في دين الله ﷿ ينظر إلى الكيف لا الكم، إلى العمل لا التوقعات وترقب الأجواء المناسبة والظروف المواتية، وهكذا سارت دعوة النبي ﷺ، عمل شاق في كل وقت وحين، ودعوة في كل الظروف ولكل الأشخاص، وتطوير للدعوة وأساليبها، وحرص على إبلاغ جميع الناس كبيرهم وصغيرهم قويهم وضعيفهم، ومع ذلك ما نصرت الدعوة بقريش وسيادتها، بل خذلته وحاربته، ثم أذن الله لفئة من أهل يثرب أن تبنى على أكتافهم قواعد بناء الدولة في المدينة المنورة، وقبلوا بشروط أنف منها أناس، واستعظمها آخرون، ولم يأبه بها البعض، لأعذار واهية، وأطماع دنيوية.
[ ١٢ / ١ ]
السياسة الدعوية للرسول ﷺ بين وفود الحجيج للعام الحادي عشر من البعثة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثاني عشر من دروس السيرة النبوية المطهرة، فترة مكة.
تكلمنا في الدرس السابق عن العام العاشر من البعثة، وهو العام الذي عرف في السيرة بعام الحزن، وحدثت فيه الكثير من الشدائد والمصائب والآلام والأحزان، مات فيه أبو طالب مشركًا، وماتت فيه السيدة العظيمة الفاضلة خديجة ﵂، واشتد إيذاء المشركين لرسول الله ﷺ، وأغلقت أمامه أبواب الدعوة تمامًا في مكة، ورفضت دعوته في الطائف، ورجم بالحجارة حتى سالت الدماء من قدميه ﷺ، وشج رأس زيد بن حارثة، ولم يستطع الرسول ﷺ دخول مكة إلا في جوار المطعم بن عدي المشرك، وفوق ذلك لم تؤمن أي قبيلة في موسم الحج من السنة العاشرة.
كيف تصرف الرسول ﷺ في هذا الوضع؟ في السنة الحادية عشرة من البعثة ظل النبي ﷺ يدعو الناس في مكة طوال العام، لكن أبواب الدعوة في هذا الوقت كانت مقفلة تقريبًا، فكان لا بد له أن ينتظر موسم الحج القادم ليعرض الأمر على وفود القبائل التي ستأتي للحج، ومع ذلك فالرسول ﷺ في أثناء هذه السنة، وقبل موسم الحج لم يكن يسمع أن هناك أحدًا غريبًا أتى إلى مكة إلا ودعاه إلى الإسلام، ومن كل الذين أتوا إلى مكة في السنة الحادية عشرة من البعثة، آمن أربعة بدعوة الرسول ﷺ، وهذا مقارنة بالعام السابق يعتبر إنجازًا جيدًا؛ ففي السنة الماضية لم يؤمن غير عداس في الطائف، ومجموعة الجن.
أما الأربعة الذين أسلموا في السنة الحادية عشرة فمنهم من لم نسمع عن أسمائهم كثيرًا، لأنهم ماتوا بعد إسلامهم، رجل اسمه سويد بن الصامت وكان شاعرًا من شعراء يثرب، والثاني اسمه إياد بن معاذ وكان طفلًا صغيرًا عمره (١٢) أو (١٣) سنة، وكلاهما مات بعد شهور من إسلامه.
أما الاثنان الباقيان فقد كان إسلامهما مؤثرًا؛ لأن كل واحد منهما أتى بعد ذلك بقبيلة كاملة للإسلام.
الأول: أبو ذر الغفاري ﵁ وأرضاه من قبيلة غفار على مقربة من يثرب، وهي قبيلة مشهورة بقطع الطريق والسطو على الناس، ومع ذلك أسلم أبو ذر ﵁ وأرضاه ورجع إلى قبيلته يدعوهم إلى الله، وكانت دعوته ناجحة، فقد أتى بقبيلة غفار كاملة للإسلام، ولما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة ذهبوا إليه في المدينة يبايعونه على الإسلام، وحينها قال رسول الله ﷺ: (غفار غفر الله لها)، أي: كل ما فات مسح.
الثاني: الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، وقصة إسلامه جميلة، وليس هناك وقت للدخول في تفصيلاتها، لكن المهم أنه بعد إسلامه رجع يدعو قومه، وقبيلته هي دوس من قبائل اليمن، وبعد مشوار طويل وقصة لطيفة آمنت دوس، وجاء الطفيل ﵁ بسبعين أو ثمانين عائلة من دوس إلى المدينة المنورة بعد هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، والعائلة في ذلك الوقت عدد أفرادها كبير.
فإسلام أبي ذر والطفيل ﵄ أتى للمسلمين بقبيلتين كبيرتين، مع أن تلك القبيلتين لم تأت إلا بعد الهجرة، لكن هذا تدبير رباني من الله ﷾، يدبر بلطف وخفاء ﷾، ومن المؤكد أن إسلام هاتين القبيلتين كان نصرًا كبيرًا للدعوة في ذلك الزمن الذي يعرف بزمن الاستضعاف في فترة مكة.
