كان لغزوة تبوك أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب، فقد أخذت قبائل العرب في التوافد إلى رسول الله ﷺ بعد هذه الغزوة، فمنهم من وفد لإعلان إسلامه إما اقتناعًا، وإما رهبًا، وإما رغبًا، ومن آثار هذه الغزوة ظهور حقيقة المنافقين ظهورًا جليًا، مع أمر الله ﷿ بالتشديد عليهم والتضييق، وهناك آثار أخرى كثيرة يجدها من تأمل في واقع المسلمين بعد هذه الغزوة المباركة غزوة تبوك.
[ ٤٤ / ١ ]
ملخص ما حدث في غزوة تبوك
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس السادس عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين.
في الدرس السابق تكلمنا عن الأزمة الخطيرة التي مر بها المجتمع المسلم في المدينة المنورة في السنة التاسعة من الهجرة، عندما علم ﷺ بتجمع الرومان في البلقاء في الشام، فقرر الخروج إليهم في ظروف صعبة جدًا، من الضائقة الاقتصادية الشديدة، والمسافة البعيدة، والحر الشديد، والعدو الرهيب، في هذه الأزمة الطاحنة برزت بوضوح الطبقات الخمس لأي مجتمع مسلم ممكن في الأرض، وكما ذكرنا في الدرس السابق فهذه الطبقات الخمس موجودة بصفة دائمة في أي دولة إسلامية ممكنة في الأرض، غير أنها تبرز بوضوح عند الأزمات الشديدة كأزمة تبوك مثلًا، هذه الطبقات الخمس: هي طبقة عمالقة الإيمان، وطبقة عموم المؤمنين، وطبقة المتخلفين عن أمر الله بصفة مؤقتة، وطبقة عموم المنافقين، وأخيرًا طبقة مردة المنافقين، وأنا أحب أن أؤكد على معنى هام جدًا هو أن هذه الطبقات الخمس وإن كانت موجودة دائمًا إلا أنها تتفاوت في الحجم بحسب طريقة التربية وقوة التربية، ولأن التربية الإسلامية ما شاء الله كانت على أعلى درجات التربية وأبهى الصور في عهد الرسول ﵊ لم نجد في طبقة المنافقين بشقيها سواء كان عموم المنافقين أو مردة المنافقين، لم نجد في غزوة تبوك أكثر من ثمانين منافقًا، أو أكثر من ثمانين بقليل، وهذه نتيجة الجهد الطويل والعظيم من المربي الأعظم والرسول الأكرم ﷺ.
وذكرنا في الدرس السابق أن الجهد العظيم الذي قام به المؤمنون من طبقة عمالقة الإيمان، وطبقة عموم المؤمنين، ساعد على تجهيز الجيش الإسلامي الكبير الذي خرج إلى تبوك في رجب سنة (٩) هجرية، وكان عدد الجيش الإسلامي ثلاثين ألف مقاتل، وذكرنا أن نسبة التخلف كانت يسيرة جدًا لا تتجاوز واحدًا من عشرة آلاف، تصور ثلاثة من أصل ثلاثين ألف مقاتل، وبرغم كل المعوقات التي حاول المنافقون أن يضعوها إلا أن الجيش العملاق خرج بالفعل بفضل الله ﷿.
ترك الرسول ﵊ على إمارة المدينة المنورة محمد بن مسلمة ﵁، وترك على أهله علي بن أبي طالب ﵁، وبدأ الجيش المناضل في رحلة طويلة جدًا شاقة جدًا وفي صبر جميل، صبر على الجوع، وصبر على التعب، وصبر على الحر، وكان الزاد قليلًا جدًا، حتى إن الرجلين والثلاثة كانوا يقسمون التمرة بينهم، وكان يتعاقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، وكانوا يدخرون الماء لندرته، حتى كانوا ينحرون الإبل ليشربوا الماء الذي تدخره الإبل بطونها، إنه ابتلاء كبير جدًا، ويبتلى المرء على قدر دينه.
وكأن هذا الابتلاء ليس كافيًا، فيأتي ابتلاء جديد؛ لاختبار الطاعة لأمر رسول الله ﷺ، لما وصل المسلمون إلى منطقة الحجر، منطقة الحجر هي الآن موجودة في شمال السعودية، وهي المنطقة التي كانت بها ديار ثمود قوم صالح ﵇، وقوم صالح كما تعرفون أهلكوا في هذه المنطقة لما كفروا بربنا ﷾، في هذه المنطقة أبيار للماء، ورأى المسلمون أبيار الماء وأسرعوا إليها قبل استئذان الرسول ﷺ، وملئوا الأوعية بالماء وعجنوا العجين بهذا الماء؛ ليصنعوا خبزًا يشبعهم بعد طول جوع، فلما علم الرسول ﵊ بذلك الأمر أمرهم بأمر شاق جدًا على نفوسهم قال لهم: (لا تشربوا من مائها شيئًا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئًا)؛ لأن هذا الماء غير مبارك، فهو ماء الذين ظلموا، والأمر مباشر وصريح بعدم الشرب منه، وليس على المسلمين إلا الطاعة.
قد يأتي من يجادل ويقول: إن هذا الماء ليس له علاقة بشاربه فيشرب منه البر والفاجر، ويشرب منه المؤمن والكافر، ونحن في حاجة للماء والطريق صعب.
وقد يأتي مجادل آخر ويقول: كان الرسول ﷺ يشرب من ماء مكة وغيرها ولا يسأل أهو ماء كفار أم ماء مسلمين؟ كل هذه الحجج والشبهات قد تثار، لكن الغرض كان واضحًا؛ وهو الطاعة المطلقة لرسول الله ﷺ.
