فرض الله سبحانه الصيام والزكاة والقتال على المؤمنين في شهر واحد، كما أنه أمرهم أن يتجهوا إلى بيت الله الحرام في صلاتهم في هذا الشهر نفسه، وهو شهر شعبان، وكل هذه اختبارات لتمحيص المؤمنين وظهور صدقهم في طاعتهم له سبحانه، وكان فرض القتال استعدادًا لمواجهة ستكون بين الحق والباطل في شهر رمضان في غزوة بدر التي حوت أسباب النصر التي كانت تحملها الفئة المؤمنة، وأسباب الهزيمة التي كان يحملها أهل الكفر والضلال.
[ ٢٠ / ١ ]
ملخص مراحل فرض القتال على المسلمين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله ﷿ أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
مع الدرس السادس من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدرس السابق تحدثنا عن بعض السرايا والغزوات التي سبقت غزوة بدر، وفصلنا في سرية نخلة، والآثار العظيمة التي عمت الجزيرة العربية بكاملها بعد هذه السرية الكبرى.
هذه السرية كان من جرائها أن غنم المسلمون قافلة كاملة لقريش، وأسر رجلان من قريش وقتل واحد وفر الرابع، وأصبح للمسلمين شوكة واضحة في الجزيرة العربية، وتهديد ظاهر لمصالح قريش ليس حول المدينة المنورة فقط، ولكن في عمق الجزيرة العربية بالقرب من مكة المكرمة.
ذكرنا أن المسافة بين نخلة والمدينة المنورة كانت أكثر من ٤٨٠ كيلو مترًا، وهي مسافة ضخمة جدًا جدًا وبالذات في الصحراء، أنزل الله ﷿ بعد سرية نخلة بعض الآيات التي برأت ساحة أولئك الذين اشتركوا في هذه السرية عبد الله بن جحش ﵁ وأرضاه ومن معه من الصحابة، ثم أنزل بعد ذلك بعض الآيات التي تفرض القتال على المسلمين، وذكرنا أن القتال كان مأذونًا به قبل هذه السرية، ثم الآن فرض القتال على المسلمين، يعني: لا يجوز للمسلم إن قوتل إلا أن يقاتل.
قال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠]، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩١ - ١٩٣].
وذكرنا أن هذه الآيات كان لها وقع شديد على المشركين واليهود، بل وعلى بعض المسلمين، فهذه أول آيات تفرض القتال على المسلمين، وقتال المشركين أمر متوقع جدًا بعد سرية نخلة.
وربنا ﷾ قال في هذه الآيات: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، ففيها إعلان صريح يدل على قوة المسلمين وواقعيتهم، إعلان مجابهة القوة الكافرة المعتدية عليهم وهي قريش في كل مكان، هذا الإعلان يدل على أن كل المحاربين من قريش مستهدفون الآن، وأن قريشًا كانت تستهدف المسلمين قبل ذلك في كل مكان، وقد حان وقت المعاملة بالمثل، سيُستهدف المشركون من قريش في كل مكان سواء في المدينة أو في مكة أو في أي قافلة هنا أو هناك، كل هذا فهمناه من الجزئية القصيرة من القرآن المعجز: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١].
إذًا: إعلان صريح للحرب على قريش، وفي نفس الوقت هذه الآية حملت الإصرار على موقف المسلمين في سرية نخلة، نحن لا نعتذر بأي حجج واهية عما حدث في هذه السرية، بل نحن نقول: سيتكرر هذا كثيرًا إلى أن تفيق قريش من غيها وتتوب من ظلمها.
في نفس المجموعة من الآيات قال الله ﷿: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة:١٩١] وهذا تصعيد خطير جدًا وصريح، فالمشركون أخرجوا المسلمين المهاجرين من مكة، والآية تدعو المسلمين أن يخرجوا الكفار من مكة أيضًا، ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، جملة في منتهى الخطورة، فعلى كفار قريش أن يتوقعوا مباغتة المؤمنين لهم في مكة في أي لحظة، فعليهم أن يعيشوا في رعب الانتظار الآن، وعليهم أن يدركوا أن الأوضاع الجديدة شديدة الاختلاف عن الأوضاع السابقة، عليهم أن يدركوا أن هؤلاء الذين عذبوا لسنوات وسنوات في البلد الحرام مكة، قويت شوكتهم الآن واشتد عودهم، وبلغ تهديدهم للدرجة التي يصرحون فيها بغزو عقر دار المشركين مكة.
