قد تتعدد وسائل أهل الباطل في حرب الإسلام، وهذه سنة الله الجارية في خلقه، فما حدث مع نبي يحدث للآخر، لكن يقيض الله جل وعلا للمؤمنين ويمكن لهم أمر دينهم، فمع الصبر على المشاق يأتي التمكين، ومع الثبات على الحق ينتشر الدين، وفي كل ذلك حكمة لله ﷿ ونواميس كونية يريها لعباده، وتظهر لهم بمرور الأيام.
[ ٧ / ١ ]
وسائل أهل الباطل في حرب الإسلام
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس السابع من دروس السيرة النبوية.
تحدثنا عن جهر رسول الله ﷺ بالدعوة في مكة، وتكلمنا عن اعتراض معظم أهل مكة على دعوة الإسلام، وذكرنا الموانع الكثيرة التي كانت عند أهل مكة فصدتهم عن الدخول في دين الله ﷿.
ثم ذكرنا الوسائل التي اتبعها أهل الباطل في حرب الدعوة الجديدة، فقد استخدموا وسائل سلمية كثيرة، مثل: محاولة تحييد أبي طالب عم رسول الله ﷺ، ومثل الحرب الإعلامية الموجهة التي تمثلت في تشويه صورة الداعية، وهو الرسول ﷺ، وفي تشويه الدعوة والإسلام وقواعده وتعاليمه، وفي شغل الناس بالملهيات والأغاني والمعاصي وغيرها، والتي قام بها النضر بن الحارث لعنه الله، لكن لم تفلح هذه الوسائل في إبعاد الناس عن سماع كلام الله ﷿، ولم تمنع الناس من الدخول في دين الله، فماذا فعلت قريش؟ أو ماذا يفعل أهل الباطل لمقاومة الإسلام؟
[ ٧ / ٢ ]
الضغوط النفسية لصد المسلمين عن الدين
اتخذ أهل الباطل وسيلة أخرى من وسائل الباطل في حرب الإسلام: إنها حرب نفسية شنها أهل الباطل في مكة على المسلمين؛ حتى لا يشعروا براحة، مثل: الضغوط النفسية من الأهل والأقارب.
نحن نعرف أن معظم المؤمنين من الشباب، لذا اجتمع أهل الكفر وأعلنوا في مكة أنه على كل أب وأم وشيخ قبيلة أن يتصرف مع أبنائه، فنحن نعمل ذلك من أجل مصلحة الابن الذي خرج عن دين الآباء، وكذلك من أجل مصلحة الأب حتى يظل محافظًا على مكانه في مكة، مع العلم أن لهجة أهل السلطان في مكة كانت تحمل تهديدًا خفيًا أو صريحًا، مثل ما حصل مع سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه، فقد كان يحمل مهمة إبعاده عن دين الله ﷿ أمه، فقد حاولت بكل طرق الترغيب والترهيب أن تمنع سعد بن أبي وقاص ﵁ عن الإيمان، لكنها فشلت ولم تستطع رده عن الإسلام، حتى إنها لجأت إلى الإضراب عن الطعام والشراب، قالت: لن آكل ولن أشرب حتى ترجع عن الإسلام، ضغط نفسي رهيب على شاب عمره (٢٠) سنة، لكن الله ثبت سعدًا ﵁، ووقف أمامها وقد أشرفت على الهلاك يقول لها في يقين: تعلمين والله يا أماه! لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت أو لا تأكلي! إصرار شديد، استحالة أن يغير هذا الدين مهما كانت الأثمان، ومهما كانت العواقب، فأكلت الأم وبقي سعد ﵁ وأرضاه مسلمًا، لكن الأمر كان شديدًا ولا شك على نفس الشاب الصغير.
كذلك الضغط النفسي أيضًا مارسته أم مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه، كان مصعب أنعم فتيان قريش، كانت أمه غنية، وكانت توفر له كل أسباب الرفاهية، كانت تحضر له العطر من الشام والملابس من اليمن، فلما آمن منعت عنه ذلك، بل طردته من البيت ومنعت عنه كل الأموال، لكنه وإن كان قد تعود على حياة الترف والرفاهية لم يتغير، تقشر جلده مثل جلد الحية؛ لأنه كان معتادًا على حياة الترف والرفاهية، كان الصحابة ﵃ وأرضاهم إذا رأه بكوا لحاله وهو غير مبال، ثبت على الإسلام الذي غير تمامًا من شخصية مصعب ﵁.
كذلك عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه كان عمه يلف حوله الحصير، وبعد ذلك يشعله تحته حتى يكاد يختنق، لكنه أيضًا لم يرجع عن الدين.
وكان أبو جهل لعنه الله قياديًا كبيرًا في مكة، وكان له تأثير على بيوت كثيرة فيها، كان يمر بنفسه على أهل مكة يهدد ويخوف، ولما يعلم بإسلام أحد يذهب لأهله، ويتوعد أهله بالخسارة الفادحة في المال والجاه والمكانة، كان يطرد من الأعمال من شك في إسلامه، كان يضغط على كبراء مكة ليضيقوا اقتصاديًا على المسلمين، ومن لم تقنعه الكلمات قد يقتنع بالجوع.