مرت الشهور وجاء موسم الحج من السنة الحادية عشرة من البعثة، وبدأ الرسول ﷺ كعادته في كل موسم يدعو الناس إلى الإسلام، لكن في هذا الموسم بدأ الرسول ﷺ يغير من طريقته لدعوة القبائل.
ذكرنا قبل ذلك أن الرسول ﷺ كان في إجارة المطعم بن عدي من بني نوفل، وهو مشرك، والرسول ﷺ يعلم أن المطعم له طاقة محدودة، وأصحابه وأقرانه هم زعماء الكفر في مكة، ولن يتركوه كثيرًا يدافع عن الرسول ﷺ، فكان لا بد للنبي ﷺ أن يبحث عن بديل للمطعم بن عدي.
[ ١٢ / ٢ ]
التغييرات على أسلوب الدعوة في العام الحادي عشر من البعثة
كان الرسول ﷺ يدعو الناس في خلال الأعوام العشرة السابقة إلى الإسلام فقط، (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، لكن الإسلام لوحده لم يكن كافيًا، فدعا الرسول ﷺ مع الإسلام إلى طلب النصرة، والدفاع عنه وعن المؤمنين ومواجهة قريش.
وكانت هذه المطالب خطيرة في مكة، لأن قريشًا لو علمت بذلك ستقيم الدنيا ولن تقعدها، فـ أبو لهب لم يترك الرسول ﷺ، وكان يطارده في كل مكان.
وكانت هناك مشكلة أخرى وهي أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف تاريخ كل قبيلة في الجزيرة، ومدى قوتها، وأسماء القادة فيها، لاحتمال أن يتفق مع أحدهم ثم لا تتحمل قبيلته المسئولية، وهذه اتفاقيات في منتهى الخطورة، ولتفادي هذا؛ فإن الرسول ﷺ غير شيئين مهمين، الأول: جعل دعوته للقبائل سرية، فالرسول ﷺ من السنة الرابعة من البعثة وهو يكلم الناس علنًا، كان يتكلم أمام أبي لهب وأبي جهل وكل المشركين، لكن الأمر اختلف، وكان هناك مرونة في الدعوة، إذا كانت العلنية لن تؤدي المهمة فلتكن سرية، ليس هناك عنترية ولا انتحار، بل هناك تخطيط وإعداد وفكر سياسي راق، فبدأ الرسول ﷺ الدعوة بالليل فقط، يخرج بالليل من غير أن يراه أحد، وفي كل يوم يختار للدعوة قبائل معينة، ويذهب إلى مخيماتهم خارج مكة في السر، لكي لا يراه أحد، وبذلك سيضرب عصفورين بحجر؛ لأنه سيوصل لهم الدعوة من غير تشويش من أبي لهب أو قريش، ولأن قريشًا لن تعرف ما هي القبيلة التي وافقت على حماية الرسول ﷺ.
إذًا: كان أول تغيير في سياسة الرسول ﷺ في تلك السنة أن جعل دعوته للوفود الحاجة سرية.
الثاني: أنه اصطحب معه أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه، لأنه كان خبيرًا بالأنساب، يستطيع أن يعرف القبيلة القوية العزيزة من القبيلة الضعيفة، ويستطيع أن يعرف زعماء القبائل وتاريخهم، لو كانت القبيلة قوية فالرسول ﷺ يعرض عليهم الإسلام، ويطلب منهم النصرة، ولو كانت القبيلة ضعيفة أو زعيمها ليس بيده القرار عرض عليهم الإسلام، لكن لم يطلب منهم النصرة.
تخطيط مهول، فبناء الأمم ليس شيئًا سهلًا، تخطيط سياسي على أعلى مستوى.
[ ١٢ / ٣ ]
دعوة النبي ﷺ لقبيلة بني شيبان ونتائج ذلك
ذهب ﷺ إلى قبيلة غسان، وبني فزارة، وبني مرة، وبني سليم، وبني عبس، وبني نصر، وبني ثعلبة، وبني الحارث بن كعب، وبن عذرة، وبني قيس، وبني محارب، ذهب إلى كل هؤلاء وإلى غيرهم، فلم يقبل أي من هؤلاء الدعوة.
وليس هناك مشكلة؛ لأن مهمتنا ليست الهداية، ولكن البلاغ، لا يهم كم آمن على يديك، لكن المهم كم عدد الذين أبلغتهم أمر الإسلام، هذا هو الذي يحاسبك عليه ربنا، عملك وليس نتائجك.
المهم أن الرسول ﷺ لم يصبه اليأس بعد أن انتهى من كل هذه القبائل، بل ذهب إلى قبيلة أخرى وهي قبيلة بني شيبان؛ وسنقف وقفة مع مباحثات الرسول ﷺ مع بني شيبان.
