بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة الكتاب
الحمد لله الذي عمر الأرض ببني الإنسان، ومن عليهم بنعمتي العقل والبيان، ليميزوا بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، وهادين إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، لتقوم على الناس الحجة، وتنقطع المعذرة.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي العربي، الذي أرسله الله سبحانه على حين فترة من الرسل، والناس في ضلالة عمياء، وجهالة جهلاء، ففتح الله به أعينا عميا، واذانا صمّا، وقلوبا غلفا، فكانت حياته خيرا وبركة على الدنيا كلها، وبعثته رحمة للعالمين.
أما بعد:
فإن خير ما يتدارسه المسلمون، ولا سيما الناشئون والمتعلمون، ويعنى به الباحثون والكاتبون دراسة السيرة المحمدية؛ إذ هي خير معلّم ومثقّف، ومهذب ومؤدب، واصل مدرسة تخرّج فيها الرعيل الأول من المسلمين والمسلمات، الذين قلّما تجود الدنيا بأمثالهم.
ففيها ما ينشده المسلم، وطالب الكمال من دين، ودنيا، وإيمان واعتقاد، وعلم، وعمل، واداب وأخلاق، وسياسة وكياسة، وإمامة وقيادة، وعدل ورحمة، وبطولة وكفاح، وجهاد واستشهاد، في سبيل العقيدة والشريعة، والمثل الإنسانية الرفيعة، والقيم الخلقية الفاضلة.
ولقد كانت السيرة النبوية مدرسة تخرج فيها أمثل النماذج البشرية، وهم
[ ١ / ٧ ]
الصحابة- رضوان الله عليهم- فكان منهم الخليفة الراشد، والقائد المحنك، والبطل المغوار، والسياسي الداهية، والعبقري الملهم، والعالم العامل، والفقيه البارع، والعاقل الحازم، والحكيم الذي تتفجر من قلبه ينابيع العلم والحكمة، والتاجر الذي يحول رمال الصحراء ذهبا، والزارع والصانع اللذان يريان في العمل عبادة، والكادح الذي يرى في الاحتطاب «١» عملا شريفا يترفع به عن التكفف والتسول، والغني الشاكر الذي يرى نفسه مستخلفا في هذا المال ينفقه في الخير والمصلحة العامة، والفقير الصابر الذي يحسبه من لا يعلم حاله غنيا من التعفف، وكل ذلك كان من ثمرات الإيمان بالله، وبرسول الله، وبهذا كانوا الأمة الوسط، وكانوا خير أمة أخرجت للناس!!
لقد كان السلف الصالح من هذه الأمة الإسلامية يدركون ما لسيرة خاتم الأنبياء، وسير الصحابة النبلاء، من اثار حسنة في تربية النشء، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام، والتضحية في سبيلها بالنفس والمال، فمن ثمّ كانوا يتدارسون السيرة، ويحفظونها، ويلقنونها للغلمان كما يلقنونهم السور من القران، روي عن زين العابدين علي بن الحسين- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ، كما نعلّم السورة من القران» «٢» .
وهذا هو الإمام الزهري عالم الحجاز والشام وهو من قدماء من عنوا بجمع السيرة، بل قيل إن سيرته أول سيرة ألفت في الإسلام «٣»، يقول: «في علم السيرة علم الدنيا والاخرة» «٤»، وإنها لكلمة صدق وحق، وروي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص﵁- قال: «كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول: يا بني هذه شرف ابائكم، فلا تضيعوا ذكرها» «٥» نعم- والله- إنها لشرف الاباء، والمدرسة التي يتربى فيها الأبناء!!
_________________
(١) الاحتطاب جمع الحطب الذي توقد به النار، من الصحاري ورؤوس الجبال.
(٢) رواه الخطيب وابن عساكر.
(٣) السيرة الحلبية، ج ١ ص ٢.
(٤) رواه الخطيب وابن عساكر.
(٥) شرح المواهب، ج ١ ص ٤٧٣.
[ ١ / ٨ ]
فما أجدر المسلمين في حاضرهم: رجالا ونساء، وشبابا وشيبا أن يتعلموها ويعلموها غيرهم، ويتخذوا منها نبراسا يسيرون على ضوئه في تربية الأبناء، والبنات، وتنشئة جيل يؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بالإسلام، وصلاحيته لكل زمان ومكان، والتضحية بكل شيء في سبيل سيادته وانتشاره، لا يثنيهم عن هذه الغاية الشريفة بلاء وإيذاء، أو إطماع وإغراء.
لسنا نريد من دراسة السيرة العطرة: سيرة النبي ﷺ، وسير الرعيل الأول وهم الصحابة الكرام، أن تكون مادة علمية يجوز بها طلاب العلم في المعاهد، والمدارس، والجامعات الامتحان أو الحصول على الإجازات العلمية أو أن تكون حصيلة علمية نتفيهق بها، ونتشدّق في المحافل والنوادي، وقاعات البحث والدرس، وفي المساجد، والمجامع، كي نحظى بالذكر والثناء، وننتزع من السامعين مظاهر الرضا والإعجاب.
ولكنا نريد من هذه الدراسة أن تكون مدرسة نتخرج فيها، كما تخرج السادة الأولون، وأن نكون مثلا صادقة لصاحب الرسالة ﷺ، وصحابته الكرام عليهم الرضوان- في إيمانهم وعقيدتهم، وفي علمهم وعملهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وسياستهم وقيادتهم حتى يعتز بنا الإسلام، كما اعتز بهم، ونكون في حاضرنا- كما كانوا- خير أمة أخرجت للناس.
وقد شاء الله سبحانه- وله الخيرة- أن أخرج سفرا في القسم الثاني من السيرة، وهو من بعد الهجرة إلى الوفاة النبوية منذ سنين، وقد نفد، وها أنذا أكمل ما بدأت، وهو الكتابة في القسم الأول من قبل الميلاد إلى الهجرة.
وقد شاء الله أيضا- ولله الحمد والمنة- أن أراجع بعض ما كتبت في القسم الأول في المدينة المنورة، وفي الروضة الشريفة، التي هي من رياض الجنة «١»، وأنا على قيد أذرع من البقعة المشرفة التي ضمت أفضل مخلوق على
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه بسنده عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بين بيتي ومنبري، روضة من رياض الجنة» .
[ ١ / ٩ ]
الله، وأطهر جسد عرفته الدنيا: جسد النبي ﷺ، وأن أبدأ بتبييض هذا الجزء في «طيبة» طابت وطاب المقام فيها.
ومن الله أستمد العون والتوفيق، فاللهم أعن وسدّد، امين.
وكتبه أبو السادات «١» محمّد بن محمّد أبو شهبته
من علماء الأزهر الشريف والمتخصص في القران وعلومه، والسنة وعلومها
_________________
(١) لقد منّ الله عليّ بثلاثة ذكور، هم: محمد رضا، وأبو بكر، وعمر، فلم يكن أحب إلى نفسي من هذه الكنية.
[ ١ / ١٠ ]
مقدّمات تمهيديّة لدراسة السّيرة
١- منهجي في هذه الدراسة.
٢- تاريخ التأليف في السيرة وأشهر كتبها.
٣- التأليف في السيرة في العصر الحاضر.
[ ١ / ١١ ]
- ١- منهجي في هذه الدراسة
١-: [ذكر الايات القرانية المتعلقة بحوادث السيرة]
لما كانت هذه الدراسة في ضوء القران والسنّة، فسأعنى بذكر الايات القرانية المتعلقة بحوادث السيرة ووقائعها، وشرح ما غمض منها، وإزالة ما عسى أن يكون بين ظواهر هذه الايات من توهم الاختلاف أو التعارض، وتنزيل هذه الايات على حسب الوقائع والحوادث.
بل رأيت كما رأى ابن إسحاق، ومن بعده ابن هشام، شرح الايات في الموضوع الواحد شرحا موجزا ولا سيما في الغزوات: كالأحزاب، والحديبية، وبني النضير، وكما صنعت في ايات الإفك. وإنّ من نافلة القول أن نقول: إن المرجع الأول في دراسة السيرة النبوية هو القران الكريم، لأنه الكتاب المتواتر الذي يفيد القطع واليقين، ولا يتطرق إليه الشك والارتياب، فهو أوثق المصادر، وأولاها بالقبول.
٢-: [ذكر الأحاديث المتصلة بموضوعات البحث]
وسأعنى أيضا بذكر الأحاديث المتصلة بالموضوعات التي سأعرض لها. ولن أذكر منها إلا ما هو صالح للاحتجاج من حديث صحيح، أو حسن، أو مقبول، ولن أذكر شيئا من الأحاديث الموضوعة أو الإسرائيليات المكذوبة، أو الروايات الشديدة الضعف، إذ في الأحاديث الثابتة ما يغني عنها، ومما ينبغي أن يعلم أن كتب السير والموالد فيها الصحيح والضعيف، بل والمكذوب المختلق، وذلك مثل ما زعمه بعض الكاتبين في الإسراء والمعراج من أن النبي ﷺ وطىء العرش بنعليه، وأن اللهﷻ- قال: لقد شرف
[ ١ / ١٣ ]
العرش بنعلك يا محمد، وهو كلام باطل، وقد سئل الإمام رضيّ الدين القزويني عن ذلك فقال: «أما حديث وطء النبي ﷺ العرش بنعله، فليس بصحيح، ولا ثابت، بل وصوله إلى ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح، ولا حسن، ولا ثابت أصلا، وإنما ثبت في الأخبار انتهاؤه إلى سدرة المنتهى فحسب» .
ومن ذلك الروايات التي تزعم تمسّح النبي صلوات الله وسلامه عليه بالأصنام، فكلها باطلة عقلا ونقلا، والروايات التي رويت عن ابن عباس وغيره من الصحابة التي ذكروا فيها عمر الدنيا، وأنها سبعة الاف سنة فهي إسرائيليات مكذوبة، ولا تمت إلى الإسلام بصلة، وعمر الدنيا أضعاف أضعاف ذلك، فلا نلتفت إلى شيء من ذلك مما قد نجده في بعض كتب التفسير، والحديث، والتاريخ والسير ونحوها.
٣-: [الاعتماد على كتب التاريخ والسير]
إن اعتمادي بعد القران والأحاديث الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد على كتب التاريخ والسير قديمها وحديثها، بعد البحث والتمحيص والتحقيق، والموازنة بين الروايات، والأخذ بما يصلح للاحتجاج منها، وترك ما عداه. ولن اخذ برواية راو، أو قول قائل يصادم عقلا، أو يخالف نقلا متواترا أو صحيحا، أو يمس عصمة النبي ﷺ، إلا إذا كان للرواية مخرج محتمل معقول، أو تأويل قريب مقبول، من غير تكلّف ولا تمحّل. وفي مقدمة كتب السّير كتاب شيخ كتّاب السير، وإمام أهل المغازي: محمد بن إسحاق، إلا إذا عارض روايته ما هو أصح منها كرواية صاحبي الصحيحين، فإني أرجّح ما في الصحيح، وابن إسحاق على جلالته في السيرة له بعض أوهام عرضت لها أثناء الكتاب، وبينت وجه الحق فيها.
