الرسالة والرسول ﷺ
[ ٢ / ٥٥٧ ]
عالم الغيب:
إن الإيمان بالغيب يعني أن المؤمن لا يقتصر وعيه على العالم الفيزيائي المشهود، بل يعتقد بوجود عالم آخر غير مرئي هو عالم الغيب، وإليه يشير اصطلاح: "ما وراء الطبيعة" أو "الميتافيزيقيا" لكن الاصطلاح الفلسفي يظل غامضًا ومضطربًا أمام وضوح الاصطلاح الديني، فالمسلم يعتقد بوجود الله خالق الكون والحياة، وأنه يرسل رسلًا يوحي إليهم بالرسالات التي تنظم حياة الإنسان على الأرض، وتحدد القيم الأخلاقية المطلقة، وتجعل أتباعها يدينون لله بالعبودية، والعبودية لله لا تعني شل إرادة الإنسان ولا تقييد طاقاته، ولا إذلاله، بل هي منطلق لتحرره من عبادة المخلوقات إذ (لا إله إلا الله)، وهي تبصير له وتفتيح لوعيه على حقيقته وحقيقة الوجود، فلا يتضاءل فيحسن بأنه ذرة في فلاة، لا أهمية لها ولا غاية، ولا يستعلي فيحس أنه "الإله الخالق" كما يعبر الماركسيون والماديون في القرن العشرين، وهم يحسبون أنهم بنفي "الله" وإثبات الخلق للإنسان يعلون من قدر الإنسان ويحررونه، ويجعلونه مصدر القيم النسبية المتغير في الزمان والمكان تبعًا لرقي الإنسان وتغيره المستمر. وبذلك يكلون الإنسان إلى نفسه وطاقاته، ويحرمونه من رعاية الله ونور رسالاته، ويكبتون روحه عندما يمنعونها من الاتصال بخالقها ويحصرونها في عالم ضيق مظلم هو عالم المادة. وقد وصف الله تعالى المؤمنين المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب، فقال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ (١).
وعالم الغيب الذي يؤمن به المتقون يشتمل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى. ولا يسمى مؤمنًا إلا من آمن بهذه العقيدة كاملة، فلا يسعه أن يؤمن ببعضها وينكر بعضها الآخر.
_________________
(١) البقرة ١ - ٢.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
والإسلام هو الدين الخاتم لرسالات الله تعالى إلى الإنسان، وهو الرسالة الخالد مدى الحياة، وهو يهدف إلى تبصير الإنسان بخالقه وبذاته وبعالمه وبمصيره، في حين تسعى الأدبيات الإنسانية من فلسفة وعلم اجتماع وانثروبولجي ونفس وسياسة واقتصاد وأدب شعري ونثري قصصي ومسرحي إلى تبصير الإنسان بذاته وعالمه فقط إلا تلك الأدبيات المتأثرة بالفكر الديني والمستوحية لرسالات الله فإنها تبصر الإنسان بالخالق وبالمصير.
وفي عالم اليوم تركزت الأدبيات الإنسانية على ذات الإنسان وعالمه المادي وتهمل إلى حد كبير قضية المصير والعلاقة مع الخالق، وهو اتجاه محكوم بالفلسفات المادية التي لا تؤمن إلا بالمادة المحسوس، والتي تنكر عالم الغيب وتتنكر له، ولا ترى في المصير إلا العودة إلى تراب الأرض عودة نهائية ليس وراءها بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب ولا جنة ولا نار.
وهكذا عاش إنسان القرن العشرين داخل نفسه وداخل حدود العالم المادي الضيقة لا يضيء قبسُ الإيمان إلاّ نفوسًا قليلة، ولا يعيش تجارب الروح إلاّ عدد محدود، ولا يتطلع إلى الله وما عنده من رحمة ورضوان في الدنيا والآخرة إلا صفوة من الخلق، وقليل ما هم.
إنَّ الناظر في كتاب الله تعالى وسنّة الرسول ﵊ يدرك أن الإسلام أعطى مساحة واسعة من نصوصه للتعريف بالخالق ﷿ وما يحبه ويرضاه، وما يبغضه وينهي عنه، وبين الأمر والنهي الالهيين تقع سياسات المجتمع والثورة، فتتحدد خصائص الدولة وقيم الاقتصاد وسنة الاجتماع، وتتضح علاقة الإنسان بالإنسان، والرجل بالمرأة. وهنا تبرز تفصيلات كثيرة دقيقة وجليلة لتحديد العلاقات الاجتماعية ضمن أحكام الشريعة التي تمثل إرادة الله تعالى في شؤون خلقه.
ولكن ما الذي يدعو الإنسان إلى الوقوف عند أحكام الشرع، والتماس رضا الله والبحث عن مراداته ومنهياته؟
[ ٢ / ٥٦٠ ]
هل يكفي أن يعرف الإنسان عظمة الخالق وقدرته وكمال صفاته؟ وهل يكفي أن يطلع على أمره ونهيه ليلتزم بشرعه في شؤون حياته؟.
أم لابد أن يتربى الإنسان وفق منهج معين يرتكز على توثيق الصلاة بالله نظرًا وعملًا، وفكرًا وتطبيقًا. ويقوم بالإشراف على هذه التربية أساتذة المنهج الرباني. إن مطالعة التاريخ تبرز أن المنهج الإلهي تعاقب الأنبياء على تربية الناس وفقه، وهذا المنهج يتعامل مع النفس الإنسانية فيغرس فيها الخوف والرجاء، والخوف من الله تعالى وعقابه، والرجاء في رحمة الله ورضوانه ونيل ثوابه، وقد استقامت نفوس الملايين من البشر على العقيدة الصحيحة والسلوك الصالح عبر التاريخ عندما توازنت معاني الخوف والرجاء في نفوسهم.
وعندما يستقيم الإنسان ويستبصر بالرؤية الإيمانية الصادقة فإن حياته ترقي حضاريا فيتوخى السلوك الراقي مع عالمه، يعاون الإنسان، ويرفق بالحيوان، ويحافظ على خيرات الأرض، ويمنع التلوث عن البيئة، ويرشد الاستهلاك وينظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفق معايير العدل والحق والمساواة والحرية والكرامة.
لا غرابة إذًا عندما يعطي الإسلام مساحة واسعة للتعريف بالخالق وعظمته وقدرته المطلقة، ولا غرابة حين يجعل منهجه التربوي يقوم أساسًا على تكوين الإنسان الصالح بغرس التقوى ومعانيها في قلبه، وأداتا المنهج في تحقيق التقوى هما الخوف والرجاء، قال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (٢). ووصف تقلبهم بين الخوف والرجاء في الآية: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى كاشفًا عن العلة في ثوابه ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (٤).
_________________
(١) الأنبياء ٤٩.
(٢) الرعد ٢١.
(٣) الأنبياء ٩٠.
(٤) إبراهيم ١٤.
[ ٢ / ٥٦١ ]
وغرس الخوف من الله في قلب المؤمن إيجابي في ثمرته خلافا للخوف من غير الله من قوى الطبيعة مظاهر الكون، فإن الشجاعة في مواجهتها والإفادة ثمن تسخيرها للإنسان، وذلك بإخضاعها لعلمه وصناعاته وإنتاجه. واجتناب الظن بأنها تملك قدرةً وإرادةً وتأثيرًا على مجريات الأحداث في الحياة كما كان يظن قدامى اليونان عندما سيطرت عليهم أفكار التوهم والتخيل، فنسبوا لمظاهر الطبيعة صفات الألوهية، وعبدوها من دون الله، فللبحر إله، وللخصب إله، وللرعد إله، وللعواصف إله، وللحب إله وللجمال إله، حتى أن الآلهة العديدة التي اعتقدوها سلبت الإنسان كل سلطان فما هو إلاّ ذرة في مهب الرياح الهوجاء لا قدرة له على الثبات والمواجهة، بل هو خاضع للحتميات القاهرة التي تفرضها إرادات الآلهة المتعارضة.
لقد جرد الإسلام الإنسان من خوف الطبيعة الصماء، ومن خوف الأحياء الضخمة والقوية، ومن خوفه من بعض بني جنسه، عندما وضح له حقيقة الأشياء، ومنعه من السقوط في عبودية غير الله. بل إن الخوف من الله تعالى عودل بالرجاء لئلا يسقط الإنسان فريسة القنوط والاكتئاب، ولئلا يشل الخوف طاقته، ويعطله عن العمل المثمر والإنتاج النافع، فكانت آيات الرجاء تبعث الأمل في نفوس المؤمنين، وتدفع إلى العمل، وتقاوم اليأس بل تحرمه ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
(١).
لقد اهتم الإسلام بتوجيه أتباعه نحو التفكير التأملي في ظواهر الكون وقوانين الحياة، فملاحظة الظواهر الطبيعية ورصدها هي أولى مراحل التفكير العلمي المنظم.
قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢). وقد تبدو بعض الظواهر غامضة، لا تعرف أسبابها وعللها، وقد يحاول الإنسان
_________________
(١) الأنبياء ٩٠.
(٢) يس ٣٨.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
تعليلها تعليلًا عقليًا قد لا يُوفَّق فيه، ومن هنا فإن الإسلام وهبه بعض القواعد والتفسيرات التي تعينه على فهم الكون والحياة، وتمنعه من الانحراف في تفسير ظواهر الكون والحياة تفسيرًا يفسد عقيدة التوحيد، أو يقود إلى الخرافة والأساطير التي تعشعش في العقل وتحرفه عن التصور السليم، ومن هذا بادر رسول الله ﷺ لتصحيح تصور بعض الصحابة إزاء ظاهرتي الكسوف والخسوف، حيث اعتقدوا أن خسوف الشمس والقمر يتعلق بموت إبراهيم ابن الرسول ﵊، فبينَّ لهم رسول الله ﷺ أن ظاهرتي الكسوف والخسوف علامتان وآيتان من آيات الله تشيران إلى إسلام الشمس والقمر لله بخضوعهما للقانون الفلكي الذي يحكمهما،
وأن لا علاقة لما يحدث في الأفلاك وعالم النجوم بما يقع من أحداث إنسانية على الأرض، فقال ﵊: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا" (١). وهكذا يظهر المؤمن سجوده لخالقه وخضوعه الإرادي لمن تخضع له السموات والأرض طوعًا وكرهًا.
وبذلك وضع الإسلام حدًا لكل ما يتعلق بعلم التنجيم القائم على تأثير الكواكب على أحداث الأرض، ومن ثم الإفادة من رصد الأفلاك في التنبؤ بأحداث المستقبل التي تقع للأفراد والجماعات. وما أكثر المتشبثين بالتنجيم عبر تاريخ البشرية الطويل، بل وما أكثرهم في عالم اليوم رغم انتشار الوعي والعلم، بل قد نجد من المثقفين والعلماء المتخصصين في علوم الطبيعة والفلك والرياضيات وأنواع العلوم الدقيقة من يتقبل عقله أفكار التنجيم والتنبؤ بالمستقبل. ويبدو أن الإنسان مستعد للتعامل مع عالم الغيب بطريقة بعيدة عن المنطق وقيم العلم مهما بلغ من مكانة في علوم الدنيا وأن العقيدة الإسلامية هي سبيل النجاة من الوقوع تحت تأثير الأساطير.
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ٧٦ ط. استانبول.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
لقد حددت العقيدة الإسلامية مجالات الغيب التي أتاح الوحي الإلهي للإنسان التعرف عليها، وسدت ما سوى ذلك. فليس على الإنسان إلا التحرك الواعي في التعامل مع "الغيب" من خلال نافذة الوحي الإلهي التي جعلته يطل على الإلهيات والروحانيات والسمعيات والنبوات دون أن يقع تحت سلطان الخرافات أو استغلال المشعوذين والسحرة. يقول المفكر "كولن ولسن" في كتابه "الإنسان وقواه الخفية": "لا تستطيع الحضارة أن تتقدم إلى أبعد مما وصلت إليه حتى يسلم الناس بقوى الغيب غير المنظورة تسليمًا بديهيًا على مستوى تسليمهم بالطاقة الذرية". ولكن هذا المفكر يدو إلى استخدام قوى الإنسان "الكامنة في لا وعيه" لإحداث الاتصال بعالم الغيب وهو ما يسميه بعلم السيطرة والاتصال - أو السيرناطيقا اصطلاحًا - والذي كشف عن حقيقة أن ثمة برمجة تتخلل الطبيعة بأسرها (١).
وبعد دراسة عميقة لكل مكتشفات علم السيرناطيقا قال ولسن -وهو فيلسوف وجودي بريطاني-: "قد أقنعتني -يعني الأدلة- بأن المزاعم الأساسية للنزعة الغيبية، وهي مزاعم صحيحة، ويبدو لي أن حقيقة الحياة بعد الموت قد أصبحت قائمة بعيدة عن متناول أي شك معقول" (٢).
إن المعقول البشرية غالبًا ما تتسم بالسذاجة ويسهل خداعها وغشها من قبل السحرة والمحتالين، ومن ثم فإن خواص العقل هذه جعلت الكثيرين من أبناء هذا القرن وبدافع الإحساس بالعقم والضجر اندفعوا نحو أحياء الاهتمام بالعالم الغامض وبالوسائل السحرية بعد أن ظن العلماء منذ القرن السادس عشر الميلادي أن عصر العقل قد بزغ وأن عهود السحر قد ولّت (٣). ويقول كولن
_________________
(١) كولن ولسن: الإنسان وقواه الخفية ص ٨، ١١، ١٤.
(٢) كولن ولسن: "الإنسان وقواه الخفية" ص٢١.
(٣) المصدر نفسه ص ٢٦٨، ٣٢٤.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ولسن: "إن انجلترا وأمريكا تضمان الآن أعدادًا من السحرة تزيد على ما كان فيها منذ عصر الإصلاح" (١).
وهكذا فإن العلم والمدنية المعاصرة لم يتمكنا من تحرير عقل الإنسان من الخرافة والأساطير، أما الإسلام فقد قطع السبيل على المشعوذين منذ أربعة عشر قرنًا، عندما قال ﵊: "الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا" (٢).
وفهم الصحابة والتابعون المقصود وهو القطع بعدم تأثير النجوم في أحداث الناس والحياة، فقال قتادة السدوسي في تفسير الآية: " ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ": خلق -الله- هذه النجوم لثلاث؛ جعلها زينةً للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدي بها، فمن تأول بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف مالا علم له به" (٣).
إن عالم الغيب لا ينكشف للإنسان إلا عن طريق الوحي الإلهي، أما التعرف على القوى الكامنة في الإنسان والكون فهو لا يدخل في دائرة الغيب. فالله وحده عالم الغيب والشهادة، أما الإنسان فمجال نشاطه عالم الشهادة، ولكن الله تعالى أطلعه على قدر من عالم الغيب يوسع دائرة وعيه، ويلزمه في حياته الوجدانية والعقلية، ويفسح له في وجوده الذي تحده المادة، وهكذا أرسل الله الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، لنقل القدر المناسب من المعرفة الغيبية للإنسان، وفق ما حدده الله تعالى في وحيه لأنبيائه فليس للإنسان أن يطلب علم الغيب خارج دائرة الوحي، إذ ليس له أن يبدد قواه العقلية وطاقاته فيما لا سبيل لها إليه، ومن هنا قال رسول الله ﷺ: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربّك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" رواه البخاري في صحيحه (٤).
_________________
(١) المصدر نفسه ص ٣٨٩.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ٧٦ ط استانبول.
(٣) صحيح البخاري ٤/ ٧٦ ط، استانبول.
(٤) المصدر نفسه.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
لقد جرت محاولات الإنسان الذاتية أن يتصور الخالق إلى أنواع من التجسيم والتجسيد، ومن هنا أمر الرسول الكريم ﷺ بعدم التفكير في ذات الله والانصراف إلى التفكير في المخلوقات الجامدة والحية، ومحاولة التوصل إلى قوانين المادة وأسرار الطبيعة، للإفادة من ذلك كله في بناء الحضارة، أما التعرف على الله تعالى وصفاته وكيفية توحيده وعبادته فيتلقاه الإنسان عن الرسل الكرام، دون أن يجهد عقله في التصور أو الاستقراء أو الاستدلال، إلا ضمن دائرة الوحي الإلهي.
إنَّ الإنسان المعاصر الذي يعيش في دائرة الحضارة الغريبة امتلأ غرورًا وعجبًا، وصورت له الإمكانيات التكنولوجية الهائلة أنه قادر على الاستقلال بذاته، والاعتماد على تجاربه وعقله لإحراز العلم والمعرفة وتسخير الطبيعة والكشف عن أسرار الكون، وقد نسي ربَّه في بهرج الانتصار العلمي، بل صور له الفلاسفة الوضعيون الوجوديون والبراجماتيكيون أنه الكائن الأول الذي تخضع له الموجودات الأخرى، وما عليه إلا أن يكتشف حريته ويثق بقدرته، وفي غمرة هذا التمويه الفكري سقط الإنسان في جاهلية القرن العشرين، وبدل أن يتحرر عاد ليسقط بفعل حاجاته النفسية والروحية في براثن السحر والشعوذة.
وسبيل النجاة من أزمة الإنسان المعاصر هو العودة إلى تعاليم الوحي الإلهي، والتعرف على الله وعالم الغيب من خلاله. وبذلك يحقق الإنسان وجوده المتكامل ولا يفقد شيئا من طاقاته، وهو يندفع للكشف عن المجهول البعيد بوسائله الذاتية القاصرة.
إن كبت الروح ومنعها من التعرف على الله - الواحد الأحد الفرد الصمد - لن يولِّد إلاّ موت الإنسان وبقاء الجسد المادي الذي لا يفضل عن الحيوان، وهذا هو مصدر شقاء الإنسان المعاصر إنه لا يشعر باكتمال الحياة. قال ﵊: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت" (١).
_________________
(١) صحيح البخاري ٧/ ١٦٨.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وقد يرى بعض الفلاسفة والمفكرين أن تحديد العلاقة بالله أخذت حيزًا كبيرا في تعاليم الإسلام، وأن عالم اليوم قد اتجه إلى بحث العلاقات الاجتماعية وتحديد الحقوق والواجبات وأكد على حرية الإنسان وكرامته وتطلعاته نحو الرفاه والسعادة.
والحق إن الإسلام أكد على التوحيد وجعله محورا للحياة، وأن أول العدل والوفاء أن يعدل المرء مع ربه وأن يفي له بحق الألوهية، ويجرد له العبادة. فإن لم يعدل مع الرب المنعم المتفضل القادر على الحساب والثواب والعقاب فكيف يعدل مع أمثاله من البشر؟ وإن لم يتحرر من أوهام الشرك وخرافة الخضوع لقوى الطبيعة أو للآلهة المصنوعة أو للمعتقدات الخاطئة فكيف سيتحرر من الخضوع لطواغيت البشر وكيف يحقق ذاته، ويحافظ على حريته وكرامته اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا؟
إن الموحِّد هو الرجل الحرُّ لأنه يعرف إن لا إله إلا الله، وأن لا أحد - كائنا من كان - يقدر على ضُرِّه أو نفعه إلا بإذن الله.
وهكذا يعرف مكانه في الكون، ويعتز بدينه ونفسه، ويحقق الخير والحق والجمال، وقبل ذلك يحقق الغاية من وجوده.
ولن يقع المؤمن بالاغتراب الذي يصوره سارتر والبير كامي والوجوديون الآخرون، ولن ينتهي اغترابه إلى الإحساس بالضياع والتمزق والعبث، ولن يحتاج إلى إثبات حريته ووجوده بإنكار وجود الله والبعد عن سلطانه، فتلك رؤى فكرية قاصرة لا تخرج عن حدود التجربة والمعاناة الإنسانية، مما يعبِّر عن خيبة الأمل وضياع اليقين، في حين يعيش المؤمن في رحاب واسعة ورؤى عريضة تقتبس من علم الله ونوره ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (١).
_________________
(١) النور ٤٠
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ومهما حاول الفلاسفة والمصلحون أن يتخطوا هذا الطريق، طريق الإيمان بالله وتوحيده، وطرحوا برامج الإصلاح الاجتماعي في إطار الفلسفات المتنوعة البعيدة عن الله تعالى فإنهم لن يحققوا الصلاح المنشود، لأن التنكر لله تعالى لن ينجب إلا الشر ولن يزرع إلا الحقد، ولن يكون إلا شخصيات قلقة تفتقد مقومات الإنسان الصالح.
ولو قَدَرَ الفلاسفة والمصلحون الله حقَّ قدره لعرفوا أن أول لوازم اصلاح الإنسان تعريفه بالخالق ﷿، وتوثيق صلته به بالعبادة والطاعة لأوامره ونواهيه، وأن مهمة المصلحين ليست في تشريع أديان جديدة، وتحديد رؤية للعالم والإنسان عن طريق النظر والاجتهاد، فإن حق التشريع لله وحده، لا ينازعه فيه إلا ظالم جاحد ومتكبر جاف، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢).
إن همة المفكرين ينبغي أن تتوجه نحو فهم المضامين العقدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية في الإسلام وتعميق هذا الفهم باستمرار للوصول بالإنسان إلى الله تعالى وتحقيق سعادته في دنياه وآخرته.
الألوهية والربوبية:
ويرتكز نظام الاعتقاد في الإسلام على عقيدة الألوهية والربوبية استمع جبير ابن مطعم إلى رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور فلما بلغ هاتين الآيتين: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٣) قال: جبير: "كاد قلبي أن يطير" (٤).
_________________
(١) الزمر ٦٧.
(٢) آل عمران ١٨ - ١٩.
(٣) الطور ٣٥ - ٣٦.
(٤) رواه البخاري في صحيحه حديث رقم ٤٨٥٤.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فلماذا كاد قلب هذا الصحابي أن يطير عند سماع الآية؟ أليس لما فيها من بليغ الحجة على الخلق مما وعاه عقله واستشفته روحه؟ وكم من الناس يمرون على هذه الآية وغيرها فلا تحرك قلوبهم ولا تهز وجدانهم ولا تثير من المعاني ما أثارته في قلب هذا الصحابي الجليل.
لقد تأمل المفسرون في هذه الآية تأملات شتى فـ (أم) هنا ليست بمعنى (بل) وإنما هي للاستفهام، ولم يكن المشركون ينكرون أن الله خلقهم وخلق السماوات والأرض وأنهم ليسوا بخالقين، ولكنهم يغفلون ما يترتب على ذلك من توحيد الألوهية وهو مقتضى الاعتراف بالخالق ونعمه.
وقد لخص ابن تيمية أقوال المفسرين في الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فقال: "من غير رب خلقهم، وقيل من غير مادة، وقيل من غير عاقبة وجزاء. والأول مراد قطعًا، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلابد له من خالق" (١).
لقد جنح بعض فلاسفة القرن العشرين إلى القول بأن المادة هي الأصل الأول وأن "الإنسان يقوم وحده" لم يخلقه رب ولم يحكمه إله، وهذا عنوان كتاب جوليان هكسلي الذي أنكر فيه وجود الله زاعمًا أنه يعتمد على أدلة العلم. وقد نقض رأيه عالم آخر هو كريسي موريسون في مؤلفه المشهور (الإنسان لا يقوم وحده) الذي بين فيه بأدلة العلم الحديث نفسه أن الله خالق كل شيء.
وهذا يدل على أن الصراع بين الإيمان والإلحاد قديم وحديث وأن مقوله فيورباخ (لا إله والحياة مادة) ليست جديدة، وإنما هي ترديد لأقوال الدهريين القدامى والطبيعيين المحدثين، على أن هذه الآراء تصدعت منذ منتصف هذا القرن عندما تم الكشف عن حقيقة المادة، إذا تفجرت ذراتها، ودلت على أنها ليست "مادة" بالمعنى القديم بل هي طاقة سالبة وموجبة وهي في حالة حركة وليست ساكنة. وبذلك أطل العلم الحديث على تصور جديد للمادة نفسها هدم به كل التصورات القديمة للدهريين القدامى والطبيعيين الجدد.
_________________
(١) الفتاوى ١٣/ ١٥١.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ولم يكن العرب المشركون الذين أخبر القرآن عن عقائدهم ينكرون أن الله تعالى هو خالقهم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) كما أنهم ما كانوا ينكرون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢).
بل لم يكونوا يجهلون بعض صفات الخالق مثل كونه عزيزا عليما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).
ولكن المشركين مع اعترافهم بالربوبية، فقد أشركوا معه غيره في العبودية، متجاهلين تفرده بالخلق، ومن هنا أنكر عليهم الله تعالى هذا الخلط الذي أفضى إلى صرف العبادة إلى من لا يستحقها، لأن العبادة شكر للخالق المنعم فمن ليس بمصدر للخلق وللنعم لا يستحق العبادة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٦).
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٧).
وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٨).
وبين ما هم فيه من تخليط، قال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾
(٩). فما دام الشركاء ليس لهم خلق فما مصدر
_________________
(١) الزخرف آية ٨٧.
(٢) الزمر آية ٣٨.
(٣) الزمر آية ٩.
(٤) النحل آية ١٧.
(٥) الحج آية ٧٣.
(٦) النحل: ٢٠.
(٧) الفرقان:٣.
(٨) الأعراف:١٩١.
(٩) الرعد: ١٦.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
التشابه والالتباس إذًا؟. إن التمايز بين الخالق الواحد والمخلوقات المتنوعة واضح، لا يقبل اللبس والخلط إلا عندما تختل المقاييس وتعوج الموازين وتنحرف الفطرة. فكل ما في السماوات والأرض مخلوق لله وحده. قال تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (١). إن وحدة واتساق نظام الكون والحياة في العالم المشهود دليل على صدوره عن أمر واحد وإرادة واحدة لا تنازع، ولولا ذلك لتفكك نظام الكون واختلت وحدته واضطرب تناسقه و﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢).
قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (٣).
يقول كريسي موريسون: "إن وجود الخالق تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة، وإن وجود الإنسان على ظهر الأرض والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون" (٤).
ويقول: "إن الإنسان ليكسب مزيدًا لا حدَّ له من التقدم الحسابي في كل وحدة للعلم، غير أن تحطيم - ذره - دالتون التي كانت تعد أصغر قالب في بناء الكون إلى مجموعة نجوم مكونة من جرم مذنب وإلكترون طائرة قد فتح مجالًا لتبديل فكرتنا عن الكون والحقيقة تبديلًا جوهريا، ولم يعد التناسق الميت للذرات الجامدة يربط تصورنا بما هو مادي. وإن المعارف الجديدة التي كشف عنها العلم لتدع مجالًا لوجود مدبِّر جبار وراء مظاهر الطبيعة (٥) ". ويقول ستانلي كونجدن: "إن جميع الكون يشهد على وجود الله سبحانه ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار يدي الله وعظمته ذلك هو الله
_________________
(١) فاطر: ٤٠.
(٢) المؤمنون: ٩١.
(٣) الملك:٣.
(٤) العلم يدعو للإيمان ٤٦.
(٥) المصدر السابق ٤٦ - ٤٧.
[ ٢ / ٥٧١ ]
الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آيته في أنفسنا، وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته" (١).
ويقول بول كلارنس: "إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة هو أن الإنسان وهذا الوجود من حوله لم ينشأ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق، بل أن لهما بداية، ولابد لكل بداية من مبديء، كما أننا نعرف أن هذا النظام الرائع المعتمد الذي يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان، وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية، كما أن وراءها توجيهًا وتدبيرًا خارج دائرة الإنسان. إنها بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير إلهي محكم" (٢).
ويقول جورج أيول: "إن كل ذرة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله، وإنها تدل على وجوده حتى دون حاجة إلى الاستدلال بأن الأشياء المادية تعجز عن خلق نفسها" (٣).
فهذه أقوال علماء الطبيعة الكبار في القرن العشرين تشهد بما قاله الله تعالى في كتابه المنزل على نبيه من أن وجود المخلوق يدل على وجود الخالق، وأن سبب الكفر يرجع إلى انعدام اليقين عند الكافرين لأن الله تعالى لم يكتب لهم الإيمان ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. قال الخطابي: "فذكر العلة التي عاقتهم عن الإيمان، وهي عدم اليقين الذي هو موهبة من الله ﷿ ولا ينال إلا بتوفيقه، ولهذا كان انزعاج جبير ابن مطعم حتى قال: كاد قلبي أن يطير والله أعلم" (٤).
_________________
(١) الله يتجلى في عصر العلم ٢٦.
(٢) الله يتجلى في عصر العلم ٤٤.
(٣) المصدر السابق ٤٧.
(٤) الخطابي: أعلام الحديث ١٠٠٠.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
النبوات
الإيمان بسائر الأنبياء وأثره:
يهتم الإسلام بتوجيه أتباعه نحو النظرة الإنسانية الواسعة، ونحو استشراف التاريخ واختراق الجدران بين الثقافات والحضارات والإفادة من الحصيلة الثقافية العالمية لخير المجتمع الإسلامي. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) يوضح القرآن عقيدة المسلمين في الإيمان الشامل بأنبياء الله وأمنائه على وحيه، فالدين في نظر المسلم واحد من لدن آدم ﵇ وحتى محمد ﷺ وهو الإسلام، والإيمان بالأنبياء واجب حتى إن إنكار نبوة أحدهم تفضي بالمنكر إلى الردة عن الإسلام، بل إن تعاليم الأديان ومناسك العبادة أحيانا تبقى ثابتة، تشير عمليا إلى وحدة المصدر الإلهي لهذه الأديان جميعًا فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أفاض جبريل بإبراهيم صلى الله عليهما، فصلى به بمنى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا من منى إلى عرفة، فصلى به الصلاتين: الظهر والعصر، ثم وقف له حتى غابت الشمس، ثم دفع حتى أتى المزدلفة، فنزل بها فبات وصلى، ثم صلى كأعجل ما يصلى أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلى أحد من المسلمين، ثم دفع منه إلى منى فرمي وذبح، ثم أوحى الله تعالى إلى محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين" (٢). وهو يدل على وحدة مناسك الحج في تعاليم إبراهيم ومحمد ﷺ وهو مصداق قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
_________________
(١) آل عمران ٨٤، ٨٥.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم للآية ٩٥ من سورة آل عمران، وإسناد الحديث حسن وله حكم الرفع لأنه من أمور الغيب.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١).
