بدأ النبي ﷺ دعوته للناس سرًا ثلاث سنين ينتقي فيها من سيقوم عليهم دين الإسلام فيما بعد، وكان للصديق ﵁ قصب السبق في دعوة العديد من مشاهير الإسلام، وقد تميزت هذه الدعوة بشمولها لكل الطبقات ولم تفرق بين عرق وعرق أو لون ولون، أو جنس وجنس، مع الحرص على أن لا توأد الدعوة في مهدها.
[ ٥ / ١ ]
وقفات مع إسلام علي بن أبي طالب ربيب بيت النبوة وإسلام بناته ﷺ
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد.
فمع الدرس الخامس من دروس السيرة النبوية المطهرة المشرفة.
سبق أن وقفنا وقفة مع إسلام خديجة والصديق وزيد بن حارثة ﵃، ولنا وقفات مع إسلام علي بن أبي طالب ﵁، فقصة إسلامه في منتهى الغرابة.
آمن هذا الطفل الصغير وعمره عشر سنوات، ووجه الغرابة أنه طفل يؤمن في هذه المرحلة الخطيرة من الدعوة، حيث بدأ الرسول ﷺ دعوته سرًا في مكة، ثم يسر بهذا الأمر الخطير لطفل، وكيف لهذا الطفل أن يفهم هذه القضية الكبرى التي خفيت على بعض العقول التي كانوا يعتبرونها حكيمة في مكة؟! كان علي بن أبي طالب كابن الرسول ﷺ تمامًا، بنفس منزلة زيد، وكان يعيش مع الرسول ﷺ في بيته، لوجود أزمة اقتصادية في مكة في وقت ما، وأصبح صعبًا على أبي طالب أن يرعى كل أولاده، فاقترح الرسول ﷺ على العباس ﵁ وأرضاه أن كل واحد منهما يأخذ طفلًا من أطفال أبي طالب ويقوم بكفالته، وكان من سعادة علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أن يعيش مع رسول الله ﷺ في داره.
تأثر علي بن أبي طالب ﵁ برسول الله ﷺ كأي طفل يتأثر بأبيه، فكيف لو كان الأب هو رسول الله ﷺ الذي كان يمثل لـ علي بن أبي طالب ﵁ كل شيء، كان علي بن أبي طالب يعتقد الصواب في كل كلمة يقولها الأب الحنون ﷺ، كأي طفل يعتقد أن الصواب الكامل في أبيه، وأن كل مشاكل الدنيا حلها عند أبيه، وهذا ليس كالآباء، فهو أعظم أب في الدنيا.
إذًا: أول شيء: هو حب كبير في قلب علي لرسول الله ﷺ، حب الطفل لأبيه الحنون.
ثانيًا: أن الرسول ﷺ شاهد نبوغًا مبكرًا وعبقرية ظاهرة في علي بن أبي طالب تطمئن الرسول ﷺ بأن يقول له سرًا خطيرًا كهذا، ونحن نتصور أن الرسول ﷺ يخاف أن يعرف طفل صغير كـ علي بن أبي طالب بأمر الرسالة، خصوصًا إذا كان هذا الموضوع يفترض أن يظل سرًا لا يعرف، وإلى متى؟ لا نعلم، مدة سنة أو سنتين أو ثلاث إلى أن يأذن الله ﷾ بجهرية الدعوة، لكن الظاهر أن عليًا كان عبقريًا منذ طفولته، وأثبتت الأيام صدق ظن رسول الله ﷺ، فقد كان علي من أكثر الصحابة قدرة على استنباط الأحكام وعلى القضاء في الأمور، وكانت لديه فراسة عميقة إلى جوار العلم والفقه.
كان في اختيار الرسول ﷺ لمن يدعوه تنوع، وهذا يوضح لنا أن مجال الدعوة أوسع بكثير جدًا مما قد نتخيل، فهؤلاء الأربعة الأوائل فيهم الرجال والنساء، فيهم السادة والعبيد، فيهم الكبار والصغار لا حدود لهذه الدعوة، أنت عليك فقط أن تنظر من تقابل ومن تعرف؟ ومؤكد أنك ستجد الذي يصلح لأن تكلمه في أمر الإيمان والالتزام بدين الله ﷿.
فـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه آمن وهو في العاشرة، ليصبح بذلك أول الصبيان إيمانًا، وتصبح السيدة خديجة أول النساء، وأبو بكر أول الرجال، وزيد بن حارثة أول الموالي ﵃ أجمعين، وهذا كله في اليوم الأول للدعوة.
ثم دعا الرسول ﷺ بناته إلى الإسلام السيدة زينب وكانت في العاشرة من عمرها وهي الكبيرة، والسيدة رقية كان عمرها سبع سنين، والسيدة أم كلثوم كان عمرها ست أو خمس سنوات، فكلهن دخلن في الإسلام في هذا السن المبكر جدًا، أما السيدة فاطمة ﵂ وأرضاها فقد كانت صغيرة جدًا وقت البعثة.
هذا كان الوضع في بيت الرسول ﷺ.
[ ٥ / ٢ ]
الحكمة من الدعوة السرية
لا شك أن الرسول ﷺ كان يريد أن يصل بدعوته لكل إنسان في مكة، بل لكل إنسان على ظهر الأرض، وربما تصور المرء أن أسهل وسيلة لهذا أن يقف وسط الكعبة من أول يوم أُمر فيه بالبلاغ ويعلن للناس أمر الإسلام، لكن هذا لم يحدث، فماذا فعله ﷺ؟ كان ﷺ ينتقي رجلًا من رجال قريش، ثم يخبره سرًا عن الإسلام، وكان يعلم أصحابه أن يفعلوا هذا، وقد ظلت الدعوة السرية فترة طويلة جدًا بالقياس إلى عمر الدعوة الإسلامية، فالدعوة السرية امتدت حوالي ثلاث سنوات، والدعوة كلها (٢٣) سنة.
قد يتصور البعض أن الرسول ﷺ عندما وقف على جبل الصفا وقال للناس: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟)، يظن أن هذه المقولة كانت في بادئ الدعوة، لا.
