إن المصائب التي تنزل على المؤمنين ما هي إلا تمحيص من الله لعباده وتربية لهم على طاعة الله ورسوله، فمع أن غزوة أحد كانت مصيبة عليهم إلا أنه كان في باطنها الخير الكثير، وتعلم الصحابة فيها درسًا في وجوب الطاعة ولزوم الأمر، وقد استطاع النبي ﷺ أن يكسر الهزيمة النفسية التي في قلوبهم، وأن يرفع معنوياتهم بخروجهم إلى حمراء الأسد لملاحقة المشركين مع كل الآلام والجراح.
[ ٢٦ / ١ ]
ملخص مصائب يوم أحد على المسلمين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثاني عشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدرس السابق تحدثنا عن مصيبة أحد، والمصيبة كما ذكرت في الدرس السابق هي وصف رباني لما حدث يوم أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، وكما ذكرنا أيضًا في الدرس السابق أن المصيبة لم تكن في مجرد استشهاد سبعين من الصحابة، بل على العكس هؤلاء من أعظم الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين، لكن المصيبة كانت تكمن في أمور أخرى خطيرة حدثت في يوم أحد، منها: معصية الصحابة ﵃ لأمر رسول الله ﷺ مع وضوح الأمر، وكما ذكرنا أن الأمر لم يكن اجتهادًا من الصحابة، ولكن كان بسبب حب الدنيا، والله ﷿ ذكر ذلك تصريحًا في كتابه، قال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢].
المصيبة الثانية: هي استشهاد سبعين من الصحابة؛ بسبب خطأ من الرماة في هذه الموقعة، فاستشهاد هؤلاء السبعين ليست مشكلة، بل هي فضل من الله عليهم، لكن أن يستشهدوا بسبب خطأ فهذا أمر غير مقبول.
المصيبة الثالثة في ذلك اليوم: الإحباط الذي أصاب المسلمين والقعود في أرض القتال واليأس من عدم النصر، وعدم الحركة في سبيل الله ﷿.
المصيبة الرابعة: الفرار من الزحف.
وذكرنا أن هذا الفرار تم بعد سماع نداء الرسول ﷺ لهم: (هلموا إلي يا عباد الله! هلموا إلي يا عباد الله! أنا رسول الله) ومع ذلك واصلوا الفرار، فمنهم من صعد إلى الجبل، ومنهم من فر إلى المدينة المنورة، ولم يكن هذا كله تحيزًا إلى فئة أو تحرفًا إلى قتال، ولكن كانت مخالفة شرعية واضحة.
إذًا: بسبب هذه المصائب الأربع التي تمت في يوم أحد سمى الله ﷿ هذه الغزوة بالمصيبة.
[ ٢٦ / ٢ ]
الحكم والآثار الإيجابية من غزوة أحد
ذكرنا في الدرس السابق أيضًا أن أحُدًا لم تكن شرًا محضًا، بل كان في داخل هذه المصيبة خير كثير.
[ ٢٦ / ٣ ]
التنقية والتصفية والابتلاء
أول حكمة نراها في هذه المصيبة هي: الحكمة التي ذكرها الله ﷾ تعليقًا على غزوة أحد في آيات سورة آل عمران، ونحن بحاجة ماسة إلى أن ندرس هذه الآيات بدقة وتفصيل، خاصة عندما تمر أزمات أو مصائب كبرى على الأمة الإسلامية: يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٦] لماذا؟ ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧]، أي: التنقية والتصفية والابتلاء.
فلو كانت حياة المؤمنين انتصارات بلا هزائم لدخل في الدين الإسلامي الصادق والكاذب، ولاختلط الحابل بالنابل، لكن عندما تحصل المصائب ينكشف الذي في قلبه مرض، ويبدأ بالمجاهرة بالعداء للإسلام؛ لأن الإسلام نسبيًا أصبح ضعيفًا، والدولة الإسلامية بعد أحد أصيبت إصابة كبيرة، فمن كان يخفي في قلبه الكفر ويظهر الإسلام أظهر ما كان يخفي، وفعلًا بعد أحد جاهر كثير من المنافقين بنفاقهم، وقد رأينا أن (٣٠٠) انسحبوا قبل بدء معركة أحد، فما بالك بعد المصيبة التي حصلت؟ يقول الرواة: نجم النفاق في المدينة المنورة بعد أحد، فالمسلمون عرفوا أناسًا كثيرين بنفاقهم، كانوا في الظاهر يصلون ويصومون ويتكلمون بالخير، لكن الشر يكمن في داخلهم، هذا الشر خرج وظهر للناس بعد أحد.
من الممكن أن الرسول ﷺ يعرف هؤلاء بالوحي، فقد أسر بأسمائهم إلى حذيفة بن اليمان، فمن الممكن أن نكشف أمرهم بالوحي ويكفي، لكن الله ﷾ يعلم أن الوحي سينقطع بوفاة الرسول ﷺ، وهو آخر الأنبياء ﷺ، فلابد أن يعرف المسلمون المنافقين إلى يوم القيامة، فما هي الطريقة لمعرفتهم؟ الطريقة: هي حدوث المصائب على الأمة الإسلامية سواء في زمن الرسول ﷺ، أو في الأزمان اللاحقة إلى يوم القيامة، فكلما تحصل مصيبة وتضعف الدولة الإسلامية وتمر بأزمة يظهر النفاق.
فهذه طريقة تعرفنا وتفصل لنا نوعية المسلمين في داخل الدولة الإسلامية، وعندها تستطيع أن تختار الناس الذين تعتمد عليهم في إقامة صرح الأمة الإسلامية، فلن تختار منافقًا ولن تسر بأمر خطير إلى أحد المنافقين، وهذا إن شاء الله سنتكلم عنه بالتفصيل عند الحديث عن الأحزاب وتبوك، فهي غزوات يتضح فيها أمر المنافقين وضوحًا بينًا، لكن أذكركم بالآية الكريمة التي نزلت تعليقًا على غزوة تبوك، وسنفسرها إن شاء الله عندما نتكلم عن غزوة تبوك، قال الله ﷿: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧].
إن عبد الله بن أبي انسحب من جيش النبي ﷺ بـ (٣٠٠) مقاتل، وقد يتخيل أن في انسحابهم أزمة، وهذا فهم خاطئ، فإن وجود هؤلاء الثلاثمائة داخل المعركة قد يزيد من خذلان المسلمين الذين ثبتوا، فيغيروا رأيهم، والله ﷿ يقول: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: فيكم أيها المؤمنون الصادقون من يستمع إلى كلام المنافقين.