في الناحية الأخرى على المسلمين أيضًا أن يكونوا على قدر المسئولية الجديدة، عليهم أن يعلموا أبعاد الخطة الجديدة، عليهم أن يعلموا متطلبات المرحلة الجديدة، فلم يعد هدف المسلمين فقط هو الحفاظ على دينهم وحياتهم، بل ارتفع الهدف إلى الرغبة الصادقة في رفع الظلم تمامًا عن كواهلهم، إلى الرغبة الصادقة في نشر هذا الدين في كل مكان، ولو كان هذا المكان هو مكة معقل قريش.
فتحت هذه الآية آفاق جديدة تمامًا للمسلمين، سمت بأحلامه
[ ٢٠ / ٢ ]
الاختبارات التي مر بها مؤمنو المدينة قبل اصطدامهم بأهل الباطل
من سنة الله ﷾ أنه قبل الصدامات الكبرى التي تقع بين الحق والباطل لابد أن تمر أمة المسلمين ببعض الشدائد والمصاعب والاختبارات التي تمثل امتحانًا صعبًا لكل المسلمين.
فمن السهل أن تقول: أنا مؤمن، لكن الصادقين قليل.
قال الله ﷿ يصف إيمان الأعراب: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، فلا بد أن يكون هناك اختبار صعب يحدد فعلًا من الصادق ومن الكاذب ومن المؤمن ومن المنافق؟ من هذه الاختبارات التي تمت في شهر شعبان اختبار فرض القتال، فالذي يقبل بمشقة فرض القتال ويستمر في الطريق هو صادق الإيمان، وأما الذي سيجزع ويتثاقل إلى الأرض فصف المؤمنين في غنى عنه ولا يحتاجون إليه، بل من الأفضل أن يترك الصف من الآن قبل أن تشتد الأزمة.
إذًا: فرض القتال كان أحد الاختبارات قبل الصدام المتوقع، ولكن لم يكن هذا هو الاختبار الوحيد، كان هناك اختبارات ثانية حصلت قبل هذا الاختبار وفي نفس شهر شعبان، إعداد واضح من رب العالمين ﷾ لمجموعة من المسلمين، سوف تغير بعد ذلك من خارطة العالم بكامله.
فمن الاختبارات المهمة التي حصلت قبل فرض القتال وفي شهر شعبان اختباران في غاية الأهمية: اختبار فرض الزكاة واختبار فرض صيام رمضان.
كانت الزكاة مفروضة على المسلمين في فترة مكة، لكن لم تكن بالنصاب المعروف وبالقدر الذي نعرفه، بل كانت متروكة لكل مسلم بقدر ما يستطيع دفعه، أما الآن فقد فرض على المسلمين أن يدفعوا قدرًا معينًا مقداره ٢.
٥% إذا بلغ المال النصاب وحال عليه الحول.
وقيمة الزكاة وإن كانت قليلة إلا أن الإنسان بطبعه مجبول على حب المال، قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، والإنسان بطبعه لا يحب القيود خاصة القيود المادية، وهكذا لن يقبل بفرض الزكاة إلا المؤمن حقًا.
كذلك اختبار الصيام، فإن الصوم المفروض على المسلمين حتى هذه اللحظة لم يكن إلا يومًا واحدًا في السنة هو يوم عاشوراء، أما الآن فقد فرض عليهم صيام شهر كامل في السنة، وهو شهر رمضان، وهذا الفرض نزل في شهر شعبان، وعلى ذلك فإن المسلمين سيصومون شهر رمضان دون تهيئة نفسية مسبقة، وهذا شاق عليهم خاصة في هذه البيئة الصحراوية، فلن يثبت في هذا الاختبار إلا صادق الإيمان.
إذًا: الاختبار الأول: الزكاة، الاختبار الثاني: الصيام، الاختبار الثالث: فرض القتال.
بقي هناك اختبار رابع صعب جدًا حصل في نصف شهر شعبان، وهو اختبار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في مكة.
وكل هذه الاختبارات كانت متتالية، حصلت في خلال أسبوعين من شهر شعبان، والمسلمون قبل هذا الحدث كانوا يصلون في اتجاه بيت المقدس (١٦) أو (١٧) شهرًا، من أول الهجرة إلى منتصف شعبان من السنة الثانية من الهجرة.