وليست الأوامر يتضح لنا فيها الحكمة، بل إن بعض الأوامر قد يخفي الله ﷿ حكمتها عنا ليختبر مدى طاعتنا له، يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] ونجح المسلمون الصادقون في الاختبار ولم
[ ٤٤ / ٢ ]
الرجوع إلى المدينة بعد غزوة تبوك
[ ٤٤ / ٣ ]
إحباط محاولة المنافقين قتل الرسول ﷺ عند عودته من تبوك
قرر الرسول ﵊ بعد هذه الغزوة قرر العودة إلى المدينة المنورة، وعاد في شهر رمضان في سنة (٩) هـ، وفي أثناء العودة كانت هناك محاولة لقتل رسول الله ﷺ من قبل المنافقين عند منطقة العقبة، ولكن كان بصحبة الرسول ﵊ حذيفة بن اليمان ﵁، وعمار بن ياسر ﵄، ودافعا عن رسول الله ﵊ دفاعًا شديدًا، وهرب المنافقون دون أن يتبين الصحابيان الجليلان ملامح المنافقين؛ وذلك لأن المنافقين كانوا ملثمين، ومع أن الرسول ﵊ عرف بعد ذلك عن طريق الوحي أسماء المنافقين الذين قاموا بمحاولة القتل، إلا أنه ﷺ لم يقم عليهم حدًا، ولم يأمر قبائلهم بالإتيان بهم، وذلك لأمور: أولًا: حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه.
ثانيًا: أنه لا يملك بينة على أنهم هم الذين حاولوا قتله.
والبينة المقصودة هنا هي البينة الشرعية، وليست البينة عن طريق الوحي، يعني: كدليل محسوس أو قرينة أو شهادة شهود، كل ذلك ليعلمنا ألا نقيم حدًا أو حكمًا على أحد إلا ببينة، مع أنه متأكد تمام التأكد من أسمائهم عن طريق الوحي، لكن هذا هو العدل، ولا أعتقد أن هناك مستوىً من العدل في أي دولة من دول العالم أرقى من هذا المستوى الذي رأينا في موقف الرسول ﵊، ولم نرى في الأرض زعيمًا يعلم علمًا يقينيًا أن هناك مجموعة دبروا محاولة لاغتياله ثم هو يتجاوز عنهم ولا يؤذيهم بأي صورة من صور الإيذاء؛ لأنه لا يملك أدلة قوية تدينهم أو تثبت الجريمة عليهم.
[ ٤٤ / ٤ ]
تعامل الرسول ﷺ بعد عودته من تبوك إلى المدينة مع المخلفين
وصل ﷺ إلى المدينة بسلام، ولا بد لنا من وقفة، أين القتال الضروس الذي تخيله المسلمون يوم خرجوا؟ أين الفتنة الرهيبة التي توقعها الخارجون في سبيل الله؟ أين الامتحان الدقيق الذي سيختبر فيه الصادق والكاذب والمؤمن والمنافق؟ ألم نقل قبل ذلك: إن تبوك امتحان عسير للمسلمين! وتم الامتحان فعلًا، لكن تم في المدينة المنورة على بعد (٧٠٠) كيلو متر من المكان المتوقع للامتحان، لم يكن الامتحان في تبوك كما توقع الجميع، لكن الامتحان كان في المدينة المنورة قبل الخروج إلى تبوك، الامتحان كان عبارة عن القدرة على أخذ قرار الجهاد، من تغلب على نفسه وعلى ظروفه وعلى شهواته وعلى المعوقات التي في حياته، وعلى شياطينه وعلى أقوال المرجفين، من تغلب على كل ذلك وأخذ قرار الجهاد نجح يوم أخذ هذا القرار، حتى وإن لم يحدث بعد ذلك جهاد، ومن فشل في الاختبار فهو الذي هزم داخليًا، فلم يستطع أن يأخذ هذا القرار، ولم يستطع أن يخرج من أزمته النفسية، ولم يستطع أن يتجاوز جبنه المقعد، قد تكون نجاتك في قرار تأخذه، فإن أخذته كفاك الله ﷿ ما كنت تتوقع من مصائب وإيذاء وألم، قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]،ونسأل الله ﷿ الثبات عند الفتن.
لما وصل الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة، وعرف الناس الآثار الحميدة والنتائج العظيمة لهذه الغزوة المباركة جاء إليه كل من تخلف عن الجهاد بغير عذر ليعتذر منه، وكان المعتذرون فريقين في الأساس: الفريق الأول: فريق المؤمنين الصادقين الذين تخلفوا عن الجهاد بغير عذر، ووقع التخلف منهم كهفوة عابرة أو خطأ غير متكرر، وهؤلاء هم الثلاثة الذين خلفوا ولم يقبل الرسول ﵊ اعتذارهم حتى نزل فيهم وحي من رب العالمين ﷾.
ونزل بعد ذلك الوحي بمقاطعة هؤلاء الثلاثة عقابًا لهم، وتحذيرًا لكل المسلمين أن يقعوا في مثل خطئهم وتحدث القرآن الكريم عن هؤلاء الثلاثة، وهم: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وكانت المقاطعة هذه لمدة خمسين ليلة كاملة، ثم تاب الله ﷿ بعد ذلك عليهم وأوقفت المقاطعة.
هذه قصة فيها دروس وعبر كثيرة جدًا، وسوف يتم الحديث عنها بالتفصيل بإذن الله في مجموعة الرسول ﵊ وأخطاء المؤمنين.
