من أسباب نصر الله لعباده المؤمنين أن يكونوا متحابين متآلفين متماسكين، مهما اختلفت أجناسهم، إذ إن رابطة الدين أقوى من رابطة النسب، فتحقيق هذا الأمر مع غيره من المطلوبات الشرعية يحقق الصدق مع الله الذي نصر به المسلمون في غزوة بدر وغيرها من الغزوات، وخذل به أعداؤهم، وأنزل الله لتأييدهم جنودًا من عنده سبحانه.
[ ٢٢ / ١ ]
تابع صفات الجيش المنصور وملامحه
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثامن من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدرسين الماضيين تكلمنا على أحداث كثيرة من أحداث غزوة بدر، وخرجنا من الدرسين بعدة صفات للجيش المنصور، أهمها: أنه جيش مؤمن بالله ﷿، مؤمن برسوله ﷺ، مؤمن باليوم الآخر، يعمل بصدق للوصول إلى الجنة، يتعاون فيه القائد مع الجنود لخدمة الأمة الإسلامية، لا ينعزل فيه القائد عن جيشه ولا الحاكم عن المحكومين، تترسخ فيه الشورى كمبدأ أصيل من مبادئ الحكم والوصول إلى قرار، يعد العدة المادية من سلاح وخطة وتدريب بقدر ما يستطيع، جيش حاسم غير متردد، نشيط لا فتور فيه، متفائل لا إحباط فيه، جريء شجاع لا يهاب الموت بل يطلبه؛ هذه بعض صفات الجيش المنصور.
[ ٢٢ / ٢ ]
الوحدة والتماسك بين المؤمنين على أساس الدين لا النسب
ما زالت هناك صفات مهمة، وكلها واضحة في أهل بدر: الوحدة والألفة والتماسك والترابط بين أفراد الجيش الواحد، وبين أفراد الأمة الواحدة، فإنه لا يوجد نصر من غير وحدة.
هذه قاعدة، لكن الوحدة في الجيش المنصور لا بد أن تكون وحدة عقائدية، بمعنى: أن الرابط الرئيسي بين المسلمين هو الإسلام، لا قبلية ولا لون ولا عنصر ولا وضع اجتماعي ولا أي شيء من متعلقات الدنيا، فالوحدة في الله والأخوة في الله هما اللتان تنفعان فعلًا.
انظر إلى أهل بدر! جيش قوي متماسك، مع أن تركيبته عجيبة خاصة في هذا التوقيت، قبل الإسلام كان الرباط الأساسي في الجزيرة -ولعله الوحيد- هو رباط القبلية، حتى قالوا كلمتهم الفاسدة: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، ليس من المهم في أيام الجاهلية أين الحق أو العدل، لكن المهم أن هذا من قبيلتي سواء كان ظالمًا أو مظلومًا لا فرق، فجاء الإسلام ليغير المقاييس الباطلة التي كانت الجاهلية تحكم بها، فالرسول ﷺ قال الكلمة نفسها لكن بتعديل كبير جدًا في المفهوم والتصور.
قال لأصحابه: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًاَ)، وهذا الحديث في البخاري ومسلم عن أنس ﵁، فتعجب الصحابة، وقالوا: (يا رسول الله! ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال ﷺ: تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره).
وهكذا فإن أخي هو المشترك معي في العقيدة، ليس مهمًا ما هي قبيلته أو بلده، أنصره بالعدل والحق فقط، ولو ظَلَم أشترك مع غيري كي أرده عن ظلمه، وأكبر ظلم في الدنيا هو الإشراك بالله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؛ لذلك رأينا التلاحم والتناصر والوحدة بين الطوائف المختلفة من أهل بدر، هذه الطوائف لم يجمعها إلا شيء واحد فقط هو الإسلام، فقد حاولوا أن يردوا الظلم الذي ارتكبه غيرهم، حتى لو كان الظالمون الآباء والأبناء والأقارب والعشيرة.
إن جيش المسلمين في بدر كان فيه المهاجر الذي من قريش، والأنصاري الذي من الأوس والخزرج، وفرع قريش بعيد جدًا عن فرع الأوس والخزرج، فقريش من العدنانيين، والأوس والخزرج من القحطانيين، فرعان مختلفان تمامًا، ومع ذلك لأول مرة في تاريخ العرب يكونون جيشًا واحدًا، والذي جمعهم هو الإسلام؛ هذه نقطة من أهم نقاط بناء الأمة الإسلامية.
إن هذا الجيش لم يكن من كل القبائل فقط، بل كان فيه العربي وغير العربي، فـ بلال كان في هذا الجيش مع أنه حبشي، ولم يشعر مطلقًا بالغربة في هذا الجيش الذي يغلب عليه العرب، ولم يشعر العرب في داخل الجيش بأن هناك عنصرًا غريبًا في داخل الجيش من الحبشة، بل التعاون والتلاحم بينهم كان على أكبر مستوى.
تعالوا لنرى قصة قتل أمية بن خلف.
كان أمية بن خلف خائفًا من أن يشترك في غزوة بدر؛ لأن الرسول ﵊ أخبر أن المسلمين سيقتلونه، وكان أمية بن خلف صديقًا لـ عبد الرحمن بن عوف أيام الجاهلية، كان عبد الرحمن بن عوف يمشي في أرض بدر قبل انتهاء المعركة بقليل، وقد وضح أن النصر حليف المسلمين، حاملًا في يديه مجموعة أدراع استلبها من القتلى المشركين الذين قتلهم، والسلب: هو ما يكون على القتيل المشرك، وهو من حق المسلم الذي قتله، فرأى أمية وابنه واقفين في منتهى الرعب، فلما رأى عبد الرحمن صرخ: هل لك فيَّ تأخذني أنا؟ فأنا خير من هذه الأدراع التي معك، ما رأيتك اليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ فرمى عبد الرحمن بن عوف بالأدراع وأخذ أمية بن خلف وابنه، واسم ولده علي بن أمية.
