وضع في ذلك.
وعن ابن عباس ﵄ قال «حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة» أي الغلبة «فننهب مع من ينهب، فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: اقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه» أي غشاؤه «فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت» وأقدم بضم الدال من التقدم: كلمة يزجر بها الخيل، وحيزوم بالميم وربما قيل بالنون اسم فرس جبريل، ولعلها هي الحياة وأحدهما اسم لها والآخر لقب، وقيل لها الحياة لأنها ما مسها شيء إلا صار حيا وهي التي قبض من أثرها أي من تراب حافرها السامري، نسبة إلى سامر، قرية أو طائفة: ما ألقاه في العجل الذي
[ ٢ / ٢٤٢ ]
صاغه من حلي القبط فكان له خوار: أي صوت، فكان إذا خار سجدوا وإذا سكت رفعوا، قال في النهر: الظاهر أنه قامت به الحياة.
وقيل لما صنعه السامري أجوف تحيل لتصويته بأن جعل في تجويفه أنا بيب على شكل مخصوص وجعله في مهب الرياح فتدخل في تلك الأنابيب فيظهر له صوت يشبه الخوار. وفي كلام بعضهم: فرس جبريل التي هي حيزوم كان صهيله التسبيح والتقديس، وإذا نزل عليها جبريل ﵇ علمت الملائكة أن نزوله للرحمة، وإذا نزل منشور الأجنحة علمت أن نزوله للعذاب، أي وحينئذ فنزول جبريل ﵇ عليها يوم بدر كان لرحمة المسلمين، وإن كان عذابا على الكافرين، ويكون نزوله لا عليها بل منشور الأجنحة إذا كان لمحض العذاب.
ويحتمل أن يكون حيزوم غير فرس الحياة، وإليه ذهب السهيلي ﵀، فقال: والحياة أيضا فرس لجبريل ﵇.
قال الحافظ ابن حجر: ومن الأخبار الواهية أن الموت كبش لا يجد ريحه شيء إلا مات، والحياة فرس بلقاء أثنى، أي خطوتها- كما في العرائس- مدّ البصر، وهي التي كان جبريل ﵇ والأنبياء ﵈ يركبونها أي كلهم كما في العرائس، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي.
هذا، وفي أثر مرسل أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم؟ فقال جبريل ﵇: يا محمد ما كل أهل السماء أعرف.
قال ابن كثير: وهذا الأثر يردّ قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل ﵇، أي وفيه أنه لا يبعد أن يقول أحد من الملائكة لفرس جبريل اقدم حيزوم، ولا يعرف ذلك القائل، وكأنّ الحافظ ابن كثير ﵀ فهم من قوله ﷺ من القائل الخ، أن ذلك الفرس لذلك القائل، نعم إن كان هذا الأثر وقع بعد الرواية التي تلي هذه وهي جاءت سحابة الخ، أو أن ذلك الأثر سقط من لفظة لفرسه، والأصل من القائل يوم بدر من الملائكة لفرسه، اتجه ما فهمه ابن كثير ﵀ فليتأمل، قال:
وفي رواية «جاءت سحابة فسمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا رجلا يقول لفرسه: اقدم حيزوم، فنزلوا على ميمنة رسول الله ﷺ، ثم جاءت سحابة أخرى نزل منها رجال كانوا على ميسرته، فإذا هم على الضعف من قريش فمات ابن عمي، وأما أنا فتماسكت وأخبرت النبي ﷺ وأسلمت» ومن ثم ذكر في الصحابة.
وفي النور: هذا الرجل مذكور في الصحابة، وليس في الحديث أي الرواية الأولى ما يدل على إسلامه إلا أن تحديثه لابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهذه المعجزة للنبي ﷺ يشعر بإسلامه هذا كلامه.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وفيه أن قوله ونحن مشركان يدل على أنه كان مسلما عند تحديثه لابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وقد جاء عن ابن عباس ﵄ «أن الغمام الذي ظلل بني إسرائيل في التيه هو الذي يأتي الله تعالى فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.
أي وعن علي رضي الله تعالى عنه «هبت ريح شديدة ما رأيت مثلها قط ثم جاءت أخرى كذلك، ثم جاءت أخرى كذلك، ثم جاءت أخرى كذلك، فكانت الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة» أي لعلها أمامه أخذا من قوله «وكانت الثانية ميكائيل، نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله ﷺ، وكانت الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله ﷺ» وفي ذلك سكوت عن الرابعة، أي زاد في الإمتاع «وكان إسرافيل وسط الصف لا يقاتل كما يقاتل غيره من الملائكة» .
وظاهر هذا أن كلا من جبريل وميكائيل قاتل، وتقدم أنهم في هذه الغزاة التي هي غزاة بدر قيل لم يمدوا إلا بألف من الملائكة، ورواية ألفين ضعيفة جاءت عن علي رضي الله تعالى عنه، فتكون هذه الرواية التي جاءت عن علي أيضا كذلك، ولا نظر لما تقدم عن بعضهم أن إمدادهم يوم بدر بثلاثة آلاف أولا، وأنهم وعدوا أن يمدوا بخمسة آلاف إن ثبتوا وصبروا وهو ما عليه الأكثر، لما علمت أن ذلك إنما كان في أحد، وسيأتي ذلك مع زيادة. قال بعضهم: ولم تقاتل الملائكة إلا في يوم بدر، أي وفي غيره يكونون مددا من غير مقاتلة، وسيأتي أنهم قاتلوا يوم أحد ويوم حنين.
ففي مسلم عن سعد بن أبي وقاص «أنه رأى عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل ﵉، يقاتلان كأشد القتال» .
قال الإمام النووي ﵀: فيه أن قتال الملائكة لم يختص بيوم بدر، وهذا هو الصواب، خلافا لمن زعم اختصاصه، فإن هذا صريح في الرد عليه.
أقول: يمكن الجمع بأن المختص ببدر قتال الملائكة عنه وعن أصحابه، وفي غيره كان عنه ﷺ خاصته، فلا منافاة؛ ثم رأيتني ذكرت هذا الجمع في غزوة أحد عن البيهقي، وتعقبته بما جاء أن الملائكة قاتلت في ذلك اليوم عن عبد الرحمن بن عوف. وعلى تسليم ورود ذلك فيه أنهم لو قاتلوا يوم أحد لظهر أثر قتلهم كما ظهر في يوم بدر.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وقد يقال: مرادهم بالمقاتلة يوم أحد المدافعة من غير أن يوقعوا فعلا، وفي يوم بدر المراد بالمقاتلة إيقاع الفعل، والله أعلم.
وانكسر سيف عكاشة بتشديد الكاف أكثر من تخفيفها- ابن محصن وهو يقاتل به فأعطاه رسول الله ﷺ جذلا من حطب: أي أصلا من أصول الحطب وقال له قاتل بهذا يا عكاشة، فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزه فعاد في يده سيفا، طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديد، فقاتل به ﵁ حتى فتح الله تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون.
ثم لم يزل عند عكاشة وشهد به المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. ثم لم يزل متوارثا عند آل عكاشة. وعكاشة، مأخوذ من عكش على القوم: إذا حمل عليهم، والعكاشة: العنكبوت، وسيأتي مثل ذلك في أحد لعبد الله بن جحش.
وانكسر سيف سلمة بن أسلم ﵁ فأعطاه رسول الله ﷺ قضيبا كان في يده: أي عرجونا من عراجين النخل وقال: اضرب به، فإذا هو سيف جيد فلم يزل عنده.
قال: وعن خبيب بن عبد الرحمن قال «ضرب خبيب جدي يوم بدر فمال شقه، فتفل عليه رسول الله ﷺ ولأمه ورده فانطبق» .
وعن رفاعة بن مالك ﵁ قال «لما كان يوم بدر رميت بسهم ففقئت عيني، فبصق عليها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء» اهـ.
ثم أمر رسول الله ﷺ بالقتلى من المشركين أن ينقلوا من مصارعهم التي أخبر بها رسول الله ﷺ قبل وجودها؟ فعن عمر بن الخطاب ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر يقول: هذا مصرع عتبة بن ربيعة، وهذا مصرع شيبة بن ربيعة، وهذا مصرع أمية بن خلف، وهذا مصرع أبي جهل بن هشام، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى، أي ويضع ﷺ يده الشريفة على الأرض، فما تنحى أحدهم عن موضع يده» كما تقدم عن أنس، وتقدم عنه أن ذلك كان ليلة بدر بعد أن وصل إلى محل الوقعة، إذ لا يتصور وضع يده على الأرض إلا إذا كان بمحل الوقعة.
وبه يعلم ما ذكره بعضهم أن إخباره ﷺ بمصارع القوم تكرر منه مرتين قبل الوقعة بيوم أو أكثر ويوم الوقعة، هذا كلامه، إلا أن يقال قوله يوم الوقعة هو بناء على أنه ﷺ وصل بدرا في النهار. والقول بأن ذلك كان ليلا بناء على أنه وصل بدرا ليلا. ومعلوم أنه إنما وضع يده في محل الوقعة.
ثم أمر ﷺ أن يطرحوا فطرحوا في القليب، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه
[ ٢ / ٢٤٥ ]
انتفخ في درعه فملأه فذهبوا ليحركوه فتزايل: أي تقطعت أوصاله فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.
وهذا دليل على أن الحربي لا يجب دفنه، وبه قال أئمتنا، بل قالوا: يجوز إغراء الكلاب على جيفته.
وفي سنن الدارقطني «كان من سنته ﷺ في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنا كان أو كافرا» أي ولكثرة جيف الكفار كره ﷺ أن يشق على أصحابه أن يأمرهم بدفنهم فكان جرهم إلى القليب أيسر، وكان الحافر لهذا القليب رجل من بني النجار، فكان فألا مقدما لهم ذكره السهيلي.
«ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة ﵁ في القليب تغير وجه أبي حذيفة ففطن» بفتح الطاء «له رسول الله ﷺ، فقال له: لعلك دخلك من شأن أبيك شيء، فقال: لا والله، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرا» .
أقول: وذكر فقهاؤنا أن النبي ﷺ نهى أبا حذيفة عن قتل أبيه في هذه الغزاة وقد أراد ذلك، والله أعلم.
«ثم جاء رسول الله ﷺ حتى وقف على شفير القليب» أي قيل بعد ثلاثة أيام من إلقائهم في القليب وذلك ليلا، أي وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه «كان ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان اليوم الثالث أمر ﷺ براحلته فشدّ عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه حتى قام على شفة الركي» أي وهو القليب «وجعل يقول: يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا؟ فإني وجدت ما وعدني الله حقا» .
وجاء في بعض الطرق نداؤهم بأسمائهم، فقال: «يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام» وهذا يقتضي أنه في تلك الرواية نطق بلفظ يا فلان ابن فلان ولا يخفى بعده فليتأمل.
واعترض بأن أمية بن خلف لم يكن من أهل القليب لما علمته. وأجيب بأنه كان قريبا من القليب «بئس عشيرة النبي، كنتم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فقال عمر ﵁: يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها. وفي رواية أجسادا قد أجيفوا. وفي لفظ: قد جيفوا، فقال: ﷺ ما أنتم بأسمع، وفي رواية: لأسمع لما أقول منهم، وفي رواية: لقد سمعوا ما قلت غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا» .
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وعن قتادة ﵁ أحياهم الله تعالى حتى سمعوا كلام رسول الله ﷺ توبيخا لهم وتصغيرا ونقمة وحسرة.
أقول: والمراد بإحيائهم شدة تعلق أرواحهم بأجسادهم حتى صاروا كالأحياء في الدنيا للغرض المذكور؛ لأن الروح بعد مفارقة جسدها يصير لها تعلق به، أو بما يبقى منه ولو عجب الذنب فإنه لا يفنى وإن اضمحل الجسم بأكل التراب، أو بأكل السباع أو الطير أو النار، وبواسطة ذلك التعلق يعرف الميت من يزوره ويأنس به ويردّ سلامه إذا سلم عليه كما ثبت في الأحاديث. والغالب أن هذا التعلق لا يصير الميت به حيا كحياته في الدنيا، بل يصير كالمتوسط بين الحي والميت الذي لا تعلق لروحه بجسده، وقد يقوى حتى يصير كالحي في الدنيا، ولعله مع ذلك لا يكون فيه القدرة على الأفعال الاختيارية، فلا يخالف ما حكي عن السعد اتفقوا على أنه تعالى لم يخلق في الميت القدرة والأفعال الاختيارية هذا كلامه، والكلام في غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والشهداء ﵃: أي شهداء المعركة، أما هما فتعلق أرواحهم بأجسادهم تصير به أجسادهم حية كحياتها في الدنيا ويكون لهم القدرة والأفعال الاختيارية.
فقد روى البيهقي ﵀ في الجزء الذي ألفه في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون «وجاء» إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة» .
وروى أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «لينزلن عيسى ابن مريم ﵇، ثم إن قام على قبري وقال: يا محمد لأجبته» ومن ثم قال الإمام السبكي: حياة الأنبياء والشهداء كحياتهم في الدنيا، ويشهد له صلاة موسى ﵇ في قبره، فإن الصلاة تستدعي جسدا حيا، وكذا الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلها صفات الأجسام.
ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب، وأما الادراكات كالعلم والسمع فلا شك أن ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى، هذا كلامه وسائر الموتى شامل للكفار، أي وأكل الشهداء وشربهم في البرزخ لا عن احتياج بل لمجرد الإكرام، وكون الشهداء اختصوا بذلك دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا مانع منه، لأن المفضول قد يخص بما لا يوجد في الفاضل، ألا ترى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شرعت الصلاة عليهم وجوبا وحرمت على الشهداء، وبهذا يردّ قول بعضهم في الاستدلال على حياة الأنبياء بقوله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) [آل عمران: الآية ١٦٩] والأنبياء أولى بذلك لأنهم أجلّ وأعظم، وما من نبي إلا وقد جمع بين
[ ٢ / ٢٤٧ ]
النبوة ووصف الشهادة، فيدخلون في عموم لفظ الآية، ولأنه ﷺ قال في مرض موته «لم أزل أجد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر فهذا أو ان انقطاع أبهري من ذلك السم» فثبت كونه ﷺ حيا في قبره بنص القرآن، إما من عزم اللفظ أو من مفهوم الموافقة.
ووجه رده أن الأولوية قد تمنع بل أصل القياس، لما علمت أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وإن جمعوا بين النبوة والشهادة، إلا أن المراد في الآية شهداء المعركة لا مطلق الشهادة، إذ شهادة المعركة لم تحصل لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ثم لا يخفى أن الذي ثبت حياة الأنبياء وصلاتهم في قبورهم وحجهم، وأما صومهم وأكلهم وشربهم في ذلك فلم أقف على ما يدل على ذلك في شيء من الأحاديث والآثار، وقياسهم في ذلك على الشهداء علمت أنه قد يمنع لما أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل.
والذي يدل على أنهم يحجون ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة فمررنا بواد، فقال: أيّ واد هذا؟
فقالوا: وادي الأزرق، فقال ﷺ: كأني أنظر إلى موسى ﵊ واضعا أصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية مارا بهذا الوادي، ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال ﷺ: كأني أنظر إلى يونس ﵊ على ناقة حمراء عليه جبة صوف مارا بهذا الوادي ملبيا» وقد جاء في موسى ﵇ «أنه كان على بعير» وفي رواية «على ثور» ولا منافاة لجواز أن يكون تكرر حجه أو ركب البعير مرة والثور أخرى. ولا يخفى أن رزق الشهداء يصدق على الجماع، لأنه مما يتلذذ به كالأكل والشرب.
ثم رأيت سيدي أبا المواهب الشاذلي ﵀ ونفعنا ببركاته، قال في كتابه المسمى «بعنوان أهل السر المصون في كشف عورات أهل المجون» وأخبر سبحانه عن الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وحمله أهل العلم على الحقيقة وأنهم يأكلون ويشربون وينكحون حقيقة، وقائل غير هذا أي أن الأكل والشرب عبارة عن لذة تحصل لهم كاللذة الناشئة عن الأكل والشرب والنكاح صرف هذه الآية عن ظاهرها من غير ضرورة تلجىء إلى ذلك، ثم قاس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الشهداء في ذلك، لما تقدم من أنهم أجلّ وأعظم، وما من نبي إلا وقد جمع بين النبوة والشهادة. وقد علمت جواب من منع القياس.
ثم رأيت عن إفتاء شيخنا الشمس الرملي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والشهداء ﵃ يأكلون في قبورهم ويشربون ويصلون ويصومون ويحجون.
ورفع الخلاف هل ينكحون؟ فقيل نعم. وقيل لا، وأنهم يثابون على صلاتهم
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وصومهم وحجهم، ولا تكليف عليهم في ذلك لانقطاع التكليف بالموت، بل من قبيل التكرمة ووقع الدرجات هذا كلامه، ولعل مستنده في إثبات ما عدا الصلاة والحج للأنبياء قياسهم على الشهداء، وقد علمت ما فيه وإثبات الخلاف الذي ذكره شيخنا في نكاح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا أدري هل هو خلاف أهل عصره أو من تقدمهم.
على أن إثبات النكاح للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ربما يبعده ما ذكروه في حكمة قوله ﷺ «حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب» حيث لم يقل من دنياي ولا من الدنيا، فإنه أشار بهذه الإضافة إلى أن النساء والطيب من دنيا الناس لأنهم يقصدونهما للاستلذاذ وحظوظ النفس، وهو ﵊ منزه عن ذلك.
وإنما حبب إليه النساء لينقلن عنه محاسنه ومعجزاته الباطنة والأحكام السرية التي لا يطلع عليها غالبا غيرهن وغير ذلك من الفوائد الدينية.
وحبب إليه الطيب لملاقاته للملائكة، لأنهم يحبونه ويكرهون الريح الخبيث، لأن حقيقة الإكرام أن يحصل له في البرزخ ما كان يلتذ به في الدنيا، ليكون حاله فيه كحاله في الدنيا.
وفيه أن الحكمة المذكورة لا تناسب قوله ﷺ «فضلت على الناس بأربع وعدّ منها كثرة الجماع» وهم كغيرهم في هذا التعلق متفاوتون بحسب مقاماتهم، وإنه يعبر عن قوة هذا التعلق بعود الحياة، ومنه ما ذكر عن قتادة وتعود الروح، ومنه قول بعضهم: أرواح الأنبياء والشهداء بعد خروجها من أجسادها تعود إلى تلك الأجسام في القبر، وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي.
ومن ثم قال ابن العربي رحمه الله تعالى: رؤية المصطفى ﵊ بصفته العلوية إدراك له على الحقيقة، وعلى غير صفته العلوية إدراك للمثال ويعبر عنه بردها.
ومنه قوله ﷺ «ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله تعالى عليّ روحي حتى أرد ﵇» أي إلا قوي تعلق روحي، وذلك إكراما لهذا المسلم حيث لا يردّ عليه سلامه إلا وقد قوي تعلق روحه الشريفة بجسده الشريف، والروح بناء على أنها غير عرض مع كونها في مقاماتها لها تعلق بجسدها وبما يبقى منه كما تقدم، كالشمس في السماء الرابعة ولها تعلق بالأرض، وربما عبر عن ضعف هذا التعلق بصعودها وطلوعها، وبناء على أنها عرض تزول ويعود مثلها، وقد أوضحت ذلك في «النفحة العلوية في الأجوبة الحلبية عن الأسئلة القروية» وهي أسئلة سئلت عنها من بعض أهل
[ ٢ / ٢٤٩ ]
القرى المصرية، وذكرت أن هذا أولى مما أطال به الجلال السيوطي من الأجوبة مع ما فيها مما لا يخفى. ورأيت في حديث عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن لله ملكا أعطاه سمع العباد كلهم، وإنه ما من أحد يصلي عليّ صلاة إلا بلغنيها، وإني سألت ربي ﷿ أن لا يصلي عليّ أحد صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرة أمثالها» وذكر الحافظ الذهبي أن راوي هذا الحديث تفرد به متنا وإسنادا والله أعلم.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أنكرت قوله ﷺ لقد سمعوا ما قلت وقالت، إنما قال لقد علموا أن الذي كنت أقول حق، وقالت: إنما أراد النبي ﷺ أي بقوله في حق أهل القليب «ما أنتم بأسمع منهم» أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم هو الحق، أي لا أنهم يسمعون ما أقول بحاسة سمعهم التي كانت موجودة في الدنيا، ثم قرأت أي محتجة على ذلك قوله تعالى إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النّمل: الآية ٨٠] الآية، وبقوله وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: الآية ٢٢] .
ويجاب بأنه لا مانع من إبقاء السمع هنا على حقيقته، لأنه إذا قوي تعلق أرواح هؤلاء الكفار بأجسادهم بحيث صاروا أحياء كحياتهم في الدنيا للغرض المذكور لا مانع من سماعهم بحاسة سمعهم لبقاء محل تلك الحاسة منهم، كما أن الجسد بذلك التعلق يقوى على الجلوس للسؤال في القبر والسماع المنفي في الآيتين بمعنى السماع النافع، وقد أشار إلى ذلك الجلال السيوطي ﵀ بقوله نظما:
سماع موتى كلام الخلق قاطبة جاءت به عندنا الآثار في الكتب
وآية النفي معناها سماع هدى لا يقبلون ولا يصغون للأدب
لأنه تعالى شبه الكفار الأحياء بالأموات في القبور في أنهم لا ينتفعون بالدعاء إلى الإسلام النافع.
ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ بشيرا لأهل العالية: أي وهي محل قريب من المدينة على عدة أميال، وزيد بن حارثة بشيرا لأهل السافلة بها راكبا ناقته القصوى، وقيل العضباء بما فتح الله على رسوله ﷺ والمسلمين، فجعل عبد الله بن رواحة ينادي في أهل العالية: يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، ونادى زيد بن حارثة في أهل السافلة بمثل ذلك، أي ويقولان: قتل فلان وفلان، أي وأسر فلان وفلان من أشراف قريش، وصار عدو الله كعب بن الأشرف يكذبهما ويقول: إن كان محمد قتل هؤلاء القوم فبطن الأرض خير من ظهرها، قال أسامة بن زيد ﵄ فأتانا الخبر حين سوّينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ، أي ولما عزي فيها رسول الله ﷺ قال «الحمد لله دفن
[ ٢ / ٢٥٠ ]
البنات من المكرمات» وفي رواية «من المكرمات دفن البنات» ويعجبني قول الباخرزي رحمه الله تعالى:
القبر أخفى سترة للبنات ودفنها يروى من المكرمات
أما رأيت الله عز اسمه قد وضع النعش بجنب البنات
وجاء عثمان ﵁ من رقية هذه بولد يقال له عبد الله فاكتنى به؛ وكان قبل ذلك يكنى أبا عمرو، وتزوج بعدها أختها أم كلثوم بوحي.
فقد روي «أنه ﷺ رأى عثمان بن عفان مهموما بعد موت رقية ﵂، فقال له: ما لي أراك لهفانا مهموما، فقال له: يا رسول الله وهل دخل علي أحد ما دخل عليّ انقطع الصهر بيني وبينك، فبينما هو يحاوره إذ قال ﷺ: هذا جبريل ﵇ يأمرني عن الله ﷿ أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها وعلى مثل عشرتها، فزوجه إياها، ولما تزوجها دخل عليها رسول الله ﷺ فقال: يا بنية أين أبو عمرو؟ قالت: خرج لبعض حاجاته قال: كيف رأيت بعلك؟ قالت: يا أبت خير بعل وأفضله، فقال: يا بنية كيف لا يكون كذلك وهو أشبه الناس بجدك إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، وأبيك محمد» وجاء «عثمان من أشبه أصحابي بي خلقا» وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله ﷺ «قال لي جبريل ﵇: إن أردت أن تنظر من أهل الأرض شبيه يوسف الصديق فانظر إلى عثمان بن عفان» ولتزوجه ببنتي رسول الله ﷺ قيل له ذو النورين، ولم يجمع أحد منذ آدم إلى اليوم بين بنتي نبي غيره ﵁، ومن ثم لما سأل رسول الله ﷺ عليا عنه قال: ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين.
ولما ماتت أم كلثوم تحته وذلك سنة تسع قال ﷺ «زوجوا عثمان، لو كان لي ثالثة لزوجته إياها، وما زوجته إلا بوحي من الله» وجاء أنه ﷺ قال له «لو أن لي أربعين بنتا زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة» وأم عثمان بنت عمته ﷺ أروى بنت عبد المطلب، توأمة عبد الله أبي النبي ﷺ.
قال: وقال رجل من المنافقين لأبي لبابة ﵁: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده أبدا، قد قتل محمد وغالب أصحابه، وهذه ناقتة عليها زيد بن حارثة لا يدري ما يقول من الرعب، قال أسامة: فجئت حتى خلوت بأبي لبابة وسألته عما أسره له الرجل، فأخبرني بما أخبره، به، فقلت: أحق ما تقول، قال:
أي والله حق ما أقول يا بني، فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق، فقلت: أنت المرجف برسول الله ﷺ لنقدمنك إلى رسول الله ﷺ إذا قدم فيضرب عنقك، فقال:
إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه، انتهى. أي وهذا كان قبل أن يجتمع أسامة بأبيه زيد بن حارثة.
[ ٢ / ٢٥١ ]
ثم أقبل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل، أي الغنيمة، وكانت مائة وخمسين من الإبل، وعشرة أفراس ومتاعا وسلاحا وأنطاعا وثيابا وأدما كثيرا حمله المشركون للتجارة، ونادى منادي رسول الله ﷺ «من قتل قتيلا فله سلبه، ومن أسر أسيرا فهو له» أي كما تقدم، ولعله تكرر ذلك منه ﷺ مرتين: مرة للتحريض على القتال، ومرة عند القسمة، فالمقسوم ما بقي بعد إخراج السلب وإخراج الأسرى قسم على المسلمين بالسوية بعد الاختلاف فيه، فادّعى من قاتل العد وصده أنهم أحق به، وادعى من جمعه أنهم أحق به، وادعى من كان يحرس رسول الله ﷺ في العريش أن غيرهم ليس بأحق به منهم، أي لأن سعد بن معاذ ﵁ قام على باب العريش الذي به ﷺ وأبو بكر ﵁ في نفر من الأنصار، وفي رواية عن عبادة بن الصامت «أن جماعة خرجت في أثر العدّ وعند انهزامه، وجماعة أكبوا على جمع الغنيمة فجمعوها، وجماعة عند انهزام العدو أحدقوا به ﷺ في العريش خوفا أن يصيب العدّو منه غرة ولعل هؤلاء كانوا زيادة عمن كان مع سعد بن معاذ على باب العريش؛ فادعى من أكب على جمعها أنهم أحق بها، وادعى من عداهم أن أولئك ليسوا بأحق بها منهم» .
أي وكون جماعة أحدقوا به ﷺ بعد انهزام العدوّ، قد يقال: لا ينافي ذلك ما تقدم عن ابن سعد «أنه لما انهزم المشركون دنا رسول الله ﷺ في أثرهم بالسيف مصلتا يتلو هذه الآية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: الآية ٤٥] لجواز أن يكون ﷺ خرج في أثرهم برهة من الزمان، ثم عاد إلى العريش فأحدق به هؤلاء مع من تقدم، فأنزل الله تعالى سورة الأنفال يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال:
الآية ١] .
فالنفل قد يطلق على الغنيمة كما هنا كما أشرنا إليه، وسماها الله تعالى أنفالا لأنها زيادة في أموال المسلمين، وكذا الفيء المذكور في سورة الحشر التي نزلت في غزوة بني النضير يطلق على الغنيمة وسمي فيئا لأن الله تعالى أفاءه على المؤمنين:
أي رده عليهم من الكفار، فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته، لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، فقد رد إليهم ما يستحقونه كما يعاد، ويرد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يقبضه قبل ذلك. ومنه قول بعضهم: كان أهل الفيء بمعزل عن أهل الصدقة، وأهل الصدقة بمعزل عن أهل الفيء، كان يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضعيف، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء أي إلى الغنيمة، وأخرج من الصدقة فنزعه الله من أيديهم، فجعله إلى رسول الله ﷺ: أي يضعه حيث شاء فدلت الآية على أن الغنيمة لرسول الله ﷺ خاصة ليس لأحد من المقاتلة شيء منها، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال: الآية ٤١] والأربعة أخماس الباقية للمقاتلة، أي فكان ذلك الخمس يخمس خمسة أخماس:
واحد له ﷺ يفعل فيه ما أحب، والأربعة من ذلك الخمس لمن ذكر في الآية، والأربعة الأخماس الباقية تكون للمقاتلة.
وسيأتي في سرية عبد الله بن جحش لنخلة «أنه ﷺ خمس العير الذي جاء به عبد الله كذلك، فجعل خمس ذلك لله، وأربعة أخماسه للجيش» وقيل عبد الله هو الذي خمسها كذلك، وأقرّه ﷺ على ذلك، وهي أول غنيمة في الإسلام وأوّل غنيمة خمست، فكان تخميسها قبل نزول الآية، لما علمت أن نزول تلك الآية كان بعد بدر فهي من الآيات التي تأخرت تلاوتها عن حكمها، قال بعضهم: وكان ابتداء تحليل الغنائم لهذه الأمة في وقعة بدر كما ثبت في الصحيحين، وذلك في قوله تعالى فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا [الأنفال: الآية ٦٩] فأحل الغنيمة لهم.
أقول: وفيه أن هذا قد يعين القول بأنه ﷺ وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر، ويضعف ما سبق من أنه ﷺ خمسها، أو أن عبد الله هو الذي خمسها قبل بدر، وأقرّه ﷺ على ذلك، وقد علمت أن ما أصابه من بدر قسمة بين المسلمين سواء أي لم يتميز فيه أحد عن أحد، الراجل مع الراجل والفارس مع الفارس سواء، وفيه تفضيل الفارس على الراجل في ذلك اليوم، وسيأتي التصريح بذلك، وهذا يؤيد القول بأن الجيش كان فيه خمسة أفراس أو فرسان، دون القول بأنه لم يكن فيه إلا فرس واحد على ما تقدم، حتى هو ﷺ كان سهمه كسهم واحد منهم، أي كفارس منهم بناء على ما تقدم أنه ﷺ كان له فرسان إلا ما اصطفاه وهو سيفه ذو الفقار كما سيأتي، وحينئذ يكون قول سعد بن أبي وقاص ﵁ «يا رسول الله أتعطي فارس القوم الذي يغيظهم مثل ما تعطي الضعيف» أراد بالفارس فيه القوي.
ففي مسند الإمام أحمد، قال سعد بن أبي وقاص «قلت: يا رسول الله الرجل يكون حاجته للقوم يكون سهمه وسهم غيره سواء، فقال رسول الله ﷺ ثكلتك أمك، وهل تنصرون إلا بضعفائكم» وما في مسند الإمام أحمد يدل على أن مراد سعد بالفارس القوي لمقابلته في هذه الرواية بالضعيف، فلا ينافي أنه أعطى الفارس لفرسه سهمين وله سهم كالراجل.
وقد أسهم لمن لم يحضر، كمن أمره ﷺ بالتخلف لعذر منعه من الحضور كعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فإنه ﷺ خلفه لأجل مرض زوجته رقية بنت النبي ﷺ كما تقدم، أو لما كان به رضي الله تعالى عنه من الجدري على ما تقدم، ولهذا عدّ من البدريين، وأبي لبابة لأنه ﷺ خلفه على أهل المدينة، وعاصم بن عدي فإنه خلفه على أهل قباء والعالية، ولمن أرسله لكشف أمر العدوّ يتجسس خبره فلم
[ ٢ / ٢٥٣ ]
يجىء إلا وقد انقضى القتال، وهما طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد كما تقدم، والحارث بن حاطب، أمره بما مر في بني عمرو بن عوف وخوات بن جبير والحارث بن الصمة لأن كلا منهما كسر بالروحاء كما تقدم.
وبهذا يظهر التوقف في قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى: وضرب لعثمان رضي الله تعالى عنه يوم بدر بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره، رواه أبو داود عن ابن عمر قال الخطابي: هذا خاص بعثمان، لأنه كان يمرّض ابنة رسول الله ﷺ هذا كلامه.
وأسهم ﷺ لأربعة عشر رجلا قتلوا ببدر، ولعلهم ماتوا بعد انقضاء الحرب، فلا يشكل على ما قاله فقهاؤنا أن من مات قبل انقضاء الحرب لا حق له.
وتنفل ﷺ زيادة على سهمه سيفه ذا الفقار؛ أي وكان لمنبه بن الحجاج أي وقيل لابنه العاص قتل أيضا يوم بدر، وقيل كان لعمه نبيه، وفي كلام أبي العباس بن تيمية أنه كان لأبي جهل، أي ويمكن أن يكون ذلك السيف كان في الأصل لأبي جهل، ثم أعطاه لمنبه بن الحجاج أو لغيره ممن ذكر لا يقال أو بالعكس، لأن سيف أبي جهل أخذه ابن مسعود كما تقدم فلا مخالفة.
وتنفل أيضا ﷺ جمل أبي جهل وكان مهريا، ولم يزل يغزو عليه حتى ساقه في هدي الحديبية كما سيأتي، وهذا الذي كان يأخذه زيادة على سهمه أي قبل قسمة الغنيمة إذا كان ﷺ مع الجيش يقال له الصفي والصفية عبدا أو أمة أو دابة أو سيفا أو درعا، لكن في الإمتاع عن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما «كان لرسول الله ﷺ صفي من المغنم حضر أو غاب» قال بعضهم: وهو محسوب من سهمه ﷺ، وقيل يكون زائدا عليه، إلا أن يقال ذاك الذي وقع فيه الخلاف كان بعد نزوله آية التخميس، وهذا كان قبل ذلك، فلا يخالف ما سبق أن ما أخذه قبل القسمة كان زائدا على سهمه المساوي لسهام القوم، أي وكان في الجاهلية يقال للذي يأخذه الرئيس إذا غزا بالجيش المرباع وهو ربع الغنيمة، ولم يسمع مرباع إلا في الربع دون غيره من الخمس ومما بعده. والصفايا أشياء كان يصطفيها الرئيس لنفسه من خيار ما يغنم، والنشيطة: ما أصابه الجيش في طريقه قبل أن يصل إلى مقصده وكان للرئيس النقيعة أيضا، وهو بعير ينحره قبل القسمة فيطعمه الناس، كذا في شرح الحماسة للتبريزي.
قال: وقد سقط في الإسلام النقيعة والنشيطة، وأمر ﷺ عليا كرم الله وجهه فقتل النضر بن الحارث بالصفراء.
أي وفي الإمتاع «أنه ﷺ نظر إلى النضر وهو أسير، فقال النضر لليسير الذي
[ ٢ / ٢٥٤ ]
بجانبه: محمد والله قاتلي، فإنه نظر إليّ بعينين فيهما الموت، فقال له: والله ما هذا منك إلا رعب، وقال النضر لمصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه: يا مصعب أنت أقرب من هذا إليّ رحما فكلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي يعني المأسورين، هو والله قاتلي، فقال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيه ﷺ كذا وكذا، وكنت تعذب أصحابه.
وفي أسباب النزول للسيوطي وأقره، وكان المقداد رضي الله تعالى عنه أسر النضر، فلما أمر ﷺ بقتله، قال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال له رسول الله ﷺ:
إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول، وقد رثته أخته، وقيل بنته رضي الله تعالى عنها فإنها أسلمت بعد ذلك يوم الفتح فقالت من أبيات:
أمحمد يا خير ضنء كريمة
والذي رأيته في الحماسة:
أمحمد ولأنت ضنء نجيبة في قومها والفحل فحل معرق
أي له عرق في الكرم، والضنء: الولد
ما كان ضرك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
وحين سمع ذلك رسول الله ﷺ بكى حتى أخضل أي بلّ لحيته، وقال لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه، أي لقبول شفاعتها عندي بهذا الشعر، وليس معناه الندم، لأنه ﷺ لا يفعل إلا حقا.
أي وكان للنضر هذا أخ يقال له النضير بالتصغير وكان أسنّ المهاجرين، وقيل كان من مسلمة الفتح، وربما يدل له أنه ﷺ أمر له بمائة بعير من غنائم حنين، فجاءه شخص يبشره بذلك، فقال: لا آخذها، فإني أحسب أن رسول الله ﷺ لم يعطني ذلك إلا تألفا على الإسلام وما أريد أن أرتشي على الإسلام، فقيل له إنها عطية رسول الله ﷺ فقبلها، وأعطى المبشر منها عشرة أبعرة.
ثم قتل ﷺ عقبة بن أبي معيط بعرق الظبية بضم الظاء المعجمة وهي شجرة يستظل بها، قال وحين قدم للقتل: من للصبية يا محمد؟، قال النار.
وجاء عن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن عقبة لما قدم للقتل نادى: يا معشر قريش ما لي أقتل من بينكم صبرا فقال له النبي ﷺ: بكفرك وافترائك على رسول الله ﷺ» أي وفي لفظ «ببزاقك في وجهي» أي فإن عقبة كان يكثر مجالسته ﷺ واتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله ﷺ فأبى رسول الله ﷺ أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل، وكان أبيّ بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت يا عقبة، قال لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه، فشهدت له الشهادة
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وليست في نفسي، فقال وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فوجده ﷺ ساجدا في دار الندوة ففعل به ذلك، فقال له رسول الله ﷺ «لا ألقاك خارج مكة إلا علوت رأسك بالسيف» كذا في الكشاف، وفي لفظ آخر «بكفرك، وفجورك، وعتوّك على الله ورسوله، وأنزل الله فيه وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ [الفرقان: الآية ٢٧] الآية» .
وذكر ابن قتيبة «أنه ﷺ لما أمر بقتل عقبة، أي وقد قال: يا معشر قريش ما لي أقتل من بينكم! أي وأنا واحد منكم، قال له: يا محمد ناشدتك الله والرحم فقال له رسول الله ﷺ: هل أنت إلا يهودي من أهل صفورية» وفي رواية «قال له: إنما أنت يهودي من أهل صفورية» أي فليس هو من قريش: أي لا رحم بيني وبينك: أي لأن أمية جد أبيه خرج إلى الشام لما نافر عمه هاشم كما تقدم فأقام بصفورية ووقع على أمة يهودية ولها زوج يهودي من أهل صفورية فولدت له أبا عمرو الذي هو والد أبي معيط على فراش اليهودي فاستلحقه بحكم الجاهلية، ثم قدم به مكة وكناه بأبي عمرو وسماه ذكوان مع أن الولد للفراش، وقيل كان عبدا لأمية فتبناه. فلما مات أمية خلفه على زوجته.
ويدل لهذا الثاني ما ذكره بعض المؤرخين أن معاوية رضي الله تعالى عنه سأل رجلا من علماء النسب وفد عليه: كم عمرك؟ قال أربعون ومائتا سنة قال: كيف رأيت الزمان؟ فقال سنيات بلاء، وسنيات رخاء، يهلك والد، ويخلف مولود، فلولا الهالك لامتلأت الدنيا، ولولا المولود لم يبق أحد، فقال له: هل رأيت عبد المطلب؟ قال نعم، أدركته شيخا وسيما متسما جسيما، يحف به عشرة من بنيه كأنهم النجوم، فقال له: هل رأيت أمية بن عبد شمس؟ يعني جده، قال نعم: رأيته أخفش أزرق ذميما، يقوده عبده ذكوان، فقال: ويحك كف، فقد جاء غير ما ذكرت ذاك ابنه. فقال: أنتم تقولون ذلك.
والقاتل لعقبة عاصم بن ثابت، وقيل علي رضي الله تعالى عنهما، أي وقيل صلب على الشجرة.
أقول: قال محمد بن حبيب الهاشمي: هو أول مصلوب في الإسلام، ورده ابن ابن الجوزي بأن أول من صلب في الإسلام خبيب بن عدي.
وقد يقال: لا مخالفة، لأن المراد بالثاني، أول مصلوب من المسلمين، وبالأول أول مصلوب من الكفار.
وذكر أن أول من استعمل الصلب فرعون، ولعل المراد به فرعون موسى بن عمران لا فرعون إبراهيم الخليل وهو أول الفراعنة، ولا فرعون يوسف بن يعقوب
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وهو ثاني الفراعنة، وفي قول إن فرعون يوسف هذا هو فرعون موسى بمعنى أنه بقي إلى زمن موسى ﵇، وكان هلاكه على يده.
وفي كلام ابن قتيبة عن سعيد بن جبير ضم طعيمة بن عدي إلى عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، أي لأنه ممن قتل معهما صبرا، وفيه نظر، فقد تقدم أن القاتل له حمزة ﵁ في الحرب وسيأتي في أحد أن قتل حمزة كان سبب قتله لطعيمة المذكور.
ثم سار رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم. أي وروي عن ابن عباس أنه ﷺ قال: «لما قدمت إلى المدينة وكنت جائعا استقبلتني امرأة يهودية على رأسها جفنة فيها جدي مشوي، فقالت: الحمد لله يا محمد الذي سلمك كنت نذرت لله إن قدمت المدينة سالما لأذبحن هذا الجدي ولأشوينه ولأحملنه إليك لتأكل منه، فأنطق الله الجدي فقال: يا محمد لا تأكلني فإني مسموم» أي بخلاف ما وقع له ﷺ في خبير، فإنه لم يخبره الذراع بذلك إلا بعد أكله منه كما سيأتي، وسيأتي أنه سأل المرأة عن سبب ذلك وهنا لم يسألها.
ولما قدم ﷺ أي قاربها خرج المسلمون للقائه وتهنتئه بما فتح الله عليه فتلاقوا معه بالروحاء، أي وقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش ما الذي تهنونا به، فو الله إن لقينا أي ما لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقولة فنحرناها فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «أولئك الملأ من قريش» أي الأشراف والرؤساء وتلقته الولائد عند دخوله المدينة بالدفوف والولائد جمع وليدة: وهي الصبية والأمة وتلك الولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وتلقاه أسيد بن الحضير، فقال: الحمد لله الذي أظفرك وأقرّ عينك.
«ولما أقبلوا من بدر فقدوا رسول الله ﷺ فوقفوا، فجاء رسول الله ﷺ ومعه عليّ، فقالوا: يا رسول الله فقدناك، فقال إن أبا الحسن وجد مغصا في بطنه فتخلفت عليه، ثم لما قدمت الأسارى فرّقهم بين الصحابة وقال: استوصوا بهم خيرا» .
وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش ابن عبد عمرو رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، فقال: قتل عتبة وشيبة وأبو الحكم وأمية وفلان وفلان من أشراف قريش، أي وأسر فلان وفلان فقال صفوان بن أمية وكان يقال له سيد البطحاء، وكان من أفصح قريش لسانا، وكان جالسا في الحجر: والله إن يعقل أي ما يعقل هذا سلوه عني، فسألوه، أي قالوا: ما فعل صفوان، فقال: هو ذاك الجالس في الحجر، وقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وعن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال «قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب» أي ثم وهبه العباس له ﷺ وسيأتي الكلام عليه في السرايا، وكان العباس رضي الله تعالى عنه أسلم وأسلمت زوجته: أي أم الفضل، قيل إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة كما تقدم، وهي أم أولاده، وهم: عبد الله؛ وعبيد الله، وعبد الرحمن، والفضل، وقثم، ومعبد، وأمّ حبيب.
قيل رآها ﷺ وهي تدب بين يديه فقال: إن بلغت وأنا حي تزوجتها فقبض ﷺ قبل أن تبلغ قال ابن الجوزي: فليس في الصحابيات من كنيتها أم الفضل إلا زوج العباس، قال أبو رافع: وأسلمت أنا وكنا نكتم الإسلام أي لأن العباس كان يكره خلاف قومه، لأنه كان ذا مال كثير وأكثره متفرق فيهم، أي وسيأتي الجواب عن كونه أسر وأخذ منه الفداء مع كونه مسلما، وسيأتي أنه لم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح.
فلما جاء الخبر عن مصاب قريش ببدر سرّنا ذلك، فو الله إني لجالس إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشر حتى جلس عندنا، فبينا هو جالس إذ قدم أبو سفيان بن الحارث وكان مع قريش في بدر، فقال له أبو لهب: هلمّ إلي عندك الخبر، فقال:
والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، وأيم والله ما لمت الناس، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فقلت والله تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة وثاورته: أي وأثبته: أي قام كل للآخر فاحتملني وضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، فقامت أم الفضل إلى عمود وضربته به ضربة في رأسه أثرت شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب سيده، تعني العباس، فقام موليا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رمي بالعدسة: أي ما عاش صحيحا قبل أن يرمى بالعدسة إلا سبع ليال: أي وهي بثرة تشبه العدسة من جنس الطاعون، قتلته، فلم يحفروا له حفيرة ولكن أسندوه إلى الحائط وقذفوا عليه الحجارة خلف الحائط حتى واروه، أي لأن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تعدي أشد العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه وبقي بعد موته ثلاثة أيام لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه حتى أنتن، فلما خافوا السبة: أي سب الناس لهم في تركه فعلوا به ما ذكر.
وفي رواية: حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفيرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «أنها كانت إذ مرت بموضعه، ذلك غطت وجهها» .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
أقول: قال في النور: وهذا القبر الذي يرجم خارج باب شبيكة، أي الآن ليس بقبر أبي لهب، وإنما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة، وذلك في دولة بني العباس، فإن الناس أصبحوا وجدوا الكعبة ملطخة بالعذرة فرصدوا للفاعل فمسكوهما بعد أيام، فصلبا في ذلك الموضع، فصار يرجمان إلى الآن، والله أعلم.
فلما ظهر الخبر ناحت قريش على قتلاهم أي شهرا، وجزّت النساء شعورهن، وكنّ يأتين بفرس الرجل أو راحلته وتستر بالستور وينحن حولها ويخرجن إلى الأزقة، ثم أشير عليهم أن لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا نبكي قتلانا حتى نأخذ بثأرهم، وتواصوا على ذلك، وكان الأسود بن زمعة بن عبد المطلب أصيب له في بدر ثلاثة، ولداه وولد ولده، وكان يحب أن يبكي عليهم، وكان قد ذهب بصره أي بدعوة النبي ﷺ عليه بذلك، لأنه كما تقدم كان من المستهزئين بالنبي ﷺ وأصحابه، إذا رآهم يقول: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على ملك كسرى وقيصر، ويكلم رسول الله ﷺ بما يشق عليه، فدعا عليه رسول الله ﷺ بالعمى، وتقدم ذلك؛ وتقدم سبب عماه.
وفي كلام بعضهم كان ﷺ دعا على الأسود هذا بأن يعمي الله تعالى بصره ويثكل ولده فاستجاب الله تعالى له سبق العمى إلى بصره أولا، ثم أصيب يوم بدر بمن نعاه من ولده أي وهو زمعة وهو أحد الثلاثة الذين كان يقال لكل واحد منهم زاد الراكب كما تقدم، وأخوه عقيل والحارث فإنهما قتلا كافرين ببدر، فتمت إجابة الله تعالى لرسول الله ﷺ فإذا به قد سمع صوت باكية بالليل، فقال لغلامه انظر هل أحل النحب: أي البكاء، هل بكت قريش على قتلاهم لعلي أبكي، فإن جوفي قد احترق، فلما رجع الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته، فأنشد من أبيات:
أتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود
والسهود بضم السين المهملة: عدم النوم. والبكر: الفتى من الإبل. والجدود:
بضم الجيم جمع جد بفتحها، وهو الحظ والسعد، وبعد هذين البيتين بيت آخر وهو:
ألا قد ساد بعدهمو رجال ولولا يوم بدر لم يسودوا
يعرض بأبي سفيان فإنه رأس قريش. قال: وقد جاء في بعض الروايات اختلاف الصحابة فيما يفعل بالأسرى لما قال لهم رسول الله ﷺ: ما ترون في هؤلاء الأسرى إن الله قد مكنكم منهم؟ أي وقد يخالف هذا ما سبق من قوله إن من أسر أسيرا فهو له.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وقد يقال: لا مخالفة لأن معنى كونه له أنه مخير فيه بين قتله وأخذ فدائه، ولعله لا يخالف ما تقدم أنه ﷺ. لما أراد قتل النضر قال المقداد رضي الله تعالى عنه وكان أسره: يا رسول الله أسيري، فقال له إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول وفي رواية «استشار ﷺ أبا بكر وعمر وعليا» أي وفي رواية «أبا بكر وعمر وعبد الله بن جحش فيما هو الأصلح من الأمرين القتل وأخذ الفداء؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أهلك وقومك» وفي رواية «هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، قد أعطاك الله الظفر ونصرك عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم بك فيكونون لنا عضدا، فقال رسول الله ﷺ: ما تقول يا بن الخطاب؟ قال: يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، ما أرى ما أرى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب» وفي لفظ «نسيب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليا من أخيه عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه أي العباس رضي الله تعالى عنه فيضرب عنقه، حتى يعلم أنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين، ما أرى أن تكون لك أسرى فاضرب أعناقهم، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم» أي وقال ابن رواحة رضي الله تعالى عنه «نظروا واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس رضي الله تعالى عنه وهو يسمع:
ثكلتك رحمك، فدخل رسول الله ﷺ أي ولم يرد عليهم، فقال بعض الناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال بعض الناس يأخذ بقول ابن رواحة، ولم يقل قائل يأخذ بقول عمر، ثم خرج رسول الله ﷺ فقال: إن الله ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدنّ قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة لعله لا ينزل إلا بالرحمة، فلا ينافي أن جبريل ينزل بالرحمة في بعض الأحايين كما تقدم قريبا، ومن ثم جاء في الحديث «أرأف أمتي بأمتي أبو بكر» «ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم حيث يقول فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: الآية ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ابن مريم إذ قال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) [المائدة: الآية ١١٨]» .
قيل إن قوله فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: الآية ١١٨] من مشكلات الفواصل، إذ كان مقتضى الظاهر فإنك أنت الغفور الرحيم.
ورد بأن العزيز الذي لا يغلبه أحد ولا يغفر لمن استحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه. والحكيم: هو الذي يضع الشيء في محله.
«ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل، نزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى» أي أغلب أحوالك ذلك، فلا ينافي أنه ينزل بالرحمة في بعض
[ ٢ / ٢٦٠ ]
الأوقات كما تقدم «ومثلك في الأنبياء مثل نوح ﵊ إذ قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: الآية ٢٦] ومثلك في الأنبياء مثل موسى ﵊ إذ قال رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) [يونس: الآية ٨٨]» .
قال الجلال السيوطي ﵀ في الخصائص الصغرى: ومن خصائصه ﷺ أن من أصحابه من يشبه بجبريل وبإبراهيم وبنوح وبموسى وبعيسى وبيوسف وبلقمان الحكيم وبصاحب يس هذا كلامه.
وقد علمت أن أبا بكر ﵁ شبه بميكائيل ولم يذكر ميكائيل، ولينظر من شبه من أصحابه بيوسف، ثم رأيتني ذكرت فيما تقدم قريبا أنه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ولينظر من شبه من أصحابه بلقمان الحكيم وبصاحب يس.
ثم قال ﷺ لأبي بكر وعمر: «لو توافقتما ما خالفتكما، فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق» .
وقد وقع له ﷺ أنه قال مثل ذلك لهما. وقد اختلفا في تولية شخصين أراد ﷺ تولية أحدهما على بني تميم، فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمل فلانا، وقال عمر:
يا رسول استعمل فلانا، فقال رسول الله ﷺ: أما إنكما لو اجتمعتما لأخذت برأيكما ولكنكما اختلفتما عليّ أحيانا، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: الآية ١] الآية؛ واستدل بقوله ﷺ مثلك يا أبا بكر الخ على جواز ضرب المثل من القرآن، وهو جائز في غير المزح ولغو الحديث وإلا كره، ونسبة الاختلاف في أسارى بدر لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما لا تخالف ما سبق من نسبته إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنه يجوز أن يكونا هما المرادين بالصحابة؛ وعدم ذكر عليّ رضي الله تعالى عنه مع إدخاله في الاستشارة وكذا عبد الله بن جحش على ما تقدم، لأنه يجوز أن يكون وافق أحدهما، أي فقد ذكر ابن رواحة مع عدم إدخاله في الاستشارة.
وفي كلام الإمام أحمد ﵀ «استشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد مكّنكم منهم، قال: فقام عمر رضي الله تعالى عنه فقال:
يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد فقال: يا أيها الناس إن الله قد مكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس، فقام عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه ﷺ، ثم عاد فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم وقبل الفداء، فلما كان الغد غدا عمر إلى رسول الله ﷺ فإذا هو وأبو بكر
[ ٢ / ٢٦١ ]
يبكيان، فقال يا رسول الله: ما يبكيكما؟» وفي لفظ «ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ: إن كاد لمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب» .
وفي مسلم والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه ﷺ قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء» أي للعذاب الذي كاد أن يقع على أصحابك لأجل أخذهم الفداء: أي إرادة أخذه «لقد عرض عليّ عقابهم أدنى» أي أقرب «من هذه الشجرة» لشجرة قريبة منه ﷺ «وأنزل الله تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [الأنفال: الآية ٦٧، ٦٨] الآيات» .
أقول: قال بعضهم: في هذه الآيات دليل على أنه يجوز الاجتهاد للأنبياء، لأن العتاب الذي في الآيات لا يكون فيما صدر عن وحي ولا يكون فيما كان صوابا، وإذا أخطؤوا لا يتركون عليه بل ينبهون على الصواب.
وأجاب ابن السبكي ﵀ بأن ذلك من خصائصه ﷺ، أي ما كان هذا لنبي غيرك ولا يخفى عليك ما فيه.
وفي كلام بعضهم ما يقتضي أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير نبينا ﷺ يجوز أن يقروا على الخطأ لأن من بعد من يخطىء منهم يبين خطأه بخلاف نبينا ﷺ لا نبي بعده يبين خطأه فلا يقر على الخطأ. وفيه أن بعد نبينا ﵊ عيسى ﵊ أنه يوحى إليه.
ونظر بعضهم في وقوع الخطأ من الأنبياء واستمرارهم عليه بأنه غير لائق بمنصب النبوة، لأن وجود من يستدرك الخطأ لا يدفع مقتضيه.
وفيه جواز وقوع الخطأ والعمل به قبل مجيء الاستدراك، وتقدم جواز الاجتهاد له مطلقا لا في خصوص الحرب، واستثناء عمر ربما يفيد أن جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وافقوا أبا بكر على أخذ الفداء، وخالفوا عمر مع أنه تقدم قريبا أن سعد بن معاذ كره ذلك قبل عمر، فقد تقدم أن المسلمين لما وضعوا أيديهم يأسرون رأى رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ فوجد في وجهه الكراهية لما يصنع القوم.
فقال له رسول الله ﷺ لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم، قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله تعالى بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال، ومن ثم قال «لو نزل عذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطاب وسعد بن معاذ» كما سيأتي. وفيه أن ابن رواحة كرهه بل أشار بإحراقهم بالنار.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وفي الأصل «أن جبريل ﵊ نزل على النبي ﷺ في أسارى بدر فقال: إن شئتم أخذتم منهم الفداء ويستشهد منكم سبعون بعد ذلك، فنادى منادي النبي ﷺ في أصحابه فجاؤوا أو من جاء منهم أي وهم المعظم فقال: إن هذا جبريل يخبركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم، وبين أن تفادوهم ويستشهد قابلا منكم بعدتهم، فقالوا بل نفاديهم فنتقوى به عليهم ويدخل قابلا منا الجنة سبعون وفي لفظ ويستشهد منا عدتهم. فليس في ذلك ما نكره وهو كما ترى، يدل على أن الصحابة وافقوا أبا بكر ﵃ على أخذ الفداء، ولعل هذا الإخبار بالتخيير كان بعد الاستشارة التي تكلم فيها أبو بكر وعمر، وأن بكاءه ﷺ كان بعد هذه الاستشارة الثانية، وقول صاحب الهدى بكاؤه ﷺ وبكاء الصديق رحمة وخشية أن العذاب يعم ولا يصيب من أراد ذلك خاصة يفيد أن الذي أشار بأخذ الفداء طائفة من الصحابة لا كلهم.
أقول: وفيه أن هذا يشكل عليه قوله «لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، وسعد بن معاذ» فإن فيه تصريحا بأن العذاب لو وقع لا يعم وأنه لا يصيب إلا من أشار بالفداء. وفيه أن من أشار بالفداء غاية الأمر أنهم اختاروا غير الأصلح من الأمرين، واختيار غير الأصلح لا يقتضي العذاب، على أن حل أخذ الفداء علم من واقعة عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي، فإنه أسر فيها عثمان بن المغيرة والحكم بن كيسان ولم ينكره الله تعالى، وذلك قبل بدر بأزيد من عام؛ إلا أن يقال أراد الله تعالى تعظيم أمر بدر لكثرة الأسارى فيها مع شدة تصلبهم في مقاتلته ﷺ. وفي المواهب كلام في الآية المذكورة يتأمل فيه.
ورأيت فيها عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أقدم إليه الحجة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم» .
وعن الأعمش سبق منه أنه لا يعذب أحدا شهد بدرا، ومن ثم جاء كما يأتي «أن رجلا قال: يا رسول الله إن ابن عمي نافق، أي ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له:
إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت:
٤٠]» والله أعلم، ولا ينافي قتل سبعين منهم في قابل: أي في أحد كون بعض الأسارى في بدر مات في الأسر ولم يؤخذ فداؤه، وهو مالك بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله، وكون بعضهم أطلق من غير أخذ فداء، لأن المنكر عدم قتل أولئك السبعين الذي أسروا.
قال بعضهم: اتفق أهل العلم بالسير على أن المخاطبين بقوله تعالى أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [آل عمران: الآية ١٦٥] هم أهل أحد: أي قد أصبتم يوم بدر مثلي من استشهد منكم يوم أحد سبعين قتيلا وسبعين أسيرا، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وتواصت قريش على أن لا يعجلوا في طلب فداء الأسرى لئلاء يتغالى محمد وأصحابه في الفداء، فلم يلتفت لذلك المطلب بن أبي وداعة السهمي، بل خرج من الليل خفية وقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، وقد كان ﷺ قال لأصحابه رضي الله تعالى عنهم لما رأى أبا وداعة أسيرا: إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه، أي فكان أول أسير فدي، واسم أبي وداعة الحارث وذكر في الصحابة. قال الزبير بن كبار: زعموا أنه كان شريكا للنبي ﷺ بمكة.
أي والمشهور أن شريكه ﷺ إنما هو السائب بن أبي السائب الذي قال في حقه، وقد أسلم يوم الفتح وقد جعل الناس يثنون عليه «أنا أعلمكم به هذا شريكي نعم الشريك كان لا يداري، ولا يماري» وفي رواية أنه لما قال ﷺ «أنا أعلمكم به قال: صدقت بأبي أنت وأمي، كنت شريكك فنعم الشريك، لا تداري ولا تماري» وعند ذلك بعثت قريش في فداء الأسارى، وكان الفداء فيهم على قدر أموالهم، وكان من أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألفين إلى ألف، ومن لم يكن معه فداء أي وهو يحسن الكتابة دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم الكتابة، فإذا تعلموا كان ذلك فداءه.
وجاء جبير بن مطعم وهو كافر: أي إلى المدينة يسأل النبي ﷺ: في أسارى بدر فقال له ﷺ «لو كان شيخك أو الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم لشفعناه» وفي رواية «لو كان مطعم حيا وكلمني في هؤلاء النفر» وفي رواية «في هؤلاء النفر» وفي رواية «في هؤلاء النتنى لتركتهم له» لأن المطعم كان أجار النبي ﷺ لما قدم من الطائف، وكان ممن سعى في نقض الصحيفة كما تقدم ذلك.
وكان من جملة الأسارى عمرو بن أبي سفيان بن حرب أخو معاوية: أي أسره عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقيل لأبي سفيان افد عمرا ابنك، قال:
أيجمع عليّ دمي ومالي، قتلوا حنظلة يعني ابنه، وهو شقيق أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وأفدي عمرا دعوه في أيديهم يمسكونه ما بدا لهم، فبينما أبو سفيان إذ وجد سعد بن النعمان أخا بني عمرو بن عوف أي قد وفد من المدينة معتمرا فعدا عليه أبو سفيان فحبسه بابنه عمرو، فمضى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ﷺ فأخبروه خبر سعد بن النعمان، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكون به صاحبهم، ففعل رسول الله ﷺ فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد أي ولم يذكر عمرو هذا فيمن أسلم من الأسارى، والظاهر أنه مات على شركه.
وكان في الأسارى زوج بنت النبي ﷺ زينب ﵂، وهو أبو العاص بن الربيّع بكسر الموحدة وتشديد الياء مفتوحة. قال في الأصل: ختن
[ ٢ / ٢٦٤ ]
رسول الله ﷺ، أي بناء على ما تقوله العامة أن ختن الرجل زوج ابنته والمعروف لغة أن ختن الرجل أقارب زوجته مثل أبيها وأخيها، ومع ذلك لا ينبغي أن يقال في حق رسول الله ﷺ ختن أبي العاص ولا ختن عليّ لإيهامه النقص.
وفي حفظي أن عند المالكية من قال عنه ﷺ يتيم أبي طالب وختن حيدرة كان مرتدا. وفي عبارة أو بدل الواو، ورواية أو مبينة للمراد من رواية الواو وأن ما أفهمته من اعتبار الجمعية ليس مرادا، وحيدرة: اسم عليّ رضي الله تعالى عنه، وأبو العاص أسلم بعد ذلك كما سيأتي، وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد أخت خديجة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأبو ولدها عليّ الذي أردفه ﷺ خلفه يوم فتح مكة، ومات مراهقا وأبو بنتها أمامة التي كان يحملها ﷺ في الصلاة، أي وكان يحبها حبا شديدا.
فعن عائشة رضي الله تعالى عنها «أن رسول الله ﷺ أهديت له هدية فيها قلادة من جذع، فقال: لأدفعنها إلى أحب أهلي إليّ، فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة فدعا رسول الله ﷺ أمامة بنت زينب فعلقها في عنقها» وتزوجها عليّ بعد موت خالتها فاطمة رضي الله تعالى عنها بوصية من فاطمة، زوجها له الزبير بن العوام، وكان أبوها أوصى بها إلى الزبير، ومات عنها فتزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فماتت عنده، وكان تزويجها للمغيرة بوصية من عليّ رضي الله تعالى عنه، فإنه لما حضرته الوفاة قال لها: إني لا آمن أن يخطبك معاوية، وفي لفظ هذا الطاغية بعد موتي، فإن كان لك في الرجال حاجة فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيرا، فلما انقضت عدّتها أرسل معاوية إلى مروان أن يخطبها عليه ويبذل لها مائة ألف دينار، فلما خطبها أرسلت إلى المغيرة بن نوفل: إن هذا الرجل أرسل يخطبني، فإن كان لك حاجة فيّ فأقبل، فجاء وخطبها من الحسن بن علي، أي فزوجها منه.
أي ولا يخالف ما تقدم أن المزوج لها الزبير بن العوام، لأنه يجوز أن يكون الحسن كان هو السبب في تزويج الزبير لها فبعثت زينب رضي الله تعالى عنها في فداء زوجها أبي العاص قلادة لها كانت أمها خديجة رضي الله تعالى عنها أدخلتها بها عليه حين بنى بها أي والجائي بها أخوه عمرو بن الربيع، ولا يعلم لعمرو هذا إسلام «فلما رأى تلك القلادة رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال للصحابة: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها فافعلوا، قالوا نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها القلادة، وشرط عليه رسول الله ﷺ أن يخلي سبيل زينب» أي أن تهاجر إلى المدينة.
أي وقد كان كفار قريش مشوا إليه أن يطلق زينب بنت رسول الله ﷺ كما طلق ولدا أبي لهب بنتي النبي ﷺ قبل الدخول بهما رقية وأمّ كلثوم كما تقدم، وقالوا له:
[ ٢ / ٢٦٥ ]
نزوجك أيّ امرأة من قريش شئت، فأبى ذلك، وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وما أحبّ أن لي بها امرأة من قريش، فشكر له رسول الله ﷺ ذلك وأثنى عليه بذلك خيرا، فلما وصل أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت.
وقد كان ﷺ أرسل زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار قال لهما: تكونان بمحل كذا لمحل قريب من مكة حتى تمرّ بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها.
أي وذكر أن حماها كنانة بن الربيع أخا زوجها قدم لها بعيرا فركبته واتخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقودها في هودج لها وكانت حاملا، فتحدث بذلك رجال من قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك، ونخس البعير بالرمح فوقعت وألقت حملها.
وفي رواية أنه سبق إليها هبار ورجل آخر يقال له نافع، وقيل خالد بن عبد قيس. ثم إن كنانة برك ونثر كنانته وأخذ قوسه وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما، فجاء إليه أبو سفيان في رجال من قريش، وقال له: كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف، ثم قال له: إنك لم تصب في فعلك، فإنك خرجت بالمرأة جهارا على رؤوس الأشهاد وقد عرفت مصيبتنا التي كانت وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت زينب علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك من ذلّ أصابنا، وأن ذلك منا من ضعف ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ولكن ارجع بها حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسر بها سرا فألحقها بأبيها ففعل، وأقامت ليالي ثم خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه.
وفي رواية «أنه ﷺ قال لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيء بزينب؟ قال بلى يا رسول الله، قال فخذ خاتمي فأعطها فانطلق زيد، فلم يزل يتلطف حتى لقي راعيا، فقال: لمن ترعى؟ قال لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم؟ قال لزينب بنت محمد، فتكلم معه، ثم قال له: هل إن أعطيتك شيئا تعطها إياه ولا تذكره لأحد؟ قال نعم، فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعي إلى زينب وأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته، فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: فأين تركته؟ قال بمكان كذا وكذا، فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته قال لها زيد: اركبي بين يديّ على بعيري: قالت لا، ولكن اركب أنت بين يدي، فركب وركبت خلفه حتى أتت المدينة وذلك بعد شهرين من بدر. وكان ﷺ يقول زينب أفضل بناتي أصيبت بي» أي بسببي.
ومن العجب أن هذه العبارة ساقها الإمام سراج الدين البلقيني في فتاويه في
[ ٢ / ٢٦٦ ]
حق فاطمة رضي الله تعالى عنها حيث قال: وقد روى البزار في مسنده من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها «أن النبي ﷺ قال لفاطمة: هي خير بناتي، لأنها أصيبت فيّ» هذا كلامه، ولينظر ما الذي أصيبت فاطمة بسببه ﷺ. وقد يقال إصابتها بسبب موته ﷺ في حياتها.
ثم رأيت الحافظ ابن حجر أجاب بذلك حيث قال لأنها رزئت بأبيها فكان في صحيفتها أي فهو من أعلام نبوته، أو أن قوله في زينب ما ذكر كان قبل ما وهب الله لفاطمة من الكمالات.
وقد سئل الإمام البلقيني رحمه الله تعالى هل بقية بناته ﷺ، أي بعد فاطمة سواء في الفضل أو يفضل بعضهنّ على بعض ولم يجب عن ذلك، ولا مخالفة بين خروج زينب إلى زيد وخروج حميها بها إلى زيد. وبهذا: أي بتأخر هجرة زينب يظهر التوقف في قول ابن إسحاق أما بناته ﷺ فكلهنّ أدركن الإسلام وأسلمن وهاجرن معه، إلا أن يقال المراد اشتركن معه في الهجرة، وتقدم ما في قوله وأسلمن، وكون الجائي في فداء أبي العاص أخوه عمرو يخالف ما جاء «أن زينب بنت رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها أرسلت في فداء أبي العاص وأخيه عمرو بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة» الحديث ولعلها تصحيف، وأن الأصل بعثت في فداء أبي العاص أخاه عمرو بن الربيع، ويدل لذلك أنه ﷺ قال في هذه الرواية «إن رأيتم أن تردوا لها أسيرها فأطلقوه» ولم يقل أسيريها، وكان في الأسارى سهيل بن عمرو العامري.
وتقدم أنه كان من أشراف قريش وخطبائها، فقد سئل سعيد بن المسيب عن خطباء قريش في الجاهلية، فقال الأسود بن عبد المطلب وسهيل بن عمرو، وسئل عن خطبائهم في الإسلام، فقال معاوية بن أبي سفيان وابنه يعني يزيد وسعيد بن العاص وابنه يعني عمرو بن سعيد وعبد الله بن الزبير.
ولعل هذا لا يخالف ما تقدم من قول الأصمعي: الخطباء من بني مروان، عتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، وعبد الملك بن مروان: ومما يؤثر عن عتبة: ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم كما تقدم. وقال عمر ﵁ لرسول الله ﷺ:
دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع أي بالدال والعين المهملتين يخرج لسانه، أي لأنه كان أعلم، والأعلم إذا نزعت ثنيتاه لم يستطع الكلام فلا يقم عليك خطيبا في موطن أبدا، فقال له رسول الله ﷺ: لا أمثل به فيمثل الله تعالى بي. وإن كنت نبيا، وعسى أن يقوم مقاما لا تذمه فكان كذلك: فإنه لما مات رسول الله ﷺ أراد أكثر أهل مكة الرجوع عن الإسلام حتى خافهم أمير مكة عتاب بن أسيد ﵁
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وتوارى، فقام سهيل بن عمرو ﵁ خطيبا، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ، وقال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، ألم تعلموا أن الله قال إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزّمر: الآية ٣٠] وقال وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: الآية ١٤٤] الآيات، وتلا آيات أخر، ثم قال: والله إني أعلم أن هذا سيمتد امتداد الشمس في طلوعها وغروبها فلا يغرنكم هذا من أنفسكم: يعني أبا سفيان، فإنه ليعلم من هذا الأمر ما أعلم، لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم، وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره ومقوّ دينه، وقد جمعكم الله على خيركم يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عما هموا به.
وعند ذلك ظهر عتاب بن أسيد ﵁، وقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل، فلما ذكر قدرا أرضاهم به قالوا له هات، فقال اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا، وكان في الأسارى الوليد بن الوليد أخو خالد بن الوليد، أفتكه أخواه هشام وخالد، فلما افتدي أسلم، فعاتبوه في ذلك، فقال كرهت أن يظن بي أني جزعت من الأسر، ولما أسلم وأراد الهجرة حبسه أخواه، وكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت كما تقدم، ثم أفلت ولحق بالنبي ﷺ في عمرة القضاء كما سيأتي أي وكان في الأسارى السائب وهو الأب الخامس لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه، وكان صاحب راية بني هاشم في ذلك اليوم: أي التي يقال لها في الحرب العقاب، ويقال لها راية الرؤساء، ولا يحملها في الحرب إلا رئيس القوم، وكانت لأبي سفيان أو لرئيس مثله، ولغيبة أبي سفيان في العير حملها السائب لشرفه، وفدى نفسه.
وأما أبوه الرابع الذي هو شافع الذي ينسب إليه إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه الذي هو ولد السائب لقي النبي ﷺ وهو مترعرع فأسلم، وكان في الأسارى وهب بن عمير رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وأسره رفاعة بن رافع وكان أبوه عمير شيطانا من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك فجلس يوما مع صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك، وكان جلوسه معه في الحجر فتذاكرا أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان ما في العيش والله خير بعدهم، فقال عمير والله صدقت، أما والله لولا دين عليّ ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي كنت آتي محمدا حتى أقتله، فإن لي فيهم علة ابني أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان، وقال له عليّ دينك أنا أقضيه عنك؛ وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، قال عمير فاكتم
[ ٢ / ٢٦٨ ]
عني شأني وشأنك، قال افعل ثم إن عميرا أخذ سيفه وشحذه، بالمعجمة: أي سنه وسمه: أي جعل فيه السم، ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر إذ نظر إلى عمير حين أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا الكلب عدوّ الله عمير ما جاء إلا بشر، فدخل عمر ﵁ على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، هذا عدوّ الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه، قال ﷺ: فأدخله عليّ، فأقبل عمر ﵁ حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه، والحمالة بكسر الحاء المهملة: العلاقة فمسكه بها وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار ادخلوا على رسول الله فاجلسوا عنده، فإن هذا الخبيث غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله ﷺ، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر ﵁ آخذ بحمالة سيفه في عنقه، قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا ثم قال عمير: أنعموا صباحا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم.