بل كانت بعد ثلاث سنين كاملة من نزول الوحي.
وهي فترة كبيرة جدًا أيضًا في حق مجتمع صغير كمكة، لكن لماذا هذا الوضع؟ ولماذا هذا التخفي؟ قد يتحمس المرء ويقول: دعوة الإسلام دعوة جميلة ومقنعة وعقلية، ولو وقف الرسول ﷺ في وسط مكة وأعلن عنها لسوف يسلم أكبر عدد من الناس في أقل وقت ممكن، لكن هذا لم يحصل ولم يفعله الرسول ﷺ؛ لأنه يعرف أن دعوة الإسلام وإن كانت جميلة ومقنعة، إلا أنها ستتعرض إلى معارضة وحرب، ليس فقط من قريش، بل من العالم كله.
ثم لو أتى سائل يسأل: هل الرسول ﷺ كان خائفًا على نفسه من قريش؟ سأقول له: لا شك أن الرسول ﷺ يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لكن كانت هذه هي الحكمة، كل خطوة في حياته ﷺ كانت محسوبة، تستطيع أن تقول: إن السرية في الدعوة في هذه المرحلة لم تكن اختيارًا نبويًا، ولكنها كانت أمرًا إلهيًا، فالله ﷾ يريد أن يعلم الرسول ﷺ، ويريد أن يعلمنا منهج التغيير في مثل هذه الظروف، كيف يمكن للأجيال التي ستأتي بعده أن تغير في غياب الرسول ﷺ؟ إذا توافقت الظروف مع ظروف رسول الله ﷺ في هذه المرحلة كيف يتصرف؟ والله ﷾ قادر أن يحمي الرسول ﷺ فلا يصل إليه أي أذى من قريش، ومع ذلك هو يريد أن يرسم الطريق الصحيح للمسلمين لإقامة هذا الدين، مهما اختلفت الظروف، ومهما كثرت المعوقات؛ ولهذا ربنا ﷾ وضع الرسول ﷺ في كل الظروف التي من الممكن أن تمر بها أمته بعد ذلك، وعلّم الرسول ﷺ كيف يتعامل مع كل حدث؟ كيف يصل بدعوته إلى الناس في وجود أي معوق؟
[ ٥ / ٣ ]
موقف المسلمين في الاتحاد السوفيتي أنموذج للدعوة السرية
كون الدعوة سرية في السنوات الثلاث الأولى من الإسلام، لحاجة المسلمين إلى هذا الأسلوب السري في الدعوة إذا توافقت الظروف مع هذه الفترة، وعلى سبيل المثال: المسلمون في الاتحاد السوفيتي قبل أن يسقط كانوا يعيشون في مثل هذه الفترة، الإلحاد في كل مكان، كان حمل المصحف أو حتى الاحتفاظ به في البيت جريمة يعاقب عليها القانون، من اكتُشف أنه يصلي أو يصوم يُعاقب ويُعذّب وقد يُقتل، فكان لابد أن تكون هناك سرية تامة في هذه المرحلة، ولو لم يفعلوا ذلك لاختفى الإسلام من هذه البلاد، لكن كانوا يتعلمون في ديار كدار الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ وأرضاه، كانوا يحفظون القرآن في سراديب وخنادق وكهوف الجبال، والحمد لله مرت السنوات وبقي الدين وبقي المسلمون ورُفعت الغُمة، فما الذي حفظهم؟ حفظهم فقه المرحلة، نعم، ربنا ﷾ هو الحافظ، وهو المعين، لكن هناك أسباب، والأسباب الصحيحة هي التي أخذ بها الرسول ﷺ في نفس الظرف الذي كان يعيشه المسلمون، لو أعلن كل واحد من المسلمين إسلامه في الاتحاد السوفيتي وفتح صدره لنيران الشيوعية، لاختفى الإسلام من بقاع كثيرة في الأرض، وسوف يموت الشهداء لكن أين الدعوة وأين الإسلام؟ ففقه المرحلة كان هامًا جدًا، ووجود المثال النبوي الحكيم في إخفاء الإسلام في مثل هذا الظرف كان معلمًا لهم، وكان مؤيدًا لمنهجهم، كان معهم دليل شرعي قوي يؤيد هذه السرية.
اختلفت الظروف بعد ذلك في حياة الرسول ﷺ، وبالتبعية سيختلف منهجه ﷺ في إيصال دعوته للناس وفي تربيته للمؤمنين، سيأتي زمان بعد هذا يُعلن فيه البعض إسلامهم ويكتم المعظم، مثل إسلام سيدنا عمر وسيدنا حمزة ﵄، وسيأتي زمان يعلن الجميع وتكون التربية في العلن، وذلك بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، وسيأتي زمان سيدعو رسول الله ﷺ فيه زعماء العالم إلى الإسلام، وهذا بعد صلح الحديبية، كل هذا سيحدث؛ حتى لا يأتي أحد من المسلمين ويستشهد بفعل من أفعال الرسول ﷺ والظروف مختلفة، وإلا فلماذا هذا التنوع في حياة الرسول ﷺ؟ ليعلمنا الحكمة الحقيقية في الاقتداء بالرسول ﷺ في أفعاله وأقواله عند تشابه الظروف.
[ ٥ / ٤ ]
ضرورة الحفاظ على الدعوة بالسرية
نخرج من موقف الرسول ﷺ عند بدء الدعوة بقاعدة مهمة: وهي أن الدعاة مطالبون بالحفاظ على أنفسهم وعلى حياتهم لا لخوفهم من الموت، فالموت في سبيل الله في حد ذاته غاية، ولكن حفاظًا على الدين وعلى الإسلام، وعلى استمرار المسيرة، أي: أن العملية ليست عملية ملل من الدعوة أو الحياة أو الأعداء، لا، فهنا نظام وحكمة ومنهج ثابت.