أخذ عبد الرحمن يمشي بهما في أرض بدر، فمر عليهم بلال بن رباح ﵁ فلما رأى بلال أمية بن خلف تذكر الذكريات المؤلمة فإن أمية هو الذي كان يعذب بلالًا في مكة، فصرخ بلال: رأس الكفر أمية بن خلف! لا نجوت إن نجا.
لكن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أخذ الموضوع ببساطة، وقال لـ بلال: أي بلال! أسيري، فكان بلال لا يقول إلا كلمة واحدة: لا نجوت إن نجا، فرأى عبد الرحمن بن عوف أن بلالًا يأخذ الموضوع بجد ولا يسمعه، فقال له: أتسمع يا بلال؟! هذا أسيري، فقال بلال: لا نجوت إن نجا، وكان عبد الرحمن يمنع بلالًا من الوصول إلى أمية، فنادى بلال إخوانه من الأوس والخزرج صارخًا: يا أنصار الله! رأس الكفر أمية بن خلف.
[ ٢٢ / ٣ ]
كفاءة الجيش المؤمن وأمانته
وأيضًا من صفات هذا الجيش: أنه كان كفؤًا وبقدر المسئولية فعلًا، فقد تكون القضية سليمة، لكن المحامي فاشل؛ ولذلك نخسر القضية، وربما تكون الغاية نبيلة والمدافع عنها ضعيفًا، فلا نصل إلى الغاية، فالمسألة مسألة أمانة، جاء رجل إلى النبي ﵊ فسأله عن الساعة فقال له: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، وهذه مشكلة ضخمة تواجهها الأمة الإسلامية الآن، فالأمر في هذا العصر لا يوسد إلى أهله، بل يوسد إلى من عنده واسطة أو قريب أو صاحب أو ابن فلان أو فلان، فالأمر يجب أن يوسد إلى من يستطيع فعلًا أن يؤديه على أفضل وجه، وهذا لا بد أن يجمع بين الصفتين، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، والقوي: الكفء في مجال العمل فإن كان الفرد في الجيش لابد أن يكون عسكريًا جيدًا، وإن كان في الزراعة فلا بد أن يكون فاهمًا في أمور الزراعة، كذلك في التجارة وفي الصناعة وفي التعليم وفي الإدارة، وفي أي مجال يكون محترفًا في مجاله فعلًا، بل يكون مبتكرًا ومخترعًا ومتحمسًا للإبداع.
والأمين: هو الذي يعلم أن الله ﷿ يراقبه؛ فيرعى الأمانة، ولا يغش ولا يدلس ولا يضيع وقتًا ولا يبخل برأي ولا يدخر معونة، يكون أمينًا كما وصفه الله ﷿.
وفي موقعة بدر وسد الأمر إلى أهله، والكفاءة رأيناها في كل المقاتلين، احترافية في الأداء، مهارة في المناورة، قوة في النزال، دقة رأي وبعد نظرة، عسكريون على أعلى مستوى وفي منتهى الأمانة، يعرفون أن الله ينظر إليهم في كل لحظة؛ لأن إيمانهم عالٍ جدًا، وأخلاقهم لا تسمح بأي تفريط؛ لهذا السبب رفض الرسول ﵊ في بدر أن يستعين بمشرك.
ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وهو خارج إلى بدر، ويذكر أن هذا الرجل له جرأة ونجدة، ففرح أصحاب النبي ﷺ، فقال الرجل لرسول الله ﷺ: (جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال ﷺ: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع؛ فلن أستعين بمشرك)، سبحان الله! مع قوة الرجل وبأسه ونجدته، ومع احتياج المسلمين إليه، إلا أنه قد يفتقر إلى الأمانة، فهو لا يؤمن بأن الله ﷿ يراقبه فقد يخدع المسلمين، فرفض ﷺ الاستعانة بأي مشرك في غزوة بدر؛ فهذه قاعدة: ألا يستعين المسلمون بالمشركين، لها بعض الاستثناءات، وهي موجودة في كتب الفقه، لكن الأصل ألا يستعين المسلمون بمشرك ولو كان كفؤًا.
وأكمل الرسول ﷺ الطريق إلى بدر، وجاء إليه نفس الرجل بعد قليل، وقال له كما قال أول مرة؛ فقال له ﷺ: (تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع؛ فلن أستعين بمشرك)، ثم جاء له مرة ثالثة فقال له ﷺ كما قال أول مرة، فقال له الرجل: (نعم.
أؤمن بالله ورسوله؛ فقال ﷺ: فانطلق)، فهذا معنى في غاية الأهمية: توسيد الأمر إلى أهله، وأهله هم الأكفاء الأمناء، وقد يكون الرجل أمينًا وتقيًا وورعًا، لكنه ليس كفئًا؛ هذا أيضًا لا ينفع.
رد الرسول ﷺ في بدر بعض المسلمين؛ لأنه ﷺ رأى أن قدرتهم القتالية ضعيفة، مع علمه التام بأمانتهم، ورغبتهم الصادقة في القتال، ورد مجموعة من صغار السن؛ لضعف بنيتهم، وضآلة أجسامهم، كـ عبد الله بن عمر والبراء بن عازب ﵃، وغيرهما من الصغار، وفي نفس الوقت قبل بعض صغار السن الآخرين؛ لكفاءتهم العسكرية والجسدية، كـ عمير بن أبي وقاص، ومعاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء، كانوا صغارًا في السن، لكن عندهم قدرة قتالية، فقبلهم ﷺ.
فلابد من كفاءة وأمانة، ومن دون هاتين الاثنتين لا يوجد نصر.
[ ٢٢ / ٤ ]
الاعتماد على الشباب والاهتمام بهم
موضوع صغار السن هذا سيأخذنا إلى صفة أخرى من صفات الجيش المنصور.
من الممكن أن الصغير والكبير ينصران الإسلام، لكن التاريخ يقول: إن معظم محطات التغيير الرئيسية كانت معتمدة اعتمادًا شبه كلي على الشباب، وراجعوا محاضرات الفترة المكية.
