بنى رسول الله ﷺ الدولة الإسلامية على أسس قوية ترتكز عليها، لمواجهة التحديات القائمة تجاهها، ففي الفترة المكية نجح رسول الله ﷺ في بناء الأفراد على العقيدة الصحيحة، واتضح ذلك جليًا على الواقع في الفترة المدنية بعد هجرته ﷺ، إذ فيها كان بناء الدولة الإسلامية الشاملة.
[ ١٥ / ١ ]
مميزات العهد المدني وقيام الدولة الإسلامية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله ﷿ أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
اليوم نبدأ الحديث عن العهد المدني في السيرة النبوية، قبل هذا تكلمنا عن العهد المكي، والكثير الكثير من الأحداث الهامة جدًا في العهد المكي للأسف أغفلت؛ لكثرة الأحداث وصعوبة الإلمام بكل ما تم في حياته ﷺ من دروس وعبر وعظات وأحكام وتشريعات، إذا كنا نقول ذلك الكلام عن فترة مكة فالحديث عن فترة المدينة أصعب بشكل لافت للنظر؛ لأن أحداث المدينة المنورة كثيرة جدًا ومتشعّبة: غزوات، وسرايا، ومعاهدات، ولقاءات ومعاملات، وحياة زوجية للرسول ﷺ، وحياة مع الصحابة، وحياة مع المنافقين، وحياة مع أعداء الأمة من اليهود ومن المشركين ومن غيرهم، في الحقيقة هناك تنوعات هائلة في السيرة النبوية، ويكاد يكون من المستحيل أن تجمع كل السيرة النبوية في فترة المدينة المنورة في مجموعة واحدة أو مجموعتين أو ثلاث أو أكثر، سنظل نتكلم سنين كثيرة في السيرة النبوية، ومهما تكلم المتكلمون قبل ذلك ستجد جديدًا في السيرة النبوية؛ لأن السيرة النبوية كنز لا ينتهي عجائبه، كما تقرأ القرآن الكريم فأنت في كل فترة تأتي بجديد وبإضافة في فقه آية أو في فهم معنى، ويبدع المفسّرون في تفسير بعض الآيات كل سنة، مع أن لنا تقريبًا (١٤٠٠) سنة ونحن نفسر القرآن الكريم، كذلك في السيرة النبوية كلما تقرأ حدثًا قد تطلع منه على جديد، وكتب السيرة التي تُطبع في هذا الوقت بعد (١٤٠٠) سنة من التدقيق والتحليل والدراسة للسيرة النبوية ما زالت تخرج لنا جديدًا.
إذًا: السيرة النبوية إعجاز وترتيب دقيق جدًا من رب العالمين ﷾، وضع الله ﷿ فيها كل المتغيرات والأحداث، التي من الممكن أن تحدث في الأرض وإلى يوم القيامة؛ لكي يقيم حجته على البشر في قوله ﷾: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] ففي كل مواقف الحياة تستطيع أن تجد سنة حسنة في رسول الله ﷺ.
ولهذا في مجموعة المدينة هذه لن نستطيع بأي حال من الأحوال أن نتناول جميع الأمور بالترتيب، سنُغفل بعضها، ونحيل هذه الأمور إلى مجموعات أخرى من المحاضرات والدروس.
على سبيل المثال سنجعل مجموعة نسميها: الرسول ﷺ وحل مشكلات العالم.
نتناول فيها كيف حل الرسول ﵊ مشكلة البطالة، ومشكلة الأمية، ومشكلة الزواج المتأخر، ومشكلة الفقر، ومشكلة اللاجئين مشاكل كثيرة جدًا مرت بالأمة الإسلامية، حلها الرسول ﵊ بطريقة علمية عملية واضحة، نستطيع أن نقلدها بمنتهى السهولة لو درسنا السيرة النبوية.
وسوف نجعل أيضًا مجموعة من المحاضرات إن شاء الله نسميها: الرسول ﷺ وأخطاء المؤمنين.
وسنجمع فيها أخطاء المؤمنين التي وقعوا فيها في فترة المدينة أو في فترة مكة، وهذه الأخطاء في الحقيقة تحتاج منا إلى دراسة متأنية وتحليل لكل خطأ كيف حدث؟ وكيف خرج منه المسلمون؟ وفي الحقيقة تأخذ مساحات كبيرة جدًا من الوقت في التحليل والدراسة؛ ولهذا سنحاول أن نخرج هذه الأخطاء قدر المستطاع دون الإخلال بترتيب الأحداث وبفقه المعاني في داخل الفترة النبوية في المدينة المنورة، ونجمع كل هذه الأخطاء في مجموعة: الرسول ﷺ وأخطاء المؤمنين.
ومن المجموعات مجموعة: بناء الدولة الشاملة في عهد الرسول ﵊ البناء الاقتصادي، البناء السياسي، البناء العسكري، البناء القضائي، البناء الرياضي، فالرسول ﵊ كوَّن دولة شاملة بترتيبات دقيقة جدًا وقانون محكم، كل هذا يحتاج إلى تفصيلات لا نستطيع أن نتحدث عنها كلها في هذه المجموعة.
إجمالًا فترة المدينة المنورة بصفة عامة لها سمات تميزها عن فترة مكة المكرمة، ففترة مكة تستطيع أن تقول: إنها فترة بناء الفرد المسلم الصالح المؤمن بربه، والمؤمن برسوله الكريم ﷺ، المعتقد بالبعث والحساب يوم القيامة، ودخول الجنة أو النار، كانت بناءً للأواصر القوية بين الجماعة المسلمة الصغيرة جدًا، كانت فترة تجنب للاستئصال قدر المستطاع، فمرة عن طريق التخفي، ومرة أخرى عن طريق تجنب الصراع بكل وسيلة ممكنة، ومرة عن طريق الهجرة، فالهجرة إلى الحبشة كانت مرتين، والثالثة كانت للمدينة المنورة.
