كان فتح مكة ضربة خاطفة دهش لها العرب، وسلمت القبائل المجاورة بالأمر الواقع الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وهي بطون هوازن وثقيف، حيث رأت هذه البطون من نفسها عزًا وأنفة تأبى أن تقابل انتصار المسلمين بالخضوع، فاجتمعت تحت قيادة مالك بن عوف النصري لمقاتلة المسلمين، فكان اللقاء في حنين، وكانت العاقبة للمتقين، والنصر حليف المؤمنين.
[ ٤١ / ١ ]
أهم الآثار المترتبة من غزوة حنين
أعوذ بالله بالسميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثالث عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين.
تحدثنا في الدرس السابق عن يوم حنين العجيب جدًا أنه لم يَدُرْ فيه قتال يذكر، ومع ذلك كان له من الآثار ما لا يحصى.
من أهم هذه الآثار: أن المسلمين فقهوا جيدًا حقيقة النصر في الإسلام، وعلموا تمام العلم أن المسلم الذي يعد العدة دون أن يرتبط بالله ﷿ أن نصره بعيد، وثباته محال.
فكان هذا الدرس من أبلغ الدروس التي تعلمها المسلمون في كل حياتهم السابقة.
[ ٤١ / ٢ ]
مطاردة جيش هوازن
رأينا فرار جيش هوازن بكل بطونها أمام جيش المسلمين عندما عاد المسلمون إلى ربهم ﷾، وعندما عادوا إلى الفقه السليم، فرت جيوش هوازن حتى واصلوا فرارهم إلى مدينة الطائف، وفر معهم زعيمهم القومي مالك بن عوف النصري.
بعد هذا الأمر أخذ الرسول ﷺ معظم الجيش وذهب لحصار مدينة الطائف، وحرب جيش هوازن، واستغلال فرصة انهزام هوازن من أجل مقابلتهم في معركة فاصلة، من أجل ذلك ترك الرسول ﷺ توزيع غنائم حنين الهائلة حتى ينتهي من قضية هوازن وثقيف، وتستقر الأوضاع.
سار الرسول ﵊ بجيشه الضخم متجهًا إلى الطائف، وسبحان الله المقارنة عجيبة جدًا بين هذا المسير المهيب للطائف، وبين مسيره ﷺ إليها من إحدى عشرة سنة، أيام العهد المكي، من إحدى عشرة سنة كان ﷺ متجهًا إلى الطائف وهو في أشد حالات الحزن والضيق، وكان ماشيًا على قدميه ليس معه إلا غلامه زيد بن حارثة ﵁، طردته مكة وأخرجته وتنكرت له، وكانت السيدة خديجة ﵂ قد ماتت، وكذلك مات عمه أبو طالب أيضًا، وليس معه في مكة إلا قليل من المؤمنين لا يتجاوزون مائة واحد من الصحابة، وكانوا مشردين في الحبشة، وكان الوضع في غاية المأساة، ولم تخفف الطائف من آلامه، بل عمقت الآلام، فرفضت الدعوة الإسلامية بتكبر، وحاربت الرسول ﷺ بشدة، واستقبلته استقبال اللئام لا استقبال الكرام، وطردوه وصاحبه زيدًا ﵃، وقد أمطروهما بوابل من الحجارة والتراب والسباب، حتى ألجئوهما إلى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة.
وأنتم تعلمون الدعاء المشهور الذي دعا به هناك، وهو دعاء يعبر عن درجة الألم والأسى والحزن الشديدة التي وصل إليها ﷺ في ذلك الوقت.
وغادر الرسول ﷺ في ذلك اليوم الطائف وعاد متجهًا إلى مكة مهمومًا على وجهه في ظروف لا يتحملها عامة البشر، ومع كون حالته النفسية قد وصلت إلى أقصى درجات الألم إلا أنه رفض تدمير هذه القرية الطائف وغيرها من القرى ممن كفر بالله ﷿، مع أن ملك الجبال عرض عليه هذا الأمر، لكن الرسول ﷺ قال في منتهى التجرد: (بل أرجو أن يخرج الله ﷿ من أصلابهم من يعبد الله ﷿ وحده ولا يشرك به شيئًا).
وسبحان الله مرت الأيام، والأيام دول، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وغير الله ﷿ الأحوال، وجاء ﷺ الآن بعد إحدى عشرة سنة بما لم يتصوره أحد، لا من الطائف ولا من مكة، ولا من أهل الجزيرة بكاملها، جاء ﷺ الآن عزيزًا منتصرًا ممكنًا رافعًا رأسه، محاطًا بجيش مؤمن جرار يزلزل الأرض من حوله، يرفع راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أحد عشر عامًا فقط فرقت بين الموقفين.
وتحقق ما ذكره ﷺ لصاحبه زيد بن حارثة ﵁ يوم قال له بيقين بعد عودتهم المحزنة من الطائف: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه.
وجاء الفرج والمخرج على صورة أعظم بكثير من تصور الجميع، ونصر الله الدين، وأظهر النبي الكريم ﷺ.
لاشك أن رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى الطائف كانت تجول في خاطره ذكريات لا حصر لها، يخرج بجيش يقطع الصحراء باتجاه الطائف للمرة الثانية في حياته، فماذا كان يفكر به ﷺ؟ لعله تذكر صاحبه زيد بن حارثة حبه ﵁، الآن زيد لا يسير معهم قد سبق زيد إلى الجنة ﵁ وأرضاه، استشهد في مؤتة كما ذكرنا قبل ذلك، لعله تذكر أهل الطائف وهم يرفضون دعوته جميعًا بلا استثناء في تعنت أشد من تعنت أهل مكة.
لعله تذكر عبد يا ليل بن عمرو بن عمير الثقفي -هذا الذي انتهت إليه الآن زعامة ثقيف- عندما وقف يسخر من النبي ﷺ، ويقول: إنه يمرط -أي: يمزق- ثياب الكعبة إن كان الله ﷿ قد أرسله.
وعبد يا ليل فر فرارًا مخزيًا من أرض حنين، وذهب ليختبئ في جبن ظاهر في داخل حصون الطائف.
لعله تذكر عداس النصراني ﵁ الغلام الصغير الذي آمن، واختفى ذكره من السيرة بعد ذلك، ولا نعلم من حاله شيئًا، لكن الله ﷿ يعلمه.
لعله تذكر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة صاحبي الحديقة التي لجأ إليها ﷺ عندما طردوه من الطائف، فالآن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة يرقدان في قليب بدر يعذبان مع قادة الكفر في قبورهم.
لعله تذكر وهو يمر من وادي نخلة مجموعة الجن التي آمنت به ف
[ ٤١ / ٣ ]
حصار الطائف
وصل الجيش العملاق إلى الطائف، وتوقع الجميع معركة هائلة ستقع بين تجمع هوازن وثقيف في حصون الطائف في عقر دارهم وبين جيش المسلمين الضخم، وكما ذكرنا أن عدد قتلى المشركين في موقعة حنين (٧٠) رجلًا فقط، يعني: الجيش بكامله لا زال موجودًا في الطائف (٢٥٠٠٠) مقاتل أو يزيدون والجيش المسلم (١٢٠٠٠) مجاهد، فتوقع الجميع معركة هائلة، لكن رفض المشركون الخروج للحرب، فظلوا في حصونهم دون قتال، وحصون الطائف كانت شديدة المنعة، وإذا قرر أهل ثقيف وهوازن عدم الخروج فسيكون القتال صعبًا للغاية.
ومع أن عددهم وعدتهم أضعاف المسلمين.
ومع أنهم يقاتلون في بلادهم التي خبروها، وهم في ظروف اعتادوا عليها، لكن ألقى الله ﷿ الرهبة في قلوبهم، فما استطاعوا أن يأخذوا قرار الحرب مرة ثانية، بل اكتفوا بفضيحة حنين.