وفي هذا إعلان لعموم الناس أن الرسالة الإسلامية ما هي إلا استكمال لرسالات الأنبياء السابقين، وأن الرسول ﷺ ومن قبله من الأنبياء جاءوا بمنهج واحد ويعبدون إلهًا واحدًا، وفي ذلك تقريب لقلوب اليهود من سكان المدينة من الدين الجديد، فهم يشتركون مع المسلمين في قبلة واحدة، ويعظمون إلهًا واحدًا، ويصومون يومًا واحدًا.
ثم مرت الأيام والشهور، وظهر للجميع أن اليهود قوم فاسقون، أدركوا الحق واتبعوا غيره؛ لأجل ذلك نزل الوحي من السماء بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة، وفرض صيام رمضان بدلًا من صيام عاشوراء، وكانت هذه التغييرات تحمل معاني سامية جدًا من التميز للأمة الإسلامية، ومن التوجه إلى أشرف بقاع الأرض، ومن مخالفة اليهود الفاسقين، ومن غير ذلك من الأمور العظيمة، وفوق هذا كله كان فيها إشارة لطيفة إلى أن الله ﷿ سيفتح مكة للمسلمين في يوم ما؛ لأنه ليس من المعقول أن توجد قبلة قوم في بلد أعدائهم.
وبعد مشروعية استقبال الكعبة حصلت مشكلة صعبة، فاليهود كعادتهم حاولوا إثارة الفتنة وإشاعة الشبهات، واجتهدوا في ذلك تمام الاجتهاد، إذ صاروا يتهكمون من هذا التحويل للقبلة، ويقولون: إن المسلمين مترددون بين قبلتين، وقالوا: إذا اتجهتم إلى القبلة الجديدة فما شأن القبلة القديمة التي كنتم تصلون إليها؟ والذين كانوا يصلون باتجاه القبلة القديمة ثم ماتوا ماذا يفعل الله ﷿ بصلاتهم، فقد كانوا مخطئين في الاتجاه، كـ أسعد بن زرارة ﵁ وأرضاه، والبراء بن معرور؟ وهكذا يحاول اليهود أن يثيروا الشبهات والفتن دائمًا، فأنزل الله ﷿ يرد عليهم ويصفهم بالسفهاء، ويبين المفهوم الدقيق الذي يجب أن يدركه كل مؤمن، وهو أن الأمر كله لله ﷿، يحكم بما يشاء وقت ما يشاء ﷾، هو المتصرف في خلقه وملكوته، ولا راد لقضائه ﷾، قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا
[ ٢٠ / ٣ ]
وقفات مع غزوة بدر الكبرى
في يوم الفرقان كانت غزوة بدر الكبرى في (١٧) من رمضان سنة اثنين هجرية، هذه الغزوة قلبت الموازين كلها، بل تستطيع أن تقول: هي المعركة التي عدلت موازين العالم المقلوب وليس من الضروري أن تحدث نقاط التغيير المحورية في العالم نتيجة صراع بين قوة عالمية أولى وأخرى، لكن قد يبدأ التغيير بحدث لا يعطي أحدًا من أهل الأرض أهمية، بل قد لا يشعرون به أصلًا، فمن كان يسمع عن غزوة بدر من أهل فارس أو أهل الروم أو أهل الصين أو أهل الهند؟ إن غزوة بدر في حسابات العسكريين معركة بسيطة جدًا، ٣٠٠ جندي يحارب ألف جندي في نقطة لا ترى على خارطة الأرض، وفي صحراء العرب الجرداء، وأي محلل عسكري سيحلل هذه المعركة بأنها مجرد صراع عابر، أو تستطيع أن تقول: مشكلة بين قبيلتين لا تحمل أي نوع من الخطورة على القوى العالمية الموجودة آنذاك، فجيوش الرومان كانت تقدر بالملايين في ذلك الوقت، وجيوش فارس كانت تزيد على مليوني جندي، هذه أعداد الجيوش فقط لا الشعوب، أما الشعوب فكانت تقطن في مساحات واسعة جدًا، وهي الآن عشرات الدول؛ لذلك فإن غزوة بدر في التحليل السطحي غزوة عابرة، لا يرجى أن يكون لها أي أثر إلا في بعض النقاط غير المرئية في الصحراء، ومع ذلك فإن التحليل العميق يثبت غير ذلك تمامًا، فبعد غزوة بدر ولدت أمة ثابتة راسخة، لها رسالة وهدف وطموح، تغير وجه التاريخ حقًا بعد هذا الميلاد.