أما فترة المدينة المنورة فكانت فترة بناء للأمة الإسلامية بكل ما تعنيه الكلمة، فإذا كنا في فترة مكة نبني أفرادًا، ففي فت
[ ١٥ / ٢ ]
الأسس التي بنى عليها رسول الله ﷺ الأمة الإسلامية
تربية مكة كانت الأساس للصرح الضخم الذي بُني بعد ذلك في المدينة المنورة، والأساس الذي يبني فوقه عشرات الأدوار لا أحد يراه، إلا العالمين ببواطن الأمور، فلو أتيت أحد المهندسين فإنه يستطيع أن يخبرك بعمق الأساس ومساحته وقوته، وأيضًا كم يستطيع أن يبني فوق العمارة التي بُنيت، فلو كان الأساس ضعيفًا فإن البناء ينهار عند أول هزة، قد تجده يقف أمامك فترة من الزمن، لكن أول زلزال ولو كان يسيرًا قد يجعل البناء ينهار بالكلية، وما أكثر ما رأينا دولًا وأحيانًا تكون دولًا إسلامية تنهار؛ لأن الأساس كان ضعيفًا، والتربية كانت ضعيفة، وما أحداث طالبان منا ببعيد، ما نشك في نياتهم وفي أخلاقهم وفي عبادتهم، لكن البناء كان ضعيفًا، والتربية كانت ضعيفة؛ فحدث هذا الانهيار المروع وفي فترة قصيرة؛ لأنه لم تُدرس سيرة الرسول ﵊ دراسة متأنية منهم، أو ممن وقع من أمثالهم في حلقات التاريخ المختلفة.
إلى كل العاملين على الساحة الإسلامية أقول: دراسة السيرة ليست ترفًا فكريًا، إنما هي فريضة على كل من أراد أن يعز هذه الأمة وأن يشارك في بنائها.
ما هو الأساس الذي وضعه الرسول ﷺ لبناء الأمة الإسلامية، وحرص على تقويته في فترة مكة المكرمة؟ ما الذي نأخذه من فترة مكة لندخل فترة المدينة؟
[ ١٥ / ٣ ]
شهادة أن لا إله إلا الله والعمل بمقتضاها
جعل الرسول ﵊ من أول يوم ثلاثة أسس رئيسية للأمة الإسلامية: الأول: الإيمان به وتعظيمه واليقين الكامل في قدرته وحكمته وأحقيته بالطاعة والخضوع، لا إله إلا الله، هذه كلمة عاش لها ﷺ فترة طويلة من الزمان، من أول البعثة إلى أن مات ﷺ وهو يزرع في الناس هذه الكلمة الموجزة جدًا، التي توضح معنى عبادة الناس لرب العالمين ﷾، كان يمشي وسط المشركين في مكة المكرمة ويقول لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا العرب والعجم)، فنجاة البشر بصفة عامة في الدنيا بقول لا إله إلا الله، ونجاة البشر يوم القيامة بقول لا إله إلا الله.
لكن ليس المقصود أن تقولها باللسان، فجميعنا يقول: لا إله إلا الله، من منا في حياته يطبق قول لا إله إلا الله؟ هل كان ينكر العرب أن الله ﷿ هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلق البشر؟ أبدًا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] هذا اعتراف من الجميع، لكن المشكلة الرئيسة أنهم حكموا غير الله ﷿ في حياتهم، عبدوا الله ﷿ ظاهرًا وطبقوا شرع غيره في كل جزئية من جزئيات حياتهم؛ لذلك كانوا من الكافرين، وخسروا الخسران المبين؛ من أجل عدم تطبيق كلمة لا إله إلا الله في حياتهم، والذين قالوها هم الصحابة ﵃ وأرضاهم، ملكوا العرب والعجم كما وعدهم ﷺ: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا العرب والعجم).
يقول ربنا ﷾ في كتابه الكريم: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] الناس جميعًا تعترف أن الخلق لله، ما ادعى بشر قبل ذلك وإلى الآن وإلى يوم القيامة أنه يخلق، فالجميع يعترف أن الخلق قوة خارجة عن إرادة البشر وقدرتهم، وهذا يحيلنا جميعًا إلى الله ﷿ أنه هو الذي خلق، لكن من الذي يأمر؟ ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
لا إله إلا الله تقتضي أن تطيع الله ﷿، إن هذا الكلام ليس بالسهل، بل كثيرًا ما يتعارض مع مصلحتك في الظاهر، والشرع كله مصلحة؛ واتباع شرع ربنا ﷾ يحقق لك المصالح في الدنيا والآخرة، لكن عين الإنسان القاصرة أحيانًا لا ترى الخير، ولا ترى الحق والصواب في أمر من الأمور، وتظن أن اختيارها أفضل مما اختاره رب العالمين ﷾ لها، وهذا ضعف إيمان، فلابد أن تؤمن إيمانًا يقينيًا بقدرة رب العالمين ﷾ على أنه يختار الاختيار الأفضل لك ولأمتك، سواء في زمان الرسول ﷺ أو في زماننا، أو إلى يوم القيامة في كل مكان في الأرض؛ لأن هذه حقائق ثابتة، والإنسان إذا كان عنده تردد في هذا المعنى فهذا ضعف إيمان؛ ولهذا مكث الرسول ﷺ (١٣) سنة كاملة من مجموع (٢٣) سنة من البعثة كلها يزرع هذا المعنى فقط، ويركز تركيزًا كاملًا على معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فرسول الله ﷺ ظل يعمل من أجل لا إله إلا الله فترة طويلة جدًا من الزمان، وحرص في فترة المدينة المنورة على تأكيد هذا المعنى حتى مات ﷺ.
إذًا: فالأصل الأول الذي لا تُبنى أمة الإسلام إلا به: لا إله إلا الله.
[ ١٥ / ٤ ]
شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ والعمل بمقتضاها
الثاني: الإيمان الكامل والجازم أن محمدًا ﷺ رسول بعثه رب العالمين ﷾ برسالة منه إلى البشر عامة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
يقول رسول الله ﷺ: (ألا إن ما حرمت مثل الذي حرم الله) تمامًا بتمام؛ لأن السنة وحي من عند رب العالمين ﷾، والقرآن وحي من رب العالمين ﷾.
فلو كان الناس لا يفهمون معنى أن الرسول ﷺ رسول من عند رب العالمين ﷾، وظنوا أنه مجرد رجل حكيم أو عبقري أو سياسي قدير أو كذا من الأمور، لأخذوا من كلامه وردوا حسب ما أرادوا، لكن الذي أراد ﷺ أن يزرعه في فترة مكة المكرمة أن ما يقوله هو وحي من رب العالمين ﷾، سواء كان كلام رب العالمين القرآن، أو كان وحيًا وعبّر عنه ﷺ بالمعنى، سواء الحديث القدسي أو الحديث النبوي كما نعلم جميعًا.