ولاشك أن في هذا خزيًا كبيرًا جدًا وصغارًا شنيعًا؛ لأن نساء وأموال وأنعام هوازن في يد المسلمين الآن، ومع ذلك فضلوا ألا يخرجوا لاستخلاص هذه الأنعام والأموال والنساء والأولاد من أيدي المسلمين، هذا خزي كبير جدًا وذل ليس بعده ذل، فالرسول ﷺ عندما رأى أهل الطائف من هوازن وثقيف يرفضون الخروج للقاء الفاصل لم يتنازل ﷺ بسهولة، بل جمع الجيش الإسلامي وقرر ضرب الحصار على حصون الطائف المنيعة، لعلهم يفقدون الأمل ويخرجون، لكن أول ما فرض الحصار بدأ أهل الطائف بإطلاق السهام والرماح على المسلمين، وكانت حصونهم عالية وكبيرة، واشتد رميهم واستشهد من المسلمين اثنا عشر رجلًا، ولم تكن سهام المسلمين تصل إلى داخل الحصون، وأصبحت المشكلة كبيرة على المسلمين، فأشار الحباب بن المنذر ﵁ وأرضاه أن يبتعد المسلمون عن الحصن حتى لا تصيبهم السهام، وبالفعل عسكر الرسول ﷺ في مكان بعيد عن حصون الطائف، لكن أيضًا استمر الحصار على مدينة الطائف.
[ ٤١ / ٤ ]
الوسائل التي استخدمها رسول الله لإخراج المشركين من حصون الطائف
الرسول ﷺ فكر في خطة لإخراج المشركين من الحصون، فأمر سلمان الفارسي ﵁ بصناعة المنجنيق لقذف حصون الطائف بالحجارة، وأمر بصناعة دبابات خشبية لكي يختبئ تحتها الجنود ليصلوا إلى القلاع وإلى الحصون دون أن تصيبهم السهام، وبالفعل بدءوا في قذف أسوار الطائف بالمنجنيق الذي صنعه سلمان ﵁، وصار المسلمون تحت الدبابات الخشبية، وبالفعل كسروا جزءًا من السور، وكانوا على وشك الدخول داخل أسوار الطائف لولا أن أهل الطائف فاجئوا المسلمين بإلقاء الحسك الشائك المحمى بالنار، والحسك الشائك هو عبارة عن أشواك حديدية ضخمة أوقدت عليها النار حتى احمرت، فألقوها على المسلمين فصارت مأساة كبيرة، أصيب المسلمون إصابات بالغة، مما دفعت المسلمين إلى العودة من جديد إلى معسكرهم، وما قدروا أن يقتحموا حصن الطائف.
لكن الرسول ﵊ لم ييئس فقرر أن تحرق حدائق العنب المحيطة بالطائف، وكانت جنات ضخمة فيها مزروعات كثيرة، وأهم هذه المزروعات العنب.
فأخذ رسول ﷺ القرار بحرق هذه الأعناب حتى يدفع أهل الطائف أو يجبرهم على الخروج للقتال، هو لا يحرق هذه الأشجار أو هذه الأعناب بغرض التدمير أبدًا، لكن بغرض إجبار أهل الطائف على الخروج للقتال.
وبدأ المسلمون بحرق كمية ضخمة من العنب، فنادت ثقيف الرسول ﷺ من وراء الأسوار وقالت: لم تقطع أموالنا إما أن تأخذها إن ظفرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم.
يعني: لو غلبتمونا تأخذونها، ولو لم تغلبونا فاتركوها لله وللرحم، فقال ﷺ: فإني أدعها لله وللرحم التي بيني وبينكم.
ذكرنا فيما مضى أن العلاقة بين ثقيف وقريش سيئة جدًا، لكن كانت إحدى جدات الرسول ﷺ لأمه من ثقيف، كانت الجدة الخامسة للرسول ﵊ واسمها: هند بنت يربوع الثقفية؛ فلذلك ترك ﷺ حرق الأعناب وقطعها للرحم التي بينه ﷺ وبينهم.
ولم يفعل ﷺ كما تفعل الجيوش الكافرة العلمانية مثل: جيوش فارس والرومان والتتار واليهود، وجيوش العصور الحديثة التي تفسد في الأرض لمجرد الإفساد؛ حتى إن الله ﷾ يصفهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].
يعني: الإفساد عند غرض، أما المسلمون فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لغاية محددة، فلما لم تحقق وقفوا عن الحرق كما رأينا، إذًا: هذه الوسيلة لم تفلح في إخراج أهل الطائف.
الوسيلة الأولى: الضرب بالمنجنيق.
الوسيلة الثانية: حرق الأعناب.
الوسيلة الثالثة: محاولة تفكيك الصف داخل الحصون، فقد نادى ﷺ على العبيد في داخل الحصون وقال: (أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر) وكان العبيد كثيرين في المجتمع العربي القديم، وسياسة الإسلام أتت بتحرير العبيد في كل مناسبة ممكنة، فكانت هذه فرصة طيبة لتحرير بعض العبيد من صفوف المشركين، فهؤلاء العبيد في الغالب سيسلمون، وبذلك يستنقذون من ظلمات الكفر، وسيفقد أهل ثقيف طاقة هؤلاء العبيد، وسوف ينقل هؤلاء العبيد الأخبار من داخل الطائف إلى خارجها، فهناك أكثر من فائدة، فقد كان قرارًا سياسيًا دعويًا عسكريًا بارعًا من الرسول ﵊.
وبالفعل بدأ يخرج بعض العبيد من داخل الحصون، حتى وصل عددهم إلى ثلاثة وعشرين من العبيد، واكتشفت ثقيف الأمر وشددت الحصار على الأسوار، ومنعت خروج بقية العبيد، واستفاد المسلمون من خروج هؤلاء الثلاثة والعشرين عبدًا وأهم استفادة كانت أمرين: وأعظم الأمرين: هو إضافة ثلاثة وعشرين رجلًا إلى أمة الإسلام، (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم).
الأمر الثاني: معرفة بعض المعلومات العسكرية الخطيرة.
فقد أخبر هؤلاء العبيد الرسول ﵊ أن الطعام والشراب الذي في داخل الطائف يكفي للمطاولة والصبر على الحصار سنة على الأقل أو عدة سنوات، فهذه معلومة في غاية الأهمية، فالحصار لن يكون يومًا أو يومين ولا شهرًا ولا شهرين، بل عندهم طعام يكفي لسنة أو أكثر، والمسلمون لا يستطيعون أن يبقوا في هذا المكان؛ لأن القوات الإسلامية ليست مجرد فرقة إسلامية من الجيش الإسلامي، وليست مجرد جيش لدولة، بل القوات الإسلامية هي المجتمع المسلم بكامله، والرسول ﷺ لم يترك في المدينة المنورة التي هي عاصمة الدولة الإسلامية إلا القليل من الرجال لحراسة النساء والأطفال والديار، وهناك الكثير من القبائل التي دخلها الإسلام حديثًا، فهي تحتاج إلى متابعة مستمرة خوفًا من انقلابها إلى الكفر، والهجوم على المدينة المنورة.
وهناك الكثير من القبائل لم تسلم بعد في الجزيرة العربية، وهناك اليهود في خيبر على مقربة من المدينة، وهم على
[ ٤١ / ٥ ]
استشارة الرسول ﷺ لأحد أصحابه بعد طول حصار الطائف
استشار الرسول ﵊ أحد أصحابه من أصحاب الخبرة العسكرية والرأي السديد، عندما تسمع اسم هذا الصحابي الذي استشاره الرسول ﵊ سينتابك العجب لا محالة، من هذا الذي استشاره ﷺ؟ إنه نوفل بن معاوية الديلي ﵁ وأرضاه، هذا نوفل بن معاوية الديلي زعيم بني بكر القبيلة التي كانت متحالفة مع قريش بعد صلح الحديبية، وهو الذي قاد قومه لقتل خزاعة، والذي كان سببًا في نقض صلح الحديبية، والذي دخل الحرم المكي ليستمر في عملية قتل رجال خزاعة، والذي رد بالرد الكفري على قومه عندما قالوا له: يا نوفل إلهك إلهك، فقال: يا بني بكر! لا إله لكم اليوم، هذا هو نوفل بن معاوية الذي ارتكب كل هذه الجرائم منذ شهرين أو ثلاثة، والذي كان سببًا في خروج رسول الله ﷺ إلى فتح مكة المكرمة ثم حنين، ثم الطائف، وسبحان مقلب القلوب ومصرفها ﷾.