٤-: [تحامل المبشرين والمستشرقين على النبي ص]
إن كثيرين من المبشرين، والمستشرقين، الذين يتأكّلون بالباطل قد تحاملوا على النبي ﷺ استجابة لنداء الصليبية التي ورثوها من ابائهم،
[ ١ / ١٤ ]
ورضعوها في لبان أمهاتهم، ورموه بأشنع الصفات التي يتنزه القلم عن ذكرها، وأسفّوا في ذلك غاية الإسفاف «١»، ولكن المنصفين منهم- وقليل ما هم- ردّوا عليهم، وأنصفوا النبي ﷺ بعض الإنصاف، وإن لم تخل كتبهم من الغمز واللمز.
وقد استندوا في طعونهم وسفاهاتهم إما على روايات باطلة اعتبروها صحيحة، وإما على روايات صحيحة حرّفوها عن مواضعها، وإما على أوهام تخيّلوها.
ومن الأباطيل التي تمسك بها بعض الكاتبين في السيرة من الغربيين، وأبواقهم المقلّدون لهم قصة الغرانيق، وزعمهم قيام الإسلام على السيف والإكراه، وطعنهم في النبي بسبب تعدد زوجاته ﷺ، وقصة زواجه بالسيدة زينب بنت جحش على ما يذكرها من لا علم عندهم، ولا تحقيق ولا تمييز بين الغث والسمين.
ومن مزاعمهم إنكارهم الوحي بالمعنى الشرعي، وتفسيرهم له بالوحي النفسي، بل أسفّ بعضهم فجعل الحالة التي كانت تعتري النبي صلوات الله وسلامه عليه عند الوحي نوعا من الصّرع، إلى غير ذلك مما أشبعت القول فيه في هذه السيرة المحققة.
ومن عجيب أمر المبشرين والمستشرقين أنهم في سبيل إرضاء أهوائهم، ونزواتهم الجامحة، وأحقادهم الموروثة يصحّحون الروايات المكذوبة، والإسرائيليات المدسوسة، ما دامت تسعفهم وتساعدهم على باطلهم، على حين نجدهم يحكمون على روايات صحيحة، بل في أعلى درجات الصحة بالوضع والاختلاق؛ لأنها لا تؤيدهم فيما يجترحون من طعون، وتجن أثيم على مقام النبي وال بيته.
ولست أدّعي أني في ردّي أباطيل المستشرقين والمبشرين ابن بجدتها،
_________________
(١) حياة محمد، لإميل در منغم، ترجمة عادل زعيتر ص ١١؛ وحياة محمد، لهيكل ص ١٠، ١١.
[ ١ / ١٥ ]
وأبو عذرتها «١»، فقد سبق إلى تزييف ذلك في القديم والحديث علماء أجلاء جازاهم الله خيرا- ولكني- ولله الحمد والمنّة- قد أمكنني أن أضيف كثيرا إلى ما سبقت إليه، حتى غدا كأنه جديد.
كما أعانني تخصصي في الأصلين الشريفين: القران وعلومه، والسنّة وعلومها، وصحبتي لهما ما يقرب من نصف قرن؛ أن أنقد المرويات وأمحصها وأن أميّز بين صحيحها وضعيفها، وغثّها وسمينها، وأن أضيف إلى ما قاله السابقون بعض ما فاتهم، وذلك كما صنعت في إبطال قصة الغرانيق، وفرية قيام الإسلام على السيف، وبيان الحكم لتعدد زوجاته ﷺ، فقد استقصيت فيها القول، وأمطت اللثام عن وجه الحق.
٥-: [الجمع بين الهيكل التاريخي للسيرة النبوية التعليق على المواقف]
لن أقصر دراستي في السيرة النبوية على السرد التاريخي فحسب، كما صنع معظم المتقدمين، وبعض المتأخرين، ولا على التعليق على مواقف السيرة، أو جلها، مع إغفال الهيكل الأصلي، أو الجانب التاريخي كما صنع بعض المحدثين، وإنما جمعت بين الحسنيين: الهيكل التاريخي مع تحرّي الحقيقة، والتعليق على المواقف، ولا سيما الحاسمة في تاريخ الدعوة، وانتزاع العبر النافعة، والدروس المفيدة منها.
وما أذكر أنى تركت حدثا مهما، أو موقعة فاصلة، أو سرية مهمة، أو عملا بارعا، أو سياسة راشدة، أو قيادة حكيمة، أو أي تصرف كريم للنبي ﷺ، أو لأحد أصحابه، إلا وقفت عنده، أو عندها وقفة أو وقفات، ليتبين للقارىء فرق ما بين الأخلاق المحمدية، وسياساته الحكيمة الرشيدة في السلم، والحرب، ومع الأصدقاء، ومع الأعداء، وما بين أخلاق غيره، وسياسته ومعاملته لأصحابه، ولأعدائه، مهما بلغ ذلك الغير من العقل، والعلم، والكياسة، والسياسة، والقيادة، والعدل، والرحمة؛ لكي أخلص من ذلك إلى الفرق البعيد ما بين النبوة، وغير النبوة، والبشر الرسول، وغير الرسول.
_________________
(١) يقال فلان ابن بجدتها، للعالم بالشيء، وأبو عذرتها إذا أتى بما لم يسبق إليه.
[ ١ / ١٦ ]
وفي الحق أن المحدثين في باب التحليل، والتعليق، والموازنة بين المواقف قد أربوا في ذلك على المتقدمين، وأكسبوا السيرة جدّة ورواء، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المواهب، وسعة العلم والأفق، والاطلاع على سير الاخرين.
٦- النبوة شيء، والعبقرية شيء اخر.
وقد حرصت حينما فكرت في عنوان لهذا الكتاب ألاأتكلّف، فسميته «بالسيرة» «١»، وهو اللفظ الذي اختاره قدماء المؤلفين في السير، وقدماء الفقهاء حتى صار عرفا إذا ذكر اسم السيرة ألاينصرف إلا إلى سيرة النبي ﷺ، أو سير أصحابه الكرام رضوان الله عليهم. وقد أضفت «في ضوء القران والسنّة» لأن طبيعة البحث والمنحى تقتضي ذلك، ولم أرتض أن أجعل العنوان «العبقرية» «٢» وكذلك حرصت حينما كتبت في هذه السيرة، وحلّلت المواقف، وعلّقت عليها على ألاأصف النبي بالعبقرية، كما صنع مؤلفو «العبقريات» أو الزعامة السياسية، أو القيادة الحربية كما صنع الذين ألّفوا في الزعامات والقيادات، أو أعدّ النبي بطلا فحسب كما صنع «كارليل» في كتابه «الأبطال» أو «رسول الحرية»، كما فعل بعض الكاتبين، إلى غير ذلك مما افتنّ فيه المؤلفون؛ لأني أؤمن عن يقين وعلم أنه ﷺ فوق هؤلاء جميعا، إنه النبي والرسول، وكفى!!
_________________
(١) قال في المصباح المنير: «والسيرة: الطريقة، وسار في الناس سيرة حسنة أو قبيحة. والجمع سير مثل سدرة وسدر، وغلب اسم السير في ألسنة الفقهاء، على المغازي، والسيرة أيضا، الهيئة والحالة» .
(٢) العبقرية نسبة إلى عبقر، أرض تزعم العرب أنها تسكنها الجن، ضرب بها العرب المثل لكل شيء عجيب عظيم، وقيل: قرية تصنع بها الثياب والبسط الفاخرة، فنسبوا إليها كل أمر عجيب، وكل شيء فاخر. وفي الكتاب الكريم: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ، وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ جيد البسط وفاخرها، ويطلق العبقري أيضا على سيد القوم، وقيمهم، وأعقلهم.
[ ١ / ١٧ ]
والعبقري: هو الأصيل الرأي، البعيد النظر، الذي لا يفوقه أحد في حل المشكلات، من غير تعمّل، ولا تكلّف، وقد وصف به النبي ﷺ سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه- ففي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ: «أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر، فنزع ذنوبا أو ذنوبين نزعا ضعيفا «١»، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت- أي الدلو- غربا «٢»، فلم أر عبقريا يفري فريه، حتى روى الناس، وضربوا بعطن» «٣» . ولم أعلم أحدا غير عمر وصفه النبي ﷺ بالعبقري، وهو ما عبّر عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه في حديث اخر «بالمحدّث» .
ففي الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما بسندهما عن النبي ﷺ قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر بن الخطاب» والمحدّثون: هم الملهمون في إصابة الحق والصواب، وفي حل المعضلات وابتداع ما لم يسبقوا إليه. قال الإمام الخطابي: «يلقى الشيء في روعه، فكأنه قد حدّث به، يظن فيصيب، ويخطر الشيء بباله فيكون» . وقال أبو أحمد العسكري وغيره: «هو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيره» «٤» . ووقع في بعض الروايات تفسير المحدّث بأنه «الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه»، ووقع في
_________________
(١) القليب: البئر، الذنوب: الدلو الملأى بالماء، وهو كناية عن قصر مدة خلافته﵁- وقلة الفتوحات لاشتغاله بحروب الردة وتثبيت دعائم الإسلام وبحسبه فضلا هذا.
(٢) الغرب: الدلو الكبير.
(٣) يفري فريه: يعمل عمله، ويقدر الأمور مثله، والعطن: مبارك الإبل حول الابار والمياه، والكلام كناية عن طول خلافته، وكثرة الفتوحات في عهده، وانتفاع الناس بثمرات الفتوح، وتدوينه الدواوين، وتمصيره الأمصار.
(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج ٧ ص ٣٩، ٤٠.
[ ١ / ١٨ ]
صحيح مسلم من رواية ابن وهب «ملهمون»، وهي «الإصابة بغير نبوة»، ووقع في رواية للبخاري زيادة «من غير أن يكونوا أنبياء» «١» .
فمن ثمّ نرى أن المعاني كلها تلتقي عند معنى الإلهام، وأن في بعض الروايات التنصيص على أنه إلهام بغير نبوة، فدل على فرق ما بين إلهام الأنبياء وإلهام المحدّثين غير الأنبياء، وهذا الإلهام بغير نبوة هو ما يعرف بالعبقرية، فهي لا ترجع إلى الذكاء، والفطنة، والتجربة، وإنما مرجعها إلى الإلهام وإلقاء الصواب في النفس من غير تعمّل وتكلّف، فالعبقرية إذا تليق بملهم محدّث من أصحابه كعمر، والزعامة إنما تليق بسياسي محنك كمعاوية مثلا، والقيادة الحربية إنما تليق بأمثال سيف الله خالد، وسعد، وأبي عبيدة، والبطولة إنما تليق بالكثيرين من أصحابه كعلي، وأبي دجانة، وأبي طلحة، والمقداد بن عمرو، وطلحة بن عبيد الله﵃ أجمعين- على ما اتصفوا به من قوة الإيمان، وحسن السيرة، وسمو الأخلاق.