إذًا: في باطن المصيبة رحمة وخير، فالمسلمون سيعرفون الأشخاص الذين يتكلمون بالسوء على الإسلام معرفة واضحة.
[ ٢٦ / ٤ ]
معرفة المسلمين شؤم معصية أمر الله ﷿ وأمر رسوله ﷺ
من الآثار والحكم: أن يعلم المسلمون شؤم معصية أمر الله ﷿، وشؤم معصية أمر الرسول ﷺ، يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] هذه الآية نزلت في ظرف معين وفي حدث معين، لكن الأوضاع عامة تشمل كل الأحداث، وأحاديث الرسول ﷺ بين أيدينا، وإذا لم نحكم الرسول ﷺ في أمور حياتنا في كل صغيرة وكبيرة؛ فإننا سنصاب بمثل مصاب أحد، فمشكلة أحد الرئيسة بدأت من أن مجموعة من الصحابة ﵃ وأرضاهم خالفوا أمر رسول الله ﷺ مع علمهم به.
وهذا أمر خطير؛ لأنه إذا أمر الرسول ﷺ فلا خيرة لنا، قال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وإذا لم نأتمر بأمر الرسول ﵊ قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، فيحصل مثل أُحد وأعظم منها.
وأُحد تتكرر كثيرًا في حياتنا، كم قد أمرنا الرسول ﷺ بأمور وخالفنا هذه الأمور، ويخيل لنا أننا نعمل ما هو أفضل وأصلح لنا ولأمتنا، أمرنا الرسول ﷺ بعدم التعامل بالربا ونتعامل أحيانًا بالربا، ونقول: إن هذا فيه خير للأمة، أمرنا بعدم الإباحية والمجون والفواحش، ومع ذلك يرتكبها كثير من المسلمين ويصرحون بها ويجاهرون بها، سواء كان للسياحة أو لحرية المرأة، أو للترفيه، أو لأخذ قسط من الراحة، مبررات كثيرة جدًا كلها مخالفة لأمر الرسول ﷺ، ومع ذلك تفعلها وأنت تعلم أنك مخالف، فهذا يؤدي إلى مصائب كثيرة.
فالمصيبة التي حدثت في أُحد هي إحدى نتائج المعصية، وكان هذا أمرًا لافتًا للنظر، فلو كان الأمر مرّ بسلام لما عرفنا أن مخالفة أمر الرسول ﵊ قد تؤدي إلى مصيبة، حتى في وجود ذلك الجيل العظيم من الصحابة ﵃ وأرضاهم.
[ ٢٦ / ٥ ]
وضوح خطورة الدنيا وضرورة الحذر منها
من الآثار والحكم: لفت أنظار المسلمين جميعًا سواء الذين شاركوا في أحد أو الذين يأتون من بعدهم إلى خطورة الدنيا، حتى جيش الصحابة وهو أعظم الأجيال لو أصيب بمرض الدنيا فإنه سيصاب بمثل مصاب أحد؛ لذلك ستجد أحاديث كثيرة لرسول الله ﷺ تتحدث عن الزهد في الدنيا وتأمر المسلمين بالحذر التام من خطورة أمر الدنيا، وهناك أبواب كثيرة في ذم الدنيا موجودة في كتب الصحاح والسنن، وقد كان الرسول ﵊ لا يجد فرصة إلا وينبه المسلمين فيها إلى خطورة الدنيا، من ذلك أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء).
وعلى هذا النسق من التحذير والتنبيه جاءت أحاديث كثيرة جدًا، كذلك القرآن الكريم قلّما تجد صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم ليس فيها تنبيه أو تحذير من أمر الدنيا، وقد رأينا مصيبة الدنيا في أحد حين قال الصحابة: الغنيمة الغنيمة.
حتى بعد النصر وبعد استيفاء معظم صفات الجيش المنصور، وحتى بعد طلب الآخرة في أول المعركة، إن دخل طلب الدنيا فإن هذا يؤثر على الجيش بكامله.
إذًا: هذه المصيبة الكبيرة لفتت الأنظار بوضوح إلى خطورة الدنيا، ولو مر الأمر دون مصيبة أو كارثة لما عرف أحد أن الدنيا خطيرة لهذه الدرجة.
[ ٢٦ / ٦ ]
إعلام المسلمين أن خطأ بعضهم يعمهم جميعًا
من الآثار والحكم: إعلام المسلمين أن خطأ البعض يعم على كل المسلمين، فالذين خالفوا هم أربعون صحابيًا فقط، نزلوا من فوق جبل الرماة، فحدثت كل التداعيات الخطيرة داخل موقعة أحد نتيجة مخالفة هؤلاء الأربعين، وهذا يدل على قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الصف المسلم، فنحن كجيل يريد أن يرفع رأسه وسط العالمين ويقود الأرض إلى الخير، لابد أن يبحث عن الأمراض التي تصيب الأمة، انظر إلى جارك وأخيك وصاحبك وأولادك وأبيك وأمك ورحمك، كل الدوائر التي حولك إن رأيت فيها معصية أو أخطاء أو منكرًا أو بعدًا عن رب العالمين ﷾ فاعلم أن ضرر ذلك لن يصيب هؤلاء فقط، بل سيقع الضرر عليه وعليك وعلى الأمة بكاملها، وتذكروا حديث السفينة الذي يقول فيه الرسول ﷺ: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، قالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا).
هم يريدون خيرًا بهذا الأمر، لكن لا يدركون ما وراءه، فما بالك لو كانوا يريدون شرًا؟ هم يريدون أن يتجنبوا إيذاء غيرهم؛ لذلك يريدون أن يخرقوا خرقًا في الجزء الأسفل من السفينة، وهذا سيؤدي إلى غرق السفينة، يقول ﷺ: (فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا) أي: أن السفينة ستغرق، فالذي عصى والذي لم يعص كلهم سيغرقون، ثم قال: (وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا).
هذه فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجدير بالأمر أن مرض الدنيا الذي ظهر يوم أُحد كان له جذور سابقة ليوم أحد، فلابد للمسلمين أن يحذروا من هذه الأمراض التي تفشت في جيش أُحد.