[ ١٥ / ٥ ]
الإيمان الجازم باليوم الآخر
الثالث: الإيمان الجازم بأن هناك بعثًا يوم القيامة، وأن هناك حسابًا من إله قدير عليم حكيم، يثيب المحسن بالجنة، ويعاقب المسيء بالنار.
هذا ما قاله ﷺ عندما وقف على جبل الصفا يدعو المشركين جميعًا إلى الإيمان برب العالمين ﷾.
قال: (والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن على ما تعلمون، وإنها لجنة أبدًا أو نار أبدًا).
[ ١٥ / ٦ ]
الآثار المترتبة على الإيمان بالشهادتين واليوم الآخر
هناك أمور أخرى كثيرة قام بها الرسول ﷺ منها: تقوية الأواصر بين المسلمين، زرع الأخلاق الحميدة، وتنمية روح التسامي والتضحية عند المسلمين، والبذل والعطاء، لكن لن تتحقق هذه الأمور كلها إلا إذا آمنت أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن هناك بعثًا يوم القيامة إيمانًا يقينيًا جازمًا.
قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧].
هل نستطيع أن نفهم تطبيق شرع الله في حياتنا من غير أن نفهم هذه الأصول أو الأسس الثلاثة؟ في فترة المدينة المنورة جاءت تشريعات وقوانين كثيرة جدًا، ولن يطبق هذه القوانين إلا من رُبِّي تربية صادقة صحيحة في فترة مكة المكرمة، أو تربى في المدينة المنورة على هذه الأصول الثلاثة المهمة.
فإن كان الإيمان ضعيفًا كان الانسياق للقانون الذي أتى من عند رب العالمين عن طريق رسول الله ﷺ ضعيفًا أيضًا، ومن ثم كان بناء الأمة الإسلامية ضعيفًا، والدستور الإسلامي هو أحكم قانون عرفته الأرض؛ لأنه من عند رب العالمين ﷾ الذي يعلم ما يصلح العباد وما ينفعهم؛ لهذا كان اختياره لنا دائمًا أفضل من اختيارنا لأنفسنا، والمسألة مسألة إيمان ويقين كما ذكرنا، إلا أن فلسفة الحكم في الإسلام لا تعتمد فقط على دقة القوانين وإحكامها، ولا تعتمد على مهارة الحاكم وحسن إدارته، بل تعتمد أيضًا على الشعور الدائم من المسلم بأنه مراقب من رب العالمين ﷾، وليست فقط رقابة ظاهرية، بل رقابة للباطن أيضًا: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٢٩].
ويصف ربنا ﷾ نفسه بقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
ونتيجة هذه المراقبة سيكون الحساب يوم القيامة ثم الجنة أو النار، ومن ثم الأمة التي تؤمن بالله لا تخالف الدستور أو القانون الإلهي حتى في غياب عين الحاكم، أو حتى في غياب المدير أو الشرطي، وما ذلك إلا لأنها تعلم أن الله ﷿ يراقبها.
هذه هي فلسفة الحكم في الإسلام، لو أحسن المسلمون فقه هذه الفلسفة لكانت أمة الإسلام هي أكثر الأمم انضباطًا في تنفيذ قوانينها.
ولو أضفت إلى هذا حقيقة أن القانون الإسلامي هو أفضل قانون في الأرض بلا منازع؛ فإن هذا يفرز أفضل أمة بكل المقاييس؛ ولهذا ربنا ﷾ يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] فأنتم خير أمة وقانونكم هو خير القوانين، واتباعكم للقانون خير الاتباع، هذا إذا كان الناس يفهمون حقيقة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن هناك بعثًا يوم القيامة.
فإذا رأيت في فترة من الفترات أو في مكان من الأمكنة أن أمة الإسلام ليست خير الأمم في الأرض، فاعلم أن هذا نتج من مخالفة المسلمين، إما بترك أجزاء من القانون، وإما بسوء التربية الذي يفرّغ القانون من روحه ومعناه، فيتحايل عليه المسلم ناسيًا أن الله يراقبه؛ وما ذلك إلا لضعف إيمان، لو حصل هذا ستجد الفساد في أمة الإسلام، وستجد الرشوة والتزوير لإرادة الشعوب، وستجد التدليس على الناس، والكذب والبهتان والفواحش والمنكر، ستجد انهيارًا كاملًا لكل فضيلة وخلق ومعروف؛ وذلك لأن القانون تفرّغ من روحه، فالناس لا يعرفون أن هذا وحي من رب العالمين ﷾، وأن الله ﷿ يراقبهم في كل صغيرة وكبيرة.
خلاصة لما سبق لن تكون للمسلمين أمة ودولة بغير تربية مكة، تربية الإيمان بالله ﷿، والإيمان برسوله الكريم ﷺ، والإيمان باليوم الآخر، تربية الصبر والثبات والتضحية والتجرد والإخلاص الكامل لله رب العالمين ﷾.
[ ١٥ / ٧ ]
بداية العهد المدني بهجرة الرسول ﷺ وأصحابه
نحن وقفنا في محاضرات مكة المكرمة على أمر الهجرة، وأن الرسول ﵊ هاجر هو وكل المسلمين الذين يستطيعون الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
وعند دخولنا المدينة المنورة لفت الأنظار مباشرة رد فعل الأنصار ﵃ وأرضاهم لدخول الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة، كان فرحًا شاملًا في كل المدينة المنورة، فقد استقبلوا الرسول ﵊ بالأناشيد والأهازيج كما تعلمون جميعًا: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع إلى آخر الكلمات التي كان يقولها الأنصار بحب حقيقي وفرح فطري في داخلهم، وهذا الفرح بتحمل المسئولية أمر غريب يحتاج منا إلى وقفة، فشتان بين من يبحث عن الدعوة ومن تبحث الدعوة عنه، وشتان بين من يبحث عن الجهاد ومن يبحث الجهاد عنه، وشتان بين من يبحث عن التضحية ومن تبحث التضحية عنه، فالأنصار كانوا يبحثون عن الدعوة وخدمة الإسلام.
