كانت غزوة حنين نتاج انتصارات الرسول ﷺ المتتالية على قبائل العرب، وكان آخر هذه الانتصارات فتح مكة، الأمر الذي أغاظ قبائل هوازن، فأعدت العدة لمقاتلة المسلمين، وكانت الغلبة في أول الغزوة للمشركين، وانهزم المسلمون، ثم عادوا والتفوا حول نبيهم ﷺ فكانت الغلبة لهم، والعاقبة للمتقين.
[ ٤٠ / ١ ]
بين يدي غزوة حنين
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثاني عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
تحدثنا في الدروس السابقة عن الفتح العظيم فتح مكة، وإسلام معظم أهل مكة، وإضافة قوة هائلة للدولة الإسلامية، قوة مكة، وهي ليست قوة بشرية أو اقتصادية فقط، بل في الأساس قوة دينية واجتماعية وسياسية وأدبية، فحين أصبحت الكعبة المشرفة في يد المسلمين، فإنه لا يخفى أثر ذلك على العرب الذين كانوا يعظمونها جدًا حتى في زمان الجاهلية، وعادت إلى المسلمين الكثير والكثير من أملاكهم المسلوبة، ومن جديد توثقت العلاقات بين الأسر التي فرقت الهجرة إلى المدينة وقبلها إلى الحبشة بينها وبين بقية أفرادها في مكة المكرمة، وأصبح للمسلمين وضع متميز ألقى الرهبة في قلوب كل العرب، وبدأت الكثير من القبائل تحسب للمسلمين ألف حساب.
ليس من السهل أن تهزم قريش، ليس من السهل أن تفتح مكة، ليس من السهل أن يقبل سدنة الأصنام وكهنة هبل والعزى ومناة أن يدخلوا في الإسلام.
[ ٤٠ / ٢ ]
دوافع تجمع قبائل هوازن لمقاتلة الرسول ﷺ وأصحابه بحنين
لقد كان فتح مكة فتحًا مجيدًا بكل المقاييس، ومع أن هذا الفتح دفع الكثير من أهل الجزيرة إلى التفكير في الإسلام، إلا أن هناك بعض القوى الأخرى في الجزيرة العربية أخذت موقفًا معاديًا جدًا من الإسلام ومن الدولة الإسلامية، فقد شعرت وأحست أن هذا النمو اللافت للنظر للدولة الإسلامية معناه اقتلاع القبائل الأخرى خلال زمن قليل، من أجل ذلك بدأت هذه القبائل في إعداد العدة لحرب الدولة الإسلامية، قبل أن يتفاقم الوضع ويصبح خارجًا عن السيطرة، فكان من أخطر القبائل التي أخذت هذا النهج وهذا الأسلوب قبيلة هوازن.
يعلم الجميع مدى الروح القبلية عند العرب، ومدى انتماء كل فرد لقبيلته بغض النظر عن الحق أو العدل، وكان هذا من الأمراض الخطيرة التي حاربها الإسلام منذ اللحظة الأولى لنزول الرسالة.
من أجل أن نفهم قصة هوازن مع المسلمين لا بد أن نرجع قليلًا إلى ذاكرة التاريخ، من أجل أن ندرس جذور هذه القبيلة وعلاقة هذه القبيلة بقريش.
ينقسم العرب بصفة عامة إلى قسمين رئيسيين: ينقسمون إلى عدنانيين وقحطانيين، العدنانيون ينقسمون إلى: ربيعة، ومضر، ومضر تنقسم إلى: إلياس وعيلان، وقبيلة قريش تأتي من فرع إلياس بعد تفرعات كثيرة، وتأتي قبيلة هوازن من عيلان أيضًا بعد تفرعات كثيرة، وكلما بعدت الأنساب ازدادت الحزازيات بين القبائل، ويفقد الناس الشعور بالرحم التي ينتمون إليها.
إذا كان يحصل تنافسات وصراعات بين البطون القريبة من بعضها البعض بسبب القبلية، فما بالك لو كانت القبائل بعيدة الأنساب عن بعضها البعض؟ يعني مثلًا: كلنا يعلم ما كان يحدث من صراع بين بني هاشم وبني مخزوم، ومخزوم وقصي كانا أولاد عم مباشرة، ومخزوم هو الذي جاء منه قبيلة بني مخزوم، وقصي الذي جاء منه بنو هاشم بعد ذلك، ومع ذلك كان الصراع شديدًا بين القبيلتين، تنافس قبلي، وقد يصل الأمر إلى المنافسة العسكرية الدموية.
كذلك كلنا يعلم الصراع بين الأوس والخزرج مع أن الاثنين أولاد حارثة بن ثعلبة من فروع قحطان، لكن داء القبلية كان يعصف بالجزيرة العربية.
والرسول ﵊ من قريش؛ فلهذا القبائل البعيدة عن قريش ستفكر في الإسلام بصورة أكثر تحفظًا من القبائل القريبة من قريش، فهذا أبو جهل لم يرض أن يدخل الإسلام من أجل القبلية، مع أنه قريب من الرسول ﵊.
عندما نرجع لشجرة الأنساب مع وضع النظرة القبلية هذه سنفهم أحداثًا كثيرة جدًا في السيرة، ستجد مثلًا أن القبائل البعيدة جدًا عن قريش هي من أواخر القبائل التي أسلمت، ومن أشد القبائل قسوة على المسلمين، فأبعد الفروع عن قريش هي الفروع التي خرجت من قحطان، فهؤلاء لم يسلموا إلا متأخرين مثل: قبائل قضاعة، طي، مذحج، بجيلة ومنهم من كان شديدًا جدًا على المسلمين مثل: بني لحيان، لكن يشذ عن هذه القاعدة قبائل الأوس والخزرج فقد أسلموا قديمًا، ويبدو أن ذلك للجذور اليمنية لهذه القبائل، ثلاث قبائل: الأوس والخزرج وأسلم من قبيلة الأزد اليمنية.
وأهل اليمن يتميزون برقة القلب وقوة العاطفة، يقول: الرسول ﵊: (أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا) رواه البخاري ومسلم.
إذًاَ: فروع قحطان كانت من أواخر القبائل إسلامًا، باستثناء الأوس والخزرج وأسلم.
أيضًا من الفروع البعيدة جدًا عن قريش ربيعة، فربيعة هي الفرع الموازي لمضر، والخلاف بين ربيعة وبين مضر كبير جدًا وطويل، فربيعة تأخر إسلامهم جدًا، مثل: بني بكر بن وائل، بني تغلب، بني عبد القيس، ومنهم من كان شديد العداء للمسلمين ولم يسلم إلا مضطرًا، وسارع بالردة بعد وفاة الرسول ﵊ مباشرة، وبعضهم حتى قبل وفاته ﷺ مثل: بني حنيفة.