[ ٢٦ / ٧ ]
حكمة إبقاء زعماء الكفر في غزوة أحد أحياءً بعد الغزوة
من الآثار والحكم اللطيفة في يوم أُحد: أن المسلمين لم يقتلوا عددًا كبيرًا من الكافرين مع رغبتهم في قتلهم، والله ﷿ أراد أن يحفظ دماء هؤلاء الكافرين؛ لأنهم بعد سنوات سيسلمون ويصبحون نصرًا للإسلام والمسلمين، انظر إلى القائد الأعلى لجيش مكة أبي سفيان والقواد الثلاثة الذين كانوا يساعدونه صفوان بن أمية، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، هؤلاء القواد الأربعة سواء كان القائد العام أو الثلاثة الذين تحته أسلموا، وكلهم كان لهم دور كبير في المعارك الإسلامية، وليس هؤلاء فقط، بل ومن النساء هند بنت عتبة التي كانت تحمس الجيش للقتال، والتي بقرت بطن حمزة ﵁ وأرضاه ولاكت كبده، أسلمت بعد ذلك وحسن إسلامها، فهؤلاء القادة الأربعة وهند بنت عتبة شاركوا في موقعة اليرموك، وكان لهم دور كبير في نصر المسلمين في اليرموك، فأحيانًا يكون في داخلنا رغبة قوية في هلكة الظالمين، ورغبة قوية في أن يخلصنا الله ﷾ من فلان وفلان وفلان؛ لأنهم كادوا للإسلام ومكروا به، ومع ذلك يخبئ الله ﷿ لنا خيرًا كثيرًا في إبقائهم، فبعد قليل سيصيرون مسلمين، ويكونون هم أنصار الإسلام.
[ ٢٦ / ٨ ]
اصطفاء الله كثيرًا من المجاهدين للشهادة
من الآثار والحكم التي نريد أن نقف معها وقفة: أن في هذه المصائب التي تنزل على الأمة الإسلامية ينتقي الله ﷿ بعضًا من المسلمين ليتخذهم شهداء، ومن الممكن أن يكونوا شهيدين أو ثلاثة في المعركة، عندها لن تأخذ في بالك قيمة الشهداء وعظمتهم، لكن حين يستشهد سبعون من المسلمين، فهذا أمر لافت للنظر جدًا، وخاصة بهذه الطريقة المؤثرة التي حدثت يوم أُحد.
إن قصص الشهداء تفتت الأكباد خاصة عندما تقرأ قصة الشهيد الأول والثاني والثالث والعاشر إلى السبعين، هذا لابد أنه سيلفت النظر بوضوح إلى قيمة الشهداء في الميزان الإسلامي، فالقرآن مركز على قضية الجهاد، ويلفت النظر إلى أن الجهاد يكون بالنفس والمال، فالجهاد في غاية الأهمية، لا تقوم أمة إلا بالجهاد في سبيل الله، وإن تركت الأمة الجهاد في سبيل الله ذلت: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه حتى تعودوا إلى دينكم).
هذا هو كلام الرسول ﵊، وهذا هو الواقع الذي نراه في كل صفحة من صفحات القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، ليس المال فقط، بل ﴿أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، وهذا كثير جدًا في القرآن الكريم: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [التوبة:٤٤]، فأنت عندما تجاهد بنفسك فهذا لاشك أنه شيء عظيم، وعندما تفقد نفسك وأنت ثابت في سبيل الله ﷾ فهذا شيء أعظم، وعندما تهوى الموت في سبيل الله ويصبح أعظم أمنية عندك فلا شك أن هذا أعظم وأعظم وأعظم، وكل هذا رأيناه في أُحد، وليست المسألة أنك تكون شهيدًا بمجرد رغبة عابرة تأتي على الذهن في لحظة من لحظات علو الإيمان أو القرب من الله ﷿، ليست هذه السنة، السنة أن طريق المسلم طويل وصعب حتى يصل إلى الشهادة، نعم، هناك استثناءات وهناك بعض الظروف لا تكون على هذه الصورة، لكن الأصل أن الطريق طويل.
وكنت مستغربًا لماذا الرسول ﵊ في الحديث الذي ذكر فيه أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام ذكر أمورًا كثيرة لا علاقة لها بالجهاد قبل أن يتكلم عن الجهاد؟ يا ترى! ما هو الرابط بين هذه الأمور وبين الجهاد؟ ماذا قال الرسول ﷺ لـ معاذ بن جبل ﵁ لما سأله؟ سأل معاذ بن جبل الرسول ﷺ سؤالًا جميلًا، ولكنه صعب، قال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال له ﷺ: لقد سألتني عن عظيم -أي: أمر كبير- وإنه ليسير على من يسره الله عليه -وما هو الطريق؟ - قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا) الأمر الأول: توجيه النية الكاملة لله ﷿ عند المسلم، حتى يصل في يوم من الأيام إلى أن يكون مجاهدًا، ويصل بعد ذلك إلى الشهادة.
قال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وليس من المعقول أبدًا أن يكون مجاهدًا دون أن يعمل هذه الفرائض، ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم تلا قول الله ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] حتى بلغ قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).
فالرسول ﵊ تكلم عن بعض أعمال الخير من الفرائض والنوافل من صيام وصدقة وقيام كلها مهمة جدًا في الطريق للجهاد في سبيل الله، ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ لسانه وقال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم).
إذًا: طريق الجهاد طريق طويل، لا يستطيع أن يصل إليه المسلم دون أن يؤدي الفرائض التي عليه، ولن يصل إلى طريق الجهاد في سبيل الله ﷿ من واظب على المعاصي والمخالفة، وواظب على عدم اتباع أمر رسول الله ﷺ في الفرائض.
ثم بعد الفرائض النوافل أيضًا، لن يصل إلى الجهاد إلا من قام الليل وتص
[ ٢٦ / ٩ ]
نماذج بطولية من شهداء أحد
كان الصحابة ﵃ وأرضاهم يستمعون إلى الأحاديث في فضل الشهيد وما أعد الله له في الجنة فتاقت نفوسهم بصدق إلى الشهادة، فهذه بعض نماذج من الشهداء في غزوة أُحد، وبعض الأمثلة الفاضلة لسبعين شهيدًا.
[ ٢٦ / ١٠ ]
حمزة بن عبد المطلب ﵁
أول شهيد يلفت نظرك: هو حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه؛ فسيد الشهداء هو حمزة ﵁، أسلم في العام السادس تقريبًا من البعثة النبوية، أي: قبل عشر سنوات من غزوة أحد، وسلك طريقًا طويلًا جدًا من الكفاح مع رسول الله ﷺ؛ سواء في فترة مكة أو في فترة المدينة، سواء في داخل الشعب أو في أثناء الهجرة أو بعد إقامة الدولة أو في بدر، فقد رأينا له مواقف مميزة في بدر، وكان المشركون يقولون: من هذا الذي كان معلمًا بريشة في صدره؟ قالوا: إنه حمزة فقالوا: هذا الذي فعل بنا الأفاعيل، كان له طريق طويل في الجهاد حتى أكرمه الله ﷾ بالشهادة في يوم أحد.