إنه ﷺ فوق أي عبقري، وأجلّ من أي زعيم، وأعظم من أي قائد، وأشجع من أي بطل، وأسمى من أي مصلح، لقد جمع له من صفات هؤلاء خيرها، وأفضلها، وأعدلها، وأرحمها. ولكنه فوق هؤلاء جميعا، إنه نبي يوحى إليه، ورسول يبلّغ عن ربه، وهذا ما لا يدرك ولا ينال.
فجعل العبقرية، أو الزعامة، أو القيادة، أو البطولة، أو الإصلاح، أو أو عنوانا له ﷺ فيه تحيّف عليه، وهضم لحقه صلّى الله عليه وعلى اله وسلم.
والذين كتبوا في حياة النبي وسيرته من غير المسلمين لا يؤمنون به على أنه نبي ورسول، فمن ثمّ كتبوا عنه على أنه عظيم، أو بطل، أو مصلح، أو زعيم أو نحو ذلك، وإن كان بعضهم كتب عنه تحت عنوان «حياة محمد» ولا يجوز لنا معاشر المسلمين المؤمنين، ولا سيما أهل العلم، والدين، أن نجاريهم فيما عنونوا
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب فضائل الصحابة- باب مناقب عمر، وصحيح مسلم- كتاب فضائل الصحابة- باب فضائل عمر.
[ ١ / ١٩ ]
به وفيما وصفوه مما يخلّ بالنبوة، أو يخدشها؛ لأننا نعتقد أنه نبي ورسول، وكل الصيد في جوف الفرا.
ومما يزيد الضوء والتوضيح لما أريد أن الفاروق الملهم العبقري، وصاحب الموافقات «١»، والذي قال فيه النبي «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» «٢» كان كثيرا ما يبدي رأيا، ويبدي رسول الله رأيا، فإذا به يعود إلى رأي رسول الله مذعنا مقتنعا، فمن ذلك أنه لما عرض على النبي أن يقتل رأس النفاق ابن أبيّ بعد ما كاد يثير فتنة بين المهاجرين والأنصار قال له النبي: «وكيف يتحدّث الناس- يا عمر- أن محمدا يقتل أصحابه»؟!! ثم كان من المؤمن الصادق عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أن جاء إلى النبي يعرض عليه قتل أبيه فقال له: «لا بل نترفّق به، ونحسن صحبته ما دام بيننا» !! وصار من أمر رأس النفاق أنه كلما أبدى لونا من ألوان النفاق لامه قومه وعنفوه، فأراد أن يبين الرسول لسيدنا عمر بعد نظره، وأصالة رأيه لمّا أبى على عمر قتله فقال: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له انف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» !! فقال عمر: قد- والله- علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري!!.
وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة قال الفاروق عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، وما كان- علم الله- منافقا، فقال له النبي:
«وما يدريك يا عمر لعل الله اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ذنوبكم» !!
فإذا عمر يبكي بعد أن تبين له الحق، فيقول: «الله ورسوله أعلم» !! وسيدنا عمر هو القمة في العبقرية، ولكن أين العبقرية من النبوة؟! ومن العجيب حقا أن هذا المعنى الدقيق سبق إلى العلم به العباس عم
_________________
(١) كان الفاروق عمر يرى الرأي ويتمناه فينزل الوحي بموافقته.
(٢) رواه أحمد وغيره.
[ ١ / ٢٠ ]
النبي ﷺ، على حين غفل عن إدراكه كبار الكتاب، وحذّاق المؤلفين المعاصرين الذين ضربوا في كل علم وفن بسهم، وليس أدل على هذا من هذه القصة:
ذلك أنه لما أسلم أبو سفيان بن حرب ليلة الفتح- وكان العباس ﵁ قد سبقه إلى الإسلام- قال النبي للعباس: «خذ أبا سفيان، وقف به عند خطم «١» الجبل» وذلك ليرى جيش الفتح، فمرت به كتائب الله، وفيها «الكتيبة الخضراء» كتيبة رسول الله ﷺ، فلم يملك أبو سفيان نفسه أن قال: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما!! فقال له العباس ﵁: إنها النبوة يا أبا سفيان!! فقال: نعم- والله- إنها النبوة!!
لقد وقفت عند هذه الكلمة طويلا، وهي التي أوحت إلي بما كتبت، وأكّدت في نفسي ما كنت علمت «٢» .
٧- المعجزات الحسية:
الذي أؤمن به أن القران هو المعجزة العظمى للنبي ﷺ، والاية العقلية الباقية على وجه الدهر، وأنه اية الايات، ومعجزة المعجزات، ولكني أؤمن أيضا أن النبي ﷺ أوتي من المعجزات الحسية مثل ما أوتي الأنبياء السابقون، بل وأعظم، وهذه المعجزات الحسية بعضها ثابت بالقران الكريم نصا: كالإسراء، وانشقاق القمر، أو بالإشارة إليه كالمعراج، وبعضها ثابت بالأحاديث المتواترة، والكثير منها ثابت بالأحاديث الصحيحة المروية في الصحيحين وغيرهما من كتب
_________________
(١) هو ما برز منه في الطريق.
(٢) أذكر أنه طلب إلي من منذ بضعة عشر عاما أن أكتب مقالا لمجلة الأزهر بمناسبة الميلاد النبوي، فكتبت مقالا تحت عنوان «عبقرية النبي السياسية» وقد عرض المقال على أستاذنا الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ رحمة واسعة، وكان شيخ الأزهر انذاك، فقرأ المقال وارتضاه، إلا أنه وقف عند العنوان، وصار يبتسم ابتسامته الوقورة المعبّرة، ففهمت ما أراد، واستشرته، فأشار علي أن أغيّر «عبقرية» «بموهبة» فأذعنت بعد أن اقتنعت، وكتبت تحت هذا العنوان بضع مقالات موسمية في مجلة «الأزهر»، ومن يومها وأنا أبالغ في التحرّي حينما أكتب عن الرسول ﷺ.
[ ١ / ٢١ ]
السنن والمسانيد. ولا يطعن في كونها معجزات أن النبي ﷺ لم يتحدّ الناس بها كما تحدّاهم بالقران الكريم؛ لأن فريقا من العلماء لا يشترط في المعجزة أن تكون مقترنة بالتحدي، ثم إن بعضها وإن لم يقع التحدّي به صراحة، لكنه في قوة المتحدّى به، ففي الصحيحين وغيرهما عن عدة من الصحابة أن المشركين من أهل مكة «سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم اية، فأراهم القمر شقّين حتى رأوا حراء بينهما» .
ولا أدري ما الداعي إلى إنكار المعجزات الحسية؟! والشيء إذا تواردت عليه الأدلة والبراهين ازداد قوة وثبوتا، وفي كتب الأحاديث من الصحاح والسنن والمسانيد الكثير من المعجزات الحسية، والإمامان البخاري ومسلم وهما من هما، دقة وتحريا عن الرجال، وتشدّدا في الحكم بالتصحيح- قد خرّجا في صحيحيهما قطعة كبيرة منها، وعقد الإمام البخاري لذلك بابا كبيرا «١»، ومن أراد زيادة في بحث «المعجزات الحسية» فليرجع إلى الفصل الذي كتبته في الرسالة التي ألفتها في «الإسراء والمعراج» «٢» .
والأقدمون من المؤلفين في السير والتاريخ ذكروا الكثير من المعجزات الحسية، وإن اختلفوا في ذكرها قلّة وكثرة، وابن إسحاق- شيخ كتاب السّير وعمدتهم- ذكر منها جملة مع قرب عصره من عصر النبوة، وقد لقي الكثيرين ممن أخذوا العلم والحديث عن الصحابة العدول، وروى عنهم.
وقد ابتدع هذه البدعة السيئة- وهي الاكتفاء بالقران- المستشرقون، ثم سرت عدوى هذه البدعة إلى كتابنا المعاصرين كالدكتور محمد حسين هيكل ﵀- في كتابه «حياة محمد»، وكذلك صنع المستشرق الفرنسي الذي أسلم (اتيين دينيه) وزميله السيد سليمان إبراهيم الجزائري، في كتابيهما «حياة محمد»، وقلما تجد أحدا من المؤلفين المتأخرين في «السيرة النبوية» يذكر شيئا من المعجزات الحسية.
_________________
(١) صحيح البخاري- باب علامات النبوة.
(٢) ص ٢٠- ٢٧.
[ ١ / ٢٢ ]
ومن هؤلاء من يتلطف فيقول: إنه ما دام القران اية دالة على صدق النبي ﷺ، فنحن في غنية عن غيره من الايات، ولا سيما والكثير منها لم يثبت إلا بالطرق الاحادية التي لا تفيد اليقين، ومنهم من يجاهر فينكر المعجزات الحسية جملة!!.
وأحب أن أقول لهؤلاء وأولئك: إن موقفهم من المعجزات الحسية وإنكارها، حدا ببعض المبشرين والمستشرقين إلى الطعن في النبي، وتفضيل غيره من الأنبياء عليه، بحجة أن النبي محمدا ﵊ ليس له من المعجزات الحسية المتكاثرة ما لموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وهكذا نراهم قد أعطوا لأعداء النبي- وإن لم يقصدوا- متكأ لهمزه ولمزه.
وأما أنا- اتباعا للمنهج العلمي الصحيح- فلن أجاريهم في هذا، فالشيء ما دام من الممكنات العقلية، ثم أخبر بوقوعه الرواة الموثوق بهم عدالة، وضبطا، وأمانة، فلا يجوز أن ننكره استنادا إلى استبعاده في العادة، وهل المعجزات إلا أمور خارقة للعادة.
وقد يكون من العوامل التي جعلتني أقف هذا الموقف بعد البحث والروية أني من المتخصصين في الحديث الشريف وعلومه، الذين سبحوا في بحاره، وغاصوا في أعماقه، حتى وصلوا إلى شيء من لالئه ودرره، واقتنعوا بعد الدراسة الطويلة المضنية بدقة ووفاء القواعد التي وضعها أئمة الحديث، وصيارفته وأطباؤه، لمعرفة الصحيح، من الحسن، من الضعيف، والمقبول من المردود «١»، وليس من البحث العلمي السليم إنكار المرويات جملة، وإنما الطريقة العلمية الصحيحة نقدها من ناحية السند والمتن، فإن لم نجد فيها مطعنا قبلناها، وإلا تركناها، فإذا لم نتبع هذه الطريقة صار الإنكار هوى وشهوة.
وإليك ما ذكره الإمام الحافظ الكبير ابن حجر في هذا، قال: «وأما ما عدا القران من نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونطق
_________________
(١) أعلام المحدثين للمؤلف ص ٣٥- ٤٢.
[ ١ / ٢٣ ]
الجماد، فمنه ما وقع التحدّي به، ومنه ما وقع دالا على صدقه من غير سبق تحدّ، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده ﷺ من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بوجود جود حاتم، وشجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت مورد الاحاد، مع أن كثيرا من المعجزات النبوية قد اشتهر، وانتشر، ورواه العدد الكبير، والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالاثار، والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه الرتبة لعدم عنايتهم بذلك، بل لو ادّعى مدّع أن غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريق نظري لما كان مستبعدا، وهو أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدّثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة، ولا من بعدهم مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك، ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق، لأن مجموعهم محفوظ من الإغضاء على الباطل» «١» .