قبيلة بني شبيان قبيلة كبيرة عزيزة تسكن في الشمال الشرقي لجزيرة العرب -يعني: قريبة من العراق-، ذهب إليها الرسول ﷺ ومعه أبو بكر الصديق، فبدأ أبو بكر أولًا يسأل: من القوم؟ قالوا: شيبان بن ثعلبة، بعد أن سمع أبو بكر هذا الاسم أسرع إلى رسول الله ﷺ وقال له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! هؤلاء غرر الناس، من أعظم القبائل، وعندما سأل عن أسماء الحضور وجد فيهم أشراف بني شيبان: مفروق بن عامر، وهانئ بن قبيصة، والنعمان بن شريك، والمثنى بن حارثة.
وأبو بكر يعرفهم ويعرف تاريخهم، كما أنه حاد الذكاء فبدأ يستثير الحماسة والعزة عندهم، قال الصديق: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق وهو المتحدث الرسمي في الوفد: إنا لنزيد على الألف، ولن تغلب ألف من قلة، وهذا رقم كبير، ولا ننسى أن المسلمين كانوا في بدر (٣١٣) أو (٣١٤)، وكان الكفار ألفًا.
فأثاره أبو بكر أكثر وقال له: وكيف المنعة فيكم؟ أحس مفروق بالإهانة فعلًا، فرفع صوته وقال: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى -يعني: في الحرب-، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرة ويديل علينا أخرى.
كلام في منتهى الحكمة والقوة، وهذا ما كان يريده الصديق ﵁ وأرضاه، أن يظهر العزة والكرامة التي عنده، حتى إذا ما طلب منه الوقوف أمام قريش لا يتراجع أو يتردد.
وكما أن مفروقًا كان منتبهًا لأسئلة الصديق، قال له: لعلك أخو قريش؟ أي: هل أنت الرجل الذي ظهر في قريش يدعو إلى دين جديد، يقصد الرسول ﷺ.
فأحب الصديق أن يكسب نقطة في الحوار، فقال له بمنتهى الذكاء: أو قد بلغكم أنه رسول الله؟! يعني: كأنهم متفقون على أنه رسول، وأمر واقع مسلّم به.
لكن مفروقًا كان ذكيًا وانتبه لسؤاله فرد عليه وقال: قد بلغنا أنه يذكر ذلك.
لكن الحقيقة أنه كان رجلًا مؤدبًا، وكل وفد بني شيبان كذلك، التفت مفروق للرسول ﷺ وقال له: وإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم الرسول ﵊ وبدأ يتكلم قال: (أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد).
ويبدو أن مفروقًا أعجبه كلام الرسول ﷺ، ولم يكن يخاف من قريش، لكنه أحب أن يتعرف أكثر على الدين الجديد، قال: وإلام تدعو يا أخا قريش؟ فكر الرسول ﷺ أن يقرأ له قرآنًا، وعندما وجد الوفد أخلاقهم عالية، اختار لهم آيات قرآنية تحض على الأخلاق الحميدة، لكي يقف معهم على أرضية مشتركة، فقرأ لهم ﷺ من سورة الأنعام قول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥١ - ١٥٣] انبهر
[ ١٢ / ٤ ]
دعوة الرسول ﷺ للخزرج في العام الحادي عشر من البعثة
قام الرسول ﷺ من مجلس بني شيبان، وانتقل مباشرة إلى مجلس فيه ستة من الرجال، وكان من هدي الرسول ﷺ أنه لا يترك صغيرًا ولا كبيرًا إلا ودعاه للإسلام.
نسي الرسول ﷺ كل شيء عن بني شيبان، وبدأ يتكلم مع هؤلاء في منتهى الحماس، قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج.
الخزرج قبيلة كبيرة مشهورة في يثرب، كما أن لديهم قبيلة مشهورة أخرى هي الأوس، وهؤلاء هم الأنصار، ويثرب مدينة في شمال مكة على بعد حوالي (٥٠٠) كيلو تقريبًا.
بدأ الرسول ﷺ المفاوضات بسؤال مهم، قال: (أمن موالي اليهود؟! -يعني: حلفاء اليهود؟ - قالوا: نعم).
كان الرسول ﷺ مطلعًا على أحوال زمانه، وكان يعرف موازين القوى في العالم، فمثلما كان يعرف وضع بني شيبان ومملكة فارس، وخطورة أن يتعامل مع بني شيبان، وعين لهم معه وعينهم الأخرى مع كسرى، أيضًا كان يعرف أن اليهود يعيشون في يثرب، وأنهم قوة سيكون لها أثر إما سلبي وإما إيجابي، ومن المؤكد أنه سيكون لها أثر أيضًا على من يعيشون بجانبهم.
فوضع الرسول ﷺ هذه الخلفية في ذهنه، ثم قال لهم: (أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى) وجلسوا، فجلس معهم الرسول ﷺ ودعاهم إلى الله ﷿ وعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن، كأي قبيلة من القبائل، فآمن هؤلاء الستة من ساعتهم.