إن التشابه وأحيانا التماثل بين الأديان في العقيدة خاصة ثم في بعض المناسك التعبدية والتشريعات الاجتماعية لا يبعث على الشك في صحتها، كما هو منحى بعض العلماء المعاصرين من الأنثروبولوجيين والمؤرخين، والذي يدرسون الدين على نفس منهجهم في دراسة الفولكلور والأساطير الشعبية، فهم يرصدون أوجه التماثل بين الديانة اللاحقة والديانة السابقة ليصلوا إلى نتيجة قد حددوها - خلافا للمنهج العلمي - وهي أن الإسلام ليس مصدره الوحي الإلهي، بل هو نسيج من تعاليم سابقة بعضها استمد من التوراة مثل قصص الأنبياء، وبعضها من الأنجيل، وبعضها من القانون الروماني، وهكذا متناسين أن التماثل سببه وحدة المصدر الإلهي، وأثر الأديان السابقة في المجتمعات البشرية المتنوعة عبر التاريخ الإنساني، فهذا ما يتغافله الأنثروبولوجيون والمؤرخون، وبذلك يخونون الحقيقة عندما يغفلون هذا الوجه منها. لقد حاول بعضهم ربط معاني الآيات القرآنية بالأساطير السومرية والبابلية والآشورية والفرعونية واليونانية والرومانية لإسقاط فكرة الوحي الإلهي، والقول بأن مصادر الدين - كما يثبتها العلم الذي يدعونه - هي الفولكلور والأساطير الشعبية وليس الوحي الإلهي (٢). وبالطبع فليس العيب في علم الأنثربولوجي -وهو علم الإنسان وبيئته الثقافية التاريخية - بل هو في التوجيه المنحرف الذي سعى اللادينيون لإقحام هذا العلم فيه تحقيقا لأهداف عقدية بعيدة عن العلم المجرد ومتطلبات البحث العلمي، ومن هنا صار لزاما على المؤمنين في هذا العصر أن يعيدوا لهذا العلم وجهته الصحيحة في الكشف عن فطرة الإنسان، وحقيقة الأديان، وصلة البشر بالخالق الرحيم الرحمن، مستشرفين التاريخ باحثين في جذور الحياة وأول الآثار، وعندما يقود
_________________
(١) الشورى: آية ١٣.
(٢) محمود سليم الحوت: في طريق المثيولوجيا عند العرب ١٤٦ - ١٦٢.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
العلم رجال يتسمون بالوعي والتجرد فإنهم سيقبلون النتائج التي أعلنها اللادينيون من المتلبسين بثياب العلم زورا وبهتانا.
لقد بين القرآن بوضوح التشابه بين الأديان ولم ينكره، فقال تعالى مخاطبًا رسوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (١) فالقرآن تصديق لرسالات الأنبياء السابقين وليس نقيضًا لها.
وقد اختار الله تعالى الرسل الكرام من بين الناس، وجعلهم أئمة يهدون العباد إلى توحيد الله وتحكيم شرائعه، وهم أمثلة عالية في عمل الخير وتنفيذ أوامر الله، لذلك فإن الإسلام ينظر إليهم بوصفهم أمثل الناس وأفضلهم وأعلاهم درجة وقدرا، وأسماهم تصورا وسلوكا. كيف لا وقد اختارهم الله تعالى رسلًا ﴿اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).
وهو ﴿يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٣) لذلك فهم منزهون عن المعاصي، معصومون من الخطايا، ليصح الاقتداء بهم في سائر سلوكهم وجميع أحوالهم. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (٤).
من أجل ذلك كانت صورة الأنبياء السابقين على محمد ﷺ في القرآن والسنة أمثل وأجل وأسمى من الصور التي ترسمها الكتب الدينية الأخرى كالتوراة - وشرحه التلمود - والإنجيل، لما نال الكتب الأخرى من تحريف على أيدي أتباعها.
والأنبياء أوحي إليهم بشرع دون أن يكلفوا بتبليغه، لكنهم يعملون بموجبه، وأما الرسل فأوحى إليهم بشرع وكلفوا بتبليغه. وقد سمى القرآن منهم خمسة وعشرين رسولًا، وهم: آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب
_________________
(١) آل عمران: ٣.
(٢) الأنعام:١٢٤.
(٣) الحج:٧٥،
(٤) الأنبياء:٧٣.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحي وإدريس ويونس وهود وشعيب وصالح ولوط وإلياس واليسع وذو الكفل وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (١). وهؤلاء الرسل يجب الإيمان برسالاتهم على تعيين أسمائهم وأشخاصهم، وإنكار واحد منهم كفر بصريح القرآن، وهم يتفاضلون، وأفضلهم أولو العزم من الرسل لشدة ابتلائهم وعظيم جهادهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) وأفضل الرسل جميعا محمد ﷺ كما في الحديث (ما من نبي، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) (٣)، ولا يتنافى هذا التفضيل مع قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٤) لأن المراد عدم التفريق بالإيمان برسالاتهم جميعا وليس في التفاضل بينهم. والأنبياء والمرسلون من البشر، لا يخرجون من البشرية بالوحي، بل هم يحافظون على طبيعتهم، وقد حرَّف النصارى وحي الله، وخالفوا عيسى ﵇ عندما أضفوا عليه صفات الألوهية، وقد بين القرآن بوضوح أن أفضل المرسلين محمد ﷺ هو بشر لم تكسبه الرسالة صفات الألوهية قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥) فالوحي هو الذي يميز الرسول، ويكشف له الغيب، ويعرفه بالله وبصفاته وبأسمائه، وما يحب وما يكره، وبأوامر ونواهيه، وبشريعته التي يريد إنفاذها في الحياة، وبأسرار الخلق والأمر، والقضاء والقدر. ولم يكن الأنبياء من أرباب الفلسفات أو علماء الطبيعيات، ولم يكن علمهم كسبًا، بل كان أفضل الأنبياء محمد ﷺ أميا لا
_________________
(١) تشير رواية ضعيفة إلى أن عدد الأنبياء ٢٤،٠٠٠ نبي وعدد الرسل ٣١٥ رسولا. انظر مسند أحمد ٥/ ٢٦٦ وفي إسناده معان بن رفاعة السلامي لين الحديث كثير الإرسال كما في التقريب وعلي بن يزيد الألهاني ضعيف والقاسم بن عبد الرحمن صدوق يغرب كثيرًا.
(٢) البقرة:٢٥٣.
(٣) أخرجه الترمذي: سنن ٥/ ٥٨٧ وقال: هذا حديث صحيح، وأخرجه أحمد في المسند ١/ ٥.
(٤) البقرة: ١٣٦.
(٥) فصلت:٦.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
يحسن القراءة والكتابة، وعاش في بيئة خالية من الدراسات الفلسفية والطبيعية المعقدة، كالتي عرفها اليونان والفرس والهنود ومع ذلك فإن تعاليمه رسمت طريق السعادة والفلاح، وأثرت في مئات الملايين من البشر الذين اتبعوها، ونظمت حياتهم الخاصة والعامة، وحكمت اجتماعهم واقتصادهم وسياستهم وأخلاقهم وقيمهم قرونا طويلة، وأثمرت حضارة عالمية سامقة كان لها دور كبير في الحضارة العالمية، ولا شك أن هذا ما كان ليحدث لولا الوحي الإلهي. وكان تكليف الرسل بحمل الوحي الإلهي وتبليغه مما يجر عليهم الأخطار، لأن الرسالات التي يدعون إليها تقتضي أحداث تغيير كبير في أطر الحياة العقدية والاجتماعية، فكانوا يلقون مقاومة كبيرة من أصحاب النفوذ والمصالح، ومن الجمهور الذي تنتشر فيه العقائد المخالفة لرسالاتهم، وهذا عرَّضهم للأخطار. ولم يكن بوسع الأنبياء أن يتخذوا مواقف وسطًا أو حلولًا توفيقية، لأن الرسالة ليست نابعة من اجتهادهم فيغيروا ويبدلوا، بل لابد لهم من الالتزام بنص الوحي الإلهي وبمضامينه، قال تعالى في حق سيد المرسلين ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). فلابد للرسول إذًا من التزام أمانة التبليغ مهما كابد من البلاء والمقاومة ومن هنا جاءت محن الأنبياء. فهذا نوح ﵇ أول رسول إلى الناس - كما أن آدم أول نبي - عمر طويلا، فدعا قومه ليلا ونهارا سرا وجهرا إلى توحيد الله، فما استجاب له بعد إقامته فيهم ودعوتهم إلا قليل، هم الذين نجوا من الغرق. قال تعالى ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢) وقد اتهمه قومه بالسفه والضلال والجنون وكثرة الجدل بالافتراء على الله، وهددوه بالرجم، وقابلوه بالسخرية والتهكم، وهو يقابل ذلك بالصبر والاستمرار في دعوتهم حتى أدرك أنهم لا يستجيبون -بعد أن دعاهم قرونا-، فدعا عليهم كما يحكي القرآن
_________________
(١) الحاقة:٤٦.
(٢) هود:٤٠.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
الكريم: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (١). فعاقبهم الله تعالى بالطوفان ونجَّى نوحا ومن آمن معه.
وهذا إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء، وخليل الرحمن نشأ في بابل التي يحكمها النمرود الذي أدعى الألوهية، وكان قومه يعبدون الأصنام، وقد عصم الله إبراهيم وآتاه الحجة منذ صغره، فدعا قومه واحتج عليهم وكسر أصنامهم ليثبت لهم عجزها عن الدفاع عن ذاتها فكيف تدافع عن غيرها!! فما كان منهم إلا أن ألقوه في النار فحفظه الله ونجاه. قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢).
وهاجر إبراهيم في الأرض يدعو إلى الله، فنزل حران حيث تعبد الكواكب، ثم مصر الفراعنة، وهو يتعرض لأنواع الابتلاء والمحن في نفسه وأهله وولده.
وهذا موسى - كليم الله ﵇واجه طغيان فرعون مصر وهو يدعي الإلوهية، ويستعبد بني إسرائيل، يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم، فدعاه إلى عبادة الله وحده، فتمادى فرعون في كفره، واعتزم قتل موسى وقومه لولا أن نجاهم الله وأغرق فرعون وجنده.
وقد لقى موسى من بني إسرائيل أنفسهم من العنت والكبرياء والجدل والاستعداد للانحراف عن العقيدة حتى توفاه الله.
وهذا عيسى ﵇ دعا اليهود إلى دين الحق الذي انحرفوا عنه، وأجرى الله عليه يديه المعجزات الباهرة، فعارضه الكهنة واجمعوا على قتله، فأنجاه الله منهم ورفعه.
وهذا رسول الله محمد ﷺ خاتم النبيين، وقع عليه من أنواع الابتلاء من أذى المشركين بمكة ودعايتهم وتحديهم وحصارهم له ولأتباعه في شعب أبي طالب
_________________
(١) نوح:٢٦.
(٢) الأنبياء:٦٩
[ ٢ / ٥٧٨ ]
واضطرارهم لأتباعه للهجرة إلى الحبشة، ثم تركه ﷺ موطنه وهجرته إلى المدينة، ثم استمرارهم في حربه والتأليب عليه حتى نصره الله عليهم وأظهر دينه في الأرض.
وهذه السيرة النبوية تشير إلى حال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وأنهم تعرضوا للابتلاء والامتحان بسبب تبليغهم لرسالات الله تعالى، ولم ينتفعوا في الحياة الدنيا بالنعيم والراحة، بل كانت حياتهم شديدة يلحقهم الأذى في أنفسهم وأهليهم، ويهجرون مواطنهم، ويتعرضون للقتل، فما يصدهم ذلك عن تبليغ دعوة الله وتغيير الواقع الجاهلي. ومن أجل ذلك النهج العملي في الدعوة والتربية للأتباع كان أثر رسالات الأنبياء في حياة البشرية أثرا عميقا شاملا، في حين بقيت آراء الفلاسفة قابعة في كتبهم ولم تتحول إلى واقع عملي .. ولكل عاقل أن يقارن بين أثر القرآن والسنة وبين جمهورية أفلاطون أو مدينة الله لأوغسطين أو المدينة الفاضلة للفارابي، ليدرك أن رسالة النبي ﷺ هي النهج العملي المؤثر في حركة التاريخ ومصير الأحياء.
إن إيمان المسلمين بالأنبياء جميعا أعطاهم نماذج روحية متنوعة وعظيمة القيمة، تتمثل فيها القيم الخلقية بأرفع سلوكيات التي يمثلها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهكذا فإن المسلم يجد في نوح ﵇ مثالا للداعية الصامد، فرغم تنكر قومه لدعوته بما فيهم ابنه وزوجه، فإن ذلك لم يقعده عن الاستمرار في دعوته، وتهيئة العوامل اللازمة لنجاحها ثم لنجاة أصحابه.
كما يجد المسلم في أيوب - ﵇ - مثالا للصبر على الأمراض والأسقام وجفوة الناس والخلطاء حتى الزوجة، فلم يزده ذلك إلا احتسابا وإيمانا، ودعاء وتضرعا حتى رفع الله عنه البلاء. وإذا كان الإيمان الشامل بالأنبياء يوسع من مجال الاقتداء، ويعبر عن وحدة الرسالات الإلهية، فإنه يورث المسلمين التسامح الديني ويوجد بينهم وبين أهل
[ ٢ / ٥٧٩ ]
الكتاب بعض عناصر الالتقاء، ويكسبهم مرونة عالية في التعامل معهم داخل المجتمع الإسلامي بمنح الأقليات الدينية حرية المعتقد، وحق الحماية. وإمكان التعايش السلمي معهم، بل تلطيف هذه العلاقة مع الأقليات الدينية عندما تسمح عقائد المسلمين ببرهم ومهاداتهم.
ولو افترضنا على سبيل الجدل أن المسلمين ينكرون نبوات الأنبياء السابقين على رسالة محمد ﷺ، لتغير موقفهم من الأقليات الدينية التي ما كانت لتتمكن من المحافظة على وجودها لولا التسامح الديني الذي لم يشهد له التاريخ الإنساني مثيلا حتى اعتبرت الدولة الإسلامية مسئولة عن حماية أماكن العبادة للديانات الإلهية الأخرى مثل حمايتها للمساجد الإسلامية قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (١).
ولا مانع من الجدل الديني بين المسلمين وأهل الكتاب بشرط أن يتقيد الجميع بأدب المناظرة. قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣).
وقد اعترف عديد من الباحثين الغربيين بتسامح الإسلام والمسلمين فقال غوستاف لوبون: "إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينا سمحا مثل دينهم".
ويقول توماس أرنولد: "كان المسلمون -على خلاف غيرهم- إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جدها في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحين بالعدل والقسطاس".
_________________
(١) الحج:٤٠.
(٢) العنكبوت:٤٦.
(٣) الأنعام: ١٠٨.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
إن عالم اليوم بحاجة أشد إلى أن تسود روح التسامح ويتقرر العدل ويقضى على العصبيات والعنف الذي يمكن أن يحول التقدم التقني إلى كارثة خطيرة تعصف بالبشر وحضاراتهم.
وليس كالإسلام في غرس روح الخير وبذر التعاون في ظلال الإيمان والسماحة الدينية.
[ ٢ / ٥٨١ ]
بشرية الرسول
ومما لاشك فيه أن الأنبياء هم أوعى البشر بحقيقة الألوهية، ومعرفة استحقاق الإله وحده للعبادة، وذلك بما اختصهم الله به من علم الوحي الإلهي، فالتمييز واضح عندهم بين ما هو حق لله وما هو حق للنبي. لذلك نفي القرآن الكريم عن الأنبياء أن يوجهوا الناس لعبادتهم بدلا من عبادة الله قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (١).
وهكذا اتضحت طبيعة العلاقة بين "الإله" و"النبي" و"البشر"، ولم يقع في تاريخ الإسلام الطويل أي جدل حول طبيعة النبي كما جرى في تاريخ النصرانية التي كانت قضية طبيعة المسيح وهل هي إلهية أم بشرية، أم إلهية وبشرية متحدة أساسا لانقسامها إلى فرق عديدة متطاحنة.
لقد أعلن محمد ﷺ للمسلمين جميعا أنه بشر مثلهم كما ورد في القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢). وإذا كان الأنبياء لا يستحقون العبادة - وهم أفضل البشر، فإن القادة الفكريين والزعماء المبرزين لا يستحقون
_________________
(١) الكهف: ١١٠.
(٢) آل عمران:٧٩.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
العبادة من باب الأولى، وبالتالي قطع الإسلام الطريق أمام الدعوة إلى عبودية الإنسان من دون الله مهما بلغ مقامه وعظم مكانه. وبذلك حافظ على كرامة الإنسان وحريته، ومنعه من السقوط في هاوية الخضوع الأعمى لغيره من البشر، فضلا عن حمايته من عبادة المخلوقات الأخرى من حيوان وجماد وقوى الطبيعية.
وقد لا يدعو القائد المفكر إلى عبادة ذاته، ولكن يحرف كلام الله ويغير أحكامه، وهو بذلك يعطي نفسه حق التشريع، وهو من حقوق الله وحده، وبذلك يتعبد الناس ويخضعهم لفكره وتشريعه، وهو نمط من العبودية حذر منه الرسول الكريم ﵇ ونبه بعض المفسرين إلى وقوع الأم السابقة فيه. فقال المفسر ابن جريج في تفسير قوله تعالى: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) قال: "كان ناس من اليهود يتعبدون الناس دون ربهم، بتحريفهم كتاب الله عن مواضعه بغير الذي يقرأون مما أنزل الله في كتابه (٢). وقال عدي بن حاتم ﵁: "أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته، وانتهيت إله وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣) قال: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم" (٤).
وهكذا أوضح المصطفى ﷺ أن حق التشريع لله، ومن نازعه فيه فقد دعا الناس إلى تأليه ذاته وعبادته من دون الله تعالى.
_________________
(١) آل عمران: ٧٩.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم للآية ٧٩ من سورة آل عمران.
(٣) التوبة:٣١.
(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ١١٤.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
بل إن الإسلام مضى إلى ما هو أبعد من هذه التوجيهات، احتياطا للناس وإبعادا للأمة من الوقوع في براثن المضللين فجعل الولاء للعقيدة وليس للرجال مهما علت مكانتهم، فهذا رسول الله ﷺ ينهي أصحابه عن المبالغة في تعظيمه يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) (١).
وينهى عن مديح الرجل في وجهه، لئلا يناله العجب بالنفس فيجره ذلك إلى الهلاك، فلما أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ قال له: "ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك (٢) - مرارا".
فأين هذه التعاليم مما تتعود عليه الأمم التي لا دين لها من الانحناء والسجود للزعماء، والتقرب إليهم بمعسول الكلام وعظيم الثناء، وتشبيهم بالله تعالى وإسباغ صفاته ﷿ عليهم، بل والوقوف طوابير في انتظار زيارة قبورهم بعد موتهم في الأعياد والمناسبات الوطنية وصرف المبالغ الطائلة على بناء مقابرهم وزخرفة أضرحتهم، وقديما صرف الفراعنة الملايين وسخروا الألوف من شعبهم لبناء أهراماتهم، وحديثا نجد هذه المظاهر في دول تدعي نبذ الدين وتخليص الناس من الخرافة وتحريرهم من عبودية الله!! فإذا بها تتعبدهم للزعماء من البشر في حياتهم وبعد مماتهم!!
روى الترمذي عن أنس -﵁- قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال نعم
(٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (الصحيح ٤/ ١٣٢) كتاب الأنبياء - باب ٤٨ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، والدارمي: سنن ٢/ ٣٢٠، وأحمد: المسند ١/ ٢٣.
(٢) أخرجه البخاري (الصحيح ٣/ ١٥٨) كتاب الشهادات باب ١٦ إذا زكى رجل رجلا كفاه. وأخرجه مسلم (الصحيح ٤/ ٢٢٩٦).
(٣) أخرجه الترمذي: سنن ٥/ ٧٥ حديث رقم ٢٧٢٨وقال: هذا حديث حسن.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
ولم يكن الداخل على مجلس رسول الله ﷺ يميزه عن أصحابه من هيئته أو مكان جلوسه، بل كان الغريب يسأل عنه ليعرفه .. أخرج الدارمي قال العباس: يا رسول الله إني رأيتهم قد آذوك وآذاك غبارهم فلو اتخذت عريشا تكلمهم منه؟ فقال: لا أزال بين أظهرهم يطأون عقبي، وينازعون ردائي، حتى يكون الله يريحني منهم" (١).
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن جبير الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يمشي في أناس من أصحابه فتستر بثوب، فلما رأى ظله رفع رأسه، فإذا بملاءة قد ستر بها فقال له: مه!! وأخذ الثوب فقال: "إنما أنا مثلكم" (٢).
وسئلت عائشة - ﵂ - هل كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: نعم. كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. (٣).
فهذه صورة النبي في الإسلام، وهو أرفع البشر، له الحب والتوقير والدعاء، وله الدرجة الرفيعة، لكنه لا يتجاوز مقام العبودية والطاعة لله، ولا يخلع على نفسه صفات الألوهية، ولا يدعو الناس إلى عبادته، بل يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويجعل نفسه مثلهم الأعلى في عبادة الله وطاعته، وشعاره (﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٤).
وقد حرص الرسول الكريم ﵊ على التمييز بين الألوهية والنبوة، خاصة أن الأمم السابقة قد ألهت أنبياءها، فقالت اليهود عزير ابن الله
_________________
(١) الدارمي: سنن ١/ ٣٥ - ٣٦ من طريقين، وأخرجه البزار من طريق ابن عباس أيضا (الهيثمي: مجمع الزوائد ٩/ ٢١ وقال: رجاله رجال الصحيح).
(٢) الهيثمي: مجمع الزوائد ٩/ ٢١ وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٣) مسند أحمد ٦/ ١٧٦ وأنظر: ١٢١، ٢٦٠ منه.
(٤) آل عمران آية: ٧٩.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وقالت النصارى المسيح ابن الله، ولا شك أن تأليه الأنبياء لم يكن في حياتهم، بل بعد زمنهم بقليل أو كثير حيث تدخل المبالغات والأساطير إلى تاريخهم وسيرتهم، ويبالغ أتباعهم في أخبارهم، حتى يوصلوهم إلى مرحلة الألوهية، ويعبدوهم من دون الله، أو يشركوهم في عبادة الله. ومن هنا حذر رسول الله ﷺ من تأليهه وأكد على صفاته البشرية. فقد "أتى النبي ﷺ رجل، فكلمه، فجعل ترعد فرائصه فقال: (هوِّن عليك. فإني لست بملك. إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد) (١) وهذا تواضع منه ﵊، وهو الذي اختاره الله من خيار خلقه، وعصمه في نسبه وطهارة محتده؛ فكل آبائه وأمهاته من زواج صحيح.
ورغم علو مكانته وسمو خلقه وإشادة القرآن برفعته وعظمته فإنه لم يتخط خصائص البشرية، فهو يتألم كما يتألم البشر، بل إن آلامه تفوق آلامهم. روى البخاري أنه ﵊ قال: (إن أوعك كما يوعك رجلان منكم) (٢)، ولما اشتد المرض عليه حين وفاته لاحظت فاطمة - بنته - ما كان يتغشاه فكانت تقول: واكرب أباه. فيقول لها مهدئا: ليس على أبيك كرب بعد اليوم) (٣). وكان يقول: (إنا معشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء) (٤).
ولم يدع مناسبة إلا وبين خصائصه البشرية التي لا تنفك عنه إلا في عصمة النبوة، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد أخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته، أو سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارة وقربة، تقربه بها إليك يوم القيامة) (٥).
_________________
(١) ابن ماجة: السنن ٢/ ١١٠١ حديث رقم ٣٣١٢ وصحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٢٣٢ حديث رقم ٢٦٧٧.
(٢) صحيح البخاري حديث رقم ٥٦٤٨.
(٣) صحيح البخاري حديث رقم ٤٤٦٢.
(٤) مسند أحمد ٣/ ٩٤.
(٥) صحيح مسلم حديث رقم ٢٦٠١.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وكما يطرأ عليه الغضب يطرأ عليه النسيان، فهو وإن كان الله قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فإنه لم يبرئه من سمات الحدث ولم يخله من الأعراض البشرية (١). فقد سها في صلاته ونسى بعض العدد من ركعاتها حتى ذكر بها ونبه عليها.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين قال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم) (٢).
ولم تمنع نبوته ورفعة درجته أصحابه من مراجعته في الرأي حتى يعزم الله له، ففي صلح الحديبية راجع عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ في موافقته على شروط الصلح فقال عمر - ﵁ - "فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به) (٣).
_________________
(١) الخطابي: أعلام الحديث ٧٧.
(٢) صحيح البخاري حديث رقم ٤٨٢ (فتح الباري ١/ ٥٦٥).
(٣) رواه البخاري في صحيحه كما في فتح الباري حديث رقم ٢٧٣١.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يراجع رسول الله ﷺ ليقف على الحكمة من موافقته على شروط الصلح، وكان يرغب في إذلال المشركين، "فجميع ما صدر منه كان معذورا فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه" (١).
ولم تقتصر المراجعة على أصحاب النبي ﷺ المقربين، ولا على أصحاب المسئولية في الدولة والمجتمع، بل إن النساء كن يراجعنه أيضا. قال عمر بن الخطاب - ﵁ -:"كنا معشر قريش نغلب الناس، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني! فقالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فأفزعني ذلك فقلت: جاءت من فعلت ذلك منهم بعظيم، ثم جمعت علي ثيابي فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة، أتغاضب إحداكن رسول الله حتى الليل، فقالت: نعم. فقلت: خبت وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله. لا تستكثري على رسول الله، ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني ما بدا لك" (٢).
وكان رسول الله ﷺ يؤكد لأصحابه هذا المعنى، معنى بشريته، وأنه إنما يمتاز عليهم بالنبوة، ويحذرهم من فعل الأمم السابقة مع أنبيائهم عندما غلت فيهم فاتخذتهم آلهة مع الله سبحانه.
وإنما نهاهم عن المبالغة في مدحه خشية أن يجر ذلك مع الأيام إلى إسباغ صفات الألوهية عليه كما حصل لمن أطرى عيسى ابن مريم من النصارى، وقد تمسك ﵊ بصفة العبودية لله وصفة الرسالة، فهو عبد الله ورسوله، وفيه تتمثل العبودية الصادقة لله فهو أكثر البشر عبادة وطاعة وأشدهم التزاما بتعاليم الرسالة
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري ٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧.
(٢) صحيح البخاري ٣/ ١٠٣.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -: "أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" (١).
إن عبادة المصطفى - ﷺ - هي ثمرة إحساسه ﷺ بعظمة الخالق ونعمه الكثيرة عليه، وخاصة ائتمانه على الرسالة الخاتمة التي حملها للعالمين .. والتي صارت بفضل الله ثم بفضل تبليغ الرسول لها أعظم نعم الله على العباد، فهي تتقدم سائر النعم الأخرى جليلها وصغيرها، فليس من نعمة أعظم من الهداية إلى معرفة الله الخالق، واستبانة طريقه المستقيم المفضي إلى النعيم المقيم. في الآخرة، وإلى الطمأنينة والراحة النفسية في الدنيا، حيث لم يعد الإنسان بحاجة إلى طواف طويل وجهد عقلي كبير سعيا للوصول إلى الحق، وتعرفا على الله، ووصولا إلى الحق والخير والجمال. فكل ذلك جاءت به الرسالة الخاتمة التي حملها رسول الله ﷺ وبلغها لأصحابه رضوان الله عليهم، وهم بدورهم حملوها إلى أمم الأرض، وتوارثها الخلف عن السلف عبر القرون، فاهتدى بنورها ألوف الملايين من أهل الأرض.
إن نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى في روحه وعقله وبدنه، بحيث إن الإنسان الواحد يمتلك ثروة عظيمة جهزه بها الخالق القدير في أعضائه المختلفة، ومن البديهي أن الإنسان صاحب هذه الأعضاء لا يرضى أن يستبدل أيا منها بالألوف المؤلفة من الدنانير والذهب والفضة، وهذا ينطبق على نعمة البصر والسمع والعقل، بل واليد والرجل وقد جاء الوقت الحاضر ليرى الناس جميعا أن أعضاء البدن تقوم بالمال الكثير عندما يحتاج مريض إلى كلية أو غيرها.
إن النعم تحيط بالإنسان وتكتنفه لكن تعوده عليها ينسيه قيمتها، ولو فقد الإنسان شربة ماء ثم وجدها بالمال الكثير لدفعه لحيازتها، لكن كرم الخالق معه
_________________
(١) متفق عليه (صحيح البخاري ٢/ ٤٤) وصحيح مسلم حديث رقم ٢٨١٩.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
أن وهبه الماء والطعام والهواء وكل ما يلزم لحياته دون أن يطالب بشيء سوى العبادة التي تحقق غاية الوجود. وكان رسول الله يعبر عن إحساسه بكل معاني الإحسان الإلهي والتعهد الرباني عندما يصلي حتى ترم قدماه. (أفلا أكون عبدا شكور؟).