فقال رسول الله ﷺ: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير، فقال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم يعني ولده وهبا فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف، قال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا، قال ﷺ: أصدقني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال ﷺ: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش. ثم قلت لولا دين عليّ وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لا أعلم ما أتاك به إلا الله تعالى، فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن، وأطلقوا أسيره ففعلوا ذلك، ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدا على اطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، فأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله ﷺ فلحق بمكة وأسلم ولده وهب ﵁.
وكان صفوان حين خرج عمير يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا وأن لا ينفعه بنفع أبدا.
أي ولما قدم عمير لم يبدأ بصفوان، بل بدأ ببيته وأظهر الإسلام ودعا إليه، فبلغ ذلك صفوان، فقال: قد عرفت حيث لم يبدأ بي قبل منزله أنه قد نكس وصبأ،
[ ٢ / ٢٦٩ ]
ولا أكلمه أبدا. ولا أنفعه ولا عياله بنافعة.
ثم إن عميرا وقف على صفوان وناداه: أنت سيد من سادتنا، رأيت الذي كنا عليه من عبادة الحجر والذبح له أهذا دين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فلم يجبه صفوان بكلمة، وعند فتح مكة هو الذي استأمنه ﷺ لصفوان كما سيأتي.
وكان في الأسارى أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه قال أبو عزيز: مر بي أخي مصعب فقال للذي أسرني: شدّ يدك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقلت له يا أخي هذه وصايتك بي، فبعثت أمه في فدائه أربعة آلاف درهم ففدته بها.
وكان في الأسارى العباس عم النبي ﷺ، أي وقد شدوا وثاقه فأنّ فلم يأخذه ﷺ نوم فقيل ما سهرك يا رسول الله؟ قال: لأنين العباس، فقام رجل وأرخى وثاقه، وفعل ذلك بالأسارى كلهم، والذي أسره أبو اليسر كعب بن عمرو، وكان ذميما أي بالمهملة: صغير الجثة والعباس جسيما طويلا فقيل للعباس رضي الله تعالى عنه: لو أخذته بكفك لوسعته كفك، فقال ما هو إن لقيته فظهر في عيني كالخندمة أي وهو جبل من جبال مكة، أي وأبو اليسر هذا هو الذي انتزع راية المشركين، وكنت بيد أبي عزيز بن عمير. قال: وفي رواية أن النبي ﷺ سأل كعبا وقال له:
كيف أسرت العباس؟ قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه ملك كريم، أي وفي رواية «أن العباس رضي الله تعالى عنه لما قيل له ما تقدم قال: والله إن هذا ما أسرني، لقد أسرني رجل أبلج من أحسن الناس وجها على فرس أبلق فما أراه في القوم، فقال الذي جاء به: والله أنا الذي أسرته يا رسول الله، فقال: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم.
وفي الكشاف أن العباس عمّ رسول الله ﷺ لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا وكان رجلا طوالا، فكساه عبد الله بن أبيّ ابن سلول قميصه، وجعل ﷺ فداء العباس أربعمائة أوقية. وفي رواية مائة أوقية. وفي رواية أربعين أوقية من ذهب.
وفي رواية جعل على العباس أيضا فداء عقيل ابن أخيه ثمانين أوقية، أي وجعل عليه فداء ابن أخيه نوفل بن الحارث.
وفي رواية «أنه ﷺ قال له: افد نفسك يا عباس وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ابني عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو، ففدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية» وسيأتي ما يدل على أنه إنما فدى نفسه وابن أخيه عقيل فقط، وقال للنبي ﷺ «تركتني فقير قريش ما بقيت» وفي لفظ «تركتني أسأل الناس في كفي، فقال له رسول الله ﷺ: فأين المال الذي دفعته لأم الفضل؟
[ ٢ / ٢٧٠ ]
يعني زوجته وقلت لها إن أصبت فهذا لبني الفضل وعبد الله وقثم» وفي كلام ابن قتيبة «فللفضل كذا، ولعبد الله كذا، وقثم كذا، فقال: والله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا شيء ما علمه إلا أنا وأم الفضل» زاد في رواية «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله» .
وفي رواية «أن العباس قال للنبي ﷺ: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت فقال له: كيف تكون فقير قريش، وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل، وقلت لها إن قتلت فقد تركتك غنية ما بقيت» .
وفي رواية «أين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ فقال: أشهد أن الذي تقوله قد كان، وما اطلع عليه إلا الله» وتقدم عن أبي رافع مولى العباس أن العباس رضي الله تعالى عنه وزوجته أم الفضل كانا مسلمين، بل تقدم أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة رضي الله تعالى عنها، وكانا يكتمان إسلامهما، وأن أبا رافع كان كذلك.
ومما يؤيد إسلام العباس رضي الله تعالى عنه أنه جاء في بعض الروايات «أن العباس رضي الله تعالى عنه قال: علام يأخذ منا الفداء وكنا مسلمين؟ أي وفي رواية: كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني، فقال له النبي ﷺ: الله أعلم بما تقول إن يك حقا فإن الله يجزيك؛ ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا. وقد أنزل الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا [الأنفال: الآية ٧٠] أي إيمانا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال: الآية ٧٠] أي من الفداء الآيات، فعند ذلك: أي عند نزول الآيات قال العباس للنبي ﷺ: لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافا فقد آتاني الله خيرا منها مائة عبد» وفي لفظ «أربعين عبدا كل عبد في يده مال يضرب به، أي يتجر فيه، وإني لأرجو من الله المغفرة» أي وهذا القول من العباس رضي الله تعالى عنه يدل على تأخر نزول هذه الآيات.
وجاء «أن العباس رضي الله تعالى عنه خرج لبدر ومعه عشرون أوقية من ذهب ليطعم به المشركين، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي ﷺ أن يحسب العشرين أوقية من فدائه، فأبى وقال: أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا نتركه لك» وجاء في بعض الروايات «أن العباس رضي الله تعالى عنه لما أسر تواعدت طائفة من الأنصار على قتله، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال لعمر: لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، زعمت الأنصار أنهم قاتلوه، فأتى عمر الأنصار فقال لهم أرسلوا العباس، فقالوا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان رسول الله ﷺ رضي، فقالوا: إن كان رضي فخذه فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له يا عباس أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إليّ من أن يسلم الخطاب» .
أي وفي أسباب النزول للواحدي: لما أسر العباس يوم بدر أقبل المسلمون
[ ٢ / ٢٧١ ]
عليه يعيرونه بكفره بالله وقطيعة الرحم، وأغلظ عليّ له من القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا، فقال له عليّ: ألكم محاسن؟ قال نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحيي الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله تعالى ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ [التّوبة: الآية ١٧] الآية.
وجاء أنه قال للمسلمين: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، فأنزل الله تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [التّوبة: الآية ١٩] الآية.
وذكر بعضهم أن العباس رضي الله تعالى عنه كان رئيسا في قريش، وإليه عمارة المسجد الحرام، فكان لا يدع أحدا يتشبب فيه، ولا يقول فيه هجرا. والتشبيب:
ترقيق الشعر بذكر النساء والهجر: الكلام الفاحش، فكانت قريش اجتمعت وتعاقدت على تسليم ذلك للعباس، وكانوا عونا له على ذلك.
ومن ثم قيل في العباس: هذا والله هو الشرف: يطعم الجائع، ويؤدب السفيه، فإن طعامه كان لفقراء بني هاشم. وقيل وسوطه معد لسفهائهم، وإذا كان ذلك لسفهاء بني هاشم فلسفهاء غيرهم بطريق الأولى.
والظاهر أن ذلك لا يختص بسكونهم في المسجد كما قد يدل عليه الرواية الأولى، ولا ينافي هذا أي قول عمر له أسلم إلى آخره، ما تقدم عن مولاه أبي رافع، من أن العباس كان مسلما، ومن قوله للنبي ﷺ إنه كان مسلما، ومن إتيانه بالشهادتين عنده ﷺ، لأن ذاك لم يظهره علانية بل أظهره له ﷺ فقط ولم يعلم به عمر ولا غيره، ولم يظهر النبي ﷺ إسلام العباس رفقا به، لما تقدم أن العباس كان له ديون متفرقة في قريش، وكان يخشى إن أظهر إسلامه ضاعت عندهم.
ومن ثم لما قهرهم الإسلام يوم فتح مكة أظهر إسلامه: أي فلم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح، وكان كثيرا ما يطلب الهجرة إلى رسول الله ﷺ فيكتب له مقامك بمكة خير لك.
أي وفي رواية «استأذن العباس رضي الله تعالى عنه النبي ﷺ في الهجرة، فكتب إليه: يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه، فإن الله ﷿ يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوّة» فكان كذلك.
وفي رواية أنه قال لابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب «افد نفسك يا نوفل، قال: ما لي شيء أفدي به نفسي، قال: افد نفسك من مالك الذي بجدة» وفي لفظ «بأرماحك التي بجدة فقال: أشهد أنك رسول الله، والله ما أحد يعلم أن لي بجدة أرماحا غير الله» أي وفدى نفسه ولم يفده العباس.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
ويدل لذلك ما رواه البخاري عن أنس «أن النبي ﷺ أتى بمال من البحرين» أي من خراجهما «فقال انثروه في المسجد، فكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ» أي كان مائة ألف «وكان أول خراج حمل إليه ﷺ وكان يأتي في كل سنة» .
وحينئذ لا يعارض هذا قوله ﷺ لجابر «لو قد جاء مال البحرين أعطيتك فلم يقدم مال البحرين حتى توفي رسول الله ﷺ» لأن المراد أنه لم يقدم في تلك السنة.
ولما نظر ذلك المال في المسجد خرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فكان لا يرى أحدا إلا أعطاه، فجاءه العباس، فقال: يا رسول الله أعطني، إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، أي ولم يقل نوفلا ولا حليفه عتبة بن عمرو، فقال: خذ فحثى في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال مر بعضهم يرفعه إليّ، قال لا قال: فارفعه أنت علي، قال لا، فنثر منه، ولا زال يفعل كذلك حتى بقي ما يقدر على رفعه على كاهله أي بين كتفيه، ثم انطلق وهو يقول: إنما أخذت ما وعد الله فقد أنجز فما زال ﷺ يتبعه بصره عجبا من حرصه حتى خفي.
ومنّ رسول الله ﷺ على نفر من الأسارى بغير فداء، منهم أبو عزة عمرو الجمحي الشاعر كان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين بشعره، فقال: يا رسول الله إني فقير وذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن عليّ، فمنّ عليه رسول الله ﷺ، أي وفي رواية قال له: إن لي خمس بنات ليس لهن شيء فتصدق بي عليهن ففعل وأعتقه، وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا. أي ولما وصل إلى مكة قال سحرت محمدا.
ولما كان يوم أحد خرج مع المشركين يحرض على قتال المسلمين بشعره، فأسر وقتل صبرا وحملت رأسه إلى المدينة كما سيأتي.
أي فعلم أن أسرى بدر؛ منهم من فدي ومنهم من خلي سبيله من غير فداء، وهو أبو العاص، وأبو عزة، ووهب بن عمير؛ ومنهم من مات؛ ومنهم من قتل وهو النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط كما تقدم.
ولما بلغ النجاشي نصرة رسول الله ﷺ ببدر فرح فرحا شديدا. فعن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النجاشي أرسل إليه وإلى أصحابه الذين معه بالحبشة ذات يوم، فدخلوا عليه فوجدوه جالسا على التراب لابسا أثوابا خلقة، فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟ فقال لهم: إني أبشركم بما يسركم، إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله ﷿ قد نصر نبيه، وأهلك عدوه فلانا وفلانا وعدد جمعا التقوا بمحل يقال له بدر كثير الأراك كنت أرعى فيه غنما لسيدي من بني ضمرة، فقال له جعفر ما لك جالس على التراب عليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن حقا على عباد الله أن يحدثوا الله ﷿ تواضعا عندما أحدث لهم نعمة.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وفي رواية: كان عيسى صلوات الله وسلامه عليه إذا حدث له من الله نعمة ازداد تواضعا، فلما أحدث الله تعالى نصرة نبيه ﷺ أحدثت هذا التواضع.
وفي رواية إنا نجد في الإنجيل أن الله ﷾ إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث الله تواضعا، وإن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة الحديث.
قال: ولما أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر واستأصل وجوههم، قالوا إن ثأرنا بأرض الحبشة، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد فنقتلهم بمن قتل منا فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة رضي الله تعالى عنهما- فإنهما أسلما بعد ذلك- إلى النجاشي ليدفع إليهما من عنده من المسلمين، فأرسلوا معهما هدايا وتحفا للنجاشي. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ بعث إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري بكتاب يوصيه فيه على المسلمين انتهى. وفي الأصل هنا ما يوافقه.
وفيه أن عمرو بن أمية الضمري لم يكن أسلم بعد، أي لأنه كما في الأصل شهد بدرا وأحدا مع المشركين. وأول مشهد شهده مع المسلمين بئر معونة، وأسر في ذلك وجزت ناصيته وأعتق، وكان ذلك في سنة أربع كما سيأتي. قال: فلما وصل عمرو وعبد الله إلى النجاشي ردهما خائبين.
أي فعن عمرو بن العاص قال: دخلت على النجاشي فسجدت له، فقال:
مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا؟ فقلت نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا ثم قربته إليه، فأعجبه، وفرق منه أشياء بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأمر أن يكتب ويتحفظ به، قال عمرو: فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك إني رأيت رجلا خرج من عندك يعني عمرو بن أمية الضمري. وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطينه فأقتله، فغضب ثم رفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه قد كسره، فجعلت أتقي الدم بثيابي. وفي رواية: ثم رفع يده فضرب بها أنف نفسه، ظننت أنه قد كسره. وقد يجمع بوقوع الأمرين منه، وعند ذلك قال عمرو: فأصابني من الذل ما لو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه، فقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول الله رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى ابن مريم لتقتله؟ قلت وتشهد أنت أيها الملك أنه رسول الله ﷺ، فقال: نعم أشهد أنه رسول الله ﷺ أشهد بذلك عند الله يا عمرو، فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق. قلت له: أفتبايعني له على الإسلام، قال:
نعم، فمدّ يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد كساني، فلما رأوا
[ ٢ / ٢٧٤ ]
كسوة الملك سروا بذلك وقالوا: هل من صاحبك قضاء لحاجتك؟ يعنون قتل عمرو بن أمية الضمري، فقلت لهم: كرهت أن أكلمه أول مرة وقلت أعود إليه، قالوا: الرأي ما رأيت وفارقتهم. وهذا يدل على أنه كان معه ومع عبد الله جماعة آخرون من قريش. ويحتمل أنه عنى بأصحابه عبد الله بن ربيعة، ويؤيد الأول ما يأتي فليتأمل.
وكأني أعمد إلى حاجة، فعمدت إلى موضع السفن فوجدت سفينة قد شحنت، فركبت معهم ودفعوها من ساعتهم حتى انتهوا إلى الشعبية، وهو محلّ معروف كان موردة لجدة: أي كان ترسي به السفن قبل وجود جدة كما تقدم، فخرجت من السفينة فابتعت بعيرا وتوجهت إلى المدينة حتى إذا كنت بالهداة: اسم محل، إذا رجلان وهما خالد بن الوليد وعثمان بن أبي طلحة، فرحبا بي وإذا هما يريدان الذي أريد، فتوجهنا إلى المدينة.
فقد علمت ما في إرسال عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي عقب وقعة بدر من أنه كان في ذلك الوقت كافرا، لأنه شهد مع الكفار أحدا.
ومن ثم قال في الأصل هنا: فلما كان شهر ربيع الأول، وقيل المحرم سنة سبع، أي وقيل سنة ست حكاه ابن عبد البر عن الواقدي من هجرة رسول الله ﷺ كتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعث به عمرو بن أمية الضمري، فلما قرىء عليه الكتاب أسلم، وكتب إليه رسول الله ﷺ أن يزوجه أم حبيبة ففعل. وكتب إليه رسول الله ﷺ أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ففعل، وقد تقدم القول عند ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة أن توجه عمرو بكتابي رسول الله ﷺ في المحرم سنة سبع يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، والثاني في تزويجه ﵊ أم حبيبة وقيل إرسال عمرو كان في شهر ربيع الأول منها.
وسيأتي ذكر كتابي النبي ﷺ إلى النجاشي مع عمرو عند ذكر كتبه إلى الملوك، هذا كله كلام الأصل فليتأمل ما فيه.
ثم رأيت صاحب النور قال: قد رأيت غير واحد صرح بأن النجاشي أسلم في السنة السابعة؛ يعنون من الهجرة، وهذا يعكر على تصديقه وإسلامه عند إرسال عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة: أي عقب بدر، حيث قال أنا أشهد أنه رسول الله ﷺ إلى آخر ما تقدم هذا كلامه.
أي فكيف يكون إرسال عمرو بن أمية إلى النجاشي ليسلم. وقد يجاب بأن المراد إظهار إسلامه، أي بعث له عمرو بن أمية لأجل أن يظهر إسلامه ويعلن به بين
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قومه، أي لأنه كان يخفي إسلامه عن قومه. ولما بلغ قومه أنه اعترف بأن عيسى صلوات الله وسلامه عليه عبد الله ووافق جعفر بن أبي طالب على ذلك سخطوا وقالوا له: أنت فارقت ديننا، وأظهروا له المخاصمة، فأرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فإن هربت فاذهبوا حيث شئتم، وإن ظفرت فأقيموا. ثم عمد إلى كتاب فكتب: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في ثيابه عند منكبه الأيمن وخرج إلى الحبشة وقد صفوا له، فقال: يا معشر الحبشة ألست أرفق الناس بكم؟ قالوا بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد، قال: فماذا تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال لهم النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه وقال: هو يشهد أن عيسى ابن مريم ولم يزد على هذا، وإنما يعني ما كتب فرضوا منه ذلك.
ويذكر أن عليا ﵁ وجد ابن النجاشي عند تاجر بمكة فاشتراه منه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه مع المسلمين، وكان يقال له نيزر مولى علي كرم الله وجهه.
ويقال إن الحبشة لما بلغهم خبره أرسلوا وفدا منهم إليه ليملكوه ويتوجوه ولم يختلفوا عليه فأبى وقال: ما كنت لأطلب الملك بعد أن منّ الله عليّ بالإسلام.
على أن ابن الجوزي ﵀ ذكر أن ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشي كان عند منصرفه مع قريش في غزوة الأحزاب أي لا عقب بدر.
فعن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني، فقلت لهم:
تعلمون والله أني لأرى أمر محمد يعلو لأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا فما ترون فيه؟ قالوا: وما رأيت؟ قال: أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن ممن قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، فقالوا: إن هذا هو الرأي، فقلت: اجمعوا ما يهدى له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا إليه، فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري بعثه رسول الله ﷺ في شأن جعفر وأصحابه الحديث.
وهذا لا يمنع أن يكون عمرو بن العاص وفد على النجاشي هو وعبد الله بن ربيعة عقب بدر، فيكون وفود عمرو بن العاص على النجاشي كان ثلاث مرات: مرة مع عمارة عقب مهاجرة من هاجر إلى الحبشة، ومرة مع عبد الله بن ربيعة عقب بدر،
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وهذه المرة الثالثة التي كانت عقب الأحزاب، وإن إرسال عمرو بن أمية وإسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي كان في هذه المرة الثالثة.
وحينئذ لا يشكل إرسال عمرو بن أمية للنجاشي، لأنه كان مسلما حينئذ، فيكون ذكر مجيء عمرو بن أمية إلى النجاشي في المرة الثانية التي كانت عقب بدر اشتباه من بعض الرواة وكذا ذكر إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي في المرة الثانية من تخليط بعض الرواة.
ثم رأيته في «الإمتاع» قال: وقد رويت قصة الهجرة إلى الحبشة وإسلام النجاشي من طرق عديدة مطولة ومختصرة. وكان رسول الله ﷺ يرسل عمرو بن أمية الضمري في أموره لأنه كان من رجال النجدة، أي ومعلوم أنه كان لا يرسله إلا بعد إسلامه، وإسلامه قد علمت أنه كان سنة أربع. وفي الأصل أنه ﷺ أرسله إلى مكة بهدية لأبي سفيان بن حرب.
أي ولعل المراد بذلك ما حكاه بعض الصحابة قال «دعاني رسول الله ﷺ وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح وقال لي:
التمس صاحبا، قال: فجاءني عمرو بن أمية، فقال: بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة وتلتمس صاحبا، قلت: أجل، قال: فأنا لك صاحب، قال: فجئت رسول الله ﷺ، فقلت: وجدت صاحبا، فقال: من؟ قلت: عمرو بن أمية الضمري، فقال: إذ هبط بلاد قومه فاحذروه، فإنه قد قال القائل: أخوك البكري ولا تأمنه، وقد أسلم عبد الله ولده قبل أبيه عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، روي «أنه ﷺ قال فيهما وفي أم عبد الله: نعم البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله» وكان ﷺ يفضل عبد الله على أبيه، لأنه كان من عباد الصحابة وزهادهم وفضلاهم وعلمائهم، ومن أكثرهم رواية.
وذكر ابن مرزوق ﵀ «أن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما مر ببدر فإذا رجل يعذب ويئنّ، فناداه يا عبد الله، قال: فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن أفعل فقال الأسود الموكل بتعذيبه: لا تفعل يا عبد الله، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله ﷺ» رواه الطبراني في الأوسط. زاد السيوطي في الخصائص «فأتيت النبي ﷺ» فأخبرته قال: أو قد رأيته؟ قلت نعم، قال: ذاك عدوّ الله أبو جهل، وذاك عذابه إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي «أن رجلا قال للنبي ﷺ: إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حديد» وفي لفظ «بعمود حديد حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك، فقال رسول الله ﷺ: ذاك أبو جهل يعذب إلى يوم القيامة» .
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وما جاء في فضل من شهد بدرا «أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال:
ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها، قال جبريل ﵇: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة» وفي رواية «إن للملائكة الذين شهدوا بدرا في السماء لفضلا على من تخلف منهم» وجاء بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه إلى النبي ﷺ، فقال «يا رسول الله إن ابن عمي نافق، أي وقد كان من أهل بدر، أتأذن لي أن أضرب عنقه؟ فقال ﷺ: إنه شهد بدرا، وعسى أن يكفر عنه» وفي رواية «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .
قال وفي الطبراني بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «اطلع الله على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أو قال: فقد وجبت لكم الجنة» أي غفرت لكم ما مضى وما سيقع من الذنوب، أي وهو يفيد أن ما يقع منهم من الكبائر لا يحتاجون إلى التوبة عنه، لأنه إذا وقع يقع مغفورا، وعبر فيه بالماضي مبالغة في تحققه، وهذا كما لا يخفى بالنسبة للآخرة لا بالنسبة لأحكام الدنيا، ومن ثم لما شرب قدامة بن مظعون الخمر في أيام عمر جلده وكان بدريا أي وقد يقال هذا يقتضي وجوب التوبة في الدنيا فإذا لم تقع لا يؤاخذ بذلك في الآخرة لأن وجوب التوبة في أحكام الدنيا.
لا يقال: إذا سلم أن الذنب إذا وقع منهم يقع مغفورا لا معنى لوجوب التوبة، وإنما حد عمر رضي الله تعالى عنه قدامة زجرا عن شرب الخمر. لأنا نقول: بل لوجوب التوبة في الدنيا معنى وإن كان الذنب إذا وقع مغفورا، لأن المراد بذلك عدم المؤاخذة في الآخرة، وذلك لا ينافي وجوب التوبة عنه في الدنيا، لأنه لا تلازم بين وجوب التوبة في الدنيا وبين غفران الذنب في الآخرة.
هذا، وفي الخصائص الصغرى نقلا عن شرح «جمع الجوامع» أن الصحابة كلهم لا يفسقون بارتكاب ما يفسق به غيرهم. وقدامة هذا كان متزوجا أخت عمر رضي الله تعالى عنه، وكان عمر متزوجا بأخت قدامة وهي أم حفصة ﵂، فكان خالا لحفصة ولأخيها عبد الله، وكان عاملا لعمر في بعض النواحي أي البحرين، فقدم الجارود سعد بن عبد القيس على عمر من البحرين وكان قدامة واليا عليها، فأخبر عمر أن قدامة سكر، قال: وإني رأيت حدّا من حدود الله حقا عليّ أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد معك؟ قال أبو هريرة: فشهد أبو هريرة ﵁ أنه رآه سكران، أي قال: لم أره يشرب، ولكني رأيته سكران يقيء، فأحضر قدامة، فقال له الجارود: أقم عليه الحد، فقال له عمر ﵁: أخصم أنت أم شاهد؟ فصمت ثم عاوده، فقال له عمر ﵁: لتمسكن أو لأسوءنك،
[ ٢ / ٢٧٨ ]
فقال: ليس في الحق. وفي لفظ: أما والله ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني، فأرسل عمر ﵁ إلى زوجته قدامة أي بعد أن قال له أبو هريرة ﵁: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد يعني زوجته، فجاءت فشهدت على زوجها بأنه سكر، فقال عمر لقدامة: أريد أن أحدك، فقال:
ليس لك ذلك، لقول الله ﷿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [المائدة: الآية ٩٣]، فقال له عمر: أخطأت التأويل، فإن بقية الآية إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [المائدة: الآية ٩٣] فإنك إن اتقيت اجتنبت ما حرم الله تعالى عليك، ثم أمر به فحد، فغاضبه قدامة ثم حجا جميعا، ففي قوم استيقظ عمر رضي الله تعالى عنه من نومه فزعا، فقال: عجلوا بقدامة، أتاني آت، فقال: صالح قدامة فإنه أخوك، فاصطلحا.
أي وقد احتج بهذه الآية أيضا جمع من الصحابة شربوا الخمر، وهم أبو جندل، وضرار بن الخطاب، وأبو الأزور، فأراد أبو عبيدة ﵁ وهو وال بالشام أن يحدهم، فقال أبو جندل لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [المائدة: الآية ٩٣] فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، وقال: خصمني أبو جندل بهذه الآية. فكتب عمر لأبي عبيدة: إن الذي زين لأبي جندل الخطيئة زين له الخصومة فاحددهم، فلما أراد أبو عبيدة أن يحدهم، قال أبو الأزور لأبي عبيدة: دعنا نلقى العدوّ غدا، فإن قتلنا فذاك، وإن رجعنا إليكم فحدونا، فلقوا العدوّ فاستشهد أبو الأزور وحدّ الآخران.
وفي حواشي البخاري للحافظ الدمياطي «أن نعيمان كان ممن شهد بدرا وسائر المشاهد وأتى في شربه الخمر إلى رسول الله ﷺ فحده أربعا أو خمسا أي من المرات، فقال رجل من القوم اللهم العنه، ما أكثر ما يشرب وأكثر ما يحد! فقال ﵊: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» ولعل هذا التعليل لا ينظر لمفهومه.
وعند الإمام أحمد ﵀ عن حفصة رضي الله تعالى عنها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله تعالى أحد شهد بدرا والحديبية» ولعل الواو بمعنى أو. ويدل لذلك ما في بعض الروايات عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ، قال «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .
ولا ينافي ما في مسلم والترمذي عن جابر «أن عبد الحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبا إليه، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال:
كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية» لأنه يجوز أن يكون ذلك لكونه: أي
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الجمع بين بدر والحديبية هو الواقع لحاطب.
وفي الطبراني عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر «والذي نفسي بيده لو أن مولودا ولد في فقه أربعين سنة من أهل الدين يعمل بطاعة الله تعالى كلها ويجتنب معاصي الله كلها إلى أن يرد إلى أرذل العمر أو يردّ إلى أن لا يعلم بعد علم شيئا لم يبلغ أحدكم هذه الليلة» .
وكان ﷺ يكرم أهل بدر ويقدمهم على غيرهم. ومن ثم جاء جماعة من أهل بدر للنبي ﷺ وهو جالس في صفة ضيقة ومعه جماعة من أصحابه فوقفوا بعد أن سلموا ليفسح لهم القوم فلم يفعلوا، فشق قيامهم على النبي ﷺ فقال: لمن لم يكن من أهل بدر من الجالسين: قم يا فلان، قم يا فلان بعدد الواقفين، فعرف رسول الله ﷺ الكراهة في وجه من أقامه، فقال: «رحم الله رجلا يفسح لأخيه، فنزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة: الآية ١١] الآية فجعلوا يقومون لهم بعد ذلك» أي ولعل المراد يجلسونهم مكانهم.
وفي الخصائص الصغرى: وخصّ أهل بدر من أصحابه ﷺ بأن يزادوا في الجنازة على أربع تكبيرات تمييزا لهم لفضلهم.
وقد ذكر أن عمر بن عبد العزيز بن مروان كان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله ليسمع منه، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص عليا رضي الله تعالى عنه، فأتاه عمر فأعرض عبيد الله عنه وقام ليصلي، فجلس عمر ينتظره، فلما سلم أقبل عليه، وقال له: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم، ففهمها عمر وقال:
معذرة إلى الله وإليك، والله لا أعود، فما سمع بعد ذلك يذكر عليا كرّم الله وجهه إلا بخير.
غزوة بني سليم
ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة من بدر لم يقم إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه، يريد بني سليم. واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أم مكتوم.
أي وفي رواية أبي داود لأن استخلاف ابن أم مكتوم إنما كان على الصلاة بالمدينة دون القضايا والأحكام، فإن الضرير لا يجوز له أن يحكم بين الناس، لأنه لا يدرك الأشخاص ولا يثبت الأعيان، ولا يدري لمن يحكم ولا على من يحكم، أي فأمر القضايا والأحكام يجوز أن يكون فرضه ﷺ لسباع فلا مخالفة. فلما بلغ ماء من مياههم يقال له الكدر، أي وقيل لهذا الماء الكدر، لأن به طيرا في ألوانها كدرة،
[ ٢ / ٢٨٠ ]
فأقام ﷺ على ذلك ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا، أي وكان لواؤه ﷺ أبيض حمله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وكان في تلك السنة تزويج عليّ بفاطمة رضي الله تعالى عنهما: أي عقد عليها في رمضان وقيل في رجب، ودخل بها في ذي الحجة. وقيل بعد أن تزوّجها بنى بها بعد سبعة أشهر ونصف، أي فيكون عقد عليها في أول جمادى الأولى. وكان عمرها خمس عشرة سنة، وكان سن عليّ يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، أي وأولم عليها بكبش من عند سعد وآصع من ذرة من عند جماعة من الأنصار. ولما خطبها عليّ قال ﷺ «إن عليا يخطبك فسكتت» أي وفي رواية قال لها «أي بنية إن ابن عمك عليا قد خطبك فماذا تقولين؟ فبكت، ثم قالت: كأنك يا أبت إنما أدخرتني لفقير قريش، فقال ﷺ: والذي بعثني بالحق ما تكلمت في هذا حتى أذن لي الله فيه من السماء، فقالت فاطمة ﵂: رضيت بما رضي الله ورسوله» .
وقد كان خطبها أبو بكر ثم عمر فسكت ﷺ. وفي رواية قال لكل انتظر بها القضاء، فجاآ أي أبو بكر وعمر ﵄ إلى علي كرم الله وجهه يأمرانه أن يخطبها، قال علي «فنبهاني لأمر كنت عنه غافلا فجئته ﷺ فقلت: تزوّجني فاطمة، قال: وعندك شيء؟ قلت فرسي وبدني: أي درعي، قال: أما فرسك فلا بدّ لك منها، وأما بدنك فبعها فبعتها بأربعمائة وثمانين درهما فجئته ﷺ بها فوضعها في حجره فقبض منها قبضة فقال: أي بلال ابتع لنا بها طيبا.
وفي رواية «لما خطبها قال له ﷺ ما تصدقها» وفي لفظ «هل عندك شيء تستحلها به؟ قال: ليس عندي شيء، قال: فأين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ قال عندي، فباعها من عثمان بن عفان بأربعمائة وثمانين درهما. ثم إن عثمان ﵁ رد الدرع إلى علي كرم الله وجهه فجاء عليّ بالدرع والدراهم إلى رسول الله ﷺ فدعا لعثمان بدعوات» .
وفي فتاوى الجلال السيوطي أنه سئل هل لصحة ما قيل إن عثمان بن عفان رأى درع علي رضي الله تعالى عنهما يباع بأربعمائة درهم ليلة عرسه على فاطمة ﵂ فقال عثمان: هذا درع علي فارس الإسلام لا يباع أبدا، فدفع لغلام علي أربعمائة درهم وأقسم أن لا يخبره بذلك ورد الدرع معه، فلما أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس، في كل كيس أربعمائة درهم، مكتوب على كل درهم:
هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك، فقال: هنيئا لك يا عثمان.
وفيها أيضا أن عليا خرج ليبيع إزار فاطمة ليأكل بثمنه، فباعه بستة دراهم، فسأله سائل فأعطاه إياه، فجاء جبريل في صورة أعرابي ومعه ناقة، فقال: يا أبا
[ ٢ / ٢٨١ ]
الحسن اشتر هذه الناقة، قال: ما معي ثمنها، قال: إلى أجل، فاشتراها بمائة ثم عرض له ميكائيل في صورة رجل في طريقه، فقال: أتبيع هذه الناقة؟ قال نعم، قال: بكم اشتريتها؟ قال: بمائة، قال: آخذها بمائة ولك من الربح ستون، فباعها له، فعرض له جبريل فقال: بعت الناقة؟ قال نعم، قال: ادفع إليّ ديني، فدفع له مائة ورجع بستين، فقالت له فاطمة: من أين لك هذا؟ قال: ضاربت مع الله بستة فأعطاني ستين، ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فقال: البائع جبريل والمشتري ميكائيل، والناقة لفاطمة تركبها يوم القيامة له أصل أم لا؟.
فأجاب عن ذلك كله بأنه لم يصح، أي وهي تصدق بأن ذلك لم يرد فهو من الكذب الموضوع.
ولما أراد ﷺ أن يعقد خطب خطبة منها «الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بحكمته، ثم إن الله ﷿ جعل المصاهرة نسبا وصهرا وكان ربك قديرا. ثم إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من عليّ على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت يا علي؟ قال رضيت» بعد أن خطب علي كرّم الله وجهه أيضا خطبة منها: الحمد لله شكرا لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه: أي وفي رواية أنه ﷺ قال «يا عليّ اخطب لنفسك، فقال عليّ الحمد لله الذي لا يموت، وهذا محمد رسول الله ﷺ زوّجني ابنته فاطمة على صداق مبلغه أربعمائة درهم فاسمعوا ما يقول واشهدوا. قالوا: ما تقول يا رسول الله؟ قال:
أشهدكم أني قد زوّجته» كذا رواه ابن عساكر. قال الحافظ ابن كثير: وهذا خبر منكر. وقد ورد في هذا الفصل أحاديث كثيرة منكرة وموضوعة أضربنا عنها.
ولما تمّ العقد دعا ﷺ بطبق بسر فوضع بين يديه ثم قال للحاضرين انتهبوا.
وقول علي كرم الله وجهه: نبهاني لأمر كنت عنه غافلا لا ينافي ما روي عن أسماء بنت عميس أنها قالت: قيل لعلي: ألا تتزوج بنت رسول الله ﷺ، فقال ما لي صفراء ولا بيضاء ولست بمأبور بالباء الموحدة: يعني غير الصحيح الدين، ولا المتهم في الإسلام: أي لا أخشى الفاحشة إذا لم أتزوج. وليلة بنى بها قال ﷺ لعلي: لا تحدث شيئا حتى تلقاني، فجاءت بها أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وعليّ في جانب آخر، وجاء رسول الله ﷺ فقال لفاطمة ائتيني بماء، فقامت تعثر في ثوبها. وفي لفظ في مرطها من الحياء، فأتته بقعب فيه ماء، فأخذه رسول الله ﷺ ومج فيه، ثم قال لها: تقدمي، فتقدمت، فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم. ثم قال: ائتوني بماء، فقال علي كرم الله وجهه: فعلمت الذي يريد، فقمت وملأت القعب فأتيته به، فأخذه فمج فيه وصنع بي كما صنع بفاطمة ودعا لي بما دعا لها به، ثم قال: اللهم بارك فيهما،
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وبارك عليهما، وبارك لهما في شملهما: أي الجماع، وتلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) والمعوذتين، ثم قال أدخل بأهلك باسم الله والبركة، وكان فراشها إهاب كبش: أي جلده، وكان لهما قطيفة إذا جعلاها بالطول انكشفت ظهورهما وإذا جعلاها بالعرض انكشفت رؤوسهما.
ثم مكث ﷺ ثلاثة أيام لا يدخل على فاطمة. وفي اليوم الرابع دخل عليهما في غداة باردة وهما في تلك القطيفة، فقال لهما: كما أنتما وجلس عند رأسهما ثم أدخل قدميه وساقيه بينهما، فأخذ علي كرم الله وجهه إحداهما فوضعها على صدره وبطنه ليدفئها وأخذت فاطمة ﵂ الأخرى فوضعتها كذلك.
وقالت له في بعض الأيام: يا رسول الله ما لنا فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، فقال لها ﷺ يا بنية اصبري، فإن موسى بن عمران ﵊ أقام مع امرأته عشر سنين ليس لهم فراش إلا عباءة قطوانية: أي وهي نسبة إلى قطوان: موضع بالكوفة، أي ولعل العباءة التي كانت تجلب من ذلك الموضع كانت صفيقة. وعن علي رضي الله تعالى عنه: لم يكن لي خادم غيرها.
وعنه رضي الله تعالى عنه «لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ وأني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألف دينار» ولعل المراد في السنة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من الصحابة ما ورد لعلي رضي الله تعالى عنه أي من ثنائه ﷺ عليه.
وسبب ذلك أنه كثرت أعداؤه والطاعنون عليه من الخوارج وغيرهم، فاضطر لذلك الصحابة أن يظهر كل منهم من فضله ما حفظه ردا على الخوارج وغيرهم.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما نزل في أحد من الصحابة من كتاب الله ما نزل في عليّ. نزل في عليّ ثلاثمائة آية.
وعن ابن عباس ﵄: كل ما تكلمت به في التفسير فإنما أخذته عن علي كرم الله وجهه.
ومن كلماته البديعة الوجيزة: لا يخافنّ أحد إلا ذنبه، ولا يرجونّ إلا ربه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم.
ما أبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم.
ومن ذلك: العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف علمهم
[ ٢ / ٢٨٣ ]
عملهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم من مجالسهم تلك إلى الله.
وقال ﷺ لعلي «يهلك فيك رجلان: محب مطر، وكذاب مفتر مكره لك يأتي بالكذب المفترى» وقال له «يا علي ستفترق أمتي فيك كما افترقت في عيسى ابن مريم» وجاء أنه ﷺ قال «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريا بني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها» .
غزوة بني قينقاع
بضم النون وقيل بكسرها أي وقيل بفتحها، فهي مثلثة النون، والضم أشهر:
قوم من اليهود وكانوا أشجع يهود، وكانوا صاغة، وكانوا حلفاء عبادة بن الصامت ﵁ وعبد الله بن أبيّ ابن سلول. فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد أي لأنه ﷺ كان عاهدهم وعاهد بني قريظة وبني النضير أن لا يحاربوه، وأن لا يظاهروا عليه عدوه.
وقيل على أن لا يكونوا معه ولا عليه. وقيل على أن ينصروه ﷺ على من دهمه من عدوه أي كما تقدم، فهم أول من غدر من يهود؟ فإنه مع ما هم عليه من العداوة لرسول الله ﷺ قدمت امرأة من العرب بجلب لها: أي وهو ما يجلب ليباع من إبل وغنم وغيرهما فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ منهم. أي وفي الإمتاع أن المرأة كانت زوجة لبعض الأنصار، أي ومعلوم أن الأنصار كانوا بالمدينة، أي وقد يقال: لا مخالفة، لجواز أن تكون زوجة بعض الأنصار من الأعراب وأنها جاءت بجلب لها، فجعلوا أي جماعة منهم يراودونها عن كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها. قال وفي رواية: خله بشوكة وهي لا تشعر، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون أي وتقدم وقوع مثل ذلك، وأنه كان سببا لوقوع حرب الفجار الأول.
ولما غضب المسلمون على بني قينقاع أي وقال لهم ﷺ «ما على هذا أقررناهم» تبرأ عبادة بن الصامت ﵁ من حلفهم، أي قال: يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وتشبث به عبد الله بن أبي ابن سلول أي لم يتبرأ من حلفهم كما تبرأ منه عبادة بن الصامت، أي وفيه نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [المائدة: الآية ٥١] إلى
[ ٢ / ٢٨٤ ]
قوله فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة: الآية ٥٦] فجمعهم ﷺ وقال لهم «يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة» أي ببدر «وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله تعالى إليكم، قالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك أي تظننا أنا مثل قومك، ولا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت لهم فرصة، إنا والله لو حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس» وفي لفظ «لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا» أي لأنهم كانوا أشجع اليهود وأكثرهم أموالا وأشدهم بغيا، فأنزل الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: الآية ١٢] الآية، أي وأنزل الله وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: الآية ٥٨] الآية فتحصنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله ﷺ ولواؤه وكان أبيض بيد عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه.
قال ابن سعد: ولم تكن الرايات يومئذ.
وقد قدّمنا أن هذا يرده ما تقدم في ضمن غزاة بدر من أنه كان أمامه رايتان سوداوتان إحداهما مع علي ويقال لها العقاب، ولعلها سميت بذلك في مقابلة الراية التي كانت في الجاهلية تسمى بهذا الاسم، ويقال لها راية الرؤساء، لأنه كان لا يحملها في الحرب إلا رئيس، وكانت في زمنه ﷺ مختصة بأبي سفيان ﵁، لا يحملها في الحرب إلا هو أو رئيس مثله إذا غاب كما في يوم بدر.
والأخرى مع بعض الأنصار، وسيأتي في خيبر أن العقاب كان قطعة من برد لعائشة ﵂.
واستخلف ﷺ على المدينة أبا لبابة، وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، لأن خروجه ﷺ كان في نصف شوّال، واستمر إلى هلال ذي القعدة الحرام، فقذف الله في قلوبهم الرعب وكانوا أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، فسألوا رسول الله ﷺ أن يخلي سبيلهم، وأن يجلوا من المدينة: أي يخرجوا منها، وأن لهم نساءهم والذرية وله ﷺ الأموال، أي ومنها الحلقة التي هي السلاح. والظاهر من كلامهم أنه لم يكن لهم نخيل ولا أرض تزرع، وخمست أموالهم أي مع كونها فيئا له ﷺ لأنها لم تحصل بقتال ولا جلوا عنها قبل التقاء الصفين، فكان له ﷺ ولأصحابه الأربعة الأخماس.
أقول: ولا يخفى أن من جملة أموالهم دورهم، ولم أقف على نقل صريح دال على ما فعل بها، وعلم أنه ﷺ جعل هذا الفيء كالغنيمة. ومذهبنا معاشر الشافعية أن الفيء المقابل للغنيمة كالواقع في هذه الغزوة وغزوة بني النضير الآتية كان في زمنه ﷺ يقسم خمسة أقسام، له ﷺ أربعة منها، والقسم الخامس يقسم خمسة أقسام له ﷺ منها قسم، فيكون له أربعة أخماس وخمس الخمس والأربعة الأخماس الباقية من الخمس، منها واحد لذوي القربى، وآخر لليتامى، وآخر للمساكين، وآخر لابن
[ ٢ / ٢٨٥ ]
السبيل، فجميع مال الفيء مقسوم على خمسة وعشرين سهما منها أحد وعشرون سهما لرسول الله ﷺ، وأربعة أسهم لأربعة أصناف، هم: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ولعل إمامنا الشافعي ﵁ رأى أن ذلك كان أكثر أحواله ﷺ وإلا فهو هنا وفي بني النضير كما سيأتي لم يفعل ذلك بل خمسه هنا، ثم استقل به: أي لم يعط الجيش منه، وقد جعل ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم أي وبنات هاشم وبني أي وبنات المطلب دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل من أن الأربعة أولاد عبد مناف كما تقدم.
ولما فعل ذلك جاء إليه ﷺ جبير بن مطعم من بني نوفل وعثمان بن عفان من بني عبد شمس فقالا: يا رسول الله، هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا» وفي لفظ «ومنعتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة» وفي رواية «أن بني هاشم شرفوا بمكانك منهم وبنو المطلب، ونحن ندلي إليك بنسب واحد ودرجة واحدة فبم فضلتهم علينا؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيئا واحد هكذا، وشبك بين أصابعه» زاد في رواية «أنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام» أي لأن الصحيفة إنما كتبت على بني هاشم والمطلب، لأنهم هم الذين قاموا دونه ﷺ ودخلوا الشعب.
وبعده ﷺ صار الفيء أربعة أخماس للمرتزقة المرصدة للجهاد؟ وخمس الخامس لمصالح المسلمين، والخمس الثاني منه لذوي القربى، والخمس الثالث منه لليتامى، والخمس الرابع منه للمساكين، والخمس الباقي منه لابن السبيل.
ثم لا يخفى أنه ﷺ إذا كان مع الجيش وغنم شيئا بقتال أو إيجاف خيل أو جلا عنه أهله بعد التقاء الصفين كان من خصائصه ﷺ أن يختار من ذلك قبل قسمته، ويقال لهذا الذي يختاره الصفيّ والصفية كما تقدم.
أقول: وتقدم عن الإمتاع عن محمد بن أبي بكر ﵄ خلافه، وتقدم هل صفيه ﷺ كان محسوبا عليه من سهمه أو لا؟ قيل نعم، وقيل كان خارجا عنه وتقدم الجواب عن ذلك في غزاة بدر أن هذا الخلاف لا ينافي الجزم ثم بأنه كان زائدا على سهمه ﷺ، لأن ذلك قبل نزول آية تخميس الغنيمة، فكان سهمه ﷺ كسهم واحد من الجيش، فصفيه يكون زائدا على ذلك.
وأما سهمه ﷺ بعد نزول آية التخميس للغنيمة فهو خمس الغنيمة، فيجري فيما يأخذه قبل القسمة الخلاف، هل يكون زائدا على ذلك الخمس أو يكون محسوبا منه؟ فلا مخالفة بين إجراء الخلاف والجزم، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وقيل لما نزلت بنو قينقاع أمر رسول الله ﷺ أن يكتفوا فكتفوا فأراد قتلهم، فكلمه فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول وألح عليه؛ أي فقال: يا محمد أحسن في مواليّ فأعرض عنه ﷺ، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ من خلفه، أي وتلك الدرع هي ذات الفضول، فقال له رسول الله ﷺ: ويحك أرسلني وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه سمرة لشدة غضبه، ثم قال: ويحك أرسلني، فقال:
والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ، فإنهم عترتي وأنا امرؤ أخشى الدوائر، فقال ﷺ: خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم، وتركهم من القتل، أي وقال له: خذهم لا بارك الله لك فيهم، وأمر ﷺ أن يجلوا من المدينة؛ أي ووكل بإجلائهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأمهلهم ثلاثة أيام فجلوا منها بعد ثلاث، أي بعد أن سألوا عبادة بن الصامت أن يمهلهم فوق الثلاث، فقال: لا ولا ساعة واحدة، وتولى إخراجهم، وذهبوا إلى أذرعات بلدة بالشام، أي ولم يدر الحول عليهم حتى هلكوا أجمعون بدعوته ﷺ في قوله لابن أبيّ «لا بارك الله لك فيهم» .
ويذكر أن ابن أبيّ قبل خروجهم جاء إلى منزله ﷺ يسأله في إقرارهم فحجب عنه، فأراد الدخول، فدفعه بعض الصحابة فصدم وجهه الحائط فشجه، فانصرف مغضبا، فقال بنو قينقاع: لا نمكث في بلد يفعل فيه بأبي الحباب هذا ولا تنتصر له وتأهبوا للجلاء. قال: وقيل الذي تولى إخراجهم محمد بن مسلمة ﵁، أي ولا مانع أن يكونا: أي عبادة بن الصامت ومحمد بن مسلمة اشتركا في إخراجهم.
ووجد ﷺ في منازلهم سلاحا كثيرا، أي لأنهم كما تقدم أكثر يهود أموالا وأشدهم بأسا، وأخذ رسول الله ﷺ من سلاحهم ثلاث قسيّ، قوسا يدعى الكتوم:
أي لا يسمع له صوت إذا رمى به، وهو الذي رمى به ﷺ يوم أحد حتى تشظى بالظاء المشالة كما سيأتي وسيأتي ما فيه، وقوسا يدعى الروحاء، وقوسا يدعى البيضاء، وأخذ درعين: درعا يقال له السغدية أي بسين مهملة وغين معجمة، ويقال إنها درع داود التي لبسها ﷺ حين قتل جالوت، والأخرى يقال لها فضة، وثلاث أرماح، وثلاثة أسياف: سيف يقال له قلعي، وسيف يقال له بتار، والآخر لم يسم انتهى أي وسماه بعضهم بالحيف، ووهب ﷺ درعا لمحمد بن مسلمة، ودرعا لسعد بن معاذ ﵄ والله تعالى أعلم.
غزوة السويق
لما أصاب قريشا في بدر ما أصابهم نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة: أي لا يأتي النساء، ولعل هذه العبارة وهي لا يمس رأسه ماء من جنابة وقعت
[ ٢ / ٢٨٧ ]
من بعض الصحابة. مراده بها ما ذكر من أنه لا يأتي النساء. ويؤيده ما جاء في بعض الروايات: لا يمس النساء والطيب حتى يغزو محمدا؛ أو أن ذلك قاله أبو سفيان، بناء على أنهم كانوا يغتسلون من الجنابة.
ومن ثم ذكر الدميري أن الحكمة في عدم بيان الغسل في آية الوضوء كون الغسل من الجنابة كان معلوما قبل الإسلام بقية من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فهو من الشرائع القديمة.
وفي كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغتسلون من الجنابة، ويغسلون موتاهم ويكفنونهم، ويصلون عليهم؛ وهو أن يقوم وليه بعد أن يوضع على سريره ويذكر محاسنه ويثني عليه، ثم يقول: عليك رحمة الله ثم يدفن.
وما ذكره الدميري تبع فيه السهيلي حيث قال: إن الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية بقية من دين إبراهيم وإسماعيل، كما بقي فيهم الحج والنكاح، فكان الحدث الأكبر معروفا عندهم، ولذلك قال تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: الآية ٦] فلم يحتاجوا إلى تفسيره. وأما الحدث الأصغر فلما لم يكن معروفا عندهم قبل الإسلام لم يقل وإن كنتم محدثين فتوضؤوا، بل قال فَاغْسِلُوا [المائدة: الآية ٦] الآية.
فخرج أبو سفيان في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه حتى نزل بمحل بينه وبين المدينة نحو بريد. ثم أتى لبني النضير: أي وهم حي من يهود خيبر ينسبون إلى هارون أخي موسى بن عمران عليهما الصلاة والسلام تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب، أي وهو من رؤساء بني النضير وهو أبو صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له، لأنه خافه، فانصرف عنه وجاء إلى سلام بن مشكم سيد بني النضير أي وصاحب كنزهم: أي المال الذي كانوا يجمعونه ويدخرونه لنوائبهم وما يعرض لهم أي وكان حليا يعيرونه لأهل مكة، فاستأذن عليه، فأذن له واجتمع به، ثم خرج إلى أصحابه، فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية من المدينة فحرقوا نخلا منها ووجدوا رجلا من الأنصار. قال في الإمتاع: وهذا الأنصاري هو معبد بن عمرو وحليفا لهم فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين، فعلم بهم الناس، فخرج رسول الله ﷺ في طلبهم في مائتين من المهاجرين والأنصار: أي واستعمل ﷺ على المدينة بشير بن عبد المنذر. وكان خروجه لخمس خلون من ذي الحجة.
وجعل أبو سفيان وأصحابه يخففون للهرب أي لأجله، فجعلوا يلقون جرب السويق أي وهو قمح أو شعير يقلى ثم يطحن ليسفّ، تارة بماء، وتارة بسمن، وتارة بعسل وسمن وهو عامة أزوادهم، فيأخذه المسلمون ولم يلحقوا بهم، وانصرف
[ ٢ / ٢٨٨ ]
رسول الله راجعا إلى المدينة، وكانت غيبته خمسة أيام.
غزوة قرقرة الكدر
ويقال قرقرة الكدرة ويقال قراقر. فبلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من بني سليم وغطفان بقرقرة الكدر: أي لعله بلغه أنهم يريدون الإغارة على المدينة بعد أن غزاهم ﷺ كما تقدم. وقرقرة الكدر: أرض ملساء فيها طيور في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع، كما تقدم أن الماء الذي بأرضهم الذي بلغه ﷺ ولم يجد به أحدا منهم يسمى الكدر، لوجود ذلك الطير به، فسار إليهم في مائتين من أصحابه، وحمل لواءه عليّ بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم، وتقدم في تلك أنه استخلف على المدينة سباع بن عرفطة أو ابن أمّ مكتوم وتقدم ما فيه، فلما سار إليه أي إلى ذلك الموضع لم يجد به أحدا، وأرسل نفرا من أصحابه إلى أعلى الوادي واستقبلهم في بطن الوادي فوجد خمسمائة بعير مع رعاة، منهم غلام يقال له يسار فحازوها وانحدروا بها إلى المدينة، فلما كانوا بمحل على ثلاثة أميال من المدينة خمسها ﷺ، فأخرج خمسة وقسم الأربعة الأخماس على أصحابه، فخص كل رجل منهم بعيران، ووقع يسار في سهمه ﷺ، فأعتقه ﷺ لأنه رآه يصلي أي وقد أسلم، وتعلم الصلاة من المسلمين بعد أسره، أي وفي كون هذا غنيمة حيث قسمه كذلك وقفة.
وكانت مدة غيبته ﷺ خمس عشرة ليلة، فعلم أنه ﷺ غزا بني سليم؛ وأنه وصل إلى ماء من مياههم يقال له الكدر لوجود ذلك الطير به، وأنه استعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أمّ مكتوم. وهنا وقع الجزم بالثاني، وأن الأولى لم يذكر أنه وجد فيها شيئا من النعم.
وظاهر هذا يدل على التعدد، وجرى عليه الأصل، أي وحينئذ تكون تلك الطيور توجد في ذلك الماء وفي تلك الأرض. فعلى هذا يكون ﷺ غزا بني سليم مرتين: مرة وصل فيه لذلك الماء ولم يجد شيئا من النعم، ومرة وصل فيها لتلك الأرض ووجد بها تلك النعم، ولم أقف على أن محل ذلك الماء سابق على تلك الأرض، أو أن تلك الأرض سابقة على محل ذلك الماء.
وفي السيرة الشامية أن غزوة بني سليم هي غزوة قرقرة الكدر، فعليه يكون إنما غزا بني سليم مرة واحدة، أي وحينئذ يكون الماء الذي كان به ذلك الطير كان في تلك الأرض الملساء أو قريبا منها، فليتأمل. والحافظ الدمياطي جعل غزوة بني سليم هي غزوة بحران الآتية؛ وسنذكرها.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
غزوة ذي أمرّ
بتشديد الراء: اسم ماء، أي وسماها الحاكم غزوة أنمار، ويقال إنها غزوة غطفان.
بلغ رسول الله ﷺ أن رجلا يقال له دعثور بضم الدال وإسكان العين المهملتين ثم مثلثة مضمومة ابن الحارث: أي الغطفاني من بني محارب جمع جمعا من ثعلبة ومحارب بذي أمر: أي وهو موضع من ديار غطفان، أي ولعل به ذلك الماء المسمى بما ذكر كما تقدم، يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في أربعمائة وخمسين رجلا لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وأصاب أصحابه رجلا منهم: أي يقال له جبار، وقيل حباب بكسر الحاء المهملة وبالباء الموحدة من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله ﷺ، فأخبره من خبرهم، أي وقال له: لن يلاقوك ولو سمعوا بمسيرك إليهم هربوا في رؤوس الجبال، وأنا سائر معك، فدعاه رسول الله ﷺ للإسلام فأسلم وضمه ﷺ إلى بلال، أي وأخذ به ذلك الرجل طريقا وهبط به عليهم، فسمعوا بمسير رسول الله ﷺ فهربوا في رؤوس الجبال: أي فبلغوا ماء يقال له ذو أمر، فعكسر به ﷺ، وأصابهم مطر أي كثير بلّ ثياب رسول الله ﷺ وثياب أصحابه فنزع رسول الله ﷺ ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع أي بمرأى من المشركين واشتغل المسلمون في شؤونهم فبعث المشركون دعثورا الذي هو سيد القوم وأشجعهم المجمع لهم:
أي فقالوا له: قد انفرد محمد فعليك به أي وفي لفظ أنه لما رآه قال: قتلني الله إن لم أقتل محمدا، فجاء دعثور ومعه سيفه حتى قام على رأس رسول الله ﷺ، ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ وفي رواية الآن، فقال رسول الله ﷺ الله، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، أي بعد وقوعه على ظهره، فأخذ السيف رسول الله ﷺ وقال له: من يمنعك مني؟ قال لا أحد، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وفي رواية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم أتى قومه أي بعد أن أعطاه ﷺ سيفه فجعل يدعوهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفع في صدره فوقع على ظهره، فقال: علمت أنه ملك فأسلمت، ونزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة: الآية ١١] الآية، ثم أقبل رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق حربا، وكانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
غزوة بحران
بفتح الموحدة وتضم وسكون الحاء المهملة، وعبر عنها الحافظ الدمياطي بغزوة بني سليم كما تقدم.
لما بلغه ﷺ أن ببحران: وهو موضع بالحجاز معروف، بينه وبين المدينة ثمانية برد جمعا كثيرا من بني سليم، خرج في ثلاثمائة من أصحابه لست خلون من جمادى الأولى، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، أي ولم يظهر وجها للسير وأحث السير حتى بلغ بحران، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، أي وكان ﷺ قبل أن يصل إلى ذلك بليلة لقي رجلا من بني سليم، فأخبره أن القوم تفرقوا، فحبسه مع رجل وسار إلى أن وجدهم كذلك، فأطلق الرجل، وأقام بذلك المحل أياما، ثم رجع ولم يلق حربا، وكانت غيبته عشر ليال.
وعلى مقتضى هذا السياق تبعا للأصل يكون غزا بني سليم ثلاث مرات: مرة عقب بدر، وهذه الغزوة، وغزوة ذي أمر كانتا في السنة الثالثة من الهجرة.
وفي تلك السنة التي هي الثالثة عقد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، على أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ بعد موت أختها رقية، وتقدم وقت موتها.
وعقد ﷺ على حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وذلك في شعبان لما انقضت عدة وفاة زوجها خنيس بن حذيفة من شهداء بدر، بعد أن عرضها عمر على أبي بكر فلم يجبه لشيء، وعرضها على عثمان فلم يجبه لشيء، فقال عمر: يا رسول الله قد عرضت حفصة على عثمان فأعرض عني، فقال له رسول الله ﷺ «إن الله قد زوّج عثمان خيرا من ابنتك، وزوج ابنتك خيرا من عثمان» فتزوج عثمان أم كلثوم، وتزوّج ﷺ حفصة.
وتزوّج أيضا ﷺ زينب بنت خزيمة في رمضان. وتزوّج زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب في تلك السنة.
وقيل تزوّجها في السنة الرابعة، وصححها في الأصل. وقيل في الخامسة، وكان اسمها برة بفتح الموحدة، واسم أمها برة بضمها، فغير ﷺ اسمها وسماها زينب، وقال لها ﷺ «لو كان أبوك مسلما لسميناه باسم رجل منا، ولكن قد سميته جحشا» أي والجحش في اللغة السيد.
وقد كان ﷺ جاء إليها ليخطبها لمولاه زيد بن حارثة، فقالت: لست بناكحته، قال: بل فانكحيه، قالت: يا رسول الله أؤامر: أي أشاور نفسي فإني خير منه حسبا، فأنزل الله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
[ ٢ / ٢٩١ ]
أَمْرِهِمْ [الأحزاب: الآية ٣٦] الآية، فقالت عند ذلك رضيت.
وفي رواية أنها وهبت نفسها للنبي ﷺ فزوّجها من زيد، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوجها عبده فنزلت الآية.
أي وعن مقاتل «أن زيد بن حارثة لما أراد أن يتزوّج زينب جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله اخطب علي؟ قال له: من؟ قال: زينب بنت جحش، فقال له:
لا أراها تفعل، إنها أكرم من ذلك نسبا، فقال: يا رسول الله ﷺ إذا كلمتها أنت وقلت زيد أكرم الناس عليّ فعلت، قال: إنها امرأة لسناء» أي فصيحة، والمراد لسانها طويل، فذهب زيد إلى علي رضي الله تعالى عنه، فحمله على أن يكلم له النبي ﷺ، فانطلق معه عليّ إلى النبي ﷺ فكلمه، فقال: إني فاعل ذلك ومرسلك يا علي إلى أهلها لتكلمهم ففعل، ثم عاد فأخبره بكراهتها وكراهة أخيها لذلك فأرسل إليهم النبي ﷺ يقول: قد رضيته لكم، وأقضي أن تنكحوه، فانكحوه، وساق إليهم عشرة دنانير وستين درهما ودرعا وخمارا وملحفة وإزارا وخمسين مدا من الطعام وعشرة أمداد من التمر أعطاه ذلك كله رسول الله ﷺ. ثم بعد ذلك جاء ﷺ بيت زيد يطلبه فلم يجده، فتقدمت إليه زينب، فأعرض عنها، فقالت له: ليس هو هنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل وأعجبت رسول الله ﷺ، أي لأن الريح رفعت الستر فنظر إليها من غير قصد فوقعت في نفسه ﷺ، فرجع وهو يقول «سبحان مصرّف القلوب» وفي رواية «مقلب القلوب» وسمعته زينب يقول ذلك، فلما جاء زيد أخبرته الخبر، فجاء إليه ﷺ وقال: يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها لك، فقال له رسول الله ﷺ: أمسك عليك زوجك، فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم، أي فلم يستطع أن يغشاها من حين رآها ﷺ إلى أن طلقها.
فعنها رضي الله تعالى عنها: لما وقعت في قلب النبي ﷺ لم يستطعني زيد وما امتنعت منه، وصرف الله تعالى قلبه عني، وجاءه يوما وقال له: يا رسول الله إن زينب اشتدّ عليّ لسانها وأنا أريد أن أطلقها، فقال له اتق الله وأمسك عليك زوجك، فقال: استطالت عليّ، فقال له إذن طلقها فطلقها. فلما انقضت عدّتها أرسل زيدا لها فقال له اذهب فاذكرها عليّ فانطلق، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي: أي أستخيره. فبينا رسول الله ﷺ جالس يتحدث مع عائشة إذ نزل عليه الوحي بأن الله زوّجه زينب، فسريّ عنه وهو يبتسم، وهو يقول: من يذهب إلى زينب فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء؟ وجاء إليها رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن، قالت: دخل عليّ وأنا مكشوفة الشعر، فقلت: يا رسول الله بلا خطبة ولا إشهاد؛ قال: الله المزوج، وجبريل الشاهد، أي وأنزل الله تعالى وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: الآية ٣٧] الآية، فهذه الآية نزلت في زيد ﵁ وقد قالها ﷺ في حق ولده أسامة، فقد جاء «أحب أهلي إليّ من أنعم الله وأنعمت عليه أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب» فنعمة الله على زيد وعلى ولده أسامة الإسلام. ونعمة النبي ﷺ عليهما العتق، لأن عتق أبيه عتق له تأمل.
وإنما توجه هذا العتب أي لأن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه ﷺ، فلما شكا إليه زيد قال له أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: الآية ٣٧] وأخفى منه في نفسه ما الله مبديه ومظهره، وهو ما أعلمه الله به من أنك ستتزوّجها، فالذي أخفاه ما كان الله أعلمه به وَتَخْشَى النَّاسَ [الأحزاب: الآية ٣٧] أي اليهود والمنافقين أن يقولوا تزوج امرأة ابنه وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: الآية ٣٧] في إمضاء ما أحبه ورضيه لك وأعطاك إياه.
وقد جعل الله تعالى طلاق زيد لها وتزوّج النبي ﷺ إياها لإزالة حرمة التبني.
قال تعالى لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب: الآية ٣٧] .
وأو لم ﷺ عليها بما لم يولم به على نسائه وذبح شاة وأطعم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطعام، فشق ذلك على رسول الله ﷺ.
ففي البخاري «فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون» وفي البخاري أيضا «فخرج النبي ﷺ، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته كيف وجدت أهلك، بارك الله لك، ثم دخل حجر نسائه كلهنّ يقول كما قال لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع النبي ﷺ فوجد القوم في البيت يتحدثون قال أنس رضي الله تعالى عنه: وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج فطلبها إلى حجرة عائشة، فأخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أسكفة البيت داخله وأخرى خارجه أرخى الستر بيني وبينه فنزلت آية الحجاب» . قال في الكشاف وهي أدب الله تعالى به الثقلاء.
وفي مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «خرجت سودة بعد ما ضرب علينا الحجاب تقضي حاجتها أي بالمناصع: محل كان أزواجه ﷺ يخرجن إليه بالليل للتبرز، وكانت امرأة جسيمة، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين، فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت، فقالت: يا رسول الله إني خرجت، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله تعالى إليه، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن» وكان قول عمر لسودة ما ذكر حرصا على أن ينزل الحجاب. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، فأنزل الله الحجاب، وفيه أنه تقدم
[ ٢ / ٢٩٣ ]
عنها أن قول عمر لسودة كان بعد أن ضرب الحجاب.
وقد يقال المراد بالحجاب هنا عدم خروجنّ للبراز فلا ترى أشخاصهنّ، والحجاب المتقدم عدم رؤية شيء من أبدانهن فلا مخالفة فليتأمل.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «دخلت على زينب بنت جحش وعندي رسول الله ﷺ، فأقبلت عليه، فقالت له: ما كل واحدة منا عندك إلا على خلاء: أي على ما أردت، ثم أقبلت عليّ تسبني فردعها النبي ﷺ فلم تنته. فقال لي سبيها فسببتها وكنت أطول لسانا منها حتى جف ريقها في فمها، ووجه رسول الله ﷺ يتهلل سرورا» أي وفي يوم غضب رسول الله ﷺ على زينب لقولها في صفية بنت حيي:
تلك اليهودية، فهجرها لذلك ذا الحجة والمحرم وبعض صفر، ثم أتاها بعد وعاد إلى ما كان معها.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت «أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت النبي ﷺ تستأذن والنبي ﷺ معي، فأذن لها فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة» أي أن تعدل بينهنّ وبينها «فقال النبي ﷺ: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت بلى، قال فأحبي هذه يعنيني، فقامت فاطمة فخرجت فجاءت أزواج النبي ﷺ فحدثتهنّ بما قالت وبما قال لها فقلن لها: ما أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى النبي ﷺ، فقالت: والله لا أكلمه فيها أبدا.
فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش فاستأذنت عليه وهو في بيت عائشة فأذن لها، فدخلت فقالت: يا رسول الله أرسلني أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، ثم وقعت: أي زينب بي تسمعني ما أكره، فطفقت أنظر إلى النبي ﷺ حتى يأذن لي فيها، فلم أزل حتى عرفت أن النبي ﷺ لا يكره أن أنتصر، فوقعت بها أسمعها ما تكره، فتبسم النبي ﷺ وقال لها: إنها ابنة أبي بكر» أي محل الفصاحة والشهامة.
وسبب ذلك أي طلبهنّ أن يعدل بينهن وبين عائشة أن الناس كانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ.
غزوة أحد
وكانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور. وشذ من قال سنة أربع. وأحد جبل من جبال المدينة، قيل سمي بذلك لتوحده وانفراده عن غيره من الجبال التي هناك، وهذا الجبل يقصد لزيارة سيدنا حمزة ومن فيه من الشهداء. وهو على نحو
[ ٢ / ٢٩٤ ]
ميلين، وقيل على ثلاثة أميال من المدينة؛ يقال إن فيه قبر هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، وفيه قبض، فواراه موسى به. وكانا قدما حاجين أو معتمرين.
وعن ابن دحية أن هذا باطل بيقين، وأن نص التوراة أنه دفن بجبل من جبال بعض مدن الشام.
وقد يقال لا مخالفة، لأنه يقال المدينة شامية، وقيل دفن بالتيه هو وأخوه موسى عليهما الصلاة والسلام كما تقدم.
قال ﷺ «إن أحدا هذا جبل يحبنا ونحبه، إذا مررتم به فكلوا من شجره ولو من عضاهه» أي وهي كل شجرة عظيمة لها شوك. والقصد الحث على عدم إهمال الأكل من شجرة تبركا به.
وقال ﷺ «أحد ركن أركان من أركان الجنة» أي جانب عظيم من جوانبها وفي رواية «على باب من أبواب الجنة» ولا يخالف ما قبله، فإنه جاز أن يكون ركنا بجانب الباب. وفي رواية «جبل من جبال الجنة» ولا مانع أن تكون المحبة من الجبل على حقيقتها، وضع الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود ﵇، وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله فيها وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٧٤] .
وقيل هو على حذف مضاف: أي يحبنا أهله وهم الأنصار. أو لأن اسمه مشتق من الأحدية، وأخذ من هذا أنه أفضل الجبال. وقيل أفضلها عرفة. وقيل أبو قبيس وقيل الذي كلم الله عليه موسى. وقيل قاف.
ولما أصاب قريشا يوم بدر ما أصابها مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية رضي الله تعالى عنهم، فإنهم أسلموا بعد ذلك، ورجال أخر من أشراف قريش إلى أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك أيضا، وإلى من كان له تجارة في تلك العير: أي التي كان سببها وقعة بدر، وكانت تلك العير موقوفة في دار الندوة لم تعط لأربابها، فقالوا: إن محمدا قد وتركم: أي قتل رجالكم ولم تدركوا دماءهم، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا عمن أصاب منا: أي وقالوا نحن طيبو النفوس أن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي فجعلوا لذلك ربح المال، فسلم لأهل العير رؤوس أموالهم وكانت خمسين ألف دينار، وأخرجوا أرباحها وكان الربح لكل دينار دينار أي فكان الذي أخرج خمسين ألف دينار. وقيل أخرجوا خمسة وعشرين ألف دينار، وأنزل الله تعالى في تلك إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: الآية ٣٦] .
وتجهزت قريش من والاهم من قبائل كنانة وتهامة. وقال صفوان بن أمية لأبي عزة يا أبا عزة إنك رجل شاعر فأعنا بلسانك، ولك عليّ إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، فقال: إن محمدا قد منّ عليّ أي وأخذ علي أن لا أظاهر عليه أحدا حين أطلقني وأنا أسير في أسارى بدر فلا أريد أن أظاهر عليه، قال بلى فأعنا بلسانك.
فخرج أبو عزة ومسافع يستنفران الناس بأشعارهما. فأما مسافع فلا يعلم له إسلام، لكن في كلام ابن عبد البر: مسافع بن عياض بن صخر القرشي التيمي له صحبة، وكان شاعرا لم يرو شيئا ولا أدري هل هو هذا أو غيره. وأما أبو عزة فظفر به رسول الله ﷺ بعد هذه الوقعة بحمراء الأسد: أي المكان المعروف الآتي بيانه قريبا، وتقدم استطرادا، ثم أمر ﷺ عاصم بن ثابت فضرب عنقه وحملت رأسه إلى المدينة كما سيأتي، وتقدم استطرادا.
ودعا جبير بن مطعم بن عدي رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك غلاما له حبشيا يقال له وحشي رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك، وكان يقذف بحرية له قذف الحبشة قلما يخطىء بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق، أي لأن حمزة هو القاتل له. وقيل وحشي كان غلاما لطعيمة، وإن ابنة سيده طعيمة قالت له: إن قتلت محمدا أو حمزة أو عليا في أبي فإني لا أدري في القوم كفؤا له غيرهم فأنت عتيق، وخرج معهم النساء بالدفوف.
وفي كلام سبط ابن الجوزي: وساروا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور والبغايا، هذا كلامه. وخرج من نساء قريش خمس عشرة امرأة: أي مع أزواجهن.
