الهدف من دراسة السيرة النبوية هو استخراج المواقف والعوامل التي بها يعود بناء الأمة على أساس متين، فقد كانت سيرته ﷺ وحيًا، وكل خطوة من خطواته كانت مؤيدة بالوحي، وقبل البعثة صنع على عين الله تعالى ورعايته، فقد حفظه الله ﷿ من عبادة الأصنام، ومن الأخلاق السيئة التي كانت سائدة في الجاهلية، فما علينا إلا أن نقفو كل موقف وكل خطوة من خطواته لنستلهم منها ما يكون به إعادة بناء الأمة بناء صحيحًا.
[ ٤ / ١ ]
دراسة السيرة النبوية لاستخراج مواقف تعيد بناء الأمة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الرابع من دروس السيرة النبوية: الفترة المكية.
أعيد فأذكر بأن هدف ومنظور هذه المجموعة: هو دراسة كيف نعيد بناء أمة الإسلام على نهج رسول الله ﷺ؟ دراسة السيرة من هذا المنطلق تعطيك أبعادًا مختلفة عن دراسة السيرة بالطريقة العادية التي ألفها الناس، تقرأ قصته من أول الميلاد إلى آخر لحظة من لحظات رسول الله ﷺ، ليس هذا هو المقصود من هذه المجموعة، فنحن أمام مشروع ضخم هو كيف نبني أمة؟ أنت عندما تريد أن تبني مبنىً كبيرًا تعمل ما يسمى بدراسة الجدوى، تدرس طبيعة المكان، ومن الذي سيشتغل معك؟ ما هي التكاليف التي ستدفعها؟ ما هي المعوقات التي تقف أمامك؟ هذا الكلام أيضًا ينطبق على أمة الإسلام، لكن تخيل الفارق بين دراسة الجدوى لبناء مبنى ضخم، وبين دراسة الجدوى لبناء أمة كاملة، لابد في دراسة السيرة لهذا الموضوع أن نبحث في كل نقطة من زوايا السيرة، لماذا فعل ذلك؟ ومتى فعل؟ وما هي الظروف الموجودة حول الرسول ﷺ التي اختار هذا الرأي لأجلها؟ وما هي الحكمة من وراء اختيار هذا الرأي، هذا الذي يجعلنا نبني الأمة كما بناها الرسول ﷺ.
يعرف الناس السيرة من أولها إلى آخرها، يعرفون متى ولد الرسول ﷺ؟ وكيف ولد؟ وكيف عاش الفترة التي نزل فيها الوحي عليه، وكيف بدأت الدعوة في مكة إلى أن هاجر من مكة، ثم موقعة بدر وأحد وهكذا كل الغزوات لدينا تفاصيل كثيرة جدًا عنها، لكن نحن لا نبحث عن هذه الأشياء، نحن نبحث عن أشياء أخرى فيما وراء الأحداث، يعني: لماذا بدأ بفلان وفلان وفلان ولم يبدأ بغيرهم؟ لماذا دعا أبا بكر أولًا؟ لماذا تحدث إلى السيدة خديجة وزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب مع وجود أناس كثير؟ لماذا بدأ أبو بكر بدعوة هذا وهذا وترك الآخرين؟ لماذا جهر الرسول ﷺ بالدعوة بعد مضي ثلاث سنين من نزول الوحي عليه؟ وماذا حصل بعد الجهر بالدعوة في مكة؟ هل حاربت الناس الدعوة لأنها ليست مقنعة أم أن الدعوة مقنعة، وإنما وقفوا أمامها لأسباب أخرى منعت الناس من دخول الدعوة؟ وهل هذه الأسباب تتكرر أم لا؟ ثم كيف وقف الرسول ﵊ أمام هذه الأسباب؟ كيف عالجها؟ كيف آمنت مكة؟ لماذا اختار الرسول ﷺ لهجرة أصحابه الحبشة، ولم يأمرهم بالذهاب إلى اليمن أو الشام أو مصر أو العراق؟ ولما فكر بعد ذلك في الذهاب إلى المدينة المنورة بعث مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه يعلم الناس، لماذا اختار مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه من بين الصحابة؟ لماذا لم يبعث أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليًا أو غيرهم من الناس؟ لما خرج من مكة وذهب إلى الطائف لماذا لم يذهب إلى أي بلاد أخرى؟ كل هذه الأسئلة عندما نجيب عليها، ونفكر ونتدبر في هذه الأحداث سنخرج بقواعد في غاية الأهمية، هذا هو المقصود من هذه المجموعة: كيف نبني أمة؟ كيف يمكننا أن نضع قواعد لبنيان كالذي عمله الرسول ﷺ؟ ولا يمكن أن نقيم بنيانًا قويًا إلا إذا قلدنا الرسول ﷺ في كل موقف من مواقفه، لكن لابد من مراعاة الظروف التي اختار الرسول ﷺ فيها هذا الرأي أو ذاك؛ لتكتمل لنا متابعة الرسول ﷺ.