ختم النبوة وعموم الرسالة الإسلامية:
بعث محمد ﷺ رحمة للعالمين، بعد أن ضاعت معالم الرسالات السماوية السابقة، وتحرفت تعاليمها، وخفت إشعاعها، وضعف أثرها في الحياة الإنسانية، فكانت رسالته تجديدا لدعوة التوحيد التي بعث بها سائر الأنبياء والمرسلين، وتعديلا للشرائع السابقة وإكمالا لها، بعد أن ارتقت البشرية وتفتحت عقولها وتهيأت نفوسها لاستقبال الرسالة الخاتمة بكل جوانبها الروحية والاجتماعية، وقد أوضح المصطفى ﷺ أن رسالته إكمال لرسالات الأنبياء السابقين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
وفي الحديث الشريف عن جابر - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجي بني دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة. فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة". قال رسول الله ﷺ: "فأنا موضع اللبنة، فجئت فختمت الأنبياء" (٢).
والحديث يبين اكتمال الرسالة الخاتمة ووفاءها بحاجات البشرية، مهما درجت في مراقي التقدم الحضاري ثقافة وصناعة، مما نص القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣)، فالإسلام هو الدين الخاتم الذي لا دين بعده، ومحمد هو
_________________
(١) الأحزاب: ٤٠.
(٢) صحيح مسلم ص ١٧٩١.
(٣) المائدة آية: ٣.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
الرسول الخاتم فلا نبي بعده، فهو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء حتى قيام الساعة، وقد أمر الله أتباع الديانات الأخرى بالدخول فيه مبينا لهم أنه نسخ الأديان كلها فلا يقبل الله بعد بعث محمد -ﷺ- دينا سواه قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
وقد أخذ الله العهد على جميع الأنبياء والرسل من قبله أن يؤمنوا به إذا أدركوا بعثته وأن ينصروه، لذلك فقد كانوا وأتباعهم على علم بصفاته حيث وردت في كتبهم المنزلة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ (٣).
وقد اختار الله تعالى الاسم لأمته - ﷺ - فقال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤) فمن الخطأ تسميت المسلمين بغير الاسم قياسا على أتباع الديانات الأخرى، كما يفعل المستشرقون فيطلقون اسم (المحمدية) على (الإسلام)، واسم (المحمدين) على المسلمين، وينبغي للمسلم أن يجهر بإسلامه ويعلنه ويعتز به كما في القرآن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥).
ومحمد ﷺ هو أول المسلمين من هذه الأمة، وهو أولى بالأنبياء من أتباعهم الذين حرفوا تعاليمهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦).
_________________
(١) آل عمران آية:١٩.
(٢) آل عمران آية: ٨٥.
(٣) الأعراف آية: ١٥٧.
(٤) الحج آية:٧٨.
(٥) فصلت آية: ٣٣.
(٦) آل عمران آية:٦٨.
[ ٢ / ٥٩١ ]
وقال ﵊: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة" (١). وقال ليهود: "أنا أولى بموسى منكم" (٢).
وكما أن الرسالة الخاتمة امتدت بآفاقها الرحيبة إلى الماضي، فاعترفت برسالات الأنبياء السابقين في التاريخ، فإنها اختصت بعمومها فهي لسائر البشر وليست خاصة بقوم معينين وهي دين الحاضر والمستقبل وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣).
وقال ﵊: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (٤) وفي رواية مسلم "وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون" (٥).
فالرسالة الخاتمة دعوة لوحدة الإنسانية تحت راية التوحيد لا تعترف بالطبقة، ولا بالعنصرية، ولا باختلاف اللون والعرق واللغة، بل هي تتجاوز كل ذلك تحقيقا للمساواة التامة بين البشر، وتوحيدا لموكب الإيمان في طريقه إلى الله.
ونظرا لأن رسالة محمد ﷺ عامة، تمتد في المكان لتشمل المعمورة، وفي الزمان لتستغرق ما بقي من تاريخ الإنسان، فقد تكفل الله بحفظها من التحريف والتبديل والضياع، وهكذا حفظ كتاب الله الخالد "القرآن الكريم" وحفظت سنة المصطفى ﷺ منذ أربعة عشر قرنا، فصار بوسع الأجيال المتلاحقة أن تعرف حقيقة الإسلام وتفاصيل العقيدة والشريعة كما عرفتها الأجيال الأولى دون اختلاف.
قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ١٤٢ واللفظ له وصحيح مسلم حديث رقم ٢٣٦٥.
(٢) متفق عليه (صحيح البخاري ٤/ ١٢٦) وصحيح مسلم حديث رقم ١١٣٠.
(٣) سبأ آية:٢٨.
(٤) صحيح البخاري ١/ ٨٦.
(٥) صحيح مسلم ١/ ٣٧١ حديث رقم ٥٢٣.
(٦) الحجر:٩.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
ومعجزة الرسالة الإسلامية الخالدة هي القرآن الكريم، فهي معجزة دائمة باقية، ظاهرة الإعجاز في كل زمان ومكان، وكانت رسالات الأنبياء من قبله موقوتة محدودة بالزمان والمكان، فكانت معجزاتهم حسية تهدف إلى قهر وتعجيز من يحضرها في حينها، ويشهدها عند حدوثها، كما هو ظاهر من معجزات موسى ﵇، حين ضرب البحر بعصاه فانفتح أمامه طريق العبور وسط الماء، وكما هي معجزات عيسى ﵇ حين يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله فمن لم يشهد هذه المعجزات فإنه لا يذعن للحق ولا يتبع النبي .. أما معجزة الرسول الكريم فكانت معجزة خالدة لخلود الرسالة، باقية - بحفظ الله - بقاء الحياة، تذعن لها العقول المستنيرة والقلوب الواعية في كل زمان ومكان، ويتذوق بيانها وبلاغتها الفصحاء والبلغاء فهي معجزة بيانية بلاغية تحدث العرب وقت النزول وبعده، وهم أمة البيان، فعجزوا عن إجابة التحدي عبر العصور (١). وقد أشار المصطفى ﵊ إلى اختلاف معجزته عن معجزات الأنبياء من قبله فقال: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما الذي أوتيت وحيا أوحي الله، إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) (٢).
وقد كثر أتباع الرسول ﷺ على مر القرون حتى بلغوا في الوقت الحاضر ربع سكان المعمورة، ولو أنهم التزموا بتعاليم النبي الكريم في عقائدهم وسلوكهم ونظمهم، وأدركوا مسئوليتهم في الدعوة إلى دين الله لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، ولحققوا السعادة لأنفسهم في الدنيا ونالوا مغفرة الله ورضوانه في الآخرة.
لقد قطع الإسلام بختم النبوات بنبوة محمد ﷺ الطريق أمام أدعياء النبوة، وضيق مسالك نشر دعواتهم الباطلة بأن هيأ الأذهان لعدم قبولها، وكذلك قطع
_________________
(١) انظر إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني.
(٢) متفق عليه واللفظ لمسلم (صحيح البخاري ٦/ ٩٧، وصحيح مسلم ١/ ١٣٤ حديث رقم ١٥٢).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الطريق على الأفكار السلبية التي تدعو للإبقاء على الأوضاع الظالمة وعلى الشر والفساد لحين ظهور نبي أو إمام منتظر. فلم يبق أمام المسلمين إلا العمل الدائب وفق هدي النبي محمد ﷺ دون انتظار لوحي جديد.
القرآن معجزة الرسول الخالدة:
القرآن هو كتاب الله المنزل على نبيه لفظا ومعنى، وهو قطعي الثبوت لتواتر نقله، ولوعد الله بحفظه.
ولم يكن النبي ﵊ يعرف الكتاب ولا الإيمان قبل أن يوحي إليه القرآن الذي جعله الله تعالى يهدي به عباده إلى الصراط المستقيم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وقد سئل ابن مسعود ﵁: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢).
وتدلنا رواية أحمد والنسائي على أن عبد الله بن مسعود تعلم هذا التعريف للصراط المستقيم من رسول الله ﷺ، فقد قال ابن مسعود: خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال:
_________________
(١) الآية رقم ٥٢ من سورة الشورى.
(٢) أخرجه رزين موقوفا على عبد الله بن مسعود، ومعناه عند الإمام أحمد والنسائي مرفوعا إلى النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
ومعنى كلام ابن مسعود أن النبي ﷺ ترك أصحابه بعد أن أخذ بأيديهم إلى طرف الطريق المفضية إلى الجنة، فتركهم على المحجة البيضاء والسنة الزهراء، لكن هذه الطريق تحتاج إلى الاستقامة عليها حتى النهاية، وعدم سلوك أية جادة مما يتشعب عنها نتيجة الإفراط والمبالغة والتعمق، أو نتيجة التفريط ورقة الدين وإتباع الهوى حيث يحاول أهل الأهواء دعوتهم وإغراءهم بسلوك الطرق المتفرقة والشاذة التي تبعد بهم عن الجنة، فطريق السنة هو أقصر الطرق إلى الجنة.
والوحي: بمعنى، الإيماء، وهو لغة: الإعلام بالشيء سرا، وشرعا هو الإعلام بالشرع وهو خاص بتعليم الله للأنبياء بواسطة ملك، أو بدون واسطة إما بإلقاء المعنى في النفس وهو الإلهام، وإما بالكلام من وراء حجاب أي بدون رؤية كما حدث لموسى -﵇-.
وكان الرسول ﷺ يشاهد جبريل -﵇- إما على صورته الحقيقية وهذا نادر، وإما متمثلا في صورة بشر فيكلمه فيعي ما يقول، وهو أيسر الوحي عليه، وتارة لا يراه بل يسمع عند قدومه دويا وصلصلة شديدة، فيدرك من عنده من الصحابة أنه يوحى إليه بثقل بدنه وتفصد جبينه عرقا، وأحيانا بسماع دوي كدوي النحل عند وجهه، وكان ﷺ يسمع صلصلة الجرس ويجد من ذلك شدة - فإذا قضي جبريل رسالة ربه عاد النبي ﷺ إلى حالته العادية، ونظرا لحب النبي ﷺ حفظ القرآن ولشدة الوحي عليه من ناحية أخرى، فإنه كان ينازع جبريل القراءة ولا يصبر حتى يتمها مسارعة إلى الحفظ لئلا ينفلت منه شيء، فنزل قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (١).
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" (٢).
_________________
(١) القيامة:١٦.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري ١/ ٢٣).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
ويدل حديث عائشة - ﵂ - على أن الرؤيا الصادقة للنبي ﷺ كانت وحيًا، وكانت أول الوحي إيناسا للرسول ﷺ فهي أخف وقعا على نفسه البشرية كما أنها تهيئة لتلقي شدائد الوحي في اليقظة.
والوحي المحمدي نظير الوحي إلى الأنبياء قبله لا تباين فيه. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. وكان رسول الله ﷺ قد حبب الله إليه العزلة في غار حراء يتعبد متبعا الحنيفية، وهي دين إبراهيم ﵇، فيبقى في الغار مدة شهر، ثم يرجع إلى أهله ليتزود بالطعام أخذا بالأسباب، وقد تكررت خلوته في غار حراء حتى جاءه الوحي وهو في الغار معتكفا في شهر رمضان، وقد طلب منه الملك أن يقرأ. فأجاب: ما أنا بقارئ، إذ كان رسول الله ﷺ أميا لا يقرأ. والأمية من دلائل معجزته، وأبعد الله تعالى بها عنه شبهة الأخذ عن الكتب السابقة، فأمسك به الملك وضمه ضما شديدا مكررا طلبه منه أن يقرأ. ثم أوضح له أن يقرأ عن ظهر الغيب لشيء لم يسبق له حفظه، بل يتعلمه في الآن بأمر الله، وهي الآيات الخمس من صدر سورة العلق - وهي أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، ونزل باقي سورة العلق بعد ذلك بسنين، وأما أول سورة نزلت بتمامها فهي الفاتحة على المشهور - فرجع النبي ﷺ بهذه الآيات الخمس يرتجف قلبه فطلب من زوجته أن تدثره، ففعلت حتى ذهب عنه الفزع، وأخبرها الخبر، ولم يكن ذلك عن شك بما أوحي إليه، بل للمفاجأة التي لم يكن يتوقعها، ولما أبدى لخديجة ﵂ خشيته أقسمت له أن الله لا يعرضه للذل والهوان والفضيحة، وذكرته بحسن أخلاقه، فهو يصل الرحم ببر أقربائه والإحسان إليهم، ويعين المحتاج، وينال معالي الأمور والسبق إلى المكرمات، ويقري الضيف، ويعين صاحب الحق على بلوغه فمن كان هذا شأنه لا يخزيه الله بل يرفعه مكانا عليا. ثم إن خديجة انطلقت به إلى ورقة بن نوفل، وكان نصرانيا عالما بالعربية والعبرية، وله اطلاع على التوراة والإنجيل حيث كان متمكنا من نقل التوراة من العبرية إلى العربية، وكان شيخا
[ ٢ / ٥٩٦ ]
قد صقلته التجارب والنظر في الكتب، فلما سمع من النبي ﷺ خبر ما رأى أدرك حقيقة الأمر فصرح بأنه وحي مثل الوحي الذي تلقاه موسى ﵇، وتمنى ورقة لو عاد شابا ليتمكن من نصرة النبي ﷺ على قومه حين يخرجوه من مكة، ثم أدرك استحالة ذلك لشيخوخته فتمنى لو يدرك ذلك اليوم فقط، واستغرب النبي ﷺ من كلام ورقة فقومه يحبونه وينادونه بالصادق الأمين فكيف يخرجونه من بلده!، فسأل ورقة: أو مخرجي هم؟ فبين ورقة: أن هذه هي سنة الحياة، فما من نبي دعا قومه إلى نبذ الجاهلية وتوحيد الله بالعبادة والطاعة إلا عادوه، وآذوه وتوفى ورقة وانقطع الوحي فترة - قال الشعبي إنها سنتان ونصف السنة - وحزن النبي ﷺ على انقطاعه حتى عاوده الوحي آمرا له بالدعوة والإنذار ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. وكان ذلك في بيت خديجة - ﵂ -.
وهكذا بدأت مرحلة الرسالة وقد سبقتها ثلاث سنوات هي مرحلة النبوة.
ومع نزول الوحي المحمدي عرف البشر مصدرا للتلقي والعلم عن الله ﷿، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تكفل الله بحفظه لينير لأجيال العالمين الطريق الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم صراط الله العزيز الحميد.
تكفل الله بحفظ القرآن
وقد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم من أن يزاد فيه ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو من أحكامه وحدوده وفرائضه، فهو الكتاب الخالد المحفوظ بحفظ الله له على تعاقب الزمان واختلاف السكان، فما دام القرآن دستور الرسالة الإسلامية، وما دامت الرسالة الإسلامية لكل البشر، في كل الأزمان والأصقاع، فإن حفظ القرآن وخلوده لازم ودائم دوام الرسالة نفسها. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١)
_________________
(١) الحجر: ٩.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
ونظرا لطبيعة الإسلام التي تحمل الإنسان المسئولية، وتطلب منه بذل الجهد في الوصول إلى الحق والحفاظ على المبدأ والجهاد في سبيل الرسالة، فإن الله تعالى هيأ للقرآن الكريم كل لوازم حفظه وخلوده، فمنذ كان الوحي الأمين يلقي الآيات القرآنية على سمع النبي الأمين، بينت آيات كريمة أن الله يتكفل بحفظ النبي لهذه الآيات ونبهت الرسول إلى ألا يسترسل في بذل الجهد العنيف في الانتباه والتحفز النفسي والشد العقلي الكثير خوفا من تفلت آيات الوحي منه وعدم القدرة على حفظها قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
لقد حفظ النبي ﷺ القرآن الكريم، وكان جبريل يتعاهده به ويعرضه عليه في رمضان من كل عام، وكان النبي ﷺ يملي ما ينزل عليه من الآيات على الكتاب من الصحابة منذ المرحلة المكية.
وقد بلغ عدد كتاب الوحي تسعة وعشرين كاتبا أشهرهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير بن العوام وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وأبي بن كعب ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت ومعاوية وزيد كانا أكثر التصاقا بهذه المهمة الخطيرة، وكانت الكتابة في الغالب على قطع الجلد وأكتاف العظام وجريد النخل وصفائح الحجارة، إذ لم يكن البردي متوافرا آنذاك في الحجاز.
وكان كتاب الوحي يحتفظون بما يكتبونه عندهم، ولم تكن ثمة نسخة عند الرسول ﷺ نفسه، وقد جمع القرآن أربعة من الأنصار هم أبي بن كعب ومعاذ ابن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد (١) من الصحابة في حياة الرسول ﷺ، ولكن كانت الرقاع متفرقة بينهم، وكانت بمجموعتها تشتمل على نص القرآن الكريم كاملا كما أملاه الرسول ﷺ، وكما كان محفوظا في صدور الكثيرين من الصحابة إلى حد التواتر
_________________
(١) البخاري: الصحيح، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي ﷺ ٩/ ٤٧ وكتاب المناقب، باب مناقب زيد بن ثابت ٧/ ١٢٧.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وقد حظي بعض الصحابة بالعرضة الأخيرة للقرآن الكريم حيث عرض جبريل القرآن على الرسول ﷺ عام وفاته في رمضان مرتين، وعرضه الرسول على بعض الصحابة منهم زيد بن ثابت، وميزة هذه العرضة أنها تمثل نص القرآن الخالد دون الآيات التي نسخت تلاوتها.
وكان هذا مما رشح زيد بن ثابت للقيام بجمع نسخة كاملة من القرآن الكريم بأمر من الخليفة أبي بكر الصديق تنفيذا لاقتراح قدمه عمر بن الخطاب (رض الله عنهما).
قال أبو بكر لزيد: (إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه) (١). فقام زيد بهذه المهمة بكل دقة، واعتمد على ما كتب في حياة الرسول ﷺ على أن يشهد شخصان بأن المكتوب من إملاء الرسول ذاته وأنه جزء من التنزيل في صورته النهائية.
وهكذا تم الجمع الأول للقرآن الكريم في خلافة الصديق، وانتقل المصحف من الصديق إلى عمر بن الخطاب الذي أودعه لدى حفصة أم المؤمنين عند استشهاده. فلما بويع عثمان ﵁ بالخلافة قام بالجمع الأخير معتمدا على المصحف الذي عند حفصة مع تشكيل لجنة من زيد بن ثابت الذي تولى الجمع الأول ومعه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، ويلاحظ أن الثلاثة الأخيرين من قريش، في حين أن زيد بن ثابت أنصاري ويفسر طبيعة تكوين اللجنة ما ذكره عثمان من قاعدة العمل: (ما اختلفتم فيه وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم).
وقد أتمت اللجنة عملها بنجاح ونسخت ست مصاحف وزعت أربعة منها على مكة والشام والكوفة والبصرة، وبقي المصحف الخامس في المدينة والسادس لدى عثمان .. وصارت المصاحف تنقل عنها عبر القرون التالية ويقال لرسمها (الرسم العثماني) نسبة إلى الخليفة عثمان بن عفان ﵁.
_________________
(١) صحيح البخاري ٦/ ٩٨ وانظر التفاصيل في الاتقان للسيوطي ٧٦.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وقد استمر علماء المسلمين طيلة القرون يبذلون جهودا عظيمة في خدمة المصحف، بإضافة النقط والشكل إلى الرسم العثماني الذي كان خاليا منهما، ويرجع الفضل في ذلك إلى أبي الأسود الدؤلي الذي وضع النقاط فوق الحروف لتمييزها، وإلى نصر بن عاصم الليثي ويحي بن يعمر العدواني اللذين وضعا الحركات فوق الحروف لمنع اللحن فيها، ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي ليجعل الشكل على صورته الحالية.
ولم تقتصر جهود العلماء في خدمة المصحف على النقط والشكل وإنما عرفوا بمواضع الوقف والابتداء، ووضعوا العلوم المتنوعة لخدمته مثل التفسير وعلوم القرآن والتجويد ومعرفة القراءات وشرح غريب القرآن وكتب إعراب القرآن، فتكونت مكتبة نفيسة في العلوم القرآنية وما زال اللاحقون يضيفون فيها إلى جهود السابقين تحقيقا لإرادة الله في حفظه وبيانه.
وقد آثار حفظ القرآن بهذا الإتقان على مر الأزمان دهشة وإعجاب المنصفين من علماء الشرق والغرب فقال لوبلوا: "من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام بتدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة".
إنَّ هذه الجهود التي سخرها الله تعالى لحفظ القرآن تحقيقا لوعده قد أفلحت في إيصال النص القرآن كاملا إلى الأجيال المتعاقبة حتى اليوم، في الوقت الذي وقع التحريف على سائر الكتب السماوية الأخرى والتي كتبت بعد أزمان طويلة من حياة أنبيائها.
لقد ظل القرآن الكريم يغذي عقول وأرواح المسلمين، ويدخل الطمأنينة والقدرة على مواجهة صعاب الحياة إلى نفوسهم، ويذكي فيهم الطموح إلى المعرفة والاندفاع لبناء الحضارة وتشييد المدنية، ويهيئ لهم أسباب ذلك كله، بما حواه تشريعه من قوانين الأخلاق، ومبادئ الاجتماع، وإقرار العدل، وتحقيق السلام في داخل النفس وفي إطار المجتمع، فضلا عن حفاظه على اللغة العربية التي توحَّد أمة الإسلام، وتسهم بآدابها في توحيد ثقافتهم ومقاييسهم
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الخلقية والاجتماعية وأذواقهم الأدبية والفنية، فلا غرابة إذا ما عبَّر مفكر غربي هو الدكتور موريس عن إعجابه بقوله (إن القرآن أفضل كتاب أخرجته العناية الإلهية الأزلية لبنى البشر).
أثر القرآن فى تبصير الإنسان:
إن القرآن يفتح للمؤمن آفاقا بعيدا لاستشراف الحق والخير إذا سلك العبد سبيل الهداية ومجاهدة النفس، وبإلزامها المعروف وتجنبيها المنكر،أو بتعبير آخر بإقامتها على السنة التى سنها محمد -ﷺ- وتنفيرها من البدعة،فهذه المجاهدة للنفس والأخذ بها فى مسالك الهداية والنور تفضي إلى انفساح الآفاق أمام النفس لزيادة الصعود والارتقاء، والإشراق .. فكلما زادت المجاهدة قويت البصيرة وعظمت معرفة الإنسان بالله ثم بالنفس وبالعالم من حوله.
وفعل الأوامر واتباع المواعظ يفضى إلى الأجر العظيم فى الدنيا الآخرة، ويفضى إلى زيادة الهداية والاستقامة على نهج الحق.
لقد علم الله تعالى عباده المؤمنين أن يدرسوا أنفسهم، ويحللوا دوافع سلوكهم، ويتبصروا فى خطرات النفس، ويستشرفوا نوايا أعمالها وكانت آيات القرآن الكريم تتابع فى رسم منحنيات النفس وبيان مكامن القوة ومواطن الضعف فيها قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٣).فكان هذا التوجيه دافعا لظهور مدارس علم النفس فى الإسلام، ذلك العلم الذى زرع المسلمون الأوائل جذوره وأهمل الخلف تعهد تلك الجذور .. فلم يصل إلى غاياته إلا فى حضارة الغرب
_________________
(١) العنكبوت:٦٩.
(٢) محمد:١٧.
(٣) النساء:٦٦ - ٦٧.
[ ٢ / ٦٠١ ]
ومفاهيمها،مما حرفه عن الطريق الأصيل الذى وجه إليه القرآن أتباعه، وبهذه الصورة الجاهلية استورده المسلمون فيما استوردوا من ثقافة الغرب، مما كان له أثر خطير فى تشويه صورة الإنسان ودوافع سلوكه لدى مدرسة التحليل النفسي الفرويدية.
إن الخواطر التى تبعث على إرتكاب الجريمة تبدأ بتسويل من النفس لتطويع المجرم،قال تعالى على لسان أبي يوسف ﵇: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١) ومن يقرأ قصة يوسف ﵇ فى القرآن يجد تحليلا دقيقا لكوامن الغيرة والحسد فى نفوس إخوة يوسف، ويجد عواطف الأبوة والرحمة والحب والأمل بالله وعدم اليأس من روحه فى نفس يعقوب، ويجد تحليلا لشخصية بعض النساء ممن ينتمين إلى طبقة الحكم بمصر فى ذلك العصر، بل ويقرأ تعبيرا للرؤيا التنبؤية التى هى جزء من الوحى.
وفى قصة قتل قابيل لأخيه هابيل تطالعنا دوافع أول جريمة قتل على الأرض بسبب الحسد، عندما تقبل الله تعالى قربان هابيل ولم يتقبل من الآخر، وهنا يبرز الدافع النفسي لارتكاب الجريمة تلعب فيه النفس الأمارة دورا بارزا قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ (٢) لكنه سرعان ما ندم على ما فعل، فأراد أن يقدم الإحسان للقتيل،ولم يأب أن يتعلم من الغراب طريقة الدفن ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (٣) وهكذا كشفت قصة ابنى أدم عن النفس الأمارة والنفس اللوامة فى لقطة سريعة وبعبارات وجيزة تكشف عن أغوار الإنسان وتعرفه بذاته. وبذلك تتقدم به نحو الرشد الفكرى، بتكوين معتقداته الأساسية التى تمنع وقوعه فى التيه،والاحساس بعبثية الحياة ولا جدوى الوجود، أو عدم معقولية العالم التى سقط ضحيتها الكثيرون من أبناء القرن العشرين، عندما ضاعت منهم حقائق الدين فى تثبيت أهداف الخلق والحياة،وتحديد قضية مصير
_________________
(١) يوسف:٨٣.
(٢) المائدة:٣٠.
(٣) المائدة: (٣١).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
الإنسان،وأخلاقيات السلوك المترتبة على تقرير قضية المصير ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (١).
إن منهج القرآن فى تعريف الإنسان بذاته يرتكز على الصراحة والحق، فيكشف عن جوانب سلبية كما يكشف عن جوانب إيجابية
ويوضح أن جوانب السلب والإيجاب تكمن فى أعماق النفس وتتعايش داخلها،وقد يظهر جانب على آخر ويطغى بقوته عليه ويبقى الجانب الآخر فى أغوار الإنسان قال تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٢) وبين أن الطغيان يجر الإنسان إلى الكفر والرغبة فى الاستغناء عن الله قال تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣) وقال ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) وقال ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٥) وقال ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (٦) وكاشف القرآن الإنسان بحقيقة وجوده،ومصدر متاعبه وصراعاته فى هذه الحياة، وإنه مخلق للمكابدة والتعب والنصب قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٧) فالدنيا دار امتحان وابتلاء وتمحيص، وعلى الإنسان أن يسعى لخلاص روحه ونفسه، بتوحيد الله وطاعته وعبادته وشكره واستغفاره، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٨) وقال تعالى ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ (٩) وقال تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١٠) وكما أن الإنسان لديه استعدادا للطغيان فإن لديه أيضا قابلية للخضوع والاستخذاء قال تعالى عن قوم فرعون وقومه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (١١) وهكذا فإن القرآن انكر الطغيان كما انكر الاستخذاء،وهما خلقان متلازمان فى المجتمعات، فحيثما يوجد أحدهما يوجد الآخر، وليس من منجى سوى الاستجابة لداعى الله فى التزام الحق والعدل والرحمة والخير، قال تعالى ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٢) وإذا أسرف الإنسان على
_________________
(١) المؤمنون: ١١٥.
(٢) الشمس: ٧ - ٨.
(٣) العلق: ٦ - ٧.
(٤) سبأ: ١٣.
(٥) العاديات: ٦.
(٦) عبس: ١٧.
(٧) البلد: ٤.
(٨) النجم: ٣٩.
(٩) القمر: ٣٥.
(١٠) نوح: ١٠.
(١١) الزخرف: ٥٤.
(١٢) الأحقاف: ٣٢.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
نفسه ونأى جنبا عن ربه، فإن باب التوبة مفتوح أمامه للعودة ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (١).
إن ما جُبلت عليه النفس الأمارة من سوء يقتضى من الإنسان الحذر منه ومدافعته، وإلا سقط فى المحذور وارتكب جرما بحق نفسه، أو بحقوق من حوله أو بحق الله تعالى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢) وقد لا يبدو السوء ظاهرا للعيان، بل مستورا بالخديعة والمكر، مزخرفا بالتزيين والتحسين، يحتاج الكشف عنه إلى العمل والتثبيت والعرض على كتاب الله تعالى وسنة المصطفى -ﷺ- وإجماع العلماء. قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وسمى القرآن هذا التزيين وسوسة كما فى قول الله تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ (٥).ولا شك أن قدرة الناس على معرفة الخير الخالص والحق المحض ليست واحدة، بل يتبع ذلك بصيرتهم ومعرفتهم بالشرع وتمييزهم للخير وللشر، فكلما تيقظت بصائرهم وزادت تقواهم وعظمت معرفتهم بالشرع وحدوده،ازدادوا قدرة على تمييز نفحات الخالق وخطرات الخير، من وساوس الشيطان وتزيينه ونفثات النفس الأمارة ومكايدها.
ولا عذر لمن غفل عن الله وأهمل التعرف على أحكام الشرع بادعاء الجهل، فإن الله تعالى ذم أولئك الذين يلتبس عليهم الخير والشر ويفقدون القدرة على الرؤية الصحيحة فقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٦) وقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (٧).
وكيف يعذر من بلغته دعوة محمد -صلى الله عليه وسلم_ وفيها البيان والتبصير والمعرفة والتذكير، وقد قال ﵊: "إنَّ للشيطان لَمَّةً بابن أدم،
_________________
(١) الزمر:٥٣.
(٢) يوسف:٥٣.
(٣) الأنعام:٤٣.
(٤) الناس:٥.
(٥) الأعراف:٢٠.
(٦) الكهف:١٠٤.
(٧) فاطر:٨.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وللمَلَك لَمَّةً،فأما لَمَّةُ الشيطان فإيعادُ بالشر وتكذيب بالحق، وأما لَمَّةً المَلَك فإيعاد بالخير وتصديقُ بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله،فليحمَدِ الله،ومن وجد الأخرى فليتعوَّذ بالله من الشيطان ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ (١)﴾ " (٢).