حتى رسول الله ﷺ لم يسلم من هذه الضغوط النفسية، فـ أبو لهب لعنه الله كان قد زوج ولديه عتبة وعتيبة من بنتي رسول الله ﷺ السيدة رقية والسيدة أم كلثوم فلما أعلن الرسول ﷺ أمر الدعوة، أمر ولديه أن يطلقا بنتي الرسول ﷺ، وبالفعل طلقا البنتين، وهذا هم ثقيل، ولا شك أن فكر الرسول ﷺ سوف ينشغل بهذه القضية ولو بدرجة ما.
ثم صورته في مكة يصبح شكلها مختلفًا، فعمه لا يريد أن يزوج ولديه ببنتي الرسول ﷺ، ثم وصل الأمر إلى أن زوجة أبي لهب أم جميل أروى بنت حرب -وكانت امرأة شديدة السوء- كانت تحمل الشوك وتضعه أمام بيت رسول الله ﷺ! تعدى الأمر من إيذاء الرجال لرسول الله ﷺ إلى إيذاء النساء، هذا شيء في منتهى المشقة على نفسية أي رجل، بل خرجت هذه المرأة ذات مرة لتضرب رسول الله ﷺ، وأمسكت بيدها فهرًا من الحجارة، -يعني: ملء الكف من الحجارة- وجاءت لترجم الرسول ﷺ وهو جالس بجانب الصديق ﵁ في البيت الحرام فلما جاءت إليهما أخذ الله ﷿ ببصرها عن رسول الله ﷺ، فقالت: أين صاحبك قد بلغني أنه يهجوني؟ وذلك في الآية الكريمة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]، فـ أم جميل بنت حرب قالت: والله لو وجدته لرجمته بهذا الفهر! وهذا الإيذاء لم يكن فقط في الشارع أو في البيت الحرام، لا، بل كانوا يتطاولون على رسول الله حتى وهو في بيته، فقد كان إذا صلى في فناء بيته ألقوا عليه رحم الشاة من فوق السور حتى يصيبه هذا الأذى؛ لذا كان يصلي وراء حجر يستتر به من
[ ٧ / ٣ ]
طلب المعجزات الخارقة للدلالة على صحة الإسلام تعنتًا ومماراة
وسيلة أخرى من وسائل أهل الباطل: طلب الأمور المعجزة من باب الجدل والمراء، فإن رسول الله ﷺ قد أتى لهم بمعجزة عظيمة خالدة: إنها معجزة القرآن الكريم، تحداهم به تحديًا صارخًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤]، تحدٍ في منتهى القوة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] ومع ذلك قريش ما حاولت مرة واحدة أن تعارض هذا القرآن الكريم، ومع علمهم بصدقه ﷺ، ومع علمه بعجزهم وضعفهم أخذوا يطلبون المعجزات الأخرى من باب الجدل، مثل: انشقاق القمر، فوقف الرسول ﷺ وأشار بيده إلى القمر فانشق إلى نصفين، نصف على جبل والنصف الآخر على جبل آخر أمام الناس جميعًا، فقالوا: سحركم محمد، والمنصف منهم قال: اسألوا المسافرين، فلو كان سحرنا لن يسحرهم، فلما أتت الناس سألها أهل قريش عن هذا الأمر، فقالوا: نعم، لقد رأينا القمر انشق في ذات الليلة التي انشق عندهم فيها، فكانت هي الليلة التي شق فيها للرسول ﷺ القمر، ومع ذلك قالوا: هذا سحر مستمر ولم يؤمنوا؛ لأنهم ما طلبوا الآيات رغبة في التصديق وإنما لمجرد الجدال والمراء، ثم وصل الأمر إلى أن قالوا لرسول الله ﷺ ما ذكره الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣]، لكن الله ﷾ يعلم الرسول ﷺ، أنكم إذا وصلتم إلى هذه الدرجة من الجدال والمراء فليس هناك إلا رد واحد وهو: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٣]، هم لا يريدون الإيمان، وليس هناك داع للجدل العقيم مع هؤلاء الذين أنكروا بعقولهم وقلوبهم وجوارحهم المعجزة العظيمة، كل الذي طلبوه أقل من معجزة القرآن الكريم، لكنهم لا يريدون أن يؤمنوا، يقول الله ﷾: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر:١٤]، أي: لو أخذناهم وأريناهم السماء والأفلاك والمجرات والجنة والنار ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٥].
هكذا يفعل الكفار وأهل الباطل دائمًا في حربهم للمسلمين.
إذًا: من وسائل أهل الباطل في حرب المسلمين: طلب الأمور المعجزة من باب الجدل والمراء.
[ ٧ / ٤ ]
السخرية والاستهزاء بالمؤمنين
هذه وسيلة من أقبح وسائل أهل الباطل في حرب الإسلام والمسلمين: هي السخرية والاستهزاء بالمؤمنين.
لم يصبح هناك منطق ولا عقل ولا حجة ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٣].
كان الرسول ﷺ إذا جلس وجلس حوله المستضعفون من المسلمين، قال المشركون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟! هكذا سخرية بدون حجة وبدون دليل، وإذا دخل عليهم فقراء المسلمين، قالوا: هؤلاء ملوك الأرض، لأن الرسول ﷺ كان يقول لأهل مكة: قولوا كلمة واحدة -لا إله إلا الله، محمد رسول الله- تملكوا بها العرب والعجم.
فيقولون: هؤلاء هم ملوك الأرض الذين سيملكون العرب والعجم.