ومن هذا أخذ العلماء حكمًا فقهيًا مشهورًا وهو: أنه يجوز للجيش المسلم أن يفر من مثليه، وقد بوب له الفقهاء باسم: باب جواز الفرار من المثلين، كما يقول الله ﷾: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] الفقهاء قالوا: لو أن العدد أكبر من الضعف، أي: مائة مقاتل يقابلهم ثلاثمائة أو أربعمائة مقاتل يجوز لهم القتال ويجوز لهم الفرار حسب ما يرى القائد، بل إن الإمام مالك ﵀ قال: يجوز الفرار من المثل، وليس من المثلين، وقال: إذا كان العدو أعتد جوادًا وأجود سلاحًا وأشد قوة، وغلب على ظن قائد المسلمين الهلكة، وأخذ في الحسبان العوامل الأخرى غير العدد بل ذهب العز بن عبد السلام إلى أبعد من ذلك، فقال: إذا لم تحصل النكاية في العدو.
أي: لو أنك تحارب عدوك وأنت متأكد أنك لا تستطيع أن تؤذي عدوك فلا تقاتله، قال: إذا لم تحصل النكاية في العدو وجب الانهزام؛ لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكافرين، أي: أن النفس ستذهب والمسلمون سوف يموتون، والكفار لن يحصل فيهم أي أثر، بل سيزيد الكفر؛ لأن المسلمين قلوا.
ويقول العز بن عبد السلام: وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة.
أي: أنه يأثم المسلم بإظهار نفسه إذا كان الاختفاء والانسحاب هو الألزم للمرحلة، وهذا إدراك لسلوك المسلم وسلوك الرسول ﷺ في مثل هذه المواقف.
[ ٥ / ٥ ]
الفرق بين المحافظة على الدعوة والمحافظة على النفس
هناك نقطتان مهمتان لتكتمل الصورة: النقطة الأولى: أن الفارق بين الحكمة في الحفاظ على النفس وبين الجبن خطوة، فمن الممكن أن يقول شخص: أنا أحافظ على نفسي؛ لأن المرحلة تريد هذا، فلا يقول كلمة حق ولا يجاهد، ولا يدعو إلى الله، ولا أي شيء أبدًا في سبيل الله، بينما الدافع الحقيقي وراء هذا الركون أو القعود هو الجبن والخوف من مواجهة الباطل.
إذًا: كيف نفرق بين الحكيم الذي يتبع الرسول ﷺ، وبين الجبان الذي لا يريد أن يحمل هم الدعوة؟ أولًا: يرجع في ذلك إلى الدليل الشرعي من سيرة الرسول ﷺ، وذلك أن يكون موقفه هذا يشبه موقف الرسول ﷺ عندما أخذ بالسرية.
ثانيًا: الورع والإيمان والتقوى الذي في قلب الإنسان، والله ﷾ هو المطّلع على القلوب ويراك، وأنت أولًا وآخرًا تتعامل مع الله ﷾.
ثالثًا: الرأي المشار إليه من قبل القائد والجماعة والشورى في هذه المرحلة، والشورى في غاية الأهمية وهكذا يمكن أن يخرج عامل الهوى، ونستطيع أن نفرق بين الحكيم وبين الجبان.
النقطة الثانية: أن الذي يُراعى هو مصلحة المسلمين والإسلام عمومًا، وليس مصلحة الفرد، أي: أنه قد يهلك الفرد وتكون الهلكة محققة، لكن هذا في مصلحة المجموعة، هنا لا يُلتفت إلى الحفاظ على الفرد؛ لأننا نحافظ على الدين بصفة عامة، وعلى الأمة أو المصلحة العامة، أي: أنه سيأتي بعد ثلاث سنين من هذا الأمر أن الرسول ﷺ يجهر بدعوته، وستكون هناك خطورة حقيقية عليه، لكن المصلحة الأعم للدعوة أنه يُعلن، وسيأتي بعد فترة يبعث مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة، وسيكون هناك خطورة حقيقية على مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه، ففي المدينة المشركين واليهود وغيرهم، لكن المصلحة المتحققة أعلى، فيُضحى بمصلحة مصعب بن عمير على حساب تحقيق مصلحة أكبر للدعوة، من الذي يحكم في النهاية؟ الشورى والقائد، ومن المؤكد أن الهوى سيدخل إذا لم تدخل الشورى أو القائد في الموضوع.
وقد يكون من الهوى أن يموت؛ لأنه لم يتحمل الظلم الواقع على المسلمين، ولا يستحمل أن الكفر له الغلبة، فيحاول أن يتخلص من الأمر بالتسرع في إعلان نفسه، أو التسرع بالقتال في سبيل الله، أو في إظهار أمر الدعوة في مكان لا يستقيم أن يُظهر فيه أمر الدعوة في هذه المرحلة، كل هذا قد يكون هوى في قلب الإنسان، والله ﷾ يريد منك تصرفًا آخر، ولهذا نؤكد دائمًا على الشورى والرجوع إلى قائد المسلمين.
[ ٥ / ٦ ]
فقه اختيار المدعوين في المرحلة السرية
كان الرسول ﷺ والمسلمون في السنوات الثلاث الأولى لا يتحدثون بالإسلام إلا سرًا لرجال معينين يختارون لهذا، لكن كيف كان يتم هذا الاختيار؟ ما السبب في أن الرسول ﷺ أو أبا بكر يذهب لدعوة عثمان بن عفان ولم يذهب إلى الوليد بن المغيرة أو لـ أبي جهل أو أمية بن خلف؟ من الواضح أن هناك قواعد دقيقة لهذا؛ لأننا لم نسمع أن اختيارهم كان خطأ، بل كل الذين اختاروهم وأسروا إليهم بالإسلام قبلوه.
وهذا شيء مهم: أنك تعرف من الذي لو عرضت عليه أمر الدين قَبِلَه في الغالب، بهذا ستوفر مجهودًا كبيرًا، وفي نفس الوقت ستنجح، وتبني لك قاعدة قوية.