ولكن معرفة الخير والحق الذى يخطر بنفس المؤمن لا تتم إلا بمعرفة الدين عقيدةً وشريعةً، نظرًا وتطبيقًا، لذلك أرسل الله الرسل لتبصير العباد وإنارة الدرب أمامهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٣).
خلو القرآن من التعارض:
ولا شك أن كلام الله تعالى وكلام رسوله المبلغ عنه يخلو من التناقض الذى قد يقع فى كلام البشر. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤)
لأن علم الله تعالى محيط، وإنما يقع فى التناقض من يقصر عن الإحاطة العلمية، أو يغفل عن جزئية فتشذ عن قاعدة يقعدها، أو استقراء يقوم به،وأما الله الذى أحاط بكل شيء علمًا، والذى لا يعزب عنه مثقال حبة فى الأرض ولا فى السماء، فمحال فى حقه التناقض والاختلاف فى القول، وكذلك رسول الله -ﷺ- فإن من المحال أن يتناقض فى كلامه، ولا يدخل فى ذلك أن ينسخ قوله اللاحق قوله السابق فإن النسخ وقع فى الكتاب والسنة معًا فى عصر التنزيل، ولكن قصور علم الإنسان المتلقى عن الله ورسوله وعدم إحاطته بالنصوص لكثرتها أو لعدم وصولها إليه أو لقصوره عن فهمها وحسن توجيهها توجيها صحيحا، أو لقلة بضاعته اللغوية أو عدم إتقانه الصناعة النحوية، أو لعدم معرفته بقواعد إزالة التعارض التى قعَّدها العلماء من المحدثين
_________________
(١) البقرة: ٢٦٨.
(٢) رواه الترمذى: السنن٥/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٣) النور:٥٤٧.
(٤) النساء:٨٢.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
والأصوليين،مما عنونوا له بـ "تأويل مختلف القرآن" و"تأويل مختلف الحديث".
والمؤمن الواعى يتبع السلف الصالح فى طرائق البحث والاستنباط والترجيح. وإلا تاه وسط آلاف الروايات فى مجلدات التفسير والحديث. فإن استغلق عليه فهم أمر عقدي أو شرعي فليقل كما علمنا ربنا تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١).
حول ما يزعم من وجود الإعجاز الرياضى فى القرآن:
قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢).
لقد جائت هذه الآيات فى سورة المدثر بعد ذكر موقف الوليد بن المغيرة من الإسلام،وقوله عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٣).وكان الوليد من رجلات قريش،كثير المال والولد، حسن المعرفة بالشعر،وبأفانين الكلام، مما يجعله واعيا لكلام الله تعالى مميزا له،لكنه آثر الكفر عنادا منه للحق، واستكبارا وبطرا وجحودا للنعم العظيمة التى أنعمها الله عليه، مع أنه كان يطمع فى المزيد من النعم، ولعله كان يطمع فى النبوة بعد أن نالته حظوظ الدنيا شبع منها. فيكون الحسد أحد بواعث إنكاره لنبوة محمد -ﷺ-،فمضى يعين قومه فى دعايتهم ويوجههم فيها، مدعيا أن القرآن سحر يأخذه الرسول -ﷺ- عن غيره، ويؤكد لهم أنه لقول بشر كما يذكر القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٤).
_________________
(١) آل عمران:٧.
(٢) المدثر:٢٦ - ٣١.
(٣) المدثر:٢٥.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
مع أن المغيرة كان يعلم تماما أنه ليس من كلام البشر، فقد وَضَّحَ لقومه مباينة القرآن لكلام الكهان ومفارقته لشعر الشعراء، ومن هنا توعده الله تعالى بأن يصليه سقر وهو اسم علم لباب من أبواب جهنم، ناره لا تبقى من فيها حيا ولا تذره ميتا، بل تحرقه كلما تجدد خلقه ليخلد فى العذاب،وهى "لوَّاحة للبشر" تحرق البشرة، التى تتجدد دومًا،فتبقى حاسة المعذب كاملة،فلا تخف معاناته على الدوام،ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (١).
وقد أخبر الله تعالى رسولهﷺ- بأن سقر عليها تسعة عشر خازنا من الملائكة، وذلك أن أبا جهل ظنهم رجالا فزعم أن عدد قريش كثير، وأنهم يغلبون تسعة عشر رجلا، فبين تعالى أنهم ملائكة، وأن ذكر عددهم المحدود فيه فتنة للمشركين الذين استقلوا عددهم وطمعوا فى غلبتهم، وبين تعالى أن عدد خزنة النار مذكور أيضا في التوراة والإنجيل،وأن هذا الإتفاق فى العدد لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا،فيزيد يقين أهل الكتاب والمؤمنين بصحة نبوة أنبيائهم وصدق كتبهم، وأما المشركون فيزدادون شكا ونفاقا فى حقيقة البعث والنار التى وصفها القرآن بأنها تذكرة للبشر ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢).
ويتضح من النص القرآنى وكلام السلف فى بيان معناه أن عدد خزنة النار هم تسعة عشر خازنا، وأنهم من الملائكة، وأن الرقم "تسعة عشر" ليس لغزا غامضا ليأتى الباحثون فى القرن العشرين،فيدخلوا القرآن فى الكمبيوتر ثم يحلوا لغز الرقم، وعندها يتجلَّى لهم مالم يتجلَّ لرسول الله -ﷺ- من أوجه الإعجاز القرآنى -فيما يزعمون-!!!
فقد ظهرت خلال العقود الثلاثة دراسات مبينة على أنه ثمة إعجازا رياضيا فى القرآن، وأن هذا الإعجاز كشف عنه الكمبيوتر حيث أظهر أن ثمة خصوصية للرقم "تسعة عشر" فى القرآن حيث تبين الدراسات التى استعانت بالعقل
_________________
(١) النساء:٥٦.
(٢) المدثر:٣١
[ ٢ / ٦٠٧ ]
الآلى أن عدد حروف البسملة تسعة عشر حرفا، وأن كل كلمة منها يتكرر ذكرها فى القرآن تسعة عشر مرة، وأن فواتح السور وردت فى تسع وعشرين سورة، ومجموع حروف الفواتح أربعة عشر حرفا فيكون رقم جمعها سبعة وخمسين،وهو من مضاعفات رقم تسعة عشر.
ومن خلال التركيز على رقم تسعة عشر يظهر أن بناء القرآن يقوم على هذا الرقم قصدا مما يدل على الإعجاز الرياضى حيث يستحيل على إنسان أن يقيم نظما وفق رقم تسعة عشر ومضاعفاته مما يدل على الإعجاز.
وبناء على هذه المقدمات وصل الباحثون المعاصرون إلى نقض كلام المفسرين القدامى،بل ومعارضة النص القرآنى الذي بين أن خزنة النار تسعة عشر ملكا،بالقول بأن التسعة عشر التى ذكرت إنما هى عدد حروف البسملة وليست عدد خزنة النار.
وقد يبدو للسذج أن الكشف عن أوجه جديدة للإعجاز القرآنى يخدم قضية الإسلام والإيمان فى هذا العصر. ولكن الصحيح أنها تزيد من الحيرة والشك عندما تبنى استنتاجاتها على أسس واهية ومصادافات واتفاقات اعتباطية ساذجة، فالقرآن لا يحمل ألغازا يكشف عنها الكمبيوتر،ونبي الإسلام ﵊ لم يكن يجهل معانى القرآن وطريقة نظمه وأوجه إعجازه،ولم يخبر بأن ثمة أوجها للإعجاز سيكشف عنها الزمان .. والحق أنه ليس فيما ذكره الباحثون بواسطة الكمبيوتر ما يدل على وجود إعجاز رياضى،وإنما هى بحوث تلفيقية لجأت إلى ملاحظة ظواهر متكررة بالنسبة للرقم تسعة عشر، ويمكن أن يلاحظ هذا الأطراد والتكرار بالنسبة لأرقام أخرى فلا تبقى ثمة خصوصية للرقم (تسعة عشر)،وسواء أكان الحافز على مثل هذه الدراسات الرغبة فى الإثارة والتجديد،أو الارتباط بجهات مشبوهة يعنى الرقم تسعة عشر عندها معنى تحيطه الأسرار والألغاز،فإن على المسلم أن يحذر هذه الدراسات ولا يطمئن إلا لكلام أهل العلم المعروفين بالصدق والغيرة على دين الله.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
إن إعجاز القرآن فى نظمه وأسلوبه،وقد تحدَّى العرب-وهم أمة البلاغة والفصاحة- أن يأتوا بمثله فعجزوا،ودام التحدى عبر تاريخ الإسلام دون أن يحقق الأعداء استجابة ناجحة للتحدى .. ثم أن شريعة الإسلام بما تضمنته من أحكام عادلة وعبرت عنه من رؤية شاملة لمصالح البشر وتقدير لآمالهم وآلامهم،وتحديد دقيق لعلاقاتهم،وإبراز للحق والواجب،وكل ذلك بنى على مراعاة المصلحة والتيسير للناس ورفع الحرج عنهم ومنع التعسف والظلم. وكذلك فقد مضى على نزول القرآن أكثر من أربعة عشر قرنا دون أن يظهر العلم المتطور والبحث المتقدم أية تناقضات بين ما ذكره القرآن وما كشف عنه علم الإنسان النظرى والتجريبى فهذا كله دليل على أن القرآن من عند الله وليس كلام محمد -ﷺ-،بل أن الفرق واضح بين بين أسلوب القرآن وأسلوب الرسول كما يظهر فى أحاديثه. ومعروف لدى نقاد الأدب استحالة أن يكتب الكاتب بأسلوبين متمايزين تمايز أسلوبي القرآن والحديث. وهذه الأوجه تغنى عن محاولة افتعال أوجه أخرى للإعجاز مثل فكرة الإعجاز الرياضى التى لم تبن على حقائق العلم بل استغلت موافقات معينة لخدمة أهداف مريبة سواء اتصلت بتدعيم مكانة الرقم تسعة عشر عند البابيين والبهائيين،أو بالكسب المادى عن طريق الإثارة وادعاء التجديد مما يؤدى إلى رواج المنشور-وانخداع السذج بما فيها من معلومات غريبة ظاهرها خدمة الإيمان،وباطنها التشكيك والنقض لأقوال السلف بل ولصريح القرآن.
وقد حذَّر رسول اللهﷺ- من تفسير القرآن بالرأى دون دليل فقال: (من قال فى القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النار) (١).وقال ﵊: (من قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ) (٢).
_________________
(١) رواه الترمذى وقال: هذا حديث حسن (سنن٢/ ١٥٧).
(٢) رواه الترمذى: (سنن٢/ ١٥٧).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
إنَّ القرآن معجزة بيانية،وإن تشريعاته المحكمة دليل على أنه من عند الله ولكنه ليس المعجزة الوحيدة لمحمدﷺ- كما ذهب إلى ذلك البعض من مؤلفى السيرة النبوية المعاصرين (١). بل ثمة معجزات أخرى ثابتة بأحاديث صحيحة لا يمكن ردها أو تأويلها،وليس من داع لإنكارها سوى الخضوع لمنهج البحث المادى الذى ينكر ما وراء الطبيعة من عالم الغيب والروح.
وفيما يلى أعرض للمعجزات الحسية التى جرت فى عصر السيرة.
_________________
(١) منهم الدكتور محمد حسين هيكل فى كتابه (حياة محمد).
[ ٢ / ٦١٠ ]
معجزات الرسول الحسية
كان المشركون يطالبون رسول الله -ﷺ- بالآيات الحسية التى تخرق سنن الحياة وقوانين الطبيعة، وكانوا يقصدون من وراء طلبهم إظهار عجزه عن ذلك والسخرية منه ولعل المؤمنين-وقد ضاقت بهم السبل-كانوا يتطلعون إلى الاستجابة لطلب المشركين رجاء إيمانهم،خاصة أن المشركين كانوا يحلفون ويؤكدون بأنهم سيستجيبون للإسلام حال ظهور المعجزات الخارقة. لكن الإسلام لم يعتمد على المعجزات الخارقة فى اجتذاب قلوب الناس إلى الإيمان، بل اعتمد على إقناع عقولهم واجتلاب قلوبهم وملء وجدانهم بمعانى القرآن، الذى يمثل المعجزة الدائمة الباقية، مما يمكن الأجيال المتعاقبة إلى التأثر بهذه المعجزة البيانية،وما تحمل من معانى الحق والصدق، وما تزخر به من سمو التشريع،وحسن الإرشاد إلى مكارم الأخلاق،فضلا عن قوة التأثير الروحى والنفسي فى السامع والقارئ.
وقد أخبر الله تعالى بأن المشركين لن يؤمنوا حتى لو جاءتهم المعجزات الخارقة، لأن الله تعالى يقلب افئدتهم وأبصارهم،ولا يريد هدايتهم،فهم أهل عناد واستهزاء وجحود للحق، مثلهم لا يستسلم للحق مهما وضح لهم وسوف يجدون لكل آية تأويلا،ولكل معجزة تفسيرا،إذ أنهم طبعوا على الكفر والتمرد على الله تعالى،ومن كان هذا حاله لا يعدم التأويلات والتفسيرات والظنون والتقولات قريبة وبعيدة. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١).
_________________
(١) الأنعام:١٠٨ - ١١٠.
[ ٢ / ٦١١ ]
وما دامت الهداية بيد الله وحده، فمن لم يشأ أن يهديه لا يهتدى حتى ولو رأى الملائكة عيانًا وكلمه الموتى جهارا وعاين كل شئ معاينة فانجلى له الأمر تماما،وهذا فيمن كتب الله عليهم الشقاء،وأما من كتب لهم السعادة والإيمان فهم الذين استثناهم الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقد أكد القرآن على هذه الحقيقة فى آيات كثيرة .. فقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ (١).
وهنا يكشف الله تعالى عن حقيقة أخرى هى سنته فى الكافرين إذا جحدوا المعجزة الحسية،فهو يعجل لهم العقاب ولا يفسح لهم الوقت للتوبة،فكان عدم إجابة طلب المشركين رحمة بهم وإنظارا لهم ليثوب إلى الحق من كتبت له السعادة والإيمان،وأما أهل الشقاء فلن تغير المعجزات مصيرهم مهما بلغت عظمتها واتسع خرقها لقوانين الحياة والطبيعة، وكما قال تعالى فى آية أخرى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (٢).
وهكذا حتى لو استجاب الحق لطلب المشركين المعجزات الحسية،فإنهم سيتأولونها بأعمال السحرة، ويبطلون حجيتها عنادا واستكبارا،تحقيقا لما كتبه الله عليهم من الشقاء.
وهكذا فإن المعجزة القرآنية انفردت بالظهور والتأثير الكبير،لما تتسم به من خلود يتسق مع خلود الرسالة الإسلامية وعمومها، أما بقية المعجزات الحسية فقد ظهرت غالبا للصحابة رضوان الله عليهم، وكان أمر النبي -ﷺ- لهم بينا، وقد استجابوا لدعوته قبل ظهورها،فلم تكن سببا فى إيمانهم،وإنما كان إطلاعهم على أحواله عليه الصلاة واسلام وكرامته على الله تعالى مما يزيد فى انشراح صدورهم وطمأنينة قلوبهم، بل كثيرا ما وقعت المعجزات الحسية لإزالة الكرب
_________________
(١) الأنعام:٧ - ٨.
(٢) الحجر:١٤.
[ ٢ / ٦١٢ ]
عنهم أو سد جوعهم أو إلحاق الهزيمة بعدوهم. أما المعجزة القرآنية فكانت تحديا مباشرا للكفار وسببا فى إسلام من أسلم منهم بالإضافة إلى تأثير شخص النبي-صلى لله عليه وسلم- فى حسن خلقه الجم،ولطف حديثه،وكمال معانيه وسدادها.
قال ابن تيمية -﵀- فى كتاب النبوات: "والقرآن مما يعلم الناس -عربهم وعجمهم - أنه لم يوجد له نظير له مع حرص العرب وغير العرب على معارضته، فلفظه آية، وأخباره آية، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية، وإذا ما ترجم بغير العربي كانت معانيه آية، كل ذلك لا يوجد له نظير فى العالم" (١).
وهذا تفصيل جميل لأوجه الإعجاز القرآنى لفظا ومعنى، وقد بين الرسول -ﷺ- مكانة المعجزة القرآنية فى دعوته،وأنها الغالبة على سائر معجزاته فقال: "ما من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى،فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" (٢).
ورجاؤه -ﷺ- أن يكون أكثر اتباعا ممن سبقه من الأنبياء لخلود رسالته،وخلود معجزاته القرآنية التى تكفل انضواء اتباع جدد تحت رايته حتى قيام الساعة.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥).
_________________
(١) ابن تيمية: النبوات ١٦٤.
(٢) متفق عليه (صحيح البخارى٩/ ٣ وصحيح مسلم١/ ١٣٤).
(٣) الإسراء:٨٨.
(٤) هود:١٤.
(٥) يونس:٣٨.
[ ٢ / ٦١٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٢).
وهكذا تحدى القرآن الأجيال البشرية عبر القرون بأن يأتوا بمثل هذا القرآن،أو بعشر سور مثله أو بسورة مثله،أو بحديث مثله، فلم يجب أحد على تحديه، فبان أنه أنزل بعلم الله.
إن إنكار البعض للمعجزات الحسية غير القرآن لا وجه له،فقد ثبتت بالأحاديث الصحيحة المستفيضة، فمعناها متواتر من حيث الدلالة على وقوع معجزات للنبي -ﷺ- فيها خرق للناموس الطبيعى، كما فى حادثة شق الصدر فى العام الخامس من عمره - ﷺ -.ثم تكرر ذلك قبل الإسراء والمعراج وهو فى الثانية والخمسين من عمره، وكلتا الحادثتين فى الصحيحين. فعن أنس بن مالك -﵁-: "أن رسول الله -ﷺ- أتاه جبريل -﵇- وهو يلعب مع الغلمان،فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده فى مكانه،وجاء الغلمان يسعون -يعنى ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل فاستقبوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره" (٣).
وفى الصحيحين عن أنس قال: "كان أبو ذر يحدث أن رسول الله -ﷺ- قال: خرج سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل،ففرج صدرى ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه فى صدرى، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء الدنيا" (٤).
ولا شك أن خبر شق الصدر لا تتقبله عقول الماديين،أما المؤمنون بالغيب فهم يسلمون به تبعا لتسليمهم بالوحى والنبوة،وهما خرق للقانون المادى،لا
_________________
(١) البقرة:٢٣.
(٢) الطور:٣٣.
(٣) رواه الإمام مسلم فى صحيحه١/ ١٤٧.
(٤) رواه البخارى فى صحيحه كما فى فتح البارى١/ ٤٥٨ ومسلم فى صحيحه١/ ١٤٨.
[ ٢ / ٦١٤ ]
تقبله الفلسفات الحسية لأنه ظاهرة لا يمكن إخضاعها لتجاريب المختبرات، ولكن الإيمان بالغيب شرط الإسلام: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (١).
كان المشركون إذا يطالبون النبي -ﷺ- بالمعجزات الحسية،واعدين بالإيمان إذا رأوا وسمعوا،ولم يعتمد منهج الدعوة المحمدية أسلوب المعجزات الحسية فى هداية الناس إلى الله ونبيه ورسالته اعتمادا كبيرا، ولكن السيرة المحمدية لم تخل من خرق للسنن الطبيعية،لكن الخرق كان يحدث أمام المؤمنين غالبا ولم يكن سببا فى إيمانهم،لكنه كان يطمئن قلوبهم ويزيدهم إيمانا،فضلا عن رفع الشدائد وحل الأزمات وتيسير الصعاب عليهم.
ومن الأحداث النادرة التى استجاب الله تعالى فيها لتحدى المشركين ما رواه البخارى فى صحيحه من "أن أهل مكة سألوا رسول الله -ﷺ- أن يريهم آية، فأراهم إنشقاق القمر فقال ﵊: اشهدوا" (٢).
وقد فصل حديث صحيح حادثة انشقاق القمر فى المرحلة المكية من حديث الصحابى جبير بن مطعم -﵁- قال: (انشق القمر على عهد رسول الله -ﷺ- فصارت فرقتين، فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد وقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم) (٣).ولم يكن قولهم سحرنا محمد تعبيرا عن اقتناعهم، وإنما كان ذريعة للتخلص من وعدهم بالإيمان عند رؤية المعجزة،فالفرق بين معجزة النبى وعمل الساحر ظاهر،فهم لم يألفوا من رسول الله تعلم السحر وتعاطيه، ولذلك لم يجر على لسان المشكرين بيان اكتسابه ومن علمه إياه. ثم إن النبى يريد هدايتهم إلى الحق وليس جرَّ نفع لنفسه كما هو شأن الساحر.
وإذا كان انشقاق القمر استجابة لطلب المشركين وكشفًا لعنادهم وكذبهم فإنَّ حادثة الإسراء والمعراج وما رافقها من وصف دقيق لبيت المقدس قدَّمه الرسول
_________________
(١) البقرة:٣.
(٢) رواه البخارى فى صحيحه٦/ ٦٣١.
(٣) رواه الإمام أحمد فى مسنده ٤/ ٨١ وروى ابن حبان طرفه (موارد الظمآن ٥١٩).
[ ٢ / ٦١٥ ]
﵊ أمام المشركين ولم يكن قد رآه، وما رأى من آيات ربه الكبرى فى المعراج كل ذلك كان معجزة دون أن يطالبه بها أحد،بل كانت فتنة وامتحانا ميزت بين المؤمنين والكافرين.
وقد وقعت معجزات حسية أخرى للرسول -ﷺ- أمام بعض المشركين فى أوقات متابينة من المرحلة المدنية، لكنها لم تؤد إلى إيمان أحد منهم بصورة مباشرة استجابة لقهر المعجزة، بل تأخر إيمانهم بعدها حين شاء الله لهم الهداية، فقد حدث فى أحد أسفار الرسول -ﷺ- مع الصحابة أن نفد الماء،فأرسل اثنين من الصحابة يرتادان المياه، فلم يجدا ماء بل وجدا امرأة تحمل مزداتين من ماء على بعير لها، فقدما بها إلى رسول الله -ﷺففرغ من مائها فى إناء ثم سقى الناس منه، ثم أعاد إليها المزداتين كاملتين مع هدايا من الطعام،وقال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذى اسقانا، فلما رجعت المرأة إلى أهلها قالت عنه فعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس، أو إنه لرسول الله حقا ولم تسلم وقومها إلا بعد حين (١). فرغم ما لاحظته المرأة من المعجزة الحسية الظاهرة، فإنها لم تسلم نتيجة ذلك لأن العقل الكافر قد يخلط ما بين معجزة النبي والسحر عند شيوع الجهل وضعف الوعى وانعدام التمييز بين الحق والباطل.
ومثل هذا تكرر مع رجل من بنى عامر-فيما يرويه الإمام أحمد بسند صحيح قال: (أتى النبي -ﷺ- رجل من بنى عامر فقال: يا رسول الله أرنى الخاتم الذي بين كتفيك فإنى من أطب الناس. فقال رسول الله -ﷺ- ألا أريك آية؟ قال: بلى. قال فنظر إلى نخلة فقال: ادعى ذلك العَذْقَ. قال: فدعاه فجاء ينقر حتى قام بين يديه. فقال له رسول الله -ﷺ-:ارجع فرجع مكانه. فقال العامرى: يا آل عامر ما رأيت كاليوم رجلا أسحر) (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري فى صحيحه١/ ٤٤٧.
(٢) المسند: ١/ ٢٢٣.
[ ٢ / ٦١٦ ]
ولكن أمر المرأة صاحبة المزادة والرجل العامرى يختلف عن موقف قريش، لأن المرأة والعامرى لم يكونا يعرفان الرسولﷺ-،كما كانت قريش تعرف من صدقه وحسن سيرته وجوانب دعوته، وأنه رفض عروضها الدنيوية،وهى مطلب الساحر ومراده من السحر.
والحق أن اطلاع المشركين على المعجزات الحسية للرسول -ﷺ- كان قليلا إلى جانب المعجزات الحسية الكثيرة التى شهدها المؤمنون فازدادوا إيمانا واستبشارًا ..
قال عبد الله بن مسعود -﵁-: (كنا نعد الآيات بركة،وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله -ﷺ- فى سفر فقلَّ الماء فقالوا: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بآناء فيه ماء قليل،فأدخل يده فى الإناء ثم قال: حىَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله -ﷺ-،ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) (١).
وقد استفاضت الأخبار الصحيحة فى تكثير الماء والطعام بين يديه فى السفر والحضر، فقد توضأ سبعون صحابيًا فى قدح فيه ماء يسير مدّ النبي فيه أصابعه الأربع، ومرة أخرى توضأ زهاء ثلثمائة من إناء وضع الرسول -ﷺ- يده فيه،فجعل الماء ينبع من بين أصابعه (٢).
وقد تكرر منه ذلك فى الحديبية مرارا،فقد نزل المسلمون على ثمد قليل الماء فنزحوه، واشتكوا إلى رسول الله -ﷺالعطش "فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه،فوالله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه" (٣). ومرة أخرى فى الحديبية عطش الناس وبين يدى النبي ركوة فتوضأ منها،واشتكى الناس إليه أن ليس عندهم ماء للشرب وللوضوء غير ما فى الرَّكوة،فوضع يده فى الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون،فشرب ألف وخمسمائة من الصحابة وتوضأوا. وهذا الخبر يرويه جابر بن عبد الله فى صحيح البخارى،وقد شهده العيان من الصحابة وهم جمع غفير،وما أنكره أحد (٤).
_________________
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه ٦/ ٥٨٧.
(٢) أخرجه البخارى فى صحيحه ٦/ ٥٨٠ - ٥٨١.
(٣) أخرجه البخارى فى صحيحه ٥/ ٣٢٩.
(٤) صحيح البخارى ٦/ ٥٨١.
[ ٢ / ٦١٧ ]
ومن ذلك ما حدث فى غزوة تبوك حيث أخبر معاذ بن جبل بأن عين ماء تبوك كانت تبضُّ بشئ من ماء، وأن المقاتلين وقفوا عليها،ومعروف أن جيش تبوك هو أكبر جيش قاده رسول الله -ﷺ- فماذا يجدى معهم ماء لا يكفى للرجل الواحد إلا بعد جمعه فى إناء! فما كان من رسول الله - ﷺ - إلا أن يديه ووجهه بماء جمع له من العين في إناء، ثم أعاده فى العين فجرت بماء منهمر، فقال لمعاذ: "يوشك يا معاذ أن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا" (١).
وكذلك فقد استفاضت الأخبار الصحيحة فى تكثير الطعام بين يديه ﵊، منها حديث جابر بن عبد الله -﵁فى الخندق، حيث رأى النبي -ﷺ-
يعصب بطنه بحجر من الجوع، فقد لبث المسلمون ثلاثة أياما لا يذوقون طعاما،فطلب جابر من امرأته أن تصنع طعاما فذبحت ماعزا وطحنت شعيرا، فصنعت من اللحم والشعير برمة،وذهب جابر فدعا رسول الله -ﷺ- إلى طعامه قائلا: طعيم لى فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان،فصاح النبي بأهل الخندق ودعاهم إلى طعام جابر وهم ألف،فأسقط فى يد جابر واشفق من قلة الطعام،فبارك النبي فى الطعام قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هى، وإن عجيننا ليخبز كما هو (٢).
وقد تكرر تكثير الطعام فى وليمة زواجهﷺ- من زينب ﵂،فقد أهدت له أم سليم حَيْسةً فى برمة صنعتها من تمر وسمن وأقط، فدعا النبىﷺ- رجالا غصَّ بهم البيت ودعا بما شاء الله له من الدعاء ثم أكلوا منها جميعًا (٣).
وفى غزوة تبوك نفدت أزواد المسلمين حتى هموا بنحر بعض إبلهم التى تحملهم،فقال عمر بن الخطاب -﵁-:يا رسول الله لو جمعت ما بقى من أزواد القوم فدعوت الله عليها ففعل، فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره
_________________
(١) رواه مسلم فى صحيحه٣/ ١٧٨٤.
(٢) رواه البخارى ومسلم (صحيح البخارى٧/ ٣٩٥ وصحيح مسلم ٣/ ١٦١٠).
(٣) رواه البخارى فى صحيحه ٩/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٦١٨ ]
فدعا عليها حتى ملأ القوم أزودتهم فقال -ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة (١).
وقال أبو هريرةرضي الله عنه-: (أتيت النبي -ﷺبتمرات،فقلت أدع الله لى فيهن بالبركة. قال: فصفَّهنَّ بين يديه ثم دعا. فقال لي: اجعلهن فى مزود وأدخل يدك ولا تنثره، قال فحملت منه كذا وكذا وسقا فى سبيل الله ونأكل ونطعم،وكان لا يفارق حقوى فلما قتل عثمان -﵁انقطع عن حقوى فسقط (٢).
ومن هذه المعجزات الحسية الطبيَّة أن عبد الله بن عتيك عندما ذهب لقتل اليهودى أبى رافع لما كان يفعل من أذى الرسول والإعانة عليه، سقط عبد الله من درجة فى بيت أبى رافع، فانكسرت ساقه،فلما رجع فأخبر رسول الله بقتل أبي رافع وأن رجله انكسرت قال له رسول الله -ﷺ-:ابسط رجلك. قال: فبسطت رجلى فمسحها فكأنَّها لم اشتكها قط (٣).
وأصيبت ساق سلمة بن الأكوع فى غزوة خيبر فأتى النبى -ﷺ- قال سلمة: فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة (٤).
وذهبت خالة السائب بن يزيد به وهو صغير إلى النبيﷺفقالت: إن ابن أختى شاك فادع الله له، فدعا له. فمات السائب وهو ابن أربع وتسعين وكان جلدا معتدلا، فكان يقول: لقد علمت ما متعت به سمعى وبصرى إلا بدعاء النبي -ﷺ (٥).