قامت الدولة التي ستحمل على أكتافها قضية هداية الناس أجمعين إلى رب العالمين ﷾، ونشأت الأمة التي ستصبح خير أمة أخرجت للناس، وخرج الجيش الذي سيزلزل بعد ذلك عروش قيصر وكسرى، فغزوة بدر غزوة فرقت بين مرحلة كانت فيها دولة الإسلام ناشئة ضعيفة مهددة، ومرحلة أخرى أصبحت فيها دولة الإسلام معتبرة ومستقرة وقوية لها شأن في المنطقة، وكل الناس في العالم يسمعون عن دولة الإسلام؛ لذلك فإنه ليس من المستغرب أن الله ﷾ سماها يوم الفرقان، فإن مقاييس رب العالمين ﷾ ليست كمقاييس البشر، فإن الصدام المروع بين فارس والروم مرات عديدة لم يغير من وجه التاريخ.
قال تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١ - ٣]، فازت أو خسرت ليس هناك تأثير في الأرض، فما هي إلا لحظات عابرة مهما طالت في عمر البشرية، لكن بدرًا وضعها مختلف، فالصدام البسيط الذي تم بين المدينة المنورة ومكة غير كل شيء في الأرض، وما زال يغير إلى يوم القيامة، فغزوة بدر لحظة فارقة حقًا، وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن نقف طويلًا مع غزوة بدر.
إن غزوة بدر لم تكن غزوة عظيمة بأرضها أو بجغرافيتها أو بخطتها أو بنوعية السلاح الذي استخدم فيها، إنما كانت عظيمة بأهل الحق فيها ولو كانوا قلة بسطاء حقراء، أو بالتعبير القرآني كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]، فكانت بدر عظيمة بالطائفة المؤمنة النبيلة التي شاركت فيها، فمن أجل هذه الطائفة حدثت تغييرات كونية هائلة، ومن أجل هذه الطائفة نزلت الملائكة، ومن أجل هذه الطائفة خضع الشيطان بل نكص على عقبيه مذمومًا مدحورًا، فلا بد أن نقف وقفة وندرس هذه الطائفة النبيلة العظيمة الطائفة هذه يا إخواني أنا أرى أنها معيار للجيش المنتصر، جيش بدر مقياس لكل جيوش المسلمين الجيش الذي سيعرف يتصف بصفات جيش بدر سيعرف يحقق نصر مثل نصر بدر.
[ ٢٠ / ٤ ]
الأسباب التي دعت إلى غزوة بدر الكبرى
عادت قافلة مكية من الشام إلى مكة بقيادة أبي سفيان، ومعظم القوافل التي خرج لها المسلمون قبل ذلك لم يحدث فيها قتال كما تعلمون، حتى القتال الذي حصل في سرية نخلة كان قتالًا بسيطًا، ١٠ من المسلمين يحاربون ٤ من الكفار، لكن هذه القافلة كانت تختلف عن بقية القوافل في بعض الأمور المهمة: أولًا: هذه القافلة من أكثر القوافل المكية مالًا، فضرب هذه القافلة يمثل ضربةً اقتصاديةً هائلةً لمكة، فيها ألف بعير موقرة بالأموال، وفيها ما لا يقل عن خمسين ألف دينار ذهبي.
ثانيًا: هذه القافلة ليست بقيادة قائد مغمور من قواد مكة أو تاجر عادي من تجار قريش، بل هي بقيادة أبي سفيان بن حرب من سادة قريش، ومع هذه القافلة حراسة مكونة من ٣٠ إلى ٤٠ مشركًا، أما قافلة نخلة فكان معها أربعة رجال فقط.
ثالثًا: هذه القافلة تمر بجوار المدينة في شهر رمضان، يعني: بعد شهر ونصف شهر فقط من أحداث سرية نخلة، وموقف المؤمنين مع هذه القافلة يؤكد صلابة موقفهم واستمرارية حربهم ضد المشركين، ويثبت أنهم ليسوا خائفين أبدًا من آثار سرية نخلة، بل على العكس يعتبر هذا الخروج تأكيدًا واضحًا لقوة المسلمين وتصميمهم على الحرب ضد قريش إلى النهاية، ولا شك أن هذا سيهز كفار مكة.
