العهد المدنى
[ ٣٧١ ]
الفصل الأول
أسس بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية في المدينة
[ ٣٧٣ ]
المبحث الأول
بناء المسجد
كانت إقامة المجتمع الإسلامي المتماسك، الذي تقوم عليه دولة الإسلام، أول ما قام النبي - ﷺ - ببناء دعائمه، وتشييد أساساته، حتى صارت أعظم دولة عرفها التاريخ، - وإن الاهتمام بقيام تلك الأركان والأصول، كفيلٌ بإعادة تلك الدولة، دولة الحق، والعدل، والهداية، إلى العالمين، تنير الدنيا، وتطلب الآخرة -. وكانت أول خطوة، قام بها النبي - ﷺ -، في سبيل ذلك، هي بناء المسجد، بؤرة الإشعاع الديني، والسياسي، والثقافي، والاجتماعي، في المجتمع المسلم، لأنه إنما يكتسب صفة الرسوخ، والتماسك، بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وما ينبع ذلك كله إلا من روح المسجد ووحيه.
كان رجال من المسلمين، يُصَلُّونَ في المكان الذي بركت فيه ناقة النبي - ﷺ -، - وكان مربدًا للتمر لغلامين يتيمين من بنى النجار، في حجر أسعد بن زرارة، هما سهيل وسهل -، فقال رسول الله - ﷺ -: «هَذَا إِنْ شَاءَ الله الْمَنْزِلُ»، ثم دعا رسول الله - ﷺ - الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: «بل نهبه لك يارسول الله «فأبى رسول الله - ﷺ - أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا (١)، وفي رواية أخرى للبخاري (٢)، أنه - ﷺ - عندما أمر ببناء المسجد أرسل إلى ملأ بنى النجار، فجاؤوه، فقال لهم: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٠١/ ١٥).
(٢) الفتح (٣٢/ ١٥).
[ ٣٧٥ ]
بِحَائِطِكُمْ هَذَا»، فقالوا: «لا! والله لانطلب ثمنه إلا إلى الله»؛ وفي الصحيح، أن مكان المسجد كان فيه قبور المشركين، وكان فيه خرب، وكان فيه نخل. فأمر رسول الله - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر ورسول الله - ﷺ - ينقل معهم وهم يرتجزون:
اللهم إن الخير خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة (١)
وغير ذلك من الرجز ورسول الله - ﷺ - يرتجز معهم.
واستغرق البناء اثنى عشر يومًا (٢).
ثم فُرض الأذان، بالكيفية التى عليها الآن، في السنة الأولى على الأرجح، وذلك عندما رأى عبد الله بن زيد - ﵁ - في منامه صيغة الأذان، فأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأذن بها، وعندما سمعه عمر - ﵁ -، جاء إلى رسول الله - ﷺ - وقال إنه رأى ما رأى عبد الله بن زيد.
ظل المسجد على حاله الذى بناه عليه الرسول - ﷺ -، فلم يزد فيه أبو بكر - ﵁ - شيئًا، وزاد فيه عمر - ﵁ - بأن أعاد عُمُدَه وجعلها خشبًا، وحمى سقفه من المطر، ثم زاد فيه عثمان - ﵁ - زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عُمُدَه من حجارة منقوشة وسقفة من ساج (٣).
ولم يكن له - ﷺ - منبر يخطب الناسَ عليه في مسجده، بل كان يخطب وهو مستند إلى جذع
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) البيهقي، دلائل النبوة (٢/ ٥٠٩) من رواية عبد الله بن الزبير.
(٣) البخاري، الفتح (٣/ ١٠٦ و١٠٨/ ح ٤٤٦). والساج: نوع من الأخشاب الهندية، أبو داود (١/ ٣١١ / ح ٤٥١/ الدعاس). وقال ابن حجر في الفتح (٣/ ١٠٨) عن عمل عثمان (- ﵁ -) هذا: "فحسنه - أي المسجد - بما لا يقتضى الزخرفة".
[ ٣٧٦ ]
عند مصلاه، فلما اتُخِذ للرسول - ﷺ - منبر، وعدل إليه ليخطب عليه، خار ذلك الجذع، وحن حنين النوق العشار، لما كان يسمع من خطب الرسول - ﷺ -، فوضع يده عليه حتى سكن كما يسكن المولود الذى يسكت. وهذا من دلائل نبوته - ﵊ - (١).
وإن بالمسجد لتتحقق أنظمة وآداب الإسلام، التى سعى إليها الرسول - ﷺ -، من أول يوم وصل فيه إلى المدينة المنورة.
- إن من أول نظم الإسلام وآدابه، شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين، ولا يتم ذلك إلا بتلاقى المسلمين مرات متعددة، في بيوت الله، تتساقط فيها فوارق الجاه والمال، لتحل بينهم روح التآلف والتآخى والمودة.
- وإن من أعظم ما جاء به الإسلام، وعمل على تحقيقه ونشره، وقد ساد واقعًا وفكرًا، هو بث روح المساواة والعدل، بين المسلمين في مختلف أحوالهم، وعامة شؤونهم، ولا يتم ذلك إلا بوقوفهم صفًا واحدًا، متجهين لرب واحد، وقبلة واحدة، لا فرق بينهم إلا بتقوى الله تعالى، ولا يتم ذلك إلا في بيوت الله، فمهما انصرف الناس إلى بيوتهم يصلون، لا يظهر ذلك، فضلًا عن أن تشيع تلك الروح؛ إلا في بيوت الله تعالى.
- وكذلك انصهار المؤمنين في بوتقة من الوحدة الراسخة، يجمعهم عليها حبل الله، الذى هو حكمه وشرعه، فمالم تقم في أنحاء مجتمع المسلمين مساجد، يجتمعون فيها على تعلم حكم الله، وشريعته ليتمسكوا بهما، ويدعوا إليهما على علم وبصيرة، آلت وحدتهم إلى شتات، وفرقتهم الأهواء والشهوات.
ولقد كان المسجد يقوم بأعظم دور، من صغير الأعمال - كما يتصور البعض - إلى جليلها:
_________________
(١) البخاري (٣٥٨٥).
[ ٣٧٧ ]
- فكان مكانًا لتعليم المسلمين أمور دينهم.
- وكان مكانًا لاستقبال الرسل - السفراء - الذين يفدون على رسول الله - ﷺ -.
- وكان مكانًا لعقد ألوية وجيوش وسرايا المجاهدين.
- كما كان مكانًا لاعتقال أسير الحرب المشرك، إذا كان في ذلك عظة لمن يراه، أو عظة له في سماع القرآن، ورؤية هداية وأخلاق أصحاب هذا الدين.
- وكان أعظم مكان، وأكثر اتساعًا، لكى يجتمع الصغير والكبير بقائدهم، مما يُشْعِر بقرب القائد، وتحمله معهم السراء والضراء، ومعرفة أحوالهم مباشرة، والقيام على حل مشاكلهم، ومناقشة شجونهم وشكواهم، مع التآلف والتواضع الجم بينهم، الذى يزيد في آصرة هذا الدين، وفدائه بأرواحهم.
- وإن ضعفاء المسلمين، من المهاجرين، والفقراء، ممن عرف بأهل الصفة، وغيرهم لم يكن لهم مأوى إلا المسجد، وكذلك ضعفاء النساء - اللاتى أسلمن من نساء العرب - ولم يجدن محلًا يأوين إليه (١).
لما سبق، بعد التأمل، نبادر بالقول: إنه لما عرف الكفرة والمنافقون أهمية المسجد، في قوة المسلمين، وقيام دولتهم، وثباتها، بدأوا من مطلع الدعوة، إلى يومنا هذا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في محاربة المساجد، وتقليص دورها في حياة المسلمين، وإيقاف بنائها، وإغلاقها، وإقامة مساجد للضرار، ترفع راية الفساد، والإفساد في الدين باطنًا، وتعلن ظاهرًا غير ذلك؛ نكاية في أهل الإسلام، وتفريقًا بينهم، وتشتيتًا لشملهم، والأمثلة لا تحتاج إلى تفصيل.
_________________
(١) انظر لما سبق د. البوطى، فقة السيرة، ١٥١ وما بعدها، ود. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، ص٢٩٥ وما بعدها، والبخاري، فتح الباري (٣/ ١٠٢)، (٣/ ١٠٠)، وانظر د. أكرم العمرى المجتمع المدنى (٨٩ - ١٠٥).
[ ٣٧٨ ]
وإن أول من فعل ذلك، في حياة الرسول - ﷺ - نفسه -، هم المنافقون، الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، حيث أقاموا وشيدوا مسجد الضرار.
نعود كما هو منهجنا، إلى سيرة المسجد في القرآن الكريم، نتتبع آيات ذكرها، نستشف منها - باختصار سريع - تلك السيرة العطرة للمسجد، ومعانيها، كما أراد الله تعالى، ودعا إليها رسول الله - ﷺ -، بتحليل هذه الآيات، ومقارنتها مع السيرة المطهرة.
وها هي ذي تلك الآيات المختارة، على ترتيب واقعها.
الأولى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [الأنفال: ٣٦ - ٣٧].
الثانية: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
الثالثة: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
الرابعة: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]
الخامسة: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
السادسة: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨]
السابعة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
الثامنة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٧]
[ ٣٧٩ ]
التاسعة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤].
العاشرة: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
ونظرة إجمالية، في هذه الآيات الكريمات، نراها تبين - بما نزل منها في المدينة، وبما نزل في مكة، وهو قليل بالمقارنة بما نزل في المدينة، نظرًا لظروف الدعوة أيامها - سيرة المسجد على مدار حياة النبي - ﷺ -، وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى. ويوضح التصاق سيرته - ﷺ - بالمسجد، دليلَ هداية الدعوة، وربانيتها، وتوجيهها إلى الله تعالى، وكيف تكون المساجد، - كما رأينا تطبيق الرسول - ﷺ - العملي، وتطبيق الصحابة - محل النور، والذكر، والمراكز التي تشع منها كل طرائق الخير، وسبل الرشاد، على العالمين، في الدنيا والآخرة.
ظهر ذلك بأن يتوجه فيها المسلمون، إلى قبلة واحدة، صفًا واحدًا، يعبدون إلهًا واحدًا، سواء كانت قبلتهم في مكة إلى بيت المقدس، أو قبلتهم في المدينة إلى الكعبة المشرفة، حيث جاءت آيات، توضح ما نحن بصدده، كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فدل على أن الله تعالى غيَّر له القبلة، التى أمر بها، والتى لم يكن له أن يغيرها إلا أن يأتيه أمر الله تعالى بذلك.
وبينت الآيات إجمالًا، لزوم رفع هذه المساجد، بناءً وتشييدًا، وكذلك رفعها بما يكون فيها من إشهار فضلها وسمو منزلتها. وأمر كذلك - ﷾ -، بعد تشييدها، ورفعها، بتطهيرها من كل ما يخالف معنى الطهارة حسًا، ومعنىً.
ثم نادى على كل الناس - وكان ذلك في مكة - بألا يدعوا مع الله أحدًا في مساجده، وأن دعاءهم وتوحيدهم، له وحده لا شريك له. وأن يقيموا وجوههم مستقيمين له، غير
[ ٣٨٠ ]
عادلين به غَيْرَه، مخلصين له، غير مشركين به.
ثم عزز ذلك بالظاهر – إذ كان الإخلاص زينة الباطن - بأن يأخذوا أحسن زينة عند كل مسجد.
وأن أعظم المساجد الذي يجب أن يقوم فيه، - لوجوده - ﷺ - في المدينة ساعتها - هو مسجده المعظم، لأنه أول مسجد أسس هنالك على التقوى، وأن القائمين فيه من باب الأولى - الذين هم صَحْبُه - هم الذين يحبهم الله لأنهم يحبون أن يتطهروا لله تعالى، ظاهرًا وباطنًا، وذلك موضوع محبة الله تعالى لأهله.
قد يتردد الناس في القيام بما سبق، فبين لهم أنه لا يقوم بتعمير تلك المساجد - مهما ساءت الظروف وادلهم الخطب - إلا المؤمنون بالله واليوم الآخر، المقيمون صلاتهم، المؤدون زكواتهم، ويتجلى ذلك كله، بعدم خشيتهم وخوفهم إلا من الله تعالى، وأولئك يُرجى أن يكونوا من هؤلاء الذين - ﵃ -، وهم المهتدون.
ولا يهولنك بعد أن كانت تلك سيرة المسجد، أن يقوم المنافقون والكفرة، بمنع مساجد الله تعالى، أن يُذكر فيها اسمه، سواء ببناء مساجد الضرار، أو بالسعي في تخريب المساجد، بكل ما حدث أو يحدث، من أنواع التخريب، فإن لهم خزيًا شديدًا في الدنيا، وعظيم العذاب في الآخرة.
وكيف لا يعذبهم الله تعالى كل العذاب المؤلم لهم، ويخزيهم بكل أنواع الخزي، وهم يصدون عن دينه، ومعرفته، وتوحيده –وهو أعظم شيء -، بالصد عن بيوته، وخاصة بيته الحرام.
رأينا بهذا الإجمال، كيف ترتبت تلك الآيات التي اخترناها، لتكون جزءًا من سيرة
[ ٣٨١ ]
المسجد في الإسلام، خاصة إذا علمنا، أنها - وغيرها من الآيات الواردة في نفس الموضوع - لتؤكد بأسباب نزولها اتصال تلك الحلقة، وتسلسلها الزمني، والحكمي، بما يشي بارتباط الدين، ونشره، بالمسجد، وكذلك بشيوع آدابه وأخلاقه، بالمسجد، وبتربية المسلمين على أحسن نظام، - دقيقه وجليله - بالمسجد.
وننظر - استكمالًا لما سبق - في موضعين - توخيًا للاختصار - من الآيات السابقة، نفصلهما، نوضح بهما شيئًا من المقصود.
الموضع الأولى: آيته مكية، حيث وردت في سورة الأعراف، وهي في ترتيب السيوطي (١)، الثامنة والثلاثين، حسب الترتيب الزمني لنزول القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠].
وبتأمل هذه الآية، وبالنظر في سياقها، نرى أنها جاءت نفيًا، لما سبق ذكره من المشركين، بأن الله جل وعلا - حاشا له - يأمر بالفحشاء، فأنكر عليهم، وبين لهم، ولغيرهم، إلى يوم الدين، ما يأمر به ربهم ﷾، حيث ذكرت الآية مقومات، وأركان الدين الحق، فكرًا، وسلوكًا، ودعوة، فجمعت ذلك ملخصًا في ثلاثة أُمور:
الأول: الأمر بالقسط.
الثاني: إقامة الوجوه عند كل مسجد.
الثالث: دعاء الله تعالى، بالإخلاص في الدين له.
_________________
(١) محمد عزه دروزه، سيرة الرسول (١/ ١٥٥).
[ ٣٨٢ ]
وقد صَدَّرت ذلك كله بقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ توجيه آمر للنبى - ﷺ - بأن يعلن ذلك، وأن يرسله في كل ملأ، ليبين دين الله تعالى، مقيمًا به الحجة، نافيًا عنه اللبس، والإفك، وإن قلنا ثَمَّ دليل على الوحى القرآنى، للرد على "وات"، وعلى التحليل النفسى، فهو هذه الآية الكريمة، والتى تقول للنبى - ﷺ -: ﴿قُلْ﴾ أي: ليس من عنده، وما هو الإ مبلغ، وتوضح له ماذا يقول، مما يستحيل أن يكون قد سمعه قبل ذلك، فخزنه في عقله الباطن - كما يزعم -، إذ ما قاله - ﷺ -، لم يكن ليقوله، أو ليستطيع أن يرتبه ذلك الترتيب، بشرٌ حينئذ، من حيث الأسلوب، أو المعنى، أو تَرَتُّبُ هذه المعانى على الواقع، مع الإخبار بالبعث، والهداية والضلال.
وشَرْحُ ذلك ببعض التفصيل، مما يطول بحثًا ونقلًا، ولكن نسوق شيئًا مما ذكره المفسرون، ونخص ابن عاشور بالذكر، لتوضيحه ذلك لغةً، وبلاغةً فيقول ما ملخصه (١):
بعد أن أبطل زعمهم، - أن الله أمرهم بما يفعلونه من الفواحش - إبطالًا عامًا بقوله: «قُلْ إِن اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ»، استأنف استئنافًا استطراديًا، بما فيه جماع مقومات الدين الحق، الذى يجمعه معنى القسط، تعليمًا لهم بنقيض جهلهم، وتنويهًا بجلال الله تعالى، بأن يعلموا شأن الذي يأمر الله به، ولأهمية هذا الغرض فصلت هذه الجملة عن التى قبلها، ولم يعطف القول على القول، لأن في إعادة فعل القول، وفي ترك عطفه على نظيره لفتًا للأذهان إليه.
والقسط: العدل، وهو هنا بمعناه الأعم، الذى هو وسط بين الإفراط والتفريط في الأشياء، وهو الفضيلة من كل فعل، فالله تعالى أمر بالفضائل، وبما تشهد العقول السليمة أنه صلاح محض، وأنه حسن مستقيم، نظير قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].
_________________
(١) انظر ابن عاشور، التحرير والتنوير، (٨/ ٨٤ - ٨٥).
[ ٣٨٣ ]
فالتوحيد عدل بين الإشراك والتعطيل، والقصاص من القاتل عدل بين إطلال الدماء، وبين قتل الجماعة من قبيلة القاتل، والإحسان عدل بين الشح والإسراف، فالقسط صفة للفعل في ذاته، لكي يكون ملائمًا للصلاح، عاجلًا، وآجلًا - أي: سالمًا من عواقب الفساد -. فقوله إذن: ﴿أَمَرَ رَبِّي﴾. كلام جامع، لإبطال كل ما يزعمون أن الله أمرهم به، مما ليس من قبيل القسط.
وإذا كان القسط هو أمر الله تعالى، وكان توحيد الرب، وإجلاله، وتعظيمه، وإظهار هذا كله، من أعظم القسط، أعقبه بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: قل أقيموا وجوهكم.
وإذا كان القصد الأول، إبطالَ بعض ما زعموا من أن الله أمرهم بالالتزام به، ففي هذا الأمر التصريح بما يرضى الله ﷿. وهو إقامة وجوههم، دليلًا على كمال الإقبال على عبادة الله تعالى، في مواضع عبادته (١)؛ ولما لم يكن لهم في مكة حينئذ إلا المسجد الحرام، ونزلت الآية تفيد الجمع: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ - أي: عند كل المواضع التى يستخفون بالعبادة فيها - حملت البشارة بأن ستكون لهم مساجد، يقيمون فيها وجوههم لله تعالى، وأعدهم لذلك بالتوجه إليه في معنى الإقامة، فلا يلتفتون يمنة ولا يسرة. قائمين غير متغاضين ولا متوانين، يعظمون معبودهم الحق، ويعظمون مكان عبادتهم، وأن الإشراك، والتعرى، وما كان على غير سنن التوحيد، والعبادة والنسك، والإقبال على الله تعالى، مناف لذلك مناقض له، كما كان حال المشركين يومئذ.
فكان ذلك تعليمًا، وتربية، وإرشادًا، لما ينبغي أن يكون عليه الذين التزموا الدين الحق، ورفعوا راية الإيمان به.
وإن من أشهر ما وقعت عليه أبصارهم، وأبصار المشركين المدعوين للإيمان بالله
_________________
(١) انظر السابق.
[ ٣٨٤ ]
وحده أيام البعثة، - مما يبين لهم هذه المعانى، ويوضحها لهم، ويدعو المشركين أن يتركوا شركهم، ليكونوا حنفاء لله - هو الحج وشعائره، فأمرهم أمرًا أولويًا، وهو إقامة وجوههم لله تعالى في الحج، مسلمين، ودعوة للمشركين، حيث وضعوا أصنامهم عند الكعبة، وفي جوفها، وعند الصفا والمروة، وغيرها، منكرًا عليهم بأن الله لا يأمر بتلك الفحشاء، وغيرها من الفواحش، بل يأمر بنقيضها، وهو القسط، وإقامة الوجوه لله عند كل مكان يعبد فيه، إجلالًا له وتعظيمًا، ورفعًا لشأن المكان وتبيانًا لفضله.
وإذا كانت إقامة الوجوه والتعظيم، مما يظهر على المؤمنين، حال الائتمار بذلك، جاء قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ليكون القلب، متواطئًا مع الظاهر، فيكون كلاهما عابدًا لله، قائمًا بحقه، مخلصًا في ذلك، حيث الإخلاص محله القلب، وهو تمحيض الشيء من مخالطة غيره، وبالتالى تكون طاعتهم متمحضة لله جل وعلا وحده، وذلك ما أمرهم به حيث يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. فيجتنبوا بذلك أي إشراك مع الله في طاعته، في كل أُمورهم، فما يفعلون من فعل، وما يقولون من قول، وما يعتقدون من فكر في كل شؤونهم، إلا كانوا مخلصين فيه لله تعالى يرجون رحمته ويخافون عذابه.
كانت تلك السيرة، هي البداية الأولى في مكة المكرمة، فيما أمر الله به المؤمنين في قوله النازل قبل هذه الآية في سورة الجن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. ثم أخذت سيرة المسجد مع سيرته - ﷺ -، وسيرة أصحابه، تتوالى آياتها، توضيحًا لما ينبغى، وتفسيرًا لما يحدث، وتطورًا مع الدعوة، سلسلة آخذٌ بعضها بحلقات بعض، حتى اكتملت بما أشرنا إليه من آيات نزلت في آخر حياة الرسول - ﷺ -، وفي نفس الوقت، نزلت لأسباب نزولٍ تُرْشِدُ المؤمنين إلى مؤامرات الكفرة والمنافقين، وتحذرهم الاغترار بما في ظاهر تلك الوقائع، وتنير لهم طريق الحق فيما ينبغى أن يحتذوا فيه حذو النبي - ﷺ -، في القيام برسالة المسجد، وحفظها،
[ ٣٨٥ ]
حتى يسلموها تامة، واضحة، متحققة على أرض الواقع، لمن بعدهم، وقد كان! حتى وصلنا إلى ما نحن فيه، من حالٍ سببه البعد عن تلك التعاليم الإلهية، في سيرة النبي - ﷺ -.
وتجليةً، لاستمرار سيرة المسجد مع النبي - ﷺ - وأصحابه، نذكر:
الموضع الثاني: وهو من التنزيل المدني، يُظْهِرُ لنا هذا التدرج والبناء، في سيرة المسجد، وهو قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
بعد ذكر مواضع السجود والعبادة في التنزيل المكي، واحترامها، وتوحيد الله فيها، تعظيمًا له، وتفخيمًا لشأنه سبحانه، بَيَّنَ هذا التنزيل المدنى، الأمر ببناء المساجد، وسماها بيوت الله، بإضافتها إليه سبحانه في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، تشريفًا لها، وإظهارًا لعطاء الله لهم، من الرحمة، والبركة، عندما يكونون في بيوته سبحانه، إذ يكرمهم ويحسن نُزُلَهم، وهو حافظ لزيارتهم، حافظ لهم. إلى غير ذلك مما تقصر العبارة عن وصفه.
وبَيَّنَ صفات أولئك الذين يقومون بهذه العمارة لبيوته، كما سنوضحه - إن شاء الله - بَعْدُ، عند تفسير الآيات.
والعاقبة الحسنة ينتظرونها من وراء ذلك، بكونهم رجالًا لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره، ولا عما افترضه عليهم من صلاة وزكاة، مع ملازمة الخوف من ملاقاة الله، في يوم تزيغ القلوب والأبصار من أهواله، ومحنه، ليسلموا بذلك، فيجزيهم أحسن الجزاء، ويزيدهم من فضله، في الأولى والآخرة.
وبالتأمل في تلك الآيات، يتضح من تحليها تلك المعانى الجليلة:
[ ٣٨٦ ]
- هذه الآيات، سبقها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، إلى قوله تعالى:
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
ومعنى ذلك وضحه العلامة أبو السعود (١)، حيث يذكر في تفسيره أن قوله: ﴿عَلَى نُورٍ﴾ متعلق بمحذوفٍ، هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكةٌ للتمثيل، وتصريح بما حصل منه، وتمهيد لما يعقبه، أي ذلك النور الذى عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة الشأن، بما فصل من صفة المشكاة، نور عظيم كائن على نور كذلك، لا أنه نور واحد معين، أو غير معين، فوق غيره، أو هو مجموع نورين، بل هو نور متضاعف، من غير تحديد لتضاعفه، كما مثله بنور المشكاة؛ لكونه أقصى مراتب تضاعفه، مع ما في الزيت وصفائه من زيادة النور والإشراق والبهاء (٢).
- أما قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ..
فإنه يأتى بعدما ذكر الله تعالى شأن القرآن الكريم، في بيانه للشرائع، والأحكام، ومباديها، وغاياتها المترتبة عليها، من الثواب والعقاب، وغير ذلك من أحوال الآخرة وأهوالها، وأُشير إلى كونه في غاية ما يكون من التوضيح والإظهار، حيث مُثِّل بما فصل من نور المشكاة، وأنه في أقصى مراتب الظهور، وإنما يهتدى بهداه من تعلقت المشيئة الإلهية بهدايته، وعَقَّبَ ذلك بذكر الفريقين:
الأول: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾، إلى آخر صفاتهم.
الثاني: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩]. وهي الآية التالية لما سبق.
_________________
(١) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم، (٤/ ٩٢ - ٩٦).
(٢) هذا القرآن الذى ذكر الله تعالى شيئًا من صفاته، الذى يقول فيه «وات» باللبيدو، والتحليل النفسى، وتعليم ورقة!.
[ ٣٨٧ ]
- أما قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ .. فهى المساجد، وأولها ما نزلت فيه الآيات، وهومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد قباء، فتقديم الجار والمجرور، للاهتمام بتلك البيوت، وللتشويق إلى متعلق المجرور، وهو التسبيح، وأصحابه؛ والتنكير للتفخيم من شأنها، وعلو منزلتها ومكانتها؛ والمراد بالإذن في رفعها: الأمر ببنائها رفيعة، لا كسائر البيوت، وكذلك الأمر برفع مقدارها، بعبادة الله تعالى فيها؛ ويكون عطف الأمر بالذكر على الرفع هنا من قبيل العطف التفسيرى؛ وأيًا ماكان! ففى التعبير عن الأمر بالرفع: بالإذن، تلويح بأن اللائق بحال المأمور، أن يكون متوجهًا إلى المأمور به ناويًا لتحقيقه، كأنه مستأذن في ذلك، فيقع الأمر به موقع الإذن فيه.
وهذه البيوت رُفِعَتْ لذكره ﷾، أو بذكره وعبادته؛ وذكره يعم جميع أذكاره ﷾، وتكون ﴿فِي﴾ متعلقةً بقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾، و﴿فِيهَا﴾ تكريرًا لها، للتأكيد والتذكير بها؛ والتقديمُ: للاهتمام، لا لقصر التسبيح في هذه البيوت فقط، فتنزيه الله وتقديسه حالُ المؤمن في كل الأوقات.
لذا قال: ﴿اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦].
- ثم قال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ [النور: ٣٧].
وهي صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾، مؤكدة لما أفاده التنكير، من الفخامة؛ وهي تعنى أصحاب رسول الله - ﷺ - أولًا، ثم من كان مثلهم في التعلق بالمساجد؛ وهذه الصفة أيضًا مفيدة لكمال تبتلهم إلى الله تعالى، واستغراقهم فيما حكى عنهم من التسبيح، من غير صارف يلويهم، ولا عاطف يثنيهم، كائنًا ما كان.
وخص التجارة بالذكر لكونها أشهر أعمالهم، وأقوى صوارفهم، فهم لايشغلهم نوع
[ ٣٨٨ ]
من أنواع التجارة؛ ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ أي: ولا فرد من أفراد البيوع، وإن كان في غاية الربح، وإفراده بالذكر مع إندراجه تحت التجارة، لتميزه بأن ربحه متيقن ناجز، وربح ما عداه متوقع في ثانى الحال، وكررت كلمة ﴿لَا﴾. لتذكير نفى الإلهاء وتأكيده (١).
ما يلهيهم شئ - كما ذكرنا - عن ذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد، ولا عن إقام الصلاة، في مواقيتها، من غير تأخير، إقامة تامة، يستكملون فيها آدابها، ووسننها، وواجباتها، وأركانها، مع الخشوع فيها لله، وتعلق القلب بها، إذا فرغ منها يود أن يعود إليها، كما في الحديث: «ورجل قلبه معلق في المساجد » (٢).
وكذلك هؤلاء الرجال! لا يلهيهم شئ عن إخراج زكاة أموالهم، وإحسانهم للمستحقين، وكون إخراج الزكاة مما يفعل ايضًا خارج المساجد، ولكنه تنبيه على أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد، وكذلك بقية الآية: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ فـ ﴿يَخَافُونَ﴾ صفة لرجال أي لاتفارقهم تحملهم على الاسراع إلى طاعة ربهم، والقيام بواجباته، وعدم الوقوع فيما يغضبه، ومن ثم لاتختص بالبيوت أيضًا بل هي حالهم الغالب عليهم، إذ هم يخافون أهوال وفزع ذلك اليوم الذى تضطرب وتتغير فيه القلوب والأبصار.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ..
متعلق بمحذوف، يدل عليه ما حكى عنهم من أعمالهم المرضية، فقد فعلوا ذلك كله، ليجزيهم الله تعالى ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾.
أي: أحسن جزاء لأعمالهم بحسب ما وعدهم، ويتفضل عليهم بأشياء لم تُوعَدْ لهم
_________________
(١) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم، (٤/ ٩٣ - ٩٤)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (١٨/ ٢٤٨).
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان (٦٦٠)، رواه مسلم، كتاب الزكاة، (١٠٣١).
[ ٣٨٩ ]
بخصوصيتها، أو بمقاديرها، ولم تخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها، بل وعدت بطريقة الإجمال في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقوله - ﷺ - حكاية عن ربه ﷿: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (١).
وهكذا رأينا شيئًا من سيرة المسجد، سجلها التنزيل الإلهي، لتبين جزءًا من سيرة
النبي - ﷺ -، وسيرة أصحابه المكرمين - ﵃ -، في قيامهم بتنفيذ هذه الأوامر، والتحقق بتلك الوصايا، فكانوا خير مثل لتلك السيرة العطرة، خلفًا للنبي - ﷺ -، ولم يتركهم الوحي الرباني، حتى بَشَّرَهُم، بجميل فعالهم، وبَيَّنَ حُسْنَ عاقبتهم، وما ينتظرهم من عظيم الجزاء والأجر، في الدنيا والآخرة، وكان مصداق ذلك في الدنيا هو عاجل بشراهم.
_________________
(١) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم، (٤/ ٩٤ - ٩٥)، وانظر أيضًا محمود الالوسى، روح المعانى، (١٠/ ٢٦٠ - ٢٦١)، وانظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، (١٨/ ٢٤٥ - ٢٥٠)، والحديث متفق عليه، البخاري كتاب بدء الخلق (٣٢٤٤)، مسلم كتاب الجنة وصف أهلها ونعيمها (٢٨٢٤).
[ ٣٩٠ ]
المبحث الثاني
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
وننتقل مسرعين إلى: هذا الأساس الذي وضعه رسول الله - ﷺ -، عند وصوله إلى المدينة المنورة، بعد الهجرة مباشرة، لبناء المجتمع الإسلامي، وما كان ذلك إلا بتوفيق الله تعالى ورحمته.
وقد كان ذلك لقدوم المهاجرين من مكة إلى المدينة لايملكون شيئًا، تركوا أموالهم، وأولادهم وأرضهم وديارهم، نصرة لله ولرسوله - ﷺ - ولدينه، ولم يكونوا أهل زراعة، ومع ذلك أعطاهم الأنصارُ، - الذين هم أهل الأرض والعقار - الأرضَ، ليعملوا فيها بنصف ثمارها، ومنهم من أعطيت له منيحة محضة، واستغنوا عنها لما فتح الله عليهم خيبر (١).
وقد رد النبي - ﷺ -، - نفسُه - ما أعطوه من نخل عندما فتحت عليه قريظة والنضير (٢).
وكان ذلك دليل إيثارهم المهاجرين على أنفسهم، حتى وصل بهم الإيثار إلى أن قالوا للرسول - ﷺ -: «إن شئت فخذ منا منازلنا». فقال لهم خيرًا، وابتنى لأصحابه في أرض وهبتها لهم الأنصار، وفي أراض ليست ملكًا لأحد (٣).
_________________
(١) انظر النووى، شرح مسلم (١٣٦٥) كتاب الجهاد والسير باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم.
(٢) السابق نفس الباب. وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، (٣٠٠ - ٣٠١).
(٣) د. مهدي رزق، السيرة النبوية، (٣٠١)، ونسبه للبلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٢٧٠).
[ ٣٩١ ]
ولم تكتف الأنصار بذلك، بل بذلوا - طيعة - أنفسهم أموالهم للمهاجرين، فقالوا للرسول - ﷺ -: «اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل». قال: «لا» فقالوا «تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمر»، قالوا: «سمعنا وأطعنا» (١). وهذا منه - ﷺ - دفع للمهاجرين لاستكمال أجرهم وثوابهم، وألا يكونوا عالة يثقلون كواهل إخوانهم، ولئلا يظنوا بهجرتهم، وتركهم كلَ شيء، أنهم قد صار لهم الحق والعذر في أن يجلسوا ويستريحوا شيئًا ما، من عناء ما قاسوا، ولكنه كان - ﷺ - يُعِدّهم لإتمام جهادهم، والثبات على مبادئ البذل والتضحية، ومواصلة مسيرة الهداية، متقدمين فيها الصفوف.
ومن التطبيقات العملية، قصة عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، حيث آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع - ﵁ -، فقال له سعد: «إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسمُ لك نصفَ مالي، وانظرْ أيَ زوجتيَّ هويتَ، نزلت لك عنها، فإذا حَلَّتْ تزوجْتَها، فقال له عبد الرحمن: «لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ فَدُلَّ على سوق بنى قينقاع إلى آخر الحديث، حيث تمكن من الزواج، ودَفْعِ المهر، وقال له الرسول - ﷺ -: «أَوْلِمْ ولو بشاة» (٢). ولم يكن سعد بن الربيع - ﵁ - منفردًا عن غيره من الأنصار، فيما عرضه على أخيه، كما يُظَنُّ، فقد طلبوا - كما أشرنا آنفًا - من النبي - ﷺ - أن يقاسموهم كل شيء، وأن يعطوهم منازلهم، فهو إذًا شأن الصحابة عامة في علاقتهم، وتعاونهم، مع بعضهم البعض، بعد الهجرة خاصةً، وبعد أن آخى النبي - ﷺ - فيما بينهم (٣).
وعلى الرغم من هذا الإيثار، فقد أراد الرسول - ﷺ - أن يوجد تشريعًا يعالج للمهاجرين أوضاعهم الاقتصادية، فكان أن شرع نظام المؤاخاة في السنة الأولى من الهجرة، حيث آخى
_________________
(١) البخاري (٢٣٢٥).
(٢) البخاري، فتح الباري (٢٠٤٨).
(٣) انظر د. البوطى، فقة السيرة، (١٥٨).
[ ٣٩٢ ]
بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة، والتوارث بعد الممات دون ذوى الأرحام (١).
وروى أنس بن مالك - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - حالف بين قريش والأنصار في داره (٢).
وروى البعض أن المؤاخاة كانت في المسجد (٣).
ومن الجدير بالذكر أن موضوع المؤاخاة قد تم مرتين، مرة في مكة، والأخرى بعد الهجرة إلى المدينة، كما ذكره ابن عبد البر في سيرته (٤).
وذكر ابن حجر، أن من أغراض المؤاخاة، أن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض، بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، ومِثْلُ هذا مؤاخاته - ﷺ -، لعلى بن أبى طالب - ﵁ -، لأنه هو الذى يقوم به من عهد الصبا، قبل البعثة، واستمر إلى ما بعدها، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأن زيدًا مولاهم، فقد ثبتت أخوتهما وهما من المهاجرين (٥).
وقد آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه بعد وصوله المدينة، ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويستأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام، واجتمع الشمل وزالت الوحشة، واستطاعوا أن يقوموا بحياتهم وعيشهم، أبطل الله التوارث بالمؤاخاة، وأبقى أخوة الإيمان كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
_________________
(١) البخاري، فتح الباري (٤٥٨٠)، وكذا تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥٥).
(٢) البخاري، فتح الباري (٢٢٩٤)، ومسلم (٢٥٢٩)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٤٥)، وابن سعد، الطبقات، (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
(٣) لا تعارض بين القولين، كما ذكر شارح البخاري، الفتح (١٥/ ١٣٠). لأن المؤخاة لم تتم مرة واحدة، بل حسب من يدخل في الإسلام، أو يقدم المدينة، وما في الصحيح يقدم على غيره، حيث ذكر مسلم أن ابتداء المؤخاة كان في دار أنس بن مالك - ﵁ -.
(٤) ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازى والسير، (١٠٠)، تحقيق د. شوقى ضيف القاهرة سنة ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦ م.
(٥) ابن حجر، الفتح (١٥/ ١٢٩).
[ ٣٩٣ ]
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. ومن ثَمَّ أُلْغِىَ ذلك بعد بدر أو بعد الأحزاب أو أحد (١).
وقد ذكر ابن عباس - ﵄ - أن ما ألغاه الإسلام من نظام المؤاخاة هو الإرث فقط، أما النصر والرفادة والنصيحة، وأن يوصى لبعض المتآخين بشئ من الميراث فكل ذلك باق (٢)؛ بدليل مؤاخاته - ﷺ - بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء وغيرهما - ﵃ -، وسلمان إنما أسلم بعد أحد وقبل الخندق.
وأما حكمة نسخ التوارث - علاوة على ما ذكرنا - أن الروح الإسلامية غدت العصب الطبيعي للمجتمع الإسلامي، في ظل الأخوة الإسلامية العامة، وما يترتب عليها من مسؤليات مختلفة، فلا يخشى على هذا النظام من التقصير أو التمييع أو التفكك، فلا غرو ولا ضرر في أن تعود قرابة الرحم كما كانت؛ وإن أصبح ذلك أثرًا بعد عين، فقد ذهبت هذه القضية مع ما ذهب من كثير من أخلاق، ومحاسن، وآداب الإسلام، التي كانت السبب في ثباته وبقائه، وكانت سر حيويته وقوته، وانتشاره وعدالته، وسر علو المسلمين وحضارتهم.
مما سبق، يتضح لنا أن وحدة الأمة، وتساندها، لا يمكن أن يتم، إلا بعامل التآخى والمحبة، فتنهض حينئذ هذه الأمة، وتأخذ في أسباب الرقى والتقدم، لأن أي أمة لايجمعها هذا العامل لايمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة فلايمكن أن تتألف منها دولة.
_________________
(١) د. أكرم العمرى، المجتمع المدنى، ص ٧٨، ونقله عن لباب النقول، ص ٢٦٠، والشوكاني، فتح القدير، (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).
(٢) البخاري (٤٥٨٠)، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
[ ٣٩٤ ]
إن التآخي لابد أن يكون مسبوقًا بعقيدة يتم الالتقاء حولها والإيمان بها، لأن التآخى بين مختلفى العقيدة وَهْمٌ، خاصة عندما تحمل العقيدة أصحابها على أنماط وطرائق وسلوك في الحياة يميزها عن غيرها.
ومن ثم قدم النبي - ﷺ - العقيدة، التي جاءت من عند الله تعالى، لتقوم أخوة المؤمنين على ما التقت أفئدتهم عليه، بتلك العقيدة، وفي سبيلها يموتون ويستشهدون، فيقفوا بذلك جميعًا، صفًا واحدًا، أمام الله تعالى، عبودية له، واظهارًا للخشوع عنده، والالتزام بتعاليمه، لا اعتبار بينهم لغير التقوى.
إن قيام مبدأ التعاون والتناصر، يطبق ميزان العدل والمساواة، وإن المجتمع السليم، هو الذي يقوم على أساسٍ من العدالة، في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق، وإن أول من يضمن سلامة هذه العدالة، وتطبيقها، هو التآخي والتواد، ثم تليها ضمانة السلطة والقانون، فإذا لم تتحقق تلك المباديء، حل محلها الأحقاد والضغائن، بين أفراد المجتمع، والتى تنبيء عن الظلم والطغيان، المؤدى إلى الفتن والضعف والزوال.
من أجل ذلك اتخذ رسول الله - ﷺ -، - بأمر الله تعالى - من هذا التآخى بين المهاجرين والأنصار، أساسًا لأعظم نظام إجتماعى في العالم، ثم تدرجت هذه المباديء إلى شكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة، ولكن أساسها الأول، الذي لولاه ما قام هذا المجتمع، هو تلك الأخوة العظيمة، المؤسسة على عقيدة الإسلام الخالد، لما كان لها من أعظم الأثر الإيجابي والتطبيقي المستمر في شد أزر المجتمع، وتثبت دعائمه وأركانه (١)؛ ويوم أن أحس الناس بفقد ذلك الميزان للعدالة، وضعفت مقومات الأخوة، بدأ التفكك يأخذ في أركان المجتمع الإسلامي، إثر تلك الموجات الساخطة التى بدأت تهل على دولة الإسلام.
_________________
(١) انظر: د. البوطي، فقه السيرة، ص ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٣٩٥ ]
النظرة القرآنية لسيرة مبدأ الأخوة في الإسلام:
ونذكر بعض الآيات القرآنية الكريمة، تبين موضوع الأخوة، وما ينبغى أن نستفيده منها؛ - على سبيل الاختصار، حيث أبرز القرآن الكريم جوانبه كافة، وشَرْحُ ذلك كله يخرج بنا عن حد المقصود -، وهذا ما اخترناه من الآيات الكريمات:
- قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧ وهي مكية].
- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: ١٧٨].
- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
- قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨].قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].
- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
- قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
[ ٣٩٦ ]
- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣].
- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة: ١٠٠].
ونظرة إجمالية على هذه الآيات الكريمات، مع مراعاة الترتيب الزمنى للنزول، نراها تبين، وتؤكد المعاني التالية:
١ - إن ما يجمع المؤمنين، ويربط بينهم، ويُوجِدُ تلك الحقوق لكل أحد، هو الإيمان بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا، لا شيء غير ذلك، وعظم ذلك بأسلوب القصر، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وهذه العقيدة والأخوة الإيمانية أظهرت الآيات بها دلائل في غاية الأهمية.
أولها: أن تلك الأخوة، وهذا التآلف، الذي لم يحدث في تاريخ البشرية، نعمة محضة من الله تعالى، لم يستطع أحد، ولن يستطيع أن يوجدها، فضلًا عن أن يضعها في القلوب، لذا قال جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. بل أكثر من ذلك شأنًا، ما ذكرته الآية الأخرى، وهو أن هذه الأخوة، بزغت وأشرقت، من جوف ليل العداء الدامس، حيث يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ثم بَيَّن الصورة المقابلة وجلاها، فنفى الولاية بين المؤمنين وبين غيرهم، حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم، ليؤكد - بما لا يتطرق إليه الاحتمال - أن الأخوة توجد حيث يوجد الإيمان، فقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣].
[ ٣٩٧ ]
ثانيها: أن هذه الأخوة - بالتالي - لا تحدها أرض، ولا يقيدها زمن، بل كل مؤمن أخٌ لبقية المؤمنين في سائر بقاع الأرض، وأخٌ لمن كان يترضى عليه، ويدعو له، وأخٌ لمن يكون كذلك، وقد رأينا انجذاب المؤمنين، لمن كان من السالفين منهم، ومحبتهم لهم بغير صحبة، ولا رؤية، وهذا يؤكد ما ذكرناه من عالمية دعوة الإسلام، وشمولها، بما لا يدع ذرةً لتَشَكُّكٍ، أو مجالًا لريب، أو ثغرةً لمستشرق، إلا ثغرات الهوى، وعدم الحياد والإنصاف، والإعراض عن العلم وقواعده، فيما يتعلق بالإسلام وتعاليمه.
وجاء في سياق ذلك، الآية التي تمهد الطريق لكل أحد، لكي يكون أخًا للمؤمنين، في بقاع الدنيا كافة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ولايعقل أن يكون ذلك للعرب خاصة، فإن أي تائب من الشرك، أقام الصلاة وأدى الزكاة، تشرف وتمتع بإخوة الدين، لا يقف أمامه عائق من وطن، ولا زمن، وهذا يدل على أن كل كافر - في أي بقعة من المشرق - إذا أسلم، صار أخًا لكل مسلم - في مغارب الكون وأقاصيه شمالًا وجنوبًا -.
ثالثها: بينت الآيات الكريمات - في جملة ما بينت -، المساواة والعدل كمظهر تام الوضوح، لتلك الإخوة في الحقوق والواجبات، لافرق في ذلك بين جليل وحقير، ولا ذكر وأنثى، ولا أحمر وأسود، ولا حر وعبد، كلهم تجمعهم أخوة الإيمان والمحبة والتآلف؛ والتفاضل بينهم إلا بالتقوى، «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقد ذكرت تلك الآية الكريمة، - التي أوردنا في صدر الكلام - صورة حية لهذه الأخوة، - التي وصى الله تعالى بها، بسبب الإيمان -، لأولئك الذين لاحقوق لهم في عالم
_________________
(١) رواه أحمد (٢٢٣٩١).
[ ٣٩٨ ]
اليوم إلا الملاجيء، ودور الفشل، التي تساعد في إخراج طفل لا قيمة له، وهي قوله تعالى - عندما أُلغى في الإسلام عادة التبني -: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وهو تشريع، يوجب لغير معلومى الآباء - فما بال الباحث بمن علم أبوه وفُقِد - يوجب لهم هذه الحقوق المترتبة على أخوة الإيمان، التى شرعها لهم، كما شرعها لأعلى منهم منزلة اجتماعية أو مادية.
وهذا أعلى تشريع وصل إليه العالم، وهو تشريع لم يصل إليه مُشَرِّعُو حقوق الإنسان، والحقوق المدنية وغيرها، وإن كتبوا مثله حقوقًا، فإن الواقع ناضح بممارسات فاضحة في هذا المجال، لا حصر لها! لا تخطئُها الأعين، بل هي صارخة، فاقئة لكل الأعين، صاخة لكل الأسماع، تهز الوجدان والضمائر الحية، وتدميها، لم تكن في تشريع الإسلام ولا تطبيقه.
ونواصل تلك السيرة، لذلك الصرح الإيماني، الذي رعاه القرآن الكريم، وطبقه
النبي - ﷺ -، وأصحابه، وعليه، وبه ارتفعت راية الإسلام، حيث التضحية، والبذل، ومحبة كل أحد لأخيه ما يحب لنفسه، بل إيثاره عليها.
نعود إلى النظرة الإجمالية، فنشير إلى سيرة الحقوق، - التي أخذت سنين - تنزيلًا وتطبيقًا، مع آيات قليلة، انتخبناها وافية بالغرض؛ لأنها تدل على ما وراءها:
٢ - إن الحقوق التى شرعها الإسلام للمسلمين، بإخوة الدين، تدرجت من حفظ الحقوق التي لا تنازل عنها، في الدم والعرض والمال، وصولًا إلى البذل والإيثار، الذي يقدم فيه المؤمن أخاه على نفسه، بدءًا بعدم التحقير لأي معروف يبذله لإخوانه، ولو كان في نهاية القلة (١)، مرورًا بتفريج الكربات، والتيسير للمصائب العسيرات، وستر العورات، والمساندة والمواساة في السراء والضراء.
_________________
(١) شيء من الأحاديث التى تدل على ذلك. قوله - ﷺ -: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» رواه مسلم (٢٦٢٦).
[ ٣٩٩ ]
وتسعفنا الآيات، في الحقوق الأولى بذكر أدناها، تشديدًا على أعلاها، ونذكر في ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقد جاء قبلها عدم السخرية، أو سوء الظن به، أو التجسس عليه، مع ترك التفاخر والتنابز بالالقاب، وبالتالي، ما يكون أكثر من ذلك في عرضه فهو حرام، وكذلك ماله ودمه، قال - ﷺ - توضيحًا لذلك: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه» (١).
فما بالك بأزيد من ذلك، بل ما الظن بضربه وسفك دمه! ومع ذلك ذكر القرآن الكريم، أنه يمكن أن يحدث ما يعكر صفو هذه الأخوة، بل يجرحها، وإن أعظم الجروح لها هو القتل، ومع ذلك - حتى إن وقع خطأ - لا ينفى الأخوة ولا يهدمها، بل أبقاها الشارع، وندب معها إلى العفو والإحسان، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ولاشك أن الأخوة المذكورة هي أخوة الإيمان، اشارة للإحسان، والفضل، والمعروف.
وكذلك أمر أمرًا قويًا، بألا نترك الخصومات، لتقوض جوانب الأخوة، ولم يتركها حتى جعلها تشريعًا، لا يجوز التفريط فيه، أو التغافل عنه، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وهنا نستشعر هذا المعنى، وهذا الموقع الجليل للصلح، وهو أنه إذا قام المؤمنون المهتمون بأمر إقامة هذا الدين، من الأئمة والعلماء، وأهل الفضل، في فض كل خصام، وإحلال الصلح محل البغضاء، والفرقة، والشحناء، والتدابر، والتربص، وغيرها، وأزيد منها، من أمور السوء بين المسلمين؛ فليتصور المرء حينئذ، قوة
_________________
(١) رواه البخاري (٦٢٨٨)، ومسلم (٢١٨٤).
[ ٤٠٠ ]
هذا المجتمع وصفاءه، وتراص أفراده جميعًا على كلمة سواء، توحد صفهم، وتقوي بنيانهم، وتجعلهم كالجسد الواحد، والبنيان المرصوص، يستطيع أن يبني نهضته، وأن يرفع رايته، وأن يصمد لأعدائه، وأن يواصل سيرته شامخًا مستعصيًا، على كل عوامل الهدم والفناء.
قال تعالى أيضًا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فجعل الإيمان ملهبًا لهم، للمسارعة إلى ذلك؛ إذ هو من أهم مميزات الإيمان وعلاماته، وجعله كذلك محور اهتمام المؤمنين جميعًا، عندما أورد الخطاب بصيغة الجمع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
ونصل إلى الصورة التى جَلَّى القرآن الكريم جوانبها لكل المؤمنين، إلى قيام الساعة، وهي صورة المؤمنين أنفسهم، وارتباطهم، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
ذكر صاحب الظلال، في الصور الثلاث، التي أبرزت فيها الآيات الملامح المميزة للمهاجرين والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم، ما أبرز خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان.
الصورة الأولى: هي صورة صادقة، تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين، أخرجوا إخراجًا من ديارهم وأموالهم، أكرههم على الخروج الأذى، والاضطهاد، والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم، في مكة، لا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله، وقد خرجوا تاركين
[ ٤٠١ ]
ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، لا ملجأ لهم سواه، ومع أنهم مطاردون قليلون، كان خروجهم نصرة لله ولرسوله، بقلوبهم وسيوفهم، في أحرج الساعات وأضيق الأوقات ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، فكان الصدق مقصورًا عليهم، بضمير الفصل مع علو المكانة، بالإشارة البعيدة إليهم؛ فهم صادقون مع الله في أنهم اختاروه، وصادقون مع رسوله - ﷺ - في أنهم اتبعوه، صادقون مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض، ويراها الناس.
والصورة الثانية: لأولئك الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، كذلك صورة مضيئة، صادقة، تفردت بصفات بلغت الآفاق؛ ولولا أنها وقعت بالفعل لحسبها الناس أحلامًا طائرة، ورؤى مجنحة، وأمثلة عليا، قد صاغها خيال مخلق.
وقد تبوأوا الدار - دار الهجرة، المدينة - قبل المهاجرين، وتبوأوا الإيمان فيها، كأنه منزل لهم؛ وكلمة دار هي أقرب ما تصور موقف الأنصار من الإيمان، أي: لقد كان دارهم ووطنهم، الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم.
وإن محبتهم للمهاجرين عند استقبالهم لهم، بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، - لم تعرف البشرية كلها حادثًا مثله -؛ ولم يروا أو يحسوا بموجدة في صدورهم، على أولئك المهاجرين الذين قاسموهم كل شيء، من تفضيل في بعض المواضع، أو مال يختصون به في فيء، فلم يكن في نفوسهم أدنى حسد أو ضيق، بل الإيثار على النفس مع الحاجة، هي القمة العليا التى بلغها الأنصار، وكانوا كذلك في كل مرة، وفي كل حالة، بصورة خارقة لمألوف البشر، مع التوقى من الشح المعوق عن كل خير، لأن الخير بذل في صورة من الصور، بذل في المال، وبذل في العاطفة، وبذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، لا يمكن لشحيح أن يصنع خيرًا، فهو يهم كل مرة بالأخذ، ولا يهم مرة بالعطاء، فإذا كان المسلم معطيًا، باذلًا، كريمًا، فهذا هو الفلاح.
[ ٤٠٢ ]
ونصل إلى الصورة الثالثة، التي بينت هذه السيرة المترابطة للمؤمنين، من يوم أن جاء الإسلام إلى نهاية الدنيا، وكان الأولون من أصحاب النبي - ﷺ - وتابعيهم بإحسان، المثل المدهش لها، وهي الصورة الرضية النظيفة الواعية، التى تبرز أهم ملامح التابعين، بل تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق، في جميع الأوطان والأزمان، والتى وضحت لنا ألوهية هذه الدعوة وربانيتها، فهؤلاء القوم صنع الله، إذ لو كانوا تربية شخص فمن الذى ربى من بعدهم، وإذا كانت تعاليمه، فما الذي حملهم عليها، وربطهم بها، وأقام الوازع في نفوسهم من مخالفتها، ومن الذى جعل الأول والآخر والقريب والبعيد على نفس النهج.
هؤلاء الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار، سمة نفوسهم أنها تتوجه لربها طلبًا للمغفرة، لا لنفسها فقط، بل لكل من سبقها بالإيمان، وتتوجه لربها كذلك بطلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا كافة.
تتجلى إذن من وراء تلك النصوص، طبيعة هذه الأمة، وصورتها الوضيئة، في هذه الحياة، وتظهر الآصرة الوثيقة، التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وود وتعاطف، بل بشعور بوشيجة القربى العميقة، التى تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب، وتتفرد وحدها في القلوب، ليذكر المؤمن بالحب أخاه، بعد هذه القرون المتطاولة، في إعزاز وكرامة وشوق، كذكره الحي أو أشد (١).
إنها كتيبة واحدة على مدار الزمان، واختلاف الأوطان، تحت راية الله تغذ السير صعدًا إلى الأفق الكريم.
تلك صورة الأخوة كما ذكرها القرآن، وبين فيها القول، وفصل وأبدى وأوضح،
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (٦/ ٣٥٢٦ - ٣٥٢٧)، باختصار.
