مقدمّة الطّبعة الثانية
المحمود الله ﷻ، والمصلّى والمسلّم عليه سيدنا محمد واله.
أما بعد:
فقد طبع هذا القسم الثاني من السيرة النبوية منذ بضع سنين، وقد لقي ولله الحمد والمنة- رواجا وقبولا عند قارئيه، وقد نفدت طبعته الأولى بعد صدورها بزمن غير بعيد، وقد شغلت عن إعادة طبعة باهتمامي بإبراز القسم الأول، وقد ظهر- والحمد لله- وأشرف على النفاد.
وقد رغب إليّ الكثيرون ممن حرصوا على اقتناء القسم الأول من هذه السيرة العطرة أن أعيد طبع القسم الثاني حتى يستكملوا السيرة بقسميها، وقد جاءت هذه الطبعة- كما هي سنة الله في التطور والارتقاء- مزيدة زيادات قيّمة ومحقّقة غاية التحقيق، فقد استدركت فيها أمورا فاتت، وزدت بعض مباحث مهمة، وتعليقات وتحقيقات مفيدة، استفدتها من ملازمة البحث والدرس.
ولا أكتمك- يا قارئي الكريم- أني كتبت هذه السيرة بعقلي وقلبي ووجداني، فلا عجب أن أرضت العقل والقلب والوجدان، كما أقر بذلك المنصفون.
وأني عنيت فيها بالتعليق والتحليل لمواقف الرسول والصحابة، والموازنة والمقارنة والاستنتاج، وبذلك جمعت بين أصالة القديم وجدّة الحديث.
كما عنيت فيها برد أباطيل المستشرقين والمبشرين ومن تابعهم من الكتاب
[ ٢ / ٩ ]
المعاصرين، بالنصفة واتباع قواعد البحث العلمي الصحيح، مع العفة في القول، والقصد في التسفيه (وما راء كمن سمعا) .
فإليك يا سيدي يا رسول الله أقدّم سيرتك الفذّة العطرة، مشرقة مجلوة كعروس في ليلة عرس، راجيا شفاعة لي ولوالديّ يوم تنشر الكتب ويكون الحساب.
المحب لله ولرسوله محمّد بن محمّد أبو شهبة
[ ٢ / ١٠ ]
مقدمّة الطّبعة الأولى
الحمد لله الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، والصلاة والسلام على رسولنا محمد إمام المتقين، وسيد المجاهدين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، جاءنا بالشريعة السمحة التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى اله وصحابته الذين آمنوا به، وعزّروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو القسم الثاني من قسمي السيرة النبوية، من بعد الهجرة إلى الوفاة النبوية، وقد كانت الهجرة للإسلام والمسلمين قوة وعزة ونصرا وفتحا، ولذلك لمّا وضعوا التاريخ في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يجدوا حدثا أحق أن يبدأوا به من الهجرة «١» .
_________________
(١) أما في الجاهلية فقد كانوا يؤرخون بالأحداث العظيمة، كحادث الفيل، وقد جاء الإسلام وهم على هذا، ثم في صدر الإسلام أرخوا بشهر المبعث وهو شهر ربيع الأول الذي فيه نبىء النبي ﷺ، ثم لما هاجر المسلمون إلى المدينة اتخذوا منها مبدأ التاريخ، وتناسوا ما قبلها، إلا أنهم سموا كل سنة أتت عليهم باسم حادثة وقعت فيها، كسنة القدوم، وسنة الإذن، وسنة الأمر، وسنة الابتلاء. واستمر الأمر على هذا المنوال إلى خلافة سيدنا عمر ﵁، فيقال إن أبا موسى الأشعري كتب إليه: إنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري بأيها نعمل؟ وقد قرأنا صكا محله شعبان فلم ندر: أي الشعبانين الماضي، أم الاتي، وقيل إنه﵁- رفع إليه صك محله شعبان، فقال: أي شعبان هو؟ ثم قال: إن الأموال كثرت فينا، وما قسمناه غير موقت، فكيف التوصل إلى ضبطه؟ ثم قال: ضعوا للناس تاريخا يتعاملون عليه، ويضبط أوقاتهم، فتشاوروا في الأمر حتى ارتضوا الهجرة مبدأ للتاريخ على السنين، لا على الأحداث. (روح المعاني، ج ١٠ ص ٩٠) .
[ ٢ / ١١ ]
وفي هذا الدور من الدعوة أذن الله للمسلمين في الجهاد، وكانت أولى الوقائع المشهورة غزوة بدر الكبرى التي كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام، وما زال النصر يتتابع ويتوالى حتى كان فتح الفتوح، وهو فتح مكة، وبه دخل البلد الحرام الذي هو أحب البلاد إلى الله في حظيرة الإسلام، ودخل الناس فيه أفواجا من كل فج، وعمّ الإيمان والأمان في الجزيرة، وصدقت نبوءة الرسول:
«والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه» . رواه البخاري.
ولم يجاور الرسول الرفيق الأعلى حتى كانت الجزيرة كلها على قلب رجل واحد، مؤمنة موحّدة، ثم حمل أصحابه الأبطال المغاوير الأمانة من بعده، وساروا على هديه ونهجه، وجاهدوا ورابطوا، وكان لهم في الجهاد بطولات نادرة، وتضحيات غالية، حتى ركعت الدولتان العاتيتان انئذ- فارس والروم- على ركبتيهما، وثلّت عروش، وأديلت دول، وشرّق الإسلام وغرّب.
ولم يكد يمضي قرن من الزمان حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار، وامتدت دولة الإسلام من بلاد المغرب غربا إلى بلاد الصين شرقا، وتحقق وعد الله لعباده الصالحين:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
«١» .
أبو السادات محمّد بن محمّد ابو شهبة
_________________
(١) سورة النور: الاية ٥٥.
[ ٢ / ١٢ ]
بين عهدين: العهد المكي والعهد المدني
لقد مكث النبي صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى الله على بصيرة ثلاثة عشر عاما بمكة، وأهلها واقفون عقبة كأداء في سبيل الدعوة، فلم يدخل في الإسلام طوال هذه المدة إلا عدد قليل لا يتناسب وهذه المدة من عمر الدعوة الإسلامية، حتى أذن الله للنور أن ينتشر، فيمّم النبي وجهه شطر قبائل العرب ووفودهم في موسم الحج، فوجد هذا النور من أهل المدينة- طيبة- عيونا متفتحة، واذانا صاغية، وقلوبا واعية، وسرعان ما سرى النور في المدينة كما يسري نور البدر في ظلمات الليل فيبددها، والماء العذب في الأرض الجدبة فينبتها، واحتضنت المدينة الإسلام والمسلمين كما تحتضن الأم الرؤوم أولادها، ووجد المسلمون في الأنصار خير إخوان وأعوان عرفتهم الدنيا في تاريخها الطويل.
وقد كان المحور الذي تدور عليه الدعوة في مكة انتزاع العقائد الضارة من شرك ووثنية، وإنكار للبعث والنبوات، وتثبيت العقائد الصحيحة في النفوس من توحيد، وإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الاخر، وإقامة الأدلة العقلية والوجدانية والافاقية والأنفسية على ذلك، ليؤمن من امن عن بيّنة واقتناع، ويكفر من كفر عن تعنّت وعناد، وقد مكث النبي في هذه الفترة يعلّم ويلقّن ويربّي ويتعهد، حتى صنع طرازا فريدا من الرجال، كانوا اللبنات الأولى التي منها أسس الإسلام وعليها قام صرحه العالي المنيف.
وطبعي أن يكون اتجاه الدعوة في مكة إلى هذه العقائد، فقد بعث النبي بين قوم وثنيين لا يؤمنون ببعث ولا رسالة، فكان المنهج المنطقي القويم في
[ ٢ / ١٣ ]
الدعوة أن يؤمنوا بهذه الأصول أولا، حتى إذا اطمأنت قلوبهم بالإيمان، وانشرحت صدورهم للإسلام، سهل عليهم تقبل التشريعات من حلال وحرام، وهذا ما كان.
وقد كان اتجاه الدعوة في مكة أيضا إلى أصول التشريعات العامة والاداب والفضائل التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وذلك كالحث على الثبات على العقيدة، والصبر والتحمل في سبيلها، والأمر بالصلاة والصدق والعفاف، وبر الوالدين وصلة الرحم والعدل والإحسان، والتواصي بالحق والخير، والنهي عن الرذائل كالقتل ووأد البنات، والظلم والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك.
أما في العهد المدني فقد بدأت الدعوة الاسلامية تتجه اتجاها اخر، ولم تعد مقصورة على مكة وما جاورها، بل وجدت أمامها افاقا فسيحة، ودنيا عريضة في جزيرة العرب وخارجها، ووجدت أرضا خصبة تقبلت الإسلام بقبول حسن، وأخذت عالمية الإسلام تأخذ طريقها إلى الأمم والشعوب، فلم تمض بضع سنوات حتى أرسل النبي ﷺ بالكتب إلى الملوك والأمراء والرؤساء، داعيا إياهم إلى الدخول في الإسلام وإلى كلمة سواء: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فمنهم من أطاع، ومنهم من أبى ورد ردا سيئا، ومنهم من رد ردا حسنا.
والإسلام دين عام خالد، نزل للبشرية جمعاء، لا فرق بين عربي وغير عربي، ولا بين أبيض وأسود، ففي الكتاب الكريم:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا «١» .
وفيه أيضا يقول الله على لسان رسوله:
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ «٢» .
_________________
(١) سورة الأعراف: الاية ١٥٨.
(٢) سورة الأنعام: الاية ١٩.
[ ٢ / ١٤ ]
ويقول الله سبحانه:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» .
وفي الحديث الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة » ورواه مسلم بلفظ: «وبعثت إلى كل أحمر وأسود» وفي رواية:
«وبعثت إلى الخلق كافة» .
والحق ما لم تكن له قوة تؤيده وتفسح له الطريق كي يأخذ سبيله إلى القلوب والعقول كان حقا مضيعا، فكان لابدّ في هذا العهد من تشريع القتال في الإسلام، ولو أن المناهضين للدعوة اكتفوا في ذلك بالحجاج والكلام، لقابلهم الإسلام بالمثل ولكان له الفوز والغلب. ولكنهم سلكوا مسلك القوة، وحملوا السلاح، فكان من العدل والحق أن تقابل القوة بالقوة، والسلاح بالسلاح، ولا سيما وقد أضحى للمسلمين قوة وكيان.
وقد كانت هذه الفترة من عمر الإسلام أخصب الفترتين، ففيها نزلت معظم التشريعات التفصيلية والأحكام العملية في الحلال والحرام، والعبادات والمعاملات والحدود والجنائيات، والحروب والمعاهدات، والعلاقات الدولية، والنظم السياسية، وذلك لأن حياة المسلمين في المدينة بدأت في الاستقرار، وأصبح لهم دولة وسلطان، ومن شأن الجماعة التي لها رابطة تربطها أن تكون في مسيس الحاجة إلى تشريع يتكفل بما تحتاج إليه في دينها ودنياها.
وشيء اخر: ذلك أن التشريعات العملية- ولا سيما الحدود والجنائيات- مرتبطة بسلطان الحكم التنفيذي، فلا تشريع لمن لا يملك حق التنفيذ.
وقد أشارت إلى هذه الحكمة التشريعية السيدة العاقلة العالمة عائشة
_________________
(١) سورة الأنبياء: الاية ١٠٧.
[ ٢ / ١٥ ]
﵂، قالت: (إنما نزل من القران أول ما نزل منه سورة «١» من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء «لا تشربوا الخمر» لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: «لا تزنوا» لقالوا: «لا ندع الزنا أبدا») رواه البخاري.
وكما مني المسلمون بمكة بالمشركين والوثنيين منوا في المدينة باليهود والمنافقين، وبذلك أصبح المسلمون في المدينة أمام قوى ثلاث تصارع الإسلام وتحاربه: قوة المشركين، وقوة المنافقين، وقوة اليهود.
وهؤلاء المنافقون وهم خليط من عرب المدينة ويهودها وإن لم يعلنوها حربا سافرة فقد كانوا أشد خطرا على الدعوة من غيرهم، لأن العدو المكاشف أهون شأنا من العدو المخالط المتستر تحت ستار من الخداع والتمويه، وقد شاء الله سبحانه أن يصرع الإسلام هذه القوى الثلاث، وأن يقضي عليها قضاء مبرما وأن يبقى الإسلام خفاق الراية، عالي المنار، يعلو ولا يعلى عليه.
وبعد: فهذا إيجاز لابدّ له من توضيح وإجمال يحتاج إلى كثير من التفصيل، وهذا ما سنعرض له في البحوث الاتية إن شاء الله، فاللهمّ أعن، وسدّد، وحقّق.
_________________
(١) لعل مرادها سورة المدثر، فإنها أول ما نزلت بعد فترة الوحي، ففيها الأمر بتوحيد الله وذكر الجنة والنار، أو أن مرادها بالسورة الجنس أي سور من المفصّل، وسور المفصّل ومعظمها نزل بمكة- تدور حول تثبيت العقائد والدعوة إلى الفضائل، وذكر الجنة والنار، وهذا الثاني أرجح.
[ ٢ / ١٦ ]
منزلة المساجد في الإسلام
قبل أن أعرض لبناء مسجد قباء ومسجد المدينة أرى لزاما علينا أن نتعرف منزلة المساجد في الإسلام.
والمساجد بيوت الله في الأرض:
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا «١» .
ومهبط الملائكة، ومثوى عباد الله الصالحين في الأرض، فيها يصل المسلم حباله بحبال السماء، ويزكّي نفسه، ويسمو بروحه حتى تصل إلى معارج القدس، ثم هي إلى ذلك مصحّات للأبدان كما هي مصحّات للأرواح، فلابدّ لمن يغشاها مصليّا أن يتطهر من الأحداث والأنجاس في النفس والثوب والمكان، وهي المستراح لمن لا مستراح له، والمأوى والملجأ لمن لا مأوى له.
وهي منازل أدب ووقار، فلا رفع فيها لصوت، ولا للغو، ولا فسوق، وهي منازل طهر ونظافة وتجمّل، وقد جاء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد وكاد الصحابة أن يتناولوه بالأذى فمنعهم قوله ﷺ: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القران» فلا يجوز أن تكون المساجد للبيع والشراء، والعبث واللهو، ولا لنشدان الضالة، ولا لإثارة الأهواء والمنازعات والمشاحنات السياسية ونحوها، ولا للخلافات الدينية. وقد كان من أدب رسول الله ﷺ في الموعظة
_________________
(١) سورة الجن: الاية ١٨.
[ ٢ / ١٧ ]
التلويح لا التصريح، فكان يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» وهي طريقة فذة مبتكرة في التربية والتهذيب.
وفي الحق أن المساجد في صدر الإسلام ولا سيما المسجد النبوي كانت تؤدي خدمات دينية، وعلمية، واجتماعية، وصحية وحربية، فكانت متعبدات يؤدي فيها المسلمون شعائر دينهم، وكانت تقوم مقام المعاهد والجامعات في التربية والتعليم والتهذيب، ومقام الجمعيات الخيرية في جمع الصدقات والمساعدات والتعاون على البر والخير، وكانت تقوم مقام الملاجىء والمبرات، يلجأ إليها الفقراء ممن لا مال لهم ولا دار، فيجد فيها المسكن والمأكل والمشرب، كما كان الحال في أهل الصّفّة «١»، أضياف الله وأضياف الإسلام.
وكانت منتديات يجتمع فيها المسلمون فيتالفون ويتحابون، ويتشاورون في مصالحهم الدينية والدنيوية، ويبرمون ما يرتأون، وكانت تصنع بالمسجد النبوي السهام والات الجهاد، وتنصب به الخيام يستقبل فيها جرحى الحروب ويمرضون ويعالجون، وكان يجتمع به بعض المسلمين، فيتمرنون على فنون الحرب والقتال «٢» وهكذا نجد أن المساجد في صدر الإسلام كانت تؤدي من الخدمات ما تقوم به جهات عدة في عصرنا الحديث.
بناء مسجد قباء
فلا تعجب والمساجد في الإسلام على ما ذكرنا أن كان أول عمل قام به الرسول في المدة التي أقامها في بني عمرو بن عوف أن يا بني مسجد قباء، وهو المسجد الذي أشار إليه الحق ﵎ في قوله:
_________________
(١) الصفة: الموضع المظلّل من المسجد، وكانت في مؤخرة المسجد النبوي، أعدّ لنزول الغرباء ممن لا مأوى لهم ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا عن مائة.
(٢) راجع صحيح البخاري- كتاب الصلاة- أبواب المساجد، تجد الإمام البخاري عقد لكثير مما ذكرت بابا مستقلا.
[ ٢ / ١٨ ]
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ «١» .
روى الطبراني بسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الاية: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ، بعث رسول الله ﷺ إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟» .
فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو قال مقعدته، فقال النبي ﷺ: «هو هذا» وروى نحوه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ويؤيد رأي هؤلاء أن سياق الايات القرانية إنما هو في مسجد قباء، وهو الذي قصد أهل مسجد الضرار أن يصدوا الناس عنه بمسجدهم.
وذهب اخرون إلى أنه مسجد المدينة، واستدلوا بما ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من الحصباء فضرب به الأرض، ثم قال: «هو مسجدكم هذا» .
والذي نرجحه أنه مسجد قباء لظاهر الاية والسياق، ولا تنافي بين الاية والحديث، لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد المدينة بطريق الأحرى والأولى، وهذا الحديث ذكر في معرض المفاضلة، وليس من شك في أن مسجد النبي ﷺ أفضل وهو خير المساجد بعد المسجد الحرام «٢» ولو أن النبي قال: «هو مسجد قباء» لتوهم متوهم أن مسجد النبي لم يؤسس على التقوى، ولا تخذ البعض من هذا ذريعة للتقليل من شأن المسجد النبوي، فهذا هو السر في هذا الجواب الحكيم.
_________________
(١) سورة التوبة: الاية ١٠٨.
(٢) تفسير ابن كثير والبغوي، ج ٤ ص ٢٤٢؛ البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٠٩.
[ ٢ / ١٩ ]
وقد ورد في مسجد قباء أن جبريل ﵊ هو الذي أشار للنبي ﷺ إلى موضع قبلته.
ولما كان قباء أول مسجد بني في الإسلام وجعل لعموم الناس من هذه الأمة، فقد كان النبي ﷺ يحمل له ذكريات كريمة في نفسه، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه كان يزوره كل يوم سبت تارة راكبا وتارة ماشيا، وفي الحديث الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» رواهما الشيخان.
وروى الترمذي عن أسيد بن ظهير عن النبي ﷺ قال: «الصلاة في مسجد قباء ركعتين أحب إليّ من أن اتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل»، وروى ابن ماجه عن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: «من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان كأجر عمرة» .
وقد زرت مسجد قباء- ولله الحمد والمنة- غير مرة وأنا في طريقي إلى مسجد الرسول ﷺ، وجلست فيه وصلّيت فيه مرارا.
[ ٢ / ٢٠ ]
وصول النّبيّ إلى المدينة وبناؤه المسجد النّبويّ
أقام النبي ﷺ بقباء بقية وصوله، وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم خرج يوم الجمعة قاصدا البلد الطيب (طيبة)، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في المسجد الذي ببطن الوادي: وادي (رانوناء) «١»، وهي أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ بالمدينة، بل قيل: هي أول صلاة جمعة «٢» صلاها مطلقا، لأنه لم يكن يتمكن في مكة من الاجتماع بأصحابه حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان وموعظة لشدة مخالفة المشركين له وإيذائهم إياه وأصحابه، وفي هذه الجمعة خطب المسلمين خطبة بليغة مؤثرة تفيض بالإيمان واليقين، والمواعظ والزواجر، والترغيب والترهيب، وها هي الخطبة:
قال رسول الله ﷺ: «الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرّط، وضلّ ضلالا بعيدا.
_________________
(١) بين قباء والمدينة، ويعرف هذا المسجد اليوم «بمسجد الجمعة» .
(٢) أما صلاة الجمعة جماعة فقد حدثت قبل مقدم النبي وكان أول من جمعهم على صلاة الجمعة أبو أمامة أسعد بن زرارة النجاري أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة الثانية. رواه ابن إسحاق وأبو داود وابن ماجه من طريقه.
[ ٢ / ٢١ ]
وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الاخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الاخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية ولا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدّم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ هو الذي صدّق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
واتقوا الله في عاجل أمركم واجله، في السر والعلانية، فإنه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا، ومن يتّق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيّض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة.
خذوا بحظكم، ولا تفرّطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة، ولا قوة إلا بالله.
فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .
روى هذه الخطبة الإمام محمد بن جرير، وفي السند إرسال، وقد حرصت على ذكرها كلها لأن فيها قبسا من نور الوحي، وحكما من حكم النبوة، وهي نموذج رائع من كلمه الجوامع، وحكمه النوابغ، وفيها القدوة لمن يحب أن يقتدي بالرسول في خطبه، ويحتذي به في مواعظه.
[ ٢ / ٢٢ ]
توسل الأنصار إلى الرسول أن ينزل عندهم
ثم أتاه رجال من بني سالم بن عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة «١»، ويتشبثون بزمام الناقة- ناقته القصواء-، فيقول لهم: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» ورسوله الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، وكلما مر بدار من دور الأنصار في الطريق عرضوا عليه أن ينزل عندهم في العدد والعدة والمنعة، فيقول لهم مثل قولته الأولى، حتى وصلت الناقة إلى موضع مسجده الشريف فبركت عنده، ورسول الله راكب عليها لم ينزل، ثم ثارت الناقة «٢»، وسارت غير بعيد ورسول الله واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه وألقت بجرانها «٣» .
فنزل رسول الله ﷺ فتنازعه الملأ أيهم ينزل عليه، فقال: «إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك «٤»» . ثم سأل: «أي دور أهلنا أقرب»؟ فقال السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري: أنا، فاحتمل رحل رسول الله إلى منزله، فقال رسول الله ﷺ معتذرا بلطف عن النزول عند غير بني النجار «المرء مع رحله» .
ثم جاء أسعد بن زرارة نقيب بني النجار ليلة العقبة الثانية، وقد فاته شرف نزول رسول الله ﷺ عنده، فأخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ فكانت عنده، واعتبر هذا شرفا وكرامة له.
وكان نزول رسول الله ﷺ بدار السيد أبي أيوب الأنصاري منقبة عظيمة له ولبني النجار جميعا، وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا، كل دار محلة مستقلة بمساكنها، ونخيلها، وزروعها وأهلها، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا
_________________
(١) العدد: الكثرة. العدة- بضم العين-: السلاح. المنعة: القوة وحماية الجار.
(٢) ثارت: قامت.
(٣) جرانها: مقدم عنقها.
(٤) وطبعي ألايغضب أحد من أشراف المدينة، لأن أحق الناس به هم أقرباؤه وأهله، وبهذا التصرف الحكيم تخلص الرسول الكريم من هذا الموقف المحرج حقا.
[ ٢ / ٢٣ ]
في محلتهم، وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار الله لرسوله ﷺ دار بني مالك بن النجار تكريما لهم لخؤولتهم لرسول الله.
وقد أثنى رسول الله ﷺ على جميع دور الأنصار، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير»، فقال سعد بن عبادة: ما أرى النبي ﷺ إلا قد فضّل علينا، فقيل: قد فضلكم على كثير، وفي رواية أخرى عن أبي حميد الساعدي عن النبي، وزاد فيه فقال أبو أسيد لسعد بن عبادة: ألم تر أن رسول الله ﷺ خيّر الأنصار فجعلنا اخرا، فأدرك سعد النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خيّرت دور الأنصار فجعلتنا اخرا؟ فقال: «أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الأخيار» وإنها لكياسة في الجواب لن تكون إلا من صاحب العقل الكبير، والصدر الرحيب، والقول الفصل البليغ.
اليوم المشهود
وكان يوما مشهودا في تاريخ الدنيا يوم دخل النبي ﷺ المدينة راكبا ناقته القصواء وأبو بكر الصديق ردفه «١»، وملأ بني النجار حوله متقلدين سيوفهم يرهبون بها أعداء الله ورسوله، ومن تسوّل له نفسه من اليهود والمشركين أن ينال من رسول الله، وليعلموهم أنه إذا كان ترك أهله ووطنه إلى الله، فلا يزال في عزة ومنعة من أخواله وأتباعه وأنصاره، إنه لمشهد معبّر يغني عن الكلام والخطب!!.
وخرجت المدينة كلها بشبابها وشيبها، وصبيانها ونسائها وولائدها، لتشارك في استقبال القادم الكريم، وليملأوا عيونهم من هذا الذي أصبح ذكره على كل لسان، وأنصاره في كل بيت.
_________________
(١) ردفه يعني خلفه، وقد كانت للصديق ناقة، ولكن رسول الله أراد ذلك تكريما للصديق، وليرى الناس في هذا اليوم المشهود منزلة الصديق منه.
[ ٢ / ٢٤ ]
روى الإمام أحمد- في وصف هذا المشهد الحافل- عن أنس بن مالك قال: (إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، قال حتى جاء رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر، فكمنّا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار، انطلقا امنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق «١» لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو، فما رأينا منظرا شبيها به. قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين شبيها بهما) .
وخرجت جوار «٢» - بنات- من بني النجار يضربن بالدفوف وهنّ يقلن:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال: «أتحببنني»؟ فقلن: إي والله يا رسول الله فقال: «وأنا والله أحبكم» ثلاثا. وفي صحيح البخاري ومسلم في حديث الهجرة: «وخرج الناس حين قدما المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء رسول الله» «٣» .
_________________
(١) العواتق: جمع عاتق، وهي الشابة أول ما تدرك.
(٢) جوار: جمع جارية وهي الشابة أمة كانت أو حرة.
(٣) أما ما يذكره بعض كتّاب السيرة من أنهم قالوا: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع فقد خالفه المحققون كابن القيم، والحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، وقالوا: إن ذلك كان مرجعه من تبوك، وذلك لأن ثنية الوداع من جهة الشام لا من جهة مكة [شرح المواهب ج ١ ص ٤٣٤] .
[ ٢ / ٢٥ ]
في دار أبي أيوب الأنصاري
وأقام رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب معزّزا مكرّما سبعة أشهر، حتى بنى المسجد وبنيت دور أهله ونسائه فانتقل إليها، ونزل رسول الله ﷺ أول ما نزل في سفل دار أبي أيوب، وقد الم أبا أيوب أن يكون رسول الله في السفل، وألحّ عليه أن يكون في العلو، حتى بيّن له النبي ﷺ أن ذلك أرفق به وبمن يأتيه من المسلمين والزائرين، فقد كانت دار أبي أيوب منتدى يجتمع فيه المسلمون.
وبالغ أبو أيوب في إكرام رسول الله ﷺ، وما كانت تطيب نفسه أن يأكل حتى يأكل رسول الله، فكان يهيىء الطعام ويرسله إلى النبي، فإذا عادت القصعة سأل عن موضع أصابع النبي فيأكل حيث أكل. وفي ذات مرة صنع طعاما وكان فيه ثوم لم تذهب رائحته، فسأل عن موضع أصابع الرسول فقيل له: لم يأكل منه، ففزع وذهب إليه وقال: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنني أكرهه، فإني أناجي من لا تناجي» «١» يريد الملائكة، وهي تتأذّى مما يتأذّى منه بنو ادم.
وفي مرة أخرى كسرت لأبي أيوب جرّة فيها ماء، ففزع أبو أيوب والسيدة أم أيوب زوجه، وأسرعا إلى قطيفة لهما كانا يعتزّان بها، فأخذاها وصارا يجففان بها الماء خشية أن يسيل الماء إلى أسفل البيت فيتأذى منه رسول الله أو زوّاره.
وقد بلغ من أدب أبي أيوب وأهله- لما امتنع الرسول أن يصعد إلى العلو- أنهم كانوا لا ينزلون في المكان المسامت لرسول الله من العلو استحياء من الله ورسوله، وهكذا فليكن الأدب، والقيم الروحية العالية، ومع اعتذار رسول الله عن الصعود إلى العلو لم يزل به أبو أيوب، يرجوه ويلح في الرجاء، حتى قبل رسول الله ﷺ أن يكون في العلو، إذ قد خف الزوار ولم يعد هناك من حرج.
_________________
(١) رواه الشيخان.
[ ٢ / ٢٦ ]
وتسابق الأنصار في إكرام وفادة رسول الله ﷺ، فما من ليلة إلا وتجد على دار أبي أيوب القصاع والجفان يأكل منها من يشاء، ويدع من يشاء، وكذلك تسابقوا في إيواء المهاجرين وإكرامهم، وعرضوا عليهم أن يقاسموهم دورهم وأموالهم، بل وأعز شيء لديهم وهو التنازل لهم عن بعض أزواجهم كي ينكحوهن إذا رغبوا، ولكن المهاجرين أبوا واكتفوا منهم بالارتفاق والمواساة، وقد ضرب الأنصار في مواساة إخوانهم المهاجرين مثلا عليا تذكر بالإعظام والإكبار، وسنوفيهم حقهم فيما يأتي إن شاء الله.
وقد صارت دار أبي أيوب التي حظيت بهذا الشرف الرفيع إلى مولاه أفلح بعد وفاته، فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، وأصلح ما وهى من بنيانها، ووهبها لأهل بيت فقراء.
وقد ذهبت إلى هذه الدار وأنا بالمدينة في زيارة رسول الله ومسجده، وهي بالقرب من المسجد النبوي، وأهاجت الدار الذكرى، وحركت لواعج الشوق والحب لأهلها الأخيار، فلله أنت يا دار أبي أيوب.
جميل بجميل
ودارت الأيام دورتها، وقدم السيد الكريم أبو أيوب الأنصاري البصرة، وكان عليها يومئذ سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ واليا من قبل سيدنا علي بن أبي طالب ﵁، فوجد ابن عباس الفرصة سانحة لردّ الجميل المذكور لسيدنا أبي أيوب، فخرج له عن داره وأنزله فيها كما أنزل رسول الله في داره، وملّكه كل ما أغلق عليها بابها، ولما أراد الانصراف من البصرة ودّعه وأجزل له العطاء.
وما كان أبو أيوب- علم الله- ليرجو على ما عمل جزاء من أحد، ما كان يرجو إلا رضاء الله ورسوله، ولكنه أدب من اداب الإسلام، ردّ المعروف بمثله أو بخير منه، وأحق من رعى هذا الأدب الرسول واله الكرام، وقد قال معلّم الناس الأدب والخير ﷺ: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه عليه، فإن لم تقدروا فادعوا له بخير» رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
[ ٢ / ٢٧ ]
إسلام عبد الله بن سلام وبعض أهله
وفي أثناء مقام الرسول بدار أبي أيوب الأنصاري قدم عليه أحد أحبار اليهود وعلمائهم وهو عبد الله بن سلام، وكان يعلم من كتبهم أوصاف النبي المبعوث في اخر الزمان. فلما جاء إلى النبي سأله بعض أسئلة تأكّد منها أنه نبي، لأنه ما يعلمها إلا نبي، فأسلم وقال للرسول: لا تعلن إسلامي حتى تسأل اليهود عني، لأنهم إن علموا إسلامي فسينتقصونني.
فأرسل إليهم النبي وسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، فلما أخبرهم بإسلامه قالوا: شرنا وابن شرنا. وإليك هذه القصة كما رواها البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال:
« فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بالحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ.
فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ:
«يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق، فأسلموا» قالوا: ما نعلمه.
قال: «فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام»؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: «أفرأيتم إن أسلم»؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، وكرّرها وأجابوه- ثلاثا- قال: «يا ابن سلام اخرج عليهم»، فخرج، فقال:
يا معشر اليهود، اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت. وفي رواية أخرى أنهم قالوا: شرّنا وابن شرّنا وتنقّصوه. قال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله «١» . وقد أسلم
_________________
(١) صحيح البخاري «باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة» و«باب إتيان اليهود النبي ﷺ حين قدم المدينة» .
[ ٢ / ٢٨ ]
بإسلامه أهل بيته، وعمة له تسمّى خالدة بنت الحارث «١» .
وأما غيره من أحبار اليهود فقد طمس الحقد والحسد على قلوب الكثيرين منهم، وأبوا أن يؤمنوا، فكان عاقبة أمرهم خسرا ووبالا في الدنيا والاخرة، كما سيأتي إن شاء الله.
_________________
(١) فتح الباري ج ٧ ص ٢٠٢.
[ ٢ / ٢٩ ]
بناء المسجد النبوي
وفي المدة التي أقامها رسول الله بدار أبي أيوب بني المسجد النبوي، وقد بنوه في المكان الذي بركت فيه الناقة، وكان في الأصل حائطا- بستانا- فتخرّب بعضه فبنيت فيه قبور، واتّخذ بعضه مربدا لتجفيف التمر، وكان لغلامين يتيمين بالمدينة، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فساومهما النبي فأبيا، وقالا بل نهبه لله ولرسوله؛ ولكن الرسول أبى إلا أن يكون بالثمن. وبهذا التصرف الحكيم ضرب النبي مثلا كريما في رعاية حقوق اليتامى، وقطع ما عسى أن تتقوّل به ألسنة السوء.
وقد ذكر موسى بن عقبة في تاريخه أن الرسول اشتراه بعشرة دنانير، وأن الصدّيق هو الذي دفعها، وأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطعت، وبالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت.
وشرع المسلمون يبنون ورسول الله ﷺ يحمل معهم التراب واللبن وهم يقولون:
هذي الحمال لا حمال خيبر هذي أبر- ربّنا- وأطهر «١»
ويقولون:
اللهمّ إنّ الأجر أجر الاخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
_________________
(١) الحمال بكسر الحاء: المحمول، أي هذا اللبن على ما ينال العامل في حمله من المشقة والاغبرار أبقى ذخرا، وأكثر ثوابا، وأشد طهرا من حمال خيبر وهي ما يحمل من التمر والزبيب ونحوهما في التجارة، وإنها لروحانية سامية لا تكون إلا من هذه النفوس الزكية.
[ ٢ / ٣٠ ]
وكان علي يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن التراب حائدا
وكان بعضهم يقول:
لئن قعدنا والنبي يعمل ذاك إذا للعمل المضلّل
وفي هذا الارتجاز في الأعمال والأسفار تنشيط للنفوس، وترويح للقلوب، فيسهل الشاق، ويلين الصعب.
ولما بني المسجد النبوي صار مصلّى المسلمين ومتعبدهم ومنتداهم ومكان تشاورهم، وكان فيه صفّة يأوي إليها الفقراء والمساكين ممّن لا مال لهم ولا دار، ولا يجدون ما يعملون به فيكتسبون، وفيه تلقى دروس العلم والحكمة. وهكذا كان المسجد النبوي يؤدي خدمات دينية وعلمية واجتماعية وسياسية، وكن على ذكر مما ذكرنا سابقا في منزلة المساجد في الإسلام.
الأطوار التي مرّ بها بناء المسجد النبوي
كان المسجد النبوي في عهده ﷺ مبنيا باللبن- الطوب النيء- وكانت عمده من جذوع النخل، وسقفه من الجذوع والجريد. وهكذا كانت المساجد في عهده ﷺ تمتاز بالبساطة وعدم التكلف، ولكنها كانت عامرة بالإيمان والهدى، والعلم والمعرفة.
يدل على هذه البساطة في بناء المسجد النبوي وغيره ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك- واللفظ لمسلم- «أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة «١» ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا
_________________
(١) في سيرة ابن إسحاق أنه قدم يوم الاثنين وخرج إلى المدينة يوم الجمعة، ويمكن التوفيق بين ما رواه ابن إسحاق وما ثبت في الصحيح بأن المراد تتمة أربع عشرة ليلة، ويكون داخلا فيها المدة التي قضاها رسول الله والصدّيق في الطريق بعد خروجهما من الغار حتى دخلا قباء.
[ ٢ / ٣١ ]
متقلدي سيوفهم قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب.
فكان رسول الله يصلّي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد. قال: فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا فقال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى، قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب. فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطعت، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت؛ قال: فصفّوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة، قال:
فكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم «١» وهم يقولون:
اللهمّ إنه لا خير إلا خير الاخرة فارحم الأنصار والمهاجره
وبقي المسجد النبوي على هذا الحال في خلافة الصدّيق ﵁، فلما كان عهد الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه، واتسعت رقعة الإسلام، وكثر الوافدون إلى المسجد، وسّعه عمر وأبقاه على ما كان عليه في عهد الرسول من بنيانه باللبن، وسقفه بالجريد، إلا أنه جعل عمده من الخشب بدل جذوع النخل. وقد روي عنه أنه قال لمن زاول البناء: (أكنّ الناس من المطر، وإياك أن تحمّر أو تصفّر لتفتن الناس) .
فلما ولي السيد الحييّ عثمان ﵁ الخلافة زاد فيه زيادات كبيرة، وبنى جدرانه بالحجارة المنقوشة والقصة- الجص- وجعل عمده من الحجارة المنقوشة أيضا، وسقفه بخشب الساج «٢» .
وقد أنكر بعض الناس على عثمان هذا، واعتبروه إسرافا وزخرفة، روى البخاري في صحيحه بسنده أن عثمان كان يقول عند قول الناس فيه حين بنى
_________________
(١) في رواية البخاري «فتمثل بشعر رجل من المسلمين » قيل إنه عبد الله بن رواحة، فالشعر ليس من إنشاء الرسول قطعا، والعضادة جانب الباب.
(٢) خشب جيد يجلب من الهند.
[ ٢ / ٣٢ ]
مسجد الرسول ﷺ: إنكم أكثرتم، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: «من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة» .
ويعلم الله أن عثمان ﵁ ما قصد الزينة حين بناه بهذا النوع من الحجارة، ولا قصد الإسراف حينما وسّعه وجعل جدرانه من الحجارة، وسقفه بخشب الساج، فقد كان بيت المال في عهده يفيض بالأموال التي لا تحصى، وإنما هي الضرورة والمصلحة ليتسع المسجد للوافدين من المسلمين، وليكون ذلك أدعى إلى طول البقاء، وعدم تسارع الخلل والخراب إليه.
ثم زيد في المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، وقد قام بهذا نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وفي هذه الزيادة أدخلت حجر أزواج النبي ومنها حجرة عائشة التي كان فيها القبر الشريف، ثم زيد فيه زيادات كثيرة فيما بعد، وزيد فيه من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف الأمامية للمتوجه للقبلة كما هو اليوم.
ومما ينبغي أن يعلم أن القبر الشريف ما كان في المسجد أولا، وإنما دخل فيه لما اضطروا إلى توسعة المسجد، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بلعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ونهى النبي عن ذلك، ودعا الله ألايتخذ قبره وثنا يعبد، ففي الحديث الشريف: «اللهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد، غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
وقد احتاط المسلمون الأولون، فأحاطوا القبر الشريف بحائط مرتفع كيلا يظهر القبر في المسجد فيصلي إليه العوام، فيقعوا في اتخاذ قبره مسجدا، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على هيئة رأس مثلث من الشمال حتى لا يتمكن المصلّي من استقبال القبر الشريف في الصلاة.
زخرفة المساجد:
وكان أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومن يومها والناس شرعوا يغالون في بناء المساجد وزخرفتها حتى أصبح بعضها من قبيل المتاحف، تقصد لما فيها من زخرفة لا للصلاة فيها، وكل ذلك خارج عن هدي
[ ٢ / ٣٣ ]
النبوة، ولو روعيت البساطة في بناء المساجد وعدم المغالاة في الزخرفة والتشييد لكان خيرا وأولى.
وقد أخبر الرسول ﷺ بما سيصير إليه حال المسلمين في بناء المساجد وزخرفتها، فقال فيما رواه أنس عنه: «يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلا»، وقال: «لتزخرفنّها- أي المساجد- كما زخرفت اليهود والنصارى» رواهما أبو داود في سننه. ولم يزل الخلفاء والملوك المسلمون يتداولون المسجد النبوي من قديم بالتوسعة والعمارة والتشييد حتى أصبح على وضعه الحالي وعلى هيئته الان.
وكانت اخر توسعة وتشييد ما قام به ال سعود القائمون على شؤون الحرمين، وقد أصبح على حال من قوة التأسيس والسعة والفخامة تليق بهذا المسجد المشرّف، الذي تشدّ إليه رحال ألوف الألوف من المسلمين من جميع بقاع الأرض، فشكر الله لهم هذا العمل المجيد.
فضل المسجد النبوي
هو أحد المساجد المشرفة التي تشدّ إليها الرحال في الأرض، وثانيها في الفضل، وإن كان ثالثها في الزمان والبناء، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس» . وفي الصحيحين أيضا أن رسول الله قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» .
وفي مسند أحمد بإسناد حسن زيادة حسنة: وهي قوله: «فإن ذلك أفضل» .
وفي مسجد النبي الروضة الشريفة التي هي من رياض الجنة، ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين بيتي»
ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» .
_________________
(١) اشتهر هذا الحديث على الألسنة بلفظ «ما بين قبري» وهو غير صحيح فالرسول لما قال الحديث لم يكن قبرا وإنما كان بيتا وهي الرواية الصحيحة.