[ ٤ / ٢ ]
قصة نزول الوحي وأهميته
سنبتدئ القصة من الآن، لكنها بداية غير تقليدية، لن نبتدئ من ميلاد رسول الله ﷺ، ولكن من نقطة نزول الوحي، وليس هذا تقليلًا من أهمية الأربعين سنة من حياته ﷺ التي سبقت الوحي، لكن منظور هذه المجموعة هو كيف نبني أمة؟ نحن لن نحكي حكاية الرسول ﷺ من الميلاد إلى الممات، لكن سوف نستخرج نقاطًا هامة تفيد في بناء الأمة الإسلامية.
الإسلام كدين وكشرع وطريقة بدأ على الأرض منذ لحظة نزول الوحي، ولذلك سنبدأ بالحديث من هذه النقطة، فهذا لا يمنع من أننا نرجع لتحليل بعض النقاط في حياة رسول ﷺ قبل البعثة إذا كان لها علاقة في التمهيد للبعثة، لكن هذا لن يكون بالترتيب المألوف.
كانت لحظة نزول الوحي على رسول ﷺ في غار حراء لحظة عظيمة في تاريخ البشرية، بل إنها أعظم لحظة مرت في تاريخ الأرض ككل إلى يوم القيامة، كثيرًا ما نسمع عن هذا الحدث المهيب، لكن القليل منا من يعطي لهذا الحدث قدره، فالله ﷾ أرسل رسولًا إلى الإنسان، ما رأيك لو أنك تلقيت رسالة من زعيم دولة عظمى ووصلت إلى بيتك، يقول لك فيها: أنا أحبك، وخائف عليك، ومهتم بك، وعندي لك خير كثير.
ما موقفك لو تلقيت رسالة بهذا الوعد من هذا الملك العظيم، ولله المثل الأعلى؟! يا ترى كيف سيكون اهتمامك بالرسالة؟ إن الله ﷾ بعظمته وجبروته وقدرته وقوته أرسل رسولًا إلى هذا الإنسان البسيط الضعيف الذي يعيش على ظهر كرة معلقة في الفضاء، لا تكاد ترى في الكون الفسيح، هذا حجم الأرض بالنسبة لحجم الكون، فكيف سيكون حجم الإنسان بالنسبة لحجم الأرض؟ حجم الإنسان بالنسبة لحجم الكون شيء لا يتخيل، كذلك حجم الإنسان بالنسبة للملائكة.
إن الناس لا يقدرون لهذا الحدث قدره؛ لأنها لا تعطي لله ﷿ قدره.
إن الله جل وعلا لا يحتاج إلينا ولا لغيرنا، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، ومع ذلك من رحمته بنا وحبه لنا أرسل إلينا رسالة هداية وبشرى وإنذار، وهذه الرسالة نزل بها أشرف الملائكة جبريل ﵇، على أشرف الخلق محمد ﷺ، بأشرف الكلام القرآن الكريم.
في لحظة الوحي هذه نزل الكلام الذي سيظل دستورًا في الأرض إلى يوم القيامة، هذا الحدث فيه تكريم للإنسان، كما قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ومن أعظم صور التكريم أن أنزل له الوحي، ونزلت له الهداية من رب العالمين ﷾.
أحيانًا لا يقدر الإنسان قيمته كإنسان، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، وأرسل له رسولًا من السماء إلى الأرض، وأتى معه بدستور كامل يوضح له كل نقطة في حياته، لكن الإنسان لا يقدر قيمته كإنسان، فأحيانًا يقضي حياته في ترف وملذات وشهوات وأوقات ضائعة وطموحات تافهة، وأحيانًا يظلم غيره ويؤذيه ويعذبه، هو لا يدري أنه إنسان مكرم يظلم إنسانًا مكرمًا، بل إن قيمة الإنسانية تنحدر إلى درجات هي أقل بكثير من درجات الحيوانية، لكن التفكر في لحظة الوحي يغير كثيرًا من مفهوم الإنسان عن نفسه، وإخوانه من البشر، والأرض التي يعيش عليها.
الوحي عبارة عن رسالة من رب العالمين إلى الإنسان، رسالة لك ولي ولكل واحد على وجه الأرض، افعل ولا تفعل.
الوحي هداية ونور ودليل ليس مجرد تكاليف وقيود أبدًا.
الوحي نعمة ورحمة من ربنا ﷾، الله ﷿ المطلع على كل شيء، العالم بكل شيء، الذي يدرك الماضي والحاضر والمستقبل يقول لك: من مصلحتك في هذه النقطة أن تفعل كذا، وإياك إياك أن تفعل كذا، فاتباعك للوحي فيه سعادة الدنيا والآخرة، ومخالفتك للوحي فيه شقاء الدنيا والآخرة.
تخيل نفسك تائهًا في الصحراء ولا تدري أين الطريق، وأنت على مشارف الموت، وفجأة وجدت دليلًا ليس فقط يأخذك لمكان فيه أكل أو شرب، لا، بل لأحسن مكان في الكون ولا يريد منك أي شيء، كل هذا من أجل مصلحتك، فهذا هو الوحي في وسط التيه الكبير الذي تعيشه البشرية يأتي ليأخذ بأيدي الناس إلى السعادة في الدنيا، والسعادة في الآخرة في الجنة.