وكان حمزة قبل الإسلام مجرد رجل يحب الصيد والمتعة واللهو، ويسجد لصنم، عاش حياة ليس لها قيمة ولا وزن في حياة الأرض، وبعدما أسلم انتقل من كونه سيدًا في قبيلته الصغيرة إلى كونه سيدًا لشهداء الأرض أجمعين يوم القيامة، واستشهد في يوم أُحد ﵁.
[ ٢٦ / ١١ ]
مصعب بن عمير ﵁
كان طريق مصعب بن عمير ﵁ طويلًا جدًا، حتى يكون شهيدًا، أسلم مبكرًا، وخاض جهادًا في سبيل الله في مكة والحبشة والمدينة وبدر وأحد، في محطات كثيرة أبلى بلاءً حسنًا، وتعب كثيرًا وبذل كثيرًا وضحى كثيرًا، ثم في النهاية أنعم الله ﷿ عليه أن مات شهيدًا في سبيله، وكأنها هدية، وقبل أن يستشهد قطعت يمينه وقطعت شماله ومع ذلك لم تسقط الراية من يده؛ لأنه كان مشتاقًا إلى الشهادة.
وطالبًا للموت بصدق، وإن تصدق الله يصدقك: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه).
فاستشهد مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه بعد رحلة كفاح طويلة، مر عليه رسول الله ﷺ فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، ثم قال ﷺ: (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فائتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه)، هذا الحديث في مستدرك الحاكم وهو صحيح.
إن شهداء أحد يردون السلام على من سلم عليهم وإلى يوم القيامة، وزيارة شهداء أُحد أصبحت سنة شرعها لنا ﷺ، وكان دائم الزيارة لشهداء أُحد إلى مماته، وقبل الممات بقليل خرج ﷺ ليزور شهداء أُحد ويستغفر لهم، فهذه قيمة كبيرة في ميزان شهداء أُحد ﵃ أجمعين.
[ ٢٦ / ١٢ ]
سعد بن الربيع ﵁
ذكرنا قصة المؤاخاة بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وكيف كان يريد أن يدفع نصف ماله ويطلق إحدى زوجاته لـ عبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين، فكان سعد في تضحية وبذل حقيقي، وخاض طريقًا طويلًا حتى دخل موقعة أُحد، وفي يوم أُحد قاتل قتالًا عظيمًا، وبعدما انتهت الموقعة وذهب المشركون، أخذ الرسول ﷺ يطمئن على أصحابه فلم يجد سعد بن الربيع، فأمر زيد بن ثابت ﵁ أن يبحث عن سعد بن ربيع وقال له: (إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ: كيف تجدك؟ -أي: كيف حالك؟ - قال زيد بن ثابت: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو في آخر رمق، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، فقلت: يا سعد إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجده؟ فقال: وعلى رسول الله ﷺ السلام، قل له: يا رسول الله! أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار)، انتبه! إلى اللحظة الأخيرة من حياته ما زال إيجابيًا يحمس الناس على الجهاد في سبيل الله، فمن الممكن أن يقول: لقد خسرت كل شيء وراح عمري، وراحت حياتي وراحت أموالي وتجارتي، لكنه لم يفكر في كل هذا، كل الذي كان يفكر فيه وهو يعالج سكرات الموت أن يوصي الأنصار بقوله: (لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف).
سبحان الله! فأهم قضية عنده الحفاظ على رسول الله ﷺ، حتى وهو في آخر لحظة من لحظات حياته؛ لذلك فإن سعد بن الربيع له قيمة كبيرة في ميزان الإسلام.
[ ٢٦ / ١٣ ]
عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁
يقول عبد الله بن عمرو بن حرام قبل موقعة أُحد: رأيت في النوم مبشر بن عبد المنذر ﵁ من شهداء بدر، يقول: أنت قادم علينا بعد أيام، فقلت: وأين أنت؟ قال: في الجنة نسرح فيها كيف نشاء، قلت له: ألم تقتل يوم بدر؟ قال: بلى، ثم أحييت، فذهب عبد الله بن عمرو بن حرام إلى رسول الله ﷺ وأخبره برؤياه، فقال ﷺ: (يا عبد الله هذه الشهادة).
واشتاق عبد الله بن عمرو بن حرام اشتياقًا حقيقيًا للشهادة، وخرج في غزوة أحد وهو بهذه النية والعزيمة على أن يموت في سبيل الله، ولما رأى عبد الله بن أبي ينسحب بجيشه ذهب إليه ونصحه بالعودة، لكن عبد الله بن أبي أصر على الهروب من أرض المعركة، فلعنه عبد الله بن عمرو بن حرام وقال: تبًا لك أبعدك الله! سيغني الله ﷿ عنك رسوله الكريم ﷺ.
وأكمل المعركة بهذه الحمية، وقاتل قتالًا شديدًا حتى قيل: إنه أول من قتل يوم أحد ﵁ وأرضاه، وكان عنده بنات كثيرات وديون.
وبعد استشهاده جاء ابنه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵄ وأرضاهما أجمعين حزينًا لفقد والده مهمومًا، فأخذ يكشف الغطاء عن وجه أبيه ثم يغطي، وكرر ذلك عدة مرات، وكان الصحابة ﵃ ينهونه، والرسول ﷺ لا ينهاه؛ لأنه كان يقدر الموقف الذي هو فيه، فلما رأى جابرًا منكسرًا هذا الانكسار الكبير، يقول جابر: (قال لي رسول الله ﷺ: يا جابر! ألا أخبرك بما لقي الله ﷿ به أباك؟ قلت: بلى، قال: ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحًا، فقال: يا عبد الله تمنَّ علي أعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية)، يتمنى نفس أمنية الرسول ﵊ (لوددت أن أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا)، قال: (يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب! فأبلغ من ورائي)، سبحان الله! حتى بعد موته حريص على الناس، وحريص على أهله والأنصار، وحريص على المهاجرين وعلى كل المسلمين، قال: (فأبلغ من روائي -أي: بيّن للمسلمين قيمة الشهادة وكرامة الشهيد- فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]).
روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم، وهو صحيح.
انظر إلى قيمة الشهيد، صار في حوار وخطاب مع رب العالمين ﷾ بمجرد الشهادة.