ومنهنّ هند زوج أبي سفيان رضي الله تعالى عنها، فإنها أسلمت بعد ذلك. أي وأم حكيم بنت طارق مع زوجها عكرمة رضي الله تعالى عنهما، فإنهما أسلما بعد ذلك، وسلافة مع زوجها طلحة بن أبي طلحة، وأم مصعب بن عمير يبكين قتلى بدر وينحن عليهم، يحرضنهم على القتال، وعدم الهزيمة والفرار. وبلغ رسول الله ﷺ ذلك أرسل به إليه عمه العباس، أي بعد أن راودوه على الخروج معهم، فاعتذر بما لحقه من القوم يوم بدر ولم يساعدهم بشيء، وذلك في كتاب جاء إليه ﷺ وهو بقباء، أرسله العباس مع رجل استأجره من بني غفار وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها ففعل كذلك، فلما جاءه الكتاب فك ختمه ودفعه لأبي فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا، ونزل ﷺ على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس، أي فقال:
والله إني لأرجو أن يكون خيرا فاستكتمه إياه، فلما خرج رسول الله ﷺ من عنده
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قالت له امرأته: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ فقال لها: لا أم لك وما أنت وذاك؟
فقالت: قد سمعت ما قال وأخبرته بما قال له رسول الله ﷺ، فاسترجع وأخذ بيدها ولحقه ﷺ فأخبره خبرها وقال: يا رسول الله إني خفت أن يفشو الخبر فترى أني أنا المفشي له وقد استكتمتني إياه، فقال له رسول الله ﷺ خلّ عنها.
وسارت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل. وقال بعض الحفاظ جمع أبو سفيان قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وخرج معه أبو عامر الراهب في سبعين فارسا من الأوس. قال في الأصل: والأحابيش الذين حالفوا قريشا، وهم:
بنو المصطلق وبنو الهون بن خزيمة، اجتمعوا عند حبشي، وهو جبل بأسفل مكة، وتحالفوا على أنهم مع قريش يدا واحدة على غيرهم ما سجى ليل ووضح نهار، ومارسا حبشي مكانه، فسموا أحابيش باسم الجبل. وقيل سموا بذلك لتحبشهم: أي تجمعهم، وفيهم مائتا فارس أي وثلاثة آلاف بعير وسبعمائة دارع حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحليفة: أي وهو ميقات أهل المدينة الذي يحرمون منه، أي وأرجفت اليهود والمنافقون، فبعث رسول الله ﷺ عينين له: أي جاسوسين فأتيا رسول الله ﷺ بخبرهم.
ويقال إن عمرو بن سالم الخزاعي مع نفر من خزاعة فارقوا قريشا من ذي طوى وجاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه خبرهم وانصرفوا. ولما وصلوا: أي كفار قريش ومن معهم للأبواء أرادوا نبش قبر أمه ﷺ، والمشير عليهم بذلك هند بنت عتبة زوج أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، فقالت: لو بحثتم قبر أم محمد فإن أسر منكم أحدا فديتم كل إنسان بأرب من آرابها: أي جزء من أجزائها، فقال بعض قريش: لا يفتح هذا الباب وإلا نبش بنو بكر موتانا عند مجيئهم، وحرست المدينة، وبات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة وعليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله حتى أصبحوا.
ورأى رسول الله ﷺ رؤيا قال: «رأيت البارحة في منامي خيرا رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذبابة سيفي: أي وهو ذو الفقار «ثلما» بإسكان اللام. وفي لفظ «وكأن ظبة سيفي انكسرت» وفي لفظ «ورأيت سيفي ذا الفقار انفصم من عند ظبته فكرهته، وهما مصيبتان. ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة» وفي رواية «ورأيت أني في درع حصينة أي وأني مردف كبشا. قال ﷺ بعد أن قيل له ما أولتها؟ قال:
قال: فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون» وفي لفظ «أولت البقر بقرا يكون فينا.
وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي» أي وفي رواية «من عترتي يقتل» وفي رواية «رأيت أن سيفي ذا الفقار فلّ، فأولته فلا فيكم» أي وفلول السيف كسور في حده، وقد حصل في حد سيفه كسور، وحصل انفصام ظبته وذهابها فكان
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ذلك علامة على وجود الأمرين. وأما الدرع الحصينة فالمدينة: أي وأما الكبش فإني أقتل كبش القوم: أي حاميهم وقال ﷺ لأصحابه: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلنا فيها، أي فأنا أعلم بها منهم وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فهي كالحصن، وكان ذلك رأي أكابر المهاجرين والأنصار. قال: ووافق على ذلك عبد الله ابن أبي سلول، أي فإن رسول الله ﷺ أرسل يستشيره ولم يستشره قبل ذلك، قال:
يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم الصبيان بالحجارة من ورائهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. اهـ.
وهذا هو الظاهر خلافا لما ذكره بعضهم من أنه ﷺ دعا عبد الله بن أبي ابن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره، فقال: يا رسول الله أخرج بنا إلى هذه الأكالب، إذ لا يناسب ذلك ما يأتي عنه من رجوعه وقوله خالفني الخ، وإنما قال ذلك رجل من المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة يوم أحد. وقال رجال: أي غالبهم أحداث أحبوا لقاء العدوّ وغالبهم ممن أسف على ما فاته من مشهد بدر، أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرونا أنا جبنا عنهم وضعفنا، أي فيكون ذلك جراءة منهم علينا، والله لا نطيع العرب في أن تدخل علينا منازلنا.
وفي لفظ أن الأنصار قالوا: يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا أتانا في دارنا أي في ناحية من نواحيها فكيف وأنت فينا ووافقهم على ذلك حمزة بن عبد المطلب. وقال للنبي ﷺ: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى أجادلهم بسيفي خارج المدينة، كل ذلك ورسول الله ﷺ كاره للخروج، فلم يزالوا برسول الله ﷺ حتى وافق على ذلك، فصلى الجمعة بالناس ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبرهم أن لهم النصرة ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوّهم، ففرح الناس بذلك، ثم صلّى بالناس العصر وقد حشدوا: أي اجتمعوا؛ وقد حضر أهل العوالي ثم دخل رسول الله ﷺ بيته ومعه أبو بكر وعمر ﵄ فعمماه وألبساه، وصف الناس ينتظرون خروجه ﷺ، فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج فردّوا الأمر إليك، أي فما أمركم به وما رأيتم له فيه هوى ورأيا فأطيعوه فخرج رسول الله ﷺ وقد لبس لأمته وظاهر بين درعين أي لبس درعا فوق درع، وهما: ذات الفضول، وفضة التي أصابها من بني قينقاع كما تقدم، وذات الفضول هذه هي التي أرسلها إليه ﷺ سعد بن عبادة ﵁ حين سار إلى بدر، وهي التي مات ﷺ عنها وهي مرهونة عند اليهودي، وأفتكها أبو بكر رضي
[ ٢ / ٢٩٨ ]
الله عنه، وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه ﷺ: وأنكر الإمام أبو العباس بن تيمية أنه ﷺ تمنطق حيث قال: لم يبلغنا أن النبي ﷺ شد وسطه بمنطقة.
وقد يقال: مراد ابن تيمية المنطقة المعروفة وليس هذا منها. وفيه رد على بعضهم في قوله: كان له ﷺ منطقة من أدم فيها ثلاث حلق من فضة، والطرف من فضة.
وقد يقال: لا يلزم من كونه له منطقة أن يكون تمنطق بها فليتأمل.
وتقلد ﷺ السيف، وألقى الترس في ظهره، أي وفي رواية: فركب ﷺ فرسه السكب، وتقلد القوس، وأخذ قناته بيده، أي ولا مانع أن يكون جمع بين ذلك، فقالوا له: ما كان لنا أن نخالفك. ولا نستكرهك على الخروج فاصنع ما شئت. وفي رواية: فإن شئت فاقعد، أي وقال: قد دعوتكم إلى القعود فأبيتم وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، أي وفي رواية: حتى يقاتل.
وأخذ منه أن يحرم على النبي نزع لأمته إذا لبسها حتى يلحق العدوّ ويقاتل، وبه قال أئمتنا: أي وقيل إنه مكروه واستبعد. وقوله ﷺ «وما ينبغي لنبي» يقتضي أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثله في ذلك، أي لأن نزع ذلك يشعر بالجبن، وذلك ممتنع على الأنبياء ﷺ قاله في النور.
وما اختص به من المحرمات فهو مكروه له، لأن المحرم في المنهيات كالواجب في المأمورات.
وعقد ﷺ ثلاثة ألوية: لواء للأوس وكان بيد أسيد بن حضير، ولواء للمهاجرين وكان بيد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقيل بيد مصعب بن عمير، أي لأنه كما قيل لما سئل عمن يحمل لواء المشركين؟ فقيل طلحة بن أبي طلحة:
أي من بني عبد الدار، فأخذه ﷺ من علي ودفعه لمصعب بن عمير، أي لأن مصعب بن عمير من بني عبد الدار وهم أصحاب اللواء في الجاهلية كما تقدم؛ وسيأتي. ولواء للخزرج كان بيد الحباب بن المنذر، وقيل بيد سعد بن عبادة.
وخرج في ألف، وقيل تسعمائة، ولعله تصحيف عن سبعمائة لما سيأتي أن عبد الله بن أبي ابن سلول رجع معه ثلاثمائة، فبقي سبعمائة من أصحابه ﷺ منهم مائة دارع. وخرج السعدان أمامه ﷺ يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة دارعين.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، أي وسار إلى أن وصل رأس الثنية، أي وعندها وجد كتيبة كبيرة، فقال: ما هذا؟ قالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول من يهود، فقال: أسلموا؟ فقيل لا، فقال: إنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فردهم: أي وهؤلاء اليهود غير حلفائه من بني قينقاع، فلا يقال هذا إنما يأتي على أن إجلاء بني قينقاع كان بعد أحد، لأنهم هم حلفاؤه من يهود كما تقدّم، لأنا نمنع انحصار حلفائه من يهود في بني قينقاع.
وسار ﷺ وعسكر بالشيخين، وهما أطمان: أي جبلان وعند ذلك عرض قومه فردّ جمعا: أي شبابا لم يرهم بلغوا خمس عشرة سنة، بل أربع عشرة سنة، كذا نقل عن إمامنا الشافعي ﵁، ونقل عنه بعضهم أنه قال: لم يرهم بلغوا أربع عشرة سنة: منهم عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، خلافا لمن أنكر صحبته، وعرابة هذا هو القائل فيه الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
وأوس والده هو القائل في يوم الأحزاب: إن بيوتنا عورة كما سيأتي، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن خيثمة رضي الله تعالى عنهم، أي وزيد بن حارثة الأنصاري كان أبوه حارثة من المنافقين من أصحاب مسجد الضرار، ورافع بن خديج، وسمرة بن جندب.
ثم أجاز ﷺ رافع بن خديج لما قيل له إنه رام، وأصيب في ذلك اليوم بسهم، فقال رسول الله ﷺ: أنا أشهد له يوم القيامة، ومات في زمن عبد الملك بن مروان لما نقض عليه ذلك الجرح، وعندما أجازه قال سمرة بن جندب لزوج أمه: أجاز رسول الله ﷺ رافع بن خديج وردني وأنا أصرعه، فأعلم بذلك رسول الله ﷺ، فقال تصارعا، فصرع سمرة بن جندب رافعا فأجازه.
وممن رده ﷺ يوم أحد لصغر سنه سعد ابن حبتة، عرف بأمه حبتة؛ فلما كان يوم الخندق رآه ﷺ يقاتل قتالا شديدا فدعاه ومسح على رأسه ودعا له بالبركة في ولده ونسله؛ فكان عما لأربعين، وخالا لأربعين، وأبا لعشرين، ومن ولده أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ﵃، وتقدم في بدر أنه ﷺ رد زيد بن ثابت، وزيد بن أرقم. وأسيد بن ظهير، فما فرغ العرض إلا وقد غابت الشمس، فأذن بلال بالمغرب، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه، ثم أذن بالعشاء فصلى بهم وبات، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر، ونام رسول الله ﷺ، أي وذكوان بن عبد قيس يحرسه لم يفارقه لما قال ﷺ: من يحفظنا الليلة حتى كان السحر.
وجاء أنه ﷺ قال «لقد رأيت» أي في النوم «الملائكة تغسل حمزة رضي الله
[ ٢ / ٣٠٠ ]
عنه، وأدلج رسول الله في السحر فحانت صلاة الصبح بالشوط» حائط بين المدينة وأحد، ومن ذلك المكان رجع عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من أهل النفاق وهم ثلاثمائة رجل، وهو يقول: عصاني وأطاع الولدان ومن لا أرى له علما ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ارجعوا أيها الناس فرجعوا، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام وهو والد جابر ﵄، وكان في الخزرج كعبد الله بن أبي يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا بضم الذال المعجمة: قومكم ونبيكم: أي تتركوا نصرتهم وإعانتهم عندما حضر من عدوهم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنه يكون قتالا وأبوا إلا الانصراف، فقال لهم: أبعدكم الله أي أهلككم الله أعداء الله، فسيغني الله تعالى عنكم نبيه. وفيه أن قوله المذكور يخالف قوله علام نقتل أنفسنا، إلا أن يقال على فرض أنه يقع قتالا، علام نقتل أنفسنا.
فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول بمن معه، قالت طائفة: نقتلهم، وقالت طائفة أخرى: لا نقتلهم وهما أن يقتتلا، والطائفتان هما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج، فأنزل الله تعالى فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ [النّساء:
الآية ٨٨] أي ردهم إلى كفرهم بما كسبوا.
وفي كلام سبط ابن الجوزي: ولما رأى بنو سلمة وبنو حارثة عبد الله بن أبي قد خذل، هموا بالانصراف وكانوا جناحين من العسكر ثم عصمهما الله، وأنزل قوله تعالى إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [آل عمران: الآية ١٢٢] الآية فبقي مع رسول الله ﷺ سبعمائة رجل.
ومن هذا يعلم ما في المواهب من قوله: ويقال إن النبي ﷺ أمرهم بالانصراف لكفرهم، بمكان يقال له الشوط، لأن الذين ردهم ﷺ لكفرهم حلفاء عبد الله بن أبيّ ابن سلول من يهود، وكان رجوعهم قبل الشوط. والذين رجع بهم عبد الله كانوا منافقين، ورجوعه بهم كان من الشوط، ولم يكن مع المسلمين يومئذ إلا فرسان:
فرس لرسول الله ﷺ، وفرس لأبي بردة. وقيل لم يكن معهم فرس، أي وهذا القيل نقله في «فتح الباري» عن موسى بن عقبة وأقرّه. وقالت الأنصار أي لما رجع ابن أبي: يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود: أي يهود المدينة، ولعلهم عنوا بهم بني قريظة، لأن بني قريظة من حلفاء سعد بن معاذ وهو سيد الأوس.
قال بعضهم: كان في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين، فقال ﷺ: لا حاجة لنا فيهم.
أقول: وحينئذ يكون المراد قالت طائفة من الأنصار وهم الأوس ولم يكونوا سمعوا قوله ﷺ «إنا لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك» والله أعلم.
وقال ﷺ لأصحابه: من يخرج بنا على القوم من كثيب: أي من طريق قريب
[ ٢ / ٣٠١ ]
لا يمرّ بنا عليهم، فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، فنفذ به من حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى دخل في حائط للمربع بن قيظي الحارثي وكان رجلا منافقا ضريرا فقام يحثي التراب، أي في وجوههم، ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، وفي يده حفنة من تراب وقال: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك، فابتدر إليه سعد بن زيد فضربه بالقوس في رأسه فشجه، وأراد القوم قتله، فقال رسول الله ﷺ: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» أي وغضب له ناس من بني حارثة كانوا على مثل رأيه: أي منافقين لم يرجعوا مع من رجع مع عبد الله بن أبيّ، فهمّ بهم أسيد بن حضير حتى أومأ أي أشار إليه رسول الله ﷺ بترك ذلك ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد. قال: واستقبل المدينة، وصف المسلمين في جبل أحد: أي بعد أن بات به تلك الليلة، وحانت الصلاة صلاة الصبح والمسلمون يرون المشركين فأذن بلال وأقام، وصلى رسول الله ﷺ بأصحابه صفوفا، وخطب خطبة حثهم فيها على الجهاد.
ومن جملة ما ذكر فيها «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا» . وفي رواية «إلا امرأة أو مسافر أو عبد أو مريض» بالرفع، وعليها فالمستثنى محذوف: أي إلا أربعة. وما ذكر بدل منها، قال «ومن استغنى عنها استغنى الله عنه، والله غني حميد، ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه قد نفث: أي أوحى وألقى «في روعي» بضم الراء أي قلبي «الروح الأمين» أي الذي هو جبريل «إنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم وأجملوا» أي أحسنوا «في طلب الرزق، لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده والسلام عليكم» انتهى.
أي ولما أقبل خالد بن الوليد ﵁، فإنه أسلم بعد ذلك ومعه عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك كما تقدم، بعث رسول الله ﷺ الزبير بن العوام وقال له: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه، وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر، ولعل المراد وأمر جماعة بأن يكونوا بإزاء خيل أخرى للمشركين، لأنه تقدم أنه لم يكن معهم إلا فرس أو إلا فرسان.
أي وما وقع في الهدى أن الفرسان من المسلمين يوم أحد كانوا خمسين رجلا سبق قلم وقال: لا تبرحوا حتى أوذنكم وقال، لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال، وكان الرماة خمسين رجلا، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: انضح الخيل عنا
[ ٢ / ٣٠٢ ]
بالنبل لا يأتونا من خلفنا، وأثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا.
أي وفي رواية «إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» زاد في رواية «وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا» . قال وفي رواية أنه قال: أي للرماة «الزموا مكانكم لا تبرحوا منه، فإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا وارشقوهم بالنبل. فإن الخيل لا تقدّم على النبل، إنا لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم» انتهى.
وأخرج رسول الله ﷺ سيفا أي وكان مكتوبا في إحدى صفحتيه.
في الجبن عار وفي الإقبال مكرمة والمرء بالجبن لا ينجو من القدر
وقال «من يأخذ هذا السيف بحقه، فقام إليه رجال فأمسكه عنهم من جملتهم علي رضي الله تعالى عنه قام ليأخذه، فقال: اجلس، وعمر رضي الله تعالى عنه فأعرض عنه والزبير رضي الله تعالى عنه، أي وطلبه ثلاث مرات، كل ذلك ورسول الله ﷺ يعرض عنه حتى قام إليه أبو دجانة وقال: ما حقه يا رسول الله؟ قال تضرب به في وجه العدوّ حتى ينحني، قال: أنا آخذه بحقه، فدفعه إليه وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب» أي يمشي مشية المتكبر «وحين رآه رسول الله ﷺ يتبختر بين الصفين قال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» أي لأن فيها دليلا على عدم الاكتراث بالعدوّ.
وعند اصطفاف القوم نادى أبو سفيان بن حرب: يا معشر الأوس والخزرج خلوا بيننا وبين بني عمنا وننصرف عنكم، فشتموه أقبح شتم، ولعنوه أشد اللعن.
قال: وخرج رجل من المشركين على بعير له فدعا للبراز، فأحجم عنه الناس حتى دعا ثلاثا، فقام إليه الزبير، فوثب حتى استوى معه على البعير ثم عانقه، فاقتتلا فوق البعير، فقال رسول الله ﷺ: الذي يلي حضيض الأرض مقتول، فوقع المشرك، فوقع عليه الزبير فذبحه، فأثنى عليه رسول الله ﷺ وقال «لكل نبي حواري، وإن حواري الزبير» وقال ﷺ «لو لم يبرز إليه الزبير لبرزت إليه» لما رأى من إحجام الناس عنه انتهى.
وخرج رجل من المشركين بين الصفين، أي وهو طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة والده اسمه عبد الله بن عثمان بن عبد الدار، وكان بيده لواء المشركين لأن بني عبد الدار كانوا أصحاب لواء المشركين، لأن اللواء كان لوالدهم عبد الدار كما تقدم. وطلب طلحة المبارزة مرارا فلم يخرج إليه أحد. فقال: يا أصحاب محمد زعمتم أن قتلاكم إلى الجنة وأن قتلانا إلى النار وفي رواية قال يا أصحاب محمد
[ ٢ / ٣٠٣ ]
إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل أحد منكم يعجلني بسيفه إلى النار؟ أو أعجله بسيفي إلى الجنة كذبتم، واللات والعزى لو تعلمون ذلك حقا لخرج إليّ بعضكم، فخرج إليه علي بن أبي طالب فاختلفا ضربتين، فقتله علي رضي الله تعالى عنه.
أي وفي رواية: فالتقيا بين الصفين فبدره عليّ فصرعه أي قطع رجله ووقع على الأرض وبدت عورته. فقال: يابن عمي أنشدك الله والرحم، فرجع عنه ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته فعطفني عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله.
وفي رواية قال له رسول الله ﷺ «ما منعك أن تجهز عليه؟ فقال: ناشدني الله والرحم، فقال: اقتله، فقتله» .
أي ووقع لسيدنا علي كرم الله وجهه مثل ذلك في يوم صفين مرتين: الأولى حمل على بسر بن أرطأة، فلما رأى أنه مقتول كشف عن عورته، فانصرف عنه.
والثانية حمل على عمرو بن العاص، فلما رأى أنه مقتول كشف عن عورته فانصرف عنه علي كرّم الله وجهه.
فأخذ لواء المشركين أخو طلحة وهو عثمان بن أبي طلحة، وعثمان هذا هو أبو شيبة الذي ينسب إليه الشيبيون فيقال بني شيبة، فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره، فرجع حمزة وهو يقول: أنا ابن ساقي الحجيج يعني عبد المطلب، فأخذه أخو عثمان وأخو طلحة وهو أبو سعيد بن أبي طلحة؛ فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته فقتله، فحمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة الذي قتله علي رضي الله تعالى عنه، فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح فقتله، ثم حمله أخو مسافع وهو الحارث بن طلحة، فرماه عاصم فقتله، أي فكانت أمهما وهي سلافة معهما، وكل واحد منهما بعد أن رماه عاصم يأتي أمه ويضع رأسه في حجرها فتقول له: يا بني من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا حين رماني يقول: خذها وأنا ابن أبي الأفلح، فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وجعلت لمن جاء برأسه مائة من الإبل.
وسيأتي مقتل عاصم في سرية الرجيع، فحمله أخو مسافع وأخو الحارث وهو كلاب بن طلحة، فقتله الزبير، أي وقيل قزمان، فحمله أخوهم وهو الجلاس بن طلحة، فقتله طلحة بن عبيد الله، فكل من مسافع والحارث وكلاب والجلاس الأربعة أولاد طلحة بن أبي طلحة كل قتل كأبيهم طلحة؛ وعميهم وهما عثمان وأبو سعيد.
وعند ذلك حمله أرطأة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، وقيل حمزة،
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فحمله شريح بن قارظ، فقتل أي ولم يعرف قاتله، ثم حمله أبو زيد بن عمرو بن عبد مناف بن هاشم بن عبد الدار، فقتله قزمان، فحمله ولد لشرحبيل بن هاشم، فقتله قزمان أيضا، ثم حمله صواب غلامهم: أي وكان حبشيا، فقاتل حتى قطعت يده ثم برك عليه فأخذه لصدره وعنقه حتى قتل عليه: أي قتله قزمان. وقيل القاتل له سعد بن أبي وقاص وقيل علي.
وقد كان أبو سفيان قال لأصحاب اللواء: أي لواء المشركين من بني عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بني عبد الدار، إنكم تركتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما تؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه، فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟
ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع؟ وذلك الذي أراد أبو سفيان.
قال ابن قتيبة: ويقال إن هذه الآية نزلت في بني عبد الدار إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) [الأنفال: الآية ٢٢] .
ولما صرع صاحب لواء المشركين: أي الذي هو طلحة بن أبي طلحة استبشر النبي ﷺ وأصحابه: أي لأنه كبش الكتيبة أي الجيش: أي حاميهم الذي رآه النبي ﷺ في رؤياه المتقدمة أنه مردفا كبشا وقال: أوّلت ذلك أني أقتل كبش الكتيبة، فهذا كبش الكتيبة.
وعند وجود ما ذكر من قتل أصحاب اللواء صاروا كتائب متفرقة، فجاس المسلمون فيهم ضربا حتى أجهضوهم: أي أزالوهم عن أثقالهم، أي وكان شعار المسلمين يومئذ: أمت أمت، وشعار الكفار: يا للعزى، وهي شجرة كانوا يعبدونها:
يا لهبل، وهو صنم كان داخل الكعبة منصوبا على بئر هناك، وسيأتي في فتح مكة أنه كان خارجها بجانب الباب.
وقد يقال: لا منافاة لأنه يجوز أن يكون في أوّل الأمر كان داخل الكعبة ثم أخرج منها وجعل بجانبها.
أي وخرج عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك، فقال: من يبارز؟ فنهض إليه أبو بكر شاهرا سيفه، فقال له رسول الله ﷺ شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك، وتقدم طلب عبد الرحمن للمبارزة أيضا في يوم بدر، وتقدم عن ابن مسعود أن الصديق دعا ابنه يعني عبد الرحمن يوم أحد إلى البراز، وهو يخالف ما هنا إلا أن يقال إنه هنا يجوز وقوع كل من الأمرين: أي طلب المبارزة من الصدّيق لولده عبد الرحمن، وطلب المبارزة من عبد الرحمن لوالده الصديق.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وقد وقع الصديق رضي الله تعالى عنه أن العرب لما ارتدت بعد موته ﷺ خرج مع الجيش شاهرا سيفه، فأخذ علي رضي الله تعالى عنه بزمام راحلته وقال له: إلى أين يا خليفة رسول الله ﷺ؟ أقول لك كما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: شم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا، فرجع وأمضى الجيش.
وفي أوّل الأمر حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة أي بالفاء متفرقة، وحمل المسلمون على المشركين فنهكوهم: أي أضعفوهم قتلا، فلما التقى الناس وحميت الحرب قامت هند في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويقلن:
ويها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
صربا بكل بتار
وويها: كلمة إغراء وتحريض، كما تقول: دونك يا فلان. والأدبار: الأعقاب، أي الذين يحمون أعقاب الناس، والبتار: السيف القاطع، ويقلن:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
مشى القطا النوازق والمسك في المفارق
والدر في المخانق إن تقبلوا نعانق
ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
والطارق: النجم، قال تعالى وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) [الطارق: الآيات ١- ٣] قيل هو زحل: أي نحن بنات من بلغ العلو وارتفاع القدر كالنجم. واعترض بأنها لو أرادت النجم قالت: نحن بنات الطارق.
ثم رأيت أن هذا الرجز لهند بنت طارق، وحينئذ فليس المراد بطارق النجم، وإنما هو الرجل المعروف، كأنها قالت نحن بنات طارق المعروف بالعلو والشرف.
وعن بعضهم قال: جلست بمكة وراء الضحاك، فسئل عن قول هند يوم أحد:
نحن بنات طارق، ما طارق؟ فقلت: هو النجم، فقال لي: كيف ذلك؟ فقلت له:
قال الله تعالى وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) [الطارق: الآيات ١- ٢] والنمارق: الوسائد الصغار.
والمراد نفرش ما تجعل عليه الوسائد مع جعلها عليه، والوامق المحب، أي فراق غير محب، لأن غير المحب لا يرجع إذا غضب، بخلاف المحب. ومن ثم
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قيل: غضب المحب في الظاهر مهابة سيف، وفي الباطن كسحابة صيف.
قال: وكان ﷺ إذا سمع ذلك: أي تحريض هند بما ذكر يقول «اللهم بك أحول» بالحاء المهملة، أي أمنع «وبك أصول، وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل» انتهى.
أي وفي رواية «كان رسول الله ﷺ إذا لقي العدو قال: اللهم بك أصاول؛ وبك أحاول» أي أطالب.
وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس. فعن الزبير قال: وجدت، أي غضبت، في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف: أي الذي قال فيه: من يأخذه بحقه ثلاث مرات وأنا ابن عمته، فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، فقلت: والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخذ عصابة حمراء: أي أخرجها من ساق خفه وكان مكتوبا على أحد طرفيها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصّف: الآية ١٣] وفي طرفها الآخر: الجبانة في الحرب عار، ومن فرّ لم ينج من النار، فعصب بها رأسه فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، أي لأنهم كانوا يقولون ذلك إذا تعصب بها، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله أي وكان إذا كلّ ذلك السيف يشحذه: أي يحده بالحجارة، ولم يزل يضرب به العدو حتى انحنى وصار كأنه منجل، وكان رجل من المشركين لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه: أي أسرع قتله فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاها بدرقته فعضت الدرقة على سيفه وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند: أي بنت عتبة زوج أبي سفيان وقيل غيرها ثم رد السيف عنها.
قال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمس الناس: أي بالسين المهملة حمسا شديدا:
أي يشجعهم، وبالشين المعجمة: يوقد الحرب ويثيرها، فعمدت إليه، فلما حملت عليه بالسيف ولول: أي دعا بالويل: أي قال: يا ويلاه، فعلمت أنه امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة.
وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتالا شديدا، ومرّ به سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم أي أقبل، يا ابن مقطعة البظور، لأن أمه أم أنمار مولاة شريق والد الأخنس كانت ختانة بمكة.
أي وفي البخاري «يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحادّ الله ورسوله؟» أي تحاربهما وتعاندهما.
وفيه لما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز، فخرج إليه حمزة، فشدّ عليه، فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. وفي رواية: فكان كأمس الذاهب. أي وكان تمام واحد وثلاثين قتلهم حمزة.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وفيه أنه سيأتي عن الأصل: وقتل من كفار قريش يوم أحد ثلاثة وعشرين رجلا، وأكب حمزة عليه ليأخذ درعه. قال وحشي غلام جبير بن مطعم: إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه يهد بالدال المهملة: يهدم وبالدال المعجمة: يقطع. أي وقد عثر حمزة، فانكشف الدرع عن بطنه فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنيته بالمثلثة: وهو موضع تحت السرة وفوق العانة. وفي لفظ:
فندرته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئته فأخذت حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم يكن لي في شيء حاجة غيره.
أي وفي لفظ آخر: كان حمزة يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين وهو يقول: أنا أسد الله، فبينا هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على ظهره، فانكشفت الدرع عن بطنه، فطعنه وحشي الحبشي بحربته.
ثم لما قتل أصحاب لواء المشركين واحدا بعد واحد، ولم يقدر أحد يدنو منه، انهزم المشركون وولوا لا يلوون على شيء، ونساؤهم يدعون بالويل بعد فرحهم وضربهم بالدفوف وألقين الدفوف، وقصدن الجبل كاشفات سيقانهن يرفعن ثيابهنّ، وتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينتهبون الغنائم، ففارقت الرماة محلهم الذي أمرهم ﷺ أن لا يفارقوه، ونهاهم أميرهم عبد الله بن جبير، فقالوا له:
انهزم المشركون فما مقامنا هاهنا؟ وانطلقوا ينتهبون. وثبت عبد الله بن جبير مكانه وثبت معه دون العشرة وقال: لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ. فنظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل من الرماة وقلة من به منهم، فكرّ بالخيل ومعه عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنهما فإنهما أسلما بعد ذلك، فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم مع أميرهم عبد الله بن جبير أي ومثلوا به. ومن كثرة طعنه بالرماح خرجت حشوته وأحاطوا بالمسلمين. فبينما المسلمون قد شغلوا بالنهب والأسر، إذ دخلت خيول المشركين تنادي فرسانها بشعارها: يا للعزى يا لهبل، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون. وتفرقت المسلمون في كل وجه وتركوا ما انتهبوا، وخلوا من أسروا، وانتقضت صفوف المسلمين، واختلط المسلمون وصار يضرب بعضهم بعضا من غير شعار: أي من غير أن يأتوا بما كانوا ينادون به في الحرب يتعارفون به في ظلمة الليل، وعند الاختلاط وهو: أمت أمت مما أصابهم من الدهش والحيرة، ولم يزل لواء المشركين ملقى حتى أخذته عمرة بنت علقمة ورفعته لهم، فلاثوا، أي بالمثلثة: استداروا به واجتمعوا عنده، ونادى ابن قمئة بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة أن محمدا قد قتل. وقيل المنادي بذلك إبليس: أي متمثلا بصورة جعال أو جعيل بن سراقة، وكان رجلا صالحا ممن أسلم قديما، وكان من أهل الصفة. قيل وهو الذي غير النبي ﷺ اسمه يوم الخندق وسماه عمرا كما سيأتي،
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وسيأتي ما فيه.
ثم إن الناس وثبوا على جعال ليقتلوه فتبرأ من ذلك القول، وشهدت له خوات بن جبير وأبو بردة بأن جعالا كان عندهما وبجنبهما حين صرخ ذلك الصارخ.
وقيل المنادي بذلك إزب العقبة، قال ذلك ثلاث مرات، أي لأنه لما بلغ رسول الله ﷺ ما صرخ الشيطان به قال: هذا إزب العقبة بكسر الهمزة وسكون الزاي، والإزب: القصير كما تقدم.
وقد ذكر أن عبد الله بن الزبير رأى رجلا طوله شبران على رحله فقال: ما أنت؟ قال إزب، قال: ما إزب؟ قال: رجل من الجن، فضربه على رأسه بعود السوط حتى هرب، أي ويجوز أن يكون ذلك صدر من الثلاثة، وهم ابن قمئة، وإبليس وإزب العقبة، فرجعت الهزيمة على المسلمين، أي وقال قائل: يا عباد الله أخراكم: أي احترزوا من جهة أخراكم، فعطف المسلمون على أخراهم يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة ولم يدخلوها. وقال رجال من المسلمين حيث قتل رسول الله ﷺ ارجعوا إلى قومكم يؤمنوكم. وقال آخرون: إن كان رسول الله ﷺ قد قتل أفلا تقاتلون على دين نبيكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله شهداء.
أي وفي «الإمتاع» أن ثابت بن الدحداح: قال يا معشر الأنصار إن كان محمد قد قتل فإن الله حيّ لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم، فنهض إليه نفر من الأنصار، فحمل بهم على كتيبة فيها خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فقتله وقتل من كان معه من الأنصار رضي الله تعالى عنهم.
وكان من جملة من انهزم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ورفاعة بن معلى، فأقاموا ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: ذهبتم فيها عريضة، وأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران: الآية ١٥٥] قال: وقال جماعة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم.
وانهزمت طائفة منهم حتى دخلت المدينة، فلقيتهم أم أيمن ﵂ فجعلت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به، وهلم سيفك اهـ:
أي أعطني سيفك، أي فالمنهزمون في ذلك اليوم طائفتان: طائفة لم تدخل المدينة، وأخرى دخلتها. وفيه أن أم أيمن كانت في الجيش تسقي الجرحى.
أي فقد جاء «أن حباب بن العرقة رمى بسهم فأصاب أم أيمن وكانت تسقي
[ ٢ / ٣٠٩ ]
الجرحى فوقعت وتكشفت فأغرق عدوّ الله في الضحك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ فدفع إلى سعد سهما لا نصل له وقال ارم به، فوقع السهم في نحر حباب فوقع مستلقيا حتى بدت عورته فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: استقاد لها سعد» أجاب الله دعوته، أي وفي رواية: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك، فكان مجاب الدعوة. وقد يقال: لا منافاة بين كون أم أيمن كانت في الجيش وبين كونها كانت في المدينة لجواز أن تكون رجعت ذلك الوقت من الجيش إلى المدينة.
وقال رجال: أي من المنافقين لما قيل قد قتل محمد الذين بقوا ولم يذهبوا مع عبد الله بن أبي ابن سلول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. أي وقال بعضهم لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول.
وفي النهر أن فرقة قالوا نلقي إليهم بأيدينا فإنهم قومنا وبنو عمنا. وهذا يدل على أن هذه الفرقة ليست من الأنصار بل من المهاجرين.
قال: وعن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه. قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ يوم أحد حين اشتدّ علينا الخوف وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذقنه في صدره، فو الله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير. أي ويقال ابن بشير، وكان ممن شهد العقبة: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فحفظتها، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا [آل عمران: الآية ١٥٤] الآية.
وعن كعب بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه. قال: لقد رأيتني يومئذ في أربعة عشر من قومي إلى جنب رسول الله ﷺ وقد أصابنا النعاس أمنة منه، أي لأنه لا ينعس إلا من يأمن، ما منهم أحد إلا غط غطيطا، حتى إن الجحف: أي الدرق تتناطح. ولقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده وما يشعر، وإن المشركين لتحثنا اهـ وتقدم في بدر أنه حصل لهم النعاس ليلة القتال لا فيه على ما تقدم. وتقدم أن النعاس في الصف من الإيمان وفي الصلاة من الشيطان.
وثبت ﷺ لما تفرقت عنه أصحابه، وصار يقول: إليّ يا فلان، إليّ يا فلان أنا رسول الله، فما يعرّج إليه أحد والنبل يأتي إليه من كل ناحية والله يصرفه عنه.
أي وفي الإمتاع أنه ﷺ قال «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، أنا ابن العواتك» فليتأمل. فإن المحفوظ أنه إنما قال ذلك في حنين وإن كان لا مانع من التعدد.
وثبت مع رسول الله ﷺ جماعة أي من أصحابه منهم أبو طلحة فإنه استمرّ بين يدي النبي ﷺ يحوز عنه بحجفته. وكان رجلا راميا شديد الرمي، فنثر كنانته بين
[ ٢ / ٣١٠ ]
يدي رسول الله ﷺ، أي وصار يقول: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، فلم يزل يرمي بها. وكان الرجل يمرّ بالجعبة بضم الجيم من النبل فيقول ﷺ انثرها لأبي طلحة، أي وكسر ذلك اليوم قوسين أو ثلاثة، وصار رسول الله ﷺ يشرف: أي ينظر إلى القوم. وفي لفظ: ليرى مواضع النبل، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك انتهى، أي ويتطاول أبو طلحة بصدره يقي رسول الله ﷺ.
واستدل بذلك على أن من خصائصه ﷺ أنه يجب على كل مؤمن أن يؤثر حياته ﷺ على حياته. قال: فلا خلاف أن هذا لا يجب لغيره، وهذا المذكور عن أبي طلحة من قوله: نحري دون نحرك نقله ابن المنير عن سعد بن أبي وقاص فقال ولهذا قال سعد يوم أحد: نحري دون نحرك، ولا زال ﷺ يرمي عن قوسه أي المسماة بالكتوم لعدم تصويتها إذا رمى عنها حتى صارت شظايا: أي ذهب منها قطع.
وفي رواية: رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، والسية: ما انعطف من طرفي القوس اللذين هما محل الوتر. قال: وما زال ﷺ يرمي عن قوسه حتى تقطع وتره وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له. فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر، فقال: مده يبلغ. قال عكاشة: فو الذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ وطويت منه لفتين أو ثلاثا على سية القوس، ورمي ﷺ بالحجارة وكان أقرب الناس إلى القوم اهـ.
أي وأنكر الإمام أبو العباس بن تيمية كونه ﷺ رمى عن قوسه حتى صارت شظايا، أي لأنه يبعد وجود رميه ﷺ من غير إصابة، ولو أصاب أحدا لذكر، لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله. وقاتل جماعة من أصحابه منهم سعد بن أبي وقاص، فإنه كان من الرماة المذكورين رمى بقوسه. قال سعد: لقد رأيته: يعني النبي ﷺ يناولني النبل ويقول «ارم فداك أبي وأمي» حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول ارم به. وقد تقدم أنه رمى بسهم من تلك السهام التي لا نصل لها لمن رمى أم أيمن.
قال: وفي رواية عن سعد قال «أجلسني رسول الله ﷺ أمامه، فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك فارم به عدوّك، ورسول الله ﷺ يقول: اللهم استجب لسعد، اللهم سدد رميته، وأجب دعوته، حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله ﷺ ما في كنانته» اهـ أي فكان سعد مجاب الدعوة كما تقدم.
ولما سعى أهل الكوفة به إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، أرسل جماعة للكوفة يسألون عن حاله من أهل الكوفة، فصاروا كلما سألوا عنه أحدا قال خيرا
[ ٢ / ٣١١ ]
وأثنى عليه معروفا، حتى سألوا رجلا يقال له أبو سعدة ذمه وقال: لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. فلما بلغ سعدا ذلك قال: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، وأدم فقره، وأعم بصره، وعرضه للفتن، فعمي، وافتقر، وكبر سنه، وصار يتعرض للإماء في سكك الكوفة؛ فإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة؟ يقول: شيخ كبير فقير مفتون أصابتني دعوة سعد.
قيل لسعد: لم تستجاب دعوتك من دون الصحابة؟ فقال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا أعلم من أين جاءت، ومن أين خرجت؟ أي لأنه جاء عن ابن عباس ﵄ «تليت عند رسول الله ﷺ هذه الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا [البقرة: الآية ١٦٨] فقام سعد بن أبي وقاص وقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال: والذي نفس محمد بيده إن العبد ليعقد اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما» .
وقد جاء في الحديث «من كان مأكله حراما، ومشربه حراما، وملبسه حراما فأنى يستجاب له» فليتأمل هذا الجواب.
وقد يقال: مراد سعد بقوله: ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، أي ممن يأكل الحلال الطيب ويميز عند الأكل بين الحرام وبين غيره حتى أكون مستجاب الدعوة.
ولعل المراد بالأكل ما يشمل الشرب. ولعل السكوت عن اللبس لأنه نادر بالنسبة للأكل، وجوابه ﷺ بقوله «والذي نفس محمد بيده» تقرير لما فهمه سعد ﵁ أن من يأكل غير الحلال لا يكون مستجاب الدعوة تأمل.
والحق أن سبب استجابة دعوة سعد دعاء النبي ﷺ له بذلك، ولعله إنما لم يجب بذلك لمن سأله بقوله لم تستجاب دعوتك من بين الصحابة، لأنه يجوز أن يكون دعاء النبي ﷺ له بذلك تأخر عن هذا فليتأمل.
وفي الشرف «أن سعدا ﵁ رمى يوم أحد ألف سهم ما منها سهم إلا ورسول الله ﷺ يقول له ارم فداك أبي وأمي، ففداه في ذلك اليوم ألف مرة» .
وعن علي كرم الله وجهه «ما سمعت رسول الله ﷺ قال فداك أبي وأمي إلا لسعد ﵁» وفي رواية «فما جمع ﷺ أبويه لأحد إلا لسعد رضي الله تعالى عنه» .
قال في النور: الرواية الأولى أصح، لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع، أي لأنه حينئذ لا يخالف ما جاء عن عبد الله بن الزبير ﵄ «أن النبي ﷺ جمع لأبيه الزبير ﵁ بين أبويه، أي قال له فداك أبي وأمي كسعد» أي وذلك في
[ ٢ / ٣١٢ ]
يوم الخندق حيث أتاه بخبر بني قريظة، وكذا الرواية الثانية لا تخالف، لأنها محمولة على سماعه.
وعلى الأخذ بظاهرها، وعدم حملها على ذلك يجاب بما قال في النور: ظهر لي أن عليا كرم الله وجهه إنما أراد تفدية خاصة وهي ألف مرة أو في خصوص أحد.
وكان ﷺ يفتخر بسعد فيقول: «هذا سعد خالي، فليراني امرؤ خاله» لأن سعدا ﵁ كان من بني زهرة، وكانت أم النبي ﷺ منهم كما تقدم: أي «وكان ﵁ إذا غاب يقول رسول الله ﷺ: ما لي لا أرى الصبيح المليح الفصيح؟» .
ولما كف بصره ﵁ قيل له: لو دعوت الله سبحانه أن يرد عليك بصرك، فقال: قضاء الله أحب إليّ من بصري.
ولما حضرت الوفاة سعد بن أبي وقاص ﵁ دعا بخلق جبة من صوف فقال: كفنوني فيها فإني كنت لقيت فيها المشركين يوم بدر، وإنما كنت أخبئها لهذا.
وممن كان مشهورا بالرماية سهيل بن حنيف ﵁، وكان ممن ثبت مع النبي ﷺ في هذا اليوم الذي هو يوم أحد. قال بعضهم: وكان بايعه ﷺ يومئذ على الموت، فثبت معه ﷺ حتى انكشف الناس عنه، وجعل ينضح بالنبل يومئذ عن رسول الله ﷺ وقال ﷺ: نبلوا سهيلا: أي أعطوه النبل.
وجاء «أن خاله ﷺ وهو الأسود بن وهب بن عبد مناف بن زهرة استأذن على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: يا خالي ادخل، فدخل فبسط له ﷺ رداءه وقال: اجلس عليه إن الخال والد، يا خال من أسدى إليه معروف فلم يشكر فليذكر، فإنه إذا ذكر فقد شكر» وقال له «ألا أنبئك بشيء عسى الله أن ينفعك به؟ قال بلى، قال: إن أربي الربا استطالة المرء في عرض أخيه بغير حق» .
وعن أم عمارة المازنية ﵂: أي وهي نسيبة بالتصغير على المشهور، زوج زيد بن عاصم ﵁ قالت «خرجت يوم أحد لأنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ما أسقي به الجرحى، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والربح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ. فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى حصلت الجراحة إليّ رئي على عاتقها جرح أجوف له غور، فقيل لها من أصابك بهذا؟ قالت ابن قمئة، لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، فضربني هذه الضربة وضربته ضربات، ولكن عدو الله كان علي درعان» .
[ ٢ / ٣١٣ ]
قال: وفي كلام بعضهم خرجت نسيبة يوم أحد وزوجها زيد بن عاصم وابناهما خبيب وعبد الله ﵃ وقال لهم رسول الله ﷺ «رحمكم الله أهل البيت» .
وفي رواية «بارك الله فيكم أهل بيت» قالت له أم عمارة ﵂: ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة: أي وعند ذلك قالت ﵂: ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا» .
وقال ﷺ في حقها «ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني» اهـ أي وقد جرحت ﵂ اثني عشر جرحا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف، وعبد الله ابنها ﵄ هو القاتل لمسيلمة الكذاب لعنه الله.
فعنها ﵂ قالت: يوم اليمامة تقطعت يدي وأنا أريد قتل مسيلمة، وما كان لي ناهية: أي مانعة حتى رأيت الخبيث مقتولا، وإذا ابني عبد الله بن زيد يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته؟ فقال نعم، فسجدت لله شكرا.
ولا ينافيه ما اشتهر أن قاتله وحشي. فعن وحشي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: أي بعد أن قدم عليه في وفد ثقيف وأسلم كما سيأتي «يا وحشي اخرج فقاتل في سبيل الله كما كنت تقاتل لتصد عن سبيل الله، فلما كان خروج المسلمين لقتال مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة لما ولي الصديق ﵁ الخلافة وارتدت العرب، خرجت معهم فأخذت حربتي، فلما رأيته تهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى، كلانا يريده، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف فربك أعلم أينا قتله قال بعضهم: والأنصاري هو عبد الله بن زيد أي كما تقدم، وقيل غيره.
أي وفي كلام بعضهم: اشترك في قتل مسيلمة الكذاب لعنه الله أبو دجانة، وعبد الله بن زيد، ووحشي ﵃. وفي تاريخ ابن كثير ﵀ الاقتصار على وحشي وأبي دجانة.
وقد يقال: لا مخالفة، لأن كلا من الرواة روى بحسب ما رأى. وذكر ابن كثير أن ما يروى عن أبي دجانة ﵁ من ذكر الحرز المنسوب إليه إسناده ضعيف لا يلتفت إليه.
وقد نقل عن وحشي ﵁ أنه قال: قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس وكان عمر مسيلمة حين قتل مائة وخمسين سنة.
وذكر أن أبا دجانة ﵁ تترس دون رسول الله ﷺ فصار يقع النبل على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه النبل.
وقاتل دونه ﷺ زيادة بن عمارة حتى أثبتته الجراحة: أي أصابت مقاتله، فقال ﷺ:
[ ٢ / ٣١٤ ]
ادنوه مني فوسده قدمه الشريف، فمات ﵁ وخده على قدمه الشريف ﷺ.
وقاتل مصعب بن عمير ﵁ دون رسول الله ﷺ حتى قتله ابن قمئة لعنه الله وهو يظنه رسول الله ﷺ؛ فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا.
وقيل القاتل لمصعب ﵁ أبي بن خلف لعنه الله، فإنه أقبل نحو النبي ﷺ وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجا، فاستقبل مصعب بن عمير ﵁ فقتل مصعبا، فاعترضه رجال من المسلمين؟ فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخلوا طريقه، أي فأقبل وهو يقول يا كذاب أين تفر، وتناول النبي ﷺ الحربة من بعض أصحابه أي وهو الحارث بن الصمة أو الزبير بن العوام على ما سيأتي، فخدشه بها في عنقه خشدا غير كبير احتقن الدم: أي لم يخرج بسبب ذلك الخدش، فقال قتلني والله محمد، فقالوا: ذهب والله فؤادك، أي وفي لفظ: ذهب والله عقلك، إنك لتأخذ السهام من أضلاعك فترمي بها، فما هذا والله ما بك من بأس، ما أخدعك، إنما هو خدش، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره، فقال: واللات والعزى لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز؟ أي السوق المعروف من جملة أسواق الجاهلية كان عند عرفة كما تقدم. وفي لفظ: لو كان بربيعة ومضر أي وفي لفظ: بأهل الأرض لماتوا أجمعون. إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليّ لقتلني أي فضلا عن هذه الضربة لأنه كان يقول للنبي ﷺ في مكة: يا محمد إن عندي العود يعني فرسا له أعلفه في كل يوم فرقا بفتح الراء: هو مكيال معروف يسع اثني عشر مدا من ذرة أقتلك عليها فيقول له رسول الله ﷺ أنا أقتلك إن شاء الله، فحقق الله تعالى قول نبيه ﷺ.
هذا، وعن سعيد بن المسيب ﵁ أن أبي بن خلف قال حين أفتدي:
أي من الأسر ببدر: والله إن عندي لفرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتل عليها محمدا، فبلغت رسول الله ﷺ فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
أقول: يمكن الجمع بأنه تكرر ذلك من أبي لعنه الله ومن النبي ﷺ والله أعلم.
وفي رواية «أبصر ﷺ ترقوته» بالفتح لا بالضم «من فرجة من سابغة الدرع» وهي ما يغطى به العنق من الدرع كما تقدم «فطعنه طعنة أي كسر فيها ضلعا» بكسر الضاد وفتح اللام وتسكينها «من أضلاعه» أي وهو المناسب لما في بعض الروايات «أن النبي ﷺ طعنه طعنة وقع فيها مرارا من على فرسه وجعل يخور كما يخور الثور إذا ذبح، وإنه ﷺ لما أخذ الحربة من الحارث بن الصمة، وقيل من الزبير بن العوام ﵁ انتفض بها انتفاضة شديدة ثم استقبله فطعنه في عنقه» .
أقول: ولا مخالفة بين كون الطعنة في عنقه وكونها في ترقوته، لأن الترقوة في أصل العنق.
[ ٢ / ٣١٥ ]
ولا مخالفة أيضا بين كون الحاصل من الطعنة خدشا مع اعتنائه ﷺ بالطعنة وناهيك بعزمه ﷺ، لأن كون الخدش في الظاهر، أي بحسب ما يظهر للرائي والشدة في الباطن أقوى في النكاية. ودليل وجود الشدة في الباطن وقوعه مرارا، وكونه خار كالثور الذي يذبح، وكون الطعن في العنق يفضي إلى كسر الضلع من خوارق العادات، لكن رأيت في رواية أنه ضرب تحت إبطه فكسر ضلعا من أضلاعه.
وقد يقال يجوز أن تكون الحربة نفذت من المكان المذكور. قال في النور:
ولم يقتل بيده الشريفة ﷺ قط أحدا إلا أبي بن خلف لا قبل ولا بعد، ثم مات عدوّ الله وهم قافلون به إلى مكة: أي بسرف بفتح السين المهملة وكسر الراء، وهو المناسب لوصفه لأنه مسرف وقيل ببطن رابغ.
فعن ابن عمر ﵄ أنه قال «إني لأسير ببطن رابغ بعد هدّو من الليل إذا نار تأجج لي لهبها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذب بها يصيح العطش، وناداني: يا عبد الله، فلا أدري أعرف اسمي، أو كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه يا عبد الله؟ فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن أفعل، وإذا رجل وهو الموكل بعذابه يقول: لا تسقه هذا قتيل رسول الله ﷺ، هذا أبيّ بن خلف لعنه الله» رواه البيهقي.
ويدل لهذا ما جاء في الحديث «كل من قتله نبي أو قتل بأمر نبي في زمنه يعذب من حين قتل إلى نفخ الصعقة» وجاء «أشدّ الناس عذابا من قتله نبي» أي وفي رواية «اشتد غضب الله ﷿ على رجل قتله رسول الله ﷺ، فسحقا لأصحاب السعير» .
وفي رواية «اشتد غضب الله ﷿ على رجل قتله رسول الله ﷺ في سبيل الله» أي لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مأمورون باللطف والشفقة على عباد الله، فما يحمل الواحد منهم على قتل شخص إلا أمر عظيم ورسول الله ﷺ أكملهم لطفا ورفقا وسعة بعباد الله.
وفي شرح التقريب احترز بقوله في سبيل الله عمن يقتله حدا أو قصاصا لأن من يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله كان قاصدا قتله ﷺ، وقد اتفق ذلك لأبيّ بن خلف لعنه الله، وقد تقدم أن ابن مرزوق ﵀ ذكر أن ابن عمر مرّ ببدر فإذا رجل يعذب ويئن، فناداه يا عبد الله، فالتفت إليه فقال اسقني، فأردت أن أفعل فقال الأسود الموكل بتعذيبه. لا تفعل يا عبد الله، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله ﷺ أي أصحابه، رواه الطبراني في الأوسط، ولا بعد في تعدد الواقعة.
ثم رأيت في الخصائص الكبرى ما يقتضي التعدد فإنه ذكر فيها أن ابن عمر ﵄ ذكر ذلك: أي مروره ببدر للنبي ﷺ، وأنه ﷺ قال له ذلك أبو جهل، وذلك عذابه إلى يوم القيامة. وقد ذكرت ذلك في الكلام على غزوة بدر.
[ ٢ / ٣١٦ ]
ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي حفرت للمسلمين: أي التي حفرها أبو عامر الفاسق والد حنظلة غسيل الملائكة ﵁، واسم أبي عامر عبد عمرو، مات كافرا بأرض الروم، فر إليها لما فتحت مكة ليقعوا فيها وهم لا يعلمون، فأغمي عليه ﷺ، وجحشت: أي خدشت ركبتاه، فأخذ علي كرم الله وجهه بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما.
وكان سبب وقوعه ﷺ أن ابن قمئة لعنه الله علاه ﷺ بالسيف فلم يؤثر فيه السيف إلا أن ثقل السيف أثر في عاتقه الشريف، فشكا ﷺ منه شهرا أو أكثر، وقذف ﷺ بالحجارة حتى وقع لشقه، ورماه ﷺ عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص ﵁ بحجر، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وشق شفته السفلى:
أي ودعا عليه ﷺ بقوله «اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا» . وقد استجاب الله تعالى ذلك، وقتله في ذلك اليوم حاطب بن أبي بلتعة ﵁.
قال حاطب: لما رأيت ما فعل عتبة برسول الله ﷺ قلت لرسول الله ﷺ أين توجه عتبة؟ فأشار النبي ﷺ إلى حيث توجه فمضيت حتى ظفرت به، فضربته بالسيف فطرحت رأسه، فنزلت وأخذت فرسه وسيفه وجئت به إلى رسول الله ﷺ، فقال لي: رضي الله عنك رضي الله عنك مرتين: أي ولا يخالف هذا قول بعضهم فمات بعد بقليل، لكن يخالف القول بأنه مات بعد أن أسلم بعد الفتح وأنه أثبت ولم يولد لعتبة ولد أو ولد ولد إلا وهو أهتم: أي ساقط مقدّم أسنانه أي التي هي الرباعيات أبخر يعرف ذلك في عقبه، وكسرت البيضة أي الخوذة على رأسه ﷺ وشج وجهه الشريف، شجه عبد الله بن شهاب الزهري ﵁ فإنه أسلم بعد ذلك، وهو جد الإمام الزهري ﵀. ويجوز أن يكون من قبل أمه، أي ويقال له عبد الله الأصغر، أي ولعل هذا حصل منه قبل أو بعد قوله دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا ورسول الله ﷺ واقف إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع.
وجدّ الإمام الزهري من قبل أبيه يقال له عبد الله بن شهاب، ويقال له عبد الله الأكبر ﵁ كان من مهاجري الحبشة، توفي بمكة قبل الهجرة. وأشار صاحب الهمزية ﵀ إلى أن هذه الشجة لم تشنه ﷺ بل زادته جمالا بقوله:
مظهر شجة الجبين على البر ء كما أظهر الهلال البراء
ستر الحسن منه بالحسن فاعجب لجمال له الجمال وقاء
فهو كالزهر لاح من سجف الأك مام والعود شق عنه اللحاء
أي مظهر وجهه الشريف أثر جرح جبينه: أي جبهته مع برئها ظهورا كظهور
[ ٢ / ٣١٧ ]
الهلال ليلة استهلاله، ستر ذلك الوجه الحسن الأصلي بالحسن العارض بسبب ذلك الجرح، فأعجب لجمال أصلي له الجمال العارض وقاية وساتر، فهو: أي ما ظهر بذلك الجرح كالزهر إذا ظهر من ستره وكالعود الذي يتطيب به إذا أزيل عنه قشره، وقال حسان ﵁ في وصف جبينه الشريف ﷺ:
متى يبدو في الداجي البهيم جبينه يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
وجرحت وجناته ﷺ بسبب دخول حلقتين من المغفر في وجنتيه بضربة من ابن قمئة لعنه الله، وقال له لما ضربه: خذها وأنا ابن قمئة فقال له رسول الله ﷺ: أقمأك الله ﷿: أي صغرك وأذلك. وقد استجاب الله فيه دعوة نبيه ﷺ، فإنه بعد الوقعة خرج إلى غنمه فوافاها على ذروة الجبل: أي أعلى الجبل، فأخذ يعترضها فشد عليه كبشها فنطحه أرداه من شاهق الجبل فتقطع. وفي رواية: فسلط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.
أقول: ويمكن الجمع بأنه لما نطحه ذلك الكبش ووقع من شاهق الجبل إلى أسفل سلط الله عليه عند ذلك تيس الجبل فنطحه حتى قطعه قطعا زيادة في نكاله وخزيه ووباله، لعنة الله عليه، والله أعلم.
«ولما جرح وجه رسول الله ﷺ صار الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل ﷺ يمسح الدم. وفي لفظ: ينشف دمه وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم» أي وفي رواية «اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) [آل عمران: الآية ١٢٨] أي وفي رواية «صار ﷺ يقول: اللهم العن فلانا وفلانا: أي اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية فأنزل الله تعالى الآية» .
فإن قيل كيف هذا مع قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: الآية ٦٧] .
أجيب بأن هذه الآية نزلت بعد أحد.
وعلى تسليم أنها نزلت قبله، فالمراد عصمته من القتل. قال الشيخ محيي الدين بن العربي ﵀: لا يخفى أن أجر كل نبي في التبليغ يكون على قدر ما ناله من المشقة الحاصلة له من المخالفين له، وعلى قدر ما يقاسيه منهم. وله أجر الهداية لمن أطاعه ولا أحد أكثر أجرا من نبينا محمد ﷺ فإنه لم يتفق لنبي من الأنبياء ما اتفق له ﷺ في كثير من طائعي أمة أجابته، ولا في كثير عصاة أمة دعوته الخارجين عن الإجابة.
وامتص مالك بن سنان الخدري وهو والد أبي سعيد الخدري ﵄
[ ٢ / ٣١٨ ]
دم رسول الله ﷺ ثم ازدرده، فقال رسول الله ﷺ «من مس دمي دمه لم تصبه النار» .
وفي رواية أنه ﷺ قال «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» وأشار إليه فاستشهد في هذه الغزاة. وفي لفظ «من سره أن ينظر إلى من لا تمسه النار فلينظر إلى مالك بن سنان ﵁» ولم ينقل أنه ﷺ أمر هذا الذي امتص دمه بغسل فمه ولا أنه غسل فمه من ذلك، كما لم ينقل أنه أمر حاضنته أم أيمن بركة الحبشية ﵂ بغسل فمها ولا هي غسلته من ذلك لما شربت بوله ﷺ.
فعنها ﵂ أنها قالت «قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخارة أي تحت سريره فبال فيها فقمت وأنا عطشى فشربت ما في الفخارة وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي ﷺ قال: يا أم أيمن قومي إلى تلك الفخارة فأهريقي ما فيها، فقالت:
والله لقد شربت ما فيها، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: لا يجفر» بالجيم والفاء «بطنك بعده أبدا» وفي لفظ «لا تلج النار بطنك» وفي أخرى «لا تشتكي بطنك» أي ويجوز أنه ﷺ قال: هذه الألفاظ الثلاثة وكل روى بحسب ما سمع منها، فتكون هذه الأمور الثلاثة تحصل لأم أيمن ﵂ وفي رواية بدل فخارة «إناء من عيدان» بالفتح: الطوال من النخل، فإن صحا حملا على التعدد لأم أيمن ﵂، ولا مانع منه.
وقد شرب بوله ﷺ أيضا امرأة يقال لها بركة بنت ثعلبة بن عمرو، كانت تخدم أم حبيبة ﵂؛ جاءت معها من الحبشة: أي ومن ثم قيل لها بركة الحبشية.
وفي كلام ابن الجوزي: بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان الحبشية خادمة أم حبيبة زوج النبي ﷺ، هذا كلامه.
ولا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون يسار لقبه ثعلبة، وكانت معها في الحبشة ثم قدمت معها مكة، كانت تكنى بأم يوسف، فقال لها ﷺ حين علم أنها شربت ذلك «صحة يا أم يوسف» فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه.
وفي رواية أنه ﷺ قال لها «لقد احتظرت من النار بحظار» وشرب دمه ﷺ أيضا أبو طيبة الحجام، وعليّ كرم الله وجهه، وكذا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما.
فعن عبد الله بن الزبير قال «أتيت النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حتى لا يراك أحد، قال فشربته، فلما رجعت قال: يا عبد الله ما صنعت؟ قلت: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس، قال:
[ ٢ / ٣١٩ ]
لعلك شربته، قلت نعم، قال: ويل للناس منك وويل لك من الناس» وكان بسبب ذلك على غاية من الشجاعة.
ولما وفد أخوه شقيقه عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة من المدينة على عبد الملك بن مروان قال له يوما: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال له عبد الملك: هو بين السيوف ولا أميزه، فقال له عروة: إذا حضرت السيوف ميزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها، فلما أحضرت أخذ منها سيفا مفلل الحد، وقال هذا سيف أخي، فقال له عبد الملك: كنت تعرفه قبل الآن؟ قال لا، فقال كيف عرفته؟
قال بقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وأخذ من ذلك بعض أئمتنا طهارة فضلاته ﷺ، حيث لم يأمره بغسل فمه، ولم يغسل هو فمه، وأن شربه جائز حيث أقر على شربه.
وما أورده في الاستيعاب أن رجلا من الصحابة اسمه سالم حجمه ﷺ ثم ازدرد دمه، فقال له النبي ﷺ «أما علمت أن الدم كله حرام» أي شربه غير صحيح، فقد قال بعضهم هو حديث لا يعرف له إسناد فلا يعارض ما قبله. على أنه يمكن أن يكون ذلك سابقا على إقراره على ذلك والله أعلم.
ونزع أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجراح رضي الله تعالى عنه إحدى الحلقتين من وجنة رسول الله ﷺ فسقطت ثنية أبي عبيدة، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى.
وقيل الذي نزعهما عقبة بن وهب بن كلدة. وقيل طلحة بن عبيد الله، ولعل الثلاثة عالجوا إخراجها، وكان أشدّهم لذلك أبو عبيدة ﵁.
قال بعضهم: ولما سقط مقدم أسنان أبي عبيدة صار أهتم ولم ير قط أهتم أحسن من أبي عبيدة، لأن ذلك الهتم حسن فاه.
وكان أوّل من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة، وقول القائل قتل رسول الله ﷺ كعب بن مالك. قال: عرفت عينيه تزهران، أي تضيئان وتتوقدان من تحت المغفر، وهو ما يجعل على الرأس من الزرد، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ، فأشار إليّ أن أنصت.
وعن بعض الصحابة قال: لما صرخ الشيطان قتل محمد لم نشك في أنه حق، وما زلنا كذلك حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين فعرفناه بكتفيه إذا مشى، ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب فيهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث بن الصمة ﵃.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وفي خصائص العشرة للزمخشري؛ وثبت يعني الزبير ﵁ مع رسول الله ﷺ يوم أحد وبايعه على الموت، هذا كلامه فليتأمل.
وقول بعض الرافضة انهزم الناس كلهم عن رسول الله ﷺ إلا عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه ممنوع، وقوله: وتعجبت الملائكة من شأن عليّ، وقول جبريل ﵇ وهو يعرج إلى السماء «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا عليّ» قوله وقتل عليّ كرم الله وجهه أكثر المشركين في هذه الغزوة، فكان الفتح فيها على يديه وقال: أصابتني يوم أحد ست عشرة ضربة سقطت إلى الأرض في أربع منهنّ، فجاءني رجل حسن الوجه حسن اللحية طيب الريح وأخذ بضبعي فأقامني، ثم قال:
أقبل عليهم فقاتل في طاعة الله وطاعة رسول الله فإنهما عنك راضيان.
ولما أخبرت النبيّ ﷺ فقال: يا علي أما تعرف الرجل؟ فقلت: لا، ولكن شبهته بدحية الكلبي، فقال ﷺ: يا علي أقرّ الله عينك فإنه جبريل ﵇، جميعه رده الإمام أبو العباس بن تيمية بأنه كذب باتفاق الناس وبين ذلك بما يطول.
قال: وأقبل عثمان بن عبد الله بن المغيرة على فرس أبلق وعليه لامة كاملة قاصدا رسول الله ﷺ وهو متوجه للشعب، وهو يقول: لا نجوت إن نجا، فوقف رسول الله ﷺ فعثر بعثمان فرسه في بعض تلك الحفر ومشى إليه الحارث بن الصمة ﵁، فاصطدما ساعة بسيفهما ثم ضربه الحارث على رجله فبرك وذفف عليه وأخذ درعه ومغفره فقال رسول الله ﷺ «الحمد لله الذي أحانه» أي أهلكه.
وأقبل عبيد الله بن جابر العامري يعدو فضربه الحارث على عاتقه فجرحه فاحتمله أصحابه. ووثب أبو دجانة ﵁ إلى عبيد الله فذبحه بالسيف ولحق برسول الله ﷺ انتهى.
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشعب خرج عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه حتى ملأ درقته ماء وغسل به ﷺ عن وجهه الشريف الدم وهو يقول: «اشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيه» أي والسياق يقتضي أنه ﷺ قال ذلك أيضا بعد قوله «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم» ونزول تلك الآية، فإن ذلك كان قبل غسل وجهه الشريف.
قال: ثم أراد رسول الله ﷺ أن يعلو الصخرة التي في الشعب، فلما ذهب لينهض لم يستطع: أي لأنه ﷺ ضعف لكثرة ما خرج من دم رأسه الشريف ووجهه مع كونه ﷺ عليه درعان، فجلس تحت طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ «أوجب طلحة» أي فعل شيئا استوجب به الجنة حين صنع برسول الله ﷺ ما صنع انتهى.
[ ٢ / ٣٢١ ]
أي وقيل إن طلحة ﵁ كان في مشيه اختلاف لعرج كان به، فلما حمل النبي ﷺ تكلف استقامة المشي لئلا يشق عليه ﷺ فذهب عرجه ولم يعد إليه.
وفي رواية أنه ﷺ انطلق حتى أتى أصحاب الصخرة: أي الجماعة الذين من الصحابة الذين علوا الصخرة: أي التي في الشعب، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه وأراد أن يرميه فقال رسول الله ﷺ: أنا رسول الله، ففرحوا بذلك وفرح رسول الله ﷺ الذي وجد في أصحابه من يمنع: أي ولعل هذا الذي أراد رميه ﷺ لم يعرفه ولا من معه من الصحابة لارتفاع الصخرة.
قال: وعطش ﷺ عطشا شديدا: أي ولم يشرب من الماء الذي جاء به علي كرم الله وجهه في درقته، لأنه ﷺ وجد له ريحا فعافه: أي كرهه فخرج محمد بن مسلمة ﵁ يطلب له ماء فلم يجد. فذهب إلى مياه فأتى منها بماء عذب، فشرب رسول الله ﷺ ودعا له بخير.
وفي بعض الروايات أن نساء المدينة خرجن وفيهنّ فاطمة بنت النبي ﷺ، فلما لقيت رسول الله ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته، وعليّ كرم الله وجهه يسكب الماء فتزايد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير: أي معمول من البردي فأحرقته بالنار حتى صار رمادا، فأخذت ذلك الرماد وكمدته حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم انتهى، أي لأن البردي له فعل قويّ في حبس الدم لأن فيه تجفيفا قويا.
وفي حديث غريب أنه ﷺ داوى جرحه بعظم بال أي محرق.
وقد يقال: يجوز أن يكون الراوي ظنّ ذلك البردي المحرق عظما محرقا بناء على صحة تلك الرواية. وعن وضع هذا الرماد الحار عبر بعضهم بأنه ﷺ اكتوى في وجهه وجعله معارضا للحديث الصحيح في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة من غير حساب بأنهم لا يكتوون.
وعارضه أيضا بأنه ﷺ كوى سعد بن معاذ مرتين ليرقأ: أي ينقطع الدم من جرحه، وكوى أسعد بن زرارة ﵁ لمرض الذبحة.
ففي كلام بعضهم: كان موت أسعد بن زرارة ﵁ بمرض يقال له الذبحة فكواه النبي ﷺ بيده وقال: بئس الميتة لليهود؛ يقولون أفلا دفع عن صاحبه وما أملك له ولا لنفسي شيئا.
وأجيب بأن هذا الحديث محمول على من اكتوى خوفا من حدوث الداء، أو لأنهم كانوا يعظمون أمره ويرون أنه يقطع الداء، وإذا لم يكو العضو عطب وبطل، وهو محمل قوله ﷺ «لم يتوكل من اكتوى» أو على من يفعله مع قيام غيره من الأدوية مقامه.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
ومحمل ما في الخصائص الكبرى أن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه وتسلم عليه من جانب بيته ثلاثين سنة حتى اكتوى أي لبواسير كانت به فكان يصبر على ألمها، فلما ترك الكيّ عادت الملائكة إلى سلامها عليه، لأن ذلك قادح في التوكل.
وما في البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ أنه قال «الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهي أمتي عن الكيّ» وفي رواية «وما أحبّ أن أكتوي» أي فالنهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لم يفعله عمران مع علمه بالنهي.
قال في الهدى: وأراد ﷺ بقوله: وأنا أنهي إلى آخره: أي أنه لا يؤتى بالكيّ إلا إذا لم ينجع الدواء فلا يأتي به أولا ومن ثم أخره.
قيل والفصد داخل في شرطة المحجم. والحجامة في البلاد الحارة أنفع من الفصد، هذا كلامه.
وبينا رسول الله ﷺ في الشعب مع أولئك النفر من أصحابه إذ علت طائفة من قريش الجبل معهم خالد بن الوليد فقال رسول الله ﷺ: «اللهم إنهم لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوّة لنا إلا بك» فقاتلهم عمر بن الخطاب وجماعة من المهاجرين حتى أهبطوا من الجبل، أي ونزل قوله تعالى وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران: الآية ١٣٩] أي لا تضعفوا عن الحرب، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الظفر بالكفار.
ولعل هذا كان قبل أن يعلو ﷺ الصخرة كما تقدم. أو لعل الجبل كان أعلى من تلك الصخرة.
قال: وفي بعض الروايات أنه ﷺ قال لسعد «ارددهم، قال: كيف ارددهم وحدي؟ فقال له ارددهم» قال سعد ﵁: فأخذت سهما من كنانتي فرميت به رجلا منهم فقتلته، ثم أخذت سهما فإذا هو سهمي الذي رميت به آخر فقتلته ثم أخذت سهما آخر فإذا هو سهمي الذي رميت به آخر فقتلته، ثم أخذت سهما فإذا هو سهمي الذي رميت به فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فكان عندي في كنانتي لا يفارق كنانتي، وكان بعده عند بنيه انتهى.