يقول ﷾ في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] أي: من يعيش في التيه الذي اختاره بنفسه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] أي: أتاك الوحي فنسيته، وسمعت به ولم ترض أن تتبعه، ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، تداعيات ضخمة تحدث للإنسان بحسب فقهه لقيمة الوحي، الذي يتبع الوحي لا يضل ولا يشقى في الدنيا والآ
[ ٤ / ٣ ]
مقدمات نزول الوحي
جاء في صحيح البخاري وغيره عن عائشة ﵂ وأرضاها، وعائشة وإن لم تكن معاصرة لأحداث نزول الوحي، لكنها سمعت هذا من رسول الله ﷺ، أو من الصحابة، تقول السيدة عائشة ﵂ وأرضاها: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح).
كانت هناك مقدمات للوحي قبل أن ينزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ في غار حراء، من هذه المقدمات: الرؤيا الصالحة، فقد كانت تأتي مثل فلق الصبح، يعني: كان يرى الرؤيا فتقع تمامًا كما رآها ﷺ، فكان هذا نوعًا من إنباء بالغيب، وهذا أمر غريب، فهو وإن لم يكن تصريحًا بالرسالة، لكنه شيء لافت للنظر، وتمهيد لأمر عظيم.
وهل هذه هي المقدمة الأولى التي حدثت لرسول ﷺ قبل نزول الوحي أم أن هناك مقدمات أخرى؟ الحقيقة لم يكن هذا هو التمهيد الأول، بل وجدت أشياء أخرى، فقد سبقت هذا بعض الأحداث العجيبة جدًا في مكة، أحيانًا كان يراها ﷺ وحده، وأحيانًا أخرى يراها معه غيره، مثل: سلام الحجر عليه، يقول الرسول ﷺ كما في صحيح مسلم: (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)، وهذا قبل البعثة وقبل نزول الوحي، ومؤكد أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف تفسير هذا الأمر؛ لأنه ﷺ تفاجأ بأمر الوحي، ولم يكن يعرف أنه سيكون رسول الله إلى الناس.
وأغرب من سلام الحجر حادثة شق الصدر، فقد ثبت في صحيح مسلم ومسند أحمد وصحيح ابن حبان (أن جبريل شق صدر رسول ﷺ وهو غلام، واستخرج قلبه واستخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأم صدر رسول الله ﷺ).
وأخبر أنس بن مالك ﵁ وأرضاه أنه رأى أثر المخيط في صدره ﷺ.
وللعلم فهناك ممن لا يؤمن بالغيبيات ولا بقدرة الله ﷿ تنكر لهذه القصة، وهم في الحقيقة لا يؤمنون أن الله ﷿ قادر على هذا الأمر، ويقولون: لِمَ لمْ ينزع الله منه هذا الحظ من دون حاجة إلى ذلك؟ هذه حجتهم، وإلا فهم في الحقيقة ينكرون القدرة الإلهية، وإنما يقولون هذا حياءً، وقد التقيت مع أحد العلمانيين وتكلمت معه طويلًا في هذا الأمر، وهو ينكره تمامًا، فقلت له: هذا في صحيح مسلم، فقال: لعله نقله بالخطأ.
فهو ينكر أن يكون شق صدره في هذا العمق من التاريخ.
إذًا: هذا نوع من الإعداد والتربية والتهيئة لرسول الله ﷺ، كأنه يقول له: أنت إنسان مختلف، تحدث لك أمور غريبة، وكل هذا من باب التمهيد، حتى إذا ما أتت الرسالة يكون لديه شبه تهيؤ لها، وأنها سبب تلك الأشياء الغريبة التي كانت تقع له، والآن هذا تفسير كل شيء: أنت رسول من عند رب العالمين ﷾.
وهذا نوع من الإعداد أيضًا لأهل مكة، ولأهل جزيرة العرب لما تعلم بهذه القصة تضع هذا الإنسان في وضعية تختلف عن كل الناس في جزيرة العرب، بل عن كل الناس التي خلقت قبل هذا.
الأهم من كل هذا أن هذا اختبار لإيمان المسلمين بقدرة الله ﷿، المسألة مسألة إيمان، إذا كنت ستصدق بأن ملكًا يمكن أن ينزل من السماء إلى الأرض ثم يعود في لمح البصر، وأن الملائكة تحارب مع المسلمين، وتنزع قرى وجبالًا بأكملها، أو توزع الأرزاق على أهل الأرض في كل لحظة، إذا كنت تؤمن بكل هذه الأمور، وبكل هذه القدرات للملائكة، فلا بد أنك تؤمن بهذا الأمر البسيط بالمقارنة إلى غيره، فعملية جراحية ليست كرفع قرية كاملة أو جبل أو هذه الإمكانيات الهائلة للملائكة، مع العلم أن الملائكة لا تعمل هذه الأشياء بقدرة ذاتية فيها، أبدًا؛ لكن لأن الله ﷿ يريد وهو قادر على تحقيق ما يريد.
أما من في قلبه شك فيصعب عليه أن يصدق هذه القصة أو غيرها، مثل: الإسراء والمعراج، وشق القمر أو غير ذلك من الأحداث التي حدثت في زمان رسول الله ﷺ، ومنها: معجزة القرآن الكبرى، فهو دليل لا يقاوم على إمكانية وقدرات الله ﷾.