ها هو الرسول ﷺ داخل المدينة المنورة، ودخوله هذا معناه خطير جدًا، معناه: حرب الأحمر والأسود من الناس.
معناه: مفارقة العرب قاطبة.
معناه: العداء المستمر مع اليهود الذين يسكنون في داخل المدينة المنورة، ولهم علاقات قديمة جدًا مع الأنصار.
معناه: تضحية وبذل وإنفاق وموت في سبيل الله ﷿.
كان الأنصار يعرفون جيدًا هذه المعاني قبل أن يدخل الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة؛ لأنهم عاهدوا الرسول ﵊ في بيعة العقبة الثانية على النفقة في العسر واليسر، وعلى السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وعلى أن ينصروه إذا قدم إليهم، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، كل هذا في مقابل الجنة.
ومستحيل أن يدفع أحد هذه الأشياء جميعها من غير أن يكون عنده إيمان يقيني جازم أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا ﷺ رسول الله، وأن الجنة حق، وأنه سيدخلها بهذه الأعمال التي قدمها من أجل الله ﷿.
إذًا: ففرح الأنصار هذا يعبر عن طبيعة الأنصار التي سوف نراها بعد هذا في كل مراحل المدينة المنورة، في كل الفترات سواء في داخل المدينة أو في خارج المدينة، فكل الأحداث عطاء مستمر متواصل يعجب له الإنسان، ولا يفقهه إلا من يعلم أن الأنصار مؤمنون إيمانًا يقينيًا بالله ﷿ وبرسوله الكريم ﷺ؛ لذلك الرسول ﵊ يقول في حق الأنصار كلمات جميلة تُكتب بماء الذهب وبما هو أغلى من الذهب، يقول ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار).
فإذا كنت تحب الأنصار فأنت مؤمن، وإن كنت تبغضهم فأنت منافق، فانظر كيف أصبح إيمان العبد بقدر وشرف الأنصار علامة من علامات صدق إيمانه، والذي لا يحب الأنصار يجب عليه أن يراجع نفسه، فهؤلاء الأنصار خرجوا فرحين جدًا بتلقي كم هائل من المشاكل التي سوف تحدث في المدينة المنورة بعد دخول الرسول ﵊؛ فرحين لأن هذا هو طريق الدعوة الذي سيوصلهم إلى الجنة، وأنتم تعرفون هذا من قبل، الطريق صعب لكن نهايته الجنة، وفرحهم هذا كان فرحًا إيجابيًاّ وليس مجرد فرح قلبي.
من أول يوم خرجوا إليه بالسلاح، والخروج بالسلاح فيه معنى التشريف لرسول الله ﷺ، وفي زماننا هذا الوقت عندما نستقبل رئيسًا أو شخصية كبيرة نستقبلها بالسلاح أو بما يسمى تشريفة السلاح هذا.
فهذا فيه تشريف لرسول الله ﷺ، لكن مع هذا فهو تطمين لقلبه ﷺ أنهم ما زالوا على عهد البيعة التي عقدوها معه قبل ذلك في مكة المكرمة بيعة العقبة الثانية، وهناك أعداء كثر في داخل المدينة المنورة وفي خارجها يتمنون قتل رسول الله ﷺ، كثير من المشركين موجودون في داخل المدينة المنورة، معظم أهل المدينة كانوا لا يزالون غير مؤمنين، وعندك أيضًا مشركو مكة الذين استمروا في تتبع الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة، ولم يفلت منهم ﷺ إلا عند دخوله إلى قباء أول مواضع المدينة المنورة، وقلنا قبل هذا إن قبيلة أسلم اعترضت الرسول ﵊ قبل دخوله إلى المدينة المنورة بقليل؛ بغية القبض عليه لتسليمه إلى قريش؛ لنيل الجائزة الكبرى التي أعطتها قريش لمن يأتي برسول الله ﷺ وهي مائة من النوق، وهو رقم ضخم في ذلك الزمان.
الرسول ﷺ يواجه مخاطر كثيرة داخل المدينة وخارجها، فالأنصار من أول لحظة يقولون: نحن معك بالسلاح، ونحن مستعدون أن نفديك بكل ما نمتلك من أموال وأرواح وكل شيء.
إذًا: كان هذا وضع الأنصار ﵃ وأرضاهم، واستقبالهم الحافل برسول الله ﷺ استقبال مشرف حقيقة، ينبئ ويخبر عن طيب وحسن طبيعة الأنصار ﵃ وأرضاهم.
[ ١٥ / ٨ ]
وقفة مع لحظة التمكين لرسول الله ﷺ
قبل أن نعرف ما الذي عمله الرسول ﷺ في المدينة المنورة، أريد أن أقف وقفة وأقول: إن لحظة التمكين قد تكون قريبة جدًا، راجع معي الفترة التي سبقت الهجرة إلى المدينة المنورة بثلاث سنوات.
قبل ثلاث سنوات من الهجرة كان عام الحزن الذي مات فيه أبو طالب والسيدة خديجة ﵁ وأرضاها، وأظلمت مكة تمامًا، وأُغلق فيها باب الدعوة، حتى اضطر الرسول ﵊ لأول مرة في تاريخه أن يخرج من مكة المكرمة سعيًا وراء إيصال الدعوة إلى غيرها؛ لأنه لم يجد أحدًا في مكة المكرمة سيؤمن في تلك اللحظة، وخرج ﷺ في مشوار طويل شاق جدًا إلى الطائف، وتعلمون جميعًا ما حدث في الطائف، وخرج منها ﷺ وقد رُمي بالحجارة وأُلقي التراب فوق رأسه وسُب بأقبح الألفاظ، ودخل مكة بعد ذلك في جوار مشرك وهو مطعم بن عدي، والمحلل للوضع يجد أنه من المستحيل حقًا في عرف أهل الدنيا وفي حسابات المادة أن تقوم لرسول الله ﷺ ولمن معه من المؤمنين المضطهدين المشردين المعذبين في داخل مكة المكرمة دولة، ولو بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين أو مائة سنة.