الفريق الثاني: كان فريق المنافقين سواء من أهل المدينة أو من الأعراب حول المدينة، وهؤلاء جاءوا يحلفون أنهم كانوا معذورين، ويعدون أنهم سيخرجون بعد ذلك مع المسلمين في أي قتال قادم، وهؤلاء قيل منهم ﷺ الاعتذار، وأجرى أمورهم على الظاهر، ولم يقم عليهم أي تعزير من أي نوع؛ لأنه ﷺ كان يرى أنه ليس فيهم أمل، فقلوبهم فاسدة، وأعينهم لا تبصر، لذلك فإن التعزيز لا ولن يأتي بنتيجة معهم، فلا داعي له، وقد يستغرب بعض الناس ويقول: لماذا أقام الرسول ﵊ التعزيز أو العقاب على المؤمنين الصادقين ولم يقمه على المنافقين؟ نقول: المنافقون لم يعترفوا بالذنب، وقالوا: عندنا أعذار، فقبل منهم ذلك ﷺ، أما المؤمنون الصادقون فقد اعترفوا بذنبهم، وقالوا: لقد أخطأنا، فكان لا بد من عقاب، والعقاب لم يكن من عند رسول الله ﵊، ولكن أنزله رب العالمين ﷾.
[ ٤٤ / ٥ ]
حال المنافقين بعد غزوة تبوك
كانت غزوة تبوك ضربة قاصمة للمنافقين، اضطروا جميعًا إلى كشف أوراقهم، وعلم المسلمون كل من كان منافقًا ويخفي ذلك، بل بعد تبوك تلقى المنافقون ضربتين من نوع آخر، وهاتان الضربتان حجمتا إلى حد كبير من قوة المنافقين داخل المدينة المنورة.
أما الضربة الأولى: فكانت هدم مسجد الضرار، ومسجد الضرار هو الذي بناه المنافقون لتشتيت المسلمين؛ ولبث أفكارهم الهدامة وفتنتهم الخطيرة في المدينة، وقد نزل الوحي يأمر الرسول ﵊ بهدم هذا البناء الفاسد، مع كونه في الظاهر مسجدًا، فأمر ﷺ فرقة من الصحابة بهدم المسجد وتحريقه، فكانت ضربة مباشرة للمنافقين.
أما الضربة الثانية القاصمة: فكانت موت زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، والذي تولى كبر الفتنة بشتى أنواعها من بعد بدر وإلى غزوة تبوك، مات الرجل على نفاقه، ورفض الدعوى الكريمة التي وجهها له ﷺ ليحسن إسلامه، بعد هذه الرحلة الطويلة من الصد والإعراض عن سبيل الله ﷿، وأصر عبد الله بن أبي بن سلول على معتقده الفاسد، ومع ذلك عامله ﷺ بمنتهى الرفق والرحمة؛ وذلك ليتألف قومه، وليخفف عن ابنه الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، وكان من صالحي الصحابة ﵁، فاستغفر ﷺ لـ عبد الله بن أبي بن سلول بعد موته، وأعطاه قميصه ليكفن فيه، بل وصلى عليه على الرغم من معارضة عمر بن الخطاب ﵁ لذلك، وقد نزل القرآن بعد ذلك موافقًا لرأي عمر ﵁، قال الله ﷿: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، وبموت عبد الله بن أبي بن سلول انحسرت حركة النفاق جدًا في المدينة المنورة، بل وفي الجزيرة العربية، ولم نسمع لهم صوتًا يذكر في العام العاشر من الهجرة.
[ ٤٤ / ٦ ]
أثر غزوة تبوك
بعد غزوة تبوك حصل انتصار كبير للمسلمين، وحصل انحسار كبير لحركة النفاق، ولا شك أن العرب في كل الجزيرة العربية كانوا يراقبون الأحداث، وقد علموا أنه لا طاقة لهم أبدًا بحرب المسلمين، فها هي قريش قد سلمت وأسلمت وفتحت أبواب مكة لرسول الله ﷺ، وها هي كذلك هوازن قد دخلت في الإسلام، وها هو رسول الله ﷺ يأخذ جيشًا قوامه (٣٠٠٠٠) مقاتل لمواجهة أعتى قوة في الأرض -وهي الدولة الرومانية- للمرة الثانية في غضون سنة ونصف.
فهذا ما لا يتصوره العرب في أحلامهم فضلًا عن أن يكون واقعًا يرونه رأي العين؛ من أجل هذا بعد عودة الرسول ﵊ من تبوك أخذت القبائل العربية قرارًا شبه جماعي بالقدوم إلى المدينة المنورة للتواصل مع رسول الله ﷺ، فجاء بعض هذه القبائل ليعلن الإسلام مقتنعًا به ومحبًا له، وجاء بعضهم مسلمًا؛ لكونه يرهب الدولة الإسلامية، أو يرجو ودها، ومنهم من جاء ليتفاوض ويطلب لنفسه شيئًا، ومنهم من جاء ليعقد عهدًا ويظل على دينه.
إذًا: جاء الجميع ولم يستطع أحد منهم أن يتجاهل القوة الإسلامية الجديدة، وبدأت الوفود الكثيرة في التوافد على المدينة المنورة في أواخر العام التاسع من الهجرة، وأثناء العام العاشر أيضًا، ولذلك عرف العام التاسع الهجري بعام الوفود؛ لكثرة الوفود التي أتت فيه بعد تبوك.
كان عدد هذه الوفود على الأقل ستين وفدًا، ووصل في بعض التقديرات إلى أكثر من مائة وفد، ولن نستطيع أن نقف في هذه المجموعة على تفاصيل مقابلة الرسول ﵊ لكل وفد من هذه الوفود، مع أنه فيها من الفوائد والعظات ما لا يقدر بثمن، ونحتاج إلى تفريغ جهد خاص ودراسات متأنية؛ لنقف على الدروس العظيمة التي نستخرجها من حوارات الرسول ﵊ مع هذه الوفود الكثيرة.