جلس عقبة بن أبي معيط لعنه الله مرة إلى النبي ﷺ يسمع منه، فرآه أبي بن خلف فظن أنه آمن، فذهب بعد ذلك يقول له: أنت آمنت، قال: لم أؤمن؟ فلم يصدقه، وقال له: حتى تثبت لي أنك لم تؤمن بدعوة محمد ﷺ لابد أن تبصق في وجه محمد، فقام عقبة لعنه الله وذهب إلى رسول الله ﷺ وبصق في وجهه! هكذا فعلوا مع أحب الخلق إلى الله ﷿، لكن الوضع مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين بصفة عامة أن ازدادت حركة الدعوة في مكة، وازداد عدد المسلمين، وشعر المشركون بأن الموضوع سيخرج من أيديهم، فقدموا التنازلات، وبدءوا بعمل مفاوضات مع رسول الله ﷺ، وحاولوا أن يلتقوا في منتصف الطريق كما يقال: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩]، قدموا اقتراحين للرسول ﷺ: أما الأول فقد كان سفيهًا من حكماء قريش، قاموا بما يسمى بالعبادة المشتركة فقالوا: هلم يا محمد فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر.
يعني: أنت تعبد هبل واللات والعزى، ونحن أيضًا نعبد إلهك في نفس الوقت، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منها.
هذا مفهوم مغلوط وسطحي عن الألوهية أن أعبد عشرة أو عشرين إلهًا، وهذا تفكير طفولي من حكماء قريش.
الاقتراح الثاني كان على نفس المستوى من السطحية، فبعض المشركين تقدموا إلى رسول الله ﷺ: أن يكون هناك ما يسمى بعبادة التناوب، يعني: نعبد إله محمد سنة، وهو يعبد إلهنا سنة، فنزل قول الله ﷿ يقطع الطريق تمامًا على هذه المفاوضات الطفولية، وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، المرة الوحيدة التي قال الله ﷿ فيها: (الْكَافِرُونَ)، ليقطع السبيل على كل كافر يساوم المؤمنين على أمر العقيدة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]، بذلك أغلق الباب على هذه المفاوضات الهزلية، والدعوة تزداد، والمسلمون يتكاثرون.
[ ٧ / ٥ ]
وسيلة التعذيب الجسدي
لم تجد قريشًا حلًا إلا أن تلجأ إلى السلاح المعتاد في أيدي أهل الباطل، إذا وجدوا صلابة في الصف المؤمن، ألا وهو سلاح الإيذاء والتعذيب والتنكيل، سبحان الله، ووالله ما هو إلا سلاح الضعفاء، وهناك من يظن أن من معهم السلاح أقوى من المسلمين، لا، بل هم الضعفاء؛ فهم يختفون وراء سيوفهم وسياطهم ودروعهم، ويخفون معهم ضعفًا شديدًا في نفوسهم، يخفون ضعف العقيدة والإيمان والحجة والبرهان، وضعف الشخصية والحكمة والرأي، وضعف الأخلاق والضمير.
إذًا: التعذيب والظلم والإجرام منطق من لا منطق له.
وأنا في حيرة من أمري: كيف لإنسان أن تقبل نفسه أو فطرته أن يرى إنسانًا يعذب أمامه، بل ويشارك في التعذيب أو يأمر به؟ أي طبيعة وأي شخصية داخل هذا الإنسان؟ ما شكل قلبه؟ كيف انحطت البشرية إلى هذا المستوى المتدني من فساد الفطرة، الإنسان السليم لا يستطيع أن يرى حيوانًا يتألم، فكيف بإنسان يلهب ظهره بالسياط؟ كيف لإنسان أن يحبس إنسانًا بلا جريرة أيامًا وشهورًا، بل وسنوات، والإسلام قد حرم على المسلم أن يحبس هرة؟ مع كل التداعيات الخطيرة التي تحدث لأسرته ولزوجته ولأولاده ولأمه وأبيه دون ذنب أو خطأ؟ ليس لهم جريمة إلا كما قال الله ﷿ في كتابه الكريم يصف حال الكافرين مع المؤمنين: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، أي: مشكلة المؤمنين أنهم آمنوا بالله ﷿، فقست قلوب الكافرين، وانطلقوا يفترسون المؤمنين والمؤمنات.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، هذه نقطة سوداء في تاريخ البشرية حصلت في مكة، وما زالت تتكرر فيمن بعدهم وإلى يوم القيامة.
مرّ بلال بن رباح ﵁ وأرضاه بسلسلة مضنية من التعذيب، كان أمية بن خلف عليه لعنة الله يعذبه، تعذيبًا معنويًا وبدنيًا لا ينقطع، فقد كان أمية يضع في عنقه حبلًا ثم يأمر أطفال مكة أن يسحبوه في شوارع وجبال مكة، ولم يكن هذا لمدة يوم أو يومين، بل كان لفترات طويلة إلى أن ظهر أثر الحبل على عنق بلال ﵁ وأرضاه، وكان أمية يمنع عنه الطعام، ويغدو به إلى الصحراء في مكة، ويضعه على الرمال الملتهبة في صحراء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة لا يقوى على حملها إلا المجموعة من الرجال فتوضع على صدر بلال، وهو يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، لكن بلالًا ﵁ وأرضاه صبر، وكان كثيرًا ما يكرر: أحد أحد.
ولما سئل: لماذا هذه الكلمة بالذات؟ قال: كانت أشد كلمة على الكفار، فكان يريد أن يغيظهم بها.