أسلم نوفل بن معاوية بعد هذا التاريخ الأسود مع المسلمين، أسلم وحسن إسلامه، وانضم إلى الجيش المسلم، وأصبح مستشارًا أمينًا لرسول الله ﷺ.
وإن كنا نعجب من تحوله من الكفر إلى الإيمان، ومن الغدر إلى الأمانة، ومن حلفه لقريش إلى دخوله في الإسلام، إن كنا نعجب من كل ذلك فالعجب كل العجب والإبهار كل الإبهار في الدروس التي يعطيها لنا معلم البشرية وسيد الخلق محمد ﷺ!.
فنحن نرى هذا التوظيف الرائع منه ﷺ لكل الطاقات التي حوله، وهذا الاستغلال المفيد لكل من دخل في صف المؤمنين، وهذه القيادة المبهرة لكل هذه الأنواع المختلفة من البشر، وهذا الأمر لم يكن حدثًا عارضًا في حياته ﷺ، لا، بل كان أمرًا متكررًا وثابتًا في حياته كلها ﷺ، ولعلكم تذكرون توليته عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه إمارة معركة ذات السلاسل ولم يمر على إسلامه إلا شهور قليلة، وكذلك تقريبه خالد بن الوليد في كل أموره، حتى قال خالد: فوالله ما كان رسول الله ﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحدًا من أصحابه فيما حزبه! فهذا إحساس صادق من خالد بن الوليد، مع أنه من المؤكد أن الرسول ﵊ كان كثيرًا ما يستشير أصحابه الآخرين مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وغيرهم وغيرهم أكثر من استشارته لـ خالد بن الوليد، لكنه كان ﷺ يشعره دائمًا بقيمته وأهميته واحتياجه لرأيه.
وكلنا يذكر توليته عتاب بن أسيد ﵁ على مكة المكرمة، ولم يكن قد أسلم إلا منذ أيام، هكذا يكون التعامل مع الرجال، وبالذات الذين يتمتعون بملكات قيادية.
والقواد إذا همشوا لا تضيع قواتهم فقط، بل قد يكونون وبالًا على الأمة.
فالرسول ﷺ بلغ قمة الحكمة في التعامل مع الناس، وقمة الحكمة في إنزال الناس منازلهم، وقمة الحكمة في احترام أرائهم واستغلال قدراتهم.
ومن هذه السياسة الحكيمة نرى نوفل بن معاوية القائد المحنك يدلي برأيه في قضية تنفع الإسلام والمسلمين، لو كان القائد غير رسول الله ﷺ فلعله كان يتتبع قواد الجيش المعادي بالقتل والإبادة والسجن والتعذيب، مثل ما نرى في كل مكان، لكن الرؤية كانت واضحة جدًا عند رسول الله ﷺ، (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)، إنها سياسة نبوية ثابتة مستقرة، فماذا قال نوفل بن معاوية لرسول الله ﷺ؟ قال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
يعني: هو يشبه أهل ثقيف بالثعالب، وهذا حقيقي ومشتهر عنهم وسط العرب، حتى قال عنهم عيينة بن حصن: إنهم قوم مناكير.
يعني: أصحاب دهاء وفطنة.
ورأينا من هذه الفطنة وهذا الدهاء في هذا الحصار الصعب، وهذه المقاومة الشرسة.
ثم إنه يؤكد أنهم لا مهرب لهم من هذه الحصون (إن أقمت عليه أخذته) غير أنه يشير إلى شيء في غاية الأهمية، يقول: إن شوكة ثقيف وهوازن قد كسرت ومعنوياتهم هبطت إلى الحضيض، لن تكون لهم قائمة بعد اليوم، فقد طارت فضيحتهم في الآفاق، لذلك قال نوفل في نظرة عميقة وتحليل دقيق: (وإن تركته لم يضرك).
يعني: لو صبرت على الحصار، فستصل إلى مرادك وستفتح الحصن، لكن تضييع الوقت في حصارهم قد يكون ضارًا بالجيش الإسلامي أكثر من ضرره بثقيف.
فهنا عقد الرسول ﷺ موازنة بين الأمرين، فوجد أن بقاءه في هذه البلاد أكثر من ذلك سيوقع الدولة الإسلامية في أضرار أكثر من الفوائد المحصلة، فأخذ الرسول عليه الصلاة وال
[ ٤١ / ٦ ]
واقعية الرسول ﷺ في المواقف
يعلمنا الرسول ﵊ في هذا الموقف أمورًا مهمة جدًا، يعلمنا الواقعية في الحياة، ليس عيبًا أن نفشل في أمر من الأمور، وليس بالضرورة أن تكون كل معاركنا وكل مشاريعنا ناجحة، لكن المهم لا نغرق في العمل دون إدراك أن الهدف غير قابل للتحقيق، وليس معنى هذا سرعة اليأس، فالرسول ﷺ بذل كل ما في الوسع، فقد استخدم كل وسيلة لفتح الحصن، ولكن لم يقدر، فقبل في واقعية أن ينسحب، وفرق كبير جدًا بين المثابرة وبين تضييع الوقت، فالمثابرة على أداء عمل أمر مطلوب، لكن لابد أن تكون هناك مؤشرات للنجاح، لابد أن تكون هناك مقاييس تشير إلى أن هذا العمل ممكن التحقيق، ولابد أن تكون الخسائر أقل من الفوائد، من أجل هذا لابد من المتابعة والملاحظة والتقييم المستمر.
أما تضييع الوقت فهو الاستمرار في عمل يستحيل تحقيقه بالإمكانيات المتاحة، أو يتسبب في خسائر أكبر من الفوائد.
فالرسول ﷺ كان يريد أن يحقق الفائدة العظمى حتى وإن حصلت بعض الخسائر.
فنحن نلاحظ رد فعل الرسول ﵊ مع الصحابة ﵃ وأرضاهم، فقد أذن لهم بالقتال مع علمه أن فتح الحصن صعب جدًا، لكن ليعيشوا معه في واقعيته ﷺ.
ولما أيقن الصحابة بعد بصعوبة المهمة، ووافقوا على الرحيل وهم راضون، قام رسول الله ﷺ ليفك الحصار ويغادر الطائف وهو يضحك.
هذه القيادة الهادئة تبث الأمن والراحة في قلوب الجنود، لا يوجد انفعال ولا عصبية، ولا تحميل الآخرين أخطاء لم يعملوها، ولا حالة غضب، ولا حالة يأس وإحباط، ولا حزن، ولا كلمة (لو)، لو فعلنا كذا لكان كذا أو كذا، بل هدوء أعصاب، ورزانة، وثقة، وقدرة على التكيف في ظل كل الظروف.
أنا سعيد بعدم فتح الطائف، قد تستغرب الناس هذا الكلام، لكن الأمر المفرح من وجهين: الأول: لو فتحت الطائف في هذه الظروف الصعبة والقتال الشرس، والمطاردة لهوازن وثقيف، والقتال في داخل الحصون، لقتل منهم ما لا يتصور، ولفقد الإسلام قوة هؤلاء جميعًا؛ لأن هوازن وثقيف أسلموا بعد ذلك، فلو قتلوا لفقد الإسلام قوتهم، ولكان عاقبتهم النار، وهذا أسوأ ولاشك.