بالنظر إلى السابقين إلى الإسلام نستطيع أن نخرج بقواعد مهمة، وسبق أن ذكرنا قاعدة في دعوة المدعوين، وهي الحب أولًا، لكن هناك قاعدتان في غاية الأهمية أيضًا كان النبي ﷺ يستعملهما في اختيار الناس: القاعدة الأولى: الحكمة النبوية العظيمة، (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا).
الاختيار كان يقع غالبًا على أصحاب الأخلاق الحسنة والأخلاق الحميدة، الذين يعظّمون الصدق والأمانة والكرم والشجاعة والعدل ومكارم الأخلاق، هناك كثير من الناس غير ملتزم بالإسلام، لكنه يحب الأخلاق الطيبة، هؤلاء لو التزموا بالدين سيكونون خير سند للدعوة، وبهؤلاء بدأ رسول الله ﷺ.
القاعدة الثانية: التركيز على الشباب، نعم الدعوة موجهة لكل الأعمار، لكن التركيز على الشباب في الفترة الأولى كان واضحًا، لأسباب: أولًا: أن الشباب لم يَطُل عليهم الأمد في الاستمرار على تقاليد معينة، ولم يعتادوا على عبادة الأصنام لسنوات طويلة، ولم يتمسكوا بالدفاع عنها، فأنت عندما تذهب للكلام مع غير الشباب، وتقول له: أنت لك (٤٠) سنة أو (٥٠) سنة تدافع عن قضية باطلة، كيف يمكن له أن يؤمن بكلامك؟ صعب، لكن الشباب أيسر بكثير، لم تتلوث عقولهم بأفكار خاطئة، ومن ثم يستطيعون تقبل الفكرة الإسلامية بسهولة.
ثانيًا: أن الشباب بصفة عامة مولعون بالجديد، لذلك تجد أكثر المقلدين للموضات هم الشباب مهما كانت، حتى لو كانت لا تتوافق مع هواهم، لكن المهم أنها شيء جديد.
ثالثًا: أن الله ﷾ أعطى الشباب حماسة عالية، وحمية ونشاطًا، لا يعترفون بالصعب، بل تستطيع أن تقول: لا يعترفون بالمستحيل، وحمل الإسلام صعب وشاق يحتاج إلى عزيمة الشباب، وليس معنى هذا أن الشيوخ ليس لهم مكان في حمل دعوة الإسلام، لكن فرصة إيمان الشباب وفرصة حركة الشباب للدعوة بعد الإيمان، وفرصة ثبات الشباب على الحق وتحديه للصعاب والمشاكل أكبر من فرصة الشيوخ، ومن المؤكد أيضًا أن الدعوة تحتاج إلى الشيوخ وحكمتهم بجانب حماسة الشباب.
كل هذا الكلام جعل التركيز الأول على الشباب ذي الأخلاق الطيبة والحسنة، فهؤلاء هم الذين يمكنهم أن يتحملوا الدعوة، سواء في زمان الرسول ﷺ، أو في الأزمان اللاحقة، أو في زماننا هذا وإلى يوم القيامة.
هذه سنة من سنن الله ﷿ في التغيير.
[ ٥ / ٧ ]
ثمار الصديق الدعوية في الدعوة السرية إلى الإسلام
في اليوم الثاني من أيام الدعوة بدأ الرسول ﷺ والمؤمنون الأوائل يتحركون لانتقاء عناصر جديدة.
ولنا وقفة مهمة مع حركة الصديق ﵁ وأرضاه، فقد كان الصديق إيجابيًا بدرجة لا يمكن وصفها، كان يتحرك بالدعوة وكأنها أُنزلت عليه، لم تكن الدعوة عنده مجرد تكاليف من رسول الله ﷺ، كان يحب الإسلام ويريد من الناس جميعًا أن يعرفوه، وفي نفس الوقت كان يحب كل الناس، وهذا الحب للدين وللناس نتج عنه حماسة دعوية على أعلى مستوى، ففي أول تحرك له أتى بمجموعة وليس فردًا، أتى بالأسماء الذين سأذكرهم، وأريدك أن تقف عند كل اسم وتتأمل صاحب هذا الاسم وتاريخ وقصة حياته، لتعرف ميزان الصديق عند الله ﷿.
الاسم الأول: عثمان بن عفان.
قف وفكر في سيرة عثمان ﵁ وأرضاه، وفي تجهيز جيش العسرة جيش تبوك، وشراء بئر رومة، وتوسعة المسجد النبوي، وخلافة المسلمين (١٢) سنة، حياة طويلة من الإنفاق والجهاد والدعوة والعلم والصيام والقيام وقراءة القرآن.
فـ عثمان بن عفان حسنة من حسنات الصديق ﵁ وأرضاه.
الاسم الثاني: الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه.
الاسم الثالث: سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه.
ولن أفصل في سيرة هؤلاء؛ فكل واحد منهم يعتبر علمًا ومنارة من منارات الإسلام.
الاسم الرابع: طلحة بن عبيد الله ﵁ وأرضاه.
الاسم الخامس: عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه.
فهؤلاء الخمسة جميعهم من العشرة المبشرين بالجنة، وهؤلاء لم يغيروا طعامًا أو شرابًا، أو سكنًا، وإنما غيروا ديانة وعقيدة، فمكة لها مئات السنين وهي تعيش في الشرك، فما ذلك الإقناع الذي كان عند الصديق حتى أقنع هؤلاء الخمسة العمالقة بأمر الإسلام؟ ما مقدار الصدق الذي في قلب الصديق ﵁ وأرضاه حتى يهدي الله ﷿ على يده هؤلاء الخمسة العظام.
الغريب أن هؤلاء الخمسة لم يكونوا من قبيلة بني تيم، قبيلة الصديق ﵁ باستثناء طلحة بن عبيد الله فـ عثمان أموي، والزبير أسدي، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، لكن من المؤكد أن علاقات الصديق كانت بهم قوية جدًا ووثيقة قبل الإسلام، ليس من المعقول أن يتعرف عليهم بالصدفة وفي وقت إسلامهم، وإنما من المؤكد أنهم كانوا يحبونه حبًا عظيمًا، وبعد هذا يأتي الإقناع وتأتي الحجة.