عملت بحثًا في أعمار المشاركين في غزوة بدر، وهناك كثير لا نعرف أعمارهم، لكن الذي أحصيته من هؤلاء يكفي أن يكون عينة صادقة تعبر عن حال الجيش، فإن متوسط العمر في الجيش كان اثنين وثلاثين سنة، وهناك أناس أكبر وأناس أصغر، فالمواقع القيادية في بدر كلها كانت للشباب، كان حامل راية المهاجرين علي بن أبي طالب، وعمره خمسة وعشرون سنة، وحامل راية الأنصار سعد بن معاذ، وعمره اثنان وثلاثون سنة، وحامل الراية العامة للجيش كله مصعب بن عمير، وعمره سبعة وثلاثون أو ثمان وثلاثون سنة، كما أن شهداء بدر متوسط عمرهم تحت الثلاثين سنة، فالشباب يا إخواني! طاقة هائلة، والتركيز عليهم في موقع الذب وفي غيرها من المواقع الفاصلة كان في منتهى الوضوح، والنصر جاء على أيديهم في بدر وفي غيرها، وليس معنى هذا أننا لسنا محتاجين لحكمة الشيوخ، لا، بل نحن محتاجون لكل الطاقات، الصغير والكبير، الرجل والمرأة من المؤسف جدًا أن يكون شباب الأمة الذين يجيء معظم النصر على أيديهم يكون مشغولًا ببعض الأمور التافهة التي لا تصلح لطفل فضلًا عن شاب.
وراجعوا محاضرة: كلمة إلى شباب الأمة.
[ ٢٢ / ٥ ]
ملخص صفات الجيش المنصور
إذًا: نحن في درس هذا اليوم وفي الدرسين الذين مضيا ذكرنا عدة صفات للجيش المنصور، تعالوا نجمعها وتعرف عليها، فإنها إذا تجمعت في أي جيش لانتصر؛ لأن هذه سنن، وسنن الله ﷾ لا تبديل لها.
الصفة الأولى: الإيمان بالله ﷿، وبرسوله الكريم ﷺ، لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ هذه أهم صفة، وأي منهج لا يقوم على الكتاب والسنة؛ لن يكون من ورائه إلا كل خزي وذل وهزيمة.
الصفة الثانية: الإيمان باليوم الآخر، وطلب الجنة، وحب الموت في سبيل الله، والزهد في الدنيا.
الصفة الثالثة: الوحدة بين المسلمين، والصف المتآلف المتحاب، ولا بد أن يكون هذا الحب لا يقوم على روابط قبلية أو عرقية، ولكن في الأساس يقوم على رباط العقيدة والدين.
الصفة الرابعة: الإعداد الجيد من خطة ومال وسلاح وجهد وتخصص وعلم.
الصفة الخامسة: الشورى، والشورى لا تكون إلا فيما لا نص فيه، ولا يجوز للمسلمين أن يجتمعوا على مخالفة الشرع، بل يتشاورون فيما لا نص فيه، وبدون شورى فإن النصر بعيد، بل مستحيل.
الصفة السادسة: الحسم وعدم التردد: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، والتسويف وتأجيل الأعمال علامة على التردد والضعف، وطبعًا هذا يؤخر النصر، بل أحيانًا يمنعه.
الصفة السابعة: الاعتماد على الشباب، والاهتمام بهم، والارتقاء بأفكارهم، والثقة في قدراتهم وإمكانياتهم.
الصفة الثامنة: توسيد الأمر إلى أهله، وأهله هم الأكفاء الأمناء.
الصفة التاسعة: مشاركة القائد لشعبه وعدم الترفع عليهم، والاختلاط بهم، والتضحية معهم.
أما الصفة العاشرة والأخيرة: فهي روح الأمل والتفاؤل واليقين في نصر الله ﷿ لهذه الأمة؛ هذه كانت الصفة العاشرة من صفات الجيش المنصور، فتلك عشر كاملة.
وهذه الصفات العشر تحتاج لدروس ومحاضرات ودورات ومناهج، وتحتاج لوقت وجهد كي تزرع وتكون منهج حياتنا، وإن صفة واحدة من هذه الصفات إذا فقدت؛ قد يفقد معها النصر تمامًا، حتى لو تحققت التسع الصفات الباقية، فمن غير إيمان لا يوجد نصر، ومن غير وحدة لا يوجد نصر، ومن غير أمانة لا يوجد نصر وهكذا، وسيتضح هذا جليًا في أحد.
[ ٢٢ / ٦ ]
الثبات يتحقق بتحقيق صفات الجيش المنصور كاملة
إذا حقق المسلمون هذه الصفات العشر؛ أنعم الله عليهم بنعمة عظيمة جدًا، وهي نعمة الثبات.
فلا أحد يستطيع أن يضمن أنه سيثبت، ولكي تكون أهلًا للثبات لابد أن تستوفي الصفات العشر للجيش المنصور مثلما ذكرنا، فإنه لا نصر من غير ثبات؛ ولهذا تجد أن الله يذكر في سورة الأنفال الثبات كثيرًا، سواء بنفس اللفظ أو بمعناه، تجد مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥]، كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥]، وعند الحديث عن المطر قال: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١]، وعند الحديث عن الملائكة قال: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، فالثبات هبة من الله ﷿، لا يلقاها إلا من قدم الصفات العشر مكتملة، فإذا ثبت المسلمون في أرض المعركة؛ أنزل الله عليهم ﷾ النصر من عنده.
[ ٢٢ / ٧ ]
الجنود التي أيد الله بها المؤمنين يوم بدر لنصرهم
نزول النصر يحتاج منا إلى وقفة مهمة وطويلة، فالنصر يأتي من حيث لا يتوقع المسلمون، بل أحيانًا يأتي من حيث يكره المسلمون، أي: يأتي النصر بطريقة يعترف الجميع أنها ليست من طرق البشر، ولا يستطيعونها؛ وما ذلك إلا لكي ينسب المسلمون النصر إلى الله ﷿، ولا ينسبوه إلى أنفسهم أبدًا.