لقد مرت علينا في السيرة مواقف كثيرة يؤمن فيها الإنسان بمجرد سماع القرآن، لكن هذا يكون على المستوى الفردي، لكن هذا الإيمان الجماعي غريب، ولا بد أن نقف معه وقفة لكي نحلل ونستفيد.
الحقيقة أن الله ﷾ كان يعد هذه المجموعة بطريقة عجيبة؛ لكي تقبل الإسلام بهذه السهولة، ثم بعد ذلك تتحرك بالإسلام بنفس السهولة، وكان هذا الإعداد بأمور: أولًا: خلفية العلاقة مع اليهود.
اليهود خلق عجيب، كان إذا حدث بينهم وبين الأوس والخزرج خلاف قالوا لهم: إنه سيظهر في هذا الزمان نبي وسوف نتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم، ونتيجة هذه الأخلاق الفاسدة وقر في قلوب الأوس والخزرج بغض شديد لليهود، وفي نفس الوقت خوف كبير منهم، لكن الأهم من ذلك أن الأوس والخزرج كانوا يقتنعون بقرب ظهور النبي ﷺ، أو على الأقل كانوا يصدقون فكرة ظهور الرسل على خلاف أهل مكة، وفي نفس الوقت يملؤهم الخوف من الرسول الذي سيظهر واتحاد اليهود معه، فلما سمعوا هذا الكلام قال بعضهم لبعض بمنتهى الصراحة وأمام الرسول ﷺ، قالوا: يا قوم! تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه.
لولا غلظة اليهود ما أخذ الخزرج قرارهم بهذه السرعة.
ثانيًا: الخلفية الاجتماعية لمدينة يثرب في ذلك الوقت، كانت هناك حرب أهلية طاحنة بين الأوس والخزرج، ففي يوم بعاث المشهور دارت حرب هائلة بين الأوس والخزرج، وهذا اليوم كان في نفس السنة، كان في السنة الحادية عشرة من البعثة، منذ شهور قليلة، ولو استمر الحال على هذا الأمر لفنيت القبيلتان.
ففكر الخزرج أن هذا الرجل -ﷺ- بما له من حلاوة منطق وقرآن معجز يستطيع أن يجمع القبيلتين ويحفظهم من الهلكة، وهم بأنفسهم قالوا هذا الكلام، قالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك.
تقول السيدة عائشة: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله تعالى لرسوله ﷺيعني: بسبب هذا اليوم أتى الناس وآمنوا بسرعة- وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم -يعني: شرفاؤهم- وجرحوا، فقدمه الله ﷿ لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام.
إذًا: خلفية العلاقة مع اليهود، وخلفية الصراع المهلك الذي كان في يثرب جعل هؤلاء الستة يسلمون بسرعة، وليس هكذا فقط، بل جعلهم يرجعون بسرعة إلى يثرب ليحاولوا نشر الإسلام بأسرع طريقة؛ لكي يوحدوا الأوس والخزرج، ولكي يستطيعوا أن يقفوا أمام اليهود.
هذا ترتيب رباني عجيب! ينصر رسله والذين آمنوا في الوقت الذي يشاء، وبالطريقة التي يشاء، ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يخطط لمقابلة هؤلاء الستة هذه السنة، لكنه كان يعمل في دعوته بمنتهى الحماس، قابل بني عامر وبني شيبان وبني عبس وبني حنيفة وغيرهم وغيرهم، ولكن ربنا شاء أن يؤمن هؤلاء، وفي هذا التوقيت بالذات.
ونعود ونقول: ليس المهم كم شخصًا آمنوا على يديك، ولكن المهم كم شخصًا أوصلت إليه رسالة الإسلام.
وهؤلاء الستة هم: أسعد بن زرارة وجابر بن عبد الله وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر.
وقطبة وعقبة ليسا بإخوة ولكنه مجرد تشابه في الأسماء ﵃ أجمعين.
قال هؤلاء الستة: فسنقدم على قومنا يا رسول الله، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن
[ ١٢ / ٥ ]
لقاء الرسول بأصحابه في بيعة العقبة الأولى
مرت الأيام وجاء موسم الحج من السنة الثانية عشرة من البعثة، وأصبح الستة اثنى عشر، وجاءوا يقابلون الرسول ﷺ.
الذي ينظر إلى عام الحزن والعام الذي بعده -العام العاشر والحادي عشر من البعثة- يرى أنه من المستحيل لأمة الإسلام أن تقوم إلا بعد قرون، لكن مجموعة صغيرة من الخزرج آمنت، وبعد سنتين فقط أصبح للمسلمين دولة! من الواضح أن النصر قد يكون قريبًا مهما كانت الفجوة بينك وبين عدوك واسعة وكبيرة، لكن المهم أنك تمشي في الطريق الصحيح، والطريق الصحيح هو طريق الرسول ﷺ؛ ولذلك ندرس السيرة.