ومسح رسول الله على وجه قتادة بن ملحان، فصار كأن على وجهه الدهان،أو كالمرآة تنعكس عليه الأشياء (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم١/ ٥٥.
(٢) رواه الإمام أحمد فى مسنده ٢/ ٣٥٢،والترمذى فى جامعه وقال: حسن غريب من هذا الوجه وقد روى من غير هذا الوجه عن أبى هريرة (سنن الترمذي ٥/ ٦٨٥ حديث رقم ٣٨٣٩).
(٣) رواه البخارى فى الصحيح ٧/ ٣٤.
(٤) المصدر السابق ٧/ ٤٧٥.
(٥) رواه البخارى فى صحيحه ٤/ ١٦٣.
(٦) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (المسند٥/ ٢٨و٨١).
[ ٢ / ٦١٩ ]
وأما إخباره ﷺ بالأمور المغيَّبة،فهو لا يدل بالطبع على معرفة الغيب إذ ليس ذلك إلا لله وحده، ولكنه يخبر بما يعلمه الله بواسطة الوحى، فعن أبي هريرةرضي الله عنه-:أن رسول الله -ﷺ- نعى النجاشي فى اليوم الذى مات فيه، خرج إلى المصلى فصفَّ وكبَّر أربعا (١).
ومن ذلك إخباره - ﷺ - عن استشهاد القادة الثلاثة فى غزوة مؤتة،قبل وصول الخبر إلى المدينة،فقال -ﷺ-: "أخذ الراية زيد فأصيب،ثم أخذها جعفر فأصيب،ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب،وإن عينى رسول الله -ﷺ- لتذرفان،ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له" (٢).
ومن ذلك ما رواه أبو حميد الساعدى فى سياق غزوة تبوك: "وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله -ﷺ-: "ستهبُّ عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى القته بجبلي طيئ" (٣).
وعندما قدَّمت له امرأة طعامًا مع جمع من أصحابه فلاك لقمة فى فمه ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير أذن أهلها؟ فقالت المرأة: يا رسول الله إنى أرسلت إلى البقيع يشترى لى شاة. فلم أجد، فأرسلت إلى جار لى قد اشترى شاة أن أرسل إلى بها بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلى بها فقال رسول الله -ﷺ- أطعميه الأساري" (٤).
وأما عصمة الله تعالى له فقد روى الصحابي جابر بن عبد الله (أنه غزا مع رسول الله -ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله -ﷺقفل معه، فأدركته القائلة فى واد كثير العضاه، فنزل رسول اللهﷺ-،وتفرق الناس يستظلون بالشجر،
_________________
(١) رواه البخارى فى صحيحه ٣/ ١١٦.
(٢) رواه البخارى فى صحيحه ٣/ ١١٦ من حديث أنس بن مالك.
(٣) رواه مسلم فى صحيحه ٤/ ١٧٨٥.
(٤) أخرجه أبو داؤد بإسناد حسن (سنن٣/ ٦٢٧ حديث رقم ٣٣٣٢،ومسند أحمد ٥/ ٢٩٤.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة وعلق سيفه، ونمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا وإذ عنده أعرابي فقال: إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله - ثلاثا -، ولم يعاقبه وجلس" (١).
ومما يدل على عصمة الله له ما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: "قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنَّ وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئتهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتَّقي بيديه. قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا" (٢).
وأما إحساس النبات والجماد به ومخاطبته لهما فمن ذلك حديث جابر بن عبد الله قال: "إن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا؟ قال: إن شئت. فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكَّت حتى استقرَّت" (٣).
ومن ذلك قوله ﷺ: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" (٤).
ومن ذلك حديث عائشة - ﵂ -: "كان لآل رسول الله وحش، فكان إذا خرج رسول الله ﷺ اشتدَّ ولعب في البيت، فإذا دخل رسول الله ﷺ سكن ولم يتحرك كراهية أن يؤذيه" (٥).
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ٢٢٩.
(٢) رواه مسلم في صحيحه ٢/ ٢١٥٤.
(٣) رواه البخاري في صحيحه ٤/ ٣١٩.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ٤/ ١٧٨٢.
(٥) رواه أحمد بإسناد حسن (المسند ٦/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقد نهى رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار عن أذى جمل قائلا: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكاك إليَّ وزعم إنك تجيعه وتُدئبُهُ" (١).
وقد رمى رسول الله ﷺ المشركين بالتراب في وجوههم في عدة مواقف من السيرة، فكان للتراب أثر في هزيمتهم. كما أخبر شهود عيان من الصحابة رضوان الله عليهم، فأخبر العباس بن عبد المطلب وسلمة بن الأكوع أنه ﷺ لما غشيه المشركون في غزوة حنين، نزل عن بغلته فأخذ ترابا أو حصيات من الأرض، ثم استقبل به وجوهم فقال: "شاهت الوجوه. فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين" (٢).
وقد أخبر عبد الله بن عباس (أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأينا محمدا قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله.
قال: فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت على أبيها فقالت له: ما علمت " قال: يا بنية أدني وضوءا فتوضأ، ثم دخل المسجد فلما رأوه قالوا هو هذا. منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رءوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه. قال: فما أصابت منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا" (٣).
إذا شهد المسلمون معجزات كثيرة لرسول الله ﷺ، كانت تزيدهم إيمانا واستبشارا، وكانت متنوعة في جنسها، متكررة في أوقات عديدة، ما بين تكثير الماء والطعام حتى ليكفي ماء وطعام الاثنين والثلاثة عددا كبيرا يبلغ الألف أو يزيد، وما بين تطبيب المرضى بالدعاء والمسح على موضع الأذى، وما بين
_________________
(١) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (المسند ١/ ٢٥٠ و٢٦٩).
(٢) رواه مسلم واللفظ لسلمة بن الأكوع (الصحيح ٣/ ١٣٩٨ و١٤٠٢).
(٣) رواه الإمام أحمد بإسناد حسن (المسند ١/ ٣٦٨).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
الأخبار عن أمور مغيبة فتقع كما أخبر، وما بين انصياع الحيوان والنبات والجماد له وهي لا تعقل، وما بين عصمة الله له من القتل، واستجابة الله لدعائه. وقد مال بعض الباحثين إلى إنكار المعجزات الحسية بحجة أنها لا تتمشى مع نمط التفكير العقلي الحديث. ولا تتقبلها الفلسفات الحديثة، ولا مناهج البحث المعاصرة. وقد اعترف هؤلاء بالمعجزة القرآنية وحدها، لأنها محسوسة لأهل هذا العصر يمكنهم دراستها والحكم على أوجه الإعجاز فيها، أما المعجزات الحسية التي وقعت للنبي ﷺ فلا يمكن إخضاعها للدراسة، ولا تتقبلها الأعراف العلمية السائدة. ونظرا لأن المصادر الإسلامية الصحيحة نقلت أخبار المعجزات الحسية، فإن إنكارها فيه اتهام لشهود العيان من الصحابة رضوان الله عليهم بالكذب أو بضعف العقل وخلل التصور، بحث نقلوا أخبارا تصوروها صحيحة وليست كذلك، ولا يخفى ما في الإتهامين من إجحاف وتناقض فقد قبلنا من نفس شهود العيان ما يتعلق بالعقيدة والشريعة، وتعرفنا على أخبار النبي ﷺ فلماذا قبلنا منهم رواياتهم في هذا كله، وأنكرناها عندما تعرضت لأخبار المعجزات الحسية، وإن كانت العلة أن العقل المادي يرفض المعجزات، فإنه يرفض الوحي كله ويرفض الإيمان بالله وبرسالاته، فلا مناص للمؤمن بالغيب من قبول الروايات الصحيحة المتعلقة بالمعجزات الحسية.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
منهج الرسول ﷺ في العبادة
لمحة عن الشعائر التعبدية في العهد المكي:
لم تصح رواية في تشريع الوضوء بمكة، ولكن ثمة روايات ضعيفة يسوقها ابن إسحق مرة بمناسبة فرض الصلاة (١)، وأخرى في قصة إسلام عمر بن الخطاب (٢)، ويستشف من الآية المكية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣) إن الوضوء شرع بمكة، وقد رجح ذلك السهيلي (٤). وبه قال جمهور العلماء
(٥). رغم أن الآية الكريمة المتعلقة بالوضوء نزلت بالمدينة باتفاق وهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٦) وقد أسمتها عائشة - ﵂ - آية التيمم، ربما للإشارة إلى أن الوضوء كان مفروضا قبل أن يكون قرآنا يتلى (٧).
وكانت قبلة الصلاة بمكة نحو بيت المقدس، فكان النبي ﷺ يقف بين الركنين اليماني والأسود، فيجمع بين استقبال الكعبة وبيت المقدس (٨).
وقد ورد ذكر الصلاة في عدة سور مكية مثل الآية ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٩) والآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١٠) و﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٤٤ حيث يسوق ابن إسحق الخبر دون إسناد، وروى الحديث مسندا إلى زيد بن حارثة لكن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف هنا.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٥.
(٣) المدثر: ٤ وراجع تفسيرها في ابن كثير ٤/ ٤٤١.
(٤) الروض الأنف ٣/ ١٣.
(٥) مسلم (بشرح النووي) ٣/ ١٠٢.
(٦) المائدة: ٦.
(٧) الروض الأنف ٣/ ١٣.
(٨) مسلم (بشرح النووي) ٥/ ٩ و١٠ وابن هشام ١/ ٣٤٧.
(٩) العلق: ٩ - ١٠.
(١٠) طه: ١٣٢.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١) و﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٢).
وتشير بعض الأخبار الضعيفة إلى أن أوائل المسلمين كانوا يصلون، لكنها لا توضح كيفية صلاتهم، ولا عدد ركعاتها إن كان فيها ركوع. ولكنها تذكر أن النبي ﷺ كان يخرج مع علي - ﵁ - إلى شعاب مكة يصليان سرًا (٣). وأن الصحابة الخمسة الذين دعاهم أبو بكر الصديق - ﵁ - أسلموا وصلوا (٤)، على أن عائشة - ﵂ - ذكرت في حديث صحيح أن الصلاة كانت أول فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر (٥)، وبين المزني - صاحب الإمام الشافعي - أن الصلاة قبل حادث الإسراء والمعراج كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها (٦).
وفي حادثة الإسراء والمعراج قبل الهجرة بسنة - في رواية مرسلة للزهري - فرضت الصلاة في خمسة أوقات (٧)، وحدد عدد ركعاتها، ثنتان للصبح وثلاث للمغرب وأربع للظهر والعصر والعشاء، في السفر والحضر ثم قصرت الصلاة الرباعية بعد الهجرة إلى المدينة فصارت ركعتين فقط للمسافر
(٨).
وكان المسلمون في المرحلة المكية يؤدون الصلاة سرًا (٩)، خوفا من بطش المشركين، ونادرا ما جهروا بصلاتهم كما فعلوا مرة عند إسلام عمر بن الخطاب حيث صلى معه بعضهم في (١٠) الكعبة. وكان الكلام في الصلاة مثل رد السلام
_________________
(١) الأعلى ١٤ - ١٥.
(٢) المدثر ٤٢ - ٤٣.
(٣) أكرم العمري: الرسوم في مكة ص ٦٥.
(٤) ابن هشام: السيرة ١/ ٢٥١ - ٢٥٢.
(٥) البخاري: الصحيح (فتح الباري (١/ ٤٦٤).
(٦) السهيلي: الروض الأنف ١/ ١١ - ١٢.
(٧) مسلم (بشرح النووي) ٥/ ١٠٩.
(٨) البخاري: صحيح (فتح الباري ٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
(٩) ابن هشام: سيرة ١/ ٢٦٣.
(١٠) ابن هشام: سيرة ١/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وتشميت العاطس مسموحا به ثم نهي عن الكلام في الصلاة بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة من المرحلة المكية (١).
وقد شرع قيام الليل بنزول سورة المزمل في المرحلة المكية ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢).
وفي المرحلة المكية شرعت الزكاة بمعناها العام، وهو الحث على الصدقات وإعطاء المحروم وإطعام المسكين دون تحديد للأنصبة والمقادير، فوصفت السور المكية المؤمنين بأنهم ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ و﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وأنه ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٣). أما تحديد النصاب ومقادير الزكاة فقد شرع في سنة اثنتين من الهجرة (٤).
وأما صلاة الجمعة فقد كانت قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وقد تمكن المسلمون في المدينة من أدائها، فقد روى أبو داؤد بإسناد حسن قول كعب ابن مالك الأنصاري: "أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في هزم البيت، في نقيع يقال له: نقيع الخضعات .. وقال كعب إنهم كانوا أربعين رجلا" (٥).
لقد تأخرت بعض الفرائض التي اعتبرت من أركان الإسلام إلى المرحلة المدنية مثل الصوم والحج أما الصوم فقد كانت فرضيته يوم الاثنين لليلتين خلتا
_________________
(١) البخاري: صحيح (فتح الباري ٣/ ٧٢ - ٧٣ وابن القيم: زاد المعاد ٢/ ١١٨ - ١١٩ وابن كثير: البداية والنهاية ٣/ ٩٢.
(٢) المزمل: ١ - ٨.
(٣) أنظر سورة "المؤمنون" آية ١ - ٤ وسورة الروم آية ٣٩، وسورة الذاريات آية ١٥ - ١٩ وسورة المعارج آية ١٩ - ٢٥.
(٤) ابن كثير: البداية والنهاية ٣/ ٣٤٧.
(٥) سنن أبي داؤد ١٠٦٩ ومستدرك الحاكم ١/ ٢٨١ وسنن البيهقي ٣/ ١٧٦ - ١٧٧ وقد صرح ابن إسحق بالتحديث عند الحاكم والبيهقي، وقال البيهقي: "وهذا حديث حسن الإسناد صحيح".
[ ٢ / ٦٢٦ ]
من شعبان من السنة الثانية من الهجرة. وأما الحج فقد فرض سنة ست للهجرة، وابن القيم أن افتراضه كان سنة تسع.
ويتمثل منهج الرسول ﷺ في العبادة بإقامة الفرائض والإكثار من النوافل والاهتمام بالعبادات القلبية من ذكر وخشوع وإنابة رغم غفران الله له ورضاه عنه.
قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١)، وقد نزلت سورة الفتح في طريق عودة المسلمين من الحديبية إلى المدينة، بعد عقد صلح الحديبية، وكان فرح الرسول ﷺ بها عظيما، لما فيها من إقرار لموافقته على الصلح، وتبشير للمسلمين بأن ما تم فتح لهم، لما وراءه من الخير الكثير الذي تحقق بانتشار الإسلام بعد الصلح، وكذلك فإن الآية أخبرت رسول الله ﷺ بالبشارة العظيمة ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
فما كان حال النبي الموعود بغفران الذنوب؟ هل ترك العمل وجنح إلى الراحة؟ وهل قلل ذلك الغفران من جده في العبادة واجتهاده في الجهاد، وهل قنع بما قدم وطوى صفحات الكفاح في السلم والحرب؟
إن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك، بل مضى دءوبًا في ملء أشواق روحه، وتطلعات قلبه الذي انغمر بمحبة الله تعالى، ولم يعد يفيض إلا الذكر والشكر، قلبه الذي ينبض بذكر الله ويخفق بشكره لا يسعه إلا المضي في السبيل الذي اعتاده، لقد بلغ الستين من عمره أو كاد حين نزول سورة الفتح، وكان العقدان الأخيران حافلين بمهام جسيمة تمثلت في حمل أعباء الرسالة وتبليغها، ومقارعة خصومها بالحجة والبيان في مكة، ثم بالحجة والسنان في المدينة وهو في صراعه الطويل من أجل الحق لا يدع التزود من طاقات الروح الهائلة بوصلها بالخالق القدير، فكان كما قالت عائشة - ﵂ -: "كان يصلي ليلا طويلا
_________________
(١) الفتح: ١.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس" (١).
ولم يكن يكلف نفسه فوق ما تطيق، بل يعمل ما يتيسر له حسب مراحل عمره وقوة جسده، فلما ثقل جسمه الشريف ولم يعد يطيق القيام الطويل في صلاة التطوع أخذ يصلي قاعدا، قالت عائشة ﵂: "إن النبي ﷺ لم يمت حتى كان أكثر صلاته وهو جالس" (٢).
وكان قيامه لصلاة الليل طويلا، وكان أصحابه رضوان الله عليهم لا يطيقون ما يطيق قال عاصم بن ضمرة، سألت عليا كرم الله وجهه عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: "إنكم لا تطيقون ذلك" (٣).
وعن عبد الله بن مسعود قال: "صليت ليلة مع رسول الله ﷺ فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء. قيل له وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النبي ﷺ (٤)! " فعبد الله بن مسعود لم يكن يطيق - على ما عرف عنه من كثرة العبادة - ما يطيق رسول الله ﷺ حتى خطر في ذهنه أن يجلس في الصلاة، ويدع رسول الله قائما لفرط تعبه، لكنه لم يفعل وغالب الخطرة، لكنه لم ينس الموقف وأخبر الناس بطول صلاة رسول الله ﷺ ترغيبا لهم في العبادة وحثا على الاقتداء بالنبي المغفور له، الذي يعبد الله تعالى تحت شعار "أفلا أكون عبدا شكورا" فكيف بمن لا يدري إلى أين يصير إلى الجنة أم النار؟
لقد وصف لنا عبد الله بن عباس - ﵁ - كيف يمضي رسول الله ﷺ ليله، فقد بات ابن عباس عند خالته ميمونة -وهي أخت أمه لأبيه- فشاهد ما حدث وحدَّثَ به قال: "فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل، أو قبله
_________________
(١) مختصر الشمائل المحمدية ١٥٢ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) مسلم: الصحيح رقم ١١٦.
(٣) رواه الترمذي وقال حديث حسن (مختصر الشمائل المحمدية ١٥٤).
(٤) مسلم: الصحيح ١/ ٥٣٧ رقم ٧٧٣.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
بقليل، أو بعده بقليل، فاستيقظ رسول الله ﷺ، فجعل يمسح النوم عن وجهه، وقرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران. وقال إلى شِنّ - أي قربة - مُعلَّق فتوضأ منها، فأحسن الوضوء ثم قام يصلي.
قال عبد الله بن عباس: فقمت إلى جنبه، فذكر صلاته اثنتي عشر ركعة، ثم أوتر، ثم نام حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح" (١).
وكانت قراءته للقرآن يمدُّها، ويقطِّعُها فيقول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف. وكان ربما أسرَّ بالقراءة، وربما جهر، وكان يرجِّع صوته بالقراءة - أي يرددها -، وكل ذلك ثابت عنه بالأحاديث الصحيحة (٢).
وأحيانا كانت قراءته تختلط ببكائه، ويسمع نشيجه كما في حديث عبد الله بن الشخير قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء "وكيف لا يتأثر رسول الله ﷺ بالقرآن فيبكي وهو أعرف الناس بالله، وأوعاهم بالحق الذي أنزل عليه، وقد عرف وأبصر من أمور الغيب في الإسراء والمعراج ومباشرة الوحي ما ملأه علمًا وخشية وفكرًا وتأملا" (٣).
وكان ﵊ يحب أن يسمع القرآن بصوت الآخرين من الصحابة مثل أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري من أصحاب الحفظ والتجويد والأصوات الحسنة بالقرآن.
قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "قال لي رسول الله ﷺ: "اقرأ عليّ. فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟. قال: "إني أحب
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٥٣ وصحيح مسلم ١/ ٥٢٥ حديث رقم ٧٦٣.
(٢) مختصر الشمائل النبوية ١٦٦ - ١٦٨.
(٣) أخرجه أبو داؤد رقم ٩٠٤.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
أن أسمعه من غيري". فقرأت سورة النساء حتى بلغت ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: فرأيت عيني رسول الله تَهْمِلان" - متفق عليه - (١).
وروى الإمام البخاري بسنده إلى أنس بن مالك قال: إن نبي الله ﷺ قال لأبي بن كعب: إنَّ الله أمرني أن أقرئك القرآن. قال: الله سمَّاني لك؟ قال: نعم. قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه" (٢).
وكان ﵊ يعجبه صوت أبي موسى الأشعري وقد شبهه لحسنه بمزاميز آل داؤد.
وهكذا سمع القرآن بأصوات الصحابة رضوان الله عليهم.
وكان يصلي التطوع في بيته، ويؤم الصحابة في المسجد في الصلوات الخمس المكتوبة، وقد سئل عن الصلاة في البيت والمسجد فقال: "قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة (٣) " وذلك لأن صلاة الجماعة في المسجد خمس أوقات تحقق أغراضا نافعة؛ منها اجتماع المسلمين في الأماكن المتقاربة في مكان واحد مما يؤدي إلى تعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى، وتفقدهم لأحوال بعضهم، ومنها إقامة شعائر الإسلام بمظهر يدل على القوة والغلبة للإسلام وأهله.
ثم إن صلاة المكتوبات في المسجد أعظم أجرًا، لأن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، كما أخبر الرسول ﷺ. وأما صلاة التطوع فإن أداءها في البيت بعيدا عن الأعين يبعد بصحابها عن الرياء والخيلاء ويقربه من الأخلاص، ويجعله قدوة لأهل بيته ممن ليس يحضر صلاة الجماعة من النساء، وأصحاب الأعذار.
_________________
(١) الآية من سورة النساء ٤١، والحديث أخرجه البخاري: الصحيح ٦/ ١١٤ ومسلم: الصحيح حديث رقم ٨٠٠ والترمذي: سنن ٥/ ٢٣٨ رقم ٣٠٢٥ وسنن أبي داؤد ٥/ ٧٤ حديث رقم ٣٦٦٨.
(٢) فتح الباري ٨/ ٧٢٦ حديث رقم ٤٩٦١.
(٣) سنن أبي داؤد: ٩١٩.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وهكذا كانت صلوات رسول الله ﷺ في بيته في جوف الليل، وفي صلاة الضحى وفيما بين الصلوات المكتوبة، فقد جعلت قرة عينه في الصلاة، فهي معراج المؤمن، وكانت آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ أصحابه وهو يودع الدنيا وينتقل إلى الرفيق الأعلى: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (١).
وكان الرسول ﷺ يهدف إلى توثيق صلة القلب بالله بصورة دائمة، كما عبَّرت عائشة - ﵂ - بقولها: "كان عمله دِيمةً" وقالت مرة وشاركتها القول أم سلمة، وقد سئلتا: أي العمل كان أحب إلى رسول الله ﷺ؟ قالتا: "ما ديم عليه وإن قلَّ" (٢).
وكان ينوِّع في عبادته ما بين صوم وصلاة وذكر وتعليم وجهاد، قال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ ليلةً، فاستاك ثم توضأ ثم قام يصلي، فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب إلا وقف فتعوذ ثم ركع، فمكث راكعا بقدر قيامه، ويقول في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، ثم سجد بقدر ركوعه، ويقول في سجوده: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة".ثم قرأ "آل عمران" ثم سورة ثم سورة، يفعل مثل ذلك" (٣).
وكان ﵊ كثير الصوم. قال أنس بن مالك - ﵁ -: "كان يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته" (٤).
وقد ذكرت عائشة - ﵂ - أنه كان يتحرى صوم الاثنين والخميس" (٥) وقد بين رسول الله ﷺ سبب تحريه الصوم يومي الاثنين والخميس
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (الألباني: صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ١٠٩ رقم ٢١٨١).
(٢) الألباني: مختصر الشمائل ١٦٤ - ١٦٥.
(٣) النسائي في سننه ٢/ ٢٢٣ وأحمد: المسند ٦/ ٢٤.
(٤) صحيح البخاري ٢/ ٤٦.
(٥) الترمذي: سنن ٧٤٥ وابن ماجة سنن ٧٣٩ وإسناده صحيح (الإرواء ٤/ ١٠٥ و١٠٦).
[ ٢ / ٦٣١ ]
بقوله: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحبَّ أن يعرض عملي وأنا صائم" (١).
ومنهجه في الاتصال الدائم بالله لا يختل سواء كان في صلاة أو صوم أو كان مضجعا، قالت عائشة - ﵂ -: "يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي" (٢).
فقد كان يذكر الله على كل أحيانه، فإذا نام ذكر الله قائلا: "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (٣).
وإذا استيقظ قال: "الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" (٤). وعن عائشة - ﵂ - قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم يمسح ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات"
(٥).
وعن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد الله الذي أطعمنا وساقانا وكافانا وآوانا، فكم ممَّن لا كافي له ولا مؤوى" (٦).
فدعواته ﷺ عند النوم فيما معاني التسليم لله تعالى، وأنه لا حول ولا قوة للإنسان إلا بالله، وأن الله وحده المحيي والمميت، وإنه يستحق الحمد على النوم والاستيقاظ والطعام والشراب والكفاية عن سؤال الناس والإيواء بما يحمله من معاني الطمأنينة والستر، وما أعظم دلالات قوله ﵊: "فكم ممن لا كافي له ولا مؤوى". نعم كم من الناس على وجه الأرض لا يجد كفايته
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي ١/ ٢٢٧.
(٢) صحيح البخاري ٢/ ٤٧ - ٤٨ وصحيح مسلم ١/ ٥٠٩ حديث رقم ٨٣٨.
(٣) صحيح البخاري ٧/ ١٤٩.
(٤) صحيح البخاري ٧/ ١٤٧.
(٥) صحيح البخاري ٦/ ١٠٦.
(٦) صحيح مسلم ٤/ ٢٨٥ حديثه رقم ٢٧١٥.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ويسأل غيره العون، إن الجياع أكثر من الطاعمين، والعراة أكثر من الكاسين، ومن عندهم المال ولا يحسون بالكفاية بل يدفعهم الطمع والحرص على جمع المال من كل سبيل إلى القلق وعدم الإحساس بالكفاية.
ومن درس سيرة رسول الله ﷺ وعرف قلة ما عنده من طعام وأثاث وأشياء أدرك معنى الزهد والقناعة والإحساس بالكفاية.
ثم إن رسول الله ﷺ يعلم أصحابه أن ينظروا إلى من دونهم من الناس، ولا ينظروا إلى من فوقهم، فمن نظر إلى من دونه عرف عظيم نعمة الله تعالى عليه، وقنع بما أعطاه، وأحس الرضا بالقدر والحمد الله على الإيواء، فإن الإحساس بأن الله تعالى آوى العبد إليه، وهداه إلى سبيله، ونسبه إلى نفسه، وتولاه ولم يكله إلى سواه يجعل العبد في غاية الثقة بحاضره وبمستقبله، فلا يقلق لمصاب، ولا ينخلع قلبه خوفا من مواجهة الأحداث الثقيلة والتقلبات العنيفة، بل هو شامخ كالطود أمام أعاصير الحياة
وكيف لا تطمئن نفس من آواه الله الذي أحاط بكل شيء علما، والذي لا تعزب عنه مثقال حبة في الأرض ولا في السماء والذي ليس لقدرته حدود ولا لأمره رد؟.
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلَّى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلُبَنَّكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبُّه على وجهه في نار جهنم" (١)
فأي أمان للإنسان أعظم من أمان الله، وأن يكون في ذمة الله وعهده وحفظه، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح يقعد في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس (٢) ثم لا يزال بعدها يشكر نعم الله، فإذا طعم طعاما أو شرب شرابا أو لبس جديدا دعا الله تعالى شاكرا حامدا، فإذا ارتفعت الشمس تطوع لله بأربع وهي صلاة الضحى، وكان أبو هريرة - ﵁ - يقول:
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٤٥٥.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٤٦٣، ٤/ ١٨١٠ ومسند أحمد ٥/ ٩١.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
"أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد" (١).
وفي الحديث القدسي أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله ﷿ يقول يا ابن آدم اكفني أوَّل النهار بأربع ركعات أكفك بهن آخر يومك (٢) " ولا يزال رسول الله ﷺ يحصن نفسه ليله ونهاره بالأدعية والأذكار، ويعلم أصحابه ذلك، فعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سيِّدُ الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا انت" (٣).
وكان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه صلاة الحاجة وصلاة التوبة وصلاة الاستخارة، فكانوا يرتبطون بالله تعالى في صلوات كثيرة، فلا يخلو إنسان من ذنب كبير أو صغير ففي الحديث "كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون" (٤) ولا ينفك المرء عن حاجة تعرض له صغرت أو كبرت فعن عثمان ابن حنيف - ﵁ -: أن أعمى أتى إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله أدع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: أو أدعك. قال: يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري قال: فانطلق فتوضأ ثم صلَّ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد ﷺ نبي الرحمة.
يا محمد: إني أتوجَّه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري. اللهمّ شفعه فيَّ وشفعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره" (٥).
_________________
(١) مسلم: الصحيح ١/ ٤٩٩ وروى البخاري في صحيحه الوصية بركعتي الضحى ٢/ ٥٢.
(٢) رواه أحمد وأبو يعلي ورجال أحدهما رجال الصحيح، وأخرجه الترمذي (السنن ٢/ ٣٤٠ وقال: حسن غريب وأخرجه أبو داؤد: السنن ٢/ ١٣ وأحمد: المسند ٥/ ٢٨٦، ٢٨٧.
(٣) رواه البخاري (صحيحه ٧/ ١٤٥).
(٤) صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٠٥.
(٥) رواه الترمذي (سنن ٥/ ٥٦٩) وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجة: سنن (صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢٣١ - ٢٣٢).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
نبي الرحمة
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
فالرسول عربي قرشي معروف النسب، لم يطعن أحد في صحة نسبه، وكرم محتده، فمخاطبة الله تعالى للعرب بأن الرسول من أنفسهم تذكير لهم بأنه لهم ناصح ومحب، وعليهم مشفق، وعلى هدايتهم حريص، وأنه بهم رفيق وعليهم مشفق، يشق عليه ضلالهم ويفرح لهدايتهم، ووردت أحاديث كثيرة تبين بعض مظاهر الرحمة المهداة، والمتمثلة بالمصطفى ﵊، فمن ذلك وفاته ﷺ قبل أمته ليكون لها سلفا ففي الحديث: "إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها، ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره" (٢).