إذًا: تأتي بعد كذا مضر تنقسم إلى قسمين رئيسين: إلياس وعيلان.
وعيلان مشهورة في التاريخ بقيس عيلان، فقيس هذا أشهر أبناء عيلان فاشتهرت القبيلة بكاملها بكلمة (قيس عيلان).
وقريش كما ذكرنا هي من إلياس؛ من أجل ذلك تجد قبائل عيلان تنافس بشدة قبائل إلياس ومنها قريش.
وقبائل عيلان كثيرة جدًا، لكن أشهر هذه القبائل ثلاث قبائل، وعندما تسمع أسماء هذه القبائل الثلاث ستفسر لك مواقف كثيرة جدًا في السيرة رأيناها ولا زلنا سنراها.
فأهم ثلاث قبائل في عيلان هم: غطفان، وبنو سليم، وهوازن، ونحن رأينا مدى المعاناة التي عاناها المسلمون من غطفان على مدار سنوات مختلفة، وكذلك عانوا من بني سليم، وبعد ذلك أسلمت غطفان وأسلم بنو سليم، وكان من الواضح جدًا أن إسلامهم كان إسلام المضطر، فهم انبهروا جدًا بقوة الإسلام، وشعروا أنهم لا طاقة لهم بالمسلمين، وقد يجتاحهم المسلمون اجتياحًا مدمرًا لذلك آثروا السلامة، آثروا أن يعيشوا تحت كنف الدولة الإسلامية، وجاءت الوفود كما رأينا إلى المدينة المنورة وبايعت على الإسلام بعد انتصار مؤتة وقبيل فتح مكة المكرمة، والإسلام لم
[ ٤٠ / ٣ ]
قيام مالك بن عوف بتوحيد قبائل هوازن لمقاتلة المسلمين
كان من عادة العرب في ذلك الوقت أنهم يعيشون حياة التفرق حتى في بطون القبيلة الواحدة، وما أكثر ما حدثت الحروب -كما ذكرنا- في داخل الفرع الواحد من القبيلة، كما يقولون أحيانًا: على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا.
وقبيلة هوازن كانت تسير بنفس النمط، ففروعها كثيرة، لكن في زمنها كله ما توحدت في كيان سياسي اقتصادي عسكري واحد، بل عاشت حياة الفرقة كما عاشها بقية العرب قبل الإسلام، وكما يعيشها العرب دائمًا كلما بعدوا عن الإسلام، لكن ظهر في قبيلة هوازن في هذه الفترة وهي الفترة التي سبقت فتح مكة مباشرة وأثناء فتح مكة ظهرت شخصية قلبت الموازين في هذه القبيلة الكبيرة وغيرت كل شيء، هذه الشخصية هي شخصية مالك بن عوف النصري من بني نصر من هوازن، وأمثال هذه الشخصية كثير في التاريخ.
فمن هو مالك بن عوف هذا؟ مالك بن عوف كان شابًا لم يبلغ الثلاثين من عمره بعد، لكنه كان يملك ملكات قيادية متميزة، عنده علم كبير جدًا بالخطط العسكرية وبالفنون القتالية، وكان خطيبًا مفوهًا له قدرة كبيرة جدًا على التأثير على الناس، وكان يتميز بقدرته الفائقة على الحشد وتجميع الطوائف المختلفة لأداء مهمة معينة، كانت لديه طاقات هائلة، لكن للأسف كل طاقاته هذه كانت موظفة في الشر.
بدأ مالك بن عوف يجمع كل فروع هوازن تحت راية واحدة، وهذا حدث فريد في تاريخ هوازن، فهذه هي المرة الأولى تقريبًا التي تتجمع فيها بطون بني نصر وبني سعد وثقيف تحت راية واحدة، وهذا يدلنا على مدى كفاءة هذا القائد، ومع أنه من بني نصر ومعروف أن ثقيفًا هي أكبر وأعز وأعظم قبيلة من قبائل هوازن ومع ذلك قبلت أن تسير تحت راية مالك بن عوف النصري.
لقد جمع مالك بن عوف منهم أكثر من (٢٥.
٠٠٠) مقاتل، وهذا أكبر رقم تجمع في معركة واحدة في تاريخ العرب قاطبة، جيش هائل، فهو جمع هذه الأعداد الكبيرة باسم القبيلة: نحن من هوازن ومحمد من قريش، هذا هو المنطق مع أن الرسول ﵊ ما سعى أبدًا إلى تجميع القرشيين ضد القبائل العربية الأخرى، بل على العكس كان العدو الأكبر للرسول ﵊ في خلال السنوات العشرين السابقة قبيلة قريش، وكان جيشه يضم أفرادًا من كل قبائل العرب، والجانب الأعظم من جيش فتح مكة لم يكن من القرشيين، كان من أوس وخزرج وأسلم وغفار والأزد ومزينة وجهينة وغطفان وبني سليم وبني تميم وغير ذلك من الفروع القريبة والبعيدة جدًا من قريش، وغطفان وبنو سليم هم أكثر قربًا لهوازن كانوا في جيش الرسول ﵊ الذي فتح مكة، مع كل ذلك إلا أن المحفز الوحيد الذي استخدمه مالك بن عوف هو قضية القبيلة، وأقنع الناس بما نشأ عليه العرب من أن القبيلة فوق كل شيء وقبل كل شيء، وأن عز القبيلة مقدم على الحق وعلى العدل وعلى القيم وعلى المثل العليا وعلى أي شيء، فنفس فكرة القومية التي ينادي بها الكثيرون في زماننا، أو في الأزمان التي سبقت أو الأزمان التي ستأتي بعد ذلك، ففكرة القومية أو فكرة الوطنية هي تقديم مصلحة القوم أو الوطن أو العنصر بغض النظر عن الحق، إذا خاض الوطن أو القوم حربًا ظالمة فأنا معه؛ لأن مصلحة الوطن مقدمة على الحق والعدل، هذا منطقهم.
إذا رأى البعض أن مصلحة القوم أو الوطن تتعارض مع قانون شرعي أو عرف دولي أو قاعدة أخلاقية يترك القانون الشرعي أو العرف الدولي أو القاعدة الأخلاقية وتقدم مصلحة القوم أو مصلحة الوطن.