[ ٢ / ٣٤ ]
وكيف لا تكون من رياض الجنة والعبادة فيها مما يقرّب صاحبها من الجنة، ويباعد بينه وبين النار، فالأعمال فيها ثوابها مضاعف، والدعاء فيها مرجو الإجابة، وبجوارها أشرف بقعة ضمّت أشرف جسمان على وجه الأرض، وطالما صلّى فيها النبي في حياته وقام، وكثيرا ما وعظ فيها وذكّر، وبشّر وأنذر، وشهدت من أحداث الإسلام وسياسته ما شهدت، والجالس فيها يشعر بروحانية صافية، وراحة نفسية، وإشراقة قلب، وانشراح صدر، وينسى فيها بؤس الحياة والامها، ويغمره إيمان بصاحب الرسالة وحب يصلان به إلى حظيرة القدس.
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى تفضيل مسجد المدينة على مسجد مكة؛ لأن ذاك بناه الخليل إبراهيم، وهذا بناه نبينا محمد.
والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء من تفضيل المسجد الحرام، لأنه في بلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وحرّمه الخليل وحرمه نبينا، وجعل الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد النبوي، وجعل حجه فرضا مفروضا، ومن دخله كان امنا، وفضيلته قد شهد بها التنزيل وصدق الله:
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ «١» مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) «٢» .
بناء حجر أمهات المؤمنين
وبني لرسول الله ﷺ حجر حول مسجده الشريف، لتكون مساكن له ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة، بل كانت بيوت من ترفّع عن الدنيا وزخارفها، وابتغى الدار الاخرة، فقد كانت كمسجده مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النخل والجريد،
_________________
(١) بكة هي مكة بلد الله الحرام بإبدال الميم باء، سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة الذين يلحدون فيها بظلم، وقيل لأن الناس يجتمعون فيها ويتزاحمون للطواف والسعي.
(٢) ال عمران: الايتان ٩٦، ٩٧.
[ ٢ / ٣٥ ]
وكانت قريبة الفناء قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده. قال الحسن البصري وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة-: (قد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي) .
ولما تمّت هجرة النبي وصاحبه أبي بكر رجع عبد الله بن أريقط دليلهما إلى مكة، فأرسلا معه زيد بن حارثة وأبا رافع- وهما موليا رسول الله ﷺ- ليأتوا بأهليهما، فذهبا وجاا ببنتي الرسول: أم كلثوم وفاطمة، وزوجته: السيدة سودة بنت زمعة، وأم أيمن زوج زيد، وابنها أسامة.
أما السيدة زينب فكانت في بيت زوجها أبي العاص بن الربيع حتى أرسلها بعد أن أسر في بدر كما سيأتي، وأما السيدة رقيّة فكانت مع زوجها عثمان ﵁. وقدمت معهما أيضا السيدة عائشة، وأمها أم رومان صحبة عبد الله بن أبي بكر، ومن ال أبي بكر أيضا السيدة أسماء بنت الصدّيق امرأة الزبير بن العوام، وهي حامل متمّ بابنها عبد الله بن الزبير.
ولم يكن مع رسول الله حينئذ من أزواجه إلا سودة بنت زمعة التي دخل بها بعد وفاة السيدة خديجة ﵂، أما السيدة عائشة فكان عقد عليها ولم يبن بها إلا في شوال بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر. وكان رسول الله كلما بنى بزوجة بنى لها حجرة، حتى اكتملت حجرات نسائه حول المسجد، وكان لكل حجرة بابان: خارجي وداخلي من المسجد، ليسهل دخول النبي إلى المسجد، وقد أضيفت هذه الحجر كلها إلى المسجد لما اضطروا إلى توسعته كما أسلفنا.
حمّى المدينة
لما قدم النبي ﷺ وصحبه إلى المدينة كانت أوبأ أرض الله من الحمّى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف ذلك عن نبيه. وكان ممن وعكتهم الحمى وهدّت من كيانهم الصدّيق أبو بكر، وعامر بن فهيرة مولاه، وبلال بن رباح، فكان الصدّيق إذا اشتدت به الحمى يقول:
كل امرىء مصبّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
[ ٢ / ٣٦ ]
وكان عامر يقول:
قد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرىء مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه
«١» وكان بلال يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بواد وعندي إذخر وجليل
«٢»
وهل أردن يوما مياه مجنّة وهل يبدون لي شامة وطفيل
«٣» فأخبرت عائشة النبي بما رأت وسمعت فدعا بهذا الدعاء: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» رواه البخاري، وقد استجاب الله لنبيه الدعاء وصار جو المدينة من أحسن الأجواء، ولم تكن الجحفة حينئذ من بلاد الإسلام، وهي التي كانت مهل أهل الشام ومصر ومن على شاكلتهم، وقد درست الجحفة، والإحرام الان من «رابغ» قرية قريبة منها على الطريق بين مكة والمدينة.
_________________
(١) الروق: القرن.
(٢) إذخر وجليل: نباتان من نبات البادية.
(٣) شامة وطفيل: جبلان بمكة.
[ ٢ / ٣٧ ]
حالة المدينة السّياسيّة والاجتماعيّة بعد الهجرة
بعد أن قدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة أصبح سكان المدينة يمثلون هذه الطوائف:
المهاجرين
وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة فرارا بدينهم، تاركين الأهل والولد والدور والمال، مجردين من كل شيء إلا من الإيمان، ومنهم من اصطحب معه زوجه وولده، ومنهم من تركهم، وقد عانى المهاجرون في مبدأ قدومهم شدة ومرضا وغربة ووحشة، ولكنهم لم يلبثوا- بفضل إخوانهم الأنصار- أن تعودوا على جو المدينة، وأن اندمجوا في المجتمع الجديد، وصارت المدينة وطنا لهم، وأبدلهم الله بالأهل أهلا، وبالمال مالا.
وكانت الهجرة قبل فتح مكة واجبة وفرضا على المسلمين من أهل مكة لنصرة النبي ﷺ ومواساته بالنفس، وليكون لهم في تجمعهم في مكان واحد كيان وقوة، ولذلك أنحى الله باللائمة والتوبيخ لمن استطاع الهجرة ولم يهاجر، ولم يعذر إلا المستضعفين الذين ليست لهم قدرة عليها، فقال سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا «١» .
_________________
(١) سورة النساء: الايات ٩٧- ٩٩.
[ ٢ / ٣٩ ]
وأما بعد الفتح فلم تعد الهجرة واجبة، ففي الحديث المتفق عليه:
«لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» ومع هذا فقد أبى الله ورسوله إلا أن تكون المدينة هي الوطن للمهاجرين، فحرم رسول الله على من هاجر قبل الفتح أن يستوطن مكة بعد الفتح، وأباح لمن قصدها لحج أو عمرة أن يقيم بها بعد أداء نسكه ثلاثا لا يزيد عليها، ففي الحديث المتفق عليه- واللفظ لمسلم- أن رسول الله ﷺ قال: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا» ولذلك رثى النبي لسعد بن خولة «١» أن مات بمكة كما رواه البخاري في صحيحه «٢» .
والحكمة في تحريم الإقامة للمهاجرين بمكة بعد الفتح خشية أن يعتبر هذا رجوعا في هجرتهم، لأنهم تركوا ديارهم وأهليهم وأموالهم لله، وفي سبيل نصرة رسول الله، فأراد الله سبحانه أن يستمر تركهم لها ابتغاء مرضاته، ليكون شاهد صدق على قوة إخلاصهم، وعظمة نفوسهم، وسمو أخلاقهم، وليكونوا قدوة حسنة لمن يجيء بعدهم أن من ترك شيئا لله لا ينبغي أن يرجع إليه.
هذا إلى أن المدينة- دار الهجرة- قد أضحت قلب الإسلام النابض، ومركز الدعوة الإسلامية، ففيها استقر الرسول بعد الهجرة، والخلفاء الراشدون من بعده، فما أشد الحاجة إلى أن يبقى فيها السابقون الأولون من المهاجرين من قريش، التي تدين لها العرب كلها، فمن ثمّ حرم على المهاجرين الأولين الإقامة بمكة بعد الفتح، ولو أبيح لهم الرجوع لربما نزع الكثيرون منهم إلى الرجوع إليها، فإن النفوس البشرية مجبولة على حب الوطن والرجوع إليه إذا سنحت الفرصة، لذلك اقتضت حكمة الله سبحانه- ولله الحكمة البالغة- أن يحرّم ذلك، ليبقى المهاجرون مع الأنصار في البلد الطيب «طيبة» الذي اوى الإسلام، ومنه انتشرت دعوة الإسلام، وعمّ نوره الخافقين، وهو من أسمى أنواع الوفاء.
_________________
(١) سعد بن خولة من بني عامر بن لؤي من المهاجرين السابقين، وقد مات بمكة عام حجة الوداع.
(٢) صحيح البخاري كتاب الجنائز. وانظر فتح الباري ج ٣، ص ١٢٨.
[ ٢ / ٤٠ ]
ولما مرض سيدنا سعد بن أبي وقاص بمكة في حجة الوداع خاف أن يموت، فطمأنه الرسول وأشار له إلى أنه ستطول به الحياة، وقال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم» رواه البخاري.
ولهذه المعاني كان النبي يرغّب أصحابه في سكنى المدينة، ولا يتحوّلون عنها إلا لضرورة، فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أحرّم ما بين لابتي «١» المدينة: أن يقطع عضاهها «٢» أو يقتل صيدها»، وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها «٣» وجهدها إلا كنت له شفيعا، أو شهيدا يوم القيامة، ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء» .
الأنصار
هم أولئك الذين استجابوا إلى الإسلام من أهل المدينة أوسها وخزرجها في بيعة العقبة الأولى والثانية، وقد كان يساكنهم بالمدينة جالية كبيرة من اليهود الذين نزحوا إليها من الشام مشردين مضطهدين، وكان بينهم وبين اليهود وقائع وحروب، فكانوا إذا انتصفوا من اليهود وأذلوهم قالوا لهم: لقد قرب عهد نبي يبعث من العرب وسننضوي تحت لوائه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما دعا النبي أهل المدينة في موسم الحج قالوا فيما بينهم: هذا هو الذي بشّرت به يهود، فلا يسبقنّكم إليه، فكان هذا من أسباب كرامة الله لهم بالمسارعة إلى الإسلام ونشره بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ.
وقد كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية حروب وأيام مشهودة كيوم بعاث، ولذلك لما عرض النبي عليهم الإسلام قالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم
_________________
(١) أي حرّتيها وهي الأرض ذات الحجارة السود.
(٢) جمع عضة شجر ذو شوك.
(٣) شدّتها من حر أو برد، أو جدب مثلا.
[ ٢ / ٤١ ]
ما بينهم من العداوة والبغضاء، فإن يجمعهم الله بك فلن يكون أحد أعزّ منك في العرب.
وقد حقق الله الرجاء، فقد صاروا بعد أن أنعم الله عليهم بالإسلام إخوانا متحابين متالفين، وكان للإسلام من هذا الغنم والخير الكثير، وقد ذكّرهم الله بهذه النعمة في قوله عز شأنه:
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «١» .
وقد قام السادة الأنصار تجاه إخوانهم المهاجرين بألوان من المواساة، والإكرام، والإيواء، والإيثار، ما استحقوا به أن ينزل الله فيهم قرانا يتلى إلى يوم الدين، وصاروا مثلا عاليا يضرب في الأولين والاخرين، وسنعرض لماثرهم ونوفّيهم بعض حقهم عن كثب.
وقد صار المهاجرون والأنصار بعد الهجرة كالجسد الواحد، وعلى قلب رجل واحد، ويدا واحدة تجاه المشركين واليهود والمنافقين، ولم يزالوا يكافحون ويجالدون، ويصبرون ويصابرون حتى انما هؤلاء الأعداء الثلاثة، وصاروا في عداد الهلكى الغابرين، وبقيت كلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم.
المنافقين
وهم أهل المدينة من غير المسلمين، ولم يكن بمكة منافقون لأن طبيعة العرب الخلّص تأبى النفاق، فإما إيمان صادق، وإما كفر ظاهر، وإنما نجم النفاق بالمدينة، فقد كان يساكن العرب فيها اليهود، وهم قوم مخادعون منافقون بطبيعتهم، وعنهم أخذ عرب المدينة الذين لم يسلموا هذا الخلق المرذول.
ولما قدم النبي ﷺ المدينة، وتالف المهاجرون والأنصار، وتاخوا في الله، وصاروا قوة مرهوبة في المدينة، وصارت للنبي ﷺ الكلمة النافذة على المسلمين
_________________
(١) سورة ال عمران: الاية ١٠٣.
[ ٢ / ٤٢ ]
جميعا، لا فرق بين مهاجري وأنصاري، وصارت إليه الرئاسة الدينية والدنيوية، والقيادة السياسية والاجتماعية- حقد عليه وعلى دينه بعض العرب ممن كانت له الزعامة في المدينة، واليهود الذين حقدوا على العرب أن يكون منهم النبي المبعوث في اخر الزمان، وتامر من هؤلاء وأولئك فئات على الشر وعداوة الإسلام، ولم يكن في استطاعتهم أن يعلنوا عن الحقد والشر الخبيء في قلوبهم، فلم يجدوا بدا من التستر بالإسلام، يظهرونه ويبطنون الكفر والحقد والضغينة على الإسلام والمسلمين، وهم من يسمّون في الإسلام (بالمنافقين)، وقد تزعم هؤلاء رجل من العرب، كان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ويملّكوه عليهم، فلما انصرفوا عنه ومنهم أهله وولده حقد وضغن، ونافق وداهن، وهو عبد الله بن أبيّ ابن سلول الخزرجي.
وانضوى تحت لوائه- لواء النفاق- جماعة، منهم: أبو عامر، وكان يقال له الراهب، كان قد ترهّب في الجاهلية ولبس المسوح «١» . قال فيه الرسول ﷺ:
«لا تقولوا الراهب ولكن قولوا: الفاسق» ومات بالشام غريبا طريدا وحيدا، وكان ابنه حنظلة من خيار المسلمين، استشهد يوم أحد، وهو غسيل الملائكة.
ومنهم: جلاس بن سويد بن الصامت، قال ابن إسحاق: وقد زعموا أنه تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير. ونبتل بن الحارث وهو الذي قال فيه رسول الله: «من أحب أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى هذا»، وكان جسيما ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين وكان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ثم ينقله إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدّقه، فأكذبه الله. وعبّاد بن حنيف، وكان ممن بنوا مسجد الضّرار. ومربع بن قيظي، وكان أعمى، وهو الذي قال لرسول الله ﷺ حين جاز في حائطه وهو ذاهب إلى أحد:
لا أحلّ لك إن كنت نبيا أن تمر في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب، ثم قال: لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك لرميتك بها، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال
_________________
(١) المسوح: لباس الرهبنة.
[ ٢ / ٤٣ ]
رسول الله: «دعوه فهذا الأعمى، أعمى القلب، أعمى البصر»، وقد ضربه سعد بن زيد الأشهلي بالقوس فشجه. وأخوه أوس بن قيظي. وحاطب بن أمية بن رافع، وكان شيخا جسيما قد أسنّ في الجاهلية، وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له: يزيد بن حاطب أثخنته الجراح يوم أحد فاستشهد، وهؤلاء من الأوس.
ومن الخزرج: رافع بن وديعة، والجد بن قيس، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس، وقيس بن عمرو.
ومن المفارقات العجيبة أن عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين كان له ابن من خيار المسلمين وأصدقهم إيمانا، حتى لقد عرض على النبي ﷺ أن يقتل أباه، فأبى النبي وقال: «لا، بل نحسن صحبته ما دام بيننا» !!.
وتبع ابن أبيّ من اليهود قوم أظهروا الإسلام نفاقا وتقية، منهم:
سعد بن حنيف، وزيد بن اللصّيت، ورافع بن حرملة، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ يوم مات: «قد مات اليوم عظيم من عظاماء المنافقين»، ورفاعة بن زيد بن التابوت، أخبر النبي بموته مرجعه من تبوك، ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى، وغيرهم «١» .
وكان هؤلاء المنافقون بحكم ظاهرهم يحضرون المسجد، ويسمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون ويستهزئون بدينهم، ويتسقطون الأخبار وينقلونها إلى الأعداء.
ولكن الله ﷾ كان لهم بالمرصاد، فما بيّتوا أمرا إلا أظهره الله وفضحهم. وما دبروا مكيدة إلا ردّ الله كيدهم في نحرهم، وأنزل في شأنهم معظم سورة التوبة، فما زال يقول فيها: ومنهم، ومنهم حتى أخزاهم وكشف عن نذلة نفوسهم، وايات كثيرة في سورة البقرة، وال عمران، والأحزاب وغيرها، حتى أنزل فيهم سورة بتمامها وهي: (المنافقون)، وكانت عاقبة أمرهم كفرا وذلة، وعاقبة أمر المؤمنين المخلصين عزا وسيادة، وسنبين موقف الإسلام منهم في فصول تأتي إن شاء الله.
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٣، ص ٢٤٠.
[ ٢ / ٤٤ ]
اليهود
لما قدم النبي ﷺ المدينة كان فيها من أحياء اليهود: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة، وكان نزوحهم إلى الحجاز أيام «بختنصّر» البابلي «١» الذي استولى على بلادهم بالشام، وهدم متعبداتهم، وخرب الهياكل للمرة الأولى، وأنزل العذاب بهم، وسبى الكثيرين منهم لما عتوا في الأرض فسادا واستكبارا.
ولعل هذا هو ما أراده الله ﷾ في قوله:
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا «٢» .
ففر بعضهم إلى بلاد الحجاز؛ فمنهم من سكن خيبر، ووادي القرى وتيماء، ومنهم من سكن بيثرب (أي المدينة) وذاك فيما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي «٣» وقيل: إن هجرتهم إلى بلاد الحجاز: خيبر وما جاورها، ويثرب وما قرب منها، إنما كان سنة سبعين ميلادية، حينما هجم «طيطوس» الروماني على بلادهم واستولى على أورشليم، وخرّب الهيكل للمرة الثانية، ونكّل بهم، وقتلهم، وأذلهم «٤» .
_________________
(١) وكان ذلك حوالي سنة ٥٨٦ ق. م.
(٢) سورة الإسراء: الايتان ٤، ٥.
(٣) البداية والنهاية، ج ٢، ص ٣٩.
(٤) الملل والنحل للأستاذ حامد عبد القادر، ص ٢٣ و٣٦.
[ ٢ / ٤٥ ]
ولعل هذا هو ما أشار الله إليه في قوله سبحانه:
فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا «١» .
وقد سكن بجوارهم من قديم الزمان قبيلتا الأوس والخزرج، وكان اليهود ذوي ثروة ومال وزروع، وإن لم يكونوا ذوي بأس وقوة كالأوس والخزرج، فمن ثمّ عاشوا كالأتباع لهم، مستذلين صاغرين، وكان اليهود أهل كتاب، ويعلمون صفات النبي في توراتهم، وكانوا يستفتحون على الأنصار قبل البعثة، بالنبي الذي سيبعث، وإنهم سيتبعونه ويأخذون بثأرهم منهم، فلما بعث النبي جحدوا رسالته وكفروا به عنادا وبغيا وحسدا للعرب.
وقد سجل الله ﷾ عليهم هذا في قوله:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «٢» .
وقال سبحانه:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ «٣» .
ولما كان اليهود يزعمون كذبا وزورا أنهم شعب الله المختار، وأن النبوة لن تكون إلا فيهم، فقد عادوا الإسلام ونبيه عداء حاقدا، ولم يسلم منهم
_________________
(١) سورة الإسراء: الايتان و٧ و٨.
(٢) سورة البقرة: الاية ٨٩.
(٣) سورة البقرة: الاية ١٤٦.
[ ٢ / ٤٦ ]
إلا القليل، أمثال عبد الله بن سلام؛ وأهله وعمته؛ ومخيريق الذي قال فيه النبي ﷺ: «مخيريق خير يهود» «١» قال ابن إسحاق في سيرته: وكان حبرا عالما، وكان رجلا غنيا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته؛ وما يجد في علمه، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم حق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم، فأموالي لمحمد ﷺ يصنع فيها ما أراد الله، فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله ﷺ يقول: «مخيريق خير يهود» وقبض رسول الله أمواله وتصدّق بها على المسلمين.
وقد نافق بعضهم وأظهر الإسلام خداعا ومضارة للمسلمين، كما قدّمنا، وأما الكثرة الكاثرة منهم فقد ناصبوا الإسلام وأهله العداوة، فمنهم حيي بن أخطب، وأخوه أبو ياسر، وسلّام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع الأعور تاجر أهل الحجاز، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وعمرو بن جحّاش، وكعب بن الأشرف، وشاس بن قيس، ومالك بن صيف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهوذا «٢»، وغيرهم.
وروى ابن إسحاق بسنده عن صفية بنت حيي قالت:
(لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني، ولم ألقهما في ولد لهما ولم أهشّ إليهما إلا أخذاني دونه. فلما قدم رسول الله ﷺ قباء قرية بني عمرو بن عوف- غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلّسين، فو الله ما جاانا إلا مع مغيب الشمس، فجاانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما نظر إليّ واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله!! قال
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٣٦، ٢٣٧؛ والإصابة في تاريخ الصحابة، ج ٣ ص ٣٩٣.
(٢) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٣٦ و٢٣٧.
[ ٢ / ٤٧ ]
تعرفه بنعته وصفته؟ قال: نعم والله!! قال: فماذا في نفسك منه؟ قال عداوته ما بقيت) .
وهذا يدل على مقدار ما كان يكنّونه للنبي والإسلام، وكان عاقبة حيي خسرا وخزيا، فقتل فيمن قتل يوم قريظة «١» .
وكذلك كانت عاقبة المكذّبين الحاقدين من اليهود، فمنهم من قتل، ومنهم من أجلي عن المدينة، ثم عن جزيرة العرب كلها، وأراح الله من شرورهم العباد والبلاد، وسنفصل ذلك حينما نعرض لمواقف الإسلام من بني إسرائيل.
_________________
(١) سيرة ابن هشام، ج ١ ص ٥١٨.
[ ٢ / ٤٨ ]
الإخاء بين المهاجرين والأنصار
ولما استقر المسلمون بالمدينة ألهم الله سبحانه نبيه محمدا بعمل يعتبر غاية في حسن السياسة وأصالة الرأي وبعد النظر، فقد عقد بين المهاجرين والأنصار أخوّة بها يتعاونون ويترافقون، ويتناصرون ويتوارثون. وقد اختلف العلماء في وقت هذه المؤاخاة، فقيل بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل بتسعة أشهر، وقيل وهو يا بني المسجد، وقيل قبل بنائه، والذي نرجحه أن ذلك كان بعد الهجرة بقليل، فإن الحال كانت تدعو إلى الإسراع بهذا الإخاء جمعا للشمل، وتوثيقا للعرى، وقطعا لدسائس الأعداء ولا سيما اليهود.
فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب أخوين، وأبو بكر وخارجة بن زيد أخوين، وعمر وعتبان بن مالك أخوين، وحمزة وزيد بن حارثة أخوين، وحاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، وابن مسعود ومعاذ بن جبل أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب الأنصاري أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعبّاد بن بشر أخوين، وبلال وأبو رويحة «١» أخوين، وأبو عبيدة بن الجراح وأبو طلحة الأنصاري أخوين، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخوين، وطلحة بن
_________________
(١) اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، روي أنه لما دوّن عمر الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهدا، فقال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة لا أفارقه أبدا، للأخوة التي كان رسول الله ﷺ عقدها بينه وبيني، فضم إليه.
[ ٢ / ٤٩ ]
عبيد الله وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبيّ بن كعب أخوين، وعمار وحذيفة بن اليمان حليف بني عبد الأشهل أخوين. وهكذا.
قال ابن سعد: اخى بين مائة، خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار، وليس معنى هذا أنه لم يكن التاخي إلا بين هذا العدد، وإنما كان هذا أول ما اخى، وصار يجددها بحسب من يأتي إلى المدينة مهاجرا، ومن دخل في الإسلام بعد ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه إليه أن الإمام محمد بن إسحاق وهم في بعض من ذكرهما أخوين، وذلك مثل عدّه جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، والمعروف الثابت أن جعفرا كان بالحبشة وقتها، ولم يقدم المدينة إلا عام خيبر سنة سبع، وعدّه أبا عبيدة وسعد بن معاذ أخوين، والصحيح ما ذكرته وهو ما رواه الإمامان أحمد ومسلم. وقد أجاب بعض العلماء عن بعض هذه الماخذ «١» .
وقد أنكر الإمام ابن تيمية المؤاخاة بين مهاجري ومهاجري، وقال إنها كانت بين مهاجري وأنصاري، وردّ عليه الحافظ ابن حجر في الفتح، قال الحافظ:
(وأنكر ابن تيمية في كتاب الردّ على ابن المطهّر الرافضي- يعني كتاب منهاج السنة- المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصا مؤاخاة النبي ﷺ لعلي، قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضا، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري.
وهذا رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فاخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا نظر إلى مؤاخاته ﷺ لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة لأن زيدا مولاهم، فقد ثبتت أخواتهما وهما من المهاجرين) «٢» .
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٢٧.
(٢) فتح الباري، ج ٧ ص ٢١٧.
[ ٢ / ٥٠ ]
ولم تكن هذه الأخوة أخوة إسلام وارتفاق فحسب، وإنما كانت أخوة بها يتوارثون، قال عز شأنه:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ «١»
وقد استمر الأمر على ذلك حتى عزّ الإسلام، واجتمع الشمل، وذهبت اثار الغربة من وحشة وحاجة، فنسخ الله حكم التوارث بهذه الأخوة بالحكم الثابت المستقر، وهو التوارث بالقرابة والرحم قال عز شأنه:
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا «٢» .
وقال:
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «٣» .
وقد كان لهذه الأخوة اثارها البعيدة في الحب والارتفاق، والتعاون والتناصر، وقاموا بحقوقها خير قيام، وضرب الأنصار في هذا مثلا عليا لم تعرف لغير هؤلاء السادة الأبرار، واعترافا بالفضل لأهله أرى لزاما علي أن أقول كلمة في فضائل الأنصار بعد قليل.
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ٧٢.
(٢) سورة الأحزاب: الاية ٦.
(٣) سورة الأنفال: الاية ٧٥.
[ ٢ / ٥١ ]
المؤاخاة بين المسلمين بمكة
ومما ينبغي أن يعلم أنه كانت هناك مؤاخاة قبل هذه المؤاخاة حدثت بين المسلمين بمكة، وهي تعتبر أول مؤاخاة في الإسلام، كان الغرض منها تقوية الأواصر والروابط بين المسلمين، وارتفاق الضعيف بالشريف، والفقير بالغني، ومن ليس من قريش بمن هو منهم، فالحكمة منها ظاهرة والغرض منها شريف.
قال الحافظ ابن حجر في: «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: (قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المسلمين وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار ) وهي التي كانت بالمدينة، وعني بذكرها كتّاب السير والمؤرخون.
ثم قال: (وقعت المؤاخاة الأولى كما أخرجها الحاكم من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر قال: واخى رسول الله ﷺ بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان) وذكر جماعة قال: (فقال علي: يا رسول الله، إنك اخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال: أنا أخوك) .
وقد ذكر الحافظ في الإصابة في ترجمة سيدنا بلال ﵁ أن النبي ﷺ اخى بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، فلعل مراد من قال ذلك المؤاخاة الأولى التي كانت بمكة، وإلا فالمعروف الثابت أن النبي اخى بين بلال وبين أبي رويحة الخثعمي ﵄.
[ ٢ / ٥٢ ]
ماثر الأنصار الخالدة
إن المتأمل فيما قام الأنصار ﵃ تجاه النبي ﷺ وإخوانه المهاجرين ليتعجب مما فعله هؤلاء القوم، ولو ذهب يتلمّس الأسباب، فلن يجد إلا سبب الأسباب، وهو أن ذلك كان بفضل الله ورحمته لا بصنع بشر وحكمته وسياسته، وصدق الله حيث يقول:
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ «١» .
فلم يلتق النبي ﷺ بالأنصار إلا في سويعات تحت جنح الليل، واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي ﷺ إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كون منهم رجالا، ولم يكن بين دخولهم في الإسلام وقيامهم بهذه الماثر إلا أقل من عام!! وقد سمعت فيما مضى طرفا من لقائهم للرسول وإكرام وفادته.
ولم يكن شعورهم تجاه إخوانهم المهاجرين بأقل من هذا، فقد فتحوا لهم قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم حتى لم يجدوا بدا في بعض الأحيان من تحكيم القرعة بينهم، وضربوا في باب الإيثار، وسخاء النفس، وكرم الطبع مثلا عليا لا تزال تذكرها لهم الأجيال المتعاقبة بالإكبار والإعظام.
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ٦٣.
[ ٢ / ٥٣ ]
روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ اخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فجاء سعد فعرض عليه أن يقاسمه ماله، وقال له: انظر أيّ زوجتيّ أحب إليك أتنازل لك عنها حتى إذا ما انتهت عدتها تزوجتها. فأبى عبد الرحمن وقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلّني على السوق، فدلّه على السوق، فباع وابتاع حتى صار له مال، وتزوج امرأة من الأنصار بوزن نواة من ذهب، فقال له النبي: «أولم ولو بشاة»» .
وهكذا ضرب سعد بن الربيع مثلا فريدا في الإيثار، وضرب عبد الرحمن بن عوف مثلا عاليا لعزة النفس والرغبة في العمل والاكتساب، وقد فتحت عليه الدنيا بعد، فما توفي إلا وهو أثرى الأثرياء.
وما سعد بن الربيع إلا صورة مشرقة ومثلا من أمثلة الأنصار الكرام.
ويبالغ الأنصار في الإيثار والعمل على مقتضى هذه الأخوة، فيأتون إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه فيقولون: (اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل) .
فيقول لهم النبي: «لا»، فقالوا لإخوانهم المهاجرين: تكفونا المؤونة- يعني السقي والعمل- ونشرككم في الثمرة، فقالوا: (سمعنا وأطعنا) رواه البخاري في صحيحه. وروى أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال: (دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين. فقالوا: إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها) قال: «إما لا «٢»، فاصبروا حتى تلقوني، إنه سيصيبكم بعدي أثرة» «٣» .
_________________
(١) صحيح البخاري باب: «كيف اخى النبي بين أصحابه» .
(٢) إمالا: هي إن الشرطية المدغمة في (ما) الزائدة، ولا نافية، وفعل الشرط محذوف تقديره: تقبلوا.
(٣) أثرة: على وزن قصبة أي استئثار بالأموال دونهم.
[ ٢ / ٥٤ ]
وكأن النبي ﷺ أراد أن يكافئهم على ما قدّموا له وللمهاجرين من برّ ومواساة وإيواء، ولكن القوم سموا وأبوا إلا أن يكون عملهم لوجه الله، لا يريدون من أحد عليه جزاء ولا شكورا.
وإن شئت في باب الإيثار أروع من ذلك وأعجب، فإليك ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئا من الغنيمة» فقالت الأنصار: «بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها» !! ذكره البغوي في تفسيره.
يا لله لهذه النفوس الكريمة الأبيّة، المؤثرة السخية!! لقد كان جزاؤهم من ربهم أن أنزل فيهم قرانا يتلى إلى يوم الدين، وصدق الله:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» .
وأن قال فيهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه مشيدا بمناقبهم وفضلهم «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» وأن جعل حبهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق فقال: «اية الإيمان حب الأنصار، واية النفاق بغض الأنصار» وقال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» . وأن أوصى بهم المسلمين بعده خيرا، فقد حدّث أنس بن مالك ﵁ فقال:
«مرّ أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون،
_________________
(١) سورة الحشر: الاية ٩.
[ ٢ / ٥٥ ]
فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي «١»، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» رواها البخاري «٢» .
_________________
(١) بطانتي وخاصتي، وموضع سري.
(٢) صحيح البخاري باب حب الأنصار من الإيمان وباب قول النبي فاقبلوا من محسنهم.
[ ٢ / ٥٦ ]
موادعة النبي اليهود
لئن كان النبي ﷺ بإخائه بين المهاجرين والأنصار بلغ الغاية في الحكمة والتدبير والسياسة، فقد كان العمل البارع حقا الذي يدل على الحنكة السياسية والقدرة الفائقة على حل المشاكل- هو ما قام به من موادعة اليهود ومحالفتهم، فقد كتب بين المهاجرين والأنصار كتابا وادع فيه اليهود وعاهداهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم، وهذا هو نص الكتاب:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي الأمي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس: المهاجرون من قريش على ربعتهم «١» يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار:
بني ساعدة، وبني جشم، وبني النجار، وبني عمرو بن عوف، وبني النبيت. إلى أن قال: وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا «٢» بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل، ولا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعهم، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر؛ ولا ينصر
_________________
(١) ربعتهم: جماعتهم.
(٢) المفرح المثقل بالدين الكثير العيال، قاله ابن هشام.
[ ٢ / ٥٧ ]
كافرا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وأن المؤمنين يبيء «١» بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه من اعتبط «٢» مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وامن بالله واليوم الاخر أن ينصر محدثا «٣» ولا يؤويه، وأنه من نصره أو اواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل «٤»، وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿، وإلى محمد ﷺ.
وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ «٥» إلا نفسه وأهل بيته. وأن ليهود بني النجار وبني الحارث، وبني ساعدة وبني جشم، وبني الأوس، وبني ثعلبة، وجفنة، وبني الشّطيبة «٦» مثل ما ليهود بني عوف، وأن بطانة يهود كأنفسهم. وأنه لا يخرج منهم أحد
_________________
(١) يبيء من البوء أي المساواة يريد أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض فيما ينال دماءهم.
(٢) يقال: اعتبطه أي قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله.
(٣) جانيا.
(٤) الصرف: التوبة، العدل: الفدية، أي لا يقبلان منه.
(٥) يوتغ: يهلك ويفسد.
(٦) في حياة محمد «لبني الشطبية» .
[ ٢ / ٥٨ ]
إلا بإذن محمد، ولا ينحجر «١» على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه إلا من ظلم، وأن الله على أثر «٢» هذا.
وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه؛ وأن النصر للمظلوم؛ وأن يثرب حرام جرفها «٣» لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا اثم. وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وأن الله على أتقى «٤» ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو اثم، وأنه من خرج امن ومن قعد امن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم. وأن الله جار لمن بر واتقى» .
هذه هي الوثيقة التي وضعها نبينا محمد ﷺ منذ قرابة أربعة عشر قرنا؛ وهي وثيقة جديرة بالإعجاب حقا، وثّق فيها ما بين المهاجرين والأنصار من إخاء وحلف، وقرّر فيها حرية العقيدة لغير المسلمين، وحرية الرأي، وحرمة المدينة، وحرمة الحياة، وحرمة المال، وبذلك سبق النبي ﷺ إلى تقرير حقوق الإنسان من هذا الزمن البعيد. وقرر فيها أيضا تحريم الجريمة والإثم والغدر والخديعة، وهي فتح جديد حقا في الحياة السياسية والمدنية في هذا العالم يومئذ، هذا العالم
_________________
(١) يعني لا يلتئم جرح على ثأر.
(٢) في حياة محمد «على أبر» .
(٣) الجرف: موضع قريب من المدينة. وفي ابن هشام «جوفها» .
(٤) في حياة محمد «على أتق» .
[ ٢ / ٥٩ ]
الذي كان تغلب عليه روح الاستبداد، وتعبث فيه يد الظلم فسادا، ولا تراعى فيه الحقوق والحرمات.
وبمقتضى هذه الوثيقة أصبحت المدينة حرما امنا، وأصبح كلّ من المسلمين واليهود في أمن من جانب الاخر، وأصبح اليهود ملزمين بمعاونة المسلمين إذا ما دهم المدينة عدو، وبعدم مساعدة المشركين ومناصرتهم ضدهم.
ولقد وفى النبي والمسلمون بكل الالتزامات التي أوجبتها هذه الوثيقة عليهم، على حين لم يف بما فيها اليهود، ولما عادوا إلى طبيعتهم من الدس والوقيعة والخداع، فحاولوا الوقيعة بين الأوس والخزرج، وهمّوا بقتل النبي، واستباحوا حرمات المسلمين فكانت عاقبة أمرهم ذلا.
[ ٢ / ٦٠ ]
بناء النبي بعائشة
وفي شوّال من السنة الأولى دخل النبي ﷺ بزوجه عائشة، وكان خطبها من أبيها الصدّيق وهي بنت ست وقيل سبع سنين، وبنى بها بعد الهجرة وهي بنت تسع، وكانت نامية نموا حسنا، ولم يتزوج النبي ﷺ بكرا غيرها، وقد أراه جبريل صورتها في قطعة من حرير خضراء قبل أن يخطبها.
روى البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها:
«أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه» ولما خطبها النبي من أبيها قال: إنما أنا أخوك، فقال النبي ﷺ: «أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال» رواه البخاري.
وقد دخل بها النبي ﷺ وهي فتاة حديثة السن تلهو مع صويحباتها، وتلعب بالأرجوحة والعرائس كما هو شأن الفتيات الصغار، وكثيرا ما كان الرسول يدخل عليها وهي معهن، فيرفق بها، ويفسح لها من صدره.
وقد تربت في منزل الوحي، فنشأت متخلّقة بأحسن الأخلاق، متطبعة بما يوافق هوى النبي ﷺ، فلا عجب أن كانت أحب نسائه إليه، واثرهن عنده، وكانت تكنى بأم عبد الله، قيل لسقط ولدته، وقيل باسم ابن اختها أسماء عبد الله بن الزبير، وهو الصحيح.
وكانت عاقلة عالمة، روت عن النبي وعن أبيها وغيره من الصحابة، وروى عنها كثير من الصحابة والتابعين، وعنها أخذ الكثير من أحكام الشريعة،
[ ٢ / ٦١ ]
ولا سيما ما كان يصنعه النبي في بيته، ومع زوجاته. قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ أمر قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما.
ولما مرض النبي استأذن نساءه كي يمرض في بيتها، فقامت عليه حتى توفي ﷺ بين سحرها «١» ونحرها، وقد ألقى برأسه على صدرها، فرضي الله عنها وأرضاها.
_________________
(١) السحر: الرئة فقد توفي النبي ورأسه على صدرها.
[ ٢ / ٦٢ ]
مشروعية الأذان
لقد فرض الله سبحانه الصلوات الخمس على الأمة قبل الهجرة ليلة الإسراء والمعراج. فكانوا يصلّون ولا يؤذّون، لأن الظروف المحيطة بهم في مكة ما كانت تسمح بالدعوة إليها، والإعلان عنها. واستمر الحال على ذلك إلى ما بعد الهجرة، فلما اطمأن الرسول وأصحابه بالمدينة، واستحكم أمر الإسلام، وبدأ تشريع الأحكام، وأصبحوا على حال تؤهلهم لإظهار شعائر الإسلام، فكّر النبي والمسلمون في وسيلة للإعلان عن الصلاة، وتشاوروا في ذلك.
روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: قم يا بلال فناد بالصلاة) وكان هذا النداء بلفظ: «الصلاة جامعة» «١»، رواه ابن سعد في الطبقات من مراسيل سعيد بن المسيب. وليس المراد بالنداء الأذان الشرعي المعهود.
فبينما هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه من يلقّنه الأذان، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «إنها لرؤيا حق» وأقره على ذلك وقال له: «ألقها على بلال فإنه أندى صوتا منك» فلما سمع الفاروق عمر رضي
_________________
(١) بنصب الصلاة على الإغراء، وجامعة على الحال أي احضروا الصلاة حالة كونها جامعة، وقيل بالرفع مبتدأ وخبر أي ذات جماعة.
[ ٢ / ٦٣ ]
الله تعالى عنه جاء- وهو يجر رداءه- إلى النبي ﷺ، فقال: يا نبي الله لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال الرسول: «فلله الحمد» .
وإليك ما رواه ابن إسحاق في سيرته عن عبد الله بن زيد قال:
«كان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهمّ رسول الله أن يجعل بوقا مثل بوق اليهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس ليضرب به للمسلمين للصلاة «١»، فبينما هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه النداء، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنه طاف بي الليلة طائف: مرّ بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت:
يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت وما هو؟ قال تقول: «الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر. أشهد ألاإله إلا الله. أشهد ألاإله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حيّ على الصلاة. حيّ على الصلاة. حيّ على الفلاح. حيّ على الفلاح. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله» .
فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، قم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها، فإنه أندى صوتا منك» . فلما أذّن بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله ﷺ يجر رداءه وهو يقول:
يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله ﷺ: «فلله الحمد» .
_________________
(١) في بعض الروايات الحديثية أنهم كرهوا ذلك أيضا، وإنما كرهوا هذا وذاك لأنهم يعتبرون أن لهم شخصية مستقلة تنأى بهم عن التقليد والمحاكاة لغيرهم، ولا سيما اليهود والنصارى، وهكذا ينبغي أن تكون شخصية المسلم تؤثر ولا تتأثر، وتبدع ولا تقلد، وقد بينت رواية ابن سعد في الطبقات الحلقة المفقودة في رواية ابن إسحاق وهي نداؤهم بلفظ «الصلاة جامعة» .
[ ٢ / ٦٤ ]
وقد روى هذه القصة أيضا أبو داود والترمذي وصحّحه وابن ماجه، وابن خزيمة وصحّحه.