[ ٢٦ / ١٤ ]
خيثمة أبو سعد ﵁
كان سعد بن خيثمة في بدر قد استهم مع أبيه للخروج إلى بدر، وخرج سهم سعد واستشهد في بدر، وقبل وقعة أُحد حدث حوار لـ خيثمة مع الرسول ﵊ يقول فيه: (لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت -والله- عليها حريصًا حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، ويقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقًا، وقد -والله- يا رسول الله! أصبحت مشتاقًا إلى مرافقته في الجنة، وقد كبر سني ورق عظمي وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله! أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له ﷺ بذلك، فاستشهد يوم أحد)، فقد كان يريد أن يستشهد في سبيل الله، واشتاق اشتياقًا حقيقيًا إلى الموت في سبيل الله، وصدق الله فصدقه الله.
[ ٢٦ / ١٥ ]
عمرو بن الجموح ﵁
كان عمرو بن الجموح ﵁ وأرضاه أعرج شديد العرج، وكان كبيرًا في السن عمره أكثر من الستين سنة، وعنده أربعة أولاد كلهم يقاتلون في سبيل الله، وقد خرجوا يوم أحد، وأصر عمرو على الخروج إلى أحد؛ لأنه سمع قضية الشهادة، وتاقت نفسه إلى أن يموت شهيدًا، لكنه معذور لعرجته وكبر سنه، وأولاده يكفونه ذلك، ولكنه أصر على الخروج، فأبى أولاده، وأخبروه بأن الله قد جعل له رخصة، وأنهم يكفونه ذلك، فذهب عمرو بن الجموح إلى الرسول ﷺ يشكو أولاده ويقول: (يا رسول الله! إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، والله إني لأرى أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة -يعني: هذه الإعاقة لن تعوقني عن دخول الجنة شهيدًا- فقال ﷺ يخاطب عمرو بن الجموح أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، ثم قال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله ﷿ أن يرزقه الشهادة).
فخرج عمرو بن الجموح بهذا الصدق مع الحبيب ﷺ في أحد، واستشهد مع الشهداء ﵁.
[ ٢٦ / ١٦ ]
حنظلة بن أبي عامر ﵁
خرج حنظلة بن أبي عامر وهو في ليلة عرسه للجهاد في سبيل الله، ومن استعجاله خرج وهو جنب، وقاتل في أحد حتى استشهد، وبعد موته نظر النبي ﷺ إلى نعشه، فوجد أن الماء يقطر منه ﵁ وأرضاه، فتعجب ﷺ، فأرسل إلى زوجته وقال: (ما باله؟ فذكرت قصته فقال: سبحان الله! إن الملائكة تغسل حنظلة)، وأصبح بعد ذلك يحمل اسم: غسيل الملائكة ﵁ وأرضاه.
[ ٢٦ / ١٧ ]
عبد الله بن جحش ﵁
سار عبد الله بن جحش ﵁ في طريق طويل وكفاح مرير، من أيام مكة المكرمة وهجرته إلى الحبشة مرتين، وهجرته بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وخروجه في بدر ثم خروجه في أحد، فتعالوا لنرى اشتياق عبد الله بن جحش ﵁ للشهادة، تعالوا نرى الحوار اللطيف الذي دار بينه وبين سعد بن أبي وقاص ﵄ قبل بدء المعركة، قال عبد الله بن جحش لـ سعد: ألا ندعو الله؟ فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب! إذا لقيت العدو فلقني رجلًا شديدًا بأسه شديدًا حرده أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه، فأمَّن عبد الله بن جحش.
كان دعاء سعد بن أبي وقاص دعاءً طبيعيًا، يدعو أنه يقاتل أحد الكفار فينتصر عليه ويأخذ سلبه، لكن انظر إلى دعاء عبد الله بن جحش واشتياقه الحقيقي إلى الشهادة في سبيل الله، قال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده شديدًا بأسه أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.
يتمنى أن يقابل أحدًا من الكفار، فيتقاتلا فيقتله الكافر، ثم يمثل بجثته، فيقطع أنفه وأذنه؛ ليسأله رب العالمين ﷾: من فعل فيك هذا؟ ومن فعل فيك هذا؟ فيقول: فيك يا رب! وفي رسولك ﷺ، فيقول الله ﷿: صدقت.
وانظر إلى تعليق سعد بن أبي وقاص على هذه الدعوة، يقول سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني! كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط.
استجاب الله دعاءه كما تمنى، وصدق في ذلك.
[ ٢٦ / ١٨ ]
الأصيرم عمرو بن ثابت بن قيس بن وقش
إن طريق الوصول إلى الشهادة طريق طويل، وهذه قاعدة، لكن للقاعدة استثناء، فمن الممكن أن يستشهد شخص عمره في الإسلام قصير جدًا، لكن تكون عنده رغبة حقيقية في الشهادة في سبيل الله فيموت شهيدًا، عندنا في القرآن قصة سحرة فرعون الذين انتقلوا من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان في لحظة، ثم أصبحوا شهداء في سبيل الله، أيضًا في موقعة أحد مثال كمثال هؤلاء، رجل انتقل من الكفر إلى الإسلام في لحظة ثم أصبح شهيدًا.
هذا الرجل هو الأصيرم من الأوس من بني عبد الأشهل من قبيلة سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، لما أسلم سعد بن معاذ أسلمت كل قبيلته إلا الأصيرم، تأخر إسلامه إلى يوم أحد، ففي يوم أحد وجد أن الإسلام قريب إلى قلبه، فانتقل إلى المسلمين فوجدهم قد خرجوا إلى أحد، فلحق بهم فوجدهم يقاتلون، فدخل يقاتل معهم، ثم أصيب ووقع على الأرض، واقترب الصحابة ﵃ وأرضاهم منه فقالوا: هذا الأصيرم ما جاء به؟ قد كان كافرًا! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه: ما الذي جاء بك أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ما ترون.
ومات من لحظته، آخر كلمة قالها: إنه قاتل في سبيل الله، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال ﷺ: (هو من أهل الجنة)، في لحظة واحدة فقط، في لحظة إيمان وصدق انتقل من معسكر الكفر إلى الإيمان، ثم أصبح شهيدًا، ثم أصبح في الجنة، كل تاريخه في الإسلام نصف يوم تقريبًا لم يكمل يومًا كاملًا، يقول أبو هريرة: ولم يصل الأصيرم لله صلاة قط.
فاعلم يا أخي المسلم! أن من أهل الدنيا من يعمل بعمل أهل النار ثم يسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.
[ ٢٦ / ١٩ ]
مخيريق ﵁
في غزوة أُحد شارك واحد من اليهود كان اسمه: مخيريق، لما خرج ﵊ لقتال المشركين في أحد جمع مخيريق اليهود وقال لهم: يا معشر يهود! والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فمالي لمحمد ﷺ يصنع فيه ما شاء، ثم ذهب مع المسلمين وقاتل حتى استشهد، فقال ﷺ: (مخيريق خير يهود).
