إرسال الرسول ﷺ للرسل والسفراء إلى زعماء العالم بعد نقلة نوعية في حياة الدولة الإسلامية الناشئة؛ إشارة واضحة إلى عالمية الإسلام، وأنه صالح لكل زمان ومكان، وفيه نجاة العالم أجمع في الدنيا والآخرة لو تمسكوا به وطبقوه في حياتهم.
[ ٣٣ / ١ ]
وضع المسلمين بعد صلح الحديبية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الخامس من دروس السيرة النبوية: العهد المدني، فترة الفتح والتمكين.
في هذا الدرس نتحدث عن وضع المسلمين بعد صلح الحديبية.
على الرغم من القوة المتنامية للدولة الإسلامية والتي ظهرت بجلاء بعد غزوة الأحزاب، إلا أن الاستقرار الحقيقي للدولة الإسلامية لم يأت إلا بعد صلح الحديبية، وكما ذكرنا قبل ذلك: اعتراف قريش أكبر قبائل العرب وزعيمة الجزيرة سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا وتاريخيًا بالمسلمين، كل هذا أعطى المسلمين شهادة ميلاد حقيقية، وأعلن للجميع سواء من العرب أو من العجم أن هناك دولة جديدة ولدت في المدينة المنورة، وهذه هي الدولة الإسلامية وزعيمها هو الرسول الكريم ﷺ.
[ ٣٣ / ٢ ]
إرسال الرسل إلى زعماء العالم بعد صلح الحديبية
أول شيء فكر فيه الرسول ﷺ بعدما عاد إلى المدينة بعد صلح الحديبية هو إعلام العالم أجمع بهذا الدين الجديد الإسلام؛ ليثبت لنا وللجميع أن هذا الدين دين عالمي نزل لأهل الأرض كلهم، يقول الله ﷾ في الكتاب: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ويقول الرسول ﷺ كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: (أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي -وذكر منها-: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ونحن لابد أن نفهم هذا الموضوع جيدًا، ونفهم أن علينا دور توصيل الإسلام إلى كل بقعة في العالم، وليس هذا تفضلًا منا، بل واجبًا علينا.
كان الرسول ﵊ من أول أيام الدعوة يدرك عالمية الدعوة، ويدرك أهمية وصول هذه الدعوة إلى كل بقاع الأرض، وكان ﷺ يبشر المسلمين في مكة قبل سنوات من الهجرة، يبشرهم أن لهم دورًا تجاه العالم، وكان يقول لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا العرب والعجم).
كانت القضية في ذهنه واضحة جدًا، لكنه لم يشرع فيها بخطة وبنظام إلا بعد صلح الحديبية، وقد يقول شخص: لماذا لم يرسل الرسول ﷺ رسائل إلى عموم ملوك وأمراء الأرض من أول أيام الدعوة في مكة، أو من أول أيام المدينة المنورة، وقد كانت هناك بعض التعاملات مع بعض الممالك والدول الأخرى، ومع ذلك في هذه التعاملات لم يخطط رسول الله ﷺ إلى دعوتهم في ذلك الوقت؟ تفسير ذلك في كلمة واحدة هي الواقعية، يعلمنا رسول الله ﷺ واقعية المنهج، فإرسال رسالة يدعو فيها الناس إلى تبديل دينهم والدخول في دين جديد لم يسمع به أحد ولو أن أحدهم سمع به، فماذا سيسمع؟ سيسمع عن التشريد والاضطهاد والتعذيب لأبناء هذا الدين الجديد، إرسال مثل هذه الرسالة قد لا يقدم ولا يؤخر كثيرًا، فمن هذا الذي سيقدم على مثل هذه الخطوة الجبارة ويبدل عقيدة لأجل مجموعة من الضعفاء في قرية صغيرة من قرى العالم؟! ولقد رأينا الصحابة ﵃ وأرضاهم عندما هاجروا إلى الحبشة لم يكن من مهمتهم دعوة النجاشي ﵀ للإسلام، بل إنهم لم يعرفوا النجاشي بدينهم، ولولا الموقف الذي قام به عمرو بن العاص ومحاولته إثارة النجاشي على المسلمين لما شرح جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي الإسلام، وحتى بعد هذا الشرح لم يدع جعفر بن أبي طالب النجاشي إلى الدخول في هذا الدين الجديد، مع أنه كان يشعر أن هناك ميلًا في كلام النجاشي للإسلام، ومع ذلك لم يدعه صراحة إلى الإسلام، لماذا؟ لنفس الكلمة التي قلناها: إن الرسول ﷺ والصحابة كانوا واقعيين إلى أقصى حد، لا يصح ولا يجدي لقائد جماعة صغيرة ضعيفة أن تراسل كبار زعماء العالم لتدعوهم بتغيير معتقداتهم وتبديل أديانهم وإظهار التبعية لفكر جديد أو قانون جديد، بل لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن هذه الدعوة المبكرة قد يكون لها من الآثار السلبية أكثر من الآثار الإيجابية، والدليل الشرعي على هذا أن الرسول ﵊ لم يفعله، ولو كان خيرًا لفعله ﷺ، وما كان يعجزه ﷺ أن يرسل رسولًا إلى كل دولة من دول العالم من أول أيام الإسلام، لكن لم يفعل؛ لأنه لا فائدة من هذا الإرسال.