ومعذرة إذا كنت أطلت في هذا، فالأمر يتعلق بمنهجين، وطريقتين، فكان لا بد من بيان الطريقة المثلى، والمنهج الحق المبين.
٨-: [الاعتناء بذكر التشريعات الإسلامية وتاريخها]
قد عنيت- ما استطعت- بذكر التشريعات الإسلامية وتاريخها، ولا سيما في القسم الثاني المدني الذي حفل بها، لأنها وثيقة الصلة بالسيرة النبوية، كما أخذت نفسي بذكر نبذ موجزة- ولكنها مفيدة- عن هذه التشريعات، حتى أعطي للقارئ صورة صادقة للإسلام الصحيح، وذلك كما صنعت في تشريع الصلاة، والأذان، وتحويل القبلة إلى الكعبة، والصوم، والزكاة، والعيدين، والحجاب، ونكاح المتعة ونحوها، وكذلك الأحداث المتعلقة بالسيرة كبناء مسجد قباء، والمسجد النبوي، وفضلهما، ومنزلة المساجد في الإسلام، ومسجد الضرار، وزواج النبي من أزواجه، مع بيان الحكمة في هذا الزواج، وذكر تعريف بكل زوجة، ومواليد المشاهير من الصحابة،
_________________
(١) فتح الباري، ج ٧ ص ٣٩٢- ٣٩٣ ط الحلبي.
[ ١ / ٢٤ ]
ووفياتهم، والتعريف بفضلهم ومنزلتهم بإيجاز، حتى لا يصل الكتاب إلى بضعة أسفار، إلى غير ذلك مما لا يستغني عن معرفته مسلم، فضلا عن طالب علم.
ولذلك التزمت التسلسل الزمني في السيرة بذكر السنوات وما حدث فيها كما صنع كثير من المؤلفين، ليسهل على القارىء لهذه السيرة معرفة تاريخ هذه التشريعات حتى بمجرد النظر إلى الفهرس، وقد اثرت هذه الطريقة على الطريقة الموضوعية في البحث، وإن كنت في بعض الأحيان التزمت الطريقة الموضوعية في البحث كما صنعت في هذا الجزء حينما عرضت لسياسة «الاضطهاد والإيذاء» وسياسة «الإطماع والإغراء» وعدم جدوى السياستين مع النبي ﷺ والمؤمنين المخلصين.
وفي الجزء الثاني حينما عرضت لبيان «موقف الإسلام من اليهود، وموقف اليهود من الإسلام» فقد جمعت الموضوع في مكان واحد، وكذلك فاتني، أو إن شئت الدقة فقل: أعجلت عن أن أكتب فصلا اخر عن «موقف الإسلام من المنافقين وموقف المنافقين من الإسلام» وسأتدارك ذلك- إن شاء الله- في الطبعة الثانية للجزء الثاني، كما فاتني أن أذكر في الفصول الموجزة التي ختمت بها الجزء الثاني عن المثل الكامل ﷺ، وجوانب حياته المشرقة بعض الفصول مثل «النبي المشرّع» و«النبي القاضي» و«النبي المفتي» ونحوها وسأتدارك ذلك بمشيئة الله ﵎.
وقد التزمت هذا المنهج بذكر التشريعات، وأخلاق الرسول في نفسه، ومع ربه ﵎، ومع أهله وزوجه وولده، ومع أصحابه، ومع أعدائه، وفي سره، وعلنه، ويسره، وعسره، ومنشطه، ومكرهه، حتى يخرج القارىء لهذه السيرة العطرة بصورة مشرقة معبرة عن الرسالة، وعن الرسول.
٩-: [ذكر النقول بنصها]
قد حرصت ما استطعت على ذكر النقول بنصها ولا سيما فيما يتعلق بما ذكره ابن إسحاق في سيرته، إلا أن يكون هناك نص أصح منه، أو أوثق أو أوفى مروي في غير السيرة فإني أؤثره عليه، وذلك لما يمتاز به التأليف في
[ ١ / ٢٥ ]
العصور الأولى من قوة الأسلوب، وفحولة المعاني، وجزالة الألفاظ، وإشراق الديباجة، والتزام أساليب العرب، ومذاهبهم في البيان.
وإنك لتقرأ في كتب الحديث، أو في سيرة ابن هشام، أو إن شئت الإنصاف سيرة ابن إسحاق، فتحس بأنك تعيش في جو عربي أصيل، وأنك بين قوم عرب أصلاء، فلا ميوعة في الألفاظ، ولا ضحولة في المعاني، ولا مسخ لمناهج العرب في التعبير، ولهذا اثرت المحافظة على النصوص حتى تكون السيرة إلى فائدتها العلمية أداة من أدوات تقويم اللسان، واستقامة البيان، وتعلم الأساليب العربية الفحلة، ولن يستقيم للأمة العربية اليوم أساليبها البيانية، وتتقوم ألسنتها على القواعد العربية، حتى ترجع إلى منابع العربية الفصحى السليمة وهي القران، والحديث، وما أثر عن العرب الخلّص في الجاهلية والإسلام.
[ ١ / ٢٦ ]
- ٢- تاريخ التأليف في السيرة وأشهر كتبها
لقد عني المسلمون عناية فائقة بأحاديث رسول الله ﷺ، وسننه، وأيامه، ومغازيه، وقبل أن تدوّن الأحاديث تدوينا عاما في اخر القرن الأول الهجري، كانت مقيدة في الحوافظ، مدوّنة في الصدور عند جمهرة الصحابة، والتابعين، وكان القارئون الكاتبون منهم يدونون منها ما استطاعوا من لدن النبي ﷺ إلى عهد التدوين، ومن ذلك ما يتعلق بسيرة النبي ومغازيه.
السيرة جزء من الحديث
وقد شغلت السيرة النبوية حيزا غير قليل من الأحاديث، والذين ألفوا في الأحاديث لم تخل كتبهم غالبا عن ذكر ما يتعلق بحياة النبي ومغازيه، وخصائصه، ومناقبه، ومناقب صحابته، وقد استمر هذا المنهج حتى بعد انفصال السيرة عن الحديث في التأليف، وجعلها علما مستقلا، وأقدم كتاب وصل إلينا في الأحاديث، وهو «موطأ» الإمام مالك﵀- (المتوفى ١٧٩)، لم يخل من ذكر جملة من الأحاديث فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ، وأوصافه، وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد.
وصحيح الإمام أبي عبد الله البخاري (المتوفى ٢٥٦) ذكر فيه قطعة كبيرة مما يتعلق بحياة النبي ﷺ قبل البعثة وبعدها، كما ذكر كتاب «المغازي» وما يتعلق بخصائصه وفضائله ﵊، وفضائل أصحابه ومناقبهم، وذلك كله لا يقل عن عشر الكتاب «١»، وكذلك صحيح الإمام
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الجهاد، وكتاب المغازي، وكتاب الفضائل، وأبواب المناقب.
[ ١ / ٢٧ ]
أبي الحسين مسلم بن الحجاج (المتوفى ٢٦١) اشتمل على جزء كبير من سيرة النبي، وفضائله، وفضائل أصحابه، والجهاد والسير «١» .
وكذلك صنع الإمام أحمد (المتوفى ٢٤١) في مسنده الكبير، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، لم تخل كتبهم من كتاب الجهاد، وذكر طرف مما يتعلق بالسير، وهذا يدل على الصلة الوثيقة بين الأحاديث والسير، فهي جزء منها.
التأليف في السير على سبيل الاستقلال
وكذلك ألّفت في السيرة النبوية كتب خاصة بها، وقد بدأ التدوين فيها على سبيل الاستقلال في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وأول من عرف بالمغازي والسير جماعة منهم:
١- أبان بن عثمان بن عفّان: ابن الخليفة الثالث﵁- وكان أبان واليا على المدينة لعبد الملك بن مروان سبع سنين، وعرف بالحديث والفقه، والظاهر أن سيرته التي جمعت لم تكن إلا صحفا فيها أحاديث عن حياة رسول الله ﷺ، وأيامه، ومغازيه، وقد فقدت فيما فقد من كتب المسلمين وكانت وفاته سنة خمس ومائة.
٢- عروة بن الزبير بن العوام: أبوه الزبير حواريّ رسول الله ﷺ، أسلم قديما، وشهد الغزوات، والمشاهد كلها، وأمه السيدة أسماء بنت الصديق التي شهدت الكثير من أحداث السيرة، وكان لها عمل مشهور مذكور في الهجرة، وكان عروة ثقة كثير الحديث، وقد خرّج له أصحاب الصحاح، وغيرهم، وقد روى الحديث عن خالته السيدة عائشة﵂- وعن غيرها من الصحابة، وكان معروفا بتدوين العلم والحديث، روى ابنه هشام قال: «أحرق أبي يوم الحرّة كتبا قد كانت له»، فكان يقول: «لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي وولدي»، ولم يصل لنا شيء من كتبه.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، ج ١٢، ١٣، ١٥، ١٦.
[ ١ / ٢٨ ]
ولكن وصل إلينا الكثير من روايته في كتب الحديث والسير وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وتسعين للهجرة.
٣- الإمام محمد بن شهاب الزهري: عالم الحجاز، والشام، وهو من الثقات في الرواية، أجمع العلماء على جلالته، أخرج له أصحاب الصحاح، والسنن، والمسانيد، وهو من أوائل من دوّنوا الحديث بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز﵁- (المتوفى ١٠١) بل قيل: إنه أول من دوّن الحديث مطلقا، وكذلك قيل: إنه أول من دوّن في السيرة، وسيرته أول سيرة ألفت في الإسلام «١»، وهي من أوثق السير وأصحها، ويعتمد عليه ابن إسحاق كثيرا في السيرة توفي سنة ١٢٠ هـ.
طبقة أخرى
ثم جاء بعد هؤلاء طبقة «٢» أخرى، من مشاهيرهم:
١- عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري: كان جده قتادة من أصحاب رسول الله ﷺ، شهد بدرا وأحدا والمشاهد، وأصيبت عينه يوم أحد، فسقطت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ، فعادت أحسن عينيه وأحدّهما، وابنه عمر روى المغازي والأخبار عن أبيه، ورواها عن عمر ابنه عاصم، قال فيه ابن سعد: كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير، أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، ويحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة، ففعل، وكان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها ابن إسحاق، والواقدي، توفي سنة عشرين ومائة، وقيل: تسع وعشرين ومائة.
٢- عبد الله بن أبي بكر، بن محمد، بن عمرو، بن حزم الأنصاري:
جده الأعلى عمرو صحابي، بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القران والسنة، وجده محمد قيل: له رؤية، مات يوم الحرة،
_________________
(١) الروض الأنف، ج ١ ص ١٢٢؛ السيرة الحلبية، ج ١ ص ٢.
(٢) الطبقة في اصطلاح المحدثين: جماعة تقاربوا في السن، واجتمعوا في لقاء المشايخ، والأخذ عنهم.
