عادة ما تتطلب الدعوات وهي تعيش على المحك بين حياتها وموتها إلى قرار صعب يقلب الموازين لصالحها، ومن هذا الباب اتخذ الرسول ﷺ لأصحابه قرار الهجرة إلى الحبشة، ذلك البلد البعيد الذي يحكمه ملك عادل، أمر بالهجرة أشراف أصحابه؛ لضمان سلامتهم، وحسن استقبالهم، ومن أجل إنصات الناس هناك في الحبشة لدعوتهم.
[ ٨ / ١ ]
أسباب الهجرة إلى الحبشة والحكمة منها
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثامن من دروس السيرة النبوية المطهرة.
تحدثنا عن أساليب الكفار في صد رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين عن طريق الدعوة والإسلام، وعن ثبات المؤمنين وصبرهم على التعذيب الشديد الذي حدث في أرض مكة في بيت الله الحرام، حيث تفرغ الكفار لحرب المؤمنين، وبدا واضحًا أن النية هي الاستئصال للطائفة الوحيدة التي تعبد الله حق العبادة على الأرض.
مسئولية ضخمة تقع على عاتق رسول الله ﷺ وأتْباعه: أن يصلوا بهذا الدين إلى أهل الأرض جميعًا، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ويقول رسول الله ﷺ: (إنما بعثت لكم خاصة وللناس عامة)، وقد اشتد التعذيب بالمؤمنين في مكة، وكاد المسلمون أن يستأصلوا بالكلية، حينها يظهر حل عملي لإنقاذ الدعوة من الهلاك، وهو نوع من الأخذ بالأسباب، فالرسول ﷺ يخطط تخطيطًا بشريًا لإنقاذ الدعوة ولإنقاذ المؤمنين.
كان من الممكن أن ينقذ الله ﷿ حبيبه ومن معه من المؤمنين بكلمة (كن) فيكون، أو ينقذهم بمعجزة خارقة للعادة، ولكن ليست هذه سنة الله ﷿ في التغيير، فالرسول ﷺ يعلمنا أن نأخذ بالأسباب الواقعية التي كانت في يده كبشر، وهي في أيدينا الآن كبشر، ففكر رسول الله ﷺ في وسيلة جديدة لمجابهة طغاة مكة، ولم يكن في مقدور المؤمنين آنذاك أن يقاتلوا المشركين، فقد نهاهم الله ﷿ عن ذلك بقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦].
[ ٨ / ٢ ]
الهجرة إلى الحبشة للمحافظة على الدعوة
كانت الوسيلة الجديدة أمام الرسول ﷺ وأصحابه: هي الهجرة من أرض مكة إلى أرض أخرى جديدة ليس فيها تعذيب أو إيذاء أو استئصال للدعوة.
هذه خطوة تكتيكية من رسول الله ﷺ، سبقتها إشارات جاءت في كتاب الله ﷿، فقد أنزل الله ﷿ سورة الزمر، وكان فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
إذًا: أرض الله واسعة، وأعظم قطعة في الأرض هي القطعة التي يعبد فيها الله ﷿، لا تفضل قطعة أخرى بأنهار أو أشجار أو أموال أو أهل وعشيرة، إنما الأرض الصالحة الطيبة هي الأرض التي يعبد فيها الله ﷿، لذلك فكر المسلمون في ترك أشرف بقعة على الأرض مكة البيت الحرام إلى غيرها؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعبدوا الله ﷿ كما يريدون في مكة، فليكن غيرها، المهم أن نعبد الله ﷿ دون أن نفتن في ديننا.
والهجرة وترك الديار والعشيرة ليس أمرًا سهلًا، فالقرار صعب، ويحتاج إلى نفوس خاصة، ولابد أن نأخذ في الاعتبار أنهم لا يهاجرون من بلد إلى بلد لتحسين مستوى المعيشة، أو لجمع أموال ليست في بلادهم، أو لتحصيل علم ليس في مدينتهم، أو للحياة في مكان جميل، لا، بل هم يتركون بلادهم وقد استقرت أوضاعهم فيها لولا قضية الدعوة، سيتركونها إلى بلد آخر قد يكون فقيرًا بعيدًا حارًا أو باردًا مجهولًا، كل هذا لا لشيء إلا لعبادة الله ﷿.
تخيل بمقياس الحاضر رجلًا يعيش في استقرار في بلد محبوب إلى قلبه، وأوضاعه مستقرة، ثم هو يقرر الهجرة إلى بلد آخر؛ لكي يعبد الله ﷿ بعد أن ضيق عليه في بلده.
لو كان سيهاجر إلى بلد أعظم رفاهية وأكثر أموالًا، لكن هذا أسهل، لكن أن يهاجر إلى بلد لا تهفو النفوس إليه عادة، فهو يحتاج إلى جهاد عظيم للنفس؛ ولذلك عظم الله أجر الهجرة عندما تكون في سبيله، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٨ - ٥٩].