[ ٤٠٣ ]
لتكون السيرة المنيرة، التى وضحها الرسول - ﷺ -، قولًا وتطبيقًا. لتأتى الآية الأخيرة، في ترتيب تلك الآيات الكريمات، - التي انتخبناها دليلًا ونبراسًا لسيرة الأخوة في القرآن الكريم - وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
لتبين عظيم عاقبتهم، وحسن جزائهم، الذى أعده الله لهم، جراء ما قدموا مجتمعين إلى يوم القيامة صفًا واحدًا، إنه أعظم الجزاء وأجله، رضا الله عنهم، ومجاورتهم له في جنته - ﷾ - خالدين فيها أبدًا، وهو الجزاء الحامل على المسارعة إلى تحقيق هذه الأخوة، وملازمتها في كل زمان ومكان.
٣ - ونعود إلى ثالث الملاحظات، على آيات الأخوة وسيرتها القرآنية، وهي ملحوظة لابد منها في الدراسة القرآنية، وهي أن كل هذه الآيات مدنية، ولم تأت آية واحدة مكية، تشير إلى لزوم الأخوة، أو توصى وتأمر بها، ولاشك أن لها أسبابًا، وفي ظن الباحث، أن ما توصل إليه من أسباب - إذ لم تذكر أيٌ من المصادر التي اطلع عليها شيئًا من ذلك - تتلخص فيما يلى:
- أن أي أقلية توجد في مكان، يربط بينها رباط العقيدة، أو الجنس، أو غيرها، تستشعر فيما بينها التآلف والمواساة، والقيام بمساعدة بعضهم بعضًا، خاصة عند استشعار الخوف من وقوع مكروه لهم، يهدد حياتهم، أو أموالهم، أو غير ذلك، فيبذلون فيما بينهم ما يدفعون به أي خطر يتهددهم، ويتحدون أمام أي عدو يحاول استباحتهم، ويصير حينئذ ولاؤهم المتضح في التناصر والمعونة لمجموعتهم أو جماعتهم، بل إنهم يمكن أن يتعاهدوا على الموت جميعًا، في سبيل الذود عن بقائهم، وحماية أرواحهم، وأولادهم، وأموالهم.
[ ٤٠٤ ]
ولذلك رأينا الصحابة الأولين في مكة، لا ينقصهم التكافل والتراحم والمحبة والمودة، وإن كانوا لا يستطيعون في أحوال كثيرة أن يوقفوا، أو أن يقفوا أمام طوفان الظلم، الذي يغشى معظمهم، ومع ذلك لا ينفكون عن مواساة إخوانهم، وجدانيًا، وأن يشاركوهم الشعور بما هم فيه؛ إذ لم يتمكنوا أن يدفعوا عنهم شيئًا.
إن المحنة التى حصرتهم، لاشك جمعتهم في خندق واحد، يدفع كل عن إخوانه، كما يدفع عن نفسه، ويقف فيه عاري الصدر، محتملًا الأذى في سبيل بقاء هذه الجماعة المؤمنة، التي تعبد الله تعالى، حفاظًا على الدعوة، وتضحية بالنفس فما دونها، رخيصًا في سبيل دينه، ينتظر موعود الله بالنصر أو الشهادة، خاصة عندما باشر الإيمان شغاف قلوبهم.
- إن وجود القائد - ﷺ - يشاركهم، ويقاسمهم ذلك كله، وفي نفس الوقت يبث في قلوبهم ونفوسهم روح الإيمان، كان له أعظم الأثر في التحامهم وتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم. خاصة عندما يكون - ﷺ - القائم بالمواساة، والتعاطف، مع الضعيف الفقير قبل القوى المليء.
فكان واقعهم كفيلًا بقيام تلك الصورة الفريدة، من صور الأخوة والمحبة، لذا لم يكن ثَمَّ تشريع قرآني بها، إذ يكفى فيها واقع السنة العملى، فلما هاجروا إلى المدينة، ودخل في الإسلام من لم يعايشوا تلك المرحلة، ويتحملوا مشاقها، نزلت التشريعات والوصايا، تأمر بذلك وتبشر به، وإن كانت النواة القدوة قد تعمقت جذورها، وقويت ساقها، مثالًا حيًا وواقعًا حقيقيًا، سرعان ما يدور في فلكه، الآتي الغريب، عن هذا العلو السامق، ليكون أحد لبناته التى تقوى البنيان، وتشد من أزره: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣].
[ ٤٠٥ ]
المبحث الثالث
الوثيقة (الصحيفة)
عندما استقر الرسول - ﷺ - بالمدنية، نظم العلاقات بين أهلها، وكتب كتابًا بهذا الشأن، أوردته المصادر التاريخية، وكذلك دلت على تفاصيله، وجزئياته، الآياتُ القرآنية، والمصادر الحديثية. عرف هذا الكتاب في المصادر القديمة باسم: (الصحيفة) أو (الكتاب)، وأسماه الكُتَّابُ المحدثون: (الدستور) أو (الوثيقة)، وقد استهدف توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات.
ولأهمية هذه الوثيقة، اعتمد الباحثون المعاصرون عليها، في دراسة تنظيمات الرسول - ﷺ - في المدينة المنورة، ونُظُم الدولة الإسلامية، وعلاقاتها بالملل والدول الأخرى، والنظام السياسى في الإسلام، فمن ثَمَّ احتاجت منا لعرض، ودراسة مفصلة، خاصة وقد استهدفها "وات" بالنقد الشديد، على طريقته في محو، وتأويل حقائق الإسلام الربانية، وسيرة الرسول - ﷺ -، المرتبط بالسماء (١)، عندما رأى ذلك قادحًا في مناهج بحثه، التي يطوع التاريخ ويؤلفه لها.
_________________
(١) انظر د. البوطي، فقه السيرة، ص ١٥٩، وانظر د. أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ص ٢٧٢ وما بعدها، وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، ص ٣٠٦ وما بعدها، وانظر محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية، ص ٣٩ - ٤١، وقد ذكر من كتب في الوثيقة.
[ ٤٠٦ ]
مدى صحة الوثيقة:
لتبيين مدى صحة نسبة هذه الوثيقة، إلى الرسول - ﷺ -، لما لها من أهمية تشريعية وتاريخية، نشير إلى بعض من ذكرها من المحدثين والإخباريين.
إن أقدم من أورد نصها كاملًا هو محمد بن إسحاق دون إسناد (١)، ونقلها كل من ابن سيد الناس في سيرته (٢)، وكذلك ابن كثير (٣)، أما الإمام البيهقى (٤) فقد ذكر إسناد ابن إسحاق للوثيقة، - التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون اليهود -، ويبدو أنه رواها من غير طريق ابن إسحاق، وأورد ابن سيد الناس رواية ابن أبى خيثمة (٥) في تاريخه، بمثل رواية ابن إسحاق، ولكنه أسندها، ووردت في كتاب الأموال، لأبى عبيد القاسم بن
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية، (٢٢/ ١٠٣ - ١٠٥)، وهو ابن يَسار بن خِيَار الأخبْارى، العلامة، الحافظ، القرشى، المُطلبى، المدنى صاحب السيرة النبوية، ولد سنه ثمانين، ورأى أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وهو أول من دون العلم بالمدينة، انظر سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣).
(٢) انظر ابن سيد الناس، عيون الأثر في فنون المغازى والشمائل والسير، (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، وهو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، اليعمرى الربعى، أبو الفتح، عالم بالأدب، من حفاظ الحديث، له شعر رقيق، أصله من أشبيلية، ولد بالقاهرة ٦٧١ هـ وتوفى بها ٧٣٤ هـ، انظر الاعلام للزِّرِكلى (٧/ ٣٤).
(٣) ابن كثير، البداية والنهاية، (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٦)، وهوإسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشى البصروى الدمشقى، أبو الفداء عماد الدين، حافظ، مؤرخ، فقيه، ولد في قريه من أعمال البصرى الشام سنة ٧٠٦ هـ، وتوفى بدمشق ٧٧٤ هـ، انظر الأعلام للزركلى (١/ ٣٢٠).
(٤) البيهقى، السنن الكبرى، كتاب الديات، (٨/ ١٠٦)، وهو أحمد بن الحسين بن على، أبو بكر، من أئمة الحديث ولد في خسر وجرد سنة ٣٨٤ هـ، في قرى بيهق بنيسابور ورحل إلى بغداد ثم الكوفة ومكة وغيرهما ومات بنيسابور سنة ٤٥٨ هـ، وله تصانيف كثيرة في الحديث والفقة الشافعى وغير ذلك من فروع العلم.
(٥) الامام الحافظ الحجة أحمد بن أبى خيثمة زهير بن حرب النسائى - ٢٧٩ هـ، وهو أبو بكر أحمد بن أبى خيثمة زهير بن حرب بن شداد، نسائى الأصل صاحب التاريخ الكبير عَلِم الحديث عن أحمد بن حنبل ويحي بن معين والأدب عن محمد بن سلام الجُمحى وقال عند الدار قطنى ثقة مأمون، مات في سنة ٢٧٩ هـ، وقد بلغ ٩٤ عامًا، انظر طبقات الحنابلة لابن أبى يعلى (١/ ٤٢).
[ ٤٠٧ ]
سلام (١) ولكن من طريق الزهري (٢) موقوفة عليه، وقد وردت الصحيفة ذاتها من رواية الزهري أيضًا، في كتاب الأموال (٣) لابن زنجويه (٤).
أما صحة الوثيقة، فلا شك أنها تصلح أساسًا للدراسة التاريخية؛ التى لاتتطلب عادة تلك الشروط العالية، من صحة الإسناد التى لابد أن تتوفر فيها، للاستدلال على الأحكام التشريعية، وقد ذكرنا صلاحيتها لذلك، للأسباب الآتية:
١ - أنها وردت من طرق كثيرة، تتضافر في إكسابها القوة، والزهري علم من رواد كتاب السيرة، وهو من أوثق أهل العلم والرواية.
٢ - أن أهم كتب السيرة والتاريخ، ذكرت موادعة النبي - ﷺ - لليهود، وأنهم جميعهم - أي: القبائل الكبيرة المعلومة في التاريخ - هي التي نقضت عهودها، وإلا ما معنى أن ترد الروايات التاريخية، المدعومة بالقرآن الكريم في مهاجمتهم، وإخراجهم من المدينة المنورة، وما ذلك إلا لسبق العهود القوية، التي نقضوها مع النبي - ﷺ -، كما ذكرت الروايات كتابتها - أيضًا - بين المهاجرين والأنصار.
_________________
(١) انظر أبا عبيد القاسم بن سلام، الأموال (٥١٧)، وهو الهروى الأزدى الخزاى، بالولاء، الخرسانى البغدادى، أبو عبيد، من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقة ولد بهراة سنة ١٥٧ هـ، وتوفى بمكة سنة ٢٢٤ هـ، انظر الأعلام للزركلى (٥/ ١٧٦).
(٢) الزُهْري: (٥٨ - ١٢٤ هـ)، محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهرى، من بنى زهرة بن كلاب من قريش، أبو بكر، أول من دون الحديث وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء، تابعى من أهل المدينة، كان يحفظ ألفين ومئتى حديث، انظر الأعلام للزركلى (٧/ ٩٧).
(٣) ابن زنجويه، كتاب الأموال، ص ٧٥، تحقيق د. شاكر ديب فياض.
(٤) ابن زنجويه: حَمِيْد بن زيجوية، أبو أحمد، الإمام، الحافظ الكبير اسمه حميد بن مَخْلَد بن قُتيبة الأَزْدِى النسائى مولده في حدود سنة ١٨٠ هـ، وتوفى سنة ٢٥١ هـ، على الصحيح، حدث عنه أبو داود والنسائى والبخاري ومسلم وإبراهيم الحربى وأحمد بن حنبل كثير الحديث قديم الرحلة إلى الحجاز ومصر والشام والعراقيين، انظر سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٩).
[ ٤٠٨ ]
٣ - أن أسلوب الوثيقة يدل على أصالتها (١)، فأسلوبها وجملها وما تكرر فيها، ينم على مألوف أساليب العصر المدني، وإن تشابهها، بل واستخدام نفس الجمل مع أساليب كتب الرسول - ﷺ - الأخرى ليعطيها قوة ويكسبها الثقة (٢).
شواهد على فقرات الوثيقة قرآنًا وسنة وتأريخًا:
نذكر بعض الشواهد التى تدل على صحة الصحيفة، من القرآن والسنة وكتب التاريخ، حتى نرد بذلك على القائلين بخلافه، ونبين تهافت كلام"وات".
ونبدأ بالتاريخ لنصل إلى الأعلى، حيث ذكر المؤرخون فقرات معينة، وردت في الصحيفة كالطبري (٣) حيث أشار إلى كتابة المعاقل، وكذلك ابن سعد (٤) أشار إلى كتابة المعاقل بين المؤمنين، وأن لايترك مُفرح في الإسلام، ولا يقتل مسلم بكافر، وعبد الرزاق الصنعاني (٥)، أشار إلى العقل على العاقلة، وأن ذلك بلغهم عن الرسول - ﷺ -، كما في الكتاب
_________________
(١) صالح العلى، تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة، ص ٤ - ٥ - .
(٢) محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية، وفيها تلك المقارنات التي تثبت صحة الوثيقة.
(٣) الطبري، التاريخ، (٢/ ٤٨٦)، وهو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد، المؤرخ، المفسر، الإمام، ولد في أمل طبرستان سنة ٢٢٤ هـ، واستوطن بغداد وتوفى بها سنة ٣١٠ هـ، قال ابن الأثير: أبو جعفر أوثق المؤرخين، انظر الأعلام للزركلى (٦/ ٦٩).
(٤) ابن سعد، الطبقات، دار صادر بيروت، وهو محمد بن سعد بن منيع الزهرى، مولاهم، أبو عبد الله، مؤرخ، ثقة، حفاظ الحديث ولد بالبصرة سنة ١٦٨ هـ، وسكن بغداد وتوفى بها سنة ٢٣٠ هـ، صحب الواقدى المؤرخ وعرف بكاتب الواقدى قال عنه اعطيت في تاريخ بغداد: بن سعد من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه، انظر الأعلام للزركلى (٦/ ١٣٦). - المفرح: المثقل بالدين كثير العيال.
(٥) المصنف (٩/ ٢٧٣ - ٢٧٤) بإسناد صحيح، لكنه مرسل، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، طبعة بيروت، المكتب الإسلامي، ١٣٩٢ هـ، وهو ابن همام بن نافع الحميرى (١٢٦ - ٢١١ هـ)، مولاهم، أبو بكر الصنعانى، من حفاظ الحديث الثقات من أهل صنعاء، كان يحفظ نحو من سبعين عشر ألف حديث، قال عنه الذهبى: هو خزان علم، انظر الأعلام للزركلى (٣/ ٣٥٣).
[ ٤٠٩ ]
الذي بين قريش والأنصار. وذكر المقريزى (١)، وابن حزم (٢)، والديار بكري (٣)، أن الرسول - ﷺ - كتب كتابًا وادع فيه اليهود، ذكر بعضهم بنى قينقاع، والنضير، وقريظة، إلى آخر ما ذكر، والآخر ذكر يهود فقط.
وقد ورد أثرٌ يؤكد موادعته - ﷺ - لليهود، وكتابته ذلك معهم، في قصة بني النضير لما غدروا يقول:
« صبحهم - ﷺ - بالكتائب، فحصرهم يومه، ثم غدا على بنى قريظة، فحاصرهم، فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بنى النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء (٤)» وليس معنى ذلك أن الرسول - ﷺ -، لم يكن عاهد بنى قريظة، بل كان بينه وبينهم كتاب، فلما انشغل ببني عمومتهم، - يهود بني النضير - خشي غدرهم، فحاصرهم، فأكدوا له بقاءهم على ما كانوا عليه من العهد، فكان ذلك توكيدًا.
وأما ما كان من سنة النبي - ﷺ -، التي تؤيد فقرات في الوثيقة، فقد روى منها البخاري (٥)
_________________
(١) المقريزي، إمتاع الأسماع، (١/ ٤٩)، أحمد بن على بن عبد القادر، أبو العباس الحسينى العبيدى، تقى الدين المقريزى، مؤرخ الديار المصرية أصلة من بعلبك ونسبتة إلى حاره المقارزة ولد بالقاهرة سنة ٧٦٦ هـ، ونشأ بها ومات بها سنة ٨٤٥ هـ، وولى فيها الحسبة والإمامة والخطابة مرات، انظر الأعلام للزركلى (١/ ١٧٧).
(٢) ابن حزم، جوامع السيرة ص ٩٥، وه على بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهرى، عالم الأندلس في عصره، ولد بقرطبة سنة ٣٨٤ هـ، زكانت له ولأبيه من قبلة رياسة الوزاره فزهد فيها وانصرف إلى العلم، انتقد كثير من العلماء فحذروا منه السلاطين فأقصوه إلى بادية ليلة من بلاد الأندلس فتوفى فيها سنة ٤٥٦ هـ، انظر الأعلام للزركلى (٤/ ٢٥٤).
(٣) الديار بكرى تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس (١/ ٣٥٣)، وهو حسين بن محمد بن الحسن، مؤرخ، نسبته إلى ديار بكر، ولى قضاء مكة وتوفى بها حوالى سنة ٩٦٦ هـ، له تاريخ الخميس أجمل به السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء والملوك، انظر الأعلام للزركلى (٢/ ٢٥٦).
(٤) ابن مردويه، ذكره ابن حجر، في فتح الباري، كتاب المغازي، حديث بني النضير وقال: إسناده صحيح، (١٥/ ٢٠٢). وأخرجه عبد الرازق في المصنف (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، وأبو داود في سننه (٢٦١٠) مطولًا. والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٩٨).
(٥) البخاري، (٣٠٤٦)، مع فتح الباري (١٢/ ١٣٧).
[ ٤١٠ ]
وأبو داود (١) (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤)، ونذكر مثلًا واحدًا، وهو قوله - ﷺ -، فيما رواه النسائي: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، لايقتل مؤمن بكافر؛ ولا ذو عهد في عهده».
هذه الروايات تثبت تحرير الكتاب، من النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، وتؤيد الفقرات التى جاءت في الصحيفة عن المعاقل، وفداء الأسرى للمهاجرين وبطون الأنصار.
لقد أورد أحد الباحثين، ثمانية أحاديث تثبت أصل الصحيفة، والكتابة بين المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة، وما فيها من تفصيلات، ثم ذكر لها شواهد كثيرة (٥).
وأما الآيات القرآنية ..
فقد ذكر الباحث نفسه، سبعًا وعشرين آية، توافق فقرات الصحيفة، ولولا خشية الإطالة، لأوردنا طرفًا منها.
ونهاية النظر في هذه الأدلة، توحي بأن جميع فقرات الصحيفة، لها شواهد من القرآن الكريم، والسنة الصحيحة.
إن الحقيقة العلمية، هي التي حملتنا على الكلام على صحة الوثيقة، بهذا التدقيق
_________________
(١) أبو داود، (٣٠٠٠).
(٢) الخطابي، معالم السنن، (٢/ ٣٣٨) بإسناد صحيح.
(٣) النسائي، (٨/ ٢٠).
(٤) ابن ماجه، (٢٦٥٨ - ٢٦٥٩ - ٢٦٦٠).
(٥) انظر د. مهدى رزق، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص (٣١٣ - ٣١٦)، حيث استعان في الكلام على الصحيفة برسالة ماجستير لهارون رشيد محمد إسحاق، وهو الباحث المشار إليه، واسمها" صحيفة المدينة دراسة حديثية وتحقيق" والنقل هنا بتلخيص شديد من ص ١٣٣ فما بعدها.
[ ٤١١ ]
العلمي، نظرًا لوجود من يشكك في صحتها، حيث وصلنا إلى أن التشكيك بعد ذلك، يعد مجازفة كبرى، وتَسَرُّعًا في إصدار الأحكام، ومجافاة للأسلوب العلمي، فضلًا عن مخالفة الواقع، كما ذهب إلى ذلك من المعاصرين الأستاذ/ يوسف العش (١)، والأستاذ/ ضيدان اليامي (٢).
فالأول ذهب إلى أنها موضوعة، لأنها لم يروها إلا ابن إسحاق، بغير إسناد، والحقيقة - كما ذكرنا وأوردنا - غيرُ ذلك، والثاني: قال بأنها ضعيفة لا تصح، وينبغي عدم الاحتجاج بها، سوى ما ثبت لفظه أو معناه في أحاديث أخر، وجاء في الصحيفة (٣)، ومن ثَمَّ كان مهمًا ما أوردناه، لنعلم حسن إسنادها لغيره، وأنها صحيحة صالحة للاحتجاج بها، في إثبات تلك السيرة من الوجهة التاريخية.
تاريخ كتابة الصحيفة:
ونتكلم فيه لأجل "وات"، حيث من طريقته - التي أشرنا إليها من قبل - تقطيع أوصال الحوادث، والاستدلال بكل جزء مبتور على زمان، أو على حكم، بحيث يخرج الحادث أو النص، من سياقه التاريخي، إلى تاريخ لا علاقة للنص به، بل ولم يقع فيه، - ويمكن أن يكون قد وقع قبل أو بعد ذلك بسنين متطاولة - ليصل إلى نتائج من السيرة وبواعث لها، قد أعدها سلفًا.
وهذا يجرنا إلى بحث الدكتور/ أكرم العمري، حيث انتهى فيه إلى أن الوثيقة في الأصل كانت وثيقتين، ثم جمع المؤرخون بينهما، لتشابه المواقف والأغراض، وكانت الأولى
_________________
(١) يوسف العش، الدولة العربية وسقوطها، حاشية ٩ ص ٢٠، وهي ترجمة للكتاب المذكور لفلهاوزن.
(٢) ضيدان اليامى، بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة وثيقة - المدينة.
(٣) د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، ص ٣١١ - ٣١٢، حيث ذكر الردود كذلك على هذا الرأي.
[ ٤١٢ ]
بين الرسول - ﷺ -، يوادع فيها اليهود، والثانية بين قريش (المهاجرين)، والأنصار، تنص على حقوقهم، وواجباتهم، وما يلتزم به كل طرف، وقد ساق أدلته على ذلك، التي منها: أن كتاب اليهود، كان عند قدوم النبي - ﷺ - المدينة، والكتاب بين المهاجرين والأنصار، كان عند مرجعه - ﷺ - من بدر منتصرًا على قريش، وكان المهاجرون قد كثروا من مكة، ومن غيرها إلى الدرجة التي تُلْزِم - بعد هذا النصر - أن يوضع دستور يحدد تلك العلاقات.
وأما ماورد من كتابةٍ بين النبي - ﷺ - وبين اليهود بعد قتل كعب بن الأشرف اليهودى، - وكان قتل بعد بدر الكبرى -، فإنما كان توكيدًا لما سبق، لأن قتل ابن الأشرف كان بسبب نقضه العهد بينه وبين المسلمين، وإعلان العداوة للنبى - ﷺ -، وممالأته لقريش على النبي - ﷺ -، ورثائه لقتلى بدر، إلى آخر مافعله غادرًا بعهده مع النبي - ﷺ - والمسلمين، وقد نزل من القرآن الكريم، ما يؤيد ذلك بعد بدر، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ (١) [الأنفال: ٥٦]. وهي تشير إلى أكثر من معاهدة تمت بين الرسول - ﷺ - واليهود، كما بين ذلك أهل التفسير (٢).
ونستعرض الآن بنود الصحيفة سريعًا، مع تحليل لايخل بالمقصود؛ لنرى تقدم الإسلام في هذا الباب، وسبقه للدنيا في إقرار الدساتير، والعمل بمقتضاها، ولنرد سريعًا على "وات" في مزاعمهم التي أوردها.
أما نص الوثيقة فهي:
_________________
(١) انظر د. أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ص ٢٧٦، وما بعدها، حيث ذكر كل أدلته. وذهب إلى تأييد هذا الرأى. د. مهدي رزق الله في السيرة، ص ٣١٣، وقد أورده أيضًا د. أكرم العمري في كتابه (المجتمع المدني في عهد النبوة - خصائصه وتنظيماته)، ص (١١١ - ١١٧)، وذكر في الهامش أن د. صالح العلى ذهب إلى أن وثيقة معاهدة اليهود كتبت أيضًا بعد بدر، تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة ص ٦، أما الآية فهي نزلت بعد بدر مباشرة تعقيبًا وتعليقًا على غزوة بدر.
(٢) انظر ابن الجوزى، زاد المسير (٣/ ٣٧٢).
[ ٤١٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١ - هذا كتاب، من محمد النبي - ﷺ -، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، (وأهل) يثرب ومن تبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم.
٢ - إنهم أمة واحدة من دون الناس.
٣ - المهاجرون من قريش، على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف، والقسط بين المؤمنين.
٤ - وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
(٥ - ١١) كل ذلك نفس بند بنى عوف من الأنصار وهو البند الرابع (٤).
١٢ أ - وإن المؤمنين لايتركون مفرَحًا بينهم، أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل.
١٢ ب - وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٣ - وأن المؤمنين المتقين، أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم (١)، أو إثمًا، أو عدوانًا، أو فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم.
١٤ - ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن.
١٥ - وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض، دون الناس.
١٦ - وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
١٧ - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن، في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
_________________
(١) دسيعة الظلم: طلب عطية بدون وجه حق.
[ ٤١٤ ]
١٨ - وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا.
١٩ - وإن المؤمنين يبيء بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
٢٠ - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
٢١ أ - وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولى المقتول بالعقل، وإن المؤمنين عليه كافة، ولايحل لهم إلا القيام عليه.
٢١ ب - وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولانفسًا، ولايحول دونه على مؤمن.
٢٢ - وإنه لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا، أو يؤويه، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايوخذ منه صرف ولاعدل.
٢٣ - وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد - ﷺ -.
ومن هنا تبدأ وثيقة يهود.
٢٤ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٥ - وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه، وأثم، فإنه لا يوتغ (١) إلا نفسه وأهل بيته.
وما جرى مع يهود بنى عوف يجرى مع بقية قبائل الأنصار حتى البند (٣٦).
٣٦ - وإنه لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمد - ﷺ -.
٣٦ ب - وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه وأهل بيته، إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا.
٣٧ - وإن عليهم نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والبر دون الإثم.
_________________
(١) أي: لا يهلك إلا نفسه وأهل بيته فهم يتحملون معه الدية مثلًا.
[ ٤١٥ ]
٣٧ ب - وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.
٣٨ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.
٣٩ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
٤٠ - وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٤١ - وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
٤٢ - وإن ماكان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله - ﷺ -، وإن الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٣ - وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٤ - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
٤٥ أ - وإذا دعوا إلى صالح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
٤٥ ب - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم.
٤٦ - وإن يهود الأوس مواليهم، وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض، من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبره.
٤٧ - وإنه لايحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن، بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله - ﷺ - (١).
وبالتأمل في هذه الصحيفة:
_________________
(١) اختصرنا هذه النصوص، ولهذه الوثيقة يمكن مراجعة. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية، ص ٤١ - ٤٧، د. اكرم العمرى، السيرة النبوية ص ٢٨٢ - ٢٨٥، ود. البوطي، فقه السيرة، ص ١٥٩ - ١٦٣، د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، ص ٣١٦ - ٣١٧ وغيرها.
[ ٤١٦ ]
نراها تشتمل على مبادئ دستورية، إما واضحة وشاملة، أو يمكن استنباطها من تلك المبادئ المنصوصة، مع انطواء كل ذلك على أحكام شرعية، ذلك كله يجعل كلمة «دستور» هي أقرب إطلاق مناسب من المصطلحات الحديثة على الوثيقة، ومن ثَمَّ تكون هذه الوثيقة أقدم دستور مكتوب في العالم، وإذا كانت بمثابة إعلان دستور، فإنها شملت على ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث، يوضح الخطوط الكلية لنظام الدولة في الداخل والخارج؛ فيما يتعلق بأفراد الدولة مع بعضهم البعض، أو يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين، ولكن هذه الوثيقة تختلف، أو تزيد عن دساتير اليوم بما يلى:
أولًا: الدولة الإسلامية دولة دستورية، والكلمة العلى فيها للشرع؛ فهى ليست كالدول الدينية في القرون الوسطى في أوربا، والتي حاولوا أن يصموا بها الدولة الإسلامية.
ثانيًا: الدولة الإسلامية بدأت حضارتها التى سادت الدنيا، باتباعها لتلك التعاليم والمباديء، وتطبيقها على أرض الواقع، في حين كانت أوربا تحارب العلم، وتحرق العلماء باسم الدين.
ثالثًا: العدالةُ، والمساواةُ، وحريةُ العقيدةِ، التي تمتع بها أفراد الدولة الإسلامية لا تحتاج لدليلٍ، إذ كان يمكن ليهوديٍ - مثلًا - أن يقاضى رئيس الدولة رأسًا، ويأخذ حقه منه، في حين أن العنصرية والتمييز ما زالا قائِمَين إلى وقت قريب في أوربا وأمريكا رسميًا، فما زال الواقع يعج أفرادًا ومؤسسات بتلك التفرقة وهذه العنصرية والنازية.
رابعًا: هذا الدستور (الوثيقة)، ينطوي على الجانب الأخلاقي، المتمثل في مخاطبة المؤمنين المتقين، بمطالبتهم أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، رجاء الحذر من حساب اليوم الآخر، بما لا نظير له في الدساتير الوضعية.
[ ٤١٧ ]
خامسًا: وفي الجانب الاجتماعي، جعلت الوثيقة الجميع - من الأسرة إلى
العشيرة - مسئولًا عما يقع لأفرادها؛ ليقوموا به، من تكافل وتضامن، وإن لم يتمكنوا من ذلك، قامت به الدولة، من بيت مالها، فلا تدع مفرحًا، مثقلًا بالدين، كثير العيال، أو لا عشيرة له، ولا قوم، إلا قامت هي به، تقضي دينه، وتقوم بأولاده، على خلاف واقع اليوم، في الغرب كله، حيث المدين ينتظره الخراب والسجن.
سادسًا: هذه المقومات الدستورية - في مجموعها - إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية، وما يتعلق بها من المواد التنظيمية الأخرى، المنبثقة من العقيدة الواحدة، فالمسلم له تلك الحقوق، في أي بقعة كانت من بقاع الأرض، بغض النظر عن الجنسية أو الأرض أو غيرها.
سابعًا: تُمَيِّزُ هذه الوثيقة (الدستور) الإسلامَ بأنه دين شامل، لا يقتصر - كما يريد له المستشرقون وأذنابهم - على علاقة المرء بين الإنسان وربه، أو أنه دين يختص بالعرب، أو لا يخرج عن الحدود الإقليمية، ويكفى تكذيب الواقع لكل ذلك، وما حاولوا نشر هذه الغربة إلا لإيقاف المد الإسلامي المتنامي، وحيوية الإسلام المدهشة، أمام دخول الغرب فيه.
وبعد ذلك نقول: إن هذا الدستور قد وضعه الرسول - ﷺ -، بوحي الله له، لأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]. وكتبه أصحابه رضوان الله عليهم، وإن تطبيق المسلمين له أيام النبوة وبعدها، وفي أيام تولى الحكم، كان وفقًا لشرع الله. رأينا ذلك كله دليلًا على صحة الوثيقة، ولاشك أن هذه الأصول الدستورية العامة، تؤيد ما جَدَّ مما يحقق مصالح المسلمين، ونفعهم، ولا يتعارض مع أسس الإسلام، ومبادئه، مما يدل على مرونة الشريعة، وسعتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان. لأننا ما سمعنا بإهدار هذه النصوص، أو التفلت من الالتزام بها، إلا حين خالف الناس الشرع، وأداروا ظهورهم له،
[ ٤١٨ ]
متوجهين شرقًا وغربًا، وما انتكست تلك الحضارة إلا بالبعد عن تعاليم الإسلام الصحيحة (١).
وبذلك يظهر الفارق الضخم، بين هذا الدستور والدساتير الأخرى، من حيث إنه يعتمد في تطبيقه على الجانب الدينى، المتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، ليؤكد تلك الأسس الإلهية، في الوازع الحامل للناس على الانقياد لتلك القوانين.
إن تحليلًا سريعًا لبنود الوثيقة يظهر لنا:
- أنها بين المسلمين المؤمنين، من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، فكان أن بينت - من أول بند - أنها اتفاق شامل لكل مسلم في كل مكان، مما يدل على أن المسلم حيث كان، مرتبط بذلك الكيان الواحد، «فإنهم أمة من دون الناس»، مما يؤكد على رباط العقيدة، فوجهتهم وولاؤهم، لله تعالى ورسوله - ﷺ -، وليس للقبيلة ولا للدم، فاتحدت قبلتهم مع شعورهم وأفكارهم؛ وإن احتكامهم كذلك للشرع، وليس لعرف أو تقليد، لا يقرهما الشرع، وكان ذلك يستهدف اعتزازهم بذاتهم، حتى نهاهم أن يتشبهوا بغيرهم، فقال - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢)، مميزًا لهم عن غيرهم تميزًا واستعلاء، لا يشكل حاجزًا بينهم وبين غيرهم، ليدخلوا في الإسلام.
- ومع ذلك ذكرت بنود في الوثيقة عشائر الأنصار، ولم تذكرهم ليكون الولاء لغير الله تعالى، - للقبيلة - وإنما بينت بغير لبس أسباب ذلك، في تدرج نظام التكافل من ناحية، والتنظيمات الإدارية من ناحية أخرى، ففى نظام التكافل، بَيَّنَتْ حقوق وواجبات العشيرة الواحدة، من التضامن في إعانة المحتاجين، وفكاك الأسرى، وتحمل الديات، وغيرها، مما
_________________
(١) انظر لما سبق د. البوطي، فقه السيرة، ص ١٦١.
(٢) رواه أحمد (٤٨٦٨)، وأبو داود (٣٥١٢).
[ ٤١٩ ]
هو موجود، أو مما يفرضه الواقع؛ وأما التنظيمات الإدارية، فكثيرة في مسئولية كل عشيرة، في مشاركتها الدولة في القيام بشؤونها، وإعداد رسلها، وجنودها ونقبائها، مع القيام بتنفيذ أمور الدين، وإبلاغ أعمال الرسول - ﷺ -، وأموره ونواهيه، ووصاياه إلى غيرها، والقيام بمصلحة كل فئة، وترتيب كل الأمور، الترتيب اللائق بها في مثل هذا الواقع، ولمثل هذه الأعمال، تحت القيادة العامة لرسول الله - ﷺ -.
- وكما أكدت الوثيقة ما سبق، فقد أكدت على المسؤلية الجماعية، وأن سائر المؤمنين مسؤلون عن تحقيق الأمن، والعدل، في مجتمع المدينة، خاصة، وأن الحدود الشرعية، وأوامر الشرع، وما يتعلق بشيوع المعروف في المجتمع، كل ذلك من الله تعالى، فكان تطبيقه واجبًا دينيًا على جميع المؤمنين، ومن ثَمَّ نَصَّت الوثيقة على أن أيدي المؤمنين المتقين، على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثمًا، أو عدوانًا، أو فسادًا بين المؤمنين، وأيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، وبذلك كان المؤمنؤن المتقون - لكمال إيمانهم عن غيرهم من المؤمنين، الذين يمكن أن يقعوا في مثل ذلك - أحرص من سواهم على القيام بواجبات الدين تلك، وكان مثلًا لذلك، القتلُ، حيث فيه القصاص، إلا أن ينزل أولياء القتيل إلى الدية أو العفو، بينت الوثيقة فيه أنه إن اختار أولياء القتيل القتل أو الدية، فإن المؤمنين جميعهم، بمن فيهم أولياء القاتل، يتعاونون في تطبيق الحكم عليه، وعدم حمايته أو إيوائه، ومن خالف ذلك فعليه لعنة الله، وغضبه يوم القيامة، لا يُقْبل منه صرف ولا عدل.
- وأقرت الوثيقة مبدأ الجوار (١)، وجعلته حقًا للرجل والمرأة على السواء، وهو من دقة المساواة الواقعة بين المؤمنين، بحيث لا يجوز لأحد أن يخفر مسلمًا في جواره، إذ ذمة المسلم - أيًا كان - محترمة، لا يتعدى عليها حاكم أو محكوم، ولكنها منعت من بقى على شركه من الأوس والخزرج أن يجير قريشًا، أو تجارتها، التي تمر غربي المدينة، إذ في إجارة العدو شيوع
_________________
(١) جوار بكسر الجيم وضمها والكسر أفصح، جاور بنى فلان أي تَحَّرم بجوارهم، لسان العرب باب «جور».
[ ٤٢٠ ]
عدم الاستقرار، والعداوة، التي جعلت الوثيقة الأمن بها لجوف المدينة، ومن قعد ومن رحل كل ذلك آمن. إن ذلك تهديد مباشر ونقض لهذه الوثيقة، حيث أقرت الوثيقة العيش في سلام، لكل أهل المدينة، كما قرأنا في بنودها، ولكن الموالاة التي ينبني عليها المحبة والنصرة والمعونة والتأييد، فهي محصورة فقط في المؤمنين؛ إذ لا يجوز لمسلم أن يوالى كافرًا، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وإن كان الإسلام لا يمنع البر والقسط، مع أهل الكتاب المسالمين له.
- ومع ما تقدم، يصح إذن البند (١٧) القائل: إن سلم المؤمنين واحدة، ولكن لا يسالم مؤمن لنفسه من دون المؤمنين، بل إن إعلان الحرب من اختصاص النبي - ﷺ -، وعليه فإن المسلمين جميعًا يكونون في حالة حرب مع ذلك العدو، فلا يمكن لفرد أن يهادنهم، لارتباطه بسياسة المسلمين الواحدة تجاه عدوهم، وإن عبء الحرب يقع على كل المؤمنين، بحيث تعقب كل غازية أخرى متناوبين في الجهاد.
وفي ختام كلام الوثيقة بين المهاجرين والأنصار، كان المرجع الأعلى لكل خلاف يقع بين المسلمين، مرده إلى الله جل وعلا ورسوله - ﷺ - (١).
وبفراغنا من نظرة عجلى، على ما كان بين المسلمين، من شروط في الوثيقة، نشرع في نظرة أخرى، تلقي - كذلك - الضوء سريعًا على شروط المعاهدة بين المسلمين واليهود، مع تحليل ما يهمنا منها لنرد بكليهما على "وات":
_________________
(١) ينظر لما سبق، د. البوطي، فقه السيرة، ص ١٦٢، د. أكرم العمري، السيرة النبوية، ص (٢٩٢ - ٢٩٨)، د. مهدي رزق، السيرة النبوية، ص (٣١٦ - ٣١٨)، وبعض ما سبق لأبي عبيد، القاسم بن سلام، الأموال، ص ٢٩٤.
[ ٤٢١ ]
- إن بنود تلك المعاهدة، التي تنظم هذه العلاقات، بين المسلمين واليهود، تبدأ من البند الرابع والعشرين، إلى السابع والأربعين.
- وإن أول ما يطالعنا في تلك النصوص، هو الحرية الدينية لليهود، وإنهم ما زالوا على ذلك، حتى لما غدروا وأخرجهم الرسول - ﷺ - من المدينة، بنقضهم تلك المواثيق، خرجوا وهم يهود، ومن بقى منهم - من غير القبائل الثلاث اللاتى نكثت أيمانها، ومزقت كتب مواثيقها -، ظل يتمتع بتلك الحرية الدينية، والبقاء في المدينة، حتى إن الرسول - ﷺ - توفي ودرعه مرهون عند يهودي (١).
- لم يقتصر الأمر على ذلك، بل جعل - ﷺ - ذلك لليهود، ولحلفائهم ولمن تهود من المشركين، فقالت الوثيقة: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم (٢٥ - ٣٥، ٤٦).
- وأكدت كذلك، أن المسؤلية الجنائية، لا تخص إلا صاحبها، فلا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن من ظلم وأثم لايوتغ إلا نفسه وأهل بيته، كما هو الحال مع المسلمين، أو يتركون المدينة، فهم كذلك. (٣١، ٣٧ ب).
- وإن أجار اليهود أحدًا، فهو كالنفس غير مضار ولا آثم، ولكن لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها، فلا يفتئت أحد على أحد بجوار إلا أن يوافق أهل المستجير. (٤٠، ٤١).
- ثم جعلت الوثيقة المدينة حرمًا آمنًا، حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، فلا يحل انتهاكه، فلا يقتل صيده، ولا يقطع شجره، وحرم المدينة بين الحَرَّة الشرقية والحرة الغربية، وبين جبل ثور في الشمال، وجبل عير في الجنوب، ويدخل وادى العقيق في الحرم، وبذلك
_________________
(١) البخاري (٢٩١٦).
[ ٤٢٢ ]
أحلت هذه المادة الأمن في المدينة، ومنعت الحروب الداخلية (١)، وبناء عليه جاءت نصوص التعاون والتناصر، وتتلخص في أن بين أهل هذه الصحيفة، النصر والنصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وتفصيل بعضه فيما يلى:
- أن بينهم النصر على من دهم يثرب، وعلى كل أناس حصتهم التى من قبلهم،
(٤٤، ٤٥) فعلى اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.
- ومهما كان المؤمنون محاربين، فإن اليهود ينفقون معهم ما داموا كذلك.
- وأنهم إذا دعوا صالح فإنهم يصالحونه، وكذلك المؤمنؤن إلا من حارب في الدين، ومن ثَمَّ لا تُجَار قريش ولا من نصرها. لما بينها وبين المسلمين من حرب، وأذى شديد بسبب الإسلام.
- ولوجود هذه الوثيقة، فإنه لا يخرج من المدينة أحد، إلا بإذن رسول الله - ﷺ -، لسلطانه على المسلمين، ولعهده مع اليهود؛ وذلك لما يراه من مصلحة، كأمن المدينة، أو اقتصادها، أو غير ذلك من المصالح العامة، فإن الجميع يخضع للنظام العام، حيث أقر اليهود بسلطة عليا تحاكم فيما يعن من شجار، بين المسلمين واليهود، وهي الرجوع إلى الله تعالى وإلى رسوله - ﷺ -، إن كان ما يدخل في ذلك، ليس مما يختصمون فيه من قضاياهم الشخصية، فهم يردون فيها إلى التوراة، ليقضى لهم فيها أحبارهم، إلا حيث يحكمون فيها الرسول - ﷺ -، فإن شاء قضى بينهم، وإن شاء أعرض عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
_________________
(١) انظر النووي، شرح مسلم، باب فضل المدينة (١٠٣٠)، ومحمد حميد الله، الوثائق السياسية، ص (٤٤١، ٤٤٢)، وأشار إلى ذلك د. أكرم العمري، السيرة النبوية، ص ٢٩٢.
[ ٤٢٣ ]
والتزام ذلك جعل من خرج فهو آمن، وأكد على البر والصدق والتقوى، في تنفيذ تلك العهود، فجاءت تلك الكلمات المنيرة، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة، وأصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإن الله جار لمن اتصف بذلك، ومحمد رسول الله - ﷺ -.
توضح كتابة الصحيفة - نفسها -، وما حوت من بنود، أن السلطة العليا في المدينة، كانت لرسول الله - ﷺ -، وأن الواقع الذى لا يستطاع دفعه، أنه لم يكن يُنطق بسلطة أخرى لأحد، يقرر علاقات المدينة الخارجية، وشئونها الداخلية، أمنية واجتماعية واقتصادية من المنطلق الإسلامي، وإعلانها الحرب والسلم، إلا رسول الله - ﷺ -، مما يؤكد على علو مكانة الرسول - ﷺ -، التي لا مراء فيها من ناحية، وعلى صحة بنود هذه الوثيقة من ناحية أخرى.
كما تبرز الوثيقة علاقات هذا الدين الحق، وعلوها ورقيها، وهذا ما كان ينبغى أن نقارنه بآيات من القرآن الكريم لاستكمال المنهج ولكن الإختصار دعانا لذلك.
وات والوثيقة:
لابد من مناقشة المستشرق "وات"، ولو على أقصى سرعة، لإيقافه على محطات الخطأ في سيره مع الوثيقة، وتبيين مواقف الصواب، مع علمنا بدوافعه وبواعثه، التى ذكرناها أكثر من مرة، ولكن بدون تكرار.
إن نقد "وات" الشديد للوثيقة، كان من ثلاث نقاط:
الأولى: دستور المدينة صحةً وتاريخًا.
الثانية: معنى الأمة في هذا الدستور.
الثالثة: مكانة النبي - ﷺ - في المدينة.
ونبدأ بالقضية الأولى؛ ونناقش "وات" فيها من زاويتين، حيث تتلخص رؤيته فيهما
[ ٤٢٤ ]
للوثيقة؛ وهما صحة الوثيقة، وتاريخ كتابتها.
أما صحة الوثيقة فإن "وات" يرى:
أولًا: صحة الوثيقة لأسبابٍ متهافتة؛ منها استحالة التزوير في العصرين الأموى والعباسى، فلا يمكن لأي مزور أن يجعل لمحمد - ﷺ - هذه المكانة المتواضعة، وأن يحتفظ ببنود ضد قريش، أو أن يجعل غير المسلمين أمة مع المسلمين؛ إذ أن كل ذلك بأسلوب لا شك قديم) (١) (.
ثانيًا: نراه شَكَّكَ في صحة الوثيقة، منقلبًا على رأيه السابق، ولكن مع تمسكه الشديد بأدلة عدم التزوير في الرأى السابق، - وهذا من عجيب البحث أن ينقض الرأى، ويحتفظ بأدلته، يبدى فيها ويعيد، مفردًا لها صفحات عديدة - وما ذلك إلا لأنه يرى أن هذا
الكلام (٢)، هو مقصوده الذى أورده ابتداءً، سواء صح الخبر أم لم يصح، وما يهدف إليه من توجيه السيرة، وجِهَتُه التى أراد منها كون النبي - ﷺ - في النهاية - لم يوح إليه، وأن مكانته كذا وكذا، وأن كلام الصحيفة المتناقض يدل على ذلك.
وقد بعدنا - بالاستطراد - عن دليل تشكيكه في الصحيفة، فلنعد إليه؛ وهو أن ابن إسحاق لم يذكر الطريقة التى وصلت بها الوثيقة إليه (٣).
تاريخ كتابة الوثيقة:
يرى "وات" أن بنودًا من الوثيقة كتبت في وقتين مختلفين، أو أوقات مختلفة، وذلك
_________________
(١) Mohammad at Medina p٢٢٥ .
(٢) الذى لاشك اخترعه، لأن ذلك ليس من أدلة الصحة والبطلان في أسانيد الأخبار.
(٣) op.cit. p ٢٢١، وانظر عبد الله النعيم، الإستشراق في السيرة، (١١٢).
[ ٤٢٥ ]
لفروق لغوية، وبعض البنود تكرار لبنود أخرى، وتعالج نفس المسائل (١).
مع افتراض أن البنود ١٥، ١٦، ١٩، ٢٣ تمثل نص اتفاق أصلى، وقع بين محمد - ﷺ - وقبائل المدينة في العقبة (مكة)، ثم أضيفت بنود جديدة إلى هذه البنود، بين وقت وآخر حسب الحاجة، كما حذفت البنود القديمة هناك مسائل كثيرة غامضة خاضعة للفرضيات) (٢) (.
هذه اعتراضات "وات" كما هي، ونبدأ من آخرها، فيتبين لنا شيئ جديد عن "وات" في عرضه للتاريخ، وبحثه في بواعث الأحداث، وأسبابها، فنبدأ بقوله: هناك مسائل كثيرة غامضة خاضعة للفرضيات، وعلى هذا القول، ما يلى:
١ - هذا دليل الإفلاس في عرض الوقائع، لأن "وات" لم يدع شاردة ولا واردة، يدين بها السيرة وصاحبها - مهما كانت موضوعة لا قيمة لها - إلا وذكرها وأشاد بها، وأكد بكل سبيل من سبله صحتها، وهنا لم يذكر واحدة من الكثير الغامض الذى ادعاه، لأنه لو كان لذكره، وما تغاضى عنه، حتى وإن لم يكن لاخترعه كما قال بلسانه: خاضعة للفرضيات، وكم رأينا افتراضه الكثير مما خطه، يكتب به تاريخًا من عنده، يعينه على استنباط ما أراد سلفًا وأعد.
٢ - لما لم يستطع دفع صحة وقائع وأحداث الوثيقة، بالأدلة التى تفصل القضايا، شكك فيها بهذا القول المجمل، والذى يستطيع كل أحد أن يرد به أي قول لا يتمكن من التصدى لصحته، فيرمى بقوله، ويجرى هناك مسائل كثيرة غامضة.
٣ - السؤال المنطقى، اللازم لما نحن فيه، هو أين الغموض في كثير من مسائل
_________________
(١) Mohammad at Medina p ٢٢٦، " وات"، محمد في المدينة، (٣٤٦ - ٣٤٧).
(٢) المصدر السابق ٢٢٧.
[ ٤٢٦ ]
الوثيقة؟ بل أين هو في كل مسألة وبند منها؟ سواء في المعنى، أو في اللفظ، أو في كليهما، أو حتى في غير ذلك مما يكتنفه الغموض، أم إنه الشغب والتشويش، وإثارة الغبار على الحقائق عند عدم استطاعة الرد - علميًا كان أو غيره - عليها!
بهذه الأدلة من كلام "وات"، لم نعد بحاجة إلى استكمال نقد كلامه؛ ولكن إحقاقَ الحق وإظهار الباطل في كلامه، يملى علينا مناقشة بقية البنود، وكذا إتمامًا للأمانة العلمية في ذلك.
فنعود إلى النقطة الأولى وما بعدها، حيث ذكر "وات":
أولًا: صحة الوثيقة؛ لأنه لا يمكن لأى مزور أن يزور فيها هذه البنود - المسيئة للإسلام وللنبى - ﷺ -، على حسب اكتشاف "وات".
نقول آمنًا بالله، وصدقنا بصحة الوثيقة، بغض النظر عن أسباب عدم التمكن من تزويرها، إذ يكفى أن يقول "وات" لا يمكن لأى مزور أن يزورها.
فإذا بنا نُفَاجأ بأن "وات" يقول إن الصحيفة مزورة، مع إن أدلة عدم التزوير باقية، وهكذا يكون البحث العلمى النزيه المجرد، ويسوق "وات" أدلة التزوير فيقول:
أولًا: إن ابن اسحاق لم يخبرنا كيف وصلت إليه هذه الصحيفة المزورة - أقصد التى لا يمكن تزويرها -، ونذكر القاريء بأننا رددنا على ذلك - بالإسهاب - في بداية الكلام على الوثيقة؛ حتى لا نضطر لإعادته في الرد على "وات" الرد العلمى الحديثى والتاريخى.
ثانيًا: إن الوثيقة كتبت في وقتين، أو أوقات مختلفة) (١) ( إلى آخره، والرد: إنه ليس بين المتقدمين من كُتَّاب السيرة - مما عرفنا - من ذكر وقتين لها، فضلًا عن أوقات مختلفة! مع إن ذلك لم يكن ليعيبهم في شيء، إذ كتب في الوثيقة ما هو أسوأ منه في نظر "وات"، حتى ادعى
_________________
(١) Mohammad at Medina. p. ٢٢٥.
[ ٤٢٧ ]
عدم إمكانية التزوير؛ والمدققون من المتأخرين ذكروا وقتين لا ثالث لهما، ولكن كان الأول بين المهاجرين والأنصار، والثاني بين المسلمين واليهود، وماذا يخالف الواقع أو العقل في ذلك، وذكرنا بقية الكلام وتوضيحه في محله السابق ليكون ردًا مقدمًا على كلام "وات".
ثالثًا: مما يؤكد به "وات" تشكيكه في الوثيقة - التى لا يمكن تزويرها - هو أن هناك اتفاقًا أصليًا، وقع في العقبة بمكة قبل الهجرة، بين الرسول - ﷺ - وقبائل المدينة، وبنوده هي ١٥، ١٦، ١٩، ٢٣.
ومما يثير الأسى، والحزن، على البحث العلمى، وعلى "وات"، أن ينزل بفكره، وألا يحترم عقله وبحثه إلى هذا المستوى؛ إن البند الخامس عشر يتحدث كما ذكرنا عن إجارة المؤمن، أي: له أن يكفل، ويحفظ، ويمنع من أن يتعرض له أحد بأذى، وذلك في الوقت الذى لم يكن للمؤمن فيه أي احترام ولا قيمة من مشركى مكة ومن غيرهم، فكيف يجير غيره في نفس الوقت الذى لا يستطيع أن يمنع فيه نفسه؛ إن إجارة المسلم كانت تكون ذات قيمة بعد الهجرة، لوجود هذا الكيان السياسى، أو أن يكون لهم من القوة والمنعة ما يجعل غيرهم يستجير بهم ليجيروه. ووات يعلم أن ذلك ما كان ليحدث أبدًا قبل الهجرة.
ومع ذلك سطر ما قد سمعنا!
وكذلك البند السادس عشر، أَنَّى يكون قد تعاهد فيه النبي - ﷺ - والمسلمون - قبل
الهجرة - مع اليهود، وهو ينص على أن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، وكما هو معلوم أن الرسول - ﷺ - وقبائل المدينة - أنفسهم - كانوا مستخفين ليلة العقبة، حتى من أهل يثرب (١)، وفي حالة من الاستضعاف، يترقبون بها أن يؤيدهم أحد، أو يدفع عنهم ظلمًا مما وقع بهم، بل لا يستطيع كثير منهم أن يعلن إسلامه، ومن عُلمَ إسلامه
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية (١/ ٦٢).
[ ٤٢٨ ]
فهو المتحمل لتبعة ما ينزل عليه ويحيق به من الكفرة. أَنَّى لهؤلاء أن ينصروا يهودًا، وأن يكون اليهود معهم غير مظلومين، وأين كان اليهود ليلة العقبة كما يدعى "وات"، ليتعاهدوا مع النبي - ﷺ -، ويطلبوا منه ألا يظلموا، وهل يُطلب ذلك من النبي - ﷺ -، إلا في ظل سيادة يتمتع بها المسلمون، متمكنين حالها من أن يظلموا أو أن يكفوا الظلم، وما حدث لهم ذلك إلا في ظل دولة المدينة، فكيف يصرح "وات" بأن هذا البند قد وقع قبل الهجرة؟! وفي هذا الواقع المؤلم؟!
أما البند التاسع عشر، فهو يتكلم عن القتال في سبيل الله تعالى، ووات يعلم علم اليقين أن القتال شُرع بعد الهجرة، وأن تلك الأحوال - في مكة، التى أحاطت بذلك البند - لم تكن ليشرع فيها قتال البتة.
