مدخل
ثالثا: قراءة مادة "محمد: النبي ورسالته":
كتبت المادة تحت العنوان التالي Muhammad: the Prophet and his message أي " محمد: النبي ورسالته"، ومن يعرف تاريخ تهجئة اسم نبينا الكريم عبر تاريخ الاستشراق يرى أن هذه التهجئة تسامت عن التحيز البائن الذي اتصفت به كتابات المستشرقين في الشطر الأول الطويل من تاريخ الاستشراق، فإنها حرِّفت عمدًا في العصور الأوروبية الوسطى إلى Mohound التي كان من بين معانيها الشيطان وأمير الظلام (٢)، وكتبت تارة Mohomet وتارة Mahomet كما في كتاب فولتير الموغل في الإجحاف Mahomet أو "محمد" الذي نشر عام ١٧٤٢، وفي الترجمة الفرنسية الأولى للقرآن الكريم التي أخذت عنها الترجمة الإنجليزية الأولى، وهي تهجئة تحاكي النطق التركي للكلمة – وإن كانت محرفة عنها –، ولا غرو فأوروبا كانت تعدّ الخطر العثماني الزاحف وخطر الإسلام أو المحمدية Mahometanism
_________________
(١) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص xi.
[ ١٦ ]
كما أطلقوا هذا اللفظ على الدين احتقارًا (١)، وهذا التحامل يظهر جليًا على غلاف أول ترجمة فرنسية-إنجليزية لمعاني القرآن الكريم، حيث كتب إن هذه الترجمة أعدت "لإرضاء كل من عنده الرغبة في معرفة زيف الأتراك"، بل وإنه حتى الطبعة الحادية عشرة من الموسوعة البريطانية التي تعد طبعة كلاسيكية، وأكثر طبعات الموسوعة شهرة كتب فيها اسم نبينا الكريم وفق التهجئة Mahomet وكيلت فيها الأكاذيب كيلًا. ومن يعرف هذا التاريخ يرى بأن تهجئة اسم نبينا الكريم في هذه المادة سليمة تتسامى عن تلك الأكاذيب واضحة التعسف والخطأ.
ولكن هذه هي مزية الدراسات الاستشراقية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتحديدًا عام ١٨٤٠م، عندما ألقى رجل الدين الإنجليزي توماس كارلآيل سلسلة محاضرات بعنوان "عندما يكون البطل نبيا:"محمد والإسلام"؛ إذ شكلت نقطة تحول في الفكر الاستشراقي حيث كشف فيها كثيرًا من الحقائق التي تتعلق بالرسول ﷺ والإسلام.
والحقيقة هي أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد نظرة جديدة إلى الإسلام ونبيه، ذلك أن عصر التنوير الأوروبي كان من جوانب عديدة متحررًا من النزعة اللاهوتية المعادية للإسلام، التي شجعتها الكنيسة في أوروبا، إلا أن النظرة الجديدة لم تأت خالية من التحيز والتحريف والتشويه المعهود، حيث أصبح المستشرقون يميلون إلى "صدق الرسول" ولكن قالوا بأن
_________________
(١) يناقش الدكتور جان جبور تطور نظرة الغرب للمسلمين من أعمال بارزة كشفت عن مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها هذه النظرة عبر تاريخ لقاء الحضارتين في كتابه: النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي.
[ ١٧ ]
الوحي الذي تلقاه كان من حديث النفس ومن الحيل النفسية التي خدع بها نفسه ليجابه محيطه الاجتماعي الذي ساءه جدًا (١) .
ويرى الدكتور عبد العظيم الديب واقع الاستشراق الحديث ليس فيه موضوعية ولا منهجية ولا استقامة "وإنما كان هذا التغير أو التطور في الأساليب ضرورة أملتها الظروف وواقع الحال، وكان لابد من تغيير الأساليب لتتلاءم وتتواءم مع المواطن الأوروبي المسيحي نفسه – المخاطب أصلًا بالدراسات الاستشراقية – فحيثما كان العصر عصر أمية وجهالة وهمجية كان يكفيهم أن يكتبوا لهم سبًا وشتمًا في الإسلام ورسول الإسلام ﷺ وفي المسلمين، حتى يقبحوه ويشوهوه في أعينهم وينفروهم منه. وأما مع التطور والاستنارة ومعرفة هؤلاء الأوروبيين بالمسلمين والإسلام، نتيجة للاحتكاك في القتال والتجارة والانتقال فكان لابد من أن يغير هؤلاء أساليبهم، حتى تنطلي على عقول الأجيال الجديدة، وكان تغيير الأساليب يتلاءم ويتواءم مع درجة معرفة هؤلاء عن الإسلام والمسلمين" (٢) .
وإذا ما جمعنا الأفكار والآراء المعروضة في مادة محمد في الموسوعة البريطانية وربطنا بين أجزائها فإننا نخرج بتصور عام عن القضايا الرئيسة التي تركز عليها، والشبه والطعونات التي تسوقها. وقد اجتهدت في استخلاص هذه القضايا الكلية وأدرجت تحت كل واحدة منها ما يتصل بها مما ورد في المادة، وأود أن أؤكد هنا الأمور التالية:
_________________
(١) محمد مهر علي، and the Orientalists Sirat al-Nabî ﷺ، ص viii.
(٢) عبد العظيم الديب، مرجع سابق، ص ٣٤٦.
[ ١٨ ]
أولا: أهمية رجوع القارئ إلى المادة وقراءتها؛ ليكوِّن انطباعًا عامًا عمَّا كتب في المادة، إذ إن الأمثلة المستشهد بها مأخوذة من ذلك السياق.
ثانيًا: أني ركزت في مناقشتي هنا على القضايا والطعونات الأساسية التي تعد أفكارًا مركزية في الفكر الاستشراقي المعاصر والتي تكشف تعسفهم في التفسير والاستنتاج والخروج بالنتائج قبل تحليل الحقائق.
ثالثًا: أن بعض الآراء المطروحة في المادة أهم من بعضها الآخر والتركيز عليها يكون أكبر في المادة، ولكن يظهر جليًا ترابط هذه الآراء وقيامها على القاعدة نفسها وسيرها في اتجاه واحد، أي أن نتائجها تعزز الفكرة نفسها التي يخرج بها قارئ المادة عن رسول الإسلام ﷺ ولا يناقض بعضها بعضًا.
رابعًا: إذا كانت آراء مونتقمري وات والشبه التي يثيرها - وهو الكاتب الأساس لمادة "محمد: النبي ورسالته" التي أتناولها تحليلًا في هذا البحث -ذات علاقة توضيحية بما ورد في الموسوعة وتفيد في فهم الشبه المذكورة- أذكر آراءه وفقا لما تقتضيه هذه الحاجة؛ لأن ما يظهر في الموسوعة لا يعدو كونه رأس جبل الجليد الكامن تحت الماء، إذ إن الشبه التي تعرضها الموسوعة تناقش بشكل أوسع في كتابات وات، ونحتاج في مواضع إلى تنبيه القارئ لهذا الخطر.
خامسًا: إظهارًا للحق وجَلْوًا للبس أقوم بالرد على هذه الشبه كلٍّ على حدة؛ متسلحًا في ذلك بردود عدد من الباحثين المسلمين (١) الذين درسوا هذه
_________________
(١) ومن الكتابات التي ناقشت آراء مونتقمري وات خاصة وغيره من المستشرقين:
(٢) محمد مهر علي، Sirat al-Nabi ﷺ and the Orientalists.
(٣) عبد الله محمد النعيم، الاستشراق في السيرة النبوية.
(٤) عبد الرحمن أحمد سالم، "قراءة نقدية في كتابات مونتقمري وات في السيرة النبوية".
(٥) جعفر شيخ إدريس، "منهج مونتقمري واط في دراسة نبوة محمد ﷺ".
(٦) عماد الدين خليل، "المستشرقون والسيرة النبوية: بحث مقارن في منهج المستشرق البريطاني المعاصر مونتقمري وات".
[ ١٩ ]
الآراء، ومضيفا إليها ما فتح الله عليَّ به، والله نسأل التوفيق والسداد.
سادسًا: نظرا لتداخل الشبه وانطلاقها من السياق التفسيري نفسه لأحداث السيرة النبوية، فإن الردود عليها تكون في مواضع مترابطة فيما بينها، وعلى القارئ أخذ السياق العام للشبهة والرد في الحسبان.
سابعًا: على القارئ ملاحظة أن الاقتباسات المأخوذة من الموسوعة تبدأ بالعلامة؟ في متن البحث، وأورد الأصل في الحواشي.
[ ٢٠ ]
الشبهة الأولى: التشكيك في المصادر العربية
ويورد د. فاروق عمر فوزي قول تور أندريه وهو يشكك في الثقة بالمعلومات التي وصلتنا عن محمد ﷺ قائلًا: "لا نعرف بالضبط متى ولد محمد؟ وأكثر ما جاءنا عن حياته الأولى معلومات أسطورية" (ص ٥١)، وتعليقًا على هذا يقول د. فاروق عمر فوزي: "وهكذا يفاجئ المؤرخ المتخصص بتاريخ الإسلام وبعد كل التقدم الذي حصل في تحقيق ونشر المخطوطات العربية وفي طريق البحث العلمي في التاريخ وفي تفسير التاريخ وفلسفته، يفاجئ المؤرخ بفرضيات وتفاسير تعود به إلى تصورات المبشرين المتطرفين في العصور الوسطى" (١) .
_________________
(١) فاروق عمر فوزي، الاستشراق والتاريخ الإسلامي، ص ٥١-٥٢.
[ ٢٠ ]
ويجد هذا المنهج السقيم طريقه إلى الموسوعة في عدة أماكن ويظهر التشكيك في أمور نعدها من المسلمات، ومن أمثلة ذلك:
*محمد (الاسم كاملا، أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم) ولد في مكة سنة ٥٧٠م تقريبًا بعد موت والده عبد الله (١) .
*وفي حوالي ٥٩٥م في إحدى هذه الرحلات كان مسؤولًا عن تجارة امرأة ثرية وهي خديجة من بني أسد، وبهرها لدرجة أنها عرضت عليه الزواج. ويقال إنها كانت في الأربعين، ولكنها ولدت لمحمد على الأقل ولدين ماتا صغيرين وأربع بنات وأشهرهن فاطمة زوجة ابن عم محمد، علي (٢) .
يقول وات: "بولغ كثيرا في عمر خديجة، وتذكر المصادر أسماء سبعة أطفال ولدت لمحمد، ولو كان الأمر كما يذكر ابن سعد أنها أنجبتهم على فترات منتظمة، مما يجعل عمرها ثمانية وأربعين قبل ولادة الطفل الأخير، وهذا ليس أمرًا مستحيلا ولكنه من الغرابة بمكان بحيث يستحق الإشارة إليه، أنه أمر يمكن اعتباره معجزة" (٣) .