الثاني: أن هذا الانسحاب دون إتمام المهمة فتح لنا بابًا أن نفعل المثل إن تعرضنا لنفس الموقف، لكن لو أصر الرسول ﵊ على عدم الانسحاب حتى يفتح الحصن، لكان في هذا إحراج كبير جدًا للأمة الإسلامية؛ لأنه سيكون لزامًا علينا أن نفعل مثله، لكن بهذا الفعل منه ﷺ ترك الأمر لقادة المسلمين، ولرأي الشورى، إن رأى المسلمون أن الحصار يجدي صبروا كما حدث في فتح خيبر، وإن رأوا أنه أمر غير ممكن أو خسائره كبيرة انسحبوا، كما حدث في الطائف، ولهم في كلتا الحالتين أُسوة في رسول الله ﷺ.
[ ٤١ / ٧ ]
من مواقفه ﷺ مع مخالفيه
هنا موقف في منتهى الرقي من مواقفه ﷺ وهو يغادر الطائف، قال له بعض الصحابة: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال في حب وفي أمل: اللهم أهد ثقيفًا وائت بهم.
روى الترمذي وأحمد وقال الترمذي: حسن صحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ: (اللهم أهد ثقيفًا وائت بهم) ما غابت عنه أبدًا رسالته في الحياة، فرسالته أن يصل بدعوته إلى الناس لا أن يقتلهم، ما على الرسول إلا البلاغ، حتى وإن رفض أهل الطائف الإيمان واستكبروا عنه وقاوموا وقاتلوا، فهو ما زال يرجو إسلامهم، حتى مع مرور السنين تلو السنين ما زال يرجو إسلامهم، حتى مع ذكريات الطائف في المرة الأولى، ومع واقع الطائف في المرة الثانية، ما زال ﷺ يرجو إسلامهم.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجز الناس عن النار، وهم يقتحمون فيها).
وأهل الطائف يدفعون أنفسهم دفعًا إلى النار ويقتحمون فيها، والرسول ﵊ حريص عليهم أكثر من حرصه على نفسه ﷺ.
كذلك عندما ناداه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين أبى ﷺ أن يهلك الطائف ومكة المكرمة حتى بعد أن عرض عليه ذلك ملك الجبال.
كذلك فعل ذلك أيضًا مع قبيلة دوس لما رفضوا الإسلام قال: (اللهم أهد دوسًا، وائت بهم).
وفعل ذلك مع قريش بعد أن قتلت (٧٠) من خيار الصحابة في أحد، قال: (اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون).
فصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ليس رحمة للمسلمين فقط، ولكن رحمة للعالمين لكل البشرية لكل الإنسانية.
[ ٤١ / ٨ ]
قسمة غنائم معركة حنين بالجعرانة
رجع الرسول ﷺ ﵊ من الطائف بعد أربعين يومًا كاملة، ووصل إلى وادي الجعرانة ليبدأ في مهمة أخرى عظيمة، وهي مهمة تقسيم الغنائم المهولة على الجيش المنتصر.
نريد أن نقف وقفة سريعة مع الغنائم، الغنائم خصيصة لهذه الأمة العظيمة الأمة الإسلامية، فهي لم تكن مشروعة للأمم السابقة، روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي.
وذكرها منها: وأحلت لي الغنائم)، يعني: هي نعمة من الله ﷿ وحافز قوي للمجاهد، فهي عوض للمجاهد عن تركه للديار وللأعمال وللأسرة وللوطن، ولاشك أن الجيش الذي توزع عليه الغنائم يقاتل بحمية تختلف عن الجيش الذي لا يتجاوز فيه راتب الجنود دراهم معدودة.
يقول الشرع الإسلامي: إن أربعة أخماس الغنيمة توزع على أفراد الجيش المقاتل، وخمس الغنيمة المتبقية يذهب للدولة تتصرف فيه حسب المصلحة، لكن في هذا الوقت في زماننا يستكثر القادة الكبار والزعماء هذا العطاء الضخم للجنود، ويحتفظون به للدولة أو لهم، فيسلبون بذلك حق الجنود.
ولاشك أن ذلك سيكون له انعكاس كبير على قتال الجنود في المعارك، وعلى أداء الجنود في الحروب.
[ ٤١ / ٩ ]
أقوال العلماء في غنائم حنين وبيان الراجح منها
فماذا عمل رسول الله ﷺ في غنائم حنين الهائلة؟ الفقهاء وكتاب السير اختلفوا فيما فعله ﷺ في غنائم حنين خاصة؛ أما المعارك السابقة بدءأً من بدر وحتى هذه اللحظة فقد اتفق الجميع على أن أربعة أخماس الغنائم توزع على الجيش وخمس للدولة، إلا أن الأمر بالنسبة لحنين كان موضع خلاف بين الفقهاء.
فمنهم من قال: إن رسول الله ﷺ وزع الغنائم بكاملها على المؤلفة قلوبهم.
والمؤلفة قلوبهم: هم الذين أسلموا حديثًا سواءً من أهل مكة الطلقاء، أو من الذين أسلموا من الأعراب قبل فتح مكة مباشرة.
ومن قال بهذا الرأي: ابن حجر العسقلاني ﵀ كما في فتح الباري.
ومنهم من قال: إن رسول الله ﷺ وزع أربعة أخماس الغنيمة على الجيش بكامله، ثم أعطى المؤلفة قلوبهم من الخمس المتبقي المملوك للدولة.
وممن قال بهذا الرأي: القرطبي، وأبو عبيد القاسم بن سلام صاحب كتاب الأموال، وابن خلدون، والقاضي عياض وغيرهم.
وأنا أميل إلى هذا الرأي الأخير؛ لأن هذا الرأي يتفق مع الشرع والعقل والنقل، وعندي أكثر من دليل على ذلك: الأول: هذه الغنائم ليست ملكًا للرسول ﵊ ليوزعها بطريقة تخالف التوزعة الشرعية، بل هذه الغنائم ملك للجيش، ولا تؤخذ منه إلا باستئذان خاص، وأيضًا هذا ما حصل.
ومن قال: إن هذا أمر خاص بالرسول ﵊ يلزمه الدليل على ذلك، وإلا يصبح من حق أي زعيم أن يقول: إن ظرفي يماثل ظرف يوم حنين، فيأخذ الغنائم كلها لينفقها حسب ما يرى.
الدليل الثاني: لو كان هناك تغيير في تقسمة الغنائم لتوقعنا أن يذكر ﷺ أن ذلك أمر خاص بهذه الواقعة، حتى لا يعتقد البعض أن ما فعله في حنين قد نسخ التقسيم السابق للغنائم، خاصة وأن هذه المعركة هي آخر موقعة حربية مع العرب، حتى موقعة تبوك التي لم يحدث فيها قتال، ولم تكن فيها غنائم.
الدليل الثالثة: ما رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وكذلك عن عمرو بن عبسة ﵁ أن الرسول ﵊ قال لأعرابي عند توزيع غنائم حنين بعد أن أمسك وبرة أو شعرة بين إصبعيه قال: (إنه ليس لي من الفيء شيء، ولا هذه) أي: ولا مقدار هذه الشعرة، (إلا الخمس، والخمس مردود فيكم) فهذا تصريح من الرسول ﵊، وقاله بعد توزيع الغنائم، ولا أدري كيف خفي هذا الحديث عمن قال: إن الرسول ﷺ وزع الغنائم بكاملها على المؤلفة قلوبهم، والحديث أيضًا رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت، وأخرجه كذلك مالك والشافعي، وحسنه ابن حجر في الفتح.
فالرسول ﷺ يصرح أنه لا يملك في يوم حنين إلا الخمس فقط من الغنائم.
يبقى هذا الدليل الثالث.
الدليل الرابع: لو نظرت إلى من وزع عليهم الغنائم لأدركت أنه من المستحيل أن يكون قد قسم كل هذه الغنائم على المؤلفة قلوبهم، فعدد الذين أعطاهم الرسول ﷺ هذا العطاء السخي لا يزيدون في أي كتاب من كتب السيرة على عشرين رجلًا، ولو جمعت الأسماء من الكتب المختلفة قد تصل إلى أربعين أو خمسين رجلًا بالكثير.