والبند الثالث والعشرون أَظْهَرُ من غيره، إذ ذكر فيه أن مرجعية أي خلاف لأهل الصحيفة، إنما هي لله وللرسول محمد - ﷺ -؛ هذه المرجعية العليا - التى قررها الواقع، لتجعل النبي - ﷺ - الحاكم الأعلى - ما استقرت وتحققت وارتضاها المعاصرون لها، الموقعون عليها، إلا في المدينة بعد هجرة النبي - ﷺ -، وإذا بوات يقرر بما لا يدخل في عقل أحد - فضلًا عن الباحثين - أن المرجعية العليا كانت له - ﷺ - في مكة؛ والتى كانت حاله فيها كما هو معلوم من سيرته حتى تركها مستخفيًا وهاجر إلى المدينة.
وهكذا رأينا كلام "وات" لا يثبت لأى تحليل أو نقد تاريخى أو نصى، فضلًا عن التحقيق والتمحيص في ذلك.
يقول عبدالله النعيم - ما حاصله -: إن "وات" أوقع نفسه في تلك الورطة، حتى يخرج القبائل اليهودية الكبرى الثلاث - بنى قينقاع، وبنى النضير، وبنى قريظة - من تحمل تبعات الغدر والخيانة للرسول - ﷺ -، حيث لم يوقعوا معه عهودًا؛ لأن العهود كانت في العقبة،
[ ٤٢٩ ]
ولم يحضرها أي منهم (١). وكأنه يستجيز لهم ذلك، من محاولة اغتيال النبي - ﷺ -، وغير ذلك مما فعلت النضير وقريظة وقينقاع، دون أن يرد عليهم النبي - ﷺ -، لأنهم لم يعاهدوه على ذلك، وكأن هذه الأحداث بغير عهد مباحة لهم، لا يعاقبون عليها، فلم يخرج "وات" من مستنقع البحث الآسن، المليء بما وصفنا من قبل.
أما السبب الذى لم يَمْحُه "وات"، حيث جعله من أدلة صحة الوثيقة، هو ضعف مكانة النبي - ﷺ -، وجعله من أعمدة عدم تزوير الوثيقة، فلما شكك في صحة الوثيقة، إذ به يبقى أعظم أدلة عدم التشكيك فيها بله التزوير بإبقاء هذا الدليل، وإذا أثبت صحة دليل عدم التزوير، فالوثيقة صحيحة فلم التشكيك وإثبات عدم ذلك؛ أو أنه شكك وأثبت عدم صحة الوثيقة فلم أبقى دليل عدم التزوير، بل دليل الصحة عنده؟! الباعث واضح لا يحتاج لتأمل، أو حتى نظر، فهو قد اخترع مكانة للنبى - ﷺ -، تنطق الوثيقة بعكسها تمامًا، ليبنى عليها كل تلك المجازفات، مع عدم المبالاة بعقل أو بحث؛ إلى آخره.
وتتلخص أدلة "وات" - على ما سبق - في أن النبي - ﷺ - زعيم قِبَلِّي كغيره، بل هناك من هو أعظم نفوذًا منه، وأن دستور المدينة ليس دليلًا صادقًا على مكانة النبي - ﷺ -، حين وصل المدينة، بدليل أنه لم يستطع ملاحقة ابن أُبَىٍّ، حتى طلب الإذن بذلك، وأنه ترك تقرير عقوبة قريظة لزعيم حلفائها، وأن أهل المدينة لم يعترفوا له صراحة بالحكم بينهم، وإنما قبلوا ذلك بالقوة حين ترك الوحى يأمره بالرجوع إلى الله في خلافاتهم كافة، وأن وجوب طاعة النبي - ﷺ -، لم تكن صراحة إلا بعد الحديبية، حيث لا يوجب ذلك دستور المدينة. وأن سلطات النبي - ﷺ - بدأت تتسع تدريجيًا) (٢) (.
_________________
(١) انظر عبد الله النعيم، الإستشراق في السيرة (١١٢ - ١١٦).
(٢) محمد في المدينة وما بعدها Mohammad at Media p. ٢٢٨.
[ ٤٣٠ ]
وبداية الرد السريع المختصر؛ لأن كل سطر عند "وات" يحتاج لنقد لا ينقضى عجب المرء منه، وكيف استجاز ذلك على عقله ونفسه!
إن كلامه من أول سطر يناقض قرائن الأحوال ووقائعها، ويضرب بعضه بعضًا، فبينما يذكر لنا:
أولًا: كون النبي - ﷺ - زعيمًا كغيره، بل هناك من هو أعظم نفوذًا منه؛ فإنه لم يذكر لنا غيره، ولا عِظَم نفوذه، ونحن نُذَكِّره بأن الواقع لم يذكر لنا زعيمًا غيره، بيده مقاليد أمور الزعامة في المدينة، سلمًا وحربًا، وعلاقات جوار خارجية، وتنظيمًا داخليًا. من كان بيده شيء من ذلك عند مجئ النبي - ﷺ - إلى المدينة؟ لقد ذكر كتاب السيرة ابن أُبَىٍّ، وأنهم يعدونه للملك عليهم، فهل ملك بدخول الرسول المدينة شيئًا؟!
وكان على "وات" أن يذكر أي انسان آخر يُسَيِّر أمور المدينة بما كان يقوم به النبي - ﷺ -، خاصة وإن جميع الرسل الذين أتوا المدينة كانوا ينزلون، أو يعاهدون، أو يسلمون لرسول الله - ﷺ -.
هذه مخالفة صارخة للواقع لا يمكن أن يكون الباعث عليها علم أو حياد أو نزاهة.
ثانيًا: كون طاعة الرسول - ﷺ - لم تجب حتى صلح الحديبية، ويناقض قوله ذلك بدعواه أنهم حُمِلوا بالقوة على الطاعة، وتحكيم الرسول - ﷺ - بينهم، لنزول الوحى يأمر بذلك.
أما كون طاعة الرسول - ﷺ - لم تكن واجبة، فهو إلقاء للقول على عواهنه، بغير بينة إلا الاتهام المسبق، وإلا فوات يعلم - قبل غيره - نزول آيات وجوب الطاعة في أول ما نزل بالمدينة على الأقل، فقد جاءت سورة الأنفال وهي من أوائل ما نزل هناك، وأولها الأمر بطاعة الرسول - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١] وكل الآيات
[ ٤٣١ ]
- تقريبًا - الآمرة بطاعة الرسول - ﷺ - تكذب وات وهو يعلم ذلك، إذ نزلت قبل الحديبية (١).
ثم ما هي القوة التى حملت المؤمنين على الطاعة وتحكيم الرسول - ﷺ - كما ذكرت؟! أليس هو صاحب المكانة والنفوذ الضعيفين؟! لدرجة عدم تمكنه من ملاحقة ابن أُبَىٍّ؟ فما الذى تغير حتى تكون له كل هذه القوة الحاملة على انقياد المدينة والتزامها بأوامره، وما المانع إذًا أن يكون دستور المدينة قد أمر بطاعة الرسول - ﷺ - وتحكيمه؟! مع أننا متيقنون أنه لم يكن يحكم غيره، أو ما سمعنا - فيما وصلنا - تحكيم غيره، أو طاعته، على شيء من هذا النحو الذى كان عليه رسول الله - ﷺ -، ثم إذا كان مَرَدَّ قوة الرسول - ﷺ -، التى حملت الناس على تحكيمه هو الوحىُ، فقد كان الوحى أقدم من صياغة الوثيقة، فما المانع - على رأى وات - أن يُحْملوا على تحكيمه - ﷺ - من أول يوم وصل المدينة بتلك القوة الجبرية المدعاة.
ثم إن هناك واقعًا يعلمه وات قد حدث في العقبة الثانية، وهو بيعة الأنصار للنبى - ﷺ -، وقد ذكر ذلك ابن اسحاق، فيما رواه عن عبادة بن الصامت، يدل على وجوب طاعة الرسول - ﷺ -، حيث يقول في بيعة العقبة: «بايعنا رسول الله - ﷺ - في يسرنا وعسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» (٢).
وقد كانت علاقة النبي - ﷺ - بالمسلمين في دستور المدينة، غير موقوفة على أن يسمعوا له ويطيعوا عندما يدهم المدينة عدو، بل ما رأيناه من سعد بن معاذ - ﵁ - عند مسير قريش إلى المدينة، يوضح خلافه، فقد قال - ﵁ - عندما رأى النبي - ﷺ - يود أن يسمع رأى الأنصار في
_________________
(١) آيات الأمر بالطاعة وهي: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور: ٥٦]، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣].
(٢) ابن هشام، السيرة النبوية، (٢/ ٧١) وحديث عبادة رواه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩). ترجمة عبادة.
[ ٤٣٢ ]
الخروج لملاقاه قريش: «قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا وعهودنا، على السمع والطاعة، فامض بنا يا رسول الله لما أردت. والذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله» (١).
دل ما سبق على أن طاعة الرسول - ﷺ - واجبة، وقد فهم ذلك الأنصار، بل هي من الواجبات التى لا تخلف فيها في أدق المواقف وأصعبها، فما بال الباحث بما دون ذلك، وفي النهاية يكون استدلال وات بما اتخذه النبي - ﷺ - في أمر عبد الله بن أبى بن سلول - رأس المنافقين - من ترك عقابه بعد مشاركته في حديث الإفك، لا يساوى ذكره أو كتابته، ومع ذلك ننظر فيه، فإذا به لم يكن إلا سياسة حكيمة من الرسول - ﷺ -، لعدم تنفير الأنصار من الإسلام، وكذلك لعزل ابن أبى سياسيًا، واجتماعيًا، حتى إنه لم ترفع له رأس بعد ذلك، وقد وصل الأمر بهذه السياسة الحكيمة منه - ﷺ -، أن منع ولد ابن أبى - وكان مسلمًا - بعد إعلانه قتل والده للرسول - ﷺ - إن شاء، ذلك بعد أن منع الابن أباه من دخول المدينة حتى يأذن له النبي - ﷺ -؛ وقد اتفق الصحابة على أن تلك السياسة كانت الأصح، والأولى في هذه القضية، ثم يأتى وات ليقول - فارغًا من القول عقلًا وواقعًا - بأن ذلك دليل ضعف مكانة النبي - ﷺ -! تراه - عليه أفضل الصلاة والسلام - لو أمر ابنه بقتله، أما كان ليقتله؟! فأين ضعف المكانة؟!
واستدل وات كذلك على ضعف مكانة النبي، بأنه - ﷺ - لم يتخذ قرار تصفية جيب بنى قريظة بعد خيانتهم في الخندق، وأوكل التحكيم فيهم لسعد بن معاذ حليفهم، وكان الأجدر بـ"وات" أن يصرح بأن مكانة سعد بن معاذ كانت أعلى من مكانة النبي - ﷺ - في هذا
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية، (٢/ ١٨٩)، وانظر عبد الله النعيم، الإستشراق، (١٢٢ - ١٢٣).
[ ٤٣٣ ]
الموقف، وفي زعامته للأوس، وانتهت مكانة المتبوع المطاع - ﷺ - بارتفاع مكانة سعد بن معاذ - ﵁ - التابع عليه، وانتهت النبوة والزعامة، وآل الأمر لسعد، بدلًا من النبي - ﷺ -، وبدلًا من ابن أبى الذى كادوا ينصبونه ملكًا عليهم، هذا خلط وعمى في البحث، وتعام عن الحق، وقصد مشوب بدليل منهار.
إن ملخص القصة، أن بعض الأوس قد طلب من النبي - ﷺ - أن يترك لهم بنى قريظة، كرامة لهم (١)، كما ترك لابن أُبَىٍّ - زعيم الخزرج - بنى قينقاع، فترك لزعيم الأوس - وهو سعد بن معاذ - ﵁ - – بني قريظة، فأين الضعف، هلا كان ضعيفًا يوم ترك بنى قينقاع لابن أُبَىٍّ؟! وكان أعلى مكانة من سعد بن معاذ في الجاهلية زعامة وأتباعًا؛ وقد ذكر وات أن سلطات النبي - ﷺ - بدأت تتسع تدريجيًا، فهل تقلصت عند بنى قريظة فتركها ضعفًا لسعد بن معاذ؟! ترى لو كان النبي - ﷺ - هو المتخذ لقرار التصفية كان سيتعرض له أحد بقتال؟! أو أن ينضم مع بنى قريظة لقتاله؟! وهل لو اجتمعت بنو قريظة والأوس جميعًا كانوا يستطيعون قتاله؟! وهم حينئذ قد افترض أنهم كفروا بالله ورسوله؛ لقد جمع ابن أبى رجاله - وكانوا أكثر من الأوس - إلى جانب بنى قينقاع، وكانوا أشرف من قريظة عند يهود، وأشد تمرسًا في القتال منهم، وكان النبي - ﷺ - حديث عهد بمجيئه المدينة، في قلة من العدد والعدة، ولم نر منهم إلا الاستسلام، فأين الضعف الذى يخالفه الواقع والأحداث والأدلة؟! ذلكم وات وتلك بواعثه، وهذه أدلته على تلك البواعث.
لقد جاء في نقد وات للوثيقة – الدستور - أقوال أُخَر، لا تستحق الوقوف عندها، وقف عندها الباحث عبد الله النعيم، فنحيل القاريء إليها (٢).
_________________
(١) إن رعاية النبي - ﷺ - لهذا الجانب كان من منطلق سياسته الحكيمة، ومعالجته الإلهية للأمور التى دائمًا ما يأخذنا "وات" بعيدًا عنها إلهاء عن واقع النبوة وتصرفاتها، وإتصال الأرض بالسماء في شخصه المعظم - ﷺ -. لينسينا رسالته والوحى إليه.
(٢) له أقوال في قضية «مفهوم الأمة» الوارد في الوثيقة، انظر عبد الله النعيم، الاستشراق في السيرة (١١٧ - ١٢٠).
[ ٤٣٤ ]
الفصل الثاني
غزوة بدر
[ ٤٣٥ ]
المبحث الأول
النشاط السياسى والعسكرى إلى غزوة بدر
وقبل الخوض في ذلك النشاط نشير إلى شيء من المعاناة التى وقعت للمهاجرين في بداية وصولهم إلى المدينة حيث لم يكن وصولهم نهاية للألآم والمشقات، بل إن تغير المكان من مكة إلى المدينة أصابهم بأزمات صحية تصوروا معها نهايتهم، إذ كان معلومًا عن المدينة أنها موبؤة بالحمى - حمى يثرب - حتى وصل بهم الحال إلى أن يصلوا وهم قعود، وصرف الله تعالى ذلك عن النبي - ﷺ - رعاية بهم، وإستبقاء لمن يقوم عليهم وعلى أمور الدين. (١)
لقد وعك أبو بكر وبلال - ﵃ -، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كَلُ امرئٍ مُقَبَّحٌ في أهلِه والموتُ أدنى من شِرَاكِ نَعْلِه
وكان بلال - ﵁ - إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته، ويقول:
ألا ليت شعرى هل أبيتنَّ ليلةً بوادٍ وحولى إذخرٌ وجليلُ
وهل أَرِدَنْ يوما مياه مَجَنَّةَ؟ وهل يَبْدُوَنْ لى شامةٌ وطَفيل
وجاءت عائشة ﵂ إلى النبي - ﷺ - فأخبرته بما يقولان، فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها
_________________
(١) أحمد، المسند (٣/ ١٣٦)، وابن ماجه (١٢٢٩ - ١٢٣١)، من طريق ابن اسحاق، وقال في الزوائد: إسناده صحيح.
[ ٤٣٧ ]
في الجحفة» (١)
ووعكت عائشة (٢) ﵂، وابن فهيرة (٣)، لأن المدينة كانت مشهورة بالحمى، حتى قال مشركو مكة عن المسلمين في عمرة القضية: «أنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب» فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ليروا المشركين قوتهم، وأن الحمى لم تنهكهم كما يزعم الكفار. (٤) واستجاب الله دعاء نبيه فجعلها من أطيب البلاد بعد ذلك.
تهديد قريش للمسلمين بعد الهجرة:
لم تترك قريش المسلمين يستقرون في المدينة حتى أرسلوا لكفار المدينة تهديدات شديدة بطرد المسلمين، وقد وجدوا عبد الله بن أبى بن سلول خير من يقوم بهذا الموقف حيث ما زال كافرًا ظاهرًا وباطنًا، وكان يعادى النبي - ﷺ - وأصحابه، ويؤذى النبي - ﷺ - ويسىء إليه، لأنه كان يرى أن النبي - ﷺ - قد سلبه ملكه، فقد وصل الرسول - ﷺ - المدينة، وأهل المدينة يعدون له تاج الملك عليهم، فتركوه وآمنوا، ومن حينها أظهر عداءه وبغضه للرسول - ﷺ -، وجاءت موقعة بدر وهزم الله قريشًا فدخل ابن سلول الإسلام كرهًا ظاهرًا، وظل كفره باطنًا يحارب الله ورسوله والمؤمنين، وصار بذلك رأس النفاق، وكان الرسول - ﷺ - لحكمته وحسن سياسته يعرض عنه، فلا يقابل إساءته أو أذاه بشيء، - حتى إنه آذى النبي - ﷺ - ذات
_________________
(١) البخاري (٣٩٢٦)، الواد كما قال الحافظ في الفتح: وادى مكة، جليل: نبات ضعيف يحشى به خصاص البيوت وغيرها، وشامة وطفيل جبلان بقرب مكة، وقيل: عينان، ورى الحديث أيضًا ابن هشام عن ابن اسحاق بسند صحيح (٢/ ٢٧١ - ٢٧٣).
(٢) البخاري (٣٩١٧ - ٣٩١٨).
(٣) ذكره ابن اسحاق من حديث عائشة بإسناد حسن، ابن هشام (٢/ ٢٧١)، ورواه أحمد (٢١/ ١٣)، من حديث عائشة، وانظر د. مهدى رزف الله، السيرة النبوية (٣٢١).
(٤) البخاري (٤٢٥٦ - ٤٢٥٧).
[ ٤٣٨ ]
مرة (١) -، فطلب سعد بن عبادة - ﵁ - سيد الخزرج - العفو له من النبي - ﷺ - قائلًا: «يا رسول الله اعف عنه، واصفح عنه، فوالذى أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذى أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرَة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعِصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذى أعطاك الله، شَرِق بذلك، فلذلك فَعَل به ما رأيت ». (٢)
كاتب المشركون في مكة عبد الله بن أبى بن سلول ليكيد للمسلمين ككيدهم في مكة، وقالوا فيما كتبوا: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم. (٣) لم يتوان ابن سلول عند مجيئه مكتوب قريش أن جمع مشركى المدينة لمحاربة النبي - ﷺ -، فلما بلغ أمرهم رسول الله - ﷺ - قال لهم: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تكيدون به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم». فلما سمعوا ذلك من النبي - ﷺ - تفرقوا. (٤) تحسبًا لهذا الخطر المحدق بالنبي - ﷺ - قام المسلمون ليلًا بالتناوب على حراسته - ﷺ - لا يمسه سوء إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فقال النبي - ﷺ - لأصحابه: «يا أيها الناس انصرفوا عنى فقد عصمنى الله ﷿». (٥)
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط (٢٣٤)، وابن حبان في صحيحه (٤٢٩)، كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: مر رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن أبي بن سلول، وهو في ظل، فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك برأسه. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته». قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا شبيب بن سعيد، تفرد به: زيد بن بشر. وقال ابن حبان: قال أبو حاتم - ﵁ -: أبو كبشة هذا والد أم أم رسول الله - ﷺ -، كان قد خرج إلى الشام، فاستحسن دين النصارى، فرجع إلى قريش وأظهره، فعاتبته قريش حيث جاء بدين غير دينهم. فكانت قريش تعير النبي - ﷺ - به، وتنسبه إليه، يعنون بذلك أنه جاء بدين غير دينهم، كما جاء أبو كبشة بدين غير دينهم.
(٢) البخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨)، وأحمد، المسند (الفتح الربانى) (٢١/ ١٩ - ٢٠)، بإسناد صحيح.
(٣) أبو داود، السنن (٣٠٠٤)، وإسناده صحيح.
(٤) أبو داود، السنن (٣٠٠٤)، وأسناده صحيح.
(٥) الحديث رواه الترمذى (٣٢٥٠)، وحسنه الألبانى، إسناده في صحيح الترمذى.
[ ٤٣٩ ]
وكجزء مما تحيكه قريش للمسلمين من أهل المدينة من مواجهات تدفعهم بها لنبذ الإسلام ورسوله - ﷺ -، والضغط عليهم ليرجعوا عن نصرة المهاجرين، أو لعدم الدخول في الإسلام، كان إيذاؤهم لأهل المدينة عندما يأتون المسجد الحرام للاعتمار، وقد حدثت حادثة من هذا القبيل لسعد بن معاذ - ﵁ - عندما جاء معتمرًا إلى مكة، وطلب من مضيفه أمية بن خلف أن ينظر له ساعة خلوة يطوف فيها آمنًا بالبيت، فأخذه أمية في منتصف النهار حين غفلة الناس، ومع ذلك لقيه أبو جهل، فأخبره به، فقال له: «تطوف بالكعبة آمنًا وقد آويتم محمد وأصحابه؟ وتشاجرا؛ ومما قال له سعد: «والله لئن منعتنى أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام وهدد أمية هو الآخر بأن الرسول - ﷺ - سيقتله، وقد كان أن قتله الله ببدر». (١)
بداية النشاط العسكرى والسياسى:
لم يشرع الجهاد في العهد المكى، بل جاءت الأوامر الإلهية للمسلمين بكف الأيدى، وإقامة الصلاة، والصبر على أذى المشركين، وأن يقبلوا على أنفسهم بالمجاهدة على عبادة الله تعالى، والإتصاف بأوصاف التقوى، التى هي جديرة بأن يثبتوا بعد ذلك إذا لاقوا ودخلوا في مواجهة الكفاح الدامى، وكذلك يقبلون على توسيع دائرة الدين بانتشار الإسلام بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، كل ذلك حتى تترسخ جذور الدعوة وتقوى على مواجهة عوادى البغى والظلم، إذ لو حملت الدعوة سيفها حينئذ لهان على الكفار وأدها في مهدها والقضاء عليها وإنهاء وجودها. ولم يكن للمسلمين دار ينحازون إليها ليكون معسكرًا في مواجهة قوى الشرك، بل إن حياتهم اليومية لم تكن منفصلة أو متميزة عن المشركين، ولو فرض الجهاد يومئذ لجرى قتال في كل دار أسلم منها أحد (٢).
_________________
(١) البخاري (٣٦٣٢).
(٢) د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٣٧).
[ ٤٤٠ ]
فلما هاجر المسلمون إلى المدينة، وقام الأنصار بإيواء المهاجرين، ونصرة النبي - ﷺ - ونصرة الدين، وصارت للمسلمين بقيادة النبي - ﷺ - أرض هي دار الإسلام جاءهم الإذن بالقتال، وكان الأمر بالجهاد متدرجًا على حسب كل مرحلة من المراحل التى بلغتها الدعوة، وكان أول ما نزل كما يروى ابن عباس - ﵁ - قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]. وهو من رواية ابن جرير الطبرى بسنده إلى ابن عباس حيث يقول:
«لما أخرج النبي - ﷺ - من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم. إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن. فأنزل الله ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. قال أبو بكر - ﵁ -: «فعرفت أنه سيكون قتال». (١)
وزاد أحمد (٢) في روايته لهذا الخبر، أن ابن عباس قال: «وهي أول آية في القتال»، ولم يكن القتال فرضًا عليهم، بل أُذِن لهم بالقتال دفاعًا عن النفس، ثم جاء الأمر بقتال من يقاتلونهم في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
وهو بذلك يختلف عن القتال والحرب التى شهدها التاريخ الإنسانى، والتى إستهدفت تحقيق أهداف سياسية أو مآرب اقتصادية لأفراد أو جماعات طموحين يريدون العلو في الأرض، فأعلام الحق والعدل والرحمة هي التى يرفعها ذلك الجهاد، وميزته عن أنواع الحروب الأخرى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]، ويقول الرسول - ﷺ -: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا
_________________
(١) ابن جرير، التفسير (١٧/ ١٢٣)، وابن كثير، التفسير (٥/ ٤٣٠ - ٤٣١).
(٢) أحمد، المسند (٣/ ٢٦٢)، وصححه الشيخ - أحمد شاكر، ورواه الترمذى (٢٥٣٥)، حسنه، انظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٢٥)، وانظر محمد أبو شهبة، السيرة النبوية (٢/ ٧٤).
[ ٤٤١ ]
ولا تغُلّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا» (١).
وجاءت المرحلة الأخيرة في تشريع الجهاد بمقاتلة المشركين كافة وابتدائهم به، مر تشريع الجهاد إذن بهذه المراحل الأربعة وهي:
١ - ترك القتال، مع الصبر وتحمل الأذى، وكان ذلك بمكة.
٢ - مرحلة الأذن بالقتال بعد الهجرة. (٢)
٣ - مرحلة الأمر بالقتال من يبدؤهم بالقتال.
٤ - الأمر بقتال جميع المشركين. (٣)
وكانت المرحلة الأخيرة هي مرحلة الجهاد الباقى إلى يوم القيامة، بعد أن أخبر الله تعالى، بأن المشركين، وغيرهم من أهل الكتاب، وكل ملل الأرض سوف تحارب الإسلام، ولو لم يحاربها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقد استمر الحال على هذا الوضع إلى يومنا هذا مصداقًا لهذه الآية الكريمة، وكان الواقع أيام الرسول - ﷺ - يسأل ماذا جنى المسلمون في المدينة على الروم مثلًا حتى يجمعوا لهم الجموع في مؤتة، وينذرونهم بمهاجمة المدينة والتى تسببت في غزوة تبوك، وبماذا يفسر الغزو الصليبى مثلًا في القرون الوسيطة من أوربا الشمالية للمسلمين في عقر دارهم في الشام، ولم يبدأ المسلمون هؤلاء الأوغاد بحرب ولا بغيره حتى سالت دماء المسلمين أنهارًا على
_________________
(١) مسلم (١٧٣١).
(٢) انظر، محمد بن محمد أبو شهبة، السيرة النبوية (٢/ ٧٥ - ٧٦).
(٣) انظر ابن القيم، زاد الميعاد (٣/ ٧٠)، ط ٦ مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، د. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية (٢/ ٧٤ وما بعدها)، د. أكرم العمرى، السيرة النبوية الصحيحة (٣٣٧ - ٣٣٨)، د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية الصحيحة (٣٢٥ - ٣٢٦).
[ ٤٤٢ ]
وصف مؤرخيهم، واستمر هذا التكالب والحقد والعدوان والقتل والتنكيل بالمسلمين إلى يومنا هذا، ولم يراعوا فيهم حقوق الحيوان فضلًا عن حقوق الإنسان.
ثم إن دعوة الإسلام لا إكراه فيها على الدين، بل هي تبليغ رسالة الله تعالى إلى الناس للإيمان بالدين الحق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإذا قام أي قائم من حاكم أو غيره سدًا بين الناس وحريتهم في الاعتقاد، وبدأ في التنكيل بهم وتعذيبهم ليردوهم عن معتقداتهم، فضلًا عن الإستعداد للإغارة على دولة الإسلام، كان على دولة الإسلام وحكامها في نظر المستشرقين، أن ينتظروا ليهاجمهم أعداؤهم من كل فج ليزيلوا دولتهم، أو ليهدموا أركانها دولة الخير والعدل والهدى والرحمة، أو كان على دولة الإسلام وأهلها أن تقف لتتفرج على مآسى المعذبين وأنينهم وصراخ الزوجات والأولاد بسبب إسلامهم، وإلا فالفرية جاهزة، لقد كان انتشار الإسلام بالسيف، وإن المسلمين متعطشون لسفك الدماء.
كان القتال إذن فريضة لحماية الحق، وتأمين الدعوة والدعاة، وانتشار العقيدة دون عقبات تخالف حق الإنسان في أن يعتقد ما يشاء، إن الدنيا اليوم تقوم بلا قعود لفرد أو لجماعة أوذوا في أن يختاروا ما شاؤا ومن إعتقادات ليصل الأمر إلى تدمير تلك الدولة التى تقدم على ذلك - بالطبع إلا أن يكون هذا الفرد أو تلك الجماعة مسلمين - فماذا يعيب الإسلام في ذلك وقد قرر تلك الحقوق منذ خمسة عشر قرنًا من الزمان ودفع فيها أي في سبيل هذه الحقوق تلك الأرواح والأموال، وذلك بمنطق اليوم وأسلوبه.
وإن ثمة عنصر آخر أراده الله لحرب المسلمين المقدسة حقيقة، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، وعندما تكون كلمته هي العليا فإن الخير يشمل الدنيا، وأن الحق والعدل هو ميزانها، وأن الرحمة هي أسلوبها، الكل من مسلم وغيره آمن في كنفها على نفسه وأهله
[ ٤٤٣ ]
وولده وحاضره مستقبله، ويوم أن كانت كلمة المسلمين هي العليا وجدنا اليهود والنصارى آمنين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وما دفعوا الجزية إلا لإسقاط فريضة الجهاد والدفاع عن الدولة أو الزكاة عنهم، والعكس، يوم استلم أمثال هؤلاء الحكم فعلوا بالمسلمين ما لا يخطر على بال الشيطان من أذى.
وإن رفع الظلم الذى حل بالمسلمين في تلك الأيام الكالحة في مكة، كان من أسباب شرع القتال، وهي علة للقتال مقبولة في كل زمان ومكان فإذا لم يرتفع الظلم إلا بصليل السيوف وصهيل الخيل فلابد منه، والمسلمون نهبت أموالهم وصودرت ممتلكاتهم، سلبت دورهم بعد كل ما لاقوا، ومن ثم جاء الإذن معللًا ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، وإنهم ظلموا، وليس ذلك فقط بل هم الآن يُقاتلون كذلك، كان القتال الأول من بعوث وسرايا لمحاولة استرداد شيء من أموالهم التى استولت عليها قريش وكفكفة قريش عن مزيد من الأذى، وإظهار عهد الضعف بالتولى والإدبار مع رفع أي ظلم ممكن عن الباقين بمكة تحت سوط القهر والإذلال (١) إلى أن فرض الجهاد للناس كافة (٢).
بدء النبي - ﷺ - الغزوات والسرايا:
عندما أذن الله لنبيه - ﷺ - بالقتال، ومن معه من المؤمنين سارع النبي - ﷺ - لإعداد العدة من رجال وعتاد وخطط مستغلين ذلك أحسن الاستغلال لتحقيق أهدافهم التى كانت نصب عين النبي - ﷺ -.
_________________
(١) انظر لذلك محمد الغزالى، فقة السيرة (٢٠٨ - ٢٠٩)، والبوطى، فقة السيرة (١٣٣ - ١٣٤)، د. محمد أبو شهبة، السيرة (٧٦ وما بعدها)، د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٣٧ - ٣٣٨)، د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٢٥ - ٣٢٧)، وغير ذلك.
(٢) الجهاد له مبحث مستقل إذا شاء الله. - أطلق المؤرخون اسم (السرية)، على المجموعة من الجيش أو الجيش يقوده أحد أفراد المسلمين غير رسول الله - ﷺ -، وأطلقوا اسم (الغزوة)، على ما يقوده الرسول - ﷺ - بنفسة مجموعة أو جيشًا.
[ ٤٤٤ ]
كان العقل والواقع ومن قبل ذلك الشرع الموحى به أن تكون قريش هي المحط الأول الذى تتعلق به سيوف المقاتلين لأنها الخط الأول والحائط الصلب الذى يقف للإسلام وأهله فالعرب مشاركون لهم في وثنيتهم وبالتالى في عدائهم للإسلام ولرسوله والمؤمنين فهم الصادون عن سبيل الله في الجزيرة المشركة يومها برمتها، وهم المضطهدون للمؤمنين في مكة، المحاربون لهم في المدينة، المؤلبون عليهم العرب والحبش، الذين لا يرعون في المسلمين إلًا ولا ذمة، إن في قتالهم إذن ردًا للمظالم أو بشيء منها ورفعًا للظلم، وتمهيدًا لدعوة غيرهم إلى دين الحق، ورفع راية الإسلام وكس شوكة الكفر والظلم.
اتجهت هذه الغزوات والسرايا من ثم إلى مواقع غربى المدينة واستهدفت أمورًا ثلاثة:
الأول: تهديد تجارة قريش إلى الشام، وهي ضربة خطيرة لاقتصاد مكة التجارى الذى به حياتها وكذلك في خطوة تالية تهديد تجارتها إلى اليمن وذلك بمهاجمة هذه القوافل شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا لحصار مكة اقتصاديًا وردًا لبعض حقوقهم المسلوبة.
الثاني: عقد المحالفات والموادعات مع القبائل التى تسكن تلك المناطق التى أصبحت مسرحًا لعمليات المسلمين ضد قريش لضمان تعاونها أو حيادها على الأقل في ذلك الصراع الدامى وهي خطوة نجاحها نجاح في المسلمين في الحصار السياسي لقريش، لأن هذه القبائل تميل مع قريش وثنيةومصالح لأن قريشًا سدنة البيت الذى يحجونه ولهم معبوداتهم وأصنامهم حوله، ثم إن لهم مع قريش مصالح ومحالفات تاريخية سماها القرآن الكريم الإيلاف في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ [قريش: ١ - ٢]، مع إشتراك الجميع في معاداة الإسلام، إن موادعة هذه القبائل وتحييدها نجاح كبير في الوقوف لقريش في تلك المرحلة من الصراع.
الثالث: إبراز قوة المسلمين أمام اليهود وبقايا المشركين في المدينة المنورة، فالمسلمون
[ ٤٤٥ ]
صاروا لا يقتصرون على السيادة في المدينة، بل تحركوا لفرض سيطرتهم على ما حولها من القبائل، مؤثرين في علاقاتها ومصالحها.
لا شك أن هذه السرايا والبعوث قد نجحت في تحقيق أهدافها مما أربك قريشًا وحلفاءها بسبب ضرب نشاطهم التجارى في كل الاتجاهات، وحصل المسلمون على مورد للتموين والتسليح، ونجحت هذه السرايا في إنذار الأعداء بأن للمسلمين المقدرة على التصدى والردع، واكتسبت قوات المسلمين الخبرة في مجال التدريب العسكرى، والمناورة وجس نبض الأعداء ومعرفة بدروب الصحراء وأحوال الأعداء (١).
ونلاحظ على هذه السرايا والغزوات في تلك المرحلة أنها لم تكن ذات طابع دينى، يحمل الناس على أوامر الشرع، أو يدعوهم إلى الإسلام، نعم ولكن هذا هو الظاهر من عرض الأحداث، وإن كنا نسابق فنقول إن عدم العلم بالوقوع لا ينفى الوقوع، لأن الأصل في أحوال النبي - ﷺ - وأصحابه أنهم ما خالطوا أحدًا حتى في أحلك أوقاتهم إلا كانت الدعوة إلى الإسلام هي أول ما يبادرون إليه قولًا سلوكًا، وكأن كتاب السيرة لعلمهم بهذا الحال وأنه ديدن المؤمنين وشغلهم الشاغل، ووظيفتهم التى شرفهم الله بها هي الدعوة إلى الإسلام فكأنه من تحصيل الحاصل أن يذكروا به في كل موطن.
ثم إن ما استغرقته من هذه الغزوات والسرايا من وقت إلى غزوة بدر الكبرى يعتبر قليلًا في جنب الوقت الباقى، فلاشك أن ذلك كان مصروفًا فيه إلى الدعوة من جملة أشغالهم ولاشك أن المدينة نفسها وما حولها قد أخذت الجزء الأكبر والاهتمام البالغ بالدعوة إلى الله تعالى، لتثبيت قاعدة انطلاق الإسلام على أقوى أساس وأمتنه، وإن مما يقوى هذه القاعدة أن تكون كل طرق المواجهة من حولها مستقرة وتحت السيطرة تحالفًا أو موادعة وتحييدًا.
_________________
(١) انظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٢٧)، وكذا د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٤٥ - ٣٤٦).
[ ٤٤٦ ]
وإن قلة عدد أفراد تلك السرايا والغزوات لينبيء بتوفير العدد الأكبر للقيام بتلك المهمات وتوسيع قاعدة الدين بزيادة رقعة الإسلام وتعميق أثره في النفوس، وزيادة المنضمين إليه، وذلك بنشر الهدى من العلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله تعالى، كل ذلك طاعة لله تعالى، وانتظار مذخور ثوابه، وتأهبًا لكل طارئ، وتربصًا بكل هاجم، وتجهيز القوة لتأديب المجرمين يوم يتطاولون.
وقد ذكرنا ما سبق لنرد على المستشرقين القائلين بأن النبي - ﷺ - حينما صار رئيسًا سياسيًا في المدينة تغير عما كان عليه في مكة بحيث صار الطابع السياسي يزداد بروزًا، والطابع الديني يزداد تراجعًا. (١)
وتكملة لما سقنا من ردود، فلابد من القول إن أحكام الدين في تفضيلاتها، والطابع الديني للدعوة ما اكتمل وطهر سواء بنزول أحكام الشريعة، والدعوة إليها والتمسك بها، وتعلمها وتعليمها إلا في المدينة، إن الواجبات والسنن الشرعية والعلاقات الإيمانية والإنسانية والسلوكية التى ميزت المسلمين، كل ذلك كان في المدينة، فالواقع يخالف كلام فلهاوزن (٢)، وغيره من المستشرقين ببروز كل ما يتعلق بدين الإسلام في المدينة، إذ كان المسلمون في مكة لم تتنزل عليهم تلك الأحكام، فضلًا عن اضطهادهم، وتخفيهم بدينهم.
وما كان النبي - ﷺ - ليتبعه في بدر أولئك المقاتلون في سبيل الله، مع بقاء غيرهم وأكثر منهم في المدينة لو كانوا يعلمون أن الرسول - ﷺ - سيواجه حربًا ما تخلف منهم رجل واحد.
_________________
(١) انظر فلهاوزن، تاريخ الشعوب العربية (٥ - ٦)، ترجمة الدكتور محمد عبد الهادى أبو ريدة مراجعة الدكتور حسين مؤنس، ط ٢، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٦٨ م.
(٢) ولد في مدينة هاملن في سكسونيا السفلى بألمانيا، درس اللاهوت وعمل مدرسًا في ميدان تاريخ العهد القديم منذ ١٨٧٠ م، عمل أستاذًا للاهوت في جامعة هامبورغ وجامعة غرايفسفالد، عمل أستاذًا للغات الشرقية في جامعة هاله، عنى بالدراسات العربية، وله كتاب «بقايا الوثنية العربية»، اعتمد فيه على كتاب «الأصنام»، للكلبى، ترجم كتاب «المغازى»، للواقدى بعنوان «محمد في المدينة».
[ ٤٤٧ ]
فما كانت التوجهات السياسية إلا تابعة لأوامر الشرع، ومنفذة لتعاليمه تحكمها عقيدة الإسلام المتمثلة في القرآن الكريم وسنة النبي - ﷺ - مهتدية في كل ذلك بأسوتهم في اتباع تعاليم السماء، والوحى الكريم سيدنا رسول الله - ﷺ -.
ثم خرج في أحد والخندق وسائر الغزوات أضعاف مضاعفة من جند الله، علاوة على من دخلوا الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية، يراهم المستشرقون قد دخلوا الإسلام للسياسة، وصاروا دعاة له وجندًا يرفعون رايته، حقًا إن مفتريات المستشرقين لا تقف للواقع بل وتنهار عند أول مهاجمة لها بساطع البرهان أو الدليل.
ونختصر تلك الغزوات ..
أولى هذه الغزوات غزوة الأبواء، وتسمى بغزوة ودان، وهما موقعان متجاوران بينها ستة أو ثمانية أميال، وتبعد الأبواء عن المدينة حوالى أربعة وعشرين ميلًا، ولم يقع قتال بل تمت موادعة بنى ضمرة من كنانة، وكانت الغزوة في ١٢ صفر سنة اثنين. وقد عاد الجيش إلى المدينة (١) بعد أن مكث خارجها إلى بداية شهر ربيع الأول (٢)
ويذكر عروة بن الزبير (٣) أن النبي - ﷺ - أرسل سرية من الأبواء تضم ستين رجلًا بقيادة عبيدة بن الحارث (٤)، في حين يذكر ابن اسحاق أن السرية أرسلت إلى سيف البحر بعد العودة إلى المدينة، ثم خرجت سرية حمزة بن عبد المطلب من ثلاثين رجلًا متجهة إلى سيف البحر أيضًا في نفس الوقت للتعرض لقافلة من قريش، ولكن لم يحدث قتال حيث تدخلت
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ٧٩)، وتاريخ خليفة بن خياط (٥٦) من واية ابن اسحاق - ابن هشام (٢/ ١٧١)، بدون إسناد.
(٢) ابن خياط، التاريخ (٥٦)، من رواية المدائنى.
(٣) عروه بن الزبير بن العوام، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشى، أحد الفقهاء السبعة، أمه اسماء بنت أبى بكر وخالته أم المؤمنين عائشة، لازمها وتفقه بها الذهبى، السير (٤/ ٤٢١).
(٤) ابن سعد، الطبقات (٢/ ٧)، ابن اسحاق - ابن هشام (٢/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ٤٤٨ ]
القبائل الموادعة للطرفين دون ذلك، وإن وقع تراشق بالسهام بين سرية عبيدة والقريشيين، ورمى سعد ابن أبى وقاص بسهم فكان أول سهم رمى به في الإسلام. (١)
واستمرت حملات المسلمين على الطريق التجارى لقريش فكانت غزوة بُواط (٢) إلى رضوى (٣) قرب ينبع في جمادى الأولى لإعتراض قافلة لقريش، ثم غزوة العُشَيرة (٤) (بينبع) في جمادى الأولى، ولم يقع قتال في رضوى والعشيرة، ولكن جرت موادعة بنى مدلج في العشيرة كانت هذه السرايا والغزوات تهديدًا خطيرًا لقريش، استهدف ضرب تجارتها ومحاربتها اقتصاديًا لحملها على التفكير الجدى في ترك تماديها في سياسة الإيذاء والاضطهاد للمسلمين، وزحزحتها عن كونها حجر العثرة في سبيل الإيمان، وإن المحاصرات الاقتصادية، وضرب آلاتها اليوم من أشد وأنكى ما يقوم به المجرمون في حروبهم ضد بعضهم البعض، أو لحرب بلاد الإسلام، ثم ينكر مستشرقوهم هذه الحملات في حرب المسلمين لقريش، وأنها نوع من قطع الطريق، لقد قطعت اليوم كل الطرق البرية والبحرية والجوية، ومحاصرة الموانى كافة كنوع من أنواع الحرب والسيطرة، بل ذلك دأبهم من قديم، وإن وصف قطاع الطرق ولصوص الأوطان لأقل وصف يوصفون به هم وليس المسلمون.
غزوة (بدر الأولى / الصغرى) سَفَوَان:
أغار كرز بن جابر الفهرى في جمادى الآخرة عقب غزوة العشيرة على أطراف المدينة ونهب بعض الأبل والمواشى، وهرب بأقصى ما يستطيع، وخرج النبي - ﷺ - لمطاردته حتى
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (٢/ ١٧٤).
(٢) وهي جبال من جبال جهينة، من ناحية رضوى وهي قريب من ذى خشب، وبين بواط والمدينة نحو أربعة بُرُد.
(٣) ابن سعد، الطبقات (٢/ ٩٠٨)، وابن اسحاق - ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٧٦).
(٤) البخاري، الصحيح (٣٩٤٩)، ابن اسحاق - بن هشام، السيرة (٢/ ١٧٧).
[ ٤٤٩ ]
سَفَوَان من ناحية بدر ولكنه كان قد أفلت من المطاردة، ولكن الحادث أكد للمسلمين على ضرورة بسط سيطرة المسلمين مع جيران المدينة إسلامًا أو موادعة أو غزوًا
سرية نخلة:
كما أسلفنا القول كانت طرق مكة التجارية إلى الشام كلها تحت الرصد والمهاجمة، ولم يبدأ المسلمون بحصار طريقهم إلى اليمن إلا في هذه السرية، حيث بعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة، ومعه ثمانية رهط وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين إمعانًا في السرية وحتى لا يعلم أحد وجهته.
ففض الكتاب كما أمر فوجد فيه الأمر بالتوجه حتى ينزل نخلة بين مكة والطائف ليرصد بها قريشًا ويعلم من أخبارهم، وألا يستكره أحدًا من أصحابه فمضوا جميعًا، وعندما نزلوا نخلة جنوب مكة كان ذلك في آخر شهر رجب المحرم، ولكنهم تعرضوا لقافلة لقريش فظفروا بها، وقتلوا قائدها وأسروا اثنين من رجالها وعادوا إلى المدينة. (١)
كان عبد الله بن جحش يدرك خطورة الأمر في أن يقاتل في نهاية رجب المحرم القتال فيه عند العرب، أو يتركهم، ليدخلوا حينئذ الحرم فيمتنع القتال أيضًا، ولكنه تشاور وأصحابه، فعزموا على قتالهم في آخر رجب.
رجع عبد الله بن جحش إلى المدينة بالغنائم والأسيرين، فأبى رسول الله - ﷺ - أن يتسلمها، لأنه لم يأمر بقتال في الشهر الحرام وأوقف التصرف في العير والأسيرين، بلغت إشاعات قريش الجزيرة كلها بأن محمدًا يستحل هو وأصحابه القتال في الشهر الحرام، ويسفكون فيه الدماء، وأنهم أخذوا الأموال والأسرى، وكثر في ذلك القيل والقال
_________________
(١) انظر الغزالى، فقة السيرة (٢١٥ -)، د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٣٣)، د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٤٧)، د. محمد أبو شهبة، السيرة (٢/ ١١٩ - ١٢٢)، ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٧٩ - ١٨٢).
[ ٤٥٠ ]
وأرجف اليهود والمنافقون في المدينة قصد إشعال الفتنة، وفي هذه الغمرة من الأسى، والتثريب والعتاب والإرجاف من الأعداء، نزل الوحى حاسمًا هذه الأقاويل ومؤيدًا مسلك عبد الله تجاه المشركين، وموضحًا سلامة موقفهم.
والآيات هي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
فكان في هذا العذر لأصحاب السرية ما سرى عنهم، وعن المسلمين ما كانوا فيه من كرب وغم، وقبض الرسول - ﷺ - الغنائم، وفادى الأسيرين من قريش بشرط رجوع سعد بن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان إذ خرجا عن السرية لبعير لهما نَدّ، فخشى الرسول - ﷺ - قريشًا عليهما.
إن الضجة التى افتعلها المشركون لإثارة الريبة والغبار في سيرة المقاتلين الناصعة الشريفة لهى ضرب من قلب الباطل حقًا، والتغطية على مواقف الخزى من الطغاة ببعض تصرفات المظلومين الحقة.
إن الحُرمات المقدسة كافة قد اُنتهكت في محاربة الإسلام واضطهاد أهله، فما الذى أعاد لهذه الحُرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟!
ألم يكن المسلمون مع نبيهم مقيمين في البلد الحرام، والأشهر الحرام حين كانوا يعذبون وتنتهك أعراضهم وتسلب أموالهم، وحين قتل منهم تحت التعذيب من قتل، وحين تقرر قتل نبيهم - ﷺ -، هل لمثل هؤلاء أن يتأسفوا على انتهاك القيم والأعراف ومنذ متى كانوا حراسها والقائمين على مراعتها وحمايتها، إنهم الملأ المبطل في كل زمان ومكان.
أوضحت الآيات القرآنية الكريمة، من ضمن ما أوضحت سيرة هذه السرية - لأنها بينت وأشارت إلى أمور كثيرة أخرى أعم من جزئية الكلام على تلك الحادثة - وأول ما
[ ٤٥١ ]
جَلَّته الآيات ناصعًا صالحًا خالدًا لكل زمان، ناصحًا لكل مؤمن، كاشفًا عن دواخل الكفرة تلك المعانى التى نشير إليها فيما يلى:
الأول: أن القتال في الشهر الحرام كبير نعم - أي إثم كبير - كما يقال إنه كبيرة من الكبائر، ولكن الصد عن سبيل الله، الصد عن الإسلام والإيمان به والتزام أحكامه أكبر، أي أكبر الكبائر لما يترتب عليه من نشر الكفر وما يسستتبعه من فسق وانحلال من أوامر الشرع، ومن صد عن سبيل الهدى والتمسك بأحكام الإسلام، وشيوع محاربة الله ورسوله - ﷺ - ودينه والمؤمنين به.
وإن إخراج المسلمين من مكة وصدهم عن المسجد أكبر كذلك من القتال في الأشهر الحرم فما الذى جعل أكبر الكبائر ينقلب في طرفة عين إلى أدناها وأصغرها في نظر الطغاة إلا مصالحهم الخاصة، ومحاربة الإسلام، والتشهير به، في الوقت الذى هم أولى بالتشهير بل بالقتال فيه، متى احترموا عهدًا أو راعوا ذمة حتى يتباكوا على بعض قيم موروثة قد انتهكت، ومع أن الإسلام لا يقر انتهاكها، ذلك منطق الطغمة الفاسدة دومًا.
ودليل ذلك كله أنهم مستمرون وأمثالهم في خطتهم الأصلية في محاربة المسلمين وصدهم عن دينهم بكل وسيلة إلى أن يعودوا إلى الكفر، أو سحق المسلمين حتى لا تقوم لدينهم قائمة، وما أشبه اليوم بالبارحة، ولذلك تابعت الآيات التوجيه والنصح وتفطين المسلمين إلى واقعهم فقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] (١).
الثاني: وفي نفس السياق الذى وضح به المولى سبحانه للمؤمنين موقف الكفار الدائم منهم أرسل إليهم التحذير الشديد من الهزيمة أمام القوى الباغية، والتفريط في الإيمان
_________________
(١) انظر محمد الغزالى، فقة السيرة (٢١٦).
[ ٤٥٢ ]
الذى شرفهم به، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه. فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. (١)
الثالث: زكت الآية الخاتمة ما فعله «عبد الله بن جحش» وأصحابه في تلك السرية، رافعة عنهم ما وقع عليهم من تقريع وتوبيخ وتخويف، وهي عِدة بالجميل في ذات الوقت إلى ما ينتظرهم من الرحمة والمغفرة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]، وجاء ذلك على عادة القرآن الكريم بأسلوب الرجاء للمؤمنين، لترك الاتكال والاعتماد على ما قدموا من أعمال مجيدة فيما مضى وحث لهم على إدامة الجهاد والكفاح فيما يستقبلون من حياتهم. (٢)
إن عبد الله وصحبه نفذوا أوامر الرسول - ﷺ - بأمانة وشجاعة، وتوغلوا في أرض العدو مسافات شاسعة متعرضين للقتل متطوعين بغير إكراه ولا حرج، فكان جزاؤهم ذلك لا التعنيف والإساءة.
كلام "وات":
بعد ما سلف من عرض هذه السرية بالذات في السنة (السيرة المشرفة)، وما نزل من القرآن يؤكد وقوعها، ويظهر الحق الذى يجب أن يعيه المؤمنون منها، والسلوك الذى يجب أن يسيروا عليه في مثلها جاء وات ليرى فيها فرصة سانحة يبدى ويعيد فيها بمنهجه المعوج لشرح الأحداث بما يسيء إلى النبي - ﷺ - ودينه من ناحية، وإلى أحد أفراد السرية بالذات من ناحية آخرى وهو سعد بن أبى وقاص - ﵁ - أحد العشرة المبشرين بالجنة، خارجًا بالتاريخ
_________________
(١) انظر محمد الغزالى، فقة السيرة (٢١٦).
(٢) محمد أبو شهبة، السيرة النبوية (٢/ ١٢٢).
[ ٤٥٣ ]
عن مساره بما لا علاقة له به مما يدهش المرء ويثير استهجانه وتقززه.
لسنا في حاجة إلى التذكير بمنهج وات من اختراع التاريخ، أو الإسقاط على الحوادث بما لا علاقة لها به من التاريخ الحديث، مع لى عنق الواقع ليوافق رأيه المسبق، ومن ثم نذكر كلامه بحروفه فقط لنناقشه فيه، فمن ذلك:
الأول: يقول وات: كان الشيء الأساسى في أوامر محمد في سرية عبد الله بن جحش أن يذهب إلى نخلة وينصب كمينًا لقافلة قرشية، وحسب روايات أخرى، وهذه أضافة لاحقة، ترصد - أي ترقب - لترفع المسؤلية عن محمد في أي مواجهة دموية. (١)
ولا يدرى الباحث من أي وجوه الكلام - الذى لا وجه له - يبدأ أو يناقش، إذ من أي جهة أتيت الكلام وجدته سيئًا لا يمكن أن يكون بحثًا لقد اختراع اتهامًا ليس إلا مغايرًا ومجافيًا به الواقع والحق وما يقع في عقول الناس وقد عودنا وات أنه عندما يبدأ في الاختراع يذكر جملًا قد أشرنا إلى بعضها من قبل، ونذكر بها الآن كأنه يقول ها قد بدأ فاصل التأليف التاريخى والتزوير الوثائقى، لنعلم من حيث لا يدرى أنه قد بدأ عزف النشاز الكاذب من هذه الجمل: «إذا أمكن قبول هذه الرواية، ومما يدعو إلى الشك، ويبدو، ومن الممكن، وإذا افترضنا»، كأن الله سبحانه أَبَى إلا أن يكشف الكاذب على رسوله - ﷺ -.
ونبدأ بالقول أن الرواية ليس فيها ذكر لكمين فاخترع أنها لنصب كمين، والرواية الصحيحة الموافقة للعقل والواقع صعب عليه ذكرها إلا بأنها مضافة فيما بعد، فهو يضيف روايات من عنده والرواية الصحيحة يدعى أنها أضيفت ولم يقل من أضافها ويذكر لها تاريخًا لاحقًا يظن أنه يفيده، ومن اختراعه أيضًا، فما علاقة ما يكتب بسيرة النبي - ﷺ - إذن، إنه الحياد والنزاهة العلمية!، إن الواقع يقول مع العقل إن المراقبة والرصد تكون قبل المهاجمة،
_________________
(١) وات Mohammad AT Medina p. ٧.
[ ٤٥٤ ]
وهذا ما كان يفعله النبي - ﷺ - أن يرصد ويراقب ويبث العيون حتى إذا درس الواقع دراسة جيدة، أرسل على إثر ذلك المناسب لها من القوة المرجو بها تحقيق الهدف، أو لم يرسل وأجلها لإتمام الاستطلاع؛ أو إعداد العدة اللازمة، خاصة وأنه في حرب مع قريش.