[ ٤٤ / ٧ ]
وفد ثقيف
لكن في هذه المحاضرة أريد التعليق على ثلاثة وفود في غاية الأهمية: أول هذه الوفود قدومًا بعد تبوك، وأهم هذه الوفود من ناحية الأثر كان وفد ثقيف، فثقيف كانت لها ذكريات سيئة جدًا في نفوس المسلمين؛ أولًا: ردت الرسول ﵊ في العام العاشر من البعثة، وكان الرد ردًا يخلو من كل أدب أو مروءة أو أخلاق، وفعلت معه ما لم تفعله الكثير من قبائل العرب.
ثانيًا: أن ثقيفًا اشتركت مع هوازن في حرب المسلمين في غزوة حنين، وبعد هزيمتها رجعت إلى الحصون في الطائف وفشل المسلمون في فتح الحصون، وعادوا دون نتيجة بعد حصار أكثر من شهر.
ثالثًا: قتلت ثقيف زعيمها عروة بن مسعود الثقفي ﵁ بعد إسلامه، في قصة طويلة مؤثرة ليس المجال يسمح بتفصيلاتها، لكنها تركت أثرًا سلبيًا حزينًا في نفوس المسلمين، ومع كل هذه الصدمات إلا أن ثقيفًا أتت بعد تبوك لتعلن إسلامها في المدينة المنورة.
[ ٤٤ / ٨ ]
سبب إسلام ثقيف
لماذا أسلمت ثقيف؟ لم تفكر ثقيف في الإسلام حتى هذه اللحظة اقتناعًا به أو حبًا له، لكن فكرت في أحوالها التي وصلت إليها، فكيف كان وضع ثقيف في السنة التاسعة من الهجرة؟ أولًا: أسلمت معظم القبائل العربية الكبرى ومنها فروع قيس عيلان الكبرى مثل: غطفان وسليم وهوازن، ولم يبق من هوازن إلا فرع ثقيف فقط، ولن يكون لثقيف قدرة على حرب العرب كافة.
ثانيًا: أن مالك بن عوف النصري كان يقوم بحصار الطائف هو وقبيلته هوازن بعد أن أسلم وأسلمت القبيلة، فضيق ذلك عليهم بشدة.
ثالثًا: بدأ الوضع الاقتصادي في الطائف في التردي نتيجة هذا الحصار، وفقدت الطائف مكانتها التجارية؛ لأنها أصبحت مكانًا غير آمن، ولا يطمئن إليه عامة تجار العرب.
رابعًا: فقدت ثقيف أحد زعمائها المعدودين وهو عروة بن مسعود الثقفي، وليس من المستبعد أن تفقد رجالها واحدًا تلو الآخر.
هذه الأسباب دفعت ثقيفًا إلى التفكير الجاد في أمر الإسلام، وقررت ثقيف أن ترسل وفدًا إلى الرسول ﵊ مكونًا من ستة أشخاص، على رأسهم عبد ياليل بن مسعود؛ لكي يعلنوا إسلامهم وإسلام ثقيف بين يدي الرسول ﷺ، وذهب الوفد إلى المدينة المنورة والتقوا بالرسول ﷺ.
والأيام دول، فهاهي الأوضاع تتبدل، وهاهم الزعماء الآن يتبادلون الكراسي، قبل اثني عشرة سنة ذهب الرسول ﷺ إلى الطائف يطلب النصرة من ثقيف، وكان عبد ياليل هذا من أشد الناس على الرسول ﵊ في الطائف، وكان على رأس الطائف، وهاهو الآن يأتي إلى المدينة يطلب من الرسول ﵊ أن يقبل إسلامه وإسلام ثقيف، فاستقبل الرسول ﵊ وفد ثقيف استقبالًا طيبًا، يليق بنبي كريم، لم يذكرهم أبدًا بما فعلوه قبل ذلك معه في زيارتيه للطائف، وضرب لهم خيمة في المسجد؛ لكي يشاهدوا أحوال المسلمين ويسمعوا خطب الرسول ﷺ، ويتعلموا ما هو الإسلام، فكانوا يجلسون في المسجد بضعة أيام ثم يذهبون إلى رحالهم ما بين حين وآخر، فهم تركوا الرحال خارج المدينة المنورة، وكانوا قد تركوا عند رحالهم أصغرهم سنًا، واسمه عثمان بن أبي العاص، كان عمره أقل من عشرين سنة، وكانوا إذا ذهبوا إليه لفترة القيلولة تركهم عثمان بن أبي العاص وذهب إلى الرسول ﵊ ليتعلم على يديه بإخلاص، وكان إذا وجد الرسول ﷺ نائمًا ذهب إلى الصديق ﵁ فيتعلم منه، حتى أعجب به ﷺ إعجابًا جمًا، ورأى فيه خيرًا كثيرًا.
[ ٤٤ / ٩ ]
إسلام وفد ثقيف
بعد عدة أيام استمع وفد ثقيف إلى الإسلام، ورأى أحوال المسلمين، وطلبوا من الرسول ﵊ أن يسلموا، لكن كان عندهم بعض الشروط يريدونها من الرسول ﵊، وهذه الشروط توضح أنهم لم يريدوا الإسلام حبًا فيه، ولكن جاءوا رهبًا منه ورغبًا في المصالح من ورائه.
قال زعيمهم عبد ياليل بن مسعود: أفريت الزنا، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ يعني: هم يريدون أن يستحلوا الزنا، مع علمهم أن من تعاليم الإسلام تحريم الزنا، فقال الرسول ﵊ هو عليكم حرام؛ فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
يعني: هذا حد من حدود الله ﷾، ولا يمكن أبدًا أن يتنازل عنه الرسول ﷺ، مع أن إسلام ثقيف إضافة ضخمة جدًا للدولة الإسلامية، لكن لا يمكن أبدًا أن يفرط الرسول ﷺ في أي أمر من أوامر الله ﷾.
فقال عبد ياليل: أفريت الربا؛ فإنه أموالنا كلها؟ قال ﷺ: لكم رءوس أموالكم، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨].