هذا الكلام لا وزن له عند رب العالمين ﷾، وليس معنى ذلك أن حب القوم أو الوطن مرفوضة إسلاميًا، لا، بل على العكس حب الأهل والعشيرة فضيلة يحض الإسلام عليها، لكن بشرط ألا تكون على حساب الدين والحق والعدل، يقول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٢٤] ماذا يحصل؟ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
في هذه الآية الجامعة وضح لنا ربنا ﷾ أن تقديم الأهل والعشيرة، وهم القوم، وتقديم المساكن وهي الوطن، أن تقديم هذه الأشياء على أمر الدين هو نوع من الفسق، ومن فعله فعليه أن ينتظر العقاب من رب العالمين ﷾، والعقاب مخوف جدًا، حتى إن الله ﷾ أخفى هذا العقاب ولم يعينه لزيادة الرهبة، قال: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] لكن ليس معنى الآية أن حب الآباء والأجداد والعشيرة أو القوم والقبيلة والوطن والتجارة مذموم، حاشا لله، ليس هذا هو المعنى مطلقًا، بل أمرنا الله ﷿ أن نصل آباءنا وأ
[ ٤٠ / ٤ ]
النقاط السلبية الموجودة عند مالك بن عوف وتغليط دريد بن الصمة له
هناك نقاط سلبية كانت عند مالك بن عوف أولها: أنه يدعو إلى قومية وقبلية بغض النظر عن مواطن الحق والعدل.
النقطة السلبية الثانية خطيرة جدًا: وهي أنه يستخدم البلاغة وحسن البيان في خداع الناس، فقد كان يوهم الناس بخلاف الواقع ويغرر بهم، فقد وقف مالك بن عوف يخطب في الناس في الشعب ويقول لهم: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب فينصر عليهم.
يعني: لو نحن قابلناهم سنرميهم في البحر.
فهذا الخطاب من الخداع غير المقبول بالمرة لشعب ساذج حقًا، شعب هوازن يبدو أنه كان شعبًا معزولًا عن العالم الخارجي، لا يقرأ ولا يكتب ولا يرى ولا يسمع، وإلا لما صدق مالك بن عوف، أي أقوام أولئك الذين لاقاهم رسول الله ﷺ وكانوا أغمارًا لا علم لهم بالحرب؟ هل قريش التي هزمت منذ أيام في عقر دارها أو قبل ذلك في بدر والأحزاب لا علم لها بالحرب؟ هل غطفان التي اكتسحت في ديارها فأذعنت وأطاعت وسلمت وأسلمت لا علم لها بالحرب؟ هل اليهود في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة بل وفي خيبر لم يكن لهم علم بالحرب؟ بل هل الرومان وأعوان الرومان من نصارى العرب بأعدادهم المهولة وبأسلحتهم المتقدمة وتاريخ طويل في الحروب وخبرة فائقة لم يكن لهم علم بالحرب؟ إن شعبًا لا يدرك أحوال الدنيا حوله لجدير أن يضحك عليه، لجدير أن يسخر منه، لجدير أن يهزم ويذل.
فـ مالك بن عوف خدعهم بكلامه المعسول وبالخطاب البلاغي، فهو شعب قابل للخداع، فقد قبل هذا الشعب الساذج أن يرى الدنيا بعيون مالك بن عوف، من أجل ذلك لا بد أن يدفع الثمن.
النقطة السلبية الثالثة في مالك بن عوف: أنه لم يقم وزنًا يذكر لشعبه، فليس عنده أي مانع أنه يضحي بشعبه كله بكل ممتلكاته من أجل تحقيق مجد شخصي له.
ماذا عمل مالك بن عوف بشعبه؟ أمر أن تؤخذ النساء والأطفال والأنعام والأموال وكل ممتلكات شعب هوازن تؤخذ معهم إلى أرض القتال فتوضع في خلف الجيش، لماذا هذا؟ من أجل أن يحفز الجيش على القتال.
يقول لهم: لو انهزم جيش هوازن أو فر من أرض القتال سيستولي المسلمون على كل ممتلكات هوازن، فـ مالك بن عوف لم ينظر أبدًا إلى احتمالية الهزيمة، وهذا أمر وارد في أي معركة، لكن لا مانع أن يدفع الشعب كله ثمن تحقيق النصر لـ مالك بن عوف، أن الشعب كله من رجال ونساء وأطفال يحقق المجد الشخصي لـ مالك بن عوف.
النقطة السلبية الرابعة في قائد هوازن مالك بن عوف: أنه كان ديكتاتورًا لا يستمع لرأي الآخرين ولو كانوا من الخبراء: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩].
بعض الخبراء العسكريين في هوازن حاولوا أن يبعدوا هذا القرار عن ذهن مالك بن عوف، قرار أخذ النساء والأطفال والأنعام والأموال إلى أرض المعركة، لكنه أصر إصرارًا عجيبًا، فقد ورد في كتب السيرة حوار دار بينه وبين دريد بن الصمة، ودريد بن الصمة أحد المخضرمين عسكريًا في هوازن فقد كان عمره فوق مائة سنة، فتعجب لاصطحاب كل ممتلكات هوازن في أرض القتال فسأل مالكًا عن ذلك، فقال مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم.
فغضب دريد غضبًا شديدًا وقال: راعي ضأن والله، ما لك والحرب.
يعني: أنت لا تعدو أن تكون إلا راعيًا للغنم لا تصلح للقيادة العسكرية.
وبعد ذلك أخبره بوجهة نظره وكانت وجهة نظر صحيحة، قال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك.
ثم قال: إنك تقاتل رجلًا كريمًا قد أوطأ العرب وخافته العجم وأجلى اليهود، يعني: دريد قدر قوة الرسول ﵊ تقديرًا سليمًا وقال الرأي الأصوب، لكن مالك بن عوف لم يسمع له، ولم يأخذ بمشورته، ولم يكن يرى غير رأيه فقط، ومع ذلك دريد لم ييئس، بل استمر معه في الحوار وسأله: ما فعلت كعب وكلاب أفضل بطون هوازن عسكريًا وفيهم العدد والعدة؟ قال مالك: لم يشهد منهم أحد، قال دريد وقد ازداد يقينًا برأيه: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب.
ثم نصح مالك بن عوف مرات لكن مالك بن عوف رفض بإصرار شديد؛ لأن نفسية الديكتاتور لا تقبل أبدًا أي رأي معارض لرأيه ولو على سبيل الاقتراح أو المشورة، فالشورى عنده تصبح طاعنة للكبرياء وللكرامة، ومن ثم فالدكتاتوريون لا يريدون الخير إلا إذا جاء منسوبًا لهم.
إذًا: هذه كانت نقطة خطيرة جدًا أيضًا في مالك بن عوف: أنه كان ديكتاتورًا لا يستمع أبدًا للشورى.