ورغم اعتراف وات بأن ولادة المرأة في سن الثامنة والأربعين "ليس أمرًا مستحيلا" إلا أنه يلقي بظلال من الشك على هذا الاحتمال، ويقول: بأنه
_________________
(١) Muhammad: in full Abu al-Qasim Muhammad ibn 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muttalib ibn Hashim born c.، Mecca، after the death of his father، 'Abd Allah.
(٢) About، on such a journey، he was in charge of the merchandise of a rich woman، Khadijah of the clan of Asad، and so impressed her that she offered marriage. She is said to have been about، but she bore Muhammad at least two sons، who died young، and four daughters، of whom the best known was Fatimah، the wife of Muhammad's cousin 'Ali
(٣) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ٣٨.
[ ٢١ ]
معجزة، وهذا ما يعرف بالتنازل المراوغ أو بمنهج البناء والهدم (١)، وهو ليس إلا تلاعبًا بالألفاظ وتدليسًا كلاميًا، فكم من امرأة ولدت بعد الخمسين، فإن كانت هذه "معجزة" في رأي وات فهي معجزة لا تستحق كثيرا من الاهتمام.
*ويقال: إن المكيين خططوا لقتل محمد قبل أن يرحل (٢) .
*يستبعد وات محاولة اغتيال الرسول ﷺ التي تعرض لها قبيل هجرته التي حيكت في دار الندوة، إذ يقول "ليس هناك شك في أن هذا الاجتماع قد عقد، وأن الحاضرين أدركوا أن محمدًا يهيئ مشاريع معادية لهم، كما يقول ابن إسحق، وتوضح الحوادث التي وقعت فيما بعد أن النية لم تنعقد على قتل محمد ؛ لأن الاتفاق على ذلك لم يكن بالإجماع، ولربما كان قرب وقوع الخطر هو الذي عجل برحيل محمد، ومن الصعب التأكد من طبيعة الخطر الذي كان يهدد محمدا وأتباعه، فلقد أضيفت أشياء كثيرة على قصة الهجرة، حتى إن المصادر الأولى نفسها لم تخل من الإضافات، ولا يستبعد أن يكون محمد قد رُجِم في مكة بعد الاجتماع" (٣) .
يثير كلام وات هذا تساؤلات أكثر مما يجيب عنها: إذا كان يقطع جازما أن الاجتماع قد عقد، فلماذا عقد هذا الاجتماع؟ ثم لماذا يستبعد مشروع الاغتيال، بحجة أن هذا لا يتم في اجتماع؟ ألا يتم اتفاق كهذا في اجتماع
_________________
(١) عبد الله محمد النعيم، الاستشراق في السيرة النبوية، ٤٥ – ٤٧.
(٢) The Meccans are said to have plotted to kill Muhammad before he could leave.
(٣) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ٢٧٣.
[ ٢٢ ]
للملأ من أهل مكة؟ لقد أخبرنا العزيز الحكيم بما تم فعلا في هذا الاجتماع في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ([الأنفال: ٣٠]، وإذا كان يعترف بأن هناك خطرًا يهدد محمدًا ﷺ وأتباعه، فما هو هذا الخطر؟ ولماذا لا يكون الخطر هو محاولة الاغتيال؟ وكيف يفترض احتمال رجم محمد ﷺ دون دليل؟ أو يشكك وات في المصادر الأولى بحجة أنها "لم تخل من الإضافات" ثم يأتي باحتمال لا نعرف من أين أتى به؛ ليوهم القارئ بأنه لم شتات ما بَعثر.
[ ٢٣ ]
الشبهة الثانية: التشكيك في نزول الوحي
يزعم المستشرقون أن الوحي إنما هو استشعار داخلي ولكنه صادق، فهم لا يشككون بصدق شعور النبي ﷺ بالنبوة، ولكنهم يظنون إنما هو استشعار داخلي وقناعة ذاتية دون أن يكون هناك شيء خارجي اسمه الوحي (١)، وأن كلمة "الوحي" لا تعني تلقي النص من الله ﷾ بل تعني اقتراحًا أو إشارة suggestion أو تكلم ذهني intellectual locution.
وفي حوالي ٦١٠م بينما كان يتدبر في أمور كهذه تراءى لمحمد مخلوق ذو أبهة (قيل فيما بعد إنه الملك جبريل) وسمع صوتا يقول له: "أنت رسول الإله". وشكلت هذه بداية مهنته رسولًا من الإله ([بالعربية] رسول الله) أو نبيًا. ومن وقت لآخر تلقى، على فترات متتابعة، حتى موته "وحيًا"،
_________________
(١) أكرم ضياء العمري، "موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية"، ص ٦٠.
[ ٢٣ ]
أي رسائل كلامية اعتقد أنها أتت مباشرة من الرب. وأحيانًا بقيت هذه في ذاكرة محمد وأصحابه وأحيانًا كتبت. وفي حوالي ٦٥٠م جمعت وكتبت في القرآن (أو Koran كتاب الإسلام المقدس) في الصيغة التي بين أيدينا. ويؤمن [يعتقد] المسلمون بأن القرآن وحي إلهي كتب من كلام الرب نفسه (١) .
ونلاحظ في هذا الاقتباس الذي تفوح منه رائحة التشكيك أن كلمة "وحي" حصرت بين فاصلتين معقوفتين قبلها ومثلها بعدها أي ركِّنت. وهذه سنة متبعة في كتابات من يشككون في الوحي ممن ذكرنا آنفا يقصد بها التشكيك فيما بين الفواصل وتأكيده دون سواه في السياق الذي يرد فيه (٢) .
ويخرج وات بهذه النتيجة من خلال تأثره بأقوال سابقيه وبفهمهم الخاطئ لمعنى كلمة وحي، فهم يقصرون معناه على حديث النفس للنفس ويزعمون بأن مصدره هو "اللاوعي الجماعي، الذي هو مصدر كل وحي ديني" (٣)، وعملًا بمنهجهم في اختلاق النتائج ولي أعناق الوقائع التاريخية وتقطيع أوصالها
_________________
(١) About، as he reflected on such matters، Muhammad had a vision of a majestic being (later identified with the angel Gabriel) and heard a voice saying to him، “You are the Messenger of God.” This marked the beginning of his career as messenger (or apostle) of God (rasul Allah)، or Prophet (nabi) . From this time، at frequent intervals until his death، he received “revelations” — that is، verbal messages that he believed came directly from God. Sometimes these were kept in memory by Muhammad and his followers، and sometimes they were written down. About they were collected and written in the Qur’an (or Koran، the sacred scriptures of Islam)، in the form that has endured. Muslims believe the Qur’an is divine revelation، written in the words of God himself.
(٢) لمناقشة مستفيضة لفكرة "التركين" bracketing ووظائفها المختلفة انظر: وليد بليهش العمري، Social Semiotics for Translation Studies، ص ٩٧- ١٠١.
(٣) مونتقمري وات، Muhammad at Medina، ص ٣٢٥.
[ ٢٤ ]
للتوافق مع هذه النتائج، أوّلوا آي الكتاب وبخاصة الآيات ١-١٢ من سورة النجم، والآيات ٢٢-٢٨ من سورة التكوير، التي تتحدث عن إلقاء الوحي إلى رسول الله ﷺ ولقائه جبريل ﵇، حيث يقول وات: إن عدم ذكر اسم الملك يشكك في رؤية الرسول ﷺ له! ثم بعد ذلك يناقش باستفاضة أن كلمة "أوحى" تعني "اقترح"، ويستقرئ الروايات الإسلامية في ضوء هذا الزعم.
وإذا كان وات يرى هذا فما باله بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ([الدخان:٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ [القدر:١]، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهل كلمة أنزل تعني اقترح أيضا؟
وماذا سيقول وات وغيره من المستشرقين في آيات الإعجاز التي تشهد يوما بعد يوم أن القرآن ليس من عند رسول أمي عاش قبل ألف وأربعمائة سنة، فهل من حديث النفس للنفس أن ينزل الله ﷾ وصفًا دقيقًا لمراحل نمو الجنين لم تهتد إلى مثل دقته البشرية بكل ما أوتيت من أنواع المعارف إلا في القرن التاسع عشر؟
وما رأي وات في المظاهر الحسية -التي ذكرتها الروايات المتواترة المنقولة عمن عاصروه ﷺ - من تفصُّد جبينه عرقًا في اليوم الشديد البرد، ومن ثقله الشديد الذي لا يحتمله بشر عادي أثناء نزول الوحي عليه ﷺ؟ ومن ذلك ما رواه البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ عندما كان فخذه تحت فخذ رسول الله
[ ٢٥ ]
ﷺ ونزل الوحي عليه وهم على حالهم تلك فوجد زيد ما وجد من الشدة حتى خاف أن تُرَضّ فخذه، وهل هذه المظاهر الحسية أيضا من حديث النفس للنفس؟
[ ٢٦ ]
الشبهة الثالثة: التفسير المادي لوقائع السيرة
يرى وات أن النمو التجاري وتدفق الثروة كان لهما أثر سلبي على قيم الرحمة والكرم في المجتمع المكي مما انعكس على تصدع اللحمة القبلية، وكانت الحاجة ملحة للموافقة بين الازدهار المادي والنظام الأخلاقي الروحي البدائي الذي كان سائدا في المجتمع، ولتحقيق هذا الهدف تصور محمد ﷺ حلًاّ دينيًا للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، ولذا يقول إن: "إعلان الدين الجديد جاء ردًا على مرض العصر الذي سببه التطور الذي انتقل بالمجتمع المكي من حياة البداوة إلى اقتصاد حضري" (١) .
وتجد هذه الآراء طريقها إلى الموسوعة في الموضوع الفرعي التالي:
الدعوة النبوية والنشاطات الدينية المبكرة. يبدو أن محمدًا كان يمر بمرحلة من المزاج التأملي ويقال: إنه تبنى عادة قضاء الليالي في فترات متفرقة في غار في جبل في مكة. ولاشك في أن الفقر والنوازل في حياته المبكرة جعلته مدركًا للتوترات في المجتمع المكي. فمكة التي تقطنها قبيلة قريش التي ينتمي إليها بنو هاشم كانت مركزًا تجاريًا بنيت حول ملاذ محرم وهو الكعبة التي ضمنت أمن من يأتون للتجارة في الأسواق. وفي أواخر القرن السادس
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ١٦-٢٤.