ولا يظن ظان أن الأذان شرع بالرؤيا فحسب، وإنما شرع بالوحي أيضا، وقد توافقا بدليل قوله ﷺ: «إنها لرؤيا حق» وفي رواية ابن جريج التي ذكرها ابن هشام في سيرته أن عمر لما جاء إلى النبي يخبره بما رأى قال له: «قد سبقك بذلك الوحي» وأيضا فتقرير النبي لأحد على شيء أحد وجوه السنن المعروفة «١» .
وقد ذكر السهيلي حديثا يفيد مشروعية الأذان ليلة الإسراء والمعراج، ثم قال: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء، وقد ردّ عليه الحافظ ابن كثير فيما زعم حيث قال: (فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح؛ بل هو منكر تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود، الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين بالكذب، ثم لو كان قد سمعه رسول الله ﷺ ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة) . وكل ما روي من روايات تدل على مشروعيته قبل الهجرة هي ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها كما نبه إلى ذلك الحافظ الكبير ابن حجر في الفتح.
وكان بلال بن رباح هو مؤذن «٢» رسول الله ﷺ، مع وجود مساعدين له في بعض الأحيان، وكان بلال يزيد في أذان الفجر بعد حي على الفلاح الثانية:
(الصلاة خير من النوم) مرتين، وأقره النبي على ذلك.
والأذان شعيرة من شعائر الإسلام، فلا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد
_________________
(١) فتح الباري، ج ٢ ص ٦٤ والبداية والنهاية، ج ٢ ص ٢٢١- ٢٢٣.
(٢) والحكمة في تخصيص بلال بالأذان حسن صوته ونداوته وقوته، وأيضا فقد كان ذلك مكافأة على ما لقي في الله، لقد كان إذا اشتد به التعذيب لا يفتر عن قوله: «أحد أحد» فجوزي بالأذان الذي أوله تعظيم وتوحيد، واخره تعظيم وتوحيد.
[ ٢ / ٦٥ ]
أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه، وأقوى ما يستدل به على هذا ما رواه البخاري ومسلم- واللفظ لمسلم- عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، كان يستمع الأذان، فإذا سمع أذانا أمسك وإلا أغار) .
[ ٢ / ٦٦ ]
السّنة الأولى من الهجرة
السرايا في السنة الأولى
كانت عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتشتري، ويسمّى الركب السائر بهذه التجارة عيرا، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف قريش وسراتهم، وكانت طريقهم إلى الشام تمر على دار الهجرة، فرأى النبي ﷺ أن يقطع عليهم طريقهم، ويصادر تجارتهم ذاهبة وايبة، ليكون في ذلك عقاب لهم على إخراجهم لهم من ديارهم، وما أخذوه من أموالهم، وإضعاف لقوتهم، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان القتال الذي لابدّ أن يكون، فما كانت قريش لتدع النبي يبلّغ الإسلام لمن أمره الله بتبليغه إليهم من الناس كافة، وكان النبي يترقب أن يؤذن الله له ولأصحابه في القتال وهذه هي السرايا «١» .
سرية حمزة بن عبد المطلب
في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة أرسل النبي ﷺ عمه حمزة في ثلاثين راكبا من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله أبو مرثد الغنوي، وأمره أن يعترض عيرا لقريش راجعة من الشام، فيها أبو جهل وثلاثمائة من المشركين، فسار حمزة ﵁ ومن معه حتى وصلوا ساحل البحر، فصادف العير هناك، فلما تصافوا للقتال حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، فأطاعه الفريقان وانصرفوا.
_________________
(١) السرية: الفرقة من الجيش التي لم يخرج فيها رسول الله؛ أما ما يخرج فيها الرسول فهي غزوة.
[ ٢ / ٦٧ ]
سرية عبيدة بن الحارث
وفي شوال من هذه السنة أرسل النبي عبيدة بن الحارث بن المطلب في ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، وأمرهم أن يعترضوا عيرا لقريش، فوافوا العير ببطن رابغ قرب «العيص»، وكان على العير أبو سفيان بن حرب في مائتي رجل من قريش، فكان بينهم الرمي بالنبال، ثم خشي المشركون أن يكون للمسلمين كمين فتقهقروا ولم يتابعهم المسلمون، وفر من القرشيين المقداد بن الأسود وعتبة بن غزوان، وكانا قد أسلما قديما فانتهزا الفرصة ولحقا بالمسلمين.
وفي هذه السرية أطلق أول سهم في الإسلام، وكان الذي أطلقه عبيدة بن الحارث وقيل سعد بن أبي وقاص.
سرية سعد بن أبي وقاص
وفي اخر شوال من هذه السنة خرجت سرية ثالثة عدتها عشرون من المهاجرين، وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص، فكانوا يكمنون النهار ويسيرون الليل، حتى وصلوا صبح اليوم الخامس إلى «الخرّار» «١»، وكان رسول الله ﷺ قد عهد إليهم ألايجاوزوا هذا المكان، فلما وصلوا علموا أن العير قد مرت بالمكان في اليوم السابق، فعادوا دون أن يلقوا أحدا.
وقد ذكر الواقدي أن هذه السرايا كانت في السنة الأولى، وكلام ابن إسحاق في سيرته يميل إلى أنها في السنة الثانية، ورجّح ابن كثير الرأي الأول، قال: (والواقدي عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالبا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار) «٢» .
_________________
(١) موضع قرب الجحفة.
(٢) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٣٤.
[ ٢ / ٦٨ ]
رأينا في هذه السرايا
والذي نراه في هذه السرايا التي وقعت في السنة الأولى أنها كانت لمعاقبة المشركين، والحصول على ما يمكن الحصول عليه من تجاراتهم، نظير ما أخذوا من أموالهم وما ظلموهم، ولإضعاف شوكتهم، فإن المال عصب الحياة.
وأيضا فقد قصد بها إفهام قريش أن مصلحتهم تقتضيهم التفاهم مع المسلمين من أهليهم- الذين اضطروا إلى الفرار من مكة بسبب ما عانوا من الاضطهاد والإيذاء- تفاهما يقي الطرفين شرور العداوة والبغضاء، ويكفل للمسلمين حرية الدعوة إلى دينهم، وحرية الإعلان عن عقيدتهم، وحرية الدخول إلى الحرم لتأدية شعائرهم، كما يكفل لأهل مكة سلامة تجارتهم في طريقها إلى الشام، ولم يكن مثل هذا التفاهم ممكنا ما لم تقدّر قريش قوة المهاجرين من أبنائها على الإيقاع بها، وإيصاد طرق التجارة في وجهها.
ولا أرى أنها كانت للحرب، فقد كان القتال لم يشرع بعد، وذلك على حسب ما ترجّح في نظري من أن مشروعية القتال كانت في أوائل السنة الثانية على ما سأذكر، لأن الأعداد التي كان فيها المسلمون في سراياهم تلك لم تكن متكافئة مع أعداد المشركين، ولم تنقل الروايات أن النبي كان يوجههم للقتال، وإنما للقاء العير واعتراضها، وإن كان الاعتراض لا يسلم من المناوشة.
وقد رأى هذا الرأي من قبل الدكتور محمد حسين هيكل رحمه الله تعالى «١»، وإن كنت أخالفه في اعتبار الغزوات التي كانت في السنة الثانية قبيل بدر من هذا القبيل، فاحتمال القتال فيها أمر راجح، ولا سيما وقد أصبح الجهاد مشروعا للمسلمين.
مزاعم المستشرقين في هذه السرايا
زعم بعض المستشرقين أن هذه السرايا الأولى إنما كان يقصد بها إلى نهب تجارة القوافل، فإن النهب كان بعض طباع أهل البادية، وأن أهل المدينة
_________________
(١) حياة محمد، ص ٢٣٩- ٢٤٠.
[ ٢ / ٦٩ ]
إنما أغرتهم الغنيمة والسلب باتباع محمد على خلاف عهداهم في العقبة، وهذا زعم ليس له ما يؤيده، ويرد عليه الواقع، وسأدع الدكتور محمد حسين هيكل يرد عليهم قال ﵀:
(وهذا كلام مردود، لأن أهل المدينة كأهل مكة لم يكونوا أهل بادية يعيشون على السلب والنهب، وأنهم فوق ذلك، كان في طبعهم ما في طبع من يعيشون على الزراعة من حب الاستقرار، ممّا يجعلهم لا يتحركون إلى قتال إلا لدافع قوي.
أما المهاجرون فكان من حقهم أن يستخلصوا من أيدي قريش ما أخذ من أموالهم، لكنهم لم يستعجلوا ذلك قبل بدر، فلم يكن هو الدافع للسرايا في الغزوات الأولى، ثم إن القتال لم يشرع في الإسلام ولم يقم (سيدنا) محمد وأصحابه لهذه الغاية البدوية التي يتوهّم المستشرقون، وإنما شرع وقام به (سيدنا) محمد وأصحابه حتى لا يفتنهم عن دينهم أحد، وحتى يكون لهم من حرية الدعوة له ما يشاؤون) «١» .
_________________
(١) حياة محمد، ص ١٤٢.
[ ٢ / ٧٠ ]
أحداث هذا العام
مواليد
وفي شوال من هذه السنة ولد عبد الله بن الزبير، فكان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، ولما ولدته السيدة أسماء بنت الصديق كبّر المسلمون تكبيرة كبيرة عظيمة فرحا بمولده، لأنه كان قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، ومع أن المسلمين ما كانوا يلقون بالا لهذه الترهات التي كذبها الواقع الذي لا مراء فيه، ولما ولدته جاءت به إلى رسول الله ﷺ، فوضعه في حجره، ثم حنّكه بتمرة، ثم دعا له، وبرّك عليه، وكان أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة النعمان بن بشير.
وفيات
في هذه السنة توفي كلثوم بن الهدم الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف، وقد ذكر الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه، أنه أول من توفي بعد قدوم النبي ﷺ بيسير، وكان شيخا كبيرا أسلم قبل مقدم النبي، ولما هاجر النبي ونزل بقباء نزل في بيته، فكان ينام عنده ليلا، ويكون مع أصحابه في النهار في منزل سعد بن خيثمة، لأنه كان أعزب لا أهل له، وقيل: إنه مات قبل بدر بيسير.
وتوفي أيضا أبو أمامة أسعد بن زرارة النجاري الخزرجي، أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة على قومه بني النجار، وشهد العقبتين، وهو أول من أسلم من الخزرج، وأول من صلّى الجمعة بالمدينة قبل هجرة الرسول ﷺ، وقد مات بالذبحة أو الشرقة والمسلمون يبنون المسجد النبوي.
[ ٢ / ٧١ ]
ولما توفي سأل بنو النجار رسول الله أن يقيم لهم نقيبا فقال: «أنتم أخوالي وأنا بما فيكم، وأنا نقيبكم» «١»، وكره أن يخص بعضهم دون بعض، فكان من فضل بني النجار على قومهم أن رسول الله كان نقيبهم، وقد كان هذا تصرفا حكيما من رسول الله، فقد كان المتطلعون إليها كثيرين، وبحسبهم شرفا أن يكون رسول الله ﷺ نقيبهم.
_________________
(١) البداية والنهاية: ج ٣ ص ٢٢٩.
[ ٢ / ٧٢ ]
السّنة الثّانية من الهجرة
تشريع الجهاد «١» في الإسلام
لقد مكث النبي ﷺ ثلاثة عشر عاما بمكة وهو يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد حارب أهل مكة الدعوة الإسلامية حربا لا هوادة فيها، واذوا النبي وأصحابه إيذاء تجاوز كل معاني الإنسانية، ومع هذا كان المسلمون يزدادون عددا وصلابة وقوة في التمسك بدينهم، وكان الله ﷾ ينزل على نبيه من الايات ما يقوّيه ويثبته على الصبر، وذلك مثل قوله سبحانه:
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ «٢» .
وقوله:
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٣» .
_________________
(١) الجهاد بكسر الجيم: أصله لغة: المشقة، يقال جاهدت جهادا بلغ المشقة، وشرعا: بذل الجهد في قتال الكفار وإعلاء كلمة الله، ويكون بالنفس والمال أو اللسان والقلب، وهو المراد هنا، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس، والشيطان، والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الفساق فباليد، ثم اللسان، ثم بالقلب، وهو أضعف ثمرات الإيمان.
(٢) سورة النحل: الاية ١٢٧.
(٣) سورة الشورى: الاية ٤٣.
[ ٢ / ٧٣ ]
وقوله:
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» .
وقوله:
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا «٢» .
وكان المسلمون كثيرا ما يأتون إلى النبي ﷺ ما بين مضروب ومشجوج ومعذّب، شاكين إليه، فيثبتهم ويضرب لهم الأمثال والعظات ويقول لهم:
«اصبروا فإني لم أومر بقتال»، حتى هاجر النبي والمسلمون إلى المدينة، وتاخوا هم والأنصار، وأصبح لهم كيان وسلطان، وأضحوا ذوي عدد وقوة، فلم يكن بدّ من أن يأذن الله لهم في القتال.
وأما ما ذكره ابن إسحاق في سيرته من أن الجهاد شرع قبل الهجرة فمن أوهامه.
أول ما نزل في القتال
وكانت أول اية نزلت فيه هي قوله تعالى:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ «٣» يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «٤» .
_________________
(١) سورة الأحقاف: الاية ٣٥.
(٢) سورة المزمل: الاية ١٠.
(٣) الصوامع للرهبان، والبيع متعبدات اليهود والنصارى وهي الكنائس، والصلوات متعبدات النصارى أيضا، والمساجد: متعبدات المسلمين.
(٤) سورة الحج: الايات ٣٩- ٤١.
[ ٢ / ٧٤ ]
والإذن لا يكون إلا بعد منع، فأسلوب الايات يشعر بأنها أول ما نزل، هذا إلى ما روى الحاكم في المستدرك عن حبر القران ابن عباس، أنها أول ما نزل في القتال، ورواه عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية- وهو من التابعين- أن أول اية نزلت فيه قوله تعالى:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ «١» .
ويرى البعض أن أول ما نزل هو قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «٢» .
والذي نرجّحه هو الأول، وهو الذي يؤيده العقل والنقل، أما الاية الثانية فهي إلى تنظيم شؤون القتال أقرب، والتنظيم إنما يكون بعد الإذن، وأما الاية الثالثة فهي إلى الحثّ والترغيب في الجهاد أقرب.
متى شرع الجهاد؟
والذي يترجح عندي بعد النظر والبحث أن يكون تشريع الجهاد في أوائل السنة الثانية للهجرة، وذلك لأن المسلمين في السنة الأولى كانوا مشتغلين بتنظيم أحوالهم الدينية والدنيوية، كبنائهم المسجد النبوي، وأمور معايشهم، وطرق اكتسابهم، وتنظيم أحوالهم السياسية: كعقد التاخي بينهم، وموادعتهم اليهود
_________________
(١) سورة البقرة: الاية ١٩٠.
(٢) سورة التوبة: الاية ١١١.
[ ٢ / ٧٥ ]
المساكنين لهم في المدينة، كي يأمنوا شرورهم، ولا يقال: إن النبي أرسل سرايا في السنة الأولى، لأنها في نظرنا كانت للمناوشات وإرغامهم على أن يفكروا جديا في تغيير خطتهم تجاه المسلمين، وتركهم يبلّغون دين ربهم وهم امنون مطمئنون.
لم شرع الجهاد في الإسلام؟
لقد تضمنت ايات سورة الحج المذكورة انفا الأسباب والأغراض التي اقتضت تشريع الجهاد، ولن أخرج في بيان ذلك عن منطق الاية وفحواها، حتى يكون في هذا إلقام الحجر لمن يتقوّل على الإسلام، ومن هذه الايات نستخلص الأسباب والحكم الاتية:
١- تأمين دعوة الإسلام، الدين العام الخالد، الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء، ومساندة هذه الدعوة التحريرية الكبرى، حتى يتمكن النبي من تبليغ رسالة ربه حسبما صدع به الوحي في قوله:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ «١» .
وقوله:
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ «٢» .
وتأمين المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام عن رضا واطمئنان، وحمايتهم من أذى المشركين، ومنحهم حقهم في الإعلان عن عقيدتهم وهم امنون، وليس من الحق والعدل أن يدافع أصحاب المذاهب الباطلة عن باطلهم بالقوة، وأن يترك أصحاب العقائد الصحيحة والشريعة السمحة من غير أن يؤذن لهم في الدفاع عن عقيدتهم ودينهم، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وأي
_________________
(١) سورة المائدة: الاية ٦٧.
(٢) سورة الأنعام: الاية ١٩.
[ ٢ / ٧٦ ]
ظلم أظلم من ألايجد الهداة والمصلحون متنفسا لدعواتهم في أرض الله الواسعة؟ ومن أن يحجر عليهم فلا يستطيعون الإعلان عن عقائدهم، ولا إظهار شعائرهم؟ والمظلوم إن لم يجد النصر من أهل الأرض فسيجده لا محالة من السماء، وصدق الله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.
٢- الانتصاف للمظلوم من الظالم، والانتصار للنفس، فها هم المشركون قد اذوا المسلمين، وحاولوا ما وسعهم الجهد أن يفتنوهم عن دينهم، فلما لم يفلحوا أخرجوهم من ديارهم وأهليهم وأموالهم. والانتصار للنفس أمر فطري، وحق من حقوق الإنسان، قررته الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، وقد قرر الله هذه الحقيقة الإنسانية في قوله سبحانه:
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» .
وقد أمر الله المسلمين بالصبر على أذى المشركين والتسامح معهم طوال العهد المكي وأوائل العهد المدني؛ عسى أن يرعووا، ولكنهم لم يزدادوا إلا بطرا وظلما واستعلاء في الأرض، فأما إذا لم تفلح معهم سياسة المهادنة والتسامح، فلتقابل القوة بالقوة، والسلاح بالسلاح، وإلّا صار السكوت والإغضاء عجزا وضعفا ومهانة.
وليس من العدل والحق أن يترك المشركون يمرحون في الأرض، ويجوبون الجزيرة من الجنوب إلى الشمال، ولا يؤذن للمسلمين في محاربتهم من جنس ما حاربوهم به، وأن يقطعوا عليهم تجارتهم، ويأخذوا منها ما تصل إليه أيديهم نظير ما اغتصبوا من أموالهم، وأن يضيّقوا عليهم مثل ما ضيقوا عليهم، وصدق الله حيث يقول:
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «٢» .
_________________
(١) سورة الشورى: الايتان ٤١، ٤٢.
(٢) سورة الشورى: الايتان ٣٩، ٤٠.
[ ٢ / ٧٧ ]
وقد أشار الحق ﵎ إلى هذا بقوله:
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ «١» .
٣- إن في تشريع الجهاد نشر للسلام والأمان في الأرض، وتأمين كل ذي دين على دينه، واحترام مقدسات الأديان في الأرض. والإسلام هو الدين الذي ألزم معتنقيه بالإيمان بجميع رسل الله، وجميع كتبه المنزلة من عنده، وإذا كان اعتبر القران هو الشاهد والمهيمن على الكتب السماوية كلها، فلأنه هو الكتاب الذي سلم من التحريف والتبديل، لأنه نقل بأقوى طرق النقل والإثبات، وهو التواتر المفيد للقطع واليقين.
فالمسلمون حينما تكون لهم السلطة والغلبة في الأرض فلا خشية على أهل الأديان الاخرى منهم، لأن لهم من وصايا دينهم ما يعصمهم من الظلم والجور والتعنت، ولا كذلك الحال لو ساد غيرهم، وهذا ما صدقه الواقع والتاريخ الصادق، فحينما كان السلطان للمسلمين في الأرض، لم يضارّ أحد من أهل الذمة في دينه، ولا في دنياه، ولا في نفس ولا عرض ولا مال، فلما ذهبت ريحهم، وغلبوا على أمرهم، ذاقوا من أعدائهم ألوان العذاب من تقتيل وتخريب وانتهاك للحرمات.
وليس أدل على ذلك من أن الإسلام قبل من أهل الكتاب إما أن يسلموا، وإما أن يبقوا على دينهم ويدفعوا الجزية، وهي ليست للإكراه على الدخول في الإسلام أو المضايقة، ولكنها نظير ما تقوم به الدولة الإسلامية من رعاية وحماية لأهل الأديان الاخرى، وما تؤديه لهم من خدمات اجتماعية واقتصادية، وقد أشار الله سبحانه إلى هذا الغرض النبيل في قوله سبحانه:
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ
_________________
(١) سورة الحج: الاية ٤٠.
[ ٢ / ٧٨ ]
وَمَساجِدُ «١» يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» .
٤- إن الإسلام بما خصه الله به من عموم الدعوة للناس أجمعين، وبما جاء به من عقائد وتشريعات واداب، أكسبته الصلاحية لكل زمان ومكان، وهو الحقيق بأن يسود في الأرض، والمسلمون المتمسكون به هم الأحق بالسيادة والاستخلاف في الأرض، لأنهم هم الذين ينشرون فيها الهدى والحق والعدل والرحمة والبرّ والخير، وهم يأمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، وهما أساس كل خير وإصلاح، وليس من شك في أن هذا يتطلب الجهاد والكفاح وبذل النفس والمال في سبيل هذه الغاية الشريفة.
وقد أشار الله إلى هذا في قوله:
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «٢» .
وقد أشار الله سبحانه بهذه الأصول إلى ما عداها، فالصلاة رأس العبادات البدنية التي تزكّي النفس، وتحسّن علاقة المخلوق بالخالق، والإنسان بأخيه الإنسان. والزكاة رأس العبادات المالية التي تقيم المجتمع على أساس من التعاون والتكافل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساس كل خير ديني أو دنيوي، وهما دعامتا كل إصلاح، ودرء كل شر وفساد في الأرض.
حكم الجهاد في الإسلام
الجهاد في الإسلام من الفروض الكفائية عند جمهور أهل العلم من السلف والخلف، ومعنى هذا أنه إذا قام به من يكفي في دفع غائلة الأعداء ونصر الإسلام سقط عن الباقين، ولا يكونون اثمين، وإن لم يقم به من يكفي
_________________
(١) سورة الحج: الاية ٤٠.
(٢) سورة الحج: الاية ٤١.
[ ٢ / ٧٩ ]
أثمت الأمة كلها، ولا يرتفع هذا الإثم إلا بخروج من فيهم الكفاية، ولو أدّى ذلك إلى تجنيد الجميع.
والدليل على هذا قول الله تعالى:
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ «١» .
ويصير الجهاد فرض عين في أحوال ثلاثة:
الأولى: إذا التقى الجيشان وتقابل الصفّان، تعيّن الجهاد على من حضر، وحرم عليه الفرار، إلا أن يكون ذلك لمكيدة أو خدعة حربية، أو لأخذ مكان أفضل وأحسن، أو للانحياز إلى فئة أخرى من الجيش. قال جل شأنه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٢» .
وقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ.
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ «٣» .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم، أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: ما هنّ يا رسول الله؟ قال: «الشرك
_________________
(١) سورة التوبة: الاية ١٢٢. يعني ما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد جميعا بل لتنفر طائفة، ولتقم طائفة مع النبي ليتفقهوا في الدين ويتلقوا القران حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع، وما تجدد نزوله على النبي ﷺ من القران وما سمعوه من الحديث.
(٢) سورة الأنفال: الاية ٤٥.
(٣) سورة الأنفال: الايتان ١٥، ١٦.
[ ٢ / ٨٠ ]
بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
والفرار كبيرة مهما كان عدد الأعداء، وإلى هذا ذهب بعض العلماء.
ومنهم من يرى ذلك إذا لم يزد الأعداء عن ضعف عدد المسلمين، فإن زادوا فلا، وذلك لقوله تعالى:
الْآنَ خَفَّفَ «١» اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «٢» .
والرأي الأول هو الذي يؤيده ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من الثبات والصبر، وعدم الفرار مهما بلغ جنود الأعداء، فقد صمد المسلمون في «مؤتة» وهم ثلاثة الاف أمام مائتي ألف من الروم، وأحلافهم من العرب من لخم وجذام، ولم يروا الفرار.
وليس من الفرار ما يراه قائد الجيش من الانسحاب الكلي أو الجزئي، حتى لا يحاط به أو يفنى الجيش عن اخره أو لتنظيمه، وإنما ذلك داخل في قوله سبحانه: إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ، وذلك كما حدث من سيف الله خالد بن الوليد في «مؤتة»، ولذلك لما عيّر أهل المدينة الجيش بقولهم لهم:
يا فرّار، قال النبي ﷺ مدافعا عنهم: «بل هم الكرّار» !!
الثانية: إذا هاجم الكفار بلدا من بلاد الإسلام أو نزلوا فيه تعين على أهله قتالهم ودفعهم بما استطاعوا، ووجب على إخوانهم المسلمين في كل قطر وبلد أن يخفوا إليهم بالعون والمساعدة أداء لحق الأخوة الإسلامية، ففي
_________________
(١) وقد كان في أول الأمر يجب الثبات إذا لم يزد جيش الأعداء عن عشرة أضعاف جيش المسلمين.
(٢) سورة الأنفال: الاية ٦٦.
[ ٢ / ٨١ ]
الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله»، وفي رواية أخرى للبخاري: «ولا يسلمه» أي لا يخذله إذا استنصر به، ولا يسلمه أو يتركه لأعدائه ينالون منه.
الثالثة: إذا استنفر ولي الأمر- خليفة أو ملكا أو رئيسا- قوما أو أقواما لزمهم الخروج، وتعيّن عليهم الجهاد، وذلك لقول الحق ﵎:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١» .
وفي الحديث الصحيح المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . وفي معنى الاستنفار العام إعلان التعبئة العامة في العرف الحديث ودعوة الأمة للجهاد، وقد يكون الاستنفار خاصا بفئة، فيكون تعبئة جزئية.
من يرى أن الجهاد فرض عين
ومن السلف الصالح من كان يرى أن الجهاد فرض عين على أي حال وفي جميع الأزمان، ويستدلون بقول الحق ﵎:
انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٢»
أي شبابا وشيبا، ورجالا وركبانا، وأغنياء، وفقراء، وأقوياء وضعفاء.
_________________
(١) سورة التوبة: الايتان ٣٨، ٣٩.
(٢) سورة التوبة: الاية ٤١.
[ ٢ / ٨٢ ]
مثل عليا للحرص على الجهاد
وممن كان يرى هذا الرأي السادة الأخيار: أبو أيوب الأنصاري، وأبو طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود من الصحابة، وسعيد بن المسيّب من التابعين. وقد كان أبو أيوب يستدل بالاية السابقة، وكان يرى أن الرغبة عن الجهاد والاشتغال بالأهل والمال إلقاء بالنفس إلى التهلكة، مستدلا بقول الله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ «١» .
وقد لزم ﵁ الجهاد في حياة الرسول وبعده، ولم يتخلّف عن غزوة قط، ولما حدثت الفتنة بين علي ومعاوية انحاز إلى جانب علي، وشهد معه قتال الخوارج، ولما أرسل معاوية ابنه يزيد على رأس جيش لغزو القسطنطينية تحرج في أول الأمر أن يخرج في جيش تحت إمرة يزيد، ولكن نفسه التواقة للجهاد نازعته إليه وقال: (ما ضرني من استعمل على الجيش)، فلحق بهم وأبلى بلاء حسنا، ثم مرض فعاده يزيد فقال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي إذا أنا متّ، فاركب بي ما وجدت مساغا في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني ثم ارجع، فلما توفي صلّى عليه يزيد والمسلمون، وفعلوا به ما أوصى به، فدفن بجوار أسوار القسطنطينية شاهدا على لون رائع من ألوان البطولة الإسلامية الفذّة، وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين، فرضي الله عنه وأرضاه.
وروي أن أبا طلحة الأنصاري صاحب رسول الله وأحد الذين أحاطوا بالنبي يوم أحد، قرأ سورة التوبة وهو شيخ كبير، فأتى على هذه الاية: انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا..، فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا جهزوني يا بنيّ، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى، فركب البحر غازيا، فمات، فلم يجدوا جزيرة يدفنونه بها إلا بعد تسعة أيام ولم يتغير، فدفنوه بها.
_________________
(١) تفسير ابن كثير والبغوي، ج ١، ص ٤٣٨، ط المنار.
[ ٢ / ٨٣ ]
وروى ابن جرير الطبري عن أبي راشد أنه رأى المقداد بن الأسود فارس رسول الله ﷺ بحمص يريد الغزو- وكان شيخا كبيرا همّا قد سقط حاجباه على عينيه- فقال له: لقد أعذر الله تعالى إليك، فقال: أبت علينا سورة البعوث، يريد هذه الاية من سورة التوبة.
وقال الإمام الزهري: خرج سعيد بن المسيّب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنّي الحرب كثرت السواد، وحفظت المتاع «١» .
وبحسب هؤلاء السادة الأمجاد أنهم مجتهدون في فهم الاية «٢»، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر، وبحسبهم فضلا ومثوبة هذه النية الصادقة، وبهؤلاء الأبطال المغاوير وأمثالهم- وما أكثرهم- مكّن الله للمسلمين في الأرض، وانتشر الإسلام حتى بلغ المشرق والمغرب.
الترغيب في الجهاد والاستشهاد
لمّا كان الجهاد هو الوسيلة لحماية العقيدة، وتأمين الدعوة، ونشر الشريعة شريعة التوحيد والحق والعدل والخير، رغّب الله ورسوله فيه أيما ترغيب.
ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «٣» .
_________________
(١) تفسير ابن كثير والبغوي، ج ٤، ص ١٧٤، ج ١، ص ٤٢٨.
(٢) ويرى ابن عباس وغيره أن حكم هذه الاية كان في مبدأ الأمر ثم نسخت بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ
(٣) سورة التوبة: الاية ١١١.
[ ٢ / ٨٤ ]
وقال مبيّنا الفرق ما بين المجاهدين والقاعدين:
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا «١» .
وقال مرشدا إلى أعظم طرق الخير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٢» .
وقال مبيّنا أن القتال وإن كان مكروها للنفس بحسب الفطرة، لكنه قد يكون فيه الخير الكثير:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٣» .
وإذا جاز لغير المسلم أن يخشى الجهاد أو يفرّط فيه فلا يجوز ذلك للمسلم، إذ مال الجهاد له إما نصر وغنيمة وإما أجر وشهادة، وكلا الأمرين غنم وجميل، قال سبحانه:
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ «٤» .
_________________
(١) سورة النساء: الاية ٩٥. والمراد بالقاعدين أولا أصحاب الأعذار، وبالقاعدين ثانيا من لا عذر لهم.
(٢) سورة الصف: الايتان ١٠، ١١.
(٣) سورة البقرة: الاية ٢١٦.
(٤) سورة التوبة: الاية ٥٢.
[ ٢ / ٨٥ ]
وفي السنة النبوية الكثير من الأحاديث المرغبة في الجهاد، المنفّرة من التفريط فيه، ففي الصحيحين قال النبي ﷺ: «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي وبرسلي أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، بما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلّفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل»، وفي صحيح البخاري مرفوعا: «رباط «١» يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، وفي صحيح مسلم مرفوعا: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه»، وعين المرابط التي تبيت وتحرس، وتراقب الأعداء في سبيل الله، ولا تذوق طعم الكرى هي عين أوجب الله لها الجنة، ففي الحديث الذي رواه الترمذي مرفوعا: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» «٢» . وفي مواقف الرسول في الغزوات مواطن مشهودة تشجع الجبان، وتجرىء الشجاع، حتى يصير منه ليثا هصورا.
الاستشهاد في سبيل الله
وكذلك رغّب الإسلام في الاستشهاد في سبيل الله، ففي الكتاب الكريم:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٣» .
_________________
(١) الرباط والمرابطة: الإقامة في الثغور وهي: المواضع التي يخاف منها هجوم الأعداء كالموانىء والمطارات ونقط المراقبة.
(٢) حديث حسن.
(٣) سورة ال عمران: الايتان ١٦٩، ١٧٠.
[ ٢ / ٨٦ ]
وهي حياة برزخية روحية تتمتاع فيها الروح بشتى أنواع الملذات الحسية والمعنوية «١»، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الاية فقال: «أرواحهم في جوف طيور خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع الله عليهم إطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» .
وفي مسند الإمام أحمد نحو حديث مسلم وفي اخره: «فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلّغ عنا إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال سبحانه: وَلا تَحْسَبَنَّ..
الاية. فلا تعجب وهذا موقف القران والسنة من الجهاد والاستشهاد أن ضرب المسلمون الأولون في باب الجهاد وحب الاستشهاد مثلا عليا نادرة، وأن جادوا بأرواحهم طيبة بذلك نفوسهم، وأن حرصوا على الموت أكثر من حرصهم على الحياة، وكانت لهم في هذا المضمار بطولات لم يعرفها التاريخ لغيرهم، وسيأتيك من أنباء هذه البطولات الشيء الكثير.
الأطوار التي مرّ بها الجهاد
الطور الأول
لقد كان القتال في هذا الدور مقصورا على القرشيين الذين عذّبوهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، والذين لا يزالون يعذبون المستضعفين الذين
_________________
(١) وهذه الحياة البرزخية فوق الحياة الدنيوية لتجرد الأرواح فيها من شوائب المادة، وخلوها من البلاء، والالام، والمنغصات التي لا تسلم منها الحياة الدنيوية، ودون الحياة الاخروية لعودة الأرواح فيها إلى أجسادها، وكمال التمتاع فيها باللذائذ الروحية والجسمانية.
[ ٢ / ٨٧ ]
لم يستطيعوا أن يهاجروا، أما من لم يحارب المسلمين ولم يتسبب في إخراجهم فلا يحارب، وهذا هو ما صدعت به الاية الكريمة:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ إلى قوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» .
الطور الثاني
إن بعض القبائل كانوا أحلافا لقريش، أو صاروا أحلافا لها بعد هجرة الرسول ﷺ، فحملوا على المسلمين تمشيا مع سياسة قريش العامة، أو أخذا بثأرها، ومن هؤلاء من فكروا في مهاجمة المدينة، أو هاجموها بالفعل، كما فعل كرز بن جابر الفهري، فقد أغار على سرح المدينة، وكان ذلك سببا في خروج المسلمين إليه في غزوة بدر الأولى فلم يدركوه.
ومنهم من تحرشوا بالمسلمين أو قتلوا بعوثا منهم غدرا وغيلة كما حدث في سريتي الرجيع والقرّاء، فكان الرسول ﷺ يبادر إلى لقائهم أو يرسل إليهم السرايا والبعوث ليعاقبهم على بغيهم، ويرد عليهم كيدهم، ومن هذه القبائل:
بنو غطفان، وبنو سليم، وبنو عامر، والأحابيش أحلاف قريش، وقبائل نجد وثقيف، وقد أفادت حروبه مع هؤلاء كثيرا، فقد اطّلعوا على الإسلام، وعرفوا سماحته، فأسلم منهم الكثيرون، وصاروا أعوانا للإسلام بعد أن كانوا حربا عليه.
الطور الثالث
لمّا تمالأ المشركون في مكة وخارجها على المسلمين وصاروا يدا واحدة في قتالهم لم يكن بدّ من قتال هؤلاء جميعا، كما يقاتلون جميعا المسلمين، وهذا هو ما أراده الله سبحانه بقوله:
_________________
(١) سورة البقرة: الايات ١٩٠- ١٩٣.
[ ٢ / ٨٨ ]
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ «١» .
وبذلك صار الجهاد عاما لكل من ليس له كتاب سماوي، وفي هذا الدور من الجهاد يقول الرسول ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» «٢» .
الطور الرابع
كان النبي ﷺ قد وادع اليهود وعاهداهم، وبذلك أمّنهم على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا العهد، وتمالأوا مع المشركين وصاروا يحرّضونهم على قتال النبي كما حدث في أحد وغيرها، بل حاولوا طعن المسلمين في ظهورهم كما حدث في غزوة الأحزاب، وطالما سعوا في إفساد ما بين الأوس والخزرج، وإفساد ما بين المهاجرين والأنصار، وبذلك أصبحوا شوكة في ظهور المسلمين، وجراثيم إفساد في المجتمع المدني لابدّ من القضاء عليها، فلذلك أمر الله سبحانه نبيّه بقتالهم بعد إيذانهم بنقض ما بينه وبينهم من عهود بقوله سبحانه:
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «٣»
وهو أدب من اداب الحرب في الإسلام لم تصل إليه المدنيّة في القرن العشرين!! وقد قتل المسلمون البعض، وأجلوا البعض الاخر عن المدينة، ولم يلبثوا أن قطع دابرهم من جزيرة العرب كلها، وأراح الله منهم العباد والبلاد.
_________________
(١) سورة التوبة: الاية ٣٦.
(٢) صحيح البخاري كتاب الإيمان- باب «فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة» .
(٣) سورة الأنفال: الاية ٥٨.
[ ٢ / ٨٩ ]
الطور الخامس
لما فتح المسلمون مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ودانت لهم الطائف وما حولها، ونجد وما جاورها، لم تلبث الجزيرة العربية أن صارت مؤمنة مواحدة، وكان النبي ﷺ قد أرسل كتبا إلى الملوك والأمراء في الهدنة ما بين الحديبية والفتح، عارضا عليهم الدخول في الإسلام، فمنهم من أسلم، ومنهم من أبى وتوعّد، وبذلك أصبحت دعوة الإسلام معروفة عند الدول المتاخمة للجزيرة، والمعروفة للمسلمين وقتها، ثم تحفّزت الروم لغزو بلاد المسلمين، فلما علم الرسول جمع الجموع وخرج إليهم فلم يجد أحدا، فرجع بعد أن أراهم أن سلطان الله في الأرض لا يرهب أحدا.
وهذا الدور من أهم أدوار الكفاح والجهاد، فقد انتقلت الدعوة إلى العالمية، وانتقل ميدان الجهاد إلى خارج الجزيرة، وحدثت بعد وفاة الرسول الوقائع المشهورة بين الدولة الناشئة ودولتي الفرس والروم، وتمت الفتوحات العظيمة في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، وتحققت سنّة الله في الكون من تغليب المؤمنين على الكافرين، والمحقّين على المبطلين وصدق الله:
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «١» .
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ «٢» .
رد الفرية الكبرى
من الأكاذيب التي يرددها أعداء الإسلام والمسلمين أن الإسلام قام على السيف، وأنه لم يدخل فيه معتنقوه بطريق الطواعية والاختيار، وإنما دخلوا فيه
_________________
(١) سورة القصص: الاية ٥.
(٢) سورة الأنبياء: الاية ١٠٥.
[ ٢ / ٩٠ ]
بالقهر والإكراه، وقد اتخذوا من تشريع الجهاد في الإسلام وسيلة لهذا التجنّي الكاذب الاثم، وشتان ما بين تشريع الجهاد وما بين إكراه الناس على الإسلام، فإن تشريع الجهاد لم يكن لهذا، وإنما كان لحكم سامية، وأغراض شريفة كما علمت انفا.
وهذه الدعوى الباطلة الظالمة كثيرا ما يرددها المبشرون والمستشرقون، الذين يتأكلون من الطعن في الإسلام وفي نبيّ الإسلام، ويسرفون في الكذب والبهتان، فيتصايحون قائلين: أرأيتم؟!! هذا محمد يدعو إلى الحرب، وإلى الجهاد في سبيل الله، أي إلى إكراه الناس بالسيف على الدخول في الإسلام، وهذا على حين تنكر المسيحية القتال، وتمقت الحرب، وتدعو إلى السلام، وتنادي بالتسامح، وتربط بين الناس برابطة الإخاء في الله وفي السيد المسيح ﵇ «١» .
وقد فطن لسخف هذا الادعاء كاتب غربي كبير هو: «توماس كارليل» صاحب كتاب الأبطال وعبادة البطولة، فإنه اتخذ نبيّنا محمدا﵊- مثلا لبطولة النبوّة، وقال ما معناه: (إن اتهامه- أي سيدنا محمد- بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم، إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا امن به من لا يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدّقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها) «٢» .
ومن الإنصاف أن نقول: إن بعض المستشرقين لم يؤمن بهذه الفرية، ويرى أن الجهاد كان لحماية الدعوة، ورد العدوان، وأنه لا إكراه في الدين، وإليك ما كتبه «أميل در منغم» في هذا قال «٣»:
_________________
(١) من حياة محمد لهيكل ص ٢٤٦.
(٢) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للعقاد ص ٢٢٧ ط الهلال.
(٣) حياة محمد لدر منغم ص ١٦٦ ترجمة عادل زعيتر.
[ ٢ / ٩١ ]
(لم يشرع الجهاد لهداية الناس بالسيف، ففي القران لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، والقران يأمر المسلمين بالاعتدال، وبأن لا يبدؤوا بالاعتداء، وما تجده في القران من الايات المتتابعة، أو المبثوثة، أو المبعثرة في سوره حول الجهاد، فيشير إلى حوادث ذلك الزمن الراهنة، وإلى ما يجب على محمد أن يسلكه هو وأصحابه في المغازي تبعا لتبدل الأحوال، ولذلك نرى من اللغو جعل تلك الايات شاملة لأحوال أخرى، واستخراج مبدأ عام) «١» .
وهاتان الشهادتان الحقتان من «كارليل» و«در منغم» لهما قيمتهما العلمية في هذا الموضوع الخطير، إذ إنهما من رجلين لا يدينان بالإسلام.
وأحب قبل الشروع في ردّ هذه الفرية أن أبيّن كذب مزاعمهم في أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه، وتمقت الحرب، وتدعو إلى السلام، من كلام السيد المسيح نفسه قال: «لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما بل سيفا، وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته. من أحب أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها» «٢»، فما رأي المبشرين والمستشرقين في هذا؟ أنصدقهم ونكذب الإنجيل؟ أم نكذبهم ونصدق الإنجيل؟! الجواب معروف ولا ريب.