ومن وقائع السيرة النبوية أن ثقيفا آذت رسول الله ﷺ عندما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام حتى رشقوه بالحجارة وأدموا قدميه، وخيَّره الله أن يعاقبهم فيطبق عليهم الجبال، فقال ﵊: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" (٣).
وكان ﵊ أَمنًْا لأمته في حياته، كما أن الاستغفار أمن لها بعد وفاته قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وهو في حياته ومماته رحمة وخير للمؤمنين. قال ﵊: "حياتي خير لكم: تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" (٥).
_________________
(١) التوبة: ١٢٨.
(٢) صحيح مسلم ٤/ ١٧٩١ - ١٧٩٢ حديث رقم ٢٢٨٨.
(٣) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٣١٢ - ٣١٣) وصحيح مسلم ٣/ ١٤٢٠.
(٤) الأنفال: ٣٣.
(٥) رواه البزار كما في كشف الأستار ١/ ٣٩٧.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وهو رحمة عامة كما في القرآن ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) كما أنه نور يضيء طريق الهداية للناس قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤).
وعن أنس بن مالك - ﵁ -: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة، أضاء من المدينة كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ أظلم كل شيء، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" (٥).
وقد منح الله تعالى الأنبياء دعوة مستجابة، فتعجلوها ودعوا بها، أما الرسول الكريم فقد ادخرها لأمته كما في الحديث: "لكل نبي دعوة مستجابة فعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٦).
وتتجلَّى في رسالة النبي الكريم كل معاني الرحمة، فقد رفع الله عن أمته الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، فيسر لها الدين ورفع عنها الحرج ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١).
وقد امتلأت نفس الرسول الكريم بالرحمة، وأوصى أتباعه بأن يكونوا رحماء كما وصفهم القرآن ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢).
قال أنس بن مالك - ﵁ -: "ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ" (٣). وقال زيد بن حارثة: "أرسلت ابنة النبي ﷺ أن ابنًا لي قبض فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: إنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل
_________________
(١) الأنبياء:١٠٧. (٤) الأحزاب ٤٥
(٢) مسند أحمد ٣/ ٢٢٨ - ٢٦٨ والحاكم والمستدرك ٣/ ٥٧ وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) متفق عليه واللفظ لمسلم (صحيح البخاري ٧/ ١٤٥ وصحيح مسلم ١/ ١٨٩ حديث رقم ١٩٩).
(٤) الحج:٧٨.
(٥) الفتح: ٢٩.
(٦) صحيح مسلم ٤/ ٢٣١٦.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى الرسول ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" (١).
وكان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه: " ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا" (٢).
وقد شملت رحمته ووصاته بالرحمة الحيوان فضلا عن الإنسان فعن ابن مسعود - ﵁ - قال: "كنا مع النبي ﷺ، فمررنا بقرية نمل قد أحرقت، فغضب النبي ﷺ وقال: "إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله ﷿" (٣).
عن سعيد بن جبير قال: "مرَّ ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فقال ابن عمر: "من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا" (٤).
وقال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال النبي ﷺ: "والشاة إن رحمتها رحمك الله" (٥). وقال ﵊: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته" (٦).
وكان الرسول الرحيم يضرب لأصحابه الأمثال، ويحكي لهم من أخبار الماضين ما يرسم في نفوسهم الرحمة، قال لهم مرة: "بينما رجل يمشي بطريق
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٨٠ وصحيح مسلم ٢/ ٦٣٥ حديث رقم ٩٢٣.
(٢) صحيح مسلم ٣/ ١٣٥٧ حديث رقم ١٧٣١.
(٣) أحمد: المسند ١/ ٢٩٦ وأبو داؤد: السنن ٣/ ١٢٦.
(٤) صحيح مسلم ٣/ ١٥٤٩ - ١٥٥٠ حديث رقم ١٩٥٨.
(٥) مسند أحمد ٣/ ٤٢٦.
(٦) مسلم الصحيح ٣/ ١٥٤٨ حديث رقم ١٩٥٥.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر" (١).
وهذا غيض من فيض، وكله يشهد لهذا النبي الكريم بأنه "رحمة مهداة" وأنه غرس معاني الرحمة في أصحابه، وأوصاهم بها وملأ تعاليمه بذكرها، وشمل بها كل ذي روح من إنسان وحيوان، وسبق بذلك كل لوائح حقوق الإنسان الحديثة، وكل جمعيات البر والرفق بالحيوان مما يحسبه الناس من خصائص الحضارة الغربية وعطائها.
فلا عجب أن كانت بعثته رحمة للعالمين، وأن يعبر عن جوهر رسالته بقوله ﵊: "يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة" (٢).
وسوف تظل تعاليمه تمسح جراحات المعذبين وتلمس حنايا المستضعفين وتلين قلوب المتجبرين وتملأ الحياة بالحب والدفء والرحمة
_________________
(١) متفق عليه (صحيح البخاري ٣/ ٧٧) وصحيح مسلم ٤/ ١٧٦١ حديث رقم ٢٢٤٤ واللفظ له.
(٢) الحاكم: المستدرك ١/ ٣٥ وصححه وأقره الذهبي.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
محبة الرسول من الإيمان
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
دلت هذه الآية على وجوب محبة الرسول ﷺ ووضعت ميزانا لهذه المحبة تقاس به، فليس المطلوب أن يحب المؤمن رسول الله كحبه لأبيه وبنيه وأهله وماله، بل ينبغي أن ترجح كفة محبة الله ورسوله على سائر ما يحب، فلا يكون في قلبه محبة لشيء تزيد على محبته للرسول ﷺ، لأن الرسول سبب خروجه من ظلمات الجهالة والضلال وسعادته بالعلم والهداية، وإنقاذه من ضنك الدنيا وعذاب الآخرة، فنعمة الإيمان الحاصلة بسببه أعظم من سائر النعم وأكبر من كل الفوائد، فحق على من أدرك عظمة هذه النعمة أن يحب من أوصلها إليه، وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذه المعاني فتعلقوا برسول الله أشد التعلق، وأحبوه أعظم الحب، وفدوه بالنفس والأهل والمال، قال صفوان بن عسَّال المُرادي: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري: يا محمد. فأجابه رسول الله ﷺ نحوا من صوته: هاؤم. وقلنا له: ويحك اغضض من صوتك فإنك عند النبي ﷺ وقد نهيت عن هذا. فقال: والله لا أغضض، قال الأعرابي: المرء يحب القوم ولما يلحق بهم. قال النبي ﷺ: المرء مع من أحب يوم القيامة" (٢).
ففي هذا الحديث بيان فضل حب الله ورسوله والأخيار الصالحين من المؤمنين.
_________________
(١) التوبة:٢٤.
(٢) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح (سنن ٥/ ٥٤٥ حديث رقم ٣٥٣٥) وأخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ١١٢ - ١١٣ شاهدا مختصرا من حديث ابن مسعود، ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٣٠٤ حديث رقم ٢٦٤٠ شاهدا مختصرا أيضا من حديث ابن مسعود.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
قال أنس ﵁: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ (فإنك مع من أحببت) (١).
قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول عنه ﷺ أشدَّ من فرحهم بسائر أعمال البر، أنهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبي ﷺ والكون معه إلا حب الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشهِّر، والمتأخر بالمتقدم، ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه وحقق فيه ظنه فقال: أنا أحب الله ورسوله ﷺ وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وان لم أعمل بعملهم.
وقد بيَّنَ النبي ﷺ حدود المحبة اللازمة عندما قال له عمر بن الخطاب ﵁: "يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي"
فقال: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
فقال له عمر: فإنك الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي.
فقال: الآن يا عمر" (٢). وعلامة هذه المحبة إتباع الرسول ﷺ، وعدم التقدم عليه بالقول أو العمل، فلا يكون رأى الإنسان أحب إليه من حديث الرسول ﷺ وحكمه، وعلامة حدود المحبة وبلوغها المرتبة الواجبة أن تكون نصرة السنة والذب عن الشريعة أحب لديه من رعاية مصالحه والحفاظ على نفسه وأهله وماله وجاهه، لقول النبي ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٣).
وقوله: "ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (٤).
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٣٢ حديث رقم ٢٦٣٩.
(٢) صحيح البخاري ٧/ ٢١٨.
(٣) صحيح البخاري ١/ ٩، وصحيح مسلم ١/ ٦٧ حديث رقم ٧٠ واللفظ له.
(٤) صحيح البخاري ١/ ٩ وصحيح مسلم ١/ ٦٦ حديث رقم ٤٣.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وان كان على خلاف هوى النفس؛ كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل. والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويتلذذ بذلك التلذذ عقليا، إذ الالتذاذ العقلي ادراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك. ومما يستدعي محبة الرسول التفكر في عظم رسالته وجهاده في تبليغها طيلة حياته، حرصا على هداية أكبر عدد من الناس،حتى إن الله تعالى امتن على العبادة ببعثته ﷺ فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
وجاء في صحيح مسلم عن معاوية ﵁ "أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا لدينه ومنّ علينا بك .. فقال لهم: أتاني جبريل فأخبرني أن الله ﷿ يباهي بكم الملائكة" (٢).
وهذه المحبة التي ربطت بين النبي ﷺ والصحابة ﵃ حملتهم على افتدائه بأرواحهم وأهليهم وأموالهم.
هذا أنس بن النضر ﵁ رأى بعض المسلمين قعودًا محتارين بعد أن اشاع المشركون خبر مقتل رسول الله ﷺ في غزوة أحد فصاح بهم: "واها لريح الجنة أجد دون أحد" فقاتل حتى قتل، ووجد في جسده بضع وثمانون أثرا من بين ضربة ورمية وطعنة، حتى ما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
_________________
(١) آل عمران ١٦٤.
(٢) صحيح مسلم ص ٢٠٧٥ وسنن الترمذي حديث رقم ٣٣٧٩ واللفظ له.
[ ٢ / ٦٤١ ]
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١).
وقد أرسل الرسول ﷺ زيد بن ثابت بعد المعركة يتفقد أنس بن النضر، فوجده بين القتلى وبه رمق، فما كان منه - بعد أن ردَّ على سلام الرسول ﷺ إلا أن قال: "أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي من الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شفر يطرف" وفاضت عيناه (٢).
فيالها من وصية تفوح بالحب الذي لا يؤثر فيه الموت وآلام الجراح. وكان أبو طلحة الأنصاري يحمي الرسول ﷺ ويرمي بين يديه ويقول: "لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك" (٣).
ورغم هذا الحب العميق لرسول الله ﷺ ومفاداتهم له بالنفس والنفيس، فإن عقائد المسلمين استقامت بفضل الله، فلم يتجاوزوا صفة النبوة، ولم ينسبوا إلى نبيهم صفات الألوهية، ولم يعبدوه من دون الله، بل كان صوته ﷺ يتردد في عقولهم (أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد) (٤) ومن قبله تذكير القرآن ببشرية الرسول ﷺ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٥).
وإنه يصيبه ما يصيب البشر ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٦).
_________________
(١) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٢١، ٧/ ٢٧٤، ٨/ ٥١٧).
(٢) الهيثمي: مجمع البحرين ٢/ ٢٣٩ من رواية ابن إسحق بإسناد رجاله ثقات.
(٣) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٦١).
(٤) صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٢٣٢.
(٥) الكهف: ١١٠.
(٦) آل عمران: ١٤٤.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
أمهات المؤمنين
إن تصفح سيرة المصطفى ﷺ يعطي صورًا مشرقة عن خلقه الكريم ﵊ في معاملة الناس جميعًا، ولكن سلوكه في بيته ومع أزواجه له دلالته الخاصة على رقة طباعه، وعمق عاطفته، وقدرته الفذَّة على مراعاة مشاعر أزواجه واحترام رغباتهن، ما دامت لا تخرج عن حدود الشرع وأحكامه.
هذه عائشة ﵂ تحج معه ﷺ فتمنعها حيضتها من أداء العمرة مع الناس، فلما أراد الرسول ﷺ العودة إلى المدينة قالت: يا رسول الله تعودون بحج وعمرة، وأعود بحجة وحدها. فإذا بالرسول يشفق أن تعود زوجه وهي تشعر بفوات بعض الفضل والخير عليها، فيتوقف ويطلب من أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن يصحبها إلى التنعيم حيث تحرم بالعمرة (١).
وفي غزوة المريسيع (بني المصطلق) يوقف الجيش كله لأن عقدا لعائشة انفطر منها فهي تجمع حباته من بين الرمال .. وعندما تحضر الصلاة ولا يجد المسلمون الماء للوضوء فتنزل آية التيمم ويعبر أحد الصحابة عن إحساسه بالحب لأبي بكر واعترافه بفضل هذه العائلة وبركتها يقول:"هذه إحدى بركاتكم يا آل أبي بكر" (٢).
وروى البخاري أنه ﷺ لما رجع من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيى كان يدير كساء حول البعير الذي تركبه يسترها به، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب!!
ولم يكن هذا المشهد بعيدا عن أعين الناس، بل كان مشهد من جيشه المنتصر .. وكان يعلمهم أن الرسول البشر والنبي الرحمة والقائد المظفر لا ينقص من قدره أن يوطئ أكنافه لأهله، وأن يتواضع لزوجه، وأن يعينها ويسعدها.
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١ (ط. استنبول).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ١/ ٤٣١).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ويتجلى موقف رائع يصور عظمة خلق الرسول الكريم حين دخل على امرأة كان قد عقد عليها هي الجونية، روى البخاري من حديث أبي أسيد الساعدي قال: "خرجنا مع النبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشَّوط حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ: اجلسوا هاهنا، ودخل، وقد أتى بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها - حاضنة لها - فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: هببي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة (ولم تعرف أنه رسول الله) قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن. فقالت: أعوذ بالله منك. فقال: قد عذت بمعاذ، ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد أكسها رازقيَّين وألحقها بأهلها" (٢).
لم يغضب رسول الله ﷺ ولم يعنِّف المرأة، بل لم يجهر أمامها بطلاقها، وإنما أمر أبا أسيد أن يمتعها بالثياب ويعيدها إلى أهلها.
والمتأمل في سيرة الرسول ﷺ يشهد الكثير من الأمثلة الرائعة على حسن ذوقه وجميل طبعه وكرم خلقه وحسن معاشرته ورفق معاملته واعتدال مزاجه وعدالة أحكامه وصدق كلامه وهذا الكمال الخلقي من أعظم أدلة نبوته ﵊. فقد كان الصدق يملأ حياته، ويحكم علاقاته، ويطبع أقواله وأفعاله، فلا غرابة إذا كان أول المسلمين المؤمنين بدعوته هم أقرب الناس إليه وأعرفهم به، خديجة ﵂ زوجه، وعلى ﵁ ابن عمه، وأبو بكر الصديق صاحبه، وزيد بن حارثة مولاه، والكل ظلوا أوفياء لدعوة الإسلام طيلة حياتهم يفدونها بالنفس والنفيس.
ويشهد الإنسان طابع الصدق في علاقاته ﷺ بأزواجه، فهو الرسول البشر، ليس فيه تعاظم وكبرياء الأقوياء بجاههم أو غناهم، بل فيه سماحة الأنبياء، وندى العظماء، وسيرة الأتقياء، تجده يحنو على أزواجه ويعينهن، فيقم
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب من غزا بصبي للخدمة ٦/ ٨٦.
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٩/ ٣٥٦).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
بيته بيده، ويحلب الشاة، ويخرز النعل، ويتلطف إليهن، ويداري غضبهن، ويعدل بينهن، ويراعي ما جبلن عليه من الغيرة، ويحتمل هفواتهن، ويرفق بصغيرتهن، وهكذا عاش الرسول البشر عيشة إنسان لا ملاك، تلتصق خطواته بالأرض وقلبه معلَّق بالسماء، يهفو إلى ما عند الله، ويهتف متواضعًا "إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد" (١).
ولنعرض لنماذج أخرى من حياة الرسول البشر في بيته: حيث تعيش أمهات المؤمنين في غرفهن الصغيرة بجوار المسجد النبوي، تمتزج حياتهن بأصوات الأذان للصلوات، ويشهدن جموع الناس مقبلين مدبرين، يصلون ويستمعون لأحاديث الرسول ﷺ، ويشتركن في بيان تعاليم الإسلام، وخاصة في شؤون المرأة، حين يتعذر على النبي ﷺ - لحيائه - البيان. ثم لهن حياة خاصة مع الرسول ﷺ حافلة بالعبادة والعلم، مليئة بالعبر، دافقة بالخير. ولا تخلو من الجدل والخصومة حينا، والغيرة حينا آخر. قالت عائشة ﵂: "ما علمت حتى دخلت عليَّ زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله أحسبك إذا قبلت لك بنية أبي بكر ذريعتيها - أي ساعديها -؟ ثم أقبلت عليَّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ: دونك فانتصري. فأقبلت عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فيها ما تردُّ عليَّ شيئًا، فرأيت النبي ﷺ يتهلّلُ وجهُه" (٢).
وهنا نلمس تقدير النبي ﷺ لغيرة الضرائر من بعضهن، ومراعاته للفطرة، فقد ترك زينب تفرغ غضبها وأذن لعائشة أن ترد عليها، وعدل بين زينب - وهي بنت عمه وزوجه - وعائشة - وهي بنت صاحبه وزوجه - ولم يغضب من هذه الملاحاة، فهي أمر طبيعي في حياة الضرائر. بل لم تتغير ملامح وجهه إلى العبوس لتكدير صفوه، بل علته ابتسامة رقيقة وهو يشهد انتصاف عائشة من زينب.
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ١/ ٢٣ بإسناد صحيح.
(٢) البخاري: الأدب المفرد ٥٥٨ بإسناد صحيح
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وكانت زينب بنت جحش تطاول عائشة وتفاخرها في الحظوة عند رسول الله ﷺ، كما ذكرت عائشة في حديث الإفك (١)، وكانت تفخر بأن الله تعالى زوجَّها من الرسول ﷺ، فأنزل في ذلك قرآنا ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ (٢).
أما عائشة ﵂ فكانت البكر الوحيدة من أزواجه ﷺ، وكانت تدل بذلك وتشير إليه بذكاء وفطنة امتازت بها، تقول: "يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها ترتع بعيرك؟ قال: في التي لم يرتع منها. تعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها" (٣) وهذا الإدلال المقبول لا يخالف الحقيقة ولا يجانب الصدق، فليس من ضرر في استجابة الرسول ﷺ وإرضائه لهذا الإدلال والاعتزاز، وإدخاله بذلك السرور على قلب زوجه.
وكان رسول الله ﷺ يغضب إذا تجاوزت الغيرة حدها، واعتدت على حقوق الآخرين، فلم يكن زمام الموقف يفلت من يده بل كان يبين الخطأ ويقومه. قالت عائشة ﵂: "ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة. فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد" (٤).
وهكذا كان عظيم وفائه لزوجه خديجة أول من آمن به وآزره، وتحمل معه أعباء دعوته فكان يذكرها دائما ويثني عليها وأبدا، ويصل صديقاتها ومعارفها،
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري ٧/ ٤٣١.
(٢) الأحزاب:٣٧.
(٣) صحيح البخاري (فتح الباري ٩/ ١٢٠).
(٤) متفق عليه واللفظ للبخاري (فتح الباري ٧/ ١٣٣).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
ويفرح للقاء أقاربها ويكرمهم حتى غارت أم المؤمنين عائشة لإكثاره من ذلك وإلا فهل يغار الحي من الميت!!
ولم يمنعه حبه لعائشة أن يصرِّح بفضل خديجة ومكانها في قلبه، ولو في ذلك الموقف الذي ظهرت فيه غيرتها، بل لم يكتم حبه لها وقد مضت على وفاتها أكثر من خمس سنين؟ فقال لعائشة: "إني قد رزقت حبها" (١)! فما أعظم وفاءه وما أرحب قلبه وما أصدق لسانه، وما أصرح وأفصح تعبيره!؟
إن محمدا الرسول البشر لا يجد غضاضة في أن يحب امرأته، وأن يصارحها بذلك معبرا عن عاطفة خيرة، ويكتم كثيرون سواه عواطفهم تجاه أزواجهم لئلا يخدش كبرياؤهم، أو يقل احترامهم فيما يحسبون وهم مخطئون. روى البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال لرسول الله ﷺ: أي الناس أحبُّ إليك؟ قال: عائشة (٢).
وكان ﵊ يراعي صغر سن عائشة - ﵂ - وحبها للعب مع صديقاتها، قالت عائشة:
"كنت ألعبُ بالبنات - أي اللُّعب - عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمَّعن منه - أي يختفين - فيسربهن إلي فيلعبن معي" (٣).وكانت عائشة - ﵂ - توصي المسلمين بمراعاة ذلك مع أزواجهم حديثات السن تقول: "رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأم، فأقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" (٤).
وهكذا سبق الإسلام نظريات التربية الحديثة في إعطاء الحرية للصغير في اللعب والتسلية البريئين.
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٨٨٨ حديث رقم ٢٤٣٦.
(٢) متفق عليه (صحيح البخاري ٨/ ٧٤ وصحيح مسلم ٤/ ١٨٥٦ حديث رقم ٢٣٨٤).
(٣) صحيح مسلم ٤/ ١٨٩٠ حديث رقم ٢٤٤٠.
(٤) متفق عليه (صحيح البخاري - فتح الباري ٩/ ٣٣٦. وصحيح مسلم ٢/ ٦٠٩).
[ ٢ / ٦٤٧ ]
بل قد ذكرت عائشة ﵂: "أنه كان لها بنات - تعني اللُّعب - وكان إذا دخل النبي ﷺ استتر بثوبه منها. قال أبو عوانة: لكيلا تمتنع (١).
ولم يجد الرسول ﷺ غضاضة في أن يسابق عائشة - ﵂مرتين في منأى عن الناس لادخال السرور على قلبها. قالت عائشة - ﵂ -: "خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدَّموا فتقدَّموا. ثم قال لي: تعالي أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال: تعالى حتى أسابقك، فسابقته فسبقني فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك" (٢).
وكان يتلطف معها بالكلام ويداعبها قال لها مرة: إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى. قالت: ومن أين تعرف ذلك؟
قال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا وربِّ محمد. وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم. قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك" (٣).
فما أحسن هذه المعاشرة وما ألطف رسول الله ﷺ وما أحسن خلق عائشة ﵂ مع زوجها الرسول الكريم.
وكان رسول الله ﷺ رقيق الطبع، حسن العشرة، عميق العاطفة، لكن هذه الخصال لم تؤثر على التزامه الدقيق بالعدل بين نسائه أمهات المؤمنين، وهو التزام بشرع الله تعالى الذي بلغه للناس وبينه لهم قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٤).
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ٧/ ٦٥ بإسناد صحيح.
(٢) أحمد: المسند ٦/ ٢٦٤ بإسناد حسن، وأبو داود: السنن ٢/ ٢٨ مختصرا.
(٣) متفق عليه (صحيح البخاري كما في فتح الباري ٩/ ٣٢٥ وصحيح مسلم ٤/ ١٨٩٠ حديث رقم ٢٤٣٩.
(٤) النساء: ٣.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
والرسول ﷺ تزوج في شبابه خديجة ﵂، ولم يتزوج عليها حتى توفيت، فتزوج سودة بنت زمعة ﵂، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم زينب بنت خزيمة، ثم أم سلمة بنت أبي أمية، ثم جويرية بنت الحارث، ثم زينب بنت جحش، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم ميمونة بنت الحارث. وقد اجتمعت النسوة التسع في حياته ﷺ، وهذا من خصائصه لأن الإسلام لم يبح الجمع - بالزواج - لأكثر من أربع من النساء.
وكانت لكل زوجة غرفة صغيرة، فيها أثاث بسيط لا يكاد يزيد ثمنه على عشرة دراهم. وكان زواجه من كل واحدة يتصل بهدف يحقق مقاصد الإسلام، فعائشة ﵂ تمتاز بحدة الذكاء، وصفاء الذهن، وجودة القريحة، فحفظت من تعاليم الرسول ﷺ الكثير، فنفعت وانتفعت، حتى بلغ عدد أحاديثها التي روتها عشرة ومائتين وألفي حديث. ولو قورنت رواياتها بعدد روايات أمهات المؤمنين الأخريات لاتضحت الحكمة من هذا الزواج، فإن أكثرهن حديثا بعد عائشة هي أم سلمة بنت أبي أمية، ولم يتجاوز عدد أحاديثها ثمانية وسبعين وثلثمائة حديث، وشتان ما بين الرقمين! وأما الأخريات فقد روت ميمونة ستة وسبعين حديثا، وروت أم حبيبة بنت أبي سفيان خمسة وستين حديثا، وروت حفصة بنت عمر ستين حديثا، وروت كل من جويرية وسودة بنت زمعة خمسة أحاديث، وروت زينب بنت جحش تسعة أحاديث، وروت صفية عشرة أحاديث، ولم ترو زينب بنت خزيمة شيئا، فلو جمعنا حديث سائر أمهات المؤمنين لبلغت ثمانية وستمائة حديث فقط وهي أقل من ثلث عدد أحاديث عائشة!!
هذا فضلا عن فقهها وفتاويها وخاصة في شؤون المرأة. وكان زواجه من عائشة ﵂ بعد رؤيا تكررت، مما يدل على أن الزواج منها كان بإرشاد الوحي لأن رؤيا الأنبياء حق، وهي جزء من الوحي، روى البخاري قالت عائشة: "قال رسول الله ﷺ "أريتك قبل أن أتزوجك مرتين، رأيت المَلَك
[ ٢ / ٦٤٩ ]
يحملك في سَرَقة من حرير فقلت له: اكتشف، فكشف فإذا هي أنت. فقلت: إن يكن هذا من عند الله يُمضِه". وقد تكررت الرؤيا كما أخبر ﵊ (١). أما سودة بنت زمعة - ﵂ - فكانت ثيبًا كبيرة السن، تزوجها على أثر وفاة خديجة ﵂، لترفق بأولاده الصغار من خديجة، وتطييبا لخاطرها فقد كانت زوجة للسكران بن عمر، وكان مسلما فهاجر بها إلى الحبشة، ثم رجعا فمات زوجها بمكة، وكان أبوها شيخًا كبيرًا أقعدته السن، وكان أخوها عبد بن زمعة مشركًا عنيدًا، حتى حثا التراب على رأسه عندما علم بزواجها من رسول الله ﷺ (٢). أفليست هذه الظروف المحيطة بهذا الزواج تكشف عن طبيعة دوافعه وحقيقة مقاصده. من حماية الأيَّم وحضانة الأولاد؟.
ولما كبرت سودة خشيت أن يطلقها الرسول ﷺ، فآثرت عائشة ﵂ بيومها وليلتها، لتبقى في عصمة الرسول ﷺ (٣)، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤) قالت عائشة في سبب نزول الآية: لا يستكثر منها، فتكون لها صحبة وولد، فتكره أن يفارقها فتقول له: أنت في حلّ من شأني" (٥).
وهكذا بقيت سودة في عصمة الرسول ﷺ حتى وفاته لتبعث في أزواجه يوم القيامة.
وأما حفصة بنت عمر ﵄ - فقد توفى زوجها الصحابي خنيس بن حذافة السهمي بالمدينة، فتزوجها رسول الله ﷺ إكرامًا لأبيها.
وأما زينب بنت خزيمة فكانت متزوجة من عبيدة بن الحارث، فاستشهد بعد بدر، فتزوجها رسول الله ﷺ جبرًا لخاطرها.
_________________
(١) متفق عليه (صحيح البخاري ٨/ ٧٥ - ٧٦ وصحيح مسلم ٤/ ١٨٩٠ حديث رقم ٢٤٣٨).
(٢) مسند أحمد ٦/ ٢١١ بإسناد حسن كما في فتح الباري ٧/ ٢٢٥.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ١٠٨٥ حديث رقم ١٤٦٣ ورقم ١٤٦٤. وانظر الأحاديث في سنن أبي داؤد ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢ وسنن الترمذي ٥/ ٢٤٩ وقال: حسن غريب.
(٤) النساء:١٢٨.
(٥) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٢٦٥ وصحيح مسلم ٤/ ٢٣١٦).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وأما أم سلمة بنت أبي أمية فقد مات زوجها أبو سلمة بالمدينة، بعد إصابته بجراح في أُحُد تاركا معها ولدين وبنتين، فتزوجها رسول الله ﷺ تكريمًا لها ورعاية لأولادها.
وأما جويرية بنت الحارث فكانت بنت رئيس قبيلتها بني المصطلق، وقعت أسيرة مع نساء قبيلتها، فكانت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبته، ثم جاءت إلى رسول الله ﷺ تستعينه في قضاء المكاتبة، فعرض عليها الزواج وقضى عنها كتابتها وتزوجها فلما علم الناس بذلك أطلقوا سائر السبي وقالوا: أصهار رسول الله، فأعتقوا سائر السبي "فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها" وقد قصد الرسول ﷺ بالزواج منها تكريمها، وتأليف قلوب قبيلتها، وإطلاق سبيهم، وقد أثمرت هذه المعاملة الحكيمة ثمرتها فأسلم بنو المصطلق.
وأما زينب بنت جحش فهي ابنة عمة رسول الله ﷺ، زوَّجها الرسول ﷺ من مولاه زيد بن حارثة، فكانت لا تشعر بأنه كفؤ لها لمكانها من قريش مما أدى إلى إخفاق الزواج، وقد تدخل الرسول ﷺ للاصلاح بينهما دون جدوى حتى نزل الوحي الإلهي يأمره بالزواج منها، لإبطال عادة جاهلية تتمثل بالتبني، وما كان يترتب عليه من آثار، منها عدم زواج الرجل من زوجة متبناه، وقد شق الأمر على الرسول ﷺ، ولكن لم يكن وسعه إلا طاعة أمر الله، فكان أن تزوج منها، ولو كان الأمر يتعلق برغبة في الزواج منها لفعل قبل أن يزوجها مولاه زيد.