[ ٢٦ ]
نشطت التجارة بقوافل الجمال بين اليمن ومنطقة البحر المتوسط (غزة ودمشق)، وجلبت البضائع من الهند وإثيوبيا إلى البحر المتوسط، وفرض كبار تجار مكة احتكارًا على هذه التجارة. ولهذا كانت مكة مزدهرة ولكن أغلب الثروة كانت في يد أقلية. ونتيجة لهذا تصدعت اللحمة القبلية فقد سعى التجار وراء مصالحهم الشخصية وأهملوا واجباتهم التقليدية نحو من هم أقل حظوظًا. وفي حوالي سنة ٦١٠م بينما كان يتدبر في أمور كهذه تراءى لمحمد مخلوق ذو أبهة (قيل فيما بعد إنه الملك جبريل) وسمع صوتا يقول له: "أنت رسول الإله". وشكلت هذه بداية مهنته رسولًا من الإله ([بالعربية] رسول الله) أو نبيًا (١) .
نحن لا ننكر وجود بعض أفراد في قريش استأثروا برؤوس الأموال دون غيرهم، واستحوذ عليهم الجشع حتى صاغوا من واقع مجتمعهم ومعاملاتهم المعيشية ما صاغوا وفقًا لما تقتضيه المصالح الاقتصاديةنهم أنهم صاغوا واقعه، وأن المجتمع المكي كان
_________________
(١) Prophetic call and early religious activity: Muhammad appears to have been of a reflective turn of mind and is said to have adopted the habit of occasionally spending nights in a hill cave near Mecca. The poverty and misfortunes of his early life doubtless made him aware of tensions in Meccan society. Mecca، inhabited by the tribe of Quraysh (Koreish)، to which the Hashim clan belonged، was a mercantile centre formed around a sanctuary، the Ka'bah (Kaaba)، which assured the safety of those who came to trade at the fairs. In the later ٦th century there was extensive trade by camel caravan between the Yemen and the Mediterranean region (Gaza and Damascus)، bringing goods from India and Ethiopia to the Mediterranean; and the great merchants of Mecca had obtained monopoly control of this trade. Mecca was thus prosperous، but most of the wealth was in a few hands. Tribal solidarity was breaking up; merchants pursued individual interests and disregarded their traditional duties to the unfortunate. About، as he reflected on such matters، Muhammad had a vision of a majestic being (later identified with the angel Gabriel) and heard a voice saying to him، “You are the Messenger of God.” This marked the beginning of his career as messenger (or apostle) of God (rasul Allah)، or Prophet (nabi) .
[ ٢٧ ]
فيه من الدنايا ما فيه، إلا أن اختزال رسالة محمد ﷺ في برنامج ضيق للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لضمان حق المستضعفين في توزيع الثروة، والقفز إلى هذه النتيجة، تفسير تلفيقي للأمور يقوم على فرضية أن هذا الدين مختلق وأن الوحي أتى من داخل النبي وهو أمر رددنا عليه في الشبهة الثانية، وإثبات أن الوحي من عند الله ﷾ هو إثبات أن محمدًا ﷺ لم يأت به من تلقاء نفسه.
إن أسباب إعلان الدين الجديد معروفة، فمنها: قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ يس: ٦]؛ وقول الحق ﷾:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]، ويقول ابن كثير: "بعث الله محمدًا ﷺ في حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إبراهيم الخليل، فبدلوه وغيروه واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن الله بها فبعث الله محمدًا بشرع عظيم شامل كامل في الهداية والبيان لكل ما يحتاج إليه الناس من أمر معاشهم ومعادهم" (١) .
_________________
(١) ابن كثير، السيرة النبوية، ١/٤٧٨.
[ ٢٨ ]
الشبهة الرابعة: دعوى تأثر الإسلام بالبيئة الوثنية
يتحدث وات عن بداية الإسلام بتوحيد غامض لم يتضح إلا فيما بعد، ويقول إن: "الأجزاء الأقدم في القرآن لا تحتوي على أي هجوم على الوثنية،
[ ٢٨ ]
بل كانت تقول بوجود توحيد غامض (vague monotheism) عند أتباع محمد، ثم أخذ الإلحاح يشتد على وجود إله واحد مع اشتداد النقد لعبادة الأصنام" (١)، ويدعي أن التوحيد: "لم يكن في الأصل واضح المعالم وبخاصة لم يُبت في أمر اعتبار الكائنات الأقل أهمية [الأصنام] لا تتفق معه تمامًا (٢)، ويقول وات بتدرج تطور التوحيد.
واستقراء وات هنا ليس إلا إسقاطًا للنظرة الغربية فيما يتعلق بتطور الأديان على وقائع الدعوة المحمدية، وإيهامًا بأن الرسول لم يكن يدرك حقيقة أبعاد دعوته ﷺ وما يدعو إليه.
وإذا كان القرآن لم يحاول مهاجمة الوثنية على حد زعمه فماذا عن سورة "الكافرون"، وماذا تعني الآيات: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤-٥] ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، أليس فيها دليل على وقوع خلاف بين محمد ﷺ والمشركين حول مفهوم التوحيد ووجوب عبادة الله وحده دون إشراك، ثم ماذا عن سورة الإخلاص، وما فيها من تكريس لهذا المفهوم ونفي مطلق للشرك؟
لقد كانت الفكرة الجوهرية للدعوة الإسلامية منذ البداية هي عقيدة
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ٦٣.
(٢) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ١٠٤.
[ ٢٩ ]
التوحيد وهي عقيدة لم تنشأ تدريجيًا، فالرسول ﷺ أصر في أوائل الرسالة على "لا إله إلا الله" وقريش تساومه (١) .
والتصديق بهذه النظرة المنحرفة يظهر في الموسوعة في مواضع منها:
واعتقد بعضهم أن الله "إله أعلى" يفوق الآلهة الأقل مكانة (٢) .
ولم يلبث أن جمع حوله أصدقاء متعاطفين قبلوا دعواه بأنه نبي وصحبوه في العبادات والصلوات الجامعة. ونتجت هذه عن فعل سجود يلمسون فيه الأرض بجباههم اعترافًا بعظمة الرب - لا يزال هذا العمل عظيمًا في العبادة الإسلامية (٣) .
وتنعكس هذه النظرة المنحرفة أيضًا في تأكيد أهمية الكعبة؛ لكونها معلمًا وثنيًا مقدسًا مما جعلها عظيمة في الإسلام:
ويُرجَّح أنهم أحيانًا تعبدوا معًا في الكعبة وهي مكان عبادة لعبدة الأصنام من العرب (٤) .
وتُؤكد سور القرآن المبكرة الموحاة إلى محمد خيرية وقوة الرب كما ترى في الطبيعة وفي رفاهية المكيين وتدعو هؤلاء إلى الامتنان إلى "رب الكعبة"،
_________________
(١) ابن كثير، السيرة النبوية، ص ١٢٤.
(٢) Some men regarded Allah as a “high god” who stood above lesser deities.
(٣) Soon he gathered some sympathetic friends who accepted his claim to be a prophet and joined him in common worship and prayers. These culminated in an act of prostration in which they touched the ground with their foreheads in acknowledgment of God's majesty—still a cardinal act in Islamic worship.
(٤) It is probable that they sometimes worshipped together in the Ka’bah، a sanctuary of the Arab pagans.
[ ٣٠ ]
الذي عرف على أنه الرب (١) .
ويُقترح في بعض الأحيان أن السبب الرئيس وراء المعارضة هو خوف التجار من أن الدين الجديد لن يعترف بالكعبة مكانًا مقدسًا، ولكن هذا الاقتراح بعيد عن الواقع. لقد كان هناك بالتأكيد هجوم على الأصنام ظهر في القرآن، وبدأ الإسلام يُنتقد لتمسكه بأنه "لا إله إلا الله"، ولكن لم يكن هناك هجومٌ على الكعبة، والأصنام المذكورة كان لها معابدها الرئيسة في أماكن أخرى (٢) .
في صيف عام ٦٢١م أعلن اثنا عشر رجلًا من المدينة خلال زيارتهم لمكة من أجل الحج السنوي إلى الكعبة (التي كانت لم تزل معبدًا وثنيًا) إسلامهم سرًا وعادوا للدعاية له في المدينة (٣) .
والتاريخ يشهد أن الكعبة كانت معلمًا توحيديًا رفع قواعدها إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا
_________________
(١) The earliest passages of the Qur’an revealed to Muhammad emphasize the goodness and power of God as seen in nature and in the prosperity of the Meccans and call on the latter to be grateful and to worship “the Lord of the Ka’bah،” who is thus identified with God.
(٢) It is sometimes suggested that the main reason for opposition was the merchants’ fear that the new religion would destroy the recognition of the Ka’bah as a sanctuary، but this is unlikely. Certainly attacks on idols appeared in the Qur'an، and Islam began to be characterized by the insistence that “there is no god but God” (Allah)، but no attack was made on the Ka’bah، and the idols mentioned had their chief shrines elsewhere.
(٣) In the summer of، men from Medina، visiting Mecca for the annual pilgrimage to the Ka’bah (still a pagan shrine)، secretly professed themselves Muslims to Muhammad and went back to make propaganda for him at Medina.
[ ٣١ ]
وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧-١٢٨]، وأن قريشًا كانت تفتخر بدين أبيها إبراهيم، وإنما كانت الكعبة مقدسة عند العرب خلال فترة الوثنية لعلمهم بقداستها من عند الله ﷾، ولم ينكروا وجوده وإنما أتوا بالأصنام في الكعبة وحولها؛ جهلًا منهم وتلبيسًا للشيطان عليهم تقربًا لله بها وتشفعًا عنده ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] .
ولكن يظهر أن الموسوعة ومن ورائها وات، وهو من درس تاريخ العرب قبل الإسلام، لم يلفت نظر القارئ إلى هذه الحقيقة التاريخية الكبيرة ليجزِّئ تاريخ مكة ويبدأه من عصر الجاهلية ومن ثم يبين أن هذه هي الركيزة والأرضية الثقافية التي قام عليها الإسلام، وهذه مبالغة في بتر أطراف التاريخ لينساق عاجزًا في الطريق التي أرادوا، إنما دعوة محمد ﷺ أتت لتطهير هذا البيت من الأوثان والشرك للطائفين والعاكفين والركع السجود من جديد (١) .
_________________
(١) سأنبه على لفظ (الدعاية = Propaganda) الوارد في نهاية هذه الشبهة في ص ٦٣.
[ ٣٢ ]
الشيهة الخامسة: دعوى خصوصية الإسلام للعرب
الشبهة الخامسة: دعوى خصوصية الإسلام للعرب
يذكر وات ما يفيد أن الدعوة المحمدية كانت خاصة بقريش والعرب: "اعتبر محمد نفسه أول الأمر مرسلًا إلى قومه من القرشيين، ثم أخذ شيئا فشيئًا وبدرجات لا تبدو بوضوح في القرآن يتراءى له هدف أوسع لرسالته" (٢)، ويزيد: "نحن نعتقد بأن محمدًا بعد عودته من الطائف أخذ يدعو أفراد القبائل
_________________
(١) سأنبه على لفظ (الدعاية = Propaganda) الوارد في نهاية هذه الشبهة في ص ٦٣.