ثم تقول السيدة عائشة ﵂: (ثم حبب إليه الخلاء)، أي: أن الله ﷿ هو الذي دفعه لذلك، كان يصعد ﷺ كل سنة فترة معينة من الزمن -لعله شهر رمضان- يختلي بنفسه في غار حراء، يتفكر في خالق هذا الكون، كيف يمكن أن نعبد هذا الإله، والعرب بصفة عامة كانوا يعرفون أن الله ﷿ هو الذي خلق هذا الكون، وهو الذي خلقهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، لكن العرب كانوا يسجدون للأصنام، ويق
[ ٤ / ٤ ]
الحكمة الإلهية من طول المدة الزمنية لإعداد النبي ﷺ قبل البعثة
كانت هذه التهيئة الطويلة مدة أربعين سنة من الإعداد والترتيب والتهيئة النفسية لحمل الأمانة الثقيلة، مع أن الله ﷾ يستطيع أن يعده لذلك في لحظة واحدة، ويثبت قلبه فلا يخاف ولا يتردد، لكن الحكمة من وراء هذا الإعداد الطويل أن ربنا ﷾ يعلمنا التأني في التربية، والتدرج في حمل الناس على ما نريد، وحتى لو كان سيحمل رسولًا رسالة؛ فإنه يحمله إياها بالتدريج، والتدرج سنة من سنن الله ﷿ في التغيير والإصلاح، فالتربية تحتاج إلى تدرج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج أيضًا إلى تدرج.
فحياة الرسول ﷺ كلها (٦٣) سنة، منها (٤٠) سنة هي سنوات إعداد له ليكون رسولًا، وليتلقى الرسالة، ومنها ثلاثة وعشرون سنة فقط نبوة، وكل ما يريده ربنا منه جعله في (٢٣) سنة، فكل المتغيرات التي يمكن أن تحصل في حياة الناس، وكل الثوابت التي لا يفرط فيها كانت في (٢٣) سنة، لكن لابد أن تعرف أنك محتاج إلى وقت ومجهود وتربية وإعداد لمن سيحمل هم الأمة الإسلامية، ولا تستعجل، فهذا الرسول ﷺ يتربى (٤٠) سنة؛ من أجل أن يحمل هم الدعوة، فإذا كان هذا يحصل مع الرسول ﷺ، فلا يوجد أي معنى للاستعجال في حياتنا، ولا بد أن نفهم هذا الدرس جيدًا: التأني في التربية.
[ ٤ / ٥ ]
أهمية نزول جبريل بالوحي على النبي ﷺ في غار حراء
بعد (٤٠) سنة من الحياة في مكة جاء اليوم الذي ينزل فيه جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وهو في خلوته في غار حراء، فمجيء جبريل ﵇ لحظة خالدة، لحظة غير متكررة في تاريخ الأرض، هذا الموقف لم يحصل في الأرض منذ (٦٠٠) سنة، وهي الفترة بين الرسول وبين عيسى ﵇، فقد بعث الرسول على فترة من الرسل، وعندما يموت الرسول ﷺ فإن هذا الموقف لن يتكرر حدث فريد فعلًا! دخل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ وهو في الغار في هيئة رجل، ودخوله على هذه الهيئة في الجبل ليس مفزعًا في حد ذاته، نعم، الرجل غريب، والرسول ﷺ لا يعرفه، لكن ما سبب خوف الرسول ﷺ من رؤية جبريل ﵇ أول مرة؟ يقول ﷺ: (دخل علي جبريل فقال: اقرأ)، هكذا بدون مقدمات، لم يعرف بنفسه، لم يسأل الرسول ﷺ عن نفسه، وإنما خاطبه وكأنه يعرفه، يقول له: اقرأ، والرسول لا يدري أي شيء يقرأ؛ لأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، فقال له الرسول ﷺ بأدبه الجم: (ما أنا بقارئ)، أي: أنا لا أستطيع أن أقرأ، مع أن الرسول ﵊ كان يمكنه أن يقول له: من أنت؟ لكن الرسول ﷺ بهت بدخول الرجل عليه فجأة بذلك السؤال، ثم إن هذا الرجل احتضنه بشدة، يقول الرسول ﷺ: (فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد)، والرسول ﷺ ليس بالضعيف، بل قوي البنية، معنى ذلك أن هذا الرجل قوته هائلة، ثم أرسله وتركه، وقال له: (اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني)، كل هذا العنف في تبليغ الأمر، حتى يعلم أنه في حقيقة وليس في حلم، ثم قال له بعدما أطلقه في المرة الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]، ثم اختفى بعدما قال له هذه الكلمات.
فالرسول ﷺ أبلغ العرب مطلقًا وأفصحهم، وبالتأكيد أنه عرف منذ اللحظة الأولى أن هذا ليس من كلام البشر، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢]، هذه أول مرة ينزل فيها قرآن على الأرض.
أيضًا هذا الرجل الذي جاءه كان يتحدث عن الإله الذي يبحث عنه رسول الله ﷺ منذ زمن، يتحدث عن الإله الذي يخلق ويتكرم ويعلم.
كما أن الرجل لم يخبره عن أي شيء يريده منه، لم يخبره أنه سيصبح رسولًا، بل فقط قرأ عليه هذه الآيات التي لم تسمع من قبل على وجه الأرض ثم اختفى، وكان يغطه في كل مرة بشدة حتى يبلغ منه الجهد، حتى إنه قال من شدة الضمة: (يا خديجة لقد خشيت على نفسي).