جلس الرسول ﷺ مع الاثني عشر مسلمًا الذين جاءوا من يثرب، عشرة من الخزرج واثنين من الأوس، وبدأ معهم المفاوضات، وهذه المفاوضات عرفت في التاريخ بعد ذلك باسم بيعة العقبة الأولى؛ لأن المكان الذي تمت فيه كان عند العقبة، والأولى لأن هناك بيعة أخرى ستأتي بعد ذلك بسنة.
واتفق الرسول ﷺ مع هؤلاء المسلمين، ولكن لم يطلب منهم النصرة والمساعدة كما طلبها من بني شيبان أو من بني عامر أو من غيرهم؛ لأنه يعرف أن القرار ليس بأيديهم في يثرب، ولا يريد أن يحملهم فوق طاقتهم، وفي نفس الوقت يربيهم لكي يحملوا هذه المهمة مستقبلًا، وفوق ذلك كان يريد أن يزيد من عدد المسلمين في يثرب، حتى يصل إلى المستوى الذي يمكنهم فيه من تحمل مسئولية الدفاع عن الإسلام.
[ ١٢ / ٦ ]
بنود بيعة العقبة الأولى
يحكي لنا عبادة بن الصامت قصة البيعة، وكان من الذين شاركوا في هذه البيعة الهامة في تاريخ الإسلام، يقول عبادة: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، عرفت بذلك لأنها لم يشترط فيها جهادًا ولا حربًا.
وكانت بنود البيعة كالتالي: البند الأول: على أن لا نشرك بالله.
البند الثاني: ولا نسرق.
البند الثالث: ولا نزني.
البند الرابع: ولا نقتل أولادنا.
البند الخامس: ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا.
البند السادس: ولا نعصيه في معروف.
هذه هي الشروط التي على الصحابة.
والجزاء: (فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله ﷿، إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم).
البيعة بسيطة في ألفاظها وفي عدد كلماتها، لكنها عميقة في معانيها، فهي تضع قواعد لبناء المجموعة التي من الممكن أن تحمل مستقبل الأمة الإسلامية على كتفيها.
أول بند ذكره هو القضية الأساسية في الإسلام: أن لا نشرك بالله.
العقيدة الصحيحة، لا يقدم أمر على أمر الله ﷿، لا بد أن يعرفوا ذلك من أول يوم.
أما البند الثاني والثالث والرابع والخامس في البيعة فهي بنود ذكرت لأجل هدف واحد، هو الارتفاع بأخلاق هذه الأمة إلى أعلى مستوى.
لا تقوم الأمة على أكتاف المترخصين في قضية الأخلاق، إن ضاعت الأخلاق ضاع كل شيء، ضاعت السياسة، والاقتصاد، والحكم، والقضاء، والمعاملات، وكل شيء.
إذًا: بعد بند العقيدة الأولى أتى بأربعة بنود من أجل قضية الأخلاق.
أما البند السادس فهو مهم ويحتاج إلى وقفة.
يقول جابر: ولا تعصوني في معروف.
وهذا البند يوضح شيئين لا تقوم أمة الإسلام من غيرهما: الشيء الأول: طاعة الرسول ﷺ وعدم عصيانه.
الشيء الثاني: أن هذه الطاعة لا تكون إلا في المعروف.
وهذا بند قد يستغربه بعض الناس؛ لأن من البدهيات أن الرسول ﷺ لن يأمر إلا بالمعروف، لكن الرسول ﵊ يضع قواعد لمستقبل الأمة الإسلامية حتى يوم القيامة، فالذي يقوم مقام الرسول ﷺ في غيابه أو بعد موته لا بد أن يطاع، ولكن لا يطاع إلا في معروف، (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وهذه قاعدة أصيلة في بناء الأمة الإسلامية.
[ ١٢ / ٧ ]
جزاء أهل بيعة العقبة
أما عن الثمن في مقابل تنفيذ هذه البنود، فإنه لم يعدهم بمال ولا برئاسة ولا بوضع اجتماعي معين، ولا أمن وأمان، وإنما قال كلمة واحدة، ولا يوجد أحد يستطيع أن يحمل مهمة بناء الأمة الإسلامية إلا إذا كان غرضه في النهاية هذه الكلمة، قال رسول الله ﷺ: (فإن وفيتم فلكم الجنة)، أما كل الأثمان الأخرى من مال ورئاسة وأمن وراحة فقد تأتي وقد لا تأتي، ليست هي القضية، وليست هي منتهى أحلام المؤمنين، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، فقط الجنة.
وهنا يتضح الفارق الهائل بين مجموعة الأنصار التي بايعت هنا، وبين قبائل بني شيبان وبني عامر وغيرهم ممن اشترطت شروطًا معينة للإيمان، لكن مع كل التكاليف التي فرضت على الأنصار لم يكن هناك أي وعد بأي شيء إلا الجنة، ولذلك بارك ربنا ﷾ في هذه البيعة، وكان آخرها دولة وسيادة وتمكينًا.