فبعض المسلمين كرهوا هذا اللقاء مع الجيش المكي في بدر: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥]، وكانوا يتوقعون في هذه الموقعة موتًا محققًا للمسلمين: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٦]، لكن سبحان الله! أتى النصر من حيث لا يتوقع المسلمون، بل ومن حيث يكرهون.
وإذا أتى النصر أتى بطريقة لا يقدر عليها البشر عمومًا؛ حتى لا يدعي أحد أنه بفضل قوته وعدده وخطته انتصر، كما ذكرنا قبل ذلك.
وفلسفة النصر في الإسلام تؤكد أن النصر من عند الله ﷿، لكنه لا ينزل عشوائيًا، بل ينزل على الذين ثبتوا في أرض القتال.
تعالوا نرى كيف نزل النصر في يوم بدر! الكيفية التي تم بها النصر يا إخواني! تتلخص في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فهذا أسلوب قصر نفى تمامًا أن يأتي النصر إلا من طريق واحد: من عند رب العالمين ﷾.
تعالوا نرى جنود الرحمن في يوم الفرقان تعالوا نرى الجنود التي حققت النصر العظيم.
[ ٢٢ / ٨ ]
الملائكة
سنعد عشرة من جنود الرحمن ﷾ في يوم الفرقان، أول جنوده سبحانه الملائكة.
مَن مِن قادة الأرض يستطيع أن يحسب في حساباته عدد الملائكة المقاتلين في الجيش؟ لا المسلمون ولا الكفار يستطيعون أن يحسبوا هذه الحسبة، وهذا شيء معترف به من الجميع، فهو بيد الله ﷿ وحده، فإن جيوش الملائكة قاتلت في بدر، ونزلت كذلك في الأحزاب، والله ﷾ قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩]، ونزلت كذلك في حنين قال: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦]، ولا يستبعد أن تنزل في معركة قديمة أو حديثة أو مستقبلية، فهم جنود من جنود الرحمن ﷾: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
والملائكة خلق عجيب، وقوة خارقة غير متخيلة، فقد رفع جبريل ﵇ قرية لوط ﵇ إلى السماء على طرف جناحه، حتى سمع أهل السماء أصوات الناس ونباح الكلاب، ثم قلبها، فـ ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود:٨٢]، سبحان الله! ملك واحد يرفع قرية كاملة إلى السماء، وملك يريد أن يطبق على الأخشبين -جبلين حوالي مكة-.
هؤلاء الملائكة شاركوا في غزوة بدر، ليس ملكًا ولا اثنين، بل جيشًا من الملائكة، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، مردفين: أي يتبع بعضهم بعضًا، ومعنى ردف لكم: أي ردء لكم ومعين لكم، فهذه ألف من الملائكة في المرحلة الأولى من مراحل القتال، وبعد ذلك تطور الأمر، انظروا إلى قوله تعالى في موقعة بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٣ - ١٢٥]، مسومين: أي معلمين بعلامات.
قال الربيع بن أنس ﵀من التابعين- مفسرًا هذه الآيات: أمد الله ﷿ المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.
وقد يقول قائل: كان يكفي ملك واحد، فلماذا هذه الأعداد المتزايدة؟
الجواب
الله ﷾ عرفنا الحكمة من وراء هذه الأعداد، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال:١٠]، تخيل أن الرسول ﵊ يبشر المسلمين بأعداد من الملائكة، بل تخيل المسلمين عند سماعهم لهذه الآيات، فكلمة واحد غير كلمة عشرة، وغير كلمة ألف، وغير كلمة خمسة آلاف، والجميع يعرفون أن ملكًا واحدًا يكفي، فنزول خمسة آلاف من الملائكة بشرى كبيرة للمؤمنين، أضف إلى ذلك أن هذا العدد الكبير من الملائكة الذي اشترك في بدر هم مجموعة منتقاة من أفضل الملائكة، فالملائكة هم درجات.
روى البخاري عن رفاعة بن رافع ﵁من أهل بدر- قال: (جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين -أو قال كلمة نحوها، يعني: من أحسن المسلمين، أو من أعظم المسلمين- قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة).
أضف إلى ذلك أن جبريل وهو أفضل الملائكة على الإطلاق شارك في بدر بنفسه، فعن عبد الله بن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: (هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) وفي رواية ابن إسحاق: (أبشر أبا بكر! أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع)، والنقع التراب.
إني أريد منك أن تعيش معي في أرض بدر، تخيل أن جبريل جاء من بعيد راكبًا على فرس يجري، وهو ممسك بلجام الفرس، والتراب يتصاعد من حول الفرس، وخلفه ألف من الملائكة الفرسان ترفع سيوفها وعليها أدوات الحرب، كتيبة ملائكية حقيقية، وبعدها كتيبة والثانية والثالثة والرابعة والخامسة.
يا ترى! كيف كان شعور المسلمين والرسول ﷺ يشرح لهم أن الملائكة دخلت أرض الموقعة لتقاتل معهم؟ يا ترى! هل سيخاف المسلمون في موقف كهذا؟ هل من الممكن أن يهتزوا أو يجبنوا وهم يعرفون أن هناك جيشًا ملائكيًا كاملًا يحارب معهم؟! هذا هو قول الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال:١٠].