النقطة السلبية الخامسة في
[ ٤٠ / ٥ ]
سلاح اكتشاف رسول الله ﷺ
لقد نقلت المخابرات الإسلامية إلى الرسول ﵊ الأخبار عن هوازن، أنها تستعد لحرب المسلمين، فقد أرسل الرسول ﵊ الصحابي الجليل عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ﵁ ليأتيه بخبر هوازن، وجاء عبد الله بتأكيد الخبر أن هوازن تتجمع من أجل حرب المسلمين، وأنها قد جاءت عن بكرة أبيهم بنسائهم وبنعمهم وشائهم، فتبسم ﷺ وقال: (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله) يقين بالنصر.
[ ٤٠ / ٦ ]
استعداد الرسول ﷺ لمواجهة قبائل هوازن
بدأ الرسول ﵊ في إعداد العدة لهذا الموقف الخطير، وكان إعداده على أعلى مستوى؛ فقد كان على النحو التالي: أولًا: قرر الخروج للقتال في مكان متوسط بين هوازن ومكة، وآثر ألا ينتظر بمكة، وهذا فيه حكمة كبيرة جدًا؛ لأنه لو بقي في مكة وغزاها مالك بن عوف بجيشه فقد يتعاون أهل مكة معه؛ لأن أهل مكة حديثو عهد بشرك وجاهلية فقد يتعاونون مع المشركين من هوازن لحرب المسلمين فتصير كارثة، قد تصير الحرب من داخل ومن خارج، لذلك فضل الرسول ﵊ أن يخرج بجيشه إلى مكان مكشوف بعيدًا عن مكة.
ثانيًا: قرر أن يخرج بكامل طاقته العسكرية، سيأخذ معه العشرة آلاف مقاتل الذين فتح بهم مكة المكرمة، لأن أعداد هوازن ضخم وكبير.
ثالثًا: أخذ معه من داخل مكة المكرمة المسلمين الطلقاء الذين أسلموا عند الفتح.
وهذا فيه بعد نظر كبير من الرسول ﷺ؛ فهؤلاء إن تركوا في مكة قد ينقلبون إلى الكفر مرة ثانية، وقد ينفصلون بمكة عن الدولة الإسلامية، وخاصة لو تعرض المسلمون لهزيمة من هوازن؛ وأيضًا خروجهم مع المسلمين فيه دلالة على أن الرسول ﵊ يقربهم ويثق بهم، وهذا سيثبت أقدامهم أكثر في الإسلام، وأيضًا قد تكون هناك غنائم كثيرة؛ لأن الرسول ﵊ نفسه كان يقول: (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله) فلو وزع عليهم هذه الغنائم لكان في ذلك تأليف لقلوبهم، وأضف إلى كل ذلك أن أعدادهم الكبيرة ستوقع الرهبة في قلوب هوازن، ولا شك أن قريشًا لها مكانة في قلوب العرب، فعندما يخرج منها عدد في داخل هذا الجيش فقد يوقع الرهبة في قلوب هوازن، فيكون النصر حليفًا للمسلمين، فالرسول ﵊ لأجل ذلك كله أخذ معه من مكة (٢٠٠٠) من الطلقاء وأصبح الجيش الإسلامي (١٢.
٠٠٠) مقاتل.
وهذا أكبر عدد في تاريخ المسلمين في ذلك الوقت.
رابعًا: لم يكتف الرسول ﵊ بسلاح الجيش الإسلامي الذي فتح به مكة المكرمة، مع كون هذا السلاح من الأسلحة الجيدة جدًا والقوية جدًا، بدليل انبهار أبي سفيان عند رؤيته للجيش الإسلامي، ومع ذلك الرسول ﵊ لم يكتف بهذا السلاح ولا بسلاح المسلمين من الطلقاء، وإنما سعى لعقد صفقة عسكرية كبرى لتدعيم الجيش الإسلامي، فذهب بنفسه إلى تجار السلاح في مكة المكرمة، وكان على رأس هؤلاء التجار صفوان بن أمية ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهذان الاثنان لا زالا مشركين.
فطلب منهما السلاح على سبيل الاستعارة بالإيجار والضمان، حتى إن صفوان بن أمية سأل الرسول ﵊: (أغصبًا يا محمد؟ فقال ﷺ: بل عارية مضمونة) يعني: أنا أستعيرها بالإيجار وأضمن عند ضياع بعضها أن أعوضك عنها، هذا مع أن الرسول ﵊ هو الزعيم المنتصر، وصفوان بن أمية هو أحد القادة المهزومين، لكن الرسول ﵊ كان عادلًا في كل أموره، لم يكن يستحل مال عدو بأي صورة من الصور، وصفوان كان في عهد الرسول ﵊ لمدة أربعة شهور يفكر فيها في أمر الإسلام كما فصلنا قبل ذلك.
الشاهد من القصة: أن إعداد الجيش الإسلامي كان على أفضل الصور الممكنة، ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الرسول ﵊ اصطحب معه في هذه الغزوة بعض المشركين، وكان منهم صفوان بن أمية وكان منهم نوفل بن الحارث تجار السلاح في مكة المكرمة فخرج هؤلاء ليحملوا أسلحتهم للمسلمين.
قد يسأل شخص ويقول: لماذا قبل ﷺ أن يستعين في هذه المعركة بالمشركين ورفض أن يستعين بهم في بدر قبل ذلك، ففي بدر قال لهم: (لا أستعين بمشرك)؟
الجواب
أن الظرف مختلف، فالنصر ببدر قد ينسب إلى المشركين لقلة أعداد المسلمين وعدم استقرار دولة المسلمين، أما الآن فلن يدعي أحد أبدًا أن نصر المسلمين وعددهم (١٢.
٠٠٠) مقاتل كان بسبب الأفراد المشركين المعدودين في الجيش الإسلامي، فمن أجل هذا لم ير الرسول ﵊ مشكلة أن يأخذ معه بعض المشركين، وهؤلاء المشركون لن يأخذوا من الغنيمة، ولكن سيعطيهم ﷺ أجرًا على عملهم هذا بالاتفاق.
خامسًا: أن الرسول ﵊ اهتم جدًا بالحراسة الليلية للجيش الإسلامي؛ لئلا يباغت فجأة، فوضع على الحراسة أنس بن أبي مرثد ﵁.
سادسًا: اهتم الرسول ﵊ اهتمامًا كبيرًا جدًا بالحالة المعنوية للجيش الإسلامي، فقد بشرهم أن جيوش هوازن ستصبح غنيمة للمسلمين إن شاء الله، ولا ننسى أن المسلمين دخلوا موقعة حنين ومعنوياتهم مرتفعة جدًا؛ لأنهم حققوا انتصارًا مهيبًا منذ أيام عندما فتحوا مكة المكرمة أعظم المدن وأشرف الأماكن.