لم يهاجر المؤمنون سعيًا وراء الرزق، ولكن في ظاهر الأمر أنهم سيفتقدون الرزق؛ لأنهم سيتركون أعمالهم ويهاجرون إلى بلد قد لا يتوافر فيه عمل مناسب، فوعدهم الله ﷿ بالرزق الحسن في الجنة، فإنه على أسوأ الفروض في حسابات البشر سيقتل المهاجرون أو يموتون، فالله ﷿ يعد -ووعده الحق- أنهم لو قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا، بالإضافة إلى أنه قد علم المؤمن أن رزقه في الدنيا لن ينقص، وسيأتيه رغمًا عن أنفه في بلده أو خارج بلده، في ظروف أو في ظروف أخرى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].
إذًا: نقف وقفة نحلل فيها، ونحاول الإجابة على سؤال هام: هل قرر المسلمون الهجرة للحفاظ على الدعوة أم الدعاة؟ قد تكون الفروق بين الإجابتين طفيفة، لكن عند التدقيق في الأمر نجد أن الفرق كبير جدًا، هل يضحى بالدعوة من أجل الحفاظ على الدعاة، أم يضحى بالدعاة من أجل الحفاظ على الدعوة؟ واقع الأمر أن أهم شيء في حياة المؤمن هو الدين، والمقصد الأول من المقاصد التي جاء الشرع لحمايتها هو الدين، ومن أجله يضحى بكل شيء.
إذًا: يبذل المؤمنون أرواحهم للدفاع عن الدين، لكن لا يبذل المؤمنون دينهم للحفاظ على أرواحهم، بل يحض الله ﷿ المؤمنين على بذل أرواحهم حفاظًا على دينهم ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
إذًا: السبب الأول في الهجرة التي قررها رسول الله ﷺ: هو حماية الدعوة، بمعنى أن الرسول ﷺ أراد أن يجعل للدعوة محضنًا آخر غير مكة، بحيث إذا استؤصل الدعاة في مكة تبقى طائفة أخرى في مكان آخر لاستمرار الدعوة.
إذًا: لم يكن السبب الأول في الهجرة هو الحفاظ على أرواح الدعاة، وإن كان هذا أمرًا هامًا، ويؤيد هذا الرأي أن الرسول ﵊ قرر أن يهاجر الصحابة رضوان الله عليهم للحفاظ على الدعوة لا على الدعاة، والذين طلب منهم أن يهاجروا كانوا من القرشيين، ولم تطلب الهجرة من الذين كانوا عبيدًا، إنما هاجر القوم الذين يتمتعون بعصبية وقبلية، هاجر الأشراف أصحاب المنعة، ولم يهاجر الموالي والمستضعفون، ولو كان الهدف الأول هو حماية الأرواح لكان الأولى أن يهاجر هؤلاء الضعفاء.
[ ٨ / ٣ ]
سبب هجرة أشراف مكة من الصحابة إلى الحبشة
نقول: لماذا هاجر الأشراف دون البسطاء؟ أولًا: هذا أدعى لحماية المهاجرين، فأمر الهجرة أمر خطير، قد تطارد مكة فوج المهاجرين، بل بالتأكيد ستطاردهم، وفي لحظات الغضب والغيظ قد يتهور أهل مكة ويقتلون المهاجرين المطاردين، وبالذات لو كانوا من العبيد، أما إذا كانوا من الأشراف فإن عملية الهجرة ستصبح أقل خطورة، حيث إنه لو تم الإمساك بهم فسيحملونهم إلى مكة، ولن يفكروا في قتلهم لقوة قبائلهم.
ثانيًا: أن الأشراف أقدر على التأثير في أهل البلد الذي سيهاجرون إليه؛ لأن من طبائع البشر أنه إذا تكلم الشريف سمعوا له وأنصتوا، وإذا تكلم الضعيف لم ينتبه له، والغرض هو إيصال كلمات الدعوة إلى آذان البلد المضيف، وعرض الأمر بأفضل الصور، وسيستقبل المهاجرون في هذه الحالة على أنهم وفد سياسي محترم معارض لسياسة مكة، بدلًا من أن يستقبلوا كمجموعة من العبيد الآبقين من أسيادهم.
ثالثًا: هجرة الأشراف ستؤدي إلى هزة اجتماعية خطيرة في مكة، ستفيق أهل مكة على خطورة أفعالهم، فهؤلاء المؤمنون المطاردون هم من خيرة أهل البلد، ومن أكثر الناس سعيًا لإصلاحها، ومن أعرق البيوت، ومن أشرف الناس، وها هم يغادرون البلد؛ لأنهم لم يجدوا فيها أمانًا، ما أبشع فعل أهل الباطل، وما أشنع جريمتهم، أهؤلاء هم الذين يطردون؟ أهؤلاء هم الذين يفتنون في دينهم؟ فهجرة الأشراف ستكون صدمة لأهل مكة قد ينتبهون على أثرها إلى خطئهم الفادح في حق المهاجرين وفي حق بلدهم، أما إذا هاجر المستضعفون فلا ضير، أليسوا عبيدًا تركوا البلد؟ فلنأت بعبيد آخرين، هكذا سيفكر الطغاة، إذ ليس هناك اعتبار للآدمية أو الإنسانية.