وأما صفية فقد كانت سيدة قومها، ووقعت في السبي في غزوة خيبر فأسلمت، فأعتقها الرسول ﷺ وتزوجها حفاظًا على مكانتها.
وأما ميمونة بنت الحارث فكانت أرملة كبيرة السن، وهي قريبة الرسول ﷺ، ولم تمكث بعد زواجها إلاّ يسيرًا.
وبعد هذا العرض لملابسات زواجه ﷺ تتبيَّنُ حقيقة مقاصده من الزواج، وهي مقاصد الإسلام في تأليف قلوب الناس، واجتذابهم إلى الإسلام، ورعاية الأرامل، وتربية اليتامى، وحفظ تعاليم الدين، وخاصة ما يتعلق منها بشؤون المرأة.
[ ٢ / ٦٥١ ]
أفبعد هذا يجترئ المتشدقون فيمدّون ألسنتهم بالأراجيف الباطلة، والتهم الكاذبة لتشويه صفحة طاهرة من جوانب حياة النبي الكريم، وكأنه أمضى حياته في النعيم، وقضى وقته مع الزوجات العديدات، متناسين زهده وشظف عيشه حتى ضاقت بذلك أمهاتُ المؤمنين، وطلبن التوسعة عليهن في النفقة، فنزلت آية التخيير وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
فأمره الله تعالى أن يخيِّر أزواجه بين بقائهن معه، واحتمالهن عيشه وزهده، وبين الطلاق مع إعطائهن حقوقهن وتكريمهن، وقد اختارت أمهات المؤمنين البقاء في عصمته. وقد ذكرت عائشة "أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخيِّر أزواجه" قالت: فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: "إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري - أي تستشيري- وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه.
قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة (٢).
وأما بقية أزواجه - ﵅ - فقلن كما قالت عائشة، فصبرن على ضيق النفقة وقلة المئونة، رغم أنهن من عقيلات قريش والعرب، وعشن قبل الزواج في ثراء الآباء، وتذوقن رغد العيش، واعتدن الحياة الكريمة، لكنهن آثرن عند تخييرهن الله ورسوله والدار الآخرة.
وقد استفاضت الروايات في بيان قلة الطعام في بيوت رسول الله ﷺ، فما كان أهله يشبعون من خبز الشعير يومين متتاليين، وكان جل طعامهم التمر،
_________________
(١) الأحزاب: ٢٨،٢٩.
(٢) متفق عليه (صحيح البخاري كما في فتح الباري ٨/ ٥١٩، وصحيح مسلم ٢/ ١١٠٣ حديث رقم ١٤٧٥).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وحتى التمر ما شبعوا منه حتى فتحت خيبر، وأما اللحم وخبز البر والسمن والقثاء فقلما كانوا ينالونه، وقد يمضي عليهم الشهر والشهران ما يوقدون نارًا تحت قدر لا لخبز ولا لطعام إلاّ نادرًا، مكتفين بالتمر والماء، وقد يبيتون الليالي طاوين، لا يجدون عشاء، لقد خيِّرنَ فاخترنّ متطلعاتٍ إلى الرفيق الأعلى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
لقد انتبه كارلايل (Carlyle) إلى ظاهرة الزهد في حياة الرسول ﷺ فقال: "لم يكن محمد في حياته الشخصية من عشاق اللَّذة على الإطلاق، فقد كان متاع بيته يعد من أكثر الأمور اعتدالا، ومع ذلك فلم يحظ أي قيصر بتاجه بالطاعة مثلما حظي هذا الرجل بردائه الذي كان يرقعه بيده" (١)
واعتبر دروزة هذه الحادثة وما نزل فيها من القرآن "أقوى رد على سفهاء المبشرين ومغرضي المستشرقين الذين حاولوا النيل من أخلاقه الكريمة في نسبتهم حب الدنيا ومباهجها وشهواتها إليه، مع ما كان منه من استغراق في الدعوة وابتعاد عن ذلك في مكة، وتبدو قوة الرد حينما يلاحظ أن الآيات قد نزلت في أواسط العهد المدني وبعد أن تمكن من القضاء على أعدائه .. " (٢).
إن قصة زواجه من أم المؤمنين زينب بنت جحش أثارت جدلًا طويلًا لذلك يلزم تفصيل خبر هذا الزواج الذي نزل فيه قرآن.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣).
_________________
(١) سيرة الرسول في تصورات الغربيين لجوستاف بفانمو للمر g.pfannmulle ترجمة د. محمود حمدي زقزوق (ضمن بحوث مجلة مركز بحوث السنة والسيرة في قطر. العدد الثاني ١٤٠٧ هـ (١٩٨٧ م) ص١٣٠.
(٢) محمد عزة دروزة: سيرة الرسول ١/ ٥٦.
(٣) الأحزاب:٣٧.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
لقد ورد في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة، وزينب هي بنت عمة الرسول ﷺ أميمة بنت عبد المطلب وزيد بن حارثة عربي من بني كعب وقع في السبي في غارة على قوم أمه بني معن من طيء، فأشترى لخديجة أم المؤمنين ﵂ فوهبته لرسول الله ﷺ وقد رباه رسول الله وأحبه حتى ما كان يدعى إلا زيد بن محمد كما في حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين (١). وقد حاول حارثة والد زيد استعادة ابنه فرفض الابن إلاّ البقاء مع رسول الله ﷺ. وقد زوجه الرسول الكريم بمولاته أُم أَيمن، ثم زوجه ابنة عمه زينب بنت جحش، وقد نزلت الآيات الكريمة في شأن هذا الزواج الذي لم يكتب له التوفيق، والذي سجل اسم زيد في كتاب الله تعالى حيث انفرد بهذا الذكر من بين سائر الصحابة.
ويظهر من مجموع الروايات التي يسوقها الطبري في تفسيره (٢) أن الرسول ﷺ حين خطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، استنكفت منه وأعلنت عدم رضاها به، وقالت: أنا خير منه حسبا، وكانت امرأة فيها حدَّة فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فأسلمت زينب أمرها لله ولرسوله كانت امرأة عابدة أَوَّاهة، فتزوجت زيدًا دون رغبة فيه.
والحق أن الوحي الإلهي تدخل مباشرةً في عقد هذا الزواج، كما تدخل أخيرًا في فصم عُراه، فهو زواج يهدف إلى تحقيق أمر الله ﷿ في تغيير عُرف ساد الحياة العربية في الجاهلية، وتأصل فيها حتى صارت له قدسية العقائد واحترام المحارم، ذلك هو نظام التبني بحيث ينسب الابن المتبني إلى متبنيه بدلًا من أبيه، وتترتبُ على ذلك حقوق في الميراث والحرمة تماثل حقوق الأبوة على البنوة من الصلب. ولا يخفى ما في ذلك من افتئات على الفطرة ومجانبة للعدل، وتجاوز
_________________
(١) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥١٧) وصحيح مسلم ٤/ ١٨٨٤ حديث رقم ٢٤٢٥).
(٢) تفسير الطري ٢٢/ ٩ - ١١.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
على الأنساب، فضلًا عن أن التحريم لا يكون إلاّ بوحي إلهي ولا يستطيع البشر ولو اجتمعوا أن يقرروا حرمة شيء أو حله.
ولكن كيف تبطل هذه العادة فيقلع الناس عن التبني وينتهون عن التحريم والتحليل من دون وحي إلهي؟
لقد اتجه الوحي الإلهي إلى التعامل مع الواقع القائم بصورة عملية كفيلة بالتغيير مباشرة، دون الاكتفاء بالاعلان النظري، وهذا التغيير الواقعي أقوى أثرًا وأسرع في إحداث التغيير، فإقرار العدل يحتاج إلى سرعة التغيير، واجتثاث الانحراف والظلم، فكانت قصة زواج زينب بنت جحش من زيد وقصة انفصالهما تحكي تدخل الوحي في أولها وآخرها لإحداث التغيير السريع في الواقع القائم وهكذا كان.
نزلت زينب على قضاء الله ورسوله، فتزوجت زيد بن حارثة، ولم يتم التوافق بين الزوجين، وكلما اشتكى زيد زوجه للرسول ﷺ قال له: أمسك عليك زوجك مع علمه ﷺ بقضاء الله تعالى، وتقديره زواجه من ابنة عمته زينب بعد طلاق زيد لها وعلمه هذا كان يخفيه في نفسه، فمواجهة الأعراف المستقرة في قضية خطيرة كانت أمرًا ثقيلًا، إذ كيف يتزوج زوجة ابنه - في عرف نظام التبني الجاهلي - ماذا تقول العرب وماذا يقول ضعاف الإيمان من المسلمين؟
لم تكن زينب بعيدة عن رسول الله ﷺ، بل كانت تحت عينه وفي رعايته، فلو كانت له رغبة في الزواج منها لما زوجها زيد بن حارثة ولكن ما كان له بد من تنفيذ قضاء الله.
لم يطق زيد العيش مع زوج لا تألفه فكان أن طلقها، فلما انقضت عدتها أرسل الرسول ﷺ زيدًا نفسه يخطبها له، ففعل زيد ذلك وبذلك تبين أنه ما كان راغبًا في استمرار زواجه بها، وكان راضيًا عن زواجها برسول الله ﷺ، إذ هو الذي قام بالخِطبة، وقد ذهب زيد إلى زينب خاطبًا لرسول الله ﷺ، فلما رآها
[ ٢ / ٦٥٥ ]
هابها واستجلَّها من أجل إرادة النبي ﷺ تزوجها، فعاملها معاملة أمهات المؤمنين في الإعظام والإجلال والمهابة، كما يقول الامام النووي شارح صحيح مسلم (١).
ويروي زيد بن حارثة قصة الخِطبة كما في رواية صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال: "فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمِّر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتُها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن " (٢).
وكان ذلك في ذي القعدة في السنة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة على اختلاف الروايات قبل غزوة بني المصطلق، وقصة زواجها ترتبط بنزول الحجاب. فقد روى البخاري في "صحيحه" من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي ﷺ فخدمته عشر سنين، وتوفي النبي ﷺ وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، كان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، أصبح النبي ﷺ بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المكث، فقام النبي ﷺ فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى النبي ﷺ ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة، ثم ظن أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي ﷺ ورجعت معه حتى
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ٢٢٨.
(٢) صحيح مسلم ٢/ ١٠٤٨ (ط. استنابول).
[ ٢ / ٦٥٦ ]
إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم خرجوا، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي ﷺ بيني وبينه بالستر وأنزل الحجاب" (١).
وكان رسول الله ﷺ صبيحة زواجه بزينب قد أولم عليها بشاة واحدة، وهي أعظم ما أولم على زوجة من أزواجه، كما في حديث أنس بن مالك الذي تقدم.
وكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ، تقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات كما في صحيح البخاري (٢).
وهكذا كانت حادثة الزواج خرقا لعرف جاهلي سائد كان يؤدي إلى توارث باطل يحجب أصحاب الحقوق الفعليين. ويحرِّم زواج الرجل من امرأة تحل له، بزعم أنها كانت زوجة ابنه، وإنما هو متبناه. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣). ولم يكن للنبي ﷺ ابن بالغ مبلغ الرجال حين الخطاب، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٤).
فالعدل ألا يُحرم الوالد من نسبة ولده إليه، وأن تعود حقوق الإرث والحرمات إلى ما شرع الله تعالى في ذلك دون أهواء الناس وأعراف الجاهلية.
وقد يتصور البعض أن زيدًا - ﵁ - لم يكن كفئا للقرشيات، فالحق خلاف ذلك فهو من أوائل المسلمين السابقين زوجه رسول الله بعد طلاقه زينب من عقيلات قريش أم كلثوم بنت عقبة وأروى بنت كريزة ودرة بنت أبي لهب وهند بنت العوام أخت الزبير.
وقد أملت الأهواء على بعض الرواة الضعفاء روايات لا يؤبه لقائلها بأن ما كان النبي ﷺ يُخفيه هو محبةُ زينب ورغبتُهُ في الزواج منها، والحق أن الوحي الإلهي أوضح علة هذا الزواج بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
_________________
(١) متفق عليه (صحيح البخاري كما في فتح الباري ٩/ ٢٣٠ وصحيح مسلم ٢/ ١٠٥٠).
(٢) صحيح البخاري كما في فتح الباري ١٣/ ٤٠٣.
(٣) الأحزاب آية: ٤٠.
(٤) الأحزاب: ٥.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
وقد أشارت الآية إلى أن الله تعالى أنعم على زيد بالإسلام، وأن محمدًا ﷺ أنعم عليه بالعتق والحرية، وارتضاه زوجًا لابنة عمته، وحاول جاهدًا الإصلاح بينهما، وكتم العلم بما سيكون من زواجه منها حتى طلقها زيد - ﵁ - فخطبها وتزوجها بأمر الله تعالى إبطالًا لعادة التبني، وإرجاعًا للحق إلى نصابه.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
جيل عصر السيرة
فضل الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم
ما هي خصائص الجيل الذي رباه محمد ﷺ فأقام دولة الإسلام، وخاض غمرات الجهاد ونشر دعوة الإسلام في الآفاق، وصار من أعظم الأدلة على نجاح التربية المحمدية، فإنه لم يسبق لنبي أن ربَّى جيلًا بكامله، كما فعل رسول الله ﷺ. فلنتعرف على هذا الجيل من خلال الكتاب والسنة والواقع التاريخي.
صفة الصحابة في القرآن والسنة:
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
هكذا يصف القرآن محمدًا وصحبه، ذلك الجيل المثالي الذي حقق مستوى سامقًا في الارتقاء الروحي والخلقي، فصقلته العبادة وكساه الركوع والسجود نورًا وبهاءا، وحددت العقيدة مفاهيمه وقيمه وولاءه وبراءه ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ يوالون بعضهم ويحادون من سواهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ذلك الجيل الذي خلدته كتبُ السماء فوصفته التوراة والإنجيل والقرآن بهذا الوصف الرائع، ممثلةً امتداد قيمه وانتشار عقيدته وكثرة أنصاره وقوة وجوده واستمساك أمره بالزرع الذي يتفرع وينتشر ويزداد ويشتد ساقه، يعجب أهله الذين غرسوه ويغيظ الأعداء، وقد ذُكر عند الإمام مالك بن أنس رجل
_________________
(١) الفتح:٢٩.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
ينتقص الصحابة رضوان الله عليهم فقرأ الإمام مالك هذه الآيات حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية.
ذلك الجيل الذي بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، وحفظ القرآن والسنة، ولو فرط فيهما ما وصلا إلينا سالمين محفوظين بحفظ الله تعالى، لذلك ذهب كثير من العلماء إلى أن الطعن في جيل الصحابة إنما هو طعن في مصادر تلقينا للقرآن والسنة. وبالتالي فهو طعن بالدين.
ذلك الجيل الموصوف بالخيرية والأفضلية المطلقة على سائر الأجيال كما أخبر المصطفى ﷺ: "خير الناس قرني. ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. إنَّ بعدكم قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُسْتَشهدون، وينذرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السِّمَنُ" (١).
وهذه الخيرية تجعل من جيل الصحابة مُثُلا عليا للمسلمين في كل زمان ومكان، فهم يتطلعون إليهم ويعتذرون بهم، ويقتدون بأعمالهم، ويسترشدون بسيرهم، تلك السير المتنوعة في الحرب والسلم والعبادة والمجاهدة والمعاملة مما يكفل للمسلمين في مختلف العصور نماذج متنوعة صالحة للاقتداء.
ففي الحرب تجد الصحابة مؤمنين محتسبين مجاهدين ثابتين وصفهم القرآن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
(٢).
وهم في السلم هداة معلمون، ومصلحون عاملون، وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم أَمَنةٌ لأمته، ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ: "النجومُ أَمَنَةُ السماء، فإذا ذهبت النجومُ أتى السماءَ ما تُوعد، وأنا أَمَنةٌ لأصحابي، فإذا
_________________
(١) رواه البخاري (الصحيح ٣/ ١٥١).
(٢) آل عمران: ١٧٢.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أَمَنَة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون"
(١).
ومعنى أَمنةُ أمتي: أي حَفَظَتهم كما أن الملائكة حفظة السماء، وهذا الحفظ للأمة بحفظهم لدينها، وقيامهم بطاعة الله والتزام أوامره، ودعائهم للمسلمين، وذودهم عن الدين بالجهاد بالنفس والمال واللسان، لذلك أمر الرسول ﷺ المسلمين في كل زمان ومكان بتوقير الصحابة واحترامهم ومحبتهم، ونهى عن أذاهم وتناولهم بالكلام الجارح والجرأة عليهم، ففي الصحيحين قال رسول الله ﷺ:"لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدًا أنفق مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصِيفَه (٢) "، أي ما بلغ القدر اليسير من فضلهم.
وقد بشَّر رسول الله ﷺ العديد من الصحابة بالجنة فقال ونعم "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة" (٣). فهؤلاء هم المبشرون بالجنة. ولم يحظَ بذلك جيل سوى جيل الصحابة رضوان الله عليهم ولم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - متساوين في الفضل والدرجة، بل كانوا يتفاضلون في السابقة والجهاد وكثرة البذل في سبيل الإسلام، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٤) وقد فصلت الأحاديث الشريفة مقامات الصحابة وتفاضلهم ودرجاتهم.
روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه حديث رقم ٢٥٣١.
(٢) رواه البخاري ومسلم (صحيح البخاري ٧/ ٢٧ و٢٨ وصحيح مسلم حديث رقم ٥٤١).
(٣) الترمذي: سنن ٥/ ٦٤٧ - ٦٤٨ وأنظر: صحيح البخاري ٤/ ١٩٦، ٨/ ٩٧، ١٣٦ وصحيح مسلم ٤/ ١٨٦٨.
(٤) الحديد:١٠.
[ ٢ / ٦٦١ ]
"أهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (١) وهذا من علامات نبوته ﷺ فقد استشهد الخمسة الآخرون رضوان الله عليهم أجمعين.
ودل الرسول الكريم ﵊ على خصائص بعض الصحابة العلمية أو الخلقية أو الجهادية، إرشادًا للأمة للأخذ عنهم والاقتداء بهم فقال: "خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله وسالم ومعاذ وأبي بن كعب" (٢) وهم عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب.
وأشاد مرة بأبي بكر الصديق ﵁ وسماحته بماله ونفسه في سبيل الإسلام، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس قال: "خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال إنَّه ليس من الناس أحدا أمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر ابن أبي قحافة ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خُلَّة الإسلام أفضل، سُدَّوا عني كلّ خَوخَة في هذا المسجد غيرَ خوخة أبي بكر" (٣).
وأشاد ﷺ بعمر بن الخطاب فقال: "إن الله تعالى جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه" (٤).
وقال: "لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناسُ مُحَدَّثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحدٌ فإنه عمر" (٥).
وهكذا بين خصائص عمر بن الخطاب ﵁ حيث صار رمزًا للعدل في الإسلام، وبقيت سيرته الطافحة بالعدل الشامخ، والزهد في الدنيا، والجهر
_________________
(١) صحيح مسلم حديث رقم ٢٤١٧ وقارن برواية البخاري في الصحيح ٤/ ٢٠٤.
(٢) رواه البخاري ومسلم (صحيح البخاري ٦/ ١٠٢ وصحيح مسلم ٤/ ١٩١٣ حديث رقم ٢٤٦٤).
(٣) صحيح البخاري: ١/ ١٢٠.
(٤) رواه الترمذي وقال: حسن غريب (سنن ٥/ ٦١٧ حديث رقم ٣٦٨٢).
(٥) رواه البخاري ومسلم (صحيح البخاري ٤/ ٢٠٠ وصحيح مسلم ٤/ ١٨٦٤ حديث رقم ٢٣٩٨).
[ ٢ / ٦٦٢ ]
بالحق، والقيام بمصالح الأمة من تنظيم الدواوين، ووضع الخراج، وتجهيز الجيوش، وتحرير المجتمعات من ظلمات الجاهلية، والأخذ بيد الشعوب نحو نور الإسلام، وكرامة الإيمان، وعدل الرحمن، فكان ملهمًا محدثًا ذا فراسة. كما وصفه رسول الله ﷺ بالعمق في الدين والعلم، والعبقرية في العقل والاجتهاد والعمل.
وأشاد ﷺ بعثمان ذي النورين، الذي ما جمع أحد بين بنتي نبي سواه حيث زوَّجَهُ رسول الله ﷺ بنته رقية، فلما ماتت زوجه بنته الثانية أم كلثوم، لذلك لقب بذي النورين، وقد بشَّره رسول الله ﷺ بالجنة والشهادة. فافتدى الأمةَ وحقن دماءها بدمه، ورفض الانصياع للأعراب بالتنازل عن الخلافة بمشورة عبد الله بن عمر لئلا تصبح سنة كلما كره قوم أمامهم خلعوه أو قتلوه (١).
مما يدل على بصيرة سياسية، ووعي بالسنن الاجتماعية، وقدرة على اتخاذ الموقف في أحرج الظروف ومع أشد التضحيات.
وأشاد - ﷺ - بعلي بن أبي طالب، وزوَّجه بنتَه فاطمة الزهراء البتول، وشهد له بالجنة والشهادة، وروى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ خلَّف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلِّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ (٢).
وروى الإمام مسلم أنه ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله .. فدعا عليًا فأعطاه الراية (٣).
فهذه نبذة عن مكانة الصحابة الكرام مما يوجب موالاتهم ومحبتهم والاستغفار لهم وحفظ حقهم ومكانتهم.
_________________
(١) خليفة بن خياط: التاريخ ١٧٠ بإسناد حسن.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ٢٠٨ وصحيح مسلم ٤/ ١٨٧٠ حديث رقم ٢٤٠٤.
(٣) صحيح البخاري ٤/ ٢٠٧ وصحيح مسلم ٤/ ١٨٧١.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
مبادرة الصحابة إلى طاعة الله
كانت أجيال المسلمين في القرون الأولى تقرأ القرآن وكأنه ينزل على كل واحد منهم - رجلًا كان أو امرأة - غضًا طريًا، وكانت لغة التخاطب بينهم هي الفصحى التي نزل بها القرآن وقد أعانهم ذلك على فهم الخطاب الإلهي بسهولة ويسر، كما ولَّد الأثر القوي في نفوسهم، وسرعة الاستجابة التامة لتعاليمه وأحكامه.
ولا شك أن جيل الصحابة (رضوان الله عليهم) كان أسرع استجابة وأبلغ تأثرًا، وأقدر على التخلص من عادات الجاهلية وتقاليدها وأعرافها، حتى لو كانت العادة الجاهلية قد استقرت منذ قرون وصارت عُرفًا مشروعًا وتقليدًا مقبولًا.
قالت عائشة ﵂: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) شققن مروطَهُنَّ فاختمرن به" (٢).
ومن أبلغ المواقف التي بادر فيها الصحابة إلى إعلان الطاعة مع إحساسهم بالمشقة ما رواه أبو هريرة ﵁ قال:"لمَّا نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله كُلّفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والجهاد والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؟
قال رسول الله ﷺ: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا:
_________________
(١) النور: ٣١.
(٢) صحيح البخاري ٦/ ١٣ مختصرًا وقارن بسنن أبي داؤد ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٣) البقرة: ٢٨٤
[ ٢ / ٦٦٤ ]
سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فأنزل الله ﷿ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال: نعم) رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال: نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (قال: نعم) (١)
فهذا الحديث يفيد سرعة مبادرة الصحابة إلى الطاعة حتى عندما يجدون في التكليف مشقة. وقد عرف الله تعالى منهم حسن الطاعة فأثابهم بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم، كما قال ابن عباس ﵁ عندما قرأ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قال: هم المؤمنون وسَّعَ الله عليهم أمر دينهم فقال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).
وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) (٥).
وقد جاء في الحديث النبوي "أن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٦).
والحديث يوافق الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ حيث استجاب الله تعالى لهم فقال: نعم كما في صحيح مسلم.
قال ابن كثير في معنى الدعاء في الآية: أي إن تركنا فرضا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك، أو أخطأنا الصواب في العمل جهلا منا بوجهه الشرعي" (٧).
_________________
(١) صحيح مسلم رقم الحديث ١٢٥. وقارن برواية سنن الترمذي رقم الحديث ٢٩٩٢.
(٢) الحج:٧٨.
(٣) البقرة:١٨٥.
(٤) التغابن:١٠٦.
(٥) تفسير الطبري: ٣/ ١٥٤.
(٦) سنن ابن ماجة رقم الحديث ٢٠٤٥.
(٧) تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وقد حددت الآية والحديث قاعدة عظيمة في تحديد المسئولية فالإنسان لا يسأل عن الخواطر التي تقع في نفسه ما لم يتكلم أو يعمل بها كما في صحيح مسلم قال ﷺ: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به" (١).
إذ لا يسيطر الإنسان على الخطرات والصور التي ترد إلى ذهنه، ومن هنا أحس الصحابة رضوان الله عليهم بالحرج عندما نزلت الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ لكنهم بادروا بالطاعة فرفع الله عنهم الحرج، كذلك فالإنسان لا يُسأل إلا عن الأعمال التي صدرت منه في حال العقل والعمد والاختيار، ومن هنا لم يُعتبر الكفر مع الإكراه قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ولم يعتبر الطلاق للمجنون والمكره، ولم يعتبر ما أكله الصائم ناسيًا قادحًا في صومه.
فهذا التيسير في الأحكام إنما كان ببركة مبادرة الصحابة إلى الطاعة مع الإحساس بالمشقة.
وقد حثَّ رسول الله ﷺ على المبادرة إلى الطاعة، خوفًا من تغير الأحوال وإقبال الفتن والأهوال، مما يصرف الإنسان أو يضعفه عن المبادرة إلى الإحسان والطاعات، فقال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يُصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يُمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيعُ دينه بعَرَض من الدنيا" (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تصدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحُلقوم. قلت: لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا وقد كان لفلان" (٣).
_________________
(١) صحيح مسلم، رقم الحديث ١٢٧.
(٢) صحيح مسلم رقم الحديث ١١٨.
(٣) صحيح البخاري ٣/ ٢٢٦ وصحيح مسلم رقم ١٠٣٢.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فالحديث يبينِّ أهمية المبادرة إلى بذل الصدقة والمعروف، فالإنسان حين يبذل المال وهو في تمام صحته وعنفوان حياته، وهو إليه محتاج وعليه حريص، ينتابه الخوف من الفقر، وتتملكه الرغبة في جمع المال حبًا له أو حيطةً لمستقبله ومستقبل عياله، هذا الإنسان حين يتصدق ويبذل فإنه يكون قد نجح في الامتحان، فغلب توكُلُه الصادقُ على كل الوساوس والخطرات، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
فالشيطان إذًا يورد على ابن آدم خواطر الشر والشك في وعد الله تعالى من الثواب على الأعمال الصالحة والصدقات وبذل المعروف ووعد رسول الله ﷺ بقوله: (ما نقصت صدقة من مال) (٢).
فيورد عليه الشيطان الوساوس يقول: أمسك عليك مالك فإنك تحتاجه، وبادر إلى اللذات والنعيم بالدنيا قبل فواتها، يقول رسول الله ﷺ مبينًا الصراع الذي ينتاب الإنسان بين وساوس الشر يلقيها الشيطان وخواطر الخير يلقيها الملاك: للشيطان لَمَّةٌ بابن آدم وللمَلَك لَمَّة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. وأما الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٣).
ولعل أقوى ما يدفع لَمَّة الشيطان وإلقاءه الوساوس حال الاقتراب من الإنسان أن يبادر الإنسان إلى فعل الطاعة. وبذلك يقطع السبيل على الوساوس والخطرات التي تستهدف إضعاف إيمانه والنيل من توكله على الله تعالى وتصديقه بوحيه وإخباره.
_________________
(١) البقرة:٢٦٨.
(٢) صحيح مسلم حديث رقم ٢٥٨٨.
(٣) سنن الترمذي حديث رقم ٢٩٨٨ (ط. شاكر) والآية من سورة البقرة: ٢٦٨.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وقد روى الصحابي جرير البجلي ﵁: أن قوما من المسلمين وفدوا على رسول الله ﷺ في أول النهار، فإذا هم عراة حفاة يلبسون أكياس الصوف وعليهم السيوف، فتغيَّر وجه الرسول ﷺ إشفاقًا عليهم، وجمع الناس، وحثهم على الصدقة، وقرأ عليهم الآيات في ذلك ومنها ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (١). فتتابع الناس حتى جمعوا كومين من طعام وثياب، فتهلل وجه الرسول ﷺ فرحًا بمبادرة الصحابة إلى معونة إخوانهم وطاعة ربهم (٢).
_________________
(١) الحشر: ١٨.