(٢) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ١٣٨.
[ ٣٢ ]
البدوية للدخول في الإسلام، وأن وراء هذا النشاط فكرة غامضة عن توحيد العرب جميعًا" (١) .
جانب وات الصواب لأنه تجاهل الروايات الإسلامية، التي أوضحت مراحل تطور الدعوة وهي: "النبوة، ثم إنذار عشيرته الأقربين، ثم إنذار قومه، وهم القرشيون، ثم إنذار قوم ما أتاهم من نذير وهم العرب قاطبة، والمرتبة الخامسة إنذار جميع من بلغته الدعوة من الجن والإنس إلى يوم القيامة" (٢)، وهي مراتب ذكرت بوضوح تام في القرآن خلافًا لما يزعم وات ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشورى: ٧]؛ وعالمية الدعوة تظهر جليا في الآي ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [سبأ: ٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]؛ وغيرها من السور المكية الدالة على عالمية الرسالة المحمدية (٣)، فعالمية الدعوة إذا كانت موجودة منذ البداية وأمر بَدَهِيّ ألا تتضح حقيقة معاشة على الواقع إلا بعد أن مكّن الله لدينه في الأرض، فلا يعقل أن يدعو محمد ﷺ كسرى للإسلام قبل أن يدعو أعمامه.
وتعكس الموسوعة هذه الآراء الفاسدة في مواضع:
_________________
(١) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ١٤١.
(٢) ابن القيم، زاد المعاد، ١/٢٠.
(٣) انظر الآيات: الأنعام: ٩٠، يوسف: ١٠٤؛ الفرقان: ١، القلم: ٥٢، التكوير: ٢٧.
[ ٣٣ ]
.. وظن بالرؤية العظيمة الأولى وتلقيه للرسائل أنه فوِّض لنقلها إلى مواطنيه ولغيرهم من العرب (١) .
وبدلا من تقديم التنازلات لليهود بغية الحصول على اعترافهم بنبوته، أكد خصوصية الصفة العربية للدين الإسلامي (٢) .
وفي حياته كوَّن اتحادًا للقبائل العربية الذي هزم الإمبراطوريتين الرومية والفارسية في أقل من عشرين عامًا بعد موته واستولى على مساحات وتطورت فيما بعد إلى الإمبراطورية العربية أو الإسلامية. وجعل من الإسلام أساسا لوحدة العرب (٣) .
_________________
(١) [he came to] believe that by the first great vision and by the receipt of the messages he was commissioned to communicate them to his fellow citizens and other Arabs.
(٢) instead of making concessions to the Jews in the hope of gaining recognition of his prophethood، he asserted the specifically Arabian character of the Islamic religion.
(٣) In his lifetime he created a federation of Arab tribes، which، in less than years after his death، defeated the Byzantine and Persian empires، occupied a vast territory from Libya to Persia، and then developed into the Arab، or Islamic، Empire. He made the religion of Islam the basis of Arab unity.
[ ٣٤ ]
الشبهة السادسة: دعوى أن نبوغ الرسول السياسي وهمته العالية ساعدا على نشر دينه أكثر من كونه نبيًا مؤيدًا
ادعى المستشرقون أن الرسول ﷺ كان شخصًا طموحًا نزع إلى السلطة، فهم يقولون إنه منذ حداثة سنه أعد للدور الذي تبوأه لاحقًا. ويلمح إلى هذا وات في كتابه "محمد: نبي ورجل دولة" بل ويجعله أساسًا يستند إليه في
[ ٣٤ ]
تفسيره لكثير من وقائع السيرة، ويعزو له النجاح الباهر الذي حققته الرسالة المحمدية.
ولاشك في أن الرسول ﷺ هو أكمل الناس في كل شيء، ومن بين ذلك توقد الذهن وسداد الرأي، ولكن من المبالغة بمكان أن نعزو نجاح الرسالة المحمدية الباهر إلى شخص الرسول ﷺ ونغفل التأييد والإلهام الإلهي، ومن جموح الفكر أن نسرح به بعيدًا ونضفي بعدًا ماديًا صرفًا على وقائع السيرة ومن ثم نعود عليها ونقرؤها من وجهة نظر أحادية، كل هذا من أجل أن نرد الأمور كلها إلى منطلق زائف وهو أن هذا الدين هو من عند محمد وليس من عند الله.
فإذا كان محمد ﷺ مجرد رجل سياسة نابغ طموح لماذا لم يظهر كل هذا الطموح إلا بعد انقضاء أربعين عامًا من عمره، أوليس الطموح والنزوع إلى السلطة تظهران في ريعان الشباب؟ وهو الذي لم يذكر لنا أحد أنه تبوأ منصبًا قياديًا في قريش قط. بل إنه لحكمة أرادها علام الغيوب ﷾ انتهج خطا هادئًا بين رعي الأغنام والتجارة والتحنث، يقول الله ﷾ واصفًا حال نبيه الكريم في بداية دعوته ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ترى هل كانت قريش لتسخر منه ﷺ لو علمت أنه كان فيه نزوع للسلطة ورغبة في قيادتها وخبروا ذلك فيه وعاصروه، نعم كان في محمد ﷺ طاقات كامنة ما كانت لتتفجر إلا بعد أن اصطفاه رب العالمين ﷾ بالرسالة وآزره بتأييده مما أدى إلى ظهورها على أكثر من صعيد وموقف، يقول تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] .
[ ٣٥ ]
ومن المواضع التي تلمح إلى هذا المنطق في الموسوعة، التالي:
وانسلخ مع كبير ضباطه دون أن يحسوا به، وسلك طرقًا غير مطروقة، ووصل بسلام إلى المدينة في يوم ٢٤ سبتمبر عام ٦٢٢م (١) .
*وصفُ أبي بكر هنا بـ "كبير الضباط" لم يأت عفو الخاطر، بل يرى وات أن الرسول ﷺ هاجر إلى المدينة بعدما هاجر عدد كبير من المسلمين إليها ليوفروا له الحماية عند قدومه إليها من الاعتداءات، ويقللوا من اعتماده على المدنيين (٢) .
*أضعف [نصر المسلمين ببدر] أخطر معارضيه هناك المنافق أو المسلم لسانا عبد الله بن أبي الذي تحالف مع اليهود المحليين. وبقية المترددين من العرب ربما أسلموا في ذلك الوقت، ولهذا عزز نصر بدر من قوة محمد. وفي الوقت نفسه استخدم علاقات الزواج ليزيد من ترابط المهاجرين (٣) .
الفوز بالمكيين. وبُعْد نظر محمد كرجل دولة بدا جليا في السياسات التي تبناها بعد ذلك. كان بوسعه التقدم للقضاء على المكيين-وهو قام بالفعل بممارسة الضغط الاقتصادي عليهم- ولكن غرضه الرئيس كان الفوز باتباعهم
_________________
(١) With his chief lieutenant he slipped away unperceived، used unfrequented paths، and reached Medina safely on September،
(٢) انظر محمد مهر علي، Sirat al-Nabi ﷺ and the Orientalists، ص ٩٢١-٩٢٣.
(٣) This weakened his most serious opponent there، the “hypocrite” (munafiq)، or nominal Muslim، 'Abd Allah ibn Ubayy، who was allied with the local Jews. The remaining waverers among the Arabs probably became Muslims about this time. Thus the victory of Badr greatly strengthened Muhammad. At the same time he was using marriage relationships to bring greater cohesion to the emigrants.
[ ٣٦ ]
الإسلام طواعية (١) .
*السنوات الأخيرة: توحيد جزيرة العرب. منذ الهجرة بدأ محمد في تأليف أحلاف مع القبائل البدوية. وفي بداية الأمر ربما كانت هذه معاهدات عدم اعتداء، ولكن عندما أصبح قويًا بقدر كاف بدأ بعرض حمايته عليهم شريطة أن تصبح القبيلة مسلمة (٢) .
*واستفاد محمد من هزيمة إمبراطورية فارس من قبل الإمبراطورية الرومية (النصرانية) (٦٢٧-٦٢٨م)؛ لأن الأقليات في اليمن وفي أماكن على الخليج العربي -التي كانت معتمدة على الدعم الفارسي ضد الإمبراطورية الرومانية- وجهت أنظارها تلقاء محمد (٣) .
وكل هذه استنتاجات من كاتب المادة، ولا دليل عليها من واقع أو تاريخ.
_________________
(١) The winning of the Meccans: Muhammad’s farsightedness as a statesman is manifest in the policies he next adopted. He might have proceeded to crush the Meccans، and he indeed put economic pressure on them; but his main aim was to gain their willing adherence to Islam.
(٢) The closing years: the unification of Arabia: Ever since the hijrah، Muhammad had been forming alliances with nomadic tribes. At first these were probably nonaggression pacts، but، when he was strong enough to offer protection، he made it a condition of alliance that the tribe should become Muslim.
(٣) Muhammad benefitted from the defeat of the Persian Empire by the Byzantine (Christian) Empire ()، for، in the Yemen and in places on the Persian Gulf، minorities that had relied on Persian support against Byzantium now turned to Muhammad instead.
[ ٣٧ ]
الشبهة السابعة: التشكيك في طبيعة علاقة الرسول مع الأنصار
لمونتقمري وات آراء كثيرة حول حقيقة العلاقة بين الرسول ﷺ
[ ٣٧ ]
والأنصار (١)، ولكن ما ينعكس منها على الموسوعة هو الإيحاء بأن الأنصار حين قبلوا محمدا رسولا، وحين نظموا مجيئه إلى المدينة لم يعترفوا له صراحة بحقه في أن يحكم بينهم، وأن محمدًا [ﷺ] اكتفى بأن ينظر إليه على أنه رسول، ولم يطالب بأي امتياز آخر، وأن الطاعة لم تكن واجبة صراحة في الصحيفة التي عرفت فيما بعد بدستور المدينة.
هذا ادعاء زائف غير مدعوم بالوقائع لا يلبث أن ينقشع أمام حقائق التاريخ، فإذا ما رجعنا إلى البنود الستة لبيعة العقبة الأولى بين الأنصار والرسول ﷺ وجدنا من بينها ما ينص على الطاعة للرسول ﷺ دون حصر الطاعة في أي إطار سواء أكان دينيا أم سياسيا، فهي طاعة مطلقة، وكذلك أكدت بيعة العقبة الثانية هذا، وزادت النصرة التامة في جميع الظروف، فكيف يسوغ الزعم بأن الأنصار لم يدينوا للرسول ﷺ سياسيًا إذا كانت الطاعة غير المشروطة بندًا ثابتًا في البيعتين؟ وماذا تعني "الطاعة التامة" في نظر وات؟ (٢) وشدة إعجاب الأنصار بشخصية الرسول ﷺ وتصورهم لمكانته القيادية تظهر في قولهم له عندما دعاهم إلى الإسلام: "إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك" (٣) .