إذًا: يتبين مما سبق أن إعداد المسلمين لمعركة حنين كان إعد
[ ٤٠ / ٧ ]
سبب هزيمة المسلمين في أول غزوة حنين
خرج الجيش الإسلامي في (٦) من شوال سنة (٨) هجرية، ووصل إلى وادي حنين في (١٠) من شوال سنة (٨) هجرية، وفي أثناء الطريق والجيش يسير بهذه الصورة البهية قال بعض المسلمين الجدد من الطلقاء، قالوا كلمة تعبر عن مرض خطير، وسرعان ما انتشرت هذه الكلمة في الجيش بكامله، انتشرت هذه الكلمة كما تنتشر النار في الهشيم، وهذه الكلمة في ظاهرها بسيطة يسيرة لكن كان لها من الأثر ما لم يتخيله المسلمون أبدًا.
قال المسلمون: لن نغلب اليوم من قلة.
كما ذكرنا أن المسلمين كانوا قد فتحوا مكة وهزموا قريشًا بعشرة آلاف فلا شك أنهم سينتصرون في حنين على هوازن بـ (١٢.
٠٠٠) مقاتل، هكذا اعتقد المسلمون، بل وصرح المسلمون بألسنتهم بهذا الاعتقاد، وهذا لم يكن أمرًا قلبيًا، بل خرج على الألسنة.
وعندما قال المسلمون هذه الكلمة شق ذلك على رسول الله ﷺ، وأحس أن مشكلة ستحصل، وظهر على وجهه الحزن، وأحس أن هناك شيئًا خطيرًا سيحدث لهذا الجيش الكبير.
حسنًا: لماذا كل هذه التداعيات لهذه الكلمة البسيطة اليسيرة؟ الجملة في ظاهرها صحيحة، وتركيبها ومعناها صحيح، بل إن هذه الجملة مستنبطة من حديث لرسول الله ﷺ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه ورواه الدارمي والحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄ قال: قال ﷺ: (لا يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة) فمعنى الحديث: أن الجيش الذي وصل إلى (١٢.
٠٠٠) مقاتل لن يهزم بسبب قلة العدد، لكن قد يهزم لأسباب أخرى، قد يهزم لأسباب مادية أو أسباب قلبية، يعني: قد يوجد (١٢.
٠٠٠) مقاتل وليس هناك إعداد عسكري، أو ليس هناك قوة سلاح، أو عندهم خلل في الخطة، أو عدم مهارة في القيادة أو غير ذلك من الأمور المادية، فهذه كلها قد تكون سببًا في الهزيمة، لكن هذه الأشياء في جيش المسلمين الخارج إلى حنين كانت على أحسن مستوى، لكن قد يغلب الجيش لأسباب قلبية، وهذا أمر خطير جدًا.
فهذه الكلمة التي قالها بعض المسلمين تعبر عن مرض قلبي خطير، وهذا المرض هو العجب بالنفس وبالعدد وبالإعداد المادي، وهو الاعتماد على الأسباب ونسيان رب الأسباب، وهو الظن أنني أنا الذي فعلت وليس الله الذي فعل، ولا شك أن الصحابة وغيرهم من الصالحين لو سئلوا سؤالًا مباشرًا: هل النصر من عندك أم من عند الله؟ لا شك أن الجميع سيجيب بلا تردد: بل هو من عند الله ﷿.
لكن هذا الشعور الخفي، شعور الإعجاب بالنفس والغرور يتسلل إلى النفس بلطف شديد، لا يشعر به المؤمن إلا وقد تفاقم.
والإعجاب بالنفس ليس هو الثقة بالنفس، الثقة بالنفس أمر محمود، أما الإعجاب بالنفس فأمر مذموم، والثقة بالنفس أمر مطلوب؛ لأن الجيش لا ينتصر ولا ينجح بغير الثقة بالنفس، لكن لا يجب أن تزيد الثقة بالنفس حتى تصل إلى درجة التوكل على النفس، وليس التوكل على الله ﷿.
والفارق بين الثقة بالنفس والإعجاب بالنفس شعرة، والموفق من وفقه الله ﷿.
الواضح من النبرة التي عند الصحابة حين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة.
أنها كلمة تعبر عن ثقة زائدة عن الحد بالنفس، من أجل ذلك غضب الرسول ﵊ لما سمعها وحزن حزنًا ظهر على وجهه ﷺ، ولو قيلت نفس الجملة على سبيل تبشير المسلمين وطمأنة المسلمين لكانت جملة مناسبة وجميلة ومستحسنة، لكن هذا الكلام لم يحصل، وإنما أُعجب المسلمون بعددهم وتوكلوا على كثرتهم، وهذا هو المرض الذي ذكره ﷾ في الكتاب الكريم في حق هؤلاء، قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥].
لا يقولن أحد أبدًا: إن هذا المرض كان عند الطلقاء حديثي الإسلام فقط، لا، للأسف انتقل المرض من الطلقاء إلى عامة أفراد الجيش الإسلامي، حتى وصل إلى معظم السابقين، وهذا أمر خطير، وسنرى أثر هذا الكلام بعد قليل.
إن الأمراض القلبية كالعجب والكبر وحب الدنيا والحسد أمراض معدية، إن ظهرت في طائفة ولم تعالج جيدًا تنتشر كالوباء، من أجل ذلك كان دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان واضحًا أن هذا الدور لم يؤد على الوجه الأكمل في هذه المعركة، فحدث أن هذه الكلمة انتشرت في الجيش كله، وكان لهذه الكلمة الخطيرة أثر على كل الناس، وغريب أن البعض القليل قد يؤثر على الكثير، ومن الخطر جدًا أن يخرج ضعيف الإيمان في وسط الجيش المؤمن، لكن لولا ظروف مكة حديثة الإسلام وخطورة انقلاب مكة كما ذكرنا قبل ذلك لكان الأفضل ألا يخرج للقتال متذبذب الإيمان، لكن هذه كانت ظروفًا قهرية اضطر المسلمون فيها إلى اصطحاب الطلقاء، مع أن الله تعالى يقول في الكتاب: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]، لكن غالب الطلقاء لم يكونوا منافقين محترفي النفاق، وإنما
[ ٤٠ / ٨ ]
موقف الطلقاء من هزيمة المسلمين في أول غزوة حنين
ماذا كان موقف الطلقاء في هذا الموقف الصعب؟ تباينت مواقف الطلقاء، منهم من صرح بكفره بعد أن كان ظاهره مسلمًا مثل: كلدة بن حنبل، لكن بعد ذلك أسلم وله صحبة، فهذا الرجل قال في ذلك الوقت: ألا بطل السحر اليوم.