فصبر بلال ﵁ وأرضاه وما بدل وما غير، إلى أن اشتراه أبو بكر الصديق ﵁ ثم أعتقه بعد ذلك، ومرت الأيام ونسي الألم، لكن يبقي الأجر، واحفظوا هذه الجملة: يذهب الألم ويبقى الأجر، كل شيء يذهب، الدنيا كلها تذهب، لكن يبقى الأجر والثواب.
ياسر وسمية ﵄ والدا عمار بن ياسر ﵃ عذبا تعذيبًا شديدًا، وكان أبو جهل عليه لعنة الله يعذبهما مع عمار بنفسه، وزاد العذاب فوق الحد، إلى أن وصل الأمر أن قتل ياسر وسمية ﵂ في بيت الله الحرام، وما ذنبهم حتى يعذبوا إلى أن يموت الأبوان، ليس لهم أي ذنب إلا إنهم أناس يتطهرون، وذنبهم أنهم يريدون الخير لهم ولكم وللمجتمع وللأرض كلها، وأنهم أناس صالحون يريدون أن يعبدوا ربهم بالطريقة التي شرعها الله، لكن ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، قتل ياسر وقتلت سمية، لكن من الذي انتصر في النهاية؟ القاتل أو المقتول؟ سيأتي يوم عظيم، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، في هذا اليوم سيأتي الذين عذبوا المسلمين على مر العصور، ويغمسون غمسة واحدة في نار جهنم، وسينسى هؤلاء الهمجيون سعادة الدنيا جميعًا بغمسة واحدة، فما بالك بالخلود في جهنم مع العذاب الشديد! وفي ذات اليوم سيأتي أيضًا بلال وياسر وسمية ومن سار على نهجهم، أولئك الذين عذبوا في سبيل الله ﷿، سيأتي هؤلاء وسيغمسون غمسة واحدة في الجنة، وسينسى المؤمنون شقاء الدنيا جميعًا، أي جهل وغباء وحماقة يعاني منها أولئك المعذبون لغيرهم؟ ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:٤ - ٥].
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ
[ ٧ / ٦ ]
نتائج الابتلاء في العهد المكي وفي كل عهد
ما حصل في مكة ليس غريبًا؛ لأن حرب الحق والباطل سنة من سنن الله ﷿، ستبتلى الأمة المؤمنة بصفة عامة، وسيبتلى كل فرد من أفرادها بصفة خاصة، لن يكون هناك أي استثناء، يقول الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، لابد من ابتلاء ولابد من فتنة؛ حتى تحدث ثلاثة أشياء مهمة نتيجة هذا الابتلاء: تنقية وتربية وتزكية.
الأمر الأول: التنقية، تنقية الصف المسلم، ما أسهل أن يقول المرء بلسانه: آمنت وصدقت وأيقنت، لكن ما أصعب العمل، لابد من اختبار وإيذاء الدعاة والملتزمين بنهج الله ﷿ ونهج رسوله الكريم، هذه سنة ماضية لتنقية الصف المؤمن من المنافقين ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، وإلا لقال كل الناس: نحن مسلمون، نحن مجاهدون في سبيل الله، لكن لابد من ابتلاء حقيقي وشديد.
الأمر الثاني: التربية، يريد ربنا ﷾ لهذه الأمة أن تقود العالمين، وقيادة العالمين تحتاج إلى طراز فريد من البشر لا يهتز أمام العواصف، والابتلاء برنامج تدريبي متدرج للمؤمنين، يرتفع بمستوى المؤمن يومًا بعد يوم، وكلما عظمت مهام المؤمن ازداد بلاؤه؛ ليزداد إعداده كالذهب كلما اصطلى بالنار كان أنقى، وهكذا المسلم الصادق يخرج من الابتلاء أقوى وأعظم.
هذه أشياء رأيناها في التاريخ، ورأيناها في الواقع، وستظل إلى يوم القيامة سنة من سنن الله ﷿.
الأمر الثالث: التزكية، أي: التطهير من الذنوب والخطايا، أحيانًا يحب ربنا إنسانًا ويريد أن يرفع درجته، وهذه الدرجة لا يبلغها بعمله، فيبتليه ﷾ فيصبر، فيبلغ الدرجة العالية: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)، إذا كانت الشوكة تعمل هكذا، فما بالك بالضرب والجلد والحبس والتعذيب.
هذا كله مصلحة للمؤمنين.
إذًا: تنقية للصف المسلم، وتربية للصف المسلم، وتزكية للصف المسلم، لابد لها من ابتلاء، وسيظل الابتلاء إلى يوم القيامة.
[ ٧ / ٧ ]
أسباب صبر الصحابة على الأذى في العهد المكي
كانت السمة المميزة لجميع الصحابة: الصبر على الأذى وتحمل الاضطهاد في سبيل الله، ورسول الله ﷺ لم يأمر المسلمين أن يردوا عن أنفسهم ذلك الأمر؛ للأمر الصريح من الله ﷿: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦]، وكان المشركون يعذبون ويشردون ويذبحون والمسلمون صابرون، بل أمروا ألا يردوا إيذاء، ولا يحملوا سلاحًا، ولا يرفعوا ضيمًا، ولا يكسروا صنمًا، ولا يسبوا مشركًا، ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، قتل ياسر وقتلت سمية والرسول ﷺ يمر من أمامهم وهم يقتلون فيكتفي بقوله: (صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة)، ولم يمسك بيد أبي جهل ولم يجمع الصحابة ليقوموا بثورة أبدًا.