أما الدليل العقلي على ذلك فإنه قد يلفت الأنظار بدعوته هذه إلى جماعته الصغيرة الناشئة فتستأصل في مهدها.
أما افتراض أنه من الممكن أن الله ﷾ يفتح قلوب الزعماء ويضحون بملكهم وسلطانهم من أجل هذا الرجل البسيط الذي ظهر في قرية صغيرة في صحراء الجزيرة، فهذا افتراض بعيد جدًا لا يرقى أبدًا إلى درجة الواقعية، كل هذا الكلام كان قبل صلح الحديبية، لكن بعد صلح الحديبية تغير الوضع جدًا، كان جميع العالم يسمع عن قريش، فقريش القبيلة العربية الكبيرة العزيزة، وإن لم تكن بقوة فارس والروم، ولم تكن تحلم بهذا الشيء، لكنها كانت معروفة لكل الناس حتى خارج الجزيرة العربية، بل إنه كانت لها علاقات اقتصادية وسياسية مع معظم القوى الموجودة في العالم آنذاك، من أجل ذلك اعتراف قريش بدولة الإسلام كدولة لها سيادة يعتبر أهم نقطة لإعطاء شرعية لهذه الدولة الجديدة؛ الدولة الإسلامية.
وكل دول العالم لن تتعامل مع هذا الكيان الجديد -الدولة الإسلامية- إلا بعد اعتراف قريش به، أما قبل ذلك فالمسلمون في نظر العالم عبارة عن جماعة غير شرعية خرجت عن منهج الدولة الأم قريش، وبالتالي لا يمكن التعاون معها إلا من قبل المعادين لقريش، ولم يكن أحد يعادي قريشًا لا في الجزيرة ولا في العالم في ذلك الوقت، من أجل ذلك الرسول عليه
[ ٣٣ / ٣ ]
نص رسالة الرسول ﷺ لهرقل والدروس المستفادة منها
وتعالوا نأخذ رسالة كمثال من أجل أن نرى هذا الوضوح، ولكي نفهم ماذا تعني رسالة من رسول الله ﷺ إلى ملك أو زعيم من زعماء العالم.
؟ لندرس رسالة هرقل قيصر الروم، والرسالة جاءت في البخاري، وذكرت رواية البخاري لها؛ حتى لا يستغرب السامع مضمون هذه الرسالة، واعلم أن هذه الرسالة رسالة من رئيس دولة صغيرة جديدة هي دولة المدينة المنورة، وجيشها على أكبر تقدير (٣٠٠٠) جندي، وعمرها لا يتجاوز (٦) سنوات، وأسلحتها بسيطة، وعلاقاتها في العالم محدودة جدًا، ومع ذلك كله أعلم أن هذه الرسالة ترسل إلى هرقل قيصر الروم، الزعيم الأعظم للدولة الأولى في العالم الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الرومانية تسيطر تقريبًا على نصف أوروبا الشرقية، غير تركيا والشام بكامله، وغير مصر وليبيا، وجيوشها تقدر بالملايين بلا أي مبالغة، وأسلحتهم متطورة جدًا، وتاريخها في الأرض له أكثر من (١٠٠٠) سنة، ضع كل هذه الأمور في ذهنك وأنت تقرأ أو تسمع كتاب وخطاب الرسول ﵊ إلى قيصر الروم.
يقول ﷺ: (بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين) (الأريسيين) يعني: الفلاحين، يعني: الشعب، ثم كتب آية من آيات رب العالمين ﷾، قال: (﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]).
رسالة فيها الوضوح والقوة والعزة والحكمة في كل كلمة من كلمات الخطاب، وهذا الخطاب يحتاج إلى محاضرات لكي نحلله وندرسه ونستخرج منه الدروس التي في باطنه، لكن نحن هنا سنشير إلى بعض الدروس الهامة إشارة سريعة.
من هذه الدروس: أن الرسول ﷺ حرص على ظهور عزته وعزة الدولة الإسلامية في كل كلمة من كلمات الخطاب.
فهو أولًا: بدأ باسمه قبل اسم هرقل، وهذا الكلام خطير جدًا في زمانهم، قال: (من محمد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم)، ثم دعاه مباشرة إلى الدخول في الإسلام، فقال: (أسلم تسلم)، حتى لم يعرض الطلب بصيغة فيها تردد أو صيغة فيها عرض يقبل أو لا يقبل وإنما قال: (أسلم تسلم).
وأيضًا من الدروس: أنه مع إظهار هذه العزة والقوة إلا أنه لم يقلل من قيمة الطرف الآخر، بل بالعكس رفع قدر الطرف الآخر وحفظ له المكانة، حيث قال: (إلى هرقل عظيم الروم).
وأيضًا من الدروس: أنه جمع في مهارة عجيبة بين الترغيب والترهيب، بقوله له: (أسلم يؤتك الله أجرك مرتين) يعني: فيها نوع من الترغيب، ثم يقول له وهو يهدد بوضوح: (فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين) والكلام كله عبارة عن عدة أسطر قليلة جدًا.