أيضًا رفض تحليل الربا.
فقال زعيمهم: أفريت الخمر؛ فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منه؟ يعني: يريدون أن يحلوا أي شيء من المحرمات التي في الإسلام، فهذا يدل على أنهم لم يسلموا رغبًا في الإسلام، لكن ظروف الجزيرة العربية في ذلك الوقت دفعتهم إلى هذا الإسلام، قال ﷺ: إن الله قد حرمها.
وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠].
هذه أمور ثلاثة حاولوا أن يحذفوها من الإسلام، لكن الرسول ﵊ كان واضحًا تمام الوضوح، وكان حازمًا تمام الحزم، لا مساومة في الدين، ولا التقاء في منتصف الطريق إذا كان الأمر يخص العقيدة والحلال والحرام، ولم يسع إلى تأليف قلوبهم عن طريق حذف أو تبديل في الشريعة.
قام وفد ثقيف للتشاور، سنعمل فقال بعضهم لبعض: ويحكم إنا نخاف -إن خالفناه- يومًا كيوم مكة.
يعني: لو رفضوا أن يأخذوا الإسلام كاملًا دون حذف ولا تبديل فقد يغزوهم في يوم من الأيام، ويحدث لهم ما حدث لأهل مكة، فأتوا الرسول ﵊ وقالوا: نعم لك ما سألت، ثم قالوا: أرأيت الربة؟ لا زالت هناك محاولات أخرى لحذف بعض الأمور من الدين الإسلامي، قالوا: أريت الربة ماذا نصنع فيها؟ الربة هي اللات وهي الصنم المعبود في الطائف، وكانت من أعظم أصنام العرب، والجميع كان يقسم بها ويهدي إليها ويذبح عندها ويعتقد فيها، فأجاب الرسول ﵊ إجابة حاسمة لا مجاملة فيها، قال: اهدموها.
ففزع أهل ثقيف وقالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلنا.
فكان عمر بن الخطاب حاضرًا هذه المفاوضات فقال: ويحك يا عبد ياليل إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده، فرد عليه عبد ياليل وقال: إنا لم نأتك يا عمر.
يعني: ليس هذا من شأنك.
لكن لم يجد أهل ثقيف بدًا من هدم اللات، وأصر الرسول ﵊ على هدمها، لكنهم بدءوا يسامون على توقيت هدم اللات، فطلبوا من الرسول ﵊ أن يدع اللات ثلاث سنين قبل أن يهدمها، فأبى ﷺ، فقالوا: سنتين، فأبى، فقالوا: سنة، فأبى، فقالوا: شهرًا واحدًا، فأبى ﷺ، فأسقط في أيدهم، وقالوا في يأس: تولى أنت هدمها، أما نحن لا نهدمها أبدًا، فقال ﷺ: فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها.
وقبل أن يقوموا طلبوا طلبًا أخير وهو أن يعفيهم ﷺ من الصلاة يعني: مفهوم الدين عندهم غير واضح، وهذا نتيجة أن الأصنام لا تشرع منهجًا ولا تضع قانونًا، فكان عليهم أن يضعوا قوانينهم بأنفسهم، وهو الشيء الذي يسمونه الآن: القوانين الوضعية، لذلك جاءت أسئلة ثقيف مضحكة طفولية؛ لغياب مفهوم الدين الصحيح من أذهانهم، فهم كانوا يفهمون أن الدين مجرد قرابين وذبح ومجرد عبادة للات دون التدخل في حياتهم، لكن الدين الصحيح حقيقة كما أراده الله ﷿، هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فكل دقيقة وصغيرة وكبيرة في الحياة يدخل فيها الدين وله فيها رأي، وهو ما لم تفقهه ثقيف في هذه اللحظة.
لكن الرسول ﵊ رفض الإعفاء من الصلاة، وقال لهم: (لا خير في دين لا صلاة فيه)، وبهذا أقر وفد ثقيف بكل ما أمر به ﷺ، وقرروا العودة إلى الطائف على أن
[ ٤٤ / ١٠ ]
تأمير الرسول ﷺ لعثمان بن أبي العاص على الطائف
هذا موقف لا بد أن نعلق عليه لأهميته، وهو أن الرسول ﷺ أمَّر على هذا الوفد وعلى ثقيف بكاملها عثمان بن أبي العاص ﵁ مع أنه أصغر القوم؛ وذلك لشدة حرصه على التعلم، وحسن فهمه ودقة نظرته، وكفاءته القيادية.
فالرسول ﵊ تعامل مع قضية الطائف تمامًا كما تعامل مع قضية مكة، ولى شابًا لم يتلوث فكره كثيرًا بالأفكار الوثنية القديمة، وعزل عبد ياليل صاحب التاريخ الطويل في الصد عن سبيل الله؛ ولأنه قد وضح من خلال الحوار أنه غير مقتنع تمام الاقتناع بتشريعات الإسلام، ومن ثم قد ينحرف بثقيف عن الفهم الصحيح للإسلام؛ من أجل هذا عزله وولى عثمان بن أبي العاص تمامًا كما عزل أبا سفيان وولى عتاب بن أسيد ﵁ الشاب الصغير على إمارة مكة.
وهذا يوضح لنا قيمة الشباب في الإسلام، وإمكانيات الشباب الهائلة التي كان يقدرها ﷺ.
أيضًا تعامل الرسول ﵊ مع ثقيف كما تعامل مع شعب مكة فقد عفا عنهم أجمعين برغم التاريخ السيئ الذي مر به المسلمون مع الطائف، ليثبت لنا وللجميع أن منهج العفو هو منهج أصيل في الإسلام، ولم يكن حدثًا عابرًا خاصًا بمكة المكرمة.