نحن نريد أن نقف هنا وقفة، هي: كيف تعلم الصحابة الصبر؟ كيف يمكن لرجل يوضع على النار ويحرق أن يتحمل كل هذه الآلام ولا ينتقم لنفسه، وهو في الأخير جسد وعظم ودم ولحم وروح مثل كل الناس؟! نحن لا ندرس السيرة من أجل أن نحكي حكايات لطيفة عن جيل الصحابة ﵃ وأرضاهم، لا، بل نحن ندرسها حتى نفهم كيف وصلوا إلى هذا المستوى؟ ونعرف كيف نقلدهم؟ هناك طرق سلكها الرسول ﷺ حتى يعلم الصحابة، فدين الإسلام ليس فيه ضلالات أو أوهام، فكل شيء فيه واضح.
أنا سأخبركم عن بعض الأساليب والأسباب التي جعلت الصحابة ومن بعدهم يتحملون هذه الآلام المضنية في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة:
[ ٧ / ٨ ]
تعظيم قدر الله في قلوب المؤمنين
السبب الأول في زرع الصبر في قلوب المؤمنين: تعظيم قدر الله ﷿.
لو كنت معظمًا قدر الله ﷾ في قلبك لا يمكن أن يهمك كل ألم يمر بك هذه الآلام؛ لذا تجد القرآن المكي يتكلم كثيرًا عن تعظيم قدر الله ﷿، يتحدث عن صفات الله ﷿، عن جبروت الله ﷿، عن عظمة الله ﷿، عن قدرة الله ﷿، عن أن الله ﷿ بيده كل شيء ولو كان سيصيبك ضر لابد أنه سيصيبك، ولو اجتمع أهل الأرض لحمايتك فلن ينفعوك، وعلى العكس لو أراد بك الرحمة لابد أن تحدث، وإن اجتمع أهل الأرض ليمنعوك منها، يقول الله في سورة الأنعام المكية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، لو كنت فعلًا مصدقًا بهذه الكلمات ستعرف أن نصيبك من الألم ستأخذه؛ لأن ربنا ﷾ هو الذي أراد أن يقع بك ذلك الألم، فلابد أن يقع، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٧ - ١٨]، كل واحد مكتوب عليه نصيبه من الألم من ظالم أو مظلوم، كافر أو مؤمن، وإن لم يعذب في سبيل الله فسيعذب بصورة أخرى، من وجع في ضرسه، وسرطان في جسمه، وكسر في رجله، وصداع في رأسه، ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦]، قد يكون نصيبه من الألم معنويًا، وهو أشد من الألم المادي، لعل له ابنًا فاشلًا يشرب المخدرات أو يكون عاقًا لوالديه، أو منعدم الأدب، أو زوجته منكدة عليه حياته، أو رئيسه يهينه كل يوم يعيش في تعاسة وشقاء، حتى لو كان أمام الناس تبدو عليه السعادة وممكن له في الأرض فهو في معيشة ضنكًا.
كل الناس تحس بالألم، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، لكن المسلم يتعذب كل هذا التعذيب وهو منتظر الجنة في الآخرة، لكن الظالم مسكين يتعذب في الدنيا بالطريقة التي يريدها ربنا ﷾، وفي الآخرة يعذب في جهنم، عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة، فلماذا لا يصبر المؤمن؟! إذًا: المؤمن عندما يعظم قدر ربنا ﷾ يستسهل التضحية من أجل الله ﷿؛ لأنه يعلم أن كل شيء بيد الله ﷾، وأن كل شيء قدره الله ﷿ لابد أن يحدث وأن يتحقق، سواء كان نعمة أو مشقة.
[ ٧ / ٩ ]
رفع قيمة الآخرة في قلوب المؤمنين
السبب الثاني: رفع قيمة الآخرة في عيون المؤمنين.
وهذا أسلوب من أروع الأساليب في تربية الصف المؤمن على التحمل والجلد والصبر، وتوسيع مدارك المسلم، وليعلم المقياس الحقيقي بين الدنيا بكل ما فيها من مصاعب ومشاق وألم وعمل، وبين الآخرة وما فيها من خلود، إذا أدرك الناس أن هناك يومًا ما سيحاسبون فيه على ما يعملون، وكان هذا العلم علمًا يقينيًا، وأدركوا أن الذي سيحاسبهم هو إله قادر عليم حكيم جبار قاهر ﷾، فإنهم ولاشك سيعملون له؛ لأجل ذلك قال الرسول ﷺ في أول يوم لدعوته للناس (والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن على ما تعملون، وإنها لجنة أبدًا أو نار أبدًا).
نحن أحيانًا نعاني من خلل تربوي خطير، وهو أننا لا نركز على رفع قيمة الآخرة في عيون المؤمنين، راجع القرآن المكي؛ لتعرف طبيعة المرحلة، إذا كانت الدعوة مضطهدة، والظلم مستفحلًا والأعداء كثر، فلابد من التركيز على رفع قيمة الآخرة في عيون المسلمين.
كما تحدث القرآن المكي عن الجنة؟ لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن المكي من التذكير بالجنة والتذكير بالنار.