هذا هو ديننا.
عاد الاثنا عشر إلى يثرب، التي أصبح اسمها: المدينة المنورة عندما هاجر إليها الرسول ﷺ، ومن حينها وهم معروفون باسم الأنصار، وبقي معهم هذا الاسم؛ لأنهم فعلًا الذين نصروا الدعوة، ونصروا الإسلام، ونصروا الرسول ﷺ، ونصروا المهاجرين، وتغير حال المسلمين تمامًا بعد إسلامهم.
[ ١٢ / ٨ ]
سفارة مصعب إلى المدينة ومهامه فيها
بعث الرسول ﷺ واحدًا من المسلمين المكيين إلى يثرب، يمثل دور السفير، لكنه في الحقيقة أعلى بكثير من دور السفير العادي الذي ينقل الرسائل من وإلى الرسول ﷺ، كانت له أدوار إيجابية مهمة: الدور الأول: تعليم المسلمين هناك الإسلام.
الدور الثاني: أن يكون صورة متحركة للإسلام، وقدوة للناس.
الدور الثالث: إدخال القدر الذي يستطيعه من أهل البلد في الإسلام، لكي تكون حماية البلد بعد ذلك معتمدة على أبنائه من داخله.
الدور الرابع: تمهيد البلاد نفسيًا لاستقبال المسلمين بعد ذلك من مكة والحبشة، أو من أي مكان في الأرض.
الدور الخامس: دراسة الوضع العسكري والأمني والاقتصادي ليثرب؛ لأنها ستكون دار الهجرة.
كانت المهمة ضخمة؛ لأنها مهمة التخطيط لبناء دولة، ولا بد أن الذي سيختاره يكون أهلًا لهذه المهمة.
[ ١٢ / ٩ ]
سبب اختيار الرسول ﷺ مصعب بن عمير لدور السفير إلى المدينة
اختار الرسول ﷺ مصعب بن عمير ﵁، ولا بد أن نقف وقفة مع مصعب بن عمير، ومع سبب اختياره من دون كل الصحابة ﵃ أجمعين.
لقد اتصف مصعب بصفات كثيرة، جعلته يستطيع القيام بهذه المهمة الكبيرة، وهذا يثبت أن الاختيار كان حكيمًا، ولم يكن عشوائيًا أبدًا.
أولًا: كان مصعب بن عمير من أعلم الصحابة ﵁ وأرضاه، كان يحفظ كل ما نزل من القرآن، وهو من أوائل من أسلم، وخاض التجربة الإسلامية من أولها، ويعرف متى نزلت آيات القرآن ومعناها، ورأي الرسول ﷺ في تفسير الآيات التي نزلت.
إذًاَ: نقطة العلم نقطة في غاية الأهمية، وبالذات أن المسافة بين مكة ويثرب (٥٠٠) كيلو، وليس هناك فرصة لسؤال الرسول ﷺ، وليس هناك مصادر أخرى للعلم غير مصعب، فلا بد أن يكون عالمًا بحق، وحفظ القرآن كان مهمًا جدًا؛ لأنه ليس مجرد وسيلة معجزة لإثبات صدق الرسول ﷺ، لكنه أيضًا دستور ومنهاج حياة كاملة للمسلمين، فالذي يحفظ القرآن ويفهمه ويعمل به هو أصلح واحد من يقوم بهذه المهمة.
ثانيًا: أن مصعب بن عمير ﵁ كان يتصف باللباقة والذكاء والهدوء والصبر، وسعة الصدر والحلم، وهذه صفات أساسية في أي داعية، كان مصعب إنسانًا رقيقًا هادئًا متواضعًا، فيه ذكاء شديد، أي: أنه داعية مثالي.
ثالثًا: أن مصعب بن عمير ﵁ من أشراف أهل مكة، كان من بني عبد الدار الذين يحملون مفتاح الكعبة، ويتوارثونه كابرًا عن كابر، وليس معنى هذا أن الإسلام أتى ليفرق بين أصحاب الأصل الشريف وبين غيره من الناس، لكن الرسول ﷺ كان يراعي حالة أهل يثرب، ولا يريد أن يفتنهم، يا ترى ماذا سيكون حالهم لو ذهب إليهم رجل بسيط ضعيف عبد أو حليف؟ ربما لن يسمعوا منه أصلًا، لكن مصعب بن عمير من أشرف الصحابة نسبًا.
رابعًا: مصعب بن عمير رضي الله سيكون خير قدوة للأغنياء الذين يريدون الدخول في هذا الدين، ويترددون بسبب ملكهم أو أموالهم؛ لأن مصعبًا يقدم لهم المثال العملي لرجل استطاع أن يترك المال من أجل الدعوة، وكذلك الفقراء سيتأكدون أن الدين لا يفرق بين الغني والفقير فعلًا.