وأما التوراة فشواهد تشريع القتال فيها أكثر من أن يحصى، على ما فيه من الصرامة وبلوغ الغاية في الشدة، مما يدل دلالة قاطعة على الفرق ما بين اداب الحرب في الإسلام، وغيره من الأديان «٣» .
_________________
(١) وذلك مثل قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ سورة الأنفال: الاية ٣٩، وقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً سورة التوبة: الاية ٣٦.
(٢) إنجيل متى، الإصحاح العاشر فقرة ٣٥ وما بعدها.
(٣) أدلة اليقين في الرد على مطاعن المبشرين ص ٤٠٩.
[ ٢ / ٩٢ ]
وليس أدل على افترائهم من أن تاريخ الأمم المسيحية في القديم والحديث، شاهد عدل على رد دعواهم، فمنذ فجر المسيحية إلى يومنا هذا، خضبت أقطار الأرض جميعها بالدماء باسم السيد المسيح.
خضّبها الرومان، وخضّبتها أمم أوروبا كلها، والحروب الصليبية إنما أذكى المسيحيون- ولم يذك المسلمون- لهيبها، ولقد ظلّت الجيوش باسم الصليب تنحدر من أوروبا خلال مئات السنين قاصدة أقطار الشرق الإسلامية، تقاتل، وتحارب، وتريق الدماء، وفي كل مرة كان البابوات خلفاء المسيح كما يزعمون- يباركون هذه الجيوش الزاحفة للاستيلاء على بيت المقدس، والبلاد المقدسة عند المسيحية، وتخريب بلاد الإسلام.
أفكان هؤلاء البابوات جميعا هراطقة، وكانت مسيحيتهم زائفة؟! أم كانوا أدعياء جهالا، لا يعرفون أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه؟! أجيبونا أيها المبشّرون والمستشرقون المتعصبون!!.
فإن قالوا: تلك كانت العصور الوسطى عصور الظلام، فلا يحتج على المسيحية بها، فماذا يقولون في هذا القرن العشرين الذي نعيش، والذي يسمونه عصر الحضارة الإنسانية الراقية؟!.
لقد شهد هذا القرن من الحروب التي قامت بها الدول المسيحية، ما شهدت تلك العصور الوسطى المظلمة بل وأشد وأقسى!! ألم يقف «اللورد اللنبي» ممثل الحلفاء: إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، ورومانيا، وأميركا في بيت المقدس في سنة (١٩١٨) حين استولى عليه في أخريات الحرب الكبرى الأولى قائلا: (اليوم انتهت الحروب الصليبية)؟!.
وأ لم يقف القائد الفرنسي «غورو» ممثل الحلفاء أيضا- وقد دخل دمشق- أمام قبر البطل المسلم «صلاح الدين الأيوبي» قائلا: (لقد عدنا يا صلاح الدين)؟!!.
إن الإسلام إنما غزا القلوب وأسر النفوس بسماحة تعاليمه: في العقيدة، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات، وادابه في السلم والحرب، وسياسته الممثلة
[ ٢ / ٩٣ ]
في عدل الحاكم، وإنصاف المحكومين، والرحمة الفائقة، والإنسانية المهذبة في الغزوات والفتوح، إنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا عجب أن أسرعت إلى اعتناقه النفوس، واستجابت إليه الفطرة السليمة، وتحمّلت في سبيله ما تحملت، فاستعذبت العذاب، واستحلت المر، واستسهلت الصعب، وركبت الوعر، وضحت بكل عزيز وغال في سبيله.
والان وقد فرغنا من تفنيد ما بنوا عليه مزاعمهم الكاذبة، من دعوة الإسلام إلى الجهاد، وتحريم المسيحية له، فلنأخذ في تفنيد هذه الدعوى الظالمة من واقع تاريخ الدعوة المحمدية قبل فرض الجهاد، ومن حكم تشريعه في الإسلام، ومن نصوص القران والسنّة المتكاثرة، ومن سيرة النبي ﷺ وسير خلفائه الراشدين وأصحابه، ومن واقع تاريخ المسلمين اليوم، وما تعرضوا له من اضطهاد وحروب ومظالم، لم تزدهم إلا صلابة في التمسك بالإسلام، والعض عليه بالنواجذ، فأقول وبالله التوفيق:
١- لقد مكث رسول الله ﷺ، وهو يدعو إلى الله بالحجة والموعظة الحسنة، وقد دخل في الإسلام في هذه الفترة من الدعوة خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء، ولم يكن عند رسول الله من الثراء ما يغري هؤلاء، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، وقد تحمّل المسلمون ولا سيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم من صنوف العذاب والبلاء ألوانا، فما صرفهم ذلك عن دينهم، وما تزعزعت عقيدتهم، بل زادهم ذلك صلابة في الحق، وصمدوا صمود الأبطال مع قلتهم وفقرهم، وما سمعنا أن أحدا منهم ارتدّ سخطا عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين في النكوص عنه، وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء، وكالحديد لا يزيده الصهر إلا قوة وصلابة، بل بلغ من بعضهم أنهم وجدوا في العذاب عذوبة، وفي المرارة حلاوة.
ثم كان أن هاجر بعضهم إلى بلاد الحبشة هجرتين، ثم هاجروا جميعا الهجرة الكبرى إلى المدينة، تاركين الأهل والولد والمال والوطن، متحملين الام
[ ٢ / ٩٤ ]
الاغتراب، ومرارة الفاقة والحرمان. واستمر الرسول بالمدينة عاما وبعض العام يدعو إلى الله بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد دخل في الإسلام من أهل المدينة قبل الهجرة وبعدها عدد كثير عن رضا واقتناع ويقين واعتقاد، وما يكون لإنسان يحترم عقله ويذعن للمقررات التاريخية الثابتة، أن يزعم أنه كان للنبي والمسلمين في هذه الأربعة عشر عاما أو تزيد حول أو قوة ترغم أحدا على الدخول في الإسلام، إلا إذا ألغى عقله وهدم التاريخ الصحيح.
٢- إن تشريع الجهاد في الإسلام لم يكن لإرغام أحد على الدخول في الإسلام كما زعموا، وإنما كان للدفاع عن العقيدة، وتأمين سبلها ووسائلها، وتأمين المعتنقين للإسلام، وردّ الظلم والعدوان، وإقامة معالم الحق، ونشر عبادة الله في الأرض، وبحسبنا في هذا المقام ما ذكرته انفا في حكمة مشروعية الجهاد من نص القران، وما عرضت له في الأطوار التي مرّ بها الجهاد، من أن القتال كان للمقاتلين والمعتدين، فلما تمالأ المشركون على المسلمين أمرهم الله بقتالهم عامة، ثم ماذا يقول هؤلاء المغرضون في قوله تعالى:
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «١» .
فالإسلام لم يقف عند حدّ أن من سالمنا سالمناه، بل لم يمنع من البر بهم والعدل معهم، وعدم الجور عليهم، وكذلك كان موقف القران كريما جدا مع الذين قاتلوا المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، أو ساعدوا عليه، فلم يأمر بظلمهم أو البغي عليهم، وإنما نهى عن تولّيهم بإفشاء الأسرار إليهم، أو نصرتهم وإخلاص الودّ لهم، فإن حاربونا حاربناهم، وإن كفوا عنّا كففنا عنهم، وصدق الله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا.
_________________
(١) سورة الممتحنة: الايتان ٨، ٩.
[ ٢ / ٩٥ ]
٣- نصوص القران والسنة الصحيحة تردان على هذا الزعم وتكذبانه.
وقد صرح الوحي بذلك في غير ما اية قال تعالى:
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «١» .
وإليك ما ذكره ثقات المفسرين في سبب نزول هذه الاية: روي أنه كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصران قبل مبعث النبي ﷺ، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما وقال:
لا أدعكما حتى تسلما، فاختصموا إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، فخلّى سبيلهما، وقال الزهري: سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال: كان رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوه، فاستأذن الله في قتالهم فأذن له. ومعنى «لا إكراه في الدين» أي دين الإسلام ليس فيه إكراه عليه.
وقال سبحانه:
أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ «٢» .
وقال:
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٣» .
فالاية نص في أن من اختار الإيمان فباختياره، ومن اختار الكفر فباختياره، فلا إكراه، ولكن مع هذا التخيير فالله سبحانه يحب الإيمان ويرضاه
_________________
(١) سورة البقرة: الاية ٢٥٦.
(٢) سورة يونس: الاية ٩٩.
(٣) سورة الكهف: الاية ٢٩.
[ ٢ / ٩٦ ]
ويدعو إليه، ويكره الكفر ويحذّر منه، ونصوص القران حافلة في هذا المعنى، ولهذا عقّب الله التخيير بقوله محذرا ومنفرا:
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها.
والكفر رأس الظلم، فلا يتوهمن أحد أن حمل الاية على التخيير وعدم الإكراه يشعر بإباحة الكفر أو الرضا، حاشا لله أن يكون هذا، ولعل خوف هذا التوهم هو الذي حدا كثيرا من المفسرين على حمل الاية على التهديد والوعيد، حتى مثّل علماء البلاغة للأمر الذي يراد به التهديد بهذه الاية، فالاية بنصها تخيير، ولكنه تخيير يستلزم تهديدا ووعيدا لا محالة في حال اختيار الكفر على الإيمان، وهي نصوص صريحة في عدم الإكراه على الإسلام.
وأما السنة فقد جاءت مؤيدة لما جاء به القران، وإليك طرفا منها:
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده أن النبي ﷺ كان إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا «١»، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» «٢» .
وهكذا ترى أن النبي لم يأمر بالقتال إلا بعد أن تستنفد الوسائل السلمية، وليس بعد استنفادها إلا أنهم قوم مفسدون أو يريدون الحرب، وقد بينت فيما سبق أن الجزية ليست للإرغام على الإسلام، وإنما هي نظير حمايتهم
_________________
(١) الغلول: الخيانة في الغنيمة، الغدر: عدم الوفاء بالعهود في الحروب، المثلة: تقطيع أعضاء المقتول، وتشويه جسده بعد القتل أو قبله.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي، ج ١٢ ص ٣٧، ٣٩.
[ ٢ / ٩٧ ]
وتأمينهم وتقديم شتى الخدمات لهم، وليس أدل على هذا مما رواه البلاذري في فتوح البلدان أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لواقعة اليرموك ردّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الجزية وقالوا: (قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم)، فقال أهل حمص:
(لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل- مع أنه على دينهم- عن المدينة مع عاملكم)، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود.
وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه، وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد «١»
وقد يقول قائل فما تقول في الحديث الشريف: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»؟
قلنا: المراد بالحديث فئة خاصة، وهم وثنيو العرب، أما غيرهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم على التخيير بين الأمور الثلاثة التي نص عليها حديث مسلم.
على أن بعض كبار الأئمة كمالك والأوزاعي ومن رأى رأيهما يرون أن حكم مشركي العرب كحكم غيرهم في التخيير بين الثلاثة: الإسلام، أو الجزية أو القتال، واستدلوا بحديث مسلم السابق، ويقولون: إن حديث «أمرت أن أقاتل الناس» منسوخ، أو أن فيه إيجازا واقتصارا على بعض الأمور الثلاثة «٢» .
وإذا نظرنا بعين الإنصاف إلى الذين حملوا حديث المقاتلة على وثنيي العرب، لا نجده يجافي الحق والعدل، فهؤلاء الوثنيون الذين بقوا على شركهم لم يدعوا وسيلة من وسائل الصد عن الإسلام إلا فعلوها، ثم هم أعرف الناس بصدق الرسول، فهو عربي من أنفسهم والقران عربي بلغتهم، فالحق بالنسبة
_________________
(١) أشهر مشاهير الإسلام، ج ١ ص ٥٢.
(٢) فتح الباري، ج ١ ص ٦٤.
[ ٢ / ٩٨ ]
إليهم واضح ظاهر، فلم يبق إلا أنهم متعنتون معوّقون لركب الإيمان والعدل والحضارة عن التقدم.
هذا إلى أن الشرك مذهب فاسد، والمذاهب الفاسدة تحارب ويحارب دعاتها بكل الوسائل، من قتل أو نفي أو سجن، وهذا أمر مقرر في القديم والحديث. وها هي دول الحضارة اليوم في سبيل تأمين سلامتها، بل وفي سبيل إرضاء نزواتها وأهوائها تزهق الالاف من الأرواح، ويغمض الناظرون أعينهم عن هذا ولا يعترض المعترضون، فهل هذا حلال لهم حرام على غيرهم؟!.
فالإسلام حينما لم يقبل من مشركي العرب المحاربين إلا الإسلام بعد ما تبين لهم الحق، وأصبحوا قلة تعتنق مذهبا فاسدا بجانب الكثرة الكاثرة من العرب التي أسلمت طواعية واختيارا لم يكن متجنيا ولا ظالما، فالحديث كيفما فهمناه لا ينهض دليلا للمفترين على الإسلام.
٤- ويرد هذه الفرية ويقتلعها من أساسها ما التزمه الرسول ﷺ في سيرته من التسامح مع أناس أسروا وهم على شركهم، فلم يلجئهم على الإسلام، بل تركهم واختيارهم. ذكر الثقات من كتّاب السير والحديث أن المسلمين أسروا في سرية من السرايا سيد بني حنيفة- ثمامة بن أثال الحنفي- وهم لا يعرفونه، فأتوا به إلى رسول الله فعرفه وأكرمه، وأبقاه عنده ثلاثة أيام، وكان في كل يوم يعرض عليه الإسلام عرضا كريما فيأبى ويقول: إن تسأل مالا تعطه، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، فما كان من النبي إلا أن أطلق سراحه.
ولقد استرقت قلب ثمامة هذه السماحة الفائقة، وهذه المعاملة الكريمة، فذهب واغتسل، ثم عاد إلى النبي مسلما مختارا، وقال له: (يا محمد، والله ما كان على الأرض من وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي. والله ما كان على الأرض من دين أبغض إلي من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إلي) .
[ ٢ / ٩٩ ]
وقد سر رسول الله ﷺ بإسلامه سرورا عظيما، فقد أسلم بإسلامه كثير من قومه، ولم يقف أثر هذا التسامح في المعاملة عند إسلام ثمامة وقومه بل كانت له اثار بعيدة المدى في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد ذهب إلى مكة معتمرا، فهمّ أهلها أن يؤذوه ولكنهم ذكروا حاجتهم إلى حبوب اليمامة، فالى على نفسه أن لا يرسل لقريش شيئا من حبوب اليمامة حتى يؤمنوا، فجاهدوا جهدا شديدا فلم يروا بدّا من الاستغاثة برسول الله ﷺ.
ترى ماذا كان من أمر رسول الله ﷺ معهم؟ أيدع ثمامة حتى يلجئهم بسبب منع الحبوب عنهم إلى الإيمان؟ لا، لقد عاملهم بما عرف عنه من التسامح، وألاإكراه في الدين، فكتب إلى ثمامة أن يخلّي بينهم وبين حبوب اليمامة، ففعل!! فما رأيكم أيها المفترون؟
بل امتد أثر دخوله في الإسلام على أساس من الاختيار والرغبة الصادقة إلى ما بعد حياة النبي، ذلك أنه لما ارتد بعض أهل اليمامة ثبت ثمامة ومن اتبعه من قومه على الإسلام، وصار يحذر المرتدين من اتباع مسيلمة الكذاب، ويقول لهم: (إياكم وأمرا مظلما لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله ﷿ على من أخذ به منكم، وبلاء على من لم يأخذ به منكم)، ولما لم يجد النصح معهم خرج هو ومن معه من المسلمين وانضموا للعلاء بن الحضرمي مددا له، فكان هذا مما فتّ في عضد المرتدين، وألحق بهم الهزيمة «١» .
وإليك قصة أخرى: لما فتح النبي مكة ودخلها ظافرا منتصرا كان صفوان بن أمية «٢» ممن أهدرت دماؤهم لشدة عداوتهم للإسلام، والتأليب على المسلمين، فاختفى وأراد أن يذهب ليلقي بنفسه في البحر، فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبي الله، إن صفوان سيد قومه، وقد هرب
_________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة، والاستيعاب بالهامش، ج ١ ص ٢٠٣.
(٢) صفوان هذا هو الذي كان أغرى عميرا هذا على قتل النبي بعد بدر، فلما قدم عمير لتنفيذ ما اتفقا عليه أخبره النبي بما جرى، فما كان منه إلا أن أسلم وحسن إسلامه لما استيقن أنه نبي يوحي إليه من ربه.
[ ٢ / ١٠٠ ]
ليقذف نفسه في البحر فأمّنه، فأعطاه عمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له: (فداك أبي وأمي. جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس؛ وهو ابن عمك؛ وعزه عزك؛ وشرفه شرفك، وملكه ملكك) فقال صفوان:
إني أخافه على نفسي. قال عمير: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه علامة الأمان وهي العمامة، وقيل برده، فرجع إلى رسول الله فقال: إن هذا يزعم أنك أمنتني، فقال النبي: «صدق»، فقال صفوان: أمهلني بالخيار شهرين، فقال له رسول الله: «بل أربعة أشهر»، ثم أسلم بعد وحسن إسلامه.
فهل بعد هذه الحجج الدامغة يتقوّل متقوّل على الإسلام زاعما أنه قام على السيف والإكراه؟!
٥- ثم ما رأي المبشّرين والمستشرقين في أن من أكره على شيء لا يلبث أن يتحلل منه إذا وجد الفرصة سانحة له، بل ويصبح حربا على هذا الذي أكره عليه؟ ولكن التاريخ الصادق يكذب هذا، فنحن نعلم أن العرب- إلا شرذمة، تسور الشيطان عليها- ثبتوا على ما تركهم عليه الرسول، وحملوا الرسالة، وبلّغوا الأمانة كأحسن ما يكون البلاغ إلى الناس كافة، ولم يزالوا يكافحون ويجاهدون في سبيل تأمين الدعوة وإزالة العوائق من طريقها حتى بلغت ما بلغ الليل والنهار في أقل من قرن من الزمان، ومن يطّلع على ما صنعه العرب في حروبهم وفتوحاتهم لا يسعه إلا أن يجزم بأن هؤلاء الذين باعوا أنفسهم رخيصة لله، لا يمكن أن يكون قد تطرق الإكراه إلى قلوبهم، وفي صحائف البطولة التي خطوها أقوى برهان على إخلاصهم وصدق إيمانهم، وسل سهول الشام وسهول العراق، وسل اليرموك والقادسية، وسل شمال إفريقيا تخبرك ما صنع هؤلاء الأبطال.
٦- ثم ما رأي هؤلاء المفترين على الإسلام في حالة المسلمين لمّا ذهبت ريحهم، وانقسمت دولتهم الكبرى إلى دويلات، وصاروا شيعا وأحزابا، وتعرضوا لمحن كثيرة في تاريخهم الطويل كمحنة التتار، والصليبيين في القديم، ودول الاستعمار في الحديث، وكل محنة من هذه المحن كانت كافية للمكرهين
[ ٢ / ١٠١ ]
على الإسلام أن يتحللوا منه ويرتدوا عنه، فأين هم الذين ارتدوا عنه، أخبرونا يا أصحاب العقول؟!!
إن الإحصائيات الرسمية لتدل على أن عدد المسلمين في ازدياد، على الرغم من كل ما نالهم من اضطهاد وما تعرضوا له من عوامل الإغراء، وقد خرجوا من هذه المحن بفضل إسلامهم وهم أصلب عودا وأقوى عزيمة على استرداد مجدهم التليد وعزتهم الموروثة.
بل ما رأي هؤلاء في الدول التي لم يدخلها مسلم مجاهد بسيفه، وإنما انتشر فيها الإسلام بوساطة العلماء والتجار والبحّارة كأندونيسيا، والصين، وبعض أقطار إفريقيا، وأوروبا وأمريكا، فهل جرّد المسلمون جيوشا أرغمت هؤلاء على الإسلام؟ ألا فليسألوا أحرار الفكر الذين أسلموا من أوروبا وغيرها، وسيجدون عندهم النبأ اليقين.
لقد انتشر الإسلام في هذه الأقطار بسماحته، وقربه من العقول والقلوب، وها نحن نرى كل يوم من يدخل في الإسلام، وذلك على قلة ما يقوم به المسلمون من تعريف بالإسلام، ولو كنا نجرد للتعريف به عشر معشار ما يبذله الغربيون من جهد ومال لا يحصى في سبيل التبشير بدينهم وحضارتهم، لدخل في الإسلام ألوف الألوف في كل عام. ولن ترى- إن شاء الله- من يحل عروة الإسلام من عنقه أبدا مهما أنفقوا وأسرفوا في سبيل دعاياتهم التبشيرية، وبعثاتهم التعليمية والتنصيرية.
أما بعد: فقد لاح الصبح لذي عينين، وتبيّن الحق لكل ذي عقل وقلب، وما إخالك- أيها القارىء المنصف- إلا ازددت يقينا بسماحة الإسلام وسماحة الرسول في الدعوة إليه، وأن ما ردّده المستشرقون والمبشرون ما هو إلا فرية كبرى:
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا «١» .
_________________
(١) سورة الكهف: الاية ٥.
[ ٢ / ١٠٢ ]
أحداث وتشريعات
تحويل القبلة إلى الكعبة
لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، تأليفا لليهود وتحبيبا لهم للدخول في الإسلام، ولكن اليهود لم تثمر معهم هذه السياسة، واتخذوا من توجه النبي إلى بيت المقدس ذريعة للطعن فيه فقالوا:
يخالفنا ويتبع قبلتنا؟!.
فالم النبيّ ﷺ ذلك، وكان النبي يحب أن تكون قبلته هي الكعبة قبلة أبيه إبراهيم «١»، ومفخرة ابائه وأجداده، فكان كثيرا ما يرفع بصره إلى السماء داعيا وراجيا، وقد مكث على استقبال بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ثم أجابه الله على سؤاله، وحقق أمنيته فوجّهه إلى الكعبة البيت الحرام. قال عز شأنه:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ «٢» .
_________________
(١) أما قبلته بمكة فقيل كان النبي يستقبل بيت المقدس، ولكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليماني، فلما هاجر استمر على استقبال بيت المقدس حتى نسخ الله ذلك بالتوجه إلى الكعبة، وقيل كانت قبلته الكعبة، فلما هاجر أمره الله باستقبال بيت المقدس حتى نسخ ذلك، قال ابن عبد البر عالم المغرب: وهذا أصح القولين عندي. وهو ما نرجحه، ويؤيده حديث إمامة جبريل للنبي غداة ليلة الإسراء والمعراج، فقد كان وقوفهما عند باب الكعبة، وغير ممكن لمن كان عند بابها أن يستقبل الكعبة وبيت المقدس معا.
(٢) سورة البقرة: الاية ١٤٤.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وبذلك تحقق للنبي والمسلمين شرف التوجه إلى القبلتين.
وقد كان التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة في منتصف شهر رجب على الصحيح، وبه جزم جمهور العلماء، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وذهب البعض إلى أن التحويل كان في نصف شعبان، وهو قول ضعيف، وقد اختلف العلماء في أول صلاة حصل فيها التحويل، فقيل الظهر، وقيل العصر، والتحقيق أن النبي ﷺ زار أم بشر بن البراء بن معرور خارج المدينة في بني سلمة، فصنعت لهم طعاما، وحانت صلاة الظهر، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه للصلاة في مسجدهم، وبعد أن صلّى بهم ركعتين نزل جبريل على النبي بتحويل القبلة فاستدار النبي وهو في صلاته إلى الكعبة، واستدار معه أصحابه، فسمّي هذا المسجد، المسجد ذي القبلتين؛ ولا يزال مكانه موجودا إلى وقتنا هذا بالقرب من المدينة، وفيه مكان القبلتين.
ثم خرج النبي إلى المدينة فحانت صلاة العصر فصلاها إلى الكعبة، ثم خرج رجل ممن صلّى معه بالمسجد النبوي، فمر على بني حارثة في مسجدهم وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأخبرهم بتحويل القبلة، فاستداروا وهم في صلاتهم إلى الكعبة، ثم ذهب هذا الرجل أو غيره إلى قباء، فأدركهم في صلاة الفجر وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأخبرهم بنزول القران بالتحويل إلى الكعبة، فتوجهوا في صلاتهم إليها، وبهذا التحقيق يحصل التوافق بين الروايات المختلفة الواردة في هذا المقام، والتي يكمل بعضها بعضا «١» .
وقد أكثر اليهود من الطعن في النبي والمسلمين بسبب هذا التحويل، ولهجوا بقالة السوء، مع علمهم من كتبهم أن هذا سيكون، وأن توجهه ﷺ إلى بيت المقدس لن يدوم، وقد ذكر الله ﷾ موقفهم هذا في قوله:
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا «٢» .
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي، ج ٥ ص ٩؛ فتح الباري، ج ١ ص ٧٩- ٨١.
(٢) سورة البقرة: الايتان ١٤٢، ١٤٣.
[ ٢ / ١٠٤ ]
ثم بين سبحانه أن هذا التحويل كان بلاء واختبارا ليتميز عند الناس المؤمنون المخلصون من الشاكين المرتابين، فقال سبحانه:
وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «١» .
ولما كان نسخ القبلة أول نسخ وقع في الإسلام، وقارنه إرجاف اليهود والمنافقين، أكّد الله سبحانه الأمر بالتوجه إلى الكعبة في ثلاثة مواضع متقاربة، فقال سبحانه أولا:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها.
وقال ثانيا:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
وقال ثالثا:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «٢» .
وقد روى قصة تحويل القبلة إلى الكعبة الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث، وإليك رواية البخاري لأنها أتم وأكمل: عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من
_________________
(١) سورة البقرة: الاية ١٤٣.
(٢) سورة البقرة: الايات ١٤٤، ١٤٩، ١٥٠.
[ ٢ / ١٠٥ ]
الأنصار، وأنه صلّى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا «١» وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلّى أول صلاة صلّاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم فخرج رجل ممن صلّى معه فمر على أهل مسجد- هم بنو حارثة- وهم راكعون، فقال: «أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل البيت، فداروا كما هم»، وفي رواية أخرى للبخاري فنزلت: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الاية، وفي رواية أيضا: «أنه مات قبل أن تحوّل- يعني القبلة- رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، يعني صلاتكم التي توجهتم فيها إلى بيت المقدس» .
فلله الحمد والمنة أن اختار لنا القبلة أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين، فيه ايات بيّنات مقام إبراهيم، ومن دخله كان امنا، وأن جعل قبلتنا خير القبل، كما جعل أمتنا خير الأمم وإن كره الكافرون واليهود.
تشريع فريضة الصيام
«٢» وفي شعبان من السنة الثانية فرض الله شريعة من أعظم شرائع الإسلام وركنا من أركانه، وهو صيام رمضان، وكان النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء- وهو اليوم العاشر من المحرم-، فسألهم عن سبب ذلك فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه فصامه موسى شكرا لله،
_________________
(١) قدوم النبي المدينة كان في ربيع الأول، والتحويل كان في منتصف رجب على الصحيح، فإذا اعتبرنا شهوي القدوم والتحويل شهرا كانت المدة ستة عشر شهرا، وإذا اعتبرناهما شهرين كانت المدة سبعة عشر شهرا، فمن ثمّ تردد الراوي، وبعض الروايات جاءت بالجزم.
(٢) الصوم والصيام في اللغة الإمساك. وفي الشرع: إمساك المكلّف نفسه بنية عن تناول الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومن كمال الصوم الإمساك عن اللغو والرفث، والفسوق، والعصيان وبذلك يشعر الصائم بفائدة الصوم، ويفوز بثمرته.
[ ٢ / ١٠٦ ]
فقال النبي لهم: «نحن أولى بموسى منكم» فصامه وأمر المسلمين بصيامه، روى ذلك البخاري ومسلم، فلما فرض صوم رمضان أصبح صيام عاشوراء غير واجب، فمن شاء صامه ومن شاء أفطره، روى ذلك الشيخان أيضا عن عائشة.
وقد أوجب الله صيام رمضان بقوله سبحانه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «١» .
وكان صيام رمضان في أول الإسلام على سبيل التخيير، فمن شاء صام وأدّى الفريضة، ومن شاء أفطر ووجب عليه الفداء: عن كل يوم إطعام مسكين، ثم لمّا مرنوا عليه وأصبح أمرا مألوفا أمرهم بصيامه على سبيل الإلزام ونسخ التخيير، وذلك بقوله سبحانه:
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ »
الاية.
روى ذلك الشيخان في صحيحيهما عن سلمة بن الأكوع- واللفظ لمسلم- قال: لما نزلت هذه الاية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الاية التي بعدها فنسختها. وهي قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقد أكدت الايتان الرخصة للمريض أو المسافر أن يفطر ويقضي دفعا للحرج، وتيسيرا من الله على المسلمين: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
_________________
(١) سورة البقرة: الايتان ١٨٣، ١٨٤.
(٢) سورة البقرة: الاية ١٨٥.
[ ٢ / ١٠٧ ]
ويرى فريق من العلماء وعلى رأسهم ابن عباس أنه لا نسخ، وأن الايتين محكمتان، وأن قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ إنما هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فلهما أن يفطرا ويطعما بدل كل يوم مسكينا. رواه البخاري في صحيحه، وعلى رأي ابن عباس ومتابعيه تكون الايتان قد نزلتا مرة واحدة.
وفي مبدأ الإسلام كان الصائم إذا أفطر يأكل ويشرب ويباشر امرأته إلى أن ينام أو يصلّي العشاء، فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والمباشرة، فشق ذلك على المسلمين، ووقع بعضهم في الحرج بسبب هذا، فخفف الله عن الأمة، ورحمها، وأباح لهم هذه الثلاثة إلى طلوع الفجر «١» .
روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل من حديث طويل في أحوال الصلاة والزكاة قال: وكانوا يأكلون، ويشربون، ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة- يعني ابن قيس- كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فراه رسول الله ﷺ قد جهد كثيرا فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا»، فأخبره. وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى رسول الله ﷺ وهو يبكي ندما، فذكر له ذلك، فأنزل الله سبحانه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ،
إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ورواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، وغيرهما.
وبهذا استقر تشريع الصيام على هذا اليسر ورفع الحرج، وتأكد وجوبه بالسنة القولية والعملية المتواترة عن رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام، وأجمع على هذا المسلمون، فلا يحل لمسلم أن يفرّط في هذا الأصل من أصول الإسلام الذي هو من أسس التقوى، وهي جماع الخير كله، ومن حكمه تزكية النفوس
_________________
(١) تفسير ابن كثير والبغوي، ج ١ ص ٤١٨.
[ ٢ / ١٠٨ ]
والسمو بالأرواح، وتعطيف قلوب الأغنياء على الفقراء، وتعويد النفوس على الصبر والتحمل، ومواجهة شدائد الحياة ولأوائها، ومن بعد ذلك كله يكون غفران الذنوب، والفوز برضاء الله رب العالمين.
زكاة الفطر
وفي رمضان من نفس العام شرع الله ﷾ زكاة الفطر من رمضان، طعمة للمساكين والفقراء، وطهرة للصائم من اللغو والرفث، وهي على كل حر أو عبد، وذكر أو أنثى، وصغير أو كبير من المسلمين. وقد روي أن النبي ﷺ خطب الناس قبل الفطر بيوم أو يومين وأمرهم بذلك، عن ابن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين» «١» . وهي فريضة عند جمهور الأئمة واجب عند الحنفية على قاعدتهم في التفريق بين الفرض والواجب. ولها أحكام وتفصيلات تطلب من كتب الفقه.
صلاة العيد
وفي هذه السنة صلى النبي ﷺ صلاة العيد، فكانت أول صلاة عيد صلاها، وخرج بالناس إلى المصلى- كما هي السنّة- يهلّلون الله، ويكبّرونه ويعظّمونه شكرا لله على ما أفاء عليهم من النعم المتتالية، ولا سيما نعمة النصر في يوم الفرقان: يوم التقى الجمعان، وهو يوم بدر العظمى، اليوم الأغر في تاريخ الأيام، وخرجوا من بين يديه بالحربة وهي التي وهبها له النجاشي، فكانت تحمل بين يديه في الأعياد «٢»، فمن ثمّ اتخذ الأمراء من بعده الحربة يخرج بها بين يديهم في صلاة العيد.
_________________
(١) رواة الجماعة.
(٢) فتح الباري، ج ١ ص ٤٥٥.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وقيل إن الحربة كانت للزبير بن العوام وهبها له النجاشي، ثم وهبها للنبي ﷺ «١» .
الصوم والفطرة والعيد من روافد العدالة الاجتماعية في الإسلام
وبتشريع الصوم وزكاة الفطر والعيد خطّط الإسلام روافد ثلاثة من روافد البر والمواساة والتكافل الاجتماعي في الإسلام، فالصوم كما أراده الله ورسوله يربي في النفس صفات السخاء والبذل والعطاء، فالصائم إذا لذعه الجوع وعضّه بنابه أدرك بحسه ووجدانه ما يعانيه الفقراء والمساكين والمعوزون، فيجد نفسه مدفوعا إلى البر والمواساة عن اقتناع وشعور، هذا إلى ما ورد في فضل البر والإنفاق والجود في رمضان، وأن من فطّر صائما كان له مثل أجره، وهذا جانب من الجوانب الفسيحة في تشريع الصيام.
ثم تأتي زكاة الفطر فتكون بأدائها شاهدا من شواهد صدق المسلم في صيامه، ورافدا من روافد البر والتوسعة على الفقراء في هذا اليوم الكريم، وكثيرا ما كان النبي ﷺ يقول في يوم العيد: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» ثم يأتي العيد، وهو موسم من مواسم الخير والتعاطف والتحابب، فيكون رافدا ثالثا، وقد كان من دأب رسول الله ﷺ أنه إذا صلّى العيد ذكر وأنذر، ورغب ورهب، فيتسابق في مضمار البذل والعطاء الرجال والنساء والصغار والكبار، وتمتد الأيدي إلى الأقراط والحلي فتلقي بها إلى بلال عن رضا وطيب خاطر.
روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس «أن النبي ﷺ صلّى يوم الفطر ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلن يلقين: تلقي المرأة خرصها، وسخابها» «٢» .
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٥٦.
(٢) الخرص بضم الخاء: القرط. السخاب بكسر السين: القلادة.
[ ٢ / ١١٠ ]
تشريع الزكاة «١» في الإسلام
وفي السنة الثانية أيضا شرع الله الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام وكان ذلك بعد شهر رمضان، لأن تشريع الزكاة العامة كان بعد زكاة الفطر، وزكاة الفطر كانت بعد فرض صيام رمضان قطعا، يدل على هذا ما رواه الأئمة أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله» قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح «٢» .
وجمهور العلماء سلفا وخلفا على أن مشروعية الزكاة إنما كانت بالمدينة في السنة الثانية، وقالوا: إن قوله تعالى في سورة الأنعام المكية: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ليس المراد به الزكاة المفروضة، وإن هذا شيء كانوا يعطونه عند الجذاذ ترضية للفقراء والمساكين من غير تقدير حد له، بل هو متروك لأريحية كل معط، فكان الواحد منهم يأتي بالقنون أو العذق فيضعه في جانب «٣» المسجد، فيأتي الفقراء والمساكين فيأكلون منه، أو يعطي من حصاده ما تجود به نفسه من غير إلزام ولا تحديد بحد «٤» .
وذهب بعض العلماء إلى أن فرضية الزكاة كانت بمكة بهذه الاية، ثم نزل تأكيد فرضيتها وبيان أنصبتها ومصارفها، ومقدار المخرج من كل نوع إلى غير ذلك من التفصيلات في المدينة.
_________________
(١) الزكاة في اللغة: النماء والتطهير، وفي الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ومسكين وغيرهما من المصارف غير هاشمي ولا مطّلبي، والمناسبة بين المعنيين ظاهرة لأن إخراجها سبب للنماء في المال أو الأجر، وأيضا فهي طهرة للنفس من رذيلة البخل، وطهرة للمجتمع من الأحقاد والمفاسد والمذاهب المنحرفة، وركنها الإخلاص، وشرطها: هو ملك النصاب الحولي، وشرط من تجب عليه: العقل والبلوغ والحرية، وبأدائها يسقط الواجب في الدنيا، ويحصل له الثواب في الاخرى.
(٢) فتح الباري، ج ٣ ص ٢٠٧.
(٣) مجمع الكناسة، وهي ما نسميها «السباطة» .
(٤) تفسير ابن كثير والبغوي، ج ٣ ص ٤١٠؛ فتح الباري، ج ٣ ص ٢١١، ط. بولاق.
[ ٢ / ١١١ ]
وأيّاما كان الأمر، فقد ثبتت فرضيتها بالقران والسنة والإجماع، وأجمع الصحابة على قتال مانعها. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل حتى يقولوا:
لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله» فقال: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا أو عقالا «١» كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها.
قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق.
وإنما تجب الزكاة على المسلم المكلف إذا بلغ ما يملكه نصابا من أي نوع من الأنواع التي تجب فيها الزكاة، فنصاب الذهب أن يبلغ عشرين مثقالا «٢» ونصاب الفضة أن تبلغ مائتي درهم «٣»، وما زاد منهما فبحسابه، وذلك بشرط حولان الحول، ونصاب الغنم أربعون شاة، ونصاب البقر والجاموس ثلاثون، ونصاب الإبل خمس، فمن ملك نصابا منها وحال عليه الحول وكانت سائمة وجب إخراج زكاته.
وعروض التجارة تقوّم بأحد النقدين، والزروع تجب فيها الزكاة على تفصيل بين الفقهاء في النصاب، وما يخرج منه وما لا يخرج، وما يسقى بالسيح أو ماء المطر وما يحتاج في سقيه إلى الة وتعب، وقد فصّلت ذلك كتب الأحاديث النبوية وكتب الفقه بما لا مزيد عليه.
وقد كان الشارع حكيما في تقدير الزكاة الواجبة من كل نوع، وجعل ذلك جزا من المال لا تضنّ به النفوس الشحيحة، لأن الله يعلم حب
_________________
(١) العناق: الأنثى من ولد الماعز. والعقال: ما تعقل به الإبل، أي لا يترك شيئا من الزكاة قط ولو قلّ.
(٢) وقدر ذلك باثني عشر جنيها ذهبا تقريبا.
(٣) وقدر ذلك بستة وعشرين ريالا فضة تقريبا.
[ ٢ / ١١٢ ]
النفوس للمال، فاقتضت حكمته أن يكون جزا يسيرا، وقد أشار الحق ﵎ إلى هذه الحكمة السامية، قال عز شأنه:
وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ. إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ «١» .
وقد رتّب الشارع الحكيم هذا الحق الذي يخرج بحسب المؤونة والتعب في المال وعدمها: فأقلها تعبا الركاز «٢»، وفيه الخمس لعدم التعب فيه أو قلّته، ويليه الزرع والثمر، فإن سقي بماء المطر والسيح فيه العشر، وإن سقي بالالة أو الدالية أو الساقية ونحوها فنصف العشر، ويليه الماشية، وقد لوحظ فيها أنها يدخلها الأوقاص «٣» .
مصارف الزكاة
وقد تكفّلت ببيان هذه المصارف الاية الكريمة:
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٤» .
وقد أسقط الفاروق عمر مصرف المؤلفة قلوبهم بعد أن أعز الله الإسلام، ولم يعد في حاجة إلى تأليف، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، ويرى بعض العلماء أن حقهم لم يسقط وأنه لا يزال باقيا إذا دعت الضرورة إليه.
_________________
(١) سورة محمد: الايات ٣٦- ٣٨.
(٢) الركاز: ما يوجد في بطن الأرض من مال أو معدن.
(٣) جمع وقص بفتح القاف وسكونها، ما بين الفريضتين من نصب الزكاة مما لا شيء فيه.
(٤) سورة التوبة: الاية ٦٠.
[ ٢ / ١١٣ ]
الزكاة أساس العدالة الاجتماعية الإسلامية
إن الغرض من تشريع الزكاة هو إشراك الفقراء والمساكين ومن على شاكلتهم في أموال الأغنياء، ولما بعث النبي ﷺ سيدنا معاذا إلى اليمن قاضيا أو واليا قال له: «أخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم» «١» .
والزكاة هي أساس العدالة الاجتماعية في المجتمع المسلم، ففيها اشتراك في المنفعة والثمرة لا في أصل المال، فقد ترك الشارع لأهل الأموال أموالهم لينمّوها، ثم فرض فيها حقا لازما لا يجوز التساهل فيه. قال سبحانه في صفة عباد الله المتقين:
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «٢» .
وقال:
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «٣» .
وقد سمعت انفا أن الصدّيق قاتل مانعي الزكاة، وجادله في هذا عمر حتى اقتنع برأيه، وصار أمرا مجمعا عليه من الصحابة، ولا عجب فالزكاة ركن أصيل في بناء المجتمع على أساس من التعاون والتكافل، والمشاركة في الخير والنعماء، وقد رأيت أن الإسلام جعلها حقا في الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، والزروع والثمار، وعروض التجارة، بل ذهب بعض الفقهاء إلى وجوبها في البقول، والخضر، والفواكه، وحلي النساء.