يعني: يتهم الرسول ﵊ بالسحر مع أنه خارج مع المسلمين على أنه مسلم.
ومنهم من لم يكتف بالكفر بل حاول قتل الرسول ﵊ مثل: شيبة بن عثمان وأيضًا هذا أسلم وحسن إسلامه.
ومنهم من أظهر الشماتة دون أن يظهر الكفر كـ أبي سفيان زعيم مكة قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
فقد كان مسرورًا بهزيمة المسلمين، فهو لم يثبت على الإسلام، لكن الحمد لله حسن إسلامه بعد ذلك ومنهم من تردد في الأمر فلم يدر أين الحقيقة مثل سهيل بن عمرو.
ومن الطلقاء الذين لم يكمل إسلامهم أسبوعين ثلاثة من ثبت على الإسلام ولم يتردد لحظة مثل: عكرمة بن أبي جهل ﵁.
ومما يدل على الفهم الراقي الذي كان عند عكرمة ﵁ وفهمه للإسلام وللنصر وللهزيمة أنه حدث لطيف جدًا دار بينه وبين سهيل بن عمرو في أثناء فرار المسلمين يوم حنين، قال عكرمة عندما رأى المسلمين يفرون، قال: هذا بيد الله ليس إلى محمد ﷺ منه شيء.
يعني: ليس هو السبب، أي: أن النصر والهزيمة بيد الله ﷿، وليس معناه عدم صدق محمد ﷺ.
ثم قال كلمة جميلة جدًا لا يقولها إلا من عاش سنوات وسنوات في الإسلام قال: إن أديل عليه اليوم فإن له العاقبة غدًا.
يعني: لو هزم اليوم فلا شك أن النصر سيكون حليفه غدًا أو مستقبلًا، أوهذا مثل قول الله ﷾: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
فـ عكرمة ﵁ لم يسلم إلا منذ أسبوعين أو ثلاثة، وهذا اليقين منه أدهش سهيل بن عمرو قال: والله إن عهدك بخلافه لحديث.
يعني: أنت لا تزال من أسبوعين أو ثلاثة كنت تعبد هبل فكيف توقن هذا اليقين؟ قال عكرمة: يا أبا يزيد! إنا كنا على غير شيء وعقولنا ذاهبة، نعبد حجرًا لا يضر ولا ينفع.
إذًا: تباينت مواقف الناس، فالغالب الأعم من الناس فر من أرض المعركة والقليل هم الذين ثبتوا.
ومعركة حنين في تقييمي كانت شديدة الشبه بمعركة أحد، فكلاهما كان مصيبة، وكلاهما كان لمرض قلبي، ففي أحد المرض القلبي كان حب الدنيا، وفي حنين المرض القلبي كان العجب، لكن الفارق بين أحد وحنين أن أحداث الموقعتين تمت بصورة معكوسة، ففي أحد بدأت المعركة بنصر للمسلمين ثم حدثت المصيبة، وفي حنين بدأت المعركة بمصيبة للمسلمين ثم تم النصر لهم.
[ ٤٠ / ٩ ]
عوامل رجوع المسلمين وثباتهم مع رسول الله ﷺ
كيف تم النصر للمسلمين مع وجود هذه الأزمة الطاحنة؟ كيف خرج المسلمون من هذه الكارثة؟ في مثل هذه الأزمات الهائلة وحين يتخلى الجميع أو المعظم عن المسئولية في عمل من الأعمال الهامة للأمة، سواء كان جهادًا أو غيره من الأعمال، ماذا نعمل في مثل هذه المواقف؟ لقد ضرب لنا الرسول ﵊ القدوة في ذلك، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقدم لنا منهجًا عمليًا واضحًا للخروج من مثل هذه الأزمات، فماذا عمل الرسول ﵊؟!
[ ٤٠ / ١٠ ]
ثبات النبي القائد ﷺ
أول نقطة: ضرب القدوة من نفسه، فلم يفر؛ لأنه إذا فر القائد فلا أمل في ثبات الجنود، وإذا تخلى القائد عن المسئولية فلن يحملها أحد.
فالرسول ﵊ ثبت في هذه الموقعة ثباتًا عجيبًا، بل إنه لم يكتف بالثبات وعدم الفرار، بل كان يركض بدابته ناحية الكفار، حتى أن العباس ﵁ وأرضاه وكان من الثابتين إلى جواره ﷺ كان يمسك بلجام الدابة ليمنعها من التقدم خوفًا على رسول الله ﷺ، لكن الرسول ﵊ استمر في الدخول وسط جيش الكفار، وكان الجيش يمشي عكس اتجاه الرسول ﵊، كله يفر إلى الوراء والرسول ﷺ متقدم إلى الأمام ويقول وينادي بأعلى صوته: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله.
لن تجد مثل الرسول ﵊ مهما قرأت في التاريخ، ومهما قرأت في السير، ومهما قرأت في المعارك لن تجد مثل ذلك الموقف أبدًا، إذا فكر القائد في النجاة بنفسه لا شك أن الجنود سيحبطون إحباطًا يمنعهم من أي مقاومة، أما إذا ثبت القائد وتقدم وجاهد وضحى بنفسه فهذه أعظم الدروس التربوية لجيشه ولأمته؛ ولذلك تجد أن الراية تعطى في المعارك لأفضل الناس وأقوى الناس وأشجع الناس؛ لأن الناس تبع لرايتهم وتبع لقائدهم، فإذا هرب الشجاع الذي يحمل الراية فلا شك أن غيره سيهرب وسينهزم، لذلك تجد أن أشد القتال دائمًا يدور حول الراية، ليس لمجرد قتل رجل شجاع؛ ولكن لأن سقوط الراية سيؤثر معنويًا على كامل الجيش؛ فالرسول ﵊ كان يدرك ذلك تمام الإدراك، فلذلك حرص ﷺ كل الحرص على عدم التراجع خطوة واحدة، مع كل الخطورة التي قد يتعرض لها، لكن هذه هي الفرصة الأخيرة لجيشه ولأمته أن تراه ثابتًا فتثبت بثباته، وفعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، وألف خطة في الثبات والتضحية لا تساوي موقف الرسول ﵊ يوم حنين.
هذه رسالة لكل المسئولين عن أعمال جماعية للأمة الإسلامية، ثبات القائد يعني ثبات الجنود وتضحية الرئيس تعني تضحية المرءوسين.
إذًا: هذه كانت أول نقطة عملها الرسول ﵊: ضرب القدوة من نفسه كقائد.