عش في الجنة التي كان يعيش فيها الصحابة وهم لا يزالون في الدنيا، يقول ربنا ﷾: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٢]، أنا أريدك أن تتخيل أحد الصحابة وهو في بيت الأرقم بن أبي الأرقم يسمع هذه الآيات والتعذيب ينتظره في الخارج، كم سيكون حجم التعذيب بالنسبة للذي يسمعه عن وصف الجنة؟ لا شيء، إذا قورن أي ألم بالخلود في النعيم سقط ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:١٢ - ٢٢].
تخيل مؤمنًا يسمع هذه الآيات ويعيش فيها، ثم يأتي عدوه ليعذبه ويحرمه جرعة الماء، أو الظل، أو يجلده أو يصلبه أو يقتله، ما الضير في ذلك؟ أليس منتقلًا من هذه الحياة بهمومها ومتاعبها إلى تلك الجنة العظيمة الخالدة؟! إذًاَ اسمع آيات القرآن الكريم المكي بهذا المفهوم، بأذن الصحابي الذي يعذب، لم يكن للتعذيب عندهم أي قيمة، هنا ستفسر لك أشياء غريبة على أسماعنا، مثل: موقف حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه لما طعن بالرمح في ظهره فخرج من صدره فقال: فزت ورب الكعبة! أي فوز فازه هذا وقد مات، وفقد كل شيء في عرف أهل الدنيا؟ هو يعتبر نفسه فائزًا؛ لأنه سينتقل من أرض الجهاد إلى الجنة مباشرة، مات شهيدًا، وقد وعد الله الشهيد بأن يدخله الجنة بغير حساب.
إذًا: لماذا لا يقول: فزت ورب الكعبة؟ نفهم من هذا أن تعظيم قيمة الآخرة يصبر المؤمنين لا محالة على كل ألم وأذى ومشقة في سبيل الله ﷿.
[ ٧ / ١٠ ]
دراسة التاريخ
السبب الثالث في تربية المسلمين على الصبر: هي دراسة التاريخ.
التاريخ يكرر نفسه، ودراسته تعرض صورًا واقعية من الماضي لأناس عاشوا في نفس الظروف التي عشت أنت فيها؛ لأنها حرب واحدة بين الحق والباطل، علو للباطل في فترة من الفترات، تعذيب وتشريد وقتل وإبادة لأهل الحق، وصبر وجلد وتحمل وعزيمة من المؤمنين، ثم في النهاية انتصار للحق وتمكين له، وهزيمة للباطل وهلاك له.
صورة متكررة في كل صفحات التاريخ، سنة من سنن الله ﷿.
راجع القرآن المكي لتجد قصصًا لا حصر لها، لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن المكي من قصة أو إشارة إلى قصة من هذا النوع، وتصور أنك تسمع مع الصحابة من ضمن الأمثلة الكثيرة التي ضربها الله ﷿ لصحابة رسول الله ﷺ في فترة مكة، يقول الله ﷾: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]، هذه درجة عظيمة من الألم والإيذاء، حتى هذا لم يحصل مع الصحابة، لا يوجد أحد قتل أبناء الصحابة الرضع مثل ما كان يفعل فرعون لعنه الله، ومع هذه الصورة من الألم، تأتي صورة أخرى من التسلية، يقول الله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]، بعد كل هذا الألم والاضطهاد يريد الله ﷿ أن يمكن للمستضعفين، ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٦] إلى آخر الآيات.
نفس الصورة تكررت في مكة وتتكرر إلى يوم القيامة، فإذا كان الصبر سيتكرر فإن التمكين لا محالة سيتكرر؛ لأن الذي يعد هو ربنا ﷾ وهو قادر على كل شيء.
إذًا: دراسة التاريخ وتحليله وفقهه أمر في غاية الأهمية لتربية الصف المؤمن على الصبر، ووضع لأيديهم على كل مفاتيح النصر الحقيقة.
[ ٧ / ١١ ]
زرع الأمل والثقة في نفوس المؤمنين بوعد الله بالنصر والتمكين
السبب الرابع: زرع الأمل في نفوس المؤمنين: إذا أحبط الإنسان فلا أمل في صبره ولا نصره ولا تمكينه، يقول سبحانه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
لابد من صبر حتى يكون هناك تمكين، فربنا ﷾ حتى يعلم المسلمين الصبر يريهم الأمل، وأن الأرض ستكون لهم.
إذًا: هذه من أهم النقاط التربوية في تمكين المؤمنين من الصبر، وبها نفهم موقف الرسول ﷺ لما أتاه خباب بن الأرت ﵁ وأرضاه بعدما اشتد بهم التعذيب، أتى يطلب من الرسول ﷺ أن يدعو للمسلمين أن يرفع الله ﷿ عنهم هذه الغمة.
يقول خباب: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ خباب لم يعد يتحمل، فقد عذب تعذيبًا أليمًا، كان يكوى رأسه بالنار، ويوضع على الفحم الملتهب، فطبيعي بالنسبة لرجل مر بكل هذه التجارب الأليمة أن يذهب إلى رسول الله ﷺ يطلب منه الدعاء والاستنصار برب العالمين، وقد كان رد الرسول ﷺ على غير ما نتوقع، فقد غضب رسول الله ﷺ حتى ظهر ذلك في وجهه، يقول خباب كما جاء في البخاري: (فقعد رسول الله ﷺ وهو محمر وجهه، وقال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض حفرة فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
من المؤكد أن غضب الرسول ﷺ في هذا الموقف لم يكن لمجرد طلب الدعاء، بل إن المؤمنين مطالبون بالدعاء في مثل هذه المواقف، لكن الذي حدث أن رسول الله ﷺ شعر أنه قد بدأ ييأس ويفقد الأمل، لذا غضب رسول الله ﷺ ولم يخرجه غضبه عن أسلوبه التربوي الراقي، وذكر له أكثر من طريق ليعلمه بها: الطريق الأول: أنه ربى بالتاريخ، وذكر له أحداثًا من التاريخ، فالمؤمنون من قبله قد مروا بما هو أشق، والناس عادة تصبر على مصائبها إذا رأت أن غيرها قد ابتلي بمصائب أشد.