[ ٢٦ / ٢٠ ]
قصة قزمان وقتاله في غزوة أحد
على العكس من قصة الأصيرم كانت قصة قزمان، كان قزمان في غزوة أحد قد قتل ثلاثة من حملة راية المشركين الواحد تلو الآخر، ثم قاتل بعد ذلك قتالًا شديدًا حتى إن بعض الروايات تقول: إنه قتل سبعة أو ثمانية من المشركين، وفي آخر الموقعة وجدوه قد أثبتته الجراحات، فأخذه المسلمون وبشروه، قالوا: هنيئًا لك الجنة، فقال: والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي -أي: لا علاقة لي بالإسلام، لم أقاتل إلا قومية فقط- قال: إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، ثم اشتدت به الجراح فنحر نفسه.
وكان إذا ذكر عند رسول الله ﷺ يقول: (إنه من أهل النار)، فهذا الرجل قاتل في سبيل الوطنية والقومية وليس في سبيل الله، فضاع منه كل شيء مع أنه أبلى بلاءً حسنًا في الموقعة، وأدى أفضل من كثير في الموقعة؛ لكنه قاتل من أجل الدنيا فما له في الآخرة من نصيب.
روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁: (أن رجلًا سأل الرسول ﷺ قال: الرجل يقاتل للمغنم -يريد الغنيمة- والرجل يقاتل للذكر -لكي يقول عنه الناس: شجاع وجريء وقوي- والرجل يقاتل ليرى مكانه -أي: مكانه في قبيلته- فمن في سبيل الله؟ فقال ﷺ: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
وروى الترمذي وأبو داود، وأحمد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، فالناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب).
إذًا: هذه حكم كثيرة موجودة في مصيبة أُحد، في داخل المصيبة جعل الله ﷿ خيرًا، وقد تكلمنا على أكثر من حكمة لحدوث المصائب على الأمة الإسلامية، وليس معنى ذلك أننا نبحث عن المصائب، لكن لنعلم أن المصيبة ليست شرًا محضًا، بل في باطنها خير كثير قد نرى هذا الخير وقد لا نراه، فالخير موجود، والله ﷾ قد لا يأذن بها إلا لأن فيها خيرًا للمؤمنين، قال ﷾ في كتابه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦].
[ ٢٦ / ٢١ ]
طرق علاج الهزيمة النفسية التي لحقت المسلمين في غزوة أحد
ما قصة الناس الذين لم يموتوا في غزوة أحد، وما قصة الناس الذين انكسروا انكسارًا شديدًا؟ وما قصة الناس الذين فروا من الزحف؟ وما قصة الناس الذين ما استطاعوا أن يدافعوا عن الإسلام والمسلمين؟ وما مقدار الهزيمة النفسية التي كانوا فيها؟ وما مقدار الانكسار الذي وصلوا إليه؟ وكيف كانت الحالة النفسية المتردية التي وصل إليها أولئك الفارون عندما وصلوا إلى المدينة المنورة، ورجع إليهم ﷺ بجراحه وآلامه ومصابه وسبعين من الشهداء؟ إن هذا الأمر صعب جدًا على النفس.
إن هذه الكارثة النفسية كادت تودي بهؤلاء جميعًا وتذهب بهم، لولا أن نزل المنهج الرباني لعلاج هذه الهزيمة النفسية، ولإخراج المسلمين من الانكسار النفسي الذي يعقب المصائب والأزمات الشديدة، تعالوا لنعرف كيف يخرجنا الله من أزماتنا النفسية/ ويأخذ بأيدينا ويدخلنا الجنة بعد أن عصينا وأذنبنا وأخطأنا، بل وبعد أن ارتكبنا الكبائر، فالفرار من الزحف كبيرة من الكبائر؟ نحن في حاجة إلى أن نراجع سورة آل عمران؛ حتى نفهم قصة أحد، وسأمر بإيجاز على النقاط.
[ ٢٦ / ٢٢ ]
رفع الروح المعنوية للمسلم بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية فيه
النقطة الأولى: رفع الروح المعنوية للمسلم بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية فيه.
فكل واحد منا فيه جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وفي وقت الهزيمة والنكسة وحدوث المصيبة تغلب على الإنسان بعض جوانبه السلبية من فشل وضعف، إن بعض جوانب الضعف موجودة في كل الناس، ففي هذه الأزمة لابد أن تقول له: أنت وعندك جوانب ضعف عندك جوانب قوة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] سبحان الله! بعد كل الكوارث التي حدثت في أحد، وبعد كل المخالفات الشرعية التي تمت على أيدي بعض الصحابة، يقول لهم رب العزة ﷾: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
فالقرآن يلفت النظر إلى جوانب القوة في الإنسان، يأخذ بيده لكي لا يقع، ولكي يقوم بعد هذه المصيبة في لحظات علو الكافر على المؤمن، ففي مرحلة من مراحل الزمن لابد من لفت نظر المؤمن إلى أنه كما أن فيه ضعفًا أدى إلى علو الكافر، فإنه يملك جوانب إيجابية تسمح له بالقيام من جديد: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فعندما ترى دولة غير مسلمة تعلو دول المسلمين فلا يهولنك ولا يحبطنك ذلك، بل انظر إلى ما في يديك من إمكانيات، فإمكانيات الأمة ضخمة، إمكانيات إستراتيجية، وإمكانيات اقتصادية، وإمكانيات مالية، وإمكانيات بشرية وإمكانيات كثيرة، بل عندك أشياء كثيرة أكثر من التي فقدتها، وأهم شيء تملكه ولم تفقده هو الإيمان بالله ﷿، والإيمان برسوله الكريم ﷺ، والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر.
هذه القيمة العليا هي التي ترفع المسلم فوق أي إنسان في الأرض: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فهذه هي التي تجعلنا أعلم من غيرنا حتى في حال ضعفنا ومصائبنا وأزماتنا، ليس معنى هذا ألا يعمل المسلمون ويجتهدوا، ولكن معناه أن يعلموا أن أعظم مقومات قيامهم على الإطلاق: الإيمان، ولو ملكوه على حقيقته فإنهم الأعلى حقًا، وستكون لهم الدولة حتمًا كما ذكر رب العالمين ﷾.
إذًا: هذه النقطة الأولى في المنهج الإيجابي لعلاج المنهزم نفسيًا.
[ ٢٦ / ٢٣ ]
رفع الروح المعنوية بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية في الحدث نفسه
النقطة الثانية: رفع الروح المعنوية بلفت النظر إلى الجوانب الإيجابية في الحدث نفسه.