إذًا: إذا كان الرسول ﵊ يعطي الناس مائة من الإبل فعطاؤه لأربعين رجلًا سيبلغ أربعة (٤٠٠٠) بعير فقط، مع أنه كان يعطي بعضهم خمسين لا مائة، فسيكون أقل من (٤٠٠٠) أو أقل من (٥٠٠٠) بعير.
فهذه (٤٠٠٠) بعير فأين ذلك من (٢٤٠٠٠) بعير هي غنائم حنين من غير الشياه فقد بلغت (٤٠٠٠٠) شاة، وغير الفضة (٤٠٠٠) أوقية من الفضة، وغير (٦٠٠٠) من السبي، ولم يرد أنه ﷺ أعطى أرقامًا كبيرة كمائة بعير أو خمسين بعيرًا إلا لهذه المجموعة من المؤلفة قلوبهم فقط.
الدليل الخامس: هل كان سيرضى أفراد القبائل من الأعراب ومن قريش إعطاء زعمائهم فقط، أم أنهم لا يرضون أبدًا إلا إذا أخذوا ولو شيئًا يسيرًا؟ يعني: لو أنا أعطيت لزعيم قبيلة غطفان مائة من الإبل، هل سيرضى (٢٠٠٠) أو (٣٠٠٠) غطفاني دون إعطائهم؟ لاشك أن قلوب الجميع كانت تهفوا إلى الغنيمة، وكل الناس تحتاج إلى تأليف قلوبهم.
أنا أرى أن (٩٩%) من المسلمين الذين دخلوا في الإسلام بعد صلح الحديبية وبعد فتح خيبر يحتاجون إلى تأليف لقلوبهم، ولن يترفع منهم عن هذه الغنيمة إلا القليل، أمثال: خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، والعباس، أمثال هؤلاء الكبار وبعض الأفراد المعدودين.
أما الباقي فسيحتاج إلى تأليف، ودليل ذلك أن الرسول ﵇ عند الهزيمة أول المعركة في حنين لم ينادِ على أولئك الذين أسلموا قبل الفتح؛ لأ
[ ٤١ / ١٠ ]
مقدار غنائم حنين
نتحدث عن غنائم حنين بالأرقام: كانت غنائم (٢٤٠٠٠) من الإبل، و(٤٠٠٠٠) شاة، و(٤٠٠٠) أوقية من الفضة، هذا غير (٦٠٠٠) من السبي.
إذًا: أربعة أخماس الغنيمة تساوي (١٩٢٠٠) من الإبل، و(٣٢٠٠٠) شاة، و(٣٢٠٠) أوقية من الفضة، و(٤٨٠٠) من السبي، فهذه الغنائم توزع على (١٢٠٠٠).
كانوا يقيمون الجمل الواحد بعشر من الشياه، يعني: أن كل واحد من أفراد الجيش سيأخذ إما جملين، وإما عشرين من الشياه.
وجاء في بعض الكتب تقول: أن الواحد من (١٢٠٠٠) كان يأخذ أربعة جمال أو أربعين شاة، لكن عندما تحسبها ستجد أن هذا غير صحيح، وأن الصحيح أن الواحد كان يأخذ جملين أو عشرين من الشياه، إلا أن تكون عدد الغنائم أكثر من ذلك، لكن الثابت والصحيح أن عدد الغنائم مثل ما ذكرناه: (٢٤٠٠٠) من الإبل، و(٤٠٠٠) وأربعة آلاف أوقية من الفضة.
فتكون هذه التقسيمات إما جملين أو عشرين من الشياه لكل فرد.
أما تقسيم الفضة فكل واحد سيأخذ ربع أوقية من الفضة.
أما السبي فتقسم بمعرفة الزعيم أو الإمام أو رئيس الدولة، وبما أن السبي (٤٨٠٠) وعدد الجيش (١٢٠٠٠) فهناك من سيأخذ وهناك من لا يأخذ، فكان ﷺ يقرع بين الصحابة ﵃ أحيانًا، وكان يعوضهم بالمال أحيانًا، وكان يعطي البعض أحيانًا، والبعض الآخر يعطى من الغزو اللاحق بعد ذلك.
إذًا: القاعدة التي ستحكم هو التقسيم بالتساوي بالنسبة لأربعة أخماس الغنائم، أما بالنسبة للخمس المتبقي، فهذا المال هو مال الدولة، والرسول ﵊ كقائد يوجهه في الوجه الأصلح للدولة، قد يشترى به السلاح، قد يفتدى به الأسرى، قد تكون منه الهبات لأهل البأس في الحرب، قد تعطى منه رواتب وأجور، قد يدخل في مشروعات الدولة المختلفة.
المهم أن القائد سينفقه في الوجه الأصلح للدولة، فما هو الأصلح للدولة في ذلك الوقت؟ الرسول ﷺ رجل عمل يعيش أرض الواقع، ويعلم ﷺ أن في جيشه من الرجال من يقف على شفا حفرة، فمنهم من هو متردد جدًا في الإسلام.
ومنهم من دخل الإسلام رهبًا من قوته، أو رغبًا في أمواله.
ومنهم من كان سيدًا مطاعًا في قومه ليس لأحد في العرب أو في العالم كلمة واحدة عليهم، فأصبح الآن تابعًا له ﷺ.
ومنهم من لو أمر قبيلته بالردة ومحاربة المسلمين لفعلوا ذلك، فالرسول ﷺ يعلم كل هذه الأمور ويدركها تمامًا، فهو ﷺ يعلم أن هناك من لم يكن مقتنعًا تمام الاقتناع بالإسلام، ولم يكن الإيمان قد تغلغل في قلوبهم، وأن نور الإسلام لم يكن قد محا تمامًا ظلمات الكفر التي عاشوا فيها سنوات طويلة.
[ ٤١ / ١١ ]
سبب تأليف الرسول ﷺ زعماء القبائل والمؤلفة قلوبهم بغنائم حنين
كان الرسول ﵊ يعلم أن الدولة الإسلامية تقف الآن على بركان خطير، فلو خطر على ذهن كل سيد من سادات العرب، وكل زعيم من زعماء القبائل المختلفة أن يثور وينقلب على الدولة الإسلامية، فإن هذا قد يؤدي إلى دمار شامل للدولة الجديدة؛ الدولة الجديدة لم تستقر بعد بصورة جيدة، وخاصة أن أموال وأملاك الدولة الإسلامية قد اتسعت جدًا، وكثر أتباع المسلمين، وليس هناك وقت كاف لتربية كل هؤلاء المسلمين الجدد.
فماذا يعمل الرسول ﷺ؟ عرف الرسول ﵊ أنه لن يؤمن جانبهم إلا بترضية سخية ومجزية من الدولة الإسلامية، فلو أحسوا أن حالتهم المادية استقرت، وأن أموالهم كثرت، وأن وضعهم الاجتماعي تحسن بعد انتمائهم للدولة الإسلامية، فسيحبون هذه الدولة التي حققت لهم هذا الرخاء، ويحاولون بكل طاقة أن يدعموا هذه الدولة؛ ليستمر وضعهم في التحسن، وهؤلاء أصحاب مادة من البداية إلى أن يحسن إسلامهم بعد ذلك.
نعم، الإيمان الذي يكون سببه حب المال إيمان ضعيف، لكن قد يكون هذا في البداية، ثم إذا دخل في محاضن التربية الإسلامية يبدأ الإيمان في الرسوخ تدريجيًا حتى يصبح الإيمان أغلى عنده من المال.
والرسول ﵊ يعلم أن النظام القبلي المترسخ في الجزيرة العربية منذ قرون يجعل لقائد القبيلة الكلمة العليا المطلقة في قبيلته؛ من أجل ذلك أراد ﷺ أن يشتري رضا هؤلاء الزعماء واستقرار هؤلاء الزعماء بالمال.