(٢) صحيح مسلم ٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥ حديث رقم ١٠١٧.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
تجرد الصحابة للدعوة إلى الإسلام
قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
هذه الآيات الكريمة نزلت في وصف المهاجرين والأنصار من صحابة رسول الله ﷺ، وهي توضح تجردهم لدعوة الإسلام، فلم يقف حب الديار والتعلق بالمال عائقًا أما خدمتها، فلما أمروا بالهجرة سارعوا إليها تاركين ما ألفته النفس من الديار، وما حازوه من المال تجردًا للدعوة، وابتغاء مرضاة الله التي تعلو على كل حظوظ النفس، وقد وصفتهم الآيات بالإيمان الصادق وتسديد النية في ابتغاء فضل الله ورضوانه، فليس لهم مطمع في المال والجاه والشهرة، وعندما يحين وقت البذل والعطاء نجد أيديهم سمحة بالمال ممدودة بالسخاء، لا تقف عند حدود بذل المال الزائد والفضل عن الحاجة بل تحقق ما هو أرفع تحقق الإيثار على النفس المحتاجة .. فتحرم من حاجتها لتلبي حاجة العقيدة أولًا .. لقد انخلع جيل الصحابة عن الشح ليحققوا الفلاح الذي وصفتهم به الآيات بعد أن استحقوا صفة النصرة لله وللرسول، وبذلك صاروا رموزا شامخة وأعلامًا هادية وقدوات سامقة تتطلع أجيال المسلمين إليهم بكل فخر واعتزاز وبكل تمجيد وتقدير، وما أحسن وصف ابن مسعود لأبناء جيله من الصحابة حين قال: "من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم"
_________________
(١) الحشر ٨ - ٩.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
نهض الصحابة رضوان الله عليهم بالدعوة إلى دين الله، وعبَّروا عن مضامينه ومقاصده أجمل تعبير، مما يدل على وعي عميق بواقع عصرهم، ومقاصد دينهم .. قال ربعي بن عامر لقائد الفرس رستم: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيف الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" (١).
وكان الصحابة يحملون رسالة إلى أهل الأرض، وكان أشد فرحهم عند دخول الناس في الإسلام، وكانوا بذلك واعين لأهدافهم حريصين على نشر عقيدتهم مستوعبين لقوله ﵊ لعلي ﵁ يوم خيبر: "لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم" (٢).
وكانت قياداتهم بعد رسول الله ﷺ تؤكد هذا المعنى .. قال الصحابي الجليل أنس بن مالك: "بعثني أبو موسى الأشعري بفتح تُسْتَر إلى عمر، فسألني عمر وكان ستة نفر من بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين - فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت يا أمير المؤمنين، قوم قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين ما سبيلهم إلا القتل. فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلما أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء - أي من الذهب والفضة -.
قلت: يا أمير المؤمنين، وما كنت صانعا بهم لو أخذتهم؟
قال لي: كنت عارضا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم وإلا استودعتهم السجن" (٣).
ولما عرض المقوقس على عمرو بن العاص الجزية عند فتح الإسكندرية على أن يرد إليهم الأسرى، كتب عمر بن الخطاب إلى ابن العاص بقبول الجزية، وتخيير الأسرى بين الإسلام والنصرانية .. وقد وصف موقف التخيير
_________________
(١) تاريخ الطبري ٣/ ٥٢٨.
(٢) صحيح مسلم ٢/ ٢٧٩.
(٣) البيهقي: السنن ٨/ ٢٠٧.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
شاهدُ عيانٍ هو زياد بن جزء الزُّبيدي، قال: "فجمعنا ما في أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا، ثم نخيِّرهُ بين الإسلام والنصرانية، فإذا اختار الإسلام كبَّرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية. قال: ثم نحوزه إلينا. وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعًا شديدًا حتى كأنه رجل خرج منا إليهم.
قال: فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم.
وقد أُتي فيمن أتينا به - بأبي مريم عبد الله بن عبد الرحمن، فوقفناه فعرضنا عليه الإسلام والنصرانية - وأبوه وأمه وأخوته في النصارى - فاختار الإسلام فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وأخوته، يجاذبوننا حتى شقَّقوا عليه ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا (١) ".
وهذه الحادثة تكشف عن مشاعر الصحابة، وتعلقهم بدينهم، ورغبتهم الصادقة في إسلام الناس، وإن سقطت الجزية عنهم، ثم هي تكشف عن جو الحرية الدينية، وعدم إجبار أحد على اعتناق الإسلام حتى مع القدرة عليهم.
ولم يكن طريق الإسلام في جيل الصحابة معبدًا مفروشًا بالزهور، وخاصة في أولى مراحل الدعوة بل كان محفوفا بالأخطار، وكان الدخول فيه امتحانا شاقا لا تجتازه بنجاح إلا الهمم الشامخة والنفوس العالية، التي حازت الإيمان والتقوى والإخلاص والمجاهدة .. مرَّ رجل بالمقداد بن الأسود - ﵁ - فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت!! فقال المقداد: ما يحمل أحدكم على أن يتمنَّى محضرًا غيَّبه الله ﷿ عنه. لا يدري لو شهده كيف يكون فيه! والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام - كبهم الله ﷿ على مناخرهم في جهنم - لم يجيبوه ولم يصدقوه! أولًا تحمدون الله إذ أخرجكم الله ﷿ لا تعرفون إلا ربكم مصدِّقين بما جاء
_________________
(١) تاريخ الطبري ٤/ ٢٢٧.
[ ٢ / ٦٧١ ]
به نبيكم ﵇، وقد كُفيتُم البلاء بغيركم؟! والله لقد بُعث النبي ﷺ على أشدِّ حال بعث عليه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرَّق به بين الحق والباطل، وفرَّق بين الوالد وولده، حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو خاله كافرًا. وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان، ليعلم أنه قد هلك من دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه - أي أقربائه - في النار، وإنها للتي قال الله ﷿: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
وكان معظم الصحابة من الفقراء، وكانت الدولة الناشئة في المدينة المنورة لا تملك الأموال، فلا مطمع لمن يدخل في دين الله في نيل المال أو الجاه أو أي من أعراض الدنيا، ومن طريق الروايات التي تصور فقرهم وحالهم ما أخرجه البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل سهل بن سعد - ﵁ - قال: كانت منا امرأة تجعل في مزرعة لها سِلْقًا، فكانت إذا كان يوم الجمع تنزع أصول السلق فتجعله في قِدْر، ثم تجعل قبضة من شعير تطحنه، فتكون أصول السلق عَرْقَة - أي عظمه ولحمه -.
قال سهل: كنا ننصرف إليها من صلاة الجمعة فنسلم عليها، فتقرب ذلك الطعام إلينا، فكنا نتمنَّى يوم الجمعة لطعامها ذلك - وفي رواية: ليس فيها شحم ولا وَدَك، وكنا نفرح بيوم الجمعة" (١).
وقد تحمَّل الصحابة الكرام من الجوع والعطش والحرِّ والبرد والأذى، فصبروا على الامتحان، وآثروا العقيدة على نعيم الدنيا، فاستحقوا المكانة التي وصلوا إليها حيث خلدهم كتاب الله تعالى بما وصفهم به من عاطر الثناء، وحفظت لهم الأمة الإسلامية قدرهم على مدى الزمان.
لقد كان الصحابة يلتزمون بالبيعة لرسول الله ﷺ، ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وكان للبيعة قيمة عالية فهي التزام حرُّ وتعاقدٌ بين الطرفين، وقد دلَّلوا
_________________
(١) المنذري: الترغيب والترهيب ٥/ ١٧٣.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
دائمًا على صدق التزامهم فلبَّوا داعي الجهاد وخاضوا غمار المعارك في أماكن نائية عن ديارهم، ودُفِنَ كثير منهم في أطراف الأرض ما بين كابل والقسطنطينية والقيروان وما عرفوا القعود عن الجهاد والحفاظ على الكرامة والذود عن العقيدة.
وبيعة الناس للخليفة تدل على أن الأمة هي مصدر السلطة، وأن السلطة ليست ثيوقراطية، وليست ممنوحة من الله لأحد من البشر بل هي تعاقد بين المسلمين وحاكمهم على أن يطيعوه في العسر واليسر والمنشط والمكره، مقابل حفاظه على دين الله، وإنفاذه حكم الله، وحفظه للأمن، وتحقيقه لمصالح الرعية، فلا كهنوت في الإسلام ولا تفويض إليهًا، بل بيعة حرة يدرك الطرفان، الأمة والحاكم عمق معناها ومدى التزاماتها؛ ذلك العمق والالتزام النابعان من معنى الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١).
وما أدق تعبير عمر بن الخطاب - ﵁ - حين قال له عمير بن عطية الليثي - ﵁ -: يا أمير المؤمنين ارفع يدك - رفعها الله - أبايعْكَ على سُنَّة الله ورسوله. فرفع عمر يده وضحك وقال: هي لنا عليكم ولكم علينا. فالتزام البيعة إذًا يشمل الراعي والرعية.
لقد خلد القرآن الكريم مواقف المسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار في آيات كثيرة. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).
والسابقون الأولون هم الذين صلَّوا إلى بيت المقدس أولًا ثم صلوا إلى الكعبة بعد تحويل القبلة إليها، وهذا الرأي قال به سعيد بن المسيب، ومحمد ابن سيرين، وهما من كبار التابعين. وتحويل القبلة إلى الكعبة كان في السنة الثانية من الهجرة بعد ستةَ عشرَ شهرًا من قدومه ﷺ إلى المدينة، فمن كان على الإسلام قبل هذا التاريخ فهو من السابقين الأولين.
_________________
(١) الفتح: ١٠.
(٢) التوبة: ١٠٠.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
إنَّ أولى السابقة تحمَّلوا المسئولية في ظروف الشدة والخطر، فالمهاجرون ضحوا بالأهل والمال والديار، وهاجروا لنصرة عقيدتهم، والأنصار عرَّضوا مدينتهم للخطر، وآثروا العقيدة بالنفس والمال والأمن.
وقد تفاضل الصحابة - رضوان الله عليهم - حسب قدمهم في الإسلام وخدمتهم للعقيدة، فكان البدريون طبقة أولى فهم من السابقين الأولين، وكان من شهد أُحُدًا طبقة ثانية، وكان من شهد الخندق طبقة ثالثة، ومن شهد بيعة الحديبية طبقة رابعة، ومن أسلم في ما قبل الفتح طبقة ومن أسلم بعد فتح مكة طبقة.
وروى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استأذن الرسول ﷺ في أن يقتل حاطب بن أبي بلتعة وهو صحابي بدري، حاول أن يرسل خبر إعداد المسلمين لفتح مكة إلى قريش، لكن الرسالة سقطت بيد المسلمين، واعترف حاطب بأنه أراد أن يحمي أهله بمكة من أذى قريش، وهنا نجد أن سابقة حاطب وشهوده بدرًا تشفع له، فلا يأذن الرسول ﷺ لعمر بقتله بل يقول: إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلَّع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم" (١).
وقد اشتكى أحد عبيد حاطب بن أبي بلتعة عليه عند رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله ليدخلنَّ حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: كذبتَ لا يدخلها إنه شهد بدرًا والحديبية" (٢).
وقد قال رسول الله ﷺ: "لن يدخل النار أحدٌ شهد بدرًا والحديبية" (٣).
وقد اختص عمر بن الخطاب أهلَ السابقة والخدمة للإسلام بعطاءٍ أوفر من الدولة، وهكذا قرن بين التكريم المعنوي والمادي لتمكين هؤلاء الرجال من العيش الكريم، ولتقوية نفوذهم في المجتمع، وتدعيم مركزهم في القيادة
_________________
(١) صحيح البخاري (فتح الباري ٢/ ٥١٩) وصحيح مسلم ٤/ ١٩٤١.
(٢) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٢. وكذبت تستعمل بمعنى أخطأت.
(٣) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٢.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
والتوجيه، وهي التفاتة تدلُّ على عبقرية أمير المؤمنين عمر - ﵁ -.
روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كُراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع - أي السنة المجدبة - وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ.
فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما، وحمل بينهما نفقة وثيابا، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها.
فقال عمر: ثكلتك أمُّك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمنًا فافتتحناه، ثم أصبحنا نستفييء سهماننا فيه".
وقد تكرر ذلك من عمر - ﵁ -، فقد قسَّم مروطا (أكسية من صوف أو خز) بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيِّد، فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك - يريدون أم كلثوم بنت علي - ﵁ - وكانت زوجة لعمر بن الخطاب.
فقال عمر: أم سُليط أحق به، فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ وكانت تحمل للناس القرب يوم أحد (١).
وهكذا فإن تكريم الأبطال الذين يقدمون خدمات عظيمة للمجتمع انسحب على أبنائهم، وبذلك يعرف الناس جميعًا أن تضحياتهم لا تضيع في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
_________________
(١) ابن الجوزي: مناقب عمر ٥٧.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
ولا شك أن الإسلام جعل اتباعه يتطلعون إلى ما عند الله من الأجر العظيم، الذي لا يعدله شيء من تكريم الدنيا مهما عظم، فقد صحّ أن أعرابيًا شهد فتح خيبر أراد النبي ﷺ أثناء المعركة أن يقسم له قِسْمًا وكان غائبًا، فلما حضر أعطوه ما قسم له، فحاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأدخل الجنة.
قال: إن تصدق الله يصدقك.
فلبثوا قليلا. ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفَّنه النبي ﷺ بجُبَّتِه وصلَّى عليه ودعا له فكان مما قال: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، وأنا عليه شهيد" (١)
وقد أثبت الأبطال المسلمون ترفعا على الدنيا وما فيها، وشمخت نفوسهم إلى الرضوان الأكبر، فعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: "والله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية، أنه يريد الدنيا مع الآخرة" (٢).
ولما قُدِم بسيف كسرى على عمر ومِنْطَقَتِه وزِبْرجِهِ، قال عمر: ان أقواما أَدَّوا هذا لَذَوو أمانة.
فقال علي - ﵁ -: إنَّكَ عففتَ فعفَّت الرعية (٣).
ومن أجل مظاهر تكريم الصحابة في الإسلام أنهم اعتبروا موضعَ قدوة وتأسٍ من بين المسلمين، فكتبت سيرهم وعرفت أخبارهم وبلغت كتب التراجم التي خلدت ذكراهم عشرات الألوف من الكتب، فلم تعنَ أمة بتسجيل تراجم رجالاتها مثل عناية الأمة الإسلامية، وهذا هو السبب الذي جعل كتب التراجم أوسع موضوعات المكتبة العربية الإسلامية.
_________________
(١) مصنف عبد الرازق ٥/ ٢٧٦.
(٢) تاريخ الطبري ٤/ ١٩.
(٣) المصدر السابق ٤/ ٢٠.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وكان العلماء قديمًا وحديثًا يوجِّهون النشأ إلى النظر في سيرة الرسول ﷺ، وسير أصحابه الغر الميامين، لينشأوا على حب البطولة والأبطال، وليتأسوا بخلق أصحاب المروءة والشجاعة والكرم والصدق والعفاف والمعروف. وقد نبَّه القرآن الكريم إلى ضرورة تحقيق هذا المنهج في الاقتداء بالصالحين فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). والاقتداء بالرسول ﷺ شامل لمنهجه في مطالب الدين والدنيا لأنه لا ينطق عن الهوى بل هو وحي يوحى.
أما الاقتداء بالعظماء والصالحين من البشر فيكون في الجانب الذي تميزوا به مما يتطابق مع أحكام الشرع ومقاصده، فيستفاد من تطبيقهم ذلك في حياتهم لتوضيح المعنى وإبراز موضع القدوة، مع ضرورة اعتبار بعض القواعد، ومنها أن الأفذاذ من الأبطال والصالحين لهم أخطاؤهم أيضًا، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم ﷺ، ومن هنا تظهر أهمية قاعدة "اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال" فمن المهم وضوح الحق وتميزه ومعرفة الباطل وتميزه، وقد قال الإمام أحمد: "من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال".
والصحابة أنفسهم يتفاضلون في السابقة والجهاد والعلم بالقرآن والسنة والفقه، فمنهم البدريون والأحديون وأصحاب الخندق ومسلمة ما قبل الفتح ومسلمة ما بعد الفتح، ولا شك أن أصحاب السابقة هؤلاء يمتازون بأنهم رموز الدعوة الإسلامية ومثلها العليا، وكانت أعمالهم سوابق تُحتذى، كما أن النبي ﷺ نص على أن أعمال الخلفاء الراشدين سنّة تُحتذى، وسوابق يقاس عليها، وذلك في الحديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ" (٢).
ونجد الآية الكريمة هنا توجه المؤمنين إلى إتباع أهل السابقة ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾.
_________________
(١) الأنعام: ٩٠.
(٢) سنن أبي داود ٥/ ١٤ حديث رقم ٤٦٠٧ وسنن الترمذي حديث رقم ٢٦٧٨ وقال: حسن صحيح. وسنن ابن ماجة حديث رقم ٤٢.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
ونجد الخليفة عمر بن الخطاب يختص أهل السابقة من البدريين بأعلى العطاء، وكان يدرك أن ترسيخ جذور هذه الفئة وتقويتها بالدعم المادي والأدبي يمكنها من القيام بدورها خير قيام، ويجعلها تتخلص من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك تعين على ترسيخ القيم الإسلامية والحفاظ عليها، وتمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن تعيقها الحاجة، أو تستذلها المادة، أو تخيفها من قولة الحق.
إنَّ لكل مجتمع رموزًا وقادة يمثلون قيمه، ويوجهون الأمة نحوها، ورموز المجتمع الإسلامي الأول هم صحابة رسول الله ﷺ، وأفضلهم أهل السابقة، فقد محَّصتهم الفتن، وامتُحِنوا بالنفس والنفيس، فاسترخَصوا كل شيء من أجل رفع راية العقيدة الإسلامية.
هذا صهيب - ﵁ - أقبل مهاجرا نحو النبي ﷺ، فتبعه نفر من قريش مشركون، فنزل فانتشل كنانته فقال: قد علمتم يا معشر قريش أني أرماكم رجلا بسهم، وأيم الله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم شأنكم بعد ذلك، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وتخلوا سبيلي، قالوا: نعم. فتعاهدوا على ذلك فدلَّهم، فأنزل الله على رسوله القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (١). حتى فرغ من الآية. فلما رأى النبي ﷺ صهيبا قال: ربح البيع يا أبا يحيى! ربح البيع يا أبا يحيى! وتلا عليه الآية (٢).
وأمثال صهيب كثير عافوا الأرض والأهل والمال، وهاجروا بأنفسهم إلى الله ورسوله، فكانوا مادة الإسلام ورجاله الأولين. وكانت الهجرة نصرةً لدين الله ودفعًا لفتنة الإِقامة بين ظهراني المشركين، كذلك كانت بيعة الأنصار في العقبة الثانية على النصرة، فقد مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في
_________________
(١) البقرة: ٢٠٧.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٣/ ١٦٢ - ١٦٣. والحاكم: المستدرك ٣/ ٣٩٨، وصححه على شرط مسلم.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
منازلهم عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول: "من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ "فلا يجيبه أحد يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر، فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. حتى بعث الله إليه الأنصار فآووه وصدقوه ونصروه (١).
وأنفق الأنصار النفقة العظيمة، وواسوا المهاجرين بأموالهم، وآثروهم على أنفسهم حتى قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل القوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المؤونة واشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال ﷺ: لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم" (٢).
وقد استحق الأنصار وصف رجال العقيدة المخلصين كما قال لهم ﷺ: "إنكم ما علمت تكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع". وتخليدًا لمروءتهم وعفتهم وشهامتهم قال ﷺ: "ما يضر امرأة نزلت بين بيتين من الأنصار، أو نزلت بين أبويها" (٣).
وهكذا كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم يقدم التضحيات الجسيمة في سبيل نصرة دين الله، فمكَّن الله لهم في الأرض كما وعدهم - ووعدُهُ الحقُّ - بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤).
وقد دلَّل التاريخ على نجاح التربية المحمدية للصحابة رضوان الله عليهم، فبرز منهم عظماء الإسلام من الخلفاء والولاة والقضاة والقادة والعلماء والمربين، وتمكنوا من إرساء قواعد العقيدة ومنهاج الشريعة وأصول التربية وقيم الأخلاق
_________________
(١) الحاكم: المستدرك ٢/ ٦٢٥.
(٢) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (مسند أحمد ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٤، وسنن الترمذي ٤/ ٦٥٣ حديث رقم ٢٤٨٧ وقال: صحيح حسن غريب.
(٣) الهيثمي: مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠ وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٤) النور: ٥٥.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، فلما توفي رسول الله ﷺ ترك في الدنيا الرجال الذين رباهم على عينه، وقد ودعهم الوداع الأخير عندما أطل عليهم من حجرته صفوفًا منتظمةً خلف الصديق - ﵁ - فابتسم ابتسامة الرضا والطمأنينة والثقة على مصير العقيدة في أيدي الصحابة الثقات.
وتتالت الأحداث الخطيرة بعد وفاته وعجم التاريخ عود الصحابة واختبر صلابة قناتهم التي لا تلين .. ارتد الأعراب خارج المدينة ومكة والطائف وامتنعوا عن أداء الزكاة، ونصح بعض الصحابة أبا بكر الصديق - ﵁ - أن يدعهم يصلون ولا يؤدون الزكاة فقال: "والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو ضعوني عَناقًا كان يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" (١). فقاتل الأعراب حتى رجعوا إلى الإسلام، وأعاد توحيد الدولة، ونظم حملات الجهاد لفتح العراق والشام.
وتوفي أبو بكر -﵁ - وبايع الناس عمر بن الخطاب، فحرص الناس على الجهاد، وأتم فتح العراق وإيران والشام ومصر، وأعاد تنظيم الجيش ورتب ديوان الجند وفرض الخراج على الأراضي المفتوحة عنوة، وعزز استقلال القضاة عن الولاة، وحقق قول النبي ﷺ فيه: "لم أر عبقريًا يفري فريه" (٢).
وعزَّز مبدأ الشورى وطبقه في حياته وعند وفاته، وبذلك أكَّد على دور الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد، وصارت سيرته رمزًا للعدل المطلق على مدى التاريخ، ومات غيلة على يد أبي لؤلؤة المجوسي.
وهكذا كان دور عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب في إقامة صرح الإسلام، وتوسيع رقعة دولته، ودعاء الناس إلى إعتناقه، وإقامة الشرع الحنيف وأحكامه بين أتباعه، وإعلاء راية الجهاد، ونشر العلم، وإشاعة الفقه وتولي الفتيا، وإطفاء الفتن، حتى ماتا شهيدين - كما بشَّرهما رسول الله ﷺ -.
_________________
(١) النسائي: سنن ٥/ ٥ - ٦.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ١٩٨.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
ورغم حداثة عهد العرب بالدولة الواحدة التي لم يعرفوها قبل الإسلام، فقد دامت دولة الإسلام بعد رسول الله ﷺ قرونا طويلة، مما يدل على عمق الأساس الذي بناه رسول الله ﷺ، وعلى نجاح تربيته للصحابة الذين تولوا الأمر من بعده.
لقد خرَّجت مدرسة القرآن جيلًا عظيمًا في دينه، عظيمًا في خلقه، عظيمًا في جهاده، وحسن بلائه، وفتَّقت الأذهان والقرائح، وأنارت القلوبَ بَوهَج الإيمان، والعقول برحيق القرآن، وأثبتت تاريخيًا أنها قادرة على تحقيق إنسانية الإنسان، والحفاظ على جوهره النقي، ومعدنه الأصيل، وفطرته السليمة، في حين أضاعت الأيديولوجيات والفلسفات الوضعية الإنسان وأحالته إلى مسخ، فصادرت روحه وعقله وخلقه، وغرست التوحش والانتقام، ونمَّت أنيابه ومخالبه، وما زالت مدرسة القرآن قادرة على إعادة الإنسان إلى إنسانيته، عندما يرتشف من رحيق الكتاب والسنة، ويقتدي بجيل الصحابة رضوان الله عليهم.
[ ٢ / ٦٨١ ]
فضل الهجرة
لقد بيَّن القرآن في آيات كثيرة فضل الهجرة في سبيل الله، ومكانة المهاجرين الأولين الذين خلَّد الله ذكرهم، وأعلى مكانهم، وبيَّن عظيم أجرهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤).
وكانت الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة دليلًا على ما للعقيدة من تأثير بالغ، يقوى على فصم روابط الإنسان بالمكان؛ أرضًا ومالًا ومصالح وأهلًا، فقد ترك المهاجرون كل ذلك وراءهم عندما اقتضت مصلحة العقيدة ذلك، وكانوا يرسمون مستقبلًا وضيئًا لأمة الإسلام، فهجرتهم وصبرهم وجهادهم وتضحياتهم أقامت دولة الإسلام الأولى على أرض المدينة المباركة.
ومنذ ذلك الحين قبل أربعة عشر قرنًا استمرت دولة الإسلام تتوسع حتى شملت مساحة واسعة في قارات آسيا وأفريقيا وأوربا.
صبغتها جميعًا بصبغة العقيدة، وأظلتها بروح الإسلام، وحضارته الشامخة، وشريعته السمحاء، فوحدت قلوب الناس بالمعتقد، وقانونهم ونظامهم بالشرع، وسلوكهم ووجهتهم بأهداف الإسلام في تحرير الإنسان من
_________________
(١) البقرة: ٢١٨.
(٢) آل عمران: ١٩٥.
(٣) التوبة: ١١٧.
(٤) التوبة: ١٠٠.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
الشرك والظلم والتيه. وكانت اللغة العربية أداة الاتصال بين جميع المسلمين من سائر الأجناس والألوان، إذ ما أن يعتنق الإنسان الإسلام حتى يسعى لتعلمها ومعرفة كتاب ربه وحديث نبيه بواسطتها.
وهكذا أسهم الجميع في بناء صرح أدب عربي إسلامي رفيع. كما أسهموا في فهم معاني القرآن والسنة وأحكامهما، ووضع قواعد الاستنباط منهما، فنمت الثورة الفقهية الهائلة التي هي مجهود عقول اعتصرها أصحابها للوصول إلى حكم الله في كل ما يستجد في الحياة من أحداث.
وكما خلد القرآن ذكر المهاجرون الأولين فقد خلد ذكر الأنصار الذين آووهم وشاركوهم بيوتهم وأموالهم، وعرضوا أمن مدينتهم للخطر في سبيل العقيدة التي اعتنقوها والدين الذي آمنوا به.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). وقال عليه الصلاة والسالم في بيان فضل الهجرة ومكانة النصرة (ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار) (٢).
وسميت المدينة بـ "دار الهجرة والسنة" كما في صحيح البخاري.
وصارت الهجرة إلهيا من مكة أولًا ثم من سائر الأنحاء الأخرى التي انتشر منها الإسلام، وكانت الآيات القرآنية تحث على الهجرة بقوة وترتب عليها من الفضل العظيم، ورجاء رحمة الله، وتكفير السيئات، وتوبة الله تعالى على المهاجرين، ورضا الله عنهم، ودخول الجنة .. هذا في الآخرة، وأما التقويم في الدنيا فقد اعتبرت الهجرة من أفضل الأعمال، وأولاها برفع مرتبة المسلم معنويا، ثم صار لها اعتبار مادي في العطاء السنوي منذ أن نظم عمر - رضي الله
_________________
(١) الحشر: ٩.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ٢٢٢ ط. استنبول.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
عنه - العطاء. فاعتبر السابقة في الإسلام سببًا في زيادة عطاء المسلم السنوي، وكان المراد من الحث المستمر على الهجرة توفير القوة البشرية اللازمة للدفاع عن المدينة المنورة، لذلك لم تتوقف الهجرة إلا بعد فتح مكة المكرمة حيث قال الرسول ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (١). أما قبل فتح مكة فكانت الآيات القرآنية ترتب حقوقًا خاصة للمهاجرين، وتحدد من حقوق المسلمين إذا لم يهاجروا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢).
ولم يقبل القرآن عذرا للقادرين على الهجرة ممن يلاقون العنت في المحافظة على دينهم، فأرض الله وسعة فيمكنهم الهجرة، ولا ينبغي لهم الاستكانة للجبابرة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣).
ووعد الله تعالى المهاجرين بالرزق والسعة وثبوت أجرهم إذا توفوا في الهجرة فقال: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤).
_________________
(١) متفق عليه (صحيح البخاري ٣/ ٢٠٠ وصحيح مسلم ٣/ ١٤٨٧ حديث رقم ١٣٥٣).
(٢) الأنفال: ٧٢.
(٣) الأنفال ٩٧ - ٩٩.
(٤) الأنفال: ١٠٠.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وتوافر النية الخالصة لازم للهجرة الصحيحة كما هو شرط في كل الأعمال الصالحة، قال ﵊: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١).
ومن أجل ذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ بامتحان النساء المهاجرات بعد صلح الحديبية، فمن تبين أنها هاجرت بسبب العقيدة فإنها لا تعاد إلى أهلها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٢).
وكانت البيعة التي يبايع بها المؤمنون رسول الله ﷺ تشتمل على الهجرة، حتى كان فتح مكة فأبى رسول الله ﷺ أن يبايع أحدا على الهجرة لأنها انقطعت.
قال مجاشع: "أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح، فقلت يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة. قال: ذهب أهل الهجرة بما فيها. فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد" (٣).
وعن مجاهد قال: قلت لابن عمر ﵄: "إني أريد أن أهاجر إلى الشام قال: لا هجرة ولكن جهاد، فانطلق فأعرض نفسك فإن وجدت شيئا وإلا رجعت" (٤).
وقد بين رسول الله ﷺ أن مهاجرة الحبشة الذين تركوا مكة في ظروف الاضطهاد بأمر الرسول ﷺ فهاجروا إلى الحبشة ثم هاجروا منها حين افتتح خيبر إلى المدينة المنورة بين أن لهم هجرتين، الهجرة إلى المدينة والهجرة إلى الحبشة، فقال ﷺ: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان" (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٢.
(٢) الممتحنة: ١٠.
(٣) رواه البخاري في صحيحه ٥/ ٩٧ (ط. استانبول).
(٤) رواه البخاري في صحيحه ٥/ ٩٧.
(٥) رواه البخاري في صحيحه ٤/ ٢٦٤.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
إن عالم الإسلام اليوم لابد أن يقدر للعقيدة قدرها، ويعمل على إعادة بناء صرح العقيدة والحضارة من جديد، ويهجر المعصية إلى الطاعة، والفرقة إلى الوحدة، واليأس إلى الأمل، والكسل إلى العمل، والذل إلى العز، والضعف إلى القوة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
انتهي الكتاب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[ ٢ / ٦٨٧ ]