ترى لو أن الزكاة أخرجت من كل هذه الأنواع الحولية وغير الحولية، ووزعت في مصارفها المشروعة، هل كان هناك جائع لا يجد ما يسدّ جوعته؟
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) سورة الذاريات: الاية ١٩.
(٣) سورة المعارج: الايتان ٢٤، ٢٥.
[ ٢ / ١١٤ ]
أو عار لا يجد ما يستر عورته؟ أو متشرد لا يجد مسكنا يؤويه؟ أو مريض لا يجد مستشفى يستشفى فيه، أو طالب علم لا يجد ما يعينه على طلب العلم؟.
ترى لو أن الناس أخرجوا زكاة أموالهم بأمانة وإخلاص، من غير تهرب أو تحايل، ووزعت في مصارفها، هل كنت تجد بين المسلمين من يدعو إلى الشيوعية أو يعتنقها مذهبا؟ وهل كنت تجد بينهم في كثير من أقطار المسلمين هذا الفقر والضنك، وهذه الفوارق الشاسعة بين الناس؟ فهناك قلة تتمتاع بمتاع الحياة وزخارفها، بما يصل إلى حد الإسراف، وتبعثر الأموال هنا وهناك في الحانات وبيوت اللهو والفجور، وحلبات الرقص، والسباق والقمار!! وهناك الكثرة الكاثرة لا تتمتاع بالطيبات الحلالات، بل ولا تجد الضروريات.
إن الزكاة حينما كانت تجمع من كل من تجب عليه، وتنفق في سبلها المشروعة في صدر الإسلام، كان المجتمع الإسلامي على خير ما يكون رخاء ورغدا، وتمتعا بالطيبات، وتالفا وتاخيا وتحاببا. فقد روى الرواة أنه في عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵁ أخصب الناس، واغتنوا حتى إنهم بحثوا عن مستحق للصدقة فلم يجدوا، فما كان منهم إلا أن اشتروا بها عبيدا وأعتقوهم لوجه الله. وهكذا بلغ الإسلام في عصوره الأولى، بمستوى حياة المسلمين ومعيشتهم حدا لم تبلغه إلا أمم قليلة اليوم، وذلك بفضل تشريع الزكاة.
[ ٢ / ١١٥ ]
الغزوات والسرايا في السنة الثانية
غزوة الأبواء أو ودّان «١»
وهي أولى غزوات النبي ﷺ، وكانت في شهر صفر من السنة الثانية، خرج فيها النبي وبعض أصحابه، بعد أن استخلف على المدينة سعد بن عبادة من الخزرج ليعترض عيرا لقريش، وكان يحمل لواءه عمه حمزة أسد الله، وكان لونه أبيض، فلما وصلوا إلى ودّان وجدوا العير قد فاتتهم، فوادع النبي مخشي بن عمرو الضمري سيد بني ضمرة «٢»، وعاهده على أنهم امنون على أنفسهم، ولهم النصر على من رامهم، وأن عليهم نصر المسلمين إذا دعوا، وكانت هذه أول معاهدة عقدها الرسول مع غير يهود المدينة وقد حققت نصرا للمسلمين.
غزوة بواط «٣»
وأقام رسول الله بالمدينة حتى كان شهر ربيع الأول من هذه السنة، فبلغه أن عيرا لقريش ايبة من الشام، فيها أمية بن خلف ومائة من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فخرج إليها في مائتين من المهاجرين والأنصار بعد أن استخلف على المدينة سعد بن معاذ سيد الأوس، وكان يحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، فسار حتى بلغ بواط، ولكن أمية كان قد نمي إليه خبر خروج المسلمين للقائهم، فأسرع بالقافلة ونجا بها.
_________________
(١) ودان بتشديد الدال، والأبواء: مكانان متقاربان بينهما نحو ستة أميال.
(٢) ضمرة: بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم.
(٣) بواط بفتح الباء وضمها وتخفيف الواو: جبل من جبال جهينة بالقرب من ينبع.
[ ٢ / ١١٧ ]
غزوة العشيرة «١»
وفي جمادى الأولى أو الثانية بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش بأعظم عير لها، قد جمعوا فيها أموالهم حتى لم يبق بمكة قرشي له مثقال إلا بعث به في تلك العير، وكان يرأسها أبو سفيان بن حرب في بضعة وعشرين رجلا من قريش، فخرج إليها رسول الله ﷺ بعد أن استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وحمل لواءه عمه حمزة، ولم يزل سائرا يسعى الليل ويخفى النهار حتى بلغ العشيرة، فوجد العير قد أفلتت، مما يدل على أن قريشا بدأت تأخذ حذرها، وترسل لذلك العيون والجواسيس.
وفي أثناء عودته حالف بني مدلج وحلفاءهم بمثل ما حالف بني ضمرة، وبهذا كسب أيضا ودّ قبيلة أخرى من القبائل الواقعة على طريق التجارة بين مكة والشام، وهذا ولا شك فيه تقوية للمسلمين وإضعاف لقريش، فقد قطع عليهم الرسول بهذه الأحلاف أن يستجيروا بقبيلة من هذه القبائل، ويحتموا بها، وهي سياسة حكيمة ولا ريب.
غزوة بدر الأولى
لم يقم الرسول بالمدينة إلا بضع ليال بعد أوبته من العشيرة، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح «٢» المدينة حيث ترعى الأغنام ليأخذ منها ما تصل إليه يده، فخرج الرسول في طلبه بعد أن استخلف على المدينة زيد بن حارثة مولاه، وكان يحمل اللواء علي بن أبي طالب، حتى بلغ واديا يقال له «سفوان» من ناحية بدر، ولكن كان قد هرب كرز فلم يدركه، وهكذا بيّن النبي بهذا العمل الحازم أنه لن يقبل من أحد انتقاص حقوقهم، أو الإغارة على المدينة وما حولها من حمى وقرى.
_________________
(١) العشيرة بالتصغير والشين بهاء وبغيرها، وبالسين بهاء وبغيرها: مكان ببطن ينبع.
(٢) السرح: المرعى الذي ترعى فيه الدواب.
[ ٢ / ١١٨ ]
سرية عبد الله بن جحش
في رجب من السنة الثانية، أرسل الرسول ﷺ رهطا من المهاجرين ثمانية «١»، وقيل سبعة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وأعطاه كتابا وقال له: «لا تفتحه إلا بعد يومين، فإذا فتحته فامض لما أمرتك به، ولا تستكره أحدا من أصحابك» فلما سار بهم يومين فتحه فإذا فيه:
«إذا نظرت كتابي فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشا وتعلّم لنا من أخبارهم» فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بما في هذا الكتاب، وقال: قد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلّف منهم أحد.
وإنما وقع اختيار النبي على هذا المكان البعيد لأن أهل مكة كانوا قد بدؤوا يحتاطون لتجارتهم، ويأخذون لها الحذر، ويجتهدون في إخفاء أخبارها عن أهل المدينة، فغلبهم النبي على حذرهم، وأراد أن يتعرف أخبار تجارتهم من وادي نخلة الواقع بين مكة والطائف؛ وكانت حكمة بالغة أن لم يخبر النبي السرية بمقصده من إرسالهم ووجهتهم قبل مغادرتهم المدينة، حذرا من أن يشاع الخبر، فينقله أحد المنافقين أو اليهود إلى قريش، فتترصدهم في هذا المكان النائي عن المدينة، وهم قلة فتقتلهم.
_________________
(١) هم: أبو حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمي، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء الفهري.
[ ٢ / ١١٩ ]
وسار الركب حتى وصلوا مكانا يسمى «بحران»، فأضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه؛ فتخلّفا في طلبه، ومضى بقية الركب، حتى نزلوا «نخلة»، فمرت بهم عير لقريش فيها عمرو بن الحضرمي ومعه ثلاثة اخرون، فلما راهم القرشيون هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأطلّ عليهم عكاشة بن محصن «١»، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا:
عمّار لا بأس عليكم منهم.
وتشاورت السرية في أمرهم وكان في اخر يوم من رجب «٢»، فقالوا: والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم، فليمتنعنّ به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجّعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتالهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا اثنين وأفلت واحد، واستاقوا العير، ورجعوا بها وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ.
فلما علم أنهم قاتلوا في رجب قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام»، ووقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فسقط في يد رجال السرية، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنّفهم إخوانهم المسلمون، واتخذ المشركون مما حدث وسيلة للطعن في المسلمين، وقالوا: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا الأموال، وأسروا الرجال، وأرجف اليهود والمنافقون في المدينة قصد إشعال الفتنة.
وفي هذه الغمرة من الأسى والأسف، والتثريب والعتاب والإرجاف من الأعداء، نزل الوحي من السماء بقول الله سبحانه:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ
_________________
(١) عكاشة: بضم العين وتشديد الكاف، وقد تخفف، ومحصن: بكسر الميم وفتح الصاد.
(٢) وقيل إن ذلك كان في اخر يوم من جمادى الثانية، فقاتلوهم ظنا منهم أنه من جمادى، ثم ظهر أنه من رجب فندموا.
[ ٢ / ١٢٠ ]
مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» .
فكان في هذا إعذار من الله لأصحاب السرية، فسري عنهم وعن المسلمين ما كانوا فيه من الكرب والغمة، فقبض الرسول العير والأسيرين، وبعثت قريش في فدائهما، فقال رسول الله: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يريد سعدا وعتبة- فإنا نخشاكم عليهما، فإن قتلتموهما نقتل صاحبيكم»، فقدم سعد وعتبة سالمين، فأفداهما رسول الله، فأما أحد الأسيرين وهو الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا؛ وأما الثاني وهو عثمان بن عبد الله بن المغيرة فلحق بمكة، ومات بها كافرا.
وقفة عند ما نزل من القران
وما كان لنا أن نمر بهذه الاية دون أن نعرض لها بالبحث والاستنتاج، فقد كان ذلك مفترق طرق في سياسة الإسلام من تقدير للقيم الدينية والخلقية، وسمو بالمعاني الروحية والإنسانية، وعدم إغفال للبواعث الشريفة التي دعت رجال السرية للقتال في الشهر الحرام، دون الوقوف عند الظواهر والرسوم وما التزمه الناس من تقاليد كريمة مشروعة أو موروثة، فالله سبحانه أجاب المتسائلين بأن القتال في الشهر الحرام أمر كبير، ولكن هناك من الكبائر التي قام بها المشركون تجاه المسلمين ما هو أكبر وأعظم، فالصد عن سبيل الله- وهو الإسلام- والكفر به، والصد عن المسجد الحرام أن تؤدّى فيه الشعائر والمناسك، وإخراج المسلمين من بلدهم وأهليهم وأموالهم كلها أكبر عند الله مما فعل المسلمون!!.
_________________
(١) سورة البقرة: الايتان ٢١٧- ٢١٨.
[ ٢ / ١٢١ ]
ثم هم مع كل جرائمهم هذه فعلوا ما هو أشنع وأظلم، فقد ابتغوا الفتنة، فتنة المسلمين عن دينهم وعقيدتهم، وسلكوا كل وسيلة ممكنة للفتنة من وعد ووعيد وإغراء وتعذيب، وتجردوا في هذا من معاني الإنسانية والرحمة، ولا يزالون- وقد فعلوا كل هذه الجرائم- يحاولون جاهدين فتنة المسلمين وقتالهم والتضييق عليهم، فإذا كان المشركون يرتكبون هذه الكبائر كلها فلا جناح على من وقعت عليهم هذه الكبائر والاثام إن قاتلوهم في الشهر الحرام، وأسروا منهم، واستاقوا عيرهم، وإنما الحرج والإثم أن يقاتل في الشهر الحرام من يجترح هذه الأوزار والاثام.
وفي الاية الثانية عدة بالجميل لمن هاجر وجاهد في سبيل الله على سبيل الرجاء، وهو أسلوب من أساليب القران قصد به إزالة الأطماع، وعدم الاتكال والاعتماد على ما قدّموا من أعمال مجيدة فيما مضى، وحثّ لهم على إدامة الجهاد والكفاح فيما يأتي وما يستقبلون من حياتهم، وفي ضمن هذا عدة لأصحاب هذه السرية بالأجر والمغفرة.
[ ٢ / ١٢٢ ]
غزوة بدر الكبرى
ترقب وانتظار
بقي الرسول ﷺ والمؤمنون بالمدينة يترقبون قدوم العير العظيمة التي أفلت بها أبو سفيان، وكانت تبلغ ألف بعير، فيها معظم أموال قريش، وهي التي خرج للقائها في غزوة العشيرة التي مرّ الحديث عنها انفا.
وبعث رسول الله ﷺ برجلين من أصحابه هما: طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى «الحوراء» على البحر الأحمر، وهي محطة من محطات القوافل التي تسير بين الحجاز والشام ولابدّ للعير أن تمر بها يترصدانها، وقد تمكن الرجلان من أن يستميلا قبيلة جهينة، وأقاما يتسقّطان الأخبار، حتى تأكدا من موعد مبارحتها الشام، فعادا إلى الرسول يبلغانه الخبر، ويقال إن الرسول لم ينتظر قدوم الرسولين من مهمتهما وقرر الخروج إلى طريق الشام، خشية أن تفوته العير في إيابها كما فاتته في ذهابها ولا سيما أنه قوّم ما فيها بخمسين ألف دينار.
الخروج إلى العير
ندب الرسول ﷺ أصحابه إلى الخروج قائلا: «هذه عير قريش، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها» «١» فخفّ لدعوته أقوام، وتثاقل عنها اخرون، لظنهم أن رسول الله ﷺ لم يرد حربا، وقوي عندهم هذا الظن أن الرسول قال:
«من كان ظهره حاضرا فليركب معنا» ولم ينتظر من كان ظهره غائبا، فخرج
_________________
(١) في القاموس: نفله ونفّله وأنفله: أعطاه إياه، والنفل: الغنيمة.
[ ٢ / ١٢٣ ]
رسول الله ﷺ لثلاث وقيل لثمان ليال خلون من رمضان، وكان معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، منهم نيّف وأربعون ومائتان من الأنصار، والباقي من المهاجرين، ولم يتخلّف منهم إلا عثمان بن عفان لتمريض زوجته السيدة رقية بنت الرسول فقد اشتد عليها المرض.
واستخلف النبي عبد الله بن أم مكتوم ليصلي بالناس في المدينة، وردّ أبا لبابة الأنصاري من الرّوحاء واستعمله على المدينة، وردّ عاصم بن عدي أيضا واستخلفه على قباء والعالية، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض، وبين يدي رسول الله رايتان سوداوان: إحداهما مع علي بن أبي طالب، والثانية مع سعد بن معاذ، وكان معهم فرسان: أحدهما للزبير بن العوام، والثاني للمقداد بن الأسود، وسبعون بعيرا يعتقبونها، كل ثلاثة أو أربعة يتناوبون بعيرا.
فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب وأبو لبابة على بعير ولما ردّ أبا لبابة كان ثالثهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي «١»، وضرب رسول الله مع صاحبيه غاية العدل والرحمة، ذلك أنه لما جاءت نوبته في المشي قالا له: نحن نمشي عنك فقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» . وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة «٢» يتعاقبون بعيرا.
وسار الجيش القليل في عدده الكثير بروحه وإيمانه حتى وصل إلى «بيوت السقيا» خارج المدينة، وعسكر فيها واستعرض النبي من خرج معه، فردّ من ليس له قدرة على الحرب المحتملة الوقوع، وكان ممن ردّ: البراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، ففي صحيح البخاري عن البراء قال: «استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيّفا على ستين، والأنصار نيّفا وأربعين ومائتين»» .
_________________
(١) أبو مرثد اسمه كناز بن حصين ينتهي نسبه إلى قيس بن عيلان.
(٢) الثلاثة موالي رسول الله ﷺ.
(٣) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب «عدة أصحاب بدر» .
[ ٢ / ١٢٤ ]
وروي عن البراء أيضا: «أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، بضعة عشر وثلاثمائة» .
وقد اختلف في هذا البضع، فقيل: ثلاثة عشر، وقيل: أربعة عشر، وقيل: خمسة عشر، ولا ينافي هذا ما ذكره ابن سعد من أنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة رجال، وما ذكره ابن جرير من أنهم كانوا ثلاثمائة وستة؛ لأن هناك صحابة عدوا من أهل بدر، ولكن النبي ﷺ ردّ بعضهم، استخلافا له كسيدنا أبي لبابة، أو تخلّفوا عنها لأعذار وضروريات كسيدنا عثمان، فقد تخلّف لتمريض زوجته السيدة رقية بنت الرسول، وكسيدنا الحارث بن الصمة، فقد كسرت رجله بالرّوحاء فردّه النبي ﷺ «١»، والاختلاف في مثل هذا سهل غير بعيد.
أبو سفيان واستنفار قريش
كان أبو سفيان على حذر أن تقع العير في قبضة المسلمين، فلما دنا من الحجاز صار يتجسس الأخبار، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك وخاف العاقبة، إذ لم يكن معه من قريش في حراسة العير إلا ثلاثون أو أربعون رجلا، وما يغني هذا العدد عند اللقاء؟.
فاستأجر ضمضم «٢» بن عمرو الغفاري، فبعثه مسرعا إلى مكة ليستنفر قريشا إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فوصل ضمضم إلى مكة، وقد جدع أذني بعيره وأنفه، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، وقال:
يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة «٣» . أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها. الغوث الغوث.
_________________
(١) فتح الباري، ج ٧ ص ٢٣٣.
(٢) بفتح الضادين، وسكون الميم بينهما.
(٣) اللطيمة: العير التي تحمل التجارة والأموال.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وما لبث أبو جهل حين سمعه أن صاح بالناس من عند الكعبة يستنفرهم، وكان أبو جهل رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، ولم تكن قريش في حاجة إلى من يستنفرها فقد كان لكل منهم في هذه العير نصيب.
فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ والله ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إما خارج، وإما باعث مكانه رجلا. وأوعبت قريش «١»، فلم يتخلف من أشرافها إلا أبو لهب بن عبد المطلب، فقد بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة استأجره بأربعة الاف درهم كانت عليه قد أفلس بها، وكاد أمية بن خلف يتخلّف، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، ذلك أنه سمع من صديقه سعد بن معاذ- وقد ذهب إلى مكة معتمرا بعد الهجرة- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنهم قاتلوك» قال: بمكة؟
قال سعد: لا أدري. فلما حصل الاستنفار تذكر هذا وداخله رعب شديد.
ولكن الله إذا أراد شيئا هيأ له الأسباب، فلم يلبث أبو جهل- وقد علم بخبر تخلفه- أن جاءه ومعه عقبة بن أبي معيط، ومع عقبة مجمرة فيها بخور، ومع أبي جهل مكحلة ومرود، فوضع عقبة المجمرة بين يديه وقال له:
يا أبا علي استجمر فإنما أنت مثل النساء، وقال أبو جهل: اكتحل أبا علي فإنما أنت امرأة، فلم يجد بدا وقد استثارا حميته بهذا الكلام الجارح لرجولته إلا أن قال لهم: ابتاعوا لي أجود بعير بمكة، وخرج معهم وفي نيته أن يرجع بعد قليل متسللا، ولكن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه، وهكذا لم يتخلّف بمكة قادر على القتال، غير بني عدي فلم يخرج منهم أحد.
تخوف قريش من بني بكر
وكانت قريش تتخوف إذا خرجت إلى لقاء النبي وصحبه أن يأتيهم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة من خلفهم، لما كان بينهم من ثارات وقتل في الجاهلية، حتى كاد ذلك يثنيهم عن الخروج لولا أن جاء سراقة بن مالك بن
_________________
(١) يقال: أوعب القوم إذا خرجوا جميعا إلى الغزو.
[ ٢ / ١٢٦ ]
جعشم «١» المدلجي- وكان من أشراف بني كنانة- فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فزالت مخاوفهم وأجمعوا على المسير.
فخرجوا بجمعهم بطرين أشرين، وقد أشار الحق ﵎ إلى هذا بقوله:
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ «٢» .
وكان مثله ومثلهم:
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ «٣» .
وكان تعداد جيش المشركين تسعمائة وخمسين رجلا، معهم مائة فرس وسبعمائة بعير يعتقبونها، وأمامهم القينات يغنين بهجاء المسلمين، وساروا يحدوهم البطر، ويملؤهم الزهو والغرور حتى كانت عاقبة أمرهم هلاكا وخسرا.
_________________
(١) وقيل إن إبليس جاء في صورة سراقة وقال: إني جار لكم وسار معهم، حتى لما كانت الموقعة ونزلت الملائكة نكص على عقبيه.
(٢) سورة الأنفال: الايتان ٤٧، ٤٨.
(٣) سورة الحشر: الايتان ١٦، ١٧.
[ ٢ / ١٢٧ ]
فرار أبي سفيان بالعير واختلاف المشركين في الخروج
أما أبو سفيان فقد ساحل بالعير خارجا عن الطريق المعتاد، فنجا، وأرسل إلى قريش وقد خرجت عن بكرة أبيها يعلمهم بذلك، ويشير عليهم بالرجوع قائلا: (إنكم قد خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله فارجعوا)، ورأى رأي أبي سفيان من قريش عدد غير قليل، لكن أبا جهل ما لبث حين سمع هذا الكلام أن صاح قائلا: (والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم عليها ثلاثا، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا) .
وقال الأخنس بن شريق «١» - وكان حليفا لبني زهرة وكان فيهم مطاعا-: (يا بني زهرة قد نجّى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم- مخرمة بن نوفل- فارجعوا، فاتّبعوا مشورته ورجعوا، فلم يشهد بدرا زهريّ، وكذلك لم يشهدها أحد من بني عدي، وكان بين طالب بن أبي طالب- وكان في صفوف المشركين- وبين بعض قريش محاورة فقال له: والله لقد عرفنا يا بني هاشم- وإن خرجتم معنا- أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، ومضت جموع قريش في خيلها وخيلائها حتى وصلت وادي بدر، فنزلوا عدوته القصوى عن المدينة في أرض سهلة لينة.
مسير المسلمين إلى بدر «٢»
أما النبي ﷺ فقد سار وأصحابه في الطريق إلى بدر، وكان لا يزال شائعا بين صفوف المسلمين أن عير أبي سفيان ستمر بها في طريقها إلى مكة، ولم يكن ﵇ عارفا بما فعله أبو سفيان من إفلاته بالعير، ولا بما قامت به قريش
_________________
(١) شريق: بفتح الشين المعجمة وكسر الراء.
(٢) بدر: مكان بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، سمي باسم بئر هناك. وكان به سوق تقام كل سنة ثمانية أيام وبه قرية الان.
[ ٢ / ١٢٨ ]
من جمع جموعها والتوجه إلى بدر حتى بلغ واديا يقال له «ذفران» «١» أو «الروحاء»، وهناك أتاه الخبر عن قريش ومسيرهم في جيش كبير لمنع العير وحمايتها.
وحينئذ تغيّر وجه الأمر، ولم يصبح الأمر مقصورا على اللحاق بالعير والاستيلاء عليها، فها هي قريش خرجت بجموعها الكثيرة، وبذلك ترجحت كفة القتال والمناجزة، فجمع رسول الله ﷺ كبراء الجيش وقال لهم: «أيها الناس إن الله وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم: إما العير، وإما النفير»، فتبيّن له ﵊ أن البعض يريد العير، ولا يرغب في لقاء النفير، وقال بعضهم: هلّا ذكرت لنا القتال فنستعد؟ ولكن الأكثرية كانت تريد لقاء النفير، وقد ذكر الله سبحانه هذا في قوله:
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ «٢» .
وإذا أراد الله شيئا هيّأ له الأسباب، وإن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا.
استشارة النبي أصحابه في القتال
وقد كانت هذه الاستشارة بمثابة اختبار لإيمان المسلمين، وصلابة عقيدتهم، ومقدار استعدادهم للقتال والتضحية في سبيل الإسلام، وقد أسفر الامتحان عن نجاح باهر، ودلّلوا بحق على أنهم أهل لحمل الرسالة المحمدية والجهاد في سبيل تبليغها للناس كافة.
_________________
(١) ذفران: بفتح الذال المعجمة وكسر الفاء: واد قرب وادي الصفراء.
(٢) سورة الأنفال: الايتان ٧، ٨. والمراد بالطائفتين: العير أو النفير يعني الجيش. ومعنى الشوكة: السلاح. فغير ذات الشوكة هي العير. وقد صار مثلا أن يقال: فلان لا في العير ولا في النفير لمن لا خطر له ولا يؤبه به.
[ ٢ / ١٢٩ ]
استشار النبي أصحابه في القتال، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن الكلام، وقام الفاروق عمر فقال وأحسن الكلام، ثم قام المقداد بن الأسود «١» فقال: (يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون- وفي رواية البخاري في صحيحه: «ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك» - فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد «٢» لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه)، فقال له رسول الله خيرا ودعا له.
ثم قال رسول الله: «أشيروا عليّ أيها الناس»، وإنما يريد الأنصار لأنهم لما بايعوه ليلة العقبة بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ما دام بين أظهرهم، ولم تكن المبايعة على قتال خارج المدينة، وإنها لمشورة حقة ممن كان أصدق الناس بالوعود، وأوفاهم بالعهود، وأبعدهم عن التوريط والخداع، وقد فطن لهذا السيد الجليل سعد بن معاذ فقال: (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله)؟ قال «أجل» فقال: (لقد امنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب. صدق «٣» عند اللقاء. لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر على بركة الله) فسرّ الرسول وأشرق وجهه، ثم بشّر القوم بالنصر قائلا: «سيروا
_________________
(١) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، كان أبوه ترك بلاد قومه إلى حضرموت، وهنالك تزوج وولد لهم المقداد، فلما كبر المقداد تلاحى هو ورجل اخر، فضربه بالسيف وهرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، فتبنّى المقداد، فكان يعرف به، فلما أبطل الإسلام ذلك كان يقال له: المقداد بين عمرو، ولكن بقيت شهرته ابن الأسود.
(٢) برك: بفتح الباء، الغماد بكسر الغين موضع على خمس ليال من مكة في طريق اليمن.
(٣) صبر: بضم الصاد والباء جمع صبور، صدق: بضم الصاد والدال جمع صدوق.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الان أنظر إلى مصارع القوم» .
وكيف لا يسر الرسول بهذه المواقف المشرفة التي مبعثها الإيمان الصادق الذي لا يعرف الضعف ولا الاستخذاء، والذي ظهرت ثمراته في كلمات طيبة مؤمنة، والتي كشفت عن معدن العرب المسلمين الأصيل، وأبانت الفرق الشاسع ما بين موقف اليهود من نبيهم موسى ﵇ وموقف المسلمين من نبيهم محمد ﷺ. وإنها لمقارنة صادقة حقة في هذا الموقف الدقيق، تشف عن نفاسة معدن العرب، وبطولتهم، وعن خبث معدن بني إسرائيل ونذلتهم.
تسنّط أخبار قريش
وارتحل المسلمون من «ذفران»، حتى إذا كانوا على مقربة من بدر ركب رسول الله وصاحبه الصّديق حتى وقفا على شيخ من العرب يقال له: سفيان الضمري، فسأله الرسول عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه من أخبارهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله:
«إذا أخبرتنا أخبرناك» فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم»، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جمع رسول الله ﷺ، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به قريش، فلما فرغ قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله:
«نحن من ماء» «١» !! ثم انصرفا عنه فقال الشيخ: ما من ماء؟ أمن ماء العراق «٢»؟
ثم رجع رسول الله وصاحبه إلى أصحابه. فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء
_________________
(١) هذا من التوريات البديعة، وهو يحتمل معنيين: أحدهما قريب وهو المكان المعروف بهذا الاسم، والثاني بعيد وهو الماء الذي خلق منه كل كائن حي، وهو مراد النبي.
(٢) يعني أمن المكان الذي بالعراق أم من غيره؟
[ ٢ / ١٣١ ]
ببدر يتسقطون له الأخبار، ويتجسسون على قريش، فأصابوا راوية «١» لقريش فيهما غلامان لهما: غلام لبني الحجاج، وغلام لبني العاص بن سعيد، فأتوا بهما ورسول الله ﷺ يصلي، فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أوجعوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما، فلما فرغ رسول الله من صلاته قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا- والله- إنهما لقريش»، ثم قال لهما: «أخبراني عن قريش» فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: «كم القوم»؟ قالا: كثير، قال: «ما عدّتهم»؟ قالا:
لا ندري، قال الرسول: «كم ينحرون كل يوم»؟ قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال رسول الله ﷺ: «القوم ما بين التسعمائة والألف» «٢» . فقال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش»؟ فذكرا: عتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبا جهل، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو في اخرين من صناديد قريش، فأقبل رسول الله ﷺ إلى أصحابه قائلا: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» !!.
تعرف أخبار العير
وكما عاد سيدنا علي ومن معه بالغلامين وبخبر قريش معهما، عاد رجلان اخران ذهبا يتعرفان أخبار العير، حتى عرفا من جاريتين تتنازعان على حقّ لإحداهما على الاخرى على ماء لهم أن العير ستقدم غدا أو بعد غد، وأخبرا الرسول بما سمعا.
وكان أبو سفيان قد سبق العير يتسقّط الأخبار حذرا أن يكون المسلمون قد سبقوه إلى الطريق، فلما ورد الماء وجد عليه مجدي بن عمرو، فسأله هل رأى أحدا؟ فأجابه بأنه لم ير إلا راكبين أناخا إلى هذا التل، وأشار إلى حيث أناخا،
_________________
(١) الراوية: الإبل يستقى عليها الماء.
(٢) هذا من حصافة الرسول، وألمعيته النادرة، وحدسه الصائب الذي لا يخطىء.
[ ٢ / ١٣٢ ]
فأتى أبو سفيان مناخهما فوجد في روث بعيريهما نوى، عرفه من علائف يثرب، فأسرع إلى أصحابه، وعدل بالسير عن الطريق المعهود متبعا ساحل البحر، مسرعا في سيره حتى نجا بالعير كما قدمنا، وأصبح الغد والمسلمون في انتظار مرور العير بهم، فإذا الأخبار تصلهم أنها فاتت، وأن قريشا بجموعها تعسكر بالقرب منهم، وهكذا أفلتت العير، ولم يبق إلا النفير وتعيّن القتال.
جيش المسلمين في بدر
وسار المسلمون حتى نزلوا بعدوة الوادي الدنيا «١» بعيدا عن الماء في أرض سبخة، لا تثبت عليها الأقدام، فأصبحوا عطاشا، وبعضهم جنب، وبعضهم محدث، ووجد إبليس وأعوانه مجالا للوسوسة، وإلقاء الريب والشكوك في النفوس، فهجس قائلا: ما ينتظر المشركون منكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب قواكم، فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا.
اية من السماء
ولكن الله عز شأنه أبطل كيده، ومنّ عليهم بأن أرسل عليهم السماء مدرارا فشربوا، وتوضأوا واغتسلوا، وملأوا الأسقية، ولبّد المطر الأرض من تحت أقدامهم، فسّهل لهم السير، على حين كان نقمة على المشركين، فقد وحل الأرض تحت أقدامهم، حتى لم يعودوا يقدرون على الارتحال، وصدق الله حيث يقول:
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ «٢» .
وسار جيش المسلمين حتى نزل أدنى ماء من بدر.
_________________
(١) العدوة: جانب الوادي. الدنيا: القريبة من المدينة، أما العدوة القصوى فهي البعيدة عنها.
(٢) سورة الأنفال: الاية ١١.
[ ٢ / ١٣٣ ]
مشورات حكيمة
لما نزل النبي بالمسلمين هذا المنزل قال الحباب «١» بن المنذر الخزرجي وكان معروفا بجودة الرأي والدربة في الحروب- لرسول الله ﷺ: أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال الرسول: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من الابار، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله: «لقد أشرت بالرأي»، ونفّذ ما أشار به الحباب.
وقد دلّل النبي بهذا على تأصل روح الشورى في نفسه الشريفة فيما لم ينزل فيه وحي، وأنه على جلالة قدره، ووفور عقله، وبعد نظره لا يستبد برأيه، ولا يأنف من الرجوع إلى الحق، كما هو شأن الكثيرين من القادة والزعماء والسياسيين، فإن الواحد منهم قد يودي بأمة في سبيل التشبث برأي قد يكون خطأ، وما ذلك إلا لأنه نبي يتبع ما يؤمر به، وصدق الله:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ «٢» .
ومن المشورات الصائبة، مشورة سعد بن معاذ الأوسي، فقد قال:
(يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلّف عنك أقوام ما نحن بأشد حبّا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك ويجاهدون معك) . فأثنى عليه النبي خيرا، ودعا له بخير، ثم بني
_________________
(١) الحباب: بضم الحاء المهملة وفتح الباء المواحدة المخففة.
(٢) سورة ال عمران: الاية ١٥٩.
[ ٢ / ١٣٤ ]
للرسول عريش على تل مشرف على ميدان القتال، فكان فيه ومعه صاحبه الصدّيق يحرسه.
وهذه الفكرة التي أشار بها سعد هي من أدق فنون الحرب، فالقائد ينبغي أن يكون بمنأى عن ميدان القتال، حتى يكون قادرا على التوجيه والإشارة بما يراه من أساليب القتال. وحتى لا يصاب فينفرط بإصابته عقد الجيش، فيكون ماله الفشل والهزيمة، وقضى الرسول في ذلك العريش ليلته ومعه الصّديق، وأقام سعد بن معاذ على مدخل العريش بسيفه، ونام المسلمون نوما عميقا استراحوا فيه من وعثاء السفر.
تصافّ المسلمين
وفي الصباح صف النبي جنوده للقتال صفوفا متراصة، لا خلل فيها ولا اعوجاج، حسبما أشار إليه القران في قوله سبحانه:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ «١» .
وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما راها رسول الله تنحدر من وراء الكثيب إلى الوادي قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم «٢» الغداة»، ووقف الجيشان وجها إلى وجه، فلما رأى رسول الله ﷺ عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر قال: «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» .
رؤيا الرسول
وكان رسول الله ﷺ قد رأى في منامه- ليلة اليوم الذي التقى فيه الجيشان- المشركين قليلا عددهم، كي يجرؤوا عليهم ولا يهابوهم. قال سبحانه:
_________________
(١) سورة الصف: الاية ٤.
(٢) الحين: بفتح الحاء الهلاك، أي أهلكهم وأمتهم.
[ ٢ / ١٣٥ ]
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «١» .
وكذلك شاء الله أن يقلّل المشركين في أعين المسلمين، ويقلّل المسلمين في أعين المشركين كي يتجرأ الجيشان، وتقع الواقعة، فيكون النصر والعزة للمسلمين، والهزيمة والذلة للمشركين، والله سبحانه إذا أراد شيئا مما يجري بين الخلق يسّر له الأسباب، ووفّر له الدواعي. قال عز شأنه:
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «٢» .
وروي عن ابن مسعود قال: لقد قلّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى إني لأقول للرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة!!
وكان ذلك عندما تراءى الفريقان، فلما التحم الجيشان، وأمدّ الله المسلمين بالملائكة تعينهم وتثبت قلوبهم، وتلقي الرعب في قلوب أعدائهم، وتكثّر عددهم، راهم المشركون مثليهم، وعلى هذا ينزّل قول الحق ﵎:
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ «٣» .
فإن المعنى على أصح القولين أن الفئة الكافرة رأت الفئة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا «٤» .
_________________
(١) سورة الأنفال: الايتان ٤٣، ٤٤.
(٢) سورة الأنفال: الايتان ٤٣، ٤٤.
(٣) سورة ال عمران: الاية ١٣.
(٤) انظر تفسير ابن كثير، والبغوي، ج ٤ ص ٧٣، وتفسير الالوسي، ج ٣ ص ٩٦.
[ ٢ / ١٣٦ ]
تخاذل في صفوف المشركين
لما نزلت قريش منازل القتال بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا له:
احزر- قدّر- لنا أصحاب محمد، فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: (ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت- يا معشر قريش- البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم) «١» .
فشل المساعي لعدم الحرب
ثم سعى بعض العقلاء في الحيلولة بين قريش والحرب، فقد مشى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى ألاتزال تذكر فيها بخير إلى اخر الدهر؟ قال:
وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، قال: قد فعلت. هو حليفي علي عقله- دينه- وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية- أبا جهل- فإني لا أخشى أن يجسر أمر الناس غيره.
ثم قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمد وبين سائر العرب فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك لم نتعرض منه لما تكرهون.
فانطلق حكيم إلى أبي جهل، فأرغى وأزبد، واتهم عتبة بالجبن، والتخوف على ابنه أبي حذيفة الذي كان في صفوف المسلمين وأوعز إلى عامر
_________________
(١) فروا: أمر من رأى وصل بواو الجماعة.
[ ٢ / ١٣٧ ]
ابن الحضرمي أن ينشد مقتل أخيه؛ فقام عامر مكتشفا وصرخ: واعمراه، واعمراه، فانتصر الشر على محاولات الخير، ولم يعد من الحرب مفر.
مخاطرة من بعض المشركين
وقبل أن تقوم الحرب خرج من صفوف المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وقال: (أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه)، وتقدم نحو الحوض فعاجله أسد الله حمزة بضربة قطع بها نصف ساقه، فوقع على الأرض وصار يزحف نحو الحوض إبرارا لقسمه حتى اقتحمه، فثنّى عليه سيدنا حمزة بضربة أخرى قضت عليه، وحينئذ ثار الدم في العروق، وأهاج منظر الدم النفوس، وأوشكت رحى الحرب أن تدور، ووقف رسول الله بين أصحابه ينفخ فيهم من روحه، ويشحذ عزائمهم بصدق إيمانه وسحر بيانه، فكان مما قال: «وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرّج الله به الهم، وينجّي به من الغم» .
ابتداء الحرب بالمبارزة
وابتدأت الحرب بالمبارزة، فخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، وطلبوا المبارزة، فخرج إليهم فتية ثلاثة من الأنصار، فقالوا من أنتم؟
قالوا: رهط من الأنصار «١»، فقالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا أكفاءنا من بني عمنا. وذكر بعض محقّقي كتّاب السيرة «٢» أن النفر من الأنصار لما خرجوا كره رسول الله ﷺ ذلك، لأنه أول موقف واجه فيه الرسول أعداءه، فأحب أن يكون أولئك من أهله وذوي قرباه، فأمر الأنصار بالرجوع وقال: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي»»
، فبارز عبيدة- وكان أسنّ
_________________
(١) هم: عوف ومعوذ ابنا الحارث، وعبد الله بن رواحة الأنصاريون.
(٢) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٧٣.
(٣) عبيدة هو ابن الحارث، بن المطّلب، بن عبد مناف، وقد أخطأ قلم بعض كتّاب السيرة فظن أنه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب مثل المرحوم الشيخ الخضري في «نور اليقين»، وعلى هذا فيكون المتبارزون اثنين من بني هاشم وواحدا من أبناء عمومتهم، وبنو هاشم والمطلب سواء في الجاهلية والإسلام كما قال الرسول الكريم.
[ ٢ / ١٣٨ ]
الثلاثة- عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة وعلي فقتل كل منهما صاحبه، وأما عبيدة وعتبة فاختلفا بضربتين كلاهما أصاب الاخر، فكرّ حمزة وعلي فأجهزا على عتبة، واحتملا صاحبهما وجاا به إلى رسول الله، فأفرشه قدمه، فوضع خده عليها وقد طاب نفسا بذلك، ثم قال:
يا رسول الله، وددت والله أن أبا طالب كان حيا ليعلم أنّا أحقّ منه بقوله:
ونسلمه حتى نصرّع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل «١»
ثم لم يلبث عبيدة أن توفي بعد من جراحته، فقال رسول الله: «أشهد أنك شهيد» . وفي شأن هذين الفريقين المتبارزين نزل قوله تعالى:
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ «٢» .
تعديل الرسول صفوف الجيش
وبعد المبارزة رجع رسول الله ﷺ إلى جيش المسلمين يعدل من صفوفه بقضيب في يده، فمر بسواد بن غزية «٣» حليف بني النجار وهو خارج عن الصف، فطعنه في بطنه بالقضيب وقال: «استقم يا سواد»، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني- يعني مكني من نفسك حتى أقتص- فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه راضيا وقال: «استقد يا سواد»، فاعتنقه سواد وقبّل بطنه!! فقال النبي: «وما حملك على هذا يا سواد»، قال:
يا رسول الله حضر ما ترى- يعني موطن الشهادة- فأردت أن يكون اخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له الرسول بخير!!
_________________
(١) من قصيدة أبي طالب اللامية المشهورة التي يقسم فيها ألايسلم لهم رسول الله أبدا حتى يموتوا دونه. والحلائل: الزوجات. وقبل هذا البيت: كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ولمّا نطاعن دونه ونناضل نبزى: نسلمه ونغلب عليه، والكلام على حذف «لا» أي لا نبزى ولا نسلمه، وفي رواية «لا نبزى محمد» بالرفع.
(٢) رواه البخاري ومسلم. والاية من سورة الحج رقم ١٩.
(٣) سواد بتخفيف الواو، غزية كفنية.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف يبلغ السمو النفسي والخلقي بصاحبه، وترينا كيف قبل النبي على جلالته عن طيب خاطر أن يقتصّ أحد المسلمين من نفسه، وهو غاية ما يطمع فيه من عدل في هذه الحياة، وترينا أيضا كيف بلغ حب هؤلاء الصحابة للرسول وتكريمه وتقديسه في نفوسهم، قداسة لا تخل بدين ولا عقيدة، فهذا سواد وقد حضر موطن الشهادة يريد أن يحظى بلمسة من جسد الرسول، لأنه يرى فيها ثلج الصدر، وطمأنينة القلب وغذاء الروح!!