وأيضًا من الدروس: حسن اختيار الآية المناسبة من القرآن الكريم، أتى بآية تقرب كل أهل الكتاب، وتوضح أن هناك قواسم مشتركة كثيرة بيننا وبينهم، من أجل ذلك يمكن أن يفتح عقله للتفكير، ويرفع حواجز كثيرة جدًا بين الطائفتين المسلمة والنصرانية.
هكذا كان الخطاب لـ هرقل عظيم الروم، وهكذا كان الخطاب لكل زعماء العالم، فالخطابات تقريبًا مشابهة لهذا مع اختلافات قليلة جدًا في الألفاظ حسب البلد المرسل إليها والدين الذي يدينون به، ومع وحدة الخطاب تقريبًا لكل مكان من السبعة الأماكن التي تكلمنا عليها إلا أن ردود الأفعال كانت متباينة جدًا، فقد بلغ بعضها القمة في الأدب وحسن الرد، بينما بلغت بعضها أدنى مستوى لسوء الأدب والمعاداة، وبين هذا وذاك كانت هناك ردود أفعال أخرى كثيرة.
[ ٣٣ / ٤ ]
موقف النجاشي ملك الحبشة والمنذر بن ساوى ملك البحرين من رسائل النبي ﷺ
لقد جاءت أفضل الردود من النجاشي ملك الحبشة، ومن المنذر بن ساوى ملك البحرين، وهؤلاء الاثنان أسلما دون تردد.
واحد أسلم وأخفى إسلامه وهو النجاشي ملك الحبشة؛ لأن وضع الدولة النصراني كان صعبًا جدًا، فهو لا يستطيع أن يعلن إسلامه، ولأنه لو أسلم فإن الشعب سيقتلعه اقتلاعًا من كرسيه، وقد حصل قبل ذلك عندما ساند المسلمين أن الشعب أقام عليه ثورة وكاد أن يقتلع النجاشي من كرسيه، من أجل ذلك أخفى إسلامه، وآثر أن يساعد الدولة الإسلامية الناشئة الجديدة هناك في المدينة المنورة، وهو يعلن النصرانية في الظاهر ويبطن الإسلام.
أما المنذر بن ساوى ﵀ فقد أعلن إسلامه وأسلم شعبه، وكانوا يدينون بعبادة الأصنام، لكن يبدو أن المنذر بن ساوى ﵀ كان قويًا ممكنًا في قبيلته ومحبوبًا بين شعبه، وكان الناس تبعًا لقائدهم كعادة العرب في ذلك الوقت، فزعيم القبيلة أخذ قرار الإسلام فأسلمت قبيلته وأسلم شعبه.
وهذا الوضع غير الوضع في بلاد الحبشة حيث كان بلدًا نظاميًا كبيرًا له تاريخ طويل، ومن الصعب على النجاشي أن يغير أفكار الناس كلها في لحظة واحدة.
إذًا: هذا هو الوضع بالنسبة لملك الحبشة وبالنسبة لملك البحرين وهذه أفضل ردود.
[ ٣٣ / ٥ ]
موقف المقوقس ملك مصر من رسالة النبي ﷺ له
أما المقوقس فقد أحسن استقبال الوفد الإسلامي وأكرمه بالهدايا، إلا أنه لم يسلم، وإني لأتعجب جدًا من عدم إسلامه؛ لأن المقوقس ذكر في رده لـ حاطب بن أبي بلتعة الذي كان رسول رسول الله ﷺ، ذكر في رده له أنه كان يعلم أن نبيًا سيظهر في هذا الزمان، ولكنه كان يحسب أن هذا النبي سيظهر في الشام، فهو كانت عنده تهيئة نفسية لظهور النبي ﷺ، ومع ذلك لم يسلم، بل إنه لم يفكر أصلًا في التأكد من كونه نبيًا أم لا، مع أنه كان يعرف أنه نبي فعلًا، وإلا لما أكرم سفارته وحملها بالهدايا كما نعلم جميعًا؛ لأنه ليس من الممكن أن يفعل هذا الأمر مع كذاب يدعي النبوة، وخاصة أن رسول الله ﵊ في ذلك الوقت لم تكن له قوة كبيرة أو بأس، ولم يكن يحكم دولة ضخمة يخشاها المقوقس فيحتاج إلى مهادنته، بالعكس فإن قوة مصر المادية كانت أضعاف أضعاف قوة المدينة المنورة في ذلك الوقت، لكن على كل حال إكرام المقوقس لوفد رسول الله ﷺ ترك أثرًا إيجابيًا للدولة الإسلامية في كل مكان، أكد على شرعيتها في النظام الدولي الجديد، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
إذًا: هذا كان رد المقوقس رد بأدب وحمل الهدايا لكن لم يسلم.
[ ٣٣ / ٦ ]
موقف هرقل ملك الروم من رسالة النبي ﷺ له
أما هرقل زعيم الدولة الرومانية التي كانت تسيطر تقريبًا على نصف مساحة العالم في ذلك الوقت، فإن موقفه من الرسالة يحتاج إلى وقفة ويحتاج إلى تحليل، فهو يفسر لنا الكثير من أحداث التاريخ، سواء في أيام الرسول ﷺ أو في الأيام التي تلت الرسول ﵊، وحتى إنها تفسر لنا أحداثًا كثيرة جدًا من الواقع الذي نعيشه؛ لأنكم تعرفون أن التاريخ يتكرر.