والرواية الثابتة، ليست المخترعة من وات، تقول: «فترصد بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم» فمحا وات هذه العلة (الجملة)، سبب السرية، وأتى لنا من عنده بقوله تنصب كمينًا لقافلة قرشية. واضعًا على الرسول - ﷺ - ما لم يقله ولن يقوله إلى يوم القيامة، ثم يبنى على هذا الكذب، أو التاريخ المزعوم ما يريد أن يلصقه ظلمًا وزورًا بالإسلام ونبيه - ﷺ -.
ثم أبان وات عما يقصد من تزوير التاريخ، بأنهم أي المسلمين زوروه لرفع المسؤلية عن محمد بسبب أي معركة دموية يمكن أن تقع.
منذ متى كان سيدنا محمد - ﷺ - يتنصل من مسؤليته التى شرفه الوحى بها، وأى مسؤلية تقع عليه لو أنه أعلن من بداية السرية كغيرها من السرايا أنها سرية لمعركة دموية، إنه في حرب طويلة بكل الوسائل مع قريش، وإن سرية قتالية لابد من إعلانها حتى يتأهب مقاتلوها، ولا يكون قد ألقى بهم في مهاوى الهلكة أمام أعدائهم، إذ ذلك ليس من خلقه كقائد فضلا عن كونه نبيًا - ﷺ -، بل لو نسب ذلك إلى أقل قائد في الدنيا لما كان مقبولًا.
وإذا علم المتابع أن عدد هذه السرية لا يزيد على أصابع اليد الواحدة حيث ذهب اثنان من السرية هما سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان ليبحثا عن بعيرهما الذى ضل، فهل هذا العدد القليل بعدته الضعيفة يمكن أن يكون سرية هجومية (١)؟!
التالى من كلام وات في هذه السرية هو زمن وقوعها، أول رجب أو نصفه أو آخره، واخترع أنها وقعت في نصف رجب، ثم بعد هذا الافتراض الخاطئ يقول: وأما القول بأن
_________________
(١) د. طارق عبد الحميد، شبهات المنصرين حول السيرة النبوية، طبع مركز التنوير الإسلامي بدون تاريخ (٤١١).
[ ٤٥٥ ]
المهاجمين لم يكونوا يعرفون أن اشهر الحرام انتهى فهذه لغسل العار الذى أصبح مشهورًا.
ثم يرجع القهقرى بعقله فيقول: يبدو أنها - أي السرية - كانت تعلم أن الحادث قد وقع نحو منتصف الشهر - رجب -.
ولا بأس أن نضغط على عقولنا، ونأتى على أنفسنا، ونستعين بالله تعالى لتفنيد هذه المقالات:
أولًا: لم تختلف المصادر الإسلامية - التى ليس لوات غيرها - في ميعاد الحادث في أول الشهر أو غيره، بل اتفقت المصادر كافة على أنها وقعت في رجب الشهر الحرام.
ثانيًا: اخترع وات أنها كانت في النصف منه ليؤكد على أنها كانت في رجب وأنهم كانوا يعلمون أنهم قاتلوا في الشهر الحرام الذى يجب احترامه، وهم ينكرون شيئًا من ذلك حتى يغسلوا العار الذى سيلحقهم بسبب ادعائهم أنهم لم يكونوا يعلمون أنهم في رجب والذى سيصبح بعد قليل في كلامك ليس عارًا، فما الذى حمل وات على كل هذه الاختراعات يعلمون ولا يعلمون، والعار وأول رجب وآخره ونصفه.
ثالثًا: وحتى يثبت أنهم يعلمون، اختراع أن الحادثة كانت في النصف من رجب، وكذبته المصادر والواقع بأنهم كانوا في آخر يوم من رجب، ولو تركوا القافلة ستدخل الحرم ولا يستطيعون قتالها فآثروا أن يقاتلوا في الشهر الحرام - وهو أخف عندهم - من أن يقاتلوا في الحرم الشريف؛ فأين تنصل المصادر الإسلامية من أن القتال وقع في شهر رجب الذى زعمه وات، وأين مصادره هو التى تثبت هذا التنصل، أله مصادر ذكرت سيرة النبي - ﷺ - يتحاكم لها ويرجع إليها فيما يقبل أو يرد من السيرة؟ تبين له ما يدعى، ترى لو كانت المصادر الإسلامية لم تذكر ذلك فمن أين كان سيورد هذا النص وتلك الحادثة؟ أم أنه
[ ٤٥٦ ]
يعرف طريقة، وهي اختراع سرية لم تكن ولن تكون، كما اخترع وفصل هو أحداثها، فتناقض وتهافت وادعى ما ليس بصادق ولا صحيح.
مضطرون إلى استكمال الكلام مع "وات" ..
يقول: إن محمدًا لو كان في نيته خرق الشهر الحرام فإنه لا يعنى أنه كان يفكر في أمر معيب أو غير مشرف، فقد كان طابع الشهر الحرام مرتبطًا بالديانة الجاهلية التى كان محمد يحاربها، ولهذا كان خرق الشهر الحرام لتحطيم الأصنام. ولكن ماذا نقول عن تردد محمد في قبول خُمس الغنيمة؟ (١)
عاد وات مرة أخرى لعادته في التناقض، وإثارة الشبهات بهذا التناقض الذى لا محل له إلا في ذهنه بترتيبه المسبق الذى يؤديه إلى هذه المسالك العقلية الوعرة الضيقة التى لا يستطيع منها فكاكًا أو خروجًا.
فبعد أن كان هذا الفعل عارًا، أصبح لا عار فيه ولا عيب ولا مغمز، ولا يظن بذلك أنه يمدح ولكنه يمهد لمنهجه بالبناء ثم الهدم لإثارة التشكيك في الرسول - ﷺ - ودينه كما سيأتى ولكنه قبل أن يذكر ذلك علله بأن الأشهر الحرام من دين الجاهلية كالأصنام يحاربها سيدنا محمد - ﷺ -، فخلط بين الأمرين هذا الخلط الغريب الشائه، والذى لم يحدث من سيدنا محمد - ﷺ - لا وحيًا ولا اجتهادًا.
نعم قد جاء الرسول - ﷺ - بوحى السماء بالدعوة إلى التوحيد، وكسر الأصنام ونبذها وخلعها، ولكنه في نفس الوقت جاءه الوحى بتعظيم الأشهر الحرم، وإبقائها كما ذكرنا الآيات، فكيف يستوى الأمران في ذهن عاقل.
_________________
(١) وات Mohammad AT Medina p.٨.
[ ٤٥٧ ]
ثم جاء دور الهدم في نظر وات فيسأل سؤال الباحث البرئ: «ولكن ماذا نقول في تردد محمد في قبول خُمس الغنيمة؟».
المصادر الصحيحة تقول في رد هذه الشبهة البريئة والتشكيك النزيه في الوحى والرسول - ﷺ -، أن السبب في تردد الرسول - ﷺ - في قبول خمس الغنيمة هو أنهم انتهكوا حرمة الشهر الحرام، وقد قال لهم ذلك - ﷺ - صريحًا: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام (١)»، وهو الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى، وكان يمكن لأحدهم لو كان ذلك كذبًا أن يرجع كافرًا، ليقول إن محمدًا هو الذى أمرنا بالقتال في الشهر الحرام، وإنه الآن يدعى
- حاشا له - أنه لم يأمرنا بذلك، ولأضحت الرسالة من أولها إلى آخرها في مهب الريح المدمرة لها.
انظر إلى وات لم يمهلنا أن رد هو على سؤاله التاريخى ليقطع علينا الطريق، ويصادر علينا حق التفكير والنطق فضلًا عن الاعتراض وتبيين الخطأ. كائلًا بأوفى كيل من التهم في جعبته موضحًا اجابته في ثلاث نقاط: (٢)
الأولى: أنه - ﷺ - اكتشف ردود فعل قوية حول خرق الشهر الحرام أكثر مما ينتظر.
الثانية: خشية البعض من عقاب تنزله بهم الآلهة - هكذا -.
الثالثة: لاحظ البعض التناقض بين الشريعة الآلهية من ناحية ودعوة محمد إلى التضحية في سبيل الله من ناحية أخرى.
ويضيف لما سبق من نقاط فيقول: وشيء آخر ثابت وهو أن محمدًا لم يكن يعبأ كثيرًا
_________________
(١) انظر عبد الله النعيم، الاستشراق في السيرة النبوية (٢٤٨).
(٢) وات Mohammad AT Medina p.٨.
[ ٤٥٨ ]
بالقتال في الأشهر الحرم، ولكن كان عليه أن يحترم معتقدات قسم كبير من أتباعه (أصحابه)، وأن يتجنب ما ينشأ عن ذلك من صدى يهدد سلطته كنبى. (١)
ونزيد هنا أن احترام النبي - ﷺ - كان معلومًا حتى آخر أيامه في الدنيا للأشهر الحرام حيث قال في حجة الوداع في أخر ما وصى به أصحابه والمؤمنين إلى يوم القيامة: «إن السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان» (٢)، فأين عدم مبالاته وأنه لا يعبأ بالأشهر الحرم في قتال أو غيره، وقد ذكرنا ما قاله - ﷺ - لعبد الله وسريته، من أنهم لم يأمرهم بقتال في الشهر الحرام.
أما أخذه الغنيمة بعد ذلك، فلم يكن دقيقًا القول بعد ذلك، بل بعد أن نزل الوحى يبرئ ساحة عبد الله بن جحش وسريته من مأثم في قتالهم أو شين في سلوكهم فقد رفض أخذ الغنيمة بما أوحى إليه من أمر الله بتعظيم الأشهر الحرام، وأخذها عندما جاءه أمره كذلك في قرآن يتلى أن ما فعله المشركون بالمسلمين أكبر من القتال في الشهر الحرام، وأن ما فعلوه بقريش التى لم تراع فيهم حرمة شهر ولا حرمة بيت إنما هو جائز من رد العدوان، واسترداد الحقوق المسلوبة، مع بقاء تعظيم حرمات تلك الأشهر.
أما قول وات إن الرسول - ﷺ - اكتشف ردود فعل قوية أكثر مما ينتظر، لذا تردد في قبول الخمس فهو من هراء القول المجافى لحقيقة الانصياع للوحى والإيمان بالنبوة والرسالة، إذ ما الذى حمل هؤلاء الساخطين الذين استرضاهم - ﷺ - بعدم قبول الغنيمة، ما الذى حملهم على الهدوء وترك الغضب والإعلان بالسخط عند قبول النبي - ﷺ - الغنيمة وأخذه لها (٣)، إن موقفهم من أصحاب السرية وغضبهم مما فعلوا إنما كان رد فعل لغضب النبي - ﷺ - بدليل
_________________
(١) Ibid. p.٩.
(٢) ابن سعد، الطبقات (٢/ ١٨٦).
(٣) ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٨١)، ابن حزم، جوامع السيرة (١٠٦).
[ ٤٥٩ ]
قولهم لعبد الله وأصحابه: «صنعتم ما لم تؤمروا به» (١)، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا (٢)، كما ذكر ابن اسحاق في السيرة.
ومن ثم كانت الحقيقة الناصعة أنه عندما نزل الوحى هدأت الأمور، وعاد عبد الله بن جحش وأصحابه مكرمين معززين بين المسلمين بتأييد الوحى لمسلكهم، ولو كان الغاضبون لهم رد فعل على تصرفات النبي - ﷺ - أو حتى على عبد الله وإخوانه، لكان لذلك أثره ولامتد هذا الأثر فترة بعد ذلك ثم ترى هل يعبأ سيدنا رسول الله - ﷺ - برد فعل أحد أو الدنيا كلها بعد نزول الوحى عليه، لقد قام أمام الكفار وحيدًا يسفه أحلامهم ويسب آلهتهم ويضلل أفهامهم ولم يبال بهم وبما أنزلوه به وبأصحابه، ثم يأتى بعد ذلك ليعمل حسابًا لرد فعل بعض المؤمنين المتقين - لو كان هذا صحيحًا - فيفعل أو يترك لأجلهم!
وعندما أراد وات في النقطة الثانية ليبين لنا السبب الثاني على شبهته البريئة كما نوهنا إليها وهي تردد النبي - ﷺ - بقبول الخمس من الغنيمة، فإذا به يعاود عين المسألة، بخشية البعض من عقاب تنزله الآلهة عليهم، هكذا قال، لا أعتقد أن وات يظن أنه صادق فيما يقول، هل يعتقد وات أن سيدنا محمد - ﷺ - وصحبه يؤمنون بتعدد الآلهة الذى ذكر هو سابقًا أنه جاء ليحطمها، أو ليس هناك إلا رب الأرض والسماء، الها واحدًا لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، في دينه الذى يدعو إليه وقاتل عليه - ﷺ -، أن وات يضلل ليشيع أن بعض المسلمين مازالوا خاضعين لمنطق الجاهلية، مؤمنين بالكفر، وهذا أعجب العجب في البحث العلمى.
النقطة الثالثة في كلام وات عن أسباب تردد النبي - ﷺ - في قبول خمس الغنيمة أولًا،
_________________
(١) الطبرى، التاريخ طبعة (٢/).
(٢) ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٨٠).
[ ٤٦٠ ]
وهي ملاحظة البعض التناقض بين الشريعة الآلهية من ناحية ودعوة سيدنا محمد - ﷺ - للتضحية من ناحية أخرى. (١)
ويقال أولًا: من هؤلاء البعض؟ أهم بعض أصحاب النبي - ﷺ -، أو هم بعض من أتى بعدهم من المسلمين، فإن كان كذلك فليذكر وات اسمًا واحدًا رأى ذلك، أم عاد وات إلى عوائده القديمة في منهجه العلمى من إلقاء التهم بغير تثبيت، وزرع الشبهات والشكوك ثم الصاقها بمن لا يُعَلم.
أم هم من المستشرقين ومن تبعهم؟ إذا فليقولوا قولًا يبرئون به ساحتهم من الدجل والتدليس والغش، قولًا فيه شيء من العلم الصحيح والمنطق المستقيم، ليمكن النظر فيه ومعرفة قيمته ردًا أو قبولًا.
ويقال ثانيًا: إن (وات) قد استعمل في منهجه - لم أر من نبه إليها من العلماء - طريقة تحمل المرء على تجشم الرد، وعناء البحث وإعمال الفكر ليبعد به الباحث عن إلهية الدعوة وثبوت الوحى وصدق النبوة وصحة الرسالة، فيأخذ المرء في التجديف معه بعيدًا عن الأصل الذى يرمى إليه مصوبًا إليه حدقة بحثه إن كان، وفي غمرة البحث ينسى المرء الوحى والرسالة والاحتجاج بهما، وهنا تدب دسيسة وات إلى العقول والقلوب بتثبيت تلك المعانى أو مهاجمتها بعيدًا عن الدين والوحى وهو مراده، فيكون بحث الباحث مناظرة لمناظرة أو جدالًا لجدال، بعد به العهد عن النصوص والنبوة وتعلق البحث بالسماء، مع أنه كان يمكن للباحث الرد على وات بكلمة واحدة تثبت بها المعانى ويظهر بها الإيمان وهي «إنه الوحى».
من ذلك ما نحن بصدده من ردود وأقواها ظهورًا ما نحن فيه الآن إذ يقول «ظهر
_________________
(١) mohammad at medina p. ٨.
[ ٤٦١ ]
للبعض التناقض بين الشريعة الآلهية ودعوة محمد»، والرد سهل يسير وهو إن الشريعة ودعوة سيدنا محمد - ﷺ - هي أمر واحد موحى به من عند الله تعالى لا فرق بينها.
أما هذا التناقض فمن وات نفسه، إذ هدف لايجاده بتفسيره الخاطئ (أو متعمد الخطأ) للنصوص في هذه السرية، إذ السرية للرصد وللاستطلاع من أخبار قريش فجعلها لنصب كمين، وهو ما يسمية دعوة محمد للتضحية في سبيل الله، وعدم قبوله الخمس وهو الشريعة الآلهية فجعل ذلك تناقضًا (١)، ونسبه للبعض الذين أخفى إعلامهم، لأنهم في الحقيقة غير موجودين، لأن القصة التى حضروها وعلموها غير ما اخترعه وات وألفه، وبالتالى لم يوجد عندهم ما ادعاه وات، ليلمز به الشرع والدعوة، وأن ذلك ليس وحيًا في النهاية إلى آخر ما اهتم به وات وسعى إلى اثباته بخيله ورجله. ويكفى أنه خالف الواقع المنصوص وكتب وأرخ خلافه لو سمينا ذلك باسمه الصريح لقلنا يكفيه كذبًا.
وفي نهاية القول في تردد النبي - ﷺ - في قبول الخمس ذكر وات أن الرسول - ﷺ - كان عليه أن يحترم معتقدات قسم كبير من أصحابه، وما ينشأ عن ذلك من صدى يهدد سلطته كنبى. (٢)
وهذا كلام لا يحتاج لرد لأن الرسول - ﷺ - لم يكن ليعبأ بمعتقدات العالم كله لو كانت مخالفة لوحى الله له، وأمر دعوته في مكة - ﷺ - أشهر شيء في التاريخ، وكذا في المدينة، وأيضًا موقفه الحاسم مع اليهود والنصارى وغيرهم.
وإن التاريخ لمثل كلام وات على طريقة وات نفسه لابد أن يدخل فيها، تردده - ﷺ - في قبول الخمس حتى لا تتهدد سلطته كنبى - ﷺ - وها قد قبل الخمس هل تهددت سلطته كنبى
_________________
(١) انظر عبد الله النعيم، الاستشراق في السيرة النبوية (٢٤٩).
(٢) وات Mohammad AT Medina p.٩.
[ ٤٦٢ ]
لقد رأينا العكس بما يكذب كلام وات ويدحضه، ويبطل في نفس الوقت فهمه للتاريخ وتحليله له ثم ما موقف هذا القسم الكبير من أصحابه الذين لم يحترم معتقداتهم، بعد هذه المخالفة الصارخة منه - ﷺ - لهذه المعتقدات، إنه شيء معيب للغاية أن يصل تحليل وات إلى هذه الدرجة، لأن هذا القسم الكبير من أصحابه - ﷺ - لاشك لهم اليد الطولى إذن، وهو ما يفرض معتقداتهم، هل حدث شيء من ذلك همسًا أو سرًا أو علانية؟
إن الإجابة التى لا نحيد عنها أن معتقداتهم هي ما علمهم - ﷺ - من معتقدات، بل سبيلهم ظاهرًا وباطنًا هي سبيله ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
والأمر الثاني في قصة السرية هي موقف سعد بن أبى وقاص، حيث سارع وات وتهور فلمزه - ﵁ - وأساء إليه بما اخترع من حكايات مجافية للواقع والحقيقة تجعل الرد عليه ضربًا من تضييع الوقت، مع حزن النفس وتبرمها بمثل هذا التعصب والتطاول وغير ذلك من الافتراءات التى تلبس ثوب العلم والحياد.
وإن الرد عليه يدخل فيما سبق أن رددنا، وإن كان قد أساء إلى النبي - ﷺ - كما سلف النقل عنه، فلأن يسيء إلى أحد أصحابه بمقالات السوء تلك غير مستغرب ولا مستبعد وما اختار من السرية إلا سعدًا - ﵁ - إلا ليكمل له الإساءة إلى الرسول - ﷺ - ودينه وأفضل أصحابه المبشرين بالجنة، وبالتالى لا يحتاج الكلام إلى توضيح، وإلى فهم المراد.
تحويل القبلة:
في نهاية تلك الأحداث التى وقعت قبل غزوة بدر الكبرى، جاء حادث تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة في مكة، وهو ما نختم به تلك الفترة قبل الخوض في موقعة بدر كان النبي - ﷺ -
[ ٤٦٣ ]
يتجه في صلاته بمكة قبل الهجرة مستقبلًا بيت المقدس جاعلًا الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذا ما ورد صحيحًا عن ابن عباس - ﵃ -. (١)
وذهب بعض العلماء إلى أنه - ﷺ - كان يصلى بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس (٢).
ولما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة المنورة استمر في الاتجاه بصلاته نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا (٣). وفي منتصف رجب سنة اثنين للهجرة أمره الله تعالى بالتحول في صلاته إلى الكعبة، قبلة إبراهيم وإسماعيل ﵉، وهو قول الجمهور من العلماء.
وقد رحب يهود المدينة باستقبال النبي - ﷺ - لقبلتهم، خاصة أنهم قد عاهدوا النبي - ﷺ - كما أوردنا من قبل، وإن كان ذلك منهم محل إنكار كما ذكر الطبرى في تفسيره عن مجاهد أنهم كانوا يقولون: «يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا (٤)»، كأنهم طمعوا في أن يميل النبي - ﷺ - إلى دينهم حيث رأوا الإسلام يتابعهم في القبلة دليل صحة شيء من تقاليدهم وطقوسهم.
لخصت الآيات الكريمة سيرة النبي - ﷺ - والمسلمين مع القبلة، حيث كانت حادثًا عظيمًا في تاريخ الجماعة المسلمة، وله آثاره الضخمة في حياتها.
_________________
(١) ابن سعد (١/ ٢٤٣) الطبقات، والحاكم وصححه. وانظر د. أكرم العمرى، السيرة النبوية الصحيحة (٣٤٩).
(٢) وقد مال إلى هذا الرأى أبو عمر بن عبد البر القرطبى، وانتقد الحافظ ابن حجر هذا الرأى وضعفه فقال في فتح الباري، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره، انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ٦٣).
(٣) مسلم (١/ ٣٧٤)، وجزم به، وهو قول عدد من الصحابه معاذ وأنس وغيرهما ورواه البخاري ستة أو سبعة عشر شهرًا وقد وفق بين القولين، وخليفة بن خياط في التاريخ (٦٤)، الطبرى، التفسير (٢/ ٣)، وذهب د. مهدى رزق الله إلى أن قول الجمهور في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا وهو رأى ابن اسحاق - ابن هشام - (٢/ ١٨٢)، بخلاف ترجيح د. أكرم العمرى ولكن صحت الأحاديث على كلام د. أكرم لما صححه البخاري، وابن حجر في فتح الباري.
(٤) الطبرى، التفسير (٢/ ٢٠).
[ ٤٦٤ ]
فبينت الآية الأولى على خلاف الترتيب القرآنى كما سنوضح حكمة ذلك، تقلب وجهه في السماء - ﷺ - داعيًا ربه متضرعًا أو ساكتًا متأدبًا يرجوه أن يوجهه إلى الكعبة المشرفة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤].
ثم جاءه الأمر الإلهى الأول بأن يولىَ وجهه شطر المسجد الحرام فقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
وجاء الأمر مرة أخرى بالتوجه إلى القبلة فقال جل وعلا: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩].
وتلا ذلك الأمر الثالث باستقبال المسجد الحرام فقال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٥٠].
ونذكر الآن الآية الأولى في السياق القرآنى الكريم، وإن كان ذكرها الآن هو محلها في الواقع على ما سنشير إلى الحكمة التى أبداها أهل العلم في ذلك، هي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢].
وفي ثنايا تلك السيرة القرآنية جاءت التوجيهات الإلهية والوصايا الربانية، وجاء توضيح المواقف، وتمييز الناس، والتحذير من الاغترار بالباطل، وظهرت الحكم والعبر والعظات من معانى ذلك كله، لتقود قافلة الإيمان في النور الساطع بقدم راسخ إلى منتهى شوط الأمان والنجاة والرفعة في الدنيا والآخرة.
وقبل الخوض في تلك المعانى القرآنية الكريمة يجدر أن نشير إلى كلام له قيمته ذكره
[ ٤٦٥ ]
سيد قطب ﵀، فنلخص مجمله:
يقول: أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة، واختصاص المسلمين بقبلة خاصة يتوجهون إليها، إذ كان ذلك لا شك لحكمة تربوية ذكرتها الآية الكريمة وهي في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (١)
فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومى، ولما كان الإسلام قد جاء لاستخلاص القلوب لله وحده، وتجريدها عن كل تعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير منهج الإسلام المرتبط بالله تعالى مباشرة، المجرد من ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية، فقد نزعهم نزعًا من الاتجاه إلى البيت الحرام واختار لهم المسجد الأقصى ليخلص نفوسهم من كل تلك الرواسب الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول - ﷺ - ويطيعه في كل أمره طاعة مجردة من كل شيء، الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة، ممن ينقلب على عقبية اعتزازًا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ، أو تتلبس في خفايا المشاعر وحنايا الضمير حتى إذا استسلم أهل الإيمان لهذا الأمر من الله ورسوله جاءهم الأمر باستقبال الكعبة المشرفة، كذلك إظهارًا للاستسلام لله ولرسوله - ﷺ -، ولكنه في أمره باستقبال الكعبة المشرفة ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى هي حقيقة الإسلام، حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉؛ وليكون تراث الأمة المسلمة التى نشأت تلبية لدعوة إبراهيم لربه بأن يبعث فيهم رسولًا بالإسلام الذى كان عليه إبراهيم وبنوه وأحفاده. (٢)
يقول الطاهر بن عاشور ﵀: إن المناسبة بين هذه الآية ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ وبين
_________________
(١) سيد قطب ﵀ يميل إلى الرأى الذى ضعفناه بأن القبلة في مكة كانت الكعبة المشرفة «ظلال القرآن» (١/ ١٢٦).
(٢) سيد قطب، في ظلال القرآن (١/ ١٢٦ - ١٢٧).
[ ٤٦٦ ]
الآى التى قبلها غير واضحة، ولكن هناك مناسبة بديعة، وهي أن الآيات التى قبلها تكرر فيها التنويه بإبراهيم وملته والكعبة وأن من يرغب عنها فقد سفه نفسه. (١)
ونعود إلى سيد قطب ﵀، حيث بسط القول شيئًا ما كما ذكرنا فيقول ﵀ ما مختصره أن الحديث عن المسجد الحرام وبنائه وعمارته، والجدل مع أهل الكتاب والمشركين حول إبراهيم وبنيه وملته وقبلته، وعهده ووصيته، كل هذا الحديث كان خير تمهيد لتحويل القبلة إلى بيت الله الذى بناه والذى يمثل ملته التى من أراد غيرها فقد سفه نفسه والتى دعا ربه أن يبعث رسولًا يقيمها، فتحويل القبلة إذن يبدو في هذا السياق هو الاتجاه الطبيعى المنطقى مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده، وهو الدين الذى ارتضاه الله سبحانه للبشرية كافة، فهو الاتجاه الحسى المتسق مع الاتجاه الشعورى، الذى ينشئه هذا التاريخ.
وإن الله عهد لإبراهيم - ﵇ - أن يكون من المسلمين: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١] وعهد إبراهيم - ﵇ - لبنيه بالإسلام وكذلك أحفاده: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢] ولقد أعلم الله إبراهيم - ﵇ - أن وراثة عهد الله وفضله لا يناله الظالمين: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤] إن الأمة المسلمة هي الوارثة لذلك العهد ولذلك الفضل فطبيعى إذن أن ترث بيت الله في مكة، وأن تتخذ منه قبلة.
فإذا اتجه المسلمون فترة إلى المسجد الاقصى لحكمة سبقت الذى يتجه إليه اليهود والنصارى، وأبوا أن يفيئوا إلى دين أبيهم إبراهيم - ﵇ -، ليشاركوا الأمة المسلمة وليكونوا أمة واحدة موحدة لله تعالى، فقد جاء أوان تحويل القبلة إلى بيت الله الأول الذى بناه
_________________
(١) الطاهر بن عاشور، التحير والتنوير (٢/ ٥)، وإن كان يميل العلامةابن عاشور إلى أن النسخ كان من بيت المقدس إلى الكعبة في المدينة، أما في مكة فكان - ﷺ - يستقبل الكعبة.
[ ٤٦٧ ]
إبراهيم - ﵇ - لتتميز للمسلمين كل خصائص الوراثة حسيها وشعوريها، وراثة الدين، ووراثة القبلة، ووراثة الفضل من الله جميعًا.
إن الاختصاص والتميز للجماعة المسلمة ضرورىٌ من هذا المنطق، ومما رأينا من سيرة النبي - ﷺ - عامة الاختصاص في التصور والاعتقاد، والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة، وهما واضحان في التصور والاعتقاد، ولكنه قد لا يكون بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة، ولابد من وقفة مع قيمة أشكال العبادة. (١)
إن الناظر إلى أشكال العبادات الظاهرة مجردة عن ملابساتها، ومجردة عن طبيعة النفس البشرية وتأثراتها ربما يبدو له أن في الحرص على هذه الأشكال بذاتها شيئًا من التعصب الضيق، أو شيئًا من التعبد للشكليات! ولكن نظرة أرحب وأوسع من هذه النظرة وإدراكًا أعمق لطبيعة الفطرة، يكشفان عن حقيقة أخرى لها كل الاعتبار لهذه الشكليات المتميزة للعبادات، ففى النفس البشرية ميل فطرى ناشيء من تكوين الانسان ذاته من جسد طاهر وروح مغيب إلى اتخاذ أشكال ظاهرة عن المشاعر المضمرة، وهذا لا يحتاج إلى تدليل، وقد أشار إليه النبي - ﷺ - بقوله: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد» (٢)، فما يظهر إذن على المرء أنما هو تعبير لابد منه لذلك الشعور والميل الداخلى إذ لا تستقر وتهدأ هذه المشاعر المضمرة حتى تتخذ لها شكلًا ظاهرًا تدركه الحواس.
وعلى هذا الأساس الفطرى أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها، فهى لا تؤدى بمجرد النية وحدها أو التوجه الروحى، لكن ذلك يتخذ شكلًا ظاهرًا قيامًا واتجاهًا إلى القبلة وتكبيرًا وقراءة وركوعًا وسجودًا ذلك في الصلاة، وإحرامًا من مكان معين بلباس معين
_________________
(١) سيد قطب في ظلال القرآن (١/ ١٢٧).
(٢) البخاري، الصحيح (٥٠).
[ ٤٦٨ ]
وطوافًا وسعيًا بحركة معينة ودعاء وتلبية ورميًا للحجارة ونحرًا وحلقًا ذلك في الحج، وهكذا في كل عبادته وأوامره وسننه.
ولم يكن بعد ذلك، بد من تمييز المكان الذى يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة كى يتمييز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه فهذا التميز تلبية للشعور بالتخصص والتفرد والامتياز، كما أنه بدوره ينشئ شعورًا بالامتياز والتفرد.
ومن هنا كان التشبه بغير المسلمين في خصائصهم التى هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهى عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء، ولم يكن هذا تعصبًا ولا تمسكًا بمجرد الشكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات، كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة وهذه البواعث هي التى تفرق قومًا عن قوم، وتصورًا عن تصور، وعقلية عن عقلية، وضميرًا عن ضمير وخلقًا عن خلق، واتجاهًا في الحياة كلها عن اتجاه.
لذلك ورد عن أبى هريرة - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». (١)
وقال - ﷺ - وقد خرج على جماعة فقاموا له: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا» (٢)، وقال - ﷺ -: «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣)، فنهى عن تشبهٍ في مظهرٍ أو لباسٍ، ونهى عن تشبهٍ في حركةٍ أو سلوكٍ، ونهى عن تشبهٍ في قولٍ أو أدبٍ؛ لأن وراء ذلك الشعور الباطن الذى يميز تصورًا عن تصور ومنهجًا في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة.
_________________
(١) البخاري (٥٤٤٨)، ومسلم (٣٩٢٦).
(٢) رواه أبو داود، السنن (٤٥٥٣).
(٣) البخاري (٣١٨٩).
[ ٤٦٩ ]
ثم هو في نفس الوقت نَهْىٌ عن التلقى من غير الله تعالى ومنهجه الذى جاءت الأمة لتحققه في الأرض نَهْىٌ عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض، فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التى تأسر النفس لتقلد ذلك المجتمع المعين، والمسلمون هم الأمة الوسط، هم الأعلون إن كانوا مؤمنين، هم خير أمة أخرجت للناس فإن لم يستخدموا تصورهم ومنهجهم ونظمهم وتقاليدهم من الله فهم يستمدونها من الأدنى الذى جاءوا ليرفعوه.
لقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق للتصور، وأقوم منهج في الحياة، وهو يدعو البشرية كلها إلى أن تفئ إليه، وما كان تعصبًا إذن من الإسلام أن يطلب وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر، وعلى منهجه لا على أي منهج آخر، وتحت رايته لا تحت أي راية فالذى يدعوك إلى توحيد الله تعالى وأن يكون من دونه سواء، ويدعوك إلى الوحدة في الارفع من المقصود، والوحدة في الارفع من النظام، ويأبى الحيدة عن منهج الله تعالى والتردى في مهاوى الجاهلية، ليس متعصبًا، أو هو متعصب ولكن للخير والحق والصلاح.
والأمة المسلمة اليوم محاطة بل ومتغلغل فيها نفسها شتى التصورات الجاهلية وغيرها التى تعج بها الأرض، وكذلك شتى الأهداف والرايات الجاهلية التى يرفعها الأقوام، وبين شتى الاهتمامات التى تشغل بال الناس على خلاف اهتمامات الإسلام ومنهجه، ومن ثم فهى في حاجة إلى التميز بشخصية لا تتلبس بالشخصيات السائدة جاهلية أو غيرها، وتتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يلتبس بالتصورات السائدة، والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وتصورها هذا التميز هو الوقوف تحت راية تحمل اسم الله وحده؛ فتعرف ساعتها بأنها خير أمة، الأمة الوسط (١).
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (١/ ١٢٩).
[ ٤٧٠ ]
وهكذا رأينا كيف كانت القبلة تحمل هذه الدلالات التى جاء الإسلام ليؤسسها في الجماعة المسلمة من وقت مبكر تستطيع فيه حمل الراية والسير الحثيث لتحقيق تلك الأهداف مع التمايز بأنهم المسلمون، ولقد ساروا بذلك حتى إنه لا يمكن أن يقال عنهم في كل مجال يحمل الخير والحق والعدل والرحمة إلا إنهم المسلمون. إلى أن فقدوا موقعهم تحت الراية وانزحاوا يمنة ويسرة فحل بهم ما نعانيه اليوم.
نعود إلى هذا الجزء من السيرة النبوية في القرآن الكريم كما هو منهجنا، ونقتصر على ما يوضح الموضوع من كلام الله تعالى، ونبدأ بالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢].
وكان سياق هذه الآية الكريمة بحسب الواقع الظاهر متأخرًا بعد تحويل القبلة، إذ ذلك القول من السفهاء إنما هو بعد أن يغير المسلمون قبلتهم فتشاع عنهم هذه المقالة السيئة والإشاعات المغرضة ونذكر حكمة ذلك بشرح الآية فيما يلى كما وضحه الفخر الرازى في «التفسير الكبير»، يقول ماحاصله إن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ فيه قولان:
الأول: وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرًا لكنه قد يستعمل في الماضى أيضًا، كالرجل يعمل عملًا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون على فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد فإذا ذكروه مرة أخرى صح أن يقال سيقول السفهاء.
الثاني: أن الله أخبر عنهم قبل أن يذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد:
أحدها: أنه - ﷺ - إذا أخبر عن شيء قبل وقوعه، كان هذا إخبارا بالغيب، فيكون معجزًا.
[ ٤٧١ ]
ثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولًا ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولًا.
ثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولًا، ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي - ﷺ - منهم يكون الجواب حاضرًا، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرًا، وبهذا ظهرت حكمة تقديم تلك الآية وتهيئة المؤمنين وتثبيت قلوبهم لأقوال أعدائهم. (١)
ونعود إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، وهم أولئك الذين نشروا شائعاتهم واتهاماتهم للنبى - ﷺ - وللمؤمنين يشككون في دينهم، وعدم ثباتهم عليه، بل هم متحيرون لا يدرون إلى أي قبلة يصلون، وهذا تشكيك في صدق الوحى، وبالتالى الرسالة والقرآن الكريم، وبدأوا حربًا قاسية ليضطرب المؤمنون وتتزعزع ثقتهم في دينهم ونبيهم وربهم، ها قد جاءتهم فرصة بغير شوكة اهتبلوها، أقوى وأصعب من ملاقاتهم بالسلاح، وللمرء أن يتخيل حال المؤمنين حينئذ، حيث وصف الله تعالى ذلك الوضع السيء بقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣]. إن رجوع أحد من المؤمنين عن دينه في ذلك الامتحان لهو أقسى من قتله إذ هو تهوين للصف، وتخذيل له وتعريضه للهزيمة النفسية المقدمة للهزيمة العسكرية.
ولتصوير عظم ذلك ذكر الله تعالى أن هذه المقولة هي مقولة السفهاء، والسفيه من لا يميز ما له مما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، ولا شك أن من فعل ذلك في أمر الدنيا يعدونه سفيهًا، فمن باب الأولى في أمر الدين، وقد وصفهم بالسفاهة أي الخفة والجهل والطيش وعدم تميز الحق النافع، لما أورده عليهم من حجة تدل على سفاهتهم، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]. أي من كان له المشرق والمغرب - وليس هناك من ادعى لنفسه، أو لغيره ذلك - فهو يوجه إلى ما يشاء،
_________________
(١) الفخر الرازي، التفسير الكبير (٢/ ٤٦٢).
[ ٤٧٢ ]
وما يعترض على ذلك إلا جاهل سفيه، ونص عليهم عدم اهتدائهم لأنهم لا يستحقونه لإيثارهم الباطل على الحق، وذلك من تمام سفاهتهم، فلا جرم صدر هذه السيرة بتلك الآية لتبين سفاهتهم، حتى يحذر ذلك المؤمنون، بل ليمتنع تردد ذلك في صدورهم.
ويأتى السؤال: ما العظيم في هذا المذكور؟ والكبير فيه، حتى يصوره القرآن الكريم بذلك؟
إن العظيم في ذلك أن السفهاء كانوا الجميع من غير المؤمنين، إذ رمى الكفار المشركون من مكة، واليهود في المدينة، والمنافقون رموا المسلمين عن قوس واحدة، إذ لفظ السفهاء لفظ عموم يصلح لكل الكفار بحسب الدليل العقلى الذى أشرنا إليه، والدليل النقلى وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. (١) فالكل قد اجتمع على المسلمين وشككوا واتهموا وذموا؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالًا لم يتركوا مقالًا البتة، كان الخطب جسيمًا إذ اجتمع كل من في المدينة بل ومشركو مكة على الصياح على المسلمين وإرهابهم من كل فج. حتى قال المؤمنون متوجسين خيفة ما حال إخواننا الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِن اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
ذكر المفسرون ذلك، ونسبوا كل قول من بهت وإفك إلى قائله فقالت اليهود: لو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، وكانوا يظنون موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يوافقهم بالكلية، فليس إذا رسولًا.
وقال المشركون: أبى إلا الرجوع لموافقتنا يعنى كأن الوثنية صارت حقًا.
_________________
(١) انظر الفخر الرازى، التفسير الكبير (٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣).
[ ٤٧٣ ]
وقال المنافقون: على سبيل الاستهزاء إن التحويل مجرد عبث وعمل بالرأى والشهوة إذ لا تتميز بعض الجهات عن بعض بخاصيةمعقولة تقتضى تغيير القبلة. (١)
نزلت الآيات متتابعة لتوضح الحكمة من ذلك، وتبين مواقف كل فريق، وتؤكد على أمر النبي - ﷺ - بالتوجه هو والمؤمنون إلى الكعبة، وتثبت المؤمنين وترشد سيرهم وليستمروا صامدين تحت الراية المرفوعة - راية الإيمان - سائرين بها مدافعين عنها.
وننظر في الآية التالية التى تبين بقية سيرة القبلة في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
كانت هذه الحالة في الآية الكريمة وهي طلب النبي - ﷺ - من ربه ليستجيب له بالتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم - ﵇ - أول ما ذكر من سيرة النبي - صلوات الله وسلامه عليه - مع القبلة حيث ألهم النبي - ﷺ - بأنها الحق - وهو الواقع بتقرير الله تعالى ذلك - وجاءت متأخرة عن الآيات السابقة.
ذلك لأن الآيات السابقة كالتمهيد للنبى - ﵊ - والمؤمنين لهذه الآية، وهي آية إجابة النبي - ﷺ - لطلبه بالتوجه إلى الكعبة المشرفة، وكذلك تبيين الحكمة من هذه الاستجابة، فقد وطأ القرآن الكريم لهذا التحويل بالأيه التى ذكرنا وهي: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ليكون ذلك تثبيتًا للمؤمنين، واعدادهم لمواجهة هذه الكبيرة، وفي نفس الوقت ليفصل لهم موقفهم وقيمتهم في الدنيا والآخرة التى بوأهم الله إياهم، فلا تؤثر فيهم تلك
_________________
(١) السابق.
[ ٤٧٤ ]
الأحداث، بل هم أعلى منها وأجل فكان متناسبًا غاية التناسب أن يرشدهم إلى علو مكانتهم باستعلائهم بالإيمان في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
أي ستسمعون من السفهاء ذلك كله، ولكن حقيقة الأمر أنكم أنتم الأمة الوسط العدول الخيار إذا اعتقدتم شيئًا فهو الحق الذى بلغكم به ربكم، فأنتم الشاهدون على كل أمة أو أحد بصدق ما هم عليه وصحته أوْلا، ليس هم الذين يشهدون عليكم بصحة موقف أو فساده: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. أنتم المهيمنون الحاكمون بصحة ما عليه الناس كافة أو بنقيضه لا يرد عليكم أحد ذلك الاعتقاد، أو يدفعه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. (١)
كان ذلك توطئة قوية لهم ألا يتشككوا إذن أو تنزع ثقتهم فيما هم عليه، أو فيما يتنزل عليهم، إنهم الأمة الوسط التى تشهد على الناس جميعًا، فتقيم بينهم القسط والعدل، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدى فيهم رأيا فيكون هو الرأى المعتمد، وتزن قيمتهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعائرهم فتفصل في أمرهم، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل، فهى شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول - ﷺ - هو الذى يشهد عليها، فيقرر ذلك كله، ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيها الكلمة الأخيرة، وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها. (٢)
وبالتالى كانت تلك المقدمات والممهدات للأمة قبل صدور الأمر بتحويل القبلة لتعرفها، ولتستعد لها الاستعداد اللائق، ولتصحح وفقها مفاهيمها وتصوراتها التى
_________________
(١) انظر الفخر الرازى، التفسير الكبير (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٧)، والطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٢٠ - ٢١)، سيد قطب، فو ظلال القرآن (١/ ١٣٠ - ١٣٢)، وغيرها.
(٢) السابق.
[ ٤٧٥ ]
ترشدها طريقها وتجلى معالمه إلى يوم القيامة، ولتشعر بضخامتها، وتقدر دورها حق قدره، مع الكواشف المضيئة لكل ما حولها تصورًا واعتقادًا وقبائل وأشخاصًا.
وبعد هذا الإعداد الطويل للأمة المسلمة في هذا التوقيت الدقيق، جاءت الحكمة الإلهية.
لتبين أن تنقية الصف ليستطيع استكمال السير بأقصى قوة مستطاعة، يتحمل تبعاته، ويقدر مسؤلياته، هو الحكمة المنشودة من خطة التربية الربانية هذه، إن بقاء الصف بغير تمحيص وفرز لبقاء الأصلح الأقوى يجعل باطن الصف مصدعًا مهزوزًا سرعان ما ينهار، أو أجزاء كبيرة منه عند أول صدام، مع أن ظاهره يوحى بغير ذلك، وقد رأينا مصداق هؤلاء في غزوة أحد، ولقد عبرت الآية الكريمة عن هذه الحكمة بقولها: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والله سبحانه يعلم كل ما يكون قبل أن يكون، ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس حتى يحاسبهم عليه، ويأخذهم به، والانقلاب الرجوع إلى المكان الذى جاء منه، انقلب إلى الدار، وقوله: ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، زيادة تأكيد في الرجوع إلى ما كان وراءه؛ لأن العقبين هما خلف الساقين، أي انقلب على طريق عقبيه، وهو هنا استعارة تمثيلية للارتداد عن الإسلام رجوعًا إلى الكفر السابق. (١)
طالت هذه الفترة مع أنها متأخرة في الواقع عن الأمر النازل بتحقيق مطلوب النبي - ﷺ -: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، كل ذلك لما رأينا من عظات وأحكام وعبر، وتراتيب للانطلاقه الكبرى لأمة الإسلام، والتى اشترطت لها الآية المذكورة آنفًا اتباع النبي - ﷺ - ظاهرًا وباطنًا علمًا وسلوكًا، عبادة وعقيدة مع
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٢٣ - ٢٤)، سيد قطب، في ظلال القرآن (١/ ١٣٢)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٢/ ٤٧٨ - ٤٨١).
[ ٤٧٦ ]
الوسطية في كل أمورها لتصل إلى مقصدها وتبلغ أهدافها وتفوز بسعادة الدارين.
نعود إلى الآية التى وجه الله تعالى بها النبي - ﷺ - والمؤمنين إلى الكعبة، وهي قوله تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وننظر في تحليلها.
هذا استئناف ابتدائى، وإفضاء لشرع استقبال الكعبة، ونسخ السابق، فهذا هو المقصود من الكلام المفتتح بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ﴾.
وقد في كلام العرب للتحقيق، وهنا لتحقيق الخبر، وهو نرى، ولما كان علم الله بذلك مما لا يشك فيه النبي - ﷺ - حتى يحتاج لتحقيق الخبر به، كان الخبر به مع تأكيده مستعملًا في لازمه على وجه الكناية لدفع الاستبطاء عنه، وأن يطمئنه لأن النبي - ﷺ - كان حريصًا على حصوله، ويلزم ذلك الوعد بحصوله واللازم الثاني هذا كنايه ثانية.
وجيء بالمضارع من قد للدلالة على التجدد، والمقصود كما ذكرنا، تجدد اللازم ليكون حينئذ تأكيدًا لذلك اللازم وهو الوعد. (١)
والتقليب هنا هو ترديد وجهه في السماء، وهو تأدب مع الله في الطلب بغير دعاء كما ذكر بعضهم، ينتظر أن يجاب إلى ذلك، يقول الامام محمد عبده: «فسر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هو شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإن الله ينظر إلى القلوب وما أسرت، فإن وافقتها الألسنة فهى تبع لها وإلا كان الدعاء لغوًا يبغضه الله تعالى فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى الله تعالى انتظارًا لما كانت تشعر به روح النبي
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٢٦ -).
[ ٤٧٧ ]
- ﷺ - وترجوه من نزول الوحى بتحويل القبلة. (١)
ويستكمل قائلًا: ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالبًا هذا التحويل ولا تنفى ذلك».
وقال بعض المحققين: من كمال أدبه - ﷺ - انتظر ولم يسأل. وهذا التوجه هو الذى يحبه الله تعالى، ويهدى قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه. (٢)
وهذا الكلام والحال الجليل إنما يدل على أن الرسول - ﷺ - لم يكن له من أمر نفسه شيء، وأنه ينتظر الوحى فيما يأتى ويدع، ولو كان الأمر له فما المانع أن يقوم هو بالتحويل للكعبة وأن يدعى في ذلك شيئًا من الإفك المفترى، ثم إن صح هذا فمن أين يخبر بهذه المغيبات التى لا اطلاع لأحد عليها فأخبر بها قبل وقوعها مع حكم وأوامر ووصايا في سياق معجز معنى ونظامًا.
ولقد رأينا القبلة بعد ذلك شأنًا ثابتًا للمؤمنين لم يحاور فيه أحد، ولم ولن يمارى فيه صغير ولا كبير إلى يوم القيامة.
جاء بعد هذا الأدب من النبي - ﷺ - قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، فبعد أن كان الوعد بالتحويل في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى﴾، بأسلوب الكناية، أتى صريحًا مؤكدًا معقبًا بالفاء، ليكون المعنى أن تولية وجهه للكعبة سيحصل عقب هذا الوعد. وهذا وعد اشتمل على أداتى تأكيد وأداة تعقيب، وذلك غاية اللطف والإحسان. (٣)
_________________
(١) انظر الامام محمد عبده، الاعمال الكاملة، تحقيق وتقديم د. محمد عمارة (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، التفسير الجزء الاول، دار الشروق ط ١، الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠٩.
(٢) السابق.
(٣) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٢٧).
[ ٤٧٨ ]
وعبر بقوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾، للدلالة على أن ميله للكعبة ميل لتصد الخير، إذ الرضى مشعر بالمحبة الناشئة عن تعقل، ومقام النبي - ﷺ - يترفع عن أن يتعلق ميله بما ليس فيه مصلحة راجحة، فميله للكعبة لأنها أجدر بيوت الله التى تدل على التوحيد، فهى أحرى بذلك من بيت المقدس إذ بنى هو بعدها، على منوالها، ولم يصل لشأوها في ترتيب الله تعالى لبيوته، ويكون استقبال القبلة إيماء إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب، وهو الأول بوضع الله له - ﷾ – ومن ثم كان التعبير بالرضا في محله الاسمى، وجاء مع قبلة أهل الكتاب بالتعبير بالهوى، وهو الميل إلى غير الحق فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥].
ثم جاء قوله مباشرة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾، تفريعًا على الوعد، وجاء معقبًا بالفاء تعجيلًا بهذا الوعد، واختص به النبي - ﷺ - لما فيه من إرضائه بجميل رغبته، وسيعقبه بقوله تشريكًا للامة معه بقوله سبحانه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وهو تنصيص على تعميم حكم استقبال الكعبة لجميع المسلمين لجميع أقطار الأرض، لئلا يظن أن الخطاب خاص بالنبي - ﷺ - أو ببعض الاماكن في مكة أو المدينة، أو ببعض جهات الكعبة. (١)
أما فائدة قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قبل: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾، وهلا قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، ففائدته إظهار الاهتمام برغبة النبي - ﷺ -، وأنها في محل تقدير الله، إذ كل ذلك منه لرضاء ربه وقيامه بأوامره أفضل القيام، وأن رغبته ورضاه بحيث يعتنى بها، كما دل عليه وصف القبلة بجملة: ﴿تَرْضَاهَا﴾ (٢).
_________________
(١) انظر الالوسى، روح المعانى (٢/ ١٥)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٨)، والطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٣٠).
(٢) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٢٨).
[ ٤٧٩ ]
وهنا يبين عظيم قدره، وعلو درجته - ﷺ - في خضم تلك الأحداث الكبيرة؛ التى هبت سمومها على المسلمين في تلك الآونة، لتؤكد لهم ارتباطه - ﷺ - بالسماء، ولتربط على قلوبهم، ولتدعم خطوات اتباعها التى ذكرت الحكمة فيها ومن أجلها.
وننهى الكلام على هذه الآية بالحديث عما ختمت به قبل العودة إلى فهم معنى التوجه ومقصوده إلى القبلة، وختم الآية هو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
وهذا التذييل والختم للآية يبين أمرين واضحين في جملة ما وضَّحت دلالة وإشارة:
الأول: وهو أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون بصدق سيدنا محمد - ﷺ - حسب البشارة به في كتبهم وأن ذلك يتضمن أن ما جاء به الحق، خاصة وقد عبرت الآية بأوتوا الكتاب دون أن يقال أهل الكتاب لتشير إلى أن المقصود أحبار اليهود وأحبار النصارى، وهم العالمون منهم، والأظهر كذلك أن المراد من بقى منهم على الكفر، فصوغ الكلام على أنهم يخالفون ما يعملون، بانكارهم تحويل القبلة مع علمهم كما ذكرت الآية: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، بأسلوب القصر الذى يدل على أن تغيير القبلة هو الحق دون غيره، وهو المبشر به في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم.
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾، كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنعهم، وهو عملهم بغير ما علموا بسبب المكابرة والعناد والسفه؛ لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه. ويستلزم وعيدهم هذا المقام الخطابى وعدًا للمسلمين على عظيم منزلتهم؛ لأن الوعيد لهؤلاء السفهاء ترتب على مخالفتهم للمؤمنين، فلا جرم سيلزم للمؤمنين جزاء على اتباعهم لتغيير القبلة. (١)
_________________
(١) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٨)، والطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٣٤)، والألوسى، روح المعانى (٢/ ١٥ - ١٦).
[ ٤٨٠ ]
أما العود الذى نوهنا إليه آنفًا فهو أن من عمل المؤرخ أن ينظر في الباعث على الحدث التاريخى، ومعرفة أسبابه وكوامنه وعلله، ولذا ينبغى النظر بعد الاشارة الأولى التى سبقت الكلام على القبلة، إلى مقصود هذا الأمر وباعثه على حسب ما استقر من فهم الشرع والواقع.
ونسارع بالقول أن الباعث على استقبال القبلة باعث عظيم، خاصة وقد بُدِأَ في وضع اللبنات كلها في صرح الإسلام العظيم، عقيدة وعبادة وسلوكًا ودعوة إلى آخره، ليكون تأسيسًا وتأصيلًا لا انفصام فيه ولا تراجع عن ثوابته وما يحقق غاياته وأهدافه ولشرح ذلك الباعث وتبيينه يقال: إن مقصود الصلاة العبادة والخضوع لله تعالى، وبمقدار استحضار المعبود يقوى الخضوع له، فتترتب عليه آثاره الطيبة في إخلاص العبد لربه وإقباله على عبادته، وذلك ملاك الامتثال والاجتناب. ولهذا جاء في الحديث: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). ولما تنزه سبحانه عن أن يحيط به الحس تعين لمن يحاول أن يستحضر عظمته أن يجعل له مذكرًا به من شيء له انتساب خاص به. (٢)
يقول الفخر الرازى: إن الله تعالى خلق في الانسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلى مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية بحسبها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعانى العقلية ، إلى أن يقول: ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم، فإنه لابد أن يستقبله بوجهه وأن لا يكون معرضًا عنه، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه، ويبالغ في الخدمة والتضرع له فاستقبال القبلة في الصلاة يجرى مجرى كونه مستقبلًا للملك لا معرضًا
_________________
(١) البخاري، الصحيح (٤٨)، مسلم، الصحيح (٩).
(٢) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٣٠).
[ ٤٨١ ]
عنه، والقراءة والتسبيحات تجرى مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود يجرى مجرى الخدمة.» (١)
فإذا تعذر استحضار الذات المطلوبة بالحس فاستحضارها يكون بشيء له انتساب إليها مباشرة كالديار، أو بواسطة كالبرق والنسيم ونحو ذلك، أو بالشبه كالغزال عند المحبين، وقال مالك بن الريب:
دَعانى الهَوى من أهْلِ وُدّى وجيرتى بذِى الطّيّسَيْنِ فالتفتُّ وُرائيَا
والله تعالى منزه عن أن يحيط به الحس فوسيلة استحضار صفاته هي استحضار ما فيه مزيد دلالة عليه سبحانه من الصفات.
لا جرم أن أوْلى المخلوقات بأن يجعل وسيلة لاستحضار صفات الخالق في نفس عبده هي المخلوقات التى كان وجودها لأجل الدلالة على توحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال، مع تجريدها عن كل ما يوهم أنها المقصودة بالعبادة، وتلك هي المساجد التى بناها إبراهيم - ﵇ -، فبنى الكعبة أول بيت، وبنى مسجدًا في مكان المسجد الأقصى وغير ذلك.