وصاة النبي للمسلمين
وتزاحف الناس من الفئتين، ودنا بعضهم من بعض، وأخذت جموع المشركين الغفيرة تنحدر نحو معسكر المسلمين، والمسلمون ثابتون في مكانهم، وذلك عملا بنصيحة الرسول ﷺ فقد قال لهم: «لا تحملوا حتى امركم، وإن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل، ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم»، وقد بلغ النبي الغاية في السياسة الحربية بهذه الخطة الحكيمة، إذ أن معسكر المسلمين يكاد يكون خلوا من الخيل التي لابدّ من وجودها في الهجوم، هذا إلى قلة عددهم وكثرة عدد عدوهم، فكان لابدّ من اتباع خطة الدفاع بدل الهجوم.
إشفاق ودعاء
وعاد رسول الله ﷺ إلى العريش ومعه صاحبه الصدّيق، وسعد بن معاذ على باب العريش شاهرا سيفه، وكان رسول الله أشد ما يكون إشفاقا على المسلمين وهم قليل، وأخوف ما يكون من مصير هذا اليوم الذي له ما بعده، واتجه النبي بقلبه وصدق إخلاصه إلى ربه، مناشدا إياه ما وعده، ومستنزلا النصر والمدد لأصحابه، قائلا: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبدا»، وما زال يدعو ويستغيث حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فرده على منكبيه ثم قال:
(يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك) .
وأخذت النبي سنة وهو في العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، فقد
[ ٢ / ١٤٠ ]
أتاك نصر الله، هذا جبريل اخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع»، وصدق الله حيث يقول:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ «١» .
التحريض على القتال
ثم خرج رسول الله ﷺ إلى صفوف المسلمين يحرضهم على القتال، ويعدهم بالخلود في جنات النعيم بمثل قوله: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. ومن قتل قتيلا فله سلبه» «٢»، وقوله: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، فسمع ذلك عمير بن الحمام الأنصاري «٣» فقال: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض!؟ قال: «نعم» قال: بخ بخ «٤» !! فقال له رسول الله:
«ما يحملك على قول: بخ بخ؟» قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها» .
وكان معه تمرات في يده يأكل منهن، فقال: لئن أنا حييت حتى اكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة!! فرمى بما بقي معه ثم قاتل وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد وكلّ زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد
وما زال يقاتل حتى قتل شهيدا ﵁ وأرضاه «٥» .
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ٩.
(٢) السلب: بفتح السين واللام ما على المقاتل من سلاح وثياب وقيل من سلاح.
(٣) عمير: بالتصغير. الحمام: بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم.
(٤) كلمة رضا واستحسان.
(٥) الإصابة في تاريخ الصحابة ج ٣ ص ٣١.
[ ٢ / ١٤١ ]
وقال عوف بن الحارث وهو ابن عفراء: يا رسول الله ما يضحك الربّ من عبده؟ قال: «غمسه يده- أي سيفه- في العدو حاسرا»، فنزع درعا كانت عليه فقذفها، وصار يقاتل حتى استشهد ﵁ وأرضاه.
القوى الروحية تفوق القوى المادية
وأخذ رسول الله كفا من الحصا بيده، ثم خرج واستقبل القوم فقال:
«شاهت الوجوه» ثم رماهم بها وقال لأصحابه: «شدّوا» فشدّوا.
والتحم الجيشان، واشتد القتال، وحمي الوطيس، وتعانقت السيوف، وتخاطبت الأسنة بدل الألسنة، وتوالت الإمدادات الإلهية بجند الله من الملائكة تثبت قلوب المؤمنين، وتزفّ لهم البشرى، وتلقي الرعب في قلوب المشركين، وتشارك في القتال أحيانا، وصدق الله:
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ «١» .
وأظهر المسلمون بطولات فائقة، وعرفت الدنيا أن القوى الروحية لا تقهرها القوى المادية، وأن النفس البشرية إذا امتلأت بالإيمان وحب الشهادة تضاءلت أمامها شم الجبال الراسيات، فما بالك بالنفوس الخاويات، والقلوب الفارغات؟ وأن الله القوي القاهر يمد عباده المؤمنين بنصر من عنده إذا صدقوا الإيمان، وأخلصوا له في الجهاد، وانتصروا على شهواتهم وأنفسهم، واتقوا الله حق تقواه.
وكان شعار المسلمين يوم بدر «أحد. أحد»، وما هي إلا ساعة حتى انجلت المعركة عن نصر حاسم للمسلمين، وهزيمة منكرة للمشركين، فقتل سبعون من صناديدهم، وأسر سبعون، ومن أفلت من القتل أو الأسر سارع إلى الهرب وقال: النجاء النجاء!!.
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ١٢.
[ ٢ / ١٤٢ ]
ولم تزد خسارة المسلمين يومئذ عن أربعة عشر شهيدا: منهم ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. ولا عجب فقد كانت يد الله فوق أيديهم، وقوته معهم، وكأنما كانت الحصى التي رمى بها الرسول سهاما صائبة ونارا محرقة؛ وصدق الله:
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «١» .
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٢» .
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «٣» .
وكان هذا النصر المبين في يوم الجمعة السابع عشر من رمضان يوم الفرقان الذي فرّق الله فيه بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وهو يوافق اليوم الذي ابتدأ الله فيه نزول القران على نبيّه محمد ﷺ، وهو يتعبّد في غار حراء، وبين التاريخين أربع عشرة سنة قمرية، بدئت بالقران، وتوّجت بيوم الفرقان.
مشاركة الرسول في القتال
ولم يكتف رسول الله ﷺ بالدعاء والتحريض على الجهاد، فقد شارك في القتال. روى الإمام أحمد بسنده عن علي قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا) . وروى البخاري بسنده عن ابن عباس أن رسول الله خرج من العريش يوم بدر وهو يثب في الدرع ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ، وهذه الاية مكية قطعا، ولكن وقع مصداقها يوم بدر، وهذا ممّا سبق نزوله معناه، ولما نزلت الاية بمكة قال عمر: أي جمع هذا؟! فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فعرفت تأويلها يومئذ «٤» .
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ١٧.
(٢) سورة الأنفال: الاية ١٠.
(٣) سورة ال عمران: الاية ١٢٣.
(٤) الإتقان ج ١ ص ٣٦.
[ ٢ / ١٤٣ ]
الصدّيق والقتال
وكان الصدّيق في بدر ملازما للرسول في العريش وخارجه، وبيده السيف يذب به عنه. روي عن علي ﵁ أنه خطب ذات يوم فقال: (يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر. إنا جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله، لا يهوي إليه أحد من المشركين إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس) . ثم قال: (ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش، فهذا يحادّه، وهذا يتلتله، ويقولون: أأنت جعلت الالهة إلها واحدا؟ فو الله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجاهد هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أو مؤمن ال فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم فقال علي: والله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن ال فرعون: ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) «١» .
إمداد الله المسلمين بالملائكة يوم بدر
اتفق العلماء قاطبة على إمداد الله سبحانه للمسلمين يوم بدر بالملائكة، وذلك لقوله سبحانه: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٢»، وقوله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ إلى قوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ «٣» . وقد حصل هذا الإمداد على مرات بألف أولا، ثم بثلاثة الاف، ثم بخمسة الاف، وبذلك تكمّل الايات بعضها بعضا.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ٢٧١.
(٢) سورة الأنفال: الايتان ٩، ١٠.
(٣) سورة ال عمران: الايات ١٢٤- ١٢٧.
[ ٢ / ١٤٤ ]
ولكنهم اختلفوا، أحصل قتال من الملائكة أم لا؟ فذهب الكثيرون إلى حصول القتال فضلا عن البشرى والتثبيت بإبقاء الخواطر الحسنة في قلوب المسلمين، وذلك لقوله سبحانه:
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ «١» .
واستدلوا أيضا بالأحاديث والاثار الواردة في هذا، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم- اسم فرس هذا الملك-، فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدّث رسول الله ﷺ، فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» .
وروى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: (لم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون) «٢»، وابن عباس وإن لم يكن حضر الموقعة يومئذ لصغره وعدم هجرته، فلابد أن يكون سمع ذلك من رسول الله فيما بعد، أو من مشيخة المهاجرين والأنصار.
وذهب بعض العلماء إلى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وإنما كانت عونا ومددا، تثبّت القلوب، وتبشّر بالنصر، وتكثّر العدد، واستدلوا بقوله سبحانه:
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ «٣»، وقوله: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ «٤» . فقد ذكر الله هاتين الايتين بعد ايات
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ١٢.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ج ١٢ ص ٨٥.
(٣) سورة الأنفال: الاية ١٠.
(٤) سورة ال عمران: الاية ١٢٦.
[ ٢ / ١٤٥ ]
الإمداد، وقالوا: إن الخطاب في قوله سبحانه: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ.. إنما هو حكاية لما أمر الله الملائكة أن يلقوه إلى المسلمين يوم بدر «١» .
والذي نراه- والله أعلم- أن الإمداد بالملائكة حصل قطعا لتكثير العدد، وتثبيت القلوب، وإلقاء البشرى، وأن بعضهم قاتل لا كلّهم، وأن الجهد الأكبر في القتال إنما هو للمسلمين، وبذلك لا نكون تعسّفنا في التأويل، وخرجنا عن ظواهر بعض الايات بغير داع، ولا نرد الأحاديث الصحيحة الدالّة على حصول قتال من بعض الملائكة، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وقد يقول قائل: إن صيحة من جبريل أو انتفاضة منه كانت تكفي للقضاء على قريش وإبادتها في لمحة عين، فلم كل هؤلاء الملائكة؟.
وجوابنا عن ذلك أن الله جرت سنته مع الأمة المحمدية ألايأخذها بما أخذ به الأمم السابقة من عموم العذاب والاستئصال، وترك إهلاكهم للسنن العادية التي أجراها الله في عباده، بدفع الكافرين بالمؤمنين، والمبطلين بأهل الحق، والظالمين بالعادلين، فأراد الله سبحانه أن يكون هلاك الكفار بأيدي المؤمنين، ليكون ذلك أنكى لقريش، وأذلّ لها، وأشفى لنفوس المؤمنين، وفي الوقت ذاته أمدّهم بالملائكة تثبت وتؤيد، وتبشّر وتخوف، وتكثر العدد، ولا حرج أن يشارك البعض في القتال كما ذكرنا، وقد أشار الحق إلى هذه الحكمة في قوله:
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ.
إلى قوله:
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «٢» .
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ٢٧٩- ٢٨١.
(٢) سورة التوبة: الايات ١٤- ١٦. انظر تفسير ابن كثير والبغوي.
[ ٢ / ١٤٦ ]
وصاة النبي ببعض القرشيين
لمّا حرّض النبي المؤمنين على القتال، واستحث عزائمهم، لم ينس وصيته بأناس خرجوا مكرهين إلى القتال بحكم العصبية الجاهلية، وكانت لهم مواقف مشكورة في منع النبي وحمايته، أو مساع حميدة في ردّ الظلم والطغيان، فقال لأصحابه يومئذ: «إني قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا مكرهين، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها» .
ولا تحسبنّ أن الرسول بهذه الوصاة أراد أن يحابي أهله وذوي قرباه، فقد كانت نفسه الشريفة أسمى من ذلك وأرفع، وإنما ذكر لبني هاشم منعهم له ثلاثة عشر عاما، وانحيازهم لأجله في الشّعب ثلاثة أعوام حتى جاهدوا وأكلوا ورق الشجر، وذكر لعمه العباس موقفه المشرّف في بيعة العقبة الثانية وقوله للأنصار: (إن محمدا لا يزال في عزة ومنعة من قومه)، وذكر لأبي البختري أنه كان له ضلع كبير في نقض الصحيفة الظالمة، وهي حسنات لا ينساها الإسلام قط، وقد كان من خلق رسول الله أن يردّ الجميل بخير منه، وليس أدل على ذلك من أن أبا البختري ليس من بني هاشم، ولا تربطه بالنبي قرابة قريبة، وإنما هو السمو الخلقي والإنساني.
وفي ثورة من الحمية والغضب بدرت بادرة من رجل من خيار المسلمين وهو أبو حذيفة بن عتبة، فقال: (أنقتل اباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس؟
والله لئن لقيته لألحمنّه «١» بالسيف)، فبلغت مقالته رسول الله فقال لعمر:
«يا أبا حفص أيضرب وجه عمّ رسول الله بالسيف»، فقال عمر: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فو الله لقد نافق، ولكن الرسول أبى وغفر له ما بدر بحسن نية وصدق وإيمان.
_________________
(١) لألحمنّه: أي لأضربنه بالسيف.
[ ٢ / ١٤٧ ]
ولقد بقيت الكلمة التي قالها أبو حذيفة شبحا مخيفا يتراءى له أمام عينيه، يقلق عليه راحته النفسية وطمأنينته القلبية كلما ذكرها، حتى لقد كان يرى أن لا مكفّر لها إلا الشهادة في سبيل الله، فكان يقول: ما أنا بامن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة. وقد قتل يوم اليمامة شهيدا فرضي الله عنه وأرضاه.
مثل عليا للإيمان
من المثل العليا الإيمانية الرائعة في غزوة بدر ما حدث من بعض المسلمين، فقد التقى المسلم الصادق أبو عبيدة بالأب المشرك عبد الله بن الجراح، وقد كان الأب يتصدّى لابنه يريد قتله، وابنه يحيد عنه رعاية لحق الأبوة، ولكن الأب ما زال يتصدّى للابن يريد قتله، فلم يكن بدّ لأبي عبيدة من قتله. وفيها دعا الصديق أبو بكر ابنه عبد الرحمن إلى المبارزة وقال: دعني يا رسول الله أكن في الرعلة «١» الأولى، فقال له النبي ﷺ: «متّعنا بنفسك يا أبا بكر أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر» . وفيها قتل الفاروق عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، وقتل حمزة وعلي أبناء عمومتهم من قريش «٢»، وقتل مصعب بن عمير أخاه عبيد بن عمير «٣» .
وهكذا ضرب المسلمون في بدر مثلا عليا لصدق الإيمان، وأنهم اثروا رضاء الله ورسوله على حب الوالد والولد والأهل والعشيرة، فلا تعجب إذا كان الله سبحانه أشاد بهذه المواقف الصادقة وأمثالها في قوله سبحانه:
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
_________________
(١) في القاموس: والرعلة- بفتح الراء-: القطعة من الخيل كالرعيل أو مقدمتها أي في مقدمة المجاهدين والمستشاهدين.
(٢) تفسير الألوسي ج ٢٨ ص ٣٧.
(٣) تفسير القرطبي ج ١٧ ص ٣٠٧.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» .
قتلى المشركين
لقد قتل في بدر من صناديد قريش وأشرافهم ما يربو على السبعين، منهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وابنه الوليد، وأبو جهل بن هشام، قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوّذ «٢» ابن عفراء فتيان من الأنصار «٣»، ثم أدركه عبد الله بن مسعود وبه رمق، فوضع رجله على عنقه، فقال أبو جهل له: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، فاجتزّ ابن مسعود رأسه وجاء به إلى رسول الله.
وأمية بن خلف وكان هو الذي يعذب بلالا على الإسلام، فلما راه بلال قال: رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، وكان أمية وابنه قد وقعا أسيرين في يد عبد الرحمن بن عوف، فدرأ بلالا عنهما، فقال بلال: لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فأحاطوا به وبابنه حتى قتلوهما.
والعاص بن هشام بن المغيرة، وعبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة، وحنظلة بن أبي سفيان، ونوفل بن خويلد الأسدي، وأبو البختري بن هشام، وكان رسول الله قد أوصى المسلمين به خيرا كما أسلفنا ولكنه أبى إلا أن يترك هو وزميل له، فقالوا له: ما أمرنا رسول الله إلا بك واحدك، قال: لا والله إذا لأموتنّ أنا وهو جميعا. وغيرهم كثير.
_________________
(١) سورة المجادلة: الاية ٢٢.
(٢) بضم الميم وفتح العين وكسر الواو المشددة، وقيل: تفتح. وعفراء أمه.
(٣) وقيل اشترك في قتله معاذ، ومعوذ ابنا عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، انظر صحيح البخاري- كتاب فرض الخمس- باب من قتل قتيلا فله سلبه، وكتاب المغازي- باب قتل أبي جهل، وفتح الباري في الموضعين.
[ ٢ / ١٤٩ ]
موقف إنساني للرسول
ثم أمر رسول الله ﷺ بالقتلى فنقلوا من مصارعهم التي كانوا بها إلى قليب «١» ببدر، وقد كان من سنة رسول الله ﷺ في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بها فدفنت، لا يسأل عن صاحبها مؤمنا أم كافرا «٢»، وهو موقف إنساني كريم لا يفعله إلا أولو العزم من الرسل، فطالما أهانوه، وسبّوه وأذاقوه وأصحابه العذاب ألوانا، وهم الذين أخرجوهم من ديارهم وأهليهم وأموالهم، ولكنها إنسانية الإسلام تعلو عن الأحقاد والانتقام. ولما طرحوهم ولم يبق إلا أمية بن خلف، وقد كان رجلا بدينا فانتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه، فأقروه وحفروا له، وألقوا عليه التراب حتى واراه.
ولما مروا بعتبة بن ربيعة ليلقوه في القليب- وكان ابنه أبو حذيفة حاضرا- نظر رسول الله ﷺ في وجه ابنه فإذا هو كئيب قد تغيّر لونه، فقال:
«يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟»، فقال: (لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك)، فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرا.
البشرى بالنصر
ولما تمّ النصر أرسل رسول الله ﷺ مبشّرين قبل مقدمه المدينة: عبد الله بن رواحة لأهل العالية»
، وزيد بن حارثة لأهل المدينة راكبا على ناقة رسول الله، فدخلا وهما يرفعان عقيرتهما إعلاما بالنصر للمسلمين، والقتل والهزيمة للمشركين، فتلقاهم الرجال والصبيان والولائد، وطافوا بالمدينة وضواحيها يهلّلون ويكبّرون الله على هذا النصر العظيم.
_________________
(١) القليب: البئر التي لم تطو، أي لم تبن جوانبها بالطوب فانهارت.
(٢) رواه الدارقطني في سننه.
(٣) العالية: قرى ظاهر المدينة ومنها قباء.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا بالمدينة، وزعموا أن النبي قد قتل وأن المسلمين هزموا، فلما جاء المبشّران شرقوا بريقهم، ورأوا أنهم قد ذلّوا وهانوا حتى قال أحد زعماء اليهود: بطن الأرض اليوم خير من ظهرها بعد أن أصيب أشراف الناس وساداتهم، وملوك العرب وأهل الحرم الامن.
وقد جاءت البشرى والمسلمون منصرفون من دفن السيدة رقية بنت النبي ﷺ، وكان تركها مريضة لمّا خرج لبدر، وخلف معها زوجها عثمان، فخفّف من هول المصاب ما منّ الله به على المسلمين من نصر مؤزر، وقد ضرب النبي ﷺ بهذا مثلا لإيثار مصلحة الإسلام والمسلمين على الأهل والولد.
الاختلاف على غنائم بدر وقسمتها
لما أراد المسلمون أن يقتسموا الغنائم التي غنموها في بدر اختلفوا، فقال الشباب الذين خرجوا يتعقبون الكفار: نحن الذين نفينا عنها العدو، ولولانا لما أصبتموها، وقال الرجال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ ونافحوا دونه: نحن خفنا على رسول الله أن يصيب منه العدو غرة، فاشتغلنا به عن جمع الغنائم، وقال الذين جمعوا الغنائم: نحن الذين استحوذنا عليها وليس لأحد فيها نصيب، فأمر رسول الله ﷺ أن تجمع الغنائم حتى يحكم الله حكمه فيها، فأنزل الله سبحانه قوله:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «١» .
وقد ذهب بعض كتّاب السيرة كابن إسحاق وبعض العلماء كأبي عبيد القاسم بن سلّام إلى أن النبي ﷺ قسمها بين المجاهدين بالبواء يعني بالسواء، ولم يخمّسها، وهؤلاء يرون أن هذا الحكم كان في مبدأ الأمر، ثم نسخ فيما بعد بقوله سبحانه:
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ١.
[ ٢ / ١٥١ ]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ الاية «١» .
وذهب كثير من العلماء من المحدّثين وغيرهم أن رسول الله ﷺ خمّسها، فأخذ الخمس لنفسه ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وقسم أربعة الأخماس الباقية بين المجاهدين. ويرى هؤلاء أن سياق الايات قبل اية الخمس وبعدها في غزوة بدر وقصتها، وهو يقتضي أنها نزلت كلها جملة واحدة في وقت واحد غير متأخر بعضها عن بعض حتى يقال بالنسخ، قال ابن كثير في بدايته: (وهو قول البخاري وابن جرير وغيرهما وهو الصحيح الراجح) .
وقال هؤلاء: إن ما ورد في رواية ابن إسحاق من أن الغنائم قسمت بالبواء، أي ساوى فيها النبي بين الذين جمعوها وبين الذين ثبتوا تحت الرايات مع الرسول لم يخصّ بها فريقا دون الاخر، ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه، ويشهد لهم أيضا ما رواه البخاري في صحيحه من قصة الشارفين «٢» اللذين كانا لعلي رضي الله تعالى عنه، فجبّ حمزة ﵁ أسنمتهما، وبقر بطنهما، وهو ثمل وذلك قبل أن تحرم الخمر، ففيها أن أحدهما كان من نصيبه في غنائم بدر، والاخر كان من الخمس الذي أفاء الله به على رسوله من بدر «٣»، ومهما يكن من شيء فقد حسم الله الخلاف، وبذلك زال الانقسام، وحل الوئام وعاد الصفاء.
وقد أسهم النبي لبعض من لم يحضر الموقعة لعذر، وهم: أبو لبابة الأنصاري لأنه كان مخلّفا على أهل المدينة، وعاصم بن عدي لأنه خلّفه الرسول على أهل قباء والعالية، والحارث بن حاطب لأن الرسول خلّفه على بني عمرو ابن عوف، والحارث بن الصمة وخوّات بن جبير لأنهما كسرا بالروحاء فلم يتمكنا من السير، وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد لأنهما
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ٤١.
(٢) الشارف: الناقة المسنة.
(٣) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٣٠٢؛ وتفسير ابن كثير والبغوي، ج ٣ ص ٩٤.
[ ٢ / ١٥٢ ]
أرسلا يتجسسان الأخبار فلم يرجعا إلا بعد انتهاء الحرب، وعثمان بن عفان لأن رسول الله كان خلفه على السيدة رقية ليمرضها.
وكذلك أسهم الرسول لمن استشهد ببدر، فأعطى ذلك لورثتهم وهم أربعة عشر مسلما: ستة من المهاجرين، منهم: عبيدة بن الحارث الذي جرح في المبارزة الأولى، ثم مات عند رجوع المسلمين من بدر ودفن «بالصفراء»، وثمانية من الأنصار، وما فعله النبي هو غاية العدل والإنصاف، وقد سبق به إلى رعاية أسر الشهداء وذويهم وضمان عيشة كريمة لهم بعد وفاة عائليهم قبل أن يعرف العالم الحديث ذلك.
الأوبة إلى المدينة
ثم قفل المسلمون إلى المدينة شاكرين الله وحامدين، لا يزهيهم النصر، ولا يبطرهم الغلب، وقد سبقتهم البشرى بالنصر إلى المدينة وما جاورها، وكان مع رسول الله الأسرى، وكانوا نحوا من السبعين، وفي الطريق تحت سرحة عظيمة بالقرب من «الصفراء» قسم رسول الله الغنائم بين المسلمين على حسب ما أراه الله، ثم ارتحل حتى إذا كان بالرّوحاء لقيه المسلمون يهنئونه ومن معه من المسلمين بالفتح العظيم والنصر المبين، ودخل الجيش المنصور المدينة بين تهليل المهللين وتكبير المكبرين، وضرب الولائد بالدفوف، وترديد أهازيج النصر.
وصاة النبي بالأسرى
وصل الرسول المدينة قبل قدوم الأسارى بيوم، وكان قد فرقهم بين أصحابه وقال: «استوصوا بهم خيرا» . وهذا غاية الرحمة والإنسانية حيث أوصى بأناس طالما عذّبوه وأصحابه، وحاولوا فتنتهم عن دينهم، وقد نفّذ الصحابة وصية رسول الله بأمانة، وكانوا سمحاء كرماء معهم، فهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يقول: (كنت في رهط الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحيي فأردها، فيردها عليّ ما يمسها) .
[ ٢ / ١٥٣ ]
وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، وكان قد مرّ به أخوه مصعب ورجال من المسلمين فأسروه فقال له: (شدّ يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك)، فقال له أبو عزيز: (يا أخي، هذه وصاتك بي؟!) فقال له مصعب: (إنه أخي دونك) . فسألت أمه عن أغلى ما فدي به قرشي، فقيل لها أربعة الاف درهم، فبعثت بها فداء له، وكان أخا شقيقا لمصعب، وقد أسلم أبو عزيز بعد وحسن إسلامه، وروى الحديث «١» .
ولما قدم المسلمون بالأسارى كانت السيدة سودة بنت زمعة زوج النبي عند ال عفراء في مناحتهم على عوف ومعوّذ ابني عفراء- وهما من شهداء بدر- وذلك قبل أن يضرب الحجاب، فلما أخبرت بقدوم الأسارى رجعت إلى بيتها ورسول الله فيه، فإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو «٢» مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما ملكت نفسها حين رأته كذلك أن قالت: (أي أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما؟!) قالت: فو الله ما أنبهني إلا قول رسول الله من البيت: «يا سودة أعلى الله وعلى رسوله تحرّضين»؟! فقالت: والذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي أن رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت، فقبل النبي اعتذارها.
قتل أسيرين
وبينما كان النبي والمسلمون في طريقهم إلى المدينة أمر بقتل أسيرين:
أحدهما النّضر بن الحارث، والثاني عقبة بن أبي معيط، وكانا من شرّ عباد الله، وأكثرهم كفرا وعنادا وبغيا وحسدا وإيذاء للنبي والمسلمين، وهجاء للإسلام وأهله، ولم يأمر النبي بقتل أحد من الأسرى غيرهما.
ذلك أنه لما بلغ النبي في مرجعه «الصفراء» عرض عليه الأسرى، فنظر النبي ﷺ إلى النضر نظرة رأى فيها الموت، فلما رأى ذلك قال لمصعب بن عمير
_________________
(١) الروض الأنف، ج ٢ ص ٧٨؛ الإصابة، ج ٤ ص ١٣٣.
(٢) هو سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ- ابن عم والد السيدة سودة، وهو زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ.
[ ٢ / ١٥٤ ]
- وكان أقرب من هناك به رحما-: كلّم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابه، فهو والله قاتلي إن لم تفعل، فقال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله وفي نبيه كذا وكذا، وكنت تعذّب أصحابه، فقال النضر: لو أسرتك قريش ما قتلتك أبدا وأنا حي، قال مصعب: والله إني لأراك صادقا، ثم إني لست مثلك، فقد قطع الإسلام العهود!.
وكان النضر أسير المقداد بن الأسود، وكان يطمع أن ينال في فدائه مالا كثيرا، فلما همّوا بقتله صاح: النضر أسيري، فقال النبي لعلي بن أبي طالب:
«اضرب عنقه، واللهمّ أغن المقداد من فضلك» .
أما عقبة بن أبي معيط فقد قتل «بعرق الظبية»، ولما أمر النبي بقتله قال: فمن للصبية يا محمد؟ قال: «النار» ثم قال: أتقتلني من بين قريش؟
فقال النبي: «نعم» ثم التفت إلى أصحابه وقال: «أتدرون ما صنع هذا بي؟
جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي، وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران «١»، وجاء مرة بسلا «٢» شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي» .
وهذه القصة الثانية رواها البخاري ومسلم، فقد كان النبي يصلي عند الكعبة ورؤساء الشرك جالسون، فقالوا: من يذهب إلى سلا جزور بني فلان فيأتي به، فإذا سجد محمد وضعه على ظهره؟ فقال عقبة هذا: أنا، فذهب وجاء به ومعه فرث «٣» ودم، فوضعه على ظهر النبي ورأسه، فصاروا يتضاحكون، ومكث النبي على هذا خشية أن يقوم فيقع في المسجد الحرام فيقذره، حتى انطلق أحد الناس فأخبر ابنته فاطمة- وكانت صغيرة السن- فجاءت، ونحّت القذر عن أبيها، وقلبها يكاد يتفطر مما رأت، وعيناها مغرورقتان بالدموع، ثم
_________________
(١) ستندران: ستخرجان من مكانهما.
(٢) السلا: الكيس الذي يكون فيه الجنين في بطن أمه «المشيمة» .
(٣) الفرث: ما يكون في الكرش من قذر.
[ ٢ / ١٥٥ ]
التفتت إلى القوم، فسبّتهم، ووبختهم على هذا العمل، وقد قتله علي بن أبي طالب، وقيل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.
ولما قتل النضر بن الحارث رثته أخته قتيلة بنت الحارث، وكان مما قالت:
أمحمد يا خير ضنء «١» كريمة من قومها والفحل «٢» فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
والنضر أقرب من أسرت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق
قال ابن هشام: يقال إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: «لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه» «٣» وليس هذا بعجيب من الرؤوف الرحيم الذي وسع خلقه الناس جميعا محسنهم ومسيئهم. أما باقي الأسارى فلم يكن الرسول وأصحابه قد اتفقوا على رأي بالنسبة إليهم، أيقتلون أم يفادون؟
أسارى بدر
ولما استقر المقام للمسلمين بالمدينة بعد بدر استشار النبي أصحابه فيما يصنعون بالأسارى، فقال الصدّيق أبو بكر- وكان رحيما رقيقا-:
يا رسول الله قومك وأهلك، وإني أرى أن تأخذ منهم الفداء، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهداهم الله فيكونوا لنا عضدا، فقال رسول الله:
«ما ترى يا ابن الخطاب»؟ فقال عمر- وكان صلبا في الحق شديدا-: والله ما أرى رأي أبي بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان- قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليا من أخيه عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم، وأئمتهم، وقادتهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا.
_________________
(١) الضنء: بفتح الضاد وكسرها: الولد.
(٢) تريد الأب، أي إنه كريم الأبوين.
(٣) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٣٠٥.
[ ٢ / ١٥٦ ]
فدخل رسول الله ﷺ ولم يردّ عليهم شيئا، ومكث ساعة ثم خرج والصحابة ما بين قائل برأي أبي بكر، وقائل برأي عمر، وقائل برأي ابن رواحة، فقال: «إنّ الله ليليّن قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وكمثل عيسى قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا وكمثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ أنتم اليوم عالة «١»، فلا يفلتنّ أحد إلا بفداء أو ضربة عنق» .
فقال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني قد سمعته يذكر الإسلام، فسكت النبي، قال عبد الله: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ حجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال النبي: «إلا سهيل بن بيضاء» فسرّي عنه، وهكذا رجّح النبي ﷺ رأي الصدّيق لما جبل عليه قلبه من الرأفة والرحمة، ولما فيه من التخلّق بصفة من صفات الرب جل وعلا، حيث قال:
«سبقت رحمتي غضبي» .
وصول النذير بالهزيمة إلى قريش
على حين كان المسلمون فرحين بنصر الله وما أفاء الله عليهم من الغنائم، كان الحيسمان بن عبد الله الخزاعي يحثّ الطريق إلى مكة، حتى كان أول من دخلها، وأخبر أهلها بالهزيمة، وقتل الكثيرين من صناديدهم وأشرافهم وأسر الكثيرين منهم، وقد تشكّكوا أول الأمر، ثم لم يلبثوا أن استيقظوا لما توالت عليهم النذر، فكأنما نزلت عليهم صاعقة من السماء.
وكان أشدهم غيظا وكمدا أبو لهب بن عبد المطلب، ولم يمكث إلا بضع
_________________
(١) عالة: فقراء في حاجة إلى المال.
[ ٢ / ١٥٧ ]
ليال حتى رماه الله بمرض العدسة فقضى عليه، وكانت قريش تتّقي هذا المرض، فتركه ابناه بعد موته ثلاثا حتى أنتن، فقال لهما رجل من قريش:
ألا تستحيان، إن أباكما قد أنتن في بيته، ألا تدفنانه؟ فقالا: إنا نخشى عدوى هذه القرحة، فقال: انطلقا وأنا أعينكما عليه، فغسلوه قذفا بالماء من بعيد ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلا مكة فأسندوه إلى جدار ثم ردموا عليه الحجارة. وهكذا شاء الله ﷾ أن يموت هذه الميتة الشنيعة لعداوته للرسول ومناهضته للإسلام، وعدم رعايته للرحم حرمة.
ومكثت قريش تنوح على قتلاها مدة، ثم تواصوا فيما بينهم وقالوا:
لا تفعلوا، يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم. وكذلك تواصوا ألايسرعوا في بذل الفداء، وقالوا: لا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يأرب «١» عليكم محمد وأصحابه في الفداء، وكان هذا من تمام ما عذّب الله به أحياءهم في ذلك الوقت، فإن البكاء مما يبل فؤاد الحزين، ويخفف من لوعة الحزن وهول المصاب، وكان الأسود بن المطلب قد أصيب في ثلاثة من ولده: زمعة، وعقيل، والحارث، فقال لغلام له: هل بكت قريش على قتلاها لعلّي أبكي على ولدي، فإن جوفي قد احترق.
افتداء الأسرى
ولم تطق قريش الصبر على ما اتفقوا عليه من عدم التسارع إلى الفداء، وانسلوا واحدا وراء الاخر، وقد كان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي، فقال رسول الله ﷺ: «إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه»، فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم، قال المطلب بن أبي وداعة: صدقتم لا تعجلوا، وكان هو أول من نقض هذا، فانسل من الليل وقدم المدينة، وفدى أباه بأربعة الاف درهم، وكان هذا أول أسير فدي، ثم بعثت قريش في فداء أسراهم.
_________________
(١) قال في النهاية في تفسير هذا الخبر: أي يتشدّدون عليكم في طلب الفداء.
[ ٢ / ١٥٨ ]
فقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو، وكان سهيل رجلا أعلم «١» من شفته السفلى، فقال عمر بن الخطاب لرسول الله: (دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو فيدلع «٢» لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا)، فكان جواب النبي هذا الجواب البالغ السمو في الرحمة والإنسانية: «لا أمثّل، فيمثّل الله بي، وإن كنت نبيا وعسى أن يقوم مقاما لا تذمه» . وقد صدقت نبوءة الرسول، فإنه لما جاور الرفيق الأعلى أراد بعض أهل مكة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب والمنافقين، فقام سهيل هذا خطيبا وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله:
(أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ألم تعلموا أن الله قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، ثم قال: والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها، فلا يغرنّكم هذا يريد أبا سفيان «٣» - من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم، لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومقر دينه، وقد جمعكم الله على خيركم يعني أبا بكر- وإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه) فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه، فكان معجزة من معجزات النبوة.
ومن الأسرى: عمرو بن أبي سفيان بن حرب، فقالوا له: افد عمرا ابنك فقال: لن يجتمع علي دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمرا؟ دعوه في أيديهم فيمسكوه ما بدا لهم. فبينما هو كذلك خرج سعد بن النعمان، - وكان شيخا مسلما- إلى مكة معتمرا، فعدا عليه أبو سفيان فحبسه بابنه عمرو،
_________________
(١) أعلم: مشقوق الشفة.
(٢) يخرج عند الكلام.
(٣) لم يثبت أن أبا سفيان كان له موقف سيّىء بعد وفاة رسول الله، ولقد أسلم الرجل وحسن إسلامه، وأبلى في فتوح الشام بلاء حسنا (الناشر) .
[ ٢ / ١٥٩ ]
فمشى قوم سعد إلى رسول الله ﷺ فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا صاحبهم به، فأعطاهم إياه فأرسلوه إلى أبي سفيان، فخلّى سبيل سعد.
ومن الأسرى: العباس بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ. قال ابن إسحاق:
لما أمسى رسول الله يوم بدر والأسارى محبوسون بالوثاق بات النبي ساهرا أول الليل، فقال له أصحابه: مالك لا تنام يا رسول الله؟ فقال: «سمعت أنين عمي العباس في وثاقه»، فأطلقوه فسكت، فنام رسول الله «١» .
وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عمر قال: لما أسر العباس فيمن أسر يوم بدر أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه»، فقال عمر:
أفاتيهم؟ فقال: «نعم» فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا:
لا والله لا نرسله، فقال عمر: فإن كان لرسول الله رضا؟ قالوا: فإن كان له رضا فخذه، فأخذه عمر، فقال له: يا عباس أسلم فو الله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك.
ومع أن النبي تألّم لألمه وهو في الأسر فقد أبى إلا أن يأخذ منه الفداء، وقد فدى نفسه وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وحليفه عتبة بن عمرو أحد بني الحارث بن فهر بمائة أوقية من الذهب، ولما قال للنبي: إنه لا مال له قال له: «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل، وقلت لها: إن أصبت في سفري فهذا لبنيّ: الفضل، وعبد الله، وقثم»، فقال: والله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا شيء ما أعلمه إلا أنا وأم الفضل!!!
ولما قال: إنه خرج مستكرها وإنه كان قد أسلم قال له النبي: «أما ظاهرك فكان علينا، والله أعلم بإسلامك وسيجزيك»، وكذلك أبى أن يتنازل له الأنصار عن الفداء. روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: إن
_________________
(١) السيرة مع فتح الباري، ج ٧ ص ٢٤٨ ط بولاق.
[ ٢ / ١٦٠ ]
رجالا من الأنصار «١» استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا «٢» العباس فداءه، فقال: «لا والله، لا تذرون له درهما» «٣» .
وهذا غاية العدل والإنصاف في المعاملة، فرسول الله مع رحمته بعمه وشفقته عليه وتخوفه أن يقتل وهو يرجى من ورائه للإسلام خير كثير، تأبى عليه نفسه السامية أن يفرّق بينه وبين الأسارى في الفداء، أو أن يقبل أن يمن عليه الأنصار خشية أن يكون عملهم هذا لمكانه من رسول الله وقرابته، مع أنه ﷺ منّ على بعض الأسارى دون فداء، وهذا ليس بعجيب ممن كان خلقه القران.
ومن الأسرى: أبو عزّة الشاعر، كان فقيرا ذا عيال، فقال: يا رسول الله، لقد عرفت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن عليّ، فمنّ عليه رسول الله، وأخذ عليه ألايظاهر عليه أحدا، فتعهّد بذلك ومدح الرسول بشيء من شعره.
ثم لم يلبث أن أغراه المشركون بهجاء النبي والمسلمين، ففعل بعد أن تمنّع، وصار يؤلب على المسلمين لأجل أحد، وقد حضر الموقعة فأسر، فسأل النبي أن يمنّ عليه فقال له: «لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين»، ثم أمر به فضربت عنقه، وقيل: إن الرسول قال له: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، قيل: إن هذا من الأمثال التي لم تسمع إلا منه ﵊ «٤» .
ومن الأسرى: الوليد بن الوليد، افتداه أخواه خالد وهشام، فلما افتدي ورجع إلى مكة أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل الفداء، فقال: خفت أن
_________________
(١) هم بنو النجار، وقد كان وقع في أسرهم، ولعل الذين أرادوا أن يقتلوه غير بني النجار، أو بعض اخر منهم، فلا تنافي بين هذه الرواية والسابقة.
(٢) هم أخوال أبيه عبد المطلب لأن أمه سلمى بنت عمرو من بني النجار ففي الكلام تجوز.
(٣) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٩٩.
(٤) المرجع السابق، ٣١٣.
[ ٢ / ١٦١ ]
يعدوا إسلامي خوفا، ولما أراد الهجرة إلى المدينة منعه أخواه، فبقي بمكة حتى فرّ إلى النبي في عمرة القضاء.
ومن الأسرى: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، صهر رسول الله ﷺ وزوج ابنته زينب ﵂، وهو ابن أخت «١» السيدة خديجة ﵂، وكان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكان تزوجها قبل النبوة، فلما دعا النبي إلى دين الله مشى رجال من قريش إلى أبي العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأي امرأة من قريش شئت، فقال: لا والله إذا لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش!!
وكان رسول الله ﷺ يثني عليه في صهره كما ثبت في صحيح البخاري ويقول: «حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي»، وكان أسر ببدر، فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت السيدة زينب بنت الرسول في فداء زوجها بمال، وفي المال قلادة كانت للسيدة خديجة ﵂، فأهدتها إليها وأدخلتها بها على أبي العاص، فلما راها رسول الله ﷺ رقّ لها رقة شديدة، وأهاجت في نفسه ذكرى السيدة الجليلة التي واسته بنفسها ومالها خديجة، فقال لأصحابه: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا»، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردّوا عليها قلادتها.
وكان النبي قد أخذ عليه أن يخلّي سبيل ابنته زينب فوفى بالعهد وأرسلها، فبقيت عند أبيها إلى ما بعد الحديبية، فأسر أبو العاص مرة أخرى، ففر إلى المدينة واستجار بزوجته زينب- وكان الإسلام قد فرّق بينه وبينها- فأجارته، فأقر المسلمون إجارتها له، ورجع إلى مكة ومعه ماله، فأدّى الأمانات إلى أصحابها، ثم عاد إلى المدينة مسلما، فردها النبي ﷺ إليه بعقد ومهر جديدين على الصحيح.