كل هذه الأمور مجتمعة أدت إلى خوف الرسول ﷺ، ثم ذهب يجري إلى بيته قاطعًا اعتكافه باحثًا عن الأمان، تقول السيدة عائشة ﵂ تصف هذا الموقف: (رجع بها رسول الله ﷺأي: بهذه الآيات الخمس- يرجف فؤاده)، لماذا يحدث هذا الرعب الشديد والهلع الكبير لرسول الله ﷺ؟ أولًا: لإثبات بشرية رسول الله ﷺ، فنفس هذا الموقف حصل مع سيدنا موسى ﵇، فقد خاف وجرى، فهو بشر له أحاسيس البشر.
ثانيًا: إثبات عدم انتظار رسول الله ﷺ لأمر النبوة، لكنه خاف لما جاءه جبريل ﵇، ثم هي التهيئة والإعداد والتشويق للأمر العظيم الذي سيأتي، وبالفعل الرسول بعد هذا الأمر كان يخرج مرارًا إلى الجبال لعله يقابل ذلك الرجل الذي جاءه في الغار، بعدما كان خائفًا أصبح مشتاقًا إلى قدوم جبريل ﵇.
[ ٤ / ٦ ]
موقف خديجة ﵂ من الوحي
رجع الرسول ﷺ إلى الزوجة الحنون العاقلة الكاملة خديجة ﵂ وأرضاها، وفؤاده يرجف حين نزل عليه جبريل بالوحي، وكانت السيدة خديجة تحب رسول الله ﷺ حبًا لا يوصف، عاشت مع رسول الله ﷺ خمس عشر سنة كاملة قبل البعثة لم تر منه إلا كل خلق حميد، والرسول ﷺ لم ير منها إلا كل خير وحب، لا تذكر كتب السيرة مشاحنة واحدة بين الرسول ﷺ وبين السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، ثم عشر سنين بعد البعثة، ليس فيها لحظات غضب أو شقاق أبدًا، حياة زوجية مثالية إلى أبعد درجة.
حكى الرسول ﷺ لـ خديجة ما حصل معه في الغار، وكان يظهر منه الرعب والهلع، وقال لها الكلمات التي نزلت عليه، ثم قال: (يا خديجة لقد خشيت على نفسي).
وأغرب من كل ما سبق ردة فعلها ﵂، وهي بحاجة منا إلى وقفة طويلة؛ إذ من المتوقع والطبيعي أنها تخاف كعادة النساء، أو كعادة البشر بصفة عامة، أو على الأقل تتعجب، لكن الغريب أنها كانت على العكس من ذلك، فقد نظرت إلى الموضوع بمنتهى البساطة، وكأن الرسول ﷺ يقص عليها أمرًا عاديًا، ليس هذا فقط بل قامت تقول له في يقين: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق)، بعد كل هذه الأشياء كيف يمكن أن يضرك الله ﷾ بشيء؟! استنبطت السيدة خديجة ﵂ وأرضاها أن هذا الرجل صاحب الأخلاق الحميدة، وصاحب الآداب الرفيعة، لا يمكن أبدًا أن يخزيه ربنا ﷾.
يلاحظ أن الذي لفت نظر السيدة خديجة هي معاملات رسول الله ﷺ مع البشر، لم تشر إلى تعبده واعتكافه وتفكره، بل إلى علاقاته مع الناس، فهي المحك الحقيقي لتقييم الإنسان، وتكاد تكون هذه المعاملات الطيبة هي السبب في اقتناع الناس بمصداقية رسول الله ﷺ، وهذا درس مهم أيضًا.
إذًا: كل نقطة وحركة وموقف في السيرة ليس فقط فيه درس، بل المئات من الدروس.
هذا هو المقياس الذي ينبغي للبشر كلهم أن يقيسوا عليه حياتهم، لابد من أخذ القدوة والأسوة من حياة الرسول ﷺ؛ لتكون حياتنا كحياته مليئة بالروعة والجمال.
(كلا والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق)، صلى الله عليك وسلم، فهدأت نفسه ﷺ بعدما سمع كلام السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، وهذا هو دور الزوجة الصالحة، أنها في المقام الأول سكن لزوجها، ليست مصدر إزعاج أبدًا، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١].
إذًا: أول مهمة وأعظم مهمة للزوجة: أنها سكن وطمأنينة وهدوء وابتسام، ورفع للروح المعنوية للزوج، وتسكين لفزعه، وتخفيف لآلامه، هذه هي الزوجة المسلمة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]، فهي نعمة من الله ﷿، وآية من آياته ﷾.
لما سكن الرسول ﷺ واطمأن لم تشأ السيدة خديجة أن تترك نفسها وزوجها للأوهام، بل قالت له: دعنا نذهب إلى ورقة بن نوفل ابن عمها، تعال نذهب إلى أهل العلم لنرى رأي الدين في هذا الأمر.
ذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل ولم تذهب لأي شخص آخر في جزيرة العرب، لم تذهب لكاهن، أو لخادم للأصنام، أو لحكيم من حكماء قريش، بل اختارت رجلًا كان قد تنصر، عنده علم من دين السابقين.