لذلك خرج الرسول ﷺ خرج بأكبر عدد من المسلمين، وإلى هذه اللحظة كل السرايا والغزوات السابقة لم يتجاوز عدد المسلمين فيها مائتين، لكنهم في غزوة بدر أصبح عددهم ٣١٣ أو ٣١٤ أو ٣١٧ على اختلاف الروايات، وقد خرج الأنصار لأول مرة مع المهاجرين، والغزوات والسرايا التي حدثت قبل بدر كلها كانت معتمدة على المهاجرين، كذلك كان خروج الأنصار في غزوة بدر برغبتهم أنفسهم، وبشورى من رسول الله ﷺ، كما جاء في صحيح مسلم: أن الرسول ﷺ استشار الناس في الخروج للقافلة، فأعلن أبو بكر الموافقة، وأعلن عمر الموافقة، وكثير من المهاجرين أعلنوا كذلك الموافقة، وكان الرسول ﷺ يطلب المزيد من الرأي، حتى قال سعد بن عبادة زعيم الخزرج: (إيانا تريد يا رسول الله؟! فقال ﷺ: أجل.
فقال: والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر -أي: الخيل- لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا) وبرك الغماد: مكان بعيد عن المدينة المنورة في اتجاه اليمن.
كانت هذه استشارة حصلت داخل المدينة المنورة، وعرض الأنصار أن يخرجوا مع الرسول ﵊ إلى هذه القافلة، وقبل الرسول ﵊ هذا العرض، وفعلًا خرج الأنصار، بل معظم الجيش كان من الأنصار، فعدد الأنصار في بدر كان ٢٣١ أنصاريًا، ٦١ من الأوس، و١٧٠ من الخزرج، والمهاجرون كانوا ٨٣ فقط، يعني: ثلثي الجيش تقريبًا من الأنصار، وتزود الرسول ﷺ بسلاح المسافر، وأخذ معه فرسين وسبعين من الإبل، وقسم جيشه إلى مهاجرين وأنصار، وأعطى راية المهاجرين لـ علي بن أبي طالب، وراية الأنصار لـ سعد بن معاذ، وأعطى الراية العامة للجيش لـ مصعب بن عمير ﵃ أجمعين، وجعل على الساقة في مؤخرة الجيش قيس بن أبي صعصعة ﵁.
كان هذا الإعداد في منتهى القوة، هذا الجيش خرج لقافلة يحرسها ٣٠ أو ٤٠ رجلًا، أي: أن الجيش الإسلامي عشرة أضعاف حراس قافلة مكة تقريبًا، والمخابرات الإسلامية حددت أن القافلة ستمر قريبًا جدًا من بدر، وهي على بعد حوالي ٧٠ كيلو متر جنوب المدينة المنورة، وهكذا اتجه الرسول ﷺ مباشرة إلى بدر حتى يقطع الطريق على القافلة.
كانت القافلة المكية على رأسها أبو سفيان بن حرب، وهو من أذكى وأدهى العرب، وكان له مخابرات استطاع من خلالها أن يعرف أن الرسول ﷺ خرج من المدينة المنورة قاصدًا القافلة، لكنه لم يعلم بعد إلى أين وصل الرسول ﷺ، ولم يضيع وقتًا، بل أرسل رسالة سريعة إلى مكة يستنفر جيش مكة للخروج لإنقاذ القافلة، أرسل الرسالة مع واحد اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري، فلما وصل ضمضم إلى مكة وقف على بعيره وشق قميصه، وبدأ يصرخ في أهل مكة: يا معشر قريش! يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها.
الغوث الغوث! ونفر الناس كلهم، فما تزال مصيبة سرية نخلة قريبة، وكلهم أخذ الموضوع بمنتهى الجدية.
وبدءوا في جمع المقاتلين من كل مكان، وأعدوا جيشًا كبيرًا على أعلى مستوى، كان تعداده ١٣٠٠ مقاتل من قريش وما حولها من قبائل العرب هذا الإعداد الأول، وخرجوا بمائة فرس و(٦٠٠) درع، وجمال كثيرة جدًا لا يعرف عددها، لكنهم كانوا ينحرون ٩ أو ١٠ من الإبل للطعام فقط يوميًا، وخرج مع قيادة الجيش كل زعماء الكفر تقريبًا: أبو جهل
[ ٢٠ / ٥ ]
ملامح الجيش المنتصر وصفاته
[ ٢٠ / ٦ ]
تحقيق مبدأ الشورى بين أفراد الجيش المؤمن
نقلت الاستخبارات الإسلامية خبرين في منتهى الأهمية: الخبر الأول: هروب القافلة، الخبر الثاني: جيش مكة على مقربة من بدر، فالوضع خطير جدًا، وإعداد المسلمين كان قويًا جدًا بالنسبة لقافلة تجارية، لكن لاشك أنه ضعيف جدًا بالنسبة لجيش نظامي خرج مستعدًا للقتال، فلا يوجد سوى اختيار من اثنين: إما الرجوع إلى المدينة وتجنب القتال، وإما التقدم إلى بدر والصدام المروع، ومن هنا نركز على هذه القضية؛ لأن كل موقف سيحمل ملمحًا من ملامح النصر، وسيكون فيه إشارة إلى عامل من عوامله.