[ ١ / ٢٩ ]
وأبوه أبو بكر كان قاضي المدينة، وواليها، وهو أول من دوّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز أو من أوائلهم، فقد نشأ إذا في بيت علم ورواية، وقد نقلت عن عبد الله أخبار كثيرة ذكرها ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، والطبري توفي سنة خمس وثلاثين ومائة.
طبقة أخرى
ثم جاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى عاشت في العصر العباسي الأول، من أشهرهم:
١- موسى بن عقبة: مولى الزبيريين، والظاهر أنه استفاد من هذه الصلة، قال فيه الإمام مالك: «عليكم بمغازي ابن عقبة، فهي أصح المغازي» . وكانت سيرته التي كتبها مختصرة موجزة وصل إلينا منها بعض مقتطفات، ينقل عنه ابن سعد والطبري بعض أخبار السيرة، وقد روى له البخاري في الصحيح «١»، وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائة.
٢- محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي: وهو من أصل فارسي، كان جده يسار من سبي «عين التمر» سباه خالد بن الوليد، وكان ولاؤه لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، فلذلك قيل له: المطّلبي ولد نحو سنة خمس وثمانين، لقي كثيرا من علماء المدينة وأخذ عنهم، قال فيه الإمام الشافعي: «من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق» وهو يعتبر ثقة في المغازي، لكنه مضعّف في رواية الحديث، وجرحه بعض المحدثين، وأثنى عليه اخرون، ألف ابن إسحاق كتابه المغازي، وهو أقدم كتاب وصل إلينا في السيرة، ألّفه للمهدي بأمر أبيه المنصور، جمع فيه تاريخ العالم منذ خلق الله ادم إلى زمنه، وقد طوّل فيه فلم يرضه المنصور، وأمره باختصاره فاختصره، ولكن الكتاب جاء بعد هذا يفيض بالكثير مما لا يتصل بسيرة الرسول، ويعرض الكثير مما لا يؤيده دليل، ويفشو فيه الشعر المنحول «٢»، والخبر المفحش، والرواية
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب الخندق، وباب غزوة بني المصطلق، تعليقا في التراجم، وروى له في أصول الكتاب.
(٢) المنسوب لغير قائله.
[ ١ / ٣٠ ]
المنكرة، هذا إلى سوقه على نهج لا يؤلف بين أجزائه نظام «١»، وأيضا فله أوهام أغلاط- فيه كما سنبين بعض ذلك فيما يأتي، توفي ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة، وقيل اثنتين وخمسين.
٣- الواقدي محمد بن عمر بن واقد مولى بني هاشم: كان الثاني بعد ابن إسحاق في العلم بالمغازي والسير والتواريخ، وكان معاصره مع صغر سنه عنه، وقد لقي الكثيرين من الشيوخ، وروى عنهم، وكان كثير العلم بالتاريخ والحديث، وقد اختلف في تقديره المحدّثون ما بين معدل ومجرّح له، ويروى أنه اختلط «٢» في اخر عمره، قال فيه البخاري: «منكر الحديث» ولكنهم لا يطعنون في سعة علمه بالمغازي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: «إنه بصير بالمغازي» على حين قال فيه أيضا «الواقدي يركب الأسانيد» «٣» . عني الواقدي بالمغازي والسير بخاصة، والتاريخ الإسلامي بعامة، وكان لا يعرف كثيرا من أمور الجاهلية.
وقد كانت كتبه عمدة للمؤرخين من بعده، ونقلوا منها واقتبسوا، وللواقدي كتاب «التاريخ الكبير» مرتب على السنين، اقتبس منه الطبري في تاريخه كثيرا، وكتاب «الطبقات» ذكر فيه الصحابة والتابعين حسب طبقاتهم، ويظن أن كاتبه ابن سعد قد تأثر به في «طبقاته»، ولم يبق لنا من كتبه إلا كتاب «المغازي» وكان من أكبر المصادر التي اعتمد عليها الطبري في تاريخه، توفي ببغداد سنة سبع ومائتين وقيل تسع.
طبقة أخرى
ثم جاء بعد ذلك طبقة أخرى، من مشاهيرهم:
١- أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري «٤»: من
_________________
(١) مقدمة مختصر سيرة ابن هشام، ص ٣.
(٢) أصابته غفلة وسوء حفظ.
(٣) أي يضع للمرويات أسانيد قوية بدل الضعيفة.
(٤) بفتح الميم والعين المهملة، وبعد الألف فاء مكسورة، نسبة إلى المعافر بن يعفر قبيل كبير، ينسب إليه بشر كثير عامتهم بمصر.
[ ١ / ٣١ ]
مصر، وأصله من البصرة، وله كتاب في «أنساب حمير وملوكها» وكتاب في «شرح ما وقع في أشعار السيرة من الغريب» وله الكتاب الذي اشتهر به «السيرة» وهو مختصر لسيرة ابن إسحاق، مع بعض الزيادات، أو التعقبات والتصحيحات، ولئن كانت سيرة ابن إسحاق لم تصلنا بعينها فقد وصلتنا مهذبة على يد ابن هشام.
وقد تلقّاها عن زياد بن عبد الله البكّائي «١» (المتوفى سنة ١٨٢) عن ابن إسحاق وقد بين ابن هشام في المقدمة منهجه حيال سيرة ابن إسحاق فقال:
«وأنا- إن شاء الله- مبتدىء هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن ولد رسول الله ﷺ من ولده، وأولادهم لأصلابهم: الأول فالأول من إسماعيل إلى رسول الله، وما يعرض من حديثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل على هذه الجهة- للاختصار، إلى حديث سيرة رسول الله ﷺ، وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق مما ليس لرسول الله فيه ذكر، ولا نزل فيه من القران شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرا له، ولا شاهدا عليه- لما ذكرت من الاختصار-، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعضه لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص- إن شاء الله تعالى- ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، والعلم به» «٢» .
من أجل هذا نسي ابن إسحاق، وذكر ابن هشام، فلم يعد يذكر هذا الكتاب في السيرة إلا مقرونا باسم ابن هشام، لا يكاد يذكر ابن إسحاق إلى
_________________
(١) هو أبو محمد زياد بن عبد الله البكائي شيخ ابن هشام، روى عنه البخاري في كتاب الجهاد، وخرّج له مسلم في مواضع من كتابه، وكفى بهما مزكّيين، وموثّقين، وذكر البخاري في «التاريخ» عن وكيع قال: «زياد أشرف من أن يكذب في الحديث»، وقد وهم الترمذي، فنقل عن البخاري أنه قال: «قال وكيع: زياد على شرفه يكذب في الحديث» ولو صح ما نقله عنه الترمذي لما خرّج له حديثا، ولا خرّج له مسلم (الروض الأنف، ص ٥) .
(٢) سيرة ابن هشام، ج ١ ص ٣.
[ ١ / ٣٢ ]
جانبه، وهذا بالنسبة للمتأخرين، أما المتقدمون فلا يذكرون إلا ابن إسحاق، وكانت وفاة ابن هشام سنة ثماني عشرة ومائتين.
وقد شرح هذه السيرة شرحا يدل على تبحّر في العلم، وتضلّع في علم اللغة والأدب والأخبار، الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي «١» الأندلسي، المولود سنة ثمان وخمسمائة والمتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، في كتابه القيم «الروض الأنف» وكان﵀- إلى جانب علمه معروفا بالصلاح، والتقوى، والورع.
٣- محمد بن سعد تلميذ الواقدي وكاتبه: يدوّن له كتبه وأخباره، ومن أجل هذا لقب «بكاتب الواقدي» ولد بالبصرة سنة ثمان وستين ومائة، واباؤه موال للحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وأجلّ كتبه «الطبقات الكبير» في ثمانية أجزاء، وقد خصّص الجزء الأول والثاني من كتابه لسيرة رسول الله ﷺ ومغازيه، وخصّص الأجزاء الستة الاخرى لأخبار الصحابة والتابعين مرتبا لهم على حسب الأمصار، ثم رتّب علماء كل مصر حسب شهرتهم وزمنهم، وقد حظي ابن سعد بثناء بعض المحدثين، قال فيه الخطيب البغدادي: «محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرّى في كثير من روآياته» وهو أحد شيوخ المؤرخ الكبير البلاذري، وتوفي ببغداد سنة ثلاثين ومائتين «٢» .
وممن عرف في التأليف في المغازي من طبقة تلي هؤلاء:
سعيد بن يحيى، بن سعيد، بن أبان، بن سعيد، بن العاص، بن أبي أحيحة، أبو عثمان البغدادي: ثقة ربما أخطأ، من العاشرة، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وقد قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبيه يحيى بن سعيد بن أبان: «المحدّث الثقة، وحدّث عنه ابنه سعيد بن يحيى
_________________
(١) سهيل الذي ينسب إليه واد بالأندلس من كورة «مالقا»، وفيه قرى، وفي إحدى هذه القرى ولد السهيلي.
(٢) ضحى الإسلام، ج ٢ ص ٣٢٠- ٣٣٨.
[ ١ / ٣٣ ]
صاحب المغازي، وأحمد بن حنبل» وكانت وفاته سنة تسع وأربعين ومائتين، ولعله هو الذي يعنيه الحافظ المؤرخ ابن كثير في بدايته بقوله: قال الأموي.
منهج هؤلاء المؤلفين
وقد نهج مؤلفو هذه الكتاب منهج المحدّثين في الرواية: من ذكر الأسانيد، والنظر في الرواة، وإن لم يلتزموا ما التزمه المحدّثون من التشدد في التعديل والتجريح، وقبول الرواية، وربّ رجل مجرّح عند أهل الحديث وهو ثقة عند أهل السير، وهذا يرجع إلى اختلاف الغرضين، فغرض المحدث ذكر الأحاديث التي هي مناط معرفة الحلال والحرام، ومن ثمّ كان لا بد من التشدد في الرواية، وغرض المؤلف في السير والتواريخ ذكر أخبار ليست مناط الحلال والحرام غالبا، فمن ثمّ تساهلوا، ووجدت في كتبهم الروايات المرسلة، والمنقطعة، والمعضلة، والشاذة، والمنكرة، بل الموضوعة المختلقة على قلة «١» بل المحدثون أنفسهم يتشدّدون ويبالغون في التحرّي عن الرواة حينما يروون أحاديث الأحكام، ويتساهلون بعض الشيء في رواية الفضائل، روي عن الإمام أحمد أنه قال:
«نحن إذا روينا في الحلال والحرام شدّدنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا»، وفي معنى الفضائل المغازي، والسير، وروي عنه أيضا أنه قال: «ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي»، ومراده أنه يغلب فيها رواية المراسيل، والمنقطعات، والبلاغات «٢»، ونحوها، وإلّا فقد صحّ فيها أحاديث كثيرة.