فإذا استقبل المؤمن بالله شيئًا من البيوت التى أقيمت لمناهضة أهل الشرك، وللدلالة على توحيد الله وتمجيده، كان من استحضار صفات الخالق بما هو أشد أضافة إليه.
لكن هذه البيوت على كثرتها لا تتفاضل إلا بإخلاص النية وكونها مبنية لذلك، وسابقة فيه، لأن السابق الدال لمؤسس اللاحق على تأسيسه، قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقال في مسجد الضرار: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، لأنه أسس بنية التفريق بين المؤمنين وإرصاد لمن حارب الله ورسوله - ﷺ -.
_________________
(١) الفخر الرازى، التفسير الكبير (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
[ ٤٨٢ ]
وللأسبقية قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]، فجعله هدى للناس لأنه أول بيت، فالبيوت التى أقيمت بعده كبيت المقدس من آثار اهتداء من بناها بالبيت الأول.
فلا شك أن أول بناء أقيم لتوحيد الله تعالى وتنزيهه وإعلان ذلك، وإبطال الاشراك هو الكعبة، وبناها أول من حاجَّ الوثنيين بالأدلة، وقاومهم بجعل أصنامهم جذاذًا، ثم قام بأمر الله تعالى بهذا البناء المهيب توحيدًا وذكرا؛ ليعلم كل من أتى سبب بنائه، ومضت على ذلك العصور، وتمضى إلى يوم القيامة تذكر رؤيته بالله مع مزية الأولية الباقية، وميزة بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ له بأيديهما دون معونة أحد ولذلك فهو أعرف في الدلالة على التوحيد والرسالة معًا، وهما قطبا إيمان المؤمنين وفي هذه الصفة لا يشاركه غيره. (١)
ثم سن الحج إليه لتجديد هذه الذكرى، ولتعميمها في الأمم الأخرى، فلا جرم بعد ذلك كله أن يكون أَوْلى الموجودات بالاستقبال لمن يريد استحضار جلال الربوبية الحقة، وما بنيت بيوت الله تعالى كالمسجد الأقصى إلا بعده بعدة قرون فكان حريًا أن يكون قبلة كل من أسلم لله تعالى، وقبلة الرسول - ﷺ - وقبلة المؤمنين معه بالأولية.
وما كان استقبال الرسول - ﷺ - لبيت المقدس إذن إلا لهذه الحكم التى ذكرنا، وكان في التحويل بعد ذلك إلى الكعبة علاوة على ما سبق بشارة للنبى - ﷺ - بأن أمر قريش قد أشرف على الزوال، وبالتالى ستكون وقعة بدر هي الفيصل بين المسلمين وبينهم لذا كان موضوع القبلة بهذا القدر اليسير - الذى يظن به الطول – من أهم الموضوعات الفارقة التى توجه المؤمنين المتقين الوجهة الصحيحة بإخلاص القصد والوجه لله تعالى وبداية للتمايز الذى لا مفاصلة فيه بغير غبش ولا ضبابية بين رافعى راية الله وغيرهم في كل سلوكهم، وتأكيدًا
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٢/ ٣٠ - ٣٢).
[ ٤٨٣ ]
بعد تأكيد لهذه العقيدة الحقة التى لا تريد إلا الإخلاص لا تبتغى علوًا في الأرض ولا فسادًا، وإنما تريد علوا للإيمان وأن يرفرف على أرجاء المعمورة رافعًا تكبير الله وحكمه؛ لتصل الأرض بالسماء، مع استعلاء المؤمنين بدينهم لاتصالهم بخالقهم ومعبودهم، مع المناداة حين كل توجه للقبلة بالمساواة والعدل الرحمة وبأن الشرف والكرم والمكانة للتقوى قلبًا وقالبًا، مع تحقيق روح الإخوة والتكافل والتضامن وإنكار الذات، مع التذكير في كل مناداة بأن كل المؤمنين في الأرض جميعها متجهون نفس الوجهة يدعو أقصاهم لأقصاهم وأعلاهم لأدناهم، ويحزن المتوارى وراء السهول والوديان والجبال للقريب منه والبعيد إذا مسه إذى أو أصابته لأواء، يرجو أن يمكن أن يفديه بماله ونفسه، ويفر ح ويتهلل لكل خبر يأتيه عن سرور إخوانه بنصر أو بما ينشرح به الصدر. وكثير بعد ذلك لا يحوطه به العد، ولا يدخل تحت الحصر إن ما ماجت به المدينة المنورة من جراء تحويل القبلة لم يكن أمام ذرة مما رأينا شيئًا ذا بال، بعدما توالت تلك الحكم وظهرت تلك المنح الآلهية لمن يتبع الرسول - ﷺ -. جاءت غزوة بدر تتويجًا لهذا الاستكمال لهذا التوجه، مع تربية المؤمنين على القيام بضرائب وتكاليف هذا التوجه، وما أوتى من أوتى منهم بعد ذلك في مواقف انكسار إلا بغياب شيء من هذه التوجيهات.
[ ٤٨٤ ]
المبحث الثاني
غزوة بدر في السيرة المشرفة
وصل حديث ما سبق من السيرة، إلى تلك النتيجة المتوقعة بين المسلمين وكفار قريش، وهي ذلك الصدام الدامى، فكانت غزوة بدر الكبرى، فبالرغم من تهديد المسلمين لطرق قريش التجارية إلى الشام، لم يشتبكوا مع قوافل قريش في قتال حاسم، حتى هذه المرحلة، مما جعل قريشًا تواصل إرسال قوافلها التجارية، مع تأمين الحراسة لها، ومع ذلك كان المسلمون لها بالمرصاد؛ فلما بلغهم تحرك قافلة كبيرة لقريش، تحمل أموالًا عظيمة لها، عائدة من الشام، يحرسها ثلاثون أو أربعون رجلًا، بقيادة أبى سفيان بن حرب (١)، أرسل
رسول الله - ﷺ - بَسْبَس بن عمرو إلى بدر، لاستطلاع أخبار القافلة، فلما رجع إليه، ندب المسلمين إليها، وقال - ﷺ -: «هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعل الله ينفكلموها» (٢).
خرج النبي - ﷺ - بمن كان مستعدًا - متعجلًا، لئلا تفوتهم القافلة، دون أن ينتظر من رغب في الخروج من سكان العوالى ليأتى بظهره (٣)؛ ولذا لم يعاتب أحدًا تخلف عنها (٤)، فكان
_________________
(١) رواه ابن اسحاق باسناد حسن، ابن هشام (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) تحقيق محمد فهمى السرجانى وآخر، المكتبة التوفيقية ط ١، وانظر ابن حزم، جوامع السيرة (١٠٧).
(٢) المصدر السابق، أما حديث بَسْبَس فهو ثابت في صحيح مسلم (١٩٠١)، وانظر شرح النووى للحديث، وضبط الإسم تصحيحًا وتصحيفًا، والحديث كذلك في ترجمته في الإصابة لإبن حجر (١/ ٩٨)، وانظر د. أكرم العمرى السيرة (٣٥٤)، د. مهدى رزق الله السيرة (٣٣٧).
(٣) مسلم من حديث أنس (١٩٠١)، وكذا الطبرانى كما في مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٦٧) وقال: رجاله ثقات.
(٤) البخاري من حديث كعب بن مالك (٤٤١٨).
[ ٤٨٥ ]
جيش المسلمين لا يمثل كل طاقاتهم العسكرية؛ فإنهم خرجوا لملاقاة القافلة، ولم يعلموا أنهم سيواجهون جيش قريش.
كان تعدادهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا (١)، منهم مائة من المهاجرين، وبقيتهم من الأنصار. هذه رواية الزبير بن العوام، أما رواية جابر - وقد رده الرسول - ﷺ - في بدر
لصغره - أن المهاجرين يزيدون على الستين، والأنصار يزيدون على الأربعين ومائتين (٢).
وقد أذن رسول الله - ﷺ - لحذيفة بن اليمان، ولأبيه - ﵄ - بعدم الخروج معه لأنهما كانا قد وعدا كفار قريش بعدم القتال معه؛ فطلب منهما الوفاء بعهدهما (٣).
التحق أحد شجعان المشركين بالنبي - ﷺ - في الطريق، ليقاتل مع قومه، فرده رسول الله - ﷺ - وقال: «ارجع، فلن استعين بمشرك»؛ كرر الرجل المحاولة، فلم يقبل النبي - ﷺ - فأسلم الرجل والتحق بالمسلمين (٤). وهنا تظهر قضية العقيدة بصبغتها الإسلامية، خاصة في أول معركة يقاتل فيها المسلمون.
كان مع المسلمين فَرَسان، وسبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، وكان أبو لبابة، وعلى بن أبى طالب زميلى رسول الله - ﷺ -، فعندما جاء دوره - ﷺ - في المشى، قالا له: «نحن نمشى عنك» فقال لهما: «ما أنتما بأقوى منى، ولا أنا بأغنى عن الأجر
_________________
(١) هذه رواية البخاري، فتح الباري (٣٩٥٦ - ٣٩٥٩)، وعند مسلم بالجزم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، وهو الأولى ذكره أحمد محمد العليمى باوزير، مرويات غزوة بدر رسالة ماجستير منشورة، مكتبة طيب (ط ١) ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠ م، انظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٣٧).
(٢) البخاري، فتح الباري (٣٩٥٦)، وانظر كلام ابن حجر على الروايات المختلفة في ذلك.
(٣) النووى، شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٤٤)، دار الفكر بيروت ينقل من طبعتنا.
(٤) النووى، شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٩٨) ينقل كذلك من طبعتنا، وانظر د. أكرم العمرى، السيرة النبوية الصحيحة (٣٥٥).
[ ٤٨٦ ]
منكما» (١)، وهذا من أروع المواقف - مواقف هذا النبي - ﷺ -، ومواقف الإسلام - عندما يستوى القائد والجند في التحمل والبذل، أن يمشى القائد وجنده راكبون، يطلب الأجر بإخلاص وصدق، ويحرص عليه أشد من حرص جنوده، بل ويسابق جنده في تحمل المشاق، ويقاسمهم الآلام والمتاعب، حائزًا فيها النصيب الأعظم، ولا يرضى إلا أن يكون أمامهم في مواجهتها؛ إن ذلك مما يدفعهم إلى التضحية والفداء، متطلعين إلى رضوان الله وثوابه؛ وقد رأينا ذلك في بدر كما سنذكر - إن شاء الله - شيئًا من سيرتهم.
في الطريق، عند بلوغهم الروحاء - مكان على بعد أربعين ميلًا من المدينة - رد رسول الله - ﷺ - أبا لبابة، وأَمَّره على المدينة، وكان قد جعل ابن أم مكتوم على الصلاة، وأصبح مرثد بن أبى مرثد مكان أبى لبابة في زمالة الرسول - ﷺ - على البعير (٢).
لما علم أبو سفيان بالخطر المحدق بقافلة قريش ورجالها، خاصة وقد تكرر ذلك من المسلمين سأل مجدى بن عمرو - عندما اقترب من بدر - عن جيش الرسول - ﷺ -، فأخبره براكبين أناخا إلى تل، عرف أبو سفيان أنهما من المدينة فأسرع تاركًا الطريق الرئيسى على يسار بدر إلى الساحل، وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري يستنجد بقريش (٣).
لما علمت قريش الخبر أخذت في الاستعداد للخروج على عجل لإنقاذ عيرها ورجالها، ولتلتقى بالمسلمين في حرب تريد أن تقضى فيها عليهم، لتستريح من الدعوة ورجالها، وما يهدد تجارتها.
_________________
(١) أحمد، المسند (٦/ ٣ طبعة شاكر)، وقال الشيخ شاكر: اسناده صحيح، وقد أخرجه الحاكم (٣/ ٢٠)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.
(٢) انظر ابن هشام السيرة النبوية (٢/ ١٨٧)، في قضية بدر بإسناد حسن، وابن كثير، البداية والنهاية (٣/ ٢٨٥).
(٣) ابن هشام السيرة النبوية (٢/ ١٨٣).
[ ٤٨٧ ]
وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا في المنام قبل مجيء ضمضم؛ أن رجلًا استنفر قريشًا وألقى بصخرة من رأس جبل أبى قبيس بمكة، فتفتت ولم تترك دارًا من دور قريش إلا دخل فيها بعضها، وأثارت الرؤيا خصومة بين العباس بن عبد المطلب وأبى جهل حتى قدم ضمضم وأنذرهم خبر القافلة، فصدق الله رؤيا عاتكة (١).
كانت قريش في أشد حالات الغضب، لقد رأت فيما حدث امتهانًا لكرامتهًا وحطًا لمكانتهًا بين العرب، فضلًا عن ضرب مصالحها الاقتصادية، لذلك أسرعت في الخروج، وحاوت أن تجند كل طاقتها عددًا وعدة، فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبى لهب، ولكنه أرسل رجلًا مكانه لدين عليه (٢)، فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلًا.
أما أبو سفيان فقد نجا بالقافلة وزال الخطر، بعد أن سلك الساحل تاركًا بدرًا؛ وكان جيش قريش قد وصل الجحفة (٣)، فأرسل إليهم يخبرهم بنجاة القافلة، وأن يعودوا إلى مكة.
وهمَّ جيش مكة بالرجوع، ولكن أبا جهل رفض ذلك، قائلًا: «والله لا نرجع حتى نَرِد بدرًا فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجزور ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فامضوا» (٤).
_________________
(١) رواه الحاكم، المستدرك (٣/ ١٩)، وذكره ابن كثير، البداية والنهاية، من طريق ابن اسحاق وبإسناد حسن إلى عروة ولكنه مرسل، ولكن الروايات تعضد صحة الواقعة، الاصابة (٤/ ٣٤٧)، الهيثمى، مجمع الزوائد (٦/ ٧٢)، وانظر د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٥٦)، د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٣٩).
(٢) ابن اسحاق في قصة بدر، ابن هشام السيرة النبوية (٢/ ١٨٥).
(٣) على ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة. انظر معجم البلدان، الحموي (١/ ٤٧٥).
(٤) الطبرى، التفسير (١٣/ ٥٧٩) بإسناد حسن. تحقيق شاكر، وهو رواية ابن اسحاق لغزوة بدر، ابن هشام السيرة (٢/ ١٩٢).
[ ٤٨٨ ]
وكان عدد الجيش قد بلغ ألفًا (١)، معهم القيان يضربن بالدفوف، ويتغنون بهجاء المسلمين (٢).
خالف بنو زهرة كلام أبى جهل، ورجع الأخنس بن شريق بهم، وكذلك طالب بن أبى طالب، لما اتهمهم - أي بنى هاشم - من اتهم من قريش بأن هواهم مع محمد - ﷺ -.
تقدم جيش المشركين - مع ذلك - حتى نزلوا قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى (٣)، وتبين بذلك أن هدفهم ليس إنقاذ القافلة، بل تأديب المسلمين، وتخليص طرق التجارة من تعرضهم، وإعلاء شأن قريش وهيبتها عند العرب.
أما عن المسلمين، وقد وصلوا بدرًا لملاقاة القافلة غير مستعدين لغير ذلك من مواجهة الجيش المكى، وخشى فريق من المؤمنين من لقاءٍ لم يتجهزوا له بكامل عدتهم وعتادهم، فجادلوا الرسول - ﷺ - في ذلك، وفيها نزل القرآن الكريم (٤): ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٧].
فقام النبي - ﷺ - باستشارة الصحابة بعد أن أخبرهم بالموقف وما عزمت عليه قريش (٥)، فقام من قادة المهاجرين أبو بكر - ﵁ -، فقال وأحسن، وقام عمر - ﵁ - فقال وأحسن، وقام
_________________
(١) النووى، شرح صحيح مسلم (٢/ ٨٤).
(٢) ابن كثير، البداية والنهاية (٣/ ٢٦٠) وذكر ابن اسحاق أنهم كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلًا معهم مائة فرس، ومعهم القيان.
(٣) ابن هشام، السيرة النبوية (٣/ ١٩٣).
(٤) سنعود إليها إن شاء الله في عرض السيرة في القرآن الكريم مع المقارنة والتحليل.
(٥) ابن اسحاق، ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٨٩)، وإسناده صحيح. وانظر د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٥٨).
[ ٤٨٩ ]
المقداد بن عمرو - ﵁ - فقال: «يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه»، فقال له الرسول - ﷺ - خيرًا ودعا له.
ثم قال - ﷺ - أشيروا علىَّ أيها الناس (٢)؛وإنما يريد أن يسمع كلام الأنصار؛ أدرك سعد بن معاذ - ﵁ - ذلك فقال للنبى - ﷺ -: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟» قال: «أجل» قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق إلى آخر الرواية التى ذكرنا من قبل (٣).
فَسُرَّ - ﷺ - بقول سعد - ﵁ - ونشطه، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدنى
إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن انظر إلى مصارع القوم» (٤) وعندما وصل رسول الله - ﷺ - قريبًا من الصفراء أرسل بَسْبَس بن عمرو الجهنى، وعدى بن أبى الزغباء الجهنى إلى بدر، يتحسسان له الأخبار عن أبى سفيان وعيره (٥)، وقيل أن النبي - ﷺ - خرج بنفسه هو وأبو بكر - ﵁ -، لذلك عرفا بالضبط مكان جيش المشركين (٦)، وفي مساء يومه ذلك أرسل - ﷺ - عليًا
_________________
(١) برك الغِماد: بالكسر ويجوز فيها الضم، وهو موضع وراء مكة، بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن، دفن عنده عبد الله بن جُدعان، انظر معجم البلدان، الحموي (١/ ٢٨٣).
(٢) لأن بيعة العقبة اشترط فيها الأنصار منعة رسول الله - ﷺ - عندما يبلغ المدينة، وأن دستور المدينة يحتم عليهم الدفاع مع النبي - ﷺ - ضد من دهم يثرب، وظن النبي - ﷺ - أن الأنصار تعلم أن ليس عليها أن يسيروا مع النبي - ﷺ - إلى عدوهم.
(٣) انظر صـ ٥٣.
(٤) ابن اسحاق وعنه ابن هشام، السيرة النبوية (١/ ١٩٠)، وخبر هذه المشورة في بدر ثابت في البخاري (٣٩٥٢)، ومسلم (١٧٧٩)، وانظر ابن حجر، فتح الباري (١٥/ ١٥١)، وحاشية تخريج سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٠)، د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٤٢).
(٥) ابن اسحاق، ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٨٨ - ١٨٩) من حديث بدر الصحيح عند ابن اسحاق.
(٦) ابن هشام السيرة (٢/ ١٩٠)، وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٤٣).
[ ٤٩٠ ]
والزبير وسعد بن أبى وقاص فأسر ساقيين من سقاة قريش وأتوا بهما النبي - ﷺ - وهو يصلى، وبعد الصلاة استجوبهما فعرف منهما عدد قريش مما ينحرون من الجزور، وذكروا له من بالجيش من أشراف مكة (١)، فقال الرسول - ﷺ - لأصحابه: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» (٢). وأشار - ﷺ - إلى أماكن مصارع بعض قادة قريش فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله - ﷺ - (٣).
سبق الرسول - ﷺ - قريشًا إلى ماء بدر ليحول بينهم وبين الماء، وعندما استقروا في المكان، بنوا لرسول الله - ﷺ - عريشًا - شبه خيمة - ليكون مقرًا للقيادة وظلًا للقائد (٤).
ومما طمأن الله به المؤمنين ..
إنزال المطر تلك الليلة على معسكر المؤمنين، ووبالًا شديدًا على المشركين، وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١]) (٥) (، فكان دهسًا للمؤمنين، ثبت به أقدامهم، وربط على قلوبهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان.
كذلك من نعمه تعالى عليهم وفضله الذى تقووا به على ملاقاة الكافرين يوم بدر، إلقاء النعاس عليهم، وإنه لمن المنن عظيمة، أن ينام الجند في وقت الخطر لملاقاة عدوهم،
_________________
(١) مسلم (١٧٧٩)، وأحمد في المسند (٢/ ١٩٣) وهو صحيح الإسناد عند الشيخ أحمد شاكر، وقد صحح إسناد أحمد الهيثمى في مجمع الزوائد (٦/ ٧٦) فقال: رجال أحمد رجا الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة، وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية المصدر السابق نفس الموضع.
(٢) ابن اسحاق، ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٩١).
(٣) مسلم (١٧٧٩)، في قصة غزوة بدر.
(٤) قصة العريش ثابتة بأحاديث صحيحة كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن اسحاق (٣/ ٣١٢)، وورد في حديث ابن عباس عند البخاري (٤٨٧٧)، وهو في قبة إلى آخر الحديث، وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٤٦).
(٥) الخبر عند أحمد، المسند تحقيق أحمد شاكر (٢/ ١٩٣)، وعند ابن هشام (١٩٣)، وابن كثير البداية والنهاية (٣/ ٢٩٢)، والتفسير له (٣/ ٥٤٦ - ٥٦٤).
[ ٤٩١ ]
فإنه راحه لهم، وأمنة عليهم، يقومون بعده بروح عالية مطمئنة واثقة، مع استجمام أبدانهم المرهقة، ليرفعوا راية الله الذى لم يتركهم، وفعل لهم ما لا يستطيع أحد أن يقوم به. وفي ذلك يقول الحق تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (١).
وكذلك أوقع الخلاف في صفوف العدو، فقد روى أن عتبة بن ربيعة من صناديد قريش قام خطيبًا ليثنى قومه عن القتال، لأنه علم أن المسلمين لن يموت منهم أحد حتى يقتل واحدًا أمامه من المشركين (٢)، ولذا قال النبي - ﷺ -: «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا (٣)»، وكان ذلك عتبة بن ربيعة، واتهمه أبو جهل بالخوف حتى ذعر لذلك وقام مقاتلًا.
موقف الرسول - ﷺ -:
كان موقف النبي - ﷺ - في بدر يُنِمُّ عن اتصال الأرض بالسماء، مع اتخاذ كل الأسباب المادية والمعنوية لقتال العدو، ثم تقدم هو - ﷺ - أمام الجند المقاتلين كافة.
أما عن استنفاد السبل المادية والمعنوية ..
فقد عسكر النبي - ﷺ - في مكان أفضل من مكان قريش، أرضًا وماءً، وعبأ قواته بطريقة جديدة لا تعرفها قريش (٤)، وهي تعبئة الصفوف ليقلل بها من خسائر الجيش الإسلامي،
_________________
(١) أحمد، المسند (٢/ ١٩٣).
(٢) وفيه قصة عمرو بن وهب الجمحى حيث أرسلته قريش ليعلم لهم عدد المسلمين، فرجع وأخبرهم ولكنه قال: «قد رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فَرَوْا رأيكم، والحديث سبب اعتراض عتبة بن ربيعة على القتال، وقد رواه ابن اسحاق - ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٩٤)».
(٣) أحمد، المسند (٢/ ١٩٣).
(٤) غير طريق الكر والفر التي تجيدها قريش.
[ ٤٩٢ ]
وفيها مزية السيطرة، لكامل قوة الجيش، والتأمين لعمق الجيش، حتى تبقى دائمًا بيد القائد قوة احتياطية في الخلف يعالج بها المواقف التى ليست في الحسبان (١).
اتخاذ الخيمة - العريش - لإدارة المعركة: وقد سبق.
القتال بنفسه - ﷺ -:
حيث أصدر أمره - ﷺ - لأصحابه قائلًا: «لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» (٢)، وكذلك ورد عن على - ﵁ - قوله: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله - ﷺ -، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا» (٣)، لذا قال ابن كثير: «وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالًا شديدًا، ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق، كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا، فحثا على القتال وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين» (٤).
عن التعبئة المعنوية للجند:
فأول ما قال - ﷺ - محرضًا على القتال والثبات ومواجهة الكفرة، مع البذل والتضحية في سبيل الله ﷾: «والذى بنفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» (٥)، وفي رواية مسلم (٦)، أنه عندما دنا المشركون قال
_________________
(١) د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٦١)، نقلًا عن اللواء. محمود شيت خطاب في كتابه الرسول القائد (٧٨ - ٧٩).
(٢) مسلم، الصحيح (١٩٠١).
(٣) أحمد المسند بتحقيق شاكر (٢/ ٦٤)، وقال: إسناده صحيح.
(٤) ابن كثير، البداية والنهاية (٣/ ٣٠٦).
(٥) ابن اسحاق - ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٩٨).
(٦) مسلم، الصحيح (١٩٠١)، وابن سعد (٢/ ٢٥)، باختصار د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٤٩).
[ ٤٩٣ ]
رسول الله - ﷺ -: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض»، وعندما سمع ذلك عُمير بن الحُمام الأنصارى، قال: يارسول الله: أجنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» قال: بخٍ بخٍ فقال رسول الله - ﷺ -: «ما يحملك على قول بخٍ بخٍ» قال: لا والله يارسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: «فإنك من أهلها»، فأخرج تمرات من قَرَنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة. قال: «فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل»، وقال كذلك عندما سأله أحد الصحابة، وهو عوف بن الحارث: يا رسول الله ما يُضحك الربُ من عبده، قال: «غَمْسَه يَدَه في العدو حاسرًا»، فنزع درعًا كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل» (١)، ثم أخذ الرسول - ﷺ - في توجيه أوامر الحرب قائلًا: «إذا أكثبوكم فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» (٢).
أما ارتباط الأرض بالسماء في شخصه الكريم، طلبًا للنصر من الله تعالى، وتعلقًا بخالق الأسباب جل وعلا، فقد ظهر في دعائه لربه، واستغاثته واستنصاره به، مما يبين توكله على الله، لا على الأسباب، واستكماله لكل قوى النصر، ويقينه بأن النصر من عند الله تعالى، فوجدناه منفردًا بربه ليلة بدر يدعوه، يقول الإمام على بن أبى طالب - ﵁ -، في وصف تلك الليلة، ليلة السابع عشر من رمضان سنة اثنين من الهجرة وأمامهم معسكر المشركين: «لقد رأيتنا يوم بدر وما منَّا إلا نائم، إلا رسول الله - ﷺ -، فإنه كان يصلى إلى شجرة حتى أصبح ».
ويبدو أن رسول الله - ﷺ - أراد أن يريح جيشه تلك الليلة، فقام هو بنفسه بحراستهم (٣)،
_________________
(١) رواه ابن اسحاق - ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ١٩٩)، وهو مرسل.
(٢) البخاري، فتح الباري (٥/ ١٧٣ / ٣٩٨٥/ ١٢ / ٤٨/ ٢٩٠٠).
(٣) الحديث رواه أحمد، المسند، الفتح الربانى (٢١/ ٣٠ - ٣٦)، بإسناد صحيح، انظر د. أكرم العمرى، السيرة النبوية الصحيحة (٣٦٠ - ٣٦١).
[ ٤٩٤ ]
وفي صبيحة يوم بدر، عندما تراءى الجمعان، ما زال الرسول - ﷺ - يهتف بربه موصولًا قلبه به، يقول على بن أبى طالب - ﵁ -، دعا رسول الله - ﷺ - ربه قائلًا: «اللهم هذه قريش، قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى، اللهم أحنهم الغداة» (١)، وحكى كذلك عمر بن الخطاب - ﵁ - إكثار النبي - ﷺ - من الدعاء يوم بدر، قائلًا: «لما كان يوم بدر، نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبى الله - ﷺ - القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم انجز لى ما عدتنى، اللهم آت ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه مادًا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر - ﵁ -، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبى الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]، فأمده الله بالملائكة. وقد خرج من العريش وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥] (٢).
وارتباطه - ﷺ - بالسماء في مثل هذا الموقف، دليل الوحى والرسالة والنبوة، إذ من يدعو
النبي - ﷺ - ويناشده غير رب الأرض والسماء، لينصره على قريش في موقع لا يظن به النصر، وهو مستيقن بذلك النصر، يبشر به أصحابه، لو وقع غير ذلك ما قامت للدعوة قائمة.
_________________
(١) الخبر رواه ابن هشام (٢/ ١٩٤)، وثبت صحيحًا من قول أبى جهل يومها استفتاحه ودعاؤه بقوله: اللهم أقطعنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه فأحنه - أي أهلكه - الغداة، فكان هو المستفتح أي الحاكم على نفسه فجاءه الفتح بقتله وهزيمتة قريش ليثبت صدق النبي - ﷺ - وأنه النبي، وأن ربه قد إستجاب له وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال: ١٩]، وخبر أبى جهل رواه أحمد: الفتح الربانى (٢١/ ٤٤)، والطبرى في التفسير (١٣/ ٤٥٤)، وصححه شاكر، والدعاء إلى قول الراوى فكان هو المستفتح رواه ابن اسحاق - ابن هشام (٢/ ١٩٩).
(٢) من رواية مسلم (ح ١٧٦٣)، وفيه من رواية البخاري كذلك جزء (ح ٤٨٧٥ - ٤٨٧٧)، وكذلك أحمد في المسند (٥/ ١٨)، صحح الشيخ شاكر إسناده، وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٤٧).
[ ٤٩٥ ]
بدء المعركة:
وابتدأت المعركة بالمبارزات الفردية، وقبل المبارزة والقتال، خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى، يريد هدم حوض ماء المسلمين، فقال: «أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه» وتصدى له حمزة - ﵁ -، وضربه ضربة أطارت قدمه بنصف ساقه، ثم حبا إلى الحوض مضرجًا بدمائه ليبر قسمه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض» (١).
خرج للمبارزة ثلاثة من فرسان قريش، وهم عتبة بن ربيعة، وشيبة أخوه، والوليد بن عتبة، فخرج إليهم شباب من الأنصار، فلم يقبلوا بغير بنى عمومتهم من المهاجرين، فأمر الرسول - ﷺ - حمزة، وعبيدة بن الحارث، وعليًا بمبارزتهم، وقد قتل حمزة عتبة، وقتل علىُّ شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد بن عتبة، وجرح كل واحد صاحبه، فأعان حمزة وعلى عبيدة على قتل الوليد، واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين (٢).
أثرت – لا شك - هذه البداية السيئة على المشركين، وألقت في قلوبهم، بظلال قاتمة النتيجة، وَخِيمَةِ العاقبة، في الوقت الذى بدأ المسلمون معركتهم، وهم في أعلى درجات القوة الإيمانية، والاستبشار بالنصر وحسن العاقبة.
جعلت هذه البداية قريشًا تبدأ بالهجوم على المسلمين، فردوهم بالرمى بالنبل منفذين أوامر الرسول - ﷺ -، ثم بدأ الالتحام والقتال، وحمى الوطيس، وأخذ النبي - ﷺ - كفًا من حصى،
_________________
(١) ابن اسحاق، وذكره ابن هشام (٢/ ١٩٦).
(٢) أبو داود، السنن (٢٦٦٥)، وقال الحافظ في الفتح: " وهذا أصح الروايات (١٥/ ١٦٢)، طبعة الكليات الأزهر، وانظر الإمام أحمد، المسند (٢١/ ٣١ - ٣٢)، الفتح الربانى للساعاتى، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٦/ ٧٦)، ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة ". وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية من مصادرها الأصلية (٣٥٠).
[ ٤٩٦ ]
فرمى به وجوه القوم، فما بقى منهم أحد إلا امتلأت عيناه من الحصباء وفيها نزلت الآية:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] (١).
قُتل في هذه الملحمة سبعون من قريش، وأُسِر مثلهم، وكان يصرع في المواضع التي بَيَّنها الرسول - ﷺ - لأصحابه قبل المعركة، من ذكرهم بأسمائهم (٢)، وكان ممن قُتل من قادة قريش أبو جهل، عمرو بن هشام المخزومي، الذى وصفه رسول الله - ﷺ - بأنه فرعون هذه الأمة (٣)، قتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء - ﵄ -، في قصة في الصحيحين وأجهز عليه عبد الله بن مسعود - ﵁ - (٤).
ومنهم أمية بن خلف، الذى كان يعذب بلالًا - ﵁ - في مكة، أسره عبد الرحمن بن
عوف - ﵁ - وأسر معه ابنه عليًا، فرآه بلال - ﵁ - فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا؛ واستصرخ عليه الأنصار فأعانوه على قتله هو وابنه على (٥)، وكان وفاء النبي - ﷺ - حاضرًا آنئذ، كما هو حاله المشرف دائمًا، ولم ينسه في غمرة هذا الصدام الدامى، فأصدر توصياته بعدم قتل بعض المشركين ممن كان يقف مساعدًا للمؤمنين في مكة، وقت اضطهادهم وتعذيبهم، منهم أبو البخترى بن هشام، وكان ممن سعى في نقض صحيفة المقاطعة، ولم يؤذ النبي - ﷺ -، ومنهم نفر من بنى هاشم خرجوا مع قريش مكرهين، كالعباس بن عبد المطلب عم النبي - ﷺ -، والذى وقف بجواره طوال عهده بمكة، خاصة بعد وفاة عمه أبى طالب،
_________________
(١) الحديث فرواه الهيثمى في المجمع (٦/ ٨٤)، وقال رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح، وابن اسحاق - ابن هشام (٢/ ١٩٩)، وحسنه الألبانى في فقة السيرة (٢٢٨)، طبعة دار القلم دمشق ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
(٢) أحمد، المسند (١/ ٢٣٢)، بإسناد صحيح، د. أكرم العمرى، السيرة النبوية (٣٦٦).
(٣) الهيثمى، مجمع الزوائد (٦/ ٧٩)، من طريق الطبرانى وقال: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب ابن أبى كريمة وهو ثقة.
(٤) البخاري (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢).
(٥) البخاري، روى القصة بتمامها (٢٣٠١)، ورواه ابن اسحاق في قصة بدر - ابن هشام (٢/ ٢٠٢).
[ ٤٩٧ ]
وقد ذكر العباس - ﵁ - نفسه، أنه كان مسلمًا وإنما خرج مستكرهًا (١)، وعندما وصل أبا حذيفة كلامُ النبي - ﷺ - هذا، قال ذلك القول الذى ندم عليه بعد ذلك وهو: «أنقتل آباءنا وآبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه - أو لألجمنه - بالسيف، فبلغت مقالته رسول الله - ﷺ -، فقال لعمر: «يا أبا حفص! أيضرب وجه عم رسول الله - ﷺ -، بالسيف؟» فقال عمر: «يا رسول الله، دعنى فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق». فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عنى الشهادة؛ فقتل يوم اليمامة شهيدًا (٢).
وقد يظن بعضهم مثل هذا الظن من محاباة النبي - ﷺ - لأقربائه، ولكنه لا يظل خائفًا من هذا الظن، لا يعتقد غير الشهادة، والموت في سبيل الله هو الذى ينجيه منه، بل يظن
بالنبي - ﷺ - ذلك وهو لا يبالى بالوقوع الضال في عرضه الشريف، والبالغ أسوأ دركات الظن به؛ لأن قوله ذلك إنما هو عن الله تعالى، فهو لا ينطق عن الهوى - ﷺ -، هذا الأول في هذا الموقف، والتدليل على سوء الظن.
الثاني: أن الرسول - ﷺ - أمر بعدم قتل أبى البخترى، وليس عمًا له - ﷺ - ولا من أبناء عمومته، ولكن لمواقفه المشكورة مع المسلمين في مكة.
الثالث: في قول النبي - ﷺ -: «أيضرب وجه العباس عم النبي - ﷺ - بالسيف» ليس الاستفهام فيه لإنكار ضربه لكونه عم النبي - ﷺ -، وإلا فلِمَ منع قتل غيره، وهو ليس عمًا، أو قريبًا له - ﷺ -؟! فمحمل الكلام إذًا، أيضرب وجه العباس عمِّ النبي - ﷺ - الذى ليس هناك
_________________
(١) الطبرى، جامع البيان تحقيق الشيخ أحمد شاكر (١٤/ ٧٣)، وانظر د. أكرم العمرى: المجتمع المدنى (٥٥)، وانظر د. مهدى رزق، السيرة النبوية (٣٦٠).
(٢) باوزير، مرويات غزوة بدر (٢٦٨)، حيث ذهب إلى تصحيح السند حيث هو روايه ابن اسحاق لغزو بدر، وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٥٠).
[ ٤٩٨ ]
مثله، وقف موقفه مع الرسول - ﷺ -، وفعل وفعل للمسلمين، أيضرب وجهه مثل هذا بالسيف؟!
الرابع: أن هناك من بنى عمومته - ﷺ - من حضر بدرًا، كأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبى طالب، وغيرهم، ولم يأمر بتركهم ولا حماية حيواتهم.
الخامس: هذا الوفاء الفذ الذى كان يمكن أن يحمل النبي - ﷺ - على المن على جميع الأسرى بغير فداء للمطعم بن عدى - وقد مات كافرًا - وذلك في قوله - ﷺ -: «لو كان المطعم بن عدى حيًا ثم كلمنى في هؤلاء النتن لأطلقتهم له»، وما كان ذلك إلا لما قام به المطعم من حماية النبي - ﷺ -، وإجارته له عند دخوله مكة راجعًا مصابًا من الطائف.
وهذا يوضح لنا الرد على ما سنذكر من أقوال المستشرقين، واتهاماتهم للنبى - ﷺ - في غزوة بدر، بما سنذكر طرفًا منه.
كما يؤكد كذلك هذه الروح العالية، التى لا تنسى اليد التى امتدت لها خلال الضيق والأذى أن تكافئها؛ لا أن تقول: لو قتل هؤلاء أهذا كان جزائى الذى قدمته لهم؟! ألم يشفع عندهم ما بذلته لهم حال اضطهادهم وتعذيبهم وضعفهم؟! ألم تكن هذه يدًا بيضاء امتدت إليهم يومًا تغيثهم من شدة عانوها، أو محنة لاقوها؟! ولم تمتد لهم يومًا بأذى، فاستوت اليوم مع من آذوهم وعذبوهم؟! لم يكن الرسول - ﷺ - أبدًا كذلك، بل هو المثل الأعلى للوفاء الكامل.
نزول الملائكة:
لابد من الإشارة إلى مدد السماء في هذه الموقعة الأولى، بنزول الملائكة تؤيد المؤمنين، وتقاتل معهم، وذلك لأمرين:
[ ٤٩٩ ]
الأول: تبيين تأييد الله ﷾ لنبيه - ﷺ -، لما قال: اللهم نصرك الذى وعدت، إذ كيف يطلب - ﷺ - نصرًا من إله لم يرسله للناس، ولم ينزل عليه كتابه، ويخصه برسالته؟!
الثاني: تحاشى بعض المسلمين من ذكر ذلك، أو تأوله بالتأويلات الباطلة.
وفي ذلك الرد على المستشرقين المنكرين لنبوة ورسالة النبي - ﷺ -.
نسوق – بداية - شيئًا من الآيات القرآنية، تثبت الأمور الثلاثة:
الأول: وهي نزول الملائكة.
والثاني: نزولهم ببشارة المؤمنين بنصر الله تعالى، رفعًا لمعنوياتهم وإعلاء لإيمانهم ودينهم.
والثالث: مقاتلة الملائكة مع المؤمنين.
ونبدأ بهذه الآية لوضوحها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ (١) [الأنفال: ٩ - ١٠]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].
_________________
(١) والآية أرجع الطبرى الضمير فيها للمؤمنين.
[ ٥٠٠ ]
وأما الأحاديث ..
فأول ما يقابلنا فيها هو نزول جبريل - ﵇ -.
روى الأموى في مغازيه بإسناد حسن: «خفق النبي - ﷺ - خفقة في العريش ثم انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل - ﵇ - معتجر بعمامة، آخذ بعنان فرسه، يقوده على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وعِدَتُه» (١).
وذكر ابن عباس – ﵄ - في نزول الملائكة فقال: «بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم (٢). فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم (٣) أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصارى فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة» (٤).
وروى الإمام أحمد في مسنده، أن رجلًا من الأنصار قصير القامة جاء بالعباس أسيرًا، فقال العباس: «يا رسول الله، أن هذا والله ما أسرنى، لقد أسرنى رجل أجلح، من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبلق، ما أراه في القوم». فقال الأنصارى: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسكت! فقد أيدك الله تعالى بملك كريم» (٥).
_________________
(١) نقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٣١٢) موصولًا، حيث ذكره ابن اسحاق في المغازى، وابن هشام بدون سند، وحسنه الألبانى، فقه السير للغزالى (٢٢٦)، طبعة دار القلم، دمشق، انظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية (٣٥٢).
(٢) حيزوم: اسم فرس الملك انظر شرح مسلم.
(٣) الخطم: الأثر على الوجه.
(٤) مسلم، صحيح (١٧٦٣).
(٥) أحمد، المسند (٢/ ١٩٢)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وهو في مجمع الزوائد، وقال الهيثمى رجال أحمد رجال الصحيح (٦/ ٧٥ - ٧٦). غير حارثة بن مضرب وهو ثقة.
[ ٥٠١ ]
وقد صح اشتراك الملائكة في بدر من قول جبريل - ﵇ - حين سأل النبي - ﷺ -: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة» (١).
وهي أحاديث تبين القاطع من أدلة القرآن الكريم وتوضحه، وتضرب له الأمثلة، وتفصل فيه القول، ليتعاضد الجميع على هذا الحدث، الذى لا يكبر على الله تعالى، إذ له الخلق والأمر، يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهو الرد المجمل على أولئك المصابين بالانهزام النفسى وعقدة الخواجة.
ويَرِدُ السؤال: ما الحكمة من اشتراك الملائكة مع أن جبريل - ﵇ - وحده قادر على إهلاكهم بأمر الله؟ ويحسن نقل كلام الإمام السبكى (٢)، إذ يجلى الإمام طبيعة الإسلام في تحقيق أهدافه، وارتباط ذلك بالجهد البشرى، في حدود السنن الكونية والقوانين الاجتماعية، وغيرها، فيقول ﵀: «وقع ذلك - أي نزول الملائكة - لإرادة أن يكون الفعل للنبى - ﷺ - وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب، وسنتها التى أجراها الله تعالى في عباده. والله تعالى هو فاعل الجميع. والله أعلم».أي أن القتال وقع تبع السنن الكونية، والقوانين الطبيعية، من رسول - ﷺ - وأصحابه؛ وإنما جاءت الملائكة مددًا في القتال ليس إلا، وإن وقع من بعضهم قتال فما يكون إلا في صورة الأسباب الممكنة للبشر، حتى يبقى الفعل والأثر منسوبين للقائمين به؛ النبي - ﷺ - وأصحابه؛ وما زاد من الملائكة مما أوحى الله تعالى به إليهم، من القيام بتثبيت المؤمنين وتبشيرهم بالنصر، وخذلان العدو وإلقاء الخوف والفشل في قلوبهم، وقد كان ذلك بشهادة المشركين قبل المؤمنين.
_________________
(١) البخاري (٣٩٩٣).
(٢) ونقله كذلك د. أكرم العمرى، انظر.
[ ٥٠٢ ]
ولبعض المفسرين تأويلات أخرى في أمر نزول الملائكة لا نحتاج إلى الوقوف عندها كثيرًا.
فر الباقون من قريش لا يلوون على شيء بعد مقتل سبعين منهم، وأسر سبعين، تاركين وراءهم كل شيء، فكانت الغنائم التى غنمها المسلمون.
أقام النبي - ﷺ - ببدر ثلاثة أيام، وفيها دفن شهداء المسلمين، وهم أربعة عشر، استأثرت رحمة الله بهم فذهبوا إلى عليين، ولم يذكر أنه - ﷺ - صلى عليهم (١)، ولم يُنْقل أحد منهم من بدر ليدفن في المدينة (٢)، وأمر الرسول - ﷺ - بسحب قتلى المشركين إلى آبار بدر فألقوا فيها، وفي اليوم الثالث من الأيام الثلاثة، وقف رسول الله - ﷺ - على أحد الآبار وكان فيه أربعة وعشرون رجلًا من صناديد قريش، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ويقول: «أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟» فقال عمر - ﵁ -: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «والذى نفس محمد ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» (٣).
تلقى المسلمون في المدينة بشرى النصر، حيث أرسل الرسول - ﷺ - زيد بن حارثة - ﵁ -،
_________________
(١) وهي السنة في الشهداء.
(٢) ابن هشام، السيرة النبوية (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، وابن كثير البداية والنهاية (٣/ ٣٢٧)، وزاد ابن حجر على الأربعة عشر إثنين، انظر ابن حجر، الإصابة (٣/ ٣٢٨ - ٦٠٨).
(٣) رواه ابن اسحاق (٢/ ٧٤)، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد (٣/ ١٠٤)، وقال أحمد شاكر إسناده صحيح، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٣٤١)، هذا على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري (٣٩٧٦)، من حديث أبى طلحة، انظر ابن هشام (٢/ ٢٠٧)، وقد أنكر السمع من الموتى الشيخ محمد الغزالى في فقة السيرة (٢٣٣)، بقول السيدة عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقًا»، ورد عليه الشيخ الألبانى في التعليق على فقة السيرة (٢٣٢)، بقوله أنكره العلماء وبينوا أن الصواب بجانب من رووا هذا الحديث راجع البداية لابن كثير، و(الفتح) لابن حجر، ثم قال وعندى لا تعارض بينهما بل يمكن الجمع وهو الصواب وذكره في (أحكام الجنائز وبدعها).
[ ٥٠٣ ]
ليعجل لهم البشارة قبل وصول النبي - ﷺ -، فكانوا بين الفرح الغامر، والحذر ألا يكون خبر مثل هذه الصاعقة يقينًا، قال أسامة: «فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى»، وكانت الدهشة تعلو الوجوه، أحقًا هزمت قريش! وقتل زعماؤها! وأسر صناديدها! وتحطمت كبرياؤها! وظهرت حقيقة آلهتها الباطلة الزائفة! وعقائدها الضالة!. إن أم المؤمنين سودة لفرط دهشتها تقول لأبى يزيد سهيل بن عمرو ويداه معقودتان إلى عنقه بحبل: «أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كرامًا!» فقال رسول الله - ﷺ -: «أعلى الله وعلى رسوله؟!» أي تؤلبين، فقالت: «يا رسول الله، والذى بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد، مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل، أن قلت ما قلت» (١).
في طريق عودة الجيش إلى المدينة، أمر الرسول - ﷺ - بقتل اثنين من الأسرى، هما النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، وكانا يؤذيان المسلمين بمكة، ويشتدان في عداوتهما لله ولرسوله - ﷺ -، إن الوقوع في الأسر لا يعنى صدور عفو عام عن الجرائم التى اقترفها الأسرى أيام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع، بالغ السوء، في إيذاء الله ورسوله - ﷺ -، وقد أبطرتهم منازلهم فساقوا عامة أهل مكة إلى حرب ما كان لها من داع، فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأيدى من خناقهم، أليعودوا مرة أخرى أشد عداوة وطلبًا للثأر؟! إن الحصول منهم على فداء لا يناسب ما وقع منهم في جنب الله، إنهم مجرمو حرب بالاصطلاح الحديث.
إذًا في قتلهما درس بليغ للطغاة؛ وقد رأينا كيف تخلى عقبة عن جبروته، ونادى من للصبية يا محمد أو يا رسول الله؟ فأجابه: النار (٢).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة (٢/ ٢١٢)، وذكر صحته د. أكرم العمرى، السيرة (٣٧٠).
(٢) ابن هشام، السيرة (٢/ ٢١١)، ذكر د. مهدى رزق الله أنه يهودى الأصل نقلًا عن السهيلى الروض الأنف (٣/ ٥٣)، السيرة النبوية (٣٦١).
[ ٥٠٤ ]
وصل رسول الله - ﷺ - المدينة هو وجنوده، منصورين مؤيدين مستبشرين بنعمة الله وفضله وعنايته، قد جمعت لهم الأسرى والغنائم.
استشار النبي - ﷺ - أبا بكر وعمر وعليًا - رضوان الله عليهم - فيما يصنع بهؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر - ﵁ -: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإنى أرى أن نأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.
فقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننى من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبى طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فهوى رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد قال عمر - ﵁ -: فغدوت إلى النبي - ﷺ - وأبى بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرنى ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله - ﷺ -: للذى عرض علىَّ أصحابك من أخذ الفداء، قد عرض علىَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٩٧ - ٩٨].
ذكرنا الحديث بطوله لنفاسة هذه المعانى التى تبين روابط الإسلام، وعقائد الدين والرد على وات في نظرته في هذا الموقف.
[ ٥٠٥ ]
لقد اجتهد الصحابة فيما هو أجدى فائدة، وأولى عاقبة للإسلام والمسلمين في قضية الأسرى، خاصة وهم يرون المؤمنين في تلك البأساء من الجوع والعرى، فإذا بالوحى ينزل ليصحح لهم الاجتهاد، ويبين الأصوب في هذا الأمر، ولكن مع التهديد الشديد في أن أول موقعة للمسلمين كان الواجب هو الإثخان في الأرض، أي إستئصال شأفة هؤلاء المجرمين، حتى يسير موكب الدعوة آمن مما هو فيه الأن، وأن يلقى الرهبة والفزع والرعب في قلوب غيرهم ليفكروا غير مرة قبل أن يهاجموا المسلمين أو أن يتعرضوا لهم.
إن الحياة كما تتقدم بالرجال الأخيار، فإنها تتأخر وتتعفن بالعناصر الخبيثة، وإذا كان من حق الشجرة لكى تنمو أن تُقَلَّم، فمن حق الحياة لكى تصلح أن تنقى من العتاة والمجرمين ولن يقوم عوض أبدًا عن هذا الحق ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب.
لما سمع المؤمنون هذا الدرس ووعوه وتدبروه، أباح لهم من رحمته الانتفاع بما أخذوا من الفداء، فنزل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].
كان أخذ الفداء بالتالى حلالًا في أول نزوله، ثم جعل الخيار بعد ذلك لإمام المسلمين بين القتل أو الفداء أو المن عدا قتل الأطفال والنساء فلا يجوز قتلهم إذا لم يكونوا محاربين.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. (١)
وكان فداء الأسير ممن يملك المال هو أربعة آلاف درهم، ومع ذلك من رحمة الإسلام والمسلمين، التى تدل على أن المال لم يكن همهم كما علمهم القرآن الكريم فإنهم كانوا يأخذون من بعض الأسارى ما عندهم، وأطلق الرسول - ﷺ - من لم يقدر على الفداء.
_________________
(١) ابن كثير، التفسير (٤/ ١٧٣)، طبعة مكتبة التراث الإسلامي حلب، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.
[ ٥٠٦ ]
وكان في الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله - ﷺ - فأرسلت قلادة لها كانت أهدتها لها أمها السيدة خديجة ﵂ في زواجها لتفدى بها زوجها، فردوها لها، وأطلقوا لها أسيرها لمكانتها من أبيها سيدنا رسول الله - ﷺ -.
بل كان واردًا أن يطلق سراحهم جميعًا كما قال - ﷺ -: «لو كان المطعم بن عدى حيًا ثم كلمنى في هؤلاء النتن لأطلقتهم له» (١)، وقد ذكرنا هذا الموقف من قبل حيث كان دور الحماية لرسول الله - ﷺ - عند رجوعه من الطائف، مع موقفه من نقض صحيفة الظلم والقطيعة.
وإن نظرة سطحية فقط على هذه التصرفات تبين الفارق الضخم الذى لم يحدث مثله من أحد في تاريخ الإسلام في قتاله للمسلمين، هذا الفارق الذى يدل على عظم الإسلام وكونه من الله تعالى، وعلى صورة المسلمين السمحة وعقيدتهم البهية المنيرة إزاء أعدائهم؛ إن غيرهم من كل الملل لم يتورعوا عن الإبادة الكاملة لكل صغير وكبير، ذكر وأنثى مع التدمير الشامل لكل ما تقع عليه أيديهم مما له علاقة بالإسلام أو بالمسلمين.
كم أريقت بحار الدماء الذكية على أيدى حاملى الصليب في حروبهم في بيت المقدس مماحدث من مآس وجرائم هي أعتى الجرائم التى وقعت على مدار التاريخ.
وبقى الجزء المنير الآخر في التعامل مع الأسرى، وهو الوصايا من الرسول - ﷺ - بهم خيرًا (٢)، خاصة أن من تبقى منهم لا فداء معه وكان يجيد الكتابة، كان فداؤهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة.
حكى أبو عزيز - شقيق مصعب بن عمير - ﵁ -، وقد أسر في بدر مع المشركين – أنه
_________________
(١) البخاري (٢٠٢٤).
(٢) الطبرانى في مسنديه الصغير والكبير، وقال في مجمع الزوائد: إسناده حسن، د. مهدى رزق الله، السير النبوية (٣٦١).
[ ٥٠٧ ]
وهو بين رهط من آسريه الأنصار - أنهم كانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوه بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله - ﷺ - بالأسرى. حتى ما تقع في يد أحدهم خبزه إلا ناوله إياها فيستحى فيردها على أحدهم، فيردها عليه ما يمسها. (١)
تلك أخلاق النبوة والرسالة التى حملت الإسلام إلى الدنيا، فكان فيه سعادة الدنيا والآخرة.
الغنائم:
ونحن عندما نتكلم عن الأسرى فإن الموضوع الذى ارتبط بها شرعًا وحيًا وواقعًا هو موضوع الغنائم، الذى لم يكن لها حكم من قبل، ومن ثم كان عرضة لإختلاف وجهات النظر بين الصحابة الذين حضروا الوقعة، والحديث المروى من جانب كتاب السيرة الذى يبين الحادثة هو حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - إذ يقول: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس، فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم، يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله - ﷺ - لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، فنحن نفينا عنها العدو، وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله - ﷺ -: «لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله - ﷺ - وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، وإشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فقسمها رسول الله - ﷺ - على بواء بين المسلمين أي - بالتساوى (٢)، أخذ الله تعالى
_________________
(١) ابن اسحاق - ابن هشام، السيرة (٢/ ٢١٢ - ٢١٣)، وهو مرسل، وقد أسلم كثير من هؤلاء الأسرى بعد ذلك، وحسن أسلامهم وكانوا العضد والنصير المضحى بنفسه وماله في سبيل الله تعالى. انظر د. مهدى رزق الله، السيرة (٣٦١).
(٢) عون المعبود (٢٣٦٠)، تحفة الأحوذى (٣٠٠٤).
[ ٥٠٨ ]
الأنفال منهم وجعلها لرسوله - ﷺ - يفرقها بينهم كما نزل به القرآن الكريم، وكما أمر الله تعالى، وما كان منهم إلا أن قالوا سمعنا وأطعنا.