أي وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين هذا: أي كون سعد ردهم وحده بهذا السهم. وما قبله الدال على أن الرادّ لهم عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من المهاجرين.
وروي عنه أنه قال «لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيرده عليّ رجل أبيض
[ ٢ / ٣٢٣ ]
حسن الوجه لا أعرفه حتى كان بعد» أي حتى بعد انقضاء الحرب لم أعرفه، فظننت أنه ملك، أي وفي رواية عنه أنه قال «رميت بسهم فرده عليّ رسول الله ﷺ وسهمي أعرفه حتى واليت بين ثمانية أو تسعة، كل ذلك يرده عليّ رسول الله ﷺ فقلت: هذا سهم دم» أي يصيب «فجعلته في كنانتي لا يفارقني» .
أقول: ولا منافاة بين هذا وبين قوله ثم أخذت سهما، لأن قوله المذكور لا ينافي أن يكون أخذه بمناولته ﷺ لا من كنانته كما قد يتبادر، ولا بين قوله فيرده عليّ رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، لأنه يجوز أن يكون ذلك الرجل كان يرد السهام التي كان يرمي بها حتى لا تفنى سهامه إلا هذا السهم فإنه لم يرده له، بل يناوله له رسول الله ﷺ، ويرده عليه. ولا منافاة بين قوله: حتى واليت بين ثمانية أو تسعة وبين إخباره بقوله: ثم أخذت سهما إلى أن عدد خمس مرات، لأنه يجوز أن تكون تلك الخمسة قتل فيها وفيما زاد لم يقتل بل جرح فليتأمل والله أعلم.
وصلى رسول الله ﷺ ظهر ذلك اليوم وهو جالس من الجراحة التي أصابته.
وصلى المسلمون خلفه قعودا: أي ولعلّ ذلك كان بعد انصراف عدوهم. وإنما صلى المسلمون خلفه ﷺ قعودا موافقة له ﷺ وقد نسخ ذلك.
أو أن من صلى قاعدا إنما هو لما أصابهم من الجراح وكانوا هم الأغلب، فقيل صلى المسلمون خلفه قعودا؛ فقد جاء أنه وجد بطلحة ﵁ نيف وسبعون جراحة من طعنة وضربة ورمية وقطعت أصبعه. وفي رواية أنامله. وعند ذلك قال حسن، فقال له ﷺ: «لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة ﵈ والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جوّ السماء» زاد في لفظ «ولرأيت بناءك الذي بني الله لك في الجنة وأنت في الدنيا» .
وفي البخاري عن قيس بن أبي حازم قال «رأيت يد طلحة بن عبيد الله شلاء وقى بها رسول الله ﷺ يوم أحد» أي من سهم، وقيل من حربة ونزف به الدم حتى غشي عليه؛ ونضح أبو بكر ﵁ الماء في وجهه حتى أفاق، فقال ما فعل رسول الله ﷺ؟ قال له أبو بكر: هو بخير، وهو أرسلني إليك، فقال: الحمد الله كل مصيبة بعده جلل أي قليلة.
وكان يقال لطلحة ﵁ الفياض، سماه بذلك رسول الله ﷺ في غزوة العشيرة كما تقدم. وسماه طلحة الجود في أحد، لأنه أنفق في أحد سبعمائة ألف درهم. وسماه في أحد أيضا طلحة الخير.
وعبد الرحمن بن عوف ﵁ أصيب فوه فهتم وجرح عشرين جراحة.
قال وفي رواية عشرين جراحة فأكثر، وجرح في رجله فكان يعرج منها.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وأصاب كعب بن مالك ﵁ سبعة عشر جراحة. وفي رواية عشرون جراحة قال عاصم بن عمر بن قتادة: كان عندنا رجل غريب لا ندري ممن هو، أي يظهر الإسلام يقال له قزمان، وكان ذا بأس وقوة، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر يقول إنه لمن أهل النار، فلما كان يوم أحد قاتل قزمان قتالا شديدا أي فكان أول من رمى من المسلمين بسهم، وكان يرمي النبال كأنها الرمال ثم فعل بالسيف الأفاعيل فكان يكت كتيت الجمل. وقتل ثمانية أو تسعة من المشركين. ولما أخبر ﷺ بذلك قال إنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، وأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، لأنه كان حليفا لهم فجعل رجال من المسلمين يقولون: والله لقد ابتليت اليوم يا قزمان فأبشر، فيقول بماذا أبشر؟ فو الله: ما قاتلت إلا على أحساب قومي: أي على شرفهم ومفاخرهم: أي مناصرة لهم، ولولا ذلك ما قاتلت: أي فلم يقاتل لإعلاء كلمة الله ورسوله وقهر أعدائهما.
أي وفي رواية أن قتادة ﵁ قال له: هنيئا لك الشهادة يا أبا الغيداق؟
فقال إني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين، ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير إلينا قريش حتى تطأ أرضنا، فلما اشتدت عليه الجراحة أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه: أي قطع به عروقا في باطن الذراع يقال لها الزواهق: أي وفي رواية: فجعل ذباب سيفه في صدره أي بين ثدييه كما في رواية ثم تحامل عليه حتى قتل نفسه.
قال في النور: وهو الصحيح، ولا مانع أن يكون فعل كلا من الأمرين، أي وعند ذلك جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال أشهد أنك رسول الله ﷺ، قال: وما ذاك؟ قال:
الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أصحاب النار فعل كذا وكذا.
وقد جاء: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ «من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» فنص عليه، وحينئذ قال فيه رسول الله ﷺ «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» .
ففيه إشارة إلى باطن الأمر قد يكون بخلاف ظاهره. وقال ﷺ «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» أي وقد أشار إلى هذا الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:
وقلت لشخص يدعي الدين إنه بنار فألقى نفسه للمنية
هذا وفي كلام ابن الجوزي عن أبي هريرة ﵁ قال «شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فقال لرجل ممن يدّعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل: يا رسول الله، الرجل
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الذي قلت إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات، فقال النبيّ ﷺ كما قال: إلى النار. ثم قيل إنه لم يمت ولكن به جراحة شديدة. فلما كان من الليل لم يصبر على الجراحة فقتل نفسه، فأخبر النبي ﷺ فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، فأمر بلالا فنادى في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلم وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» وهذا الرجل اسمه قزمان من المنافقين، هذا كلامه فليتأمّل، فإن تعدّد الشخص المسمى بهذا الاسم فيه بعد. ولعلّ ذكر خيبر بدل أحد اشتباه من الراوي. وقوله ﷺ «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» عام فيدخل في كل من الملك والعالم الذي جعل تسليكه وتعليمه مصيدة للدنيا وأكل الحرام فإن الله يحيي بهما قلوبا؛ ويهدي بهما إلى سواء السبيل مع أنهما فاجران.
وقتل الأصيرم أصيرم بني عبد الأشهل. قال بعضهم: كان الأصيرم يأبى الإسلام على قومه بني عبد الأشهل، فلما كان يوم خروج النبي ﷺ إلى أحد جاء إلى المدينة، فسأل عن قومه، فقيل له بأحد، فبدا له في الإسلام: أي رغب فيه فأسلم ثم أخذ سيفه ورمحه ولأمته، وركب فرسه، فغدا- بالغين المعجمة- حتى دخل في عرض الناس أي بضم العين المهملة وبالضاء المعجمة: جانبهم وناحيتهم، فقاتل حتى أثبتته الجراحة أصابت مقاتله، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا والله إن هذا الأصيرم، فسألوه ما جاء بك مناصرة لقومك، أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله ﷺ، ثم جئت وقاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنه لمن أهل الجنة» وكان أبو هريرة يقول: حدّثني عن رجل دخل الجنة ولم يصل: يعني الأصيرم. ويصدق عى هذا قوله ﵊ «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار» الحديث.
أي وممن يدخل الجنة ولم يصلّ الأسود الراعي لبعض يهود خيبر، الذي جاء للنبي ﷺ وقال: يا رسول الله أعرض عليّ الإسلام فعرضه عليه فأسلم. ثم تقدم ليقاتل فأصابه حجر فقتله وما صلى صلاة قط كما سيأتي في غزاة خيبر.
وقتل حنظلة بن أبي عامر الفاسق ﵁، وأبو عامر هذا هو الذي كان يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول الله ﷺ الفاسق كما تقدم، وكان هو وعبد الله بن أبي ابن سلول من رؤوس أهل المدينة وعظمائها المتوّجين للرياسة على أهلها.
وكان أبو عامر من الأوس، ويقال له ابن صيفي، وكان عبد الله من الخزرج.
فعبد الله بن أبي أظهر الإسلام. وأما أبو عامر فأصرّ على الكفر إلى أن مات طريدا وحيدا إجابة لدعاء رسول الله ﷺ حيث دعا عليه بذلك. وإلى ذلك أشار إلى الإمام
[ ٢ / ٣٢٦ ]
السبكي ﵀ في تائيته بقوله:
ومات ابن صيفي على الصفة التي ذكرت وحيدا بعد طرد وغربة
وقد كان أبو عامر هذا خرج من المدينة مباعدا لرسول الله ﷺ ومعه خمسون غلاما، وقيل خمسة عشر من قومه من الأوس، فلحق بمكة وكان يعد قريشا أنه لو لقي قومه: أي الأوس لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما جاء مع قريش نادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر، وقالوا له: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق، أي وفي لفظ قالوا له: لا مرحبا بك ولا أهلا يا فاسق. ولا مانع من صدور الأمرين منهم، فلما سمع ردّهم عليه قال لعنه الله: لقد أصاب قومي بعدي شرّ، ثم قاتل قتالا شديدا.
وهو الذي حفر الحفائر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، التي وقع في إحداها رسول الله ﷺ كما تقدم، أي وكان هو أوّل من أثار الحرب وضرب بأسهم في وجوه المسلمين، واستأذن ولده حنظلة ﵁ رسول الله ﷺ في قتله فنهاه عن قتله.
وسبب قتل حنظلة رضي الله تعالى عنه أن حنظلة ضرب فرس أبي سفيان فوقع على الأرض فصاح وعلاه حنظلة ﵁ يريد ذبحه فرآه شدّاد بن الأوس كذا في الأصل قيل وصوابه شدّاد بن الأسود، فحمل عليه فقتله، فقال رسول الله ﷺ «إن صاحبكم، يعني حنظلة، لتغسله الملائكة» أي وفي رواية «رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة فسئلت صاحبته أي زوجته وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين أخت ولده عبد الله ﵄، فقالت: خرج جنبا فقال رسول الله ﷺ: لذلك غسلته الملائكة» فإنه دخل عليها عروسا تلك الليلة التي صبيحتها أحد، وقد كان استأذن رسول الله ﷺ في ذلك: أي في الدخول بها، فلما صلى الصبح غدا يريد رسول الله ﷺ فلزمته، فكان معها فأجنب منها ونادى منادي رسول الله ﷺ بالخروج إلى العدّو فعجل عن الغسل إجابة للداعي.
وفي رواية أنها قالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة: أي الصياح بالخروج للعدّو. وفي لفظ: الهائعة. وفي لفظ: الهيعة، من الهياع: وهو الصياح الذي فيه فزع. وقد جاء في الحديث «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه» فلما سمع هيعة طار إليها.
وفي رواية: وقد كان غسل أحد شقيه، فخرج ولم يغسل الشق الآخر. وقد رأت هي تلك الليلة أن السماء قد فرجت فدخل فيها ثم أطبقت. وجاء أنها أشهدت أربعة من قومها عليه بالدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع، قالت: لأني رأيت السماء فرجت فدخل فيها ثم أطبقت، فقلت هذه الشهادة وعلقت منه بعبد الله بن حنظلة ﵁ في تلك الليلة. وعبد الله هذا هو الذي ولاه أهل المدينة عليهم
[ ٢ / ٣٢٧ ]
لما خلعوا يزيد بن معاوية. وكان ذلك سببا لوقعة الحرة ولم تمثل قريش بحنظلة ﵁ لكون والده معهم الذي هو أبو عامر الراهب لعنه الله.
وفي الإمتاع: وجعل أبو قتادة الأنصاري يريد التمثيل من قريش لما رأى من المثلة بالمسلمين، فقال له ﷺ «يا أبا قتادة إن قريشا أهل أمانة، من بغاهم العواثر أكبه الله تعالى إلى فيه، وعسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم وفعالك مع فعالهم. لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله. فقال أبو قتادة:
والله يا رسول الله ما غضبت إلا لله ولرسوله، فقال: صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم» قال: وجاء «أنه ﷺ همّ أن يدعو عليهم، فنزلت الآية المذكورة أي لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: الآية ١٢٨] فكف عن الدعاء عليهم» أي وفيه أنها نزلت بعد قوله «اللهم العن فلانا وفلانا» إلى آخر ما تقدم عن بعض الروايات، إلا أن يقال أراد ﷺ المداومة على الدعاء عليهم. وعن أبي سعيد الساعدي قال: ذهبنا إلى حنظلة ﵁ فإذا رأسه يقطر ماء انتهى.
أي فعلم أنه لا منافاة بين كونه ﷺ دعا عليهم وبين كونه همّ بالدعاء عليهم، لأنه يجوز أن يكون المراد همّ بتكرير الدعاء عليهم. وفي البخاري ومسلم والنسائي عن جابر ﵁ قال: «قال رجل يوم أحد لرسول الله ﷺ إن قتلت فأين أنا؟
قال في الجنة فألقى تمرات كن في يده فقاتل حتى قتل» قال في طرح التثريب، قال الخطيب: كانت هذه القصة يوم بدر لا يوم أحد، فأشار إلى تضعيف رواية الصحيحين التي فيها يوم أحد، ولا توجيه لذلك، بل التضعيف تفسير هذه بهذه: أي جعلهما قصة واحدة وكل منهما صحيحة وهما قصتان لشخصين. هذا كلامه، وقد تقدّم في غزاة بدر الحوالة على هذه فليتأمل، أي وأقبل رجل من المشركين مقنعا بالحديد يقول أنا ابن عويف فتلقاه رشيد الأنصاري الفارسي فضربه على عاتقه فقطع الدرع وقال خذها وأنا الغلام الفارسي؛ ورسول الله ﷺ يرى ذلك ويسمعه، فقال رسول الله ﷺ «هلا قلت خذها وأنا الغلام الأنصاري» فعرض لرشيد أخو ذلك المقتول بعد وكأنه كلب وهو يقول: أنا ابن عويف فضربه رشيد على رأسه وعليه المغفر ففلق رأسه وقال: خذها وأنا الغلام الأنصاري، فتبسم رسول الله ﷺ وقال:
«أحسنت يا أبا عبد الله» وكان يومئذ لا ولد له.
وقتل عمرو بن الجموح ﵁، وكان أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد. فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: قد عذرك الله، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك، فو الله إني أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال له رسول الله ﷺ: «أما أنت فقد أعذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم أن
[ ٢ / ٣٢٨ ]
لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة» فأخذ سلاحه وخرج وأقبل على القبلة وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردّني خائبا إلى أهلي فقتل، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده إن منكم من لو أقسم على الله لأبرّه. منهم عمرو بن الجموح ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته» أي كشف له عن حاله يوم القيامة، أي وفي رواية أنه قال «يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ فمرّ عليه رسول الله ﷺ وقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة» .
أقول: لكن يمكن الجمع بأنه في أول دخوله الجنة يطؤها برجله غير صحيحة ثم تصير صحيحة. وعمرو بن الجموح ﵁ كان في الجاهلية على أصنامهم: أي سادنا لها، وكان في الإسلام يولم عنه ﷺ إذا تزوج.
وقد وقع منه ﷺ مثل ذلك لأنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم النبي ﷺ «فإنه لما كسرت أخته الربيع ثنية جارية من الأنصار فطلب أهلها القصاص، وأمر رسول الله ﷺ بكسر ثنية الربيع قال أخوها أنس المذكور والله لا تكسر ثنية الربيع، وصار كلما يقول ﷺ: كتاب الله القصاص، يقول والله لا تكسر ثنية الربيع، فرضي القوم بالأرش، فقال رسول الله ﷺ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه» وقال ﷺ ذلك في حق البراء بن مالك أخي أنس بن مالك ﵄. فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال «ربّ أشعث أغبر لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبرّه منهم البراء بن مالك» ومصداق ذلك ما وقع له ﵁ في مقاتلة الفرس، فإن الفرس غلبوا المسلمين فقالوا له: يا براء أقسم على ربك، فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك محمد ﷺ، فحمل ﵁ وحمل المسلمون معه فقتل عظيم الفرس وانهزم الفرس، ثم قتل البراء ﵁.
ومما وقع أنه كان مع أخيه أنس ﵁ عند بعض حصون العدوّ بالعراق وكانوا يلقون كلاليب معلقة في سلاسل محماة يخطفون بها الإنسان، فكان من جملة من خطف أنس ﵁، فأقبل البراء ﵁ وصعد محلا عاليا وأمسك السلسلة بيده ولا زال حتى قطع السلسلة، ثم نظر إلى يده فإذا عظمها يلوح ليس عليه لحم، ونجى الله أنسا ﵁ بذلك وقال ﷺ ما تقدم في حق أويس القرني ﵁.
فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر القرنيّ، فمن لقيه منكم فمروه أن يستغفر لكم» وفي رواية خطابا لعمر ﵁ «يأتي عليك أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن كان به برص فبرىء منه إلا موضع درهم، له أمّ هو بها بار لو أقسم على الله لأبرّه فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» والله أعلم.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وقتل أيضا أحد بني عمرو بن الجموح وهو خلاد ﵁. وقتل أخو زوجته هند بنت حزام وهو عبد الله والد جابر ﵁، فحملتهم هند على بعير لها تريد أن تدفنهم في المدينة، فلقيتها عائشة ﵂ وقد خرجت في نسوة يستروحن الخبر فقالت لها عائشة ﵂: جاء خبر الجيش، فقالت: أما رسول الله ﷺ فصالح وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ الله من المؤمنين شهداء. ثم قالت لها: من هؤلاء؟ قالت: أخي عبد الله وابني خلاد وزوجي عمرو بن الجموح ﵃، فبرك بهم البعير وصار كلما توجه إلى المدينة يبرك، وإن وجه إلى أرض أحد نزع، فرجعت إلى النبي ﷺ وأخبرته، فقال: إن الجمل مأمور فقبرهم بأحد، وقال ﷺ لهند «يا هند ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن» ولعلّ هذا كان قبل أن ينادي بردّ القتلى إلى مضاجعهم.
قال جابر ﵁: كان أبي أول قتيل للمسلمين، قتله أبو الأعور السلمي.
وفي الصحيح أن عائشة ﵂ وأم سليم كانا يسقيان الناس يفرغان من القرب في أفواه القوم.
أي ولا مخالفة لأنه يجوز أن يكون ذلك شأن عائشة بعد وصولها لأحد، أي وقد كان ﷺ خلف اليمان والد حذيفة وثابت بن وقس في الآطام مع النساء والصبيان لأنهما كانا شيخين كبيرين، فقال أحدهما لصاحبه: لا أبالك، ما ننتظر؟ فوالله إن بقي لواحد منا في عمره إلا ظمأ حمار، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا الشهادة، فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس من جهة المشركين ولم يعلم المسلمون بهما. فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولم يعرفوه.
وذكر السهيلي أن في تفسير ابن عباس ﵄ أن الذي قتله خطأ هو عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود ﵁، وعتبة هو أول من سمى المصحف مصحفا. وعند ذلك قال حذيفة أبي فقالوا ما عرفناه. فأراد رسول الله ﷺ أن يديه فتصدق حذيفة ﵁ بديته على المسلمين فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرا. واسم اليمان حسيل، وقيل له اليمان لأنه نسب إلى جدّه اليمان بن الحارث وقيل إنما قيل له اليمان لأنه أصاب دما في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني الأشهل فسماه قومه اليمان لمحالفته اليمانية: أي وهم أهل المدينة.
ومما يؤثر عن حذيفة ﵁، أنه قيل له: من ميت الأحياء؟ قال: الذي لا ينكر المنكر بيديه ولا بلسانه ولا بقلبه.
وفي الكشاف: وعن حذيفة ﵁ أنه استأذن رسول الله ﷺ في قتل
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أبيه وهو في صف المشركين أي قبل أن يسلم، فقال ﷺ له: دعه يليه غيرك. هذا كلامه، ولم أقف على أي غزاة كان ذلك فيها وسياق ما قبله يدل على أنه كان من الأنصار، كان حليفا لبني عبد الأشهل ولم يحفظ أن أحدا من الأنصار قاتله ﷺ قبل الإسلام فليتأمل.
ثم إن هندا زوجة أبي سفيان والنسوة اللاتي خرجن معها صرن يمثلن بقتلى المسلمين يجدعن: أي يقطعن من آذانهم وأنوفهم، واتخذن من ذلك قلائد، وبقرت:
أي شقت هند بطن سيدنا حمزة ﵁، وأخرجت كبده فلاكتها: أي مضغتها فلم تستطع أن تسيغها: أي تبتلعها، فلفظتها أي ألقتها من فيها أي لأنها كانت نذرت إن قدرت على حمزة ﵁ لتأكلن من كبده. ولما بلغ رسول الله ﷺ أنها أخرجت كبد حمزة قال: هل أكلت منه شيئا؟ قالوا لا قال: إن الله قد حرّم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا أي ولو أكلت منه أي استقرّ في جوفها لم تمسها النار.
وفي رواية «لو أدخل بطنها لم تمسها النار» لأن حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيء من جسده النار.
أي ورأيت في بعض السير أنها شوت منه ثم أكلت.
وقد يقال: لا منافاة، لجواز حمل الأكل على مجرد المضغ من غير إساغة.
قال وفي رواية أن وحشيا هو الذي بقر بطن حمزة ﵁ وأخرج كبده وجاء بها إلى هند، أي وقال لها ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك، قالت سلني، فقال: هذه كبد حمزة فأعطته ثيابها وحليها، ووعدته إذا وصلت إلى مكة تدفع له عشرة دنانير.
وجاء بها إلى مصرع حمزة ﵁ فجدعت أنفه وأذنيه، أي وفي لفظ:
فقطعت مذاكيره، وجدعت أنفه وقطعت أذنيه، ثم جعلت ذلك كالسوار في يديها وقلائد في عنقها، واستمرّت كذلك حتى قدمت مكة.
وفي النهر لأبي حيان أن وحشيا جعل له على قتل حمزة أن يعتق فلم يوف له بذلك فندم على ما صنع.
ثم إن هندا علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها وأنشدت أبياتا. ثم إن زوجها أبا سفيان أشرف على الجبل كذا في البخاري أنه أشرف. وفي رواية كان بأسفل الجبل.
وقد يقال: لا مخالفة لجواز وقوع الأمرين معا، ثم صرخ بأعلى صوته:
أنعمت فعال، إن الحرب سجال: أي ومعنى سجال: مرّة لنا ومرّة علينا، يوم أحد بيوم بدر، وأنعمت بكسر التاء خطابا لنفسه، أو للأزلام، لأنه استقسم بها عند
[ ٢ / ٣٣١ ]
خروجه إلى أحد، فخرج الذي يحب وهو أفعل والفاء من فعال مفتوحة وليست من أبنية لكلمة وهي أمر: أي ارتفع عن لومها: أي النفس أو الأزلام يقال: عال عني:
أي ارتفع عني ودعني أي وزاد في لفظ: يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسرّ، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان.
أي وقد جاء أنه ﷺ قال: الحرب سجال، وقد قال تعالى إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: الآية ١٤٠] وقد نزل ذلك في قصة أحد باتفاق.
ثم قال أبو سفيان: إنكم ستجدون في القوم. وفي رواية في قتلاكم مثلة لم آمر بها ولم تسرني. وفي رواية: والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت:
وفي لفظ: ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني أي وفي لفظ: أما إنكم ستجدون في قتلاكم مثلا ولم تكن عن رأي سراتنا ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه إن كان كذلك لم نكرهه. ومر الحليس سيد الأحابيش بأبي سفيان وهو يضرب بزج الرمح في شدق حمزة ﵁ ويقول ذقه عقق:
أي ذق طعم مخالفتك لنا وتركك الذي كنت عليه يا عاق قومه، جعل إسلامه عقوقا، فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يفعل بابن عمه ما ترون، فقال أبو سفيان: اكتمها عني فإنها زلة. وقال أبو سفيان: اعل هبل أي أظهر دينك، أو ازدد علوا فقال رسول الله ﷺ، قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان إنكم تزعمون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا، وهبل هذا تقدّم أنه صنم، وتقدم الكلام عليه.
ورأيت في كلام الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه الله تعالى أنه الحجر الذي يطؤه الناس في العتبة السفلى من باب بني شيبة، وبلط الملوك فوقه البلاط. ثم قال أبو سفيان: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ «الله مولانا ولا مولى لكم» ثم قال أبو سفيان لعمر، أي بعد أن قال له: هلم يا عمر. فقال له رسول الله ﷺ: ائته فانظر ما شأنه فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا؟ قال عمر ﵁: لا وإنه ليسمع كلامك الآن. قال أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبرّ: أي لأنه لما قتل مصعب بن عمير ظنه النبي ﷺ، فقال قتلت محمدا كما تقدّم.
وفي رواية أن أبا سفيان نادى: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، قال ذلك ثلاثا فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة قالها ثلاثا.
ثم قال أفي القوم عمر قالها ثلاثا. وفي رواية: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب: ثم أقبل على أصحابه. فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم،
[ ٢ / ٣٣٢ ]
إذ لو كانوا أحياء لأجابوا فما ملك عمر ﵁ نفسه أن قال: كذبت والله يا عدّو الله إن الذي عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، ثم نادى أبو سفيان: إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: قل نعم بيننا وبينكم موعد.
ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وقيل سعد بن أبي وقاص ﵁. فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل: أي جعلوها منقادة بجانبهم وامتطوا الإبل: أي ركبوا مطاها: أي ظهورها لأن المطا الظهر فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزهم. قال علي كرم الله وجهه أو سعد بن أبي وقاص ﵁: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة، أي بعد أن تشاوروا في نهب المدينة. فأشار عليهم صفوان بن أمية أن لا تفعلوا، أي وقال لهم. فإنكم لا تدرون ما يغشاكم وفزع الناس لقتلاهم، فقال رسول الله ﷺ:
هل من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع: أفي الأحياء هو أم في الأموات، أي زاد في رواية فإني رأيت الأسنة قد أشرعت إليه. فقال رجل من الأنصار: أي وهو أبي بن كعب، وقيل محمد بن مسلمة، وقيل زيد بن حارثة، وقيل غير ذلك. ويجوز أن يكون أرسلهم كلهم. قال: أنا أنظر لك يا رسول الله. أي وفي رواية: قال للمرسل: إن رأيت سعد بن الربيع فأقره مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ كيف تجدك. فنظر فوجد جريحا وبه رمق أي بقية روح. فقال له: إن رسول الله ﷺ أمرني أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات قد طعنت اثنتي عشرة طعنة، وإني قد أنفذت مقاتلي، فأبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خيرا ما جزي نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. وفي رواية: شفر يطرف أي يتحرك. قال: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره، أي وفي رواية أنه رأى الذي أرسله رسول الله ﷺ يدور بين القتلى فقال له: ما شأنك؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ لآتيه بخبرك. قال: فاذهب إليه الحديث.
وفي رواية إن محمد بن مسلمة ﵁ نادى في القتلى يا سعد بن الربيع مرة بعد أخرى، فلم يجبه حتى قال إن رسول الله ﷺ أرسلني أنظر ما صنعت، فأجابه بصوت ضعيف الحديث. أي وفي رواية: اقرأ على قومي مني السلام، وقل لهم يقول لكم سعد بن الربيع الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله ﷺ ليلة العقبة
[ ٢ / ٣٣٣ ]
فو الله ما لكم عند الله عذر الحديث. وفيه قال رسول الله ﷺ «﵀ نصح لله ولرسوله حيا وميتا» وخلف بنتين فأعطاهما رسول الله ﷺ من ميراثه الثلثين فكان ذلك بيان المراد من الآية، وهي قوله تعالى فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ [النّساء: الآية ١١] وفي ذلك نزلت: أي اثنتان فما فوقهما. أي وحينئذ لا يحتاج إلى قياس البنتين على الأختين، بجامع أن للواحدة منهما النصف.
ودخلت بنت له على أبي بكر ﵁ فألقى لها رداءه لتجلس عليه، فدخل عمر ﵁ فسأله عنها. فقال: هذه ابنة من هو خير مني ومنك. قال:
ومن هو يا خليفة رسول الله؟ قال: رجل تبوأ مقعده من الجنة وبقيت أنا وأنت، هذه ابنة سعد بن الربيع ﵁.
وخرج رسول الله يلتمس عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁. فقال له رجل: رأيته بتلك الصخرات وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء النفر أبو سفيان وأصحابه، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم وهذا الدعاء نقل عن أنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم النبي ﷺ، فإنه غاب عن بدر فشق عليه ذلك، فلما كان يوم أحد ورأى انهزام المسلمين، أي وكان قد قال للنبي ﷺ: يا رسول الله إني غبت عن أوّل قتال وقع قاتلت فيه المشركين والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء: يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما فعل هؤلاء: يعني المشركين. ولما سمع قتل رسول الله ﷺ، قال: ما تصنعون بالحياة بعده، موتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ. ثم استقبل القوم. أي وقال لسعد بن معاذ: هذه الجنة ورب الكعبة أجد ريحها دون أحد، وقاتل ﵁ حتى قتل. أي ووجدوا فيه بضعا وثمانين جراحة، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم. ولما قتل مثل به المشركون، فما عرفته أخته الربيع إلا ببنانه.
قال ابن أخيه أنس بن مالك ﵁: لما نزل قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: الآية ٢٣] الآية، قلنا إن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين ﵁.
فجاء رسول الله ﷺ نحو حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه ومثل به فجدع أنفه وأذناه، أي وقطعت مذاكيره، فنظر ﷺ إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه. أي وقال «لن أصاب بمثلك، ما وقفت موقفا أغيظ لي من هذا، وقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولا للخيرات، وصولا للرحم، أما والله لأمثلنّ بسبعين» وفي رواية «بثلاثين رجلا منهم مكانك» وفي رواية «لئن ظفرني الله تعالى بقريش في موطن من المواطن لأمثلن بسبعين منهم مكانك» ولما
[ ٢ / ٣٣٤ ]
رأى المسلمون جذع رسول الله ﷺ على عمه قالوا: لئن أظفرنا الله تعالى بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.
وعن ابن عباس ﵄: إن الله تعالى أنزل في ذلك وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: الآية ١٢٦، ١٢٧] الآية، فعفا رسول الله ﷺ وصبر، ونهى عن المثلة، وكفر عن يمينه، وكان نزول هذه الآيات بعد أن مثل ﷺ بالعرنيين. وستأتي قصتهم في السرايا.
واعترضه ابن كثير ﵀ بأن هذه الآيات مكية وقصة أحد في المدينة بعد الهجرة بثلاث سنوات، فكيف يلتئم هذا مع هذا، هذا كلامه.
وقد يقال: يجوز أن يكون ذلك مما تكرر نزوله فليتأمل. وعن ابن مسعود ﵁ «ما رأينا رسول الله ﷺ باكيا أشد من بكائه على حمزة ﵁، وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق» أي شهق «حتى بلغ به الغشي يقول: يا عم رسول الله، وأسد الله، وأسد رسول الله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات، يا حمزة يا ذابّ» أي بالذال المعجمة «يا مانع عن وجه رسول الله ﷺ» أي قال ذلك لا مع البكاء. فلا يقال هذا من الندب المحرم وهو تعديد محاسن الميت، لأن ذلك مخصوص بما إذا قارنه البكاء وليس من نعي الجاهلية المكروه: وهو النداء بذكر محاسن الميت؛ على أن النداء بذلك محل كراهته إذا كان على وجه التفاخر والتعاظم، ولم يكن وصفا لنحو صالح للحث على سلوك طريقته.
وقال ﷺ «جاءني جبريل ﵇، وأخبرني بأن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله. وأمر ﷺ الزبير ﵁ أن يرجع أمه صفية أخت حمزة ﵂ عن رؤيته، فقال لها: يا أمه إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، فدفعت في صدره وقالت: لم؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله فما أرضاني بما كان في الله من ذلك» أي أنا أشد رضا بذلك من غيري «لأحتسبن، ولأصبرنّ إن شاء الله تعالى، فجاء الزبير ﵁، فأخبره ﷺ بذلك، فقال: خل سبيلها، فجاءت واسترجعت واستغفرت له» .
وفي رواية «إن صفية لقيت عليا والزبير ﵄، فقالت لهما:
ما فعل حمزة: فأرياها أنهما لا يدريان» أي رحمة بها «فجاءت النبي ﷺ فقال: إني أخاف على عقلها فوضع ﷺ يده الشريفة على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت» أي لما رأته، أي وفي رواية «لما منعها عليّ والزبير ﵄ قالت: لا أرجع حتى أرى رسول الله ﷺ. فلما رأته قالت: يا رسول الله أين ابن أمي حمزة؟
[ ٢ / ٣٣٥ ]
قال ﷺ: هو في الناس. قالت: لا أرجع حتى أنظر إليه، فجعل الزبير ﵁ يحبسها، فقال ﷺ: دعها فلما رأته بكت وصارت كلما بكت بكى ﷺ، ثم أمر به فسجي ببرده» وفي رواية «قال ألا كفن؟ فقام رجل من الأنصار فرمى بثوبه عليه، ثم قام آخر فرمى بثوبه عليه. فقال ﷺ: يا جابر هذا الثوب لأبيك وهذا لعمي» وهذا يدل على أن والد جابر ﵄ استمر لم يقبر إلى ذلك الوقت، وهو خلاف ظاهر سياق ما تقدم.
وفي رواية «وجاءت صفية معها بثوبين لحمزة، فكان أحدهما لحمزة، والآخر لرجل من الأنصار» ولعله والد جابر ﵄، ولعله لما جاءت صفية بالثوبين جعل ﷺ أحدهما لحمزة، والآخر لوالد جابر، وترك ثوبي الرجلين.
وفي رواية «كفن حمزة ﵁ بنمرة، كانوا إذا مدوها على رأسه انكشفت رجلاه، وإن مدوها على رجليه انكشفت رأسه، فمدوها على رأسه، وجعلوا على رجليه الإذخر» وفي لفظ «الحرمل» أي ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما والمشهور حديث النمرة.
وقد يقال: إنما اختار ﷺ النمرة على الثوب، لأنه كان بها دم الشهادة أو أراد ﷺ أن لا يكون لأحد على حمزة ﵁ منة. ويؤيد الأول ما يأتي «ولم يكفنوا إلا في ثيابهم التي قتلوا فيها» فليتأمل، فإن السياق يقتضي أن ذلك إنما هو عن احتياج، وسيأتي ما يصرح به وسيأتي ما يعارضه فليتأمل.
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قتل مصعب بن عمير ﵁ يوم أحد، وكفن في وبرة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه.
وفي رواية «قتل مصعب بن عمير، فلم يترك إلا نمرة إذا غطينا بها رجليه خرج رأسه فقال رسول الله ﷺ: غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر» .
وكان مصعب بن عمير هذا قبل الإسلام فتى مكة شبابا وجمالا ولباسا وعطرا ولما أسلم ﵁ تشعث.
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه كان صائما وقد جيء له بطعامه، فقال: قتل مصعب بن عمير ﵁ وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، وقد بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا من الدنيا ما أعطينا، وخشيت أن أكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
وعن أنس ﵁ قال: قلت الثياب، وكثرت القتلى، فكان الرجل
[ ٢ / ٣٣٦ ]
والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد.
وقال ﷺ في حق حمزة ﵁ «لولا أن تجزع صفية ونساؤنا» أي يتطاول جزعهن ويدوم. وفي رواية «لولا تجد صفية في نفسها» أي يطول ذلك «وتكون سنة من بعدي لتركنا حمزة ولم ندفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع» وفي رواية «حتى تأكله العافية ويحشر من بطونها، ليشتد غضب الله على من فعل به ذلك ثم صلى عليه فكبر أربع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى جنب حمزة أي واحد بعد واحد فيصلي على كل واحد منهم مع حمزة، ثم يرفع ويؤتى بآخر فيصلي عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة» . وفي رواية «اثنتين وتسعين صلاة» وهذا غريب وسبعين ضعيف.
والرواية الأولى تقتضي أن جملة من قتل بأحد اثنان وسبعون. والرواية الثانية تقتضي أنهم كانوا اثنين وتسعين.
وقوله واحدا بعد واحد قد يخالف ما تقدم عن أنس ﵁، من جعل الرجلين أو الثلاثة في كفن واحد فليتأمل.
وجاء «أنه ﷺ كان يصلي على عشرة عشرة» أي يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم. ثم ترفع التسعة وحمزة مكانه، ويؤتى بتسعة أخرى فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلي عليهم، حتى فعل ذلك سبع مرات، وحينئذ يكون جملة من قتل ثلاثة وستين. وسيأتي الكلام على عدتهم، وقيل كبر عليهم، كبر تسعا وسبعا وخمسا أي بعد أن كبر على حمزة وحده أربعا فلا ينافي ما تقدم. ولم أقف على عدد المرات التي كبر فيها ما ذكر.
وجاء أن قتلى أحد لم يغسلهم، ولم يصل عليهم ولم يكفنهم إلا في ثيابهم التي قتلوا فيها أي غير الجلود، أخذا مما يأتي: أي ولا يضر تتميم ستر بعضهم بالإذخر. وحينئذ لا يكون تكفين حمزة بنمرته، ومصعب ببردته وتتميم تكفينهما بالإذخر عن احتياج كما تقدم عن عبد الرحمن بن عوف. وعن أنس ﵄ أي وقال مغلطاي: وصلي على حمزة والشهداء من غير غسل، وهذا أي دفنهم من غير غسل إجماع إلا ما شذ به بعض التابعين وفيه نظر ظاهر.
وقد جاء أنه ﷺ قال «لقد رأيت الملائكة تغسل حمزة» وتقدم أن هذا السياق يقتضي أن هذه رؤيا نوم. وحينئذ يظهر التوقف فيما روي عن ابن عباس ﵄ قتل حمزة جنبا، فقال رسول الله ﷺ ما ذكر. ولعل الراوي عن ابن عباس ذكر حمزة بدل حنظلة غلطا.
أما الصلاة عليهم؛ فقال إمامنا الشافعي ﵁: جاءت الأخبار كأنها
[ ٢ / ٣٣٧ ]
عيان من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد.
وما روي أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لم يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك: أي بما روى هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيي على نفسه؛ أي فإن من رواة ذلك الحديث الدالة على أنه صلى عليهم سعيد بن ميسرة عن أنس ﵁. وقد قال فيه البخاري إنه يروي المناكير. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، ومن جملة رواته: أي رواة ذلك الحديث مقسم عن ابن عباس ﵄. وقد قال فيه البخاري: منكر الحديث، ومن ثم ذكر ابن كثير أن الذي في البخاري «أمر ﷺ بدفن شهداء أحد بدمائهم ولم يصلّ عليهم ولم يغسلوا» . وهو أثبت من صلاته عليهم.
وأما حديث عتبة بن عامر: أي الذي رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وهو أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت: أي دعا لهم كدعائه للميت كالمودع للأحياء والأموات أي حين علم قرب أجله، أي فذلك كان توديعا لهم بذلك. قال: قال السهيلي ﵀: لم يرد عن رسول الله ﷺ أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية في أحد، وكذلك لم يصل أحد من الأئمة بعده ﷺ اهـ.
وفي النور «أنه ﷺ صلى على أعرابي في غزوة أخرى» . وفي البخاري عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصلّ عليهم» بكسر اللام. وفي رواية «ولم يصلّ عليهم» بفتح اللام.
لا يقال: خبر جابر لا يحتج به لأنه نفي، وشهادة النفي مردودة مع ما عارضها من خبر الإثبات. لأنا نقول: شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها على الشاهد ولم تكن بحضوره وإلا فتقبل بالاتفاق. وهذه قضية معينة أحاط بها جابر وغيره علما.
واستدل أئمتنا على أن الشهيد لا يغسل ولو كان جنبا بقصة حنظلة ﵁، لأن تغسيل الملائكة لا يكتفي به في إسقاط الحرج عن المكلفين من الإنس لعدم تكليفهم، بخلاف تغسيل الجن فإنهم مكلفون ودفنوا بثيابهم، ونزع عنهم الحديد والجلود.
أي وأسلم وحشي ﵁ بعد ذلك، فإنه في يوم فتح مكة فرّ إلى الطائف. ثم وفد مع أهل الطائف لما وفدوا ليسلموا. وقد قيل له بعد أن ضاقت عليه: ويحك والله إنه لا يقتل أحدا من الناس دخل دينه. قال وحشي: فلم يرعه ﷺ إلا أني قائم على رأسه أشهد شهادة الحق. فقال لي: أنت وحشي؛ وسألني كيف قتلت حمزة فأخبرته. ثم قال: ويحك، غّيب عني وجهك فلا أراك. وفي رواية: لا
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ترني وجهك. وفي رواية: تفل في وجهي ثلاث تفلات. وقيل تفل في الأرض وهو وجد مغضب: أي وحينئذ لحق بالشام. وكان وحشي لا يزال يحد في الخمر في زمن عمر ﵁ حتى خلع من الديوان قال عمر ﵁: قد علمت أنه لم يكن الله ليدع قاتل حمزة ﵁: أي لم يكن ليتركه من الابتلاء. وهذا أي تكرر حدّه في شرب الخمر. وإخراجه من ديون المجاهدين من أقبح أنواع الابتلاء، عافانا الله من ذلك.
وروى الدارقطني في صحيحه عن سعيد بن المسيب ﵀ أنه كان يقول:
عجبت لقاتل حمزة كيف ينجو؛ أي من الابتلاء، حتى بلغني أنه مات غريقا في الخمر. أي وذلك مع ما تقدم ابتلاء فظيع له ﵁.
وممن مثل به عبد الله بن جحش بدعوة دعاها على نفسه. فقال: أي قبل أحد بيوم: اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه فيقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني.
فإذا لقيتك قلت: يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول فيك وفي رسولك. فيقول الله: صدقت، قال: وليس هذا من تمنى الموت المنهيّ عنه انتهى، أي لأن المنهي عنه أن يكون ذلك لضرّ نزل به فليتأمل.
وجاء أن عبد الله بن جحش انقطع سيفه يوم أحد، فأعطاه رسول الله ﷺ عرجون نخلة، فصار في يده سيفا، وكان يسمى العرجون. ودفن هو وخاله حمزة ﵄ في قبر واحد، أي وإنما كان حمزة خاله، لأن أم عبد الله أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، وكان القاتل له أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، وأبو الحكم هذا قتل كافرا يوم أحد. وقال ﷺ ادفنوا عبد الله بن عمرو أي وهو والد جابر ﵄ وعمرو بن الجموح وهو زوج عمة جابر ﵃ في قبر واحد لما بينهما من الصفاء. وعبد الله بن عمرو هذا قد أصابه جرح في وجهه ومات ويده على جرحه، فأميطت يده عن وجهه فانبعث الدم، فردت يده إلى مكانها فسكن.
ويقال إن السيل حفر قبر عبد الله بن عمرو والد جابر ﵄ وعمرو بن الجموح فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس. وأنه أزيلت يد عمرو عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت. وكان ذلك بعد الواقعة لست وأربعين سنة.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: استصرخنا إلى قتلانا بأحد، وذلك حين أجرى معاوية ﵁ العين في سوط مقبرة شهداء أحد، وأمر الناس بنقل موتاهم فأخرجناهم رطابا تنثني أطرافهم، وذلك على رأس أربعين سنة، ولعله وما قبله لا يخالف قول السهيلي وذلك بعد ثلاثين سنة، وأصابت المسحاة قدم حمزة ﵁ فانبعث دما.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وذكر أنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك. وفي لفظ نحو خمسين سنة مع أن أرض المدينة سبخة يتغير الميت في قبره من ليلته: أي لأن الأرض لا تأكل لحوم شهداء المعركة كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. زاد بعضهم: قارىء القرآن، والعالم، ومحتسب الأذان. ويدل للأخير ما في الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: المؤذن المحتسب كالمتشحط في دمه لا يدود في قبره أي كشهيد المعركة لا يأكله الدود في القبر. وقد نظم هؤلاء الشيخ التتائي المالكي رحمه الله تعالى فقال:
لا تأكل الأرض جسما للنبي ولا لعالم وشهيد قتل معترك
ولا لقارىء قرآن ومحتسب أذانه لإله مجرى الفلك
ودفن خارجة بن زيد وسعد بن الربيع ﵄ في قبر واحد، لأنه كان ابن عمه وولده خارجة وهو زيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت.
ذكر أن خارجة أخذته الرماح فجرح بضعة عشر جرحا فمرّ به صفوان بن أمية بن خلف فعرفه فأجهز عليه، وقال: الآن شفيت نفسي حين قتلت الأماثل من أصحاب محمد. قتلت خارجة بن زيد، وقتلت أوس بن أرقم، وقتلت أبا نوفل، ودفن النعمان بن مالك وعبد بني الحسحاس في قبر واحد، وربما دفنوا ثلاثة في قبر، وصار ﷺ يقول «احفروا وأوسعوا وأعمقوا» وكان ﷺ يقول «انظروا أكثر هؤلاء جمعا» أي حفظا للقرآن «فقدموه في القبر» أي في اللحد.
واحتمل ناس من المدينة قتلاهم إلى المدينة، فردهم ﷺ ليدفنوا حيث قتلوا وبه استدل أئمتنا ﵏ على حرمة نقل الميت قبل دفنه من محل موته إلى محل أبعد من مقبرة محل موته.
وفيه أنهم قالوا: إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، نص على ذلك إمامنا الشافعي ﵀.
وقد يجاب بأن هذا مخصوص بغير الشهيد. أما هو فالأفضل دفنه بمحل موته ولو بقرب ما ذكر كما بحث ذلك بعض المتأخرين من أئمتنا. ويشهد له ما هنا.
ولا يشكل دفن اثنين أو ثلاثة في لحد على قول فقهائنا بحرمة جمع اثنين في لحد ولو الوالد وولده، لأن محل ذلك حيث لا ضرورة ككثرة الموتى ومشقة الحفر لكل واحد كما هنا.
ثم رأيت في بعض السير: وقد ثبت في صحيح البخاري «أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد» . وإنما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحد.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وفي رواية «فحملوهم إلى المدينة فدفنوهم في نواحيها، فجاء منادي رسول الله ﷺ: ردوا القتلى إلى مضاجعهم، فأدرك المنادي واحدا لم يكن دفن فردّ ومن دفن أبقوه.
ولما أشرف ﷺ على قتلى أحد قال «أنا شهيد على هؤلاء، وما من جرح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك» .
وفي رواية «إنه ليس مكلوم يكلم في الله تعالى إلا وهو يأتي يوم القيامة لونه» أي لون الكلم أي الجرح «لون الدم، وريحه ريح مسك» أي وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا» أي يمتنعوا عن الحرب «فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ هذه الآية وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ [آل عمران: الآية ١٦٩] الآية.
وقد بينت في «النفخة العلوية» أن الأرواح في البرزخ متفاوتة في مستقرها أعظم تفاوت، فلا تعارض بين الأدلة الدالة على تلك الأقوال المختلفة، وحينئذ تكون أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع كونها في الملأ الأعلى متفاوتة فيه، وأرواح المؤمنين غير الشهداء أو غير الأطفال. منها ما هو سماوي ومنها ما هو أرضي.
وأرواح الأطفال في حواصل عصافير الجنة عند جبال المسك. وأرواح الشهداء منهم من تكون روحه على باب الجنة. ومنهم من تكون داخلها، وحينئذ إما أن تكون في جوف طير أخضر أو طير أبيض. ومنهم من تكون روحه على صورة الطير.
وفي كلام القرطبي ﵀ قال علماؤنا: أرواح الشهداء طبقات مختلفة، ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون، أي وتقدّم الكلام على رزقهم.
أي ومن جملة من قتل من الصحابة يوم أحد أبو جابر أي كما تقدّم فقال ﷺ لجابر ﵁ «يا جابر ألا أخبرك ما كلم الله تعالى أحدا قط» لعل المراد من هؤلاء الشهداء كما يرشد إليه السياق «إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا، فقال: سلني أعطك، فقال: أسألك أن أردّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب ﷿: إنه سبق مني أنهم لا يرجعون إلى الدنيا. قال: أي رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا [آل عمران: الآية ١٦٩] الآية.
أي ولا مانع من تعدد النزول للآية فلا يخالف ما تقدم قريبا.
[ ٢ / ٣٤١ ]
أي وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال «لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي ﷺ ينهوني والنبي ﷺ لم ينهني، وقال النبي ﷺ: «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة ﵈ مظلة له بأجنحتها حتى رفع» أي وسيأتي أن جابرا ﵁ لم يحضر القتال.
وعن بشير ابن عفراء ﵄ قال «أصيب أبي يوم أحد، فمرّ بي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: أما ترضى أن تكون عائشة أمك، وأكون أنا أباك» .
ومرّ رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار قد أصيب زوجها وأخوها وأبوها وفي رواية: «وابنها يوم أحد، فلما نعوا لها، قالت: ما فعل رسول الله ﷺ: أي ما فعل به، قالوا: خيرا يا أم فلان، وهو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته ﷺ قالت: كل مصيبة بعدك جلل تريد صغيرة. والجلل كما يقال للشيء الصغير يقال للشيء الكبير، فهو من الأضداد. وفي لفظ «أنها مرت بأخيها وأبيها وزوجها وابنها صرعى. وصارت كلما سألت عن واحد وقالت من هذا قيل لها هذا أخوك وابنك وزوجك وأبوك، فلم تكترث بذلك، بل صارت تقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فيقولون: أمامك حتى جاءته أخذت بناحية ثوبه، ثم جعلت تقول:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذ سلمت من عطب» .
وأصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته. أي فأرادوا قطعها، فسألوا رسول الله ﷺ، فقال: «لا فدعاه فردها رسول الله ﷺ بيده» أي أخذها بيده الشريفة «وردها إلى موضعها» أي براحته الشريفة «وقال: اللهم اكسه جمالا فكانت أحسن عينيه وأحدّهما نظرا؛ وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى» .
أي وجاء في قتادة ﵁ أنه قال «كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي عن وجه رسول الله ﷺ فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي، فأخذتها» أي رفعتها «بيدي أي وقلت: يا رسول الله إن لي امرأة أحبها وأخشى أن تراني تقذرني أي وقال له ﷺ إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها ودعوت الله تعالى لك، فقال: يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل، وعطاء جليل، وإني مغرم بحب النساء. وأخاف أن يقلن أعور فلا يردنني، ولكن تردها وتسأل الله تعالى لي الجنة فردها ودعا لي بالجنة» .
وجاء عن قتادة ﵁ «أنه ﷺ لما رآها في كفي» أي مرفوعة دمعت عينا رسول الله ﷺ وقال: اللهم ق قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظرا، أي بعد أن ردها إلى موضعها براحته الشريفة» كما تقدم، وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله في وصف راحته الشريفة:
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وأعادت على قتادة عينا فهي حتى مماته النجلاء
أي وأعادت تلك الراحة الشريفة على قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه عينا له ذهبت، فهي إلى مماته الواسعة: أي الكثيرة النظر.
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: ويجمع بين رواية العين الواحدة ورواية الثنتين.
أي فقد جاء في حديث غريب «أصيبت عيناي فسقطتا على وجنتي، فأتيت رسول الله ﷺ فأعادهما وبصق فيهما، فعادتا تبرقان» بأن أحد الرواة ظن أن الساقطة واحدة وبعضهم أن الساقط ثنتان، فأخبر كلّ بحسب علمه.
ومن قواعدهم أن زيادة الثقة مقبولة، وبها تترجح رواية إحدى الثنتين، هذا كلامه فليتأمل. وكون ذلك كان يوم أحد هو المشهور. وقيل يوم الخندق.
وقد حكى أبو عمر بن عبد البر أن رجلا من ولد قتادة قدم على عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه؛ فقال له: من الرجل؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد
فقال عمر بن عبد العزيز:
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فوصله عمر وأحسن جائزته.
ورمى كلثوم بن الحصين بسهم في نحره، فجاء إلى رسول الله ﷺ فبصق عليه فبرأ. وحضرت الملائكة ﵈ يوم أحد ولم تقاتل.
قال: ويؤيده قول مجاهد ﵀: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، لكن جاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال «رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال؛ وما رأيناهما قبل ولا بعد، أي وهما جبريل وميكائيل ﵉» ولا منافاة، فقد قال البيهقي ﵀: لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم أي فلا ينافي أنهم قاتلوا عنه ﷺ خاصة اهـ.
أقول: ويجوز أن يكون المراد بمقاتلتهما دفعهما عنه ﷺ. وفيه أنه جاء عن الحارث بن الصمة رضي الله تعالى عنه قال «سألني رسول الله ﷺ وهو في الشعب عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، فقلت: رأيته في جنب الجبل، فقال: الملائكة تقاتل معه. قال الحارث: فرجعت إلى عبد الرحمن، فإذا بين يديه سبعة صرعى فقلت: ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت؟ قال: أما هذا وهذا فأنا
[ ٢ / ٣٤٣ ]
قتلتهما. وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره، فقال صدق الله ورسوله» أي ومقاتلة الملائكة عن خصوص عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه لا ينافي مقاتلتهم يوم بدر عن عموم القوم.
وفي الإمتاع، كان قد نزل قبل أن يخرج ﷺ إلى أحد قوله تعالى أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) [آل عمران: الآية ١٢٤، ١٢٥] فلم يصبروا وانكشفوا فلم يمد رسول الله ﷺ بملك واحد يوم أحد، فليتأمل والله أعلم.
ولما قتل مصعب بن عمير ﵁ وسقط اللواء أخذه ملك في صورة مصعب: أي فإنه لما قطعت يده اليمنى أخذ اللواء بيده اليسرى، أي وهو يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: الآية ١٤٤] الآية، فلما قطعت جثى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: الآية ١٤٤] الآية، ولم تكن هذه الآية نزلت، بل قالها لما سمع قول القائل قتل محمد، وإنما نزلت: أي بعد قوله في ذلك اليوم كما في الدرّ فهو من القرآن الذي نزل على لسان بعض الصحابة ثم قتل، أي وهذا لا ينافي ما تقدم، من أنه قاتل دونه ﷺ، فقتله ابن قمئة لعنه الله وهو يظنه رسول الله ﷺ، أو قتله أبيّ بن خلف لعنه الله، لأنه يجوز أن يكون قتله هو على هذه الكيفية المذكورة.
ثم رأيت في بعض الروايات أن ابن قمئة فعل به هذه الكيفية، أي ثم قتله، وجعل رسول الله ﷺ يقول للملك الذي على صورة مصعب، تقدم يا مصعب، فالتفت إليه الملك فقال: لست بمصعب، فعرف ﷺ أنه ملك أيد به.
وفي رواية أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما سمع النبي ﷺ يقول:
أقدم مصعب، قال: يا رسول الله، ألم يقتل مصعب؟ قال: بلى ولكن ملك قام مقامه وتسمى باسمه، أي فلا ينافي ذلك قول الملك له ﷺ لما قال له تقدم يا مصعب:
لست بمصعب، لأن مراده لست بمصعب الذي هو صاحبكم.
ورأيت في رواية أنه لما سقط اللواء أخذه أبو الروم أخو مصعب، ولم يزل في يده حتى دخل المدينة، فليتأمل، ووجود هذا الملك يخالف ما تقدم عن الإمتاع، من أنه ﷺ لم يمدّ بملك واحد.
ولما أراد ﷺ أن يتوجه إلى المدينة ركب فرسه، وخرج المسلمون حوله عامتهم جرحى، أي ومعه أربع عشرة امرأة، فلما كانوا بأصل أحد قال ﷺ: اصطفوا حتى أثنى عليّ ربي ﷿، فاصطف الرجال خلفه صفوفا، وخلفهم النساء.
فقال «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا
[ ٢ / ٣٤٤ ]
هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما أبعدت ولا مبعد لما قربت» الحديث.
ثم توجه ﷺ للمدينة، فلقيته حمنة بنت جحش بنت عمته ﷺ أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂، فقال لها ﷺ احتسبي، قالت: من يا رسول الله؟
قال: خالك حمزة، قالت إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: الآية ١٥٦] غفر الله له، هنيئا له الشهادة.
ثم قال لها: احتسبي، قالت: من يا رسول الله؟ قال: زوجك مصعب بن عمير، فقالت:
واحزناه وصاحت وولولت، فقال رسول الله ﷺ: إن زوج المرأة لبمكان ما هو لأحد، لما رأى من تثبتها على أخيها وخالها، وصياحها على زوجها ثم قال لها: لم قلت هذا؟
قالت: تذكرت يتم بنيه فراعني، فدعا لها ﷺ ولولدها أن يحسن الله تعالى عليهم الخلف، فتزوّجت طلحة بن عبيد الله، فكان أوصل الناس لولدها وولدت له محمد بن طلحة.
قال: وجاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله ﷺ وهو على فرسه وسعد بن معاذ آخذ بلجامها. فقال له سعد: يا رسول الله أمي؛ فقال ﷺ: مرحبا بها، فوقف لها، فدنت حتى تأملت رسول الله ﷺ، فعزاها رسول الله ﷺ بابنها عمرو بن معاذ. فقالت: أما إذا رأيتك سالما فقد اشتويت المصيبة: أي استقليتها؛ ودعا رسول الله ﷺ لأهل من قتل بأحد: أي بعد أن قال لأم سعد: يا أم سعد أبشري، وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا، وقد شفعوا في أهلهم جميعا، قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟!. ثم قالت: يا رسول الله ادع لمن خلفوا. فقال: اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا.
وسمع ﷺ نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ، أي وأبنائهنّ وإخوانهنّ. فقال:
حمزة لا بواكي له، أي وبكى ﷺ، ولعله ﵁ لم يكن له بالمدينة لا زوجة ولا بنت، فأمر سعد بن معاذ نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله ﷺ يبكين حمزة بين المغرب والعشاء. أي وكذلك أسيد بن حضير أمر نسائه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله ﷺ يبكين حمزة.
أي ولما جاء ﷺ بيته حمله السعدان وأنزلاه عن فرسه ثم اتكأ عليهما حتى دخل بيته، ثم أذن بلال لصلاة المغرب، فخرج رسول الله ﷺ على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين، فصلى ﷺ، فلما رجع من المسجد من صلاة المغرب سمع البكاء، فقال: ما هذا؟ فقيل نساء الأنصار يبكين حمزة، فقال: رضي الله عنكن وعن أولادكن، وأمر أن تردّ النساء إلى منازلهن.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وفي رواية: خرج عليهنّ، أي بعد ثلث الليل لصلاة العشاء فإن بلالا أذن بالعشاء حين غاب الشفق، فلم يخرج رسول الله ﷺ، فلما ذهب ثلث الليل نادى بلال: الصلاة يا رسول الله، فقام من نومه وخرج وهنّ على باب المسجد يبكين حمزة ﵁. ولا يخالف ما سبق، لأن بيت عائشة ﵂ كان ملاصقا للمسجد، فقال لهنّ: ارجعن رحمكنّ الله، لقد واسيتن معي، رحم الله الأنصار، فإن المواساة فيهم كما علمت قديمة.
أي ولا منافاة، لأنه يجوز أن يكون الأمر عند رجوعه من صلاة المغرب كان لطائفة وبعد ثلث الليل كان لطائفة أخرى، وصارت الواحدة من نساء الأنصار بعد لا تبكي على ميتها إلا بدأت بالبكاء على حمزة ﵁ ثم بكت على ميتها.
ولعل المراد بالبكاء النوح، وباتت وجوه الأوس والخزرج تلك الليلة على بابه ﷺ بالمسجد يحرسونه خوفا من قريش أن تعود إلى المدينة.
وجاء أنه ﷺ نهى نساء الأنصار عن النوح، وقال له الأنصار: يا رسول الله، بلغنا أنك نهيت عن النوح، وإنما هو شيء نندب به موتانا، ونجد فيه بعض الراحة، فائذن لنا فيه، فقال ﷺ: إن فعلن، فلا يخمشن، ولا يلطمن، ولا يحلقن شعرا، ولا يشققن جيبا.
وجاء أنه في يوم أحد دفع عليّ كرّم الله وجهه سيفه لفاطمة ﵂ وقال لها اغسليه غير ذميم، فقال ﷺ: إن تكن أحسنت فقد أحسن فلان وفلان وعدّد جماعة، أي منهم سهل بن حنيف وأبو دجانة.
وما روي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ في يوم أحد دفع سيفه ذا الفقار لابنته فاطمة ﵂ وقال: اغسلي عنه دمه، لقد صدقني اليوم، وناولها علي كرم الله وجهه سيفه وقال: وهذا فاغسلي عنه دمه، فو الله لقد صدقني اليوم، فقال ﷺ لعلي كرم الله وجهه: لئن صدقت القتال لقد صدق معك سهيل بن حنيف وأبو دجانة.
وعن ابن عقبة لما رأى رسول الله ﷺ سيف علي كرم وجهه مختضبا دما، قال: إن تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف. وكونه ﷺ دفع سيفه لابنته فاطمة ﵂ رده الإمام أبو العباس بن تيمية، بأنه ﷺ لم يقاتل في ذلك اليوم بسيف، لكن في النور أن هذا الحديث لم يتعقبه الذهبي. قال: ففيه ردّ على ابن تيمية هذا كلامه فليتأمل.
والأكثر على أن الذين قتلوا يوم أحد من المسلمين سبعون: أربعة من المهاجرين، وهم: حمزة ومصعب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان، وقيل
[ ٢ / ٣٤٦ ]
ثمانون: أربعة وسبعون من الأنصار وستة من المهاجرين. قال الحافظ ابن حجر:
لعل الخامس سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة. والسادس ثقيف بن عمرو حليف بني عبد شمس، وعدهم في الأصل ستة وتسعين، وهذا لا يناسب ما تقدم في بدر من قوله ﷺ: إن شئتم أخذتم منهم الفداء، ويستشهد منكم سبعون بعد ذلك، وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون، وقيل اثنان وعشرون.
أقول: انظر هذا مع ما تقدم من أن؟؟؟ وحده قتل واحدا وثلاثين. ورأيت في الطبقات لمولانا الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا الله ببركاته، أن أويسا القرني كان مشغولا بخدمة والدته، فلذلك لم يجتمع بالنبيّ ﷺ.
وقد روي أنه اجتمع به مرات وحضر معه وقعة أحد وقال: والله ما كسرت رباعيته ﷺ حتى كسرت رباعيتي ولا شجّ وجهه الشريف حتى شجّ وجهي، ولا وطىء ظهره حتى وطىء ظهري، قال: هكذا رأيت هذا الكلام في بعض المؤلفات والله أعلم بالحال هذا كلامه، ولم أقف على أنه ﵊ وطىء ظهره في غزوة أحد، فإن مجموع ما دلت عليه الأخبار أنه ﷺ شجّ وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنتاه وشفته السفلى من باطنها ووهى منكبه، وجحشت ركبته.
ثم رأيت بعض المؤرخين ذكر أن سيدنا عمر ﵁ سمع بعد وفاة النبيّ ﷺ يقول وهو يبكي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضلك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته، فقد قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء:
الآية ٨٠] بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بذنبك، فقال عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: الآية ٤٣] إلى أن قال: فلقد وطىء ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .
ومما يدل على أن أويسا لم يجتمع بالنبيّ ﷺ ما تقدم من قوله ﷺ «خير التابعين رجل يقال له أويس القرني» وما أخرجه البيهقي عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «سيكون في التابعين رجل من قرن يقال له أويس بن عامر» وفي رواية أن عمر قال لأويس استغفر لي، فقال: كيف أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟ فقال له عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن خير التابعين رجل يقال له أويس» والمراد من خير التابعين كما في بعض الروايات، فلا ينافي ما نقل عن أحمد بن حنبل وغيره أن أفضل التابعين سعيد بن المسيب.
ومما يدل على أن أويسا لم يكن موجودا في زمنه ﷺ ما جاء في الجامع الصغير سيكون بعدي في أمتي رجل يقال له أويس القرني، وإن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر» .
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وفي أسد الغابة أن أويسا أدرك النبي ﷺ ولم يره، وسكن الكوفة وهو من كبار تابعي الكوفة، وكان يسخر به.
ووفد رجل ممن كان يسخر به مع جماعة من أهل الكوفة على عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القرنيين، فجاء ذلك الرجل، فقال له عمر: إن رسول الله ﷺ قد قال «إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس القرني وقد كان به بياض، فدعا الله تعالى فأذهب عنه إلا قدر الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فمروه أن يستغفر لكم» فأقبل ذلك الرجل لما قدم الكوفة إلى أويس قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس: ما هذا بعادتك؟ قال: سمعت عمر ﵁ يقول: كذا وكذا فاستغفر لي، قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي ولا تذكر قول عمر لأحد فالتزم له ذلك فاستغفر له، وقتل أويس يوم صفين مع عليّ كرم الله وجهه.
ولما وصل ﷺ المدينة أظهر المنافقون واليهود الشماتة والسرور، وصاروا يظهرون أقبح القول، أي ومنه: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب بمثل هذا نبيّ قط؛ أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه، ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل.
واستأذنه ﷺ عمر في قتل هؤلاء المنافقين، فقال: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلى، ولكن تعوذا من السيف، فقد بان أمرهم وأبدى الله تعالى أضغانهم، فقال ﷺ: نهيت عن قتل من أظهر ذلك، وصار ابن أبيّ لعنه الله يوبخ ابنه عبد الله ﵁ وقد أثبتته الجراحة فقال له ابنه: الذي صنع الله لرسوله والمسلمين خير.
قال: وكانت عادة عبد الله بن أبيّ ابن سلول إذا جلس ﷺ يوم الجمعة على المنبر قام فقال: «أيها الناس: هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم أكرمكم الله تعالى به وأعزكم، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس» فبعد أحد أراد أن يفعل كذلك، فلما قام أخذ المسلمون بثوبه من نواحيه وقالوا له: اجلس عدو الله، والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج وهو يتخطى رقاب الناس وهو يقول: كأني إنما قلت هجرا، وقال له بعض الأنصار: ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ، فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي، وأنزل الله تعالى قصة أحد في آل عمران، وهي قوله تعالى وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران: الآية ١٢١] الآية.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
غزوة حمراء الأسد
لما كان صبيحة قدومه ﷺ من أحد أذن مؤذنه ﷺ أن يخرجوا خلف قريش، وأن لا يخرج إلا من حضر أحدا، وذلك إرهابا للعدو، وليبلغهم أنه ﷺ خرج في طلبهم ليظنوا به ﷺ قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم: أي يضعفهم عن عدوهم.
قال: وقيل لأنه ﷺ بلغه أن أبا سفيان يريد أن يرجع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ، فقد بلغه أن المشركين قالوا له: لا محمدا قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، بئس ما صنعتم ارجعوا.
أي وفي لفظ أنهم لما بلغوا بعض الطريق قدموا فقالوا بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة وشوكة، فقذف الله في قلوبهم الرعب.
ويذكر أن عبد الله بن عوف جاء إلى النبي ﷺ صبيحة قدومه ﷺ من أحد وأخبره أنه أقبل من أهله حتى إذا كان بمحل كذا إذا قريش قد نزلوا به؛ فسمع أبا سفيان وأصحابه يقولون: ما صنعتم شيئا قد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول: يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف عن الخروج، فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم، فقال ﷺ: أرشدهم صفوان، وما كان يرشد فدعا رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر رضي عنهما، وذكر لهما الخبر: أي ما أخبر به عبد الله بن عوف فقالا: يا رسول الله اطلب العدو لا يقتحمون على الذرية. فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاة الصبح ندب الناس، وأمر بلالا أن ينادي إن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج إلا من حضر القتال بالأمس، انتهى.
وعند تهيئه ﷺ للخروج جاء جابر بن عبد الله ﵄ فقال: يا رسول الله إنما تخلفت عن أحد، لأن أبي خلفني على أخوات لي سبع، أي وقيل وهو الصحيح إنهن تسع، وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ، لعل الله يرزقني الشهادة فتخلف على أخواتك فاستخلفت عليهن واستأثر علي بالشهادة، فائذن لي يا رسول الله معك، فأذن له رسول الله ﷺ ولم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري. واستأذنه رجال لم يحضروا القتال أي منهم عبد الله بن أبي قال له أنا راكب معك، فأبى ذلك عليهم رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
ودعا رسول الله ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل، فدفعه لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويقال لأبي بكر الصديق ﵁ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. وركب رسول الله ﷺ فرسه: أي المسمى بالسكب، ولم يكن مع أصحابه فرس سواه، وعليه الدرع والمغفر وما يرى إلا عيناه وخرج الناس معه: أي جميع من كان معه ﷺ في أحد.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت في قوله تعالى الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران: الآية ١٧٢] الآية، قالت لعروة بن الزبير:
يا بن أختي كان أبوك الزبير ﵁ وأبو بكر لما أصاب نبيّ الله ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال: من يرجع في أثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلا. قال ابن كثير وهذا السياق غريب جدا، فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذي خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة كما تقدم، قتل منهم سبعون وبقي الباقي، هذا كلامه فليتأمل مع ما تقدم.
قال: والظاهر أنه لا تخالف، لأن معنى قولها يعني عائشة: أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق بهم الباقون وخرجوا وبهم الجراحات ولم يعرجوا على دواء جراحاتهم: أي لم يلتفتوا لذلك، والمراد دواء غير تكميد جراحهم بالنار، وهو أن تسخن خرقة وتوضع على العضو الوجع، ويتابع ذلك مرة بعد أخرى ليسكن الوجع، فلا يخالف أنهم فعلوا ذلك: أي أوقدوا النيران يكمدون بها جراحاتهم تلك الليلة.
فمنهم من كان به تسع جراحات وهو أسيد بن حضير ﵁، وعقبة بن عامر ﵁. ومنهم من كان به عشر جراحات، وهو خراش بن الصمة ﵁ ومنهم من كان به بضع عشرة جراحة، وهو كعب بن مالك ﵁.
ومنهم من كان به بضع وسبعون جراحة، وهو طلحة بن عبيد الله، وقطعت أصبعه.
قيل السبابة، وقيل البنصر فشلت بقية أصابع يده وهي اليسرى. وفي رواية أنامله كما تقدم. ومنهم من كان به عشرون جراحة، وهو عبد الرحمن بن عوف كما تقدم: أي وجرح من بني سلمة أربعون جريحا فقال ﷺ لما رآهم «اللهم ارحم بني سلمة» .
وخرج رسول الله ﷺ وهو مجروح، وفي وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في وجهه، ومكسورة رباعيته وشفته السفلى قد جرحت من باطنها: أي وفي المنتقى:
وشفته العليا قد كلمت من باطنها متوهن منكبه الأيمن لضربة ابن قمئة لعنه الله، وركبتاه مجروحتان من وقعته في الحفيرة، وتلقاه ﷺ طلحة بن عبيد الله ﵁، فقال له يا طلحة أين سلاحك؟ فقال: قريب، فذهب وأتى بسلاحه وبصدره تسع جراحات من تلك الجراحات التي به، وهي كما تقدم بضع وسبعون جراحة.
يقول طلحة وأنا أهم بجراح رسول الله ﷺ مني بجراحي. ثم أقبل عليّ رسول الله
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ﷺ فقال: يا طلحة أين ترى القوم، فقلت: بالسفالة، فقال رسول الله ﷺ: ذلك الذي ظننت، أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثلها حتى يفتح الله مكة علينا. وقال ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ «يا بن الخطاب: إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا حتى نستلم الركن» اهـ.