ولم يعرف المؤمنون في بدر عن أمر الملائ
[ ٢٢ / ٩ ]
قذف الرعب في قلوب الأعداء
الجندي الثاني من جنود الرحمن في بدر هو جندي عجيب يقال له: الرعب، يلقيه الله ﷿ في قلوب الكافرين، روى البخاري ومسلم -رحمهما الله- عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، وفي رواية أحمد يقول: (ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر)، يعني: قبل أن يصل الرسول ﷺ إلى العدو بمسيرة شهر يكون العدو قد أصيب بالرعب، ومعلوم أن الرعب يدخل في قلوب كل الناس، هذا شيء معروف، لكن العجيب أن يدخل الرعب في قلوب القوي من الضعيف، وأن يدخل الرعب في قلب الكثير من القليل، وأن يدخل الرعب في قلب من هو مدجج بالسلاح من الأعزل الذي لا يملك سلاحًا، هذا هو العجيب، وهذا الذي نراه دائمًا مع جيوش المؤمنين، يقول ﷾ في غزوة بدر: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢]، تخيل! سيلقي الله ﷿ بنفسه الرعب في قلوب الذين كفروا، وقد رأينا جيش مكة كيف كان مرعوبًا من أوله إلى آخره، مع أنه ألف بعدة المحارب، والمسلمين ثلاثمائة بعدة المسافر، لكن ماذا تفعل لمن ألقى الله ﷿ الرعب في قلبه؟ وهذا واقع نراه إلى الآن، كم رأينا طفلًا صغيرًا يمسك بحجر ويقف أمام دبابة غير خائف، والجندي داخل الدبابة لا يستطيع الخروج.
كم رأينا من طائرات وصواريخ تقصف كي تقتل رجلًا أعزل ولعله قعيد على كرسي! كم رأينا من فرق مسلحة بأقوى الأسلحة والأقنعة والأعداد والسيارات تذهب لتقبض على واحد لا يملك مسدسًا أو خنجرًا أو أي سلاح! وكثيرًا ما نستغرب لماذا يحصل هذا؟ لكن لا نستغرب ونذكر أن الرعب جندي من جنود الرحمن ﷾.
[ ٢٢ / ١٠ ]
إنزال الطمأنينة والسكينة وتغشية المؤمنين بالنعاس يوم بدر
الجندي الثالث: عكس الرعب، وهو الطمأنينة والسكينة والأمان الذي يصل إلى حد النعاس، يلقيه الله ﷿ في قلوب الذين آمنوا، والقلوب بين أصابع الرحمن، فكما ألقى الله ﷿ الرعب في قلوب الكافرين، ألقى السكينة في قلوب المؤمنين حتى اطمأنوا وثبتوا، وستجد حديثًا عن السكينة في كل المواقع التي حصل فيها النصر، في بدر والأحزاب وصلح الحديبية وحنين وهكذا.
يقول الله تعالى عن غزوة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١].
[ ٢٢ / ١١ ]
نزول المطر لإعاقة الكافرين وتطهير المؤمنين
الجندي الرابع من جنود الرحمن: المطر، فالله القادر أن ينزل المطر هنا أو هناك، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨]، والله هو الذي يقدر أن ينزل المطر هينًا لطيفًا على منطقة، وينزله وابلًا شديدًا على منطقة مجاورة تمامًا، ويكفينا أن نتذكر قول الله ﷿: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١].
[ ٢٢ / ١٢ ]
تقليل عدد كل فريق من الجيشين في عين الآخر
الجندي الخامس من جنود الرحمن: التقليل والتكثير في الأعداد، معنى هذا: أن الله ﷾ قادر على أن يجعل الشخص يرى الأعداد التي أمامه مختلفة عن الواقع، يراها أكثر أو يراها أقل بحسب ما يريد هو ﷾، وهذا الكلام له أثر عجيب في القتال.
تعالوا نرى قصة الأرقام في بدر: جيش المسلمين في هذه الموقعة ثلاثمائة وأربعة عشر تقريبًا، وجيش الكفار ألف، والله ﷾ يريد للموقعة أن تتم، ولا يريد لأي فريق أن يقرر الهروب، أو عدم الدخول في صدام؛ لأن الله ﷾ يدبر المكيدة للكافرين: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]؛ ولكي يصمم كل فريق على القتال لابد أن يشعر أن الفريق الثاني ضعيف وقليل، ومن ثم يتجرأ عليهم ويقرر القتال، هذا كان قبل القتال.
ومع أن المخابرات المكية حصرت الجيش المسلم، وعرفت أن العدد الواقعي هو ثلاثمائة تقريبًا، كما قال عمير بن وهب، إلا أن الله ﷿ قلل أعداد المسلمين جدًا في نظر أبي جهل؛ حتى دفعه دفعًا للقتال، فقال أبو جهل: إنما هم أكلة جزور، يعني: مائة فقط أو أقل؛ مما جعله يتحمس جدًا لقتال المسلمين، ودفعه دفعًا للحرب.
إذًا: الكفار رأوا المسلمين قليلين.
والمسلمون أيضًا رأوا الكفار قلة، مع أن المخابرات الإسلامية حصرت الجيش الكافر، وعرفت أن عدده ما بين التسعمائة والألف كما قال ﷺ، وذلك في أول القتال، ولكي يشجع رب العالمين ﷾ المسلمين على القتال دون تردد؛ أراهم أن المشركين قلة، وهم في الأصل ألف، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ ألف واحد نزلوا في التقدير إلى سبعين!! تخيل! عندما يرى المسلم الكفار سبعين بدلًا من ألف، سبعين، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: فقال لي -يعني: صاحبه- لا، بل مائة.
فسبحان الله! فالمسلمون يشاهدون الكفار مائة، والمسلمون يعرفون أنفسهم أنهم ثلاثمائة، وهذا شجعهم جدًا على القتال.
إذًا: كل فريق يرى الفريق الآخر قليلًا، وهذا ما قاله الله ﷾ في سورة الأنفال، قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٤]، حتى يتم القتال، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال:٤٤].
هذا كان قبل القتال.
ثم بدأت المعركة، وتم ما يريده ﷾ من حدوث القتال، فحصل تغيير آخر مهم في عملية الإحصاء والعدد.