ثم لو نظرنا إلى أعمار هؤلاء فـ الزبير بن العوام ﵁ كان عمره (١٥) سنة، وعندما تسمع اسم الزبير بن العوام تعتقد أن عمره (٤٠) أو (٥٠) سنة.
وكان عمر طلحة بن عبيد الله (١٦) سنة.
وسعد بن أبي وقاص خال رسول الله ﷺ له تاريخ طويل وجهاد وفتوح وكان عمره حين أسلم (١٧) سنة.
أما عثمان بن عفان فقد كان كبيرًا بالنسبة لهم، كان عمره حين أسلم (٢٨) سنة.
كذلك عبد الرحمن بن عوف كان عمره حين أسلم (٣٠) سنة.
كل هؤلاء أخذوا قرار تغيير الدين والارتباط بالإسلام وتحمل المشاق الضخمة في هذه السن المبكرة! فـ الزبير وطلحة وسعد لو كانوا في زماننا فلا يزالون في المرحلة الثانوية، فهل أولادنا في المرحلة الثانوية عندهم من الوعي والإدراك وتحمل المسئولية والقدرة على الفهم والتفكير مثل هؤلاء؟ هل عندهم من القدرات التي كانت عند شباب الصحابة؟ والله إننا لنحزن عندما نرى أن بعض الشباب في هذه المرحلة العمرية الثمينة جدًا فرغت عقولهم تمامًا من كل ما هو ثمين أو قيم، ولو بحثت في عقولهم لم تجد إلا بعض الأغنيات والمسلسلات والمباريات، وقصات الشعر والفيديو ورسائل الموبايل مع أن كثيرًا منهم نشئوا في بيوت مسلمة، ومن آباء وأمهات مسلمين، وربما نشئوا في بيئة إسلامية صالحة، لم يكونوا في بيوت كافرة كبيت الزبير بن العوام أو طلحة بن عبيد الله أو سعد بن أبي وقاص.
إذًا: أين المشكلة؟! نعم.
هناك دور كبير جدًا راجع لفساد الإعلام والتعليم، لكن نحن أيضًا علينا جزء كبير، لعلنا لم نعط الشباب الوقت الكافي من حياتنا، أو أننا نستصغر عقولهم وأفكارهم، فينتهي من الثانوية والجامعة والجيش ويتزوج، وهو لا يزال أيضًا صغيرًا، والبلوغ العقلي عندنا (٤٠) سنة! وعند ذلك لا يعتمد على نفسه، ولا يعتمد عليه مجتمعه.
هذا الشيء في الحقيقة يحتاج منا إلى وقفة كبيرة جدًا، الشباب إمكانيات هائلة، لو وقفت مع الشباب وأعطيتهم وقتًا وتربية وجهدًا ستأخذ منهم كما أخذ الرسول ﷺ من
[ ٥ / ٨ ]
سبب نجاح الصديق في الدعوة إلى الله تعالى
هذا النشاط يحتاج إلى وقفة وتحليل ودراسة، ما معنى أن تكون دعوة الصديق بهذه الروعة؟ لماذا استُجيب للصديق بهذه الصورة؟ أعتقد أن المسألة ليست مجرد حركة، فهناك كثرة من المسلمين ومن الدعاة تتحرك في سبيل الله، لكنها تنفر الناس من دين الله ﷿، فهم يتحركون وعندهم صدق في الحركة، لكن الأسلوب أو الهيئة أو الطريقة لا تناسب الوضع والشكل الذي كان عليه الصديق ﵁ وأرضاه، لدرجة أن الرسول ﷺ كان يقول لبعض المسلمين: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين) أي: بعض الدعاة ينفرون الناس من الإسلام عكس المطلوب تمامًا، فما الذي جعل الناس تستمع لكلام الصديق ﵁؟ أولًا: كان الصديق -كما يقول طلحة بن عبيد الله - رجلًا سهلًا محببًا موطأ الأكناف، أي: ليّن الجانب، وببساطة ليس بالفظ ولا بالغليظ.
هذه أول سمة: أن تكون لين الجانب مع الذي تدعوه، واترك العنف.
ثانيًا: كان تاجرًا ذا خلق واستقامة، وهذا شيء في منتهى الأهمية.
المال فتنة، وكثير من التجار يخسرون الناس بسبب التجارة، لكن الصديق كان عكس هذا تمامًا، كان يكسب الناس بسبب التجارة كان تاجرًا صدوقًا، بل تاجرًا صديقًا، كريمًا رحيمًا، فيه رأفة وأدب وخلق حسن، فكيف يمكن أن يكون حب الناس لإنسان يتصّف بهذا، يعطي الناس ولا يأخذ منهم؟ ثالثًا: يقول طلحة: وكنا نألفه ونحب مجالسه؛ لعلمه بأخبار قريش وحفظه لأنسابها.
أي: أن الصديق كان عالمًا بعلم زمانه وهو علم الأنساب، والطبقة المثقفة في مكة كانت تحب أن تجلس معه وتسمع منه الأنساب، أي: أن الصديق ما كان يكتفي بالبسمة فقط أو المال، وإنما كان يعطي علمًا أيضًا، وكان من أدبه ﵁ أنه كان لا يطعن في أنساب أحد، مع علمه بكل نقيصة في كل نسب، فهذا من حسن خلقه ﵁ وأرضاه، كيف لا يستجيب الناس لدعوته وهو بهذه الصفات؟ إذًا: هذه الدعوة لم تأت من فراغ، ولم تكن مصادفة أن يستجيب هذا العدد العظيم من عمالقة الإسلام للصديق ﵁.
إذا أردت أن تكون داعية فادرس سيرة الصديق ﵁ وأرضاه، وهو من خير الدعاة بعد رسول الله.