_________________
(١) الروض الأنف، ص ٨١، ٨٣؛ الإصابة، ج ٤ ص ١٢٢؛ والاستيعاب (على هامش الإصابة) ٤ ص ١٢٥- ١٢٩.
[ ٢ / ١٦٢ ]
ومن الأسرى: وهب بن عمير بن وهب الجمحي، وكان أبوه شيطانا من شياطين قريش، شديد الإيذاء للرسول وأصحابه بمكة، جلس يوما بعد الحرب مع صفوان بن أمية يتذاكران مصاب بدر، فقال عمير: والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد فأقتله، فإن ابني أسير عنده. فاغتنمها صفوان بن أمية فقال له: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم علي، قال: سأفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له، وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، وما أكرمهم الله به، إذ نظر إلى عمير بن وهب وقد أناخ بعيره على باب المسجد متوشحا سيفه، فقال: هذا عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل على رسول الله فأخبره فقال له: «أدخله علي» .
فأقبل إليه عمر فأخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: أدخلوه على رسول الله، فلما راه وعمر اخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: «أرسله يا عمر، أدن يا عمير» فدنا فقال له: «فما جاء بك يا عمير»؟ قال:
جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: «فما بال السيف في عنقك»؟ قال: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا؟ قال: «اصدقني ما الذي جئت له»؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: «بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك» .
فقال عمير: أشهد أنك رسول الله!! قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله ﷺ:
«فقهوا أخاكم في دينه وعلموه القران، وأطلقوا أسيره»، ففعلوا.
[ ٢ / ١٦٣ ]
ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله ورسوله وإلى الإسلام، لعل الله يهداهم، وإلا اذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.
فأذن له رسول الله فلحق بمكة، وكان صفوان حين حرج عمير يمنّي نفسه الأماني، ويقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الان في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان يخرج فيتلقّى الركبان يسألهم عن عمير ليتأكد من نجاح المؤامرة، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فسقط في يده، وحلف ألايكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا، أما عمير فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير، وهكذا خرج كافرا جاهدا على قتل النبي، فإذا به يعود مؤمنا صادق الإيمان!!.
قيمة الفداء
وكانت قيمة الفداء يومئذ ما بين الأربعمائة والأربعة الاف درهم، كما رواه أبو داود في سننه، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب عن نفسه كالعباس ﵁، ومن لم يكن له مال ويعرف القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة يعلمهم القراءة والكتابة. روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، فجاء غلام يبكي إلى أمه، فقالت: ما شأنك؟ فقال: ضربني معلمي، فقالت: الخبيث يطلب بدخل بدر، والله لا تأتيه أبدا «١» . ومن لم يكن يعرف القراءة والكتابة منّوا عليه كأبي عزة الشاعر، والمطّلب بن حنطب المخزومي، أسره بعض بني الحارث بن الخزرج، فترك في أيديهم حتى خلّوا سبيله فلحق بقومه «٢» .
وقبول النبي ﷺ تعليم القراءة والكتابة بدل الفداء في هذا الوقت الذي
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٣٣٨.
(٢) المرجع السابق ص ٣١٢.
[ ٢ / ١٦٤ ]
كانوا فيه بأشد الحاجة إلى المال يرينا سموّ الإسلام في نظرته إلى العلم والمعرفة وإزالة الأمية، وليس هذا بعجيب من دين كان أول ما نزل من كتابه الكريم:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «١» .
واستفاضت فيه نصوص القران والسنة في الترغيب في العلم وبيان منزلة العلماء، وبهذا العمل الجليل يعتبر النبي ﷺ أول من وضع حجر الأساس في إزالة الأمية وإشاعة القراءة والكتابة، وأن السبق في هذا للإسلام.
وعد الله الأسارى بالخير إن أسلموا
وقد وعد الله سبحانه الأسارى من امن منهم وأسلم وحسن إسلامه بالعوض عما أخذ منهم في الدينا والاخرة، قال عز شأنه:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» .
وهو ترغيب لهم في الإيمان، وعدة لهم بالعوض في الدنيا والغفران في الاخرة، وكان العباس ﵁ ممن ناله هذا الوعد الكريم، فكان يقول:
أبدلني الله من ذلك عشرين عبدا- وفي رواية أربعين- كلهم تاجر بمالي، وأعطاني زمزم- يريد السقاية- وما أحب أنّ لي بها جميع أموال أهل مكة.
وكان يقول بعد ما ناله من الخير حتى رضي: وأنا بعد أرجو المغفرة التي وعدنا الله جلّ ثناؤه.
_________________
(١) (الذي علم بالقلم) إشارة إلى العلم الكسبي، (علّم الإنسان ما لم يعلم) إشارة إلى العلم الوهبي الذي يهديه الله لأنبيائه وأوليائه، والايات هي: ١- ٥ من سورة العلق.
(٢) سورة الأنفال: الاية ٧٠.
[ ٢ / ١٦٥ ]
العتاب في الفداء
وقد عاتب الله سبحانه النبي والمسلمين على اختيارهم الفداء على القتل الذي أشار به الفاروق ﵁، وأنزل في ذلك قوله سبحانه:
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «١» .
ولما نزلت الايتان جاء عمر من الغد، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما!! فقال رسول الله: «للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، وقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة»، لشجرة قريبة منه، وأخبره بما نزل من الايات، وهذا يدل على أن جمهرة الصحابة كانوا على رأي أخذ الفداء.
ولما نزلت الايتان كفّ الصحابة أنفسهم عن الانتفاع بما أخذوا من الفداء، وأسفوا لهذا العتاب، فأنزل الله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
_________________
(١) سورة الأنفال: الايتان ٦٧، ٦٨. تفسير الايتين: أسرى: جمع أسير، الإثخان في الشيء: المبالغة فيه والإكثار منه، والمراد المبالغة في تقتيل الكفار. عرض الدنيا: الفداء. لولا كتاب من الله سبق: يعني لولا ما قدّره الله في الأزل وجرى به تقديره الحكيم من أنه لا يؤاخذ من اجتهد وبذل الوسع، وإن لم يصادف الصواب، وقيل: من أنه لا يؤاخذ أهل بدر بما صنعوا، وقيل: من أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم الحلال من الحرام، وما ينبغي مما لا ينبغي، يعني لولا هذا لنالكم عذاب شديد بسبب إيثاركم عرض الدنيا على ثواب الاخرة، وهذا درس تربوي عظيم، وبهذا الدرس وغيره أنشأ الله خير جيل عرفته الدنيا قديما وحديثا، وهم الصحابة الكرام، والاية الثانية بمثابة الترضية والإعذار لهم بعد العتاب.
[ ٢ / ١٦٦ ]
طنين المستشرقين
يقف غير واحد من المستشرقين والمبشّرين عند أسارى بدر، وقتل أسيرين من سبعين أسيرا، ويزعمون زورا وكذبا تعطش الدين الجديد للدماء، ويرون أنه كان الأحسن أن يمنّ المسلمون على الأسرى وبحسبهم ما نالوا من غنيمة، قالوا هذا وتغافلوا عما قام به هذان القتيلان، وما قام به معظم هؤلاء الأسرى من تعذيب وإيذاء للنبي والمسلمين، وصدّهم للناس عن الإسلام ثلاثة عشر عاما، ولم يكفهم ما فعلوا بالمسلمين بمكة، فهاهم لا يزالون يحاربون الإسلام والمسلمين، ويحاولون القضاء عليهم في موطنهم الجديد، وها نحن قد سمعنا عتاب الله للمسلمين أن قبلوا الفداء، ولم يثخنوا فيهم قتلا، ولو أنهم فعلوا لما عوتبوا، ولحظوا بالثناء من رب العالمين.
يقولون هذا ويتجاهلون ما قام به المسيحيون باسم الصليب تجاه المسلمين من حروب دامية دامت حقبا من الزمان، وحاولوا أن يغتصبوا جزا عزيزا من أرض المسلمين في فلسطين، بل وأن يقضوا على الإسلام والمسلمين، ويتناسوا ذلك لولا ما قيّض الله للإسلام والمسلمين من أمثال صلاح الدين الأيوبي البطل المسلم، فهزمهم وألقى بهم في البحر، وطردهم شر طردة.
ويتناسون ما قام به المسيحيون ضد المسلمين في الأندلس، وأيضا المجازر الكبرى التي قامت باسم المسيحية تجاه إخوانهم المسيحيين مثل مجزرة (سان بارتلمي)، هذه المجزرة التي تعتبر سبة في تاريخ المسيحية لا شيء مثلها قط في تاريخ الإسلام، هذه المجزرة التي دبرت بليل وقام فيها الكاثوليك يذبحون البروتستانتييين في باريس وفي فرنسا غدرا وغيلة، بل في أحط صور الغدر وأبشع صور الغيلة «١» .
وتجاهلوا أيضا ما حدث في أثناء الثورة الفرنسية والثورات المختلفة التي وقعت وتقع في أمم أوروبا المختلفة، من تقتيل وتذبيح للالاف، وما قامت
_________________
(١) حياة محمد لهيكل، ص ٢٦٨.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وتقوم به الدول المسيحية في العصر الحديث باسم قمع الثورات في بلاد يحكمونها على كره من أهلها، قصد استغلال خيراتها، وامتصاص دماء بنيها.
وما رأيهم فيما تقوم به الدول المتحضرة اليوم في الشرق والغرب، وما جرى في الحربين العالميتين الأولى والثانية من قتل الأسارى قتلا جماعيا والتنكيل بهم تنكيلا جاوز حدود الإنسانية؟ فلماذا أغمضوا عن هذا عيونهم، وأصموا اذانهم؟ وفتحوها لقتل أسيرين حفلت حياتهما بالمساوىء والجرائم تجاه النبي والمسلمين؟ فأين هذا مما صنعه المسلمون مع الأسارى في بدر من إحسان إليهم حسب وصاة نبيهم لهم، حتى كانوا يؤثرونهم على أنفسهم بالطعام والشراب؟!
إن ما جرى في بدر وفي غير بدر من المسلمين في مغازيهم وفتوحاتهم إنما هي رحمة وعدل من اثار هذا الدين، دين الرحمة والعدل، ولقد لهج بذلك رجل لا يمت إلى الإسلام بصلة، وهو المؤرخ الكبير (غوستاف لوبون) حيث قال:
(ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب) «١» .
وإليكم أيها المستشرقون والمبشرون هذه الحكمة: (من كان بيته من زجاج فلا يرشق بيوت الناس بالحجارة) .
فضائل أهل بدر
لا تعجب وقد سمعت ما سمعت عن أهل بدر، وما قدّموه من التضحيات راضية بذلك نفوسهم، وما كان لهذه الغزوة من أثر بعيد في نشر الإسلام وظهوره على الأديان كلها- أن جعل الله سبحانه لأهل بدر من المنزلة والمكانة في الدنيا والاخرة ما ليس لغيرهم، حتى صار من الماثر والمفاخر أن يقال: فلان بدري.
روى البخاري في صحيحه عن حميد قال: سمعت أنس بن مالك رضي
_________________
(١) الوحي المحمدي، ص ١٢٩.
[ ٢ / ١٦٨ ]
الله عنه يقول: أصيب حارثة «١» يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الاخرى ترى ما أصنع، فقال: «ويحك، أو هبلت- أي ثكلت- أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس» وفي رواية: «إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» .
قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر، فإن هذا لم يكن في حومة الوغى، بل كان من النظّارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب»
وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس الذي هو أعلا الجنان، ومنه تفجّر أنهار الجنة، والتي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها، فإن كان هذا حاله فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو، وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا!
وروى الشيخان في صحيحيهما قصة حاطب بن أبي بلتعة، وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح يخبرهم فيه بعزم رسول الله على قصد مكة، وأن عمر استأذن رسول الله ﷺ في ضرب عنقه، لأنه قد خان الله ورسوله، فقال له الرسول: «أليس من أهل بدر؟ لعلّ الله اطّلع إلى أهل بدر فقال:
اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.
والمراد عدم مؤاخذتهم عما عسى أن يبدر منهم بعد ذلك من الزلات والتجاوز عن سياتهم، كفاء ما قدموا للإسلام من مخاطرة بالنفس في هذه الغزوة، وما أظهروه من إيمان وبطولة، وليس المراد أن الله سبحانه أباح لهم أن يفعلوا أي شيء أرادوه من المعاصي والاثام كما يتوهم ذلك، وقد كان صحابة رسول الله ولا سيما أهل بدر أشد الناس تقوى لله وخوفا من الله، على كثرة ما وعدهم من المغفرة والرضوان والنعيم المقيم في الاخرة.
_________________
(١) هو حارثة بن سراقة من بني عدي بن النجار الأنصاري وأبوه سراقة له صحبة واستشهد يوم حنين، وأمه هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك.
(٢) أي أتاه من حيث لا يدري، فإن الذي رماه قصد غرته فرماه وحارثة لا يشعر به.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وكانوا يغلّبون الخوف على الرجاء، وقد كان الصدّيق على منزلته يشمّ من فيه رائحة الكبد المشوي من شدة الخوف من الله، وكان الفاروق عمر على زهده وعدله يقول: ليت أمي لم تلدني، وكان أبو الحسن علي يقوم في محرابه بالليل فيبكي بكاء الثكلى، ويتململ تململ السليم- اللديغ- من خوفه وخشيته لله، إلى غير ذلك من المثل الكثيرة التي زخرت بها سير الصحابة الكرام.
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن جابر: أن عبدا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا ويقول: ليدخلنّ حاطب النار، فقال رسول الله:
«كذبت لا يدخلها، إنه شهد بدرا والحديبية» . وروى البخاري في صحيحه أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين» أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة «١» .
وقد عرف الخلفاء الراشدون لأهل بدر منزلتهم وقدمهم في الإسلام دينا ودنيا، فقد جعل سيدنا عمر عطاء أهل بدر لكل واحد خمسة الاف «٢»، وقال:
لأفضلنّهم على من بعدهم، وكذلك عرف لهم العلماء منزلتهم لما تكلموا في فضل الصحابة وجعلهم طبقات، حتى إن بعضهم جعل الطبقة الأولى أهل بدر، وهذا عرفان منهم بالفضل لذويه «٣» .
نتائج غزوة بدر
١- كانت من نتائج غزوة بدر أن قويت شوكة المسلمين، وأصبحوا مرهوبين في المدينة وما جاورها، وأضحى من يريد أن يغزو المدينة، أو ينال من المسلمين يفكر ويفكر قبل أن يقدم على فعلته، وإلا نزل به ما نزل بقريش على عددها وعدتها.
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٣٢٨.
(٢) الباعث الحثيث إلى علوم الحديث، ص ٣٣٣.
(٣) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب فضل من شهد بدرا.
[ ٢ / ١٧٠ ]
٢- أنها تركت بنفوس أهل مكة المشركين كمدا وأحزانا والاما بسبب هزيمتهم ومن فقدوا أو أسروا، فهذا أبو لهب لم يلبث أن أصيب بالعلة ومات، وهذا أبو سفيان فقد ابنا له وأسر له ابن اخر، وما من بيت من بيوت مكة إلا وفيه مناحة على قتل عزيز أو قريب، أو أسر أسير، فلا عجب أن كانوا صمموا في أنفسهم على الأخذ بالثأر، حتى إن بعضهم حرم على نفسه الاغتسال «١» حتى يأخذ بالثأر ممن أذلوهم، وقتلوا أشرافهم وصناديدهم، وانتظروا يترقبون الفرصة للقاء المسلمين والانتصاف منهم، فكان ذلك في أحد.
٣- أن النصر المبين في بدر حرك ما كمن في نفوس اليهود والمنافقين والمشركين من أهل المدينة. فهذا الذي وفد عليهم فارا مهاجرا يزداد سلطانه ونفوذه يوما بعد يوم، ويكاد يكون صاحب الكلمة في المدينة كلها لا في أصحابه واحدهم، وكان اليهود قد بدأ تذمرهم من قبل بدر، وبدأوا يحيكون الدسائس والمؤامرات لتفريق واحدة المسلمين، ولولا عهد الموادعة الذي كان بينهم وبين المسلمين لوقع الصدام السافر بين الفريقين، لذلك ما كاد المسلمون يعودون من بدر منصورين حتى جعلت طوائف اليهود والمنافقين تتغامز، وتستخف بالنصر الذي أحرزوه زاعمين أنهم لقوا أغمارا «٢» في الحرب، ولئن وقعت بينهم وبين المسلمين الحرب فسيرى المسلمون أنهم هم الناس «٣» !! وبدأوا يتحرشون بالنبي والمسلمين، وما كان النبي ليخفى عليه شيء من ذلك، وإنما كان يراقبهم عن حذر ويقظة، حتى استخفوا بالمقررات الخلقية، والحرمات التي يعتز بها المسلمون، واستعلنوا بالعداوة، فلم يكن بدّ من حربهم وإجلائهم عن المدينة، كما سنفصل ذلك فيما بعد إن شاء الله.
_________________
(١) هو أبو سفيان بن حرب، كان نذر بعد بدر ألايمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو النبي ﷺ، وقد أغار على المدينة في رجال من قومه، ولكن لم ينل مأربا، فخرج إليه النبي في جماعة من أصحابه، ولكنه فر هاربا، وكان ذلك في «غزوة السويق» .
(٢) لا خبرة لهم بالحروب وفنونها.
(٣) يعنون أنهم أهل الخبرة والدربة في الحروب.
[ ٢ / ١٧١ ]
مواطن العبرة في بدر
إن في بدر لعبرا وايات يستجليها ذوو البصائر النيرة، والقلوب المؤمنة، والعقول الفاحصة المتحررة، وصدق الله حيث يقول:
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ «١» .
من هذه العبر والايات:
١- أثر القوى الروحية والمعنوية: وأساس هذه القوى هو الإيمان:
الإيمان بالله وأنه ذو قوة لا تغالب، وأن بيده النصر والموت والحياة، وأن الموت في سبيل الله خلود. والإيمان بالرسول، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأن حبه إيمان، وتفديته بالنفس فريضة، وأن كل مصاب دونه هين ويسير. والإيمان باليوم الاخر، وأن هناك حياة أخرى خيرا من هذه الحياة يوفّى فيها كل عامل جزاءه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأن الجنة للمتقين المجاهدين والنار للكفار والمتقاعسين عن نصرة الأنبياء والمرسلين.
والإيمان بالرسالة المحمدية، وأنها الشريعة العامة الخالدة التي يجب أن تسود الدنيا وأن يستظل بها البشر، فقد ناط الله بها كل سعادة، وربط بها كل هدى وحق وخير. والإيمان بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم الأمة الوسط الشاهدة على الأمم كلها بعقيدتها وشريعتها، وعلمها وعملها، وأخلاقها وسلوكها، وعلى الأمة الإسلامية أن تنشىء أبناءها على هذا الإيمان اليوم، وحينئذ ستسترجع عزتها وسلطانها.
هذا الإيمان العميق الجذور، المتشعب الفروع، هو سر الانتصار في هذه الموقعة وغيرها من مواقع الإسلام وأيامه المشهورة، وهو سر الأسرار وعبرة
_________________
(١) سورة ال عمران: الاية ١٣.
[ ٢ / ١٧٢ ]
العبر، وإنا لنلمسه جليا في مقالة السادة: أبي بكر، وعمر، والمقداد، وسعد بن معاذ لما قال النبي ﷺ: «أشيروا عليّ أيها الناس» ونلمسه أيضا في مقالة عمير بن الحمام لما سمع النبي ﷺ يقول: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» فرمى بتمرات في يده كان يأكلها قال: إني إن حييت حتى اكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة!!
ونحس هذا الإيمان المثالي في طلب الصدّيق أن يبارز ابنه عبد الرحمن، وفي قتل الفاروق لخاله العاص بن هشام، وقتل أبي عبيدة لأبيه، ومصعب بن عمير لأخيه، وفي مقالة أبي حذيفة لما رأى أباه عتبة وقد مات على الكفر إلى غير ذلك من المواقف المشرّفة، والمثل الإيمانية العليا.
٢- من العبر أن النصر من عند الله، وأن لله جنودا كثيرة منها الملائكة، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ والله ﷾ قد أمرنا في صريح الكتاب الكريم بإعداد العدة، وأخذ الأهبة للأعداء، وقد بلغ النبي والصحابة المدى في هذا، فلم يدعوا وسيلة من وسائل القوة والنصر مما يقع تحت أيديهم وفي استطاعتهم إلا اتبعوها، فضربوا بالسيوف والحرب، ورموا بالسهام والنبال، وحفروا الخنادق، وصنعوا الدبابات بما يلائم عصرهم، وتدربوا على فنون القتال، وتعلّموا الكر والفر، ومع هذا كانوا على صلة وثيقة بالله، وتوكل عليه، وهم على صلاح واستقامة، لم يغتروا بعدد ولا عدّة، وإنما يستنزلون النصر من عند الله.
ولذلك كان النبي كثيرا ما يلجأ إلى الدعاء عند حضور المواطن، بل ويبالغ فيه كما حدث في بدر ليثبت في نفوسهم هذا المعنى الكريم، ولذلك لما عرض الله سبحانه في الكتاب الكريم لإمداد المسلمين بالملائكة ختم ذلك بقوله:
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ «١» .
_________________
(١) سورة ال عمران: الاية ١٢٦.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقوله:
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «١» .
وإنه لدرس عظيم يجب أن يعيه المسلمون في كل قطر، فما أجدرهم أن يأخذوا أنفسهم بتقوى الله والاستقامة على شريعته، وأن يصلوا حبالهم بحبال السماء، وإلا كانوا هم والأعداء في المعاصي سواء، وإن لا يكن لنا عليهم فضل بالدين والاستقامة والطاعة فضلونا بالعدد والعدّة، وإذا تخلّى الله ﷾ عنا، ووكلنا إلى أنفسنا واغترارنا عزّ علينا استنزال النصر من الله، وصارت الغلبة لمن هم أكثر عددا وعدّة.
٣- احترام النبي ﷺ لمبدأ الشورى في الحرب ولو كانت من فرد واحد، وهو تقرير لهذا المبدأ التي يعتبر من مبادىء الإسلام، وذلك مثل ما حدث من أخذه برأي الحباب بن المنذر في تخيّر مكان نزول الجيش، ورأي سعد بن معاذ في بناء العريش؛ واستشارة أصحابه في القتال، لما علم بخروج قريش في جموعها، وفي الأسارى أيقتلون أم يفادون؟.
وليس هذا بعجب ممّن نزل عليه قول الله سبحانه:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ «٢» .
٤- إنسانية الرسول الفائقة: إنسانية مبعثها الرحمة التي امتلأ بها قلبه الكبير، والعظمة النفسية التي تسمو عن أن تؤاخذ كل مذنب بذنبه، وإنما تعفو وتسمح، وتتسامى وتصفح، وإنا لنلمس هذا في الأمر بدفن القتلى، وفي أمر أصحابه بالإحسان إلى الأسرى، وفي إبائه على سيدنا عمر أن ينزع ثنيتي سهيل بن عمرو
_________________
(١) سورة الأنفال: الاية ١٠.
(٢) سورة ال عمران: الاية ١٥٩.
[ ٢ / ١٧٤ ]
حتى لا يقوم ضد النبي خطيبا، وقوله هذه المقالة: «لا أمثّل فيمثّل الله بي وإن كنت نبيا» !! وفي موقفه لما سمع رثاء قتيلة لأخيها النضر بن الحارث وقوله:
«لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه» .
٥- مواهب النبي ﷺ السياسية: هذه المواهب التي تفجّر بها القلب المستنير الذي أشرق بالإيمان، وامتلأ بالفيوضات الإلهية والتجليات الربانية التي أفاض الله بها عليه، والعقل الكبير الذي تربّى على التأمل والنظر في الكون، وترعرع في حياطة الله ورعايته، وتمرّس بايات الوحي والحكمة، فوسع العقول جميعا، ولو وزنت به العقول كلها لرجحها.
وإنا لنلمس هذه المواهب في استشارة أصحابه لمّا ترجّح جانب القتال بخروج جيش قريش، فقد كان هذا بمثابة اختبار لإيمان القوم، وتعرّف مبلغ استعدادهم لنصرة الإسلام خارج المدينة. وقد نجحوا في هذا الاختبار أيما نجاح، وأبانوا بما قالوا عن معدنهم الأصيل تجاه نبيهم محمد، الذي يختلف عن معدن بني إسرائيل معدن الجبن والخور والنذلة تجاه نبيهم موسى.
كما نلمس هذا أيضا حين بدأت المبارزة، فقد أخرج النبي- كما رجّحنا- للثلاثة القرشيين ثلاثة من ألصق الناس به وذوي قرباه: اثنين من بني هاشم وواحدا من بني المطّلب، وبنو هاشم والمطّلب سواء في الجاهلية والإسلام، وذلك ليكون إيذانا على رؤوس الأشهاد بأن أقرباء النبي الأقربين سيكونون في مقدمة المسلمين- مهاجرين وأنصارا- تضحية بالنفس، وتفدية للرسول والإسلام، وإنه لموقف معبّر دونه الخطب والكلام.
ونلمس هذه الموهبة الفائقة في موقف يعتبر من أحرج المواقف بين رأيين متعارضين، وكل من صاحبي الرأيين يعتبر وزير صدق للنبي ﷺ، وانحاز إلى رأيه كثيرون، وذلك حينما استشار أصحابه في الأسرى، فقد رأى الصدّيق الفداء، ورأى الفاروق القتل، ودخل النبي بيته وفكر في الأمر، فرأى بما جبل عليه من الرحمة والتسامح رأي الصدّيق، ولكن الرأي المعارض رأي عمر،
[ ٢ / ١٧٥ ]
وهو من هو في الإسلام، وصاحب الموافقات، وربما يكون في هذا غضاضة على عمر.
وفكّر الرسول ثم فكر، فتفتّق العقل الكبير عن هذا التصرف الحازم البصير، فخرج وأثنى على كلا الرجلين ثناء نابعا من طبيعة الرجلين، لا تحيّف فيه على أحدهما، ولا هضم لحقه، ولا محاباة ولا مداهنة، فشبّه الصديق بنبيين رحيمين: إبراهيم وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وشبه الفاروق بنبيين اشتد غضبهما على قومهما، بعد أن لم يدعا في قوس الصبر منزعا، وهما: نوح وموسى عليهما الصلاة والسلام، ثم رأى رأي الصدّيق، وبهذه التقدمة البارعة قضى الرسول على ما عسى أن يداخل نفس الفاروق، فإذا كان الرسول لم يأخذ برأيه فبحسبه شرفا وتقديرا أن يكون شبيها بنبيين من أولي العزم من الرسل، وإنها لأمنية تنقطع دونها الأماني، وحلم ترنو إليه أي نفس مهما بلغت من أصالة الرأي، وحسن التدبير، والاقتناع بما رأت.
ومن هذه السياسة الحكيمة إسهام النبي لكل من لم يحضر الموقعة لتخلّفه في مصلحة عامة أو خاصة، وكذلك إسهامه لمن استشهدوا في بدر وإعطاء حقوقهم لورثتهم وذويهم، وبذلك كان للإسلام السبق في تكريم الشهداء ورعاية أسرهم وأبنائهم من قرابة أربعة عشر قرنا.
٦- عدالة النبي التامة في أخذ الفداء من القادرين عليه، وعدم محاباته لذوي قرباه، بل كان الأمر على خلاف ذلك، فقد أغلا الفداء على عمه العباس، ولم يقبل أن يتنازل له أخواله من الأنصار عن شيء منه، وترك أمر صهره إلى خيار المسلمين، فمنّوا عليه لمّا رأوا زوجته السيدة زينب أرسلت في فدائه بقلادتها الغالية التي تحمل في نفسها أعظم ذكرى لأمها السيدة خديجة، وفضل خديجة على الإسلام مذكور مشكور، وقد دلّل المسلمون بصنيعهم هذا على حسّ مرهف، وشعور كريم، وإنسانية فائقة، وعلى حين فعل النبي هذا مع ذوي قرباه منّ على أناس لا يمتون إليه بصلة القربى لاعتبارات تدعو إلى ذلك.
[ ٢ / ١٧٦ ]
٧- أن النبي ﷺ له أن يجتهد فيما لم ينزل فيه وحي، وأنه إذا اجتهد في أمر من الأمور وسكت الوحي عن هذا الاجتهاد كان ذلك دليلا على موافقته الصواب والحق، واكتسب صفة إقرار الوحي لما أدّى إليه الاجتهاد، لأنه سبحانه حاشاه أن يقر نبيه على أمر يخالف الحق والصواب، أما إذا اجتهد النبي ولم يصادف الصواب نزل الوحي معاتبا ومبينا، وذاك كما حدث في هذه الغزوة.
فقد نزل قوله تعالى معاتبا: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ والنبي في كلتا الحالتين مأجور، لأن الإسلام يقرر أن من اجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وهذا يدل على مبلغ تقدير الإسلام للاجتهاد والدعوة إليه، وتكريم المجتهدين، وهذا الذي ذهبنا إليه من أنه ﷺ له أن يجتهد هو ما عليه جمهور العلماء والمحققون منهم، وهو الرأي الراجح المنصور.
٨- حدوث بعض المعجزات النبوية الحسية في هذه الموقعة: فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن عكاشة بن محصن الأسدي حليف بني عبد شمس قاتل يوم بدر بسيفه حتى انكسر، فأتى النبي ﷺ فأعطاه جذلا «١» من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة» فأخذه فهزّه فصار سيفا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان يسمى «العون»، ولم يزل هذا السيف عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله حتى استشهد على يد طليحة الأسدي أيام حروب الردة.
وكان النبي يشيد بشجاعة عكاشة هذا فيقول: «منا خير فارس في العرب» قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: «عكاشة بن محصن» فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك رجل منا يا رسول الله، فقال: «ليس منكم ولكنه منا للحلف» «٢» وبحسبه شرفا هذا التقدير الكريم.
_________________
(١) الجذل: ما عظم من أصول الشجر المقطّع، وقيل: هو من العيدان ما كان على مثال شماريخ النخل وهو المراد.
(٢) الروض الأنف، ص ٧٣، الجمالية.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وروى الواقدي بسنده في مغازيه عن رجال من بني عبد الأشهل قالوا:
انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر، فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله ﷺ قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب- نخل بالمدينة رطبها جيد-، فقال: «اضرب به»، فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد «١» .
ومن ذلك ما أعلم به النبي عمه العباس لما اشتكى الفقر، وإخباره بما ترك من مال عند زوجته أم الفضل، وقوله لها: إن هلكت فهذا المال لبنيّ.
وما حدث به عمير بن وهب لما جاء متظاهرا بفداء ابنه، وهو يريد قتل النبي باتفاق مع صفوان بن أمية، فقد أنبأه نبأ المؤامرة، فكانت سببا في إسلامه وصدق إيمانه.
وما ينبغي لأحد أن يزعم أن المعجزات الحسية لا ضرورة إليها بعد القران، فها هي قد بدت اثارها واضحة جلية في إسلام البعض، وتقوية يقين البعض الاخر، وإثبات أنه نبي يوحى إليه، فقد أخبر بمغيبات انتفى في العلم بها كل احتمال إلا أنه خبر السماء، وغير خفي ما يحدثه انقلاب عود أو عرجون في يد صاحبه سيفا بتارا في إيمانه وتقوية يقينه، وجهاده به جهادا لا يعرف التردد أو الخور، وحرصه البالغ على أن يخوض المعارك بسيف خرقت به العادة، وصار مثلا وذكرى في الأولين والاخرين.
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٢٩٠. وفي البداية أبي عبيدة وهو خطأ والصحيح أبي عبيد، وهو أبو عبيد بن مسعود الثقفي وكان عبر الفرات إلى الضفة الاخرى لقتال الفرس على جسر، فلما قتل أبو عبيد جال المسلمون جولة ثم انهزموا، فقطع رجل الجسر حتى لا يفكر أحد من الجيش في الفرار، وكانت خطيئة ترتب عليها أن قتل كثير من المسلمين وتهافتوا في الفرات، ولولا موقف المثنى بن حارثة ومعه بعض أبطال المسلمين لكانت الهزيمة ساحقة ماحقة. (الإصابة، ج ٤ ص ١٣٠؛ والاستيعاب، ج ٤ ص ١٢٤) .
[ ٢ / ١٧٨ ]
أحداث في السنة الثانية
زواج علي بفاطمة
في هذه السنة تزوج أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ السيدة فاطمة بنت رسول الله ﷺ وبنى بها، وقد ذكر البخاري أن ذلك كان بعد غزوة بدر بقليل، وقال الواقدي إنه بنى بها في ذي الحجة من هذه السنة، وإليك قصة خطبتها كما رواها البيهقي عن علي قال: خطبت فاطمة من رسول الله ﷺ فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة خطبت من رسول الله؟ قلت:
لا. قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله فيزوجك بها؟ فقلت:
أو عندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله ﷺ زوّجك.
فو الله ما زالت ترجّيني حتى دخلت على رسول الله، فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فو الله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة، فقال رسول الله ﷺ:
«ما جاء بك، ألك حاجة»؟ فسكتّ، فقال: «لعلك جئت تخطب فاطمة» فقلت: نعم. فقال: «وهل عندك من شيء تستحلها به»؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، فقال: «ما فعلت درع سلحتكها»؟ فو الذي نفس علي بيده إنها لحطميّة ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت عندي، فقال: «قد زوجتكها، فابعث إليها بها، فاستحلّها بها» فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله ﷺ.
وكان زواجا ميمونا مباركا، أنجبت منه السيدة الزهراء السادة: حسنا، وحسينا، ومحسنا، وأم كلثوم، وزينب ﵈. أما محسن فمات صغيرا، وعاش الحسن والحسين حتى بلغا مبلغ الرجال، فمات الحسن واستشهد الحسين بكربلاء، ولعلك تعجب إذا علمت أن السيدة الزهراء كان جهازها خميلا-
[ ٢ / ١٧٩ ]
قطيفة- وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر «١»، وهكذا كان الأمر في صدر الإسلام لا مغالاة في المهور، ولا إرهاق في سبيل إعداد الجهاز كما هو الحال اليوم. وإنما الحال سماحة وبساطة، وتعاون في سبيل الحياة الزوجية الكريمة، ولو كانت المغالاة في المهور مكرمة لكان أولى بها رسول الله ﷺ وبناته، وأهله، وأصحابه الكرام الميامين.
_________________
(١) أدم: جلد. إذخر: نبات طيب الرائحة.
[ ٢ / ١٨٠ ]
وفيات
في هذا العام توفيت السيدة رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان ذلك عند قدوم المبشرين بالنصر ببدر إلى المدينة كما أسلفنا.
وفيها استشهد أربعة عشر من المهاجرين والأنصار في بدر، منهم:
عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص من المهاجرين، ومعوّذ وعوف ابنا عفراء، وعمير بن الحمام، وسعد بن خيثمة من الأنصار. وفيها توفي بعد بدر السيد الجليل عثمان بن مظعون أحد السابقين الأولين وممن هاجر الهجرتين، وكان أخا للنبي ﷺ من الرضاع، ولما توفي دخل عليه رسول الله ﷺ فقبله وبكى حتى سالت الدموع على وجهه «١»، ثم شيّع جنازته هو وأصحابه، ولما دفن أمر النبي رجلا أن يأتي له بحجر، فلم يقدر الرجل على حمله لكبره، فقام النبي وأحضره ووضعه عند رأسه وقال: «أعلم به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» «٢»، ومن هنا أخذ جواز تمييز القبر بحجر ونحوه، ولما توفي إبراهيم ابن النبي قال: «الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون» «٣»، وقد وهم بعض المؤلفين في السيرة «٤» فذكر أنه توفي في العام الأول، وهو غلط، والصحيح كما ذكرنا.
_________________
(١) رواه أحمد والترمذي.
(٢) رواه أبو داود. انظر نيل الأوطار ج ٤ ص ٥٥، ١٣٢.
(٣) رواه الترمذي.
(٤) هو الشيخ الخضري ﵀ في كتابه «نور اليقين» .
[ ٢ / ١٨١ ]
السّنة الثّالثة من الهجرة
تمهيد:
في هذه السنة واجه النبي خصوما لم يكن له بهم سابق عهد، ذلك أنه كان حالف معظم القبائل التي تسكن غربي المدينة بينها وبين ساحل البحر، فكاد يصبح طريق تجارة مكة إلى الشام مغلقا، ولكن ماذا يصنع القرشيون والتجارة هي روحهم وعماد معيشتهم، لذلك فكروا في طريق صحراوي اخر من مكة إلى نجد، ومنها إلى العراق والشام، وكان بنو سليم وغطفان أهم من يسكن هذا الطريق من القبائل، وكانوا حلفاء قريش يستخدمونهم في تأمين متاجرهم إلى العراق.
وقد وثّق القرشيون ما بينهم وبين سليم وغطفان وأغروهم بمحاربة الرسول.
وقد كان من سياسة النبي الحكيمة في محاربة هذه القبائل هي مبدأ المبادأة، فما إن يعلم بعزمهم على حربه حتى يسرع إليهم بالخروج ليريهم أنهم أقوياء، وقد أثمرات هذه السياسة ثمرتها، فكان النبي إذا خرج إلى قوم منهم ألقى في قلوبهم الرعب وفروا، فيعود غانما منتصرا، وقد كفاه الله والمؤمنين القتال.
[الغزوات في هذه السنة]
غزوة الكدر
تجمعت جموع من بني سليم وغطفان يريدون مهاجمة المدينة، فلما علم النبي بعزمهم خرج إليهم على رأس مائتين من أصحابه، فلما وصلوا ماء لهم يسمى «قرقرة الكدر» وجدهم قد فروا، فرجع ولم يلق كيدا، وغنم المسلمون خمسمائة بعير خمّست، فأخذ النبي الخمس، ووزع الباقي على المجاهدين.
[ ٢ / ١٨٣ ]
غزوة غطفان أو ذي أمر
وفي شهر ربيع الأول تجمع بنو ثعلبة ومحارب- هما حيان من غطفان- وعلى رأسهم رئيس لهم يسمى «دعثور» يريدون الغارة على المدينة، فخرج إليهم النبي في أربعمائة وخمسين من أصحابه بعد أن خلّف على المدينة عثمان بن عفان، فلما سمعت الأعراب بمسيره رعبوا وفروا.
وسار المسلمون حتى وصلوا ماء لهم يسمى (ذا أمر) فعسكروا به، وأمطرت السماء مطرا غزيرا، فابتلت ثياب رسول الله، فذهب إلى شجرة هناك بمنأى عن المعسكر ونشر عليها ثيابه، وشغل المسلمون بشؤونهم. ورأى المشركون أن ينالوا من النبي على غرة، فأرسلوا رجلا منهم شجاعا يقال له دعثور هذا ويقال غورث بن الحارث- لقتل النبي ﷺ، فما شعر به النبي إلا وهو قائم على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال النبي:
«الله» !! فرعب الرجل، وسقط السيف من يده، فتناوله الرسول، ورفعه، وقال له: «من يمنعك مني»؟، فقال الرجل: لا أحد، فعفا عنه النبي ﷺ، فما كان من الرجل إلا أن أسلم وتعهد ألايكثر على النبي جمعا، وعاد إلى قومه، فأخبرهم الخبر، ودعاهم إلى الإسلام.
وهكذا شاء الله سبحانه أن يخرج قاصدا قتل النبي ﷺ فإذا به يعود مؤمنا به ومحبا له!! وصار يجمع قومه للرسول، بعد أن كان يجمعهم عليه، وقد قيل:
إنه نزل «١» في هذا قوله سبحانه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «٢» .
_________________
(١) تفسير الألوسي ج ٦ ص ٧٦.
(٢) سورة المائدة: الاية ١١.
[ ٢ / ١٨٤ ]
سرية زيد بن حارثة أو القردة
علمت قريش من مبادأة الرسول لغطفان وسليم وخروجه إليهم؛ أن قوة المسلمين المادية والمعنوية لا يستهان بها، وأن الطرق المطروقة إلى الشام أصبحت غير مأمونة، وأن القبائل المتحالفة معهم أصبحت غير قادرة على حماية تجارتهم، ففكروا في طريق وعر قليل الماء، عرّفهم به مرشد يأتمنونه، فخرجت عيرهم في تجارة عظيمة، وكان رئيس العير صفوان بن أمية، ومعه أبو سفيان بن حرب، واخرون، واستأجروا رجلا من بني بكر بن وائل يسمى: فرات بن حيان «١» ليدلهم على الطريق، وتكتموا أمر هذه العير.
ولكن الأقدار ساقت يثربيا، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، فقد كان بمكة وعلم بخبر العير، فلما قدم المدينة وجلس في رفقة له يشربون ومعهم رجل مسلم- وذلك قبل أن تحرم الخمر- فجرى على لسانه ذكر عير قريش والطريق الذي سلكته، فأسرع الرجل المسلم فأخبر النبي، فأرسل من فوره زيد بن حارثة في مائة راكب مجاهد، وكان ذلك في مستهل جمادى الأولى من السنة الثالثة فسارت السرية حتى لقوا العير عند ماء يسمى «القردة»، ففرّ الرجال، وأصاب المسلمون العير، وكانت أول غنيمة ذات قيمة غنمها المسلمون، وعادت السرية بها، فخمّسها رسول الله ﷺ، فبلغ خمسها خمسة وعشرين ألفا، وقسم الباقي على رجال السرية، وكان فرات بن حيان فيمن أسر، فعرضوا عليه الإسلام فأسلم.