_________________
(١) مونقمري وات، Muhammad at Medina، ص ٢٢٨ - ٢٣٨.
(٢) تاريخ الطبري، ٢/٣٥٦ – ٣٦٣.
(٣) الطبري، المرجع السابق، ٢/٣٥٤.
[ ٣٨ ]
ولم تتأثر شخصية القائد عند وضع صحيفة المدينة والاتفاق عليها فهي تنص على أن: "ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله" (١)، فالخلافات الجسيمة التي يخشى من فسادها على المجتمع ترد إلى شخص واحد، ألا يعني هذا أن هذا الشخص الذي يرجعون إليه في أمورهم هو قائد "أهل هذه الصحيفة" الذين هم أهل المدينة كافة؟
وقبيل غزوة بدر أتى رد سعد بن معاذ ﵁ يؤكد ولاء الأنصار للرسول ﷺ إذ قال على الملأ: "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة فامض بنا يا رسول الله لما أردت فنحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله أن يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله" (٢)، أوليس هذا بيانًا بتسليم مقاليد السلطة للرسول ﷺ من أحد سادات الأنصار تكلم فيه باسمهم جميعًا على رؤوس الأشهاد؟
ثم ماذا يعني أن يجيش الرسول ﷺ الجيوش ويرسل السرايا ويعين عليها القادة والأمراء، ألا يعدُّ هذا تعريفًا عمليًا للقائد؟
ويجد هذا الرأي طريقه إلى الموسوعة البريطانية كما يظهر جليًا فيما يأتي:
_________________
(١) الطبري، المرجع السابق، ١/١٢٢ – ١٢٣.
(٢) ابن هشام، سيرة النبي، ٢/٢٥٣ – ٢٥٤.
[ ٣٩ ]
وحفظت وثيقة تعرف بميثاق المدينة ولكن منصوصاتها العامة هي إلى مدى بعيد ما اتفق عليه محمد ومسلمو المدينة. وبصيغتها تؤلف الوثيقة حلفًا على غرار ما عرفه العرب بين تسع مجموعات - ثماني قبائل عربية، إضافة إلى مهاجري مكة. ولم يعط محمد سلطة خاصة عدا أن الديباجة تقول إن الاتفاق تم بين "النبي محمد" والمسلمين الذين يقطنون المدينة، وتنص على أن الخلافات الحادة يجب أن يرجعوا فيها إليه. ورفضت الجماعات اليهودية الاعتراف بمحمد نبيًا، ويظهرون في الوثيقة تابعين لأحلافهم مع القبائل العربية. ولخمسة أعوام على الأقل لم يكن لمحمد سلطة مباشرة على القبائل العربية، ولكن في أواخر سني عمره أضفى عليه مجد نجاحاته العسكرية ما يشبه السلطة الشمولية (١) .
_________________
(١) A document has been preserved known as the Constitution of Medina but its main provisions are almost certainly those originally agreed upon between Muhammad and the Muslims of Medina. In form the document creates a confederation on traditional Arab lines among nine groups-eight Arab clans and the emigrants from Mecca. Muhammad is given no special position of authority، except that the preamble speaks of the agreement as made between “Muhammad the prophet” and the Muslims now resident in Medina، and it is stated that serious disputes are to be referred to him. The Jewish groups had refused to acknowledge Muhammad as prophet and in the document appear in a secondary character as attached to various Arab clans. For at least five years، Muhammad had no direct authority over members of other clans، but، in the closing years of his life، the prestige of his military successes gave him almost autocratic power.
[ ٤٠ ]
الشبهة الثامنة: دعوى اضطهاد الرسول لليهود الفاعلين في المجتمع المددني
الشبهة الثامنة: دعوى اضطهاد الرسول لليهود الفاعلين في المجتمع المدني
يرى وات أن الرسول ﷺ بعد هجرته إلى المدينة كان حريصًا على أن يظفر بتأييد اليهود، حتى لا ينهار البنيان الفكري الذي قامت عليه رسالته، فقد كان يؤكد في البداية أن رسالته متطابقة مع الرسالات السابقة، ومن هنا كان مستعدًا لأن يسمح لليهود بالبقاء على دينهم إذا اعترفوا به نبيًا كأنبيائهم، فلما أصر اليهود على موقفهم من عدم الاعتراف بنبوته وأخذوا يبرزون الفروق بين اليهودية والإسلام هاجمهم الرسول واتهمهم بالتحريف وادعى أنه على دين إبراهيم (١) .
وخطأ وات -وغيره من المستشرقين وعلى رأسهم بروكلمان (٢) - الأساس يتمثل في نظرتهم القاصرة إلى الأديان، فهم يدرسونها على أنها منفصلة عن بعضها، وهذا في حد ذاته من الأخطاء المنهجية؛ ذلك لأن الأديان السماوية مصدرها في الأصل واحد وهي رغم ما اعترى اليهودية والمسيحية من تحريف تلتقي في عدد من تعاليمها، ويقول الحق ﷾: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، فكل ما جاء به الرسل من عند الله فهو متحد المصدر، ونبينا الكريم عندما اختاره الله ﷾ لتبليغ الرسالة الخاتمة جاء بالدين الصحيح وهو ما دعا إليه من
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Medina، ص ٣٠٣ – ٣٠٤.
(٢) كارل بروكلمان، History of the Islamic People، ص ٢٢-٣٦.
[ ٤١ ]
سبقوه من الرسل، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فإذا كان هناك قدر ما من التلاقي بين رسالة محمد ﷺ وما دان به اليهود في المدينة فهذا ليس لأنه ﷺ تأثر به أو سرق أفكارهم، إضافة إلى أن هذا القدر من التلاقي كان ضئيلًا جدًا ولا يحتمل كل هذا التضخيم من المستشرقين، فأهل الكتاب حتى في عهد الرسول ﷺ كانوا بعيدين جدًا عن جادة الدين الحق، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١] . وهناك بون شاسع بين أن يكون القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وأن تكون الرسالة التي نزل بها مطابقة تماما لرسالات الأنبياء السابقين، وإلا فما الفائدة من إرسال رسول برسالة جديدة؟.
وأما فيما يخص قول وات بأن الرسول أيقن من عدم اتباع اليهود له وهاجمهم واتهمهم بالتحريف وادعى أنه على دين إبراهيم، فهو كلام مردود؛ لأن الرسول ﷺ، وإن كان حريصًا على أن يدخل الناس كافة في هذا الدين، يهودًا كانوا أم غير ذلك، إلا أنه لم يجبر اليهود على الدخول في الإسلام، وهذا هو موقف الإسلام من أهل الكتاب خاصة، ولا مجال لزعم وات من أن الرسول الكريم ﷺ ادعى أنه على دين إبراهيم بعد أن أخذ اليهود يبرزون الفروق بين اليهودية والإسلام، فالمعروف أن القرآن المكي أشار بوضوح إلى
[ ٤٢ ]
ارتباط الرسول ﷺ بملة إبراهيم، ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ولم يكن هناك احتكاك بين محمد ﷺ واليهود قبل هجرته إلى المدينة باعتراف المستشرقين أنفسهم، هذا بالإضافة إلى إشارة المولى ﷿ في كتابه الكريم إلى ارتباط الرسالة المحمدية برسالات الرسل من قبله بمن فيهم موسى وعيسى ﵉ قبل أن يحاول ﵊ كسب اليهود إلى جانبه كما يدعي وات، ومن ذلك الآية الكريمة ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، والآية ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] . ولعله يتضح من هذا عدم وجود دليل وراء الزعم بأن الرسول ﷺ أعلن في بداية عهده في المدينة أن الإسلام متطابق مع اليهودية ليكسب اعتراف اليهود بنبوته، فلما أعرضوا هاجمهم واتهمهم بالتحريف وادعى أنه على دين إبراهيم.
ويتناول وات تطور العلاقة بين اليهود والرسول ﷺ وبين قبائل اليهود الرئيسة في المدينة، فيذكر أن الرسول بدأ بإجلاء بني قينقاع؛ لأن هذه القبيلة كانت أضعف الثلاثة ولم يكن لها حلفاء أقوياء من بين الأنصار ممن كان يستند الرسول إلى تأييدهم على عكس ما كان عليه الوضع بالنسبة للقبيلتين الأخريين، فقد كانتا متحالفتين مع بعض بطون الأوس القوية التي كانت تمثل
[ ٤٣ ]
سندا للرسول ﷺ (١) . ويضيف وات سببين آخرين وراء القرار الذي اتخذه الرسول ﷺ بإجلاء يهود بني قينقاع من المدينة: إما رفضهم الاندماج في المجتمع المسلم؛ وإما رغبة في إفساح المجال أمام المهاجرين ليسيطروا على سوق المدينة بعد أن كانت هذه السيطرة حكرًا على يهود بني قينقاع.
والرد على هذا الادعاء الباطل يبدأ بالقول بأن بني قينقاع كانوا هم فعلًا تجار المدينة وقادتها الاقتصاديين حتى إن سوق المدينة كان يسمى بسوق قينقاع، ولكنهم بطروا معيشتهم، وطاش أمرهم في أكثر من اتجاه، أولًا: تجاه ربهم إذ قال كبراؤهم قولًا إدًا وسمع الله قولهم ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وإذْ تجرؤوا على ربهم فليس من الغريب أن يتجرؤوا على دولة الإسلام في المجتمع المدني ثانيا، قد أظهروا أمارات كثيرة لتحديهم للسلطة الإسلامية في المدينة والكيد لها والتربص بها، ولا أدل على ذلك من الحادثة التي ذكرها ابن هشام (٢): " كان من أمر بني قينقاع أن رسول الله ﷺ دعاهم في سوق قينقاع، ثم قال: "يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم، قالوا: "يا محمد إنك ترى أنا كقومك، ولا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، أما والله لو حاربتنا لتعلمن أنا نحن خير الناس"، والسياق التاريخي الذي وقعت فيه هذه الحادثة
_________________
(١) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ١٩٤- ١٩٦.
(٢) ابن هشام، سيرة النبي، ١١/٥١.