إذًا: الرسول ﷺ كان يدفع المشركين دفعًا إلى تحريك عواطفهم وقلوبهم؛ لإدراك مدى الجريمة التي يفعلونها مع المؤمنين في صدهم عن دين الله ﷿، لهذه الأسباب هاجر الأشراف ولم يهاجر الضعفاء.
إذًا: الملاحظة الأولى: هي هجرة الأشراف، والتي تشير إلى أن الهدف الأول من الهجرة لم يكن حماية الأرواح ولكن حماية الدعوة والدين.
[ ٨ / ٤ ]
سبب مكث المهاجرين في الحبشة إلى ما بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة
متى عاد المهاجرون من الحبشة إلى الصف المسلم من جديد في فترة مكة أم في فترة المدينة؟ مكث المهاجرون في الحبشة مدة تزيد على (١٥) سنة متتالية، كانت هجرتهم الأولى إلى الحبشة في العام الخامس من البعثة في شهر رجب ثم عادوا سريعًا إلى مكة بعد ثلاثة أشهر، ثم هاجروا من جديد هجرتهم الثانية إلى الحبشة في السنة السابعة، ولكنهم مكثوا في الهجرة الثانية طويلًا، ولم يرجعوا إلا بعد غزوة خيبر.
مرت أحداث في غاية الأهمية والخطورة على المسلمين في بناء الأمة الإسلامية، ومع ذلك لم يرجع المهاجرون من الحبشة، ولم يكن هذا اجتهادًا شخصيًا من المهاجرين، بل كان بأمر من قيادة المسلمين المتمثلة آنذاك في رسول الله ﷺ، مرت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، ومر تأسيس الدولة الإسلامية، وكان البناء صعبًا، وكان عدد المسلمين قليلًا، والعدد في الحبشة كبيرًا تجاوز الثمانين، وهم قوة لا يستهان بها، فعدد المهاجرين في غزوة بدر كان نفس عدد المهاجرين إلى الحبشة، ومع ذلك لم يطلبهم رسول الله ﷺ، مرت الغزوات العظام بدر ثم بنو قينقاع ثم أحد ثم بنو النضير ثم الأحزاب ثم بنو قريظة، ثم الحدث الكبير العظيم الهام وهو صلح الحديبية.
وبعد صلح الحديبية أمن المسلمون على أنفسهم، وأصبحت لهم دولة لها كيان محترم تعقد به الأحلاف والمعاهدات على أعلى مستوى، يرهب جانبها ويحترم رأيها، فهنا شعر رسول الله ﷺ أنه أصبح من الصعب استئصال المسلمين، لقد كان ممكنًا في أي لحظة قبل صلح الحديبية أن يستأصل المسلمون، وأقرب مثال على هذا غزوة الأحزاب؛ حيث أراد الكفار الإنهاء الجذري للإسلام في المدينة، لكن الله ﷿ كتب النصر للمؤمنين، حتى قال الرسول ﷺ: (الآن نغزوهم ولا يغزونا).
عندما شعر رسول الله ﷺ بأول لحظات الأمان في المدينة أرسل في طلب المهاجرين في الحبشة، أرسل إليهم عمرو بن أمية ﵁ وأرضاه، فجاءوا في العام السابع من الهجرة بعد فتح خيبر.
كان رسول الله ﷺ يتعامل مع الأمور بحكمة سياسية رائعة، كان يحافظ على نواة للمسلمين هناك في مكان آخر بعيد مثل الحبشة، فإذا هلك المسلمون في المدينة حمل المهاجرون في الحبشة اللواء، وكان المسلمون في الحبشة يقومون بدور المخزون الإستراتيجي الهام للمسلمين، وكانوا على استعداد للرجوع إلى المدينة في أي لحظة إذا طلبت منهم القيادة ذلك.
كانت الأدوار موزعة على المسلمين بدقة، طائفة من المسلمين يقومون بالبناء هناك في أواخر الفترة المكية، وفي فترة المدينة هذه الطائفة معرضة لخطر شديد تقابل الموت في كل لحظة، وهناك طائفة أخرى كامنة في الحبشة، في ظاهر الأمر هم غير معرضين للأذى، لكن مهمتهم في غاية الخطورة، لقد كان عليهم أن يحملوا الدعوة بمفردهم إذا هلك المسلمون في المدينة، وقد يموت رسول الله ﷺ شخصيًا وتصبح الأمانة معلقة في رقابهم وحدهم، وهنا يتضح أمران: الأول: أن هذا التوزيع للأدوار تم بمعرفة قيادة المسلمين المتمثلة في رسول الله ﷺ، وكان هناك طاعة عظيمة جدًا من الطرفين؛ الطرف الذي يعمل في المدينة، والطرف الذي يعمل في الحبشة، ولو ترك الأمر لكل فرد لدخل الهوى في الاختيار، قد يكون هوى المرء أن يظل بعيدًا عن أرض القتال هناك في الأمان في الحبشة، وقد يكون هوى المرء أن يعمل للإسلام في مكان معين، كأن يعمل بجوار رسول الله ﷺ أو في قبيلة كذا أو كذا.