الطريق الثاني: أنه زرع الأمل في قلبه وبيقين كامل، (والله ليتمن هذا الأمر)، فاطمأن أنه في يوم من الأيام سيمكن الله ﷿ لدينه.
الطريق الثالث: التذكير بالله ﷿ والتعظيم لقدره فلا يخاف إلا الله، كما قال: (لا يخاف إلا الله).
الطريق الرابع: أن يأخذ بالأسباب، يقول: (والذئب على غنمه)، ليس معنى التوكل على الله ﷿ أنك لا تأخذ بالأسباب، لا، فما زالت السرية موجودة، وما زال الصبر موجودًا، وما زالت الدعوة إلى الله ﷿ موجودة، فلننتظر التمكين.
النتيجة أن خبابًا ﵁ وأرضاه ثبت ولم يتزعزع، ولم يبدل ولم يغير، ثم لم يستعجل بعد ذلك.
إذًا: الدرس الذي نأخذه من هذا الموقف: أنك لو وصلت إلى هذه الدرجة من الإيذاء فلا تستعجل، إذ لابد وأن يمكن الله ﷿ لهذا الدين.
[ ٧ / ١٢ ]
العلم والقراءة
هناك أسباب أخرى للتربية والصبر استخرجتها من أوائل السور التي نزلت على رسول الله ﷺ في مكة، وفيها تعليم للرسول ﷺ وأصحابه أن يصبروا على هذا الطريق الطويل، ففي سورة المدثر يقول الله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧].
وفي سورة المزمل: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل:١٠].
من هذه الأسباب: العلم والقراءة كما في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فمن يعرف أكثر سيصبر أكثر، والقراءة ليست هواية، بل لابد أن تقرأ حتى تتعلم وتصبر؛ لأنه من غير القراءة لا يمكن أن تحصل على العلم، ودروس العلم مهما كثرت لن تعطيك إلا جزءًا ضئيلًا من العلم الذي يفترض بك أن تحصله.
فلابد أن نقرأ ونعلم أولادنا القراءة، ونعلم إخواننا وكل مسلم حريص أن يصبر ويقرأ ويتعلم.
[ ٧ / ١٣ ]
قيام الليل وقراءة القرآن والذكر
من الأسباب: قيام الليل، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٢ - ٤]، لن يصبر المرء إذا لم يتعود على قيام الليل؛ لذلك فرض قيام الليل سنة كاملة، ولما نزل التخفيف ما تركه أحد منهم؛ لأنهم تعلموا في هذه المدرسة: إذا أردت أن تصبر فعليك بقيام الليل.
ومنها: قراءة القرآن: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، القرآن زاد لا يستطيع المسلم أن يصبر بدونه.
ومنها: الذكر، ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:٨]، أيضًا الذكر زاد لكل مسلم، وأي مسلم يريد أن يصبر لابد أن يذكر الله ﷿ ذكرًا كثيرًا، كما يقول ﷾: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، فكلما ذكرت ربنا ﷾ أكثر عودك على الصبر بصورة أكبر.
[ ٧ / ١٤ ]
ترك المعاصي والذنوب
من الأسباب: ترك المعاصي والذنوب: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥]، الغارق في المعاصي كيف يمكن أن يصبر.
[ ٧ / ١٥ ]
الأخوة في الله
من الأسباب: الأخوة في الله ﷿: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨]، عندما تجد أناسًا معك يمشون في نفس الخط فهذا سيقوي قلبك على الصبر.
إذًا: هذه أمور تعين على الصبر، وهي: - تعظيم قدر الله ﷿ في القلب.
- تعظيم الآخرة.
- دراسة التاريخ.
- زرع الأمل في نفوس المؤمنين.
- العلم والقراءة.
- قراءة القرآن.
- قيام الليل.
- الذكر.
- ترك المعاصي والذنوب.
- الأخوة في الله ﷿.
تلك عشرة كاملة، تحفظ؛ إذ ليس هناك صبر من غيرها.
[ ٧ / ١٦ ]
الحكمة الإلهية من عدم القتال في العهد المكي
قد يقول قائل: لماذا أمر الله ﷿ المسلمين بالكف عن القتال في مكة؟ ولماذا تحملوا الألم دون رد أو تغيير؟ يقول ربنا ﷾: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦].
الحكمة الكاملة من وراء ذلك المنع لا يستطيع البشر أن يتوصلوا إليها، لكننا سنبحث فيما نعتقد أنه السبب أو الحكمة، حتى نتعلم كيفية العمل في الظروف المشابهة.
الحكمة الأولى من كف المسلمين عن القتال: التربية على نوع جديد من الصبر، لن يتعلمه المسلمون إلا في مثل ذلك الوضع.