وراجع مرة أخرى الفترة المكية لتعرف صعوبة هذه الفترة، لا يوجد فيها أي أنصار من أي نوع، رفضت مكة الإيمان، ورفضت الطائف الإيمان، ورفضت كل القبائل التي أتت في العام العاشر والعام الحادي عشر من البعثة جميعًا الإيمان بالله ﷿ وبرسوله الكريم ﷺ، ولم يقبل من كل الذين دعاهم ﷺ الإيمان إلا ستة من الخزرج في آخر العام الحادي عشر من البعثة، كانت هذه الأحداث قبل الهجرة بسنتين، وفي غضون سنتين أصبح الرسول ﷺ قائدًا لدولة، ومع أن الدولة بُقعة صغيرة لا تُرى على خريطة العالم في ذلك الوقت في المدينة المنورة، لكن أصبحت له دولة وأصبح ممكنًا وزعيمًا، وأصبح الجميع يسمع له ويطيع.
سبحان الله! حصل هذا بدون أي نوع من الشواهد، لم نكن نرى أي شاهد، لكن إذا قارنت هذا الوضع بما نحن عليه الآن في عصرنا هذا فإنك ستجد أن الشواهد لإقامة الأمة الإسلامية كثيرة جدًا، راجع ثلاثين سنة أو أربعين سنة مضت كيف كان وضع المسلمين ووضعهم حاليًا بفضل الله؟ كم من الناس يصلون الآن في المساجد؟ ففي الستينات لم يصل من الناس في المساجد إلا عدد قليل نادر، وتجد المصلي كبيرًا جدًا في السن، وانظر الآن إلى المساجد بحمد الله، فإنك ستجد عدد المصلين هائلًا وبالذات من الشباب.
كم من المحجبات والملتزمات بالزي الشرعي؟ كم من الدعاة أصحاب الفهم الصحيح الشامل للإسلام انتشروا في بقاع الأرض بكاملها؟ كم من الهيئات تتبنى الآن شئون الإسلام؟ بل انظر إلى كم من المتسلقين الراغبين في السيطرة على أفكار الناس يلوحون بالإسلام وينافقون المسلمين؟ فمن ثلاثين إلى أربعين سنة لم يكن هناك شيء اسمه نفاق للإسلام؛ لأن الإسلام كان ضعيفًا، أما في هذا الوقت فإن الجميع ينافق المسلمين، وإذا رأيت الرجل ينافق الإسلام أو ينافق المسلمين فاعلم أن الإسلام قوي وقاهر، وأن له حضورًا وهيبة وعظمة في قلب هذا الذي ينافق؛ ولذلك ينافقه، وبفضل الله الآن لو راجعنا قلوب ومشاعر العالم الإسلامي بصفة عامة تجد فيها انسياقًا طبيعيًا فطريًا للإسلام.
أيضًا عند الانتخاب مثلًا تجد الناس يختارون من رفع لواء الإسلام وشعاره، وإن كانوا لا يعرفون اسمه؛ وذلك لأنه يتبنى الفكر الإسلامي الذي يحبه الناس، فهذه كلها علامات وشواهد على قرب قيام الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية بإذن الله.
أما أيام الرسول ﵊ فلم يكن هذا موجودًا في فترة عام الحزن ولا في العام الذي تلاه، ومع ذلك قامت الأمة الإسلامية، وأقيمت دولة إسلامية تقيم شرع الله ﷿ في غضون ثلاث سنوات فقط.
[ ١٥ / ٩ ]
الأعمال النبوية التي قام بها ﷺ بعد وصوله إلى المدينة المنورة
لابد أن تركز على الترتيبات النبوية بعد وصوله مشارف المدينة، أول شيء فعله كذا ثم كذا ثم كذا، فهذا الترتيب مقصود، وكل الإشارات في حياته ﷺ لها معنى، بل كل حركة وسكنة في حياته كانت بتوجيه ومراقبة من رب العالمين ﷾، حتى اختياراته البشرية ﷺ التي كانت لا تتوافق مع ما يريده رب العالمين ﷾؛ كان ينزل جبريل ﵇ مباشرة ليعدل المسار للرسول ﷺ، وليوضح لهم مراد رب العالمين ﷾ من هذه النقطة، فأصبحت السيرة النبوية من أولها إلى آخرها بوحي وتأييد من رب العالمين ﷾.
ولا وصول إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا باتباع خطوات الرسول ﷺ، وبالترتيب الذي فعل ﷺ.
[ ١٥ / ١٠ ]
بناء مسجد قباء وبعده المسجد النبوي وأهمية ذلك
أول الخطوات إنشاء مسجد قباء، فقد ظل ﷺ في قباء أسبوعين تقريبًا، وانتقل بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وسنرجع إلى النقطة هذه بعد قليل.
في المدينة المنورة استُقبل الرسول ﷺ من الأنصار استقبالًا كبيرًا جدًا ومشرفًا مرة أخرى، بعد أسبوعين من انتقاله من قباء، وتسابق الأنصار جميعًا بشتى قبائلهم على استقبال الرسول ﷺ، وكان كل واحد من الأنصار يريد أن تأتي ناقته ﷺ إلى بيته، فكل فرد من الأنصار يريد أن يدخل النبي ﷺ عنده، لكن الرسول ﷺ قال كلمة أصبحت منهجًا لحياة الصحابة بعد ذلك، قال ﷺ: (دعوها فإنها مأمورة).
أي: دعوا الناقة فإنها مأمورة من رب العالمين ﷾، وأنا أيضًا مأمور، والمؤمنون جميعًا مأمورون: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] فالرسول ﷺ لا يستطيع أن يختار إذا كان الله هو الذي يختار له أمرًا من الأمور، وكأن الرسول ﷺ يقول: قد أجلس في بيت فلان أو بيت فلان، أو بيت أقربائي من بني النجار، أو بيت صحابي كبير، أو أحد ممن أحبهم، لكن إذا أمر الله ﷿ فلا مجال للهوى ولا مجال للاختيار، فالذي يأمر الناقة هو رب العالمين ﷾، وعلينا جميعًا أن نسمع ونطيع؛ هكذا علمهم بوضوح، وكان من الممكن أن ينزل الوحي ليقول للرسول ﵊: انزل في بيت فلان، أو ضع المسجد في هذا المكان الفلاني، لكن هذا المشهد العلني أمام الجميع، والجميع يتسابق لاستقباله ﷺ، وهو يخرج نفسه تمامًا من الاختيار ويجعل الاختيار الكامل لرب العالمين، هذا المشهد زرع معنى مهمًا جدًا، سيظل معنا طول فترة المدينة المنورة، وما أكثر التشريعات والأحكام التي نزلت في المدينة المنورة، وقد لا يفقهها عامة الناس، وقد لا يدركون الحكمة من وراء الأمر، ومع ذلك عليهم أن يسمعوا ويطيعوا لله رب العالمين، وبركت الناقة في مكان معين في المدينة المنورة، وفي هذا المكان قرر الرسول ﷺ أن يبني المسجد النبوي.