فحتى لا يتدخل الهوى في الاختيار وزع القائد ﷺ الأدوار على المسلمين، وأطاع المسلمون في أدب جم، إذ لا يشترط الجندي الصادق عملًا معينًا أو مكانًا معينًا؛ لأن الجندي في الإسلام يعمل لله ﷿، وفي كل مكان يوضع فيه بنفس الحمية، كما أن الأمر يحتاج أيضًا إلى تنظيم، مَنِ الذي يقوم بهذا الدور؟ ومن الذي يقوم بالدور الآخر؟ وحتى لا تختلط الأدوار على الناس يرجع في هذا إلى قيادة المسلمين والشورى ورأي المجموعة، وكل ذلك من أساسيات العمل الجماعي السليم الذي علمنا إياه رسول الله ﷺ.
الثاني: أن المسلمين المهاجرين في الحبشة لم يكونوا في حالة ركون أو فتور، بل كانوا في إعداد وتدريب مستمر، لقد كان مستوى الإيمان لديهم رائعًا، وكان الاستعداد النفسي للعودة والمشاركة والوقوف في الصدارة ومواجهة الموت كاملًا، يثبت ذلك أنهم لما جاءتهم إشارة العودة عادوا دونما ضجر ولا اعتراض ولا إبطاء ولا طلب لفترة تجهيز وانتقال، ولما وصلوا إلى المدينة انخرطوا في الصف بسرعة، وحملوا المشاق مع المسلمين وكأنهم عاشوا معهم كل التجارب السابقة، حتى إنهم لما وصلوا إلى المدينة علموا أن رسول الله ﷺ يفتح خيبر، وهي على بعد مائة كيلو في شمال المدينة المنورة، فتوجهوا جميعًا إلى خيبر للمشاركة في الغزو فوجدوها قد فتحت، وسر بهم رسول الله ﷺ جدًا، وقال: (
[ ٨ / ٥ ]
أسباب ومزايا اختيار الحبشة دون غيرها للهجرة إليها
لماذا اختار رسول الله ﷺ الحبشة بالذات ليهاجر إليها المسلمون؟ لاشك أن الرسول ﷺ قد فكر كثيرًا في المكان الذي يمكن أن يرسل إليه المسلمين، ولعل أقرب الأماكن إلى الذهن هو أن يرسلهم إلى مكان في الجزيرة العربية عند قبيلة من القبائل، فقد كانت هناك تجمعات قبلية كبيرة وكثيفة وكثيرة في جزيرة العرب، هناك ثقيف في الطائف، وهوازن في حنين، وبنو حنيفة في شرق الجزيرة، وعبس وذبيان في شمال المدينة وغيرها كثير، وهذه القبائل تتميز بكونها تعيش في ظروف مقاربة جدًا لظروف المسلمين في مكة، ولن يشعر المسلمون بتغير كبير في طبيعة الحياة، كما أنهم يتكلمون العربية، بالإضافة إلى قرب المسافة، فإذا احتاج الرسول ﷺ إلى المسلمين قدموا سريعًا، هذه كلها مزايا موجودة في هذه القبائل، لكن هذه القبائل كانت كلها مشركة، وإن لم تعلن العداء السافر للمسلمين، إلا أنها كلها تكنُّ قدرًا عظيمًا جدًا من الاحترام لقريش، ولاشك أن القرشيين لو طلبوا المسلمين ما ترددت هذه القبائل في دفعهم للكفار من أهل مكة.
إذًا: اختيار القبائل المحيطة بمكة في جزيرة العرب لم يكن اختيارًا سليمًا، ولعله ﷺ أيضًا فكر في يثرب التي أصبحت بعد ذلك المدينة المنورة، لكن يثرب في هذه الآونة لم يكن فيها مسلم واحد، كما أنها بلد متقلب بسبب الحروب بين الأوس والخزرج، كما أن اليهود يسكنون منذ زمن في هذه البلاد، وتاريخ اليهود لا يبشر بأي خير.
ولعله ﷺ قد فكر في العراق حيث القبائل العربية الكثيرة التي تعيش في هذه المناطق، مثل: بني شيبان، ولكن هذه القبائل بالإضافة إلى كونها جميعًا مشركة فإنها على ولاء شديد وتحالف مع الفرس، وعادة ما يكره الملوك الدعوات الإصلاحية، فلن يرحب كسرى فارس بهذا القدوم للمسلمين.