خامسًا: سيكون إرسال مصعب بن عمير ﵁ إلى يثرب إعلانًا واضحًا لأهل يثرب ولمكة ولغيرهما أن هذا الدين ليس ثورة من الفقراء على الأغنياء، هذا هو السفير الإسلامي كان رجلًا غنيًا وواسع الغنى، ثم ترك ماله ليصبح مسلمًا وإن كان فقيرًا، وهذا يعني أن دعوة الإسلام لم تظهر من أجل عوامل اقتصادية كما يقول كثير من الناس.
سادسًا: هذا السفير المنعزل في يثرب الذي يعيش على بعد (٥٠٠) كيلو من الرسول ﷺ قد يفتن بالدنيا هناك، وبراحة العيش، ورغد الحياة، مثل ما نرى نحن من يكون شعلة من النشاط، لكن عندما تعرض عليهم الدنيا يفتنون بها ويبتعدون عن الطريق، أما مصعب فلم يكن هكذا، فقد نجح في الاختبار الصعب الذي قامت به أمه معه، ولئن كان قادرًا على رفض الدنيا من يد أمه، فهو على رفضها من أيدي الآخرين أقدر.
سابعًا: الداعية المنعزل الذي يعيش لوحده بعيدًا عن المسلمين، ويعلم الناس والناس تمشي وراءه، قد يفتن بفتنة الرئاسة والزعامة، وينسلخ عن الصف بمن تبعه، وهذه كارثة حقيقية، لكن مصعبًا في الحقيقة أثبت قدرته على الوقوف أمام فتنة الرئاسة؛ فـ مصعب من بني عبد الدار، ومكانته في قريش معروفة، وزعامته فيها كانت وشيكة لولا ارتباطه بهذا الدين، لو كان فعلًا يريد الزعامة لظل على شركه ولم يدخل في الإسلام، لكنه اختار الإسلام ورفض الزعامة.
ثامنًا: أن مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه كان من المهاجرين إلى الحبشة في الهجرتين الأولى والثانية، ونحن لا نعرف متى عاد من الهجرة الثانية، ولعل الرسول ﷺ استدعاه لأجل هذه المهمة، ولا شك أن هجرة الحبشة قد أكسبته خبرة كبيرة في التعامل مع الأغراب، ومع عادات وتقاليد مختلفة، فإذا كان يستطيع أن يتعامل مع أهل الحبشة وهم ليسوا عربًا أصلًا، ودينهم غريب على الجزيرة العربية، فيستطيع أن يتعامل مع أهل يثرب الذين هم من العرب، وفي نفس الوقت دينهم هو الدين الذي عليه أهل مكة.
تاسعًا: هجرة الحبشة أعطت مصعبًا القدرة على ترك الديار ومفارقة الأهل والأحباب.
نحن لا نعرف مهمة يثرب كم ستأخذ من الوقت، سنة أو سنتين أو ثلاث سنين، فالذي استطاع أن يصبر على الهجرة فترة طويلة، يستطيع أن يصبر على هذه الهجرة أيضًا.
عاشرًا: أن مصعب بن عمير ﵁ كان عمره (٣٥) عامًا وقت هذه السفارة، وهذا سن مناسب جدًا لهذا العمل، فهو ليس شابًا صغيرًا حتى يتهور أو يندفع، وليس شيخًا مسنًا حتى تصعب عل
[ ١٢ / ١٠ ]
طريقة مصعب في الدعوة إلى الله في المدينة
عاد الأنصار ومعهم الصحابي الجليل القدوة مصعب بن عمير ﵁ إلى يثرب، وبدءوا يقومون بعمل منظم في يثرب، وفي تلك السنة كانت يثرب مختلفة تمامًا عن السنوات التي قبلها، بعد أن كانت غارقة بالدم نتيجة الصراع بين الأوس والخزرج.
نزل مصعب بن عمير ﵁ في ضيافة أسعد بن زرارة الخزرجي ﵁، وأسعد لم يكن عمره آنذاك قد وصل ثلاثين عامًا، لكنه كان من أحكم الصحابة ﵃، كان أسعد يعرف كل أهل المدينة، وكانت له علاقات جيدة بمعظمهم، لكن ليس عنده علم مصعب، ومصعب عنده علم غزير، لكن لا يعرف أحدًا في المدينة.
كان أسعد ﵁ يأخذ مصعبًا ﵁ إلى كل بقعة في يثرب، ويدخل به كل بيت وملتقى وشارع، ويعرفه بكل من لقيه، وبعد أن يعرفه عليه يبتدئ مصعب بن عمير ﵁ بالتعريف بالإسلام وقراءة القرآن، وهكذا كانا، فـ مصعب بغير أسعد لن يستطيع أن يصل إلى أهل يثرب، وأسعد بغير مصعب لا يستطيع أن يقنع الناس بحلاوة الإسلام، وأسعد بهذه الطريقة كان من خير الدعاة، نعم هو لا يخطب ولا يتكلم، لكن من غيره مصعب لن يتكلم، وهذه حلاوة الدعوة، والعمل الجماعي، كلٌ يجد له دورًا يكمل به دور الآخر، وكل هذا يفيد الدعوة بلا شك.