هذه كلمة لكل شاب مسلم: اختيار الزوجة الصالحة نقطة محورية في حياة الفرد المسلم، لا تتسرع، فهذه نقطة مهمة في بناء الأمة، لابد أن تكون زوجتك من نوعية خديجة، انتبه لا تسع خلف المال أو الجمال أو الوضع الاجتماعي وتنس الدين، لا تقل: أنا سأعلمها الدين، تذكر رسول الله ﷺ: (اظفر بذات الدين تربت يداك).
[ ٤ / ٧ ]
بشارة ورقة للنبي ﷺ بالرسالة
ذهب الرسول ﷺ هو وزوجته خديجة إلى ورقة بن نوفل، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان ورقة بن نوفل يعلم أن نبينًا سيظهر في هذا الزمان، وكان ينتظره.
ويدل على مدى الجرم الذي كان عليه أهل الكتاب، أنهم كانوا يعرفون من كتبهم أن الرسول ﷺ حق، وليس فقط من كلام الرسول ﷺ، ولكن لم يؤمنوا، لكن ورقة بن نوفل ﵀ كان رجلًا صالحًا ورعًا، يعلم محمدًا ﷺ تاريخه وحياته وأخلاقه وصفاته، فلما سمع من رسول الله ﷺ هذه القصة العجيبة التي حدثت في غار حراء، قال مباشرة ودون تردد: هذا الناموس -يقصد: جبريل ﵇- الذي أنزله الله ﷿ على موسى ﵇.
هنا يصرح ورقة بن نوفل بأمر خطير: أن هذا جبريل الذي كان ينزل على موسى ﵇، وجبريل لا ينزل إلا على الأنبياء.
إذًا: محمد ﷺ رسول الله.
أريد منك أن تتصور معي الموقف: كم من الأحاسيس والمشاعر التي كانت تتداخل في صدر رسول الله ﷺ وهو يسمع هذا الكلام؟ هل هذا حلم أم حقيقة؟ حق أم باطل؟ النبوة ليست مقامًا يصل إليه أحد بالاجتهاد في العبادة، أو بالطريقة الفلانية، النبوة اختيار من رب العالمين ﷾: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، تأمل معي موقف الرسول ﷺ وهو يسمع هذا الكلام من ورقة، أيكون الله ﷿ قد اختاره من بين كل الخلق ليكون نبي آخر الزمان؟! لكن المشكلة: أن الرجل الذي جاءه في الغار لم يخبره بذلك، لم يقل له: إنه رسول، لكن على الناحية الأخرى ورقة يتكلم بيقين وثقة وتأكيد.
ثم قال له ورقة: (يا ليتني فيها جذعًا -أي: شابًا- إذ يخرجك قومك، فقال له رسول ﷺ متعجبًا: أو مخرجي هم؟)، لم يكن الرسول ﷺ، يعرف أي شيء عن الأمم السابقة وقصص الأنبياء ومعجزاتهم؛ لأن تفصيلات الأمم الماضية لا يمكن أن تعرف إلا عن طريق الوحي.
يقول الله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩].
لم يكن يعرف قصص الأنبياء، وقصص التكذيب والمعاناة الشديدة التي عاشها الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه مع أقوامهم، من أجل ذلك قال الرسول ﷺ: (أو مخرجي هم؟)، لكن ورقة الحكيم العالم بقصص الأنبياء والمرسلين السابقين قال في يقين: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي).
وهذه قاعدة تخرج من فم ورقة بن نوفل ﵀ قاعدة أصيلة لكل داعية: ما حمل داعية هذا الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ إلا عودي، سنة من سنن الله ﷿: تدافع الحق والباطل، صراع بين الدين وأعداء الدين، سنة باقية إلى يوم القيامة.
ثم يقول ورقة: (وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا)، وورقة بن نوفل لم يدرك ذلك اليوم مع رسول الله ﷺ، فقد مات بسرعة، وإن كان قد صدق برسول الله ﷺ حتى قبل التصريح بالرسالة، والرسول ﷺ كما جاء في صحيح الحاكم بإسناد جيد يقول: (رأيت له جنة أو جنتين)، يعني: أنه من أهل الجنة إن شاء الله.
مات ورقة بن نوفل بعد أن سطر لرسول الله ﷺ وللمؤمنين من بعده إلى يوم القيامة قاعدة أصيلة: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي)، فهذه رسالة إلى كل الدعاة، هذا هو الطريق.
[ ٤ / ٨ ]
فترة انقطاع الوحي
أراد الرسول ﷺ أن يتيقن من النبوة؛ لذا أحب أن يأتي إليه جبريل مرة أخرى ليؤكد له أمر الرسالة، ويقول له ماذا يعمل، لكن حدث أمر غريب سبب قلقلًا كبيرًا لرسول الله ﷺ، لقد فتر الوحي وتأخر، وقد اختلف المؤرخون في الفترة التي فتر فيها الوحي، لكن أغلب الظن أنها كانت ما بين ثلاثة أيام إلى أربعين يومًا.