فعلًا هؤلاء الزعماء سوف يؤثرون تأثيرًا إيجابيًا على أتباعهم من القبائل المختلفة، ومن ثم هو يشتري استقرار الدولة الإسلامية، لكن هناك معوق لهذا الأمر، وهذا المعوق يحتاج إلى دراسة.
فالذين بذلوا الجهد في معركة حنين، والذين كانوا سببًا مباشرًا من أسباب النصر هم قدامى المهاجرين والأنصار، وهؤلاء بفضل الله ﷿ ثابتون في الإسلام دون شك، لا يحتاجون لإغراء بالمال أو بغيره، وتاريخهم معروف جدًا، ومواقفهم مشرفة وأياديهم بيضاء عن الإسلام والمسلمين.
وكان ﷺ من عادته أن يعطي عطاءً أكبر لأهل البلاء ولمن بذل جهدًا زائدًا في القتال، وعمل ذلك في أكثر من موقعة قبل حنين.
فهو لو أراد أن يكافئهم على جهدهم سيعطيهم من الخمس الذي تمتلكه الدولة، لكن الرسول ﷺ في هذا الموقف المحايد، هل يعطي زعماء القبائل الذين أسلموا حديثًا ولم يبذلوا الجهد المطلوب في حنين، ولم يعودوا إلى الصف إلا بعد رؤية الأمور تتجه لصالح المسلمين؟ هل يعطي هؤلاء ليشتري استقرار الدولة الإسلامية، أم يعطي الأنصار والمهاجرين ليكافئهم على جهدهم؟ لقد عقد الرسول ﵊ مقارنة بين الوضعين، واختار دون تردد الرأي الأول؛ لأن استقرار الدولة الإسلامية هدف تتضاءل إلى جواره الأهداف الأخرى، لو تزعزع هذا الاستقرار فسيدفع الجميع الثمن، سواء من قدامى المسلمين، أو ممن أسلموا حديثًا، الجميع سيعاني من هذا الاضطراب في استقرار الدولة الإسلامية.
ولا ننكر أن هناك ضررًا نفسيًا وماديًا سيقع على الأنصار والمهاجرين، لكن الضرر الأكبر هو اضطراب الدولة الإسلامية وعدم استقرارها، ولتصديق قاعدة: دفع أكبر الضررين، وجلب أكبر المنفعتين.
رأى الرسول ﵊ أن شراء زعماء القبائل وسادتهم بالمال مقدم على مكافأة الأنصار والمهاجرين، بل وجد ﷺ أنه لا يستطيع أن يعطي جزءًا لسادة القبائل وجزءًا للأنصار والمهاجرين؛ لأن هذا سيؤدي إلى نقص المعطى لسادة القبائل، وقد يستصغرونه أو يستحقرونه فلا يتحقق المطلوب، هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية: هؤلاء الزعماء قد لا يشعرون بشيء من التميز، ومن ثم قد لا يرضون تمام الرضا.
وأنا أعلم أن كلامي هذا قد لا يرضي عواطف المستمعين، لكن لاشك أنه يقنع عقول المستمعين، هذا الكلام عليه تطبيقات عملية كثيرة جدًا سنراها بعد ذلك في الفتوح وعند مواجهة أحداث الفتنة، وفي مواقف كثيرة، ولاشك أن هذا هو الأفضل والأحكم؛ لأنه في الأساس اختيار نبوي أقره رب العالمين ﷾، ولم ينزل وحي يعارض هذا القرار.
ونحن رأينا ممن عاصر هذا الموقف بعض الاستغراب وعدم الفهم، وكان ممن استغربه مؤمنون شديدو الإيمان كالأنصار ﵃ وأرضاهم، وسنأتي لقصتهم في الدرس القادم إن شاء الله.
كذلك استغربه بعض الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وليسوا من السادة، ووصل استغرابهم إلى درجة غير مقبولة، من هؤلاء أحد الأعراب جاء إلى الرسول ﵊ كما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ حيث جاء هذا الرجل وقال في غلظة: (والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله ﷿ فغضب ﷺ وقال: فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) فالرسول ﵊ لم ينسب العدل في هذه القسمة له وحده، إنما قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) وهذا
[ ٤١ / ١٢ ]
إعطاء الرسول ﷺ لأبي سفيان وولديه يزيد ومعاوية من غنائم حنين
تعالوا بنا ننظر ما فعله الرسول ﵊ في هذا الخمس مع زعماء مكة وقادة القبائل، مع العلم أن هذا الخمس يمثل رقمًا كبيرًا جدًا من الغنائم، فالخمس كان (٤٨٠٠) من الإبل، و(٨٠٠٠) شاه، و(٨٠٠) أوقية من الفضة، و(١٢٠٠) من السبي.
فكان أول لقاء مع زعماء مكة وأولهم أبو سفيان زعيم مكة الأول، فقد حكم مكة ست سنوات متصلة بعد مقتل أبي جهل، منذ غزوة بدر حتى فتح مكة، وهو من أصحاب رءوس الأموال الضخمة في مكة، وهو قد حصلت له مواقف مهينة في غضون الشهرين السابقين بدءًا من زيارته للمدينة المنورة كما رأينا قبل ذلك لمحاولة إطالة مدة الحديبية، ومرورًا بموقفه في الطريق من المدينة إلى مكة، وكان إيمانه في ظروف قاسية جدًا على قلب أي زعيم، وكذلك عند دعوته أهل مكة إلى عدم الدفاع عنها وفتحها لرسول الله ﷺ دون قتال، وانتهاءً بنزع زعامة مكة منه، وإعطاء هذه الزعامة لأحد الأمويين، كان في مثل عمر أولاده وهو عتاب بن أسيد ﵁.
لاشك أن الرسول ﵊ كان يقدر كل هذه المعاناة التي يشعر بها أبو سفيان، كما أنه يعلم أنه لن يرضى بقليل من العطاء؛ لأنه من كبار زعماء مكة؛ من أجل هذا أعطاه الرسول ﵊ عطاء ضخمًا.
جاء أبو سفيان إلى الرسول ﵊ وهو في وادي الجعرانة، وحين رأى أبو سفيان الغنائم الهائلة قال: يا رسول الله، أصبحت أكثر قريش مالًا.
يعني: صرت أغنى رجل فينا.
فقد كان يلمح بوجود المال الكثير، فتبسم ﷺ ولم يتكلم، فلما رأى أبو سفيان أن التلميح غير نافع، قال: أعطني يا رسول الله من هذا المال.
هكذا تصريحًا.
لا تتعجبوا؛ فهذه كميات هائلة من المال، ولعله إن لم يصرح أن توزع على غيره وعندها سيندم حيث لا ينفع الندم، فقال النبي ﷺ: يا بلال زن لـ أبي سفيان أربعين أوقية من فضة، وأعطه مائة من الإبل.
بلال الذي كان يباع ويشترى ويعذب هو الآن المقرب من زعيم الدولة، وهو الذي يعطي هذا وذاك من الزعماء السابقين، فكان أبو سفيان ينظر إلى العطايا وهو لا يصدق نفسه، فكل هذه الأغنام، وكل هذه الإبل، وكل هذه الفضة تصبح ملكه، في لحظة واحدة أصبح أبو سفيان يمتلك أربعين أوقية من الفضة.
يعني: حوالي كيلو ونصف فضة، ومائة من الإبل، وهذا رقم ضخم هائل، فدية القتيل مائة من الإبل، وهذا هو نفس الرقم الذي رصدته قريش لمن يأتي بالرسول ﵊ أو الصديق ﵁ حيًا أو ميتًا عند الهجرة إلى المدينة، ومع أن هذا رقم مهول إلا أن أبا سفيان وجد نفسه يطلب المزيد قبل أن يفنى هذا المال الغزير، قال أبو سفيان: ابني يزيد يا رسول الله، فقال ﷺ: زن له يا بلال أربعين أوقية، وأعطه مائة من الإبل، فقال أبو سفيان: ابني معاوية يا رسول الله، وهذان كانا مسلمين من أبنائه، فقال ﷺ: زن له يا بلال أربعين أوقية، وأعطه مائة من الإبل، فذهل أبو سفيان وقال في صدق -واسمعوا هذا الكلام الذي سيقوله-: إنك الكريم فداك أبي وأمي، ولقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرًا.