وهنا نقف وقفة مع أنفسنا ونسأل: أتى الصديق بهؤلاء ونحن بمن أتينا؟ أجب على هذا السؤال بينك وبين نفسك، وليس بالضرورة أن تأتي بغير المسلمين إلى الإسلام، أو برجال أمثال عثمان والزبير لكن أين الحركة للدين؟ هل وصلت دعوتنا إلى المسلمين غير الملتزمين بالإسلام بنفس حمية وحماسة الصديق ﵁ وأرضاه؟ هل أتينا إلى المسجد بمسلم لا يعرف طريق المساجد؟ هل دفعنا بمسلم إلى قراءة القرآن بعد أن هجره السنوات الطوال؟ هل شرحنا لمسلم حال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وقد نسيهم أو تناساهم؟ هل هذّبنا من أخلاق أبنائنا وأصحابنا وشركائنا وزبائننا وجيراننا؟ هل وصلنا بالدعوة إلى كل من نعرف؟ هل؟ هل؟ أسئلة كثيرة جدًا لمجالات من العمل لا تحصى ولا تعد، أبواب الدعوة لا حصر لها، المهم أن يتولد في القلب شعور بأنك أنت وحدك الذي تحمل هم الإسلام كله على كتفك، تشعر أنك أنت المسئول، وأن القضية قضيتك، وأن المهمة مهمتك.
هذا هو الدرس الذي نأخذه من الصديق، ولو استمعنا للقصة لمجرد التمتع بها لن نفهم الغرض من هذه المجموعة من الدروس: كيف نبني أمة؟
[ ٥ / ٩ ]
عالمية دعوة الإسلام وقاعدة المفاضلة بين الناس في الدين الإسلامي
تزايد عدد المسلمين، والقاعدة الأصيلة التي تحكم هي: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا) لم تكن تحكم المسلمين أي قاعدة من القواعد التي اخترعها الناس للتفرقة، القواعد التي اخترعها الناس ظالمة، والله ﷿ عادل لا يظلم، وعدله مطلق ﷾ لا ظلم فيه، لا تكون المفاضلة بين الناس إلا بأمور يستطيعون تغييرها، لكن لا ينفع التفاضل بأشياء ليس لهم يد فيها.
فمثلًا: المفاضلة في قانون الله تعالى تكون بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وهي شيء مكتسب، فلكي تتحول من غير تقي إلى تقي فالطريق واضح في الدين، كذلك الأخلاق الحسنة هي شيء مكتسب، نعم لها جذور فطرية، والإنسان يكون مجبولًا على الكرم والصدق، لكن في النهاية الأخلاق الحميدة شيء مكتسب، تستطيع إذا أردت أن تتحول من كاذب إلى صادق، أو من خائن إلى وفي، أو من جبان إلى شجاع وهكذا، وعندها يمكن التفضيل بين واحد وآخر على أساس التقوى وعلى أساس الأخلاق.
أيضًا كذلك تستطيع أن تسبق غيرك بالكفاءة.
إذًا: هذه أمور تستخدم للمفاضلة بين الناس: التقوى، الأخلاق، الكفاءة، وجميعها أمور مكتسبة، لكن لا يجوز التفرقة والمفاضلة بين الناس على أشياء لا دخل لهم فيها، ولهذا الرسول ﷺ كان يستخدم القواعد الإلهية ولا يستخدم القواعد الظالمة التي اخترعها الناس، فلم يكن هناك فرق بين الأحرار وبين العبيد، فالكل أولاد آدم ﵇، والكل سواسية، بل قد يسبق العبد الحر في مجال الأخلاق والتقوى والكفاءة؛ ولهذا الرسول ﷺ وجه دعوته للعبيد كما وجهها للسادة سواء، وهذا كان مستغربًا في البيئة المكية القديمة، وإلى الآن هو أمر مُستغرب، أنا أريد منك أن تتخيل أن الوزير جالس بجوار العسكري في نفس الدعوة، بل قد يُقدّم عليه إذا كان أكفأ وأقدر على إدارة الأمور، فلم يعط قانونًا ولا دستورًا للإنسان حقه مثل ما فعل الإسلام، فنحن نرى في الأوائل الذين أسلموا تباينات عجيبة، كما رأينا من الأشراف من الصديق ﵁ وأرضاه وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد كل هؤلاء من أشراف مكة، كما رأينا هؤلاء رأينا أيضًا العبيد والموالي، رأينا بلالًا وعامر بن فهيرة وزيد بن حارثة وغيرهم، وليس هذا إلا في دين الإسلام.
أيضًا لم يكن هناك فرق بين الغني والفقير، المال لا يصلح للمفاضلة بين الناس، فالله ﷿ يرزق من يشاء بغير حساب، الأوائل الذين أسلموا كان فيهم الأغنياء واسعو الثراء كـ الصديق وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وكان فيهم أيضًا شديدو الفقر كـ عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسمية بنت خياط وخباب بن الأرت وغيرهم، لم يكن هناك أي فرق بين الغني والفقير.
لكن هنا معلومة هامة، وهي على عكس ما يتخيل كثير من الذين يدرسون السيرة، فهم يعتقدون أن غالبية المسلمين كانوا من الفقراء البسطاء، لكن عندما نأتي نحلل شخصية كل مسلم من المسلمين الأربعين الأوائل سنجد أن الفقراء كانوا (١٣) والأغنياء كانوا (٢٧)، أي أن (٧٠%) من المسلمين الأوائل كانوا من الأغنياء، ولم تكن هناك ثورة من الفقراء على الأغنياء، كما يحب بعض الاشتراكيين أن يصوروا من ذلك؛ ليأخذوا سندًا شرعيًا لاشتراكيتهم، فالوضع كان خلاف هذا تمامًا، الأغنياء سعوا إلى هذا الدين القويم الرائع، وضحوا بثرواتهم، وعرّضوا أنفسهم للفقر الشديد، وليس أبلغ من الأمثلة الإسلامية الرائعة كـ الصديق، فقد كان يملك أربعين ألف درهم عندما أسلم، وعندما هاجر كان يملك خمسة آلاف درهم صرفها على الهجرة، أي: أنه أصبح فقيرًا بعدما أسلم، ومصعب بن عمير ﵁ وأرضاه كان من أغنى أغنياء مكة، ومن أنعم شبانها، ثم أصبح من أشدها فقرًا وحاجة، ولم تكن هناك ثورة من الفقراء على الأغنياء، أو عملية تقسيم للثروات على شعب مكة أبدًا، لم يكن هناك أي فرق بين الغني والفقير، المهم التقوى.