وكان تقسيم الغنائم بالصفراء مرجعهم إلى المدينة، وقسم رسول الله - ﷺ - لتسعة من المؤمنين تخلفوا عن الغزوة بما يعلم - ﷺ - أنه لولا عذرهم لحضروا وشاركوا، منهم عثمان بن عفان - ﵁ -، كان يقوم على تمريض زوجه رقية بنت رسول الله - ﷺ - وتوفيت وهم راجعون من بدر فلم يتمكن من الحضور ﵃ أجمعين.
موقعة بدر، القيمة والنتائج:
أما قيمة غزوة بدر فقد استحق المقاتلون فيها لقب «بدرى»، فكانوا الطبقة الأولى من الصحابة حيث جاءت أحاديث الرسول - ﷺ - وسيرته وسيرة خلفائه من بعده لتبين فضلهم في الدنيا، وعلو مقامهم في الجنة، فأما ما ورد من سمو منزلتهم في الجنة ما رواه البخاري في قصة حارثة بن سراقة الذى أصابه سهم طائش يوم بدر، وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي - ﷺ - فقالت يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منى، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وأن تكن الأخرى ترى ما أصنع. فقال - ﷺ -: «ويحك - أو هبلت - أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس» (١).
وتبين قصة حاطب جانبًا آخر يضاف إلى الجانب المتقدم، وملخصه أن حاصب بن أبى بلتعة - ﵁ - قد حضر بدرًا، وفي فتح مكة أرسل إلى قريش من يخبرهم خبر غزو الرسول - ﷺ - لهم ولكونه بدريًا عفا الرسول - ﷺ - عنه قائلًا لعمر عندما أراد قتله: «لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم» (٢). ولما قال عبد
_________________
(١) البخاري (٣٩٨٢).
(٢) مسلم (٤٥٥٠).
[ ٥٠٩ ]
لحاطب: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، قال رسول الله - ﷺ -: «كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية» (١).
وأما العطاء المادى في الدنيا فكانوا المقدمين فيه، فعندما سجل عمر - ﵁ - الجند في الدواوين التى أسسها في الدولة الإسلامية كانوا الطبقة الأولى التى تأخذ أعلى العطاء، وها هي دواوين السنة والرجال توشى صفحاتها الأولى بأسمائهم ومناقبهم مكرمين بذلك على مر الدهور والأعصار (٢) مرضيين برضا الله عنهم، ومزدادين رضا بترضى كل من يترضى عنهم إلى يوم القيامة ﵃ وعن الصحابة أجمعين.
وما ذِكْرُنا لهذه القيمة - نحن غير أهل لذلك - إلا لنبين قليلًا مما قدموا بما وفقهم الله له، واختصهم الله تعالى به، ونسوق منا شيئًا ليتدبر المؤمنون اليوم سيرتهم فيثوبوا إلى مجدهم وعزهم، ولينظر المستشرقون إلى تفسيراتهم للوقائع بما يخالف الحقيقة ويجافى الحق ويناقض العقل والمنطق.
وأول ذلك: هو رفعهم للعقيدة واستعلاؤهم بها (٣)، فكانت الدافع لهم والمحرك في كل ما يأتون ويذرون، فكانوا مستعلين بها فوق ما يدعى المستشرقون من مصالح مادية أو منافع دنيوية أو غيرها، وإنما رفع الإسلام بالنصر أو الشهادة، إذ كيف يعن أو يقع في تفكير هؤلاء أن يحصلوا في معركة غير متكافئة غير الهزيمة والقتل أو الإعطاء باليد.
الثاني: الوفاء بالبيعة مع الرسول - ﷺ - بيعة العقبة - ولم يمنعهم شروط الوثيقة بأن نصر النبي - ﷺ - والقتال معه لمن دهم يثرب، بل قالوا لو خضت البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.
_________________
(١) مسلم (٤٥٥١).
(٢) انظر د. أكرم العمرى، السيرة (٣٧١).
(٣) انظر د. أكرم العمرى، السيرة (٣٧٠).
[ ٥١٠ ]
الثالث: الطاعة التامة للرسول - ﷺ -، فهم جند مطيعون ومضحون مهما كان الثمن ليقينهم بصدق رسالته - ﷺ - وأن في طاعته العاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة.
الرابع: إذا كان تقديمهم لعقيدتهم ودينهم على أنفسهم وأموالهم، فمن باب الأولى أن يظهر ذلك مع غيرهم من الأهل والولد فهاهم المهاجرون يواجهون أقاربهم في المعركة، الابن يواجه أباه، والأخ يواجه أخاه، وغيرهم من عصباتهم فلا تمنعهم أواصر القربى ووشائج النسب أن يقتلوهم لمصلحة الدين والعقيدة (١)، وقد كان ذلك واضحًا جليًا كذلك في موقف عمر - ﵁ - من الأسارى بعد المعركة.
الخامس: أنهم الطبقة الأولى التى تحملت قبل أي أحد عبء الصدمة الأولى في الإيمان والعبادة والسلوك والدعوة، والتضحية والبذل ثم الهجرة والجهاد، وضربوا في كل ذلك بأعلى سهم، وأروع مثل.
نتائج بدر:
عرفت غزوة بدر بتمجيد القرآن العظيم لها بأنها يوم الفرقان، لأنه فرق بها بين الحق والباطل، ولأنها كانت الفارقة بين عهدين من عهود الإسلام وتاريخه، وكان لها الأثر الكبير في إعلاء شأن الإسلام.
شُدِه العرب وغيرهم قاطبةً لذلك النصر الحاسم الذى أكرم الله به المؤمنين في بدر، بل إن أهل مكة استنكروا الخبر أول ما جاءهم وحسبوه هذيان مجنون إذ أول من قدم بمكة بمصاب قريش الَحيْسُمان بن عبد الله الخزاعى، فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة
_________________
(١) وفيه قصه والد أبى عبيدة بن الجراح حيث تعرض لإبنه ليقتله، فيحيد عنه أبو عبيدة ثم قتله، وذكر ابن حجر في الإصابة (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، ذلك من روايه الطبرانى وجودها.
[ ٥١١ ]
وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البخترى بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان ابن أمية وهو قاعد في الحجر، والله أن يَعْقّل هذا فاسألوه عنى فقالوا: ما فعل صفوان ابن أمية؟ قال: ها هو ذاك جالسًا في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا (١).
فلما إستبان صدق الخبر صعق بعضهم حتى كاد يهلك، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدرى ما يفعل.
وكذا استبعد مشركو المدينة ويهودها ما قرع أسماءهم من بشريات النصر، وذهب بعضهم إلى أنها أخبار من محض الاختلاق، ولم يصدقوا إلا عندما رأوا الأسرى مقرنين في الأصفاد وقد تعددت مسالك الجميع مختلفة في معالجة الموقف أو توفيق الأوضاع أو الإعلان بالعداوة والمجاهرة بما ينم عن الحقد والسخط.
فأما أهل مكة فقد منعوا البكاء والنياحة على قتلاهم لئلا يشمت بهم المسلمون، وأمروا بتأخير دفع الفداء لئلا يأرب عليهم المؤمنون فيه (٢)، ثم إنطووا على أنفسهم يداوون جروحهم، ويستعيدون قواهم، ويستعدون لنيل الثأر، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرهًا للإسلام، ونقمة على رسول الله - ﷺ - وصحبه، ومزيدًا من الاضطهاد لمن يدخل في دينه.
وبدأ الانتقام والثأر فأرسل صفوان بن أمية عمير بن وهب الجمحى وكان شيطانًا من شياطين قريش لاغتيال الرسول - ﷺ - بعد أن وعده صفوان بأن يعول أهله مع أهله وأن يتحمل دينه، وكانت حجة عمير في السفر إلى المدينة في هذه المهمة الخسيسة هو ولده الأسير ليحسنوا إليه، خلاصة ما حدث أن أمسك به عمر بن الخطاب - ﵁ - عند وصوله
_________________
(١) ابن اسحاق، ابن هشام، السيرة (٢/ ٢١٣).
(٢) ابن اسحاق، ابن هشام، السيرة (٢/ ٢١٤).
[ ٥١٢ ]
لمسجد الرسول - ﷺ - حاملًا سيفه، وسأله الرسول - ﷺ - عن سبب مجيئه فتعلل بولده الأسير، فأخبره الرسول - ﷺ - بوحى السماء بما حدث بينه وبين صفوان بن أمية في الحجر، فأسلم لتوه إذ ما حضر ذلك ثالث، وطلب من الرسول - ﷺ - الرجوع إلى مكة للدعوة للإسلام بالشدة التى كان يهاجمه بها ويؤذى بها المسلمين. (١)
فأما في المدينة حيث المسلمون كثره مكينة ظاهرة، فقد إستعلى المؤمنون فيها على اليهود وبقايا المشركين، وأخذت العداوة للإسلام وأهله منحى الدس والنفاق والمخاتلة، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرًا وقلوبهم تغلى حقدًا وكفرًا.
فأما المشركون فكان زعيمهم عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين حيث قال في رجوع النبي - ﷺ - والمسلمين منصورين غانمين من بدر: هذا أمر قد توجه - لا مطمع في إزالته - فبايعوا رسول الله - ﷺ - على الإسلام فأسلموا (٢). ومن بين من عرفوا بالنفاق من مشركى المدينة غير ابن أبى! جلاس بن سويد وأخوة الحارث وأوس بن قيظى.
ومن بين من عرف بالنفاق من أحبار يهود المدينة: زيد بن اللصيت ورافع بن حريملة ورفاعة بن زيد بن التابوت. وقد أسلم من أسلم منهم وحسن إسلامه، ومات على النفاق من مات منهم (٣)، على أن هذا الخداع الذى لاذ به هذا الفريق كان في الوقت الذى عالن فيه الفريق الباقى من اليهود بسخطهم على الإسلام ورسوله - ﷺ -، ولم يعودوا يسيطرون على مشاعرهم وأقوالهم وأفعالهم بسبب غيظهم من النتيجة التى لم يكونوا يتوقعونها فاندفعوا نحو العدوان، وأظهروا ألمهم للهزيمة التى أصابت قريشًا، حتى إن كعب بن الأشرف من
_________________
(١) ابن اسحاق، ابن هشام، السيرة (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٢) وخبر نفاقه ومعادته للإسلام وإيذائه للرسول - ﷺ -، البخاري (٤٥٦٦)، وابن حجر فتح الباري ().
(٣) انظر مواقف بعضهم في السيرة، لأبى بكر الجزائرى، هذا الحبيب محمد - ﷺ - (١٨٩ - ١٩٤)، د. مهدى رزق الله، السيرة (٣٦٢ - ٣٦٣).
[ ٥١٣ ]
زعماء يهود أرسل القصائد في رثاء زعماء المشركين وطالب بالثأر لهم، وحاول اليهود في نفس الوقت التحقير من شأن هذا النصر وأن المسلمين لو لاقوا يهودًا لعلموا من المقاتلون حقًا. أكد كل ذلك نيات اليهود في نكث عهودهم مع رسول الله - ﷺ - والاستعداد لمجابهة المسلمين، مما مهد للأحداث العنيفة التى وقعت بعد ودفع فيها اليهود ثمن غدرهم ونقضهم للعهد غاليًا أفرادًا وجماعات حيث بدأ ذلك بإجلاء بنى قينقاع من المدينة لما ابتدأوا هم السير في هذا الطريق العفن، طريق المؤامرات والعدوان وتمزيق العهود (١).
بقى موقف الأعراب الضاربين حول المدينة، وهؤلاء قوم لا يهمهم شيء من قضايا الإيمان والكفر، إذ همهم الحصول على قوتهم ولو بالسلب والنهب وقطع الطريق، لقد أقض ذلك النصر مضجعهم فحشدوا جموعهم لانتهاز فرصة للإغارة على المدينة، وقد سبق لهم استياق نعم المدينة، نهض الرسول - ﷺ - سريعًا فشتت هذه الجموع، ولم يلق في سبيل ذلك متاعب ذات بال. (٢)
أتينا إلى نهاية ما إستطعنا تفصيله من غزوة بدر مما ورد في السيرة المشرفة، وكان ينبغى أن نلم بطرف من الحكم والأحكام في نهايتها، ولكن آثر الباحث أن يكون ذلك بعد عرض منهجه في السيرة من القرآن الكريم مع المقارنة والتحليل، ثم نسوق كلام المستشرقين ونخص منهم وات بالذات لنرد عليه.
_________________
(١) الغزالى، فقه السيرة (٢٣٩).
(٢) الغزالى، فقه السيرة (٢٣٩).
[ ٥١٤ ]
المبحث الثالث
غزوة بدر في القرآن الكريم
جاءت سورة الأنفال لتحكى لنا سيرة غزوة بدر بما يليق بالقصص القرآنى في سرد الأحداث، إذ يوضح المفيد اللازم لكل بشر من الحادثة، ويعلق عليها بما هو المقصود من القصص أهدافه وغاياته، ويشرح الحكم والمواعظ والعبر، ويذكر الاوامر والنواهى للامتثال للشرع وفي الغالب يزيد عما حدث شرحًا وتفصيلًا يكون زادًا وتحذيرًا وتنبيهًا أو وصايا لما هو آت، حتى استكمل القرآن الكريم بهذا النهج المصور لسيرة النبي - ﷺ - وأصحابه، ما كان وما يكون، مع مراعاة أحوال الامم السالفة في ذكر ذلك القصص لتلمس مواضع العبر تخويفًا واتقاء، مصوغًا كل ذلك في أعلى درجات البلاغة واللغة، التى تشى بأن الصياغة بهذه الطريقة السامقة إنما هي أيضًا من مطلوبات القرآن الكريم في عرض السيرة لأغراض لا شك سامية مما يستدعى مراعاة ذلك الدرس البلاغى وغيره في فهم صياغة السيرة وسردها، وأنه ما كان كذلك إلا لسمو هدفه في ايصال وفهم وتعلم السيرة القرآنية بهذه التراكيب، والصياغات والاساليب، وأفانين الكلام. لذلك كان التعريج على هذا الدرس من مهمات هذا البحث إظهارًا (لما يمكن من جوانبه) كافة تعميقًا لفهم القرآن ومعرفة جماله وجلاله الباعث على محبته والقيام بحقه والرد على أعدائه، لم يكن عرض السيرة بليغًا بهذه الجماليات لكون ذلك أسلوب القرآن الكريم المعتاد، بل كان لكل مقام مقال.
[ ٥١٥ ]
ولا ننس أن ننوه بوظيفة المؤرخ كما ذكر وات، حيث لا تنحصر في السرد بقدر فهم البواعث والأهداف من وراء ما يقع من أحداث، ذلك ما بلغ القرآن الكريم فيه درجة غير مسبوقة تتوافق وأهداف الإسلام ووسائله، ومعرفة النفس الانسانية ودوافعها وتبيين ما يعتمل فيها وما تقصد إليه تصويرًا لذلك وتصحيحًا وتقويمًا للمطلوب فيه.
ونأتى لسورة الأنفال لنحلل منها ما نستطيع من السيرة مع المقارنة والنظر في جمالياتها.
إن أول ما يصادفنا أن سورة الأنفال تحدثت عن غزوة بدر من آخرها، فلم تسرد الأحداث بما بدأت به في واقع الأمر، فبدأت بالحديث عن الغنائم والأنفال، وهو في نهاية الموقعة، وواضح أنها خصت الغنائم بالذات من بين الأحداث الأخيرة في الوقعة ويبدو أن ذلك كان موضوع الساعة إذن بل وكل ساعة، فيه تتحدد وجهة الغزو، وأهداف الجهاد وما ينبغى أن يكون نصب عين المجاهدين والمؤمنين من مقصود ذلك ووسائله النفسية والمادية في الدنيا والآخرة كما سنوضح شيئًا من ذلك.
أخذ الحديث وجهات عدة نشير إليها تبين ما سبق:
الأول: في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، ومعناه أن هناك نصرًا قد تحقق، وحصل بسببه غنائم اختلف الصحابة في توزيعها، وسألوا الرسول - ﷺ - فيها لعدم علمهم بما ينبغى أن يقسموها به، وأنهم حاوروا الرسول - ﷺ - تصريحًا، ومنهم من يجادل غيره بما يدل على طلب الفهم في هذا الشأن، والتعبير بالمضارع ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، دل على تكرار السؤال المرة بعد الأخرى من سائلين متعددين، وإما بكثرة السائلين في الموقف الواحد، وجاء السؤال معدى ب ﴿عَنِ﴾، ليدل على طلب المعرفة)، وهذا يدلنا على تأكيد ما حدث في السيرة النبوية، ثم جاء القرآن الكريم بعد ذلك التنازع الذى ذكرته السيرة ليوضح المقصود والمطلوب
[ ٥١٦ ]
والغايات والبواعث إلى آخر ما ذكرنا آنفًا فجاء القاطع القرآنى بقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، أي لله تعالى ملكًا واختصاصًا على جعل اللام هنا للملك أو للاختصاص، فهى ملكه ويختص بالقضاء فيها هو جل وعلا فيحكم بما يشاء ويصرفها كيف يشاء، ومعرفة ذلك والقيام به لرسوله - ﷺ - المبلغ عنه فهى لرسوله - ﷺ - من هذه الوجهة.
ومما ذكرته السيرة ووضحته جملة: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، الايذان بأن ثم تنازعًا قد حدث بين ناس من الجيش في استحقاق الغنائم، وقد كانت لهم عوائد في الجاهلية متبعة في الغنائم والأنفال أرادوا العمل بها وتخالفوا في شأنها والذين سألوا كانوا معروفين، لأن ضمير جمع الغائب في ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، معلوم عند النبي - ﷺ - وعند السامعين ساعة عند نزول الآية.
الثاني: المنحى الثاني الذى بينته الآيات لتوضح به ما يجب أن تكون عليه سيرة المؤمنين في هذا الموقف خاصة، وكل المواقف بعد ذلك هو تقوى الله ﷾، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله - ﷺ -، وختم هذا المنحى بصيغة الإلهاب لنفوسهم على الامتثال، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وذلك ليس تشكيكًا في إيمانهم، بل لأنهم مؤمنون خاطبهم بذلك، لأنه لا يؤمر بذلك غير المؤمنين. (١)
وهذا معناه أن المؤمنين همهم الأول هو تقوى الله وأولها في هذا الموقف صلاح ذات البين، وطاعة الرسول - ﷺ -، ليس همهم الغنائم وقسمتها، ومن يحوزها أو يحرمها، وهي التربية القرآنية الأولى للمؤمنين بأن تكون وجهتهم تقوى الله وطاعة رسوله والاستسلام لأوامره والاجتناب لنواهيه، مع قولهم سمعنا وأطعنا وهو الشق الأول الذى يقوم به الإسلام والشق الثاني هو تآلف القلوب وصلاح ذات البين والاجتماع والاتفاق على كلمة لا شقاق فيها ولا تصدع لها، بأن يكونوا يدًا واحدة على من سواهم، متكافلين متوادين
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٥٢ - ٢٥٤).
[ ٥١٧ ]
متراحمين كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ليسوا من مغريات الدنيا في شيء، وإن كانت الغنائم عندهم من مظاهر طلب الآخرة حيث يشير إلى هذا الرأى الأستاذ سيد قطب - ﵀ - فيقول: «ولقد يدهش الانسان حين يرى أهل بدر يتكلمون في الغنائم، وهم إما من المهاجرين السابقين الذين تركوا وراءهم كل شيء، وهاجروا إلى الله بعقيدتهم، لا يلوون على شيء من أعراض هذه الحياة الدنيا، وإما من الأنصار الذين آووا المهاجرين، وشاركوهم ديارهم وأموالهم، لا يبخلون بشيء من أعراض هذه الحياة الدنيا أو كما قال فيهم ربهم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها. لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن البلاء في المعركة، وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء، وكان الناس يومئذ حريصين على هذه الشهادة من الرسول - ﷺ - ومن الله ﷾ في أول وقعة يشفى فيها صدورهم من المشركين، ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه المتكلمون في الأنفال، حتى ذكرهم الله به، وردهم إليه، ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر». (١)
إذن لم يكن من سبب كائنًا ما كان ليغطى أو يمنع على الركن الركين من قيام الإسلام، وهو الأخوة الإيمانية التى علمها لهم القرآن الكريم تعليمًا واقعيًا بنزع الأنفال منهم إلى الله ورسوله - ﷺ -، وهتف بهم بهاتف التقوى ليكون لامًا لشملهم مصلحًا لجمعهم وذات بينهم، ليبقى سبب النصر هو القائم الباقى، سبب الفوز في الأولى والآخرة لأنه بغيره كما ذكرت السورة بعد سيكون إخفاقهم، ويعودون بالانكسار والهزيمة قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ومن ثم جاء الأمر بالتقوى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١]، مفرعًا على جملة: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، لأن في تلك الجملة رفعًا للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال وإن
_________________
(١) سيد قطب، في ظلال القرآن (٣/ ١٤٧٣).
[ ٥١٨ ]
كل ذلك موكول إلى الله ﷾ وذكرهم حينئذ بأنه قد وجب الرضا بما يقسمه الرسول - ﷺ -. وقدم الأمر بالتقوى لأنها جامع الطاعات.
وعطف الأمر بالاصلاح لما حدث من اختلاف، أما الأمر بالطاعة هنا، فهى كما في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، أي الأمر بالطاعة التامة التى يقتضيها الإيمان الذى يحثهم على ذلك ويظهر الانقياد حقيقة وقوة هذا الإيمان: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
الثالث: إن المنحى الثالث الذى أكدته الآيات منحى صفات المؤمنين حقًا لتبين لهم سيرتهم الصحيحة، فيزدادوا منها أو يثبتوا عليها، ومن تأخر عن تمامها شيئًا ما كانت مجاهدته لنفسه على اللحاق بها والتمثل بتفاصيلها فبعد أن عاش المؤمنون هذه الأحداث، لا شك أسرعوا في إصلاح ذات بينهم، وتصافت أرواحهم، وتسامحت نفوسهم وعادوا لا يحركهم، ولا ينبغى إلا تقوى الله وطاعة رسوله - ﷺ - وتألف صفهم وترابط جمعهم، وعلموا الهدف الذى يجب أن يسعوا إليه هو ما وصاهم به وتنزلت بسببه تلك السورة لزوم التحقق بأعلى وأهم صفات المؤمنين، لأن كل أعمالهم من جهاد فما دونه إنما هو وسيلة لأن يكونوا مؤمنين حق الإيمان، باذلين أرواحهم ليكون غيرهم لاحقًا بهم، حتى تصبح الأرض كلها الأرض الطيبة الصالحة بإيمان أهلها، التى في نفس الوقت تكون متعبدة بأحسن التعبد موحدة أعلى التوحيد لله رب العالمين، الذى اكرمهم بذلك كله وشرفهم به، واصطفاهم لحمله من دون العالمين.
جاءت الجمل القرآنية الكريمة متتابعة تبين صفات المؤمنين، وكأنها تقول ليس المؤمنون الذى يسمعون كلام الله ولا يرعوون ولا يستجيبون له، ولا يسارعون إلى مرضاته بل هم أعلى وأجل إذ يسمعون كلام الله فترتعش قلوبهم ويظهر ذلك في انهمال عيونهم،
[ ٥١٩ ]
وقشعريرة أبدانهم، يرتجفون لذكره فيمتثلون أمره ويجتنبون نهيه، ويتعجلون إلى مرضاته، وليس هم الذين يسألون ويتكلمون في الأنفال، بل هم المنفقون في السراء والضراء، لا ينتظرون أخذًا إنما يسارعون إعطاء، الذين يخرجون من الاعمال الصالحة وقد ازدادوا إيمانًا فربط على قلوبهم، وأخذهم هذا الإيمان الزائد إلى مواقع الحق والصواب؛ لا يخرجون من الاعمال الصالحة إلى الدنيا وقد خف إيمانهم فيتنازعون عليها. وهم في كل ذلك متوكلون على الله، محافظون على صلواتهم راكنون إلى ربهم، ينظرون جزاءهم وحسن عاقبتهم فيسارعون إلى ذلك الخير الدائم، وهم مع ذلك ملازمون لطلب المغفرة في كل حين لأنهم لن يوفوا حق نعمة من نعم الله عليهم أو يقوموا بكل ما جاءهم به - ﷺ - وإن الرسول - ﵊ - لهو قدوتهم السائر بهم إلى ربهم المرشد لهم إلى أسباب سعادتهم في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
هؤلاء هم المؤمنون حقًا أي هؤلاء لا غيرهم هم المؤمنون حق الإيمان، وهذه الجملة وما عطف عليها إما أن تكون مستأنفة وإما تعليلية فإن كانت مستأنفة فهى مستأنفةاستئنافًا بيانيًا مسوقة لمن أريد بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة جوابًا، لسائل يثيره هذا الاشتراط في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١]. بعدما تحقق أنهم مؤمنون من قبل فيقول من هم هؤلاء المؤمنون فيجاب بأن المؤمنين هم الذين صفتهم كيت وكيت، فيعلم أن الإيمان الذى جعل شرطًا في الامتثال هو الإيمان الكامل فتنبعث نفوسهم إلى الاتسام به والتباعد عن موانع زيادته.
[ ٥٢٠ ]
وإما أن تكون: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وما عطف عليها واقعة موقع التعليل لوجوب الأوامر الثلاثة المتقدمة وهي تقوى الله واصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله، لأن ما تضمنته هذه الجمل التى بعد ﴿إِنَّمَا﴾، من شأنه أن يحمل المتصفين به على الامتثال لما سبق في الجمل.
وإذ قدر كان الاحتمالان غير متنافيين صح تحميل الآية عليهما توفيرًا لمعانى الكلام المعجز فإن علة الشيء مما يسأل عنه، وإن بيان العلة مما يصح أن يكون استئنافًا بيانيًا. (١)
ونسوق توضيحًا مختصرًا لتلك الصفات، يليق بالباعث التاريخى للأحداث وهو شغل المؤرخ، لا لتفسير القرآن الكريم، ليكون المرء على ذُكر منه لأنه سوف تتكرر معنا هذه المعانى والأوصاف في كل السباقات القرآنية للسيرة النبوية، مع زيادات في كل مرة تُستكمل بها جوانب الشخصية المسلمة، وفي نفس الوقت تظهر لنا الآثار السيئة في بعض أخبار السيرة لعدم تمسك المسلمين على المستوى الفردى أو الجماعى بتلك الخصائص والصفات، كما جاء في غزوة أحد في سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢]، إذ هي من الصفات التى وصى بها وحذر من المآل السيء لمخالفتها مبكرًا بعد غزوة بدر، وفي نفس السياق يتضح لنا الرد على (وات) والمستشرقين من قبله فيما يتعلق بمنهجهم التاريخى في عرض السيرة.
نعود إلى شرح معانى تلك الصفات وعلاقتها بالاحداث ..
الوصف الأول: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]،
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٥٥).
[ ٥٢١ ]
والمعنى ليس المؤمنون الكامل إيمانهم إلا أصحاب هذه الصفة التى يعرف المتصف بها تحققها فيه من عدمه من عَرْض نفسه على حقيقتها، فأحيلوا في معرفة أمارات تخلقهم بالإيمان على تلك الصفات التى يأنسونها من أنفسهم والذكر يطلق حقيقة على التلفظ باللسان فإذا علق بالذات كذكر الله أريد ذكر اسمه، أو شأن من شؤونه مثل أمره ونهيه فيجل القلب أي يخاف مع الفزع لاستعظام الموجول منه، وأسند ذلك إلى القلب في كلام العرب لأن القلب يكثر إطلاقه على إحساس الإنسان وقرارة إدراكه، وقد أجملت الآية ذكر الله إجمالًا بديعًا يناسب معنى الوجل، ليكون ذكر الله إذا جاء باسمه أو بذكر عقابه أو عظمته أو ثوابه ورحمته كل ذلك وغيره يورث القلب لكُمل المؤمنين الوجل؛ لأنه يحصل مع هذا الذكر استحضار جلال الله وشدة بأسه وسعة ثوابه، لنعلم الباعث التاريخى الذى اخترعه المستشرقون وات لتلك الأحداث، وهو أنه إذا تذكر ذلك ينبعث عن هذا الاستحضار توقع حلول بأسه، وتوقع انقطاع بعض ثوابه ورحمته، فهو وجل هو الباعث للمؤمن على الاستكثار من الخير، وتوقى ما لا يُرضى الله تعالى، وملاحظة الوقوف عند حدود الله في أمره نهيه، وحال آخر يحصل للمؤمن يبين وجهته وإخلاصه وتربيته الحقة على مائدة القرآن الكريم، على يد الرسول - ﷺ - وهو الأمل والطمع في ثواب الله، وقد طوى ذكره هنا لاستلزام الوجل إياه؛ لأنه من الوجل أن يخشى وَيجِل من فوات الثواب أو نقصانه.
ثم جاءت الصفة الثانية ..
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
ولا شك أن ارتباط هذه الصفة بما قبلها ارتباط وثيق، في غاية السلاسة، فإذا كان ذكره سبحانه تجل القلوب به، وهو أنواع كما ذكرنا فيدفعها إلى تلك الأحوال الحسنة فإن أعظم ذكره تلاوة آياته وسماعها الذى يحوى ذلك كل أسباب الوجل فيكون تأثيره أعم وأقوى
[ ٥٢٢ ]
فيبادر المرء إلى التحقق عند سماع آياته بكل معانى الوجل، التى تزيد بلا مراء إيمانه، وتقوى يقينه، وتعلو حينئذ درجته، وكأن الآية من ناحية داعية إلى الأخذ بأسباب زيادة الإيمان وقوته الذى هو مصدر كل خير، وأن أي أسباب تدعو إلى خلاف ذلك مما يضعف به الإيمان ويقل ويجب الحذر منه وتركه، وقصة الأنفال وغزوة بدر وبقية الأحداث أول ذلك، والدليل عليه، ومن ناحية أخرى يكون ذلك توجيهًا جديدًا للمؤمنين، يوضح لهم صفات الكمل من المؤمنين ليصير ذلك ثابتًا لا تزحزح له، زائدًا فيما يستقبلون به دعوتهم، وزادًا يتقوون به في سيرتهم.
أما كيفية تأثير التلاوة في زيادة الإيمان، فأن دقائق الإعجاز التى تحتوى عليها آيات القرآن تزيد كل آية تتنزل منها أو تتكرر على الاسماع سامعها يقينًا بأنها من عند الله، فتزيده استدلالًا يُقوى الإيمان حتى يقرب من مرتبة الضرورة، ويحصل مع تلك الزيادة زيادة في الإقبال عليها بَشراشِر القلوب، ثم في العمل بما تتضمنه من أمر أو نهى، حتى يحصل كمال التقوى، فلا جرم كان لكل آية تتلى على المؤمنين زياد في عوارض الإيمان من قوة اليقين، وتكثير الأعمال. (١)
أما ما يتعلق بالمقام من الكلام على الأنفال وعلاقته بتلك الزيادة، وحظه منها، فهو أن سماع الآيات النازلة في هذا الشأن تزيد إيمان المؤمنين بنبذ الشقاق والاختلاف بما ارتفع من ايمانهم بتلك الآيات، ورفع التشاجر الطارىء بسبب الأموال فإن صفات المؤمنين وتحققها والمسارعة إلى تلاوة الآيات والعمل بها، وأن زيادة الإيمان وأهميته لهو مطلوبهم الاسمى الذى بسببه يعرضون عن غيره ويلقونه وراء ظهورهم، ويستقبلون جميعًا أمرًا آخر هو
_________________
(١) لزيادة الإيمان معان أخرى اقتصرنا على المناسب والمطلوب من السياق، وانظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٥٦ - ٢٥٩)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢)، والالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٤٠ - ٢٤٢)، وغير ذلك.
[ ٥٢٣ ]
الأهم والأولى عندهم، وبذلك تتضح المناسبة بين ذكر الأنفال، وتعقيبه بالتقوى واصلاح ذات البين والطاعة، وتعليل ذلك بأن شأن المؤمنين هو إقبالهم على زيادة إيمانهم عند تلاوة آيات الله تعالى، وتلك هي التربية القرآنية التى أخذهم بها، وعلمهم فيها الأهم والمهم، والذى لا قيمة له، وأسباب النصر وضرائب التمكين، فما انتصروا بعد ذلك إلا بما تحقق فيهم من هذه الصفات.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وإن من أهم مقامات الدين التوكل على الله ..
وهي صفة ثالثة لـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾، أو حال منه، وجعلت فعلًا مضارعًا للدلالة على تجدد وتكرر ذلك منهم، في كل حين لا يفارقهم التوكل على الله حال دعوتهم وانفالهم وجهادهم وسائر شؤونهم؛ لأن كفايتهم بالله لا بالدنيا وأموالهم، وركونهم وتعلقهم بالله وما عنده لا بالزائل الفانى ولذلك فهو حسبهم كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
ومناسبة التوكل بالذات للغرض، وهو ذكر الأنفال أن المؤمنين كما تعلموا أن يكون مقصدهم رضا ربهم وطاعته لا شيء غيره من أمور الدنيا وحظوظ النفس، فهم هنا ليتعلموا وليتربوا على أن التوكل على الله على لا الأنفال والغنائم وغيرها وهو المطلوب، وأن الاعتماد على شيء من ذلك ينافى هذا التوكل فلا يعتمد المرء على ماله ولا قوته ولا حسبه ولا نسبه ولا عقله، ولا جاهه وسلطانه، ولا على خلق يقومون بشيء له من ذلك: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨].
ومن ثم كان تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، للاهتمام باسم الله تعالى وذكر الربوبية المضاف إلى ضميرهم لاظهار شرف ذلك، المحب لعباده عليه يكون تمام التوكل وفي الآية تعريض بالمشركين الذين يتوكلون على أصنامهم: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ
[ ٥٢٤ ]
دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾ [مريم: ٨١]، ومن ثم كانت مدحًا للمؤمنين وتحذيرًا لهم أن يبقى شيء في قلوبهم من آثار التعلق بما نهوا عنه، لتوهم البعض أنهم إذا فوتوه فقد أضاعوا خيرًا من الدنيا.
ومناسبة التوكل مع قضية الأنفال أنهم أمروا بالتخلى عن الأنفال، والرضا بقسمة رسول الله - ﷺ - فمن كان حرم، فلا يحزنه ولا يفت في عضده، وليستصغر ذلك أمام توكله على الله، والذى سيعوضه أفضل منه وأعظم. (١)
إن الصور التى جاءت بها السير بعد ذلك للصحابة ومن تبعهم بإحسان لتؤكد أشد التأكيد على هذا الوصف، وتحققهم به، حيث كانوا يواجهون أعداءهم بقلة العدد والعدة والزاد والخروج إلى عدوهم وما كانوا ينكثون أو يتراجعون رائدهم في ذلك التوكل على الله تعالى، ولا أظن أن التاريخ سجل لهم موقعة صغيرة أو كبيرة كانوا فيها أكثر عددًا أو أوفر عدة وزادًا. من مواجيههم.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [الأنفال: ٣].
وصفهم هنا بالمحافظة على ركنى الإيمان الأهمين الصلاة والزكاة، وهو مدح منفصل عن السابق؛ لأن اعادة الموصول هنا للدلالة على الانتقال في وصفهم إلى غرض آخر غير الذى جيء بالموصول الأول لأجله (٢)، وكأن إقامة الصلاة والإنفاق مما يمدح به كل أحد، وهو لهؤلاء مما يزدادون به مدحًا عن غيرهم لتقدمهم في صفات الإيمان وعلوها.
جمعت هذه الممادح والأوصاف الحسنة مكارم الاعمال القلبية الباطنة من الخشية
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٥٩).
(٢) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٦٠).
[ ٥٢٥ ]
والإخلاص والتوكل، ومحاسن الأعمال القالبية الظاهرة من الصلاة والصدقة (١)، فلا جرم كانوا أحرياء بأن يكونوا هم المؤمنين حقًا. كما ختمت الآيات بذلك، لتشتد في التأكيد على صفات المؤمنين؛ التى ينبغى ألا يفرطوا فيها ظاهرًا أوباطنًا، سرًا وعلانية، ببيان ثوابهم عند الله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤].
لا شك كان ذلك كله العون والمدد على تحقيق أهداف الرسالة، وإعادة صياغة هؤلاء المؤمنين، وتنبيهًا على ما يجب أن يكون، وتحذيرًا من مخالفته فيما سيكون، ثم بدأ القرآن الكريم بعد هذا النمهيد الضخم، في قص سيرة بدر، موزعًا في تضاعيفها ذلك التمهيد الضخم بما يتناسب مع كل مشهد منها في سياقات بصياغات جديدة غير متكررة من الفهم والشحن والاصلاح والاعداد، ونبدأ في أول المشاهد التى قصها القرآن وهي قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٦].
وبالتأمل في هذه الآيات نرى إجمالًا هذه الامور:
١ - أن الله سبحانه هو الذى أخرج النبي - ﷺ - من بيته من المدينة، أو من المدينة محاطًا متلبسًا بالحق في هذا الخروج، فلم يكن ليأمر ربه ليخرج بغير حق، لنعلم أن العير أو النفير التى أخرج النبي - ﷺ - لملاقاتها كان محقًا تمام الحق في ذلك ولو كره المستشرقون الذين ذكروا باطلهم بأن خروجه لقطع الطرق وغيرها من قبيح الأوصاف المخالفة للواقع.
٢ - أن فريقًا من المؤمنين كرهوا الخروج لملاقاة جيش قريش (النفير)، لنفرة الطباع عن القتال أو لعدم الاستعداد لملاقاة الكفار، وهذا عن الصحابة بعد البذل
_________________
(١) انظر أبا السعود، ارشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٢)، والالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٤٢)، وغيرها.
[ ٥٢٦ ]
والتضحية منهم يدل على أنه ليس داخلًا تحت الاختيار؛ فلا ينتقص من منصبهم وقدرهم، لأنهم هم الذين واصلوا إلى النهاية حتى نصرهم الله تعالى.
٣ - ذكرت الآيات كذلك جدالًا من هؤلاء الكارهين للقتال والذى سماه المولى ﷾: ﴿الْحَقَّ﴾، فمتى علموا أنه الحق أي الخروج لملاقاة النفير؟ لا شك قد بين لهم الرسول - ﷺ - بأن الحق في ملاقاتهم للنفير وبأنهم سينصرون.
٤ - ما زالت النوازع الانسانية في مثل هذا الحال الذى لا يظن، بل لا يتخيل معه النصر لأنهم لم يتخذوا أسبابه تهتف بهم أن ذلك ليس إلا سوقًا إلى الموت.
ونحلل ما ذكرنا من الآيات الكريمات، فنجد ..
أن الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾، للتشبيه وهو تشبيه حال بحال متصل بما قبله، وهو بتقدير مبتدأ محذوف هو اسم إشارة لما قبله تقديره: هذا حال بحال ما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ووجه الشبه هو كراهية المؤمنين في باديء الأمر لما هو خير لهم في الواقع (١)، سواء الأنفال أو ملاقاة النفير.
والمعنى أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمرًا موافقًا للمصلحة في حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك الخروج.
وقد أشار هذا الكلام إلى خروج النبي - ﷺ - موضحًا السبب، وهو أن أبا سفيان بن حرب قد عاد من الشام بعير قريش وفيها أموال عظيمة ندب النبي - ﷺ - المسلمين إلى الخروج إليها، لعل الله أن ينفلها إياهم تعويضًا بشيء مما سلبه المشركون من أموال المسلمين
_________________
(١) وهناك غير ذلك من الأوجه، حيث ذكرنا أولاها انظر الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٤٥)، أبا السعود، ارشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٣)، الالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، والطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
[ ٥٢٧ ]
ودورهم وأراضيهم، وإعاقه وحصارًا للمشركين عن الاستمرار في اعتداءاتهم على المسلمين ومع أن أبا سفيان قد سلك الساحل ونجا فإن جيش الكفار بقيادة أبى جهل أبى إلا الاستمرار في المسير لملاقاة رسول الله - ﷺ - بعنجهية وغطرسة ذكرتها السيرة، وما كان رسول الله - ﷺ - ليتراجع حينئذ أمام جيش الكفار، إن ذلك وحده هزيمة وإعلاء لراية الكفر وفيه ما فيه من تجرؤ كل أحد على المسلمين، إذ كانت القبائل تنتظر ما هي قريش فاعلة مع النبي - ﷺ -، كان متساوقًا مع السياق أن يكون الخروج إليهم هو الحق كما ذكر الله تعالى، خاصة إذا وعدهم النصر، لذلك كان التعجيب من موقف الكراهة هذا لأن تأكيد خبر كراهية فريق من المؤمنين بإن ولام الابتداء مستعمل في التعجيب من شأنهم بتنزيل السامع غير المنكر لوقوع الخبر منزلة المنكر؛ لأن وقوع ذلك مما شأنه ألا يقع، إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول - ﷺ -، أو التفويض إليه، وما كان ينبغى لهم أن يكرهوا لقاء العدو، فكان تأكيد الخبر كناية من التعجيب بخبرهم (١)، وهذا أحد الدروس المستفادة التى ألقاها القرآن الكريم على أسماع المؤمنين، كيف يقابلون أوامر الرسول وما يحبه وما يشير به مما نزل به قرآن، أو لم ينزل اكتفاء برأيه - ﷺ - المؤيد من عند الله تعالى، ليسارعوا إليه ويعجلوا إلى تنفيذه، وسنذكر الإشارة القرآنية بعد قليل في ذلك إن شاء الله تعالى.
أما قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٦]، إما جملة مستأنفة، أو هي حال ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إياك، أو هي حال من الضمير في قوله: ﴿لَكَارِهُونَ﴾، وصيغة المضارع لحكاية الحال كما لو كان حاضرًا لزيادة التعجيب منها كما في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ولم يقل جادلنا خرجوا إذن والطريق طويل والجدال متجدد متكرر يعجب منه السامع، خاصة بعدما تبين لهم الحق كما ذكرنا باعلام النبي أنهم ينصرون، وهم ما زالوا يقولون هلا ذكرت لنا النفير والقتال حتى نتأهب ونستعد لذا جاء قوله تعالى: ﴿بَعْدَ
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
[ ٥٢٨ ]
مَاتَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]، كأنه لوم لهم على المجادلة في هذا الخروج للنفير وترك العير والمتفحص يجد سبب اللوم أن الرسول - ﷺ - قد أخبرهم بوعد الله لهم بالعير أو بالنصر على النفير فها قد مضت العير وأفلتت وجاء النفير، فهذا الحق بين بذاته إذا سواء شعر به كلهم أو بعضهم بأنهم منتصرون لا محالة؛ بحيث لا ينبغى الاختلاف فيه، فقد كانوا عربًا أذكياء، وكانوا مؤمنين أصفياء، ورأوا كراهة النبي - ﷺ - لما اختاروا العير، فكان ذلك كافيًا في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم بلا أدنى ريب.
ولم يترك القرآن الكريم تصوير حالهم، وهم سائرون إلى القتال بغير أهبة يظنونه الموت الذى تتخيله النفوس ببشاعة وكرب فتكرهه فشبه حالهم في قوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦]، بحال من يجادل ويمانع من يسوقه إلى الموت: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦]، أي إلى الموت المساقين إليه، لأن حالة الخوف من الشيء المسوق إليه تكون أشد عندما يكون منظورًا فما الظن بالموت. (١)
ويأتى الأن مكان الاشارة التى أرجأناها، وهي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فبعد أن انتهت المعركة، وتبين لهم الحق على أرض الواقع وانتصروا، جاء خطاب الله لهم بأنه ما دعاهم للموت حين دعاهم للخروج بل دعاهم للعكس دعاهم لما فيه حياتهم في الأولى والآخرة، إذ من طبيعة الاستجابة لله تعالى، ولرسوله - ﷺ - وعاقبتها الحياةُ الحسنى، وإن استشهدوا فيها فقد حصلوا أحدى الحسنيين أو أجلهما وأعظمهما: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وليكن شعارهم بعد أن رأوا النتيجة رأى العين هو الحياة في الاستجابة لله ولرسوله - ﷺ - إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة الحقة، وبكل معانى الحياة
_________________
(١) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٤)، الالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٤٨)، الطاهر بن عاشور (٩/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ٥٢٩ ]
الحقة لأنها من الله ورسوله - ﷺ -.
ما زال القرآن الكريم يقص علينا مشهد الخروج إلى غزوة بدر، لنرى أمر الله تعالى وشأنه وتدبيره هو المحيط بالمؤمنين وبكل شيء من أوله إلى يوم يلقونه، وليروا ترتيب الله تعالى وإرادته الذى لا ترتيب مثله، ولا راد لإرادته، وأنهم مهما حاولوا أن يمهدوا ويوطدوا ويرتبوا لأنفسهم ما فعل من ترتيبه مثقال ذرة، ولو اطلعوا على الغيب لما اختاروا غيره، وقد نطق واقع النصر بخلاف ما ذهبوا إليه وتشوفوا له ورنت إليه قلوبهم وأبصارهم، جاءت الآيتان التاليتان ليؤكدا ويوضحا السابق، ثم يتحدد هدف المعركة الذى قصد إليه الشارع الحكيم فيقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧ - ٨].
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧]، وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما بهم مما ذكر عن بعضهم، يبين أنه وعدهم إحدى الجماعتين من المشركين العير أو النفير، و﴿وَإِذْ﴾، منصوب على المفعولية بمضمر إن كان متصرفًا أو ظرف لمفعول ذلك الفعل يعنى واذكروا وقت وعد الله إياكم إحدى الطائفتيين والتذكير بهذا الوقت تذكير بما وقع فيه من الحوادث بتفاصليها وذكر بالمضارع ليكون حاضرًا مفصلًا كأنه مشاهد عيانًا (١)، نذكرهم فيه بعدم ظنهم النصر، وأنهم كذا وكذا مما ذكرنا فكيف بكم الآن من بديع أحكام الله تعالى وتقديره.
وقد وعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصة بكم تتصرفون فيها كيف شئتم،
_________________
(١) هذا ما ذهب إليه معظم كالزمخشرى، الكشاف ()، والفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٤٨)، وأبو السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٤)، والالوسى (٦/ ٢٤٨)، وذهب الطاهر بن عاشور مذهبًا آخر (٩/ ٢٦٩)، وإلى ما ذهب إليه المعظم حيث موافقة اللغة، وهناك مذاهب أخرى، انظر بن عاشور أيضًا (٩/ ٢٦٩).
[ ٥٣٠ ]
وتحبون أن تكون لكم العير، الطائفة التى لا شوكة فيها، أي لا بأس لها، ترى ماذا لو تحقق لكم ذلك أكان أولى، أم ما أراده الله وتعلقت به مشيئته هو الأولى الذى ظهرت لكم علله وحكمه (١).
وهذه العلل وهي أهداف المعركة الرئيسية:
١ - أن الله يريد أن يحق الحق بكلماته.
٢ - أن يقطع دابر الكافرين.
٣ - أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
وننقل كلامًا عن سيد قطب لنفاسته فيقول ﵀ ما حاصله لقد أراد الله تعالى
- وله الفضل والمنة - أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. وأراد أن يقطع دابر الكافرين فيقتل منهم من يقتل ويؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم وتعلو راية الإسلام وكلمته، ويمكن الله تعالى للعصبة المؤمنة التى تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله تعالى في الأرض، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف بالجهد والجهاد وتكاليفه معاناتها في عالم الواقع في ميدان القتال.
لقد أراد الله تعالى للجماعة المسلمة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة لها قوتها وسلطانها، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد والعدة، وليس بالمال والخيل والزاد إنما هو بمقدار ما تحصل بإيمانها من قوة الله تعالى التى لا تقف لها قوة، وأن يحدث ذلك في الواقع الشاهد لا يكون
_________________
(١) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٥)، والالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٤٨).
[ ٥٣١ ]
مجرد تصور قلبى واعتقادى لتتزود منه الأمة المسلمة الزاد المقنع الذى لا شك فيه لواقعها ومستقبلها إلى أن يقول: ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك ما تهزم وتغلب خصومها وأعداءها مهما تكن من القلة والعدة المادية ومهما كان أعداؤها بالكثرة والاستعداد والعتاد، ما كانت هذه الحقائق لتستقر كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوى الطغيان.
وينظر الناظر اليوم وبعد اليوم ليرى الآماد المتطاولة بين ما أرادته الجماعة المؤمنة لنفسها يومذاك وما أراده الله لها، بين ما حسبته خيرًا لها وبين ما قدره الله لها من الخير، وكم يخطيء الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أن يختاروا لأنفسهم خيرًا مما اختاره الله لهم، وحين يتضررون مما يريده الله لهم مما قد يعرضهم لبعض الخطر أو يصيبهم بشيء من الأذى بينما يكمن وراءه الخير الذى لا يخطر لهم ببال ولا بخيال.
وهذا كفيل بالرد على كل كلام أثاره المرجفون المبشرون من المستشرقين وغير المبشرين منهم على غزوات الرسول جميعًا فضلًا عن سيرته العطرة، إننا نسبق الكلام لنقول ذلك لأنه لن يبقى بعد ذلك مجال للرد على وات.
ونستأنف كلامًا أخيرًا في هذه الجزئية لسيد قطب حيث يقول: فأين ما أرادته العصبة المسلمة مما أراده الله لها ..؟ لقد كانت تمضى - لو كانت لهم غير ذات الشوكة - قصة غنيمة. قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها! فأما بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل. قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل زاد والحق في قلة من العدد وضعف في الزاد والراحلة. قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتى. بل قصة انتصار حفنة من القلوب الثابتة المستعلية على الواقع المادى، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها، قد انتصرت
[ ٥٣٢ ]
على نفسها، وخاضت المعركة، والكفة راجحة رجحانًا ظاهرًا في جانب الباطل، فقلبت بيقينها ميزان الظاهر، فإذا الحق ظاهر غالب (١).
ونعود إلى تكملة تحليل الآية، حيث ذكرت أهداف المعركة الثلاثة من الوجهة القرآنية، التى تدل بإشارتها إلى معان أخر تحملها تلك الأهداف:
أول أهداف المعركة: هو أن الله تعالى يريد أن يحق الحق بكلماته، يعنى تعلقت إرادة الله هنا بتثبيت الحق وتدعيمه وشد أساساته وأركانه، فلا يتزعزع ولا ينكسر، بل يقوى ويستقر والحق هنا هو دين الحق أي الإسلام، وقد أطلق عليه الحق في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]، وإن إحقاق الحق باستئصال معانديه، أنتم تريدون نفعًا عاجلًا قليلًا، وأراد الله نفعًا عظيمًا في العاجل والآجل، وذلك كله بكلماته، بسبب كلماته، مثل آيات القرآن النازلة في قتال الكفار، وما أمر به الملائكة من نصرة المسلمين يوم بدر وغير ذلك مما هيأ به للمعركة سبحانه شرعًا وقدرًا، وكلماته ﷾ لا تتخلف كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥].
الهدف الثاني: هو قطع دابر الكافرين، وهو إزالتهم حتى لا يبقى في مؤخرتهم أحد من ورائهم وإن ذلك لتخضيد لشوكتهم، وإظهار أمر المسلمين ورفع شأن الإسلام، وما يكون فيه المسلمون من أمن واطمئنان بال، وإن حرمهم الغنى العارض، إذ كانوا يحسبون أنهم لا يستطيعون هزيمة عدوهم، إن في ذلك سمو رتبة الدين وعلو كلمة الحق، وهذا ما تحقق للمسلمين بعد بدر، وهم راجعون لا يصدق مسلم ولا يهودى ولا وثنى أنهم انتصروا لقد قلبت الموازين والحسابات، وتغيرت المواقف والأوضاع، ودخل الإسلام
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (٢/ ١٤٨١ - ١٤٨٢).
[ ٥٣٣ ]
مرحلة جديدة يحسب لها حسابها، بحيث جاءت أحد والخندق بكل أعداء الداخل والخارج توقعًا لقوة المسلمين الفتية وأدائهم القوى في ظاهر الأمر.
لم تكن أهداف المسلمين إذا عند معركتهم وبعد نزول القرآن الكريم بتحديد تلك الأهداف كما ادعى المستشرقون، بل التطلع المادى، قد حسم قبل المعركة بكلمات الله التى بين لهم بعد المعركة.
الهدف الثالث: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: ٨].
واللام هنا للتعليل وهي متعلق بقوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنفال: ٧]، أي أراد ذلك وكون أسبابه بكلماته لأجل تحقيقه الحق وإبطاله الباطل، وأفاد التعليل هنا معنى الحصر، أي ما فعل إلا لذات الفعل لهذه الغاية الجليلة لا لشيء آخر، ولا لغرض آخر، وقد سيقت الآية لبيان الحكمة الداعية إلى اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها، مع إرادتهم لغيرها، فلا يكون تكرار، إذ الأول لبيان تفاوت ما بين الإرادتين، وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ذكر. (١)
والحق هو حق من قبل ومن بعد وكذا الباطل، ومعنى يحق الحق إذا هو اظهار حقيقته، فيشتهر ويرتفع ذكره لا جعله حقًا بعد أن لم يكن، وكذا الباطل وهذا في التعبير القرآنى المجيد توكيد أيضًا لإحقاق الحق بنفى ضده وهو إبطال الباطل؛ لأن احقاق الحق من لوازمه إبطال الباطل، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ٢١]، لأنه لما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، فصار كل ذلك لتوكيد احقاق الحق، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠].
_________________
(١) انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٥)، والألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٤٩)، الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٠ - ٢٧٣).
[ ٥٣٤ ]
وعلى كراهة من المجرمين لذلك فعل الله ما فعل بهم، إذ هم المشركون المكذبون، ولا شك أنه لا يقصد بالكراهة مجرد الكراهة القلبية، حتى تكون تلك المبالغ الضخمة في تلك التراتيب الإلهية للمعركة، ولكن الكراهة هنا كناية عن الاستعداد على قدم وساق لاستكمال محاربة الدعوة وقتل نبيها وتشتيت أهلها وفتنتهم عن دينهم إلى آخر ذلك من المقاومة والاستعداد، ومن ثم كان المشركون بكراهتهم أي بكل ما أوتوا يريدون إظهار الباطل وإحقاقه، وما من بد حينئذ أن تنفذ إرادة الله جل وعلا مهما كانوا (١)، وتنقلب الكفة عليهم بجنده الأقل في كل شيء ليحق الحق ويبطل الباطل ولو فعل المجرمون في الأرض ما استطاعوا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كان درسًا ممتازًا لأهل الإيمان في كل زمان ومكان تحصله العصبة المؤمنة ليزداد يقينها بالله، وحسن توكلها عليه، وثقتها في دينها ورسولها - ﷺ -؛ لتعود رايتها مرتفعة ونورها منتشرا يحمل العدل والحق والمساواة، يحمل الدينونة لله تعالى.