وكان دليله ﷺ في السير ثابت بن الضحاك، وليس هو أخا جبير، وقيل أخوه، ولا زالوا سائرين حتى عسكروا بحمراء الأسد: أي وهو محل بينه وبين المدينة ثمانية أميال، أي وقيل عشرة أميال.
وعن رجل من الأنصار قال «شهدت أحدا أنا وأخي، فرجعنا جريحين، فلما أذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو، فقال لي أخي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ» وفي لفظ «إن تركنا غزوة مع رسول الله ﷺ لفسق والله ما لنا من دابة نركبها، فخرجنا وكنت أيسر جراحا منه، فكنت إذا غلب حملته عقبه ويمشي عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون من حمراء الأسد، أي وذلك عند العشاء وهم يوقدون النيران، فجاءتهما الحرس وكان على حرسه تلك الليلة عباد بن بشر مع طائفة، فلما أتي بهما إلى رسول الله ﷺ قال لهما ما حبسكما؟ فأخبراه بغلبتهما فدعا لهما بخير وقال لهما: إن طالت بكما مدة كانت لكما مراكب من خيل وبغال وإبل وذلك ليس بخير لكم» أي هذان الرجلان عبد الله ورافع ابنا سهيل بن رافع والذي ضعف عن المشي رافع، والحامل له عبد الله.
وأقام المسلمون بذلك المحل ثلاث ليال، وكانوا يوقدون في كل ليلة من تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد. وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله تعالى عدوّهم. قال جابر بن عبد الله ﵄: وكان عامة زادنا التمر.
وحمل سعد بن عبادة ﵁ ثلاثين بعيرا حتى وافت حمراء الأسد وساق جزرا لتنحر، فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء. ولقي كفار قريش معبدا الخزاعي، وكان يومئذ مشركا بالروحاء، وكان رأى خروجه ﷺ خلف قريش، فأخبرهم بخروج رسول الله ﷺ لطلبهم، وقد كانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه فتمادوا إلى مكة. قال: لما كان ﷺ بحمراء الأسد لقيه معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم تحبه ﷺ، فقال: يا محمد والله لقد عزّ علينا ما أصابك في نفسك وما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله تعالى أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت لغيرك. ثم مضى معبد حتى كان بالروحاء. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: هذا معبد وعنده الخبر، ما وراءك يا معبد؟ قال: تركت محمدا وأصحابه قد خرجوا لطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد
[ ٢ / ٣٥١ ]
اجتمع معه من كان تخلف عنه بالأمس من الأوس والخزرج، وتعاهدوا على أن لا يرجعوا حتى يلقوكم فيثأروا: أي يأخذوا ثأرهم منكم، وغضبوا لقومهم غضبا شديدا، وندموا على ما فعلوا فيهم من الحنق شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل، فقال: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فانصرفوا سراعا اهـ.
أي وعند انصرافهم أرسل أبو سفيان مع نفر يريدون المدينة أن يخبروا رسول الله ﷺ وأصحابه بأنهم أجمعوا على الرجعة، فلما بلغوا رسول الله ﷺ ذلك، قال: ﷺ: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله تعالى الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران: الآية ١٧٢] الآية، وقال ﷺ «والذي نفسي بيده لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب» أي وأرسل معبد الخزاعي رجلا يخبر رسول الله ﷺ بانصراف أبي سفيان ومن معه خائفين، فانصرف إلى المدينة، وظفر ﷺ في حمراء الأسد بأبي عزة الشاعر الذي منّ عليه وقد أسر ببدر من غير فداء لأجل بناته؛ وأخذ عليه عهدا أن لا يقاتله ولا يكثر عليه جمعا ولا يظاهر عليه أحدا كما تقدم، فنقض العهد، وخرج مع قريش لأحد، وصار يستنفر الناس ويحرضهم على قتاله ﷺ بأشعاره كما تقدم. فدعا رسول الله ﷺ أن لا يفلت فأسر. ثم قيل: إن المشركين لما نزلوا بحمراء الأسد تركوه نائما، فاستمرّ حتى ارتفع النهار، وكان الذي أخذه عاصم بن ثابت، وما أسر أحد من المشركين غيره في تلك الوقعة، وقيل أسره عمير بن عبد الله.
وفي النور: لا أستحضر أحدا في الصحابة اسمه غمير بن عبد الله، فلما جيء به إليه ﷺ قال: يا محمد أقلني وامنن علي؛ ودعني لبناتي، وأعطيك عهدا أن لا أعود لمثل ما فعلت، فقال ﷺ: لا والله لا تمسح عارضيك بمكة. وفي لفظ: تمسح لحيتك تجلس بالحجز، تقول خدعت محمدا. وفي لفظ: سحرت محمدا مرتين اضرب عنقه يا زيد. وفي لفظ: يا عاصم بن ثابت. وفي لفظ: يا زبير، وقال ﷺ «لا يلدغ» بالدال المهملة والغين المعجمة. وفي لفظ «لا يلسع المؤمن من حجر مرتين» فضرب عنقه.
وذكر أن رأسه حمل إلى المدينة مشهورا على رمح. قال بعضهم: وهو أول رأس حمل في الإسلام، أي ولا ينافيه ما قيل إن أول رأس حمل في الإسلام رأس كعب بن الأشرف كما سيأتي في السرايا، لإمكان أن يراد أن رأس أبي عزة أوّل رأس حمل إلى المدينة على رمح. ولعل هذا لا ينافي ما حكاه بعضهم أن عمرو بن الجموح كان رابع الأربعة الذين دخلوا على سيدنا عثمان الدار، وكان مع علي كرم الله وجهه في مشاهده. فلما ولي معاوية ﵁ فر هاربا إلى العراق فنهشته حية فدخل غارا ومات، فأخبر بذلك زياد والي العراق، فأرسل من حز رأسه وأرسل
[ ٢ / ٣٥٢ ]
به إلى معاوية، فكان أول رأس نقل في الإسلام من بلد إلى بلد.
قال بعضهم في معنى هذا المثل: أي لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين: إنه ينبغي للمرء أن يستعمل الحزم، وهذا المثل لم يسمع من غيره ﷺ. ومورده أن شخصا جرد سيفه وقصد النبي ﷺ فضربه ليقتله فاخطأت الضربة، فقال: كنت مازحا يا محمد فعفا عنه، ثم عاد لمثل ذلك مرة أخرى وقال مثل ذلك، فأمر ﷺ بقتله وقال «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» .
وأمر ﷺ في ذلك المحل بقتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص وهو جد عبد الملك بن مروان لأمه، وقد كان لجأ إلى ابن عمه عثمان بن عفان ﵁: أي فإنه لما رجع الكفار من أحد ذهب على وجهه ثم أتى باب عثمان فدقه، فقالت أم كلثوم بنت النبي ﷺ زوج عثمان من أنت؟ قال: ابن عم عثمان، فقالت:
ليس هو هاهنا، فقال: أرسلي إليه. فله عندي ثمن بعير كنت اشتريته منه، فجاء عثمان، فلما نظر إليه قال: أهلكتني وأهلكت نفسك، فقال: يا بن عم لم يكن أحد أمس بي رحما منك فأجرني، فأدخله عثمان ﵁ منزله وصيره في ناحية، ثم خرج عثمان ليأخذ له أمانا من رسول الله ﷺ، فسمع رسول الله ﷺ يقول: إن معاوية بالمدينة فاطلبوه، فدخلوا منزل عثمان، فأشارت إليهم أم كلثوم ﵂ بأنه في ذلك المكان، فأخرجوه وأتوا به رسول الله ﷺ، فأمر بقتله، فقال عثمان ﵁: والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لآخذ له أمانا، فهبه لي، فوهبه له وأجله ثلاثا، وأقسم ﷺ إن وجده بعدها قتله.
وخرج رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، فأقام معاوية ثلاثا يستعلم أخبار رسول الله ﷺ ليأتي بها قريشا، فلما كان في اليوم الرابع عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة فخرج معاوية هاربا، فأدركه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر ﵄، فرمياه حتى قتلاه، وقد كان ﷺ بعثهما إليه وقال لهما إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا: أي بموضع بينه وبين المدينة ثمانية أميال، فوجداه به فقاتلاه. وقيل تبعه علي كرم الله وجهه فقتله، وكان ﷺ بعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحق اثنان منهم للقوم بحمراء الأسد فقتلوهما فوجدهما ﷺ قتيلين بحمراء الأسد فدفنهما في قبر واحد. ولا يأتي هنا الجواب المتقدم في قتلى أحد.
وجاءه ﷺ جبريل ﵇ بعد رجوعه إلى المدينة، بأن الحارث بن سويد في قباء فانهض إليه واقتص منه بمن قتله من المسلمين غدرا يوم أحد وهو المجذّر، وتقدم أنه بالذال المعجمة مشددة مفتوحة ابن زياد، وتقدم أنه بكسر الذال المعجمة وفتحها وتخفيف المثناة تحت، لأن سويدا كان قد قتل زيادا أبا المجذر، في الجاهلية، فظفر المجذر بسويد والد الحارث فقتله في أبيه وذلك قبل الإسلام، وكان
[ ٢ / ٣٥٣ ]
ذلك سببا لوقعة بغاث، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد، وأسلم المجذر بن زياد وشهدا بدرا، فجعل الحارث يطلب مجذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه كما تقدم، فلما كان يوم أحد رجال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه، قيل وقتل أيضا قيس بن زيد. فنهض رسول الله ﷺ إلى قباء في وقت لم يكن يأتيهم فيه وهو شدة الحر في يوم حار، فخرج إليه الأنصار من أهل قباء ﵃ ومنهم الحارث بن سويد وعليه ثوب مورّس. وفي لفظ في ملحفة مورسة. وفي لفظ في ثوبين مضرّجين. وفي لفظ ممرّضين، فأمر رسول الله ﷺ عويمر بن ساعدة بضرب عنقه، أي فقال له: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد واضرب عنقه، وقيل أمر عثمان بن عفان بذلك، فقدم ليضرب عنقه، فقال الحارث:
لم يا رسول الله؟ فقال: بقتلك المجذر بن زياد وقيس بن زيد، فما راجعه الحارث بكلمة، فضرب عنقه. قال: وفي رواية أن الحارث قال: والله قتلته: أي المجذر، وما كان قتلي إياه رجوعا عن الإسلام ولا ارتيابا فيه، ولكن حمية من الشيطان، وإني أتوب إلى الله ورسوله مما عملت، وأخرج ديته، وأصوم شهرين متتابعين، وأعتق رقبة، فلم يقبل منه النبي ﷺ ذلك انتهى. ولم يذكر قتل قيس بن زيد، ولعله اكتفى بذلك في قتله الحارث، ويعلم استحقاقه القتل بقتل قيس بن زيد بطريق أولى.
أي وكان في هذه السنة الثالثة مولد الحسن بن علي ﵄، وسماه حربا، فسماه رسول الله ﷺ الحسن، أي لأنه ﷺ لما جاء قال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قال عليّ حربا يا رسول الله، فقال ﷺ: هو حسن، وحنكه ﷺ بتمر.
وكان في هذه السنة تحريم الخمر. وقيل كان تحريمها في السنة الرابعة وهو محاصر لبني النضير. وقيل كان تحريمها بين الحديبية وخيبر. وقيل كان بخيبر قال ﷺ «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة» وفي رواية «الكرمة والنخلة» وفي رواية «الكرم والنخل» كذا في مسلم. ولعل ذكر الكرم كان قبل النهي عنه، وإلا ففي مسلم «لا يقولن أحدكم للعنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم وفي رواية «فإن الكرم قلب المؤمن» أو قيل ذلك بيانا للجواز إشارة إلى أن النهي للتنزيه.
وقد حرمت الخمر ثلاث مرات:
الأولى في قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: الآية ٢١٩] أي القمار قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: الآية ٢١٩] فإنه ﷺ قدم المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون القمار، فسألوه عن ذلك فنزلت الآية. الثانية أن بعض الصحابة صلى بأصحابه صلاة المغرب وهو سكران فخلط في القراءة، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النّساء: الآية ٤٣] ثم أنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
[ ٢ / ٣٥٤ ]
تُفْلِحُونَ (٩٠) [المائدة: الآية ٩٠] فكف الناس عن شربها.
وقد جاء أن حمزة ﵁ لما شربها قال للنبي ﷺ ومن معه هل أنتم إلا عبيد لأبي؟ أي ففي البخاري «أن حمزة ﵁ لما شرب الخمر خرج فوجد ناقتين لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فعلاهما بالسيف وبقر خواصرهما، ثم أخذ من أكبادهما وجبّ سناميهما. قال علي كرم الله وجهه: فنظرت إلى منظر أفظعني، فأتيت نبيّ الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة فأخبرته الخبر، فخرج ﷺ ومعه زيد، فانطلقت معه فدخل على حمزة فتغيظ عليه، فرفع حمزة ﵁ بصره وقال:
هل أنتم إلا عبيد لأبي، فرجع النبي ﷺ يقهقر حتى خرج وذلك قبل تحريم الخمر، ولكون السكر كان مباحا لم يرتب على قول حمزة مقتضاه مع أن من قال لنبي أنت عبدي أو عبد أبي كفر.
واعترض القول بأنها في السنة الرابعة، بأن أنس بن مالك كان ساقيا لها، فلما سمع المنادي بتحريمها أراقها.
وفي البخاري عن أنس ﵁: وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا: أي أبا أيوب وأبا دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل ابن بيضاء وأبيّ بن كعب وأبا عبيدة بن الجراح ﵃، إذ جاء رجل وقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس فأهريقت. وفي لفظ قال أنس ﵁: فقمت إلى مهراس فضربتها بأسفله حتى تكسرت.
وفي مسلم عن أبي طارق ﵁ أنه قال: يا رسول الله إنما أصنعه: أي الخمر للدواء، فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء، وإراقة الخمر حينئذ مع أنها كانت مباحة فهي محترمة تغليظ وتوكيد للتحريم وفطم للنفوس، لأن إراقتها لم تكن بأمر منه ﷺ.
وسئل الحافظ السيوطي ﵀ عن حكمة رجوعه ﷺ القهقرى، فأجاب بأنه لعله كان من خوف الوثوب عليه إرشادا لمن يخاف الوثوب، أو كان مقصوده ﷺ مداومته لحظه، أو أن الراوي أراد بالقهقرى مطلق الرجوع إلى المنزل لا بالظهر.
وأنس ﵁ لم يكن خادما للنبي ﷺ حينئذ: أي في السنة الرابعة بل بعدها. وحينئذ يكون القول بأن كونه في الثالثة أشكل.
وأشكل من هذا ما حكاه ابن هشام في قصة الأعشى بن قيس أنه خرج إلى رسول الله ﷺ، فلما كان بمكة اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ، فقال له: يا أبا نصير إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من أرب، فقال: إنه يحرم الخمر. فقال
[ ٢ / ٣٥٥ ]
الأعشى: أما هذه إن في النفس منها لغلالات، ولكني منصرف فأتروّى منها عامي هذا، ثم آته فأسلم، فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي ﷺ، هذا كلامه لما علمت أن الخمر لم تحرم بمكة وإنما حرمت بالمدينة في السنة الثالثة أو الرابعة. وأجاب بعضهم بأن الأعشى أراد المدينة فاجتاز بمكة، فعرض له بعض كفار قريش.
واعترض بأنه قيل إن القائل له ذلك أبو جهل لعنه الله وكان في دار عتبة بن ربيعة وأبو جهل قتل ببدر في السنة الثانية.
وأجيب بأنه على تسليم صحة ذلك بأنه يجوز أن يكون أبو جهل لعنه الله قصد صد الأعشى عن الإسلام بطريق التقول والافتراء، لأنه كان يعرف ميل الأعشى إلى الخمر وعدم صبره على تركها، فاختلق هذا القول من عنده ليمنعه بذلك عن الإسلام.
أقول: لما حرمت الخمر قال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم أي لأن جماعة شربوها صبح يوم أحد قتلوا من يومهم شهداء، فأنزل الله تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [المائدة: الآية ٩٣] وكون أنس ﵁ لم يكن خادما للنبي ﷺ إلا بعد السنة الرابعة يخالف ما سبق أن عند قدومه ﷺ المدينة جاءت به أمه ليخدمه ﷺ.
وفي البخاري عن أنس ﵁ قال «قدم النبي ﷺ المدينة ليس له خادم، ثم أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك فخدمته ﷺ في السفر والحضر» وتقدم الجمع بين كون الآتي به أبا طلحة والآتي به أمه.
وفي البخاري أيضا عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة:
التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حين أخرج إلى خيبر، فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل» .
وقد يقال: لا منافاة لأنه يجوز أن يكون ﷺ لم يأمر أنسا بالخروج معه إلى خيبر لظنه أن أمه لا تسمح له بذلك، فلما قال لأبي طلحة ما ذكر جاء إليه بأنس ﵁، والله أعلم.
غزوة بني النضير
وهم قوم من اليهود بالمدينة. وفي كلام بعضهم: بنو النضير هؤلاء حي من يهود خيبر، أي وقريتهم كان يقال لها زهرة.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
كانت تلك الغزاة في ربيع الأول: أي من السنة الرابعة. وقيل كانت قبل وقعة أحد، قال: وبه قال البخاري. قال ابن كثير: والصواب إيرادها بعد أحدكما كما ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أئمة المغازي انتهى.
أمر النبي ﷺ الناس بالتهيؤ لحرب بني النضير والسير إليهم.
واختلف في سبب ذلك؟ فمن جملة ما قيل: إنه ذهب إليهم ليسألهم كيف الدية فيهم؟ أي لأنه كان بينهم وبين بني عامر قبيلة الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري عند رجوعه من بئر معونة غيلة حلف وعقد.
وقيل ذهب إليهم ليستعين بهم في دية الرجلين المذكورين، أي وكان ﷺ أخذ العهد على اليهود أن يعاونوه في الديات.
وقيل لأخذ دية الرجلين منهم، لأن بني النضير كانوا حلفاء لقوم الرجلين المذكورين وهم بنو عامر، كذا في الأصل فليتأمل. فإن فيه أخذ الدية من حلفاء المقتول وسار إليهم ﷺ في نفر من أصحابه: أي دون العشرة، فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم، فقالوا له: نعم يا أبا القاسم حتى تطعم وترجع بحاجتك، وكان ﷺ جالسا إلى جنب جدار من بيوتهم، فخلا بعضهم ببعض وقالوا:
إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحالة، فمن رجل يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال أحد ساداتهم: أنا لذلك أي وهو عمرو بن جحاش، وقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به، إنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، فلما صعد ذلك الرجل ليلقي الصخرة أتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام رسول الله ﷺ: أي مظهرا أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجالسهم ورجع مسرعا إلى المدينة ولم يعلم من كان معه من أصحابه، فقاموا في طلبه ﷺ لما استبطؤوه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه، فقال: رأيته داخل المدينة، فأقبل أصحابه حتى انتهوا إليه، فأخبرهم رسول الله ﷺ بما أرادت بنو النضير. وقد أشار إلى ذلك الإمام السبكي في تائيته بقوله:
وجاء وحي بالذي أضمرت بنو الن ضير وقد هموا بإلقاء صخرة
أي وفي رواية لما رأوا قلة أصحابه ﷺ قالوا نقتله ونأخذ أصحابه أسارى إلى مكة، فنبيعهم من قريش. أي ولا مانع من وجود الأمرين.
وقيل في السبب في خروجه ﷺ إليهم أنهم أرسلوا إليه أن أخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرا فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك، فلما غدا عليهم في ثلاثين من أصحابه قال بعضهم لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون كل يحب أنه يموت قبله، فأرسلوه إليه أن أخرج في ثلاثة من أصحابك
[ ٢ / ٣٥٧ ]
ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك ففعل، واشتملت اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير لأخ لها مسلم تعلمه بذلك، فأعلم أخوها النبي ﷺ بذلك فرجع، ولا مانع من وجود ذلك مع ما تقدم، لكن في السيرة الهشامية أن خبر ذلك بلغه قبل وصوله إليهم فرجع، فبينما بنو النضير على ذلك: أي على إرادة إلقاء الحجر والتهيؤ لإلقائه، إذ جاء جاء من اليهود من المدينة فقال لهم:
ما تريدون؟ فذكروا له الأمر، فقال لهم: أي محمد؟ قالوا: هذا محمد، فقال لهم:
والله لقد تركت محمدا داخل المدينة، فأسقط في أيديهم وقالوا: قد أخبر بأمرنا، فأرسل إليهم محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه أن أخرجوا من بلدي يعني المدينة لأن قريتهم من أعمالها، فلا تساكنوني بها، فقد هممتم بما هممتم به من الغدر. أي وأخبرهم بما هموا به من ظهور عمرو بن جحاش على ظهر البيت ليطرح الصخرة، فسكتوا ولم يقولوا حرفا، قال: ويقول لكم: قد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، واقتصاره ﷺ على ذلك لا ينافي ما تقدم من إرادة قتله أيضا، قيل وأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة: الآية ١١] ولا ينافي ذلك ما تقدم من نزولها في حق دعثور في غزوة ذي أمرّ، لجواز تكرار النزول، فأرسلوا في إحضار الإبل، فأرسل إليهم المنافقون أن لا تخرجوا من دياركم ونحن معكم: إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإن أخرجتم لن نتخلف عنكم، خصوصا عبد الله بن أبي ابن سلول لعنه الله، فإنه أرسل لهم: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون حصونكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع بنو النضير فيما قال ابن أبي، فأرسلوا لرسول الله ﷺ: إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فأظهر رسول الله ﷺ التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال: حاربت يهود. قال: والمتولي أمر ذلك سيد بني النضير حيي بن أخطب والد صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وقد نهاه أحد سادات بني النضير وهو سلام بن مشكم وقال له: منتك نفسك والله يا حيي الباطل، فإن قول ابن أبي ليس بشيء، وإنما يريد أن يورطك في الهلكة حتى تحارب محمدا فيجلس في بيته ويتركك؛ ألا ترى أنه أرسل إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة أن تمدكم بنو قريظة، فقال له: لا ينقض رجل واحد منا العهد فأيس من بني قريظة. وأيضا قد وعد حلفاءه من بني قينقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا ونقضوا العهد وحصروا أنفسهم في صياصيهم أي حصونهم، وانتظروا ابن أبي فجلس في بيته وسار إليهم محمد حتى نزلوا على حكمه. فإذا كان ابن أبي لا ينصر حلفاءه ومن كان يمنعه من الناس ونحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حروبهم. أي فإنه إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الأوس، فكيف يقبل
[ ٢ / ٣٥٨ ]
قوله، فقال حيي: نأبى إلا عداوة محمد وإلا قتاله. قال سلام: فهو والله جلاؤنا من أرضنا، وذهاب أموالنا وشرفنا، وسبي ذرارينا مع قتل مقاتلينا، فأبى حيي إلا محاربة رسول الله ﷺ. وقالت له بنو النضير: أمرنا لأمرك تبع لن نخالفك، فأرسل إلى رسول الله ﷺ بما ذكر اهـ، فتهيأ الناس لحربهم. فلما اجتمع الناس خرج رسول الله ﷺ بهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وحمل رايته علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وسار بالناس حتى نزل بهم وصلى بهم العصر بفنائهم، وقد تحصنوا وقاموا على حصنهم يرمون بالنبل والحجارة.
أي وفي كلام بعضهم أنه ﷺ أمر أصحابه ﵃ بالميسر إلى بني النضير فسار بهم إليهم، فوجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف أي الآتي قتله في السرايا، قالوا: يا محمد داعية إثر داعية وباكية إثر باكية، ذرنا نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال ﷺ لهم: اخرجوا من المدينة، قالوا: الموت أهون من ذلك ثم تبادروا بالحرب، هذا كلامه.
قال: ولما جاء وقت العشاء رجع رسول الله ﷺ إلى بيته في عشرة من أصحابه عليه الدرع وهو على فرس، واستعمل على العسكر علي بن أبي طالب ويقال أبا بكر وبات المسلمون يحاصرونهم ويكبرون حتى أصبحوا ثم أذن بلال بالفجر، فغدا رسول الله ﷺ في أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس، وأمر بلالا فضرب القبة، وهي قبة من خشب عليها مسوح، فدخل ﷺ فيها، وكان رجل من يهود يقال له غزول، وكان أعسر راميا يبلغ نبله ما لا يبلغه نبل غيره، فوصل نبله تلك القبة، فأمر بها فحولت. وفي ليلة من الليالي فقد علي رضي الله تعالى عنه قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله ما نرى عليا، فقال: دعوه أي اتركوه، فإنه في بعض شأنكم، فعن قليل جاء برأس الرجل الذي يقال له غزول الذي وصل نبله قبته ﷺ، كمن له عليّ حين خرج يطلب غرة من المسلمين ومعه جماعة، فشد عليه فقتله وفرّ من كان معه، فأرسل رسول الله ﷺ مع عليّ أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة، فأدركوا أولئك الجماعة الذين كانوا مع غزول وفروا من عليّ فقتلوهم انتهى.
وذكر بعضهم أن أولئك الجماعة كانوا عشرة، وأنهم أتوا برؤوسهم فطرحت في بعض الآبار. وفي هذا ردّ على بعض الرافضة حيث ادعى أن عليا هو القاتل لأولئك العشرة، وأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل، أي وبحرقها بعد أن حاصرهم ست ليال وقيل خمسة عشر يوما: أي وقيل عشرين ليلة، وقيل ثلاثا وعشرين ليلة، وقيل خمسا وعشرين ليلة. وكان سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه في تلك المدة يحمل التمر للمسلمين: أي يجاء به من عنده. قال: واستعمل رسول الله ﷺ على قطع النخل أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام. وكان أبو ليلى يقطع العجوة وعبد الله يقطع اللين
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ويقال له اللون، وهو ما عدا العجوة، والبرني من أنواع التمر بالمدينة، ومن أنواع تمر المدينة الصيحاني.
وجاء عن علي كرم الله تعالى وجهه. قال: خرجت مع رسول الله ﷺ فصاحت نخلة بأخرى: هذا النبي المصطفى وعلي المرتضى، فقال ﷺ يا علي إنما سمي نخل المدينة أي هذا النوع صيحانيا، لأنه صاح بفضلي، وهو حديث مطعون فيه، قيل إنه كذب. والبرن بالفارسية: حمل مبارك أو جيد.
وفي شرح مسلم للنووي أنها مائة وعشرون نوعا. أي وفي تاريخ المدينة الكبير للسيد السمهودي أن أنواع التمر بالمدينة التي أمكن جمعها بلغت مائة وبضعا وثلاثين نوعا، ويوافقه قول بعضهم اختبرناها فوجدناها أكثر مما ذكره النووي. قال: ولعل ما زاد على ما ذكره حدث بعد ذلك.
أي وأما أنواع التمر بغير المدينة كالمغرب فلا تكاد تنحصر. فقد نقل أن عالم فاس محمد بن غازي أرسل إلى عالم سلجماسة إبراهيم بن هلال يسأله عن حصر أنواع التمر بتلك البلدة، فأرسل إليه حملا أو حملين من كل نوع تمرة واحدة، وكتب إليه هذا ما تعلق به علم الفقير وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: الآية ٣٤] .
ثم رأيت في نشق الأزهار أن بهذه البلدة رطبا يسمى البتوني، وهو أخضر اللون، وأحلى من عسل النحل، ونواه في غاية الصغر، وكانت العجوة خير أموال بني النضير، أي لأنهم كانوا يقتاتونها.
وفي الحديث «العجوة من الجنة، وثمرها يغذي أحسن غذاء» أي وتقدم أن آدم نزل بالعجوة من الجنة.
وفي البخاري «من تصبح كل يوم على سبع تمرات عجوة لم يصبه في ذلك اليوم سم ولا سحر» أي وقد جاء في عجوة العالية شفاء وأنها ترياق أول البكرة من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سمّ ولا سحر» .
أي وفي كلام بعضهم: العجوة ضرب من التمر أكبر من الصيحاني تضرب إلى السواد وهو مما غرسه النبي ﷺ بيده الشريفة بالمدينة. أي وقد علمت أنها في نخل بني النضير.
وفي العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «هبط آدم من الجنة بثلاثة أشياء: بالآسة، وهي سيدة ريحان الدنيا. والسنبلة، وهي سيدة طعام الدنيا.
والعجوة، وهي سيدة ثمار الدنيا» .
وروي عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العجوة من غرس الجنة وفيها شفاء، وإنها ترياق أول البكرة، وعليكم بالتمر البرني فكلوه
[ ٢ / ٣٦٠ ]
فإنه يسبح في شجره، ويستغفر لآكله» هذا كلام العرائس.
وفي حديث وفد عبد القيس «أن رسول الله ﷺ قال لهم ذلك، وذكر البرني أنه من خير تمركم، وأنه دواء وليس بداء» وجاء «بيت لا تمر فيه جياع أهله» قال ذلك مرتين.
ولما قطعت العجوة شق النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل، أي وذلك البعض الذي حرق كان بمحل يعرف بالبويرة اهـ أي والبويرة تصغير بورة.
وهي هنا الحفرة، ويقال لها البولة باللام بدل الراء وعند ذلك نادوه أي يا محمد.
وفي رواية: يا أبا القاسم. قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ أي وفي رواية: ما هذا الفساد؟ وفي لفظ قالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ وقالوا للمؤمنين: إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون. وحينئذ وقع في نفوس بعض المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) [الحشر: الآية ٥] أي في قولهم إن ذلك من الفساد.
قال بعضهم: جميع ما قطعوا وحرقوا ست نخلات، ولا زال عبد الله بن أبي ابن سلول يبعث لبني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنكم إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، أي ومعه على ذلك جمع من قومه، فانتظروا ذلك، فخذلهم ولم يحصل لهم منه شيء، أي وجعل سلام بن مشكم وكنانة بن صوريا يقولان لحيي أين نصر بن أبيّ الذي زعمت؟ فيقول حيي: ما أصنع، هي ملحمة كتبت علينا، ولزم رسول الله ﷺ حصارهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة: أي آلة الحرب ففعل، فاحتملوا النساء والصبيان، وحملوا من أموالهم غير الحلقة ما استقلت به الإبل وكانت ستمائة بعير، فكان الرجل يهدم بيته عما استحسن من خشبه كبابه وكنجاف به أي أسكفته فيضعه على ظهره بعيره فينطلق به.
أي وفي لفظ: صاروا ينقضون العمد والسقوف، وينزعون الخشب حتى الأوتاد، وينقضون الجدران حتى لا يسكنها المسلمون حسدا وبغضا.
وفي رواية: جعل المسلمون يهدمون ما يليهم من حصنهم، ويهدم الآخرون ما يليهم. قال: وفي رواية أنهم خرجوا مظهرين التجلد: خرجت النساء على الهوادج وعليهن الديباج والحرير وقطف الخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة، وخلفهم القيان بالدفوف والمزامير، ومنهم سلمى أم وهب.
[ ٢ / ٣٦١ ]
وقال ابن إسحاق أم عمرو صاحبة عروة بن الورد الذي قيل فيه: من قال إن حاتما أسمح العرب فقد ظلم عروة بن الورد. أغار عروة على قومها فسباها ثم اتخذها حليلة له فجاءت منه بأولاد.
ثم إن بعض بني النضير اشتراها من عروة بعد أن سقاه الخمر، ثم لما أفاق ندم. ثم اتفق هو ومن اشتراها على أن تكون عند من تختاره، فخيرها فاختارت من اشتراها.
وقيل إن قومها جاؤوا إليه بفدائها، فخيرها وكان لا يظن أن تختار عليه أحدا، فاختارت قومها فندم.
وعند مفارقتها له قالت له: والله ما أعلم امرأة من العرب أرخت سترا على بعل مثلك، أغض طرفا ولا أندى كفا، وأغنى غناء، وإنك لرفيع العماد، كثير الرماد، خفيف على ظهور الخيل، ثقيل على متون الأعداء، وأحنى على الأهل والجار، وما كنت لأوثر عليك أهلي لولا أني كنت أسمع بنات عمك يقلن: قالت أم عروة وفعلت أم عروة فأجد من ذلك الموت، والله لا يجامع وجهي وجه أحد من أهلك فاستوص ببينك خيرا، ثم تزوجت في بني النضير، وشقوا سوق المدينة وصف لهم الناس، فجعلوا يمرون قطارا في أثر قطار، وإن سلام بن أبي الحقيق رافع جلد جمل أي أو ثور أو حمار مملوء حليا، وينادي بأعلى صوته: هذا أعددناه لرفع الأرض وخفضها، وإن كنا تركنا نخلا ففي خيبر النخل، وحزن المنافقون لخروجهم أشد الحزن انتهى.
وهذا الحلي كانوا يعيرونه للعرب من أهل مكة وغيرهم، وكان يكون عند آل أبي الحقيق، وسيأتي في غزوة خيبر أنه ﷺ عبر عن هذا الحلي بالآنية والكنز وأنه كان سببا لقتل ولدي أبي الحقيق لما كتماه عنه ﷺ.
فمنهم من سار إلى خيبر، أي ومن جملة هؤلاء أكابرهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن أبي الربيع بن أبي الحقيق. فلما نزلوا خيبر دان لهم أهلها.
ومنهم من سار إلى الشام: أي إلى أذرعات. وكان فيهم جماعة من أبناء الأنصار، لأن المرأة من الأنصار كان إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها إن عاش لها ولد تهوده، فلما أجليت بنو النضير قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، وأنزل الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: الآية ٢٥٦] وهي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الإسلام، وإلا فإكراه الكفار الحربيين على الإسلام سائغ، ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: وهما يامين بن عمير، وأبو سعد بن وهب. قال أحدهما لصاحبه: والله إنك لتعلم أنه رسول الله ﷺ فما ننتظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا، فنزلا من الليل وأسلما فأحرزا أموالهما. أي وجعل يامين لرجل من قيس جعلا أي وهو عشرة دنانير، وقيل
[ ٢ / ٣٦٢ ]
خمسة أوثق من تمر على قتل عمرو بن جحاش الذي أراد أن يلقي الحجر على رسول الله ﷺ، فقتله غيلة أي بعد أن قال رسول الله ﷺ ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما همّ به من شأني؟ فسر بذلك النبي ﷺ، ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر، ولذلك كان يسميها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سورة بني النضير كما في البخاري.
وفي كلام السبكي ﵀: لم يختلفوا أن سورة الحشر نزلت في بني النضير. وقد أشار لقصتهم صاحب الهمزية بقوله:
خدعوا بالمنافقين وهل ين فق إلا على السفيه الشقاء
ونهيتم وما انتهت عنه قوم فأبيد الأمار والنهاء
أسلموهم لأوّل الحشر لا مي عادهم صادق ولا الإيلاء
سكن الرعب والخراب قلوبا وبيوتا منهم نعاها الجلاء
أي وخدعهم قول المنافقين إنهم يكونون معهم وينصرونهم على النبي ﷺ، وما يروج الشقاء إلا على السفيه.
والمراد بالمنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ومن كان معه على النفاق، لأنه كما تقدم لا زال يرسل لهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإنكم إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم. ونهاهم عن موافقته سلام بن مشكم، فلم ينتهوا أسلمهم أولئك المنافقون لأول الحشر. وهو أي الحشر جلاؤهم وخروجهم من ديارهم، فميعادهم لهم بأن ينصروهم على النبي ﷺ، غير صادق وكذا حلفهم لهم على ذلك غير صادق أيضا.
ذكر موسى بن عقبة أنهم كانوا من سبط لم يصبهم جلاء قبلها، فلذلك قال لأول الحشر. والحشر: الجلاء.
وقيل المراد بالحشر أرض المحشر، فإنهم قالوا إلى أين نخرج يا محمد؟ قال:
إلى الحشر، يعني أرض المحشر. والحشر الثاني: هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن، فتحشر الناس إلى الموقف.
وقيل الحشر الثاني لهم كان على يد سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، أجلاهم من خيبر إلى تيمياء وأريحاء، وسيأتي ذكره. وسكن الرعب: وهو خشية انتقامه ﷺ منهم قلوبهم، وسكن الخراب بيوتهم. وقد أخبر تلك البيوت بموت أهلها خروجهم وجلاؤهم من أرضهم، وأنزل الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الحشر: الآية ١١] وهم بنو النضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ [الحشر: الآية ١١] أي في خذلانكم أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ [الحشر: الآية
[ ٢ / ٣٦٣ ]
١١، ١٢] مثلهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) [الحشر: الآية ١٦] ووجد ﷺ من الحلقة: أي آلة السلاح خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا، ولم يخمس ذلك رسول الله ﷺ أي كما خمس أموال بني قينقاع. قال: وقد قال له عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ألا تخمس ما أصبت: أي كما فعلت في بني قينقاع، فقال رسول الله ﷺ: لا أجعل شيئا جعله الله لي دون المؤمنين بقوله تعالى ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [الحشر: الآية ٧] الآية كهيئة ما وقع فيه السهمان أي فكان أموال بني النضير وعقارهم فيئا لرسول الله ﷺ خاصة، وتقدم التنبيه على ذلك في غزوة بني قينقاع، وفسرت القرى بالصفراء ووادي القرى أي ثلث ذلك كما في الإمتاع وينبع، وفسرت القرى ببني النضير وخيبر: أي بثلاث حصون منها. وهي الكتيبة والوطيح وسلالم كما في الإمتاع، وفدك: أي نصفها كما في الإمتاع، ذكره الرافعي في شرح مسند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه.
أقول: قال بعضهم: وهذا أول فيء حصل لرسول الله ﷺ. ويرده ما تقدم في غزوة بني قينقاع، إلا أن يقال: المراد أوّل فيء اختص به ﷺ ولم يقسمه قسمة الغنيمة على ما تقدم.
ثم دعا الأنصار الأوس والخزرج فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، من إنزالهم في منازلهم، وإيثارهم على أنفسهم بأموالهم. ثم قال لهم: إن إخوانكم المهاجرين ليس لهم أموال، فإن شئتم قسمت هذه الأموال: أي التي أفاء الله عليّ وخصني بها مع أموالكم بينكم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة، فقالوا: بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت.
وفي رواية: إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليّ من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم: أي الأرض والنخل، لأنه لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديكم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار: أي النخل، فآثروهم بمتاع من أشجارهم، فمنهم من قبلها منيحة محضة ويكفونه العمل، ومنهم من قبلها بشرط أن يعمل في الشجر والأرض وله نصف الثمار، ولم تطب نفسه أن يقبلها منيحة محضة، لشرف نفوسهم وكراهتهم أن يكونوا كلا وإن أحببتم أعطيتهم أي وخرجوا من دوركم، أي وأموالكم، فتكلم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ. فقالا: يا رسول الله بل تقسم بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، بل نحب أن تقسم ديارنا وأموالنا على المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وعشائرهم وخرجوا حبا لله ولرسوله،
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها، ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار. زاد في رواية: وأبناء أبناء الأنصار. وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، أي وأنزل الله تعالى فيهم وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: الآية ٩] أي ولو كان بهم فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به، فقسم رسول الله ﷺ ذلك بين المهاجرين. أي وفي كلام بعضهم أنه ﷺ لم يعم المهاجرين ولم يعط أحدا من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين: أي وهما سهل بن حنيف وأبو دجانة رضي الله تعالى عنهما، وبعضهم ضم إليهما ثالثا وهو الحارث بن الصمة ونظر فيه بعضهم بأنه قتل في بئر معونة.
وأعطى ﷺ سعد بن معاذ سيف بن أبي الحقيق أحد سادات بني النضير وكان سيفا له ذكر عندهم، وكان ﷺ يزرع أرضهم التي تحت النخل، فيدّخر من ذلك قوت أهله سنة، وما فضل يجعله في الكراع: أي الخيل والسلاح عدة في سبيل الله تعالى.
أقول: فيه تصريح بأنه لم يقسم الأرض، ويحتمل أن المراد بقوله كان يزرع أرضهم التي تحت النخل: أي بعض أرضهم، ويدل له ما يأتي، ولم أقف على كيفية زرعه ﷺ للأرض من مزارعة أو غيرها.
وفي الخصائص الكبرى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاه الله تعالى إياه وخصه بها، فأعطى أكثرها المهاجرين وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار.
وهذا السياق يدل على أن مراده بنخل بني النضير أموالهم كما تقدم في الروايات، لا خصوص النخل.
ثم رأيت في عبارة بعضهم: وأكثر الروايات على أن أموال بني النضير: أي من مواشيهم كالخيل ومزارعهم وعقارهم حق لرسول الله ﷺ خاصة له، خصه الله تعالى بها، لم يخمسها ولم يسهم منها لأحد، وأعطى منها ما أراد ووهب العقار للناس.
وأعطى أبا بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وصهيبا وأبا سلمة بن عبد الأسد ضياعا معروفة من ضياع بني النضير.
ولعل المراد بالضياع الأراضي، ويدل لذلك ما في البخاري «أقطع رسول الله ﷺ الزبير أرضا من أراضي بني النضير» كما أن ذلك هو المراد بقول الإمتاع وكانت بنو النضير من صفايا رسول الله ﷺ جعلها حبسا لنوائبه. وكان ﷺ ينفق على أهله منها وكانت صدقاته منها.
وقد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون أعطى بعض أراض وأبقى بعضها
[ ٢ / ٣٦٥ ]
يزرع له ﷺ. ولما أعطى المهاجرين أمرهم بردّ ما كان للأنصار لاستغنائهم عنهم ولأنهم لم يكونوا ملكوهم ذلك، وإنما كانوا دفعوا لهم تلك النخيل لينتفعوا بثمرها، وظنت أم أيمن أن ذلك ملك لها فامتنعت من رده، أي لأن أم أنس كانت أعطته ﷺ نخلات، فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن ولم ينكر عليها ذلك تطيبيا لقلبها لكونها حاضنته، وصار يعطيها وهي تمتنع من رده إلى أن أعطاها عشرة أمثاله أو قريبا من ذلك.
وذكر هذا في بني النضير يخالف ما في مسلم أن ذلك كان عند فتح خيبر، حيث ذكر أنه ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارها، وذكر قصة أم أيمن، فليتأمل والله أعلم.
غزوة ذات الرقاع
أي وتسمى غزوة الأعاجيب: أي لما وقع فيها من الأمور العجيبة، وغزوة محارب وغزوة بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار.
عن ابن إسحاق ﵀: ثم أقام رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الأول. وقال غيره: شهري ربيع وبعض جمادى. ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة، حين بلغه ﷺ أنهم جمعوا الجموع: أي من غطفان لمحاربته، فخرج ﷺ في أربعمائة من أصحابه ﵃، أي وقيل سبعمائة وقيل ثمانمائة.
أي واحتج البخاري ﵀ على أن هذه الغزاة كانت بعد خيبر بما رواه عن أبي موسى ﵁ مما يدل على أن أبا موسى شهد غزاة ذات الرقاع، وهو «خرجنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر بيننا بعير، فنقبت أقدامنا، نقبت قدماي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق: فسميت غزاة ذات الرقاع.
وإذا ثبت أن أبا موسى شهد غزاة ذات الرقاع، وثبت أنه لم يجىء إليه ﷺ من الحبشة إلا بخيبر لزم أن تكون غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، إلا أن يدعي تعدد غزوة ذات الرقاع مرتين، وأنها كانت قبل خيبر وبعدها، والتي وجدت فيها صلاة الخوف هي الثانية. أي والسبب في تسميتها ذات الرقاع ما تقدم عن أبي موسى ﵁، وحيث كانت بعد خيبر يلزم أن تكون بعد الخندق، لقول الحافظ ابن حجر ﵀: صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، أي لأنها لو كانت شرعت لصلاها ﷺ، ولم يؤخر الصلاة كما سيأتي، وسيأتي الجواب عن ذلك.
وقد ذكرها الشمس الشامي رحمه الله تعالى بعد خيبر، والأصل لم يذكر ما
[ ٢ / ٣٦٦ ]
تقدم عن البخاري، بل رواه بالمعنى، فقال: روينا في صحيح البخاري من حديث أبي موسى ﵁ أنهم نقبت أقدامهم، فلفوا عليها الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع. قال: وجعله: أي البخاري حديث أبي موسى هذا حجة على أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، لأن أبا موسى إنما قدم في خيبر لا دلالة فيه على ذلك، أي لأنه يجوز أن يكون قول أبي موسى ﵁ إنهم نقبت أقدامهم:
يعني الصحابة، فيكون هذا مما رواه أبو موسى عمن شاهد الوقعة من الصحابة. وفيه أن هذا لا يأتي مع قول البخاري عن أبي موسى «فنقبت قدماي وسقطت أظفاري» إذ هو صريح في أن أبا موسى ﵁ حضرها، والأصل تبع في تقديمها على خيبر شيخه الدمياطي، وتابعه أيضا في رواية ما تقدم عن البخاري بالمعنى. ونظر الدمياطي في رواية أبي موسى: أي التي في البخاري التي رواها عنه بالمعنى، بأنها مخالفة لما عليه أهل المغازي من تقديمها على خيبر.
قال الحافظ ابن حجر: وادعى الدمياطي غلط الحديث الصحيح، وأن جميع أهل السير على خلافه، والاعتماد على ما في الصحيح أي من تأخيرها على خيبر أولى، لأن أصحاب المغازي مختلفون في زمانها. قال: والبخاري مع روايته عن أبي موسى الصريحة في تأخر غزوة ذات الرقاع عن غزوة خيبر، قدم غزوة ذات الرقاع على خيبر. قال: ولا أدري، هل تعمد ذلك تسليما لأصحاب المغازي أنها كانت قبل خيبر، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين: أي واحدة قبل خيبر، والثانية بعدها كما قدمناه. أي وقدمنا أن سبب التسمية في الثانية ما ذكر عن أبي موسى ﵁، وأما في الأولى فأحد الأسباب الآتية.
قال في الإمتاع: وقد قال بعض من أرخ: إن غزوة ذات الرقاع أكثر من مرة، فواحدة كانت قبل الخندق، وأخرى بعدها: أي وبعد خيبر.
ولم غزا ﷺ استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري. وقيل عثمان بن عفان ﵁. قال ابن عبد البر: وعليه الأكثر. أي وقد نظر في الأول، بأن أبا ذرّ ﵁ لما أسلم بمكة رجع إلى بلاد قومه، فلم يجىء حتى مضت بدر وأحد والخندق.
أقول: وهذا النظر بناء على أنها كانت قبل الخندق، وأما على أنها كانت بعد الخندق وبعد خيبر فلا يتأتى هذا النظر، والله أعلم.
وسار ﷺ حتى بلغ نجدا فلم يجد بها أحدا ووجد نسوة فأخذهنّ وفيهن جارية وضيئة. ثم لقي جمعا فتقارب الجمعان ولم يكن بينهما حرب.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وقد خاف بعضهم بعضا: أي خاف المسلمون أن تغير المشركون عليهم وهم غارون أي غافلون حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، وكانت أول صلاة للخوف صلاها.
قال وفي رواية «حانت صلاة الظهر فصلاها ﷺ بأصحابه، فهمّ بهم المشركون، فقال قائلهم: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه هي أحبّ إليهم من أبنائهم، أي وهي صلاة العصر، فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ فأخبره، فصلى صلاة العصر صلاة الخوف» اهـ.
أقول: سيأتي هذا كله بعينه في غزوة الحديبية التي هي صلاة الخوف بعسفان.
ولا مانع من تعدد ذلك. ويحتمل أنه من الاشتباه على بعض الرواة، والله أعلم.
وكان العدوّ في غير جهة القبلة، ففرقهم فرقتين: فرقة وقفت في وجه العدوّ، وفرقة صلى بها ركعة، ثم عند قيامة للثانية فارقته وأتمت بقية صلاتها، ثم جاءت ووقفت في وجه العدوّ، وجاءت تلك الفرقة التي كانت في وجه العدوّ واقتدت به في ثانيته فصلى بها ركعة، ثم قامت وهو في جلوس التشهد، وأتمت بقية صلاتها ولحقته في جلوس التشهد وسلم بها. وهذه الكيفية في ذات الرقاع رواها الشيخان، ونزل بها القرآن، وهو قوله تعالى وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء: الآية ١٠٢] الآية.
أي وفي كلام بعضهم: فصلى بهم النبيّ ﷺ صلاة الخوف، صلى بطائفة ركعتين، وبالأخرى أخريين. وسيأتي أن هذه صلاته ﷺ ببطن نخل وفي الخصائص الصغرى: وخص ﷺ بصلاة الخوف فلم تشرع لأحد من الأمم قبلنا، وبصلاة شدة الخوف عند التحام القتال.
أي وفي هذه الغزوة نزل ﷺ ليلا، وكانت تلك الليلة ذات ريح. وكان نزوله ﷺ في شعب استقبله فقال: من رجل يكلؤنا: أي يحفظنا هذه الليلة، فقام عباد بن بشر رضي الله تعالى عنه وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما، فقالا: نحن يا رسول الله نكلؤكم، فجلسا على فم الشعب، فقال عباد بن بشر لعمار بن ياسر: أنا أكفيك أول الليل وتكفيني آخره، فنام عمار ﵁ وقام عباد ﵁ يصلي، وكان زوج بعض النسوة التي أصابهنّ رسول الله ﷺ غائبا، فلما جاء أخبر الخبر فتتبع الجيش، وحلف لا ينثني حتى يصيب محمدا أو يهريق في أصحاب محمد دما، فلما رأى سواد عباد قال: هذا ربيئة القوم، ففوّق سهما فوضعه فيه، فانتزعه عباد فرماه بآخر فوضعه فيه فانتزعه، فرماه بآخر فانتزعه، فلما غلبه الدم قال لعمار اجلس فقد أتيت، فلما رأى ذلك الرجل عمار أجلس علم أنه قد نذر به، فهرب، فقال عمار: أي أخي ما منعك أن توقظني له في أول سهم رمي به، فقال:
[ ٢ / ٣٦٨ ]
كنت أقرأ في سورة: أي في سورة الكهف فكرهت أن أقطعها.
وفي لفظ: جعل ﷺ شخصين من أصحابه يقال هما عباد بن بشر من الأنصار وعمار بن ياسر من المهاجرين في مقابلة العدو، فرمى أحدهما بسهم فأصابه ونزفه الدم وهو يصلي، ولم يقطع صلاته بل ركع وسجد ومضى في صلاته، ثم رماه بثان وثالث وهو يصيبه ولم يقطع صلاته أي وهو عباد بن بشر كما تقدم. وقد قال عباد اعتذارا عن إيقاظ صاحبه: لولا أني خشيت أن أضيع ثغرا أمرني به رسول الله ﷺ ما انصرفت ولو أتى على نفسي.
أقول: وبهذه الواقعة استدل أئمتنا على أن النجاسة الحادثة من غير السبيلين لا تنقض الوضوء، لأنه ﷺ علم ذلك ولم ينكره.
وأما كونه صلى مع الدم فلعلّ ما أصاب ثوبه وبدنه منه قليل؛ ولا ينافي ذلك ما تقدم في الرواية قبل هذه «فلما غلبه الدم» إذ يجوز مع كونه كثيرا أنه لم يصب ثوبه ولا بدنه إلا القليل منه والله أعلم.
ويقال إن رجلا من القوم: أي وهو غورث بالغين المعجمة مكبرا على الأشهر وقيل غويرث بالتصغير والمهملة ابن الحارث، قال لهم: ألا أقتل لكم محمدا، قالوا بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به أي أجيء إليه على غفلة، فجاء إليه ﷺ وسيفه في حجره، فقال: يا محمد أرني أنظر إلى سيفك هذا؟ فأخذه من حجره فاستله، ثم جعل يهزه ويهمّ فيكبته الله: أي يخزيه، ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: لا بل يمنعني الله تعالى منك، ثم دفع السيف إليه ﷺ فأخذه ﷺ وقال: من يمنعك مني؟
فقال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: أعاهدك على أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى رسول الله ﷺ، سبيله فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس، وأسلم هذا بعد، وكانت له صحبة.
وفي رواية: جاء إليه ﷺ وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا؟ قال نعم، فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه، ثم قال: يا محمد أما تخافني؟ قال: لا، وما أخاف منك، قال: وفي يدي السيف؟ قال: لا، يمنعني الله تعالى منك، ثم غمد سيف رسول الله فرده عليه.
وهذه واقعة غير واقعة دعثور المتقدمة في غزوة ذي إمرّ، فهما واقعتان:
أحدهما مع دعثور، والثانية مع غورث، فقول أصله والظاهر أن الخبرين واحد فيه نظر ظاهر فليتأمل.
قال: وفي رواية: لما قفل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة أدركته القائلة يوما
[ ٢ / ٣٦٩ ]
بواد كثير العضاة: أي الأشجار العظيمة التي لها شوك، وتفرق الناس في العضاة: أي الأشجار يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت ظل شجرة أي ظليلة. قال جابر ﵁: تركناها للنبي ﷺ، فعلق ﷺ سيفه فيها، فنمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئنا إليه فوجدنا عنده أعرابيا جالسا، فقال: إن هذا قد اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده مصلتا: أي مسلولا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت الله، قال ذلك ثلاث مرات ولم يعاقبه ﷺ اهـ.
وهذه الرواية مع ما قبلها يقتضي سياقهما أنهما واقعتان لا واقعة واحدة. ويبعد أن يكون ذلك الأعرابي هو غورث صاحب الواقعة الأولى، فيكون تعدد منه هذا الفعل مرتين، أي وأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة: الآية ١١] وتقدم أن سبب نزولها إرادة إلقاء الحجر عليه من بعض أهل بني النضير لعنهم الله، وتقدم أنه لا مانع من تعدد النزول لتعدد الأسباب.
وفي الشفاء: قيل كان رسول الله ﷺ يخاف قريشا، فلما نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ [المائدة: الآية ١١] الآية، استلقى ثم قال: من شاء فليخذلني.
أي وفيه أن هذا لا يحسن إلا عند نزول آية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:
الآية ٦٧] إلا أن يقال: هو ﷺ علم من ذلك أن الله مانع له ممن يريده بسوء وإن كان يجوز أن يمنعه من شخص دون آخر فليتأمل.
وإنما لم يعاقب ﷺ ذلك الأعرابي حرصا على استئلاف قلوب الكفار ليدخلوا في الإسلام.
وكانت مدة غيبته ﷺ خمس عشرة ليلة. وبعث ﷺ جعال بن سراقة إلى المدينة مبشرا بسلامته وسلامة المسلمين، أي وكان ﵁ من أهل الصفة، وهو الذي تمثل به إبليس لعنه الله يوم أحد حين نادى إن محمدا قد قتل كما تقدم.
وأبطأ جمل جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فنخسه ﷺ. وفي لفظ أنه حجنه بمحجنه فانطلق متقدما بين يدين الركب. وفي رواية: فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله ﷺ حياء منه لا يسبقه: أي وهو ينازعني خطامه مع أني كنت أرجو أن يستاق معنا. ثم قال له ﷺ: أتبيعنيه؟ فابتاعه منه: أي بأوقية، وقيل بأربع أواق وقيل بخمس أواق، وقيل بخمسة دنانير، وقيل بأربعة دنانير بعد أن أعطاه فيه أولا درهما ممازحا له، فقال له جابر ﵁: تبيعني يا رسول الله؟ وفي رواية: لا زال ﷺ يزيده درهما درهما، فيقول جابر: آخذته بكذا والله يغفر لك يا رسول الله، قال بعضهم: كأنه ﷺ أراد بإعطائه درهما درهما أن يكثر استغفاره له، وقال له: لك
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ظهره إلى المدينة. وفي رواية وشرط لي ظهره إلى المدينة أي واستغفر لجابر ﵁ في تلك الليلة خمسا وعشرين مرة، وقيل سبعين مرة، فلما وصل ﷺ المدينة أعطاه الثمن ووهب له الجمل أي وقيل إن هذه القصة: أي إبطاء جمل جابر ﵁ إنما كانت في رجوعه ﷺ من مكة إلى المدينة. وقيل كانت في رجوعه من غزوة تبوك.
أي والذي في البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄. قال «كنت مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على جمل ثقال، إنما هو في آخر القوم، فمرّ به النبي ﷺ، فقال: من هذا؟ فقلت: جابر بن عبد الله، قال: فما لك؟ قلت: إني على جمل ثقال، قال: أمعك قضيب؟ قلت نعم، قال: أعطنيه، فضربه فزجره، فكان من ذلك المكان من أول القوم، قال: بعنيه، قلت: بل هو لك يا رسول الله، قال: بل بعنيه، فقد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة، فلما قدمت المدينة قال: يا بلال اقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا، قال جابر ﵁: وأعطاني الجمل وسهمي مع القوم» .
وفي لفظ عن جابر قال: دخل النبي ﷺ المسجد فدخلت إليه، فعلفت الجمل في ناحية البلاط، فقلت: يا رسول الله هذا جملك، فخرج ﷺ فجعل يطوف بالجمل. قال: الثمن والجمل لك، وفي لفظ: إنما باعه له بوقية: أي ذهب، وأنه استثنى حملانه إلى أهله، فلما قدم المدينة وأنقده الثمن وانصرف أرسل على أثره وقال له: ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك.
وعن جابر ﵁ أنه ﷺ اشتراه بطريق تبوك بأربع أواق وفي لفظ:
بعشرين دينارا، فليتأمل الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها، فإن التعدد بعددها بعيد.
قيل وسميت ذات الرقاع باسم شجرة كانت في ذلك المحل يقال لها ذات الرقاع، أو لأنهم رقعوا راياتهم، أو لأنهم لفوا على أقدامهم الخرق لما حصل لهم الحفاء كما تقدم، أو لأن الصلاة رقعت فيها، أو لأن الجبل الذي نزلوا به كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع فيه بقع حمر وسود وبيض، واستغربه الحافظ ابن حجر.
قال الإمام النووي ﵀: ويحتمل أنها سميت بالمجموع، قال: وفي هذه الغزوة جاءته ﷺ امرأة بدوية بابن لها. فقالت: يا رسول الله هذا ابني، قد غلبني عليه الشيطان، ففتح فاه فبزق فيه وقال: أخسأ عدوّ الله أنا رسول الله، ثم قال ﷺ:
شأنك بابنك، لن يعود إليه شيء مما كان يصيبه، أي فكان كذلك.
[ ٢ / ٣٧١ ]
وفيها أيضا: جاء رجل بفرخ طائر فأقبل أحد أبويه حتى طرح نفسه بين يدي الذي أخذ فرخه، فعجب الناس من ذلك، فقال رسول الله ﷺ: أتعجبون من هذا الطائر؟ أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه، والله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه.
وفيها أيضا: جيء له ﷺ بثلاث بيضات من بيض النعام، فقال لجابر دونك يا جابر فاعمل هذه البيضات، قال جابر ﵁: فعملتهنّ، ثم جئت بهنّ في قصعة، فجعلنا نطلب خبزا فلم نجد، فجعل ﷺ وأصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز حتى انتهى كل إلى حاجته: أي إلى الشبع؛ والبيض في القصعة كما هو.
وفيها أيضا: جاء جمل يرفل: أي حتى وقف عنده ﷺ وأرغى، فقال رسول الله ﷺ: أتدرون ما قال هذا الجمل؟ هذا جمل يستعيذ بي على سيده يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين وأنه أراد أن ينحره، اذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به، قال جابر ﵁: فقلت لا أعرفه، قال: إنه سيدلك عليه. قال جابر:
فخرج بين يدي حتى وقف على صاحبه، فجئته به، فكلمه ﷺ في شأن الجمل اهـ.
وعن عبد الله بن جعفر ﵄ أن النبي ﷺ دخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ، فمسح عليه فسكن. ثم قال: من رب هذا الجمل، فجاء فتى من الأنصار، فقال: هذا لي يا رسول الله، فقال: ألا تتقي الله ﷿ في هذه البهيمة التي ملكك الله، فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه.
وفي رواية: كنا جلوسا مع النبي ﷺ إذا بعير أقبل حتى وقف على هامة رسول الله ﷺ فرغا، فقال له النبي ﷺ: أيها البعير اسكن فإن تك صادقا فلك صدقك، وإن تك كاذبا فعليك كذبك، إن الله تعالى قد أمن عائذنا ولن يخيب لائذنا، فقلنا: يا رسول الله، ما يقول هذا البعير؟ قال: يريد أهله نحره وأكل لحمه، فهرب منهم واستغاث بنبيكم، فبينما نحن كذلك إذا أقبل أصحابه يتعاودون، فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول الله ﷺ فلاذ بها، فقالوا: يا رسول الله هذا بعيرنا هرب منذ ثلاثة أيام فلم نجده إلا بين يديك. فقال لهم رسول الله ﷺ أما إنه يشكو، فقالوا: يا رسول الله ما يقول؟ قال: يقول إنه ربي فيكم سنين وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأ، فإذا كان الشتاء حملتم عليه إلى موضع الدفء، فلما كبر استفحلتموه فرزقكم الله إبلا سليمة. فلما أدركته هذه السنة الجدبة هممتم بنحره وأكل لحمه، فقالوا: والله يا رسول الله قد كان ذلك، فقال لهم رسول الله ﷺ ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه، فقالوا لرسول الله ﷺ: إنا لا نتعبه ولا ننحره، فقال رسول الله ﷺ: كذبتم، قد استغاث بكم فلم تغيثوه، وأنا أولى بالرحمة
[ ٢ / ٣٧٢ ]
منكم لأن الله قد نزع الرحمة من قلوب المنافقين، وأسكنها في قلوب المؤمنين فاشتراه ﷺ منهم بمائة درهم، وقال أيها البعير انطلق حيث شئت فرغا البعير على هامة رسول الله ﷺ فقال له: آمين، ثم رغا الثانية، فقال له آمين. ثم رغا الثالثة، فقال له آمين، ثم رغا الرابعة، فبكى النبي ﷺ فقلنا يا رسول الله ما يقول هذا البعير؟
فقال: قال جزاك الله خيرا أيها النبي عن الإسلام والقرآن قلت: آمين، قال: سكن الله رعب أمتك كما سكنت قلبي، قلت: آمين، قال: حقن الله دماء أمتك كما حقنت دمي، قلت آمين، قال: لا جعل الله بأسهم بينهم شديدا، فبكيت لأني سألت ربي فيها: أي في هذه الرابعة فمنعني إعطاءها. وقوله ﷺ للجمل اذهب كيف شئت، لا يناسب ما عليه أئمتنا من عدم جواز إرسال الدواب تقرّبا إلى الله تعالى لأنه في معنى سوائب الجاهلية، إلا أن يقال: المراد بقوله ﷺ له اذهب كيف شئت، أي أنت آمن في سائر أحوالك مما شكوت منه.
ورأيت في كلام ابن الجوزي ﵀ ما يؤيد ذلك، وهو أن رسول الله ﷺ وسمه سمة نعم الصدقة ثم بعث به. وعليه لا إشكال، وإلى قصة الجمل أشار الإمام السبكي ﵀ في تائيته بقوله:
ورب بعير قد شكا لك حاله فأذهبت عنه كل كل وثقلة
وفي هذه: أعني السنة الرابعة تزوّج ﷺ أم سلمة هند رضي الله تعالى عنها بعد موت أبي سلمة بن عبد الأسد ﵁. وما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: تزوّجها سنة اثنتين ليس بشيء، قيل وفيها شرع التيمم.
غزوة بدر الآخرة
ويقال لها بدر الموعد: أي لموعد أبي سفيان ﵁، حيث قال حين منصرفه من أحد: موعد ما بيننا وبينكم بدر: أي موسمها، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: قل نعم إن شاء الله تعالى كما تقدم.
لما قدم رسول الله ﷺ من غزوة ذات الرقاع أقام بقية جمادى الأولى إلى آخر رجب، ثم خرج رسول الله ﷺ في شعبان وعليه اقتصر الأصل وقيل خرج في شوّال، وقيل في مستهل ذي القعدة كل ذلك في سنة أربع. من الوهم قول موسى بن عقبة ﵀: إنها كانت في شعبان سنة ثلاث لما علمت أنها بعد أحد، وأحد كانت في شوّال سنة ثلاث، والحافظ الدمياطي قدّم هذه الغزوة على غزوة ذات الرقاع، وتبعه الشمس الشامي وصاحب الإمتاع.
وكان وصوله ﷺ إلى بدر هلال ذي القعدة، وهذا لا يناسب إلا القول بأن
[ ٢ / ٣٧٣ ]
خروجه ﷺ كان في شوّال، وكان ذلك موسما لبدر في كل سنة يحضره الناس ويقيمون به ثمانية أيام كما تقدمت الحوالة عليه. وحين خرج ﷺ من المدينة استخلف عليها عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول رضي الله تعالى عنه، وقيل عبد الله بن رواحة ﵁، وخرج في ألف وخمسمائة من أصحابه، وكان الخيل عشرة أفراس.
وعند تهيؤ المسلمين للخروج قدم نعيم بن مسعود الأشجعي، أي وكان ذلك قبل إسلامه رضي الله تعالى عنه، وأخبر قريشا أن المسلمين تهيؤوا للخروج لقتالهم ببدر، فكره أبو سفيان الخروج لذلك، وجعل لنعيم إن رجع إلى المدينة وخذل المسلمين عن الخروج لبدر عشرين بعيرا. وفي لفظ عشرة من الإبل وحمله على بعير، أي وقال له أبو سفيان إنه بدا لي أن لا أخرج، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جراءة، فلأن يكون الخلف من قبلهم أحب إليّ من أن يكون من قبلي فالحق بالمدينة، وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي من الإبل كذا وكذا أدفعها لك على يد سهيل بن عمرو، فجاء نعيم إلى سهيل بن عمرو، فقال له: يا أبا يزيد تضمن لي هذه الإبل وانطلق إلى محمد وأثبطه؟ قال نعم، فقدم نعيم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان أي وصار يطوف فيهم حتى قذف الرعب في قلوب المسلمين، ولم يبق لهم نية في الخروج، واستبشر المنافقون أي واليهود، وقالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمع، فجاء أبو بكر وعمر ﵄ إلى النبي ﷺ وقد سمعا ما أرجف به المسلمون وقالا له:
يا رسول الله، إن الله مظهر نبيه ومعز دينه، وقد وعدنا القوم موعدا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم، فو الله إن في ذلك لخيرة فسر رسول الله ﷺ بذلك، ثم قال: والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد، فأذهب الله عنهم ما كانوا يجدون، وحمل لواء رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وخرج المسلمون معهم بتجارات إلى بدر، فربحت الضعف.
ثم إن أبا سفيان قال لقريش: لقد بعثنا نعيما ليخذل أصحاب محمد عن الخروج، ولكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع، فإن كان محمد لم يخرج وبلغه أنا خرجنا فرجعنا، لأنه إن لم يخرج كان هذا لنا عليه، وإن خرج أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب، قالوا: نعم ما رأيت، فخرج أبو سفيان في قريش: أي وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنة، أي بفتح الميم والجيم وتشديد النون: وهو سوق معروف من ناحية مرّ الظهران، وقيل إلى عسفان، ثم قال: يا معشر قريش لا يصلحكم إلا عام خصب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه الماء، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس،
[ ٢ / ٣٧٤ ]
فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم لتشربوا السويق.
وأقام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده مدة الموسم التي هي ثمانية أيام، أي فإنه ﷺ انتهى إلى بدر هلال ذي القعدة كما تقدم، وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام والسوق قائمة. أي وصار المسلمون كلما سألوا عن قريش وقيل لهم قد جمعوا لكم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قيل لهم لما قربوا من بدر: إنها قد امتلأت من الذين معهم أبو سفيان يرعبونهم ويرهبونهم، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما قدموا بدرا وجدوا أسواقا لا ينازعهم فيها أحد، فأنزل الله تعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) [آل عمران: الآية ١٧٣] فالمراد بالناس الأول: نعيم نزل منزلة الجماعة.
وعن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أن القائلين ذلك كانوا أربعة، ولا مانع أن يكون هؤلاء الأربعة من المنافقين لعنهم الله، وافقوا نعيما على ما قال حتى إن قائلهم قال للمسلمين: إنما أنتم لهم أكلة رأس، وإن ذهبتم إليهم لا يرجع منكم أحد.
وقيل القائلون ركب من عبد القيس، كانوا قاصدين المدينة للميرة، فجعل لهم أبو سفيان حمل أبعرتهم زبيبا إن هم خذلوا المسلمين وأرجفوهم. ولا مانع من وجود ذلك كله.
هذا، وقد نقل ابن عطية ﵀ عن الجمهور أن هذه الآية الواقعة المذكورة إنما كانت بحمراء الأسد عند انصرافه من أحد فليتأمل.
ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، أي وبلغ قريشا خروج المسلمين لبدر وكثرتهم، وإنهم كانوا أصحاب الموسم: أي والمخبر لهم بذلك معبد بن أبي معبد الخزاعي، فإنه بعد انقضاء الموسم خرج سريعا إلى مكة وأخبرهم بذلك. فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم، وقد اجترؤوا علينا ورأوا أنا أخلفناهم، وإنما خلفنا الضعف.
غزوة دومة الجندل
بضم الدال ويجوز فتحها، واقتصر الحافظ الدمياطي على الأول: أي وأما دومة بالفتح لا غير فموضع آخر، ومن ثم قال الجوهري: الصواب الضم، وأخطأ المحدثون في الفتح. سميت بدومي بن إسماعيل ﵇، لأنه كان نزلها: وهي بلدة بينها وبين دمشق خمس ليال، وهي أقرب بلاد الشام إلى المدينة، وبينها وبين
[ ٢ / ٣٧٥ ]
المدينة خمس أو ست عشرة ليلة: أي وهي بقرب تبوك، بلغ رسول الله ﷺ أن بها جمعا كثيرا يظلمون من مر بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة فندب رسول الله ﷺ الناس لذلك، فخرج في ألف من المسلمين، أي وذلك في أواخر السنة الرابعة.
وذكر بعضهم أنها كانت في ربيع الأول من السنة الخامسة، ويوافقه قول الحافظ الدمياطي: إنها كانت على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجرته ﷺ: أي واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة: أي يقال له مذكور رضي الله تعالى عنه. فلما دنا منهم جاء إليهم الخبر فتفرقوا، فهجم على ما شيتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم، فلم يلق بها أحدا، وبعث السرايا فرجعت ولم تلق منهم أحدا: أي ورجعت كل سرية بإبل، وأخذ محمد بن مسلمة رجلا منهم وجاء به إلى النبي ﷺ، فسأله رسول الله ﷺ عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ المدينة.
وفي رجوعه وادع: أي صالح عيينة بن حصن واسمه حذيفة الفزاري أن يرعى بمحل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا، أي لأن أرضه كانت أجدبت، ولما سمن حافره وخفه، وانتقل إلى أرضه غزا على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة كما سيأتي، وقيل له بئس ما جزيت به محمدا ﷺ، أحلك أرضه حتى سمن حافرك وخفك، وتفعل معه ذلك، فقال: هو حافري، وقيل له عيينة لأنه أصابته لقوة فجحظت عيناه وسمي عيينة، وعيينة هذا أسلم بعد الفتح وشهد حنينا والطائف، وكان من المؤلفة كما سيأتي، وكان يقال له الأحمق المطاع، كان يتبعه عشرة آلاف فتى.
ودخل على النبي ﷺ بغير إذن وأساء الأدب، فصبر النبي ﷺ على جفوته، وقال فيه ﷺ «إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» وقيل إن ذلك إنما قيل في مخرمة بن نوفل: أي ولا مانع من تعدد ذلك، وقد ارتد عيينة بعد ذلك في زمن الصديق ﵁: فإنه لحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وآمن به. فلما هرب طليحة أسره خالد بن الوليد ﵁ وأرسل به إلى الصديق في وثاق فلما دخل المدينة صار أولاد المدينة ينخسونه بالحديد ويضربونه، ويقولون: أي عدو الله كفرت بالله بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت آمنت، فمنّ عليه الصديق فأسلم، ولم يزل مظهر للإسلام.
وفي سنة أربع نزلت آية الحجاب لأزواجه ﷺ، وكان فيها قصر الصلاة، وولاة الحسين ﵁. ووقع أنه لما ولد سماه علي كرم الله وجهه حربا، فلما جاء ﷺ قال «أروني ابني، ما سميتموه؟ قالوا: حربا، قال: بل اسمه حسين» أي كما
[ ٢ / ٣٧٦ ]
فعل ذلك بالحسن كما مر، فلما ولد الثالث جاء النبي ﷺ فقال: «أروني ابني، ما سميتموه؟ قال علي كرم الله وجهه: سميته حربا، فقال بل هو محسن ثم قال ﷺ:
إني سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر» .