لم يكن هناك أيضًا فرق بين العرب وغير العرب، أين الذنب في ولادتي، سواء ولدت في مصر أو باكستان أو إندونيسيا أو نيجيريا أو أمريكا أو أي مكان من الأرض؟ المهم التقوى والأخلاق والكفاءة.
دعوة الإسلام ليست دعوة قومية، حتى في هذه البيئة التي تفتخر بعربيتها، فقد ضمت هذه الدعوة بلالًا من الحبشة، وصهيبًا الرومي، وبعد سنين ستضم سلمان الفارسي، وستدخل بعد ذلك كل العرقيات من فرس ورومان وسلاجقة وأتراك وأكراد وغيرهم كثير، سيدخل كل هؤلاء إلى دين الإسلام، وكل منهم سيخدم الإسلام في مكانه، لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى.
كذلك لم يكن هناك فر
[ ٥ / ١٠ ]
حرص النبي ﷺ على الدعوة وأفرادها
استمرت الدعوة السرية لمعظم الأفراد حتى بعد الإعلان النبوي الذي سوف يحصل بعد ثلاث سنين، فقد كان الرسول ﷺ حريصًا كل الحرص على الحفاظ على كل واحد من أفراد جماعته المؤمنة، سواء كان عبدًا أو حرًا، قرشيًا أو غير قرشي، من قدماء الصحابة أو حديثي الإسلام كل الناس كانت قيمتهم عالية عند رسول الله ﷺ.
[ ٥ / ١١ ]
قصة إسلام عمرو بن عبسة
هناك بعض الراويات التي توضح لنا كيف كان الرسول ﷺ حريصًا على أن يأخذ بكل عوامل الحرص والحذر؛ ليحمي الجماعة المؤمنة الجديدة التي في مكة.
مثال ذلك: إسلام عمرو بن عبسة ﵁ وأرضاه بعد أكثر من ثلاث سنين من الدعوة، وكان من قبيلة سُليم، وكان مع الرسول ﷺ أكثر من (٦٠) صحابيًا، لكن انظر إلى الحوار الذي سوف يدور بين عمرو بن عبسة ﵁ وبين الرسول ﷺ.
يقول عمرو بن عبسة كما جاء صحيح مسلم: (فتلطّفت حتى دخلت عليه مكة، فقلت له: ما أنت؟ فقال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: معي حر وعبد، يقول عمرو بن عبسة: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فالرسول ﷺ لا يريد أن يكشف أوراقه كلها أمام عمرو بن عبسة ﵁، ولا يريد أن يقول له على جميع المسلمين قبل أن يستوثق منه، بالذات أن عمرًا ليس من مكة، فهو بالنسبة للرسول ﷺ مجهول، فلا يستطيع أن يخبره في هذا الوقت، ومع الأخذ بالاعتبار أن الرسول ﷺ لو كان قال له: إن عددنا (٦٠)، كان أكثر إقناعًا له؛ لأنه سيرى أن عدد الذين آمنوا بهذه الدعوة كبير، لكن الرسول ﷺ آثر الحرص والحذر على الدعوة في ذلك الوقت، وهذا شيء كان في ذهن الرسول ﷺ في كل خطواته في أثناء المرحلة السرية، وأيضًا بعد المرحلة السرية.
آمن عمرو بن عبسة ﵁ وأرضاه، ولما آمن أراد أن ينضم إلى رسول الله ﷺ في مكة، فقال له ﷺ: (إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا) لأن الموقف صعب، ولا يوجد أحد يحميه في داخل مكة، وسوف يُضطهد فيها أشد الاضطهاد، فهنا يضحي ﷺ بالنصرة التي ستأتي من وراء عمرو بن عبسة ببقائه في مكة، ويضحي أيضًا بالعلم الذي قد يحصّله عمرو ببقائه في مكة، في نظير أن يؤمِّن حياته ويحفظه لمرحلة قادمة قد تكون الدعوة أحوج إليه، وأعاده مرة أخرى إلى قبيلة سُليم، وقال له: ادع إلى الله هناك، وأتى عمرو بن عبسة بنصف قبيلة سُليم بعد ذلك.
إذًا: عمرو بن عبسة أخذ بقواعد الأمان، وبدأ يدعو في قبيلته حيث الحماية المتوافرة له في ذلك المكان، لم يضح أبدًا بحياته في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل الدعوة، كل هذه التدابير لا تنفي مطلقًا إيمان رسول الله ﷺ التام بالقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولكنه يأخذ بالأسباب، ويعلمنا كيف نأخذ بها في كل مرحلة من مراحل الدعوة.
[ ٥ / ١٢ ]
قصة إسلام أبي ذر الغفاري
كانت قصة إسلام أبي ذر الغفاري ﵁ وأرضاه قصة لطيفة طويلة، سآخذ منها ما يفيد الموضوع.
أخذ سيدنا علي بن أبي طالب أبا ذر الغفاري ليعرفه على رسول الله ﷺ، وعلي أيضًا كان في منتهى الحرص، كان يقول لـ أبي ذر: إن رأيت شيئًا أخاف عليك منه قمت كأني أريق الماء، أي: أتبول، وفي رواية: كأني أصلح نعلي، فأخذه وذهب به لمقابلة رسول الله ﷺ في البيت الحرام أثناء الطواف ليلًا، لم يذهب به إلى دار الأرقم فهو لم يطمئن إليه بعد، وأبو ذر من قبيلة غفار المشهورة بقطع الطريق، فهو فعلًا أمره غير مأمون إلى أن يستوثق تمامًا من إيمانه، فعندما ذهب أبو ذر يكلم الرسول ﷺ سأله أولًا: من أين أنت؟ فقال أبو ذر: من غفار هنا الرسول ﷺ شعر بالقلق، يقول أبو ذر: (فوضع رسول الله ﷺ يده على وجهي، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار) يعني: عرف الرسول ﷺ أن أبا ذر من قبيلة خطيرة، ومع ذلك وضح له أمر الإسلام، لكن لم يعرفه على خبيئة من خبايا المسلمين الموجودة في مكة؛ حرصًا وحذرًا، وحسًا أمنيًا راقيًا عند رسول الله ﷺ.