[ ٤٤ / ١١ ]
هدم صنم اللات بالطائف
عاد وفد ثقيف إلى الطائف، وبعد محاورات وجدال مع ثقيف قبلت ثقيف بالإسلام، وبعدها بقليل جاءت السرية الإسلامية المكلفة بهدم صنم اللات، وكان على رأسها ثلاثة من أبطال المسلمين، كل واحد منهم له دلالة خاصة جدًا.
البطل الأول: خالد بن الوليد ﵁، سيف الله المسلول وأعظم القواد للجيش الإسلامي؛ ولأن المهمة شديدة الخطورة تحتاج إلى رجل كفء لا يهاب الموت، ودخول الطائف وهدم صنم اللات أمر غير مأمون مطلقًا؛ لذلك لا بد أن يكون هناك أحد صناديد الإسلام على رأس هذه السرية.
البطل الثاني: المغيرة بن شعبة الثقفي وهو من ثقيف، وأهل الطائف أدرى بشعابها، وسيقف البطن الذي ينتمي إليه المغيرة بن شعبة الثقفي من قبيلة ثقيف، وهو بطن بني معتب سيقف في حراسة المسلمين وهم يهدمون الصنم؛ لكي لا يتهور أحد ويقتل المغيرة بن شعبة، كما حدث قبل ذلك مع عروة بن مسعود الثقفي، يعني: هناك أخذ بالأسباب لحماية الوفد قدر المستطاع.
البطل الثالث: أبو سفيان بن حرب ﵁، وكان قد حسن إسلامه، وأصبح قوة أدبية وسياسية كبيرة جدًا في الدولة الإسلامية، وفي هذا إشارة واضحة جدًا لكل العرب أن يذهب زعيم الوثنية السابق في الجزيرة العربية أبو سفيان بعد أن أسلم لهدم صنم الطائف، بعد أن هدمت أصنام مكة وغيرها قبل ذلك.
ودخلت السرية الإسلامية الطائف، واجتمع أهل الطائف جميعًا لرؤية ما سيحدث لصنمهم، وهناك أناس كثيرون كانوا يظنون أن الربة (اللات) ستنتقم لنفسها، فهم ما زالوا إلى الآن في شك من الإسلام واعتقاد في اللات، وما هي إلا لحظات حتى سقطت اللات تحت معاول أبطال المسلمين، وتجلت الحقيقة التي غابت عن عيون وأذهان أهل الطائف عشرات بل مئات السنين، وأدركوا أنه قد آن الأوان للانتقال من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان.
إذًا: إسلام الطائف كان جائزة كبيرة جدًا لرسول الله ﷺ، فقد صبر سنوات طويلة جدًا، وأوذي من الطائف أشد الإيذاء، ومع ذلك ظلت رسالته نقية، والعاقبة للمتقين.
ومرت الأيام والسنوات وذهب الألم وبقي الأجر إن شاء الله، وأثمر جهدُ السنين إسلامَ مدينة عظيمة ثابتة على الإسلام وهي الطائف.
وبعد وفاة الرسول ﵊ ارتدت جزيرة العرب إلا ثلاث مدن فقط في الجزيرة العربية، كان منها الطائف، لتحقق الأمنية الصادقة لرسول الله ﷺ بأن يخرج الله ﷿ من أصلابهم من يشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ما أعظمها من أمنية، وما أسعده من نصر تحقق ورآه ﷺ بعينيه، وما أجملها من نهاية لقصة إسلام مدينة الطائف مع رسول الله ﷺ.
إذًا: كان هذا هو الوفد الأول الذي جاء إلى المدينة المنورة بعد عودة الرسول ﵊ مباشرة من تبوك.
[ ٤٤ / ١٢ ]
وفد بني سعد بن بكر من هوازن
الوفد الثاني في غاية الأهمية أيضًا، مع أن الذي جاء فيه رجل واحد فقط، ومع أنه مكون من رجل واحد إلا نفعه كان عظيمًا جدًا، ويؤكد على هذا المعنى عبد الله بن عباس ﵄ قال: ما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من هذا الوافد.
وهذا الوافد كان وافد بني سعد بن بكر من هوازن، ومعظم قبيلة بني سعد أسلمت بعد موقعة حنين، لكن بقيت منها بعض البطون، كان منها هذا البطن الذي جاء منه هذا الوافد، وهذا الوافد كان أعرابيًا فيه شيء من الغلظة والجفاء، إلا أنه كان ذكيًا جدًا، كان عاقلًا، وكان إيجابيًا على مستوى عال من الفهم وحسن التصرف.
وقصة هذا الوافد جاءت في صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد والحاكم وأبي داود.
وحاولت أن أجمع لكم قدر المستطاع تفاصيل القصة من هنا وهناك لتكمل الفائدة: جاء هذا الرجل إلى المدينة المنورة والرسول ﵊ جالس وسط أصحابه، فقال: أيكم محمد؟ هكذا باسمه، يقول أنس بن مالك: وكان النبي ﷺ متكأ بين ظهرانيهم.
انظروا إلى رسول الله ﷺ، وهو القائد المهاب والزعيم المنتصر، والذي دانت له كل القبائل، وواجه الرومان، يجلس بين أصحابه في تواضع، بحيث إن الغريب لا يميزه من بين عامة الأصحاب والجنود والأتباع.
لا نرى مثل هذه المواقف إلا في أمة الإسلام.
نحن لا نعرف من هو هذا الرجل، ولا الصحابة أنفسهم يعرفونه، قال الرجل: (يا ابن عبد المطلب! قال ﷺ: قد أجبتك، قال الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك -يعني: لا تغضب مني، فهو يتكلم بحدة وبشدة- فقال ﷺ في تواضع جم: سل عما بدا لك، قال الرجل: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال ﷺ: صدق، قال الرجل: فمن خلق السماء؟ قال ﷺ: الله، قال الرجل: فمن خلق الأرض؟ قال ﷺ: الله، قال الرجل: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال ﷺ: الله، قال الرجل: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال ﷺ: نعم.
قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال ﷺ: صدق، قال الرجل: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال ﷺ: نعم.
قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، تؤخذ من أغنيائنا فتقسم في فقرائنا، قال ﷺ: صدق، قال الرجل: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال ﷺ: نعم.
قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال ﷺ: صدقك.
قال الرجل: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال ﷺ: نعم.
قال الرجل: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال ﷺ: صدق.
قال أنس بن مالك ﵁: فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
قال أنس: ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، ثم ولى، فقال ﷺ: لئن صدق ليدخلن الجنة).
هذه الفروض إن قام بها الرجل دون نقص فإنها طريق إلى الجنة، أما النوافل فهي ترفع من درجات العبد في الجنة، أو تجبر كسر الفروض المنقوصة، وهذا هو يسر الإسلام، وهذا هو جمال الإسلام.
فذهب ضمام بن ثعلبة ﵁ إلى قومه بهذه المعلومات التي يعرفها عامة المسلمين رجالًا ونساءً بل وأطفالًا، فماذا فعل؟ لقد عاد ضمام بن ثعلبة ﵁ وأرضاه مسرعًا إلى قومه، فاجتمع حوله الناس فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله ﷿ قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه.
فماذا كانت النتيجة؟ يقول عبد الله بن عباس ﵄: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا.
تصوروا بهذه المعلومات اليسيرة القليلة غيّر ضمام من واقع قبيلة بكاملها، وهدى الله ﷿ به أقوامًا، فهم جميعًا في ميزان حسناته، والدال على الخير كفاعله.
هذا الذي فعله ضمام يمنع أيًا منا من أن يعتذر؛ بأنه غير مؤهل للدعوة، ولا يمتلك العلم الكافي، ولا نقول لك: أفتِ الناس بما لا تعلم، لكن ما تعلمه وتظنه قليلًا هو بالنسبة لغيرك كثير كثير، ولنا في
[ ٤٤ / ١٣ ]
وفد نصارى نجران
الوفد الثالث: هو وفد نصارى نجران، نجران بلد كبيرة في جنوب الجزيرة العربية، وكان أهل نجران يدينون بالنصرانية، فأرسلوا وفدًا إلى الرسول ﵊، وهذا الوفد كان فيه أربعة عشر وافدًا، وتقول بعض الروايات: إن الوفد وصل إلى ستين رجلًا.
وصل هذا الوفد بهيئة منظمة جدًا، وفي صورة منمقة وصلت حد المبالغة، فقد لبسوا الثياب الحريرية وتحلوا بالذهب، والرسول ﵊ يحرم هذه الأمور على الرجال، فكره ﷺ أن يتكلم معهم وهم بهذه الصورة، وأجلهم يومًا، فجاءوا في اليوم الثاني وهم يلبسون لبس الرهبان، فبدأ الرسول ﵊ في الحوار معهم، وهذا الوفد لم يكن من نيته ولا من همه أن يسلم أو يفكر في الإسلام، وإنما أتى ليناظر الرسول ﵊ ويجادله من ناحية، وأتى ليبهره ويبهر المسلمين من ناحية أخرى؛ لهذا فالحوار معهم كان على صورة مختلفة كثيرًا عن الحوار مع الوفود الأخرى.
فقد عرض الرسول ﵊ عليهم الإسلام، ولكنهم رفضوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، هذه الكلمة صحيحة لو كانوا متبعين لكتبهم الأصيلة دون تبديل ولا تحريف، وفي هذه الكتب غير المحرفة بشارة برسولنا ﷺ، وعلامات واضحة لنبوته، وأدلة دامغة على صدقه، لذلك فعلماء اليهودية والنصرانية يعرفون الرسول ﷺ، ويعرفون علاماته، ويوقنون بصدقه وبوجوب اتباعه، من أجل هذا يقول ﷾: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧]، لكن منعهم الكبر والمصالح والدنيا والهوى والحسد، وأشياء كثيرة جدًا منعتهم من الإسلام.
من أجل هذا أنكر الرسول ﵊ عليهم كلمة (كنا مسلمين قبلكم)، وذكر لهم أنهم يحرفون دينهم في أمور كثيرة، وهذا التحريف يتنافى مع الإسلام، والإسلام معناه: أن يسلم الإنسان نفسه تمامًا لله ﷿، ويسلم نفسه لتشريعات الله ﷿ وقوانينه، ولا يسلم نفسه لأهوائه الشخصية أو مصالحه الخاصة.
قال لهم الرسول ﵊: (يمنعكم من الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدًا)، هذه أمور ثلاثة حرفتموها في الإنجيل، ولن تسلموا فيها لله رب العالمين، ولا يستقيم أن تطلقوا على أنفسكم مسلمين قبل أن تتركوا هذا الاعتقاد الفاسد، وللأسف هذا اعتقاد جازم عند معظم النصارى، وهو يمنعهم من التفكير في الإسلام.
وهناك أمر غريب جدًا كنت دائمًا استقربه ولم أفهمه إلا بعدما قرأت حوار الرسول ﷺ مع وفد نصارى نجران، وهو أنه عند نزول المسيح ﵇ قبل يوم القيامة يجعل من مهمته أن يصحح هذه الأمور التي ألصقت بدينه ولم تكن فيه.
انظروا إلى الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).
وكما ذكرنا أن وفد نجران لم يكن يريد الإسلام، من أجل ذلك كثر الجدال بينه وبين الرسول ﵊، وكثر إلقاء الشبهات والرد عليها، وكان مما قالوه: (ما لك تشتم صاحبنا؟ -يقصدون عيسى ﵇- وتقول: إنه عبد لله ﷿، فقال ﷺ: أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول).