فمثل ذلك الانقطاع صدمة للرسول الله ﷺ، فهو لم يتيقن بعد، ويريد أن يزيل عنه الشك، فقد كان يتوقع أنه عندما يرجع إلى الغار سيجد جبريل مرة أخرى، أو يأتي له في أي مكان آخر، لكن تأخر جبريل، وكان رسول الله ﷺ يخرج مرارًا إلى الجبال لعله يلتقي جبريل ﵇، وازداد شوق رسول الله ﷺ إلى الرسالة التي يقول الله عنها: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥].
إن لم يكن الحامل لهذه الرسالة متشوقًا إليها فحملها سيكون صعبًا جدًا، بل لعله مستحيل، فارق كبير بين أن تبحث الدعوة عن رجل ليحملها، وبين أن يبحث الرجل عن الدعوة ليحملها! عندما كان الرسول ﷺ يبلغ به الحزن مبلغه يأتيه جبريل ﵇ فيقول له: يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن رسول الله ﷺ، ثم يختفي وهكذا إلى مجيء اليوم الذي سيبتدئ فيه الرسول ﷺ رحلة النبوة والتبليغ والتبشير والإنذار.
[ ٤ / ٩ ]
بدء الرسالة والأمر بالتبليغ
يقول النبي ﷺ: (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، ثم نوديت، فرفعت بصري إلى السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه حتى هويت على الأرض، فرجعت حتى أتيت خديجة فقلت: زملوني زملوني، دثروني دثروني) يعني: غطوني، بعد هذا الحدث مباشرة نزل قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] أي: المتغطي بثيابه: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، هذا أمر واضح بالرسالة والتبليغ والإنذار، حينها علم الرسول ﷺ أنه رسول، عندها تغيرت حالة الرسول ﷺ النفسية تمامًا، وتحول من حالة الشك والحزن والاكتئاب التي كان يعيش فيها إلى حالة اليقين والعزيمة والإصرار والنشاط.
وكانت السيدة خديجة تطلب منه أحيانًا أن يستريح ولو قليلًا، فيقول: (مضى وقت النوم يا خديجة)، الآن الرسول ﷺ عرف كل شيء، عرف تفسير كل الأشياء الغريبة التي مرت به في حياته، من سلام الحجر عليه، وشق الصدر، والرؤيا الصادقة، والرجل الذي جاءه في غار حراء، وبدأ الرحلة الطويلة، رحلة الدعوة إلى الله ﷿، رحلة النبوة، رحلة البشارة والإنذار، فقام الرسول ﷺ بعد هذه الآيات ولم يقعد إلى أن مات، قام وما ترك صغيرًا ولا كبيرًا، ولا سيدًا ولا عبدًا، ولا فردًا ولا قبيلة، إلا ودعاهم إلى الإسلام (مضى عهد النوم يا خديجة).
[ ٤ / ١٠ ]
منهج الرسول ﷺ في اختيار من يبدأ بدعوتهم
أراد الرسول ﷺ أن يصل بدعوته إلى كل إنسان على وجه الأرض، فبمن يبدأ؟ لكي نفهم منهج رسول الله ﷺ في اختيار الناس الذين يبدأ بهم في الدعوة، لا بد أولًا أن نسأل هذا
السؤال
هل يؤمن الإنسان بقلبه أولًا، أم بعقله؟ يعني: إذا أردت أن تقنع إنسانًا بفكرة ما هل من الأفضل أن يحبك أولًا بقلبه قبل أن يسمع الفكرة؟ بمعنى آخر: الحب أولًا أم الحجة؟ كلا الاثنين مهم، القلب والعقل مطلوبان.
من الصعب جدًا على الإنسان أن يقبل فكرة ما من إنسان يكرهه أو لا يحبه، غالبًا ما يدخل معه في جدل عقيم وحوار طويل، ومناقشة قد لا تنتهي بخير، بينما على الناحية الأخرى هو يتقبل الكثير من الأفكار ممن يحب، مع أن هذه الأفكار قد تكون غريبة، وهذا واقع ملموس في حياتنا، لذا إذا كنت تريد من الناس أن تسمع كلامك لابد أن تجعلهم يحبونك أولًا.
إن فكرة الإسلام التي جاء بها الرسول ﷺ صحيحة ومقنعة، إذا فكر فيها أي عقل سليم، ومع ذلك فالفكرة غريبة على أهل مكة، فقد مرت (٦٠٠) سنة ليس فيها نبي، وجاء الرسول ﷺ على فترة من الرسل، لذا استغرب الناس فكرة التوحيد على بساطتها ووضوحها، واستبعدوا فكرة أن يوجد رسول من البشر، كما في الحديث: (بدأ الإسلام غريبًا).
فأراد الرسول ﷺ أن يخاطب بدعوته كل أهل مكة، بل كل أهل الأرض أجمعين، فبدأ بأكثر الناس احتمالًا وقبولًا للفكرة دون تردد؛ من أجل أن يكونوا قاعدة قوية للدعوة نفسها، وحتى يساعدوه في أمر الدعوة، فأكثر الناس قبولًا لفكرته هم أكثر الناس حبًا له، فكان هؤلاء هم الذين سيبدأ بهم الرسول ﷺ، ولا يوجد شيء بالصدفة، كل شيء محسوب وعلى أساس ومنهج، وهذا المنهج لأهل الأرض أجمعين.