فعندما استلم هرقل رسالة الرسول ﵊ أخذ الموضوع بمنتهى الجدية، مع أنه زعيم أكبر دولة في العالم، ويستلم رسالة من زعيم دولة لم يسمع بها أحد إلى الآن، وهذه الدولة الجديدة خرجت في بلاد العرب، والرومان بصفة عامة كانوا ينظرون إلى بلاد العرب نظرة دونية، يرونهم دائمًا أقل من أن يهتموا بشأنهم، لم يدرسوا أحوالهم أو عاشوا ظروفهم؛ لأن هؤلاء العرب قوم يعيشون حياة البداوة في أعماق الصحراء، بعيدون كل البعد عن كل مظاهر الحضارة والمدنية، متفرقون مشتتون متنازعون، أحلامهم بسيطة جدًا، طموحاتهم قليلة جدًا، عددهم محدود، أسلحتهم بدائية، والفارق بينهم وبين إمبراطورية الرومان الهائلة كالفارق بين السماء والأرض.
وكلنا نعرف كيف كان الصراع يدور بين دولة فارس والروم وكل ما عمله العرب هو الاكتفاء فقط بمراقبة الأحداث، وأنهم يتراهنون من الذي سيكسب من الدولتين العظيمتين فارس والروم، ولم يكن أحد فيهم عنده طموح في مشاركة القوى العالمية لا من قريب ولا من بعيد في الأحداث الجارية في العالم، ومع كل هذا فـ هرقل زعيم الروم عندما أرسل الرسول ﵊ إليه رسالة أخذ الأمر بمنتهى الجدية، ولم ينكر أن يكون ذلك الرجل نبيًا حقًا، ولم يكن ينقصه إلا التأكد فقط، ويريد دليلًا، ونحن عندما نسمع عن هرقل أو نقرأ عنه نشعر أنه كان زعيمًا نصرانيًا متدينًا ملتزمًا إلى حد كبير بتعاليم دينه، وكان يقدر كثيرًا أن الله ﷿ يساعده في معاركه، وكلنا نعرف أنه نذر أن يحج إلى بيت المقدس ماشيًا على قدميه من حمص إلى القدس شكرًا لله على نصره للرومان على الفرس، فمثله يتأكد أنه قرأ في التوراة والإنجيل أن هناك رسولًا سيأتي، وأن هذا الرسول بشر به موسى وعيسى ﵉، وكان ينتظر هذا الرسول ﷺ.
وهذا الرجل الذي أرسل له رسالة وهو الرسول ﷺ يذكر له في هذه الرسالة أنه نبي آخر الزمان، وقبل هرقل الفكرة، بل لعله مشتاق إلى رؤية ذلك النبي، وقبل هذا هرقل كان قد سمع عن النبي ﷺ، بل إن الله ﷿ يسر له لقاء غريبًا عجيبًا؛ فقبل استلام الرسالة هيئ هرقل نفسيًا تمامًا لاستلام مثل هذه الرسالة العجيبة، وذلك أنه سمع أن نبيًا ظهر في بلاد العرب، فقال لجنوده: ائتوني ببعض العرب أسألهم عن هذا النبي الذي ظهر في بلادهم، فأتى الجنود ببعض التجار الذين كانوا يتاجرون في غزة في فلسطين، وكان هرقل في بيت المقدس في ذلك الوقت، وذهبوا بهم إلى هرقل من أجل أن يتأكد من أمر الرسول ﷺ، وكان من بين هؤلاء التجار أبو سفيان بن حرب زعيم قريش، وحصلت هذه القصة بعد صلح الحديبية مباشرة، يعني: بعدما تم صلح الحديبية سافر أبو سفيان إلى غزة وأخذه الجنود إلى هرقل في بيت المقدس، وكان التوقيت توقيتًا عجيبًا جدًا من كل النواحي، وكأن الله ﷾ بعث أبا سفيان الكافر في ذلك الوقت ليقيم الحجة على هرقل، وهذا اللقاء ورد في البخاري عن ابن عباس ﵄ سمعه من أبي سفيان ﵁ بعد إسلامه.
فلما مثل التجار عند هرقل سألهم: أيكم أقرب نسبًا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا إليه، فقال هرقل: أدنوه مني وقربوه وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا - يعني: أبا سفيان - عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه.
يعني: يريد هرقل أن يعرف بجدية كل شيء عن هذا النبي، فهو سيسأل أقرب الناس إليه نسبًا؛ لكونه أعرف الناس به، وفي نفس الوقت سيجعل وراء أبي سفيان التجار الآخرين كحكام على صدقه.
فالتجار تحت تأثير إرهاب هرقل وبطشه كل واحد منهم يخاف أن يكذب، وكذلك أبو سفيان يخاف أن يكذب.
لكن العرب حتى في أيام الجاهلية كانت تستنكر صفة الكذب، وتعتبرها نوعًا من الضعف غير المقبول، من أجل ذلك كان أبو سفيان يقول تعليقًا على كلمة هرقل هذه: فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا علي كذبًا لكذبت عليه.