أما المسلمون فما زالوا يرون الكافرين قلة، وبالتالي فالمسلمون متحمسون تمامًا للقتال؛ لأنهم يرون أنهم أكثر من الكفار بثلاثة أضعاف، وأما الكفار فقد حدث لهم تغير عجيب بعد بدء القتال، فقد دخل في روعهم أن المسلمين ضعف المشركين يعني: ألفين، ودخل في قلوبهم الرعب من المسلمين، وبالتالي انهزموا نفسيًا ثم واقعيًا، وهذا الحديث تجده في القرآن في سورة (آل عمران) تعليقًاَ على غزوة بدر، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران:١٣]، يرونهم مثليهم: ضعف عدد المشركين، (رأي العين): يرون هذا الأمر بأعينهم ليس وهمًا، ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣]، ذكر الله هذه الآيات في كتابه ليس لمجرد التاريخ لغزوة بدر، بل ذكر ذلك عبرة لأولي الأبصار.
فهذه الآيات تفهمنا أشياء كثيرة، منها كيف أن أعداء الأمة مرعوبون من المسلمين المتمسكين بشرع الله ﷿؛ لأنهم في الغالب يرونهم أكثر من عددهم الحقيقي بكثير، وهذا الذي يجعلهم يتخذون قرارات نحن نرى أنه مبالغ فيها، لكنهم معذورون فيها؛ لأنهم يرون المسلم اثنين، ويرونه ثلاثة، ويرونه عشرة وقد يرونه أكثر.
فهذا جندي حقيقي من جنود الرحمن، التقليل والتكثير من الأعداد.
[ ٢٢ / ١٣ ]
الفرقة بين الكافرين
الجندي السادس من جنود الرحمن في بدر: هو الفرقة بين الكافرين بدون أي تدخل من المسلمين.
لا شك يا إخواني! أن فرقة الكافرين تضعف صفهم، وأحيانًا يسعى المسلمون إلى إحداث هذه الفرقة بين الكافرين؛ لأجل توهين قوتهم، مثلما فعل الرسول ﵊ في غزوة الأحزاب لما قال لـ نعيم بن مسعود ﵁: (خذل عنا)، لكن هناك أوقات تحصل فيها الفرقة بين الكافرين من غير أن يفعل المسلمون شيئًا، هذه الفرقة جندي من جنود الرحمن، يرسله رب العالمين ﷾ لإضعاف الصف الكافر، فقد رأينا انسلاخ الأخنس بن شريق بثلاثمائة من الكفار قبل موقعة بدر، أي: قبل أن يرى المسلمين أصلًا، ورأينا الصراع بين قادة المشركين وانقسام الصف، والتراشق بالألفاظ والاتهامات، ورأينا كل واحد يبحث عن مصلحة خاصة، وكل هذا في أرض القتال، في مكان لابد أن يكون فيه وحدة، وهذا الشيء يحصل دائمًا في صف الكافرين إن وجد المسلمون الذين يستحقون النصر، لكن إن لم يكن المسلمون على هذه الصورة فإننا نجد أن الكفار يتوحدون، وتتفق آراؤهم، وتزداد قوتهم، والأمر في النهاية يعود إلينا نحن، فإن كنا على خير فرق الله ﷿ بين عدونا، وإن كنا غير ذلك جمع الله ﷿ عدونا، فتكون لهم الغلبة علينا؛ حتى نعود إلى ديننا وإلى ربنا ﷾.
إذًا: هذا هو الجندي السادس من جنود الرحمن ﷾: الفرقة بين الكافرين.
[ ٢٢ / ١٤ ]
جندي البركة
الجندي السابع من جنود الرحمن ﷾: جندي غريب جدًا، اسمه جندي البركة، وهو تضخيم النتيجة للفعل البسيط، يعني: تعمل شيئًا لا يؤدي في الأصل إلى نتيجة كبيرة، فإذا بالله ﷿ يبارك في هذا العمل ويضخم أثره؛ حتى تصبح النتيجة هائلة.
مثال ذلك: أخذ الرسول ﷺ في يوم بدر حفنة من حصباء من التراب، فاستقبل بها قريشًا ورماها في وجوههم وقال: (شاهت الوجوه)، فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، والحديث في صحيح مسلم، وفي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، نعم.
الرسول ﷺ رمى: (إِذْ رَمَيْتَ)، ولكن لو رمى بالتراب وجوههم ألف مرة فلن يصيب عيون الكافرين جميعًا إلا إذا أراد الله ﷿ للتراب أن يصيبهم، وفعل الرمي هذا لا يؤدي في المعتاد إلى النتيجة الضخمة التي حدثت؛ لذلك ينفي ربنا ﷾ الرمي عن رسول الله ﷺ، مع أنه هو الذي أخذ التراب ورماه، لكن الذي أخذه إلى مرماه الحقيقي هو الله ﷿.
أيضًا في قصة قتل أبي جهل فرعون هذه الأمة وقائد المشركين، وهو واحد من أبرز فرسان المشركين، وأكثر المشركين جرأة على المسلمين وأمنعهم، كان محاطًا بفرقة عسكرية قوية لحمايته، ومع ذلك قتل بطريقة عجيبة، فلو قتله فارس محترف من فرسان المسلمين، مثل الزبير بن العوام، أو علي بن أبي طالب، أو طلحة بن عبيد الله لكان هذا أمرًا مفهومًا عندنا، لكن قتله تم بطريقة عظيمة، وليس لها إلا تفسير واحد: هو جندي البركة، وذلك أن الله ﷿ بارك في فعل ضعيف؛ ليحقق نتيجة هائلة قوية ألا تحدث هذه النتيجة، تعالوا نسمع القصة التي يحكيها عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه في قتل أبي جهل، والقصة في البخاري.
يقول: إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن عن يمينه وشماله طفلان: معاذ بن عمرو بن الجموح وعمره ثلاث عشرة سنة، ومعوذ بن عفراء عمره أربع عشرة سنة، يقول عبد الرحمن بن عوف: فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: أي عم! أرني أبا جهل فقلت: يا ابن أخي! فما تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده! لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده -لن يفارق ظلي ظله- حتى يموت الأعجل منا.