وهذا الذي تكلمنا عنه في درس اليوم: تمييز الصف وإظهار المنافقين من المؤمنين.
وكذلك لفت نظر المسلمين إلى شؤم المعصية، وإلى خطورة الدنيا.
وكذلك انتقاء بعض المسلمين ليكونوا شهداء، هذه كلها جوانب إيجابية في الحدث، وعندما ينظر المسلم إلى هذه الجوانب الإيجابية تطمئن النفس وتهدأ الروح.
[ ٢٦ / ٢٤ ]
معرفة كون المصائب مقدرة من الله
النقطة الثالثة: توضيح أن المصائب مقدرة حتمًا، وستقع ما دام الله ﷿ قد قدر لها أن تقع، صحيح أن هناك أسبابًا، وأن علينا أن نسعى قدر الإمكان لمنع الكوارث والمصائب؛ لأن الله ﷿ أمرنا بالسعي وبأخذ الأسباب، ونعلم أننا نؤجر على العمل ما دام العمل موافقًا للشرع، ونعلم أيضًا أن الله ﷿ قادر على تعطيل الأسباب، ونعلم أنه قادر على إنفاذ الأسباب، فكل شيء بيده ﷾، فإن قدر للمصيبة أن تقع فليس هناك أي معنى لكلمة: (لو)؛ لأنها تفتح عمل الشيطان، فمهما قلنا: لو كنا عملنا كذا أو كذا، فإن المصيبة ستقع (١٠٠%)؛ لأن الله ﷾ قدر لها أن تقع، فالمفروض أن تتصرف بشكل إيجابي مع المصيبة، ولا تأخذ الأمور بمنتهى الفتور والكسل والإحباط.
[ ٢٦ / ٢٥ ]
الوعد بالقيام من جديد والأمل بأن النصر قادم
النقطة الرابعة: الوعد بالقيام من جديد، والأمل في أن النصر قادم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] قاعدة محكمة، والله ﷿ لا ينصر إلا من نصره، ونصر الله ﷿ يكون بتطبيق شرعه، وإن قضى الله ﷿ بالنصر للمؤمنين فلا غالب لهم حتمًا؛ لأن هذه سنة ثابتة إلى يوم القيامة، فيها تجدد الأمل دائمًا في نصر قادم.
[ ٢٦ / ٢٦ ]
التربية بالتاريخ والتأكيد على أن القيام بعد السقوط أمر متكرر
النقطة الخامسة: التربية بالتاريخ، والتأكيد على أن القيام بعد السقوط أمر متكرر في السابق، وسيتكرر حتمًا في الواقع وفي المستقبل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ [آل عمران:١٤٦]، ونفس هذه القصة حصلت قبل هذا بكثير، قال: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ [آل عمران:١٤٦] كلمة توضح الكثرة، فالأمر متكرر جدًا، والحكايات التاريخية التي تتناول نفس المعنى أكثر من أن تحصى، فأي: قصة واقعية حصلت في الماضي قبل كذا، يعلم الناس جميعًا أن هذه القصة ستتكرر، وأن القيام بعد السقوط ليس أمرًا نادرًا بعيد الحدوث، بل هو القاعدة التي يجب أن يبني عليها المؤمن حساباته.
[ ٢٦ / ٢٧ ]
استشعار أن ما أصابك أصاب عدوك أيضًا
النقطة السادسة: استشعار أن ما أصابك أصاب عدوك أيضًا، فيحصل عندك نوع من التهوين للمصيبة، ولا تظن أن جهدك الذي بذلته مع عدوك ذهب سدى، بل جهدك الذي بذلته أثر بعمق في عدوك، وراجع معي الآيات، يقول ﷾: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
ويقول في آية أخرى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، مرة قال: (مثله)، ومرة قال: (كما)، فلا تحسب أن عدوك قد انتصر نصرًا بلا ألم، أو حقق ربحًا بلا خسارة، فمن المؤكد أنه خسر.
فالمشركون في غزوة أحد فقدوا في بعض الروايات: (٢٢) شخصًا، وفي أصح الروايات: (٣٧) من القتلى، وهو رقم ضخم، والمسلمون استشهد منهم (٧٠) مقاتلًا، لكن موتى بدر من المشركين (٧٠) مقاتلًا والأسرى من المشركين (٧٠)، والله ﷿ ذكر ذلك في كتابه.
قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] أي: استشهد منكم (٧٠) الآن، لكن في بدر انتصرتم وأخذتم (٧٠) أسيرًا وقتلتم (٧٠) قتيلًا من المشركين، فلابد أن تذكر هذه الإصابات في طرف عدوك حتى تهدأ النفس ويطمئن القلب.
[ ٢٦ / ٢٨ ]
تداول السلطة بين الأمم والأفراد سنة من سنن الله
النقطة السابعة: من سنن رب العالمين ﷾ أن تتداول السلطة بين الأفراد، بل بين الأمم، وأمة الإسلام ليست خارجة عن هذا القانون، فهي تتسلم قيادة الأرض في أحيان، ويتسلمها غيرها في أحيان أخرى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فعندما تدرك ذلك يصير هذا أمرًا متوقعًا وليس مستغربًا أن تفقد الأمة القيادة للأرض، وعندما تحمل المصيبة سيكون هذا أحسن، أما إذا كنت تظن أنك دائمًا منصور، فلا شك أنك ستهزم نفسيًا عند إصابتك، وهذا ليس واقعيًا.
[ ٢٦ / ٢٩ ]
ابتداء المسلم حياته الجديدة بمغفرة الله ﷿ له
النقطة الثامنة: أن المسلم يستطيع أن يبدأ بداية جديدة دون أخطاء، ويبدأ بصفحة بيضاء دون خطايا أو ذنوب مهما فعل قبل ذلك، فالمسلمون في أُحد أخطئوا خطأً فادحًا كما ذكرنا، عصوا الرسول ﷺ، وارتكبوا كبيرة من الكبائر هي الفرار من الزحف، ومع ذلك تنزل الآيات بالمغفرة للمسلمين عدة مرات، قال الله ﷿ وهو يصدر الحديث عن قصة أحد: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
ثم ذكر من صفات هؤلاء المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وبعد قليل في الآيات قال: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢] ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥]، فسبب الفرار من الزحف أن الشيطان استزلهم ببعض ما كسبوا، ثم ذكر العفو مباشرة فقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥]، فالصفحة البيضاء للمذنب تفتح أمامه طريق العمل الجديد.