[ ٤٤ ]
هو أنها حدثت بعيد غزوة بدر أي في حال قوة المسلمين التامة وتمكنهم من أمرهم وأمر مدينتهم تماما، وبنو قينقاع لم يأخذوا في ردهم هذا الاعتبار ولم يميلوا مع الريح ولكنهم لكونهم إلى قوتهم، حيث كانوا يشتغلون بصناعة السلاح وعندهم الكثير منه، ردوا - على دعوة الرسول ﷺ لهم بالحسنى وعمله بأمر ربه بأن يبلغ ما أنزل إليه - بتحد صارخ لسلطته وأظهروا ما تضمره صدورهم من العداء، أليس في هذا المستشرق وات وغيره إعلان حرب صريح من طرف واحد؟
وثالثًا: القشة التي قصمت ظهر البعير هي حادثة الأنصارية التي يرويها ابن هشام (١): "أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق قينقاع، وجلست إلى صائغ فجعلوا يراودونها على كشف وجهها، فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده على ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًا وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين فغضب المسلمون على اليهود فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع"، وهذا استفزاز بيّن لحمية العرب وانتهاك لحرمة عرض امرأة مسلمة، حق على السلطان حمايته، ولكن المستشرق الغربي يسقط واقعه الذي يعيش فيه ويصدر الأحكام وفق معطياته على أناس يبعدون عنه كل البعد زمانًا ومكانًا وثقافة، حيث يدعي وات أن الرسول ﷺ هاجم قبيلة بني قينقاع اليهودية بعد أن أدت خصومة تافهة لموت مسلم (٢)، ولكن في واقع الأمر يعد هذا نقضا
_________________
(١) ابن هشام، سيرة النبي، ١١/٥١.
(٢) مونتقمري وات، Muhammad at Medina، ص ١٥.
[ ٤٥ ]
للعهد (١) الذي بين بني قينقاع والرسول ﷺ، وكان من الطبعي أن يُجْلِيَ أيُّ سلطان حازم طغمة باغية كهذه، ومع كل هذا فقد تركهم محمد ﷺ واسع الأناة وراسخ الوطأة لعبد الله بن أبي حليفهم من العرب، فخرجوا من المدينة ولحقوا بأذرعات الشام (٢) .
وأما قول وات بأن الرسول ﷺ أجلى بني قينقاع ليفسح المجال أمام المهاجرين ليسيطروا على سوق المدينة، فيمكن الرد عليه بالقول إن الثابت أن منافذ الرزق لم تسد أمام المهاجرين منذ بداية حياتهم إلى المدينة، فقد شاركوهم إخوانهم في الدين شطر أموالهم وآثروهم بالغالي والنفيس عن طيب خاطر، وأنزل الله ﷾ فيهم قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، فمن أبعد الأمور احتمالًا أن يقدم الرسول ﷺ على خطوة خطيرة كهذه لمجرد أن يفسح المجال لتجارة المهاجرين.
وما كان من أمر إجلاء بني قريظة فإنهم على الرغم من عقدهم معاهدة مع الرسول ﷺ، فقد تآمروا مع الجبهة المكية الغطفانية في غزوة الأحزاب موهنين بذلك الجبهة الداخلية للمجتمع المدني وغادرين بالمسلمين من وراء
_________________
(١) انظر: البيهقي، دلائل النبوة، ٢/٤١١.
(٢) ابن القيم، زاد المعاد، ٢/٧١.
[ ٤٦ ]
ظهورهم، وهي بذلك لم تساعد المسلمين كما تقضي المعاهدة ولم تبق على الحياد بل كانت تهديدا خطيرا للرسول وأصحابه، مما استدعى ما حل بهم من حكم حليفهم في الجاهلية سعد بن معاذ ﵁.
وعندما يأتي وات للحديث عن غزو الرسول ﷺ لخيبر سنة ٧ هـ يذكر وات سببًا محتملًا، إضافة إلى تأليب يهود خيبر للعرب وهو سبب لا ينكره وات، وهو أن الرسول ﷺ أراد الحصول على بعض الغنائم التي يعوض بها أصحابه عن خيبة آمالهم في الحديبية قبل ذلك ببضعة أسابيع (١) .
رغم اعتراف وات بأن محاولات يهود خيبر تأليب العرب على المسلمين في المدينة كانت سببًا أساسًا وراء غزو الرسول ﷺ لهم، فإنه يضيف سببًا آخر جديرا بالمناقشة، وهو كما يزعم أن رغبة الرسول ﷺ في حيازة بعض الغنائم ليرضي أصحابه، الذين خابت توقعاتهم بعد صلح الحديبية، دفعته لهذه الغزوة، وللدكتور عبد الرحمن سالم (٢) رد رزين على هذه الفرية نستحسنه، ومفاده: أن وات لم يحدد تماما ماذا قصد بخيبة الأمل، فإن كان المقصود أن الذين صحبوا الرسول ﷺ إلى الحديبية كانوا يتوقعون دخول مكة والفوز بالغنائم فإن هذا افتراض فارق الحقيقة؛ لأن الثابت أن رسول الله ﷺ لم يخرج إلى مكة محاربًا بل معتمرًا، وقد ساق معه الهدي وأحرم بنية العمرة "ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظمًا له" (٣)
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad: Prophet and Statesman، ص ٢١٧ – ٢١٨.
(٢) عبد الرحمن أحمد سالم، "قراءة نقدية في كتابات مونتجمري وات في السيرة النبوية"، ص ١٣٨-١٣٩.
(٣) ابن هشام، سيرة النبي، ٣/٣٥٦.
[ ٤٧ ]
فعلام يتوقع من صحبوه أن يدخلوا مكة محاربين وأن يفوزوا بالغنائم، فلا احتمال إذًا لخيبة توقعاتهم، وأما إذا كان المقصود أنهم كانوا يتوقعون دخول مكة والإتيان بالعمرة فإن خيبة توقعاتهم من هذه الناحية أمر لا سبيل إلى تعويضه بفتح خيبر والحصول على الغنائم.
وحقيقة الدافع وراء غزوة خيبر تكمن في المؤامرات التي حاكها اليهود من وراء جدر خيبر وحصونها المحصنة، فهم الذين ألبوا الأحزاب وقد يعاودون الكرة وهم دائمو التربص بالمسلمين، فلبني النضير ثارات مع المسلمين ولقد كانت خيبر في حالة رخاء تمكنها من تمويل أي حركة معارضة للدولة الإسلامية.
هذا هو السبب الحقيقي الوجيه الذي حمل الرسول ﷺ من أجله على خيبر، وليس كما يدعي وات كما تذكر الموسوعة من أن الغزوة نشأت رغبة من محمد ﷺ في ثواب أصحابه على انسحابهم المنظم من الحديبية وانصياعهم التام لأمره.
*وتقريبا في الوقت نفسه طرأ تغير على سياسة محمد العامة في جوانب مهمة. أحدها كان "الانفصال عن اليهود"؛ وبدلًا من تقديم التنازلات لليهود بغية الحصول على اعترافهم بنبوته، أكد خصوصية الصفة العربية للدين الإسلامي. وحتى ذلك الوقت توجه محمد إلى القدس بالصلاة ولكن أمره وحي بالتوجه إلى مكة (١) .
_________________
(١) About the same time there was a change in Muhammad’s general policy in important respects. One aspect was the “break with Jews”; instead of making concessions to the Jews in the hope of gaining recognition of his prophethood، he asserted the specifically Arabian character of the Islamic religion. Hitherto the Muslims had faced Jerusalem in prayer، but a revelation now bade them face Mecca.
[ ٤٨ ]
*وكانت الزراعة قد طورت من قبل عدة قبائل يهودية استقروا بين ظهراني العرب أصحاب البلد الأصليين ورغم ذلك حازوا أفضل الأراضي (١) .
*وكان المهاجرون (الرجال الذين قدموا من مكة) في بداية الأمر ضيوفًا على إخوانهم المسلمين في المدينة. ولكن لم يكن محمد ليقبل أن يستمر هذا الوضع لمدة غير معلومة، ومارس قليل من المهاجرين التجارة في السوق المحلية التي تديرها قبيلة يهودية (٢) .
*إضافة إلى هذا جعل من الاضطرابات البسيطة عذرًا لطرد القبيلة اليهودية التي كانت تدير السوق (٣) .
*وطردت قبيلة يهودية أخرى من المدينة (٤) .
*وبعد حصار المدينة هاجم محمد قبيلة [بني] قريظة اليهودية، ربما لأنهم كانوا يحرضون ضده. وعندما استسلموا أعدم الرجال كلهم، وبيع النساء والأطفال عبيدًا (٥) .
_________________
(١) Agriculture had been developed by several Jewish clans، who had settled among the original Arabs، and they still had the best lands.
(٢) The emigrants (muhajirun، the men from Mecca) were at first guests of brother Muslims in Medina، but Muhammad cannot have contemplated this situation continuing indefinitely.
(٣) He also made a minor disturbance an excuse for expelling the Jewish clan، which ran the market
(٤) And another Jewish clan was expelled from Medina.
(٥) After the siege of Medina، Muhammad attacked the Jewish clan of Qurayzah، which had probably been intriguing against him. When they surrendered، the men were all executed and the women and children sold as slaves.
[ ٤٩ ]
*وليثيبهم على هذا التصرف المنظم قاد محمد بعد شهرين القوة نفسها في هجوم على خيبر الواحة اليهودية، واستسلمت بعد حصار ولكن اليهود سمح لهم بالبقاء شريطة أن يرسلوا نصف محصول التمر إلى المدينة (١) .
_________________
(١) Partly to reward this orderly conduct، Muhammad two months later led the same force against the Jewish oasis of Khaybar، north of Medina. After a siege it submitted، but the Jews were allowed to remain on condition of sending half of the date harvest to Medina.
[ ٥٠ ]
الشبهة التاسعة: حمل غزوات الرسول ﷺ على وجه مادي بفعي صرف
الشبهة التاسعة: حمل غزوات الرسول ﷺ على وجه مادي نفعي صِرف
لا يرى وات سوى البعد المادي النفعي الذي «تبرر الغايةُ فيه الوسيلة» في غزوات رسول الله ﷺ ويقدم عدة آراء بهذا الصدد، تنعكس في طروحاتها على الموسوعة:
أ- كان الهدف من الغارات المبكرة التي شنها الرسول [ﷺ] على قوافل المكيين التجارية هو التماس مصدر رزق للمهاجرين الذين كانوا في ضيافة الأنصار، فلم يرد الرسول للمهاجرين أن يعيشوا ضيوفا دائمين على الأنصار، ولم يتوقع منهم أن يشتغلوا بالزراعة ليكونوا قادرين على الاشتغال بالتجارة، فكان نهب قوافل المكيين التجارية هو الأسلوب الأمثل للحصول على مورد رزق لهم (٢) .
لا نجد سببًا مقنعًا وراء ادعاء وات بأن الغارات التي شنها الرسول ﷺ على قوافل المكيين التجارية بعد هجرته إلى المدينة بقليل كان الهدف منها
_________________
(١) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ١٠٥.