فهو في تلك اللحظة مع أنه يكره رسول الله ﷺ كراهية شديدة،
[ ٣٣ / ٧ ]
موقف هرقل بعد قراءة رسالة النبي ﷺ ودعوته فيها للإسلام
لقد كان هرقل على استعداد لاتباع الرسول ﵊، لكن في المقابل كانت هناك ثورة كبيرة جدًا في داخل البلاط الملكي ترفض تمامًا فكرة الإسلام، وأدرك هرقل أنه إذا أعلن رغبته في اتباع الرسول ﷺ فإن عليه أن يغامر بملكه، وعليه أن يخاطر بسيادته على شعبه، وقد ينزعه الأمراء نزعًا من رئاسة البلد، حتى إنه في رواية قال لـ دحية بن خليفة الكلبي الذي هو رسول رسول الله ﷺ: والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظر، ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته.
وفي رواية أخرى ذكرها ابن كثير ﵀: أن هرقل اتبع الأسقف الأكبر للرومان فدخل عليه، فعرض عليه هرقل الكتاب، فلما قرأ الأسقف الكتاب، قال: هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى، الذي كنا ننتظره.
قال هرقل: فما تأمرني؟ قال الأسقف: أما أنا فإني مصدقه ومتبعه.
الأسقف الأكبر آمن.
فقال قيصر: أعرف أنه كذلك، ولكني لا أستطيع أن أفعل.
يعني: أنا أعرف أنه نبي، لكن لا أستطيع أن أتبعه، وإن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم.
وفي رواية أخرى: أن هذا الأسقف كان اسمه صغاطر وأنه خرج إلى الرومان، ودعا جميع الرومان إلى الإيمان بالله تعالى، وإلى الإيمان برسوله الكريم ﷺ، وأعلن الشهادة أمام الجميع: أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فماذا عمل الناس؟ قام الناس كلهم إليه فضربوه حتى قتلوه.
وهذا الأسقف كان أعظم شخصية في الدولة الرومانية، وهو أعلم من هرقل عند الناس، وعلم هرقل بقتل هذا الرجل الأسقف الكبير فلم يستطع أن يفعل أي شيء مع من قتله، وهذا دلالة على ضعفه الشديد أمام الكرسي الذي يجلس عليه.
إذًا: هرقل عقد مقارنة سريعة جدًا بين الملك والإيمان، وبين الحياة ممكنًا وبين الموت شهيدًا، فأخذ القرار بمنتهى السهولة، واختار الملك والحياة، ورفض الإيمان والشهادة، لم يكن ذلك لعدم تيقنه من أمر الرسول ﷺ، لكنه ضن بملكه وضحى بالإيمان.
فأمر الإيمان واضح جدًا، وإعجاز القرآن ظاهر، وطريق الإسلام مستقيم، والدلائل على صدق هذا الدين بينة وقاهرة وظاهرة للجميع، والإنسان هو الذي يختار، وعلى قدر قيمة الشيء في نفس الإنسان يضحي، والناس كلها تضحي، ولا أحد يستطيع أن يجمع كل شيء، والواحد قد يضحي بالإيمان من أجل أن يأخذ الملك، وآخر قد يضحي بالملك من أجل أن يأخذ الإيمان، فـ هرقل وأمثاله ينطبق عليه قول الله ﷿: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
ويقول الله ﷿: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس:١٠٨].
وهرقل لا يمكن أن يعذر في عدم إسلامه مهما كانت فتنته، ومهما كان راغبًا في الملك راهبًا من الموت؛ لأن الإيمان لا يوزن إلى جواره شيء.
ويعلق الإمام النووي ﵀ على موقف هرقل فيقول: ولا عذر له في هذا؛ لا عذر له في ترك الإيمان مهما كان سيضيع منه أو سيقتل، لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ، وإنما شح بالملك وطلب الرئاسة.
ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ أيضًا تعليقًا على هذا الحديث: ولو تفطن هرقل لقوله ﷺ في الكتاب: (أسلم تسلم)، وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة وأسلم، لسلم له كل الدنيا وكل الآخرة، لسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله ﷿.
وهرقل بعد كل هذا اليقين اكتفى بأنه يُحمِّل دحية الكلبي بعض الهدايا لرسول الله ﷺ، ولم يفكر في قضية الإيمان، مع أنه كان يعلم أنه في يوم من الأيام سيئول كل ملكه الذي يحكمه إلى رسول الله ﷺ كان يوقن بذلك؛ لأن ذلك موجود في التوراة والإنجيل، وقد قال قبل ذلك بوضوح في حواره مع أبي سفيان: (إنه سيملك موضع قدمي هاتين) وعندما غادر بيت المقدس إلى القسطنطينية، قال وقد أشرف على الشام حين طلع فوق ربوة عالية وأطل على الشام بكاملها، ثم قال: السلام عليك يا أرض سوريا.
يسلم عليها تسليم الوداع، وأنه لن يرجع إليها مرة أخرى.