يا الله! هذا الكلام يخرج من طفل عمره ثلاث عشر سنة أو أربع عشرة سنة، ولا يريد قتل أي واحد حصين في الجيش الكافر، بل يريد قتل زعيم الجيش الكافر المحمي بكتيبة عسكرية، فهذا الكلام عجيب وغير منطقي، حتى قال عبد الرحمن بن عوف: فتعجبت لذلك، ثم قال: وغمزني الآخر فقال لي مثل هذا، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه.
تعالوا نترك عبد الرحمن بن عوف ونسمع من الطفل معاذ بن عمرو بن الجموح ﵁ وعن أبيه وهو يحكي هذا الموقف.
الموقف في رواية ابن إسحاق وفي رواية ابن سعد في الطبقات يقول: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة -أي الغابة كثيفة الأشجار- وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه؛ لأنها أهم شخصية في الجيش المكي، يقول معاذ: فلما سمعته جعلته من شأني فصمت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطمت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطير من تحت مرضخة النواة حين يضرب بها.
الله أكبر! ضربة من سيف معاذ أطارت ساق أبي جهل! ليس من الطبيعي أبدًا أن معاذًا يفكر في قتل أبي جهل، وليس من الطبيعي أن معاذًا يقدر على الوصول إلى أبي جهل وهو داخل كتيبة عسكرية قوية تحميه، وليس من الطبيعي أن أبا جهل لا يستطيع أن يرد ضربة معاذ، وليس من الطبيعي أن ضربة معاذ تطير ساق أبي جهل هكذا بلحمها وعظمها، بل من الصعب بتر ساق بضربة واحدة، هذا يحتاج إلى فارس محترف متمكن مفتول العضلات، فصعب جدًا أن نفهم أن هذا الأمر يأتي من طفل عمره ثلاث عشرة أو أربع عشر سنة، لكن هذا حصل وليس هذا فقط، بل بعد أن ضرب معاذ بن عمرو بن الجموح ﵁ وعن أبيه أبا جهل، جاء معوذ بن عفراء الطفل الثاني الذي كان ينافسه على قتل أبي جهل وضرب أبا جهل ضربة أثبتته.
انتهى، ولم يبق فيه إلا رمق بسيط جدًا من الحياة، ثم جاء عبد الله بن مسع
[ ٢٢ / ١٥ ]
الرؤى والأحلام
الجندي الثامن: وهو الرؤى والأحلام، يراها أهل الحق فتبشرهم، ويراها أهل الباطل فتحبطهم وتفشلهم، وهذا الكلام ليس دجلًا ولا شعوذة، بل له شواهد كثيرة في التاريخ، سواء في السيرة أو في الفتوح الإسلامية أو في كل المعارك التي مرت بأمتنا.
تعالوا بنا نتكلم في غزوة بدر في البداية عن رؤيا لبعض الكافرين، والرؤيا قد تصيب الإنسان بالكآبة والحزن والإحساس بالفشل، وتوقع الهزيمة في نفسه، فيكون لها رد فعل سيئ جدًا على نفسية المحارب.
هذا جهيم بن الصلت بن المطلب من عائلة الرسول ﵊، لكن كان مشركًا، رأى أن رجلًا أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، وفلان وفلان وفلان، فعد رجالًا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، وانتشرت الرؤيا في مكة، وكان ذلك قبل الخروج إلى بدر، ولما سمع أبو جهل هذه الرؤيا جن جنونه، وقال: هذا أيضًا نبي من بني عبد المطلب، سيعلم غدًا من المقتول إن نحن التقينا.
لكن لا شك يا إخواني! أن هذه الرؤيا كان لها أثر سيئ على المشركين، وإلا لما انتشر خبرها بهذه الصورة حتى يصل إلى أبي جهل.
الرؤيا الثانية كانت من عاتكة بنت عبد المطلب عمة الرسول ﵊، وكانت مشركة في ذلك الوقت، واختلف بعد ذلك في إسلامها، لكن الراجح أنها لم تسلم، رأت عاتكة قبل أحداث بدر رؤيا خوفتها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب عم الرسول ﵊؛ لتحكي له الرؤيا، وكان العباس مشركًا في ذلك الوقت، فقالت له: يا أخي! والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة.
تكتم علي ما أحدثك؟ قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، يعني يدعو آل قريش للخروج إلى المصارع في ثلاثة أيام.
قالت: ثم كرر هذا النداء في مناطق مختلفة حول الكعبة، ومن على جبل أبي قبيس، ثم أرسل صخرة فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارتضت -أي: تفتتت- فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته منها فلقة، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، فلا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان صاحبه، فذكر العباس له الرؤيا وقال له: لا تذكرها لأحد، فأخبر الوليد بن عتبة أباه عتبة بن ربيعة بالرؤيا وقال له: لا تقل لأحد، وهكذا انتشر الأمر في قريش، حتى وصل إلى أبي جهل وكان العباس في ذلك اليوم ذاهبًا ليطوف بالبيت الحرام، فلقيه أبو جهل مع المشركين، فقال له أبو جهل: يا بني عبد المطلب! متى حدثت فيكم هذه النبية؟ فأراد العباس أن ينكر فقال له: وما ذاك؟ قال أبو جهل: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة! قال العباس: وما رأت؟ قال أبو جهل: يا بني عبد المطلب! أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا إلى مصارعكم في ثلاث، فسنتربص بكم يا بني عبد المطلب! هذه الثلاث، فإن يك حقًا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، وكانت هذه فرصة لـ أبي جهل ليشمت في بني عبد المطلب؛ فإن الصراع طويل جدًا بين بني مخزوم -قبيلة أبي جهل - وبين بني هاشم قبيلة الرسول ﷺ، وسبحان الله! مر يومان، وفي اليوم الثالث وأبو جهل يستعد للشماتة في بني عبد المطلب جاء ضمضم بن عمرو الغفاري الذي بعثه أبو سفيان وهو يصرخ: يا معشر قريش! اللطيمة! اللطيمة! أموالكم قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فنفر كل أهل قريش، وتحققت رؤيا عاتكة.