[ ٥٠ ]
إيجاد مورد رزق للمهاجرين، فلقد كان المهاجرون قادرين على التماس مصادر أخرى للرزق بطرق أكثر أمنًا وأيسر سبلًا، فلم يكن هناك ما يمنعهم من ممارسة التجارة أنى شاؤوا، ولم يكن هناك ما يمنعهم من تعلم حرفة نافعة تدر عليهم الرزق، فهل يعقل لوات أن يدعي أن أبواب الرزق السهلة المتاحة في حاضرة تجارية كالمدينة كانت موصدة أمام المهاجرين، ولم يجدوا إلا باب نهب قوافل المكيين على ما في ذلك من تكبد الصعاب ومجابهة المخاطر؟
أما الغزوات والسرايا قبل بدر فلم يبدأ بها المسلمون إلا بعد إذن إلهي بالقتال يوضح سببه ويشد من أزرهم بتأييده ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وأنزل ﷾ هذه الآية ضمن آيات أرشدتهم إلى أن هذا الإذن إنما هو لدحض الباطل، وتمكين دين الله في الأرض وإقامة شعائره فيها ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]، وكان من المناسب أن يبسط المسلمون سيطرتهم على طريق قريش التجارية التي تمر بهم إلى الشام وقريش هي عدوهم الأول والأشد تربصًا بهم وظلمًا لهم، وفي هذا إضعاف للعدو وقطع للشرايين الاقتصادية عنه، ولقد كانت أشد الضربات قسوة على المكيين تلك التي تعرقل طريق تجارتهم.
ب- يفسر وات غزوات الرسول ﷺ بأنها تمثل انعكاسًا طبيعيًا للحياة
[ ٥١ ]
الصحراوية العربية التي كانت الغارات فيها لونًا من ألوان الرياضة وليست شكلًا من أشكال الحرب (١)، وهذا يفسر كلمة razzia التي تسرف الموسوعة في استخدامها عندما تتكلم عن غزوات الرسول، وهي تعني: "غارة عسكرية تخريبية" (٢) .
ولا يمكننا أيضًا أن نقبل الزعم بأن هذه الغزوات والسرايا كانت انعكاسًا طبيعيًا لحياة الصحراء العربية التي مثل فيها النشاط القتالي لونًا من ألوان الرياضة القومية، إن هذا الزعم لو صح فيما يتعلق بحياة العرب في الجاهلية فإنه لا يمكن أن يصح فيما يتعلق بالحياة في ظل الدولة الإسلامية، وذلك أن الإسلام لم ينظر للقتال على أنه متعة وتسلية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، هذا هو فرض الجهاد، يبين الله ﷾ أن هذا مِمّ امتحن المسلمين به وجعله طريقًا موصلًا إلى الجنة، ولكن القول بأن العرب كانت تغزو وتُغير للتسلية، فهذا ما ينم عن جهل عميق بخصائص النفس البشرية، ونزوعها إلى الركون إلى السلم وطلبها السلامة.
*وكان المهاجرون (الرجال الذين قدموا من مكة) في بداية الأمر ضيوفًا على إخوانهم المسلمين في المدينة. ولكن لم يكن محمدًا ليقبل أن يستمر
_________________
(١) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ١٠٥.
(٢) معجم: The World Book Dictionary.
[ ٥٢ ]
هذا الوضع لمدة غير معلومة. ومارس قليل من المهاجرين التجارة في السوق المحلية التي تديرها قبيلة يهودية. وقام الآخرون بالطريقة العربية المعروفة وبموافقة محمد بغزوات أملًا بقطع طريق القوافل المكية المتجهة بمحاذاة المدينة في طريقها إلى سوريا. وقاد محمد بنفسه ثلاثًا من هذه الغزوات في ٦٢٣م (١) .
ج- يرى وات أن اتساع دائرة المجتمع الإسلامي في الجزيرة العربية أدى إلى انتقال النشاط القتالي الإسلامي من مفهوم الغارة إلى مفهوم الجهاد، ذلك أن الغارة تمثل نشاطا قتاليًا تقوم به قبيلة ضد أخرى، أما الجهاد فهو عمل يقوم به مجتمع ديني ضد غير المنتمين إليه، ومن هنا كان اعتناق أي جماعة أو قبيلة للإسلام موجبًا لوقف القتال ضدها. فعندما انتشر الإسلام انتشارًا واسعًا بين القبائل العربية تضاءلت فرصة الجهاد الداخلي، وكان لابد من تهيئة فرصة الجهاد الخارجي حتى يمكن إيجاد متنفس لطاقات العرب القتالية التي كان لابد أن تفصح عن نفسها بشكل أو بآخر، ويرى وات أن الصبغة الدينية للجهاد هي التي قامت بدورها الكبير في التنفيس عن تلك الطاقات مما أتاح للمسلمين في أقل من قرن من الزمان أن ينشئوا إمبراطوريتهم الواسعة (٢) .
في ضوء ما ذكرنا ينتفي الزعم بانتقال النشاط القتالي الإسلامي من
_________________
(١) The emigrants (muhajirun، the men from Mecca) were at first guests of brother Muslims in Medina، but Muhammad cannot have contemplated this situation continuing indefinitely. A few emigrants carried on trade in the local market run by a Jewish clan. Others، with the approval of Muhammad، set out in normal Arab fashion on razzias (ghazawat، “raids”) in the hope of intercepting Meccan caravans passing near Medina on their way to Syria. Muhammad himself led three such razzias in.
(٢) مونتقمري وات، Muhammad: Prophet and Statesman، ص ١٠٨- ١٠٩.
[ ٥٣ ]
مفهوم الغارة إلى الجهاد نتيجة اتساع دائرة المجتمع الإسلامي في الجزيرة العربية، ذلك أن القتال دفعًا للأذى ودرءا للكيد وانتصارًا للنفس ليس غارة قبلية، بل هو جهاد يصيب بمعانيه عين الحقيقة، وهو ما اتسم به النشاط القتالي الإسلامي منذ فجره المبكر في المدينة.
وغزوات المسلمين جاءت امتثالًا لأمر الله ﷾ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وتوجهت الحملات العسكرية لخارج جزيرة العرب بعد ضمها تحت لواء التوحيد لا لإيجاد متنفس لطاقات العرب حتى لا يعودوا للاقتتال فيما بينهم، وإنما بقصد تبليغ الدعوة التي كلفوا بها.
*وكان قد أدرك أنه إذا أصبح العرب مسلمين فسيكون من المحتم توجيه الطاقة الناتجة عن غزواتهم لبعضهم إلى الخارج. فغزو المسلم للمسلم أمر غير مقبول البتة (١) .
د- كان الهدف من السرية التي وجهها الرسول ﷺ إلى نخلة في رجب في السنة الثانية للهجرة بقيادة عبد الله بن جحش هو الاستيلاء على إحدى قوافل المكيين التجارية، وهذه هي السرية التي أريق فيها أول دم في تاريخ
_________________
(١) He had already realized that، insofar as the Arabs became Muslims، it would be necessary to direct outward the energies expended on razzias against one another.
[ ٥٤ ]
العلاقات بين المسلمين والمشركين بعد الهجرة. وكان الرسول ﷺ، في تقدير وات، يعلم أن هذه السرية قد يترتب عليها قتال في الشهر الحرام وهو رجب، وكان موافقًا على القتال لو حدث، وحدث القتال فعلًا وأسفر عن قتل أحد المشركين، وهنا فوجئ الرسول بما لم يكن يتوقعه من ردود أفعال حادة من قبل المسلمين في المدينة، فدفعه ذلك إلى أن يتظاهر، كما يدعي وات، أنه لم يكن موافقا على ما حدث، ورفض توزيع الغنائم، وأن يأخذ نصيبه منها.
وعرض وات لأحداث سرية نخلة يحتاج إلى مراجعة جذرية، إذ يزعم بأن الرسول ﷺ كان يعلم أن هذه السرية قد يترتب عليها قتال في شهر حرام، وهو رجب، وكان موافقًا على ذلك، وهذا زعم لا يستند إلى برهان تاريخي، فإذا رجعنا إلى نص الكتاب الذي سلمه الرسول ﷺ لعبد الله بن جحش ﵁ وفقًا لما يرويه الطبري وابن هشام نجد أن فيه أمرًا بالاستطلاع فقط، ولم يفوضهم بالقتال: "إذا نظرت في كتابي هذا فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشًا وتعلّم أخبارهم" (١)، والترصد هنا معناه الترقب كما يتضح تمامًا من السياق، والحقيقة أنّ ما حدث كان سوء تقدير ناجم من اجتهاد شخصي، والرسول ﷺ لم يسمح لهم بذلك وأنكر عليهم ما فعلوا ومنع التصرف في العير والأسيرين.
ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلُّوا ما حرمت العهود والمواثيق العربية، وكثر القيل والقال، حتى نزل وحي حاسم لهذه الأقاويل ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ
_________________
(١) ابن هشام، سيرة النبي، ٢/٢٣٩؛ وتاريخ الطبري، ٢/٤١١.
[ ٥٥ ]
كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ومصرح بأن هذه الضجة التي افتعلها المشركون لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله، ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام، حين تقرر سَلْبُ أموالهم وقتل نبيهم؟ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟
*وأخيرا في يناير من عام ٦٢٤م أرسلت مجموعة صغيرة من الرجال شرقًا بأوامر صارمة تخبرهم بالاتجاه إلى نخلة بالقرب من مكة ومهاجمة القافلة القادمة من اليمن. وقاموا بهذه المهمة بنجاح وبفعلهم هذا نقضوا الأعراف العربية عن الحرمة، ومن ثم نبهوا المكيين على خطورة تهديد محمد (١) .
هـ- يرى وات أن بحث الرسول ﷺ عن أساس اقتصادي متين لدولته كان من بين الأسباب التي أدت إلى تطلعه للغزو الخارجي، وفي نظر وات لا تمثل غزوة تبوك (٩ هـ) مجرد ختام لغزوات الرسول ﷺ بل هي بالأحرى مقدمة حقيقية لحروب التوسع التي بدأت بعدها بقليل، فقد كانت الغزوة أضخم غزوات الرسول على الإطلاق (٢) .
_________________
(١) At last، in January، a small band of men was sent eastward with sealed orders telling them to proceed to Nakhlah، near Mecca، and attack a caravan from Yemen. This they did successfully، and in doing so they violated pagan ideas of sanctity—thereby making the Meccans aware of the seriousness of the threat from Muhammad.
(٢) مونتقمري وات، Muhammad: Prophet and Statesman، ص ٢١٨-٢١٩.