تشعر بالصدق في كل كلمة من كلماته، ما الذي غيره من رجل يشك في نبوة الرسول ﵊ إلى رجل مؤمن مادح لرسول الله ﷺ؟ ما الذي ثبته بعد تردد؟ ما الذي أسعده بعد حزن؟ أليست الثلاثمائة من الإبل والمائة والعشرين أوقية من الفضة، وما هذه الأموال إلى جوار هداية إنسان؟ وما هذه الأموال إلى جوار استقرار الدولة الإسلامية؟ وما هذه الأموال إلى جوار تأليف قلوب بني أمية، وما هذه الأموال إلى جوار ثبات أهل مكة على الإيمان.
صحيح أن المال حلو خضر، لكن يتصاغر جدًا إلى جوار هذه المعاني، فهذه كانت نظرة الرسول ﵊، من أجل هذا كان يعطي ﷺ بلا حساب، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كان يعطي وكأن المال لا ينتهي، وانتهت قصة أبي سفيان مع الرسول ﵊، وجاء غيره وغيره وغيره.
[ ٤١ / ١٣ ]
إعطاء الرسول ﷺ لحكيم بن حزام من غنائم حنين مع درس تربوي نبوي
جاء حكيم بن حزام ﵁ وهو أيضًا من مسلمة الفتح، ودار بينه وبين الرسول ﵊ حوار رواه البخاري ومسلم، والذي يروي الحوار هو حكيم بن حزام نفسه، يقول حكيم ﵁: (سألت رسول الله ﷺ فأعطان) يعني: أعطاه مائة من الإبل، ثم يقول حكيم: (ثم سألته فأعطاني) يعني: أعطاه مائة ثانية، (ثم سألته فأعطاني) يعني: أعطاه مائة ثالثة، فأراد الرسول ﵊ أن يعطي حكيم بن حزام درسًا تربويًا في منتهى العظمة، قال له: (يا حكيم، إن هذا المال حلوة خضرة) ولم يقل: حلو خضر؛ لأن المقصود هنا الدنيا، كما في الحديث: (إن الدنيا حلوة خضرة).
ثم يقول ﷺ: (فمن أخذه بسخاوة نفس) يعني: بغير شره وبغير إلحاح، (بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس) يعني: بطمع وتشوف، (لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى).
لما سمع حكيم بن حزام الدرس دخل في قلبه مباشرة، وفقه مراد الرسول ﵊ مباشرة، وأسرع برد المائة الثانية والثالثة وأخذ الأولى فقط، ثم قال في صدق: (يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا) يعني: لا آخذ من أحد شيئًا، ولا أنقص أحدًا من ماله، فكان صادقًا في قسمه هذا ﵁، ما كان يأخذ من أحد شيئًا أبدًا، حتى إنه كان يرفض العطاء الذي يستحقه من أبي بكر ثم عمر بعد ذلك؛ لأنه أقسم أنه لا يأخذ من أحد شيئًا أبدًا.
كان هذا درسًا نبويًا عظيمًا جدًا، والمنهج الإسلامي العظيم كيف يبني الناس على صورة أشبه بالملائكة منها بالبشر.
[ ٤١ / ١٤ ]
إعطاء الرسول ﷺ لبقية زعماء القبائل من المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين
غدا ﷺ يوزع على بقية زعماء مكة، أعطى من يعتقد أن في قلبه ضغينة للإسلام وحقد على الدولة الجديد، إما لدوافع قبلية، أو أن أقارب بعضهم قتلوا على يد المسلمين، أو أنهم نزعت زعامتهم الشخصية، فأعطى سهيل بن عمرو ﵁ وهو أحد كبار زعماء مكة، والمفاوض القرشي الشهير في صلح الحديبية، والذي أسلم منذ أيام قليلة فقط في فتح مكة.
وأعطى الحارث بن هشام أخا أبي جهل وذلك ليلين قلبه، ويهون عليه مصابه في أخيه زعيم مكة سابقًا أبي جهل، وليتألف قلوب بني مخزوم.
وأعطى النضير بن الحارث أخا النضر بن الحارث شيطان قريش المعروف، والذي كان من ألد أعداء الرسول ﵊، والذي قتل في أعقاب غزوة بدر، أعطاه ليتألف قلبه، ويتألف قلوب بني عبد الدار.
وأعطى ﷺ كثيرًا من زعماء مكة ليضمن استقرار الأوضاع في مكة.
بعد ذلك بدأ يعطي زعماء القبائل من الأعراب من أجل أن يضمن ولاءهم وانتماءهم للدولة الإسلامية، فقد أعطى عيينة بن حصن زعيم قبيلة بني فزارة، أعطاه مائة من الإبل، وهذا الرجل كان غليظًا جدًا سيئ الخلق، اشتراه ﷺ بالمال في هذا الموقف، فسكن عن إحداث فتنة، وإن كانت أخلاقه لم تتغير كثيرًا، فهذا الرجل ارتد بعد وفاة الرسول ﵊، لكنه عاد وتاب أيام أبي بكر الصديق ﵁.
وأعطى كذلك زعيم بني تميم: الأقرع بن حابس وأيضًا كان من غلاظ الطباع، وحديث الإسلام، وقبيلته بنو تميم قوية أعطاه مائة من الإبل ليتألف قلبه وقبيلته.
وكذلك أعطى العباس بن مرداس زعيم قبيلة سليم، يبدو أنه قدر قيمة العباس أقل مما قدر قيمة عيينة والأقرع فأعطاه خمسين ناقة فقط، ومع أن خمسين ناقة كثيرة جدًا إلا أن ذلك لم يعجب العباس بن مرداس فطلب من الرسول ﷺ يطلب المزيد والمساواة مع عيينة والأقرع زعيمي فزارة وتميم، وقال العباس بن مرداس شعرًا: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع العبيد الذي هو: الفرس حقه، يعني: يكون نصيبه أصبح هو لين بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع.
فـ حصن والد عيينة وحابس والد الأقرع ومرداس والد العباس هذا.
وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع يعني: من تضع قدره يا رسول الله اليوم لن يرفع بعد ذلك، فلما سمع رسول الله ﷺ هذه الكلمات قال: اقطعوا عني لسانه وزيدوه إلى مائة، فزادوا له في العطاء فزادوه إلى المائة.
وتعليق الرسول ﵊ يشعر أن هؤلاء ما دخلوا في الإسلام إلا رغبًا في هذه الأموال أو رهبًا من الدولة الإسلامية.
وبعد ذلك حسن إسلام العباس بن مرداس وصار من فضلاء الصحابة ﵁.
إذًا: نجحت سياسة إعطاء المال لتأليف القلوب بتثبيت هؤلاء المسلمين الجدد على الإسلام، وبالتالي تثبيت أركان الدولة الإسلامية.
روى مسلم عن أنس ﵁ أنه قال: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
[ ٤١ / ١٥ ]
إعطاء الرسول ﷺ لصفوان من غنائم حنين مع كونه مشركًا في ذلك الوقت
إن الرسول ﵊ عند توزيع غنائم حنين أعطى من غنائم حنين بعض المشركين، ومن أشهر من أعطاهم: أحد زعماء مكة الكبار صفوان بن أمية وكان مشركًا.
وصفوان هو ابن الزعيم المكي المشهور أمية بن خلف، وأمية بن خلف قتل كافرًا في بدر، وصفوان من زعامات مكة الذين اشتركوا في الحروب المتتالية ضد المسلمين، وممن فر من مكة بعد الفتح صفوان بن أمية، والرسول ﵊ قبل ذلك كان قد أعطاه مدة أربعة شهور ليفكر في أمر الإسلام، ثم استأجر منه ﷺ السلاح في غزوة حنين، وخرج صفوان مع الجيش المسلم إلى حنين؛ ليحمل الأسلحة للمسلمين على جماله، وظهرت منه بعض الكلمات توضح ميلًا إلى الإسلام، لما انهزم المسلمون في أول الأمر وهربوا قال كلدة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم، فاعترض صفوان على شماتة كلدة وقال: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني -أي: يملكني- رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وإن كان قال هذا الكلام من ناحية قبلية بحتة إلا أنه عبر عن اختفاء الضغينة الشديدة للرسول ﵊ من قلبه.