[ ٤٠ / ١١ ]
اعتماده ﷺ على الموثوق بهم من الجنود
النقطة الثانية: الاعتماد على الموثوق فيهم من الجنود، القائد كفرد لا يستطيع أن يفعل شيئًا بلا جنود، حتى لو ثبت لابد أن يكون في جنود؛ فالزعيم لا يأتي بالنصر إلا إذا كانت معه أمة، لكن يتفاوت الناس في إمكانياتهم، يتفاوت الناس في أخلاقهم، في تربيتهم، في تاريخهم، كذلك يتفاوت الناس في درجة الاعتماد عليهم، فهناك من يعتمد عليه في أمور، وهناك من يعتمد عليه في أمور أخرى، وهناك من لا يعتمد عليه أصلًا.
فالقائد المحنك والرئيس الذكي هو الذي يدرك بوضوح إمكانيات من حوله، يعرف الأعمال البسيطة السهلة التي يستطيع الجميع القيام بها، ويعرف الأعمال الصعبة التي لا يقوم بها إلا بعض الرجال، كما يعرف الأعمال شديدة الصعوبة التي لا يفلح في أدائها إلا القليل من الرجال، فكلما ازدادت حكمة القائد أدرك المستوى الدقيق لكل من حوله، وبالتالي لا يكلف أحدًا من جنوده فوق ما يطيق، حتى ممكن يحقق نسبة نجاح كبيرة.
فتعالوا لننظر كيف طبق الرسول ﵊ هذا؟ لقد كان الرسول ﵊ أفضل من يميز الرجال، وأفضل من يقدر إمكانياتهم، فهو الرسول ﵊ لم يناد في هذه المعركة على (١٢.
٠٠٠) مقاتل الذين معه؛ لأن فيهم أناسًا حديثو عهد بالإسلام، ويصعب عليهم أن يثبتوا في هذه المواقف، بل إنه ﷺ لم يناد على (١٠٠٠٠) مقاتل الذين فتح بهم مكة، مع أن الذي دخل الإسلام قبل الفتح له درجة عالية جدًا في ميزان الإسلام، ومع ذلك لم يناد عليهم كلهم؛ لأنه يعرف أن منهم من آمنوا رهبًا من الدولة الإسلامية أو رغبًا في ثرواتها بعد الانتصارات المتتالية مثل: قبائل غطفان وسليم وتميم وغيرهم.
فماذا عمل ﷺ؟ ركز النداء في أولئك الذين يثق بدينهم، ويطمئن لعقيدتهم، ويعلم تمامًا أنهم وإن فروا في أول يوم حنين إلا أنهم سيعودون سريعًا إلى حالتهم الأولى من البذل والعطاء والجهاد بمجرد التذكير؛ لأن معدنهم شديد النقاء.
فمن هؤلاء الذين وثق فيهم الرسول ﵊؟ إنهم أصحاب الشجرة، أصحاب بيعة الرضوان الذين شهدوا صلح الحديبية، الذين فتحوا خيبر بعد ذلك، الذين قال الله ﷿ في حقهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
فهؤلاء بايعوا قبل ذلك على عدم الفرار.
ولا شك أنهم لو تذكروا هذه البيعة -بيعة الرضوان- لعادوا فورًا إلى القتال؛ لأنهم يقينًا لم يبايعوا هذه البيعة نفاقًا ولأنه ﷾ ذكر في كتابه أنه علم ما في قلوبهم، وهؤلاء نزلت عليهم السكينة قبل ذلك وهم على أبواب مكة في سنة (٦) هجرية، وكما تعلمون لم يكن معهم إلا سلاح المسافر، ونزول السكينة عليهم في هذا اللقاء في حنين سيحدث إن شاء الله بشرط أن يعودوا.
وهؤلاء وإن كانوا (١٤٠٠) فقط، إلا أن الواحد منهم بمائة والواحد منهم بألف والواحد منهم بأكثر من ألف، فهؤلاء لو ثبتوا فكل الناس بعد ذلك ستثبت لثباتهم، من أجل ذلك ركز الرسول ﵊ عليهم.
أمر ﷺ العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه وكان من الثابتين إلى جواره، لم يفر العباس ولا لحظة واحدة، أمره أن ينادي على هؤلاء المبايعين على عدم الفرار، فرفع العباس صوته ونادى بكل ما فيه من قوة: يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب السمرة، يا أصحاب الشجرة هكذا.
ثم إن الرسول ﵊ خص النداء أكثر، فلم يعد ينادي على كل أصحاب الشجرة، فأمر العباس أن ينادي على الأنصار، فخص الأنصار من أصحاب الشجرة، فرفع العباس صوته ونادى: يا أنصار الله، يا أنصار رسوله ﷺ، ثم إنه خص أكثر وأكثر فنادى على الخزرج: يا بني الخزرج، يا بني الخزرج.
ثم إنه خص أكثر وأكثر وأكثر، فنادى على بني حارثة من الخزرج وهم من خير دور الأنصار، كما قال في الحديث عن أبي أسيد الساعدي في البخاري ومسلم.
فماذا كان رد فعل أصحاب الشجرة والأنصار والخزرج وبني حارثة؟ نترك العباس ﵁ يصور لنا رد فعل هؤلاء ﵃ أجمعين.
يقول العباس: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.
يعني: عادوا مسرعين كالبقر التي تدافع عن أولاها الصغار، وقال الأنصار في لحظة واحدة وبصورة جماعية وبحماس: يا لبيك، يا لبيك، لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، فجاءوا من كل مكان في أرض الموقعة، مع كل الأزمة التي يعيشها المسلمون إلا أنهم أتوا من كل مكان، حتى إنهم كانوا لا يرون الرسول ﵊ من شدة تزاحم الناس، وكان الرجل يجد صعوبة في العودة؛ لأن الدابة التي يركب عليها في عكس الاتجاه، لكن كان يترك الدابة وينزل ويترجل على قدميه حتى يلح
[ ٤٠ / ١٢ ]
تذكير الصحابة بأن النصر من عند الله ﷿
الخطوة الثالثة: أنه ﷺ ذكر العائدين بما نسوه، ألم تحدث المصيبة ويحدث الفرار؛ لأنهم أعجبوا بقوتهم وعددهم ولم يذكروا نصر الله ﷿ لهم؟ إذًا: فليتذكر الجميع الآن أن النصر من عند الله ﷿، فرفع ﷺ صوته يطمئن المسلمين ويقول: انهزموا ورب محمد، انهزموا ورب الكعبة، ثم رفع يده إلى السماء وابتهل إلى الله في الدعاء وقال في إلحاح: اللهم أنزل نصرك، اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا، اللهم أنزل نصرك.