ولعل الرسول ﷺ أيضًا قد فكر في الشام أيضًا فهناك قبائل عربية تعيش فيها، مثل: قبائل الغساسنة، لكنها على الجانب الآخر موالية للروم، ولن ترحب أيضًا باستقبال هذه الدعوة الجديدة، ولعله أيضًا قد فكر في مصر، لكن مصر برغم أن بها ملكًا معتدلًا وهو المقوقس إلا أنها محتلة من الرومان، ولا تملك في ذلك الوقت من أمرها شيئًا.
ولعله أيضًا ﷺ قد فكر في اليمن، لكنها كانت محتلة من قبل فارس، ولن يقبل الفرس بقدوم المسلمين، لاشك أنه ﷺ فكر في كل هذه الأماكن؛ لأنها قريبة ومنطقية وغالبها عربي باستثناء مصر، لكنه ﷺ لم يجدها مناسبة؛ لذا جال وبرز في ذهنه ﷺ الاختيار الأخير، والذي يبدو عجيبًا في نظر الكثيرين حتى في نظر المعاصرين له ﷺ، وهذا الاختيار هو الحبشة.
لقد كان اختيار الحبشة عجيبًا، وإن دل على شيء فإنما يدل على سعة اطلاع رسول الله ﷺ، وعلى حكمته في نفس الوقت، والحبشة وإن كان بها بعض العيوب الملموسة إلا أن مزايا الاختيار تفوق عيوبها.
من عيوب الحبشة: أنها بعيدة عن مكة، وهذا يصعب الاتصال والمراسلات بين الرسول ﷺ وبين مجموعة المهاجرين.
أيضًا: اختلاف اللغة، فهي مختلفة بالكلية عن اللغة العربية.
كما أن العادات والطبائع لأهل الحبشة مختلفة كثيرًا عن عادات العرب، مما قد يؤدي إلى الصعوبة النسبية في الحياة هناك، لكن لها مزايا.
الميزة الأولى: كان الحاكم في الحبشة عادلًا، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (لو خرجتم إلى الحبشة؛ فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد)، لم يعلق الرسول ﷺ على شيء في حياة الرجل ولا دينه، ولكن علق على عدله، ما حدث للمسلمين في مكة كان نتيجة ظلم بين من أهل مكة، لكن ملك الحبشة النجاشي ﵀ كان عادلًا، وهو بذلك يحفظ حقوق الآخرين بغض النظر عن ديانتهم أو حبهم أو كراهيتهم، فالعدل أساس من أسس الحكم، وبغيره لا تستقيم الدنيا والآخرة.
فكان من سعة الأفق للرسول ﷺ وشمول النظرة وعمق الفكر أن اختار البلد الذي يحكمه حاكم عادل، فضمن بذلك حماية لأصحابه، وهو درس للدعاة أن يستفيدوا من الذين يتصفون بالعدل من الناس، وأن يطلعوا على أحوال البلاد المحيطة بهم، حتى زمن الاستضعاف، فقد يكون من الفائدة أن يستعينوا برجل من أمثال هؤلاء وإن اختلف دينه عن دينهم.
هذه كانت الميزة الرئيسية في أرض الحبشة.
الميزة الثانية: يعيش في أرض الحبشة نصارى، والمسلمون كانوا يشعرون بقرب إلى النصارى، فهم أهل كتاب أيضًا، وظهر ذلك واضحًا من تعاطف المسلمين مع الروم في حربهم ضد فارس الوثنية، وشعر رسول الله ﷺ والمؤمنون أن قلوب النصارى ستكون أقرب إلى الدعوة من غيرهم، وقد نزل القرآن بعد ذلك بسنوات عديدة ليؤكد على هذا المعنى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّ
[ ٨ / ٦ ]
وقفات مع الهجرة إلى الحبشة
أمر رسول الله ﷺ (١٤) مؤمنًا أن يهاجروا إلى الحبشة: (١٠) رجال و(٤) نساء هن زوجات، كانت هذه هي الطليعة الأولى من المهاجرين، وأنا أريد أن أقف وقفتين في غاية الأهمية عند هذا الموقف.
الوقفة الأولى: من أول من هاجر من المسلمين؟ أسماؤهم تحتاج إلى وقفة طويلة، فالأول: هو عثمان بن عفان الأموي ﵁ وأرضاه وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ.
يا له من موقف، أعمق وسيلة من وسائل التربية هي وسيلة التربية بالقدوة، لقد أصدر رسول الله ﷺ أوامره بالهجرة وترك الديار، ثم لم يعزل نفسه ﷺ عن الأذى من هذه الهجرة، فها هي ابنته السيدة رقية حبيبة قلبه ﷺ تهاجر إلى الحبشة مع المهاجرين، بل تسبق المهاجرين، ويذوق ألم الفراق كما يذوقه أصحابه من المؤمنين، من المستحيل أن يتأثر الجنود بقائدهم إلا إذا شعروا أنه معهم في خندقهم، ما أسهل أن تأمر بالتقشف والهجرة، بل والموت، لكن كل ذلك لا يؤثر في أحد إلا إذا قرن بعمل التربية القدوة.