وما زلنا سائرين مع السيرة القرآنية تقص لنا سيرة بدر لنقارن ونحلل بما ورد في الواقع لا لنجمع الأحداث لاستنباط المطلوب، وللتزود بوقود الإيمان الذى لا يخبو ولا يغيض، لتندفع قاطرة الحق حتى تبلغ مداها، فنصل إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
مضى السياق هنا بعد تحديد أهداف المعركة، وكل معركة، مع توجيهات في كل موقعة جديدة تستوحيها ظروفها وما يحيط بها، في استحضار جو بدر وملابساتها ومواقفها، والتعبير القرآنى المتميز يعيد تمثيل المشهد بمواقفه وحوادثه وانفعالاته وخفقاته ليعيشوه
_________________
(١) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٣).
[ ٥٣٥ ]
مرة أخرى، معايشة التأمل والعبرة والاتعاظ والتأهل لما هو آت - معايشة الشكر لله تعالى والمحافظة على أسباب النصر والتزود منها - معايشة نقل ذلك والتحرك به لمن بعدهم من المؤمنين المتقين، معايشة الثبات على الإسلام والتعلق بالله والثقة في أن النصر من عنده هو سبحانه، ومعايشة الرؤية الحقيقية لابعاد الموقف التى تتجاوز بدرًا والجزيرة والعالم كله لتربط الأرض بالسماء والدنيا بالآخرة، ليروا قيمة أقدارهم وأعمالهم في ميزانهم يوم القيامة.
ونلاحظ على الآيتين ما يلى:
١ - تقدم ذكر الاستغاثة بعد أن ذكر كراهة بعض المؤمنين لقتال لم يستعدوا له، وبعد أن نبأهم بتصحيح أهدافهم من المعركة إلى الأهداف العليا، خاصة بعد ما اختار لهم ذات الشوكة لتكون لهم.
وقد علمنا من السنة الشريفة أن الاستغاثة جاءت متأخرة عندما التقى الفريقان، ونظر النبي - ﷺ - إلى قلة عدد المؤمنين وزادهم ورحلهم بالإضافة إلى الكفرة فأخذ يستغيث بالله تعالى ويناشده نصره الذى وعده، ويبدو أن هذا التقديم له حكمته في أن تكون استغاثة المؤمنين أولًا بالله تعالى في تحقيق النصر، لا بالنظر إلى قوتهم وعدتهم، إذ لا ينفعهم ذلك عندما يرفع الله عنهم عنايته ونصره، مهما كانوا في نهاية القوة وغاية البأس، لذا قال تعالى بعد ذلك في غزوة حنين مذكرًا لهم تذكيرًا عمليًا كالمعتاد في تربية الله تعالى أوليائه المتقين وجنده المخلصين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، لذا أعقب هذا الآيات الكريمات التى نحن بصددها بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]، فكان تقديم الاستغاثة بالله واللجوء إلى نصره بعد تقديم الأسباب كافة هو العامل المقدم في النصر.
[ ٥٣٦ ]
٢ - وكذلك قدمت الآيات الكريمات ذكر الملائكة مع أنهم جاءوا مردفين للمؤمنين عندما ألتقى الصفان، ذلك لحكمة أيضًا ولعلها في الأمور التالية:
الأول: أن الاستغاثة بالله وتقديمها تعنى على الفور غوث الله تعالى بالمدد الذى لا يهزم حتى لا ينسى المؤمنين ذلك أو يغفلوا عنه.
الثاني: أن تقديم الملائكة يدلهم على نزول السكينة ورباطة الجأش والثبات عن الملاقاة فيدخلون المعركة وهم مستعدون الاستعداد التام للمواجهة، لا يهمهم من عدوهم كثرة ولا أبهة ولا سلاح، بل هم صامدون حتى إحدى الحسنيين، لا يهولهم شيء ولا يكبر عليهم شيء، فلا يزلزل الخوف والرعب - كائنًا من كان عدوهم - شيئًا من أفئدتهم ولا من أمن روعاتهم، علاوة على البشارة بالنصر، الذى يجعلهم في نهاية التصميم عليه والمسارعة إليه.
الثالث: الاستجابة الفورية بفاء التعقيب من الله تعالى لهم، ليكون عنوانًا لهم وللمؤمنين في كل زمان ومكان على نزول مدد الله عليهم، وظهور تباشير النصر، وما تكون استجابة الله لهم إلا بعد استجابتهم له: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، بتحقيق أسباب النصر ظاهرًا وباطنًا، ماديًا ومعنويًا، حتى إذا وقفت بهم الأسباب جاءت قدرته وقوته ومدده الذى لا يقهر وفعله وترتيبه الذى لا يغالب وهو من دروس المؤمنين اليوم.
ونعود إلى تحليل الآيتين الكريمتين لهذا المشهد العظيم ..
ذكر المفسرون لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، تعلقات كثيرة (١)، ونقتصر على كلام ابن عاشور لتوضيحه للواقع وموافقته له فنختصره حيث يقول: يتعلق ظرف: ﴿إِذْ
_________________
(١) فذكر بعضهم أنها بدل من: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، معمول لعامله، انظر أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٥)، الالوسى، روح البيان (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، وكأنه كلام أبى السعود بنصه، وانظر الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٠)، وجعل العامل في إذ ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾.
[ ٥٣٧ ]
تَسْتَغِيثُونَرَبَّكُمْ﴾، بفعل يريده الله، إذ إرادة الله مستمر تعلقها بأزمنة من إرادته إحقاق الحق حتى النصر ونهاية بدر، فكانت استجابة الله لهم بإمدادهم بالملائكة من مظاهر إرادته تحقيق الحق، وإذ كانوا بينهم وبين إرادة الله أن يحق الحق مدة من الزمان، فقد اقترن ببعضها على امتداد تلك المدة كما ذكرنا فصح تعليق ظرف الاستغاثة بفعلها. (١)
وعبر بالمضارع لاستحضار هذه الصورة العجيبة (٢)، من الماضى لتكون محل العبرة وعبر بضمير الجماعة وأريد به النبي - ﷺ - فيكون الجمع للتعظيم، أو لأنه كان يدعو - ﷺ - لأجلهم معلنًا بدعائه وهم يسمعون، فهم بحال من يدعون، أو أن المسلمين أنفسهم كذلك كانوا يستغيثون ويدعون فصح إطلاق الجمع على الجميع. (٣)
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، لما كانت الاستغاثة طلب الغوث، وهو الإعانة على رفع الشدة والمشقة وكانوا في ذلك يومئذ، دعوا بطلب النصر لرفع ما هم فيه، فاستجاب لهم، بإجابة دعائهم عقيب الاستغاثة كما تفيده الفاء ولكن على أتم وجه لأن الاستجابة تدل على قبول الطلب والسين والتاء للمبالغة في تحقيق المطلوب.
وقد جاءت الاستجابة بكلام من الله هو: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، أي بأنى ممدكم، أي معينكم وناصركم والتأكيد للاعتناء بشأن الخبر.
والإرداف الإتباع والإلحاق؛ فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مددًا، وذلك أن الله أمدهم بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما ورد في سورة آل عمران، وهم مردفين بألفين، فتلك خمسة
_________________
(١) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٢) أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٥)، الألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٠).
(٣) الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٠ - ٤٥١)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، الألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٠)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
[ ٥٣٨ ]
آلاف، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيمًا أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى؛ لأن ذلك أرهب للعدو.
وكان حلول الملائكة في المسلمين بكيفية يعلمها الله تعالى، فيراهم من أكرمه الله برؤيتهم أو بإراءة الله الناس ما ليس من شأنه أن يرى عادة. (١)
وما كان إمداد المؤمنين بالملائكة إلا ليبشرهم، وإلا فقد كان يكفيهم أن يضمن لهم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة.
وأما فائدة التبشير بإمداد الملائكة فيقول الطاهر بن عاشور: «يوم بدر كان في أول يوم لقى فيه المسلمون عدوًا قويًا وجيشًا عديدًا، فبشرهم الله بكيفية النصر الذى ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعانى يدق إدراكه سكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم.» (٢)
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠]، كلام مستأنف لبيان أن المؤثر الحقيقى هو الله جل وعلا، ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه، وما جعل إمدادكم بهم بشيء من الأشياء إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة. وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالًا وهو مذهب بعضهم، ويشع ظاهرها بأن النبي - ﷺ - أخبرهم بذلك الإمداد وفي
_________________
(١) انظر لما سبق الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٦ - ١١٧)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، والألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٠ - ٢٥١) ن الطبرى، جامع البيان (٩/ ١٢٦ - ١٢٧).
(٢) ابن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٦).
[ ٥٣٩ ]
الأخبار ما يؤيده، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة ﵈. (١)
وبعد أن بشرهم بنزول الملائكة، وطمأن قلوبهم بالنصر، أكد لهم مرة أخرى على التعلق بالله تعالى وأنه خالق الأسباب، وأن كل شيء منه، فلا يركنوا إلا إليه ولا يتوكلوا إلا عليه في النصر وفي تحقيق كل أمورهم وتيسيرها فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]، أي لا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله تعالى، وختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، بصيغة الخبر المؤكد فنزل المخاطبين منزلة من يتردد في أنه تعالى موصوف بهاتين الصفتين، وهما العزة المقتضية أنه إذا وعد بالنصر لم يعجزه شيء. والحكمة فيما يصدر من جانبه يجب غوص الأفهام في تبين مقتضاه، فكيف لا يهتدون إلى أن الله لما وعدهم الظفر بأحدى الطائفتين، وقد فاتتهم العير أن ذلك آيل إلى الوعد بالظفر بالنفير. وإن كانت الجملة في نفس الوقت مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا جعلت كالإخبار بما ليس بمعلوم لهم. (٢)
أخرنا الكلام على المعنى الثاني من نزول الملائكة، وهو قتال الملائكة في بدر مع المؤمنين مناسبة لسياق الأحداث، مع نزول الآية التى تتحدث عنه.
والآن مع المشهد التالى وهو في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١].
_________________
(١) أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، والزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٦ - ١١٧)، والألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
(٢) انظر الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٧)، أبا حيان، البحر المحيط (٥/ ٢٨٠)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٢)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، الألوسى، روح البيان (٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، الطبرى، جامع البيان (٩/ ١٢٨ - ١٢٩).
[ ٥٤٠ ]
لقد استجاب الله للمؤمنين عندما استغاثوا به، وأعلمهم أن النصر من عنده، فكان حسبهم بعد ذلك أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية، وأن يغالبوا الهزة الأولى التى أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعى، وأن يمضوا في طاعة أمر الله، واثقين بنصر الله، كان حسبهم هذا لينتهى دورهم، ويجيء دور قدرة الله التى تصرفهم وتدبرهم، فكانت البشرى المطمئنة تثبيتًا للقلوب في مواجهة الخطر، وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة، ثم النصر من عند الله وحده، حيث لا يملك النصر غيره.
وهو: «العزيز» القادر الغالب على أمره، وهو: «الحكيم» الذى يحل كل أمر محله. (١)
لقد انتهى دور العصبة المؤمنة في أخذها بالأسباب، فهلَّ علينا مشهد الاعداد المباشر للقتال وهو اعداد المقاتلين، وتهيئة مسرح العمليات، وهو يصور ما يأتى، جاء المدد الأول من أمداد الله تعالى للعصبة المؤمنة يوم بدر في هذا المشهد يذكر قصة النعاس الذى غشاهم قبل المعركة فهى قصة حالة نفسية عجيبة، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره، لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه، فإذا النعاس يغشاهم، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم، والطمأنينة تفيض على قلوبهم، كان يوم أحد تكرر الفزع، وتكرر النعاس، وتكررت الطمأنينة، كيف تم هذا؟ كيف وقع هذا التحول المفاجيء إنه مدد من أمداد الله تعالى.
وهذا في الترتيب والمدد التهيئة لأبلغ رد على المستشرقين في كل سيرته - ﷺ - من كونها اصطفاء واختيارًا وتدبيرًا وترتيبًا من الله، إذ ذلك كله ليس في مقدور جميع البشر أن يفعلوه، أو ينزلوه إن كان شيئًا منه في الظاهر فما بال الباحث بالقلب والطمأنينة وتغشية
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٣ - ١٤٨٤).
[ ٥٤١ ]
النعاس ونزول الملائكة مع إنزال المطر وإجراء تصاريف ليست في وقتها تخص هذه الفئة المؤمنة.
وإذ قد صحوا من هذا النعاس بهذا المدد الروحى، جاءتهم أمداد أخرى تحيط بهم من الأمداد المادية هي قصة الماء: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، فتم المدد الروحى بالمدد المادى لتسكن القلوب في هذه الصحراء بوجود الماء، وتطمئن الأرواح بالطهارة وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسك الرمال.
ونعود لتحليل الآية الكريمة:
يقول الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»: لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله تعالى برسوله - ﷺ - وبالمؤمنين، فقرنها في قَرَن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذ الزمانية.
وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب. (١)
إذ يغشيكم النعاس يجعله غاشيًا عليكم ومحيطًا بكم، إذ الغشى كون الشيء غاشيا أي غامًا ومغطيًا وهو بدل من: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، على القول بجواز تعدد البدل، أو مفعولًا فيه لقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾، فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، فلا جرم أن يكون وقت حصوله، والنعاس النوم غير الثقيل يزيل التعب ولا يغيب صاحبه، وإسناد الإغشاء إلى الله تعالى؛ لأنه الذى قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، فهو نوم منحهم الله إياه لفائدتهم، وإما إسناد الغشى إلى النعاس حقيقة على المتعارف، وقد علمنا أنه من تقدير الله تعالى بقوله: ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾، أي أمانًا منه، فإن الخوف والمشقة أطارا كراهم من أوكاره، فلما طامن الله قلوبهم رفرف بجناحه عليهم فنعسوا، وجاء الغَشْى بصيغة المضارع لاستحضار
_________________
(١) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
[ ٥٤٢ ]
تلك الحالة تذكيرًا بنعمة الله تعالى، إذ لما نعسوا زال أثر الخوف من نفوسهم فتلك نعمة، ولما استيقظوا وجدوا نشاطًا، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة، ويزيل شعور الخوف الذى هو فتور الأعصاب.
و﴿مِنْهُ﴾، أي من الله سبحانه، لإفادة تشريف ذلك النعاس، وأنه وارد من جانب القدس فهو لطف وسكينة ورحمة ربانية، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله تعالى. (١)
كان ذلك حال المؤمنين الواقع لهم بقدره الله ومشيئته وذلك شيء من مدده، الذى اتبعه بذكر مدد آخر، له قصة نستكمل بها جوانب المشهد الذى نحن فيه، وهي قصة المطر الذى أكرمهم الله به في تلك الصحراء القاحلة، في قلة الزاد والماء، إنها لعناية الاهية لا يستطيعها البشر كافة ليحقق بها لجنده هذه الأمور الأربعة:
الأول: ليطهرهم به من الحدث الأصغر والأكبر، وليملأوا أسقيتهم، وليشربوا ويحوزوا الماء إلى رحالهم.
الثاني: إذهاب رجز الشيطان عنهم.
الثالث: الربط على قلوبهم.
الرابع: تثبيت الأقدام.
وذكر إن إنزال المطر عليهم من الله تعالى للتنبيه على إكرامهم به في وقت احتياجهم إلى الماء، أو لكونه كذلك في غير الوقت المعتاد نزول الأمطار فيه، فقد كان المسلمون حين
_________________
(١) انظر الطبرى، جامع البيان (٩/ ١٢٩)، الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٧)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٧)، الألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٥)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٣ - ٤٥٥)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٧ - ٢٧٩)، سيد قطب، في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٤)، وهناك أقوال أخرى فيما ذكرنا، اقتصرنا على الأنسب للسياق والأقوى في بابه ولمزيد البحث ذكرنا المراجع والمصادر السابقة.
[ ٥٤٣ ]
اقتربوا من بدر راموا أن يسبقوا المشركين إلى ماء بدر، ولكن طريقهم كان دَهْسًا رملًا لينًا فشق عليهم إسراع السير إلى الماء وكانت أرض المشركين ملبدة، فلما أنزل الله المطر تلبدت الأرض فصار السير أمكن لهم، واستوحلت الأرض للمشركين فصار السير فيها شاقًا، فأمكن المسلمين السبق إلى الماء من بدر، ونزلوا عليه وادخروا ماء كثيرًا من المطر فشربوا وتطهروا.
أما الرِجز فهو القذر وهو الحسى، وكذلك المعنوى المعبر عنه بالحديث، فالله جل وعلا أذهب عنهم بالماء رجز الشيطان ذلك، لأن فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجس الثياب والأبدان والنجاسة مما يلائم طبع الشيطان، علاوة على ما فسر جمهور العلماء الرجز هنا بوسوسة الشيطان وتخويفه من العطش، حيث غلب المسلمون قبل نزول المطر على ماء بدر فظمئوا وأصبحوا مجنبين محدثين فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال: أتزعمون أن فيكم نبيًا وأنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين، فأنزل الله الماء فسال به الوادى إلى آخر ما ذكر (١)، أما قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾، أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة طلائعه، والربط هو الشد أي ربط القلوب، وأنما أتى بـ ﴿عَلَى﴾، هنا للايماء إلى أنها امتلأت من ذلك حتى علا عليها، وفيه من إفادة التمكن ما لا يخفى.
وتثبيت الأقدام هو ألا تسوخ في ذلك الدهس، بل تتمكن من السير في الرمل وجوز ان المراد بالتثبيت كما قال أبو عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين. (٢)
كل ذلك - وأكثر منه مما وقع من السيرة - ذكرته الآية القرآنية الكريمة في هذا الموجز الموحى، مع نسبته إلى الله تعالى لا إلى غيره، ليكون عبرة للمؤمنين إلى اليوم، مع تذكير
_________________
(١) الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٧ - ١١٨)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، الألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٥)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) انظر الألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٦).
[ ٥٤٤ ]
الحاضرين بما كان من عظات عبر وأحكام ليستأنفوا توطيد أركان الشريعة، ونشر تعاليم الإسلام، رفع رايته وهم في تمام الثقة واليقين والتوكل على الله تعالى، وأن الناصر لدينه على الحقيقة هو الله، وإنما أكرمهم ليكونوا الأسباب الظاهرة التى يؤيد بها دينه، ويهزم بها أعداءه، وتتجلى فيها صدق الرسالة وصحة النبوة، وإتصال الأرض بالسماء، وليبدو بها وحى الله العظيم.
تعبأ المؤمنون للقتال، وتقدم المسارعون إلى جنة عرضها السموات والأرض الصفوف، وبدأ المؤمنون في حصد إحدى الحسنيين، فجاءت الآية التى تبرز المشهد الجليل الهائل، مشهد الأمر لملائكة الإمداد المردفين بأن يعاونوا المؤمنين، وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].
ونسوق كلامًا مختصرًا مرة أخرى لسيد قطب ﵀ (١)، دالًا يوضح تمهيد المقصود فيقول: ذلك ما أوحى الله به إلى الملائكة من تثبيت الذين آمنوا، وإلى ما وعد به من إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، وإلى ما أمر به الملائكة من الاشتراك الفعلى في المعركة.
إنه الأمر الهائل، إنها معية الله سبحانه للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المؤمنة، هذا هو الأمر الذى لا يجوز أن يشغلنا عنه أن نبحث: كيف اشتركت الملائكة؟ ولاكم قتيلًا قتلت؟ ولا كيف قتلت؟ إن الحقيقة الكبيرة الهائلة في الموقف هي تلك الحقيقة (إن حركة العصبة المسلمة بهذا الدين أمر هائل عظيم أمر يستحق معية الله لملائكته في المعركة)، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة.
إننا نؤمن بخلق من خلق الله اسماهم الملائكة، ولا ندرك من طبيعتهم وعملهم إلا ما
_________________
(١) سيد قطب، في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٦ - ١٤٨٧).
[ ٥٤٥ ]
أخبرنا به النص عن خالقهم جل وعلا، فلا نملك إدراك الكيفية التى اشتركوا بها في نصر المؤمنين في بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى أو الحديث الصحيح، لقد أوحى إليهم أنى معكم، وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا، وأن يضربوا فوق أعناق المشركين، وأن يضربوا منهم كل بنان، كل ذلك فعلوا؛ لأنهم يفعلون ما يؤمرون، وقد وعد الله تعالى أن يلقى الرعب في قلوب الذين كفروا فكان ذلك، ووعده الحق، ولكنا لا نعلم كيف كان ذلك، فالله هو الذى خلق وهو أعلم بمن خلق.
ولا شك أن ذلك لا يستعظم على قدرة الله تعالى، فكله من الممكن الجائز فكيف يكون محلًا لإنكار، أو ريب وتردد، وقد نزل الملائكة على الأنبياء من قبل، وقاموا بإبادة وخسف قرى ومدن مازالت آثارهم تحكى ذلك، فما المانع أن ينزلوا على المؤمنين المكرمين مددًا لهم يقاتلون على وفق علم الله وترتيبه مع بقاء نواميس النصر العادية وأسبابها.
ووقفه عجلى على تحليل الآية الكريمة:
﴿إِذْ﴾ ظرف متعلق بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١)، والخطاب هنا للنبى - ﷺ - كما تنطق به الكاف، لما أن المأمور به مما لا يستطيعه غيره وهو الوحى للملائكة وهو تلطف به - ﷺ - في نفس الوقت، إذ الآية في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر، وما خاطبهم الله به فكان الخطاب إلى النبي - ﷺ - أولى؛ لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم، ويحصل العلم للمسلمين تبعًا له.
وأن كل ما يهم المسلمون هو نصر الملائكة إياهم، وقد حصل.
_________________
(١) هذا قول ابن عاشور (٩/ ٢٨٠)، وهذا خلاف ما ذهب إليه الزمخشرى من أن الظرف بدل ثالث لـ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، انظر الكشاف (٢/ ١١٨)، وذهب أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٢٤٨)، إلى نصبه بمضمر وإليه ذهب الالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٦)، ومثله الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٧)، وانظر تفاصيل غيرها فيما سبق.
[ ٥٤٦ ]
وعُرف اسم الله هنا بالاضافة إلى النبي - ﷺ - ﴿رَبَّكُمْ﴾، ليوافق تستغيثون لأن النبي - ﷺ - أول من استغاث، ولما فيه من التنويه بقدره واللطف به ورفع شأنه. (١)
وإيحاء الله تعالى إلى الملائكة بأنه معهم مقصود منه تشريفهم، وتشريف العمل الذى سيكلفون به، لأن المعية تؤذن إجمالًا بوجود شيء يستدعى المصاحبة، فكان قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، مقدمة للتكليف بعمل شريف يذكر ما تتعلق به المعية، لأنه سيعلم من بقية الكلام، أي أنى معكم في عملكم الذى أكلفكم به.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وعُرف هؤلاء المطلوب تثبيتهم بالموصول لايماء صلة ﴿آَمَنُوا﴾، بأن إيمانهم هو الباعث على هذه العناية، فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان.
وهنا يظهر موقع الفاء من حيث ما دل عليه ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾، من التهيئة لتلقى التكليف بعمل عظيم، وإنما كان هذا العمل بهذه المثابة لأنه إبدال للحقائق الثابتة باقتلاعها، ووضع أضدادها لأنه يجعل الحبن شجاعة، والخوف إقدامًا، والهلع ثباتًا في جانب المؤمنين، ويجعل العزة رعبًا في قلوب المشركين، ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سبب من أسباب القطع المعتادة، فكانت الأعمال التى عهد للملائكة عملها خوارق عادات.
وكان المراد التثبيت أيضًا الحمل على الصمود في مواطن الحرب والجد وفي مقاساة الشدائد في القتال قولًا وحالًا مثل ظهورهم بصورة بشرية يعرفونها بالنصر على أعدائهم، وأنهم سمعوا المشركين يقولون لئن حمل علينا المسلمون لننكشفن (٢).
_________________
(١) انظر أبا السعود (٢/ ٣٤٨)، الألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٦)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٨١ - ٢٨٢)، وغيرها.
(٢) انظر لما سبق الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٨)، أبا حيان، البحر المحيط (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٧)، الطبرى، جامع البيان (٩/ ١٣٢)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٨)، الالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٨١).
[ ٥٤٧ ]
﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، جاءت تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾، في إعانة المؤمنين بإلقاء الرعب في قلوب اعدائهم، أي يجعلهم مرعوبين خائفين منزعجى النفوس يتوقعون كل مكروه، وأسند الرعب إلى نفسه وحده ﷾؛ لأن الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فجعله الله بواسطة أخرى غير الملائكة، وإسناده إليه سبحانه على طريقة الإجمال بدون بيان لكيفية إلقائه، إشارة إلى أنه رعب شديد، قدره الله تعالى على كيفية خارقة للعادة، وإنما كان كذلك لأن أسباب ضده قائمة من وفرة عدد المشركين وعددهم، وإقدامهم على الخروج إلى المسلمين، وحرصهم على حماية أموالهم، وليسمع بهم العرب فلا يزالون يهابون قريشًا. فلما وقع لهم الرعب دل على خرق ذلك كله ولم يقل سبحانه سنلقى بدلًا من سألقى حتى لا يتوهم أن للملائكة سببًا في إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا. (١)
وما زلنا مع هذا المدد للمؤمنين عبرة لغيرهم، وبشارة لمن بعدهم ممن تحقق فيهم الإيمان الجالب لهذا النصر.
فقال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ..
وهي تفسير لقوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾، مبين لكيفية التثبيت، ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، واجتماعهما غاية النصرة (٢).
يقول الالوسى: «وقوله ﷾: ﴿سَأُلْقِي﴾، إلخ جمل استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنها مصدقهً ومبنيهً لإعانته إياهم على التثبيت، وقوله ﷾: ﴿فَاضْرِبُوا﴾، إلخ جملة مستعقبة للتثبيت، بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ، وكأن المعنى أنى معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا، وجيء
_________________
(١) انظر الالوسى، رح المعانى (٦/ ٢٥٧)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٨١ - ٢٨٢).
(٢) ابو حيان، البحر المحيط (٥/ ٢٨٥)، تبعًا للزمخشرى (٢/ ١١٨).
[ ٥٤٨ ]
بالفاء للنكتة المذكورة إلى أن يقول: وأما القول بأن ﴿فَاضْرِبُوا﴾، إلخ خطاب منه تعالى للمؤمنين وأنى ذلك؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة. وبالجملة الآية ظاهرة فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة (١).
﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾، أي الرؤوس من المشركين، وفوق باقية على ظرفيتها، وقيل: إنها مفعول به، وهي بمعنى الأعلى إذا كان بمعنى الرأس، وقيل: زائدة، وقيل بمعنى على أي على الأعناق أو الأعناق.
﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، وهي جمع بنانة وهي الإصبع وقيل طرفه، وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين، وضرب البنان يبطل صلاحية المضروب للقتال، وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة، وقد ذكرنا في السيرة عن بعض الصحابة ما يشهد لهذا المعنى (٢)، وعلى المعنى الثاني يكون بتسديد ضربات المسلمين فيكون إسناد الضرب اليهم مجازًا عقليًا لأنهم سبب جاء الخطاب القرآنى ليبين لنا بعد ذلك كله – مع أننا اختصرناه لأقل ما يمكن – ليشدد على موقفين وهما موقف المشركين وموقف المسلمين.
الأمر الأول: موقف المشركين:
حيث ذكر أن سبب ما فعل بهم إنما كان لمشاقة الله ورسوله - ﷺ -، وما ينتظرهم في الآخرة أشد أنكى فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَن لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ [الأنفال: ١٣ - ١٤].
_________________
(١) الالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٨).
(٢) انظر ابن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٨٣).
[ ٥٤٩ ]
والباء للسببية تفيد معنى التعليل، والمخاطب إما الملائكة بمعنى أن ما فعلتموه بهم كان لمحاداتهم لله ورسوله - ﷺ -، أو الخطاب لمن لم تبلغهم الآية من المشركين الأحياء يوم بدر، ولذلك فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله - ﷺ -، أو لكل أحد ممن يليق به الخطاب (١).
والمشاقة التى فعل الله ذلك كله بهم لسببها هي العداوة بعصيان وعناد، وهي مشتقة من – الشِق – بالكسر أي هم في جانب والنبي - ﷺ - في جانب، ليسوا في جانب الإيمان والطاعة، بل الكفر والمعصية والمخالفة للرسول - ﷺ -، ومن ثم كان التصريح بسبب الانتقام تعريضًا للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله تعالى ورسوله - ﷺ -، فإن المشيئة لما كانت سبب هذا الانتقام والعقاب العظيم، فيوشك ما هو مخالفة للرسول - ﷺ - ولو بدون مشاقة أن يوقع في العذاب والانكسار وإن كان دون ذلك، وخليق بأن يكون ضدها وهو الطاعة موجبًا للخير الشامل للنصر وغيره وهذا ما يمثله الواقع الذى تردينا إليه مقارنة بأعظم واقع كانوا فيه (٢)، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، الإظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة وإظهار كمال شناعة ما اجترءوا عليه، والإشعار بعلة الحكم.
وأما قوله: ﴿فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ..
فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهانى، كأنه قيل: ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله تعالى ولرسوله - ﷺ -، وكل من يشاقق الله ورسوله - ﷺ - فله بسبب ذلك عقاب شديد
_________________
(١) انظر الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٨)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٥٨)، أبا حيان، البحر المحيط (٥/ ٢٨٧)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٩)، الالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٩)، وابن عاشو، التحرير والتنوير (٩/ ٢٨٤).
(٢) أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٩)، وابن عاشو، التحرير والتنوير (٩/ ٢٨٤).
[ ٥٥٠ ]
كائنًا من كان، فإذن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله - ﷺ - عقاب شديد. (١)
فلم يكن ذلك العقاب في نهاية مشهد المشاقة الهائل هذا إلا تقريرًا موضحًا لما وراء المعركة، ووراء النصر فيها والهزيمة، من قاعدة ودستور لمجرى هذه الأمور:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال: ١٣].
أنها ليست فلته عارضة ولا مصادفة عابرة، أن ينصر الله العصبة المسلمة، وأن يسلط على أعدائها الرعب والملائكة مع العصبة المؤمنة، إنما ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله - ﷺ - ووقفوا يصدون عن سبيل الله ويحولون دون منهج الله للحياة.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
ينزل عقابه عليهم وهو قادر على عقابهم بأقل بكثير لأنهم أضعف من أن يقفوا لعقابه.
أنها قاعدة وسنة لا فلتة ومصادفة، حيث انطلقت العصبة المسلمة في الأرض لتقرير ألوهية الله وحده، ثم وقف منها عدو لها موقف المشاقة لله ورسوله - ﷺ -، كان التثبيت لهم والرعب والهزيمة للمشاقين لله ورسوله - ﷺ -، ما استقامت العصبة المؤمنة على الطريق، واطمأنت إلى ربها، وتوكلت عليه وحده.
وفي نهاية هذا المشهد يتوجه بالخطاب للمشاقين الصادين عن سبيله، إن هذا الحكم الذى حل بكم في الدنيا ليس نهاية المطاف إنه أمر ممتد إلى ما وراء هذه الأرض، وإلى ما بعد هذه الحياة في الآخرة.
_________________
(١) أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، الالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
[ ٥٥١ ]
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَن لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ ..
فهذه نهاية المطاف وهو هذا العذاب الذى لا يقاس إليه ما ذقتم من الرعب والهزيمة ومن الضرب فوق الأعناق ومن ضرب كل بنان. (١)
الأمر الثاني: وهو الخاص بالمسلمين:
وشددت عليه الآيات قبل نهاية قص الغزوة من الوجهة القرآنية، وهي قضية عدم الفرار أمام زحف الكفار، وكان منطقيًا أن يجيء هذا النهى، وهذا الوعيد الشديد على وقوعه من المؤمنين بعدما رأوا كيف كان الأمر كله بترتيب الله تعالى تهيئة ونصرًا.
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
بعد أن سرد القرآن الكريم الواقعة، ومشاهدها وملابساتها، وقبل أن يختمها، ويسوق الأحكام التى صارت دستورًا لكل ما يأتى من مشاهد للمؤمنين بعد ذلك، جاء في أنسب اللحظات هذا الحكم القرآنى لحظات استجابة القلوب للتوجيه.
يعنى بعد أن أراهم قدرة الله وحكمته في تدبيره، وعونه ومدده، وعلموا منها أنهم لم يكونوا فيها سوى ستار لقدر الله تعالى وقوته، فهو سبحانه الذى أخرج رسوله من بيته بالحق، لم يخرجه بطرًا ولا اعتداء ولا طغيانًا ولا رياء الناس، والله هو الذى اختار لهم إحدى الطائفتين لأمر يريده كما بين، وهو الذى أمدهم بالملائكة مردفين، والله هو الذى غشاهم النعاس أمنة منه ونزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به، ويذهب عنهم رجز
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٦).
[ ٥٥٢ ]
الشيطان وليربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام، والله هو الذى أوحى إلى الملائكة ليثبتوا الذى آمنوا، وألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، وهو الذى أشرك الملائكة في المعركة، وأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق وأن يضربوا من المشركين كل بنان، وهو الذى غنمهم الغنيمة، ورزقهم من فضله بعد أن خرجوا لا مال ولا ظهر ولا عتاد.
فلما ذكرهم بذلك، وأعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين، اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والفرار، فالجملة معترضة بين جملة إذ يوحى ربك للملائكة وجملة فلم تقتلوهم، وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والثبات والاقدام لتكون تلك سيرتهم الدائمة، بعد ذلك صمودًا عند اللقاء حتى يروا بشائر نصره التى لا تتخلف إن التزموا أسباب هذا النصر، وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلا تقوية، قال الحصين بن الحمام:
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسى حياة مثل أن أتقدما (١)
بعد أن استعرض القرآن الكريم تلك المشاهد كلها، الآن يجيء الأمر للذين آمنوا أن يثبتوا إذا لقوا الذين كفروا وألا يولوهم الأدبار فرارًا وهزيمة، ما دام أن النصر والهزيمة موكولة لإرادة فوق إرادة البشر، وإلى أسباب غير الأسباب الظاهرة التى يراها الناس حيث كان المسلمون مظهرًا لتجلى ذلك كله من الله تعالى، وهو يريد في نفس الوقت أن يكون الجهاد والبلاء من سعيهم ليثيبهم الثواب الأوفى ويعطيهم الجزاء الأعلى.
ويكون المعنى يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا زحفًا متدانين متقاربين، فلا تفروا عنهم إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب تختارون بها أو تنحرفون بها إلى موقع حسن، أو تدبرون خطة أحكم، أو أن يكون ذلك انضمامًا إلى فئة أخرى من المسلمين، أو إلى قواعد
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٨٦).
[ ٥٥٣ ]
المسلمين لتواصلوا وتعاودوا القتال كرة أخرى، وأن من تولى وأعطى العدو دبره بهذا الوضع المستبشع فقد استحق ذلك العقاب؛ غضبًا من الله ومأوى في جهنم، وصار هذا الحكم عامًا إلى يوم القيامة حيث ذكر الرسول - ﷺ - أن الفرار من الزحف من الكبائر العظيمة. (١)
ليس من مقصودنا هنا تفسير الآية وتحليلها، لأنها ليست من السيرة القرآنية، وإنما جاءت لتبين للمؤمنين.
أولًا: صحة كل هذه المشاهد السابقة، وصدق نسبتها إلى الله تعالى، ومن ثم جاء الأمر بناء على ذلك بعدم الفرار أمام الكفرة، ولذا كانت الجملة مترابطة مع السياق ملتحمة معه.
ثانيًا: كان التركيز على هذا الأمر مبكرًا دليلًا على أنه بداية دخول المسلمين لمعارك عديدة مع الكفرة، وأنهم يجب أن يؤهلوا من أول معركة لكل ملاقاة بعد ذلك، فكانت رؤية هذه العناية من الله تعالى من المهمات الحاثة لهم على ذلك البذل والتفانى والإقدام.
يستكمل القرآن الكريم بقية مشاهد موقعة بدر، وهو المشهد الذى يكشف لنا عن قدرة الله وهو يدير المعركة وراءهم، ويقتل لهم أعداءهم، ويرمى لهم ويصيب، وهم ينالون أجر البلاء؛ لأن الله تعالى يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء، ليثيبهم عليه من فضله، وهو الذى وهبهم إياه.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].
ذكرنا في أحاديث السيرة أن الرسول - ﷺ - أمر بقبضة من حصى الوادى، فرمى بها
_________________
(١) انظر لما سبق سيد قطب، في ظلال القرآن (٣/ ١٤٨٧)، والحديث رواه الشيخان: «اجتنبوا الموبقات السبع ».
[ ٥٥٤ ]
المشركين، وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا أصابته فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم فقيل لهم فلم تقتلوهم، والأظهر أن الفاء هي الفصيحة وهي واقعة في جواب شرط مقدر، أي إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، أو التقدير إذا علمتم أن الله أوحى إلى الملائكة بضرب أعناق المشركين وقطع أيديهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن الله قتلهم وقد بين لكم ذلك. (١)
وكذلك كانت تلك الرمية من النبي - ﷺ - التى انهزم المشركون على إثرها فقال له تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، أنت يا محمد ﴿إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، أنها رمية الله تعالى، فلم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغة أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت هذا الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسوله - ﷺ - لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذى لا يطيقه فعل البشر هو فعل الله ﷿، فكان الله فاعل الرمى على الحقيقة وفي ذلك:
١ - إثبات لطف الله تعالى بالنبي - ﷺ - وإظهار صدق وأعلام نبوته.
٢ - وهو كون قتل المشركين ورميهم حاصلًا من الله لأمن المسلمين ونصرهم يفيد تعليل وتوجيه ما نهاهم عنه من توليه الأدبار، ويفيد أمرهم بالصبر والثبات.
٣ - التعريض بضمان تأييد الله إياهم إن امتثلوا لقوله مثلًا: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فإنهم إن امتثلوا ما أمرهم الله كان الله ناصرهم، وذلك ما يؤكد على
_________________
(١) هذا ما ذهب إليه في الكشاف (٢/ ١١٩)، وانظر بن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٩٣)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢)، والالوسى، روح المعانى (٦/ ٢٦٧)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٦٣)، الطبرى، جامع البيان (٩/ ١٣٦)، وذهب أبو حيان إلى أن الفاء ليست جواب شرط محذوف، وإنما هي للربط بين الجمل، البحر المحيط (٥/ ٢٩٥).
[ ٥٥٥ ]
ما أشير إليه من قبل من الوعيد على تولية الأدبار، وقطع عذر الفارين المتولين، ومن ثم جاءهم في وقعة أحد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمرانك ١٥٥].
ومازالت هناك علل أخرى يذكرها القرآن الكريم لما أنزل الله من أسباب نصره، منها ما ختمت به هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فجعل قتل المشركين وما أصابهم من رميه - ﷺ - لعلة أخرى، وهي أن يبلى المؤمنين بلاء حسنًا أي ليعطيهم سبحانه من عنده عطاء جميل ومنه قول زهير:
جزى الله بالاحسان ما فعلًا بكم فأبلاهما خير البلاء الذى يبلى
غير مشوب بالشدائد، يشكرونه عليه فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طوبتهم لمن لا يعرفها، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة. (١)
والعلة الثانية في هذا السياق في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ [الأنفال: ١٨].
والأشارة ب ﴿ذَلِكُمْ﴾، إلى البلاء الحسن وعطف عليه جملة ﴿وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، والتقدير ليبلى المؤمنين وليوهن كيد الكافرين، فأراد الله توهينهم بهزيمتهم تلك الشنيعة ليوهن كيدهم للإضرار بالمسلمين، وهو بشارة لاستمرار وزيادة هذا الوهن حتى زوال عداء قريش للنبى - ﷺ - وللمسلمين، وذلك ما انتهى إليه واقع الأمر ويدل على البشارة أنه ما كان ذلك الوهن ليعود قوة تهزم بها المسلمون ويعود المسلمون مقهورين تحت الكفرة.
_________________
(١) الطبرى، جامع البيان (٩/ ١٣٧)، الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١١٩ - ١٢٠)، الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٤٦٥)، وأبا السعود، الارشاد (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢)، الألوسى، روح المعانى (٦/ ٢٦٧ - ٢٧١)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٩٣ - ٢٩٨).
[ ٥٥٦ ]
تنتقل الآيات مرة أخرى لتنقل لنا مشهدًا من بديع المشاهد، وإن كان موقعه في السيرة هو أول مشاهد اللقاء الدامى، ولكن أنسب موضع له أن تختم به تلك المشاهد المقصوصة كما جاء به القرآن الكريم، فهو يشير إليه يذكره في ذات الوقت بأسلوب التوبيخ والسخرية اللائقة بسخرية الكفرة وما كانوا فيه، لأنه مع أنه وقفة لأبى جهل في بداية المعركة، إلا أن أثرها ووقعها يثبت أو يهدم في نفس الوقت الحقائق في صدور المؤمنين والكفرة على السواء ولذا جعل التنبيه به من أشد المهمات، والختم به لتلك المقاطع المتسلسلة من القصص القرآنى من أعظم المناسبات بل والمفاجآت، التى تدل على القصد وأن ذلك كله لم يكن فلتة أو عرضًا.
وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال: ١٩].
وقف أبو جهل لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض فقال: «اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف فأحنه الغداة» (١)، أي فأهلكه، فكان هو المستفتح. أي هو الذى دعا أن يهلك أضل الفريقين، ولذا ذهب جمهور المفسرون على أن الخطاب موجه إلى المشركين وفيه التفات من الغيبة اقتضاها قوله تعالى: ﴿وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، وكان النصر والفتح لرسول الله - ﷺ - وأصحابه، فخوطب المشركون بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم والتوبيخ أي جاءهم الفتح نعم ولكنه فتح للمسلمين ونصر عليكم أيها المشركون، وحمل ابن عطية «المحرر الوجيز»، فعل جاءكم على معنى فقد تبين لكم النصر ورأيتموه، وأنه
_________________
(١) السيرة – ابن هشام (٢/ ١٩٩)، والحديث رواه أحمد (٥/ ٤٣١)، وابن جرير (٩/ ١٣٨)، والبيهقى (٣/ ٧٤)، وهو حديث صحيح.
[ ٥٥٧ ]
عليكم لا لكم، فيكون مجيء الفتح بمعنى الظهور فلاتهكم فيها. (١)
وجاء طلب الفتح بصيغة المضارع مع أن الفعل قد مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين، وبذلك تظهر مناسبة عطف باقى الجمل ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، أي: وإن تعودوا إلى العناد والقتال نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر.
ثم أيأسهم من الانتصار في المستقبل بقوله: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾، حيث أكد لهم أنهم لن تنفعهم جماعتهم على كثرتها كما لم تغن عنهم شيئًا في موقعة بدر وجاء بـ ﴿وَلَوْ﴾، الاتصالية أي لن تغنى عنكم في حال من الأحوال، ولو كانت في حال كثرة على فئة المؤمنين وهنا احتمالان في عود الضمير في ﴿تَعُودُوا﴾:
الأول: إن تعودوا للاستفتاح وطلب النصر على المسلمين فالحال واضح.
الثاني: إن تعودوا لقتال ومحاربة المسلمين، فيشكل عليها وقوع هذه الفلته للمشركين في غزوة أحد.
والجواب عن هذا أن الشرط لم يكن بأداة شرط ليفيد العموم فلا يتخلف ك (مهما) وغيرها وبالتالى لا يبطله تخلف مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة.
ويمكن إضافة القول بأن المسلمين قد انتصروا في أحد حتى إذا خالفوا شرط النصر بالامتثال لأوامر الشرع، لأنه كما ذكرنا من قبل أنه مهما تكبر الجماعة المسلمة مستمسكة
_________________
(١) الطبرى، جامع البيان (٩/ ١٣٨)، الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١٢٠)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٢٩٨ - ٣٠١)، ابن عطية، المحرر الوجيز.
[ ٥٥٨ ]
وممتثلة لأوامر الشرع فإنها منصورة، يضاف إلى ذلك أن غزوة أحد لم تكن هزيمة بالمعنى المعهود للهزيمة، إذ لم يؤسر أحد، ولم تسبب النساء والذرارى، ولم تحتل الأرض، ولم يستسلم الجيش، ولم يقم جيش المشركين بالبقاء في أرض المعركة أيامه التالية على العادة الجارية حين يحتفل بالنصر، بل أسرع بالرجوع إلى مكة، علاوة على قيام جيش المسلمين بمطاردة واسعة النطاق للجيش المكى في اليوم التالى للمعركة، مما جعلهم يسرعون الخطى ناجين بجلودهم من مصير عسر، لو استكملوا الحرب مع جيش المسلمين بعدما رأوا نصر المسلمين عليهم في أول المعركة ووقوع أعداد كبيرة من القتلى بينهم.
ومع ذلك ففى هذا الوعيد بشارة بوقوع النصر الحاسم والفتح المبين، وأنه سيكون للمسلمين يوم فتح مكة. (١)
وختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، لتكون تعليلًا لما سبق من نصر وتأييد، وتعليلًا وتمهيدًا لما سيأتى من ملاقاة الكافرين من أن النصر سيكون حليفهم، لمعية الله التى لا يدركها العقل لأولئك المؤمنين وأن تلك المعية التى من ضمن ما تقتضيه، نصر مَنْ كان الله معهم، مكفولة لكل من تحقق بالإيمان في أي عصر وزمان الإيمان الذى هو الركن الركين في نزول نصر الله تعالى، ولكنه ليس أي إيمان، بل الإيمان الذى يصحب الرب فيه أولياءه، لأنه إذا كان معهم فمعهم الفئة التى لا تغلب، والحارس الذى لا ينام، والهادى الذى لا يضل ثم الواو في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ ﴾، عاطفة على جملة ﴿وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، فيستقيم به أسباب النصر أنه يوهن ويضعف تدبير وعمل الكفرة، وهو مع المؤمنين في ذات الوقت يقويهم ويمدهم ويحفظهم وينصرهم، ويحقق لهم كل ما سبق من نعم أسداها لهم من أول السورة إلى ذلك الموقع.
_________________
(١) ابن عاشور، التحرير والتنوير (٩/ ٣٠٠).
[ ٥٥٩ ]
وورد بعد ذلك مباشرة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠].
ولما لم يكن غرضنا التفسير لغير آيات الغزوة، فإننا نختصر إلى القدر الذى يشير إلى ترابط مشاهد الغزوة بما تبعها من أوامر ووصايا وعظات فقط. وبهذا الاختصار نختتم هذه المشاهد، لنعود إلى مقاطع أخرى ذكرتها السورة من مشاهد الغزوة، ولكنها جاءت متباعدة عن هذه السلسلة المتتابعة وبادىء الرأى فإن هذه الآيات عود لما بدأت به آيات السورة في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
فضمت هاتان الآيتان في البدء والختام كل تلك المقاطع وأغلقت عليها وشدتها برباط النصر رباط الطاعة لله ورسوله - ﷺ - وترك مشاقته وعصيان أمره. فإنه أراهم الله تعالى آيات لطفه وعنايته بهم، ورأوا فوائد امتثال أمر الرسول - ﷺ - بالخروج لملاقاة الجيش وكانوا كارهين، أعقب ذلك بأن أمرهم بطاعة الله ورسوله - ﷺ - شكرًا على نعمة النصر، واعتبارًا بأن ما يأمرهم به خيرٌ عواقبه، وحذرهم من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله - ﷺ -.
وفي هذا رجوع إلى الأمر بالطاعة الذى افتتحت به السورة رجوع الخطيب إلى مقدمة كلامه ليأخذها بعد الاستدلال في صورة نتيجة أسفر عنها احتجاحه.
فإنه لما ابتدأ فأمرهم بطاعة الله ورسوله - ﷺ -: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾، في سياق ترجيح ما أمرهم به الرسول - ﷺ - على ما تهواه أنفسهم، وضرب لهم مثلًا لذلك بحادثة كراهتهم الخروج إلى بدر للقاء النفير خشية الهزيمة، وما نجم عن طاعتهم للرسول - ﷺ - ومخالفتهم هواهم من النصر العظيم والغُنم الوفير والتأييد المبين للرسول - ﷺ -، والتأسيس لإقرار دينه إلى آخر المشاهد التى ذكرهم بمنته فيها، وكيف هزم المشركين لمشاقتهم لله ولرسوله - ﷺ - وهي معصية وترك طاعة الرسول - ﷺ -، وما حدث لهم جراء ذلك، وعرض بالمسلمين في أن
[ ٥٦٠ ]
يصيبهم ما أصاب المشاقين أن هم اتبعوا هواهم وتركوا طاعته - ﷺ -، وبوجوب أن يتبرأوا مما فيه أي شائبة لعصيانه، وضمن لهم بعد ذلك النصر أن أطاعوا الله ورسوله - ﷺ - وتوكلوا على الله وطلبوا منه النصر، أعقب ذلك بإعادة الأمر بالطاعة لله ورسوله - ﷺ - وأن لا يتولوا عنه كل ذلك فذلكة للمقصود من الموعظة الواقعة بطولها.
انتهت هذه الخلاصة المجملة لما فصل تبيينًا للقضية الأصلية، ونسرع إلى البحث في بقية المشاهد التى صورت متباعدة عن المشاهد الأولى، لحكمة عالية لا شك، إذ اشتملت الآيات الواقعة بين تلك المشاهد على منن ونعم ذكرهم الله بها، وعلى أوامر ونواه يجب أن يلتزموها في مسيرتهم، وعلى وصايا تعيق المسيرة وتمنعها من مواصلة الرحلة مرفوعة الراية، ووصايا تثبيت الأقدام، وتبقى الراية وتدفعها دائمًا إلى الأمام، وتضم في تلك الآيات أيضًا صورة المشركين وإنفاقهم الأموال ليحاربوا الله ورسوله، فإذا بها تكون عليهم حسرة ويغلبون في الدنيا، ويحشرون إلى جهنم في الآخرة، مما يقوى قلوب المؤمنين، ويرفع معنوياتهم، ويرشدهم إلى الطريق الأمثل لملاقاة الكفار والانتصار عليهم إلى آخر ما حوته تلك الآيات الكريمات، إلى أن نصل إلى المشهد المقصود حيث يجمع في طياته مشاهد كثيرة وهو في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ
[ ٥٦١ ]
النَّاسِوَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: ٤١ - ٥١].
بدأت الآيات الأولى في قصة بدر كما ذكر القرآن الكريم بتسليم الأنفال لله ورسوله - ﷺ - وأنها خاصة به جل وعلا يضعها ويقسمها حيث يشاء، ثم بين الأهم من الأنفال والذى يجب أن يكون عليه المؤمنون من الإيمان وأخلاقه، ليركنوا إليه ويتوكلوا عليه لأن كل ذلك بترتيبه هو سبحانه لا بترتيبهم ولا بترتيب الدنيا جميعًا.
وإذ استقرت الأحوال والنفوس والأوامر والنواهى والوصايا كما أبرزتها الآيات من الله تعالى، عاد القرآن الكريم ليفصل قسمة الغنائم كما أراد هو جل وعلا، ومع إعلان هذه القسمة بعد انتهاء المعركة وضح لهم أمورًا أخرى تؤكد عليهم أن الأمر كله لله من قبل ومن بعد، وشرح صدورهم بمعنى جديد مازالت أصداه عالية، وستبقى إلى يوم القيامة وهو تسمية يوم بدر بيوم الفرقان، وكان مناسبًا بعد ذكر الفرقان أن يبين لهم مستحضرًا الحالة أمامهم كأنها مشاهدة كيف كان فرقانًا، وكذلك التوجيهات التالية لهذا النصر الإلهى، الذى لا دخل لهم فيه ليعود بهم إلى السيرة العطرة التى أرادها لهم، ولتكون تلك التوجيهات النيبراس الهادى لهذا الطريق القويم لرفعة الدنيا والآخرة.
وبتفصيل يسير يبدأ هذا الشطر ببيان حكم الله تعالى في الغنائم ليستوحوا له إن كانوا يؤمنون بالله وما أنزل على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ثم يكشف لهم عن تدبير الله وتقديره في الموقعة التى جاءت بهذه الغنائم، ويستحضر جانبًا آخر من مواقف المعركة
[ ٥٦٢ ]
ومشاهدها يتجلى فيه هذا التقدير وذلك التدبير، كما يتجلى مرة أخرى أنهم لم يكونوا سوى أداة لإمضاء قدر الله تعالى ستارًا له، ثم يهيب بهم من وراء هذا الذى كشفهم لهم من حقيقة المعركة إلى الثبات عند اللقاء، وإلى ذكر الله وطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، ويحذرهم التنازع مخافة الفشل والانكسار، ويدعوهم إلى الصبر، وتجنب البطر والرياء في الجهاد، ويحذرهم عاقبة الكفار الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله منخدعين بكيد الشيطان، ويؤكد لهم مرة أخرى، الدعوة إلى التوكل على الله وحده، القوى القادر على النصر، الحكيم في تقدير وتدبيره، ثم يريهم سنته في أخذ الكافرين المكذبين، وكما ذكر في الشطر الأول الملائكة يثبتون المؤمنين، ويضربون أعناق الكفار وأيديهم، ذكر هنا أن الملائكة يتوفون الذين كفروا يضربون وجوههم وأدبارهم – ثم زاد بذكر نعمته ومنته في تآلف المؤمنين والتى لم تكن ولو اجتمع لها من بأقطارها - يطمئنهم إلى كفايته لهم وحمايته إياهم، ومن ثم حرضهم على القتال، وأن يصمدوا في أضعف حالاتهم، بضعْف أكفائهم من المشركين، والله ناصرهم ما صبروا. (١)
هذا التمهيد نواجه به ما يخصنا فقط من أحداث السيرة ومعانيها، ونبدأ لما استسلموا لأمر الله كما طلب منهم، واستقر فيهم مدلول الإيمان، عاد ليرد عليهم أربعة أخماس الغنيمة، ويستبقى الخمس على الأصل لله ولرسوله - ﷺ -، لقد استقر في نفوسهم أنهم لا يملكونها ابتداء بحق الغزو، إنما يستحقونها بمنح الله لهم إياها، بما منحهم من نصر من عنده، وبما دبر أمر المعركة كله، إن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو مقتضى الإيمان بالله تعالى، وذكر مع الإيمان بالله الإيمان بما أنزل على عبده يوم الفرقان فذكرهم بعبده - ﷺ - تشديدًا على الإيمان به، وتصديقًا له فيما أخبر عن ربه، وأن العبودية التى وصل إليها هي أعلى درجات الإيمان والاصطفاء وإنه أعلى مقام يصل إليه الانسان بتكريم الله له، فهى تجلى لهم
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (١٥١٥ - ١٥١٦).