في هذه اللحظات العظيمة عولج المرض الخطير الذي أصيب به المسلمون يوم حنين، وأدركوا بما لا يدع مجالًا للشك أن الناصر الحقيقي هو الله ﷿، واستوعبوا بكل ذرة في كيانهم قول الله ﷿: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠] وانتقلت هذه الآية في لحظات يسيرة وسريعة جدًا من المفاهيم النظرية إلى الوقائع العملية.
عندما تغير واقع المسلمين بهذه الصورة أذن الله ﷿ للنصر أن ينزل على المسلمين، وكما تعودنا أن ينزل النصر ينزل بصورة لا يتوقعها المسلمون، ليعلم الجميع أن النصر من عند الله ﷿.
[ ٤٠ / ١٣ ]
وسائل تحقيق النصر للمسلمين في غزوة حنين
كانت وسائل تحقيق النصر في حنين عجيبة، كما كانت عجيبة قبل ذلك في بدر والأحزاب وخيبر ومكة وغيرها وغيرها.
لقد أنزل ﷾ على المؤمنين السكينة، فقاتلوا بثبات وقوة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦] ما عادوا يرون (٢٥.
٠٠٠) مقاتل قدامهم، فثبتوا في أرض القتال، وأنزل الله ﷿ الرعب في قلوب الكافرين فولوا مدبرين، متنازلين بسهولة شديدة عما حققوه من نصر، وعن كل تقدم وصلوا إليه، وأنزل الله ﷿ الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦].
في لحظات يسيرة يفر الجيش المشرك من الجيش المسلم، فر أكثر من (٢٥.
٠٠٠) مقاتل في عدة حسنة وفي مواقع إستراتيجية جيدة وفي حالة معنوية عالية من (١٢.
٠٠٠) مجاهد، وتفرقوا هنا وهناك، لا تسأل عن الأسباب المادية، فقط قل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠].
يقول أحد الصحابة: فما ثبتوا لنا حلب شاة يعني: مدة قصيرة جدًا، انطلقوا في كل اتجاه يفرون، الرعب يملأ قلوبهم، تركوا وراءهم أموالهم وأنعامهم وأكثر نسائهم وأولادهم.
ووصف الله ﷿ موقف المشركين بعد عودة المسلمين إلى ربهم ﷾ بقول بليغ مختصر معجز، قال ﷾: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢٦] من العذاب أن تأخذ قرار الفرار من العذاب أن تهرب وأنت الأكثر عددًا وعدة من العذاب أن تتنازل عن حصاد السنين من المال والأنعام في لحظة واحدة هكذا من العذاب أن تتخلى عن زوجتك وأولادك؛ لأن الرعب يملأ قلبك من العذاب أن تشعر أن كل شيء يطاردك حتى الجماد.
وهذه حقيقة فهذا عمرو بن سفيان الثقفي كان من المشركين الذين فروا في حنين والحمد لله أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، يقول: فانهزمنا، فخيل إلينا أن كل حجر وشجر فارس يطلبنا.
قال: فأعجرت -أي: أسرعت- على فرسي حتى دخلت الطائف.
هذا هو العذاب بعينه: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٢٦] فر الجيش المشرك في ثلاثة اتجاهات، فر جزء إلى أوطاس جانب من وادي حنين، والجزء الثاني فر إلى منطقة نخلة، والجزء الثالث والأساسي فر إلى مدينة الطائف، هرب الجميع بهذه الصورة المخزية المشينة، وهرب معهم قائدهم مالك بن عوف الذي دفعهم إلى هذه المهزلة العسكرية، واندفع المسلمون خلفهم هنا وهناك، وطردوا المشركين في كل مكان، وتوجهت سرية إلى أوطاس، وأخرى إلى نخلة، وتوجه الجيش الرئيسي بقيادة الرسول ﵊ إلى الطائف لحصار هوازن وثقيف في داخل الطائف.
وأوقف الرسول ﵊ توزيع الغنائم الهائلة التي حصلوها حتى يعود من الطائف، وجعل كل هذه الغنائم في وادي اسمه وادي الجعرانة إلى جوار حنين، وكانت هذه أكبر وأعظم غنائم تحصل في معركة واحدة في تاريخ العرب قاطبة؛ لأن مالك بن عوف أتى بكل صغيرة وكبيرة في قومه ليجعلها بعد ذلك في أيدي المسلمين، كما قال ﷺ (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله).
لقد بلغ السبي من النساء في هذه الموقعة (٦٠٠٠) امرأة، هذا عدد هائل، وتجاوز عدد الإبل (٢٤.
٠٠٠)، وتجاوز عدد الأغنام (٤٠.
٠٠٠)، والفضة تزيد على (٤.
٠٠٠) أوقية، يعني: حوالي (١٥٠) كيلو جرام من الفضة.
هذا نصر هائل، لم يتوقعه ولم يحلم به أحد، فمعركة حنين غريبة جدًا، وعجيبة بكل المقاييس، وكان شهداء المسلمين في هذه الموقعة الضروس خمسة شهداء فقط، وقتلى المشركين (٧٠) قتيلًا، ومن يشاهد الأعداد الهائلة المشتركة في هذه الموقعة (١٢٠٠٠) مجاهد يحاربون أكثر من (٢٥.
٠٠٠) يظن أن الضحايا سيكونون بالمئات أو بالآلاف، لكن هذا الكلام لم يحصل.
أول المعركة فر المسلمون دون قتال تقريبًا، وآخر المعركة فر المشركون دون قتال تقريبًا كذلك، وهذه النتائج الهائلة والغنائم العظيمة جاءت دون قتال يذكر، وإنما فر وكر من المسلمين ثم كر وفر من المشركين، هكذا تغيرت الأحداث في دقائق، انقلب النصر للمشركين إلى هزيمة لهم وتحولت الهزيمة للمسلمين إلى نصر لهم، والفارق تغير قلبي لا يراه أحد من البشر، لكن الله ﷿ يراه، فانحراف في الفهم ولو للحظات أدى إلى الفرار، وعودة إلى الفهم الصحيح في لحظات أدى إلى النصر؛ لتبقى الحقيقة واضحة في الذهن وراسخة في أعماق المسلمين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠].
لا يخفى علينا أن حنينًا تتكرر كثيرًا في حياتنا، ما أكثر توكلنا على الطبيب الماهر المشهور للدرجة التي تمنعنا أحيانًا من رفع الأيدي إلى الله ﷿ لطلب الشفاء من الله الشافي، لا أقصد عدم التداوي، التداوي أمر نبوي، لكن الاعتماد على الطبيب ونسيان رب الطبيب هذا لا يقبل.
كثيرًا ما نثق بمال الأغنياء من الب
[ ٤٠ / ١٤ ]