أريد منكم أن تتخيلوا نفسية الجيش وهو خارج للقتال وهو على الأقل يشك -إن لم يكن متيقنًا تمامًا- أنه يخرج إلى مصارعه.
وراجعوا التاريخ فإنكم ستجدون كسرى رأى رؤيا قبل القادسية، كذلك رستم قائد الفرس، كان لها أكبر الأثر على الفرس، كذلك رأى هرقل، ورأى قائد الجيش الروماني في اليرموك، والكلام كثير جدًا في هذا الموضوع ومتكرر.
وعلى الجانب الآخر جيش المؤمنين في ليلة بدر، رأى الرسول ﷺ رؤيا في منامه، أن الكفار أقل من العدد الذي أحصوه قبل ذلك، وذكر ذلك للصحابة فاستبشروا كثيرًا، وثبتتهم هذه الرؤيا، قال ﷾: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَ
[ ٢٢ / ١٦ ]
أبو جهل
الجندي التاسع من جنود الرحمن وهو من أعجب الجنود، هذا الجندي هو أبو جهل، فـ أبو جهل هو الذي دفع المشركين دفعًا إلى حتفهم، دفعهم للخروج من مكة، ودفعهم للقتال حتى مع إفلات القافلة، ودفعهم للقتال حتى مع اعتراض الجميع في أرض بدر، وقهر أمية بن خلف للخروج ليموت، وقهر عتبة بن ربيعة للقتال ليموت، ولم ير ما رآه جميع أهل قريش، بل طمس على بصيرته وأعان على هلاكهم.
وكما دفع فرعون جنده للدخول في البحر ليهلكوا فعل ذلك أبو جهل، ولو تعقل لما قتل هذا العدد الهائل من قادة الكفر وأئمة الضلال، ولو تعقل لما كان يوم الفرقان، ولو تعقل لما حدثت الآثار المجيدة التي سنتكلم عنها إن شاء الله في الدرس القادم لغزوة بدر.
وما كان لـ أبي جهل أن يتعقل، فما هو إلا جندي من جنود الرحمن ﷾ شاء أم أبى، فالله ﷿ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، حتى لو كان أبو جهل يساعد المسلمين على تحقيق مراد الله ﷾.
[ ٢٢ / ١٧ ]
إبليس
الجندي العاشر والأخير جندي أغرب من أبي جهل وأعجب، هذا الجندي هو إبليس نفسه، فالشيطان اجتهد كل الاجتهاد ليدفع المشركين دفعًا إلى القتال، ولم يكتف بالوسوسة، بل تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك سيد بني كنانة؛ ليجيرهم من بني بكر، وخرج معهم كذلك بصورة سراقة بن مالك، ودخل معهم أرض بدر، وثبت للقتال معهم حتى رأى الملائكة فعرفهم، فقد كان يعبد الله معهم قبل أن يكفر، فلما عرف أن الموضوع خرج من يديه قرر الهروب، ورآه أحد المشركين الحارث بن هشام، وهو يهرب، وكان يظن أنه سراقة بن مالك فأمسكه وقال له: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال له إبليس: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وفرّ بنفسه حتى ألقى نفسه في البحر، وأنزل الله ﷾: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٤٨]، في صورة سراقة بن مالك، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وطبعًا هذا شيء متوقع، فالشيطان يعد الناس ويمنيهم، ثم يتركهم عند الأزمات، واللوم لا يقع على الشيطان فقط، بل يقع أيضًا وبصورة أكبر على من اتبعوه، وهذا كلام الشيطان نفسه، واسمع كلام ربنا ﷾ في سورة إبراهيم، قال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أي: لن أنفعكم ولن تنفعوني، ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
نعم، هذا الكلام والحوار سيكون يوم القيامة، لكنه بالتأكيد يحصل في الدنيا كثيرًا، فكم دفع الشيطان أناسًا إلى نهاياتهم، ثم تبرأ منهم وتركهم.
قد يكون الشيطان سببًا من أسباب نصر المسلمين، ومن المؤكد أن الشيطان لو عرف أن النصر سيكون حليف المسلمين في بدر؛ لما دفع قريش للحرب، لكن لا يعلم الغيب إلا الله ﷾.
هذا كان الجندي العاشر من جنود الرحمن ﷾، فتلك عشرة كاملة، وجنود الله أكثر من هذا بكثير: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤]، ففي الغزوات الآتية سنتعرف على جنود أكثر وأكثر.
نقول: إن كل كلامنا الذي مضى يصب في معنى واحد مهم، وهو المعنى الذي ظهر لنا في كل كلمة من كلمات درس هذا اليوم، هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠]، وبهذا نفهم الآية التي جاءت في سورة الأنفال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال:١٧].
فالمسلمون يحملون السيوف ويقاتلون، لكن جنود الرحمن العجيبة هي التي حققت النصر، مع اعتراف الجميع بأن الناصر هو الله ﷿، وهو الذي أكمل لهم هذا النصر العظيم.
[ ٢٢ / ١٨ ]
فهم الصحابة ﵃ أن النصر من عند الله
وسأختم كلامي هذا اليوم ببيان فهم الصحابة لنصر بدر، وسأختار كلمتين لاثنين من الصحابة الكرام.
الكلمة الأولى: لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه في مسند الإمام أحمد ﵀، قال فيها تعليقًا على قتل المشركين الثلاثة الذين قتلوا في أول مبارزة في بدر.
قال: فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، مع أن علي بن أبي طالب كان من الذين اشتركوا في قتل هؤلاء الثلاثة، إلا أنه لا ينسب ذلك لنفسه أبدًا، بل ينسبه لله تعالى، قال: فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة.
الكلمة الثانية: لـ عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه، وهي في مسند الإمام أحمد بن حنبل وفي الصحيحين، قال: خرجنا مع النبي ﷺ، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله العدو.
فهذا الفهم هو الذي حقق لهم النصر.
وحين نعرف أن النصر لا يكون إلا من عند الله، فإننا سنجده قريبًا إن شاء الله.
ونسأل الله ﷿ أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٢ / ١٩ ]