إن كل صفات الجيش المنتصر تجمعت في جيش بدر، وأي جيل مسلم يريد أن ينتصر لا بد أن يعرف صفات جيل بدر جيدًا، ولا بد أن يستوعب سورة الأنفال جيدًا، فهي سورة تحدثت عن غزوة بدر، والرسول ﷺ أمامه خياران: الرجوع أو القتال.
كان النبي ﷺ يريد القتال؛ لأن الرجوع له آثار سلبية كبيرة، فهو سيهز جدًا كيان المسلمين، وسيضيع مكاسب سرية نخلة، وسيشجع الكفار على التمادي في الحرب على المسلمين، فكلما رجع المسلم خطوة احتلها عدوه، ولا يستبعد مطلقًا إذا رجع الجيش المسلم أن يستمر الجيش المكي في المسير ويغزو المدينة، وعندئذ سيكون الخطر أكبر، لكن الرسول ﷺ ليس قائدًا ديكتاتوريًا كـ أبي جهل.
فالقائد الديكتاتوري يبرز فهمه دائمًا لمن يقودهم، والذين من حوله يحاولون أن يفهموه أن رأيه فقط هو الرأي الصحيح، وأنه يفهم في كل شيء؛ لذلك فعليه ألا يضيع وقته ووقت شعبه في الاستشارات، لكن الرسول ﵊ لم يكن كذلك، فمع أنه أحكم البشر كان يستشير أمته في كل القضايا التي لم ينزل فيها وحي، فإذا كان هناك أمر من الله في قضية من القضايا فإنه لا يجوز للمسلمين أبدًا أن يتشاوروا في تطبيق الأمر من عدمه، وإذا لم يكن هناك أمر من الله فلابد من الشورى، وكل تحركاته ﷺ كانت بالشورى، لما خرج من المدينة للقافلة خرج بالشورى، ولما قرر أن يحارب لم يحارب إلا بشورى، وسنرى للشورى مواضع كثيرة بعد ذلك في بدر وفي غير بدر.
إذًا: نستطيع أن نقول ببساطة: إن من أهم ملامح الجيش المنتصر أن يكون جيشًا يعظم الشورى الحقيقية وليست الشورى التمثيلية الهزلية على الشعب، بل شورى حقيقية تهدف إلى قرار يصلح الأمة، وهكذا عمل الرسول ﷺ مجلسًا استشاريًا كبيرًا تبادل فيه الرأي ليس فقط مع قادة الجيش ولكن مع عامة الجيش، فقام المستشار الأول لرسول الله ﷺ أبو بكر الصديق وأيد الحرب ضد الكافرين، وكذلك قام المستشار الثاني عمر بن الخطاب ﵁ فقال نفس الكلام، ثم قام المقداد بن عمرو ﵁ وأرضاه وقال كلامًا رائعًا علق عليه عبد الله بن مسعود.
قال: شهدت من المقداد بن عمرو مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، قال: (يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إن ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك حتى نبلغه).
سر الرسول سرورًا عظيمًا بكلام المقداد، ولكن ما زال يطلب الاستشارة ويقول: (أشيروا علي أيها الناس! أشيروا علي أيها الناس!)، وقد كان الرسول ﷺ في مواقف كثيرة يكتفي باستشارة أبي بكر وعمر، ويقول: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما، لكن هنا ما زال ينتظر استشارة الأنصار، فإنه لم يسمع رأي الأنصار بعد، فالأنصار قبل ذلك في المدينة أعلنوا موافقتهم على الخروج معه للقافلة، لكن الآن ليس هناك قافلة، وإنما قتال مع جيش كبير، والرسول ﷺ يعلم أنه لو أمر الأنصار لأطاعوه فورًا، فهم في أعلى درجات الإيمان ﵃ أجمعين.