والجميل في أسعد بن زرارة ﵁ أنه لم يكن يأخذ مصعبًا إلى الخزرج فقط، ولكنه كان يأخذه إلى الأوس أيضًا، نسي الصراعات القديمة والدم والثأر والقبلية، وعاش حياته كلها للإسلام فقط.
[ ١٢ / ١١ ]
إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير
من أجمل وأروع وأعظم ما حدث مع أسعد ومصعب دعوة أسيد بن حضير وسعد بن معاذ ﵄، وهما سيدا بني عبد الأشهل من قبيلة الأوس، وهي قبيلة أخرى غير قبيلة أسعد.
ذهب أسعد بـ مصعب إلى حديقة للأوس، وجمع له الذي استطاع أن يجمع منهم، وبدأ مصعب يقرأ عليهم القرآن، كل هذا وسادات الأوس في الحديقة، أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وكانا ما زالا مشركين، فسمع سعد بن معاذ بأمر مصعب وأسعد، فغضب غضبًا شديدًا، وفكر أن يذهب إليهما، لكن أسعد بن زرارة ابن خالة سعد بن معاذ فرأى غير ذلك، فقال سعد بن معاذ لـ أسيد بن حضير: اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا، فأخذ أسيد حربته وذهب إليهما، فلما رآه أسعد آتيًا من بعيد لم يخف، ولكنه قال لـ مصعب كلمة في منتهى الأهمية، قال له: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه.
انظروا إلى فقه أسعد، علم أن الصدق مع الله يفتح القلوب، ويُذكر من؟! يذكر مصعبًا القارئ المقرئ، يذكر الرجل الذي عنده علم، لكن: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
قال مصعب لـ أسعد: إن يجلس أكلمه، فجاء أسيد ووقف عليهما مستعدًا للقتال، وقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
يعني: اذهبا من هنا لو كنتما تخافان على أنفسكما.
كلام غليظ مستفز، لكن قلب مصعب واسع، فقال في منتهى الهدوء وسعة الصدر: أو تجلس فتسمع؟! فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره.
فقال أسيد بن حضير: أنصفت، وجلس وهو مستند على حربته.
بدأ مصعب ﵁ يتكلم عن الإسلام، وبدأ يقرأ القرآن، ووقعت كلمات الرحمن في قلب أسيد بن حضير فتغير وجهه تمامًا، وذهب الغضب من وجهه، وبانت عليه سكينة وهدوء، وتأثر لدرجة أن أسعد بن زرارة يقول: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله.
قال أسيد بن حضير: ما أحسن هذا الكلام وما أجمله، وبعد ذلك قال كلمة عجيبة جدًا وهو جالس في نفس اللحظة: كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ كان الرجل يقف مستعدًا للقتال، وفي لحظة ترك دينه الذي عاش عليه سنوات وسنوات بمجرد أن سمع بعض الآيات، وبعد أن جاء ليطردهما وأسعد من الخزرج ومصعب ليس من المدينة أصلًا، لكن كلمات القرآن كانت تنزل على قلب أسيد بردًا وسلامًا، غيرته كلية من دينه ومن حياته، يريد أن يدخل في الإسلام مباشرة.
قال له أربعة أشياء: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم الرابعة: تصلي ركعتين.
فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين، وأصبح أسيد مسلمًا.
بهذه السهولة انتقل من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان، وما هي إلا دقائق حتى شعر أسيد ﵁ بحلاوة الإسلام، وأحب أن ينقل هذه الحلاوة لمن يحبهم، ولم يصبح مسلمًا فقط، بل أصبح داعية، ففكر في سعد بن معاذ، قال أسيد: إن وراءي رجلًا إن تبعكما لن يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما، ذهب أسيد ليخبر سعد بن معاذ، فلما رآه سعد من بعيد، وكان رجلًا ذكيًا لماحًا، قال بنظرة واحدة: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، وصدق سعد، لقد ذهب أسيد من عنده بوجه كافر، وعاد إليه بوجه مؤمن، وشتان بينهما، فقال له سعد: ماذا عملت؟ ففكر أسيد أن يكذب لكي يدفع سعدًا للذهاب إلى مصعب، لم يكن يعرف أن الكذب حرام في الإسلام، فبدأ يؤلف قصة، وقال: والله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك.
يعني: لإهانتك.
فأخذ سعد بن معاذ حربته وتوجه إليهما، فلما وصل لم يجد بني حارثة ولم يجد أحدًا معهما، بل وجدهما جالسين من غير أي مشاكل، ففهم أن أسيدًا كان يدفعه لكي يأتي ويقابلهما، ولم يجد بدًا من أن يجلس معهما لكي يطردهما بنفسه.
لما رآه أسعد
[ ١٢ / ١٢ ]