رسالة من رسول الله ﷺ إلى كل قائد: إذا أردت أن تملك قلوب شعبك وأتباعك فانزل إليهم وعش معهم وخالطهم، افرح بما يفرحون به، وتألم مما يتألمون منه، شاركهم في طعامهم وشرابهم وسفرهم وسعيهم وقتالهم، عندئذ اعلم أنك امتلكت قلوبهم.
الاسم الثاني في هذه الهجرة كان أيضًا من بيت الرسول ﷺ: إنه جعفر بن أبي طالب الهاشمي القرشي ﵁ وأرضاه، ابن عم رسول الله ﷺ، هاجر هو وزوجته السيدة أسماء بنت عميس ﵂.
وكذلك بقية الأسماء معظمهم من أصحاب الشرف والمكانة والمنعة مثل: عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة.
والزبير بن العوام من بني أسد.
وأبو سلمة بن عبد الأسد من بني مخزوم.
وأبو حذيفة بن عتبة من بني عبد شمس.
ومصعب بن عمير من بني عبد الدار، وهكذا معظم المهاجرين من أشراف مكة.
الوقفة الثانية: أن المسلمين أخذوا بكل الأسباب الممكنة لضمان نجاح عملية الهجرة، لم يقولوا: نتوكل على الله ﷿ وندعوه، ثم نسلم أمرنا بغير إعداد، لا، بل أخذوا بكل الأسباب التي في أيديهم.
أولًا: خرج المسلمون في سرّية كاملة ولم يعلموا أحدًا أبدًا بهجرتهم.
ثانيًا: لم يخرجوا مجموعة واحدة، بل خرجوا متفرقين حتى لا يلفتوا الأنظار إليهم.
ثالثًا: لضمان عدم الاختلاف ولتوحيد الصف اختار لهم رسول الله ﷺ أميرًا من أنفسهم، اختار لهم عثمان بن مظعون ﵁ وأرضاه من بني جمح.
رابعًا: التنوع الملموس من قبائل مكة، فإن الرسول ﷺ أخرج من كل قبيلة رجلًا، وبذلك لا تستطيع مكة أن تتحزب ضد قبيلة معينة، لقد اختار رسول الله ﷺ من كل قبيلة واحدًا، فأصبح الموقف صعبًا على أهل مكة، كما أنه من الناحية الأخرى سوف يكون لهذا الوفد تأثير واضح على ملك الحبشة، فهذا الوفد المكون من خليط من قبائل مكة كأنه سفارة رسمية تمثل شعب مكة، لا يخطر أبدًا على ذهن النجاشي أن هذه حركة قبائلية بحتة، بل هي دعوة دينية أخلاقية لا تفرق بين قبيلة أو أخرى، وهذا سيكون أدعى لرد كيد قريش إذا حاولت أن تكيد للمسلمين عند ملك الحبشة.
في هذه الهجرة أخذ ﷺ بكل الأسباب المادية وفي كل أموره، حتى يعلمنا كيف نسير على دربه وعلى طريقه ﷺ.
خرج المؤمنون من مكة خفية، واجتمعوا عند ساحل البحر، ولكن مع كل هذا استطاع أهل مكة أن يعرفوا وجهتهم وأن يلحقوا بهم؛ فحرب الحق والباطل ليس لها نهاية إلى يوم القيامة، هنا كان من الممكن أن تجهض محاولة الهجرة، ولكن المسلمون ابتهلوا إلى الله ﷿ أن ينجيهم مما لحق بهم، في هذه اللحظة وجدوا سفينتين في البحر متجهتين إلى الحبشة فركب المسلمون في إحداهما، وانطلقوا باسم الله في وسط البحر، ولم يستطع المشركون أن يلحقوا بهم.
لقد استنفد المسلمون الوسع، وأخذوا بكامل الأسباب، ولكن المشركون لحقوهم؛ ليلجأ المسلمون إلى الله ﷿، وليعلموا أن الأخذ بالأسباب لا ينفع إلا إذا أراد الله ﷿، وليدركوا حق الإدراك أن الكون بيد الله ﷿ يصرفه كيف يشاء.
وصل المسلمون بأمان إلى الحبشة، وكما توقع رسول الله ﷺ استقبلهم النجاشي خير استقبال، وجلسوا عنده في أكرم حال، ولم يلقوا عنتًا ولا إيذاء ولا مشقة.
[ ٨ / ٧ ]
قصة إسلام حمزة وعمر وسجود المشركين لآية سورة النجم وأثر ذلك على المسلمين في مكة والحبشة
بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة حدثت في مكة أمور عظام في ظاهرها بسيطة، ولكنها محطات تغيير هامة ليس في أوضاع مكة فقط، بل في خريطة العالم.
مما حدث في مكة: أولًا: آمن حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه عم رسول الله ﷺ.