فأول شيء فعله ﷺ في قباء هو بناء المسجد، وأول شيء فعله في المدينة المنورة بناء المسجد النبوي، وفعله هذا ليس مصادفة أو إشارة عابرة، بل هو منهج أصيل.
فلا قيام لأمة إسلامية بغير تفعيل لدور المسجد؛ فالمساجد في هذا الوقت كثيرة، لكن كثيرًا منها غير مُفعّل كمسجد، مخطئ من ظن أن المسجد لم ينشأ إلا لأداء الصلوات الخمس فقط، بل في بعض الدول الإسلامية يُقفل المسجد مباشرة بعد الصلاة، وكأن دوره الوحيد هو الصلاة فقط.
إن دور المسجد في بناء الأمة الإسلامية أعمق من ذلك بكثير، وليست أهمية المسجد في حجمه أو شكله أو زخرفته أو قص الشريط لفتحه، هذه كلها شكليات فارغة لا قيمة لها، والرسول ﷺ كان ينهى عن هذه الشكليات، وكان ينهى عن المبالغة في تزيين المساجد، وكان يقول: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد) هذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل ﵀ وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أنس ﵁ وأرضاه، ولفظ ابن خزيمة: (يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلًا)، تجد المساجد ضخمة وكبيرة جدًا وتجد فيها صفًا أو صفين! وقال ﷺ: (ما أُمرت بتشييد المساجد) والتشييد: رفع البناء زيادة عن الحاجة، وقال في رواية أبي داود: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى)، نهتم بالشكليات كالرخام والزخارف وما إلى ذلك، ولا نهتم بالتربية داخل المسجد.
والمسجد في حياة الأمة له أدوار في غاية الأهمية، من ذلك: الحفاظ على إيمان المسلمين، فالأساس الرئيس الذي اجتهد ﷺ في زرعه في صحابته هو الإيمان بالله ﷿، والمسجد كما يظهر من اسمه هو مكان للسجود لرب العالمين ﷾، للرضوخ الكامل له، والطاعة المطلقة لكل أوامره.
فمن الصعب جدًا أن يجلس المسلمون في بيت الله ﷿؛ ليأخذوا قرارًا أو يعتمدوا رأيًا، ثم هم يخالفون ما أراده الله ﷿ منهم.
والمسجد مكان يحفظ على المسلمين دينهم؛ ولهذا كانت حياة المسلمين تدور في مجملها حول محور المسجد، فالصلاة في المسجد لا ينبغي التخلف عنها إلا في ظروف ضيّقة ومحدودة؛ لأن المسجد مكان لالتقاء المسلمين وتقوية للأواصر بينهم، فعدم الحضور لصلاة الجماعة في المسجد عمل لا يقوي الأواصر بين المسلمين، فأنت إذا كنت تحافظ على الصلاة خم
[ ١٥ / ١١ ]
كيفية بنائه ﷺ للمسجد النبوي
وقف ﷺ مع صحابته جميعًا يبنون المسجد النبوي بالمدينة المنورة، وفي بناء هذا المسجد دروس لا تُحصى: أولًا: البساطة في البناء، والاهتمام الكامل بالجوهر لا بالشكل.
كان المسجد مبنيًا من اللبن والجريد، ومع ذلك أخرج عمالقة حكموا العالم بعد ذلك.
وكان الجميع يتمنى أن يحمي الرسول ﷺ ويفديه بنفسه وروحه، وأن يفديه من كل تعب أو نصب، ولكن الرسول ﷺ نزل بنفسه مع الصحابة ليبني المسجد ويأخذ معهم التراب، وينقل معهم الحجارة، ويقيم الأعمدة، ويخطط للمسجد، وهذه من أبلغ الوسائل لتربية الشعوب.
ثانيًا: المشاركة الحقيقية والمعاناة الكاملة مع الشعب، وسنجد هذه النقطة معنا في سيرته ﷺ كاملة، ففي بدر تجده يقاتل بنفسه ﷺ، وفي أحد كذلك، وفي حفر الخندق يحفر معهم، وفي السفر والحضر معهم في مشاكلهم وأفراحهم وخلافاتهم، معهم في كل أزمة وفي كل لحظة، معهم حتى إلى القبور، فأي واحد منهم يموت يحرص ﷺ على الذهاب معه إلى قبره، فمن أول ما بدأ أخذ يربي إلى أن مات ﷺ، وهكذا مع عموم شعبه ﷺ، فمهما كان الإنسان بسيطًا أو فقيرًا أو من قبيلة أخرى أو من لون آخر أو من جنس آخر، فكل المسلمين عنده سواء، وهو ﷺ واحد منهم، وهكذا كان زعماء الأمة في زمان قوة المسلمين.
فهذه أسس رئيسة لبناء الأمة الإسلامية، وما نتحدث عنه الآن في إيجاز يحتاج إلى تفصيلات كثيرة جدًا، وتأصيل في داخل الأمة الإسلامية لترفع رأسها من جديد.