أدرك أن هذه البلاد لن تبقى بعد هذا الظهور لهذا النبي الكريم ﷺ تحت سيطرته، وبعد كل هذه القناعة برسول الله ﷺ، وكل هذا اليقين بنبوته لم يقف هرقل عند حد عدم الإيمان، ولم يقبل بالحياد، ولكن سير الجيوش تلو الجيوش لحرب المسلمين، مع إحس
[ ٣٣ / ٨ ]
موقف كسرى ملك فارس من رسالة النبي ﷺ له
أما كسرى فارس وكان اسمه إبرويز بن هرمز، وقد ظهر عداؤه للإسلام من أول لحظة قرأ فيها الخطاب، وكان ينوي تدمير هذا الدين الجديد وحرب هذا الرسول الكريم ﷺ، وكان خطاب الرسول ﷺ لكسرى هو نفس خطاب هرقل إلى حد كبير، بدأ فيه بالبسملة، ثم بعد ذلك قال: (من محمد رسول الله ﷺ إلى كسرى عظيم فارس)، ثم بعد ذلك دعا ﷺ كسرى إلى الدخول في الإسلام، لكن مع تغيير يسير في بعض الألفاظ لتناسب كسرى فارس والديانة التي هم عليها، قال ﷺ: (سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، واشهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني رسول الله إلى الناس كافة، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠]، فأسلم تسلم، فإن أبيت، فإن إثم المجوس عليك) خطاب في منتهى القوة.
فغضب كسرى غضبًا شديدًا عندما سمع هذا الخطاب، وتعامل معه بسطحية بالغة، لم يلتفت إلى المعاني التي فيه، ولا إلى الرسالة التي يشير إليها الخطاب، لكن كل الذي نظر إليه الشكليات التي في الخطاب، فأمسك الخطاب ومزقه، وقال في غطرسة: عبد من رعيتي يكتب اسمه قبلي، وسب الرسول ﵊، فلما وصلت هذه الكلمات إلى النبي ﵊، قال ﷺ: (مزق الله ملكه)؛ لأنه مزق الكتاب.
وبالفعل ففي غضون سنوات قليلة جدًا من هذه الأحداث مزق الله ﷿ ملك كسرى تمامًا، وامتلك المسلمون كل الأراضي الفارسية، وسقطت الإمبراطورية الفارسية تمامًا، وكانت تسيطر على مساحات هائلة من الأرض.
هذه هي النبوة في مواجهة الغطرسة المجوسية الكافرة، لكن كسرى فارس إبرويز لم يكتف بهذه الكلمات وبتقطيع الخطاب، لا، بل إنه حاول أن يعتقل رسول الله ﷺ من أجل أن يعاقبه بنفسه، فأرسل رسالة إلى عامله الفارسي على بلاد اليمن، وكانت اليمن مستعمرة فارسية، وهي قريبة من المدينة المنورة، فأرسل رسالة إلى عامل اليمن واسمه باذان وكان فارسيًا، وطلب منه أن يبعث رجلين من رجاله ليأتيا برسول الله ﷺ إلى المدائن عاصمة فارس.
انظروا يبعث اثنين فقط من الرجال ليأتيا بزعيم المدينة المنورة، وانظروا كيف كانت نظرة كسرى فارس للعرب، بعث اثنين من الرجال ولم يبعث جيشًا ليأتيا برسول الله ﷺ إلى المدائن عاصمة الدولة الفارسية، وقال لهما: أخبراه إن هو رفض فسيقتل، وسيهلك كسرى قومه ويخرب بلاده، فذهب الرسولان إلى الرسول ﷺ وقالا له هذا الكلام، فطلب الرسول ﵊ طلب منهما في أدب جم أن ينتظرا إلى اليوم التالي وسيرد عليهما، وجلسا في المدينة تلك الليلة، وفي هذه الليلة التي جاء فيها رسولا كسرى أتى الوحي إلى رسول الله ﷺ وأخبره بنبأ عجيب، أخبره أن هذا الزعيم الفارسي المتغطرس إبرويز قتل في نفس الليلة، ومن الذي قتله؟ قتله ابنه شيرويه بن إبرويز، وكانت هذه الوقعة في ليلة الثلاثاء (١٠) جمادى الآخرة سنة (٧) هـ، وفي اليوم التالي أرسل الرسول ﵊ إلى الرسولين وجلس معهما وقال لهما: (إن ربي ﷾ قتل ربكما الليلة، ففزع الرسولان وقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من ذلك، أنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذان الذي هو ملك فارس في اليمن؟ فقال ﷺ في منتهى الثقة: نعم أخبراه ذاك عني)، ليس هذا فحسب، بل قال لهما في يقين: (وقولا له أيضًا: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى، وينتهي إلى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت -يخاطب باذان - أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك)، والرسول ﵊ عاملهما معاملة الملك الكريم وحملهما بالهدايا، وأعادهما إلى باذان مرة أخرى، ووصل الرسولان إلى باذان ملك اليمن الفارسي، وقالا له ما قاله الرسول ﷺ، وكان باذان رجلًا عاقلًا؛ فإنه عندما سمع هذه الكلمات، قال: (والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيًا كما يقول، وليكونن ما قال، فلئن كان هذا حقًا فهو نبي مرسل)، يعني: كيف عرف أن هناك شيئًا حصل في المدائن، وهي على بعد مئات الكيلو مترات في ذلك الزمن؟ ثم قال: (وإن لم يكن الذي قاله فسنرى فيه رأينا).