ثانيًا: بعده بثلاثة أيام فقط آمن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
وستحمل الأيام مفاجآت عظيمة لأهل الأرض جميعًا، سيرون كيف أن هذا الرجل البسيط عمر الذي آمن في هذه البلدة الصغيرة مكة سيقود جيوش المؤمنين ليكسر شوكتي فارس والروم، وليوحد أطراف العالم في خلافة واحدة، آمن الفاروق في مكة فحدثت تغييرات جذرية في سياسة المؤمنين، منها ما يتعلق بقضية الهجرة إلى الحبشة، آمن عمر بن الخطاب فظهر الإسلام في مكة، وأعلن كثير من المسلمين إسلامهم، بعد أن أذن لهم رسول الله ﷺ، وكما قال عبد الله بن مسعود ﵁: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ﵁ وأرضاه، وقلّ إلى حد كبير التعذيب الوحشي الذي كانت تقوم به قريش للمؤمنين، وعاش المسلمون في مكة لحظات عظيمة من السعادة التي لم تمر بهم منذ زمن طويل، سعادة بإسلام البطلين العظيمين الجليلين: حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب ﵄، وسعادة بإحساس الأمان النسبي الذي شعر به المسلمون للمرة الأولى منذ أكثر من خمس سنوات، وسعادة بشعور العزة والفخر بهذا الدين وباتباعه.
طارت أنباء هذه السعادة إلى الحبشة، وتواصلت قلوب المؤمنين في الحبشة مع قلوب المؤمنين في مكة وشعروا بنفس السعادة، وشعروا فوقها بسعادة العودة إلى أرض الوطن وإلى أرض الأجداد والعشيرة وإلى البيت الحرام، شعر المسلمون أن وقت العودة إلى مكة سيكون قريبًا إن شاء الله.
تزامن مع حدث إسلام البطلين حمزة وعمر ﵄ حدث آخر عجيب تم في مكة في ساحة البيت الحرام في رمضان من السنة الخامسة من البعثة، كان من أسلوب الكافرين لمنع الناس من التأثر بكلام الله ﷿ أن يمنعوا أنفسهم من السماع أصلًا؛ لأنهم يعلمون أنه لو سمع أحدهم القرآن فقد يؤمن به: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦]، كانت هذه هي سياستهم، ولكن في رمضان من السنة الخامسة من البعثة حدث هذا الموقف الغريب: كان المشركون مجتمعين في البيت الحرام، وكان معهم المؤمنون أيضًا، وكان معهم رسول الله ﷺ، فوقف في وسط الناس وبدأ يقرأ سورة من سور القرآن الكريم تلاوة عليهم، وهي سورة النجم كاملة: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١ - ١٢].
فانبهر المشركون بروعة الكلمات والآيات، وبالكلام العجيب الذي لا يقدر عليه بشر، ولم يحركوا ساكنًا، نزلت الآيات كالقوارع على قلوبهم، خرست الألسنة، وتسمرت الأقدام، وتعلقت العيون برسول الله ﷺ، وبدأ رسول الله ﷺ يكمل القراءة بصوته العذب، بل بدأ يقرأ آيات تسفه أصنام قريش وآلهتهم المزعومة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٣].
ومع أن الآيات تهين آلهة قريش وتحقر من شأنها إلا أن المشركين لم ينطقوا بكلمة، بل ظلوا يستمعون القرآن وقد انبهروا انبهارًا كاملًا، وأكمل رسول الله ﷺ السورة بكاملها إلى أن وصل إلى آخرها، حتى قرأ آية السجدة: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ
[ ٨ / ٨ ]
قرار عودة المهاجرين من الحبشة إلى مكة والآثار المترتبة على ذلك
وصل إلى أسماع المسلمين في الحبشة أن مكة قد آمنت ودخل أهلها في الإسلام، قالوا: لقد آمن حمزة وعمر ﵄، وظهر المسلمون، وصاروا أعزة، ثم سجد المشركون مع رسول الله ﷺ إيمانًا بما يقول، وقد أصبحت مكة الآن مسلمة، فما الفائدة من البقاء في الحبشة بعد إيمان مكة؟ كيف حدث هذا الخطأ عند المسلمين في أرض الحبشة؟ لابد أنه وقع خطأ في نقل الأخبار من مكة إلى الحبشة أو خطأ في فهم الخبر الصحيح، ولكن في الحالتين ترتب على هذا الخطأ إرهاق شديد جدًا للمسلمين في الحبشة.