لكن الرسول يذكر بيعة العقبة الثانية، وفيها بايع الأنصار على نصرة الرسول ﷺ إذا قدم إليهم في المدينة، ولم يبايعوه على الحرب خارج المدينة، والأمر ليس فيه تكليف إلهي الآن فيسمع الجميع ويطيع، ولكن فيه الشورى، والرسول ﷺ لا يريد أن يكره الأنصار على القتال، فشتان بين من يقاتل وهو مكره، ومن يقاتل وهو راغب في الجهاد، ولا ننسى أن الأنصار ثلثا جيش المسلمين، فهذا الطلب المتكرر للاستشارة: (أشيروا علي أيها الناس! أشيروا علي أيها الناس!)، لفت نظر سيد الأنصار سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، وكان حامل لواء الأنصار حينها، فقام وقال: (لكأنك تريدنا يا رسول الله؟! قال رسول الله ﷺ: أجل، قال سعد: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله! لما
[ ٢٠ / ٧ ]
صفة الإيمان بالله ورسوله
من موقف المؤمنين الباسل سنجد أكثر من صفة من صفات الجيش المنتصر.
أولًا: ذكرنا قصة الشورى وأهمية الشورى في بناء الأمة الإسلامية.
ثانيًا: لنا صفة هي من أهم صفات الجيش المنصور، بل هي أهم الصفات مطلقًا، ظل الرسول ﷺ (١٣) سنة في مكة وبعد ذلك في المدينة يزرعها في المسلمين، وهي صفة الإيمان الكامل بالله ﷿ وتوجيه النية كاملة إليه، والإيمان الكامل برسوله ﷺ واتباعه اتباعًا لا تردد فيه، فإن جيش مكة خرج ليتحدث الناس عنه، خرج لإرضاء شهوات النفس ولغرض الصد عن سبيل الله بطرًا ورئاء الناس، بينما صدق التوجه كان واضحًا في كل كلمة من كلمات الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهم يعلمون أنهم في مهمة سامية وغرض نبيل، لا يرجون من ورائها إلا الثواب من الله ﷿، فالله غايتهم بمعنى الكلمة، ومن غير صفة الإيمان هذه لا يوجد نصر، فالجيش العلماني لن ينصر أبدًا، والجيش العاصي لن ينصر، والجيش الفاسق لن ينصر، والجيش الذي يقاتل من أجل القائد لن ينصر، والجيش الذي يقاتل من أجل قبلية أو عصبية لن ينصر، والجيش الذي لا يعرف أصلًا لماذا يقاتل لا يمكن أن ينصر أبدًا، وهناك جيوش كثيرة جدًا وأحيانًا مسلمة لا تعرف لماذا تقاتل؟ القائد أمر، لكن لماذا أمر وكيف أمر؟ ويا ترى! هل هذه الحرب ترضي الله أم تغضبه؟ ولا أحد يعرف لأنه لا يسأل، فهذا لا يمكن أن ينتصر، فالنصر في المفهوم الإسلامي من عند الله ﷿: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ونصر الله ﷿ يكون بطاعته وتطبيق شرعه، والجيش الإسلامي أصبح له ١٥ سنة كاملة يتربى على هذا المعنى، وهذه أهم صفة من صفات الجيش المنتصر.
[ ٢٠ / ٨ ]
صفة الأمل والتفاؤل واليقين بنصر الله ﷿
الصفة الثالثة: صفة الأمل: (سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ووالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)، والجيش المحبط من المستحيل أن ينتصر، والإحباط لا يأتي إلا من تفاهة المهمة التي يقاتل من أجلها الجيش، والدنيا بكاملها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فالذي يقاتل من أجل الدنيا لا شك أنه سيحبط، ومن أحبط لاشك أنه سيهزم.
[ ٢٠ / ٩ ]
صفة الحزم وعدم التردد
الصفة الرابعة: صفة الحسم وعدم التردد.
إن مرحلة الشورى هي مرحلة تداول الرأي، فإن استقر المسلمون على رأي فلابد من الحسم في تنفيذه؛ لأن التردد والتسويف يضعف الهمة ويزيد من جرأة العدو ويفتح أبوابًا للشيطان، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فمع خطورة الموقف وقلة إعداد المسلمين وقوة الجيش الكافر إلا أن المسلمين أقدموا دون أي تردد.