هذا ليس انتقاصًا أبدًا من عيسى ﵇، بل العبودية لله تشريف، وهو رسول من أولي العزم من الرسل، وهو كلمة الله ألقاها إلى مريم ﵍، والتي نكرمها ونجلها، وننفي عنها أي شبهة سوء، فنقول: إنها مريم العذراء البتول، لكن النصارى يبالغون في تكريم المسيح ﵇ حتى خرجوا به عن طبيعته إلى طبيعة أخرى، فقالوا: هو الله، وقالوا: هو ابن الله، وقالوا: ثالث ثلاثة، وكلها مبالغات غير مقبولة، إنها عقيدة فاسدة دفعهم إليها الحب والتقديس الزائد عن الحد المطلوب، من أجل هذا كان الرسول ﵊ حريصًا عند موته على إبراز هذا المعنى؛ حتى لا يتجاوز المسلمون الحب المفروض له إلى الحب الذي يقود إلى ضلال وكفر، فيخرجون بطبيعة الرسول إلى غيرها، فقد كان الرسول ﵊ وهو على فراش الموت يقول: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، رواه البخاري ومسلم.
ولكون النصارى في وفد نجران لا يتنازلون عن هذا الاعتقاد الفاسد، فإنهم غضبوا من وصف عيسى ﵇ بالبشرية والعبودية وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب، فإن كنت صادقًا فأرنا مثله؟ فأنزل الله ﷿ الحجة الدامغة، حيث ضرب لهم مثلًا يوضح حقيقة عيسى ﵇، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَ
[ ٤٤ / ١٤ ]
حج أبي بكر الصديق ﵁ بالناس
في آخر السنة التاسعة من الهجرة أرسل الرسول ﵊ وفدًا من المسلمين للحج، وأمر على الناس أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه، والسبب في أنه ﷺ لم يذهب بنفسه: أن الحج في تلك السنة كان مفتوحًا للمسلمين والمشركين سويًا، وأُخبر ﵊ أن المشركين يحضرون ويطوفون بالبيت عراة، فقال ﷺ: لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك.
وخرج وفد الحج إلى مكة المكرمة بقيادة الصديق ﵁، وبعد خروج الوفد سبحان الله! نزل صدر سورة براءة ببعض التشريعات الهامة جدًا في تعامل المسلمين مع المشركين، فيها إعلان مصيري بالنسبة لكل مشرك في الجزيرة العربية؛ من أجل هذا أمر الرسول ﵊ علي بن أبي طالب ﵁ أن يحمل هذه الآيات وينطلق بها إلى مكة المكرمة؛ ليقرأها على أسماع المشركين في الجزيرة العربية، يقول سبحانه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١ - ٥].
تستمر الآيات على هذا النسق تحمل تشريعات تلو التشريعات في بيان في غاية الأهمية.
وبعد قراءة هذه الآيات كان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه ينادي في الناس بأمور أربعة: كان يقول: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك.
هذه الآيات تحتاج إلى تفصيل كبير وتعليقات كثيرة، لكن بإيجاز: هذا إعلان مباشر للمشركين أنه بعد انقضاء الأجل المضروب في الآيات، فإن الحرب معلنة عليهم بوضوح وقوة، وليس أمامهم إلا خيار من اثنين: إما القتال ومواجهة المسلمين، وإما الإسلام.
إذًا: المقصود بهذه الآيات هم مشركو الجزيرة العربية، فقد كانت الحرب بينهم وبين المسلمين معلنة ومستمرة لأكثر من عشرين سنة متصلة، فقد اجتمعوا جميعًا على حرب المسلمين، قال الله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، وعلة قتال المشركين كافة أنهم يقاتلون المسلمين كافة، ومن هنا فإنه لا يجوز للمسلم أن يقاتل من لم يقاتله إلا بعلة واضحة، كسلب أو نهب أو اغتصاب لحقوق المسلمين، أو بسبب منعهم للمسلمين من نشر دينهم وإيصاله إلى غيرهم، وبدون هذه الأمور يصبح قتال المشركين غير جائز، ومن ثم فقتال مشركي العالم جميعًا ليس منطقيًا، وإنما يقاتل المسلمون بعض مشركي العالم الذين قاموا بما ذكرناه من أمور.
وواقع المسلمين بعد نزول هذه الآيات وفي زمن الخلفاء الراشدين بعد وفاة الرسول ﵊ يصدق هذا الأمر، فالمسلمون في فتوحاتهم لم يقاتلوا كل المشركين الذين قابلوهم، وإنما كانوا يقاتلون من قاتلهم من جيوش البلاد المفتوحة، وكانوا يتركون بقية المشركين على دينهم إلى أن يختاروا هم بإرادتهم الإسلام إن أرادوا ذلك.
هذا واقع رأيناه بأنفسنا في كل الفتوحات الإسلامية، وما وجدنا رجلًا واحدًا -فيما أعلم- قتل فقط لكونه مشركًا، وعلى هذا يحمل حديث رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)، يحمل على قتال مشركي العرب.
ولا تعارض بين هذه الأحكام الخاصة بمشركي العرب والآية الكريمة: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؛ فقوله: (لا إكراه في الدين) عام في كل البشر إلا هؤلاء المشركين من العرب، ليس لأنهم العرب، ولكن لكونهم محاربين للرسول ﵊ ولدولته، وهذه الحرب كما ذكرنا معلنة منذ قديم.
والأصل في الأمور أن الحرب ما زالت مستمرة، وقد أعلن المسلمون أنهم سيستمرون في الحرب مع مشركي العرب، ولن يتم إيقاف الحرب حت
[ ٤٤ / ١٥ ]