[ ٢٦ / ٣٠ ]
محاسبة الإنسان يوم القيامة على الأعمال لا على النتائج
النقطة التاسعة وهي من أهم القضايا التي ترفع الهمة وتقوي العزيمة: أن الإنسان لا يحاسب يوم القيامة على النتائج، وإنما يحاسب على الأعمال، قال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٨]، فالثواب الحسن حقًا هو ثواب الآخرة، والذين انتصروا من الكفار في موقعة أو موقعتين قال الله ﷿ عنهم: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧].
[ ٢٦ / ٣١ ]
القعود واليأس يوجبان العقاب من الله
النقطة العاشرة لإخراج المسلمين من الهزيمة النفسية: أن طول القعود وطول اليأس يوجب العقاب من رب العالمين ﷾، فلابد من توازن الكفة، تبشير وإنذار أيضًا، حتى يتعادل الخوف من عقاب الله، مع الرجاء في رحمته، فالعمر أيامه معدودة، وليس هناك وقت طويل للتفكير وإعادة الحسابات، بل يجب أن يعود المسلم إلى ربه سريعًا، وإذا كان الإنسان بطبيعته يخطئ فليس هناك أي مبرر أن يصر على الخطأ، قال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] ثم حذر بقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].
هكذا تتوازن الكفة عند المسلم فيعمل واضعًا نصب عينيه سعة رحمة الله ﷾، وفي نفس الوقت يخاف من عقابه سبحانه.
إذًا: بهذه الوسائل العشر أخرج الله ﷾ المسلمين من أزمتهم النفسية، وقربهم منه وغفر لهم، وغسل ذنوبهم، وأتاح لهم العمل من جديد بصفحة بيضاء، فيا له من أسلوب راقٍ، وأسلوب تربوي متميز.
[ ٢٦ / ٣٢ ]
خروج النبي ﷺ بأصحابه إلى حمراء الأسد وأثر ذلك على المسلمين والمشركين
أخذ الرسول ﷺ هذا المنهج، وطبقه مباشرة على المسلمين، بل عمل عملًا في منتهى الرقي، فقد خرج بالمسلمين للجهاد في سبيل الله في اليوم الثاني مباشرة من غزوة أحد بما فيهم من جراح وآلام، سواء كانت آلامًا جسدية أو نفسية.
خرج بهم للجهاد في سبيل الله، ولمتابعة قريش ومطاردتها، منتهى التحميس والتحفيز للعمل لله إلى آخر لحظة، وقال بعض المسلمين ممن لم يشارك في أحد: (يا رسول الله! نخرج معك، قال: لا، لا يخرج معنا إلا من شهد القتال)، فالناس الذين قاتلوا في أُحد هم الذين يخرجون، وكأنه يقول لهم: أنا واثق فيكم، وأعلم أن هذه غلطة عابرة ولن تتكرر، بل هي هفوة من عظماء ولا يمكن لها أبدًا أن تتكرر، فيا لها من ثقة كاملة في الجيش المسلم مع ما به من جراح! وخرج من بقي من المسلمين، خرج من ثبت وخرج من فر وعلم أن الله قد غفر له، خرجوا جميعًا إلى منطقة تسمى: حمراء الأسد، وهي تبعد حوالي (٨) أميال من المدينة المنورة، وعسكروا هناك في انتظار الجيش الكافر، وبدءوا يستطلعون الأخبار، فعلموا أن الجيش الكافر موجود على بعد (٣٦) ميلًا من المدينة المنورة عند منطقة اسمها: الروحاء، وقد كان الجيش الكافر وقف وقفة هناك، وقال: نحن لم ننتصر إلا انتصارًا جزئيًا، فالرسول ﵊ وأبو بكر وعمر كلهم على قيد الحياة، وجيشه في المدينة المنورة ما زال موجودًا، فمن الممكن أن نرجع ونحاربهم مرة أخرى، نغزو المدينة المنورة، ونستأصل شأفة المسلمين وهم في حالة ضعفهم.
كان الكفار يفكرون في ذلك، والرسول ﵊ يفكر أيضًا في مطاردتهم، لكن الرسول ﵊ كان واقعيًا، فقد أخذ المسلمين معه، لكنهم في حالة من الضعف والتعب والجراح والآلام، فهو يعلم أن الموقعة ستكون صعبة، ويريد أن يرفع من معنوياتهم، لكن لا يريد أن يضيعهم، ولا يريد أن يهلكهم في موقعة قد تكون خاسرة؛ لذلك حاول ﷺ أن يخذل صف المشركين ويرهبه، فلقي شخصًا اسمه: معبد بن أبي معبد الخزاعي وبعثه برسالة إلى أبي سفيان، فقد كان أبو سفيان يريد أن يرجع إلى المدينة المنورة ليغزوها، وكان صفوان بن أمية وبعض المشركين معارضين له، وبينما هم في هذا الحوار إذ دخل عليهم معبد بن أبي معبد.
فقال لهم: محمد قد خرج لكم في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحركون عليكم تحركًا، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط.
فخاف أبو سفيان وقال: ويحك ما تقول؟ قال معبد: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.
قال معبد: لا تفعل إني ناصح، وهكذا أُحبط أبو سفيان وانهارت معنويات الجيش المكي كله، وهذا يؤكد أنهم يألمون كما يألم المسلمون: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، فلم يكن انتصارًا مبهرًا حققوه في أحد، بل وقفوا خائفين مع أنهم (٣٠٠٠) شخص، وكان المسلمون كلهم (٧٠٠) شخص استشهد منهم (٧٠)، بالإضافة إلى أنهم ضعفاء وجرحى، ومع ذلك لم يستطع أبو سفيان أن يتحرك، بل إنه بعث شخصًا لكي يخذل الجيش الإسلامي، أرسل رسالة مع ركب من عبد القيس إلى رسول الله ﷺ يحاول أن يخذله قدر المستطاع.
قال لهم: أبلغوا محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.
فوصلت الرسالة إلى رسول الله ﷺ، وأصر الصحابة جميعًا على القتال، مع أن المسلمين (٦٣٠) على أقصى تقدير، والمشركين (٣٠٠٠)، وهكذا خرج المسلمون من أزمتهم النفسية تمامًا، وقهروا الانكسار الذي كانوا فيه، وتحولوا إلى شجعان وأبطال مجاهدين في سبيل الله يطلبون الموت من جديد، لا يخالفون أمر الله ولا أمر رسوله ﷺ.
ولما عرف المشركون ذلك رجعوا بسرعة إلى مكة، وأنزل الله ﷿ في ذلك قرآنًا، قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران:١٧٢]، أي: استجابوا لدعوة الرسول للخروج إلى حمراء الأسد ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ
[ ٢٦ / ٣٣ ]