كتب ألّفت في السير بعد
ثم جاء بعد هؤلاء علماء كثيرون ألّفوا في السير، ما بين مطنب، وما بين موجز، وما بين متوسط، ومنهم من اعتنى بذكر الأسانيد، ومنهم من حذفها
_________________
(١) المرسل: ما حذف منه الصحابي. المنقطع: ما حذف منه واحد من الرواة في موضع أو مواضع. المعضل: ما حذف منه اثنان من الرواة على التوالي. الشاذ: ما خالف فيه الراوي الثقة من هو أوثق منه. المنكر: ما خالف فيه الراوي الضعيف من هو أقوى منه. الموضوع: هو المختلق المكذوب على رسول الله أو من بعده من الصحابة والتابعين.
(٢) ما يقال فيها بلغني عن فلان كذا، ولم يكن لقيه قطعا.
[ ١ / ٣٤ ]
خشية التطويل وهم الكثير، ومنهم من ألف فيها نظما: من هؤلاء من تقيد بنظم السيرة لابن هشام، ومنهم من لم يتقيد بذلك، ومن أشهر هذه الكتاب:
١- «جوامع السيرة» للإمام الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن حزم، الأندلسي الظاهري المتوفّى سنة ست وخمسين وأربعمائة.
٢- «السيرة» للحافظ الكبير عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المصري المتوفّى سنة خمس وسبعمائة.
٣- «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير» مجلدان، للإمام أبي الفتح محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس الأندلسي، المتوفّى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ثم اختصره وسماه «العيون في تلخيص سيرة الأمين المأمون» وقد شرحه الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي المتوفّى سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ونظمه الشمس محمد بن يونس الشافعي المتوفّى سنة خمس وأربعين وثمانمائة.
٤- «مختصر السيرة» للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد اقتصر فيه على أصح الأقوال، وأقواها.
٥- «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» للشيخ العلّامة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني الشافعي المصري، المتوفّى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وهو كتاب جليل القدر، كثير النفع، لا نظير له في الاستيفاء، وذكر الأقوال والاراء والحجج، اعتمد فيها على سيرة الحافظ ابن سيد الناس، وسيرة الشمس الشامي وغيرها. وقد شرحها كثيرون، ومن أجل الشروح شرح الإمام الحافظ محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري المالكي، المتوفّى سنة اثنتين وعشرين ومائة بعد الألف، وهو شرح جليل تعرض فيه لنقد المرويات، وبيان صحيحها من ضعيفها، وبيان الراجح من الأقوال، وهو يدل على سعة علم الإمام الزرقاني وتبحره.
٦- «سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد» المعروفة بالسيرة
[ ١ / ٣٥ ]
الشامية، للشيخ محمد بن يوسف الصالحي، المتوفّى سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة.
٧- «إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون» المعروفة بالسيرة الحلبية للشيخ علي بن برهان الدين الحلبي، المتوفّى سنة أربع وأربعين وألف للهجرة، وقد اعتمد فيه على سيرة ابن سيد الناس، وهو من الكتاب التي عنيت بتزييف بعض المرويات، وبيان بطلانها، اعتمادا على ما ذكره الأئمة السابقون كالإمام القاضي عياض﵀.
نظم السيرة
وكذلك عني بنظم السيرة كثيرون، منهم من تقيد بسيرة ابن هشام، ومنهم من لم يتقيد، فمن الأولين:
١- الشيخ عبد العزيز بن أحمد المعروف بسعد الدريني، المتوفى في حدود سنة سبع وتسعين وستمائة.
٢- والشيخ فتح الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن الشهيد، المتوفى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة في أكثر من عشرة الاف بيت.
ومن الاخرين:
١- الإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ست وثمانمائة.
٢- والشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، المتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة «١» .
كتب الموالد
وثمّة كتب أخرى وهي «كتب الموالد» وهي كثيرة جدا، وقد عنيت بمولد
_________________
(١) كشف الظنون عن أسامي الكتاب والفنون، ج ٢ ص ١٠١٢، ١٠١٣؛ مقدمة سيرة ابن هشام، ج ١ ص ٧، ٨.
[ ١ / ٣٦ ]
النبي ﷺ، وما صاحب ميلاده من إرهاصات «١»، وايات، وعلامات، وعن نشأته في طفولته، وشبابه، وكهولته، حتى بعثه الله سبحانه رحمة للعالمين، وما صاحب هذه النشأة من خوارق العادات، وما تحمله في سبيل تبليغ الرسالة، وما منّ الله به عليه من المعجزات بعد النبوة، وشمائله وأخلاقه قبل النبوة وبعدها، وما خصّه الله به من خصائص إلى غير ذلك مما تعنى به هذه الكتاب، وفي هذه الكتاب الصحيح والضعيف، والجيد والرديء، فلا يؤخذ كل ما فيها من غير بحث وتمحيص.
كتب جمعت بين التاريخ والسيرة
وكذلك ألّفت كتب في التاريخ العام ولكنها تشمل على السيرة منها:
١- «تاريخ الأمم والملوك» للإمام الحافظ، المفسر، الفقيه، المؤرخ محمد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة عشر وثلاثمائة.
٢- «مروج الذهب» للإمام العالم المؤرخ الرحّالة أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي، المتوفّى سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
٣- «تاريخ الإسلام» للإمام الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي المعروف بالذهبي، المتوفّى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، فقد بدأه بسيرة الرسول ﷺ وهي تكاد تكون مجلدا كبيرا.
٤- «البداية والنهاية» للإمام الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وقد ذكر سيرة النبي في نحو أربعة أجزاء، وهذا الكتاب هو خير كتب التاريخ في بيان الصحيح من الضعيف من المرويات، والتنبيه إلى الروايات الموضوعة، والإسرائيليات الباطلة، التي دست في السيرة والتاريخ.
_________________
(١) الإرهاصات: ما يقع بين يدي النبوة من خوارق العادات.
[ ١ / ٣٧ ]
- ٣- التأليف في السيرة في العصر الحاضر
١- كتب المستشرقين
وقد ألّف في السيرة الكثيرون من المستشرقين من كل جنس ولون. ومن هؤلاء المنصفون- وقليل ما هم- وغير المنصفين- وهم الكثيرون-، ولا عجب فأغلبهم مبشّرون بدياناتهم، والكثرة الكاثرة منهم صليبيون لا يزالون يحملون الحقد على الإسلام، ونبي الإسلام، فمن ثمّ لا يجدون ثغرة ينفثون منها أحقادهم وسمومهم إلا نفذوا منها، ولا رواية واهية منكرة أو مختلقة إلا طبّلوا لها وزمروا، ولا عليهم لو زيفوا الصحيح ما دام ذلك يساعدهم على أهوائهم، ولأجل أن يلبّسوا على الأغرار من المسلمين تستّروا تحت ستار البحث العلمي، وحرية الرأي، وما هو من البحث، ولا حرية الرأي في شيء، وإنما الغرض حلّ عرى الإيمان من نفوس المسلمين، والتشكيك في سيرة مثلهم الأعلى وقدوتهم، وهو النبي ﷺ.
وقد ساعد على تقبل ارائهم أن المغلوب ينظر إلى الغالب على أنه فوقه في كل شيء، فمن ثمّ نظر بعض المتعلمين، ولا سيما الذين لم يحظوا من الثقافة الإسلامية وعلوم الإسلام الأصيلة بحظ يؤهلهم للتمييز بين الحق والباطل، والخطأ والصواب- نظروا إلى المستشرقين على أنهم قمم في التفكير، وفي البحث، فلا يراجعون ما يقولون! ولا ينقض ما إليه ينتهون، بل بلغ ببعض الذين تثقفوا ثقافة إسلامية أن انزلقوا فيما انزلق إليه غيرهم، ومنهم من قام بترجمة بعض هذه الكتاب من غير أن يعلّق على ما فيها من خطأ بين، وباطل
[ ١ / ٣٨ ]
صراح، وليته اكتفى بهذا، ولكنه شارك في الإثم، فكال لها المديح والثناء!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٢- كتب المسلمين
وقد ألّفت في العصر الأخير كتب كثيرة في سيرة النبي ﷺ، وحياته الفذّة، وسير أصحابه النبلاء، في كل قطر ومصر، منها الجيد الأصيل، ومنها ما عليه مؤاخذات وانتقادات، ومنها الموجز، ومنها الوسيط ومنها المبسوط، ومنها ما نحي فيه إلى المنهج القصصي، ومنها ما نهج فيه المنهج المسرحي، ومنها ما تابع مؤلفوها فيها بعض المستشرقين، وانزلقوا فيما انزلقوا إليه أو بعضه، ومنها ما رد مؤلفوها فيها عليهم، وأظهروا خطأهم، وأبانوا عن تعصبهم، وكانت لهم في ذلك جهود مشكورة.
ردّ بعض أباطيل المستشرقين من غير تأليف في السيرة
ومن العلماء المتأخرين من تعرض لرد بعض أباطيل المستشرقين، وذلك كما صنع الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في إبطال قصة الغرانيق، وقصة زواج النبي ﷺ بالسيدة زينب بنت جحش، وقد سار على نهجه من جاء بعده من المؤلفين في السيرة كما فعل العلامة الشيخ محمد الخضري في «نور اليقين في سيرة سيد المرسلين»، والدكتور محمد حسين هيكل في كتابه «حياة محمد»، وغيرهما من المؤلفين والكاتبين الذين أسهموا في هذا المضمار الشريف في كل قطر ومصر، والذين هم أكثر من أن يحصوا، فجزاهم الله خير الجزاء.
جهود العلماء المتقدمين
ومما ينبغي أن يعلم أن ردّ هاتين القصتين الباطلتين، وغيرهما من القصص الباطل، والمرويات الموضوعة، قد سبق إليها بعض الأئمة الكبار، الذين جمعوا بين علم المعقول، وعلم المنقول، ويكاد يكون في القمة من هؤلاء؛ الإمام الحافظ الأصولي، العلامة أبو الفضل القاضي عياض بن موسى السبتي الأندلسي، المتوفّى سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فقد ألف كتابه «الشفا في التعريف بحقوق المصطفى» وهو كتاب لو كتب بالذهب لكان قليلا عليه،
[ ١ / ٣٩ ]
وهو وإن لم يكن كتاب سيرة بالمعنى المعروف إلا أنه اشتمل على كثير مما يتعلق بسيرة النبي ﷺ، مع رد بعض الأباطيل التي دست في السيرة النبوية، وألصقت بها زورا كهاتين القصتين، فالزمه- أيها القارىء- واشدد به يديك.
عناية الأمة الإسلامية بسيرة نبيها
أما بعد:
فمهما يكن من شيء فلم تعن أمة من الأمم في القديم والحديث باثار نبيها وحياته، وكل ما يتصل به من قرب أو بعد، مثل ما عنيت الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل، هذه العناية التي كان من اثارها هذه الثروة الطائلة من الكتاب المؤلفة في مولده، وسيرته، وحياته، وشمائله، وفضائله، وخصوصياته، ومعجزاته، وأخلاقه، وادابه، وأزواجه، وأولاده، وأجداده، وجداته، ونسبه من لدن جده الأعلى خليل الرحمن، وابنه الذبيح إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، إلى خروجه من بين أبويه الشريفين الكريمين، وحيوات من بقي من ذريته من بعده، وخدمه، ومماليكه، وسراريه «١»، ومرضعاته، وحاضناته.