وذهبت الأيام وجاء خطاب من الزعيم الجديد في بلاد فارس شيرويه بن إبرويز جاء خطاب إلى باذان عامل اليمن يقول له فيه: إنه قد قتل أباه إبرويز؛ بسبب أنه قتل الكثير من أشراف فارس، وكاد أن يودي بفارس إلى الهلاك.
سوع
[ ٣٣ / ٩ ]
موقف هوذة بن علي صاحب اليمامة من رسالة النبي ﷺ له
أما هوذة بن علي صاحب اليمامة، فإنه عندما وصلت إليه الرسالة لم يفكر في الإسلام؛ لأنه أعجب بالإسلام، لكنه فكر فيه لأنه شعر بقوة الرسول ﷺ، وتنبأ لدولة الرسول ﷺ بمستقبل كبير، من أجل ذلك قرر أنه يفاوض الرسول ﵊ وأرسل له رسالة، قال فيها: (ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك)، هذه مساومة.
والرسول ﷺ في رسالته إلى هوذة بن علي وعده أن يعطيه ما تحت يديه من اليمامة إن أسلم، لكن هوذة بن علي رغب في مساومة الرسول عليه والصلاة والسلام حتى يأخذ ملكًا أكبر، وعلق إسلامه على هذا الشرط، والرسول ﷺ يرفض أن يطلب أحد الإمارة، ويرفض أن يعطي الإمارة لمن يطلبها، كما جاء في البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: (إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه)، لماذا كان الرسول ﷺ يمنع الإمارة لمن يطلبها؟ لأنه يعلم أن من سيتولى الإمارة وهو حريص عليها فلن يعود ضرره عليه فقط، ولكن سيعود الضرر على كل من يقود؛ لأنه مفتون بالإمارة، وسيضحي من أجلها لا من أجل الإسلام، ولأنه لو تعارض الإسلام مع استمراره في الإمارة سيترك الإسلام ويتمسك بالإمارة، وهنا قد يتبعه قومه، وستكون كارثة ومشكلة كبيرة؛ من أجل ذلك لم يكن الرسول ﵊ يعطي الإمارة لأحد طلبها، ومن أجل ذلك علق الرسول ﵊ على موقف هوذة بن علي وقال: (لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت)، ثم تنبأ له بالهلكة، قال: (باد وباد ما في يديه)، وتحقق تنبؤ الرسول ﷺ بعد أقل من سنتين، حيث مات هوذة بن علي وفقد ملكه ولم يسلم.
[ ٣٣ / ١٠ ]
موقف الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق من رسالة النبي ﷺ له
من الزعماء الذين أرسل إليهم الرسول ﵊ الرسائل الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق، وكان هذا الرجل نصرانيًا تابعًا لـ هرقل قيصر الروم، وكان رده تقريبًا نفس رد كسرى زعيم فارس، ألقى الخطاب وقال: من ينزع ملكي مني؟ وأنا سائر إليه، وبدأ في تجهيز الجيوش من أجل أن يغزو المدينة المنورة، لكن قبل أن يفعل هذا أحب أن يستأذن هرقل وبعث له برسالة، فتزامن وصول رسالة الحارث مع وصول رسالة الرسول ﷺ إلى هرقل، فـ هرقل قال له: لا، انتظر، لا ندري ماذا سيحدث بعد ذلك من الأحداث؟ فأمره ألا يرسل الجيوش، فانصاع الحارث إلى كلام هرقل ولم يرسل الجيوش، وعندما علم الرسول ﷺ رد فعل الحارث قال: (باد ملكه)، وصدق الرسول ﷺ، ما لبث أن مات وباد ملكه تمامًا، بل دخل ملكه بعد ذلك في ملك المسلمين.
إذًاَ: هذه كانت ردود الأفعال المختلفة لدعوة الرسول ﵊ للعالمين، وكما رأينا اختلف رد الفعل من إيمان سريع، إلى تفكير ثم إسلام، إلى حياد مؤدب، إلى رفض للإسلام، إلى حرب الإسلام، ردود مختلفة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ونخلص من كل هذه الرسائل إلى أنه ليس من واجب الداعية أن يفتح قلوب الناس إلى الإسلام أبدًا، لكن من واجب الداعية أن يصل إليهم بدعوته بيضاء نقية، ثم بعد ذلك فإن الله ﷾ سيفتح قلوب من يشاء إلى الهدى والإيمان، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] والرسول ﵊ عمل هذا البلاغ على أتم ما يكون.
[ ٣٣ / ١١ ]
نظرة تحليلية حول رسل رسول الله ﷺ إلى زعماء ورؤساء وملوك العالم
بقي لنا في موضوع هذه المراسلات العظيمة أن ننظر نظرة تحليلية في السفراء الكرام الذين اختارهم الرسول ﵊ لإيصال الرسائل إلى زعماء وأمراء العالم.
سنلاحظ عدة ملاحظات جميلة جدًا: أولًا: هؤلاء الرسل جميعًا عندما تنظر إلى أسمائهم تجد أنهم من قبائل مختلفة، فـ عمرو بن أمية من بني ضمرة، وهو الذي أرسل إلى النجاشي.
والعلاء بن الحضرمي من حضرموت اليمن، وأرسل إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين.
وعبد الله بن حذافة من بني سهم، وأرسل إلى كسرى فارس.