[ ١٥ / ١٢ ]
كيفية بناء بيت النبي ﷺ في المدينة
هناك موقف لطيف حصل من الرسول ﷺ بعد قرار بناء المسجد في هذا المكان، أنتم تعرفون أن الرسول ﷺ قال عن الناقة: (دعوها فإنها مأمورة)، وبذلك حُدد مكان المسجد النبوي، وفي هذا الوقت لم يكن النبي ﷺ قد سكن المدينة المنورة، ولم يبن له بيتًا، فأين يسكن ﷺ؟ قال: (أي بيوت أهلنا أقرب؟) لم يبحث ﷺ عن أفخم بيوت المدينة أو أقربها إلى قلبه، لكن قال: (أي بيوت أهلنا أقرب؟) أيًا كانت هذه الدار، فكل ديار المسلمين داره ﷺ، بغض النظر عن أصولهم أو عرقياتهم أو عن قبائلهم، فقد يكون المسلم الباكستاني أو السوري أو الإندونيسي أو الأمريكي أقرب إلى المسلم من أخيه الذي يربطه النسب به ولا يشترك معه في العقيدة، وما أبلغ ما قاله رب العالمين ﷾ لنوح ﵇: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] سبحان الله! ابنه ليس من أهله؛ لأنهما مختلفان في العقيدة، وها هو الرسول ﷺ يبحث عن أقرب بيوت أهله، مع أن الرسول ﵊ من قريش، وهؤلاء من الأوس والخزرج، وأقرب بيت كان هو بيت أبي أيوب الأنصاري ﵁، وفيه مكث الرسول ﵊، وحدثت فيه أحداث لطيفة لا يسمح المجال بتفصيلها.
استقر الرسول ﵊ في بيت أبي أيوب الأنصاري، وظل فيه فترة من الزمن إلى أن بُني له بيت، وعندما نقول: بيت، فهذا مجاز، فالرسول ﷺ بُني له حجرة بسيطة جدًا وصغيرة تفتح على المسجد، وكان كل زوجة من زوجات الرسول ﵊ لها حجرة واحدة، وفي هذه اللحظة التي أتى فيها إلى المدينة المنورة لم يكن متزوجًا إلا بالسيدة سوده بنت زمعة ﵂ وأرضاها، فكانت له حجرة واحدة، وكان قد عقد على السيدة عائشة ﵂، لكن لم يبن بها بعد.
ويبدأ الرسول ﵊ في بناء دولة لا تحكم المدينة فقط، بل تحكم دولة مؤهلة لقيادة الأرض بكاملها، ولهز عروش ضخمة وممالك عظمى من هذا البناء البسيط الصغير.
إن المسجد النبوي البسيط الذي بُني في ذلك الوقت لا شك أنه مجهود هائل، ولا شك أنه في ظن كثير من الناس حلم بعيد المدى ومستحيل، لكن سبحان الله! هذا الحلم تحقق وبخطوات معروفة وثابتة.
إذًا: لابد لنا في هذه المجموعات من المحاضرات أن نتعرف على خطوات الرسول ﷺ: الخطوة الأولى سبق وأن قلناه: إنها خطوة الإيمان الحقيقي اليقيني بالله ﷿، وهذه بنيت في مكة وأول قدومه إلى المدينة ﷺ، فقد حرص ﷺ على التأكيد عليها، وعلى زرع معناها من جديد في المسجد النبوي ومسجد قباء.
[ ١٥ / ١٣ ]
الطوائف الموجودة في المدينة المنورة وخارجها وكيفية تعامله ﷺ معها
أول شيء فعله الرسول ﵊ بعد بناء المسجد دراسة واقع المدينة المنورة بعد الهجرة إليها.
من الذي يعيش في المدينة المنورة؟ من حول المدينة المنورة؟ من أصحاب المدينة المنورة؟ من يعادي المدينة المنورة؟ من يحايد المدينة المنورة؟ فالرسول ﵊ يبني دولة على أرض فيها الكثير من المتغيرات الهائلة، والمشاكل الضخمة، والأزمات الطاحنة.
وهكذا تعددت الطوائف التي يجب أن يتعامل معها رسول الله ﷺ من أول يوم هاجر فيه، وكل طائفة لها مشاكل خاصة وحسابات مختلفة وأزمات متشعّبة، ولها أولويات تختلف كثيرًا عن أولويات الطوائف الأخرى.
من هي الطوائف المختلفة، حتى نعرف كيف كانت حكمة الرسول ﵊ في التعامل مع هذه الطوائف المختلفة؟ هذه الطوائف تستطيع أن تقسمها إلى ثلاث مجموعات، وسوف تظهر بعدها مجموعة رابعة خطيرة جدًا في المدينة المنورة، لكن بعد سنتين من الهجرة إلى المدينة المنورة.
[ ١٥ / ١٤ ]
طائفة المسلمين
المجموعة الأولى من هذه الطوائف: مجموعة المسلمين، والمسلمون هؤلاء أكثر من نوع وطائفة: الطائفة الأولى: أهل المدينة الأصليون من المسلمين، الذين عُرفوا بعد هذا بالأنصار، هؤلاء كانوا طائفتين كبيرتين: الأوس والخزرج، وكانت هناك مشاكل كبيرة بين الطائفتين، وسننظر كيف تعامل الرسول ﷺ مع هذه المشاكل.
الطائفة الثانية: طائفة المهاجرين الذين فروا بدينهم من مكة إلى المدينة بغير زاد ولا مال ولا بيوت ولا أي شيء، وكان موقفهم حرجًا جدًا.
الطائفة الثالثة: طائفة المهاجرين إلى الحبشة، وعددهم كبير، وكان عددهم أكثر من (٨٠) رجلًا وامرأة مع أولادهم وممتلكاتهم، وهم موجودون في الحبشة ولهم فيها سنوات.
الطائفة الرابعة: المسلمون في القبائل غير المكية الذين يعيشون في شبه استقرار، ولكن بعيدًا عن المدينة المنورة كبعض المسلمين في اليمن، وبعض المسلمين في قبيلة غفار، وفي قبيلة أسلم، وفي غيرها من القبائل، فهم بعيدون عن المدينة المنورة، وليس لهم سند واضح في داخل المدينة المنورة، ومع ذلك هم في قبائلهم أعزة.
الطائفة الخامسة: طائفة المستضعفين في مكة، الذين لم يهاجروا إلى المدينة المنورة؛ لضعفها وقلة حيلتها، كـ أم الفضل ﵂ زوجة العباس بن عبد المطلب، والعباس لم يسلم بعد، وهي امرأة ضعيفة فكيف تهاجر بمفردها، ومعها ابنها عبد الله بن عباس ﵁ وأرضاه، وكان يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين في مكة، فلم يستطع أن يهاجر.
فهذه خمس طوائف من المسلمين، وعلى رسول الله ﷺ أن يضع حلًا وطريقة ومنهجًا لكل طائفة، وهي طوائف متباينة كما ترون، كل طائفة تعيش في ظروف لها خلفيات وتربية وأصول.