رأينا في الجيش الكافر تردد أمية بن خلف في الخروج، ورأينا انسحاب الأخنس بن شريق، ورأينا رفض الجميع للقتال ودفع أبي جهل لهم، ورأينا خوفهم من الخروج في البداية، وتمثل الشيطان لهم في شكل سراقة بن مالك بن جعشم، رأينا كل ذلك.
ولا زلنا سنرى ترددًا آخر، فأهل الباطل في تخبط دائم، فقد كان عتبة بن ربيعة رافضًا للقتال تمامًا، وهو من قادات مكة، وقف يقول للقوم: يا قوم! أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه.
يعني: سندخل في معركة، ويقتل بعضكم بعض المسلمين، وهم إخوانكم وآباؤكم وأبناؤكم، فالمشرك سيقول للمشرك الآخر: نعم.
أنت من قتلت أبي في موقعة بدر.
ثم أبدى النصيحة وقال: فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا.
هذه نصيحة واحد من قادة مكة في أرض المعركة، غضب أبو جهل غضبًا شديدًا وقال: انتفخ والله سحره.
السحر: هو الرئة، وهذه علامة على الجبن، ثم قال أبو جهل: إنما محمد وأصحابه أكلة جزور لو قد التقينا.
يعني: العرب كانوا يقدرون أكلة الجزور بمائة رجل، ورد عتبة على أبي جهل، لكن لنتذكر أولًا رد سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه على رسول الله ﷺ: (فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فينا من أمر فأمرنا تبع لأمرك).
سبحان الله! تجرد كامل لله ﷿، ليس له أي مصلحة في الموقعة من مصالح الدنيا، لكن انظر إلى المشاكل التي كانت موجودة بين المشركين في أرض المعركة، فهذا عتبة أحد القادة مع أبي جهل في صراع أمام كل الجيش، وهذا يؤثر سلبًا على نفسية الجيش.
قال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، وهكذا بدءوا يدخلون في الملاسنات والمعركة لم تبدأ بعد، ثم قال عتبة بن ربيعة قولًا يعبر عن رعبه الداخلي: أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا.
سبحان الله! المسلمون ٣٠٠ مقاتل والكفار ١٠٠٠ مقاتل ومع ذلك يقول: أما والله إني لأرى قومًا -يعني: المسلمين- يضربونكم ضربًا، أما ترون رءوسهم كالأفاعي وكأن وجوههم السيوف! هذه هي نفسية من يحاربون الإسلام، جاء حكيم بن حزام حينها وكان مشركًا وأسلم بعد ذلك ﵁، جاء إلى عتبة بن ربيعة يقول له: يا أبا الوليد! هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت، قال: ماذا أفعل؟ قال: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي -يقصد الذي قتل في سرية نخلة- وهو حليفك فتحمل ديته وترجع بالناس، يعني: إذا كانت المشكلة في دية ابن الحضرمي فادفعها أنت لعائلته وارجع بالناس، فقال عتبة بن ربيعة: أنت وذاك، واذهب إلى ابن الحنظلية -يعني: أبا جهل - فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك، يقرب له نسب الرسول ﷺ منهم، أي: قريبك في الرحم، لعله يرجع، فانظر إلى حجم التشجيع، فذهب حكيم إلى أبي جهل وقال له ذلك، فرد أبو جهل: أما وجد رسولًا غيرك.
هذا أبو جهل يكلم أحد أشراف مكة حكيم بن حزام، لكن كان جوابه بمنتهى الغرور.
قال له: أما وجد رسولًا غيرك، قال: لا، لم يجد غيري، ولم أكن لأكون رسولًا لغيري.
أي: أنا رسول لواحد من أشراف مكة أيضًا عتبة بن ربيعة، ومع ذلك رفض أبو جهل وأصر على القتال، وتصرفه يعبر عن ديكتاتورية مطلقة.
ذهب عمير بن وهب الجمحي وذلك قبل أن يسلم ليقدر أعداد المسلمين، فعاد إلى قريش وقدر العدد بثلاثمائة أو نحو ذلك، ومع أن جيش المسلمين ثلث جيش الكفار إلا أن عمير بن وهب قال: ولكني قد رأيت يا معشر قريش! البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة إلا سيوفهم، ووالله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإن أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم.
فانظر إلى حجم التردد الذي يعيشه أهل الباطل، فكيف سيقاتلون مثل هؤلاء؟! لكن كل من يحارب الإسلام تكون هذه حالته.
[ ٢٠ / ١٠ ]