[ ٥٦ ]
وهذا الزعم لا يقوم على أساس تاريخي، فمن يقرأ في حملات الرسول ﷺ على طريق الشام يدرك أنها كانت في الأساس ردا لعدوان أو درءًا لتهديد، فغزوة دومة الجندل في السنة الخامسة للهجرة لم يكن لها سبب سوى أن العرب المقيمين بدومة الجندل كانوا مصدر تهديد للمدينة وللتجار الذين كانوا يترددون بين المدينة والشام، بل إن الواقدي يذكر في مغازيه أن هؤلاء العرب تجمعوا وهَمُّوا بغزو المدينة (١)، وعندما نزل الرسول ﷺ ومن معه من المسلمين بساحتهم ولوا مدبرين، فهذه إذًا غزوة ذات غرض محدد لم تتجاوزه، ولم تكن غايتها بكل تأكيد إحراز مكاسب اقتصادية.
والذي يصدق على غزوة دومة الجندل يصدق على سرية مؤتة في السنة الثامنة للهجرة، وهذه السرية خرجت نتيجة استفزازات متكررة كان يقوم بها العرب المتحالفون مع الروم في شمال الجزيرة، وبخاصة الغساسنة الذين قتلوا الحارث بن عمير الأزدي مبعوث رسول الله ﷺ إلى كبير بصرى، ورغم ما أبلى المسلمون في هذه الغزوة من بلاء حسن، إلا أنهم اضطروا للانسحاب أمام الحشود الهائلة من الروم وأحلافهم، ويصعب على المرء أن يتصور أن الرسول ﷺ أرسل جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل ليجابهوا مائتي ألف مقاتل من أجل أي مكسب مادي، ولكن كان انتصارًا لدم مسلم ولدولة الإسلام التي قتل سفيرها وأُعلن عليها الحرب وفرضت عنوة (٢) .
وأما غزوة تبوك، "غزوة العُسرة" التي يقول وات محاجًا: إنها رائدة
_________________
(١) المغازي للواقدي، ١/٤٠٣.
(٢) تاريخ الطبري، ٣/١٠١ وما بعدها.
[ ٥٧ ]
الهجوم على سوريا المزدهرة اقتصاديا، فقد أعد لها الصادق المصدوق محمد ﷺ في ظروف بالغة القسوة من شدة الحر وقلة الزاد، وهي غزوة فرضت على المسلمين فرضًا، إذ لم يكن القيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من وقع طيب في نفوس القبائل العربية، وبدأت بعض القبائل المتاخمة لحدوده في الاستقلال عنه وإرسال الوفود إلى رسول الله ﷺ، مما جعله يعد العدة لمعركة حاسمة مع المسلمين، ولما سمع رسول الله ﷺ بالخبر حشد المسلمين في جيش على حال كما ذكرنا وخرج بهم لمجابهة الخطر المحدق بالدولة الناشئة، ولما لم يجد أحدًا في المكان الموصوف عاد بجيشه قافلًا إلى المدينة، وحتى في هذه الغزوة، التي يهول وات من أمر أبعادها وتبعاتها، لم تكن بدافع الهجوم بل الدفاع، ولم يجن منها رسول الله ﷺ أي مكسب مادي.
*ومن الجدير ملاحظة أن أكبر غزواته، عدا طلعاته على المكيين، كانت على امتداد الطريق إلى سوريا التي تبعتها الجيوش العربية بعد موته. ومما لاشك فيه أنه أدرك أن المهارات الإدارية لتجار مكة ستكون ذات فائدة لأي توسع لدولته الفتية (١) .
*الزحف على حدود سوريا. حدثت أعظم غزوات محمد في نهاية سنة ٦٣٠م عندما اصطحب ثلاثين ألف رجل في رحلة استغرقت شهرا نحو الحد
_________________
(١) It is noteworthy that his largest razzias، apart from the expeditions against the Meccans، were along the route to Syria followed by the Arab armies after his death. He doubtless realized that the administrative skill of the Meccan merchants would be required for any expansion of his embryonic state.
[ ٥٨ ]
السوري. وبهذه الحملة كان محمد رائدًا للهجوم على سوريا ودخل في اتفاقات أصبحت نماذج لترتيبات المعاهدات مع الشعوب المهزومة (١) .
_________________
(١) March to the Syrian border: The greatest of all of Muhammad’s razzias occurred at the end of، when he took men on a month’s journey to the Syrian border. In this campaign he pioneered the invasion of Syria and made agreements that became models for treaty arrangements with captured peoples.
[ ٥٩ ]
الشبهة العاشرة: التشكيك في مقدار اضطهاد مشركي مكة للمسلمين
يعطي وات قدرًا ضئيلًا من الأهمية للاضطهاد الذي تعرض له المسلمون في مكة مما دفعهم إلى الهجرة، ويرى بأن المسلمين قاموا باختلاق هذه الروايات في وقت لاحق رغبة في تضخيم التضحيات التي قام بها المسلمون (٢) .
ومن الطبعي أن يُضطهد النذر وأصحاب الرسالات ومناصروهم في مجتمعاتهم وأن يضيق عليهم الخناق، ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]، والمعارضة القرشية جاءت على القدر الذي جاءت عليه من القوة بسبب أن هذه الرسالة التي خرجت بين ظهرانيهم تحدت جميع ما آمنوا به من لدن آبائهم الأولين وما تعودوا عليه من طريقة عيش وإدارة شؤونهم الحياتية.
وفي هذا الصدد يقول ابن هشام (٣) إن الرسول ﷺ: "لما بدأ يدعو
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ١٤٥-١٤٦.
(٢) ابن هشام، سيرة النبي، ١/٢٧٥ – ٢٧٦.
[ ٥٩ ]
للإسلام لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله بالإسلام، وهم قليل مستخفون"، ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٤-٦]، ومشوا إلى الرسول ﷺ وساوموه قائلين: "يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله ﷺ: "ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا " فقالوا: وإنا والله لا نتركك وما بالغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا" (١)، فما بال وات يثير الشبه حول تضخيم الحقائق، وهذه قريش تضع أغلى ما تملك بين يدي رسول الله ﷺ.
وأما بالنسبة لأمر الهجرة إلى الحبشة فلما كان أن استورى أمر الدعوة غضب المشركون فأخذوا من أسلم مع الرسول بالشدة والقسوة " فكانت
_________________
(١) ابن هشام، المرجع السابق، ١/٣١٥ – ٣١٧.
[ ٦٠ ]
فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله ﷺ من أهل الإسلام، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، فلما فُعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى أرض الحبشة ف ذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح" (١)، فمن الواضح من هذا العرض الذي لا تكاد مصادرنا تختلف عليه أن المسلمين الذين هاجروا بأنفسهم ودينهم من اضطهاد مشركي مكة، وكان ذلك استجابة لأمر الرسول ﷺ الذي اختار البقاء، ولكن الموسوعة تذكر دافعًا ماديًا وراء الهجرة إلى الحبشة وهو الاشتغال بالتجارة أو ضمان دعم عسكري.
*ويصعب تقويم طبيعة ومقدار اضطهاد المسلمين في مكة. فقد كان هناك قليل من العنف الجسدي وكان ذلك غالب الوقت من قبل العائلة. وعانى محمد من مضايقات صغيرة مثل وضع النفايات خارج داره. ويقال: إن هذا الاضطهاد أدى إلى هجرة بعض المسلمين إلى أثيوبيا حوالي عام ٦١٥م ولكنهم ربما كانوا يبحثون عن فرص للتجارة أو دعم عسكري لمحمد. وبقي بعضهم حتى عام ٦٢٨م وذلك لمدة طويلة بعد أن دانت الأمور لمحمد في المدينة. ومهما كانت طبيعة هذا الاضطهاد فقد أوغرت صدور المسلمين بسببه (٢) .
_________________
(١) تاريخ الطبري، ٢/٣٢٨ – ٣٢٩.
(٢) It is difficult to assess the nature and extent of the persecution of the Muslims in Mecca. There was little physical violence، and that almost always within the family. Muhammad suffered from minor annoyances، such as having filth deposited outside his door. The persecution is said to have led to the emigration of some of the Muslims to Ethiopia about، but they may have been seeking opportunities for trade or military support for Muhammad. Some remained until، long after Muhammad was established in Medina. Whatever the nature of the persecution، the Muslims were very bitter about it.
[ ٦١ ]
*ومورس ضغط تجاري على مؤيدي محمد، وفي بعض العائلات كان هناك اضطهاد بسيط لأفرادها الصغار الذين اتبعوه (١) .
وهناك قضايا أخرى تعرضت لها الموسوعة تفضح بجلاء عدم التزام الموسوعة ومن وراءها الأسلوبَ العلمي الرصين الذي تزعم اتباعه مما يكشف عن الوجه القبيح للموسوعة دون حجاب اللغة العلمية، ومن الأمثلة على هذا التهجم الصريح على الرسول الكريم ﷺ، واستخدام لغة مغرضة مثل: كلمة propaganda التي تعني "دعاية" وبخاصة دعاية كاذبة لفكر جماعة ذات طابع سياسي تحوم حول نشاطاتها الشكوك، وذلك عند الحديث عن من أسلم من أهل المدينة في بيعة العقبة الأولى والذين قالت عنهم الموسوعة أنهم عادوا بعد البيعة ليشيعوا "دعاية" محمد ﷺ في المدينة؛ واستخدام كلمة razzia وتكرارها عند الحديث عن غزوات الرسول ﷺ، وهي كلمة إنجليزية أتت إليها عن طريق الفرنسية التي أخذتها بدورها عن كلمة "غزوة" العربية، ولكنه في استخدامها الإنجليزي الحالي أشبه ما تكون بكلمة "غارة"، ويفسر وات بأن "الغارات" التي شنها المسلمون: "تمثل انعكاسًا طبيعيًا للحياة العربية التي كانت الغارات فيها لونًا من الرياضة وليست شكلًا من أشكال الحرب" (٢)،
_________________
(١) Commercial pressure was brought to bear on Muhammad’s supporters، and in some families there was mild persecution of junior members who followed him.
(٢) مونتقمري وات، Muhammad: Prophet and Statesman، ص ١٠٥.
[ ٦٢ ]
ليعني بذلك أن النهب هو الأسلوب الأمثل للحصول على مورد رزق (١)؛ واستخدام كلمة showdown عند الحديث عن محاولة الرسول ﷺ اللحاق بالمشركين بعد أن ولَّوا هاربين من أرض معركة أحد، والكلمة فيها كثير من السخرية وتعني تظاهرًا بفعل الشيء يداخله التمثيل والكذب، والموسوعة تقول إن الرسول الكريم ﷺ قام بتمثيل أنه أراد اللحاق بالمكيين، وذلك للاعتقاد السائد عند المستشرقين بأن معركة أحد كانت نصرًا للمكيين.
_________________
(١) عبد الرحمن أحمد سالم، "قراءة نقدية في كتابات مونتقمري وات في السيرة النبوية"، ص ١١٦.
[ ٦٣ ]