بل بلغت العناية بالعلماء وكتاب السير أن بحثوا في نياقه، وبغاله، وحميره، وأسمائها، ومن أين جاءت، وكتبوا عن وصف نعاله، ومطهرته، وأسوكته، إلى غير ذلك مما يدل على غاية الحب، والعناية باثاره، ومخلفاته ﷺ، وإن ما يتعلق بالسيرة النبوية وسير ال بيت النبي ليكوّن مكتبة حافلة قيمة تعدو الألوف عدّا.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه رسول الله حقا، فما كان لمدّع أن يكون له هذا الحب كله، ولا هذه العناية كلها! ولا هذا التكريم والتعظيم.
وعلى أن رسالته هي خاتمة الرسالات، وأحقها بالخلود، وأبقاها على الزمان، وعلى أنه لا نبي بعده، بنفسي، وأبي، وأمي هو ﷺ.
_________________
(١) جمع سرّية بضم السين وتشديد الراء المكسورة الأمة المملوكة.
[ ١ / ٤٠ ]
الباب الأوّل
الفصل الأول: موجز لتاريخ العرب قبل الإسلام.
الفصل الثاني: الخليل إبراهيم ﵊.
الفصل الثالث: ولاة البيت وتاريخ مكة إلى مولد الرسول ﷺ.
الفصل الرابع: زواج عبد الله بامنة.
[ ١ / ٤١ ]
الفصل الأوّل موجز لتاريخ العرب قبل الإسلام
كان لزاما على من يكتب في السيرة المحمدية، وأحداثها، واثارها البعيدة، لا في حياة العرب فحسب، بل في حياة البشر جميعهم، أن يعرض عرضا موجزا لتاريخ العرب في الجاهلية من ناحية جغرافية بلادهم، وأحوالهم الدينية، والاجتماعية، والأخلاقية، والسياسية، حتى يكون الدارس للسيرة على بيّنة من هذه البلاد، وسكانها، الذين اختير منهم خاتم الأنبياء، والذي أرسل بأعظم رسالة إلهية، والتي أحدثت أعظم إصلاح في العالم كله، لم تحدثه رسالة من الرسالات.
شبه جزيرة العرب
هي عبارة عن هذا الجزء الذي يقع في الجنوب الغربي من قارة اسيا، وهي أكبر جزيرة في العالم، ويبلغ متوسط عرضها سبعمائة ميل، ومنتهى طولها ألف ومائة ميل، ومساحتها حوالي ألف ألف ميل مربع «١» .
ويحدها من الجنوب: البحر العربي (المحيط الهندي)، ومن الشرق:
الخليج العربي ونهر الفرات، ومن الغرب: البحر الأحمر وبرزخ السويس (قديما) (قناة السويس الان)، ومن الشمال: البحر الأبيض المتوسط، وهكذا
_________________
(١) أي مليون ميل مربع، مكة والمدينة في عصر الجاهلية وعصر الرسول عن جزيرة العرب في القرن العشرين، ص ١.
[ ١ / ٤٣ ]
نرى أنها تحيط بها البحار والأنهار من جميع نواحيها إلا جزا قليلا منها، ولهذا يطلق عليها البعض تجوّزا (جزيرة العرب) «١» .
وهذا التحديد الذي يقول به الهمداني يدخل بلاد الشام كلها، والبادية التي بين العراق والشام وبادية سيناء في جزيرة العرب، وهو يتفق وما ذكره (هيرودوت) المؤرخ القديم، غير أنه اعتبر النيل الحد الغربي للقارة، وجعل صحراء مصر الشرقية كما هي معروفة الان من الجزيرة العربية.
موقع الجزيرة الهام
وتحتل شبه جزيرة العرب موقعا هاما إذ أنها تربط بين قارات ثلاث:
اسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وأما من الناحية الحضارية للعالم قبل الإسلام فهي تربط بين الحضارتين السائدتين حينئذ: الحضارة الرومانية، والحضارة الفارسية.
طبيعة جزيرة العرب
وشبه جزيرة العرب أرض صحراوية تتخللها جبال كثيرة. تختلف ارتفاعا وطولا، وعرضا، ولعل أعظمها جبال (السّراة) الممتدة من سورية وفلسطين شمالا، إلى بلاد اليمن جنوبا، وهي توازي ساحل البحر الأحمر، وتقترب منه في مواضع عديدة، ويتراوح ارتفاع هذه الجبال ما بين عشرة الاف قدم «٢»، وثلاثة الاف قدم، فتبلغ قممها في الشمال: في (مدين) وفي الجنوب: في اليمن، وعسير، حوالي عشرة الاف قدم، بينما تكون خلف مكة ثمانية الاف قدم، وقرب المدينة ثلاثة الاف قدم.
وتحصر بينها وبين ساحل البحر الأحمر أرضا سهلة ضيقة تعرف (بتهامة) تشرف عليها هذه المرتفعات وتنحدر إليها انحدارا شديدا قصيرا. وسواحلها المهيمنة على البحر الأحمر يصعب رسوّ السفن فيها لخلوّها من المرافىء الصالحة ولوجود الشعب المرجانية التي تمتد في بعض المواضع بعيدا في البحر، وتوجد جبال أخرى في (نجد) وفي الأقسام الجنوبية من شبه الجزيرة متفاوتة الارتفاع.
_________________
(١) المرجع السابق عن «صفة جزيرة العرب»، للهمداني، ص ٤٦، ٤٧.
(٢) القدم ثلاثون سنتيمتر.
[ ١ / ٤٤ ]
الحرار
وفي شبه جزيرة العرب حرار كثيرة، وهي أرض ذات حجارة سود نخرة، واحدتها حرّة، وتسمى لابة ولوبة، وقد تكونت من فعل البراكين، ويشاهد منها نوعان: نوع يتألف من فجوات البراكين نفسها، ونوع يتألف من حممها التي كانت تقذفها، فتسيل على جوانب الفتحة، ثم تبرد، وتتفتت بفعل التقلبات الجوية، فتكون ركاما من الأحجار البركانية التي تغطي الأرض بطبقات، قد تكون رقيقة، وقد تكون سميكة.
وقد اشتهر كثير من مناطق الحرار بالخصب، والنماء، وبكثرة المياه، ولا سيما حرار المدينة التي استغلت استغلالا جيدا، ومنها خيبر حيث كانت واحة عظيمة، وتضم قرى كانت تشتهر بأنواع المزروعات من قديم الزمان. وليس في بلاد العرب نهر واحد بالمعنى المعروف من الأنهار، وإنما هي جداول غير صالحة للملاحة، وهي إما قصيرة سريعة الجريان، شديدة الانحدار، وإما ضحلة تجف في بعض المواسم، وبها كثير من العيون العذبة وحول هذه العيون الواحات، والوديان ذات الأشجار الوارفة، وتوجد بها بعض المزروعات، والخضر، والفاكهة.
الجنس العربي
والجنس الذي يسكن شبه الجزيرة يسمى (الجنس العربي) وهو أحد الأجناس الساميّة «١»، ولكنه أكثرها محافظة على خصائص الساميين، ويتكلم اللغة العربية، وهي إحدى اللغات السامية، ولكنها أيضا أكثرها محافظة على خصائص اللسان السامي، وترجع هذه المحافظة إلى طبيعة الحياة في شبه الجزيرة، وهي طبيعة الانعزالية، والمحافظة على الأنساب والأحساب، وعدم التزوج من غيرهم، أو تزويجه منهم، فقد حرست هذه الحياة الجنس العربي،
_________________
(١) نسبة إلى سام بن نوح، وهم الشعوب الذين يتكلمون بالعربية، والعبرانية، والسريانية، والحبشية.
[ ١ / ٤٥ ]
واللغة العربية من الهجمات التي تعرض لها غير العرب من الساميين وغير اللغة العربية من فروع اللسان السامي «١» .
وإذا كانت الأمة العربية من الجنس الأبيض أرقى الأجناس البشرية، بل قد عدّها بعض علماء التشريح نموذجا للتقويم البشري الكامل (أنثروبولوجيا) فإن لغتها أرقى اللغات الحية على الإطلاق، وأثراها، وأخفها على اللسان، وأعذبها على السمع، وأشملها لمقوّمات الاداب والعلوم من الألفاظ والتراكيب «٢» .
والأمة العربية من أقدم الأمم وأشهرها، كان لها في التاريخ القديم والحديث اثار لا تزال باقية إلى الان، وقد خلّد الله سبحانه وجودها بأن اختار منها خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمدا ﷺ، فكان شاهد صدق على أنها الأمة الجديرة بقيادة العالم إذا عضّت بالنواجذ على هذا الدين الذي هو خاتم الأديان وأوفاها بحاجة البشرية، كما خلّد لغتها حينما جعل اية خاتم أنبيائه العظمى وحيا يتلى، وقرانا عربيا مبينا، باقيا ما بقي مسلم على هذه الأرض، وما من أمة إسلامية إلا وتاريخها ممتزج بتاريخ هذه الأمة العربية، ولهذه الأمة التي حملت لواء الإسلام إلى الدنيا كلها فضل عليها.
أقسام العرب
١- العرب البائدة
وهي قبائل عاد، وثمود، والعمالقة، وطسم، وجديس، وأميم، وجرهم، وحضرموت ومن يتصل بهم، وهذه بادت قبل الإسلام، وكان لهم ملوك امتد ملكهم إلى الشام ومصر، والمؤرخون يقسمون العرب البائدة إلى قسمين: العمالقة وهم من نسل لاوز بن سام بن نوح، ومن عداهم من نسل إرم بن سام بن نوح، فالأولون يقال لهم الساميون والاخرون الاراميون، والعماليق ملكوا مصر مدة، وأسسوا فيها أسرة ملوكية، وملكوا العراق وأسسوا
_________________
(١) التاريخ الإسلامي والحضارة العربية، ج ١ ص ٣٩.
(٢) دائرة معارف القرن العشرين مادة عرب، ج ٦ ص ٢٢٦.
[ ١ / ٤٦ ]
بها دولة تسمى «دولة حمورابي» أول ملوكهم، والذي عرف بالقانون المشهور «قانون حمورابي» وذلك في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد والعرب الباقية هم القحطانيون والعدنانيون.
٢- القحطانية
وهم أولاد قحطان الذين كانوا يسكنون الجنوب: اليمن وما حواليها، ومنهم ملوك اليمن، ومملكة معين، وسبأ، وحمير، وقد خرجت منهم جماعات، وقبائل في ظروف متعددة من أهمها انهيار سد مأرب، ونزلوا بأجزاء مختلفة من الجزيرة العربية، ومن هؤلاء «اللخميون» الذين نزلوا «الحيرة» على تخوم فارس وكونوا ملكا بها، ومنهم أيضا (أولاد جفنة) ملوك الغساسنة الذين كانوا يسكنون على حدود بلاد الروم، ومنهم ملوك كندة الذين كانوا بحضرموت، وكان منهم أبو امرىء القيس، كما أن منهم (الأزد) الذين تفرع منهم الأوس والخزرج، ومنهم الجراهمة الذين حطوا رحالهم بالقرب من وادي مكة، واتصل بهم نبي الله إسماعيل لما كبر، وصاهرهم، والقحطانيون يقال لهم: العرب العاربة.