ومن المستظرف ما حكاه بعضهم، قال: وقع بين الحسن والحسين كلام فتهاجرا، فلما كان بعد ذلك أقبل الحسن على الحسين وأكب على رأسه يقبله، فقال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك بهذا أنك أحق بالفضل مني، فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به، ورجم اليهوديين الزانيين، وفرض الحج، وقيل فرض في الخامسة، وقيل في السادسة، وقيل في السابعة، وقيل في الثامنة، وقيل في التاسعة، وقيل في العاشرة.
قيل وفيها أي الرابعة شرع التيمم، أي كما تقدم. وقيل شرع في الغزوة التي تلي هذه وهي غزوة بني المصطلق. وقيل كان في غزوة أخرى، أي وفي غيبته ﷺ في هذه الغزوة ماتت أم سعد بن عبادة، وكان ابنها ﵁ معه ﷺ، ولما قدم ﷺ المدينة صلى على قبرها، وذلك بعد شهر، وقال له سعد: يا رسول الله أتصدق عنها؟ قال نعم، قال أيّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء فحفر بئرا، وقال هذه لأم سعد ﵂.
غزوة بني المصطلق
ويقال لها غزوة المريسيع، ويقال لها غزوة محارب، وقيل محارب غيرها.
ويقال لها غزوة الأعاجيب لما وقع فيها من الأمور العجيبة، أي كما قيل بذلك كذلك في غزوة ذات الرقاع كما تقدم.
وبنو المصطلق: بطن من خزاعة، وهم بنو جذيمة، وجذيمة هو المصطلق، من الصلق: وهو رفع الصوت. والمريسيع: اسم ماء من مياههم، أي من ماء خزاعة مأخوذة من قولهم: رسعت عين الرجل إذا دمعت من فساد، وذلك الماء في ناحية قديد.
وسببها أنه ﷺ بلغه أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق ﵁، فإنه أسلم بعد ذلك كما سيأتي، جمع لحرب رسول الله ﷺ من قدر عليه من قومه ومن العرب، فأرسل ﷺ بريدة بالتصغير ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين في آخره موحدة كما تقدم، أي ليعلم علم ذلك.
قال: واستأذن بريدة رسول الله ﷺ أن يقول ما يتخلص به من شرهم، أي وإن كان خلاف الواقع فأذن له رسول الله ﷺ، فخرج حتى ورد عليهم ورأى جمعهم،
[ ٢ / ٣٧٧ ]
فقالوا له: من الرجل؟ قال: رجل منكم قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصلهم، فقال له الحارث:
فنحن على ذلك؛ فعجل علينا، قال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثير من قومي، فسروا بذلك منه ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر القوم انتهى. فندب رسول الله ﷺ الناس إليهم، فأسرعوا الخروج، وكان في شعبان لليلتين خلتا منه سنة خمس من الهجرة، وقيل أربع كما في البخاري نقلا عن ابن عقبة، وعليه جرى الإمام النووي في الروضة. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه سبق فلم أراد أن يكتب سنة خمس من الهجرة فكتب سنة أربع، لأن الذي في مغازي ابن عقبة من عدة طرق سنة خمس، وقيل سنة ست، وأن عليه أكثر المحدثين، وقادوا الخيل وهي ثلاثون فرسا عشرة للمهاجرين: أي منها فرسان له ﷺ اللزاز والظرب، وعشرون للأنصار ﵃: واستخلف ﷺ على المدينة زيد بن حارثة ﵄. وقيل أبا ذر الغفاري ﵁. وقيل نميلة تصغير نملة بن عبد الله الليثي ﵁، وخرج معه ﷺ من نسائه عائشة وأم سلمة ﵄: أي وخرج معه ﷺ ناس كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قط مثلها منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وزيد بن الصلت ليس لهم رغبة في الجهاد، وإنما غرضهم أن يصيبوا من عرض الدنيا مع قرب المسافة، وسار ﷺ حتى بلغ محلا نزل به، فأتي برجل من عبد القيس فسلم على رسول الله ﷺ، فقال له أين أهلك؟ قال: بالروحاء، قال أين تريد؟
قال: إياك جئت لأومن بك، وأشهد أن ما جئت به حق: وأقاتل معك عدوك. فقال رسول الله ﷺ: الحمد لله الذي هداك للإسلام، وسأل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أحب؟ فقال رسول الله ﷺ: الصلاة لأوّل وقتها. فكان بعد ذلك يصلي الصلاة لأول وقتها.
وأصاب ﷺ عينا للمشركين وكان وجهه الحارث ليأتيه بخبر رسول الله ﷺ، فسأله رسول الله ﷺ عنهم، فلم يذكر من شأنهم شيئا، فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ أن يضرب عنقه فضرب عنقه، فلما بلغ الحارث مسير رسول الله ﷺ وأنه قتل عينه سىء بذلك ومن معه، وخافوا خوفا شديدا، وتفرق عنه جمع كثير ممن كان معه، وانتهى رسول الله ﷺ إلى المريسيع فضربت له ﷺ قبة من أدم، وكان معه فيها عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما فتهيأ المسلمون للقتال، ودفع ﷺ راية المهاجرين إلى أبي بكر ﵁.
وقيل لعمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة ﵁، أي وأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ أن يقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم ففعل عمر ذلك فأبوا فتراموا بالنبل ساعة. ثم أمر
[ ٢ / ٣٧٨ ]
رسول الله أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل منهم عشرة، وأسر سائرهم: الرجال والنساء والذرية؛ واستاق إبلهم وشياههم، فكانت الإبل ألفي بعير، والشأء خمسة آلاف شاة، واستعمل ﷺ على ذلك مولاه شقران، أي بضم الشين المعجمة، واسمه صالح، وكان ﵁ حبشيا، وكان السبي مائتي أهل بيت. وفي كلام بعضهم كانوا أكثر من سبعمائة، وكانت برة بنت الحارث الذي هو سيد بني المصطلق في السبي.
وقيل أغار عليهم رسول الله ﷺ وهم غافلون، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، أي وهذا القول هو الذي في صحيح البخاري: أي ومسلم، والأول هو الذي في السيرة الهشامية.
وجمع بأنه يجوز أن يكون ﷺ لما أغار عليهم ثبتوا وصفوا للقتال، ثم انهزموا، ووقعت الغلبة عليهم، أي وقتل منهم من قاتل ولم يستأسر. وكان شعار المسلمين: أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل أو عند الاختلاط «يا منصور؟؟؟» تفاؤلا بأن يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم.
وأمر رسول الله ﷺ بالأسارى فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة ﵁.
ثم فرق ﷺ السبي، فصار في أيدي الناس.
أي وفي هذا دليل لقول إمامنا الشافعي ﵁ في الجديد: يجوز استرقاق العرب، لأن بني المصطلق عرب من خزاعة خلافا لقوله في القديم إنهم لا يسترقون لشرفهم. وقد قال في الأمّ: لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هكذا: أي لا يجري الرق على عربي.
وبعث ﷺ أبا ثعلبة الطائي إلى المدينة بشيرا من المريسيع، أي وجمع ﷺ المتاع الذي وجده في رحالهم والسلاح والنعم والشاء، وعدلت الجزور بعشرة من الغنم، ووقعت برة بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصته من برة، وكاتبها أي على تسع أواق من ذهب، فدخلت عليه ﷺ، فقالت له: يا رسول الله إني امرأة مسلمة: أي أسلمت لأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وإني برة بنت الحارث سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس وابن عم له، وخلصني ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة، وكاتبني على ما لا طاقة لي به، وإني رجوتك فأعني في مكاتبتي، فقال لها رسول الله ﷺ: أو خير من ذلك؟ قالت:
ما هو؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت بن قيس فطلبها منه، فقال ثابت ﵁: هي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأدى رسول الله ﷺ ما كان كاتبها عليه وأعتقها
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وتزوجها، أي وهي ابنة عشرين سنة، وسماها جويرية: أي وكان اسمها برة، وكذلك ميمونة، وزينب بنت جحش كان اسم كل منهما برة فغيره ﷺ، وكذا كان اسم بنت أم سلمة برة فسماها زينب. ويذكر أن عليا كرم الله وجهه هو الذي أسرها.
أقول: ولا مانع أن يكون عليّ كرّم الله وجهه أسرها ثم وقعت في سهم ثابت وابن عمه ﵄ عند القسمة، لأنه لم يثبت في هذه الغزوة أنه ﷺ جعل الأسرى لمن أسرهم كما وقع في بدر، إلا ما يأتي من قول أبي سعيد الخدري ﵁: ورغبنا في الفداء وقد يقال: رغبوا في الفداء بعد القسمة والله أعلم.
قال: وعن عائشة ﵂ قالت «كانت جويرية امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينما النبي ﷺ عندي ونحن على الماء: أي الذي هو المريسيع، إذ دخلت جويرية تسأله في كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي ﷺ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله إني امرأة مسلمة الحديث» اهـ وإنما كرهت ذلك لما جبلت عليه النساء من الغيرة.
ومن ثم جاء «أنه ﷺ خطب امرأة فأرسل عائشة رضي الله تعالى عنها لتنظر إليها، فلما رجعت إليه قالت: ما رأيت طائلا، فقال: بلى لقد رأيت خالا في خدّها فاقشعرت منه كل شعرة في جسدك، أي وفي لفظ آخر عن عائشة ﵂ «فما هو إلا أن وقفت جويرية بباب الخباء لتستعين رسول الله ﷺ على كتابتها فنظرت إليها فرأيت على وجهها ملاحة وحسنا، فأيقنت أن رسول الله ﷺ إذا رآها أعجبته علما منها بموقع الجمال منه ﷺ، فما هو إلا أن كلمته ﷺ، فقال لها ﷺ: خير من ذلك، أنا أؤدي كتابتك وأتزوجك، فقضى عنها كتابتها وتزوجها» والملاح أبلغ من المليح، والمليح، مستعار من قولهم طعام مليح: إذا كان فيه الملح بمقدار ما يصلحه.
قال الأصمعي ﵀: الحسن في العينين، والجمال في الأنف، والملاحة في الفم. وهذا السياق يدل على أنه ﷺ تزوجها وهم على الماء الذي هو المريسيع، ويؤيده ما يأتي عنها رضي الله تعالى عنها.
قال الشمس الشامي ﵀: ونظر رسول الله ﷺ لجويرية حتى عرف من حسنها ما دعاه لتزوجها، لأنها كانت أمة مملوكة: أي لأنها مكاتبة، ولو كانت غير مملوكة: أي حرة ما ملأ ﷺ عينه منها، أو أنه ﷺ نوى نكاحها، أو أن ذلك كان قبل آية الحجاب.
أقول: تبع في هذا السهيلي ﵀. وقد قدمنا أن من خصائصه ﷺ جواز نظر الأجنبية والخلوة بها لأمنه ﷺ من الفتنة، فلا يحسن قوله ولو كانت حرة ما ملأ ﷺ عينه منها.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ومن خصائصه ﷺ حرمة نكاح الأمة، فلا يحسن قوله أو أنه نوى نكاحها، وأن نزول آية الحجاب كان في سنة ثلاث على الراجح.
ومذهب الشافعي ﵁: حرمة نظر سائر بدن الأمة الأجنبية كالحرة على الراجح عند الشافعية ومنهم الشمس الشامي، فلا يحسن قوله لأنها كانت أمة مملوكة، والله أعلم.
روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب أي واقتسمناها وملكناها، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا نستمتع ونعزل، فقلنا نفعل ذلك» وفي لفظ «فأصبنا سبايا وبنا شهوة للنساء، واشتدت علينا العزوبة، وأحببنا الفداء، وأردنا أن نستمتع ونعزل، وقلنا: نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا فسألناه عن ذلك، فقال ﷺ: «لا عليكم أن لا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة» أي نفسا «قدّرها هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون» . وفي لفظ «ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة» وفي رواية «لا عليكم أن لا تفعلوا ذلك، فإنما هو القدر» وفي رواية «ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه» أي ما عليكم حرج في عدم فعل العزل: وهو الإنزال في الفرج، لأن العزل الإنزال خارج الفرج، فيجامع حتى إذا قارب الإنزال نزع فأنزل خارج الفرج «ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» أي عزلتم أم لا فلا فائدة في عزلكم، لأن الماء قد يسبق العزل إلى الرحم فيجيء الولد، وقد ينزل في الفرج ولا يجيء الولد.
وكون ذلك كان في بني المصطلق هو الصحيح، خلافا لما نقل عن موسى بن عقبة رحمه الله تعالى أن ذلك كان في غزوة أوطاس. وقول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: «قد طالت علينا العزبة واشتهينا النساء» أي لعل أبا سعيد الخدري ﵁ ومن تكلم على لسانه كان في المدينة أعزب، وإلا فأيام تلك الغزوة لم تطل، فإنها كانت ثمانية وعشرين يوما قال أبو سعيد ﵁: فقدم علينا وفدهم: أي بالمدينة. ففي الإمتاع وكانوا قدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فاقتدوا الذرية والنساء، كل واحد بست فرائض، ورجعوا إلى بلادهم.
قال أبو سعيد ﵁: وخرجت بجارية أبيعها في السوق: أي قبل أن يقدم وفدهم في فدائهم فقال لي يهودي: يا أبا أسعيد تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة هي في الأصل ولد الغنم، فقلت: كلا، إني كنت أعزل عنها، فقال: تلك الوأدة الصغرى: أي المرة من الوأد، وهو أن يدفن الرجل بنته حية، فالموؤودة البنت تدفن في القبر وهي حية، كانت الجاهلية خصوصا كندة تفعل ذلك، فجئت إلى رسول الله ﷺ. فأخبرته، فقال: كذبت يهود، كذبت يهود، زاد في رواية «لو أراد
[ ٢ / ٣٨١ ]
الله ﷿ أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه» وبهذا مع ما تقدم من نفي الحرج استدل أئمتنا ﵏ على جواز العزل مع الكراهة في كل امرأة سرية أو حرة في كل حال، سواء رضيت أم لا؛ وقال جمع بحرمته، قالوا لأنه طريق إلى قطع النسل، وفي مسلم ما يوافق ما قالته يهود. ففي مسلم «سألوه ﷺ عن العزل، فقال رسول الله ﷺ: ذلك الوأد الخفي» أي بمثابة دفن البنت حية الذي كان يفعله الجاهلية خوف الإملاق أو خوف حصول العار.
إلا أن يقال: هذا كان منه ﷺ قبل أن يوحى إليه بحل ذلك ثم نسخ فلا مخالفة. ويدل لذلك ما في مسلم أيضا عن جابر ﵁: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل فلم ينهنا» . وفي رواية «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال إن لي جارية هي خادمنا وساقيتنا في النخل، وأنا أكره أن تحمل، فقال ﷺ: أعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل ثم أتاه ﷺ فقال: يا رسول الله إن الجارية قد حبلت، فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها» فقد أرشده ﷺ إلى العزل الذي لا يكون معه الولد غالبا، وأخبر بأن ذلك لا يمنع وجود ما قدر لها من حصول الولد.
وعن عبد الله بن زياد ﵁. قال «أفاء» أي غنم «رسول الله ﷺ، في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقبل أبوها في فدائها، فلما كان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها، فعقبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال يا محمد أصبتم ابنتي. وفي رواية قال: يا رسول الله كريمة لا تسبى وهذا فداؤها، فقال له رسول الله ﷺ: فأين البعيران اللذان عقبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، ما اطلع على ذلك إلا الله وأسلم» ولعله دخل بالأمان إلى المدينة. وفي رواية: أنه أسلم قبل ذلك وأسلم معه ابنان وناس من قومه وعليه فيكون قوله فأسلم: أي أظهر إسلامه، وعند ذلك أمره ﷺ بأن يخيرها، فقالت: أحسنت وأجملت، فقال لها أبوها: يا بنية لا تفضحي قومك، قالت اخترت الله ورسوله. وفيه كيف يأمره ﷺ بتخييرها بعد أن تزوجها، كما تقدم أن مقتضى السياق أنه تزوجها وهم على الماء.
ثم رأيت الإمام أبا العباس بن تيمية أنكر مجيء أبيها وتخييرها فليتأمل.
وفي الاستيعاب: أن عبد الله بن الحارث أخا جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بني المصطلق وغيب في الطريق ذودا وجارية سوداء، فكلم رسول الله ﷺ في فداء الأسارى. فقال له رسول الله ﷺ: نعم فما جئت به؟ قال: ما جئت بشيء قال: فأين الذود والجارية السوداء الذي غيبت في
[ ٢ / ٣٨٢ ]
موضع كذا؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما كان معي أحد ولا سبقني إليك أحد فأسلم. وفيه ما تقدّم في أبيه فقال رسول الله ﷺ: لك الهجرة حتى تبلغ برك الغماد، هذا كلامه. والذود: من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر.
والمتبادر من هذا السياق أنه جاء بذلك الذود وتلك الجارية للفداء، فعنّ له أن يسأل في الفداء من غير شيء، فغيب ذلك الذود وتلك الجارية طمعا في أنه ﷺ يجيبه لذلك لمكان أخته عنده. ويحتمل أن العبارة فيها اختصار، وحينئذ يكون الأصل في قوله ﷺ فما جئت به المال الزائد على هذا الذي جئت به، فيكون الذود والجارية بعض ما جاء به للفداء؛ فقال: ما جئت بشيء: أي زائد على هذا الذي جئت به لأنه يبعد أن يطلب الفداء من غير شيء فليتأمل.
وفي لفظ أنه لما جاء أبوها في فدائها دفعت إليه ابنته جويرية وأسلمت وحسن إسلامها فخطبها النبي ﷺ إلى أبيها، فزوّجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم.
وفي الإمتاع يقال: إن النبي ﷺ جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق. ويقال جعل صداقها عتق أربعين من قومها، ولا يخفى أن مجيء أبيها في فدائها وتزويجها للنبي ﷺ مخالف لسياق ما تقدم أنه تزوجها وهم على الماء، ويحتاج للجمع بين ما ذكر وبين ما روي أنه لما رأى المسلمون أنه ﷺ تزوج جويرية قال في حق بني المصطلق: أصهار رسول الله ﷺ فأعتقوا ما بأيديهم منهم.
وعبارة الإمتاع: ولما تزوّجها ﷺ، خرج الخبر إلى الناس وقد اقتسموا رجال بني المصطلق وملكوهم ووطئوا نساءهم، فقالوا أصهار النبي ﷺ فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي.
وعن جويرية رضي الله تعالى عنها قالت: لما أعتقني رسول الله ﷺ وتزوّجني، والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر، فحمدت الله ﷾.
أقول: وذكر بعضهم أن ليلة دخوله ﷺ بها طلبتهم منه فوهبهم لها ويحتاج للجمع، ويقال في الجمع بين ما تقدم من فدائهم وإطلاقهم من غير فداء بأنه يجوز أن يكون الفداء وقع لبعضهم قبل عتق جويرية والتزوّج بها، فلما تزوّجها ﷺ أطلق بعضهم الآخر الباقي، فالفداء وقع لبعضهم والإعتاق وقع لبعضهم الآخر، فإن السبي كان لأهل مائتي بيت. ويؤيد ذلك قول بعضهم: كان السبي منهم من منّ عليه رسول الله ﷺ بغير فداء ومنهم من افتدى. ويؤيد ذلك ما يأتي في كلام عائشة رضي الله تعالى عنها أن الإعتاق كان لأهل مائة بيت، أي فيكون الفداء لأهل مائة بيت والإطلاق في الفداء لأهل المائة الأخرى، ويكون مراد جويرية ﵂
[ ٢ / ٣٨٣ ]
بقولها «ما كلمته في قومي» أي فيمن بقي منهم.
ثم لا يخفى أن مجيء أبيها أو أخيها ومجيء وفدهم لفدائهم مخالف لما تقدم من أنه أسر سائرهم: الرجال والنساء والذرية، ولم يفلت منهم أحد، ويبعد غياب هؤلاء خصوصا أباها الذي كان يجمع القوم، فعليك أن تتنبه للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها والله أعلم. ثم بعد ذلك أسلم بنو المصطلق. وبعد بعامين بعث إليهم رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ الصدقة: أي وكان بينهم وبينه شحناء في الجاهلية، فخرجوا للقائه وهم متقلدون السيوف فرحا وسرورا بقدومه، فتوهم أنهم خرجوا لقتاله ففر راجعا، وأخبر رسول الله ﷺ بأنهم ارتدوا، فهمّ ﵊ بقتالهم: أي وأكثر المسلمون ذكر غزوهم، فعند ذلك قدم وفدهم وأخبروا بأنهم خرجوا إليه ليكرموه ويؤدوا ما عليهم من الصدقة.
أي وفي رواية أنه ﷺ أرسل إليهم خالد بن الوليد فأخبروه الخبر. وعند إرساله قال له ﷺ أرمقهم عند الصلاة فإن كان القوم تركوا الصلاة فشأنك بهم، فدنا منهم عند غروب الشمس، فكمن حيث يسمع الصلاة، فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب، ثم لما غاب الشفق أذن مؤذنهم ثم أقام الصلاة فصلوا العشاء، ثم لما كان جوف الليل فإذا هم يتهجدون ثم عند طلوع الفجر أذن مؤذنهم وأقام الصلاة فصلوا، فلما انصرفوا وأضاء النهار فإذا هم بنواصي الخيل في ديارهم. فقالوا ما هذا؟ قيل خالد بن الوليد. فقالوا يا خالد ما شأنك؟ قال: أنتم والله شأني، أتى النبي ﷺ فقيل له إنكم تركتم الصلاة وكفرتم بالله، فجثوا يبكون وقالوا معاذ الله، وهذا الوليد بيننا وبينه شحناء في الجاهلية، وإنما خرجنا بالسيوف خشية أن يكافئنا بالذي كان بيننا وبينه، فرد الخيل عنهم ورجع إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ [الحجرات: الآية ٦] الآيتين.
قال ابن عبد البر ﵀: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: الآية ٦] نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق لأخذ صدقاتهم: أي ونزل فيه وفي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) [السّجدة: الآية ١٨] أي فكان يدعى الفاسق، وبعثه لأخذ صدقات بني المصطلق يرد قول من قال إنه ممن أسلم يوم الفتح، وكان قد ناهز الحلم.
أي ويرد ما روى بعضهم عنه أنه قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم بالبركة فأتي بي إليه وأنا مضمخ بالخلوق، فلم يمسح على رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا وجود الخلوق.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
ويرد ذلك أيضا ما سيأتي أنه خرج هو وأخوه عمارة ليرد أختهما أم كلثوم عن الهجرة وكانت هجرتها في الهدنة: هدنة الحديبية.
والوليد هذا كان أخا عثمان بن عفان لأمه وولاه الكوفة: أي وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلما قدم الوليد الكوفة على سعد ﵁ قال له: والله ما أدري أصرت كيسا بعدنا أم حمقنا بعدك، فقال له: لا تجزعنّ أبا إسحاق وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون، فقال سعد: أراكم- يعني بني أمية- ستجعلونها والله- يعني الخلافة- ملكا، وعند ذلك قال الناس: بئسما فعل عثمان ﵁، عزل سعدا الهين اللين الورع المستجاب الدعوة، وولى أخاه الخائن الفاسق كما تقدم.
ولقي الوليد ابن مسعود ﵁ فقال له: ما جاء بك؟ فقال: جئت أميرا. فقال له ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟ وكان الوليد شاعرا ظريفا حليما شجاعا كريما، شرب الخمر ليلة من أول الليل إلى الفجر، فلما أذن المؤذن لصلاة الفجر خرج إلى المسجد وصلى بأهل الكوفة الصبح أربع ركعات، وصار يقول في ركوعه وسجوده اشرب واسقني، ثم قاء في المحراب، ثم سلم وقال: هل أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا زادك الله خيرا ولا من بعثك إلينا، وأخذ فردة خفه وضرب بها وجه الوليد، وحصبه الناس، فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو مترنح، وإلى ذلك يشير الحطيئة بقوله:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر
نادى وقد تمت صلاتهم أأزيدكم سكرا وما يدري
ولما شهدوا عليه بشرب الخمر عند عثمان بن عفان ﵁ استقدمه، وأمر به فجلد: أي أمر عليا كرم الله وجهه أن يقيم عليه الحدّ فجلده. وقيل: فقال عليّ كرم الله وجهه لابن أخيه عبد الله بن جعفر ﵄: أقم عليه الحدّ أي بعد أن أمر ابنه الحسن ﵁ بذلك فامتنع، فأخذ عبد الله ﵁ السوط وجلده وعليّ كرم الله وجهه يعدّ عليه حتى بلغ أربعين. فقال لعبد الله:
أمسك، جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وجلد عمر ﵁ ثمانين، وكل سنة. وهذا: أي ما فعلته من جلده أربعين أحبّ إليّ من جلد عمر ثمانين.
هذا، وفي البخاري أن عبد الله جلده ثمانين. وأجيب عنه بأن السوط كان له رأسان وحينئذ يكون قوله «وكل سنة» أي طريقة، فأربعون طريقته ﷺ. وطريقة الصديق ﵁، والثمانون طريقة عمر ﵁ رآها اجتهادا مع استشارته
[ ٢ / ٣٨٥ ]
لبعض الصحابة في ذلك، لما رآه من كثرة شرب الناس للخمر.
وبعد أن جلده وعزله عن الكوفة أعاد سعد بن أبي وقاص ﵁.
ولما أراد سعد أن يصعد المنبر قال: لا أصعد عليه حتى تغسلوه من آثار الوليد الفاسق فإنه نجس فغسلوه كما تقدم.
وإرسال الوليد بن عقبة لبني المصطلق كان ينبغي أن يذكر في السرايا، وكذا إرسال خالد ﵁ لهم.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية، أعتق بتزويجها لرسول الله ﷺ أهل مائة بيت، أي ومن المعلوم أن هذا كان قبل سبايا أوطاس الذين أطلقوا بسبب أخته ﷺ من الرضاعة على ما سيأتي في بعض الروايات وقيل في حقها: ما عرفت امرأة هي أيمن على قومها منها.
وذكرت جويرية ﵂ أنها قبل قدومه ﷺ عليهم بثلاث ليال رأت كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجرها. أي وعنها ﵂ قالت: فكرهت أن أخبر بها أحدا من الناس، فلما سبينا رجوت الرؤيا.
قال وعنها ﵂ أنها قالت: لما أتانا رسول الله ﷺ ونحن على المريسيع، فأسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به فلبثت أرى من الناس والخيل والسلاح ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوّجني رسول الله ﷺ ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعلمت أنه رعب من الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين، أي وهذا مما يؤيد ما تقدّم من أنه ﷺ تزوّجها وهم على الماء الذي هو المريسيع، وكان رجل منهم ممن أسلم وحسن إسلامه يقول: لقد كنا نرى رجالا بيضا على خيل بلق ما كنا نراهم قبل ولا بعد انتهى. وهو يدل على أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانت مددا لهم في هذه الغزوة.
ولم يقتل في غزوة بني المصطلق من المسلمين إلا رجل واحد قتله رجل من الأنصار خطأ يظنه من العدوّ، والمقتول هشام بن صبابة رضي الله تعالى عنه.
أقول: وهذا مجمل قول الحافظ الدمياطي ﵀ في سيرته: إنه لم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد فاعتراض صاحب الهدى عليه بأن هذا وهم لأنهم لم يكن بينهم قتال ليس في محله، لأنه فهم أن الرجل قتله الكفار، وقد علمت أنه إنما قتله شخص من الأنصار يظنه من العدوّ، والله أعلم، وقدم أخو هذا المقتول من مكة على رسول الله ﷺ مظهرا الإسلام وقال: جئت أطلب دية أخي، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه، فأخذها مائة من الإبل، وأقام عند رسول الله ﷺ غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، ويوم فتح مكة أهدر رسول الله ﷺ دمه،
[ ٢ / ٣٨٦ ]
فقتل في ذلك اليوم كما سيأتي.
وما هنا هو الصحيح خلافا لما يأتي عن الأصل في فتح مكة أن قتل أخيه كان في غزوة ذي قرد ثم بعد انقضاء الحرب وهم على الماء اختصم أجير لعمر بن الخطاب ﵁ أي كان يقود له فرسه يقال له جهجاه ﵁ مع رجل من حلفاء الخزرج، قيل حليف عمرو بن عمرو، وقيل حليف عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وهو سنان بن فروة ﵁، أي فضرب أجير عمر ﵁ حليف الخزرج فسال الدم، وفي لفظ: كسعه، أي دفعه، فنادى حليف الخزرج؛ يا معشر الأنصار، أي وقيل قال: يا للخزرج، ونادى أجير عمر يا معشر المهاجرين، وقيل قال: يا لكنانة يا لقريش، فأقبل جمع من الجيشين، وشهروا السلاح حتى كاد أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ فأخبر بالحال. أي فقالوا رجل من المهاجرين ضرب رجلا من الأنصار. فقال ﷺ: دعوها، أي تلك الكلمة التي هي يا لفلان فإنها منتنة، أي مذمومة لأنها من دعوى الجاهلية، وجاء «من دعا دعوى الجاهلية كان من محشي جهنم» أي مما يرمى به فيها «قيل: يا رسول الله وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم، قال: وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم» وقال ﷺ «لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه ناصر، أي له، وإن كان مظلوما فلينصره» أي يزيل ظلامته، ثم كلموا ذلك المضروب فترك حقه، فسكنت الفتنة وانطفت ثائرة الحرب.
وجهجاه هذا روى عنه عطاء بن يسار أن النبي ﷺ قال «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» وهو المراد بهذا الحديث في كفره وإسلامه، لأنه شرب حلاب سبع شياه قبل أن يسلم ثم أسلم، فلم يستتم حلاب شاة واحدة، أي وسيأتي نظير ذلك لثمامة الحنفي.
ونقل أبو عبيد أن الرجل الذي قال فيه رسول الله ﷺ هذه المقالة هو أبو بصرة الغفاري، أي ولا مانع أن يكون ﷺ قال ذلك في حق الرجل المذكور أيضا، فقد تكرر منه ﷺ ذلك ثلاث مرات لرجال ثلاثة أكل كل واحد منهم في الكفر أكثر مما أكل في الإسلام.
قال ابن عبد البر ﵀: وجهجاه هذا هو الذي تناول عصا رسول الله ﷺ من يد عثمان ﵁ وهو يخطب فكسرها على ركبته، فأخذته أكلة في ركبته فمات منها، هذا كلامه.
وفي كلام السهيلي ﵀ أنه انتزع تلك العصا من عثمان حين أخرج من المسجد ومنع من الصلاة فيه؛ وكان هو أحد المعينين عليه هذا كلامه.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
وقد يقال: لا مخالفة بين كونه أخذ العصا منه وهو يخطب وبين كونه أخذها حين أخرج من المسجد، لأنه يجوز أن يكون أخرج من المسجد في أثناء الخطبة وأخذت العصا منه حينئذ.
وعند تخاصم الرجلين غضب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان عنده رهط من قومه من الخزرج من المنافقين، وكان عندهم زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه وهو غلام حديث السن، فقال عبد الله بن أبيّ لعنه الله: والله ما رأيت كاليوم مذلة، أو قد فعلوها؟ نافرونا، أي غلبونا وكاثرونا في بلادنا، أي وأنكرونا ملتنا، والله ما أعدّنا:
أي أظننا يعني معاشر الأنصار وقريش. وفي رواية: وجلابيب قريش، هؤلاء يعني معاشر المهاجرين إلا كما قال الأول، أي الأقدمون في أمثالهم: سمن كلبك يأكلك، أي ويقولون: أجع كلبك يتبعك، والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما سمعت أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه، وبالأذل النبي ﷺ.
وفي الاستيعاب أن عبد الله بن أبيّ قال ذلك في غزوة تبوك، هذا كلامه، وفيه نظر ظاهر.
والجلابيب: جمع جلبيب ما يجلب من بلد إلى غيره يعني أغراب. وقيل شبهوا بالجلابيب التي هي الأزر الغلاظ القليلة القيمة.
ثم أقبل على من حضر من قومه. فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، أي ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونه، يعني النبي ﷺ، فأيتمتم أولادكم، وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد ﷺ، فسمع ذلك زيد بن أرقم ﵁ على ما هو الصحيح، وقيل سفيان بن تيم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب ﵁، أي ونفر من المهاجرين والأنصار.
وفي البخاري عن زيد بن أرقم ﵁ «فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي ﷺ؛ فدعاني فحدثته، فكره رسول الله ﷺ ذلك وتغير وجهه، وقال له:
يا غلام لعلك غضبت عليه، قال: والله يا رسول الله لقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، ولامه من حضر من الأنصار، وقالوا: عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل» .
أي وفي البخاري «فكذبني رسول الله ﷺ: وأصابني همّ لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت» أي الخباء «فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٣٨٨ ]
ومقتك، فقال زيد: والله لقد سمعت ما قال، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله ﷺ، وإني لأرجو أن ينزل الله على نبيه ﷺ ما يصدق حديثي» .
أي وقيل إن زيد بن أرقم ﵁ قال لابن أبيّ لما قال أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل: أنت والله الذليل المنقص في قومك:
ومحمد ﷺ في عز من الرحمن وقوة من المسلمين، فقال له ابن أبيّ لعنه الله:
اسكت، فإنما كنت ألعب، فعند تغير وجه رسول الله ﷺ استأذنه عمر ﵁ في أن يقتل ابن أبي، والتمس منه أن يأمر غيره بقتله إذا لم يأذن له في ذلك.
أي فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان من أمر ابن أبيّ ما كان، جئت رسول الله ﷺ وهو في فيء شجرة: أي ظلها، عنده غليم أسود يغمز ظهره أي يكبسه. فقلت يا رسول الله كأنك تشتكي ظهرك: فقال تقحمت بي الناقة: أي ألقتني الليلة، فقلت يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ، أو مر محمد بن مسلمة بقتله. أي وفي رواية مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله ﷺ: كيف يا عمر إذا تحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه.
وفي لفظ أن عمر ﵁ قال له رسول الله ﷺ: إن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا؛ فقال: ترعد له أذن وأنف كثيرة بيثرب يعني المدينة، ولعل تسميته ﷺ لها بذلك إن كان بعد النهي لبيان الجواز.
ويبعد أن يكون ذلك كان قبل النهي عن ذلك ولكن أذن بالرحيل، وكان ذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها.
أي وفي رواية: لما شاع الخبر ولم يكن للناس حديث في ذلك اليوم. أي الوقت إلا ذلك، أذن بالرحيل، وكانت ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرحل فيها، أي لشدة الحر، فارتحل الناس وسار رسول الله ﷺ فجاءه أسيد بن حضير ﵁ فحياه بتحية النبوّة وسلم عليه، أي قال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقال: يا نبي الله لقد رحلت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، أي فإنه ﷺ كان لا يرحل إلا إن برد الوقت، فقال له رسول الله ﷺ: أما بلغك ما قال صاحبكم، فقال: أي صاحب يا رسول الله؟ قال عبد الله بن أبي ابن سلول، قال وما قال؟ قال:
زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله أرفق به فو الله لقد جاء الله بك. وفي رواية لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي، فإنه ليرى أنك استلبته ملكا، وقد تقدم الاعتذار عنه بذلك في غير ما مرة.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
ثم سار رسول الله ﷺ بالناس سيرا حثيثا أي صار يضرب راحلته بالسوط في مراقها: أي مارق من جلد أسفل بطنها، وسار يومهم ذلك وليلتهم، وصدر ذلك اليوم الثاني حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما، وإنما فعل ﷺ ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي ابن سلول.
قال وذهب بعض الأنصار الذين سمعوا قول النبي ﷺ ورده على الغلام إلى ابن أبي لعنه الله. فقال له: يا أبا الحباب إن كنت قلت ما نقل عنك فأخبر به النبي ﷺ فليستغفر لك، ولا تجحده فينزل فيك ما يكذبك وإن كنت لم تقله فائت رسول الله ﷺ فاعتذر له واحلف له ما قلته، فحلف بالله العظيم ما قاله من ذلك شيئا، ثم مشى إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ يا ابن أبيّ إن كانت سبقت منك مقالة فتب، فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، وما تكلمت به انتهى.
أي وفي لفظ أنه ﷺ أرسل إلى ابن أبي فأتاه، فقال له: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني عنك؟ فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل.
أي، وفي لفظ أنهم قالوا: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا يصدق عليه كلام غلام.
ثم إن عبد الله ﵁ ولد عبد الله بن أبي ابن سلول، أي وكان اسمه الحباب، فسماه ﷺ يوم موت أبيه عبد الله لما بلغه مقالة عمر ﵁ من قتل أبيه، جاء إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي يعني والده فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني أن أحمل لك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.
قال وفي رواية، فمرني، فو الله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، فعفوك أفضل، ومنتك أعظم، فقال رسول الله ﷺ ما أردت قتله، ولا أمرت به ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا، فقال عبد الله: يا رسول الله إن أبي كانت أهل هذه البحيرة أي المدينة، اتفقوا على أن يتوّجوه عليهم، فجاء الله ﷿ بك فوضعه ورفعنا بك، أي زاد في رواية: ومعه قوم أي من المنافقين يطيفون به ويذكرونه أمورا قد غلب الله عليها، وتقدم أنه وقع لعبد الله ﵁ مثل ذلك مع أبيه.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
روى الدارقطني مسندا «أن رسول الله ﷺ مر على جماعة فيهم عبد الله بن أبي، فسلم عليهم ثم ولى، فقال عبد الله: لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد الله، فاستأذن رسول الله ﷺ في أن يأتيه برأس أبيه، فقال لا ولكن بر أباك، ولما كان رسول الله ﷺ بقرب المدينة هاجت ريح شديدة تخوفوها كادت تدفن الراكب» أي خافوا أن تكون لأمر حدث بالمدينة على أهلهم، فإن مدة الموادعة التي كانت بينه ﷺ وبين عيينة بن حصن كان ذلك حين انقضائها، فخافوا على المدينة منه «فقال ﷺ: ليس عليكم منه» يعني من عيينة بن حصن «بأس، ما بالمدينة من نقب» أي باب «إلا وملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكن تعصف هذه الريح لموت عظيم من الكفار» وفي رواية «لموت منافق» وفي لفظ «مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة» فكان كما قال ﷺ مات في ذلك اليوم زيد بن رفاعة بن التابوت وكان كهفا للمنافقين، كان من عظماء يهود بني قينقاع وكان ممن أسلم ظاهرا، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:
وقد عصفت ريح فأخبرت أنها لموت عظيم في اليهود بطيبة
قال: وفي رواية أن النبي ﷺ أخبر بموته، فقد جاء أن عبادة بن الصامت قال لابن أبي: يا أبا حباب مات خليلك قال: أيّ خليل؟ قال: من موته فتح للإسلام وأهله، قال: من؟ قال: زيد بن رفاعة. قال: واويلاه من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟
قال، قلت: رسول الله ﷺ أخبرنا أنه مات هذه الساعة، فحزن حزنا شديدا. انتهى وذكر أهل المدينة أن هذه الريح وجدت بالمدينة، وأنه لما دفن عدوّ الله سكنت.
أقول لكن في كلام ابن الجوزي رفاعة بن زيد بن التابوت، وهو عمّ قتادة بن النعمان، قد ذكر عنه قتادة رضي الله تعالى عنه ما يدل على صحة إسلامه.
أي وقد يقال: جاز أن يكون أظهر ذلك لقتادة ليظن به ما ظنه من صحة إسلامه.
قال ابن الجوزي: ولهم رفاعة بن التابوت معدود في الصحابة ذكره في الإصابة. قال: جاء ذكره في حديث مرسل، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لم يأتوا بيتا من قبل بابه، ولكن من قبل ظهره، إلا الحمس فإنها كانت تأتي البيوت من أبوابها، فدخل رسول الله ﷺ حائطا ثم خرج من بابه، فأتبعه رجل يقال له رفاعة بن التابوت ولم يكن من الحمس. فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة فقال له رسول الله ﷺ:
ما حملك على ما صنعت ولم تكن من الحمس؟ قال: فإن ديننا واحد، فنزلت وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: الآية ١٨٩] وسيأتي نحو هذه القصة لقطبة بن عامر ولعلها وقعت لهما.
[ ٢ / ٣٩١ ]
وأما الحديث الذي أخرجه مسلم «إن ريحا عظيمة هبت فقال النبي ﷺ إنها هبت لموت منافق عظيم النفاق» وهو رفاعة بن التابوت، فهو آخر غير هذا. فقد جاء من وجه آخر «رافع بن التابوت» أي فذكر رفاعة بدل رافع من تصرف بعض الرواة.
وذكر في الإصابة أن رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان ﵁ لم يوصف بأنه ابن التابوت كما ذكره ابن الجوزي، أي فوصفه بابن التابوت من تصرف بعض الرواة، فليتأمل والله أعلم.
وعن جابر ﵁ قال «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فهاجت ريح منتنة فقال النبي ﷺ: إن ناسا من المنافقين اغتابوا ناسا من المؤمنين فلذلك هاجت هذه الريح» ولم يعين جابر السفرة، فيحتمل أن تكون هي هذه الغزوة وهو ظاهر سياقها فيها.
ويحتمل أن تكون غيرها، وفقدت ناقة رسول الله ﷺ القصواء من بين الإبل:
أي ليلا. فجعل المسلمون يطلبونها من كل وجه، فقال زيد بن الصلت وكانت منافقا كما علمت من بني قينقاع وكان بمجمع من الأنصار: أي يذهب هؤلاء في كل وجه، قالوا يطلبون ناقة رسول الله ﷺ قد ضلت، قال: أفلا يخبره الله بمكانها، أي وفي لفظ: كيف يدعي أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ولا يخبره الذي يأتيه بالوحي، فأنكر عليه القوم؛ وقالوا قاتلك الله يا عدوّ الله نافقت، وأرادوا قتله فعمد هاربا إلى رسول الله ﷺ متعوذا به. فقال رسول الله ﷺ- وذلك الرجل يسمع: إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله ﷺ وقال: ألا يخبره الله بمكانها، والله قد أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنها في الشعب مقابلكم، قد مسك زمامها بشجرة، فاعمدوا نحوها، فذهبوا فأتوا بها من حيث قال ﷺ، فقام ذلك الرجل سريعا إلى رفقائه، فقالوا له حين دنا لا تدن منا، فقال لهم: أنشدكم الله، هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره خبري، قالوا: لا والله، ولا قمنا من مجلسنا، فقال:
إني وجدت ما تكلمت به عنده، فأشهد أن محمدا رسول الله كأني لم أسلم إلا اليوم فقالوا له: فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فذهب إليه واعترف بذنبه واستغفر له، قال: ويقال إنه لم يزل فشلا أي جبانا حتى مات ووقع مثل هذا أي هبوب الريح وإضلال ناقته ﷺ في غزوة تبوك.
وأوقع ﷺ السباق بين الإبل، فسابق بلال ﵁ على ناقته ﷺ القصواء فسبقت غيرها من الإبل، وسابق أبو سعيد الساعدي ﵁ على فرسه ﷺ الذي يقال له الظرب فسبق غيره من الخيل اهـ.
أي وجاء أن ناقته ﷺ العضباء كانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال ﷺ «حقّ على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه» اهـ.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
أقول في الإمتاع: أنه ﷺ في هذه الغزوة تسابق مع عائشة ﵂ فتحزمت بقبائها، وفعل كذلك رسول الله ﷺ ثم استبقا فسبقها رسول الله ﷺ وقال لها: هذه بتلك التي كنت سبقتني، يشير ﷺ إلى أن جاء إلى بيت أبي بكر ﵁ فوجد مع عائشة شيئا فطلبه منها فأبت وسعت، وسعى ﷺ خلفها فسبقته.
هذا. وفي كلام ابن الجوزي عن عائشة ﵂ أنها قالت «خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم، فقال للناس: تقدموا فتقدموا. ثم قال: تعالى حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى حملت اللحم وخرجت معه في سفرة أخرى. فقال للناس: تقدموا، فتقدموا. ثم قال لي تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقني فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك» فليتأمل.
قال: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى وادي العقيق تقدّم عبد الله ﵁ ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلول وجعل يتصفح الركاب حتى مرّ أبوه، فأناخ به ثم وطىء على يد راحلته، فقال أبوه ما تريد يا لكع، فقال: والله لا تدخل حتى تقرّ أنك الذليل وأن رسول الله ﷺ العزيز، حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، لتعلم أيضا الأعز من الأذل، أنت أو رسول الله ﷺ؛ فصار يقول لأنا أزل من الصبيان، لأنا أزل من النساء، حتى جاء رسول الله ﷺ قال: خلّ عن أبيك، فخلى عنه.
أي وفي لفظ أنه لما جاء قال له ابنه: وراءك قال: ما لك ويلك قال: والله لا تدخلها يعني المدينة حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، وتعلم اليوم من الأعز من الأذل:
وفي لفظ: حتى تقول رسول الله ﷺ الأعز وأنت الأذل، فقال له: أنت من بين الناس، فقال: نعم أنا من بين الناس، وانصرف إلى النبي ﷺ، وشكا له ما صنع ابنه ﵁، فأرسل ﷺ إلى ابنه أن خلّ عنه. وفي لفظ قال له ابنه ﵁:
لئن لم تقرّ لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك، فقال: ويحك أفاعل أنت؟ قال نعم، ولما رأى منه الجد قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله ﷺ لابنه: جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا.
وأنزل الله تعالى سورة المنافقين. قال زيد بن أرقم ﵁: رأيت رسول الله ﷺ تأخذه البرحاء، ويعرق جبينه الشريف، وتثقل يدا راحلته، فقلت: إن رسول الله ﷺ يوحى إليه، ورجوت أن ينزل الله تصديقي. فلما سري عن رسول الله ﷺ أخذ بأذني وأنا على راحلتي يرفعها إلى السماء حتى ارتفعت عن مقعدي وهو يقول: وعت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك، وكذب المنافقين.
وفي رواية «هذا الذي أوفى الله بأذنه، ونزل وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[الحاقّة: الآية ١٢] فكان يقال لزيد بن أرقم ﵁ ذو الأذن الواعية» .
وذكر بعض الرافضة أن قوله تعالى وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[الحاقّة: الآية ١٢] جاء في
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الحديث أنها نزلت في علي كرم الله وجهه. قال الإمام ابن تيمية: وهذا حديث موضوع باتفاق أهل العلم: أي وعلى تقدير صحته لا مانع من التعدد.
وصار قوم عبد الله بن أبي عند نزول سورة المنافقين يعاتبونه ويعنفونه، ولما بلغه ﷺ أي بغض قومه له ومعاتبتهم له، قال ﷺ لعمر ﵁: كيف ترى يا عمر، إني والله لو قتلته يوم قلت لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، فقال عمر ﵁: وقد والله علمت لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري اهـ.
وجاء «أنه لما نزلت سورة المنافقين وفيها تكذيب ابن أبيّ، قال له أصحابه:
اذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة أموالي فأعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد ﷺ فأنزل الله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ [المنافقون: الآية ٥] الآية» .
وفي تفسير القرطبي عند قوله تعالى لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [المجادلة: الآية ٢٢] قال السدي: نزلت في عبد الله بن أبيّ، جلس إلى النبي ﷺ فشرب رسول الله ﷺ، فقال له: بالله يا رسول الله، أما أبقيت فضلة من شرابك أسقها أبي لعل الله يطهر بها قلبه، فأفضل له فأتاه بها؟ فقال له عبد الله: ما هذا؟ فقال هي فضلة من شراب النبي ﷺ جئتك بها تشربها لعل الله يطهر قلبك بها، فقال له أبوه، فهلا جئتني ببول أمك فإنه أطهر منها، فغضب وجاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله بالله أما أذنت لي في قتل أبي، فقال النبي ﷺ: بل ترفق به وتحسن إليه.
وقد جاء أن ابنه ﵁ قال: يا رسول الله ذرني أسقي والدي من وضوئك لعل قلبه أن يلين، فتوضأ ﷺ وأعطاه فذهب به إلى أبيه، فسقاه وقال له هل تدري ما سقيتك؟ قال: نعم، سقيتني بول أمك، قال: لا والله لكن سقيتك بول رسول الله ﷺ» وقدم رسول الله ﷺ المدينة هلال رمضان، فكانت غيبته ثمانية وعشرين ليلة.
قال: وفي هذه الغزوة جاءت امرأة بابن لها وقالت يا رسول الله هذا ابني غلبني عليه الشيطان، ففتح ﷺ فم الولد وبزق فيه وقال: اخسأ عدو الله، أنا رسول الله، قال ذلك ثلاثا. ثم قال للمرأة: شأنك بابنك، لن يعود إليه شيء مما كان يصيبه» .
وفي هذه الغزوة «جاء شخص بثلاث بيضات له ﷺ من بيض النعام فقال ﷺ لجابر ﵁ دونك يا جابر فاعمل هذه البيضات. قال جابر: فعملتهنّ ثم جئت بهنّ، فجعلنا نطلب خبزا فلم نجد، فجعل كلّ من رسول الله ﷺ وأصحابه يأكل من ذلك بغير خبز حتى انتهى كل إلى حاجته والبيض كما هو» .
وفي هذه الغزوة «جاء جمل إلى رسول الله ﷺ يرفل» أي يختال في
[ ٢ / ٣٩٤ ]
مشيه «وصوت، فقال ﷺ: تدرون ما يقول هذا الجمل؟ هذا يستعيذني على سيده، يقول: إنه كان يحرث عليه، وإنه أراد أن ينحره، اذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به، فقلت: لا أعرفه، قال: إنه سيدلك عليه، فخرج بين يديّ حتى وقف على صاحبه فجئت به إلى النبي ﷺ فكلمه في شأن الجمل» اهـ.
أقول: وقد تقدمت هذه الأمور الثلاثة التي هي قصة ابن المرأة، وقصة البيض، وقصة الجمل في ذات الرقاع، والتعدد فيهما حتى لأجل هذه الأمور سميت كل منهما بغزوة الأعاجيب بعيد. والذي أراه أنه اشتباه من بعض الرواة فليتأمل.
وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك: أي الكذب على عائشة الصديقة المبرأة المطهرة ﵂ قالت «لما دنونا من المدينة قافلين» أي راجعين «أذن ليلة بالرحيل، فقمت وذهبت لأقضي حاجتي حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع أظفار» كذا بالألف عند البخاري. وفي رواية «ظفار» بغير ألف. قال القرطبي: ومن قيده بالألف فقد أخطأ، أي ولعل المراد خالف الرواية، وفي لفظ «ظفاريّ» أي بياء النسبة. وفي لفظ «الجزع الظفري» .
وقد يقال: لا مانع من وقوع هذه الألفاظ من الصديقة في أوقات مختلفة. قال بعضهم: الجزع بفتح الجيم وإسكان الزاي وآخره عين مهملة خرز «وطفار» بالطاء المعجمة كوبار مبنية على الكسر: قرية من قرى اليمن كان ثمنه يسيرا. وفي كلام بعضهم: كان يساوي اثني عشر درهما «قد انقطع، فالتمست عقدي» أي ذهبت إلى التماسه في المحل الذي قضيت فيه حاجتي وحبسني التماسه «أقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي» هو بتخفيف الحاء: أي يجعلون هودجها على الرحل، «فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لقلة أكلهنّ» أي لأن السمن وكثرة اللحم غالبا تنشأ عن كثرة الأكل «وساروا» . أي وعن عائشة ﵂ أن الذي كان يرحل هودجها ويقود عبيرها أبو مويهبة مولى رسول الله ﷺ، وكان رجلا صالحا. ولا يخالف هذا قولها وأقبل الرهط إلى آخره. وقولها في بعض الروايات «ولم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه» لأنه يجوز أن جماعة كانوا يعاونون أبا مويهبة في ذلك «فوجدت عقدي، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، وأقمت بمنزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت.
وكان صفوان السلمي خلف الجيش»: أي لأنه كان على ساقة الجيش يتخلف عن الجيش ليلتقط ما يسقط من المتاع. وقيل كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس.
وقد جاء «أن زوجته شكته إلى النبي ﷺ وقالت له: إنه لا يصلي الصبح،
[ ٢ / ٣٩٥ ]
فقال: يا رسول الله إني امرؤ ثقيل النوم لا أستيقظ حتى تطلع الشمس، فقال له رسول الله ﷺ: إذا استيقظت فصلّ» أي وفي رواية «شكته إلى النبي ﷺ أنه يضربها، فقال: إنها تصوم بغير إذني، فقال لها لا تصومي إلا بإذنه قالت: إنه ينام عن الصلاة، أي صلاة الصبح، قال إنه شيء ابتلاه الله به، فإذا استيقظ فليصلّ» وهذا يدل على أنه ﷺ كان يعلم من حاله أنه ينام عن صلاة الصبح «قالت إنه إذا سمعني أقرأ يضربني فقال: إن معي سورة ليس معي غيرها هي تقرؤها، قال: لا تضربها، فإن هذه السورة لو قسمت في الناس لوسعتهم» أي وهذا الجواب منه ﷺ يدل على أن صفوان ظنّ أن امرأته إذا قرأت تلك السورة شاركته في ثوابها فليتأمل.
«فأدلج: أي سار ليلا فأصبح عند منزلي» أي على خلاف عادته «فرأى سوادا» أي شخص إنسان نائم «فأتاني فعرفني، فاستيقظت باسترجاعه» أي بقوله: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: الآية ١٥٦] أي لأن تخلف أمّ المؤمنين عن الرفقة في مضيعة:
مصيبة أي مصيبة، قالت: فخمرت وجهي بجلبابي» وهو ثوب أقصر من الخمار، ويقال له المقنعة تغطي بها المرأة رأسها: أي لأن ذلك كان بعد نزول آية الحجاب أي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب: الآية ٥٣] الآية أي لأنه تقدم أن ذلك كان في سنة ثلاث على الراجح عند الأصل.
وفي الإمتاع وذكر بعض علماء الأخبار أن تزوجه ﷺ زينب التي نزلت آية الحجاب بسببها كان في ذي القعدة سنة خمس، ولا يخفى أن هذا القول ينافيه ما يأتي عن عائشة ﵂ من قولها «إن زينب هي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ» إذ هو صريح في أنها كانت زوجة له ﷺ قبل هذه الغزوة بناء على أن هذه الغزوة كانت سنة ست.
«قالت والله ما كلمني» وفي لفظ «والله ما يكلمني كلمة، وما سمعت منه كلمة» أي فلا كلمها ولا كلم نفسه، قيل استعمل الصمت أدبا لهول هذا الأمر الذي هو فيه، فلم يقع منه غير الاسترجاع حين أناخ ناقته فوطىء على يدها فركبتها. وفي رواية «ثم قرب البعير، فقال اركبي أي وفي لفظ قال أمه قومي فاركبي، وأخذ برأس البعير» وجاء «أنها لما ركبت، قالت حسبي الله ونعم الوكيل» .
وفي سيرة ابن هشام «أنه لما قال لها ما خلفك يرحمك الله؟ قالت فما كلمته» أي ويحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات الثلاث وما قبلها على تقدير صحتها.
وقد يقال إنها لم تسمع منه غير استرجاعه ولا كلمها ولا تكلم قبل أن يقرب إليها البعير كما علمت، فلما قرب البعير إليها، قال لها: يا أمه قومي فاركبي» لأن إناخة البعير وتقريبه ليس صريحا في الإذن لها في الركوب. فأتى بذلك اللفظ الدالّ على مزيد احترامها وإجلالها وتعظيمها. وبعض الرواة اقتصر على قولها اركبي «وبعد
[ ٢ / ٣٩٦ ]
أن ركبت، أي وحصلت الطمأنينة، واندفعت الريبة، قال لها متعجبا لا مستفهما: ما خلفك؟ قالت: فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا، وذلك في نحر الظهيرة» أي وسطها «وهو بلوغ الشمس منتهاها من الارتفاع» .
وبهذه الواقعة استدل فقهاؤنا على أنه يجوز الخلوة بالمرأة الأجنبية إذا وجدها منقطعة ببرية أو نحوها. بل يجب استصحابها إذا خاف عليها لو تركها.
هذا، وفي الخصائص الصغرى، وفي معاني الآثار للطحاوي ﵀. قال أبو حنيفة كان الناس لعائشة ﵂ محرما، فمع أيهم سافرت فقد سافرت مع محرم وليس غيرها من النساء كذلك.
أي وقوله وليس غيرها من النساء كذلك يشمل بقية أزواج النبي ﷺ، وحينئذ فليتأمل الفرق بينها وبين بقية أمهات المؤمنين فيما ذكر. وفيما سيأتي عن بعضهم أن من قذف عائشة يقتل، ويحدّ في غيرها من أزواجه ﷺ حدين.
«قالت عائشة ﵂: فلما نزلنا هلك من هلك بقول البهتان والافتراء، والذي تولى كبره» أي معظمه عبد الله بن أبيّ ابن سلول، أي فإنه كان أول من أشاعه في العسكر، أي فإنه كان ينزل مع جماعة المنافقين متبدين من الناس «فمرت عليهم.
فقال من هذه؟ قالوا: عائشة وصفوان. فقال: فجربها ورب الكعبة، وفي لفظ «ما برئت منه وما برىء منها» وفي لفظ «والله ما نجت منه ولا نجا منها، وصار يقول:
امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت. ثم أشاع ذلك في المدينة بعد دخولهم لها لشدّة عداوته لرسول الله ﷺ» أي والذي في البخاري «كان يتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه» أي يستخرجه بالبحث عنه.
وقد يقال: لا منافاة لأنه يجوز أن يكون هو أول من أشاعه عند دخول المدينة، ثم صار يستخرجه بالبحث عنه ليكثر إشاعته «قالت: فقدمنا المدينة، فاشتكيت» أي مرضت «حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك» أي ووصل الخبر إلى النبي ﷺ وإلى أبويّ ولا أشعر بشيء من ذلك، وكان يريا بني أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي أي حين أمرض، واللطف بضم اللام وسكون الطاء. وقيل بفتح اللام والطاء، وهو من الإنسان الرفق، ومن الله التوفيق «إنما يدخل عليّ فيسلم» أي وعندي أمي تمرضني، ثم يقول: كيف تيكم» أي لا يزيد على ذلك «ثم ينصرف، فلذاك الذي يريا بني حتى خرجت بعد ما نقهت» بكسر القاف وفتحها «أي أول ما أفقت من المرض، فخرجت معي أمّ مسطح وهي بنت خالة أبي بكر» أي وما في لفظ «وكان مسطح ابن خالة أبي بكر هو على ضرب من التجوز والمسامحة «وكان مسطح يتيما في حجر أبي بكر» وكان فقيرا ينفق عليه أبو بكر، قالت: وخروجنا كان إلى المحل الذي تخرج إليه
[ ٢ / ٣٩٧ ]
النساء ليلا، أي لقضاء حاجة الإنسان، وذلك قبل أن تتخذ الكنف» أي فإن أزواج النبي ﷺ كنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن نحو المنصع: وهو محل متسع. قالت: فلما فرغنا من شأننا وأقبلت عثرت أم مسطح في مرطها» أي إزارها «فقالت: تعس مسطح» بفتح العين وكسرها: هلك مسطح تعني ولدها، ومسطح في الأصل عمود الخيمة: قلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: يا هنتاه» بفتح الهاء الأولى وسكون النون وضم الهاء الثانية: أي يا هذه «أو لم تسمعي ما قال؟
قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك: فازددت مرضا على مرضي» أي عاودني المرض وازددت عليه» أي وفي لفظ «فخرّت مغشيا عليها» .
وفي رواية «خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح قد حملت السطل وفيه ماء فعثرت ووقع السطل منها، فقالت: تعس مسطح، فقلت: أي أم تسبين ابنك، فسكتت ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح، فقلت: أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح فنهرتها، فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت:
في أي شأني؟ فبقرت» أي كشفت لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم، فأخذتني حمى نافضة ورجعت إلى بيتي، فلما رجعت إلى بيتي مكثت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودخل عليّ رسول الله ﷺ وقال بعد أن سلم: كيف تيكم؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي بيت أبويّ؟
وأنا أريد أن أتثبت الخبر من قبلهما، أي لأن أمها فارقتها لما نقهت من المرض، وذهبت إلى بيتها، فلا ينافي ما سبق من قولها: وعندي أمي تمرّضني «قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبويّ، أي وأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك؟ فأخبرتها» فذهابها إلى أبويها كما علمت كان بعد أن صحت من المرض وبعد إخبار أم مسطح لها بالقصة.
والذي في السيرة الهشامية يفيد أنه كان قبل ذلك، وهو أنها ﵂ قالت: «كان ﷺ كلما يدخل يقول: «كيف تيكم» لا يزيد على ذلك حتى وجدته في نفسي، فقلت: يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه: لو أذنت لي؟ قال: لا عليك، قالت: فانتقلت إلى أمي تمرضني ولا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم» أي بيوت الأخلية «نعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب في فسح المدينة، فخرجت ليلة ومعي أم مسطح بنت خالة أبي بكر، إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح، قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين وقد شهد بدرا، قالت: أو ما بلغك الخبر يا ابنة أبي بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك. قلت: أو قد كان هذا، قالت: نعم، والله لقد كان، فو الله
[ ٢ / ٣٩٨ ]
ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت، فو الله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي» فليتأمل الجمع بين ما في السيرة الهشامية وما في غيرها على تقدير صحتهما.
«قالت: وقلت لأمي يغفر الله لك، تحدّث الناس بما تحدّثوا به لا تذكرين لي من ذلك شيئا» الحديث. وفي رواية «فقلت لأمي يا أماه يتحدّث الناس» وفي لفظ «قلت لأمي يغفر الله لك، تحدّث الناس بما تحدثوا ألا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: يا بنية هوّني عليك» وفي لفظ «خفضي عليك الشأن، فو الله لقلما ما كانت امرأة قط وضيئة» أي جميلة «عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها» أي القول في تنقيصها.
وفيه أن ضرائرها أمهات المؤمنين لم يكنّ السبب في إشاعة ذلك ولم ينقصنها به، إلا أن يقال ظنت أمها ذلك على ما هو العادة في ذلك «وعند ذلك قالت:
فقلت: سبحان الله ولقد تحدّث الناس بهذا؟ أي وقلت قد علم به أبي؟ قالت نعم، قلت: ورسول الله؟ قالت: نعم، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع» أي لا يرتفع «ولا اكتحلت بنوم في الليلة الثانية كذلك، ولما أصبحت أصبح أبواي عندي يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي أي وهما يبكيان وأهل الدار يبكون، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي» وسمعت من بعض الشيوخ أن هرّة كانت بالبيت جالسة تبكي أيضا «فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث ﷺ شهرا لا يوحى إليه في شأني، فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس. ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تعالى تاب الله عليه» .
قال بعضهم: دعاها إلى الاعتراف ولم يأمرها بالستر، أي مع أنه المطلوب ممن أتى ذنبا لم يطلع عليه.
وفي لفظ. «قال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتق الله، فإن كنت قارفت» أي اكتسبت «سواء مما يقول الناس، فتوبي إلى الله تعالى، فإن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده. قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي» أي ارتفع «حتى ما أحس منه بقطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ فيما قال. قال:
فو الله لا أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ. فقالت:
[ ٢ / ٣٩٩ ]
والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ؟» وفي لفظ «قلت لأبوي: ألا تجيبان رسول الله ﷺ فقالا: والله لا ندري بماذا نجيبه؟ فقلت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم إني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، فو الله لا أجد لي ولكم» وفي لفظ «لا أجد لي مثلا إلا قول أبي يوسف ﵉، أي والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه، إذ يقول: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ [يوسف: الآية ١٨] .
أي وفي رواية كما في البخاري «مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: الآية ١٨] وفي لفظنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[يوسف: الآية ٨٦] وبذلك استدل على جواز ضرب المثل من القرآن أيضا «ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى»، وفي لفظ «قرآنا يقرأ به في المسجد ويصلى به، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى. وكنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا في النوم يبرئني الله بها، أي وعند ذلك قال أبو بكر ﵁: ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل عليّ، والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا يعبد الله، فيقال لنا في الإسلام. وأقبل على عائشة مغضبا، فأخذ رسول الله ﷺ ما كان يأخذه عند نزول الوحي» أي من شدة الكرب «فسجي أي غطي، بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه» وفي لفظ «قالت عائشة ﵂: فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فو الله ما فزعت، لأني قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فو الذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله ﷺ أي وأخبر بما أخبر حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا» أي خوفا «من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس. فلما سري عن رسول الله ﷺ سري عنه وهو يضحك، وإنه لينحدر منه العرق كالجمان» وهي حبوب مدحرجة تجعل من الفضة أمثال اللؤلؤ «فجعل يمسح العرق عن وجهه الكريم، فكان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما إن الله قد برأك، فقالت أمي: قومي إليه ﷺ، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله» وفي لفظ «قال أبشري يا عائشة فقد أنزل الله تعالى براءتك، قلت: نحمد الله لا نحمد أحدا. قالت عائشة ﵂:
نزلت تلك الآيات في يوم شات. قالت: وتناول رسول الله ﷺ درعي، فقلت بيده هكذا:
أي أدفع يده عن درعي «فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها فمنعته، فضحك رسول الله ﷺ وقال له: أقسمت عليك لا تفعل» وفي رواية: «لما أنزل الله براءتها قام إليها أبو بكر ﵁ فقبل رأسها، فقالت له: هلا كنت عذرتني. فقال: أي بنية أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت بما لا أعلم؟» ولا مخالفة بين هذه الرواية وما قبلها، لجواز أن يكون ما قبلها بعدها، وأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ [النور: الآية ١١] الآيات العشر أي وفي تفسير البيضاوي الثمانية عشر.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
قال السهيلي: وكان نزول براءة عائشة ﵂ بعد قدومهم المدينة: أي من الغزوة المذكورة لسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسرين، فمن نسبها ﵂ إلى الزنا كغلاة الرافضة كان كافرا لأن في ذلك تكذيبا للنصوص القرآنية ومكذبها كافر.
وفي حياة الحيوان عن عائشة ﵂ «لما تكلم الناس في الإفك رأيت في منامي فتى فقال لي: ما لك؟ قلت: حزينة مما ذكر الناس فقال: ادعي بهذه يفرج الله عنك. قلت: وما هي؟ قال: قولي: يا سابغ النعم، ويا دافع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، ويا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا. قالت: فقلت ذلك فانتبهت وقد أنزل الله فرجي» .
قال بعضهم: برأ الله تعالى أربعة بأربعة. برّأ يوسف ﵇ بشاهد من أهل زليخة. وبرأ موسى ﵇ من قول اليهود فيه إن له أدرة بالحجر الذي فرّ بثوبه وبرّأ مريم بإنطاق ولدها. وبرأ عائشة بهذه الآيات.
«وكان أبو بكر ﵁ ينفق على مسطح لقرابته منه أي كما تقدم ولفقره، فحلف لا ينفق عليه، أي فإنه قال: والله لا أنفق على مسطح أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد ما قال لعائشة وأدخل علينا» .
وفي لفظ «أخرجه من منزله وقال له: لا وصلتك بدرهم أبدا، ولا عطفت عليك بخير أبدا، فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ [النّور: الآية ٢٢] أي الفضيلة والإفضال مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النّور: الآية ٢٢] أي في الرزق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النّور: الآية ٢٢] وعند ذلك قال النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: أما تحب أن يغفر الله لك. قال أبو بكر ﵁: والله إني لأحب أن يغفر لي، فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه. وقال: والله إني لا أنزعها عنه أبدا» .
وفي معجم الطبراني الكبير والنسائي «أنه أضعف له في النفقة التي كان يعطيه إياها قبل القذف» أي أعطاه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك «أي وكفر عن يمينه» .
وبهذا وبما في الصحيح من قوله ﷺ «من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» .
استدّل فقهاؤنا على أن الأفضل في حق من حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه أن يحنث ويكفر عن يمينه.
وهنا لطيفة، وهي: أن ابن المقري ﵀ منع عن ولده النفقة تأديبا له على
[ ٢ / ٤٠١ ]
أمر وقع منه، فكتب إلى والده رحمه الله تعالى هذه الأبيات:
لا تقطعنّ عادة برّ ولا تجعل عقاب المرء في رزقه
فإن أمر الإفك من مسطح يحط قدر النجم من أفقه
وقد جرى منه الذي قد جرى وعوتب الصدّيق في حقه
فكتب إليه والده رحمه الله تعالى هذه الأبيات:
قد يمنع المضطر من ميتة إذا عصى بالسير في طرقه
لأنه يقوى على توبة تكون إيصالا إلى رزقه
لو لم يتب مسطح من ذنبه ما عوتب الصديق في حقه
ووصف الله تعالى الصديق بأولي الفضل موافق لوصفه ﷺ له بذلك، فقد جاء أن عليا كرّم الله وجهه دخل على النبيّ ﷺ وأبو بكر الصدّيق ﵁ جالس عن يمين رسول الله ﷺ، فتنحى أبو بكر عن مكانه وأجلس عليا كرّم الله وجهه بينه وبين النبيّ ﷺ، فتهلل وجه رسول الله ﷺ فرحا وسرورا. وقال «لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أولو الفضل» .
وعنها ﵂ «أنها قالت: لما استلبث الوحي عنه ﷺ» أي أبطأ عليه ولم ينزل «استشار الصحابة، فقال له عمر ﵁: من زوّجها لك يا رسول الله؟ قال: الله تعالى، قال: أفتظن أن الله دلس عليك فيها؟ سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) [النور: الآية ١٦]، فنزلت، ودعا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأسامة بن زيد ﵄ ليستأمرهما في فراق أهله» أي تعني نفسها «فأما أسامة بن زيد، فقال: أهلك» أي الزم أهلك «يا رسول الله، ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإنك لتقدر أن تستخلف» وفي لفظ «قد أحل الله لك فطلقها وأنكح غيرها، وإن تسأل الجارية تصدقك» يعني بريرة ﵂، أي لأنها كانت تخدم عائشة إما قبل شرائها لها أو بعده وقبل عتقها لها كان بعد الفتح «فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا أغمصه» بالغين المعجمة والصاد المهملة بينهما ميم مكسورة: أي أعيبه «عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن وهي الدابة التي تألف البيوت ولا تخرج للمرعى، وهي هنا الشاة «فتأكله» .
وفي لفظ «فدعا رسول الله ﷺ بريرة فسألها، فقام إليها عليّ كرم الله وجهه فضربها ضربا شديدا، وجعل يقول لها: أصدقي رسول الله ﷺ فتقول: والله ما أعلم
[ ٢ / ٤٠٢ ]
إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني، فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله» أي وضربها كما قال السهيلي ولم تستوجب ضربا، ولا استأذن رسول الله ﷺ في ضربها، لأنه اتهمها في أنها خانت الله ورسوله، فكتمت من الحديث ما لا يسعها كتمه، هذا كلامه.
والذي في البخاري «وانتهرها بعض الصحابة. فقال: أصدقي رسول الله ﷺ، فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصانع على تبر الذهب الأحمر» .
وفي الإمتاع «جاء رسول الله ﷺ لبريرة وسألها. فقالت: هي أطيب من طيب الذهب، والله لا أعلم عليها إلا خيرا، والله يا رسول الله لئن كانت على غير ذلك ليخبرك الله بذلك» .
أي وبريرة هذه روى عنها عبد الملك بن مروان. فقد ذكر أنه قال: كنت أجالس بريرة ﵂ بالمدينة قبل أن آتي إلى هذا الأمر يعني الخلافة، فكانت تقول لي: يا عبد الملك إني أرى فيك خصالا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر يعني الخلافة، فإن وليته فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق» .
«قالت عائشة ﵂: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش أم المؤمنين عن أمري، يقول: ماذا علمت أو رأيت، فتقول: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري» أي أصون سمعي من أن أقول سمعت ولم أسمع، وأصون بصري من أن أقول أبصرت ولم أبصر «ما علمت إلا خيرا» أي وفي رواية «حاشا سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا، والله ما أكلمها، وإني لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق.