[ ٥٦٣ ]
قيمة النبي - ﷺ - عند الله، وفيما يبلغ به عن ربه، وفيما يوكله فيه ربه من التصرف وبالتالى يرشدهم إلى حقيقة العبودية التى يجب أن يسعوا ليدركوها بفضل الله تعالى ليخرجوا بها من عبودية العباد والنفس والهوى والمألوفات والعادات، ليكونوا أحرارًا كما فطرهم لا يعبدون سوى إلاههم الواحد جل وعلا. (١)
ويبين لهم أيضًا أن ما أنزل على عبده يوم الفرقان قد رأوه وسمعوه، قد عاينوه وعايشوه وعلموا أن ليس لأحد فيه فضل، وألا قوة على إيجاده وإنزاله إلا للقوى القاهر، مما يستجيش به عندهم عواطف الإيمان ودلائل اليقين وقوة الثقة، التى تحملهم على أن يكونوا كما أراد الله ورسوله - ﷺ - في كل أحوالهم ومعاركهم لينزل عليهم ما شاهدوه بأعينهم واستقر مدلوله في قلوبهم ووجدانهم، ليس بعد ذلك دلائل لإيمان، ولا لتصديق ولا لنبوة، وما يتخلف شيء بعد الآن بسبب من أنفسهم.
ونجيء إلى وصف ذلك اليوم بالفرقان.
إن الفرقان الأول – وهو المجمل – الذى أشار إليه المفسرون، وهي أنها كانت فرقانًا بين الحق والباطل، ولكنه الحق الذى قامت عليه السماوات والأرض الحق الأصيل الذى يعنى تفرد الرب بالالوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وأن الكون كله في عبوديته لا معقب له ولا شريك، وبين الباطل الزائف الذى يقيمه في الأرض طواغيت تعبد من دون الله تعالى وتتصرف في خلق الله بما تشاء هي.
لقد كانت فرقانًا بين الوحدانية المجردة لله تعالى في الشعور والضمير، والخلق والسلوك والعبادة والمعاملة، وبين الشرك في كل الصور التى تشمل عبودية الضمير لغير الله تعالى من الأشخاص والقيم والأهواء والتقاليد وغيرها بحيث لا تنحنى الهامات لغير
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (١٥٢٠ - ١٥٢١).
[ ٥٦٤ ]
الله متساوية في الخضوع لشرعة.
لقد كانت غزوة بدر فرقانًا بين عهدين في تاريخ الإسلام عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة، إنه عهد الاندفاع لتحقيق المنهج الجديد والدولة الجديدة والمجتمع الجديد في واقع الحياة، يزيل المعوقات التى تحول دون ذلك في واقع المسلمين أولًا، وفي حياة البشرية بعد ذلك. وما هي إلا سنوات بداية بذلك العهد الذى كان إيذانًا بانتهاء دولة الكفر حتى ظهر صدق هذا الفرقان وأنه كان حقًا.
كانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ البشرية، فالبشرية بمجموعها قبل قيام نظام الإسلام كانت غير البشرية بعد قيام نظام الإسلام، بلا جدال، وكانت تلك البداية في غزوة بدر، والتى لولا تدبير الله تعالى لدينه وجنده وما أراد لهذه البشرية من الهداية بالرسالة الخاتمة لكانت غنيمة لقافلة بها بعض الأموال.
هذا المجتمع الذى يمثل ميلادًا جديدًا للإنسان، وهذه القيم التى تقوم عليها الحياة، ويقوم عليها النظام الاجتماعى والقانونى وغيره كل ذلك لم يعد ملكًا للمسلمين وحدهم، بل صار شيئًا فشيئًا ملكًا للبشرية تأثرت به سواء في دار الإسلام أو في خارجها، سواء بصداقة الإسلام أو بعداوته، إن الصليبين الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام في ربوعه قد تأثروا بقضاياه ومنها نظامه الاجتماعى فرجعوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الاقطاعى، وإن التتار الذين دمروا خلافة الإسلام وهدموا حواضره بإيحاء من اليهود والصليبين من أهل دار الإسلام رجعوا يعتنقون هذه العقيدة ونشروها في رقعة من الأرض جديدة في قلب أوربا ظلت الخلافة فيها من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، على أية حال لقد تأثر التاريخ البشرى كله في أرض الإسلام أو الأرض التى تناهضه على السواء. (١)
_________________
(١) سيد قطب، في ظلال القرآن (١٥٢١ - ١٥٢٣).
[ ٥٦٥ ]
وأخيرًا كانت فرقانًا في التصور بين أسباب النصر وعوامل الهزيمة، لقد كانت كل عوامل النصر الظاهرة في صف المشركين، وكانت في صف المؤمنين كل عوامل الهزيمة الظاهرة، حتى قال المنافقون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩]، لقد أراد الله تعالى أن تجرى المعركة على هذا النحو لتكون فرقانًا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، فتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، ليعلموا أن النصر من عند الله العزيز الحكيم، لقد كانت تلك الألفاظ القليلة الموحية بكل تلك الإيحاءات هي أعلام السيرة التى ساروا بها وساروا تحتها وساروا وراءها، وكلما تمسكوا بها ثبتت وتقدمت وانتصرت، وكلما سقط علم من أعلامها ولم يرفعوه بدأت تهتز الأركان، وتتكالب القوى وهو ما ندركه اليوم، وندرك به ضرورة رفع تلك الأعلام مرة أخرى لنعيد السيرة سيرة الرسول - ﷺ - وصحبه، السيرة الأولى.
وهنا يعود السياق إلى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يعود إلى المعركة ليعيد عرضها في ثوب لم ينشر من قبل بأسلوب عجيب في استحضار مشاهدها ومواقفها، كما لو كانت معروضة فعلًا، ويكشف عن تدبير الله تعالى في إدارتها، وكان هذا المشهد يمكن أن يذكر في أول السورة مع أول ما ذكر إذ له تعلق شديد ببداية المعركة، وإنما ذكرها ليدلل على الفرقان الحاصل بهذا العرض، ويبينه لهم بعد المعركة لأنه المستمر معهم بعد ذلك ومع المؤمنين إلى يوم القيامة، وكذلك مع الكافرين، وليكون تمهيدًا لأحكام أغراض مستمرة دائمة مبتدئة بيوم الفرقان.
يقول تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
[ ٥٦٦ ]
وَيُقَلِّلُكُمْفِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤٢ - ٤٤].
إن الآيات تحكى وتنطق بمواقع الفريقين، وفي نفس الوقت شاهدة بالتدبير الخفى من ورائها إن يد الله تكاد ترى وهي توقف هؤلاء هنا وهؤلاء هناك والقافلة من بعيد أسفل منهم بمحازاة الساحل.
ثم تبين الآيات الرؤيا التى رآها النبي - ﷺ - في إغفائه تقللهم في عينه تسليمًا من الله للمؤمنين من الفشل والتنازع لو رآهم كثيرًا إلى آخر المدلولات والاشارات والمنطوقات في هذه الآيات القليلة الموحية بأعظم المعانى التى سنشير إلى بعضها في طوايا الكلام إن شاء الله تعالى.
لقد نزل المؤمنون بضفة الوادى القريبة من المدينة، ونزل جيش المشركين بقيادة أبى جهل بالضفة البعيدة من المدينة، وبين الفريقين ربوة تفصلهما، وأما القافلة فقد فر بها أبوسفيان إلى محاذاة الساحل فكانت تحت المؤمنين من جهة البحر، ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه، وإنما جمعهما الله هكذا على جانبى الربوة لأمر يريده، حتى لو أن بينهما موعدًا على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد، هذا يذكر به المولى سبحانه المؤمنين الآن ليذكرهم بتدبيره وتقديره وإحاطته بكل شيء.
إن وراء هذا التلاقى بهذا العرض لأمرًا مقضيًا يريد رب العباد تحقيقه بكم أيها المؤمنون في عالم الواقع ويدبر له هذه التدبير الخفى اللطيف، ويهيء له جميع الظروف التى تيسر لكم القيام به إنه قوله وحكمه العدل: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. (١)
إن الهلاك هنا قد يعبر به حقيقة عن القتل، مجازًا عن الكفر، وكذا الحياة يعبر بها عن
_________________
(١) يراجع كذلك لمعنى البينة الفخر الرازى، التفسير الكبير (٧/ ٥٠١).
[ ٥٦٧ ]
الحياة والإيمان حقيقة ومجازًا كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فمن يؤمن بعد ذلك في هذا الفرقان الضخم يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة، ومن يكفر بدون ما شبهة قط يكفر عن بينة فيهلك عن بينة – إن المعركة بظروفها التى لابستها وصاحبتها – تحمل بينة لا تجحد وتدل دلالة لا تنكر على تدبير وراء تدبير البشر، وعلى قوى وراءها غير قوة البشر إنها تثبت لهذا الدين ربًا يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا، وأنه لو كان الأمر إلى القوة المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم.
ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذى أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: فلعمرى إن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله – كما يزعم محمد – فما لأحد بالله من طاقة. ولقد علموا – لو كان العلم يجدى – أنهم إنما يقاتلون الله كما قال لهم رسول الله الصادق الأمين - ﷺ -، وأنه ما لأحد بالله من طاقة فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة. (١)
وبعد هذا التعقيب على ما سبق يأتى أظهار القرآن الكريم للتدبير الخفى اللطيف: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣].
لقد كان من تدبير الله تعالى أن يرى النبي - ﷺ - رؤيا في منامه يرى فيها الكافرين قليلًا لا قوة لهم ولا وزن فيخبر أصحابه برؤياه فيستبشروا ويتشجعوا على خوض المعركة، ويخبر المولى جل وعلا بعلة ذلك، بأنه علم سبحانه أنه لو أراهم كثيرًا لفت ذلك في عضد
_________________
(١) سيد قطب، في ظلال القرآن (١٥٢٥).
[ ٥٦٨ ]
المسلمين، ولأضعف قلوبهم عن قتال لا استعداد له ولا توقع، ولتنازعوا في اللقاء وعدمه، والنزاع أشأم شيء يصيب جيشًا في مثل هذا الموطن.
والرؤيا - رؤيا النبي - ﷺ - وهي حق -، فكيف يراهم على مخالفة الواقع وهم كثير، إنهم قليل كما رآهم - ﷺ - فعلًا إن القوة مهما كانت كثيرة العدد والعدة بغير إيمان فهى قليلة العناء قليلة الوزن في المعركة، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع والإيمان الدافع، هذه هي الحقيقة من وراء الظاهر المخادع، وهي التى أدخلت الطمأنينة في قلوب المؤمنين وكان هذا تدبيرًا من تدبير الله العليم بذات الصدور كما ختمت به الآية.
وعندما التقى الجمعان جاءت رؤية العيان لتكرر الرؤيا النبوية الصادقة بأن يرى كل من الفريقين الآخر قليلًا ليقضى الله أمره المفعول وينفذ قدره السابق، وجاء التذييل: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وهو التعقيب المناسب لتحقيق التدبير ووقوع القضاء، وهو أن الأمور كلها مرجعها إلى الله - ﷾ - يصرفها بسلطانه، ويوقعها بإرادته، ولا تند عن قدرته وحكمه، ولا ينفذ في الوجود شيء إلا ما قضاه وجرت به المقادير. ومنها على وجه الأخص ذلك الحكم الذى نحن بصدده، إذ الكلام مسوق إليه سوقًا أوليًا.
ونشير سريعًا إلى تحليل تلك الآيات من آيات السيرة القرآنية لغزوة بدر، حيث بدأت بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].
وهذا انتقال لبيان ما أجمل من حكم الأنفال الذى افتتحته السورة، وافتتاحه بـ ﴿وَاعْلَمُوا﴾، للاهتمام بشأنه، والتنبيه على رعاية العمل به، فإن المقصود بالعلم تَقَرُرُ الجزم بأن ذلك حكم الله، والعمل بذلك المعلوم، فيكون ﴿وَاعْلَمُوا﴾، كناية مرادًا به صريحه ولازمه، والخطاب لجميع
[ ٥٦٩ ]
المسلمين، وبالخصوص جيش بدر. (١)
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾، شرط يتعلق بما دل عليه قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، لأن الأمر بالعلم لما كان المقصود به العمل بالمعلوم والامتثال لمقتضاه، لأن العلم المجرد يستوى فيه المؤمن والكافر صح تعلق الشرط به، فيكون قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، دليلًا على الجواب، أو هو الجواب مقدمًا على شرطه، والتقدير: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنما غنمتم إلى آخره، لأن الذى يتوقف على تحقق الإيمان بالله وآياته هو العلم بأنه حكم الله مع العمل المترتب على ذلك العلم. مطلق العلم بأن الرسول - ﷺ - قال ذلك. (٢)
وبالتأمل نرى أن الشرط هنا محقق الوقوع؛ إذ لا شك في أن المخاطبين مؤمنون بالله، والمقصود منه تحقق المشروط، وهو مضمون: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ إلى آخرها.
وجيء في الشرط بحرف ﴿إِنَّ﴾، التى شأن شرطها أن يكون مشكوكًا في وقوعه زيادة في حثهم على الطاعة حيث بفرض حالهم في صورة المشكوك في حصول شرطه إلهابًا لهم ليبعثهم على إظهار تحقق الشرط فيهم. فالمعنى حينئذ أنكم آمنتم بالله والإيمان يرشد إلى اليقين بتمام العلم والقدرة له سبحانه، وآمنتم بما أنزل على عبده يوم بدر حين فرق الله بين الحق والباطل فرأيتم ذلك رأى العين وارتقى إيمانكم من مرتبة حق اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فعلمتم أن الله أعلم بنفعكم من أنفسكم إذ يعدكم إحدى الطائفتين، فكان ما دفعكم إليه أحفظ لمصلحتكم، وأشد تثبيتًا لقوة دينكم فمن رأوا ذلك وتحققوه فهم أحرياء بأن يعلموا أن ما شرع الله لهم من قسمة الغنائم هو المصلحة، ووراء ذلك مصالح جمة آجلة في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ٥).
(٢) الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١٢٧)، أبو السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٦٢)، الالوسى، روح المعانى (١٠/ ٨)، الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ١٣ - ١٤).
[ ٥٧٠ ]
وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾، عطف على اسم الجلالة، والمعنى وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان – يوم بدر – وتخصيص ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، بالذكر من جملة معتقدات الإيمان؛ لأن لذلك المنزل في هذا اليوم وقعه الشديد التأثير عليهم مما يجعل لهذا المنزل مزيد تعلق بالمسارعة إلى العمل بما أمروا به في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾.
وإن ما نبههم إليه في ذلك الإنزال أمران:
الأول: أن يكون المنزل هو الوحى الذى أنزله على عبده يوم بدر كوعده باحدى الطائفتين وتبشيره بالنصر، والوحى بقلة أولئك وهؤلاء إلى آخر ما نزل من وحى الله تعالى لرسوله - ﷺ -.
الثاني: أن المنزل يوم الفرقان هو ما شاهدوه بأعينهم من خوارق العادات، واللطف الإلهى، كنزول الملائكة، وإنزال المطر عند حاجة المسلمين إليه، ونصر القلة على الكثرة إلى غير ذلك مما ذكرنا في موضعه.
وإن إطلاق الانزال ليشمل الأمرين كما ذكرنا معًا. وتزيد الآية في إظهار أمر آخر وهو التشريف لهذا الانزال والتطهر؛ لأن إطلاق الانزال على حصوله استعارة تشبيهًا له بالواصل إليهم من علو تعظيمًا له (١)، علاوة على تعظيم النبي - ﷺ - بالاضافة إلى الله جل وعلا، وبصفة العبودية خاصة التى هي أعلى درجات وصفات المدح، مع إرشاد المؤمنين إلى العبودية التى يجب أن يكونوا عليها في تلقى أوامر مولاهم السيد الأعلى وأن حصولهم على تلك المرتبة العليا عند الله تعالى، كما هي لنبيهم بكونهم يكونون عبيدًا لربهم منقادين له مع تمام المحبة.
_________________
(١) انظر لما سبق الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١٢٧)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٦٢)، الألوسى، روح المعانى (١٠/ ٨)، ابن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ١٣ - ١٤).
[ ٥٧١ ]
و﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، هو يوم بدر وهو اليوم السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وقد ذكرنا لم سمى الفرقان - ولكن إضافة يوم إلى الفرقان إضافة تنويه به وتشريف له - وقوله: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، بدل من يوم الفرقان، فإضافة يوم إلى جملة:
﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، للتذكير بذلك الالتقاء العجيب الذى كان فيه نصرهم على عدوهم، وهذا الالتقاء العجيب حقه أن يذكر به لحكمه التى أشرنا إليه، وحصوله الذى لا يمكن لأحد إحداثه إلا الله، وإن استمرار المؤمنين على ذكر منه لتقوية لإيمانهم، وشحذًا لهمهم على مواصلة المسيرة، ومن ثم رأينا تفصيل القرآن الكريم لهذا اللقاء لذينك الجمعين، جمع المؤمنين المؤيد بالله، وجمع المشركين. فيما يأتى من آيات.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، اعتراض بتذييل الآيات السابقة لارتباطها بما بعدها كأنها في سلك واحد لو قلنا يوم التقى الجمعان إذ أنتم بالعدوة الدنيا إلى آخره فالكلام مستقيم ولكن البلاغة في الاعتراض بهذا التذييل ليؤكد أن ما حدث بتمام قدرته وما سيفصله حالًا إنما هو كذلك بتمام قدرته، وهذا دليل على أنه لا يتعاصى على قدرته شيء؛ فإن ما أسداه لكم يوم بدر لم يكن جاريًا على متعارف الأسباب المعتادة، فقدرة الله تعالى قلبت الأحوال، وأنشأت والأشياء من غير مجاريها، وأن ما جرى ليلتقى الجمعان بهذه الطريقة كان بترتيب الله وتدبيره، ثم قصه القرآن مفصلًا بقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢].
﴿إِذْ﴾ ظرف ل ﴿أَنْزَلْنَا﴾، أي زمن أنتم بالعدوة الدنيا، ووصف الهيئة ليس من دواعى القرآن الكريم وأغراضه، فهو أطناب في وصف المنازل، لا يذكره القرآن إلا أن يكون فيه عبرة لازم التذكير بها وقد ظهرت هنا، وهي الحالة الحرجة التى كان المسلمون عليها التى
[ ٥٧٢ ]
بينها الظرف وما أضيف إليه لتذكيرهم بها، وتنبيههم للطف عظيم حفهم من الله تعالى، وهي حالة موقع جيش المسلمين من جيش المشركين، وكيف ألتقى الجمعان في مكان واحد على غير ميعاد، ووجد المسلمون أنفسهم أمام عدو قوى العدد والعدة والمكانة من حسن الموقع.
والعدوة (١)، ضفة الوادى وشاطئه.
والوصف بالدنيا والقصوى يَشْعُر المخاطبون بفائدته، وهي أن المسلمين كانوا حريصين أن يسبقوا المشركين إلى العدوة القصوى، لأنها الأنسب كما بينا فلما سبق المشركون اغتم المسلمون لذلك، فلما نزل المسلمون بالعدوة الدنيا انقلب الموقف بإنزال الله للمطر، حيث تخير المسلمون أحسن موقع وثبتت أرضهم وسقوا وغوروا الماء واتخذوا الحوض، فلما وصل المشركون وجدوا المسلمين قد احتازوا الماء وساء موقفهم ولم تنفعهم العدوة القصوى التى ظن المسلمون أنها الأحسن والأوفق.
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وهم عير قريش التى أفلتت من المسلمين بمحازاة الساحل بقيادة أبو سفيان، فلو علم العدو بهذا الوضع لاطبقوا بجماعتيهم على المسلمين، ولكن الله صرفهم عن التفطن لذلك، وصرف المسلمين عن العير، ولو حاولوا لوقعوا بين جماعتى العدو.
و﴿أَسْفَلَ﴾، منصوب على الظرفية المكانية، وهو في محل رفع خبر عن الركب، أي والركب قد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه لتغنموا ما فيه.
نعود إلى التقييد بهذا الوقت وتلك الحالة فيه، فهو مثل وصف المنازل لاجدوى منه في
_________________
(١) سرح الدنيا والقصوى.
[ ٥٧٣ ]
القرآن الكريم إلا للعبرة والعظة للسامعين والمؤمنين، ومن ثم كان الغرض من ذلك شكر نعمة الله على ما وفقهم إليه وصرفهم له، وعلى نصرهم بخلاف ظنهم، ليحسن ظنُهم بالله تعالى والاعتماد عليه في أمورهم، فإن تكامل وصفهم بكل تلك الأحوال من أول السورة وبداية سرد القصة ليبرهن وهم موقنون بذلك، أنهم في أصعب حالة وعدد ومكان وعدة ولم يكن لهم شيء يوازن المشركين فضلًا عن أن يتفوقوا فيه عليهم، فكان من عجيب عناية الله تعالى أن قلب تلك الحالة رأسًا على عقب، وألقى الله في قلوب المشركين تهوين أمر المسلمين فلم يأخذوا حذرهم – وهم على حق في ظاهر الأمر – لأى شيء يأخذون حذرهم، وجعلوا مقامهم في بدر مقام لهو وطرب. فنصر الله المسلمين، من حيث لا يتوقع المسلمون ولا المشركون ولا أي أحد كان، ومن ثم فالذين خوطبوا بقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ﴾، الآية هم أعلم السامعين بفائدة ذلك ولولاه لكان هذا التقييد بالوقت قليل الجدوى. (١)
وجملة ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾، في موضع الحال من الجمعان، وعاملالحال فعل ﴿الْتَقَى﴾، أي يوم التقى الجمعان في حال لقاء على غير ميعاد، قد جاء ألزم مما لو كان على ميعاد فإن اللقاء الذى يكون موعودًا قد يتأخر فيه أحد المتواعدين عن وقته (٢)، وهذا اللقاء قد جاء في إبان متحد وفي مكان متقابل ومعنى الاختلاف في الميعاد: اختلاف وقته بأن يتأخر أحد الفريقين عن الوقت المحدود فلم يأتوا على سواء وللعلامة الطاهر بن عاشور رأى في التلازم بين شرط ﴿وَلَوْ﴾، وجوابها هنا حيث هو خفى وأشكل على المفسرين
_________________
(١) انظر المصادر السابقة.
(٢) يقول أبو السعود: أي لو تواعدتم أنتم وهم للقتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة لهم ويأسًا من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنعًا من الله ﷿ خارقًا للعادات، فيزدادوا إيمانًا وشكر، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٦٢)، وانظر الالوسى، روح المعانى (١٠/ ١٠)، وذلك ما ذكره الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١٢٨).
[ ٥٧٤ ]
ونلخصه فيما يلى لفائدته فيما نحن فيه من سيرة وكيف عبر القرآن الكريم بهذه التعبيرات الجليلة في سوق سيرة النبي - ﷺ - والمؤمنين، وما ينبغى على المؤمنين أن يفقهوه ليعيدوا به سيرتهم الأولى فيقول: والتلازم بين شرط ﴿وَلَوْ﴾، وجوابها خفى هنا، وقد أشكل على المفسرين، ومنهم من اضطر إلى تقدير كلام محذوف تقديره: ثم علمتم قلتكم، وأن ذلك يفضى إلى التخلف – وقد ذكرنا القائلين بذلك في الهامش السابق – وغير ذلك من التقدير.
فالوجه في تفسير هذه الآية أن ﴿وَلَوْ﴾، هذه من قبيل ﴿وَلَوْ﴾، الصُهَيبية فإن لها استعمالات ملاكها: أن لا يقصد ربط حصول نقيض مضمون الجواب بحصول نقيض مضمون الشرط، بل يقصد أن مضمون الجواب حاصل لا محالة، وقد ذكر الشواهد على تفصيلات ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ومحصل هذا أن مضمون الجواب مستمر الحصول في جميع الأحوال في فرض المتكلم، فيأتى بجملة الشرط متضمنة الحالة التى هي عند السامع مظنة أن يحصل فيها نقيض مضمون الجواب وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
والمعنى: لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، أي في وقت ما تواعدتم عليه؛ لأن غالب أحوال المتواعدين ألا يستوى وفاؤهما في وقت الوفاء بما تواعدا عليه. أي في وقت واحد، لأن التوقيت كان في تلك الأزمان تقريبًا يقدرونه بأجزاء النهار كالضحى والعصر والغروب. لا ينضبط كاليوم فلكيًا، والمعنى: فبالأحرى وأنتم لم تتواعدوا وقد أتيتم سواء متحدين وقت حلولكم في العدوتين، فاعلموا أن ذلك تيسير بقدر الله لأنه قدر ذلك لتعلموا أن نصركم من عنده على نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. (١)
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ١٨ - ١٩).
[ ٥٧٥ ]
وظهر موقع الاستدراك في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢].
والتقدير ولكن لم تتواعدوا وجئتم على غير اتعاد ليقضى الله – ليحقق وينجز – ما أراده من نصركم على المشركين، ولما كان تعليل الاستدراك قد وقع بفعل مسند إلى الله كان مفيدًا أن مجيئهم إلى العدوتين على غير تواعد منهم كان عناية بالمسلمين من الله تعالى.
ومعنى ﴿أَمْرًا﴾، هنا الشيء العظيم المهم و﴿كَانَ﴾، تدل على تحقق ثبوت معنى خبرها لاسمها من الماضى مثل قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
فالاستحقاق لهذا الحق ثابت علينا من الأزل، ولذا فمعنى: ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾، أنه ثبت له في علم الله السابق أنه يفعل، فاشتق له صيغة مفعول من فَعَل للتدليل على أنه حين قدرت مفعوليته في الأزل صار كأنه فُعِل.
ويكون حاصل المعنى: لينجز الله ويوقع حدثًا عظيمًا متصفًا منذ القدم بأنه محقق الوقوع حقيقًا بأن يفعل حتى كأنه قد فُعِل؛ لإنه لا يمنعه ما يحف به من الموانع المعتادة.
لا شك أن تلك الآيات في درسها اللغوى والنحوى والبلاغى تشير إلى هذه المعانى المهمة التى هي محل توضيح القرآن الكريم لسرد السيرة قصصًا وفقهًا ومعنى وأحكامًا عبرًا وعظات وتأسيسًا لواقع، وتثبيتًا لإيمان، وسعيًا لنصر إلى آخره، ويظهر ذلك في:
عناية الله الأزلية بالمؤمنين فيما يختاره لهم.
ترتيب الله لهم، وحملهم على هذا الترتيب، وإفشاء تدبير الكافرين وكيدهم.
تبيين الأدلة وتعليل الأحوال والأحكام لهم، ليظهر لهم وجه المصلحة فيما أراد بهم،
[ ٥٧٦ ]
وما لم يعلموا من مصالح هو أعظم فائدة لهم حتى يثبتوا ويسيروا مطمئنين واثقين في نصره، يزدادون بذلك إيمانًا وتوكلًا وبذلًا وتضحية.
التأكيد لهم على صدق الرسالة والرسول - ﷺ - وصحة النبوة وإتصال الأرض بالسماء وعلى توحيد الله تعالى الذى كل شيء بيده وله ملكوت كل شيء، وعلى الإيمان باليوم الآخر.
إن ذلك كله لهو القول الفصل في الرد على شبه المستشرقين، ووضوح الردود على أمراضهم بلا لبس.
وما ساقته الآيات الأخيرات ليس إلا جزءًا مما يذخر به القرآن الكريم في عرض السيرة كافة، وأهداف ذلك العرض، بما يوضح أهميته للمؤمنين في كل آن ومكان في محاولة للتشبث بذلك ليعودوا إلى سالف مجدهم وعزهم.
والجمل الباقيات في هذه المشاهد تسير على نفس الوتيرة، مع زيادات آخر وتفهيمات جديدة، سوقها للتحليل من ألزم ما يلزم.
ويأتى قوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، في موضع بدل اشتمال من جملة ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ ﴾، لأن الأمر هو نصر المؤمنين وقهر المشركين، مع إهلاك المهزومين وإحياء المنصورين، وحفه من الأحوال الدالة على عناية الله بالمسلمين وإهانته للمشركين بالبينة التى تقطع عن الهالكين، وتقتضى شكر الاحياء، وليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة.
والهلاك: الموت والاضمحلال ولذلك قوبل بالحياة، والمعنى الزائد عما ذكرنا من قبل إجمالًا هو أن الهلاك والحياة مستعاران لمعنى ذهاب الشوكة، ولمعنى نهوض الأمة وقوتها،
[ ٥٧٧ ]
وقد جمع التشبيهين في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فإن الكفار كانوا في منعة وعزة، وكان المسلمون في ضعف وقلة، فلما قضى الله تعالى بالنصر للمسلمين أخفق أمر المشركين ووهنوا، وصار أمر المسلمين إلى جدة ونهوض، وتلك الحياة وذلك الموت لاشارة قوية إلى اضمحلال أمر المشركين يفنوا عن بينة، وارتفاع أمر المسلمين وإيمان من آمن عن بينة، إذ ذلك حكم فصل تحقق بعد ذلك في ذهاب ريحهم وهزيمتهم.
فكانت وقعة بدر إذن بداية هلاك من هلك عن بينة حتى ينتهى هلاكهم، وحياة ونهوض من آمن حتى يرتفع أمرهم: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وقد كان.
و﴿وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ..
أي بكفر من كفر وعقابه وإيمان من آمن وثوابه، ولعل الجمع بين وصف السمع ووصف العلم لاشتمال الإيمان والكفر على القول والاعتقاد اللذين يستدعيان السمع والعلم، وإن كان هذا التذييل يشير أول ما يشير إلى المسلمين بأن الله تعالى سميع لدعائهم بطلب النصر، وسميع بما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر، ومودتهم أن ذات الشوكة تكون لهم.
وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة، وكل ذلك ينبههم إلى تربية المهابة بعد ذلك في قلوبهم وأفكارهم وأقوالهم، وأن يكون ذلك كله استجابة لأمر الله ظاهرًا وباطنًا.
وتمضى الآيات لتسكمل بقية ما بدأته من مشاهد، ونسير معها نستجلى تلك السيرة التى قصتها، والتى لم تكن لنقص في السيرة، وواقع الأمر لو حكيت بمثل ما قصت به في القرآن الكريم مع استيفاء هذا القص لكل الجوانب اللازمة من وراء هذا السرد، بما يضيف
[ ٥٧٨ ]
تلك الأبعاد الدينية مجتمعة مع الأبعاد النفسية والتاريخية وغيرها، لتبقى خالدة ما بقى مؤمن وغيره في تلك الحياة، وفي نفس الوقت تستشرف الحياة الآخرة وتربطها بالحياة العاجلة، عجالتنا فيما يتعلق بالسيرة قدر الامكان ويأتى قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾ [الأنفال: ٤٣].
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، بدل من قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾، أو بدل من يوم الفرقان فإن هذه الرؤيا مما اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا، وهو يوم الفرقان يوم بدر، وعبر بالمضارع لاستحضار حالة الرؤيا العجيبة، إذ هي قد مضت بالنسبة لنزول الآية ويتعلق قوله: ﴿فِي مَنَامِكَ﴾، بفعل ﴿يُرِيكَهُمُ﴾، فالإراءة هنا إراءة رؤيا في المنام، وأسندتإلى الله تعالى:
أولًا: لأن الرؤيا وحى من الله للأنبياء، سواء كانت واقعة كما هي، أو هي رمز لمعان، فلا تعد صورتها الواقعة مخالفة للحقيقة، ومن الأولى أنه كان يرى الرؤيا كفلق الصبح كما هي (١)، أو كما في سيدنا إبراهيم - ﵇ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢].
ثانيًا: للإهتمام بالرؤيا وتشريفها إذ كان له وقعها المناسب في نصر المسلمين، وقد كان النبي - ﷺ - رأى رؤيا منام أن جيش المشركين قليل، فأخبر الصحابه - ﵃ - فتشجعوا للقاء المشركين وزال ما كان يخامرهم من تهيب جيش المشركين، فكانت تلك الرؤيا فيه من الله تعالى على رسوله - ﷺ - وعلى المؤمنين، إذ كانت من أسباب النصر؛ وكانت قلة العدد في الرؤيا رمزًا لوهن المشركين وضعفهم، لا عن قلة عددهم، كما كان معلومًا من الواقع.
_________________
(١) الحديث حديث عائشة في بدء الوحى.
[ ٥٧٩ ]
ولو أخبر الله رسوله - ﷺ - أن يخبر المؤمنين بأنهم غالبون للمشركين لآمنوا بذلك إيمانًا عقليًا، لا يحصل منه ما يحصل من التصوير بالمحسوس، ولو لم يخبرهم، أو لم يُرِهْ ربه تلك الرؤيا لحسب المسلمون للمشركين حسابًا كبيرًا شوش عليهم اطمئناهم وثقتهم، لأنهم معروفون بأنهم أقوى من المسلمين بكثير.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾، أي لجبنتم وهبتم الإقدام، وجمع ضمير الخطاب في الجزاء مع إفراده في الشرط، لأنه كما قيل إن الجبن يعرض لهم لا له - ﷺ -، لأنه سبحانه لو أراهم رؤيا مماثلة للحالة التى تبصرها الأعين من المشركين لدخل قلوب المؤمنين الفشل، فأراد الله تعالى ألا يدخل قلوب المسلمين هلع أو جبن من الأصلى إكرامًا لهم، وإن كان قد ضمن لهم النصر.
وكذلك ثَّم سبب آخر ذكرته الآية، وهو الاختلاف في أمر القتال أوخطته إذال للعهد بقوله: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، فكانت الرؤيا حسمًا لهذا الاختلاف وقطعًا لدابر الفرقة في مثل هذا الموقف العصيب فكانت بردًا وسلامًا على المؤمنين إذًا.
وجاء قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾، ليؤكد ذلك، ويمن به على المؤمنين إذ أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع، فكان هذا الاستدراك رافعًا لما يفرض من قوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٣]، مع أنه جاء – أي الاستدراك – ليشعر فعلًا أنهم كُثُر في الواقع، ولكن جاء ليفرغ هذه الكثرة في واقعها من أي عوامل يمكن أن يكون لها أثرها في المسلمين. ومفعول ﴿سَلَّمَ﴾، متعلقه محذوفين ايجازًا ليكون التقدير: سلمكم من الفشل والتنازع؛ بأن سلمكم من سببهما وهي إراءتكم واقع عدد المشركين، لأن الاطلاع على كثرة العدد يلقى في النفوس تهيبًا وتخوفًا منه، وذلك يُنْقِصُ شجاعة المسلمين، الذين أراد الله لهم موفور
[ ٥٨٠ ]
الشجاعة ومنتهاها. (١)
ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾، بدلًا من و«لكنه سلم» لقصد تأكيد وزيادة إسناد ذلك إلى الله تعالى، وأنه بعنايته، وكذلك للاهتمام بهذا الحادث، وهو الإنعام بتلك السلامة.
وذيلت الآية بهذا الامتنان ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: إنه بعلمه بمكنونات الصدور وخواطرها، وما تتأثر به وما يصلحها، فعل ما فعل؛ إذ النفوس مجبولة على التأثر بالمحسوبات والمشاهدات، فأيده بها، مع أن الاعتقاد المجرد يكفى في تصديقها بموعود الله، لإيمانها القوى بربها، ولكنه لا يثير الشجاعة التامة والإقدام كما يثيره الإحساس بقلة عددهم وتفاهة موقفهم في الواقع، كذلك فالاعتقاد بأن المشركين سينهزمون مصدقون به، ولكنه يمكن أن يكون مع موت وجراحات قبل الانتصار فجاءت الرؤيا بقلتهم لتزيح ذلك كله في النفس، وتلقى بدلًا منه ذلك اليقين الواقع، بأنهم منصورون مع سلامة الله لهم.
إن ذلك كله ليهزنا بشدة إلى دين الإسلام واقعه وسيرة النبي - ﷺ -، وأنه دين الله المرتضى بأخلاقه العليا وشمائله الكريمة ومزاياه الراحمة، إذ كل ذلك خارج عن طوع كل الخلق مجتمعين، خارج عن قدرة ما سوى الله تعالى متظاهرين.
ونشير إلى آخر آية في هذا المشهد، مشهد ترتيب لقاء القتال وتدبيره – الذى رتبه الله تعالى للفريقين معًا – دلالة عدم خروج شيء في الكون عن قضائه وتقديره، وعن حكمه وأمره وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا
_________________
(١) انظر لما سبق الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، أبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٦٣)، الألوسى، روح المعانى (١٠/ ١٢ - ١٣)، ابن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ٢٢ - ٢٥).
[ ٥٨١ ]
كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤٤].
وإذا كان ما رآه النبي - ﷺ - رؤيا منام، شجعت المؤمنين، وثبتت الأقدام وكانت من أسباب النصر كما ظهر، فإن المؤمنين خرقًا للعادات، قد رأوا مصداق ذلك رأى العين، ليكون الخبر والمعاينة واحدًا يتحقق به مراد الله من وقوع الأمر المفعول كما وعدهم.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾، إما منصوب بمضمر، أو هو عطف على ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، معبرًا بالمضارع لحادث قد انتهى استحضارًا لتلك الحالة التى تخص المؤمنين والتى لا تكون بهذه الكيفية إلا من الله تعالى، وهي رؤية بصر أراها المولى ﷾ على خلاف ما في نفس الأمر لكلا الفريقين، ولما كانت على خلاف الحقيقة لم يُرها النبي - ﷺ -.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ﴾، تقييد للإراءة بأنها في الأعين، لا غير، وليس المرئى كذلك في نفس الأمر، وكذلك ليدل على أنها إراءة بصرية لا حُلمية.
وخولف في أسلوب حكاية إراءة المشركين وحكاية إراءة المسلمين؛ لأن المشركين كانوا كُثُر فناسب أن يريهم للمسلمين قليلًا أي هم كثير فرأيتموهم قليلًا، أما المسلمون فكانوا قليلًا فناسب لتقليلهم أن يعبر عنه بأنه «تقليل»، المؤذن بأنه زيادة في قلتهم، وليعلم أن التقليل ليس بالنقص من عدد المسلمين في نفس الأمر، ومن ثم لما حدثت المناجزة، وبرز المشركون لقتال المسلمين ظهر لهم كثرة المسلمين فبهتوا، وكان ذلك ملقيًا الرعب في قلوبهم، وذلك ما حكاه القرآن الكريم في سورة آل عمران قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣].
وقال أهل السير كان المسلمون يحسبون عدد المشركين بين السبعين والمئة، حتى قال ابن مسعود - ﵁ - إلى من بجنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئة، وقال أبو جهل: إنما
[ ٥٨٢ ]
أصحاب محمد - ﷺ - أكلة جزور أي قرابة مئة. (١)
وإنما لم يكن تخيل المسلمين قلة المشركين مثبطًا عزيمتهم، كما كان تخيل المشركين قلة المسلمين مثبطًا عزيمتهم؛ لأن قلوب المسلمين كانت مفعمة حنقًا على المشركين، وإيمانًا بفساد شركهم، وامتثالًا لأمر الله بقتالهم فما كان بينهم وبين صَبِّ بَأْسهم على المشركين إلا صرف ما يثبط عزائمهم. فأما المشركون فكانوا مزدهين بعدائهم وعنادهم، وكانوا لا يرون المسلمين على شيء، وإن أدنى جولة تجول بينهم فسوف يقبضون على المسلمين قبضًا، فلذلك لا يعبأون بالتأهب لهم، فكان تخييل ما يزيدهم تهاونًا بالمسلمين يزيد تواكلهم، وإهمال إجماع أمرهم.
فكان ذلك كله مما لا يستطيعه أحد بإلقائه في نفوس الفريقين فجاء قوله تعالى بعد ذلك وهو: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، ليبين أن ذلك الأمر من مفعولات الله سبحانه، التى قضاها أزلًا علة لهذه الإراءة لكلا الفريقين، لتكون أحد أسباب النصر، وأما قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، في الآية فهو لعلة أخرى، وهي تلاقى الجمعان في مكان واحد في وقت واحد، فلا تكرار إذن، ويرينا هذا الخبر الضخم كيف قدر سبحانه كل هذه المقدورات ليخرج أي دور فيها للمؤمنين نصرًا، وللمشركين هزيمة، بل الأمر كله راجع إليه وحده يقضيه بعلمه وحكمته وقدرته كما قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
ونشير في نهاية تحليلنا لآيات سيرة بدر مما حكاه القرآن الكريم، إلى ما ذكر القرآن الكريم نفسه عن موقف الشيطان حيث قال جل ذكره: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ [الأنفال: ٤٨ - ٤٩].
_________________
(١) انظر المراجع السابقة.
[ ٥٨٣ ]
بدأت الآيات بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ﴾، على أنه مقدر بمضمر، ويجوز أن يكون المضمر مخاطبًا به المؤمنون، والعطف على ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾، في الآية قبلها، وهي قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٧]، أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وغيرها، ووسوس إليهم أنهم يَغلبون لكثرة عددهم وعدتهم، وأنه حافظ لهم.
وفي ذلك انقسم العلماء إلى فريقين:
فريق يرى هذا التزيين وسوسة لهم بذلك يحملهم على مواصلة السير إلى بدر، وأنه وسوس لسراقة بن مالك ليكون هو المخبر لقريش والحامل لهم على مواصلة العناد، وأنه يؤمن لهم طريقهم من كنانة التى كانت على عداء مع قريش، فهابوا أن تقاتلهم وتعرقل سعيهم فطمأنهم سراقة بوسوسة الشيطان فمضوا.
والفريق الثاني:
يرى أن تلك الوسوسة وذلك التزيين قام به الشيطان نفسه للمشركين حيث تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك، وسار معهم فلما تراءت الفئتان وتلاقى الجمعان نكص على عقبيه لما رأى الملائكة تنزل وظن أن جاء موعده المنظور، وكانت يده في يد الحارث بن هشام فقال له أتخذلنا في هذه الحال، فقال إنى أرى ما لا ترون ودفع في صدره وفر هاربًا، وانهزم المشركون ورجعوا مكة قالوا هزم الناس سراقة، فقال ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم فعلموا أنه الشيطان. (١)
_________________
(١) انظر لما سبق من القولين الطبرى، جامع البيان (١٠/ ١٨)، الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١٣٠)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٦٥)، والالوسى، روح المعانى (١٠/ ٢١ - ٢٢)، وابن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ٣٤ - ٣٧)، ورشيد رضا، المنار (١٠/ ٢٩).
[ ٥٨٤ ]
وبداية نقول: ذهب سيد قطب ﵀ إلى إثبات حادثة تزيين الشيطان، ولكن مع عدم العلم بكيفية ذلك، وكأنه يفصل بين الفريقين في نظرهم إلى تفسير الآية فيقول: «وفي هذا الحادث نص قرآنى يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم وشجعهم على الخروج، وأنه بعد ذلك نكص على عقبيه فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم».
«ولكننا لا نعلم الكيفية التى زين لهم بهم أعمالهم إلى أن قال ولا سبيل لنا إلى الجزم بشيء من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوى صحيح والنص هنا لا يثبت الكيفية إنما يثبت الحادث» (١).
وثم تعليق هنا نبديه معتمدًا على دراسة النص القرآنى، والمقارنة بين النصوص مع ما ذكرنا من التحليل للآيات النازلة في حكاية غزوة بدر، خاصة وقد تمسك أصحاب رأى الوسوسة برأيهم، وضعفوا الروايات كافة لرأى تمثل الشيطان، وكلامه مع المشركين ومخاطبته إياهم بما جعلنا ندقق في فهم النصوص القرآنية الواردة في الحادث، وما جعلنا نقف على هذا الحادث أمران على الأقل:
الأول: الإيمان بالغيب والملائكة والجن، وأن ذلك من أصول الإيمان، وأن ما جادل من جادل فيه إلا للانهزام الفكرى أمام المادية الغربية الطاغية، التى تفرع الإسلام وتحاول من مضامينه الغيبية، بهذه الادعاءات العلمية زعموا التى لا وزن لها في ميزان العقل، فضلًا عن العلم وأمانته. وكل ذلك تشكيك في قضايا الإسلام في نفوس المؤمنين استكمالًا للغزو الفكرى.
الثاني: وهو المتعلق بما نحن فيه، وهو كيف أن الله تعالى رتب ويرتب للمؤمنين الخلص، كل أمورهم، ويهيء لهم عامة أحوالهم، ويخرق لهم النواميس الكونية دلالة على
_________________
(١) سيد قطب، في ظلال القرآن (٣/ ١٥٣١)، ود. محمد بن بكر أل عابد، حديث القرآن عن غزوات الرسول - ﷺ - (٦٥).
[ ٥٨٥ ]
وجود ربهم وعنايته بهم، وعلى صحة رسالة نبيهم وصدق نبوته، وأن كل ذلك هو خالقه والقادر عليه وما عليهم بعد الا أن يكونوا متحققين بصفات المؤمنين الحقة كما بين لهم ذلك كله، ليروا قدرة الله وقوته وحفظه.
وذلك الأمر الثاني هو المهم والأهم للمؤمنين في كل زمان ومكان، وهو مشكلتنا اليوم وأول هذه التعليقات هنا هو:
١ - أن المؤمنين بقوة الله وقدرته، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، لا يكبر عليه أن يتصور الشيطان، وأن يتمثل بهذه الأشكال إذ هو سبحانه في الحقيقة من أقدر الشيطان وغيره على ذلك، إذ لو لم يرد المولى سبحانه ذلك ما كان الشيطان ولا لمن في الأرض والسماء جميعًا أن يأتوا بأمر على خلاف مراد الله تعالى في العجب في تمثل الشيطان إذن؟
٢ - وإن القائلين بالمنع قد أجازوا أكثر من ذلك في الملائكة من نزولهم وتثبيتهم للمؤمنين وضرب المشركين فوق الأعناق، وضربهم لكل بنان، فما الفارق مع أن الملائكة أعظم وهم نور من خلق الله؟
٣ - بالنظر في النص نفسه نسأل ما الوسوسة في قول الشيطان ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وما الوسوسة في قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، بما أنه شخص يحادثهم، ورأى ما لا يرون ونكص على عقبيه فأين الوسوسة؟ وهو يجرى فارًا هاربًا، أو حال رؤية الملائكة، وكيف تكون وسوسة وتزيينًا وهم يرونه يسير معهم إلى أن تراءت الفئتان؟ قد يقال إنها رؤية منام، نعم ولكن كيف رأى الجميع هذه الرؤيا؟ دعنا من ذلك، لقد رأوها، فهل رأوا الشيطان يسير معهم، وهل رأى الملائكة في المنام؟ فترك المشركين في المنام وفر هاربًا، وهل من جاء في المنام ليؤازرهم وينصرهم، ينكص على عقبيه
[ ٥٨٦ ]
أمامهم في المنام ليروا هزيمتهم وفرار جارهم، ومنذ متى يصدق المشركون بتلك الرؤى وغيرها، لقد انعكس مقصود النافين لتمثل الشيطان حقيقة، بحيث أوقعوا أنفسهم فيما حاولوا أن يفروا منه مجاراة للمدرسة العقلية، بحيث صارت نفيًا للعقل ذاته، أو استهزاء أو التفافًا حول العقل. مع الطعن في قضايا الدين والإيمان، بدون أي مبرر عقلى، إلا اتباع العقل الغربى المحارب للإسلام.
وبعد ذلك ما كان القرآن الكريم ليترك موقف المنافقين والذين في قلوبهم مرض، ليستكمل بذلك جوانب الصورة، ولتتم كل إبعادها، إمعانًا في إعلام المسلمين بإحاطة الله تعالى بعلم كل شيء، وتقدير كل شيء، مع رجوع كل الأمور إليه، وليبصر المؤمنين بمواقف كل فئة، وتستقر نفوسهم على انه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وليجعل لكل شيء قدرًا في الواقع أمام المؤمنين يعلمون به كيف نصرهم وأيدهم، وكيف يتوكلون عليه ويبذلون له، بالتالى أنفسهم وأموالهم، فجاء قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ [الأنفالك ٤٩].
يتعلق ﴿إِذْ يَقُولُ﴾، بأقرب الأفعال إليه، وهو قوله تعالى ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، مع ما عطف عليه من الأفعال، ويكون قول المنافقين واقعًا في وقت تزيين الشيطان أعمال المشركين، ويكون نظم الكلام هكذا: وزين الشيطان للمشركين أعمالهم حين كان المنافقون يشوهون ويحمقون أعمال المؤمنين، ويصفونهم بالغرور وقلة التدبير بسبب اعتقادهم في دينهم الذى أوقعهم في هذا الغرور. (١)
وفي مثل هذا السياق تُطلب المناسبة لذكرهذا الخبر وراء سابقه، والمناسبة أن كلا
_________________
(١) وذكر بعضهم أن ﴿إِذْ يَقُولُ﴾، ظرف لغير ما ذكر، فانظر فيما سبق، والاختيار من ابن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ٣٧ - ٣٩).
[ ٥٨٧ ]
الخبرين يتضمن قوة المشركين، وضعف جيش المسلمين، ويقين أولياء الشيطان من المشركين والمنافقين بأن النصر سيكون للمشركين على المسلمين.
فالخبر الأول عن طائفة أعانت المشركين من عدو يخشى منه قطع طريق المشركين، فانحازت إليهم علنًا؛ وذلك يستلزم تقبيح ما أقحم المسلمون فيه أنفسهم إذ عمدوا إلى قتال قوم أقوياء.
الخبر الثاني عن طائفة المنافقين الذين في قلوبهم مرض (١)، أو هما طائفتان على قول البعض شوهتا صنيع المسلمين وحمقوا المسلمين ونسبوهم إلى الغرور، وهو إيقاع أنفسهم في المضرة بإيهام المنفعة، وأن الذى عزهم بذلك هو دينهم الإسلام، وقد نسبوا الغرور إليه لما فيه من الوعد بنصر المؤمنين، وأن القلة تهزم الكثرة بإذن الله تعالى.
وإن هذا الإرحاف لواقع اليوم من كل الطوائف التى اجتمعت على محاربة الإسلام، يثبطون المسلمين بأنهم لا يمكن أن يتصدوا للاعداء فضلًا عن هزيمتهم، بتهويل قوة الكفرة، وتهوين شأن المسلمين، وإخماد روح العزة والكرامة والثأر فيهم، ويأتى دور المنافقين الذين يوالون الكفرة ويتحدثون بألسنة المسلمين ليشككوهم في دينهم، وأنه سبب الهزيمة، وأن موعود الله لهم بالنصر إنما هو غرور ومحال، كل ذلك وأشد قد صورته آيات بدر ليخرج المسلمون من تلك الحالة، بل لئلا يكونوا فيها أبدًا، لذا جاء قوله تعالى ليؤكد لهم أن جنده مهما كانوا هم الغالبون طالما كانوا بدينهم ذلك مستمسكين فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]، فهذه الجملة معطوفة على جملة ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ﴾، لأنها من جملة الأخبار المسوقة لبيان عناية الله تعالى بالمسلمين وللامتنان
_________________
(١) هذا اختيار الباحث، وهناك تفسيرات أخرى لمن في قلوبهم مرض، وهم من لم يتمكن الإيمان في قلوبهم، وانظر الطبرى، جامع البيان (١٠/ ١٥ - ١٦)، الزمخشرى، الكشاف (٢/ ١٣٠)، وأبا السعود، إرشاد العقل السليم (٢/ ٣٦٥)، والالوسى، روح المعانى (١٠/ ٢٣ - ٢٤).
[ ٥٨٨ ]
عليهم، فالمناسبة بينهما وبين الجملة قبلها: أنها كالعلة لخيبة ظنون المشركين والمنافقين والذين في قلوبهم مرض، وخيب ظنونهم لأن المسلمين توكلوا على الله وهو عزيز لا يغلب فمن تمسك بالاعتماد عليه نصره، وهو حكيم يُكَوِّن أسباب النصر من حيث يجهلها البشر.
وجعل قوله: ﴿فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، كناية عن جواب الشرط باعتبار اللازم، ليس هو الجواب بل عزة المتوكل على الله ونجاته من مضيق أمره، وهو من وجوه البيان، وهو كثير الوقوع في القرآن الكريم، وعليه قول زهير بن أبى سلمى
من يَلْقَ يومًا على عِلاَّتِه هَرِمًا يَلْقَ السماحةَ فيه والندى خُلُقاَ
أي ينل من كرمه ولا يتخلف ذلك عنه في حال من الأحوال. (١)
تلك كانت سيرة غزوة بدر في القرآن الكريم على قدر المستطاع، والملاحظ المتأمل يرى أن أسلوب القصص القرآنى غير أسلوب الحكاية في الواقع والترتيب الزمنى، بل هو أسلوب عال له وجهته في العرض، علاوة على عرض ما يفى تمامًا بالإغراض المسوقة لسيها القصة، مع تبيان الحكم والعبر والارشادات والاوامر والنواهى وكل ما للشارع فيه حكمة من وصوله للمسلم للعمل به، وإن قضية الإيمان والتخلق بصفاتها ثم العمل لرفع راية هذا الدين والالتزام بذلك سلوكًا ودعوة وعبادة وعقيدة لهو الهدف الواضح من هذا القصص، مع إظهار كل ما يعيق المسلم في طريق سيره ليحذره، ولئلا يقع فيه مما يعرضه للتخلف والنكوص أو للهلاك والردى، كل ذلك هدى ورحمة للعالمين، ويسوق القرآن الكريم جزيئات يراها المرء من أول وهلة كذلك، ولكنها ذات مدلولات ضخمة، ينبنى عليها صرح الإسلام ومن ثم بقاؤه وانتصاره، وإن التفريط فيها من أكبر أسباب الهزيمة والانكسار.
_________________
(١) ابن عاشور، التحرير والتنوير (١٠/ ٣٨ - ٣٩).
[ ٥٨٩ ]
إن غزوة بدر بهذا العرض في نظر الباحث كانت الأساس المتين والدستور القويم لكل ما أتى بعد ذلك من أحداث، وإذا نظر الباحث، أو القارئ المتفحص لأىِّ مما وقع في السيرة والغزوات التالية لبدر ليقال له ألم ينبه على ذلك في غزوة بدر؟ ألم يأت مصداق ذلك في قصة بدر؟ إلى آخره
إذن فما كانت فرقانًا من لا شيء، لا يعبر به وله، بل لأضخم حدث مهد لكل خير وهداية للإسلام والمسلمين والبشرية في نفسها وواقعها، في الأرض والسماء، وما بعد انتهاء الدنيا.
إنه بدون مبالغة ما مِنْ قضية وقعت بعد بدر من نصر أو هزيمة إلا وكانت سطور بدر تنبض بها، وكذلك من أخلاق ودعوة، أو من أُخُوَّة ومحبة، أو من اعتقاد واتصال بالله واعتماد عليه وثقة فيه.
كل ذلك يحتاج إلى بحث آخر ضخم لا تحتمله الرسالة، ولذا نتوقف في هذا الفصل عند هذا الحد، وإن احتملت الرسالة شيئًا جديدًا نضيفه وإلا فمحله بحث ضخم قائم بذاته غير هذه الرسالة نرجو من الله تعالى التوفيق له.
[ ٥٩٠ ]