ودحية بن خليفة من بني كلب، وأرسل إلى قيصر الروم.
وحاطب بن أبي بلتعة من بني لخم، وأرسل إلى المقوقس في مصر.
وسليط بن عمرو من بني عامر، وأرسل إلى هوذة بن علي باليمامة.
وشجاع بن وهب من بني أسد، وأرسل إلى الحارث بن أبي شمر في دمشق.
وهذا الاختلاف في القبائل لا شك أنه إشارة واضحة جدًا من الرسول ﵊ إلى كل المسلمين سواء في المدينة أو في خارج المدينة، وإلى كل العرب المراقبين للأحداث، وإلى كل دول العالم التي أرسل إليها السفراء، وإلى كل المحللين والدارسين للسيرة على مدار السنين إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، أن هذه الدعوة ليست قبلية أبدًا، بل هي دعوة تضم بين طياتها أفرادًا من كل قبائل العرب، وهؤلاء السفراء كانوا بمثابة الصورة الجديدة المرجوة لهذه الأمة، ووحدة العناصر المختلفة على رباط واحد فقط هو رباط العقيدة الإسلامية.
إذًا: هذه كانت ملحوظة في منتهى الأهمية.
الملحوظة الثانية: أن قريشًا لم يمثلها في هذه السفارات إلا صحابي واحد فقط، وهو عبد الله بن حذافة السهمي القرشي ﵁، وبقية السفراء جميعًا ليسوا من قريش.
وهذه إشارة من الرسول ﵊ أن الأصلح هو الذي يعطى العمل ويكلف بالمهمة، بغض النظر عن النسب والمكانة العائلية والقبلية وما إلى ذلك، مع أن الجميع يعرف أن قريشًا هي أعلى العرب نسبًا، وقد يقول البعض: لعله من الأصلح والأفضل أن نجعل كل السفراء من قريش؛ لأجل رفع قيمتهم عند زعماء العالم، لكن مثل هذا سيترك رسالة عكسية سلبية وهي أن السفارة لا تكون إلا في الأشراف، وهذا ليس صحيحًا، الأكفأ والأفضل هو الذي يحمل الرسالة.
الملحوظة الثالثة: أن التمثيل القرشي لم يكن فقط يسيرًا في هؤلاء السفراء، وإنما كان التمثيل في بني هاشم منعدمًا تمامًا، وهذه إشارة واضحة جدًا من الرسول ﷺ أنه لا يجب أبدًا أن تعطى المناصب الهامة إلا للأكفاء بغض النظر عن قرابتهم أو علاقتهم بالقائد، فالقائد المتجرد حقًا هو الذي ينظر إلى مصلحة الأمة لا مصلحة القبيلة، ويهتم بقضايا الشعب لا قضايا العائلة.
إذًا: هذه كانت الملحوظة الثالثة.
الملحوظة الرابعة في هؤلاء السفراء الكرام: أنهم جميعًا من المهاجرين لا يوجد فيهم أنصاري واحد، وهذه الملحوظة ليست خاصة بهؤلاء السفراء، لا، سنجدها تقريبًا في كل مواطن السيرة، قلما تقلد أنصاري منصبًا هامًا أو قياديًا في الدولة الإسلامية؛ ولعل ذلك ليبقى الأنصاري رمزًا في المسلمين يعطي ولا يأخذ، وأنتم تعرفون أهم سمة تميز الأنصار ﵃ وأرضاهم: أنها صفة الإيثار، كما وصفهم الله تعالى وقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر:٩]، لابد أن يبقى مثلًا يؤثر على نفسه وهو راض مطمئن.
والأنصار ﵃ أجمعين ما نالوا من الدنيا شيئًا يذكر، لا في حياة الرسول ﵊ ولا بعد وفاته ﵊، كانوا مثلًا رائعًا للعطاء بلا حدود؛ للإيثار دون تردد، فمن الأفضل أن يظلوا بهذه الصفة دائمًا؛ من أجل ذلك الرسول ﷺ لم يعطهم السفارة ولا القيادة، جاء في البخاري عن أنس ﵁ وأرضاه عن أسيد بن حضير أخبره: (أن رجلًا من الأنصار جاء إلى الرسول ﵊ وقال له: يا رسول الله! ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال ﷺ: ستلقون -يخاطب الأنصار عامة- بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض).
يعني: أمر الأنصار ألا يبحثوا أبدًا على الإمارة؛ حتى يبقى دائمًا مثل الإيثار واضحًا نقيًا عندهم ﵃.
وليس معنى هذا أن المهاجرين كانوا يتشوفون للإمارة أو يرغبون في السفارة أبدًا، بل على العكس المهاجرون باعوا الدنيا تمامًا، وهذه السفارات على شرفها خطيرة جدًا، وقد يكون ثمنها حياة السفير، وسنرى هذا الكلام فعلًا بعد ذلك مع الحارث بن عمير ﵁ وأرضاه عندما يقتل على يد شرحبيل بن عمرو الغساني، وسيكون قتله سببًا في غزوة مؤتة، وسنرى هذا في الدروس القادمة.
إذًا: نخلص من ذلك الأمر: أن الأنصار لا
[ ٣٣ / ١٢ ]