إذًا: الحب هو أول مرحلة من مراحل الدعوة.
[ ٤ / ١١ ]
بدء الرسول ﷺ بخديجة في الدعوة إلى الإسلام ثم بأبي بكر وزيد بن حارثة
ذهب الرسول ﷺ برسالته أولًا إلى زوجته الصالحة خديجة ﵂، فكانت أول من آمن على ظهر الأرض، وكانت الوحيدة المتابعة لكل أحداث الوحي بكل تفاصيله منذ نزل جبريل في المرة الأولى بقول الله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، بل نستطيع أن نقول: إنها آمنت قبل التصريح بالرسالة، قبل: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، قالت: (كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا).
فالسيدة خديجة أحبت رسول الله ﷺ حبًا لا يوصف، فكان هذا الحب هو الطريق لتصديق العقل.
أيضًا الحب وحده لا يكفي، لابد أن يقتنع العقل، قالت: (إنك لتصل الرحم وتحمل الكل) إلى آخر الصفات، وهذه الصفات لا يمكن أن تكون في كذاب أو منافق، كذلك لا يمكن أن ربنا ﷾ يخزي مثل هذا.
ثم الكلام الذي قاله الملك ليس من كلام العرب ولا من كلام البشر، مع أن الحروف عربية.
إذًا: هناك طاقة فوق إمكانيات البشر، وهذه الطاقة لابد أن تكون لله ﷿، كل هذا دار في ذهن السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، لكن لا أعتقد أبدًا أنه كان سيدور بهذه السلاسة وهذه السرعة لو كان بينها وبين الرسول ﷺ مشاكل وكراهية مستحكمة.
إذًا: الحب أولًا ثم الحجة ثانيًا.
ثم ذهب الرسول ﷺ إلى أحب الرجال إلى قلبه، لو كانت السيدة خديجة هي أحب النساء إلى قلبه فإن أبا بكر الصديق هو أحب الرجال إلى رسول ﷺ، كما صرح هو بذلك لما سئل عن أحب الرجال إليه؟ فقال: أبو بكر بدون تردد، وسيدنا أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لم يخيب ظن الرسول ﷺ، فقد نور الله ﷿ قلبه، وفي ذلك يقول ﷺ: (ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة -أي: تردد ونظر- إلا أبا بكر ما إن ذكرته له حتى آمن وما تردد فيه)، لم يفعل أحد من البشر مثل هذا الفعل إلا هو والسيدة خديجة ﵂ ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.
فسرعة إيمان أبي بكر يحتاج إلى دراسة، نقول: إن الصديق ﵁ وأرضاه كان أقرب الناس إلى أخلاق رسول الله ﷺ، فكثيرًا ما يختار من الآراء ما يختاره الرسول ﷺ حتى في غياب أحدهما عن الآخر، ولم يمش على الأرض من هو خير من الصديق إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كان بين الصديق ﵁ وأرضاه وبين الرسول ﷺ توافق عجيب في أمور كثيرة من أمور الأخلاق، أشهرها: الصدق، فالرسول ﷺ هو الصادق الأمين، وأبو بكر هو الصديق ﵁ وأرضاه، كذلك المروءة وخدمة الناس والتواضع والكرم والعفة، والبعد عن أماكن الفساد، كل هذه الأشياء أدت إلى سرعة إيمان الصديق ﵁ وأرضاه.
دعا رسول الله ﷺ بعد ذلك مولاه زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وكان بينهما حب كبير لدرجة أن زيد بن حارثة من بين كل صحابة رسول الله ﷺ عرف بحب رسول الله ﷺ، كأنه ابنه، وكان معروفًا بين الناس بـ زيد بن محمد وزيد بن حارثة ﵁ وأرضاه كان يحب الرسول ﷺ حبًا شديدًا، بل فضله على أبيه وعمه، وكان لهذا قصة هي: أن زيد بن حارثة خُطف من أبيه من قبيلة بعيدة عن مكة وبيع في سوق الرقيق، واشتراه حكيم بن حزام ﵁ وأرضاه، ابن أخي السيدة خديجة ﵂ ثم أهداه لها، ولما تزوجت الرسول ﷺ أهدته زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وأصبح زيد مولى رسول الله ﷺ.
ومرت الأيام وعلم حارثة بن شرحبيل أن ابنه في مكة، فجاء إليها هو وعم زيد، وقالا للرسول ﷺ: (خذ ما شئت من المال نظير أن ترد زيدًا إلينا، فقال لهما: وهل لكما فيما هو خير من الفداء؟ فقالا: وما هو؟ قال: أدعوه لكما فخيراه بيني وبينكما، فإن اختاركما فهو لكما بغير مال، وإن اختارني فما أنا بالذي يرغب عمن يختاره)، هذه الأخلاق كلها كانت قبل البعثة، صنع على عين الله ﷿، صنع ليكون نبيًا ﷺ، عندها قال الرجلان: (لقد أنصفت وبالغت في الإنصاف، فجيء بـ زيد وقيل له: من هذان؟ قال: هذا أبي حارثة بن شرحبيل وهذا عمي كعب، فقال ﷺ: قد خيرتك إن شئت مضيت معهما، وإن شئت أق
[ ٤ / ١٢ ]