الصبر أنواع كثيرة، والعربي بصفة عامة صبور، يصبر على الجوع، والحر، والفقر، وطول السفر، والآلام، والحروب، إلا أنه لا يصبر على تحمل الظلم، فله طبيعة ثائرة لا ترضى بالضيم والجور، يثور ولو ضاعت حياته، لكن الآن أصبحت لدى المؤمنين أبعادًا أخرى أعمق من متطلبات الفرد، وأصبح من أهداف المؤمن أن يقيم أمة ودولة ومجتمعًا، ولا يستقيم للفرد أن ينظر إلى مصلحته الشخصية، بل يجب أن ينظر إلى مصلحة المجموع، وربنا ﷾ يأمرهم ألا ينظروا إلى حظ نفوسهم، ولكن لصالح الأمة والجماعة، لأنه لا يمكن لأمة أن تقوم وأفرادها يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالحها، فيتحتم عليهم الكف عن القتال، حتى يتربى المسلمون على هذا النوع الجديد من الصبر.
الحكمة الثانية: التربية على الطاعة لقيادة هذه الأمة الناشئة؛ لأن الاختبار الحقيقي للطاعة هو أن تطيع دون جدل ولا ضجر ولا اعتراض، في أمر لا تهواه نفسك في غير معصية للخالق ﷾، هذا هو المقياس الحقيقي للطاعة، كما حصل من خباب مع رسول الله ﷺ، فـ خباب رأى أن استعجال النصر مصلحة في ذلك الوقت، فذهب إلى رسول الله ﷺ يطلب منه ذلك، فأوضح له رسول الله ﷺ الأمر، وبين له ضرورة الصبر.
حينها سمع وأطاع وكف اليد وقبل الأمر، وتعلم شيئًا في منتهى الأهمية للجماعة وهو الطاعة لولي الأمر، لا جماعة بغير إمرة، ولا إمرة بغير طاعة، ومن غير هذا الجو من التعذيب والأمر بالصبر عليه لن يتعلم المسلمون الطاعة في مشوار حياتهم مع الرسول ﷺ وبعده.
إذًا: كانت الحكمة الثانية: تربية المسلمين على الطاعة المطلقة لرسول الله ﷺ، أو لأي قائد ما لم يأمر بمعصية لله ﷿.
الحكمة الثالثة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: أن الدعوة السلمية في هذه البيئة كانت تعطي نتائج أفضل.
ولبيان هذا الأمر نطرح سؤالًا: هل الغرض في النهاية هو حكم مكة أم إسلام مكة؟ الغرض إسلام مكة، ولا يهم من الذي سيحكمها بعد ذلك، المهم يحكمها بكتاب ربنا ﷾ وبسنة الرسول ﷺ، كما أن هذه البيئة المكية ألفت العنجهية والشرف والعلو والعزة، ولو فرضت عليها الرأي بالقوة لن تقبله، وسيحدث صراع مبكر بين المؤمنين والكافرين، وسيرفض الكافرون الدخول في هذا الدين عنادًا، فهم يعاندون لضعف المسلمين، فكيف لو فرضوا عليهم الرأي بالقوة؟! إذًا: لابد للداعية أن يدرس نفسيات من يدعوه من الناس، فمنهم من يتأثر بمظاهر الرحمة في الداعية، ومنهم من يتأثر بذكاء عقله، أو بقوة بدنه، ومنهم من يتأثر بلطفه وأدبه، وهكذا خلق الله ﷿ الناس مختلفين، ولابد للداعية أن يتعامل مع كل هذه النوعيات، ويراعي ظروف المدعو، وظروف البيئة التي يعيش فيها.
الحكمة الرابعة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: تجنب الفتنة الخطيرة التي ستحدث في مكة وتؤدي إلى سمعة سيئة بالإسلام، وإلى الفتنة العظيمة، ولم يكن في أرض مكة حكومة مركزية تقوم بتعذيب الناس، بل تكفل كل زعيم بأتباعه، تكفل الوالد بولده، وشيخ القبيلة بأفراد قبيلته، والسيد بعبده، فمثلًا: مصعب بن عمير عذبته أمه، وعثمان بن عفان عذبه عمه، وخباب بن الأرت عذبته سيدته وهكذا، فلو قاتل المؤمنون دفاعًا عن أنفسهم، فإنهم سيقاتلون آباءهم وأعمامهم وقبائلهم، وفي هذا الموقف ما الذي سيقال عن الإسلام؟ إذا كان الكفار قد ادعوا أن الإسلام يفرق بين الولد ووالده، وبين الرجل وعشيرته، وبين المرء وزوجه من دون قتال، فكيف لو كان هناك قتال؟! إذًا: كانت هناك حاجة ملحة لتجنب الفتنة الكبيرة في داخل مكة، وللحفاظ على الصورة الجميلة للإسلام، وهي الصورة الواقعية لهذا الدين العظيم.
الحكمة الخامسة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: أن الله ﷿ يعلم أن كثيرًا من أهل الكفر سينتقلون بعد ذلك من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان، فالدعوة ما زالت في مهدها، ولم تأخذ الفرصة الكافية للوصول إلى قلوب الناس، وكثير منهم سيعترض في البداية ويتشدد، ثم لا يلبث أن يتبدل الأمر في أعينهم، من هؤلاء عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل، فكل هؤلاء أصبحوا بعد ذلك قادة يأخذون الإسلام إلى كل ربوع الأرض، فلو حصل ا
[ ٧ / ١٧ ]