[ ٥ / ١٣ ]
الحكمة من اختيار الرسول ﷺ دار الأرقم للاجتماع بأصحابه فيه في أول الدعوة
من المظاهر السرية العجيبة في ذلك الوقت: اجتماع الرسول ﷺ والصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ (١٣) سنة من غير أن يعرف مكانهم أحد، شيء في منتهى الغرابة، ومكة بلد صغير، وأهلها جميعهم يعرفون بعضهم بعضًا، كيف استطاع المسلمون أن يأخذوا الحذر لكي لا يعرف مكانهم أحد طوال هذه الفترة، ليس يومًا أو يومين أو ثلاثة بل (١٣) سنة، واجتماعهم كان منتظمًا، فقد كانوا يجلسون كثيرًا، وعددهم غير قليل فهم (٦٠) رجلًا، لم نسمع عن مداهمة واحدة من زعماء قريش لبيت الأرقم خلال (١٣) سنة.
ولعل سائلًا يقول: ما سبب اختيارهم لدار الأرقم بن أبي الأرقم بالذات؟ ولماذا لم يختاروا بيت الرسول ﷺ أو أحد الصحابة الآخرين؟ نقول: أولًا: الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، فلم تتم مراقبة بيته من قريش، فالرسول ﷺ أو الصحابة الذين عُرفوا بالإسلام لا تصلح بيوتهم لهذا الأمر.
ثانيًا: الأرقم من بني مخزوم، وبنو مخزوم هي القبيلة المتنازعة دائمًا مع بني هاشم، وأكثر الناس كراهية لبني هاشم في مكة، فرسول الله ﷺ كأنه يجتمع في عُقر دار عدوه، وذلك لم يخطر أبدًا على أذهان زعماء أهل مكة.
ثالثًا: الأرقم كان بيته بعيدًا عن القوم، لم يكن في قلب المدينة، أي: أنه لم يكن هناك أحد يمشي من جوار البيت، ولم تكن هناك بيوت أخرى يمكن منها مراقبة بيت الأرقم بن أبي الأرقم.
رابعًا: الأرقم كان عمره (١٦) سنة، شاب صغير لن يشك فيه أحد من أهل مكة، وأهل مكة قد يعتقدون أن الرسول ﷺ يعقد جلساته في بيت أحد من كبار الصحابة، مثل أبي بكر الصديق أو عثمان أو عبد الرحمن بن عوف لكن في بيت هذا الشاب الصغير.
هذا احتمال بعيد جدًا عن أذهان قريش.
كيف استطاع الأرقم أن يأخذ المهمة الضخمة هذه مع أنه كان من قبيلة بني مخزوم؟ وكان زعيم قبيلة بني مخزوم أبو جهل، ومن المعروف أن أبا جهل فرعون هذه الأمة، أعتى أهل قريش على المسلمين، فلو اكتشف أمر الأرقم بن أبي الأرقم لا بد أن نهايته القتل، فرضي الله عن الأرقم ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.
[ ٥ / ١٤ ]
سبب عدم تعرض قريش للرسول ﷺ وأصحابه في أول الإسلام
مع كل الحذر والاحتياط من الرسول ﷺ وصحابته على أمر الدعوة إلا أن قريشًا اكتشفت الأمر، رأت بعض المسلمين يصلي صلاة غريبة لم يعتادوا عليها، فعرفوا أنهم على دين جديد، فقد رأى رجل الرسول ﷺ وهو يصلي مع السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، وكان ذلك الرجل يجلس بجوار العباس، وكان العباس مشركًا فسأله عن عملهما؟ فقال: يزعم أنه يأتيه وحي من السماء، أو يقول: إنه نبي.
وأيضًا أبو طالب عم رسول الله ﷺ رأى ابنه علي بن أبي طالب وهو يصلي مع رسول الله ﷺ، ومع ذلك لم يعلّق على هذا الموضوع، ومن المؤكد أن بعض العائلات الأخرى رأت أولادها يصلون أو يقرءون القرآن، لكن مع كل هذه المشاهدات ومع هذا الإدراك لأمر الإسلام لم تعترض قريش في هذه المرحلة، بل لم تعر ذلك أي اهتمام.
بعض الأحيان يتعجب الواحد من أفعال قريش، لماذا سكتت عن أمر الإسلام في ذلك الوقت؟ ولماذا آذت رسول الله ﷺ وحاربته هذه المحاربة الشرسة بعد أن أعلن دعوته في مكة؟ الحقيقة أن قريشًا كان فيها قبل هذا رجال على نفس هذا النهج، مثل أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وكانوا على الحنيفية، وورقة بن نوفل وكان نصرانيًا فهؤلاء لم تكن تعمل لهم أي حساب وظنت أن المسلمين مثلهم، لكن أن يجاهر بدعوتهم، ويدعو إلى تسفيه الأصنام والقوانين الوضعية التي وضعها أهل مكة وأنزلوها منزلة كلام الله ﷿، فهذا ما لا تريده قريش.
فمبدأ قريش واضح وهو: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أما أن يأتي دين يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في منظومة الأرض وفي حياة الإنسان والمجتمع، فهذا ما ترفضه قريش بالكلية.
إذًا: في هذه المرحلة ترك القرشيون المسلمين دون تعرض، ولكن في المرحلة القادمة وبعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية سيجهر رسول الله ﷺ بدعوته في وسط مكة، وسيعلن توحيده لله رب العالمين، وسيعلن نبذه للأصنام والأوثان.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيرًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٥ / ١٥ ]