لقد قرر المسلمون أن يعودوا إلى مكة، وذلك بعد إشاعة غير صحيحة جاءت من مكة إلى الحبشة، كم من الأثمان يدفعها المسلمون ثمنًا للشائعات، وكم من الوقت والمجهود والمال يضيع جراء الشائعات، وعلى المسلمين دائمًا أن يتبينوا قبل أخذ القرار، وفي اعتقادي أنه كان يجدر بالمهاجرين أن يرسلوا رسولًا واحدًا منهم إلى مكة ليستوثق من الخبر، قبل أن يجمعوا أنفسهم ونساءهم وأطفالهم ويعودوا هذا المشوار الطويل المرهق عبر البحار والصحاري، أو أن ينتظروا رسالة واضحة من قائدهم المحنك رسول الله ﷺ، الذي كان سيرسل إليهم حتمًا بالخبر لو أن مكة آمنت فعلًا، وأن المصلحة في أن يعودوا إلى مكة، لكن هذا لم يحدث، وعاد المسلمون وركبوا البحر لمسافات طويلة، وجاءوا إلى مكة وقلوبهم ترقص من الفرحة، ثم كانت الصدمة القاسية، لقد اكتشفوا أن الخبر كان مجرد إشاعة! مر المسلمون بمعاناة كبيرة بسبب هذه العودة، لكن بفضل الله كان المسلمون على حذر كافٍ عندما اقتربوا من مكة، فقد انتظروا إلى الليل، ووقفوا خارج مكة، وأرسلوا رسولًا، وجاء لهم بالخبر أن أهل مكة ما زالوا مشركين، نعم، مشكلة ضخمة، لكن اجتمع المسلمون وعقدوا مجلسًا للشورى، وخرجوا من اجتماعهم بثلاث توصيات، واستقروا على أن يقسموا عليهم هذه التوصيات الثلاث.
التوصية الأولى: أن يعود غالبيتهم مرة ثانية إلى الحبشة دون دخول مكة.
وهذا أمر شاق على النفس، ولكنه سيكون أكثر أمنًا.
التوصية الثانية: أن يدخل بعض المسلمين إلى مكة سرًا متخفين لقضاء بعض المصالح لهم ولبقية المهاجرين، ثم العودة بعد ذلك إلى الحبشة، ومفهوم ذلك أنهم لن يبقوا في أرض مكة إلا فترة بسيطة؛ لأن مكة مدينة صغيرة ومن المستحيل أن يختبئ فيها رجل عن عيون الناس لفترة طويلة.
التوصية الثالثة: أن يدخل بعضهم إلى أرض مكة جهارًا ولكن في جوار واضح وحماية معلنة، حتى لا يعرض للقتل أو للتعذيب الشديد، وهؤلاء سوف يشرحون لرسول الله ﷺ أحوال الحبشة، ويتبادلون الخبرة مع مؤمني مكة بخصوص أمر الهجرة.
وتم بالفعل هذا الاتفاق وعاد الغالبية إلى الحبشة دون دخول مكة، ودخل بعضهم مكة سرًا ثم عادوا بعد ذلك إلى الحبشة ودخل بعضهم مكة في وضوح، أما الذين دخلوا مكة في إعلان فكان عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه وزوجته السيدة رقية بنت رسول الله ﷺ، وعثمان بن مظعون ﵃، فدخل عثمان بن عفان الأموي في حماية قبيلته القوية بني أمية، أما عثمان بن مظعون فقد دخل في جوار الوليد بن المغيرة المشرك وهو من قبيلة بني مخزوم، وذلك لأن قبيلة عثمان بن مظعون بنو جمح وكانت من أشد القبائل محاربة له شخصيًا، وكان من أشدهم عليه أمية بن خلف الجمحي لعنه الله.
فدخل عثمان بن مظعون في إجارة الوليد بن المغيرة، وكانت إجارة غير مشروطة، وقد قلنا بأن المشركين قد رفعوا أيديهم نسبيًا عن المسلمين بعد إسلام حمزة وعمر ﵄، ولكن جدت أمور جعلت المشركين ينشطون من جديد لتعذيب المسلمين.
أولًا: أن سجود المشركين في الكعبة مع رسول الله ﷺ سبب بلبلة في أرض مكة، ومن كان مترددًا في الإيمان فلابد أن يفكر الآن بجدية، وبالذات في ظل الحماية المادية والمعنوية التي يقدمها فارسا قريش حمزة وعمر ﵄؛ لذلك فكرت قريش في إعادة البطش والتعذيب لمنع المد الإسلامي الجارف في مكة.
ثانيًا: وصلت إلى مكة أنباء الاستقبال الحافل والكريم الذي قدمه النجاشي للمهاجرين المسلمين، وهذا رفع من معنويات المسلمين من ناحية وأحبط معنويات الكفار من ناحية أخرى، فمشركو مكة كانت لهم علاقات تجارية وصداقة مع النجاشي، ولاشك أن هذه الأمور قد تتأثر بالصداقة والوفاق الجديد مع المسلمين، لهذا قررت مكة أن تنشط في مواجهة الدعوة، فماذا فعلت؟ الوسيلة الأولى: قررت قريش منع المؤمنين من السفر، وقامت بتشديد الحراسة على مخارج مكة، ومطاردة كل من خرج من المؤمنين من مكة، ووضعوا على قائمة الممنوعين من السفر كل من عرف عنه الإيمان أو اشتبه في إيمانه، كل هذا لوقف الهجرة إلى الحبشة
[ ٨ / ٩ ]