ويبدو أن الرسول ﵊ أحس منه فرصة إسلام، فأراد أن يجزل له العطاء بصورة أضخم من كل التصور.
فـ صفوان بن أمية كان واقفًا يشاهد الناس تأخذ الغنائم، ولكونه من المشركين بقي يشاهد متحسرًا، فنادى الرسول ﵊ صفوان بن أمية وأعطاه مائة من الإبل، كما أعطى زعماء المسلمين من أهل مكة، وبعد أن أعطاه الإبل نظر إلى واد في حنين فيه إبل كثيرة وشياه كثيرة، فظهرت عليه علامات الانبهار من كمية الأنعام، فقال له ﷺ: أبا وهب يعجبك هذا الشأن؟ يعني: أعجبتك هذه الأغنام وهذه الإبل؟ قال صفوان في صراحة شديدة: نعم، فقال ﷺ في سهولة وكأنه يتنازل عن جمل أو جملين: هو لك وما فيه.
فذله صفوان بن أمية من هذا التصرف العجيب من الرسول ﷺ، فلم يملك صفوان بن أمية نفسه أن قال: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
فأسلم صفوان في مكانه.
يقول صفوان بن أمية كما روى الإمام مسلم في الصحيح: (والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) ﷺ.
أي خير أصاب صفوان ﵁ وأرضاه؟ أي خير تحقق لقبيلة بني جمح عندما أسلم زعيمها؟ أي خير حقق لمكة؟ أي خير تحقق للمسلمين عندما أضيفت إليهم قوة الزعيم المكي المشهور صفوان بن أمية والذي حسن إسلامه بعد ذلك، وصار من المجاهدين في سبيل الله؟ كل هذا الخير حصل بمجموعة من الإبل والشياه، فأي قيمة لهذه الإبل والشياه؟ هذه الإبل والشياه إما تؤكل أو تموت، بل الدنيا بكاملها ستفنى، لكن الذي لا يزول هو نعيم الجنة، كم من البشر سيذوق نعيم الجنة ويخلد فيه؛ لأنه أعطي مجموعة من الإبل والشياه؟ أليس هذا فهمًا راقيًا من رسول الله ﷺ لحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وحقيقة الغنائم وحقيقة البشر؟! أليس هذا تقديرًا صائبًا من الرسول الحكيم ﷺ؟
[ ٤١ / ١٦ ]
نتائج تقسيم خمس غنائم حنين على المؤلفة قلوبهم
هذه هي المقارنة التي عقدها المصطفى ﷺ الغنائم مقابل الإسلام، الدنيا مقابل الآخرة، فهو ﷺ هانت عليه الدنيا بكاملها وأعطاها دون تردد؛ لأن الدنيا عنده لا تعدل جناح بعوضة، والدنيا عنده قطرة في يم واسع، والدنيا عنده أهون من جدي أسك ميت.
هذا لم يكن كلامًا نظريًا فلسفيًا، شاهده الناس جميعًا بعيونهم كان واقعًا في حياته وحياة الصحابة ﵃ وأرضاهم، وكان هذا الواقع بارزًا في أبهى صوره في قصة غنائم حنين، حيث أعطى ما لم يعط أحد من العالمين، حتى بعدما أعطى هذا العطاء لم يتبق في يده شيء لنفسه ﷺ، لم يتبق ما يعوض به فقر السنين وتعب العمر، وقد بلغ الستين من عمره، بل تجاوز ﷺ الستين، لم يحتفظ بشيء لنفسه، بل وزع هنا وهناك على الأعراب، وعلى حديثي الإسلام، حتى إنه لم يبق معه شيء أبدًا، وحاصره الأعراب الجفاة يطلبون المال والأنعام حتى اضطروه -وهو الزعيم المنتصر والقائد الأعلى والرسول الكريم ﷺ- اضطروه إلى شجرة ونزعوا رداءه، فقال في أدب وفي رفق وفي لين يليق به كنبي، ويجدر به كمعلم ﷺ: (أيها الناس ردوا علي ردائي، فو الذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا)! وصدق رسول الله ﷺ ما كان بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا، كان هذا هو فقه النبي ﷺ يوم حنين، كان هذا هو قراره ﷺ بتوزيع خمس الغنائم بالكامل على المؤلفة قلوبهم، وكانت هذه هي تبعات هذا القرار ونتائجه، وكانت هذه هي الصورة في ذهن الرسول ﷺ، لكن هل استوعب كل الصحابة هذه الصورة؟ هل فهموا جميعًا هذه الأبعاد، وأدركوا هذه النتائج؟ هل اقتنعوا بهذا القرار حيث أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط السابقين شيئًا؟ لا، ليس كل الصحابة اقتنعوا بهذا القرار، نعم هناك من أدرك هذه الأبعاد والنتائج، لكن هناك من لم يستطع أن يدرك هذه الأبعاد النبيلة في فكر الرسول ﷺ، فكان لابد لهم من الاستفهام والتساؤل، ومن هؤلاء مثلًا: سعد بن أبي وقاص ﵁، فقد أبدى الاستغراب لهذا الأمر، قال سعد: يا رسول الله، أعطيت عيينة والأقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري.
وجعيل بن سراقة من أهل الصفة من فقراء المسلمين.
فأجاب ﷺ الإجابة التي تفسر وتوضح ما فعله، قال: أما والذي نفس محمد بيده لـ جعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض خير مما يملأ الأرض كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.
﵁ وأرضاه.
هذه الكلمة تعدل عند جعيل مال الأرض كله، ليس معنى أنني أعطيت واحدًا ومنعت الآخر أن الأول أفضل من الثاني، بل العكس فقيمة جعيل بن سراقة عند الرسول ﵊ أغلى من ملء الأرض من مثل عيينة والأقرع مع أن جعيلًا أقل مالًا وأقل سلطة وأقل شهرة وأقل وضعًا اجتماعيًا، لكنه أعلى إيمانًا وأرسخ قدمًا في الإسلام.
وجعيل ﵁ وأرضاه فقه ذلك المعنى، وكانت هذه الشهادة من رسول الله ﷺ عنده أغلى ليس فقط من غنائم حنين، ولكن أغلى من كل مال الأرض.
إذًا: هذا كان استغراب بعض الصحابة مثل: سعد بن أبي وقاص من إعطاء حديثي الإسلام وترك السابقين من المهاجرين والأنصار.
لكن هناك استغراب كان أكثر أهمية وأكثر خطورة من مجموعة أخرى من المسلمين، هذه المجموعة كانت الأنصار.
ووجه الأهمية ومكمن الخطورة أن هذا الاستغراب والإنكار لم يكن فرديًا في الأنصار، إنما كان جماعيًا من مجموعة كبيرة من الأنصار، هذا موقف مشهور معروف وفيه دروس لا تحصى، ويحتاج إلى تحليل كبير، وإلى استخراج عبر وعظات وتعلم نهج نبوي راق جدًا في إدارة الأمور، وكيف يخرج ﷺ من الأزمات الطاحنة بأفضل النتائج التي لا تخطر على بال إنسان؟ إنه فقه نبوي حكيم رباني في تربية البشر وفي قيادة العالمين.
وبما أن هذا محتاج إلى تفصيل وأشعر أن الوقت قد لا يتسع لهذا التحليل؛ لذلك سنتكلم عنه بالتفصيل وعن غيره من الأحداث إن شاء الله في الدرس القادم.
أسأل الله ﷿ أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٤١ / ١٧ ]