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله ﷺ» . وفي لفظ «تناصيني» أي تعادلني من أزواج النبي ﷺ في المنزلة والمحبة عنده ﷺ «فعصمها الله تعالى» أي ولهذا جعلها في النور أفضل نسائه ﷺ بعد عائشة وخديجة حيث قال:
والذي يظهر أن أفضلهن: أي زوجاته ﷺ بعد خديجة وعائشة زينب بنت جحش.
«وقالت عائشة ﵂ في وصفها: لم أر امرأة قط خيرا من زينب في الدين، وأتقي الله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي يتقرب به إلى الله، ما عدا سورة» أي حدة «تسرع فيها الفيئة» أي ترجع عنها سريعا «قالت عائشة ﵂: وقد قام رسول الله ﷺ أي عند استلباث الوحي وتأخره في الناس وخطبهم فحمد الله وأثني عليه. ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذوني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق» وفي رواية «فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال وهو على المنبر: من يعذرني أن ينصفني من
[ ٢ / ٤٠٣ ]
رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا- يعني صفوان- ما علمت عليه إلا خيرا، أي وزاد في رواية «ولا يدخل بيتي» . وفي لفظ «بيتا من بيوتي إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي يقولون عليه غير الحق. فقام سعد بن معاذ: أي سيد الأوس فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وقد احتملته الحمية» وفي لفظ «أجهلته الحمية. وكان قبل ذلك رجلا صالحا»: أي لما ذكر سعد بن معاذ الخزرج الذين هم قوم سعد بن عبادة غضب سعد بن عبادة لأجلهم وحملته الحمية لهم على أن يجهل» أي قال قول الجهل «فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ كما تقدم. فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه وأنفك راغم. فإنك منافق تجادل عن المنافقين» أي والمراد بكونه منافقا أنه يفعل فعل المنافقين، ومن ثم لم ينكر ﷺ ذلك إن كان سمعه، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، لأنه كان بين الحيين قبل الإسلام مشاحنة ومحاربة كما تقدم ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، «فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، قالت: وأنا لا أعلم بشيء من ذلك» .
أقول فيه أن سعد بن معاذ لم يقل إنه إن كان من الخزرج نقتله، بل قال نفعل فيه ما أمر به النبي ﷺ، فلا يحسن ردّ سعد بن عبادة عليه بما ذكر.
ثم رأيت بعضهم ذكر أن الأظهر عندي أن ابن عبادة لم يقل ذلك حمية لقومه، وإنما أراد الإنكار على ابن معاذ في كونه يقتل شخصا من قومه الذين هم الأوس مع أنه يظهر الإسلام لأنه ﷺ لم يكن يقتل من يظهر الإسلام، فكأنه قال لا تقل ما لا تفعل ولا تقدر على فعله حيث لم يأمرك بذلك النبي ﷺ، وإنما انتصر أسيد بن حضير لسعد بن معاذ نصرة للنبي ﷺ في مثل هذه الحالة العظيمة التي طلب النبي ﷺ فيها من يعذره من ذلك القائل، وإنكاره على سعد بن عبادة إنما هو إنكار ظاهر لفظه وإن كان لباطنه مخلص حسن، وكم من لفظ ينكر إطلاقه على قائله وإن كان في الباطن له مخلص هذا كلامه.
ثم رأيت في السيرة الهشامية أن المتكلم أسيد بن حضير، وأنه قال يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا أمرك، فو الله إنهم لأهل لأن نضرب أعناقهم، فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله، والله ما تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك يعني الأوس ما قلت هذا: أي لأن عبد الله بن أبي ابن سلول من
[ ٢ / ٤٠٤ ]
الخزرج، وكذا حسان بن ثابت ﵁، بناء على أنه كان من أصحاب الإفك.
وفي البخاري «أن سعد بن معاذ قال: ائذن لي يا رسول الله أن أضرب أعناقهم، فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان من رهط ذلك الرجل» أي من الخزرج «فقال: كذبت، أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم» وعلى هذه الرواية فلا إشكال.
وقول البخاري «وكانت أم حسان إلى آخره» يشعر بأن حسان لم يكن من الخزرج، وهو يخالف ما تقدم وما سيأتي أنه من الخزرج، إلا أن يقال وصفه بذلك على المسامحة لكون أمه منهم فليتأمل، ولا يخفى أن ذكر المنبر يخالف ما في الأصل من أن اتخاذ المنبر كان في السنة الثامنة، وقصة الإفك كانت في السنة الخامسة أو السادسة. وفي النور: المراد بالمنبر شيء مرتفع، قال: وإلا فالمنبر إنما اتخذ في السنة الثامنة، أي فيكون المراد المنبر الذي اتخذ في السنة الثانية كان من الطين، والذي كان من خشب إنما اتخذ في السنة الثامنة، وقد بينا ذلك مبسوطا والله أعلم.
ثم بعد نزول آيات الإفك أي وهي إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ [النور: الآية ١١] إلى قوله أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) [النور: الآية ٢٦] خرج ﷺ إلى الناس وخطبهم وتلا عليهم الآيات وأمر بجلد أصحاب الإفك، أي وهم: عبد الله بن أبيّ، ومسطح، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين وأخوها عبيد الله بالتصغير ابن جحش ويقال له أبو أحمد، كان ضريرا. أي وكان يدور مكة أعلاها وأدناها في أيّ محل من غير قائد، وكان شاعرا وهو ابن عمة أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ. وأما أخوها عبد الله مكبرا فقد قتل يوم أحد كما تقدم، وزاد بعضهم خامسا وهو زيد بن رفاعة. وفيه أنه تقدم أنهم لما قدموا المدينة وجدوه قد مات، إلا أن يقال. إن لهم زيد بن رفاعة غيره فيجوز أن يكون هو ذلك، ويقال وحسان بن ثابت «فجلدوا الحد وهو ثمانون» .
قال بعضهم: وذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية، أي أنه القائل أنا أعذرك وهم من بعض الرواة، وإنما المتكلم بذلك أسيد بن حضير أي كما تقدم عن السيرة الهشامية، لأن سعد بن معاذ مات بعد بني قريظة.
قال في الأصل: لو اتفق أهل المغازي على أن غزوة الخندق وبني قريظة متقدمة على غزوة بني المصطلق لكان الوهم لازما ولكنهم مختلفون أقول: أي فالوهم لا يلزم إلا من جعل هذه الغزوة التي هي غزوة بني المصطلق متأخرة عن بني قريظة، ويذكر فيها سعد بن معاذ كالأصل. ومن ثم لما قال ابن إسحاق بأنها بعد بني قريظة. روى عن عائشة بدل سعد بن معاذ أسيد بن حضير. قال في الإمتاع:
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وهذا هو الصحيح، والوهم لم يسلم منه أحد من بني آدم.
وفيه أن مما يدل على تقدمها، وأن ذكر سعد بن معاذ ليس من الوهم في شيء ما ذكره في الكتاب المذكور الذي هو في الإمتاع أن رسول الله ﷺ مكث أياما. ثم أخذ بيد سعد بن معاذ في نفر حتى دخل على سعد بن عبادة فتحدثوا ساعة وقرّب لهم سعد بن عبادة طعاما فأصابوا منه ثم انصرفوا، فمكث أياما ثم أخذ بيد سعد بن عبادة في نفر فانطلقوا حتى دخلوا منزل سعد بن معاذ فتحدثوا ساعة وقرّب لهم سعد بن معاذ طعاما فأصابوا منه، ثم خرجوا، فذهب من أنفسهم ما كان، وأن ذكر سعد بن معاذ وقع في الصحيحين وغيرهما والله أعلم.
وذكر أن صفوان بن المعطل ﵁ الذي كان الإفك بسببه ظهر أنه كان حصورا لا يأتي النساء، أي إنما معه مثل الهدبة: أي عنين.
وقد قال الشيخ محيي الدين: الحصور عندنا العنين، أي ويدل له ما في البخاري «أنه ﵁ ما كشف كنيف امرأة قط» أي سترها، لأن الكنيف الساتر.
وقد جاء في تفسير وصف يحيى بن زكريا بحصورا أنه ﷺ أهوى إلى الأرض وأخذ قذاة. وقال: كان ذكره- يعني يحيى ﵇ مثل هذه القذاة، ولعل المراد التشبيه في الارتخاء وعدم الشدة، فلا يخالف ما قبله، لكن في النهر:
الحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك، أي وربما يؤيد ذلك ما جاء «أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة. رجل جعله الله ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء. وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال. والذي يضل الأعمى.
ورجل حصور، ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام» فالحصور وصف مذموم إلا في يحيى ﵇ خصوصية له دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلا فقد امتنّ سبحانه على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوله وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً [الرّعد: الآية ٣٨]، قيل وهذا الوصف جاء ليحيى من أثر همة والده زكريا ﵉، فإنه لما شهد مريم منقطعة عن الأزواج أحب أن يرزقه الله ولدا: مثلها أي منقطعا عن الزوجات، فجاء يحيى ﵇ حصورا، ويؤيد ذلك ما في «أنس الجليل» وكان يحيى ﵇ لا يأتي النساء لأنه لم يكن له ما للرجال، كذا قيل، وهو غير مرضيّ.
وقد تكلم القاضي عياض ﵀ في الشفاء على معنى كون يحيى حصورا بما حاصله، أن هذا الذي قيل نقيصة وعيب لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب لا يأتيها، فكأنه حصر عنها، وأنه حصر نفسه عن الشهوات قمعا لها، هذا كلامه فليتأمل.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
أي وعلى الأول لا ينافي ذلك كون صفوان كان متزوّجا، لما تقدم أن زوجته شكته للنبي ﷺ: أي على أن ابن الجوزيّ نقل عن شيخه ابن ناصر الدين رحمه الله تعالى أن صفوان ﵁ إنما تزوّج بعد حديث الإفك.
ومما يدل على أن حسان ﵁ لم يكن من أصحاب الإفك تبرؤه مما نسب إليه في أبيات مدح بها عائشة ﵂ منها:
مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل
ومن ثم قال ابن عبد البر: وقد أنكر قوم كون حسان ﵁ خاض في الإفك، وأنه جلد.
وجاء أن عائشة ﵂ برأته من ذلك. أي فقد ذكر الزبير بن بكار، أنه قيل لعائشة ﵂ وقد قالت في حق حسان ﵁: إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبه بلسانه عن رسول الله ﷺ: أليس هو ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ قالت: لم يقل شيئا ولكنه القائل:
فإن كان ما قد قيل عني قلته فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
وقد قال مثل هذا البيت أنس بن زنيم، وقد بلغه أن النبي ﷺ أهدر دمه لما بلغه ﷺ أنه هجاه، فجاء إليه ﷺ معتذرا وأنشده أبياتا منها:
ونبي رسول الله إني هجوته فلا رفعت سوطي إليّ إذن يدي
لكن في رواية أنها كانت تأذن لحسان بن ثابت وتلقي له الوسادة وتقول: لا تقولوا لحسان إلا خيرا، فإنه كان يردّ عن النبي ﷺ بلسانه. وقد قال تعالى وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النّور: الآية ١١] وقد عمي، والعمى عذاب عظيم، والله قادر على أن يحيل ذلك ويغفر لحسان ويدخله الجنة.
وفيه أنه سيأتي عن عائشة وغيرها أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ ابن سلول كما تقدم إلا أن يقال كبره مقول بالتشكيك، والذي بلغ فيه الغاية عبد الله بن أبي ابن سلول فليتأمل.
وعن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور مستلقيا على سريره، فلما بلغ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ [النور: الآية ١١] جلس ثم قال: يا أبا بكر من تولى كبره، أليس علي بن أبي طالب؟ قال الزهري: فقلت في نفسي: ماذا أقول؟ إن قلت لا، لا آمن أن ألقى منه شرا، وإن قلت نعم جئت بأمر عظيم.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
ثم قلت لنفسي: لقد عوّدني الله على الصدق خيرا، فقلت لا، فضرب بقضيبه السرير.
قال: فمن؟ بكر ذلك مرارا، قلت: لكن عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
ووقع لسليمان بن يسار مع هشام بن عبد الملك نحو ذلك؛ فإن سليمان بن يسار ﵀ دخل على هشام بن عبد الملك. فقال له: يا أبا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد الله بن أبيّ. قال: كذبت هو عليّ، قال: أنا أكذب، لا أبا لك، لو نادى مناد من السماء إن الله أحل الكذب ما كذبت. حدثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة ﵏، عن عائشة ﵂ أنها قالت: الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ.
وعن عائشة ﵂ «أنه ذكر عندها حسان بسوء فنهتهم، وقالت:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق» وفي البخاري «كانت عائشة ﵂ تنكر أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
فبهذا البيت يغفر الله تعالى له» .
وذكر بعضهم أن الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ من مشركي قريش عبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان ابن عمه ﷺ، وعمرو بن العاص، وضرار بن الحارث.
ولما أراد حسان ﵁ أن يهجوهم، قال له رسول الله ﷺ: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان ابن عمي؟ فقال له: والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، فقال له ﷺ ائت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك.
فكان يجيء إلى أبي بكر ليوقفه على أنسابهم، فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعوا هجوه. قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة: وعاش حسان ﵁ مائة وعشرين سنة، نصفها في الجاهلية، ونصفها في الإسلام، وعاش والده مائة وعشرين سنة، وكذا جده ووالد جدّه.
قال بعضهم: ولا يعرف أربعة تناسلوا وتساوت أعمارهم غيرهم، ولم يشهد حسان مع النبي ﷺ مشهدا، لأنه كان يخشى الموت، فكان ينسب للجبن. ومن ثم جعل يوم الخندق مع النساء والذراري في الآطام. وما وقع له مع صفية عمته ﷺ في أمر اليهودي قتلته في ذلك المكان، وما قاله لها يدل على أنه كان جبانا شديد الجبن.
ويردّ إنكار بعض العلماء كونه جبانا قال: إذ لو صح ذلك لهجي به، فإنه كان يهاجي الشعراء، وكانوا يردون عليه، فما عيره أحد منهم به ولا وسمه به، ولعله كان
[ ٢ / ٤٠٨ ]
به علة اقتضت جعله مع الذراري في الآطام منعته من شهود القتال، هذا كلامه.
وقد يقال: على تسليم أنه لم يهج بالجبن يجوز أن يكون لكونه كان لا يتأثر بوصفه بذلك.
وذكر بعضهم أن حسان ﵁ شلت يداه بضربة ضربها له صفوان بسيف لما هجاه فذكر ذلك حسان لرسول الله ﷺ، فدعا حسان وصفوان، أي وأظهر التغيظ على صفوان بسبب إظهاره السلاح على حسان وضربه به، فقال صفوان: يا رسول الله آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب فضربته، فقال رسول الله ﷺ لحسان: يا حسان أحسن فيما أصابك، قال: هي لك. وفي رواية قال: كل حق لي قبل صفوان فهو لك، فقال له ﷺ: قد أحسنت وقبلت ذلك منك، وأعطاه رسول ﷺ عوضا منها حديقة له، يقال لها بئر حا بفتح الراء في الأحوال الثلاثة مع قصر حا. قيل لها ذلك لأن الإبل يقال لها إذا وردت وزجرت عن الماء حا، حا.
وفيه أنه كان القياس أن يقال بئرحا بضم الراء في حالة الرفع وحدها، إلا أن يقال المجموع اسم مركب، وكانت هذه البئر لأبي طلحة ﵁ فتصدق بها على رسول الله ليضعها ﷺ حيث شاء، ثم باعها حسان من معاوية بمال عظيم.
أقول: الذي في البخاري: «كان أبو طلحة ﵁ أكثر أنصاري بالمدينة مالا؛ وكان أحب أمواله إليه بئرحا، وهي حديقة كانت مستقبلة المسجد. وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويستظل بها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الآية ٩٢] قام أبو طلحة ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله يقول في كتابه لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الآية ٩٢] وإن أحب أموالي إليّ بئرحا، وإنه صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال ﷺ: بخ بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت فيها، قد قبلناها منك، ورددناها عليك، وأرى أن تجعلها في الأقربين. قال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» وفي لفظ آخر في البخاري «قال ﷺ لأبي طلحة: اجعله لفقراء أقاربك.
فجعل لحسان وأبيّ بن كعب» .
وفيه أن أبيّ بن كعب كان غنيا، وبين في البخاري وجه قرابتهما من أبي طلحة، فذكر أن حسان يجتمع مع أبي طلحة في الأب الثالث وأبي يجتمع معه في الأب السادس، وذكر بعضهم أن أبيّ بن كعب كان ابن عمة أبي طلحة.
وفي الإمتاع أنه ﷺ أعطى حسان تلك الحديقة وأعطاه سيرين جاريته أخت مارية أمّ ولده ﷺ إبراهيم، فجاءت منه بابنه عبد الرحمن، وكان يفتخر بأنه ابن خالة إبراهيم ابن النبي ﷺ. وقد روت سيرين هذه عن النبيّ ﷺ حديثا قالت «رأى رسول الله ﷺ خللا
[ ٢ / ٤٠٩ ]
في قبر ابنه إبراهيم فأصلحه وقال: إن الله يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه» وأعطاه سعد بن عبادة ﵁ بستانا كان يتحصل منه مال كثير.
وحاصل ما في الإمتاع فيما وقع بين حسان وصفوان: أن حسان ﵁ لما قال:
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كبروا وابن القريعة أمسى بيضة البلد
قال صفوان: ما أراه إلا عناني أي بالجلابيب، وتقدم أن ابن أبيّ ابن سلول قد قالها في حق المهاجرين، والقريعة بالقاف: جدة حسان ﵁، وقيل أمه.
وقريعة الشيء: خياره، وقريعة القبيلة لسيدها، واستعمل بيضة البلد في الذم بقرينة المقام، وإلا فكما تستعمل في الذم تستعمل في المدح. ويقال: فلان بيضة البلد:
أي واحد في قومه عظيم فيهم. فعند ذلك خرج صفوان مصلتا السيف وجاء إلى حسان وهو في نادي قومه الخزرج وضربه، فلقي بيده فوقع السيف فيها، فقام قومه وأوثقوا صفوان رباطا، ثم إنه حلّ وجيء به إلى رسول الله ﷺ، فقال حسان ﵁: يا رسول الله شهر عليّ السيف في نادي قومي ثم ضربني ولا أراني إلا ميتا من جراحتي، فقال ﷺ لصفوان: ولم ضربته وحملت السلاح عليه؟ وتغيظ لحسان، فقال صفوان ما تقدم. ثم قال لقوم حسان: احبسوا صفوان، فإن مات حسان فاقتلوه به، فحبسوه، فبلغ ذلك سيد الخزرج سعد بن عبادة، فأقبل على قومه ولامهم على حبسه، فقالوا: أمرنا رسول الله ﷺ بحبسه وقال لنا: إن مات صاحبكم فاقتلوه. فقال سعد: والله إن أحبّ الأمر إلى رسول الله ﷺ العفو عنه، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالحق، والله لا أبرح حتى يطلق، فاستحى القوم وأطلقوه، وأخذه سعد وانطلق به إلى منزله وكساه حلة، وجاء به إلى المسجد، فلما رآه ﷺ قال: صفوان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كساه؟ قالوا سعد بن عبادة. قال: كساه الله من ثياب الجنة.
ثم إن رسول الله ﷺ كلم حسان ﵁ في العفو عن صفوان. فقال: يا رسول الله كل حق لي قبل صفوان فهو لك. فقال ﷺ: قد أحسنت وقبلت ذلك. ثم أعطاه ﷺ أرضا له وسيرين جاريته أخت مارية أم ولده إبراهيم وأعطاه أيضا سعد بن عبادة ﵁ حائطا كان يتحصل منه مال كبير بما عفا عن حقه.
وقيل إنما أعطاه سيرين لذبه عن رسول الله ﷺ بشعره. فقد قال ابن عبد البر ﵀: إعطاه رسول الله سيرين أخت مارية لحسان بن ثابت يروى من وجوه، وأكثرها أن ذلك ليس بسبب ضرب صفوان له بل لذبه بلسانه عن رسول الله ﷺ.
قيل وكان لسان حسان يصل لجبهته وإلى نحره. وكذلك كان أبوه وجده، وكان حسان ﵁ يقول على لسانه: والله لو وضعته على صخر لفلقه أو شعر لحلقه. وقد عمي مسطح أيضا.
[ ٢ / ٤١٠ ]
أي وقد روى أصحاب السنن الأربعة عن عائشة ﵂ أنه ﷺ أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم. قال الترمذي حسن غريب. أي والمرأة حمنة بنت جحش، والرجلان أخوها عبيد الله أبو أحمد بن جحش ومسطح.
ولم يحدّ الخبيث عبد الله بن أبيّ ابن سلول، لأن الحدّ كفارة وليس من أهلها.
وقيل لأنه لم تقم عليه البينة بذلك بخلاف أولئك. وقيل لأنه كان لا يأتي بذلك على أنه من عنده بل على لسان غيره.
وفي الطبراني ومعجم النسائي عن عائشة ﵂ أن عبد الله بن أبيّ ابن سلول جلد مائة وستين أي حدّ حدّين. قال عبد الله بن عمر ﵄: وهكذا يفعل بكل من قذف زوجة نبيّ. أي ولعل المراد أنه يجوز أن يفعل به ذلك فلا ينافي ما تقدم من أن الحدّ كان ثمانين جلدة.
وعن ابن عباس ﵄ «ما زنت» . وفي لفظ «لم تبغ امرأة نبيّ قط» .
وأما قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فَخانَتاهُما [التّحريم: الآية ١٠] فالمراد آذتاهما. قالت امرأة نوح ﵇ في حقه إنه لمجنون. وامرأة لوط ﵇ دلت على أضيافه.
قيل: إنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ﵉، ولم يجز أن تكون فاجرة، أي زانية لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم، فيجب أن لا يكون معه منقص ينفرهم عنه والكفر غير منقص عندهم. وأما الفجور فمن أعظم النقصان.
وفي الخصائص الصغرى: ومن قذف أزواجه ﷺ فلا توبة له ألبتة، كما قاله ابن عباس وغيره، ويقتل كما نقله القاضي عياض وغيره. وقيل يختص القتل بمن قذف عائشة، ويحد في غيرها حدين.
وقد وقع أن الحسن بن يزيد الراعي من أهل طبرستان. وكان من العظماء، كان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف، وكان يرسل في كل سنة إلى بغداد عشرين ألف دينار تفرق على أولاد الصحابة. فحضر عنده رجل من أشياع العلويين، فذكر عائشة ﵂ بالقبيح. فقال الحسن لغلامه: يا غلام اضرب عنق هذا، فنهض إليه العلويون وقالوا: هذا رجل من شيعتنا. فقال: معاذ الله، هذا طعن على رسول الله ﷺ قال الله تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ [النّور: الآية ٢٦] فإن كانت عائشة ﵂ خبيثة فإن زوجها يكون خبيثا، وحاشاه ﷺ من ذلك، بل هو الطيب الطاهر، وهي الطيبة الطاهرة المبرأة من السماء، يا غلام اضرب عنق هذا الكافر، فضرب عنقه.
وفي كتاب «الإشارات» للفخر الرازي أنه ﷺ في تلك الأيام التي تكلم فيها
[ ٢ / ٤١١ ]
بالإفك كان أكثر أوقاته في البيت، فدخل عليه عمر ﵁، فاستشاره ﷺ في تلك الواقعة، فقال: يا رسول الله أنا أقطع بكذب المنافقين، وأخذت براءة عائشة ﵂ من الذباب، لأن الذباب لا يقرب بدنك؛ فإذا كان الله تعالى صان بدنك أن يخالطه الذباب لمخالطته للقاذورات فكيف أهلك؟.
ودخل عليه ﷺ عثمان ﵁ فاستشاره، فقال له عثمان: يا رسول الله أخذت براءة عائشة ﵂ من ظلك، إني رأيت الله تعالى صان ظلك أن يقع على الأرض: أي لأن شخصه الشريف كان لا يظهر في شمس ولا قمر، لئلا يوطأ بالأقدام. فإذا صان الله ظلك فكيف بأهلك. أي وقد أشار إلى ذلك الإمام السبكي ﵀ في تائيته بقوله:
لقد نزه الرحمن ظلك أن يرى على الأرض ملقى فانطوى لمزية
وهنا لطيفة لا بأس بها: وهي أن عبد الله بن عمر ﵄ كان مسافرا وكان يسايره يهودي، فلما أراد المفارقة قال عبد الله ﵁ لليهودي: بلغني أنكم تدينون بإيذاء المسلمين، فهلا قدرت على شيء من ذلك معي وأقسم عليه، فقال: إن أمنتني أخبرتك، فأمنه، فقال: لم أقدر عليك في شيء أكثر من أني كنت إذا رأيت ظلك وطئته بقدمي وفاء بأمر ديننا.
ودخل عليه ﷺ علي كرم الله وجهه فاستشاره، فقال له علي كرم الله وجهه:
أخذت براءة عائشة من شيء هو أنا صلينا خلفك وأنت تصلي بنعليك، ثم إنك خلعت إحدى نعليك فقلنا ليكون ذلك سنة لنا، قلت لا، إن جبريل ﵇ أخبرني أن في تلك النعل نجاسة، فإذا كان لا تكون النجاسة بنعليك فكيف تكون بأهلك؟ فسرّ ﷺ بذلك، أي ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن خلع إحدى نعليه في أثناء الصلاة لنجاسة بها واستمر في الصلاة.
وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال لزوجته أم أيوب: ألا ترين ما يقال: أي من الإفك؟ فقالت له: لو كنت بدل صفوان أكنت تهمّ بسوء لمحرم رسول الله ﷺ؟ قال لا. قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله ﷺ، فعائشة خير مني وصفوان خير منك.
وفي السيرة الشامية أن أبا أيوب ﵁ قالت له زوجته أم أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟
قالت: لا، والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك.
وجاء أن ابن عباس ﵄ دخل على عائشة ﵂ في مرض موتها فوجدها وجلة من القدوم على الله، فقال لها: لا تخافي، فإنك لا تقدمين إلا
[ ٢ / ٤١٢ ]
على مغفرة ورزق كريم، فغشي عليها من الفرح بذلك، لأنها كانت تقول متحدثة بنعمة الله عليها: لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة. لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله أن يتزوجني. ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري. ولقد توفي وإن رأسه في حجري. ولقد قبر في بيتي وإن الوحي ينزل عليه في أهله فيفرقون منه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحاف واحد، وأبي ﵁ خليفته وصديقه. ولقد نزلت براءتي من السماء، ولقد خلقت طيبة عن طيب. ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما» .
قيل وفي هذه الغزوة فقدت عائشة ﵂ عقدها أيضا فاحتبسوا على طلبه، أي فأرسل رسول الله ﷺ في طلبه رجلين من المسلمين أي أحدهما أسيد بن حضير، فحضرت الصلاة أي صلاة الصبح وكانوا على غير ماء. زاد في رواية:
وليس معهم ماء فنزلت آية التيمم. وهذا القيل نقله إمامنا الشافعي ﵁ عن عدة من أهل المغازي. أي وعليه يكون سقط عقدها في تلك الغزوة مرتين لاختلاف القضيتين باختلاف سياقهما.
والصحيح أن ذلك كان في غزوة أخرى أي متأخرة عن هذه الغزوة. فعن عائشة ﵂ قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا، فخرجت مع النبي ﷺ في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس، أي فإنه ﷺ بعث رجالا في طلبه، وهو لا يخالف ما سبق أنه ﷺ أرسل في طلبه رجلين، وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ﵁ ما شاء الله، أي لأن الناس جاؤوا لأبي بكر ﵁ وشكوا إليه ما نزل بهم، فجاء إليها ورسول الله ﷺ واضع رأسه الشريف على فخذها قد نام، فقال لها: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، جعل يطعن بيده في خاصرتها ويقول: يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء وليس مع الناس ماء.
قالت: فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي: أي لأنه ﷺ كان إذا نام لا يوقظه أحد حتى يكون هو يستيقظ، لأنهم لا يدرون ما يحدث له في نومه، فقال حين أصبح. وفي لفظ: فاستيقظ وحضرت الصلاة فالتمس الماء فلم يجد فأنزل الله تعالى الرخصة بالتيمم. وفي لفظ: فأنزل الله تعالى آية التيمم أي التي في المائدة. ففي بعض الروايات فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: الآية ٦] الآية.
وقيل المراد بالآية آية النساء، لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر للوضوء فيها، فيتجه تسميتها بآية التيمم، وكلام الواحدي ﵀ في أسباب النزول يدل عليه. فقال أبو بكر عند ذلك: والله يا بنية إنك كما علمت مباركة، أي
[ ٢ / ٤١٣ ]
وقال لها ﷺ ما أعظم بركة قلادتك، وقال أسيد بن حضير: ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر. أي وفي رواية إنه قال لها جزاك الله خيرا، فما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله منه مخرجا وللمسلمين فيه خيرا، أي وهذا ربما يفيد تكرر وقوع ما تكرهه، وأن في ذلك خيرا للمسلمين فليتأمل.
وفي لفظ قال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركة لهم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وإنما قال أسيد بن حضير ما قال دون غيره، لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد، أي بل تقدم في بعض الروايات الاقتصار على بعثه لطلب ذلك. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، أي أقمناه من مبركه فوجدنا العقد تحته.
أقول في النور: اعلم أن العقد سقط مرتين: مرة كان لها ومرة كان لأختها أسماء استعارته. وبهذا يجمع بين الأحاديث التي في المسألة، هذا كلامه فليتأمل وينظر تلك الأحاديث، وما هي أي وكون هذا العقد لأسماء أختها لا يخالف ذلك قولها عقدي، لأن الإضافة تأتي لأدنى ملابسة، أي فعقد أسماء كان في المرة الثانية.
وفي البخاري أيضا أن آية التيمم نزلت بعد أن صلوا بلا وضوء.
فعن عائشة ﵂. «أنها استعارت من أسماء ﵂ قلادة فهلكت: أي ضاعت، فبعث رسول الله ﷺ رجلا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى آية التيمم» . وقد ترجم البخاري عن تلك بقوله باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا، وقوله «فبعث رجلا فوجدها» يجوز أن يكون هذا الرجل هو الذي أقام البعير أو من جملة من أقامه، فلا يخالف ما سبق مما يدل أن الذين بعثهم في طلبه لم يجدوه.
ثم رأيت الحافظ ابن حجر ﵀ قال: وطريق الجمع بين هذه الروايات أن أسيدا كان رأس من بعث لذلك، فلذلك سمي في بعض الروايات دون غيره، ولذا أسند الفعل إلى واحد منهم، وكأنهم لم يجدوا العقد أولا. فلما رجعوا ونزلت آية التيمم، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد ﵁ هذا كلامه.
قيل وفي هذه الغزوة خرجوا عن الطريق، وأدركهم الليل بقرب واد وعر، فهبط جبريل ﵇ وأخبره ﷺ أن طائفة من كفار الجن بهذا الوادي يريدون كيده ﷺ وإيقاع الشر بأصحابه، فدعا ﷺ بعلي كرّم الله وجهه وعوذه وأمره بنزول الوادي فقتلهم.
قال الإمام ابن تيمية: وهذا من الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ وعلى عليّ كرم الله وجهه. قال ابن تيمية: ومن هذا ما روي في عام الحديبية أنه قاتل
[ ٢ / ٤١٤ ]
الجن في بئر ذات العلم، وهي بئر في الجحفة، وهو حديث موضوع عند أهل المغازي.
أي وجاء في سبب مشروعية التيمم غير ما ذكر. ففي الطبراني عن أسلع، قال: «كنت أخدم رسول الله ﷺ وأرحل له ناقته، فقال لي ذات يوم: يا أسلع قم فارحل، فقلت: يا رسول الله أصابتني جنابة أي ولا ماء، فسكت رسول الله ﷺ، فأتاه جبريل بآية الصعيد: أي التراب، فقال رسول الله ﷺ: قم يا أسلع فتيمم، فأراني التيمم: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فقمت فتيممت، ثم رحلت له حتى مر بماء، فقال: يا أسلع أمسّ هذا جلدك» .
وفي الإمتاع: نزلت آية التيمم طلوع الفجر، فمسح المسلمون أيديهم بالأرض، ثم مسحوا بأيديهم إلى المناكب، أي ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن هذه الرواية.
وفي هذه السنة الخامسة خسف القمر، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة الخسوف حتى انجلى القمر، وصارت اليهود تضرب بالطساس ويقولون سحر القمر.
غزوة الخندق
ويقال لها غزوة الأحزاب: أي وهي الغزوة التي ابتلى الله تعالى فيها عباده المؤمنين وثبت الإيمان في قلوب أوليائه المتقين: أي وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق والشقاق والمعاندين.
وسببها أنه لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم كما تقدم سار منهم جمع من كبرائهم، منهم سيدهم حيي بن أخطب أبو صفية أم المؤمنين ﵂، وعظيمهم سلام بن مشكم، ورئيسهم كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس، وأبو عامر الفاسق، إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرّضونهم على حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. أي ونكون معكم على عداوته. فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا. وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد.
زاد في رواية: فقال لهم: لكن لا نأمنكم إلا أن سجدتم لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا. فقالت قريش لأولئك اليهود: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دين محمد؟
قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. وفي رواية: نحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقالوا: أنتم أهدى سبيلا، أي لأنكم تعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية؛ وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان يعبد آباؤكم، أي فأنتم أولى بالحق منه،
[ ٢ / ٤١٥ ]
فأنزل الله تعالى فيهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النّساء: الآية ٥١] الآيات، فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطهم لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ.
وعند ذلك خرج من بطون قريش خمسون رجلا وتحالفوا، وقد ألصقوا أكبادهم بالكعبة متعلقين بأستارها، أن لا يخذل بعضهم بعضا، ويكونون كلهم يدا واحدة على محمد ﷺ ما بقي منهم رجل، وقد أشار إلى ذلك صاحب الهمزية ﵀ بأبيات ذم فيها اليهود لعنهم الله بأمور بقوله:
لا تكذب أن اليهود وقد زا غوا عن الحق معشر لؤماء
جحدوا المصطفى وآمن بالطا غوت قوم هم عندهم شرفاء
قتلوا الأنبياء واتخذوا العج ل ألا إنهم هم السفهاء
وسفيه من ساءه المن والسل وى وأرضاه الفوم والقثاء
ملئت بالخبيث منهم بطون فهي نار طباقها الأمعاء
لو أريدوا في حال سبت بخير كان سبتا لديهم الأربعاء
هو يوم مبارك قيل للتصر يف فيه من اليهود اعتداء
فبظلم منهم وكفر عدتهم طيبات في تركهن ابتلاء
أي لا تكذب أن اليهود والحال أنهم قد مالوا عن الحق قوم لؤماء، واللئيم:
الدني الأصل، الشحيح النفس. ومن عظيم لؤمهم أنهم جحدوا نبوته ﷺ ورسالته والحال أنه قد آمن بالطاغوت، وهو كل ما عبد من دون الله؟ مأخوذ من الطغيان قوم هم عندهم شرفاء وهم كفار قريش.
ورد أن اليهود قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا، ومن جملة من قتلوا زكريا ويحيى، واتخذوا العجل إلها يعبدونه، ومن يفعل ذلك لا سفيه غيره، ومن أرضاه الفوم والقثاء بدل المنّ وهو نوع من الحلواء، والسلوى: نوع من الطير، سفيه بلا شك، ملئت بالحرام كالربا بطون منهم، فبطونهم نار لاشتمالها على ما يؤدي إلى تلك النار، طباق تلك النار المصارين، ولو أراد الله لليهود في حال سبتهم الذي اختاروا تعظيمه على ما تقدم خيرا لكان يوم الأربعاء يوم سبتهم لأنه يوم خلق فيه النور؛ فاختيار يوم السبت دون يوم الأربعاء لسبتهم: أي سكوتهم عما عدا العبادة دليل على أنه تعالى لم يرد بهم الخير، ويوم السبت ابتداء الله فيه خلق العالم، خلافا لهم حيث قالوا إن ذلك أي ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وفرغ من الخلق يوم الجمعة واستراح يوم السبت. قالوا: فنحن نستريح فيه كما استراح الرب تعالى فيه
[ ٢ / ٤١٦ ]
وقالوا: فإن الله لا يقضي يوم السبت شيئا من خلق ولا رزق ولا رحمة ولا عذاب ولا إحياء ولا إماتة، ومن مات يوم السبت يكون محي اسمه من اللوح المحفوظ قبل ذلك، وقد كذبهم الله تعالى بقوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرّحمن: الآية ٢٩] فكان فيه منهم ظلم وعدوان لأجل التصريف فيه بغير العبادة، فبسبب ظلم وكفر حاصل منهم فيه فاتتهم طيبات كانت حلالا لهم، فحرمها الله تعالى عليهم، فكان في ذلك ابتلاء لهم.
ونقل عن ابن حجر الهيتمي ﵀، أنه بحث استحباب صوم يوم الأربعاء، ولما ذكر من أنه خلق فيه النور فليتأمل.
ثم جاء أولئك إلى غطفان ودعوهم وحرضوهم على حرب رسول الله ﷺ، وقالوا لهم: إنا سنكون معكم، وإن قريشا قد بايعوهم على ذلك، وجعلوا لهم تمر خيبر سنة إن هم نصروهم عليه، فتجهزت قريش، أي وأتباعها من القبائل، وغطفان أي وأتباعها، وقائد قريش أبو سفيان بن حرب وكانوا أربعة آلاف، ومعهم ثلاثمائة فرس أي وألف أو خمسمائة بعير، وعقد اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة المقتول والده الذي هو طلحة يوم أحد، وكذا عماه: أي عما عثمان بن طلحة وهما عثمان بن أبي طلحة وأبو سعيد بن أبي طلحة وعثمان بن أبي طلحة هو أبو شيبة كما تقدم، فشيبة ابن عم عثمان بن طلحة، وقتل يوم أحد أخوه عثمان بن طلحة الأربعة، وهم: مسافع بن طلحة، والحارث بن طلحة، وكلاب بن طلحة؟ والجلاس بن طلحة، وعثمان بن طلحة هذا، أي الحامل لواء قريش أسلم بعد ذلك، ويقال له الحجبي لأنه كان من بني عبد الدار وهم سدنة الكعبة، وبنو عبد الدار كان لهم ولأبيهم حمل لواء قريش عند الحرب دون غيرهم كما تقدم.
أي وقائد غطفان عيينة بن حصن الفزاري في بني فزارة أي وهم ألف، وتقدم أن عيينة أسلم بعد ذلك، ثم ارتد بعد إسلامه وأخذ أسيرا في زمن خلافة الصديق ﵁، ثم أسلم وكان قبل إسلامه يتبعه عشرة آلاف قناة. وكان عنده جفوة وغلظة، ومن ثم قال ﷺ في حقه «إنه الأحمق المطاع» وقال فيه «إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره» .
أي وقائد بني مرة أي وهم أربعمائة الحارث بن عوف المري، وأسلم بعد ذلك: أي وقيل لم تحضر بنو مرة.
وقائد بني أشجع أبو مسعود بن رخيلة، بضم الراء وفتح الخاء المعجمة وأسلم بعد ذلك.
أي وقائد بني سليم وهم سبعمائة سفيان بن عبد شمس لا يعلم إسلامه.
أي وقائد بني أسد طليحة بن خويلد الأسدي، وأسلم بعد ذلك: أي بعد أن
[ ٢ / ٤١٧ ]
كان ارتد بعد إسلامه، ثم حسن إسلامه، وكانت أشجع وبنو أسد تتمة العشرة آلاف.
فقد قال بعضهم: كانت الأحزاب عشرة آلاف، وهم ثلاث عساكر، وملاك أمرها لأبي سفيان: أي المدبر لأمرها والقائم بشأنها.
ولما تهيأت قريش للخروج أتى ركب من خزاعة في أربعة ليال حتى أخبروا رسول الله ﷺ، فلما سمع رسول الله ﷺ بما أجمعوا عليه ندب الناس: أي دعاهم، وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم في أمرهم، أي قال لهم: هل نبرز من المدينة أن نكون فيها؟ فأشير عليه بالخندق، أي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي ﵁. فقال: يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا، أي فإن ذلك كان من مكائد الفرس، وأول من فعله من ملوك الفرس ملك كان في زمن موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه، فأعجبهم ذلك، فضرب على المدينة الخندق.
أي وعند ذلك ركب رسول الله ﷺ فرسا له ومعه عدة من المهاجرين والأنصار، فارتاد موضعا ينزل له، وجعل سلعا خلف ظهره، وأمرهم بالجد ووعدهم بالنصر إن هم صبروا. فعمل فيه رسول الله ﷺ مع المسلمين، أي وحمل التراب على ظهره الشريف، ودأب المسلمون يبادرون قدوم العدو. قال: واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرارين ومكاتل، وكان من جملة من يعمل في الخندق جعال أو جعيل بن سراقة؛ وكان رجلا دميما قبيح الوجه، صالحا من أصحاب الصفة. وهو الذي تمثل به الشيطان يوم أحد، وقال إن محمدا قد قتل كما تقدم، فغير ﷺ اسمه وسماه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون:
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
وصار رسول الله ﷺ إذا قالوا عمرا قال عمرا، وإذا قالوا ظهرا قال ظهرا انتهي، أي وسياق أسد الغابة يدل على أن هذا الذي غير رسول الله ﷺ اسمه وسماه عمرا غير جعيل المذكور، وحصل للصحابة ﵃ تعب وجوع لأنه كان في زمن عسرة وعام مجاعة.
ولما رأى رسول الله ﷺ ما بأصحابه من النصب والجوع قال متمثلا بقول ابن رواحة ﵁:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فارحم الأنصار والمهاجره
قيل: وإنما قال ابن رواحة لا هم إن العيش من غير ألف ولام فقد غيره ﷺ على ما هو عادته كما تقدم، وفي لفظ:
اللهم لا خير إلا خير الآخره فبارك في الأنصار والمهاجره
[ ٢ / ٤١٨ ]
وفي لفظ:
فأكرم الأنصار والمهاجرة
وتقدم في بناء المسجد:
اللهم إن الأجر أجر الآخره فارحم الأنصار والمهاجره
زاد في الإمتاع:
اللهم العن عضلا والقاره هم كلفوني أنقل الحجاره
وفي لفظ: هم كلفونا ننقل الحجارة، قال الحافظ ابن حجر ولعله كان «والعن إلهي عضلا والقارة» أي والتغيير منه ﷺ. وفي لفظ:
اللهم لا خير إلا خير الآخره فارحم المهاجرين والأناصره
وفي لفظ:
فانصر الأنصار والمهاجرة
وأجابوه رضي الله تعالى عنهم بقولهم:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وقال ﷺ متمثلا بقول ابن رواحة وهو ينقل التراب وقد وارى الغبار جلد بطنه الشريف:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إذ لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
يمد بها صوته مكررا لها: أبينا أبينا. ولما بدأ ﷺ بالحفر في الخندق قال:
بسم الإله وبه بدينا، بكسر الدال:
ولو عبدنا غيره شقينا يا حبذا ربا وحب دينا
وفي الإمتاع أنه ﷺ قال ما تقدم عنه في بناء المسجد وهو:
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبرّ ربنا وأطهر
وتقدم الكلام عليه وعلى إنشاده الشعر في الكلام على بناء المسجد.
أي ورأيت «أن عمار بن ياسر ﵁ حين كان يحفر في الخندق جعل رسول الله ﷺ يمسح رأسه ويقول: ابن سمية تقتلك الفئة الباغية» أي كما تقدم له في بناء المسجد، وصار الشخص منهم إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ويستأذنه في اللحوق بها، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان
[ ٢ / ٤١٩ ]
عليه من عمله رغبة في الخير، وتباطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف، وصار الواحد منهم يتسلل إلى أهله من غير استئذان له ﷺ، أي وكان زيد بن ثابت ممن ينقل التراب فقال رسول الله ﷺ في حقه «أما إنه نعم الغلام» وغلبته عينه فنام في الخندق، فأخذ عمارة بن حزم سلاحه وهو نائم. فلما قام فزع على سلاحه.
فقال له رسول الله ﷺ «يا بار قد نمت حتى ذهب سلاحك. ثم قال: من له علم بسلاح هذا الغلام؟ فقال عمارة: أنا يا رسول الله وهو عندي. فقال: ردّه عليه، ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبا» وإليه استند أئمتنا في تحريم أخذ متاع الغير مع عدم علمه بذلك.
واشتد على الصحابة ﵃ في حفر الخندق كدية، أي محل صلب، فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ فأخذ المعول وضرب فصارت كثيبا أهيل أو أهيم: أي رملا سائلا. وفي رواية «أنه ﷺ دعا بماء ثم تفل عليه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء أي رشه على تلك الكدية» قال بعض الحاضرين: فو الذي بعثه بالحق لا نهالت حتى عادت كالكثيب: أي الرمل، ما ترد فأسا ولا مسحاة، وهي المجرفة من الحديد.
أي وكان أبو بكر وعمر ﵄ ينقلان التراب في ثيابهما إذا لم يجدا مكاتل من العجلة.
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليّ ورسول الله ﷺ قريب مني. فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان عليّ نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي رأيت يلمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: أو قد رأيت ذلك يا سلمان؟ قال: قلت نعم. قال أما الأولى، فإن الله تعالى فتح عليّ بها اليمن وأما الثانية، فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب. وأما الثالثة، فإن الله فتح عليّ بها المشرق.
قال: وقد ذكر أن سلمان الفارسي ﵁ تنافس فيه المهاجرون والأنصار. فقال المهاجرون: سلمان منا. وقالت الأنصار: سلمان منا. فقال رسول الله ﷺ «سلمان منا أهل البيت» ولذلك يشير بعضهم بقوله:
لقد رقي سلمان بعد رقه منزلة شامخة البنيان
وكيف لا والمصطفى قد عده من أهل بيته العظيم الشان
وإنما وقع التنافس في سلمان ﵁، لأنه كان رجلا قويا يعمل عمل
[ ٢ / ٤٢٠ ]
عشرة رجال في الخندق، أي فكان يحفر في كل يوم خمسة أذرع في عمق خمسة أذرع حتى أصيب بالعين، أصابه بالعين قيس بن صعصعة فلبط به: أي بلام مضمومة فموحدة مكسورة فطاء مهملة: صرع فجأة، وتعطل عن العمل، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال ﷺ «مروه فليتوضأ وليغتسل، ويكفىء الإناء خلفه ففعل، فكأنما نشط» أي حل «من عقال» وفي لفظ «فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان ويجمع وضوءه في ظرف ويغتسل سلمان بتلك الغسالة، ويكفىء الإناء خلف ظهره» .
وذكر «أنه لما اشتدت تلك الكدية على سلمان أخذ ﷺ المعول من سلمان، وقال: بسم الله، وضرب ضربة فكسر ثلثها، وبرقت برقة، فخرج نور من قبل اليمن كالمصباح في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله ﷺ، وقال: أعطيت مفاتيح اليمن، إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة كأنها أنياب الكلاب. ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، فخرج نور من قبل الروم، فكبر رسول الله ﷺ، وقال: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها» أي زاد في رواية «الحمر. ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر، وبرق برقة فكبر، وقال: أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب في مكاني هذا» أي وفي رواية «إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، وجعل ﷺ يصف لسلمان أماكن فارس، ويقول سلمان: صدقت يا رسول الله، هذه صفتها، أشهد أنك رسول الله، ثم قال رسول الله ﷺ: هذه فتوح يفتحها الله بعدي يا سلمان» اهـ.
أي وعند ذلك قال جمع من المنافقين. منهم معتب بن قشير: ألا تعجبون من محمد يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق: أي الخوف، لا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل الله تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [آل عمران: الآية ٢٦] الآية.
وقيل في سبب نزولها أنه ﷺ لما فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ وهم أعزّ وأمنع من ذلك.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من حفر الخندق أقبلت قريش ومن معها، وكانوا عشرة آلاف كما تقدم، فنزلت قريش بمجمع الأسيال وغطفان ومن معهم إلى جانب أحد، وكان المسلمون ثلاثة آلاف.
أي وقد قال ابن إسحاق: سبعمائة، ووهم في ذلك. وقال ابن حزم: إنه الصحيح الذي لا شك فيه ولا وهم، وعسكر بهم ﷺ إلى سفح سلع: وهو جبل فوق المدينة، أي فجعل ظهر عسكره إلى سلع كما تقدم، والخندق بينه وبين القوم،
[ ٢ / ٤٢١ ]
أي وضربت له ﷺ قبة من أدم.
قال: وكان ﷺ يعقب فيها بين ثلاثة من نسائه عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش، فتكون عائشة عنده أياما. أي فإنه مكث في عمل الخندق بضع عشرة ليلة، وقيل أربعا وعشرين ليلة، أي وقيل عشرين ليلة، وقيل قريبا من شهر، وقيل شهرا.
قال بعضهم: وكونه قريبا من شهر هو أثبت الأقاويل. وقيل أثبت الأقاويل أنها كانت خمسة عشر يوما، وبه جزم النووي ﵀ في الروضة، وسائر نسائه ﷺ في بني حارثة، وجعل النساء والذراري في الآطام، وعرض الغلمان وهو يحفر الخندق وكانوا بأجمعهم من بلغ ومن لم يبلغ يعملون فيه، فلما التحم الأمر أمر من لم يبلغ خمس عشرة سنة أن يرجع إلى أهله، وأجاز من بلغ خمس عشرة سنة.
فمن أجازه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم اهـ وشبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فصارت كالحصن.
وفي كلام بعضهم: كان أحد جوانب المدينة عورة، وسائر جوانبها مشتبكة بالبنيان والنخيل لا يتمكن العدوّ منه، فاختار ذلك الجانب للخندق.
واستخلف ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم ﵁. وأرسل سليطا وسفيان بن عوف طليعة للأحزاب فقتلوهما، فأتي بهما رسول الله ﷺ فدفنهما في قبر واحد، فهما الشهيدان القرينان. وأعطى لواء المهاجرين لزيد بن حارثة ولواء الأنصار لسعد بن عبادة، وبعث مسلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير تخوفا على الذراري من بني قريظة، أي لما بلغه ﷺ أنهم نقضوا ما بينه وبينهم من العهد كما سيأتي، أي وأنهم يريدون الإغارة على المدينة، فإن حيي بن أخطب أرسل إلى قريش أن يأتيه منهم ألف رجل، وإلى غطفان أن يأتيه منهم ألف رجل أخرى ليغيروا على المدينة، وجاء الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ، فعظم البلاء، وصار الخوف على الذراري أشدّ من الخوف على أهل الخندق.
ولما نظر المشركون إلى الخندق قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، وصار المشركون يتناوبون، فيغدو أبو سفيان في أصحابه يوما، ويغدو خالد ابن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدو جبيرة بن وهب يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو ضرار بن الخطاب يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويفترقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله ﷺ: أي يقربون منهم، ويقدمون رجالهم فيرمون، ومكثوا على ذلك المدة المتقدمة، ولم يكن بينهم
[ ٢ / ٤٢٢ ]
حرب إلا الرمي بالنبل والحصى.
وفي تلك المدّة أقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله: أي اندقت عنقه. أي وفي لفظ: وأما نوفل بن عبد الله، فضرب فرسه ليدخل الخندق فوقع فيه مع فرسه فتحطما جميعا. وقيل رمي بالحجارة، فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب؟ فنزل إليه علي كرم الله وجهه فقتله: أي ضربه بالسيف فقطعه نصفين، وكبر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ: إنا نعطيك الدية على أن تدفعه إلينا فندفنه. فردّ عليهم رسول الله ﷺ بأنه خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته، ولا نمنعكم أن تدفنوه، ولا أرب: أي غرض لنا في ديته.
وقيل أعطوا في جثته عشرة آلاف، أي وفي رواية أنهم أرسلوا إليه ﷺ: أن أرسل إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفا، فقال رسول الله ﷺ لا خير في جثته ولا في ثمنه، ادفعوه إليهم فإنه خبيث الجسد خبيث الدية. وفي لفظ: إنما هي جيفة حمار.
ثم إن عدوّ الله حيي بن أخطب سيد بني النضير، كان يقول لقريش في مسيره معهم إن قومي بني قريظة معكم وهم أهل حلقة وافرة، وهم سبعمائة مقاتل وخمسون مقاتلا، فقال له أبو سفيان: ائت قومك حتى ينقضوا العهد الذي بينهم وبين محمد ﷺ، فعند ذلك خرج حيي لعنه الله حتى أتى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة وولي عهدهم الذي عاهدهم عليه رسول الله ﷺ، أي المتقدّم ذكره، فدق عليه باب حصنه، فأبي أن يفتح له وألح عليه في ذلك. فقال له: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. فقال له: ويحك افتح لي أكلمك، فقال: ما أنا بفاعل، فغاظه، فقال له: والله ما أغلقت دوني إلا تخوّفا على جشيشتك، أي بالجيم المفتوحة والشين المعجمة- وهي البر يطحن غليظا، ويقال له الدشيش- أن آكل معك منها ففتح له.
فقال له: ويحك يا كعب، جئت بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال، وبغطفان حتى أنزلتهم بجانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. فقال له كعب: جئتني والله بذلّ الدهر، وكل ما يخشى، فإني لم أر في محمد إلا صدقا ووفاء. وفي لفظ: جئتني بجهام: أي سحاب قد هراق ماء: أي لا ماء فيه، يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حيي، دعني وما أنا عليه. فلم يزل حيي بكعب حتى أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يقتلوا محمدا أن يكون معه في حصنه ويصيبه ما أصابه، فعند ذلك نقض كعب العهد، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ ومزقوا
[ ٢ / ٤٢٣ ]
الصحيفة التي كان فيها العقد، وجمع رؤساء قومه وهم الزبير بن مطا، وشاس بن قيس، وعزال بن ميمون، وعقبة بن زيد، وأعلمهم بما صنع من نقض العهد وشق الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ، فلجم الأمر لما أراد الله من هلاكهم. وكان حيي بن أخطب في اليهود يشبه بأبي جهل في قريش.
فلما انتهى الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ: أي أخبره بذلك عمر بن الخطاب ﵁. فقال: يا رسول الله بلغني أن بني قريظة قد نقضت العهد وحاربت، فاشتدّ الأمر على رسول الله ﷺ، وشق عليه ذلك. وأرسل سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، وأرسل معهما ابن رواحة وخوات بن جبير. وأسقطهما في الإمتاع وذكر بدلهما أسيد بن حضير. وقال لهم: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم، فإن كان حقا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه دون القوم، أي ورّوا وكنوا في كلامكم بما لم يفهمه القوم، أي لئلا يحصل لهم الوهن والضعف، وإلا فاجهروا بذلك بين الناس. فإن اللحن العدول بالكلام عن الوجه المعروف عند الناس إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه؛ كما أن اللحن الذي هو الخطأ عدول على الصواب المعروف، ومنه قول القائل «وخير الحديث ما كان لحنا» فخرجوا حتى أتوا بني قريظة فوجدوهم قد نقضوا العهد ونالوا من رسول الله ﷺ، أي قالوا من رسول الله؟
تبرؤوا من عقده وعهده، وقالوا لا عهد بيننا وبين محمد، فشتمهم سعد بن معاذ وهم حلفاؤه، أي وقيل سعد بن عبادة أي وكان فيه حدة وشاتموه أي ولا مانع من وجود الأمرين. وقال سعد بن معاذ لسعد بن عبادة: أو بالعكس؟ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى، أي أقوى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فكنوا له عن نقضهم العهد، أي قالوا عضل والقارة: غدروا كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، وسيأتي خبر ذلك في السرايا. فقال رسول الله ﷺ:
الله أكبر، أي وقال: أبشروا يا معاشر المسلمين نصرة الله تعالى وعونه، وتقنع ﷺ بثوبه واضطجع ومكث طويلا، فاشتدّ على الناس البلاء والخوف حين رأوه ﷺ اضطجع ثم رفع رأسه، فقال: أبشروا بفتح الله ونصره، أي ولعل هذا: أي إرسال السعدين ومن معهما كان بعد إرساله ﷺ الزبير إليهم ليأتي بخبرهم، هل نقضوا العهد استثباتا للأمر.
فعن عبد الله بن الزبير ﵄. قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمرو بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان بن ثابت. أي وكان حسان مع النساء، ومن جملتهم صفية بنت عبد المطلب، واتفق أن يهوديا جعل يطوف بذلك الحصن.
فقالت صفية لحسان: يا حسان لا آمن هذا اليهودي أن يدلهم على عورة الحصن فيأتوا إلينا، فانزل فاقتله. قال حسان ﵁: يا بنت عبد المطلب قد عرفت
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما أيست منه أخذت عمودا ونزلت ففتحت باب الحصن وأتيته من خلفه فضربته بالعمود حتى قتلته، وصعدت الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال: يا بنة عبد المطلب ما لي بسلبه حاجة. أي وهذا يدل على ما قيل إن حسان بن ثابت كان من أجبن الناس كما تقدم. قال عبد الله بن الزبير ﵄: فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا. فلما رجعت، قلت يا أبت رأيتك تختلف إلى بني قريظة. قال: رأيتني يا بني؟ قلت نعم. قال: كان رسول الله ﷺ قال: من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه. فقال: فداك أبي وأمي أخرجه الشيخان.
أي وفي كلام ابن عبد البر ﵀ ثبت عن الزبير ﵁ أنه قال:
جمع لي رسول الله ﷺ أبويه مرتين: يوم أحد، ويوم بني قريظة، فقال: ارم فداك أبي وأمي. وقال ولعل ذلك كان في أحد «إن لكل نبي حواريا، وإن حواريّ الزبير» وقال «الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي» ويذكر أن الزبير ﵁ كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج. وكان يتصدق بذلك كله ولا يدخل بيته من ذلك درهما واحدا وذلك من أعلام نبوّته ﷺ. فقد جاء أنه لما نزل قوله تعالى ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) [التكاثر: الآية ٨] قال له الزبير: يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون، وقد جعله سبعة من الصحابة وصيا على أولادهم، فكان يحفظ على أولادهم ما لهم وينفق عليهم من ماله، وهؤلاء السبعة: منهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، والمقداد، وابن مسعود.
وعظم عند ذلك البلاء على المسلمين لما وصل إليهم الخبر: أي خبر نقض بني قريظة العهد. ولا منافاة بين بلوغهم الخبر وما تقدم من عدم الإفصاح به، لأنهم جاءهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المسلمون كل الظن، وأنزل الله تعالى إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] وظهر النفاق من المنافقين حتى قال بعضهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، فأنزل الله تعالى وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) [الأحزاب: الآية ١٢] .
ولما رأى رسول الله ﷺ شدة الأمر بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري وإلى الحارث بن عوف المري في أن يقطعهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه. فجاآ مستخفيين من أبي سفيان فوافقاه على ذلك، أي بعد أن طلبا النصف فأبى عليهما إلا الثلث، فرضيا وكتبا بذلك صحيفة.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أي وفي رواية: أحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان بن عفان ﵁ الصلح. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يوقع الصلح على ذلك، بعث إلى سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة ﵄، فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فتصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ أي وفي لفظ: إن كان أمرا من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي، فما لهم عندنا إلا السيف.
فقال رسول الله ﷺ: لو أمرني الله ما شاورتكما، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر شوكتهم إلى أمرّ ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم:
أي غطفان على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا قرى أو بيعا، أي وإن كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نقطعهم أموالنا. أي وفي لفظ: نعطي الدنية ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله ﷺ: فأنت وذاك. فأخذ سعد الصحيفة فمحى ما فيها من الكتابة. أي وهذا إنما يناسب الرواية الأولى، وكذا ما جاء في لفظ. «فقال رسول الله ﷺ شق الكتاب، فشقه سعد، وقال لعيينة والحارث: ارجعا بيننا وبينكم السيف رافعا صوته. ثم قال لسعد ليجهدوا علينا» .
ثم إن طائفة من المشركين أقبلوا: أي وأكرهوا خيولهم على اقتحام الخندق من مضيق به وفيهم عكرمة بن أبي جهل ﵁، فإنه أسلم بعد ذلك. وفيهم هبيرة بن أبي وهب أي وهو زوج أم هانىء أخت علي كرم الله وجهه ﵂، وأبو أولادها، مات على كفره. وضرار بن الخطاب وعمرو بن عبدود. أي قيل ونوفل بن عبد الله، وكان عمرو بن عبدود عمره إذ ذاك تسعين سنة، فقال: من يبارز، فقام علي كرم الله وجهه وقال: أنا له يا نبي الله. فقال ﷺ له اجلس إنه عمرو بن عبدود. ثم كرر عمرو النداء وجعل يوبخ المسلمين ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزنّ لي رجلا وأنشد أبياتا منها
ولقد بححت من الندا ء يجمعكم هل من مبارز
إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز
فقام علي كرم الله وجهه، فقال: أنا له يا رسول الله، فقال: اجلس إنه عمرو بن عبدود. ثم نادى الثالثة، فقام علي كرم الله وجهه فقال: أنا له يا رسول الله، فقال:
إنه عمرو فقال وإن كان عمرا، فأذن له رسول الله ﷺ وأنشد سيدنا عليّ أبياتا منها:
[ ٢ / ٤٢٦ ]
لا تعجلن فقد أتا ك مجيب قولك غير عاجز
ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز
وفي رواية أنه ﷺ أعطاه سيفه ذا الفقار وألبسه درعه الحديد وعممه بعمامته.
وقال «اللهم أعنه عليه، أي وفي لفظ: اللهم هذا أخي وابن عمي، فلا تذرني فردا وأنت خير الوارثين» .
زاد في رواية «أنه ﷺ رفع عمامته إلى السماء. وقال: إلهي أخذت عبيدة مني يوم بدر وحمزة يوم أحد، وهذا عليّ أخي وابن عمي» الحديث، فمشى إليه علي كرّم الله وجهه، فقال له: يا عمرو إنك كنت قد عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين: أي خصلتين إلا أخذتها منه. قال له أجل: أي نعم، فقال له علي كرّم الله وجهه: فأنا أدعوك إلى الله وإلى رسول الله ﷺ، وإلى الإسلام فقال:
لا حاجة لي بذلك. قال له عليّ: فإني أدعوك إلى البراز.
قال وفي رواية: إنك كنت تقول لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاثة إلا قبلتها. قال: أجل، فقال عليّ: فإني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتسلم لرب العالمين، فقال: يابن أخي أخر عني هذه. قال: وأخرى، ترجع إلى بلادك، فإن يك محمد ﷺ صادقا كنت أسعد الناس به، وإن يك كاذبا كان الذي تريد. قال: هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبدا، كيف وقد قدرت على استيفاء ما نذرت، أي فإنه نذر لما أفلت هاربا يوم بد وقد جرح أن لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمدا ﷺ. قال: فالثالثة ما هي؟ قال البراز، فضحك عمرو وقال:
إن هذه لخصلة ما مكنت أظن أحدا من العرب يروّعني بها اهـ ثم قال له عند طلب المبارزة: لم يابن أخي؟ فو الله ما أحب أن أقتك، فقال علي كرّم الله وجهه: ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك: أي أخذته الحمية.
وفي رواية أن عمرا قال له: من أنت أي لأن عليا كرّم الله وجهه كان مقنعا بالحديد، قال: عليّ، قال ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال: غيرك يابن أخي من أعمامك من هو أشد منك، فإني أكره أن أهريق: أي أسيل دمك، أي وزاد في رواية: فإن أباك كان لي صديقا، أي وفي لفظ: كنت له نديما، فقال علي:
وأنا والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب، فقال له علي كرّم الله وجهه: كيف أقاتلك وأنت على فرسك ولكن أنزل معي، فاقتحم عن فرسه وسلّ سيفه كأنه شعلة نار، فعقر فرسه وضرب وجهه، وأقبل على عليّ كرّم الله وجهه، فاستقبله على بدرقته فضربه عمرو فيها فقدّها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، فضربه علي كرم الله وجهه على حبل عاتقه أي وهو موضع الرداء من العنق فسقط وكبر
[ ٢ / ٤٢٧ ]
المسلمون، فلما سمع رسول الله ﷺ التكبير عرف أن عليا كرم الله وجهه قتل عمرا لعنه الله.
أي وذكر بعضهم أن النبي ﷺ عند ذلك قال «قتل علي لعمرو بن عبدود أفضل من عبادة الثقلين» قال الإمام أبو العباس بن تيمية: وهذا من الأحاديث الموضوعة التي لم ترد في شيء من الكتب التي يعتمد عليها ولا بسند ضعيف، وكيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين الإنس والجن ومنهم الأنبياء. قال: بل إن عمرو بن عبدود هذا لم يعرف له ذكر إلا في هذه الغزوة.
أقول: ويردّ قوله إن عمرو بن عبدود هذا لم يعرف له ذكر إلا في هذه الغزوة قول الأصل. وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما: أي جعل له علامة يعرف بها ليرى مكانه، أي ويرده أيضا ما تقدم من أنه نذر أن لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمدا ﷺ، واستدلاله بقوله وكيف يكون إلى آخره فيه نظر، لأن قتل هذا كان فيه نصرة للدين وخذلان للكافرين.
وفي تفسير الفخر أنه ﷺ قال لعلي كرم الله وجهه بعد قتله لعمرو بن عبدود «كيف وجدت نفسك معه يا علي؟ قال: وجدته لو كان أهل المدينة كلهم في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم» .
وفي كلام السهيلي ﵀: ولما أقبل علي كرم الله وجهه بعد قتله لعمرو بن عبدود على رسول الله ﷺ وهو متهلل، قال له عمر بن الخطاب ﵁: هلا سلبته درعه، فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ قال: إني حين ضربته استقبلني بسوءته فاستحيت يابن عمي أن أسلبه، هذا كلامه.
وعندي أن هذا اشتباه من بعض الرواة، لأن هذه الواقعة لعلي كرم الله وجهه إنما كانت في يوم أحد مع طلحة بن أبي طلحة كما تقدم وعمرو بن عبدود لم يشهد أحدا كما تقدم عن الأصل فليتأمل.
قال: وذكر ابن إسحاق أن المشركين بعثوا إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفة عمرو بعشرة آلاف، فقال رسول الله ﷺ: هو لكم ولا نأكل ثمن الموتى، وحين قتل عمرو رجع من وصل الخندق من المشركين بخيلهم هاربين، فتبعهم الزبير ﵁ وضرب نوفل بن عبد الله بالسيف فشقه نصفين ووصلت الضربة إلى كاهل فرسه، فقيل له: يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال والله ما هو السيف ولكنها الساعد، أي وفيه أنه تقدم أن نوفل بن عبد الله وقع في الخندق فاندقت عنقه إلى آخر ما تقدم، لكني رأيت بعضهم قال: إن وقوع نوفل في الخندق ورميه بالحجارة وقتل عليّ كرم
[ ٢ / ٤٢٨ ]
الله وجهه له في الخندق غريب من وجهين فليتأمل.
وحمل الزبير ﵁ على هبيرة بن أبي وهب وهو زوج أم هانىء أخت علي بن أبي طالب كما تقدم، فضرب ثغر فرسه فقطعه، وسقطت درع كان محقبها الفرس: أي جعلها على مؤخر ظهرها، فأخذها الزبير، وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه وهو منهزم انتهى.
أي وفي رواية: ثم حمل ضرار بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب ﵁ وهبيرة بن أبي وهب على علي كرم الله وجهه فأقبل عليّ عليهما فأما ضرار فولى هاربا ولم يثبت، وأما هبيرة فثبت ثم ألقى درعه وهرب وكان فارس قريش وشاعرها.
وذكر أن ضرار بن الخطاب لما هرب تبعه أخوه عمر بن الخطاب وصار يشتد في أثره، فكر ضرار راجعا وحمل على عمر ﵁ بالرمح ليطعنه ثم أمسك وقال: يا عمر هذه نعمة مشكورة أثبتها عليك ويدلي عندك غير مجزيّ بها فاحفظها.
أي ووقع له مع عمر ﵁ مثل ذلك في أحد، فإنه التقى معه، فضرب عمر ﵁ بالقناة ثم رفعها عنه وقال له: ما كنت لأقتلك يابن الخطاب، ثم منّ الله على ضرار فأسلم وحسن إسلامه، وكان شعار المسلمين «حمّ لا ينصرون» أي ولعل المراد بالمسلمين الأنصار، فلا يخالف ما في الإمتاع، وكان شعار المهاجرين «يا خيل الله» .
وفيه خرجت طائفتان للمسلمين ليلا لا يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدوّ فكانت بينهم جراحة وقتل ثم نادوا بشعار الإسلام «حمّ لا ينصرون» فكف بعضهم عن بعض.
وقد يقال: يجوز أن تكون الطائفتان كانتا من الأنصار جاؤوا، فقال رسول الله ﷺ «جراحكم في سبيل الله، ومن قتل فهو شهيد» وبهذا استدل أئمتنا على أن من قتله مسلم خطأ في الحرب يكون شهيدا.
ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله: وهو عرق في الذراع تتشعب منه عروق البدن، ولعله محل الفصد الذي يقال له المشترك، أي ويقال لهذا العرق عرق الحياة. أي رماه ابن العرقة اسم جدّته، سميت بذلك لطيب عرقها، وقال خذها وأنا ابن العرقة، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك قال: عرّق الله وجهه في النار، وقيل قائل ذلك سعد ﵁، وعند ذلك قال سعد: اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم يعني قريشا فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقرّ عيني. وفي لفظ: حتى تشفيني من بني قريظة، وفي لفظ: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وأخرجوه وكذبوه.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وفي يوم استمرت المقاتلة، قيل من سائر جوانب الخندق إلى الليل ولم يصلّ ﷺ ولا أحد من المسلمين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. أي وصار المسلمون يقولون: ما صلينا، فيقول ﷺ: ولا أنا، فلما انكشف القتال جاء ﷺ إلى قبته وأمر بلالا فأذن وأقام الظهر فصلى ثم أقام بعد كل صلاة إقامة وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ «فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء» .
أقول: في الرواية الأولى ما يشهد لقول إمامنا الشافعي: يندب أن يؤذن للأولى من الفوائت ويقيم لما عداها إذا قضاها متوالية، وكونه يؤذن للأولى من الفوائت هو ما ذهب إليه في القديم وهو المفتي به.
وفي الرواية الثانية دليل على أنه يؤذن لكل من الفوائت إذا قضاها متوالية، ولم يقل به إمامنا، فإنه جاء عن ابن مسعود ﵁ مرسلا لأنه رواه عنه ابنه أبو عبيدة ولم يسمع منه لصغر سنه.
وروى إمامنا الشافعي ﵁ بإسناد صحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هويّ» أي طائفة «من الليل حتى كفينا القتال، وذلك قوله تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب: الآية ٢٥] فدعا رسول الله ﷺ بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها كما كان يصلي، ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك» أي وفي لفظ «فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها، وهو دليل لعدم ندب الأذان للفائتة، وهو ما ذهب إليه إمامنا الشافعي ﵁ في الجديد وهو مرجوح.
وجمع الإمام النووي في شرح المهذب بين رواية إلى الليل ورواية حتى ذهب هويّ من الليل بأنهما قضيتان جرتا في أيام الخندق، قال: فإنها كانت خمسة عشر يوما، أي على ما تقدّم.
وفيه أن كونهما قضيتين أمر واضح لاخفاء فيه، لأن في الأولى وفي يوم استمرت المقاتلة إلى الليل، وفي الثانية حتى كفينا القتال، فمع ذلك كيف يظن أنهما قضية واحدة حتى يحتاج إلى الجمع، وظاهر سياق هذه الروايات أنه صلى الأربع صلوات بوضوء واحد وبه صرّح البغوي في تفسير سورة المائدة، وحينئذ يحتاج للجمع بينه وبين ما يأتي في فتح مكة.
وروى الطحاوي، واستدل به مكحول والأوزاعي على جواز تأخير الصلاة لعذر
[ ٢ / ٤٣٠ ]
القتال أن الشمس ردت له ﷺ بعد ما غربت حين شغل عن صلاة العصر حتى صلى العصر، وذكر الإمام النووي في شرح مسلم أن رواته ثقات.
وفي البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ «أنه جاء يوم الخندق بعد ما كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله ﷺ: والله ما صليتها- يعني العصر- فنزلنا مع النبي ﷺ بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» وهذه الرواية تقتضي أنه لم يفته إلا العصر وأنه صلاها بعد الغروب.