٣- العدنانية
نسبة إلى عدنان الذي ينتهي نسبة إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهم المعروفون بالعرب المستعربة، أي الذين دخل عليهم دم ليس عربيا، ثم تمّ اندماج بين هذا الدم وبين العرب، وأصبحت اللغة العربية لسان المزيج الجديد.
وهؤلاء هم عرب الشمال، موطنهم الأصلي مكة، وهم إسماعيل وأبناؤه، والجراهمة الذين تعلّم منهم إسماعيل العربية، وصاهرهم، ونشأ أولاده عربا مثلهم، ومن أهم ذرية إسماعيل (عدنان) جد النبي ﷺ الأعلى، ومن عدنان كانت قبائل العرب، وبطونها فقد جاء بعد عدنان ابنه معدّ، ثم نزار، ثم جاء بعده ولداه: ربيعة، ومضر، ومنهما كانت معظم القبائل العربية، فمن أشهر قبائل مضر: هوازن، وغطفان، وتميم، وعدي، وقريش، ومن أشهر قبائل ربيعة: عبد القيس، وبكر، وتغلب، وحنيفة.
[ ١ / ٤٧ ]
ولم تتسع مكة وما جاورها لعرب الشمال، فبدأوا يهاجرون يبحثون عن مساقط الماء، ومنابت العشب، فنزل عبد القيس البحرين، ونزل بنو حنيفة اليمامة، ونزل بنو هوازن بنواحي أوطاس، وهكذا تفرقت القبائل في ربوع الجزيرة، والعدنانيون يقال لهم: العرب المستعربة، لأن جدهم الأعلى وهو إسماعيل تعلم العربية وتلقنها من جرهم.
أما قضاعة فقد اختلف فيهم، فقيل: إنهم عدنانيون وعليه الأكثر، وقيل: إنهم من قحطان، وهو قول ابن إسحاق، والكلبي، وطائفة من أهل النسب «١» .
وهذا الذي ذكرنا من تقسيم العرب إلى عدنانية وقحطانية هو ما عليه جمهرة علماء الأنساب وغيرهم، ومن العلماء من يرى أن العرب: عدنانية، وقحطانية ينتسبون إلى إسماعيل ﵊.
وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه لذلك فقال: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ﵇، وذكر في ذلك حديثا عن سلمة قال: خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسهام «٢»، فقال: «ارموا بني إسماعيل وأنا مع بني فلان» - لأحد الفريقين- فأمسكوا بأيديهم، فقال:
«ما لكم»؟ قالوا: كيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم» وفي بعض الروايات: «ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا» .
قال البخاري: وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة، يعني: أن خزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم.
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٢ ص ١٥٦.
(٢) يلعبون بها ليتعودوا على فنون الحرب.
[ ١ / ٤٨ ]
سكان جزيرة العرب
يسكن شبه جزيرة العرب فريقان:
١- بدو
وهم الذي يسكنون البادية، ويرتحلون وراء العشب والكلأ، ويتتبعون مواقع الغيث والمطر، وهم يسكنون الخيام، وهي البيوت من الوبر، والشعر، وهم الأكثرون ولا سيما في الشمال: الحجاز وما والاها من نجد وتهامة.
٢- حضر
وهم الذين يسكنون القرى والمدن، ويسكنون بيوتا من اللبن، أو الحجر، ومعظم هؤلاء كانوا يسكنون في الجنوب: اليمن وما جاورها، وعلى تخوم بلاد فارس والروم.
وجود بعض المدنيّات والحضارات في جزيرة العرب
وقد نشأت من قديم الزمان ببلاد العرب حضارات أصيلة، ومدنيات عريقة من أشهرها:
١- حضارة سبأ باليمن
وقد دل القران الكريم- الذي هو أوثق المصادر وأحقها بالقبول- على أنه كان في بعض بلاد العرب حضارات قديمة، وعمران، وخصب، ونماء، ورخاء، وتقدم. ففي اليمن استفادوا من مياه الأمطار والسيول التي كانت تضيع في الرمال، وتنحدر إلى البحار، فأقاموا الخزانات والسدود بطرق هندسية بديعة، وأشهر هذه السدود (سد مأرب)، واستفادوا بمياهها في الزروع المتنوعة، والحدائق ذات الأشجار الزاكية، والثمار الشهية، قال عزّ شأنه:
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
[ ١ / ٤٩ ]
وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) «١» .
كما دل القران الكريم أيضا على أنه كانت هناك في هذا الزمن الغابر قرى متصلة، ما بين اليمن، إلى بلاد الحجاز، إلى بلاد الشام، وأن قوافل التجارة والمسافرين كانوا يخرجون من اليمن إلى بلاد الشام، فلا يعدمون ظلا، ولا ماء، ولا طعاما، قال عزّ شأنه:
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) «٢» .
٢- حضارة عاد بالأحقاف
كما قامت حضارات أخرى في غير اليمن، فقد كان في الأحقاف شمال حضرموت قبيلة (عاد)، وهم الذين أرسل إليهم نبي الله هود ﵇، وكانوا أصحاب بيوت مشيدة، ومصانع متعددة، وجنات، وزروع، وعيون. قال عزّ شأنه:
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ «٣» أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) «٤» .
_________________
(١) الايات ١٥- ١٧ من سورة سبأ.
(٢) الايتان ١٨- ١٩ من سورة سبأ.
(٣) لأنه منهم كقولك: يا أخا العرب لمن كان منهم.
(٤) الايات ١٢٣- ١٣٤ من سورة الشعراء.
[ ١ / ٥٠ ]
٣- حضارة ثمود بالحجاز
وكذلك كانت حضارة في بلاد الحجر حيث تسكن ثمود، وقد دلّ القران الكريم على ما كانوا يتمتعون به من القدرة على نحت البيوت في الجبال، وعلى ما كان يوجد في بلادهم من عيون وبساتين وزروع؛ قال عزّ شأنه:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ «١» وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ «٢» (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ «٣» (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) «٤» .
وقال فيهم أيضا:
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ «٥» اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) «٦» .
وقد اضمحل كل ذلك من زمان طويل، ولم يبق منه إلا اثار ورسوم، فقد درست القرى والمدن، وتخربت الدور والقصور، ونضبت العيون، وجفت الأشجار، وانمحت البساتين والزروع.
يقول بعض الباحثين: «وتدل البحوث والدراسات التي قام بها السياح
_________________
(١) جمع جنة وهي البستان.
(٢) أي ثمرها نضيج طيب لين.
(٣) الفراهة الكيس والمهارة.
(٤) الايات ١٤١- ١٥٠ من سورة الشعراء.
(٥) أي نعمه.
(٦) الاية ٧٤ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٥١ ]
والعلماء عن بلاد العرب على أن تغييرا كبيرا طرأ على جوها، وأن هذا الجفاف الذي نعهده الان في هذه البلاد لم يكن على النحو الذي كان عليه في العصور التي سبقت الإسلام، وأن ذلك الجفاف أثر تأثيرا سيئا في شبه جزيرة العرب، فجعل أكثر بقاعها صحارى جرداء، كما أثّر في حالة سكانها، فقاوم نشوء المجتمعات الكبرى، وأثر تأثيرا خطيرا في تاريخ الأمة العربية، وفي حدوث الهجرات»، إلى أن قال: «وكل ذلك يدل على مدى التغير الذي طرأ في بلاد العرب سواء أكان من الناحية المناخية أم من الناحية الجيولوجية، فأدى إلى مقاومة الحضارة، ومنع نشوء المجتمعات الكبرى بها، وحوّل أراضيها إلى بقاع صحراوية، وطبع الحياة فيها بطابع الرحلة، والانعزالية الاجتماعية والسياسية، ويميل كثير من السياح، وعلماء طبقات الأرض الذين جابوا أنحاء شبه الجزيرة العربية إلى تأييد القول بظهور الجفاف في الألف الثاني قبل الميلاد» «١» .
ولا يفوتني في هذا المقام أن أنبه إلى أن هذه الحقائق التي جاء بها القران منذ قرابة أربعة عشر قرنا على لسان النبي العربي الأمي، ثم جاء علماء الاثار وطبقات الأرض في العصر الأخير، فوصلوا إلى ما أيّد هذه الحقائق كل التأييد- من أكبر الأدلة على صدق النبي ﷺ، ومن المعجزات الدالة على أنه نبي يوحى إليه، ولم يكن النبي منقّبا ولا باحثا عن الاثار، ولا كان هناك من أهل الكتاب ولا غيرهم من كان يعلم هذا، وصدق الله:
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) «٢» .
_________________
(١) مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول، ص ١١٩.
(٢) الاية ١١١ من سورة يوسف.
[ ١ / ٥٢ ]
أقسام شبه جزيرة العرب
قسّم جغرافيو العرب شبه الجزيرة إلى خمسة أقسام:
(١) الحجاز، (٢) وتهامة، (٣) ونجد، (٤) والعروض، (٥) واليمن.
وزاد الأصطخري وابن حوقل ثلاثة أصقاع وهي:
(١) بادية العراق، (٢) وبادية الجزيرة، (٣) وبادية الشام «١» .
فالحجاز هي الجبال الممتدة من الجنوب إلى الشمال، وسميت حجازا، لأنها حجزت بين الغور وتهامة غربا، وبين نجد شرقا، وما بين هذه الجبال إلى سيف البحر على امتداده يسمّى (تهامة)، وما يوجد شرق الحجاز من الأرض المرتفعة إلى أطراف العراق والسماوة يسمّى (نجدا)، والجزء الذي يضم بلاد اليمامة والبحرين وما والاها يسمّى (العروض)، وما يوجد حول صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشّحر وعمان يسمّى: (اليمن)، والذي يهمنا التعريف به هو الحجاز.
الحجاز
وهو عبارة عن سلسلة الجبال الكثيرة، والممتدة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام، كما قال معظم الجغرافيين، وما حول هذه الجبال، وما يتخللها من وديان يدخل في الحجاز أيضا، وسمي حجازا لأنه حجز بين إقليم نجد شرقا، وبلاد تهامة غربا كما ذكرنا، ولكن اسم الحجاز في العرف يشمل تهامة أيضا بل عدّ بعض العلماء تبوك، وفلسطين من أرض الحجاز «٢» .
وطول الحجاز من الجنوب إلى الشمال سبعمائة ميل، وعرضه من الشرق إلى الغرب خمسون وثلاثمائة ميل. وتعتبر جبال السراة هي العمود الفقري لشبه
_________________
(١) مكة والمدينة، عن الأصطخري، ص ٢٠، ٢١؛ وصبح الأعشى ٤/ ٢٤٥.
(٢) المصدر السابق عن معجم البلدان ٣/ ٢١٨، ط السعادة.
[ ١ / ٥٣ ]
الجزيرة العربية، وتختلف جبال الحجاز ارتفاعا وانخفاضا، فمنها ما يبلغ بضعة الاف من الأمتار، ومنها لا يزيد عن مائتي متر.