إذًا: الوضع معقد جدًا، وعلى الرسول ﷺ أن يحل كل هذه المشاكل، ويقيم دولة متجانسة من هذه الطوائف المختلفة من الناس.
هذه أول مجموعة من الذين تعامل معهم رسول الله ﷺ.
[ ١٥ / ١٥ ]
طائفة المشركين
المجموعة الثانية: طائفة المشركين، وهذه المجموعة مختلفة تمامًا، فقد فُرض عليه ﷺ أن يتعامل معها، ولم يعتقد أحد أن المدينة المنورة بعد أن هاجر إليها الرسول ﵊ سوف تمتلئ بالمسلمين، بل إن استقبال الأوس والخزرج للنبي ﷺ كان من قبل المسلمين، فهناك الكثيرون من الأوس والخزرج إلى هذه اللحظة لم يسلموا، ظلوا على شركهم، وظلوا يعبدون أصنامهم في وجود الرسول ﷺ.
إذًا: أولًا: المشركون من الأوس والخزرج.
ثانيًا: المشركون من الأعراب حول المدينة، وهي قبائل عاشت على السلب والنهب وقطع الطريق في معظمها، فهي قبائل خطيرة جدًا لا تريد إلا المصالح والسرقة والنهب، فكيف سيتعامل الرسول ﷺ معها؟ ثالثًا: المشركون من القبائل الكبرى حول المدينة، فبعض القبائل الكبيرة الضخمة حول المدينة ما زالت مشركة، كيف سيتعامل معها الرسول ﵊؟ كقبيلة جهينة وقبيلة مزينة.
رابعًا: المشركون من قريش، ولا يظن أحد أن قريشًا ستنسى قصة الرسول ﵊ بمجرد الهجرة، نعم، المسافة طويلة ما بين مكة والمدينة المنورة، والظروف قاسية، طريق صحراوي وعر في ذلك الوقت، ومع ذلك يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فهذا أمر واضح أن قريشًا لن تنسى القصة، وبالفعل لم تنس قريش.
[ ١٥ / ١٦ ]
طائفة اليهود
المجموعة الثالثة: مجموعة اليهود، واليهود معروف عنهم أنهم أهل غدر وخيانة، وهم في ذلك الوقت أهل قوة وسلاح وعتاد، فكيف سيتعامل معهم الرسول ﷺ، خاصة أنهم لم يكونوا حول المدينة المنورة، بل كانوا داخل المدينة المنورة، وهم ثلاث قبائل قوية قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني النضير، وقبيلة بني قريظة؟ وليس هذا فحسب، فهناك في شمال المدينة المنورة قبائل تعيش في منطقة خيبر ووادي القرى، وكلها قبائل اليهود.
فكيف سيتعامل الرسول ﷺ مع هؤلاء اليهود؟ أتراه يعاهدهم أم يحاربهم؟ هناك طرق مختلفة جدًا للتعامل كانت في حياة الرسول ﵊، ولكل طريقة منها ظرف، فإن لم أكن أعرف الظروف التي من أجلها اختار ﷺ منهجًا معينًا في التعامل مع هذه الطوائف المختلفة المتباينة فإني لن أفهم السيرة جيدًا؛ لذلك يجب الوقوف عند كل حدث من هذه الأحداث وتحليله بدقة، لكي نعرف ما هي الأبعاد التي من وراء هذا الحدث؛ ومن أجلها أخذ الرسول ﷺ قرارًا دون قرار.
فهذه المجموعات الثلاث مهمة جدًا، تعامل معها رسول الله ﷺ، وهي: مجموعة المسلمين، ومجموعة المشركين، ومجموعة اليهود.
وسوف تظهر لنا بعد سنتين مجموعة المنافقين، لكن سنؤجل الكلام عليها عندما نصل إليها.
يا ترى! ما الذي فعله الرسول ﵊ مع كل مجموعة من هذه المجموعات؟ ويا ترى! كيف كان تعامله مع هذه الطوائف المتباينة؟ ويا ترى! ما هو حكم الشارع الإسلامي في التعامل مع هذه النوعيات المختلفة من البشر؟ بما أن الكلام هذا يحتاج إلى تفصيل كثير، والوقت هنا لا يتسع، نؤجل -إن شاء الله- الحديث عن هذه الأسئلة المهمة إلى اللقاء القادم.
قبل أن ننتهي نلخص الدروس المهمة جدًا التي خرجنا بها من هذه المحاضرة، وهي كيف يمكن أن تُبنى أمة الإسلام؟ أولًا: الأصول الثلاثة: لا إله إلا الله.
أن محمدًا رسول الله ﷺ.
أن هناك بعثًا يوم القيامة، يحاسب فيه رب العالمين ﷾ المحسن على إحسانه بالجنة، والمسيء على إساءته بالنار.
ثانيًا: تسابق المسلم إلى البذل وإلى العطاء، كما تسابق الأنصار ﵃ وأرضاهم إلى استقبال الرسول ﷺ، مع خطورة استقباله في داخل المدينة المنورة.
ثالثًا: المسجد ودوره في بناء الأمة الإسلامية واتساع الأفق عند المسلم؛ لكي يعرف أن دور المسجد ليست في الصلاة فقط، وإنما له دور في كل نقطة من نقاط حياة المسلم.
رابعًا: المشاركة بين القائد والشعب، مشاركة الرسول ﵊ للمسلمين في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم.
خامسًا: رباط العقدية الذي وضحه ﷺ عندما قال: (أي بيوت أهلنا أقرب؟)، فالرابط الذي يربط المسلمين هو رباط العقيدة، وليس رباط القبيلة ولا اللون ولا الجنس ولا اللغة ولا غير ذلك من الأمور.
سادسًا وأخيرًا: فقه الواقع، لكي يعرف الرسول ﷺ كيفية التعامل في داخل المدينة المنورة صنف الناس كلهم إلى الطوائف التي تنتمي إليها، ومن ثم كان تعامله ﷺ مع كل طائفة مختلفًا.
وهذا الذي سوف نعرفه إن شاء الله في الدرس القادم.
أسأل الله ﷿ أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٥ / ١٧ ]