قال الإمام النووي ﵀: وطريق الجمع أن هذا كان في بعض أيام الخندق، وكون صلاة العصر هي الوسطى قد جاء في بعض الروايات «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غابت الشمس، ملأ الله أجوافهم» وفي لفظ «بطونهم وقبورهم نارا» والذي في البخاري ومسلم وأي داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس» وكون الوسطى هي صلاة العصر هو قول من تسعة عشر قولا ذكرها الحافظ الدمياطي في مؤلف له سماه [كشف الغطا عن الصلاة الوسطى] وفي الينبوع أن كون الصلاة الوسطى هي العصر هو الذي أعتقده والله أعلم.
قال وجاء «أنه ﷺ صلى المغرب، فلما فرغ قال: أحد منكم علم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله ما صلينا» أي لا نحن ولا أنت «فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب» قيل وكان ذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا [البقرة: الآية ٢٣٩] اهـ.
أقول: يحتاج إلى الجواب عن إعادة المغرب. وقد يقال: أعادها مع الجماعة، وأن قوله فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا [البقرة: الآية ٢٣٩] يرشد إلى أن المراد بصلاة الخوف صلاة شدته لا صلاة ذات الرقاع التي نزل فيها قوله تعالى وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء: الآية ١٠٢] الآية كما تقدم، فلا ينافي ما تقدم من صلاته في الرقاع بناء على تقدمها على هذه الغزوة التي هي غزوة الخندق.
وحينئذ يندفع الاستدلال على أن ذات الرقاع متأخرة عن الخندق بقولهم ولم تكن شرعت صلاة الخوف: أي صلاة ذات الرقاع، وإلا لصلاها في الخندق، ولم يخرج الصلاة عن وقتها لما علمت أن المراد بصلاة الخوف التي لم تشرع زمن الخندق صلاة شدته لا صلاة ذات الرقاع. وسقط القول بأن الآية التي نزلت في صلاة ذات الرقاع منسوخة، فتركه ﷺ تلك الصلاة في الخندق، لأن الخندق وإن لم يلتحم فيه القتال إلا أنهم لا يأمنون هجوم العدوّ عليهم، فلو صلوها لكانت تلك الصلاة صلاة شدة الخوف لا صلاة ذات الرقاع، لأن شرطها أمن هجوم العدو،
[ ٢ / ٤٣١ ]
وصلاة شدة الخوف إما أن يلتحم فيها القتال أو يخافوا هجوم العدو.
وقول بعضهم أن ابن إسحاق وهو إمام أهل المغازي ذكر أنه ﷺ صلى صلاة الخوف بعسفان، وذكر أنها قبل الخندق، فتكون صلاة عسفان منسوخة أيضا فيه نظر ظاهر، لأن صلاة عسفان إنما كانت في الحديبية كما سيأتي. وعلى تسليم أن صلاة عسفان كانت قبل الخندق، فتلك يشترط فيها الأمن من هجوم العدوّ والله أعلم.
قال: ثم إن طائفة من الأنصار خرجوا ليدفنوا ميتا منهم بالمدينة فصادفوا عشرين بعيرا لقريش محملة شعيرا وتمرا وتبنا، حملها ذلك حيي بن أخطب شدادا وتقوية لقريش فأتوا بها رسول الله ﷺ فتوسع بها أهل الخندق.
ولما بلغ أبا سفيان ذلك قال: إن حييا لمشؤوم، فطع بنا ما نجد ما نحمل عليه إذا رجعنا.
ثم إن خالد بن الوليد كرّ بطائفة من المشركين يطلب غرّة للمسلمين: أي غفلتهم، فصادف أسيد بن حضير على الخندق في مائتين من المسلمين فناوشوهم:
أي تقاربوا منهم ساعة، وكان في أولئك المشركين وحشي قاتل حمزة ﵁، فرزق الطفيل بن النعمان فقتله، ثم بعد ذلك صاروا يرسلون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة: أي الإغارة، فأقام المسلمون في شدة من الخوف. أي وفي الصحيحين «ودعا رسول الله ﷺ على الأحزاب. فقال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم، وزلزلهم» أي وقام في الناس فقال «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية فإن لقيتم العدوّ فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» أي السبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف في سبيل الله تعالى. ودعا ﷺ بقوله «يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي، فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي. وقال له المسلمون ﵃: هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال:
نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، فأتاه جبريل ﵇ فبشره أن الله يرسل عليهم ريحا وجنودا، وأعلم رسول الله ﷺ أصحابه بذلك وصار يرفع يديه قائلا شكرا شكرا» .
وجاء أن دعاءه ﷺ عليهم كان يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء واستجيب له ذلك اليوم الذي هو يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فعرف السرور في وجهه ﷺ أي ومن ثم كان جابر ﵁ يدعو في مهماته في ذلك اليوم في ذلك الوقت، ويتحرى ذلك.
والأحاديث والآثار التي جاءت بذم يوم الأربعاء محمولة على آخر أربعاء في
[ ٢ / ٤٣٢ ]
الشهر، فإن في ذلك اليوم ولد فرعون وادعى الربوبية وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي أصيب فيه أيوب ﵊ بالبلاء.
قال: وكان ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق. والثلمة: الخلل في الحائط فعن عائشة ﵁ قالت: كان ﷺ يذهب إلى تلك الثلمة، فإذا أخذه البرد جاء فأدفأته في حضني، فإذا دفىء خرج إلى تلك الثلمة ويقول: ما أخشى أن تؤتي المسلمون إلا منها، فبينما رسول الله ﷺ في حضني صار يقول «ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثلمة الليلة، فسمع صوت السلاح، فقال رسول الله ﷺ: من هذا؟ فقال سعد بن أبي وقاص: سعد، يا رسول الله أتيتك أحرسك، فقال عليك هذه الثلمة فاحرسها، ونام رسول الله ﷺ حتى غط، وقام ﷺ في قبته يصلي لأنه ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ومن ثم لما نعي لابن عباس أخوه قثم وهو في سفر استرجع وتنحى عن الطريق وصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس وتلا وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة: الآية ٤٥] .
ثم خرج ﷺ من قبته، فقال: هذه خيل المشركين تطيف بالخندق، ثم نادى ﷺ: يا عباد بن بشر، قال: لبيك؛ قال هل معك أحد، قال: نعم أنا في نفر حول قبتك يا رسول الله، وكان ألزم الناس لقبة رسول الله ﷺ يحرسها، فبعثه ﷺ يطيف بالخندق، وأعلمه بأن خيل المشركين تطيف بهم. ثم قال: اللهم ادفع عنا شرهم، وانصرنا عليهم، واغلبهم لا يغلبهم غيرك. وإذا أبو سفيان في خيل يطوفون بمضيق من الخندق، فرماهم المسلمون حتى رجعوا.
ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله ﷺ أي ليلا، فقال: يا رسول الله إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. قال وفي رواية أن نعيما لما سارت الأحزاب سار مع قومه: أي غطفان وهو على دينهم، فقذف الله في قلبه الإسلام، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء فوجده يصلي، فلما رآه جلس. ثم قال له النبي ﷺ: ما جاء بك يا نعيم؟ قال:
جئت أصدقك، وأشهد أن ما جئت به حق فأسلم انتهى. فقال رسول الله ﷺ: إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة بفتح الخاء وسكون الدال المهملة: أي ينقضي أمرها بالمخادعة. فقال له نعيم: يا رسول الله إني أقول: أي ما يقتضيه الحال وإن كان خلاف الواقع. قال: قل ما بدا لك فأنت في حل.
فخرج نعيم ﵁ حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما. قال: فلما رأوني رحبوا بي وعرضوا علي الطعام والشراب. فقلت: إني لم آت لشيء من هذا، إنما جئتكم تخوفا عليكم لأشير عليكم برأي، يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، ليست عندنا بمتهم. فقال لهم: اكتموا
[ ٢ / ٤٣٣ ]
عني، قالوا: نفعل. قال: لقد رأيتم ما وقع لبني قينقاع ولبني النضير من إجلائهم وأخذ أموالهم، وإن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم، وبها أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم، لا تقدرون على أن ترحلوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم: أي عاونتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة: أي فرصة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين بلدكم، والرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، أي سبعين رجلا يكونون بأيديكم ثقة لكم، على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى يناجزوه: أي يقاتلوه.
قالوا له: لقد أشرت بالرأي والنصح، ودعوا له وشكروا، وقالوا: نحن فاعلون.
قال: ولكن اكتموا عني، قالوا: نفعل.
ثم خرج ﵁ حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان ومن معه من أشراف قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي لمحمد، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا. قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود: يعني بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد: أي من نقض عهده. وقد أرسلوا إليه، أي وأنا عندهم أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، أي سبعين رجلا فنعطيكهم فتضرب أعناقهم؟ أي وتردّ جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم: يعنون بني النضير، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم فأرسل إليهم نعم، فإن بعثت إليكم يهود يطلبون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا، واحذروهم على أسراركم، ولكن اكتموا عني ولا تذكروا من هذا حرفا. قالوا: لا نذكره.
ثم خرج ﵁ حتى أتى غطفان. فقال: يا معشر غطفان، إنكم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ ولا أراكم تتهمونني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عليّ، قالوا نعم، فقال لهم، مثل ما قال لقريش وحذرهم.
فلما كان ليلة السبت، أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان. فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز: أي نقاتل محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم: إن اليوم: أي الذي يلي هذه الليلة يوم السبت، وقد علمتم ما نال منا من تعدي في السبت، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، أي سبعين رجلا، فقالوا: صدق والله نعيم.
وفي رواية أن بني قريظة أرسلت لقريش قبل مجيء رسل قريش إليهم رسولا يقول لهم: ما هذا التواني، والرأي أن تتواعدوا على يوم يكونون معكم فيه لكنهم لا
[ ٢ / ٤٣٤ ]
يخرجون حتى ترسلوا إليهم رهنا سبعين رجلا من أشرافكم، فإنهم يخافون إن أصابكم ما تكرهون رجعتم وتركتموهم، فلم ترد لهم قريش جوابا. وجاءهم نعيم وقال لهم: كنت عند أبي سفيان، وقد جاءه رسولكم. فقال لو طلبوا مني عناقا ما دفعتها لهم، فاختلفت كلمتهم، أي وجاء حيي بن أخطب لبني قريظة فلم يجد منهم موافقة له وقالوا: لا نقاتل معهم حتى يدفعوا إلينا سبعين رجلا من قريش وغطفان رهنا عندنا، وبعث الله تعالى ريحا عاصفا، أي وهي ريح الصبا في ليال شديدة البرد، فنقلت بيوتهم، وقطعت أطنابها، وكفأت قدورهم على أفواهها، وصارت الريح تلقي الرجال على أمتعتهم.
وفي رواية: دفنت الرجال وأطفأت نيرانهم. أي وأرسل الله إليهم الملائكة زلزلتهم. قال تعالى فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: الآية ٩] ولم تقاتل الملائكة بل نفثت في روعهم الرعب. وقال ﷺ «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» وفي لفظ «نصر الله المسلمين بالريح، وكانت ريحا صفراء ملأت عيونهم ودامت عليهم» .
ثم إن رسول الله ﷺ بلغه اختلاف كلمتهم، وكانت تلك الليلة شديدة البرد والريح في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وسيأتي أنها لم تجاوز عسكر المشركين، وشديدة الظلمة بحيث لا يرى الشخص أصبعه إذا مدها.
فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون إن بيوتنا عورة: أي من العدو، لأنها خارج المدينة، وحيطانها قصيرة يخشى عليها السرقة، فائذن لنا أن نرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا فيأذن ﷺ لهم.
قيل ولم يبق معه ﷺ تلك الليلة إلا ثلاثمائة، وقال: من يأتينا بخبر القوم:
فقال الزبير ﵁: أنا. قال ﷺ ذلك ثلاثا والزبير يجيبه بما ذكر. فقال النبي ﷺ «لكل نبي حواري» أي ناصر «وإن حواري الزبير» أي وهذا قاله ﷺ له أيضا عند إرساله لكشف خبر بني قريظة، هل نقضوا العهد أولا؟ كما تقدم. وسيأتي قول ذلك له أيضا في خيبر. وفي الحديث «حواري الزبير من الرجال وحواري من النساء عائشة» وفي رواية «أنه ﷺ قال إلا رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة» وفي لفظ «يكون معي يوم القيامة» وفي لفظ «يكون رفيق إبراهيم يوم القيامة» قال ذلك ثلاثا فما قام أحد من شدة الخوف والجوع والبرد، فدعا ﷺ حذيفة بن اليمان. قال: فلم أجد بدّا من القيام حيث فوّه باسمي، فجئته ﷺ فقال: تسمع كلامي منذ الليلة ولا تقوم؟ فقلت: لا، والذي بعثك بالحق إن قدرت. أي ما قدرت على ما بي من الجوع والبرد والخوف، فقال: اذهب حفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا. قال حذيفة: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني. وقال: يا حذيفة اذهب فادخل في
[ ٢ / ٤٣٥ ]
القوم، فقمت مستبشرا بدعاء رسول الله ﷺ، كأني احتملت احتمالا، وذهب عني ما كنت أجد من الخوف والبرد، وعهد ﷺ إليّ أن لا أحدث حدثا. وفي رواية «أما سمعت صوتي؟ قلت نعم. قال: فما منعك أن تجيا بني؟ قلت البرد. قال: لا برد عليك حتى ترجع» كما يدل على ذلك الرواية الآتية «فقال له: إن في القوم خبرا فائتني بخبر القوم» قال: وفي رواية «إنه ﷺ لما كرر قوله: ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ ولم يجبه أحد. قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله حذيفة. قال حذيفة: فمر عليّ رسول الله ﷺ وما عليّ جنة من العدو والبرد إلا مرطا لامرأتي ما يجاوز ركبتيّ، وأنا جاث على ركبتي. فقال: من هذا؟
قلت: حذيفة، فقال رسول الله ﷺ: حذيفة، قال حذيفة ﵁: فتقاصرت بالأرض. قلت: بلى يا رسول الله. قال: قم، فقمت. فقال: إنه كائن في القوم خبر فائتني بخبر القوم. فقلت: والذي بعثك بالحق ما قمت إلا حياء منك من البرد.
قال: لا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إليّ. فقلت: والله ما بي أن أقتل، ولكن أخشى أن أوسر. فقال: إنك لن تؤسر. اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فمضيت كأني أمشي في حمام» مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار وهو عربي «قال حذيفة: فلما وليت دعاني، فقال لي:
لا تحدثن شيئا» وفي رواية، لا ترم بسهم ولا حجر، ولا تضربن بسيف حتى تأتيني.
فجئت إليهم ودخلت في غمارهم، فسمعت أبا سفيان يقول: يا معشر قريش ليتعرف كل امرىء منكم جليسه، واحذروا الجواسيس والعيون، فأخذت بيد جليسي على يميني وقلت من أنت؟ فقال: معاوية بن أبي سفيان، وقبضت يد من على يساري.
وقلت: من أنت، قال عمرو بن العاص، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي. فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، والله إنكم لستم بدار مقام. ولقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم، أي فإنه لما ركبه كان معقولا، فلما ضربه وثب على ثلاثة قوائم، ثم حل عقاله. فقال له عكرمة بن أبي جهل: إنك رأس القوم وقائدهم تذهب وتترك الناس، فاستحيى أبو سفيان وأناخ جمله وأخذ بزمامه وهو يقوده. وقال ارحلوا، فجعل الناس يرحلون وهو قائم. ثم قال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله نقيم في جريدة من الخيل بإزاء محمد وأصحابه، فإنا لا نأمن أن نطلب، فقال عمرو: أنا أقيم، وقال لخالد بن الوليد: ما ترى أبا سليمان؟ فقال: أنا أيضا أقيم، فأقام عمرو وخالد في مائتي فارس، وسار جميع العسكر. قال حذيفة ﵁: ولولا عهد رسول الله ﷺ إليّ حين بعثني أن لا أحدث شيئا لقتلته؟ يعني أبا سفيان بسهم، وسمعت غطفان بما
[ ٢ / ٤٣٦ ]
فعلت قريش فاشتدوا راجعين إلى بلادهم» .
وفي رواية «فدخلت العسكر، فإذا الناس في عسكرهم يقولون الرحيل الرحيل لا مقام لكم والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم، وتضربهم بالحجارة، والريح لا تجاوز عسكرهم، فلما انتصفت الطريق إذا أنا بنحو عشرين فارسا معتمين، فخرج إليّ منهم فارسان وقالا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم. قال حذيفة: ثم أتيت رسول الله ﷺ فوجدته قائما يصلي فخبرته، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، أي وفي رواية «فأخبرته الخبر فضحك حتى بدت ثناياه في سواد الليل، وعاودني البرد، فجعلت أقرقف، فأومأ إلى رسول الله ﷺ بيده فدنوت منه، فسدل عليّ من فضل شملته فنمت ولم أزل نائما حتى الصبح» أي طلوع الفجر «فلما أن أصبحت» أي دخل وقت صلاة الصبح «وقال لي رسول الله ﷺ: قم يا نومان: أي يا كثير النوم، لأن النبي ﷺ إنما قال له: لا بأس عليك من برد حتى ترجع إليّ» .
أي ومن هذا أي إرسال حذيفة ﵁ وما تقدّم: أي من إرسال الزبير ﵁ تعلم أن ذلك كان في الخندق، ولا مانع منه، لأنه يجوز أن يكون ﷺ عدل عن إرسال الزبير، واختار حذيفة لأمر قام عنده ﷺ، من جملة ذلك كون الزبير ﵁ كان عنده حدة وشدة لا يملك نفسه أن يحدث بالقوم ما نهى عنه حذيفة ﵁، وحينئذ يرد قول بعضهم إن الزبير إنما أرسل لكشف أمر بني قريظة هل نقضوا العهد أم لا؟ لا لكشف أمر قريش، وحذيفة ﵁ ذهب لكشف أمر قريش هل ارتحلوا أولا، وقد اشتبه الأمر على بعض الناس فظنهما قضية واحدة فليتأمل ذلك.
وكان يقال لحذيفة ﵁ صاحب سر رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه غيره. فقد قال حذيفة ﵁ «لقد حدثني رسول الله ﷺ بما كان وبما يكون حتى تقوم الساعة» أي وتقدم أن ابن مسعود ﵁ كان يقال له أيضا صاحب سرّ رسول الله ﷺ.
وقد ذكر ابن ظفر في «ينبوع الحياة» في تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: ٩] وهبت ريح الصبا ليلا، فقلعت الأوتاد، وألقت عليهم الأبنية، وكفأت القدور، وسفت عليهم التراب، ورمتهم بالحصا، وسمعوا في أرجاء: أي نواحي معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح: أي من الملائكة، فصار سيد كل حي يقول لقومه: يا بني فلان هلموا إليّ، فإذا اجتمعوا قال: النجاء النجاء، فارتحلوا هرابا في ليلتهم، وتركوا ما استتقلوه من متاعهم. أي والصبا هي الريح الشرقية.
وعن ابن عباس ﵄ قالت الصبا للشمال: اذهبي بنا ننصر رسول الله
[ ٢ / ٤٣٧ ]
فقالت: إن الحرائر لا تهب بالليل، فغضب الله عليها فجعلها عقيما، ويقال لها الدبور. فكان نصره ﷺ بالصبا. وكان إهلاك عاد بالدبور، وهي الريح الغربية.
وحين انجلاء الأحزاب قال ﷺ «الآن نغزوهم ولا يغزونا» والصرف رسول الله ﷺ لسبع ليال من ذي القعدة، أي بناء على أنها كانت في القعدة وهو قول ابن سعد.
وقيل كانت في شوال وكان ذلك سنة خمس، أي كما قاله الجمهور. قال الذهبي:
وهو المقطوع به، وقال ابن القيم: إنه الأصح. وقال الحافظ ابن حجر: هو المعتمد. وقيل سنة أربع، وصححه الإمام النووي في الروضة. قال بعضهم: وهو عجيب، فإنه صحح أن غزوة بني قريظة كانت في الخامسة، ومعلوم أنها كانت عقب الخندق.
أي وفيه أنه يجوز أن تكون بنو قريظة أوائل الخامسة، والخندق أواخر الرابعة، فتكون في ذي الحجة. واستدل من قال إن الخندق كانت سنة أربع بما صح عن ابن عمر ﵄ أنه عرض على رسول الله ﷺ يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، ثم عرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه، فيكون بينهما سنة واحدة، أي وكانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع.
قال الحافظ ابن حجر: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون ابن عمر ﵄ في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشرة، وكان في الأحزاب قد استكمل الخمسة عشرة، وسبقه إلى ذلك البيهقي. وحينئذ يكون بين أحد والخندق سنتان كما هو الواقع لا سنة واحدة.
ومما وقع من الآيات في هذه الغزوة في مدة حفر الخندق غير ما تقدم: أن بنت بشير بن سعد جاءت لأبيها وخالها: أي عبد الله بن رواحة بحفنة من التمر ليتغذيا بها، فقال لها رسول الله ﷺ: هاتيه، فصبته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأهما، ثم أمر بثوب فبسطت له، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه. وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب؛ أي فإن أهل الخندق أصابهم مجاعة. قال بعض الصحابة: «لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق زادا، وربط ﷺ الحجر على بطنه من الجوع» .
أقول: أورد ابن حبان في صحيحه لما أورد الحديث الذي فيه نهيه ﷺ عن الوصال، وقالوا له ما لك تواصل يا رسول الله: قال «إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» .
قال: يستدل بهذا الحديث على بطلان ما ورد أنه ﷺ كان يضع الحجر على بطنه من الجوع، لأنه كان يطعم ويسقى من ربه إذا واصل، فكيف يترك جائعا مع
[ ٢ / ٤٣٨ ]
عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه. قال: وإنما لفظ الحديث الحجز بالزاي، وهو طرف الإزار فصحفوا وزادوا لفظ «من الجوع» .
وأجيب بأنه لا منافاة، كان ﷺ يطعم ويسقى إذا واصل في الصوم: أي يصير كالطاعم والساقي تكرمة له، ولا يحصل له ذلك دائما، بل يحصل له الجوع في بعض الأحايين على وجه الابتلاء الذي يحصل للأنبياء عليهم الصلاة والسلام تعظيما لثوابهم والله أعلم.
وإن جابر بن عبد الله ﵄ لما علم ما به ﷺ من شدّة الجوع صنع شويهة وصاعا من شعير. قال جابر: وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله ﷺ وحده. فلما قلت له أمر صارخا، فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله ﷺ إلى بيت جابر بن عبد الله. قال جابر: فقلت إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: الآية ١٥٦] فأقبل الناس معه: أي بعضهم، فجلس ﷺ فأخرجناها إليه، فبرّك ثم سمى الله تعالى، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا، أي وذهبوا إلى الخندق وجاء آخرون، حتى صدر أهل الخندق عنها وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانصرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو.
قال: وفي رواية «أن جابرا رضي الله تعالى عنه لما رأى ما به ﷺ من الجوع استأذن رسول الله ﷺ في الانصراف إلى بيته، فأذن له. قال جابر: فجئت لامرأتي وقلت لها: إني رأيت رسول الله ﷺ خمصا شديدا أفعندك شيء؟ قالت: عندي صاع من شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير وجعلت اللحم في برمة، فلما أمسينا، جئت إلى رسول الله ﷺ فساورته وقلت له: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، فشبك ﷺ أصابعه في أصابعي، وقال: كم هو؟ فذكرت له، قال:
كثير طيب، لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء، وصاح رسول الله ﷺ:
يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سؤارا» أي ضيافة «فحيهلا بكم: أي سيروا مسرعين، وسار رسول الله ﷺ يقدم الناس. قال جابر ﵁: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، والله إنها لفضيحة، فقال رسول الله ﷺ: ادخلوا عشرة عشرة، أي بعد أن أخرجت له عجيننا فبصق فيه وبارك، ثم عمد ﷺ إلى برمتنا وبصق فيها وبارك» الحديث. أي ومجيء القوم كان على الوجه المتقدم «وإن أم عامر الأشهلية أرسلت بقصعة فيها حيس إلى رسول الله ﷺ وهو في القبة عنده أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فأكلت أم سلمة حاجتها، ثم خرج بالقصعة، ونادى منادي رسول الله ﷺ: هلموا إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى نهلوا منها وهي كما هي» .
وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني ﵀ ونفعنا ببركاته أنه قدّم لأربعة
[ ٢ / ٤٣٩ ]
عشر رجلا من الفلاحين رغيفا واحدا، فأكلوا منه كلهم وشبعوا، قال: وقدّمت مرة الطاجن الذي نعمله في الفرن إلى سبعة عشر نفسا فأكلوا منه وشبعوا. وذكر أنه شاهد شيخه الشيخ محمد الشناوي ﵀ ونفعنا ببركاته، وقد جاء من الريف ومعه نحو خمسين رجلا ونزل بزاوية شيخه الشيخ محمد السروي، فتسامع مجاورو الجامع الأزهر بمجيئه، فأتوا لزيارته، فامتلأت الزاوية، وفرشوا الحصر في الزقاق.
ثم قال لنقيب شيخه: هل عندك طبيخ؟ قال نعم، الطبيخ الذي أفعله لي ولزوجتي، فقال له: لا تغرف شيئا حتى أحضر، ثم غطى الشيخ الدست بردائه وأخذ المغرفة وصار يغرف إلى أن كفي من في الزاوية ومن في الزقاق، وهذا شيء رأيته بعيني هذا كلامه.
ولا بدع. فقد ذكر غير واحد من العلماء كالحافظ ابن كثير أن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن الولي إنما نال ذلك ببركة متابعته لنبيه وثواب إيمانه به، وهذا كلامه.
قال: وأرسل أبو سفيان كتابا لرسول الله ﷺ فيه: باسمك اللهم، فإني أحلف باللات والعزى أي وأساف ونائلة وهبل كما في لفظ: لقد سرت إليك في جمع وأنا أريد أن لا أعود إليك أبدا حتى أستأصلكم، فرأيتك قد كرهت لقاءنا واعتصمت بالخندق: أي وفي لفظ، قد اعتصمت بمكيدة ما كانت العرب تعرفها، وإنما تعرف ظل رماحها وشبا سيوفها، وما فعلت هذا إلا فرارا من سيوفنا ولقائنا، ولك مني يوم كيوم أحد، فأرسل له ﷺ جوابه فيه: أما بعد، أي بعد بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى صخر بن حرب، كذا في كلام سبط ابن الجوزي، فقد أتاني كتابك، وقديما غرك بالله الغرور. أما ما ذكرت أنك سرت إلينا وأنت لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر يحول الله بينك وبينه ويجعل لنا العاقبة وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وأسافا ونائلة وهبل، حتى أذكرك ذلك يا سفيه بني غالب انتهى.
غزوة بني قريظة
وهم قوم من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس، وسيد الأوس حينئذ سعد بن معاذ ﵁ كما تقدم.
لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وكان وقت الظهيرة، أي وقد صلى الظهر، ودخل بيت عائشة ﵂، وقيل زينب بنت جحش ﵂ ودعا بماء، فبينما هو ﷺ يغتسل: أي غسل شق رأسه الشريف، وفي رواية بينا رسول الله ﷺ في الغسل يرجل رأسه قد رجل أحد شقيه. أي وفي رواية: غسل
[ ٢ / ٤٤٠ ]
رأسه واغتسل ودعا بالمجمرة ليتبخر أتى جبريل ﵇ النبي ﷺ معتجرا بعمامة: أي سوداء من استبرق، وهو نوع من الديباج، مرخيا منها بين كتفيه، وفي رواية عليه لأمته.
ولا معارضة، لأنه يجوز أن يكون الاعتجار بالعمامة على تلك اللامة وهو على بغلة أي شهباء، عليها قطيفة: وهي كساء له وبر من ديباج أي أحمر.
وفي رواية: جاءه على فرس أبلق، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟
قال: نعم، قال جبريل ﵇: ما وضعت السلاح. وفي رواية: ما وضعت ملائكة الله السلاح بعد. قال: وفي رواية أنه قال: يا رسول الله ما أسرع ما حللتم، عذيرك من محارب عفا الله عنك: أي من يعذرك. وفي لفظ: غفر الله لك، أو قد وضعتم السلاح قبل أن تضعه الملائكة؟ فقال رسول الله: نعم، قال: فو الله ما وضعناه. وفي لفظ: ما وضعت الملائكة السلاح منذ نزل بك العدوّ؛ وما رجعنا الآن إلا من طلب القوم يعني الأحزاب حتى بلغنا الأسد انتهى: أي حمراء الأسد، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم، زاد في رواية: بمن معي من الملائكة، فمزلزل بهم الحصون، زاد في رواية، فقال رسول الله ﷺ: إن في أصحابي جهدا فلو نظرتهم أياما، فقال جبريل ﵇: اهض إليهم، فو الله لأدقنهم كدق البيض على الصفا، ولأدخلن فرسي هذا عليهم في حصونهم ثم لأضعضعنها، فأدبر جبريل ﵇ ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم، وهم طائفة من الأنصار.
وفي البخاري عن أنس، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم، موكب جبريل ﵇ حين سار لبني قريظة، والموكب بكسر الكاف؛ اسم لنوع من السير.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: لما رجع النبي ﷺ يوم الخندق بينما هو عندي إذ دق الباب، أي وفي رواية: نادى مناد: أي في موضع الجنائز:
عذيرك من محارب أي من يعذرك، فارتاع لذلك رسول الله ﷺ أي فزع، ووثب وثبة منكرة، وخرج فخرجت في أثره، فإذا رجل على دابة والنبي ﷺ متكىء على معرفة الدابة يكلمه فرجعت، فلما دخل قلت: من ذلك الرجل الذي كنت تكلمه؟ قال:
ورأيته؟ قلت نعم، قال: بمن تشبهينه؟ قلت بدحية الكلبي، قال: ذاك بكسر الكاف جبريل ﵇، أمرني أن أمضي إلى بني قريظة، أي وهذا يؤيد أنه ﷺ كان عند منصرفه من الخندق في بيت عائشة، وأبرز رسول الله ﷺ مؤذنا: أي وهو بلال كما في سيرة الحافظ الدمياطي، فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر، أي وفي رواية: الظهر إلا ببني قريظة.
[ ٢ / ٤٤١ ]
قال في النور: والجمع بينهما أن الأمر بعد دخول وقت الظهر بالمدينة وقد صلى بعضهم دون بعض، فقيل للذين لم يصلوا الظهر لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة، وقيل للذين صلوها لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة.
وفي رواية: بعث رسول الله ﷺ يومئذ يا خيل الله؟ أي يا فرسان خيل الله اركبي. ثم سار إليهم قال، وقد لبس ﷺ السلاح الدرع والمغفر والبيضة، وأخذ قناة بيده الشريفة، وتقلد السيف، وركب فرسه اللجيف بالضم، وقيل ركب حمارا وهو اليعفور عريانا، والناس حوله قد لبسوا السلاح وركبوا الخيل، وهم ثلاثة آلاف، والخيل ستة وثلاثون فرسا، له ﷺ منها ثلاثة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه. وقدم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه برايته إلى بني قريظة.
أي وفي رواية دفع إليه لواءه، وكان اللواء على حاله لم يحل من مرجعه من الخندق، ومر ﷺ بنفر من بني النجار قد لبسوا السلاح. فقال: هل مرّ بكم أحد قالوا: نعم، دحية الكلبي مرّ على بغلة بيضاء.
أي وفي رواية: على فرس أبيض عليه اللامة، وأمرنا بحمل السلاح، وقال لنا:
رسول الله ﷺ يطلع عليكم الآن فلبسنا سلاحنا وصففنا. فقال رسول الله ﷺ: ذاك جبريل ﵇، بعث إلى بني قريظة ليزلزل حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم.
فلما دنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من الحصن، أي ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، وغرز اللواء عند أصل الحصن، سمع من بني قريظة مقالة قبيحة في حقه ﷺ أي وحق أزواجه، أي فسكت المسلمون وقالوا: السيف بيننا وبينكم، فلما رأى علي كرم الله وجهه رسول الله ﷺ مقبلا أمر أبا قتادة الأنصاري ﵁ أن يلزم اللواء، ورجع إليه ﷺ، فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: لعلك سمعت منهم لي أذى، قال نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا.
فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم: قال يا إخوان القردة هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟ قال: وفي رواية نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم وقال: أجيبوا يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت: أي وهو ما عبد من دون الله كما تقدم، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟ أتشتموني، فجعلوا يحلفون ويقولون ما قلنا اهـ ويقولون: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، أي وفي لفظ: ما كنت فاحشا.
وفي رواية: تقدمه ﷺ إلى يهود أسيد بن حضير ﵁، فقال لهم: يا أعداء الله لا تبرحوا من حصنكم حتى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر،
[ ٢ / ٤٤٢ ]
فقالوا: يابن الحضير نحن مواليك وخاروا: أي خافوا، قال: لا عهد بيني وبينكم.
وتقدم أسيد إلى بني قريظة يجوز أن يكون قبل مقدم عليّ لهم، ويجوز أن يكون بعده.
وإنما قال لهم: يا إخوان القردة والخنازير، لأن اليهود مسخ شبانهم قردة وشيوخهم خنازير عند اعتدائهم يوم السبت بصيد السمك، وقد حرم عليهم ذلك كسائر الأعمال. وقد أمرهم أن يتفرغوا لعبادة ربهم في ذلك اليوم، وكان ذلك في زمن داود ﵇ فلما مسخوا خرجوا من تلك القرية هائمين على وجوههم متحيرين، فمشوا ثلاثة أيام لا يأكلون ولا يشربون، ثم ماتوا، وهذا دليل لمن يقول إن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ولم يحصل منه توالد ولا تناسل.
وفي الكشاف؛ قيل إن أهل أيلة: أي وهي قرية بين مصر ومدين لما اعتدوا في السبت قال داود ﵊: اللهم العنهم واجعلهم للناس آية، فمسخوا قردة.
ولما كفر أصحاب عيسى ﵊ بعد المائدة، قال عيسى: اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي، هذا كلامه فليتأمل، فمكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون ولا يشربون فماتوا.
ثم إن جماعة من الصحابة شغلهم ما لم يكن لهم منه بدّ عن المسير لبني قريظة ليصلوا بها العصر، فأخروا صلاة العصر إلى أن جاؤوا بعد عشاء الآخرة، امتثالا لقوله ﷺ «لا يصلين العصر إلا في بني قريظة» فصلوا العصر بها بعد عشاء الآخرة. أي وبعضهم قال: نصلي، ما يريد رسول الله ﷺ منا أي ندع الصلاة ونخرجها عن وقتها، وإنما أراد الحث على الإسراع فصلوها في أماكنهم، ثم ساروا فما عابهم الله في كتابه ولا عنفهم رسول الله ﷺ، أي لأن كلا من الفريقين تأول.
قال في الهدى: كل من الفريقين مأجور بقصده، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين ولم يعنف الذين أخروها لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، وهو دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب.
وادعى ابن التين ﵀ أن الذين صلوا العصر صلوها على ظهور دوابهم.
قال لأنهم لو صلوا نزولا لكان مضادة لما أمروا به من الإسراع، ولا يظن ذلك مع تقرب أفهامهم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفيه نظر، لأنه لم يأمرهم بترك النزول، ولم أر أنهم صلوا ركبانا في شيء من طرق القصة. والتعليل بالإسراع يقتضي أنهم صلوا
[ ٢ / ٤٤٣ ]
على ظهور دوابهم سائرة لا واقفة.
وحاصر رسول الله ﷺ بني قريظة خمسا وعشرين ليلة، وقيل خمسة عشر يوما، أي وقيل شهرا، وكان طعام الصحابة التمر يرسل به إليهم سعد بن عبادة ﵁: أي يجاء به من عنده. وقال رسول الله ﷺ يومئذ «نعم الطعام التمر» حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة حصنهم حين رجعت الأحزاب وفاء لكعب بما كان عاهده عليه، أي كما تقدم، فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم أي يقاتلهم.
قال كبيرهم كعب بن أسيد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا أيها شئتم، قالوا وما هي؟ قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم ونسائكم وأبنائكم. قال: وزاد في لفظ آخر: وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب حيث لم يكن من بني إسرائيل، ولقد كنت كارها لنقض العهد، ولم يكن البلاء والشؤم إلا من هذا الجالس، يعني حيي بن أخطب، أتذكرون ما قال لكم ابن خراش حين قدم عليكم؟ إنه يخرج بهذه القرية نبي فاتبعوه وكونوا له أنصارا، وتكونوا آمنتم بالكتابين الأول والآخر اهـ أي التوراة والقرآن.
أي وكانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم ويعلمون الولدان صفته، وأن مهاجرة المدينة.
وفيه عن ابن عباس ﵄. قال: كانت يهود بني قريظة وبني النضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي ﷺ قبل أن يبعث، وأن دار هجرته المدينة، ولما قال لهم كعب ذلك، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال كعب:
فإذا أبيتم على هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، ولم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا: أي ولدا يخشى عليه، وإن نظفر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟ قال فإن أبيتم على هذه، فإن الليلة ليلة السبت وأن عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة: أي غفلة، فقالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت وأصابه ما لم يخف عليك من المسخ. قال: وقال لهم عمرو بن سعدي: قد خالفتم محمدا فيما حالفتموه: أي عاهدتموه عليه. ولم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية، وأعطوا الجزية، فو الله ما أدري يقبلها أم لا؟ قالوا: نحن لا نقر للعرب بخراج في رقابنا يأخذونه، القتل خير من ذلك. قال فإني بريء منكم، وخرج في
[ ٢ / ٤٤٤ ]
تلك الليلة، فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليه محمد بن مسلمة، فقال محمد بن مسلمة: من هذا؟ قال عمرو بن سعدي، قال مرّ، اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام وخلى سبيله، وبعد ذلك لم يدر أين هو؟ وقيل وجدت رمته؟ وأخبر رسول الله ﷺ خبره، فقال: ذلك رجل نجاه الله بوفاته.
وفي لفظ أنه قال لهم قبل أن يقدم النبي ﷺ لحصارهم: يا بني قريظة لقد رأيت عبرا، رأيت دار إخواننا يعني بني النضير خالية بعد ذلك العز والخلد والشرف والرأي الفاضل والعقل، تركوا أموالهم قد تملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذل، لا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط ولله بهم حاجة. وقد أوقع ببني قينقاع، وكانوا أهل عدّة وسلاح ونخوة، فلم يخرج أحد منهم رأسه حتى سباهم، فكلم فيهم فتركهم على إجلائهم من يثرب، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا فو الله إنكم لتعلمون أنه نبي، وقد بشرنا به علماؤنا. ثم لا زال يخوفهم بالحرب والسبي والجلاء، ثم أقبل على كعب بن أسيد، وقال: والتوراة التي أنزلت على موسى ﷺ يوم طور سيناء إنه للعز والشرف في الدنيا.
فبينما هم على ذلك لم يرعهم إلا مقدمة النبي ﷺ قد حلت بساحتهم، فقال:
هذا الذي قلت لكم، أي وبعد الحصار قيل أرسلوا بنباش بن قيس إلى رسول الله ﷺ أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير من أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، فأبي رسول الله ﷺ أن يحقن دماءهم ويسلم لهم نساءهم والذرية. فأرسلوه ثانيا بأنه لا حاجة لهم بشيء من الأموال لا من الحلقة ولا من غيرها، فأبي رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فعاد نباش إليهم بذلك اهـ. ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن أبعث إلينا أبا لبابة أي وهو رفاعة بن المنذر لنستشيره في أمرنا، أي لأنه كان من حلفاء الأوس وبنو قريظة منهم.
وفي لفظ: وكان أبو لبابة مناصحا لهم، لأن ماله وولده وعياله كانت في بني قريظة فأرسله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش: أي أسرع إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه من شدة المحاصرة وتشتيت ما لهم، فرّق لهم وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أي إنه الذبح.
أي وفي لفظ: ما ترى، إن محمدا قد أبى أن لا ننزل إلا حكمه، قال. فانزلوا وأومأ إلى حلقه.
ويروى أنهم قالوا له: ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ، فأومأ أبو لبابة بيده إلى حلقه أنه الذبح فلا تفعلوا. قال أبو لبابة ﵁ فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني خنت الله ورسوله، أي لأن في ذلك تنفيرا لهم عن الانقياد له ﷺ، ومن ثم أنزل الله فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال:
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الآية ٢٧] الآية: أي وقيل نزل وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة: الآية ١٠٢] الآية، وهذا أثبت من الأوّل، وقد يقال: كلاهما نزل فيه تلك الآية في توجه اللوم عليه، وهذه في توبته.
لا يقال: هي ليست نصا في توبة الله عليه. لأنا نقول: الترجي في حقه تعالى أمر محقق.
وعن أبي لبابة ﵁: لما أرسلت بنو قريظة إلى رسول الله ﷺ فسألوه أن يرسلني إليهم، دعاني قال: اذهب إلى حلفائك، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس، فذهبت إليهم، فقام كعب بن أسيد فقال: يا أبا بشير قد عرفت ما بيننا. وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد لا يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنه لحقنا بأرض الشام أو خيبر، ولم نطأ له أرضا، ولم نكثر عليه جمعا أبدا، أما ترى قد اخترناك على غيرك، أننزل على حكم محمد؟ قال أبو لبابة نعم فانزلوا، وأومأ إلى حلقه بالذبح. قال: فندمت واسترجعت، فقال لي كعب: ما لك يا أبا لبابة؟ فقلت: خنت الله ورسوله، فنزلت وإن عيني لتسيل من الدموع. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، فلم يأت رسول الله ﷺ وارتبط بالمسجد إلى عمود من عمده: أي وهي السارية، ويقال لها الأسطوانة: وهي التي كانت عند باب أم سلمة زوج النبي ﷺ في حر شديد، وقيل الأسطوانة المخلقة التي يقال لها أسطوانة التوبة، والأوّل أثبت، وكانت تلك الأسطوانة أكثر تنفله ﷺ عندها، وكان ينصرف إليها من صلاة الصبح، فكان يستبق إليها الفقراء والمساكين ومن لا بيت له إلا المسجد، فيجيء إليهم ﷺ ويتلو عليهم ما أنزل من ليلته ويحدثهم ويحدثونه، وكان ارتباطه بسلسلة ريوض أي ثقيلة. وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدا، ولا يرى في بلد خان الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره وكان قد استبطأه. قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه.
هذا، وفي كلام البيهقي وأورده في الدر أن ارتباطه إنما كان لتخلفه عن تبوك.
فقد ذكر أنه لما أشار بيده إلى حلقه وأخبر عنه ﷺ بذلك، قال له رسول الله ﷺ:
أحسبت أن الله غفل عن يدك حيث تشير إليهم بها إلى حلقك، فلبث حينا ورسول الله ﷺ عاتب عليه. ثم لما غزا رسول الله ﷺ تبوك كان أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله ﷺ: أي رجع جاءه أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، ففزع أبو لبابة وارتبط بالسارية.
واستغرب ذلك بعضهم، فقال: وأغرب من ادعى أن أبا لبابة إنما فعل ذلك لتخلفه عن غزوة تبوك.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
ثم إن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فأمر بهم فكتفوا وجعلوا ناحية، وكانوا ستمائة، وقيل سبعمائة وخمسين مقاتلا، وهو الذي تقدم عن حيي بن أخطب.
ولا يخالف هذا ما قيل إنهم كانوا بين الثمانمائة والسبعمائة. وقيل كانوا أربعمائة مقاتل.
ولا يخالف ما قبله، لأنه يجوز أن يكون ما زاد على ذلك كانوا أتباعا لا يعدون، وأخرج النساء والذراري من الحصون وجعلوا ناحية: أي وكانوا ألفا.
واستعمل عليهم عبد الله بن سلام فتواثبت الأوس. وقالوا: يا رسول الله موالينا وحلفاؤنا، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد فعلت، يعنون بني قينقاع، لأنهم كانوا حلفاء الخزرج، ومن الخزرج عبد الله بن أبي ابن سلول. وقد نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، وقد كلمه فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فوهبهم له على أن يجلوا كما تقدم، أي فظنت الأوس من رسول الله ﷺ أن يهب لهم بني قريظة كما وهب بني قينقاع للخزرج، فلما كلمته الأوس أبي أن يفعل ببني قريظة ما فعل ببني قينقاع. ثم قال لهم: أما ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؛ قالوا بلى، فقال: فذلك إلى سعد بن معاذ، أي وقيل إنه ﷺ قال لهم: اختاروا من شئتم من أصحابي، فاختاروا سعد بن معاذ، أي وهو ﵁ سيد الأوس حينئذ كما تقدم. وقيل إنهم قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ ﵁ فرضي بذلك رسول الله ﷺ، أي وكان سعد بن معاذ ﵁ يومئذ في المسجد في خيمة رفيدة ﵂، وقد كان ﷺ قال لقوم سعد بن معاذ حين أصابه السهم بالخندق، اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قرب، أي لأن رفيدة ﵂ كان لها خيمة في المسجد تداوي فيها الجرحى من الصحابة ممن لم يكن له من يقوم عليه، فأتاه قومه فحملوه على حمار؛ ثم أقبلوا به إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون له: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فأحسن فيهم، فقد رأيت ابن أبيّ وما صنع في حلفائه، وهو ساكت، فلما أكثروا عليه، قال ﵁ لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فقال بعضهم واقوماه.
فلما انتهى سعد ﵁ إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين وهم حوله جلوس قال رسول الله ﷺ «قوموا إلى سيدكم» أي زاد في رواية «فأنزلوه» فقال عمر ﵁: السيد هو الله. وفي رواية «إلى خيركم» أي معاشر المسلمين من المهاجرين والأنصار، أو معاشر الأنصار، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم. وفي رواية: فقمنا صفين يحييه كل رجل
[ ٢ / ٤٤٧ ]
منا حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أحكم فيهم يا سعد، فقال:
الله ورسوله أحق بالحكم. قال قد أمرك الله أن تحكم فيهم، فقال سعد: أي لمن في الناحية التي ليس فيها رسول الله ﷺ عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم كما حكمت. قالوا نعم، قال: وعلى من هاهنا مثل ذلك، وأشار إلى الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له، فقال رسول الله ﷺ:
نعم، أي وفي لفظ: فقال سعد لبني قريظة: أترضون بحكمي، قالوا نعم. فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن الحكم ما حكم به. قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وفي لفظ: أن يقتل كل من جرت عليه الموسى، وتغنم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، زاد بعضهم: وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار، إخواننا يعنون المهاجرين لنا معهم، فقال: إني أحببت أن يستغنوا عنكم.
فقال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» أي السموات السبع، قيل سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم.
وجاء في الصحيح «من فوق سبع سموات» والمراد أن شأن هذا الحكم العلوّ والرفعة «قد طرقني بذلك الملك سحرا» .
ثم أمر ﷺ أن يجمع ما وجد في حصونهم من الحلقة والسلاح وغير ذلك فجمع، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع، وألفي رمح، وخمسمائة ترس وحجفة ووجد أثاثا كثيرا، وآنية كثيرة، وأجمالا نواضح: أي يسقى عليها الماء، وماشية وشياها كثيرة، وخمس ذلك: أي مع النخل والسبي حتى الرثة: وهو السقط من أمتعة البيت خمسة أجزاء، ففضّ أربعة أسهم على الناس. فجعل للفارس ثلاثة أسهم، أي سهم له وسهمان لفرسه، والراجل سهما. قال بعضهم: وهو أوّل فيء وقعت فيه السهام. ورضخ للنساء اللاتي حضرن القتال، وهنّ صفية عمته ﷺ، وأم عمارة، وأم سليط، وأم العلاء، والسيراء بنت قيس، وأم سعد بن معاذ، وكبشة بنت رافع ولم يسهم لهن، وأخذ هو ﷺ جزآ وهو الخمس. وعبارة بعضهم: وهو أوّل فيء وقعت فيه السهمان، وخمس: أي جزىء خمسة أجزاء، وكتب في سهم لله، ثم أخذ ذلك السهم الذي خرج عليه وعلى سنته مضت قسمة الغنائم.
وفي كون هذا أوّل فيء جرت فيه السهمان نظر، إنما كان ذلك في بني قينقاع، فإن الفيء الحاصل منهم خمس خمسة أخماس، أخذ ﷺ واحدا، والأربعة لأصحابه: أي ووجد جرار خمر فأهريق ولم يخمس، وهذا يدل على أن الخمر كانت محرمة قبل ذلك.
ثم إن رسول الله ﷺ أمر بالأسارى أن يكونوا في دار أسامة بن زيد ﵄، والنساء والذرية في دار ابنة الحارث النجارية، أي لأن تلك الدار كانت
[ ٢ / ٤٤٨ ]
معدودة لنزول الوفود من العرب.
وقيل في دار كبشة بنت الحارث بن كريز، كانت تحت مسيلمة الكذاب ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز، وهذه إنما نزل في دارها وفد بني حنيفة كما سيأتي وبالمتاع أن يحمل، وترك المواشي هناك ترعى الشجر.
ثم غدا ﷺ إلى المدينة، ثم خرج إلى سوق المدينة فخندق فيها خنادق: أي حفر فيها حفائر. ثم أمر بقتل كل من أنبت، فبعث إليهم فجاؤوا إليه أرسالا، تضرب أعناقهم ويلقون في تلك الخنادق. وقد قال بعضهم لسيدهم كعب بن أسيد: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: في كل موطن لا تعقلون، أما ترون أن من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل، قد دعوتكم إلى غير هذا فأبيتم عليّ قالوا ليس حين عتاب، فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ. أي وذلك ليلا على شعل السعف.
ثم ردّ عليهم التراب في تلك الخنادق، وعند قتلهم صاحت نساؤهم، وشقت جيوبها، ونشرت شعورها، وضربت خدودها، وملأت المدينة نواحا.
وكان من جملة من أتى معهم عدوّ الله حيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إليه رسول الله ﷺ، قال: ألم يمكن الله منك يا عدوّ الله؟ قال بلى، أبي الله إلا تمكينك مني، أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل.
وفي كلام السهيلي ﵀ أنه ﷺ لما قال له: ألم يمكن الله منك فقال بلى، ولقد قلقنا كل مقلقل، ولكنه من يخذلك يخذل. فقوله يخذلك كقول الآخر في البيت:
ولكنه من يخذل الله يخذل
لأنه إنما نظم في البيت كلام حيي.
ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة. أي قتال كتب الله على بني اسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. قال: ولما أتي بكعب بن أسد سيد بني قريظة، قال له النبي ﷺ: يا كعب، قال نعم يا أبا القاسم، قال: ما انتفعتم بنصح ابن خراش لكم، وكان مصدّقا بي، أما أمركم باتباعي وإن رأيتموني تقرؤوني منه السلام. قال: بلى والتوراة يا أبا القاسم، ولولا أن تعيرني يهود بالجزع من السيف لاتبعتك، ولكنه على دين يهود. فأمر رسول الله ﷺ أن يقدم فيضرب عنقه ففعل به ذلك. أي وكان المتولي لقتلهم عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، والزبير بن العوام ﵁.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
أقول في الإمتاع: وجاء سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر. فقالا: يا رسول الله إن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم، فقال سعد بن معاذ ﵁: ما كرهه أحد من الأوس فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه الله، فقام أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله لا تبق دارا من دور الأوس إلا فرقتهم فيها، ففرقهم في دور الأنصار فقتلوهم هذا كلامه. والضمير في قتلوهم ظاهر في رجوعه للأوس، وأنهم المراد بالأنصار.
وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون المراد بالأوس الذين كرهوا ذلك طائفة منهم، وأن تلك الطائفة قتلوا من بعث به إلى دورهم، وما عدا ذلك تعاطى قتله عليّ والزبير والله أعلم.
ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة أخرجت من بين النساء يقال لها نباتة، وقيل مزنة، كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد ﵁ فقتلته بإرشاد زوجها، لأنه أحب أن لا تبقى بعده فيتزوّجها غيره.
وقد أسهم ﷺ لخلاد بن سويد هذا، وقال: إن له أجر شهيدين، وأسهم لسنان بن محصن، وقد مات في زمن الحصار.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: لم يقتل من نسائهم يعني بني قريظة إلا امرأة واحدة، قالت: والله إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا، أي وكانت جارية حلوة ورسول الله ﷺ يقتل رجلها في السوق، أي لأنها دخلت على عائشة، وبنو قريظة يقتلون. إذ هتف هاتف باسمها أين نباتة، قالت: أنا والله؛ قالت عائشة:
فقلت لها، ويلك ما لك؟ قالت: أقتل قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته، أي وفي لفظ قتلني زوجي. فقالت لها عائشة: كيف قتلك زوجك، قالت: أمرني أن ألقي رحى على أصحاب محمد كانوا تحت الحصن مستظلين في فيئة، فأدركت خلاد بن سويد فشدخت رأسه فمات وأنا أقتل به.
وفي لفظ آخر: إني كنت زوجة رجل من بني قريظة، وكان بيني وبينه كأشد ما يتحاب الزوجان، فلما اشتد أمر المحاصرة، قلت لزوجي: يا حسرتي على أيام الوصال، كادت أن تنقضي وتتبدل بليالي الفراق وما أصنع بالحياة بعدك؟ فقال زوجي: إنك صادقة في دعوى المحبة، تعالى فإن جماعة من المسلمين جالسون في ظل حصن. قال الزبير بن بطا وهو بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة فألقي عليهم حجر الرحا لعله يصيب واحدا منهم فيقتله، فإن ظفروا بنا فإنهم يقتلونك بذلك ففعلت، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها فكانت عائشة ﵂ تقول: والله ما ألقى عجبا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وكان في بني قريظة الزبير بن بطا، وهو جد الزبير ابن ابنه عبد الرحمن وهو بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة كاسم جده. وقيل بضم الزاي وفتح المثناة، وهو قول البخاري في التاريخ، وكان شيخا كبيرا، وكان قد منّ على ثابت بن قيس في الجاهلية يوم بغاث، وهي الحرب التي كانت بين الأوس والخزرج قبل قدومه ﷺ المدينة، وكان الظفر فيها للأوس على الخزرج آخرا كما تقدم أخذه فجزّ ناصيته، ثم خلى سبيله، فجاء ثابت ﵁ للزبير، فقال له: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ قال: فهل يجهل مثلي مثلك، قال: إني أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم، وأحوج ما كنت إليك اليوم. وعبد الرحمن هذا هو الذي تزوج امرأة رفاعة وشكته للنبي ﷺ بأن الذي معه كهدبة الثوب وأحبت طلاقه لها.
ثم أتى ثابت ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه كان للزبير عليّ منة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لي دمه، فقال رسول الله ﷺ: هو لك فأتاه، فقال: إن رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك فهو لك فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي امرأته وولده، فقال: هم لك، قال: فأتيته، فقلت: قد وهب لي رسول الله ﷺ أهلك وولدك فهم لك، فقال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ قال: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما له، قال: هو لك، فأتيته فقلت له: قد أعطاني رسول الله ﷺ مالك فهو لك، فقال: أي ثابت، أما أنت فقد كافأتني، وقد قضيت الذي عليك، ما فعل بالذي كان وجهه مرآة مضيئة تتراءى منها عذارى الحي كعب بن أسد؟ أي سيد بني قريظة، قلت قتل، قال: فما فعل بسيد الحاضر والبادي: أي من يحملهم في الجدب، ويطعمهم في المحل حيي بن أخطب؟ قلت قتل. قال: فما فعل بمقدمتنا، بكسر الدال مشددة، إذا شددنا، وحامينا إذا فررنا عزال بالعين المهملة وتشديد الزاي ابن سموأل بالسين المهملة مفتوحة ومكسورة؟ قلت قتل، قال: فما فعل المجلسان بكسر اللام: محل الجلوس وبفتحها المصدر، يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة، قلت قتلا، وفي لفظ قتلوا. قال: فإني أسألك يا ثابت بيدك عندي إلا ألحقتني بالقوم، فو الله ما بالعيش بعد هؤلاء من خير، أأرجع إلى دار قد كانوا حلولا فيها فأخلد فيها بعدهم، لا حاجة لي، فما أنا بصابر لله إفراغة دلو ناضح: أي مقدار الزمن الذي يفرغ فيه ماء الدلو. وفي رواية: فتلة دلو ناضج بالفاء والتاء المثناة فوق، وقيل بالقاف والباء الموحدة: أي مقدار ما يتناول المستسقي للدلو حتى ألقى الأحبة. قال ثابت: فقدمته فضربت عنقه.
[ ٢ / ٤٥١ ]
أي وقيل إن ثابتا ﵁ قال له ما كنت لأقتلك، فقال: لا أبالي من قتلني، فقتله الزبير بن العوام ﵁.
ولما بلغ أبا بكر ﵁ مقالته: ألقى الأحبة، قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا.
قال في الأصل: وذكر أبو عبيدة هذا الخبر، وفيه «فقال رسول الله ﷺ: لك أهله وماله إن أسلم» أي ولم يسلم، فكان أهله وماله من جملة الفيء، وكان القتل لكل من أنبت ومن لم ينبت يكون في السبي.
قال عطية القرظي ﵁ كنت غلاما فوجدني لم أنبت فخلوا سبيلي، أي عن القتل، وكان رفاعة قد أنبت فأرادوا قتله، فلاذ بسلمى بنت قيس أم المنذر، وكانت إحدى خالاته ﷺ: أي خالات جده عبد المطلب، لأنها من بني النجار، فقالت بأبي وأمي يا رسول الله هب لي رفاعة، فوهبه لها، أي فأسلم.
وقرت عين سعد بن معاذ ﵁ بقتل بني قريظة حيث استجاب الله دعوته، فإنه سأل الله تعالى لما أصيب بالسهم في الخندق، وقال: لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة كما تقدم.
أي وفي بعض الروايات أن دعاءه ﵁ بذلك، كان في الليلة التي في صبيحتها نزلت بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ على ما تقدم عن بعض الروايات.
أي ويجوز أن يكون ﵁ دعا بذلك مرتين، وفي لفظ فدعا الله أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة.
ويمكن أن يكون صاحب الهمزية ﵀ أشار إلى سب بني قريظة له ﷺ، ونهى بعض أشرافهم لهم عن نقضهم العهد الذي كان بينهم وبينه ﷺ، الذي سببه حيي بن خطب لعنه الله، واغترارهم بالأحزاب بقوله:
وتعدوا إلى النبي حدودا كان فيها عليهم العدواء
واطمأنوا بقول الأحزاب إخوا نهم إننا لكم أولياء
وبيوم الأحزاب إذا زاغت الأ بصار فيه وضلت الآراء
وتعاطوا في أحمد منكر القو ل ونطق الأراذل العوراء
كل رجس يزيده الخلق السو ء سفاها والملة العوجاء
فانظروا كيف كان عاقبة القو م وما ساق للبذيّ البذاء
وجد السب فيه سما ولم يد ر إذ الميم في مواضع باء
كان من فيه قتله بيديه فهو من سوء فعله الزباء
[ ٢ / ٤٥٢ ]
أو هو النحل قرصها يجلب الحتف إليها وماله إنكاء
أي ولما انقضى شأن بني قريظة، قال رسول الله ﷺ «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم» فكان كذلك وتقدم أنه ﷺ قال ذلك بعد انقضاء الأحزاب. وانفجر جرح سعد بن معاذ، أي الذي في يده وسال الدم واحتضنه ﷺ فجعلت الدماء تسيل على رسول الله ﷺ فمات منه وحمل إلى منزله ولم يعلم ﷺ بموته، فأتى جبريل النبي ﷺ من الليل معتجرا بعمامة من استبرق، فقال: يا محمد من هذا العبد الصالح، وفي لفظ: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ وفي رواية عرش الرحمن: أي فتحت أبواب السماء لصعود روحه، واهتز العرش: أي تحرك فرحا بذلك. وقال النووي: اهتزاز العرش هو فرح الملائكة بقدوم روحه.
وفيه أن هذا لا يحتاج إليه إلا لو كان تحرك العرش مستحيلا، فقام رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات.
وعن سلمة بن أسلم بن حريش ﵁. قال «دخل رسول الله ﷺ وما في البيت أحد إلا سعدا مسجى، فرأيته يتخطى وأومأ ﷺ إليّ قف، فوقفت ورددت من ورائي وجلس ﷺ ساعة، ثم خرج فقلت: يا رسول الله ﷺ ما رأيت أحدا ورأيتك تتخطى، فقال: ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه» .
أقول: قد وقع له ﷺ نظير ذلك عند تشييعه لجنازة ثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري ﵁، فإنه صار يمشي على أطراف أنامله، فلما دفن قيل: يا رسول الله رأيناك تمشي على أطراف أناملك، قال: والذي بعثني بالحق ما قدرت أن أضع قدمي من كثرة ما نزل من الملائكة لتشييعه، وقصته مذكورة في السيرة الشامية.
ولما حملوا نعش سعد ﵁، وكان جسيما وجدوا له خفة؛ فقال رسول الله ﷺ: إن له حملة غيركم؛ أي من الملائكة؛ لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدا: أي جنازته؛ ومنهم جملة ما وطؤوا الأرض إلا يومهم هذا.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁. قال: كنت ممن حفر لسعد ﵁ قبره؛ فكان يفوح علينا المسك؛ كلما حفرنا قبره من تراب.
وجاء «لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد ضم ضمة؛ ثم فرج الله عنه» وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال «لما دفن سعد ﵁ ونحن مع رسول الله ﷺ سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه؛ ثم كبر فكبر الناس معه؛ فقالوا: يا رسول الله لم سبحت؛ أي وكبرت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الصالح قبره حتى فرجه الله عنه» .
وجاء «إن بعض أهل سعد ﵁ سئل: ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ» أي في سبب تضايق القبر على سعد كما يرشد إليه جوابهم بقولهم، فقالوا: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك، فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير» وهذا قد يخالف ما في الخصائص الصغرى: وخص رسول الله ﷺ بأنه لا يضغط في قبره وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولم يسلم من الضغطة صالح ولا غيره سواهم، وكذا ما في التذكرة للقرطبي إلا فاطمة بنت أسد ببركته ﷺ، أي حيث اضطجع ﷺ في قبرها. ويحتاج للجمع بينه وبين ما في الخصائص.
وجاء عن عائشة ﵂ «أنها قالت: يا رسول الله ما انتفعت بشيء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر وضمته، فقال: يا عائشة إن ضغطة القبر على المؤمن كضمة الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها يشكو إليها الصداع، وضرب منكر ونكير عليه كالكحل في العين، ولكن يا عائشة ويل للشاكين الكفارين، أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطا يقبض على الصخر» أي وحينئذ يكون المراد بالمؤمن الذي هذا شأنه الذي لم يحصل منه تقصير، فلا ينافي ما تقدم عن سعد فليتأمل. وقد روى البيهقي ﵀ «أنه ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ ﵁ بين العمودين» وبه استدلّ أئمتنا على أن ذلك أفضل من حمل الجنازة بالتربيع الذي اعتاده الناس الآن «ومشى ﷺ أمام جنازته، ثم صلى عليه. وجاءت أمه ﵂ ونظرت إليه في اللحد، وقالت: أحتسبك عند الله؛ وعزاها رسول الله ﷺ وهو واقف على قدميه على القبر، فلما سوى التراب على قبره رش عليه الماء، ثم وقف ﷺ ودعا ثم انصرف وناحت عليه أمه، فقال ﷺ: كل نائحة تكذب إلا نائمة سعد بن معاذ ﵁» . أي فإنه ﵁ موصوف بكل ما يقال فيه من الأوصاف الحسنة، بخلاف غيره.
وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله ﷺ بجبة من سندس كما سيأتي، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم يعجبون من تلك الجبة. فقال رسول الله ﷺ «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن» يعني من هذا، ومن المعلوم أن المنديل أدنى الثياب، لأنه معد للامتهان، فثيابه ﵁ في الجنة أعلى وأغلى. وقد وهب ﷺ تلك الجبة لعمر بن الخطاب ﵁، ونزلت توبة أبي لبابة ﵁ على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة ﵂. قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر يضحك. قالت: فقلت ممّ تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة. قالت: قلت أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها. قيل وذلك قبل أن يضرب
[ ٢ / ٤٥٤ ]
عليهن الحجاب وهو لا يناسب ما تقدم في قصة الإفك، فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده الشريفة.
وقيل المبشر له عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما مر ﷺ على أبي لبابة خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
وجاء أن فاطمة ﵂ أرادت إطلاقه فأبي، فقال رسول الله ﷺ «فاطمة بضعة مني» أي وظاهر هذا أنه ﵁ كان يبرّ بإطلاق سيدتنا فاطمة ﵂ له فليتأمل.
وقد أقام مربوطا ست ليالي أي أو سبع ليال. وقيل سبع عشرة ليلة. وقيل خمس عشرة ليلة، وعليه اقتصر في الإمتاع، وكانت تأتيه امرأته أو بنته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة وكذا إذا أراد حاجة الإنسان، ثم يعود فيربط بالعمود حتى كاد يذهب سمعه وبصره، ولا مانع أن امرأته وبنته كانتا تتناوبان في ذلك.
أي وجاء أنه ﵁ قال للنبي ﷺ «من تمام توبتي أن أهجر دار قوم أصبت فيها الذنب» وفيه أنه تقدم أنه عاهد الله على ذلك «قال: وأن انخلع من مالي، فقال له ﵊: يجزيك الثلث أن تتصدق به» أي ولم يأمره ﷺ أن يهجر تلك الدار. والجمع بينه وبين ما تقدم من أنه عاهد الله أن لا يطأ تلك الدار ممكن.
ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصاري بسبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع لهم بهم خيلا وسلاحا. قال: وفي لفظ بعث سعد بن عبادة إلى الشام بسبايا يبيعهم ويشتري بهم سلاحا وخيلا. أي فاشترى بذلك خيلا كثيرا قسمها رسول الله ﷺ على المسلمين، واشترى عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ جملة من السبايا، فجعلت تلك الجملة من السبايا قسمين، جعلت الشوابّ على حدة، وجعلت العجائز على حدة ثم خير عبد الرحمن بن عوف عثمان بن عفان، فأخذ العجائز، وأخذ عبد الرحمن الشواب، وجعل عثمان ﵁ على كل واحدة منهن شيئا إن أتت به عتقت، فكان المال يوجد عند العجائز ولا يوجد عند الشواب فربح عثمان مالا كثيرا. أقول: ويحتاج إلى الجمع.
وقد يقال: إن كان المراد بالسبايا في قصة سعد بن عبادة وعثمان وعبد الرحمن سبايا بني قريظة، فيكون قسموا ثلاثة أقسام: قسم أعطي لسعد بن زيد، وقسم أعطي لسعد بن عبادة، وقسم اشتراه عثمان وعبد الرحمن، ووقع الفداء في سبايا بني قريظة. وحينئذ يكون المراد بقول القائل: وبعث سعد بن زيد بسبايا بني قريظة: أي
[ ٢ / ٤٥٥ ]
بجملة منهم. وبعث سعد بن عبادة بسبايا أي بسبايا بني قريظة: أي بجملة منهم وإن كان المراد بالسبايا في قصة سعد بن عبادة غير سبايا بني قريظة فالأمر ظاهر، ويدل لهذا الثاني إسقاط بني قريظة منه.
ثم رأيته في الإمتاع أسقط قصة سعد بن زيد الأنصاري واقتصر على سعد بن عبادة حيث قال: ولما سبيت السبايا والذرية بعث رسول الله ﷺ بطائفة إلى الشام مع سعد بن عبادة ﵁ يبيعهم ويشتري سلاحا هذا كلامه، والله أعلم.
ونهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها، أي في السبايا الأعم من قريظة، وقال «لا يفرق بين أم وولدها حتى يبلغ، قيل: يا رسول الله وما بلوغه؟
قال: تحيض الجارية ويحتلم الغلام» وكان إذا وجد الولد الصغير ليس له أم لم يبع من المشركين أي مشركي العرب ولا من يهود، وإنما يباع من المسلمين، أي وكانت أم الولد الصغير تباع من المشركين هي وولدها من العرب ومن يهود المدينة.
قال في الإمتاع: وكان يفرق بين الأختين إذا بلغتا، ومقتضاه أنهما إذا لم يبلغا لا يفرق بينهما. وأئمتنا معاشر الشافعية لم يحرموا إلا التفرقة بين الأصول والفروع إذا لم يميزوا، وهو محمل قوله ﷺ «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» ولعله لم تصح تلك الرواية عند إمامنا الشافعي ﵁.
واصطفي ﷺ لنفسه منهم ريحانة بنت عمرو وهو شمعون مولى رسول الله ﷺ من بني النضير، وكانت متزوّجة في بني قريظة، ولعله مراد من قال إنها كانت من بني قريظة، أي وكانت جميلة، وأسلمت بعد أن أبت الإسلام ووجد ﷺ في نفسه:
أي غضب بسبب ذلك، أي بسبب عدم إسلامها، ولم يظهر ذلك، ثم لما أسلمت سرّ رسول الله ﷺ بذلك.
فقد جاء «لما أبت ريحانة الإسلام عزلها ﷺ ووجد في نفسه لذلك، وأرسل إلى ثعلبة بن شعبة وكان ممن نزل من حصون بني قريظة في الليلة التي صبيحتها نزلت بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، أي على ما في بعض الروايات «وأسلم هو وإخوته أسيد وأسيد وأسد وابن عمه، وأحرزوا دماءهم وأموالهم، وليسوا من بني قريظة، وإنما هم من بني هذيل «فذكر له ﷺ ذلك، فقال سعد: فداك أبي وأمي هي مسلمة» أي ظنا منه أنها تسلم «فخرج حتى جاءها ولا زال يقول لها أسلمي يصطفيك رسول الله ﷺ لنفسه، فأجابت إلى ذلك وأسلمت، فبينما هو ﷺ في مجلس من أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إن هاتين لنعلا مبشري بإسلام ريحانة فكان كذلك، وأخبره أنها أسلمت، فسر ﷺ بذلك، واستمرت عند رسول الله ﷺ وهي في ملكه، اختارت بقاءها في ملكه على العتق والنكاح، أي فقد خيرها ﷺ بين أن يعتقها ويتزوجها أو تكون في ملكه يطؤها بالملك؟ فاختارت أن تكون في ملكه» .
[ ٢ / ٤٥٦ ]
قال بعضهم: والأثبت عند أهل العلم أنه أعتقها وتزوجها وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا، وأعرس بها في المحرم سنة ست بعد أن حاضت حيضة، وضرب عليها الحجاب، فغارت عليه، فطلقها تطليقة، فأكثرت من البكاء، فراجعها، ولم تزل عنده ﷺ حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع سنة عشر، فدفنها بالبقيع. ووجوب استبرائها بحيضة يدل لما قاله فقهاؤنا أن من ملك أمة وطئها غيره وطئا غير محرم لا يحل له تزوجها قبل استبرائها وإن أعتقها.
وتقدّم أن قريظة والنضير أخوان من أولاد هارون على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
(فهرس محتويات الجزء الثاني من السيرة الحلبية) المسمى إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون
[ ٢ / ٤٥٩ ]
فهرس المحتويات
باب عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل من العرب أن يحموه ويناصروه على ما جاء به من الحق ٣
باب الهجرة إلى المدينة ٥٧
باب بدء الأذان ومشروعيته ١٢٩
باب ذكر مغازيه ﷺ ١٦٩
غزوة بواط ١٧٤
غزوة العشيرة ١٧٥
غزوة سفوان ويقال لها غزوة بدر الأولى ١٧٧
باب تحويل القبلة ١٧٧
باب غزوة بدر الكبرى ١٩٧
غزوة بني سليم ٢٨٠
غزوة بني قينقاع ٢٨٤
غزوة السويق ٢٨٧
غزوة قرقرة الكدر ٢٨٩
غزوة ذي أمرّ ٢٩٠
غزوة بحران ٢٩١
غزوة أحد ٢٩٤
غزوة حمراء الأسد ٣٤٩
غزوة بني النضير ٣٥٦
غزوة ذات الرقاع ٣٦٦
غزوة بدر الآخرة ٣٧٣
[ ٢ / ٤٦١ ]
غزوة دومة الجندل ٣٧٥
غزوة بني المصطلق ٣٧٧
غزوة الخندق ٤١٥
غزوة بني قريظة ٤٤٠
[ ٢ / ٤٦٢ ]