_________________
(١) حيان: بالياء المثناة. وقيل: بالباء المواحدة.
[ ٢ / ١٨٥ ]
غزوة أحد «١»
تجهز قريش لأحد
لما أصيبت قريش في بدر أرصدوا التجارة التي كانت تحملها العير لقتال النبي ﷺ، والثأر منه ومن أصحابه، وأوقفوها بدار الندوة، وكانت تبلغ خمسين ألف دينار، فسعى رجال من رؤسائهم قبيل أحد إلى أبي سفيان بن حرب، فقالوا له: إن محمدا وترنا «٢»، وقتل خيارنا، وإنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها استعدادا لحرب محمد وأصحابه، وقد رضي بذلك كل من له فيها نصيب.
وصاروا يجمعون الجموع لقتال النبي، واستنفروا حلفاءهم من الأحابيش، والقبائل المنتشرة حول مكة من كنانة وأهل تهامة، وعبّأوا القوى لهذا الاستنفار، فقد سعى صفوان بن أمية إلى أبي عزّة الشاعر الذي كان في الأسارى يوم بدر، ومنّ عليه الرسول، وقال له: يا أبا عزّة إنك امرؤ شاعر، فأعنّا بلسانك، واخرج معنا، فقال: إن محمدا قد منّ علي فلا أريد أن أظاهر عليه، ولم يزل به يغريه، ويقول: لله علي إن رجعت أن أغنيك، وإن قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، حتى قبل، فخرج أبو عزة يسير في تهامة، ويدعو بني كنانة لحرب رسول الله ﷺ، وكذلك اشترك في تأليب القبائل أبو عامر الذي كان يقال له: الراهب، فسماه رسول الله:
الفاسق.
وما زالت قريش تجمع الجموع حتى تكوّن جيش تعداده ثلاثة الاف منها، ومن حلفائها، وأعراب كنانة، وتهامة.
وقد اختلفوا: يخرجون بالنساء أم لا؟ وكان اخر الأمر أن ترجّح رأي القائلين بخروجهن لما صرخت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وأصرّت على
_________________
(١) أحد: جبل بينه وبين المدينة نحو ستة أميال. وكانت الموقعة عنده.
(٢) وترنا: أصابنا في أحبتنا وأهلنا.
[ ٢ / ١٨٦ ]
خروجهن، فخرجت مع زوجها تؤلب وتحث على القتال، وكذلك خرجت زوجات عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص، وصفوان بن أمية وغيرهن، وسار هذا الجيش قاصدا المدينة ومعهم ثلاثة الاف بعير، ومائتا فرس ومن بينهم ستمائة دارع.
وكان في الجيش عبد حبشي يقال له: «وحشي» وهو غلام لجبير بن مطعم، فقال له جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي- وكان قتل يوم بدر مشركا- فأنت حر، وكانت هند تحرضه هي الاخرى على قتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب الذي فجعها بقتل الأحبة من أهلها في بدر، فكانت كلما مرت أو مرّ بها تقول له: ويها أبا دسمة، اشف، واستشف «١»
وسار الجيش حتى وصل إلى الأبواء حيث قبر السيدة امنة بنت وهب أم النبي، ففكر بعض سوقتهم في نبش قبرها، ولكن زعماءهم أبوا ذلك حتى لا تكون سنة سيئة في العرب، وقالوا: لا تذكروا من هذا شيئا فلو فعلنا نبشت بنو بكر وبنو خزاعة موتانا. وتابعت قريش سيرها حتى نزلت عند بعض السفوح من جبل أحد على خمسة أميال من المدينة.
وصول الخبر إلى الرسول
وكان العباس بن عبد المطلب يعلم ما صنعت قريش من تأليب القبائل، وجمع الجموع، وعزمها على مهاجمة المدينة، فكتب كتابا إلى ابن أخيه محمد ﷺ يخبره فيه بما جرى، وأعطاه لرجل من بني غفار، فأوصله الرجل إلى النبي، فقرأه عليه أبي بن كعب، فاستكتمه الرسول ما فيه، وأخبر بعض أصحابه واستكتمهم الخبر أيضا.
ثم أرسل النبي أنسا ومؤنسا ابني فضالة يتسنّطان أخبار قريش، فألفياها قد قاربت المدينة، وأرسلت خيلها وإبلها ترعى زروع يثرب المحيطة بها، وأرسل بعدهما الحباب بن المنذر مستطلعا، فجاءت الرسل تؤكد ما أخبر به العباس، وأن جيش قريش بمشارف المدينة، ولم يعد الأمر سرا، فقد توالت الأخبار بوصول قريش وعسكرتها بالقرب من أحد، وأخذ المسلمون الحيطة للرسول
_________________
(١) ويها: كلمة إغراء وتحريض. أبو دسمة: كنية وحشي.
[ ٢ / ١٨٧ ]
ولأنفسهم، حتى لقد بات وجوه المسلمين من أهل المدينة وعليهم السلاح بالمسجد النبوي خوفا على الرسول، وأقاموا حراسا على مداخل المدينة بالليل.
مشاورة النبي أصحابه
ولم يكن بدّ من أن يتشاور النبي والمسلمون فيما دهمهم، فجمع النبي وجوه المهاجرين والأنصار وحضر معهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وكان ذلك في يوم جمعة، وكان رسول الله ﷺ رأى ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قصّها على أصحابه فقال: «إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأوّلتها المدينة»، وقد ورد في تأويل بقية الرؤيا أن النبي قال: «فأما البقر فأناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم فهو رجل من أهل بيتي يقتل» «١» .
فمن ثمّ كان رأي رسول الله المقام بالمدينة والتحصن بها، فإن هم دخلوا عليهم قاتلوهم، ورأى هذا الرأي شيوخ المهاجرين والأنصار، ورأى هذا الرأي أيضا عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال: (يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين) .
ولكن الكثيرين ولا سيما الشباب ممن لم يشهد بدرا، أو شهدها وأمتعهم الله بالنصر قالوا: يا رسول الله: اخرج بنا إلى أعدائنا، ولا يرون أنا جبنّا عنهم وضعفنا، ومن هؤلاء حمزة بن عبد المطلب فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنّهم.
وصلّى رسول الله ﷺ بهم الجمعة، ووعظ الناس وذكّرهم وحثّهم على الثبات والصبر، ثم دخل بيته فلبس لأمته «٢» ثم خرج عليهم، فلما راه الذين أشاروا بالخروج ندموا وقالوا: استكرهناك ولم يكن لنا ذلك، يا رسول الله إن
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٣ ص ٦٢ ط الحلبي.
(٢) عدة الحرب من درع ومغفر ونحوهما.
[ ٢ / ١٨٨ ]
شئت فاقعد، فقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين أعدائه» .
وأذّن مؤذّن رسول الله بالخروج، فخرج في ألف من أصحابه واستعمل على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، ثم عقد الألوية فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وسار الجيش، وفي الطريق بصر النبي بكتيبة كبيرة فسأل عنها، فقيل له هؤلاء حلفاء ابن أبي من اليهود، فقال: «لا حاجة لنا فيهم، إنا لا نستعين بكافر على مشرك» ونعمّا فعل، فهم قوم مرنوا على الخيانة والنفاق فلا يؤمن جانبهم.
فلما وصلوا إلى الشوط «١» انخزل عبد الله بن أبي بثلاثمائة من أصحابه وقال: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع من اتّبعه من قومه من أهل النفاق والشك، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر فقال: يا قوم، أذكّركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما استعصوا عليه قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه. وفي هؤلاء المنخزلين نزل قول الله تعالى:
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ «٢» .
ولما رجع ابن أبي وأصحابه همّت بنو سلمة وبنو حارثة أن ترجعا، ولكن الله ثبتهما وعصمهما، وفي ذلك نزل قوله سبحانه:
_________________
(١) الشوط: مكان بين المدينة وأحد.
(٢) سورة ال عمران: الايتان ١٦٦- ١٦٧.
[ ٢ / ١٨٩ ]
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «١» .
استعراض الجيش ورد بعض الصبيان
وفي الطريق استعرض رسول الله الجيش، وكان خرج مع الرجال بعض الغلمان ممن لا طاقة لهم على الجهاد رغبة في الجهاد وحبا للاستشهاد في سبيل الله، فردّهم النبي لصغرهم، منهم: عبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وأسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، وعرابة بن أوس «٢»، وأجازهم يوم الخندق، وكان الرسول ردّ سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وهما أبناء خمس عشرة سنة، فقيل له: يا رسول الله إن رافعا رجل رام فأجازه، فقيل له: فإن سمرة يصرع رافعا فأجازه.
وما كان لنا أن نمر بهذا دون أن نشيد بأثر التربية الإسلامية انذاك في نفوس الشبان، وأنهم لم يكونوا أقل من الرجال حبا للجهاد وتضحية في سبيل العقيدة والمثل الإنسانية العالية، وبهؤلاء الشباب وأمثالهم انتصر الإسلام وعلا على كل الأديان، وكان المسلمون خير أمة أخرجت للناس، وعسى أن يكون لشبابنا في هؤلاء أسوة حسنة.
نزول المسلمين بالشعب في أحد والتعبئة للقتال
ومضى رسول الله في سبعمائة من أصحابه حتى وصل الشّعب من أحد، وجعل ظهره وعسكره إلى الجبل، وقال: «لا يقاتلنّ أحد حتى امره بالقتال» . وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر من شوال عبّأ رسول الله ﷺ أصحابه للقتال، وصفّ الصفوف، وبوّأ كل فريق مكانه، وأمّر رسول الله على الرماة عبد الله بن جبير، وهو معلم بثياب بيض، وكانوا خمسين رجلا، وأوصاهم قائلا: «انضحوا بالنبل عنا لا نؤتينّ من قبلكم، والزموا مكانكم، إن كانت النوبة لنا أو علينا،
_________________
(١) سورة ال عمران: الاية ١٢٢.
(٢) قال فيه الشاعر: رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى الخيرات منقطع النظير إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
[ ٢ / ١٩٠ ]
وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم» . وفي هذا نزل قول الله تعالى:
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «١» .
الرسول يحمس أصحابه
وصار النبي يحمس المسلمين، وينفخ فيهم من روحه وقوة إيمانه، ويحثهم على الصبر والثبات في هذه المواطن، وابتدع طريقة تثير الحمية، وتدعو إلى الاستبسال في القتال، فقد أخذ بسيف في يده وقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه»؟ فأحجم القوم، ثم كرر الكلمة فقام رجال فأمسكه عنهم، فقام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به العدو حتى ينحني»، قال: أنا اخذه بحقه، فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم أنه سيقاتل، فأخرج عصابته تلك فاعتصب بها، ثم جعل يتبختر بين الصفّين فقال رسول الله: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» .
جيش قريش
وعبّأت قريش جيشها وتصافّوا، وكان معهم مائتا فرس قد جنّبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وعلى المشاة صفوان بن أمية، وكان حامل لوائهم طلحة بن عثمان من بني عبد الدار، وقال أبو سفيان لأصحاب اللواء يحمّسهم ويستثير حميتهم: (يا بني عبد الدار، قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنّما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا وإما أن تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه)، فهمّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟! غدا إذا التقينا ترى كيف نصنع؟ وهذا ما أراد أبو سفيان.
وقامت هند امرأة أبي سفيان في نساء من قريش وهن يتجوّلن بين الصفوف، ويضربن بالدفوف، ويحرّضن على القتال ويقلن:
ويها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضربا بكل بتّار»
_________________
(١) الاية ١٢١ من سورة ال عمران.
(٢) ويها: كلمة تحريض وحث على القتال. حماة الأدبار: الذين يحمون أعقاب الناس. البتّار: السيف القاطع.
[ ٢ / ١٩١ ]
ويقلن:
نحن بنات طارق «١» نمشي على النمارق
مشي القطا النوازق والمسك في المفارق
والدرّ في المخانق
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق «٢»
محاولة فاشلة
وحاول أبو عامر الفاسق- وقد تصاف الجيشان- أن يستزل بعض الأنصار، فقال: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق، فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ورماهم بالحجارة.
بدء القتال بالمبارزة
وابتدأ القتال بالمبارزة، فقد دعا طلحة بن أبي طلحة العبدري أحد حملة لواء المشركين يومئذ إلى البراز، فأحجم عنه الناس، فبرز إليه الزبير بن العوام، فوثب حتى صار معه على جمله، ثم ألقاه على الأرض وذبحه بسيفه، فقال الرسول ﷺ: «إن لكل نبي حواريا «٣»، وحواريّ الزبير»، وقال: «لو لم يبرز
_________________
(١) قال السهيلي: فيقال: إنها- أي هندا- تمثلت بهذا الرجز، وإنه لهند بنت طارق بن بياضة، قالته في حرب الفرس لأياد، فعلى هذا يكون إنشاده. نحن بنات طارق- بالنصب على الاختصاص. وإن كانت أرادت النجم فبنات مرفوع خبر مبتدأ، أي نحن شريفات رفيعات كالنجوم، وبعد أن استبعده ذكر عن بعضهم أنه استحسنه (الروض الأنف ج ٢ ص ١٢٩- ١٣٠) .
(٢) النمارق: جمع نمرقة، وهي الوسادة. النيازق: الخفاف. المخانق جمع مخنقة وهي القلادة. والوامق: المحب.
(٣) الحواري: المخلص الصفي الناصر.
[ ٢ / ١٩٢ ]
إليه أحد لبرزت أنا إليه، لما رأيت من إحجام الناس عنه»، وهذا يدل على شجاعة رسول الله الفائقة التي لا تدانيها شجاعة.
وخرج سباع بن عبد العزّى من صفوف المشركين، وهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال له: يا سباع، يا ابن أم أنمار أتحادّ الله ورسوله؟! ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب. ونادى أبو سعد بن أبي طلحة- وكان أحد حملة لواء المشركين وقد سمع علي بن أبي طالب يقول:
أنا أبو القصم «١» - فقال: هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم، فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين، فضربه علي فصرعه ولم يجهز عليه، فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله.
التحام الجيشين
ثم التحم الجيشان، وحمي الوطيس، وتعانقت السيوف، وحملت خيّالة المشركين على المسلمين ثلاث مرات، فينضحهم الرماة بالنبال فينكصون على أعقابهم، وأبلى كثير من المسلمين في هذا اليوم بلاء حسنا، وأظهروا من البطولات ما أعجز المشركين.
فاندفع أبو دجانة «٢» وقد اعتصب بعصابة الموت وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل
ألاأقوم الدهر في الكيول «٣» أضرب بسيف الله والرسول
فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلا قتله، ورأى ﵁ إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا، قال: فصمدت له، فلما حملت عليه بالسيف ولول،
_________________
(١) بضم القاف وفتح الصاد، وروي بالفاء، والقصم- بالقاف- القطع مع الإبانة، والفصم- بالفاء- قطع من غير إبانة.
(٢) أبو دجانة: بضم الدال وتخفيف الجيم، واسمه: سماك بكسر السين ابن خرشة بفتح الخاء والراء والشين.
(٣) الكيول: اخر الصفوف في الحرب، ويروى أيضا الكبول: جمع كبل وهو القيد.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فإذا هي امرأة، وهي هند بنت عتبة، قال: فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة.
وقاتل علي، والزبير، وطلحة بن عبيد الله، وأبو طلحة الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص، وأبطال غيرهم كثيرون، وقاتل أسد الله حمزة بن عبد المطلب قتال الأبطال، لا يمر به أحد من المشركين إلا أطاح برأسه؛ ولا يقدر أحد أن يهوي إليه، فقتل نفرا من حملة اللواء من بني عبد الدار؛ وبينما هو على هذه الحال؛ كمن له وحشيّ حتى تمكن منه، ثم رماه بحربته فأصابت منه مقتلا، وسأدع وحشيا يحدثنا عن هذا المشهد المؤلم المثير قال:
(كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت حر، قال: فخرجت مع الناس وكنت رجلا أقذف بالحربة قذف الحبشة؛ قلّ ما أخطىء بها، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق «١»، يهد الناس بسيفه هدّا ما يقوم له شيء، فو الله إني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني، فلما دنا هززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته- تحت سرته- حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أخذت حربتي ورجعت، ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق) «٢» .
وسرت قوة الإيمان في نفوس المسلمين، وضاعفت من قواهم المعنوية، فإذا السبعمائة يهزمون الثلاثة الاف، حتى لقد قتل من حملة لواء المشركين من بني عبد الدار سبعة أو تسعة، ولم يزل اللواء صريعا لا يجد من يحمله، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش فاجتمعوا عليه، وأنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسّوهم بالسيوف، حتى كشفوهم عن المعسكر، وولولت نساء المشركين، وأصعدن في الجبل هربا.
_________________
(١) الجمل الأورق: الذي لونه بين الأبيض والأسود «الرمادي» .
(٢) البداية والنهاية، ج ٤ ص ١٨.
[ ٢ / ١٩٤ ]
قال الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم «١» هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير. وأضحت الهزيمة لا شك فيها، وأقبل المسلمون على جمع الغنائم، وما أكثرها، وشغلوا بها عن مطاردة المشركين، والإثخان، فيهم، وتطلع إلى الغنائم كثير من الرماة، فتركوا أماكنهم فكانت بوادر الهزيمة.
مخالفة الرماة أمر الرسول
ونسي معظم الرماة وصية الرسول إليهم ألايبرحوا مكانهم، وقالوا:
ما لنا في الوقوف من حاجة، وذكّرهم رئيسهم عبد الله بن جبير قائلا: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ وقال لهم: أما أنا فلا أبرح مكاني، فخالفه أكثرهم، وانطلقوا إلى الغنائم وثبت معه عشرة رماة، حينذاك اهتبل هذه الفرصة خالد بن الوليد، فشدّ على بقية الرماة فقتلهم، واندفع بخيله في ظهور المسلمين وأخذوهم على غرة وهم لاهون بجمع الغنائم، وصاح في قريش: أن ارجعوا، فعاد كل منهزم منهم، واندفعت قريش كالسيل الاتي إلى معسكر المسلمين؛ وصار المسلمون بين نارين، وهنالك دارت الدائرة على المسلمين وتحولت الصّبا دبورا «٢»، ووقع الاضطراب في صفوفهم، وصار كل واحد يلقي بما في يده من مغنم، وعاد إلى سيفه يسلّه ليقاتل به، ولكن هيهات هيهات، لقد تفرقت الصفوف، وتمزقت الواحدة، وابتلع البحر اللجي من جيش قريش هذه الفئة القليلة من المسلمين.
لقد كانوا من منذ ساعة يقاتلون بوحي من إيمانهم، ودفاعا عن عقيدتهم، وها هم الساعة يقاتلون لينجوا من براثن الموت، ويفلتوا من ذل الأسر، وكانوا يقاتلون متراصين متضامنين، وهم الان يقاتلون مبعثرين مفرقين، لا نظام يجمعهم ولا واحدة تشملهم، وكانوا يقاتلون تحت قيادة حكيمة حازمة، وهم الان يقاتلون ولا قيادة لهم، فلا تعجب إذا صار المسلمون يضرب بعضهم
_________________
(١) الخدم: بفتح الخاء والدال جمع خدمة: الخلاخيل، وقيل موضع الخلاخيل من الساق.
(٢) الصبا: ريح تهب من المشرق. والدبور: تهب من المغرب.
[ ٢ / ١٩٥ ]
بعضا، وهم لا يشعرون، كما حدث في قتل «اليمان» «١» والد حذيفة، فقد قتله المسلمون خطأ وهم لا يعرفونه، واعتذروا لحذيفة، فقال: يغفر الله لكم، وأراد رسول الله أن يعطيه دية أبيه فأبى، وتصدّق بها على المسلمين، فما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي الله ﷿.
شائعة قتل الرسول
واندفع المشركون نحو رسول الله يريدون قتله، منهم ابن قمئة، فتلقاه مصعب بن عمير، فقتله ابن قمئة ظنا أنه رسول الله، وصاح صائح: ألا إن محمدا قد قتل، وهنالك عظمت البلية، وطاشت أحلام المسلمين، وذهلوا عن أنفسهم، فمنهم من ولّى هاربا، ولم ترده إلا حيطان المدينة فرجع استحياء، وفي هؤلاء نزل قوله سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ «٢» .
ومنهم من انطلق صاعدا فوق الجبل وألقى بسلاحه من هول الفاجعة، ثم لم يلبثوا أن فاؤوا إلى الرسول وإلى القتال بعد أن أفاقوا من أثر الصدمة، ومنهم من قاتلوا دفاعا عن دينهم وحماية لأنفسهم، وهم كثير منهم: حنظلة بن أبي عامر، وكعب بن مالك، وقتادة بن النعمان، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر.
وقدم أنس بن النضر عم أنس بن مالك على قوم ممن أذهلتهم الشائعة وألقوا بسلاحهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله، فقال: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن ربّ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال
_________________
(١) هو حسيل بن جابر، وسمي اليماني لأنه من ولد جروة بن مازن، وكان جروة قد بعد عن أهله في اليمن زمنا طويلا، ثم رجع إليهم فسموه اليماني.
(٢) سورة ال عمران: الاية ١٥٥.
[ ٢ / ١٩٦ ]
هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعني المشركين- ثم لقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد إني لأجد ريح الجنة دون أحد، ثم ألقى بنفسه في أتون المعركة، وما زال يقاتل حتى استشهد. فوجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فلم تعرفه إلا أخته ببنانه، وفي هذا وأمثاله نزل قول الله سبحانه:
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا «١» .
الذين ثبتوا مع الرسول
وثبت حول النبي ثلّة من المهاجرين والأنصار، وفدوه بأنفسهم، قال ابن سعد: إنهم أربعة عشر رجلا، منهم أبو بكر، وسبعة من الأنصار. وذكر الواقدي في مغازيه أنه ثبت مع الرسول يوم أحد من المهاجرين سبعة: أبو بكر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة. ومن الأنصار: أبو دجانة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير «٢» .
وذكر البغوي في تفسيره أنه كان ممن ثبت أبو بكر وعمر؛ وفي هذا ما يرد ما ذكره الدكتور هيكل في كتابه: «حياة محمد» «٣» ﷺ، من أن أبا بكر وعمر ممن انتحوا ناحية الجبل وألقوا بأيديهم، والظنّ بالصدّيق في قوة إيمانه وتفديته للرسول بنفسه في الهجرة وغيرها أن يكون ممن ثبتوا، وكذلك الظن بعمر، ولعل هيكل أخذ بما رواه ابن إسحاق في قصة أنس بن النضر من أنه وجد عمر وطلحة بن عبيد الله فيمن ألقوا بأيديهم، وهي رواية مردودة، فقد اتفقت الروايات كلها في الصحيحين وغيرهما على أن طلحة كان ممن ثبت «٤»،
_________________
(١) سورة الأحزاب: الاية ٢٣. قضى نحبه: مات.
(٢) فتح الباري، ج ٧ ص ٢٨٨.
(٣) ص ٢٩١.
(٤) البداية والنهاية، ج ٤ ص ٢٦، ٢٧.
[ ٢ / ١٩٧ ]
وهو مما يوهن هذه الرواية ويضعفها، ويقلل الثقة بها، وليس لنا أن نأخذ ببعض ما تفيده وندع البعض.
وفي بعض الروايات أن المقداد، وسعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة ممن ثبتوا مع الرسول. والذي يظهر لي- والله أعلم- أن رسول الله ﷺ، كان يدعو أصحابه إليه، فصار كل من يسمع النداء يفيء إليه، حتى تجمع حوله عدد كثير، فمن ثمّ اختلفت الروايات في ذكر العدد والأشخاص بحسب الأحوال والأزمان.
ثبات الرسول
وثبت رسول الله ﷺ كالجبل الأشم، يدافع ويجالد جموع المشركين المحيطين به من كل ناحية، وهو يقول: «إليّ عباد الله، إليّ عباد الله»، ففاء إليه الكثيرون ممن أذهلتهم شائعة أنه قتل، فقعدوا عن القتال، وممن تفرقوا يقاتلون بين الصفوف، حتى تكونت حوله ثلّة من أصحابه، فسار بهم حتى وصل إلى الصخرة التي فوق الجبل، وكان أول من عرف رسول الله بعد شائعة قتله كعب بن مالك، فإنه رأى عينيه تزهران من تحت المغفر، فنادى: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليه الرسول أن أنصت. وكانت تلك حكمة بالغة من الرسول، فإن شائعة قتله كان من شأنها أن يخفف المشركون الوطأة على المسلمين، فإذا ما علموا أنه لا يزال حيا عاودوا الكرة، وكرروا محاولة قتله.
ولكن لم يلبث الخبر أن ذاع وانتشر بين المسلمين، فقويت العزائم بعد خور، وتجمعت الصفوف بعد تفرق، ثم أراد رسول الله أن يعلو الصخرة التي في الشعب من الجبل فلم يستطع لكثرة ما نزف من دمه الزكي، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال رسول الله حينئذ:
«أوجب طلحة»، وبصر رسول الله بجماعة من المشركين فيهم خالد بن الوليد على ظهر الجبل، فقال: «لا ينبغي لهم أن يعلونا»، ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في رهط من المهاجرين، فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل، وهذا يدل
[ ٢ / ١٩٨ ]
على أن المسلمين على الرغم مما أصابهم من جروح وهزيمة كانوا ولم يزالوا بهم قوة ومنعة.
ما نزل بالرسول من جراح
فقد رماه عتبة بن أبي وقاص فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وكان سعد بن أبي وقاص يقول: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة- يعني أخاه- ولقد كفاني فيه قول الرسول: «اشتد غضب الله على من دمّى وجه رسول الله»، وقد دعا عليه الرسول فما حال عليه الحول حتى مات كافرا، وشجّ رسول الله في جبهته عبد الله بن شهاب؛ ورماه ابن قمئة- أقمأه الله- فجرح وجنته ودخلت حلقتان من المغفر فيها، فكان أن سلّط الله عليه تيسا فقتله، ذلك أنه لما انصرف إلى مكة خرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل، فشدّ عليه تيسها فنطحه نطحة أردته من شاهق الجبل، فتقطع قطعا.
وكان أبو عامر الفاسق قد حفر حفرة وغطّاها ليقع فيها المسلمون، فوقع رسول الله في حفرة منها، فأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما. وأقبل أبي بن خلف، وهو مقنّع في الحديد قائلا:
أين محمد لا نجوت إن نجا؟ فقال أصحاب النبي: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله: «دعوه»، فلما دنا منه تناول الحربة من الحارث بن الصمة، قال الراوي: فلما أخذها رسول الله انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله فطعنه في عنقه طعنة تدحرج منها عن فرسه، وهو يخور خوار الثور، ومات- لعنه الله- بسرف «١»، والمشركون راجعون إلى مكة وبحسبه قول الرسول: «اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله في سبيل الله» «٢» .
وعالج أبو عبيدة بن الجراح إخراج حلقتي المغفر من وجه رسول الله،
_________________
(١) سرف: ككتف موضع قريب من التنعيم.
(٢) رواه الشيخان.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وكره تناولهما بيده فيؤذي الرسول، فأزم على إحدى الحلقتين بفمه فاستخرجها، وقد سقطت ثنيته معها، ثم أزم على الاخرى فاستخرجها فوقعت الثنية الاخرى، فكان أبو عبيدة لذلك من أحسن الناس هتما، ومصّ مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله ﷺ، ثم ازدرده- ابتلعه- فقال الرسول: «من مس دمي دمه لم تصبه النار» .
علي وفاطمة يضمّدان جراح النبي
أصلح علي وزوجه السيدة فاطمة من شأن الجروح، فكان علي يسكب الماء بالمجن، وفاطمة بنت الرسول تغسل، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها بالجراح، فاستمسك الدم «١» . وكان النبي يقول وقد أصابته الجراح والدم يسيل على وجهه يوم أحد: «كيف يفلح قوم شجّوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعو إلى الله»، فأنزل الله سبحانه:
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «٢» .
فصبر النبي ورضي.
وقد كان ثبات النبي ﷺ موقفا بطوليا فذا، لا يكون إلا من نبي يوحى إليه، ولولا هذا الموقف لما تجمع الأبطال حول البطل، ولكانت الهزيمة ساحقة ماحقة.
مثل من البطولات في الدفاع عن الرسول
وقد أبدى بعض المسلمين في ثباتهم حول الرسول ودفاعهم عنه يوم أحد بطولات فدائية، لم يعرفها التاريخ لأحد إلا لأصحاب نبينا محمد، وسواء في ذلك المهاجرون والأنصار ومن هؤلاء:
طلحة بن عبيد الله من السابقين الأولين، وكان الصدّيق أبو بكر إذا ذكر
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد.
(٢) سورة ال عمران: الاية ١٢٨.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، وتكاد تجمع الروايات على أنه ممن ثبت، وقد روى البيهقي بسنده عن جابر أن المشركين رهقوا رسول الله وهو صاعد في الجبل ومعه جماعة من الأنصار ومعهم طلحة، فقال رسول الله: «ألا رجل لهؤلاء؟» فقال طلحة: أنا، فقال: «كما أنت يا طلحة»، فقال رجل من الأنصار: أنا.
فقاتلهم حتى قتل، فلحقه المشركون، وما زال يقول: «ألا رجل لهؤلاء»؟ وطلحة يقول: أنا، فيدخره، ويتقدم أحد الأنصار فيقاتلهم حتى يقتل، حتى قتلوا جميعا، ثم قاتلهم طلحة، فقاتل مثل قتال جميع من كانوا قبله، وأصيبت أنامله فقال: «حس»، فقال رسول الله: «لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء» . وروى البخاري في صحيحه عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلّاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد، ولقد بقيت يده ﵁ وساما دونه كل وسام إلى يوم القيامة.
ومنهم سعد بن أبي وقاص الزهري، نثل له رسول الله ﷺ كنانته «١» يوم أحد وقال له: «ارم، فداك أبي وأمي»، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله لم يجمع أبويه لأحد في التفدية إلا له.
ومنهم أبو طلحة الأنصاري، روى البخاري في صحيحه عن أنس قال:
لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي مجوّب عليه بجحفة له «٢» . وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع «٣»، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمر معه جعبته «٤» فيقول النبي: «انثرها لأبي طلحة»، ويشرف النبي ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك «٥» . وكان أبو طلحة
_________________
(١) الكنانة: كيس يوضع فيه السهام.
(٢) مجوّب: بضم الميم وفتح الجيم وكسر الواو المشددة. الجحفة بفتح الجيم والحاء: الترس الذي يتقي به المقاتل.
(٣) شديد النزع: أي الرمي بالقوس.
(٤) بضم الجيم: وعاء السهام.
(٥) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب غزوة أحد.
[ ٢ / ٢٠١ ]
يسوّر نفسه بين يدي الرسول ويقول: إني جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك، ومرني بما شئت.
ومنهم أبو دجانة، فقد ترّس بنفسه على رسول الله، فحنى ظهره عليه، والنبل يقع فيه حتى كثرت به الجراح.
ومنهم زياد بن السكن، ويقال: عمارة بن يزيد بن السكن، كان أحد النفر من الأنصار الذين قتلوا بين يدي رسول الله دفاعا عنه حينما غشيه القوم وتكاثروا عليه لقتله «١» .
ومنهم فتى الفتيان علي بن أبي طالب، فقد كان ممن ثبت مع الرسول، ونافح عنه، وممن قاتل في هذا اليوم قتال الأبطال.
بطولة امرأة
وإنها لبطولة تستحق التسجيل، وبطلتها هي السيدة نسيبة بنت كعب المازنية الأنصارية. روى ابن إسحاق وغيره أنها دخلت عليها أم سعد بن الربيع فقالت لها: يا خالة أخبريني خبرك؟ قالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والدولة والريح «٢» للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إليّ.
قالت الراوية: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف، له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة- أقمأه الله- لمّا ولّى الناس عن الرسول أقبل يقول: دلّوني على محمد، لا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبتوا مع الرسول، فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. وقد غشي عليها من جراحها، فلما أفاقت قالت: أين رسول الله وما صنع المشركون معه؟ فقالوا لها: بخير.
_________________
(١) سيرة ابن هشام، ج ٣ ص ٨١.
(٢) الريح: الغلبة والنصر.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وروى الواقدي بسنده عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما التفتّ يوم أحد يمينا وشمالا إلا وأراها تقاتل دوني» .
وإن الإنسان ليدهش من هذه الشجاعة التي لا نكاد نجد لها مثالا في تاريخ الدنيا، إن لهذه السيدة البطلة لتاريخا حافلا في باب الجهاد في الإسلام، فقد ذكر ابن عبد البر في ترجمتها: أنها شهدت أحدا مع زوجها زيد بن عاصم وابنيها: حبيب وعبد الله، وشهدت كذلك بيعة الرضوان، وقد أبلت بلاء حسنا في حروب الردة.
وكان مسيلمة الكذاب قد ظفر بابنها حبيب وهو مقبل من عمان إلى المدينة وأخذه أسيرا «١»، فقال له: أتشهد أني رسول الله: فيقول: لا أسمع، فيقول:
أتشهد أن محمدا رسول الله فيقول نعم، فيقطع منه عضوا، وما زال يسأله ويجيب بما أجاب به حتى قطّعه إربا إربا، ومات شهيد عقيدته مرضيا عليه من ربه، وأبت عليه بطولته أن يداهن في موطن تجيز له التقيّة أن يوافق ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان، ولكن المؤمنين الأبطال يأبى عليهم إيمانهم الفذ إلا العزائم!!.
ولما بلغها ما صنع الكذاب بحبيب عاهدت الله أن تموت دون مسيلمة، فلما كان يوم اليمامة ذهبت إلى الصدّيق تستأذنه في الخروج، فقال لها: ما مثلك يحال بينه وبين الخروج، فقد عرفناك، وعرفنا جرأتك في الحرب، فاخرجي على اسم الله.
فخرجت هي وابنها عبد الله، وأصيبت يومها باثني عشر جرحا، وفقدت يدا في هذا اليوم وكانت حريصة على قتل مسيلمة، ولم يهدأ بالها حتى قابلها ابنها البطل عبد الله بن زيد الذي شارك وحشيا في قتل مسيلمة، وسيفه يقطر دما من دمه، فقالت له: أقتلته؟ قال: نعم، فسجدت شكرا لله، وعادت وقد فقدت في
_________________
(١) وذكر ابن عبد البر أن رسول الله ﷺ قد بعثه إلى مسيلمة الكذاب باليمامة، ففعل به ما ذكرنا.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
حروب الردة يدا وابنا، وعادت بيد وابن، ولكنها كانت قريرة العين أن أبرّ الله قسمها، وأن فقدت ما فقدت في سبيل الله!! «١» .
مثل اخر من إيمان النساء
فقد مرّ رسول الله ﷺ بعد الموقعة بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله بأحد، فلما نعوا إليها قالت: ما فعل رسول الله؟
قالوا خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل!! «٢» .
ومن جهاد النساء في أحد
وقد كان للنساء المسلمات جهاد مشكور في أحد: يسقين العطشى، ويداوين الجرحى. روى الشيخان في صحيحيهما عن أنس قال: «ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر- زوج الرسول- وأم سليم- يعني أمه- وإنهما لمشمّرتان أرى خدم «٣» سوقهما تنقزان»
القرب على متونهما، تفرغان في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملانها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم» .
ومنهن أم سليط؛ روى البخاري في صحيحه بسنده: «أن عمر بن الخطاب قسم مروطا «٥» بين نساء من نساء المدينة، فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله التي عندك يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أم سليط أحق به منها، قال عمر:
فإنها كانت تزفر «٦» لنا القرب يوم أحد» «٧» .
_________________
(١) الإصابة، ج ٤ ص ٤٧٩، وج ١ ص ٣٠٦؛ والاستيعاب على هامش الإصابة، ج ٤ ص ٤٧٥ وج ١ ص ٣٢٨.
(٢) جلل: أي صغيرة. وهذا اللفظ من الأضداد.
(٣) خدم: جمع خدمة، هي الخلخال، والسوق: جمع ساق.
(٤) تنقزان: تسرعان المشي، وقيل تهرولان.
(٥) المروط: جمع المرط وهو كساء من صوف أو حرير تتلفع به المرأة وتتستر.
(٦) تزفر: مثل تحمل وزنا ومعنى.
(٧) صحيح البخاري- كتاب المغازي- غزوة أحد، باب ذكر أم سليم.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وكان النساء يقمن بهذه الخدمات وهنّ على حالة من الوقار والاحتشام، وعدم التبرج والمخالطة المريبة، فالإسلام لا يمنع المرأة من المشاركة في الحرب بما يليق بحالها، بل ومن الأخذ بالسلاح إذا لزم الأمر، كما فعلت السيدة نسيبة وغيرها. روى مسلم في صحيحه بسنده عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين، فسألها النبي ﷺ عن ذلك فقالت: «اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه» وهكذا فلتكن النساء.
وروى مسلم أيضا عن أنس قال: «كان النبي ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى»، وروى أيضا عن أم عطية الأنصارية قالت: «غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى» «١» . فالإسلام يبيح للمرأة المشاركة في الجهاد، ولكن بشرط التدين والتصون والتعفف وعدم الابتذال والوقوع في الماثم، وإلا كان ضررها أكثر من نفعها، وإفسادها أكثر من إصلاحها.
المقاتلون حمية
على حين كانت الكثرة من المسلمين تقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، كان في صفوفهم من يقاتل حمية عن قومهم ممن يظهرون الإسلام، ولا يرجون الله واليوم الاخر، ومن هؤلاء رجل يسمى: «قزمان» . قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتي- غريب- لا يدرى ممّن هو يقال له «قزمان»، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر له قال: «إنه من أهل النار»، وقال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل واحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراح، فاحتمل إلى دار بني ظفر، فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر، قال: بماذا أبشر؟ فو الله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا هذا
_________________
(١) صحيح مسلم- كتاب الجهاد- باب غزو النساء مع الرجال.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
ما قاتلت! فلما اشتدت به جراحه أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه. وهكذا صدق الله مقالة رسوله، وكانت خاتمة أمره خسرا، ومالا إلى النار حيث قتل نفسه.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
المشركات يمثلن بشهداء أحد
لما وقعت الهزيمة بسبب مخالفة الرماة أمر الرسول، وأصيب من أصيب من المسلمين انطلقت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي كن معها إلى قتلى المسلمين، يمثلن بهم بحقد وغيظ وشراسة، فصرن يجدعن الاذان والأنوف، ويبقرن البطون، حتى إن هندا بقرت عن كبد سيد الشهداء حمزة فلاكتها- مضغتها- فلم تستطع أن تسيغها- تبتلعها- فلفظتها. وبالغن في التمثيل بالشهداء، ونسين صنع الرسول والمسلمين في قتلاهم ببدر، حيث أمر بدفنهم، ولم يتركهم للسباع والطير، فضلا أن يمثّلوا بأحد منهم. فشتان ما بين الصنيعين!!
وصنعت هند من الاذان والأنوف خلاخيل وأقراطا وقلائد، وأعطت وحشيا قلائدها وخلاخيلها وأقراطها مكافأة له على جريمته النكراء، بل بلغ الأمر بأبي سفيان بن حرب أن صار يضرب في شدق سيد الشهداء حمزة بزج الرمح ويقول: ذق عقق- يعني يا عاق- فمرّ عليه الحليس بن زبّان سيد الأحابيش يومئذ وهو يفعل ذلك فقال: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما «١»؟! فقال: ويحك اكتمها علي فإنها كانت زلة.
حزن الرسول على عمه
وحرج رسول الله يتفقد القتلى، ويتلمّس عمه حمزة، فوجده قد مثّل به، فبقر بطنه، وأخرج كبده، وقطعت أنفه وأذناه، فقال: «لن أصاب بمثلك أبدا، وما وقفت قط موقفا أغيظ علي من هذا» ثم قال: «ولئن أظهرني الله على قريش
_________________
(١) لحما يعني ميتا لا يقدر على الانتصار لنفسه.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
في موطن من المواطن لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم مكانك» . وقال المسلمون لما رأوا المثلة في قتلاهم، وحزن النبي البالغ على عمه حمزة: لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.
أمر الله بالعدل في القصاص
ولم يلبث الوحي أن نزل بالأمر بمراعاة العدل في القصاص، ومحببا في الصبر والعفو، فقال عز شأنه:
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ «١» .
فعفا رسول الله ﷺ، وصبر وكفّر عن يمينه، ونهى عن المثلة. روى ابن إسحاق بسنده عن سمرة بن جندب قال: «ما قام رسول الله ﷺ في مقام قط ففارقه، حتى يأمرنا بالصدقة وينهانا عن المثلة» .
ولا يشكلن عليك كون هذه الايات من سورة النحل وهي مكية، لأن بعض العلماء قال: إنها مكية إلا هذه الايات من خواتم السورة فإنها مدنية. نعم ذهب كثير من العلماء إلى أنها كلها مكية وعلى هذا فتكون هذه الايات مما تكرر نزولها على حسب المناسبات والدواعي، تذكيرا بما فيها من هذا الأدب الإسلامي العالي، وهو رعاية العدل عند النصر والظفر، وعدم الاستجابة لهوى النفس، أو الإسراف في الانتقام والتشفّي، وهو أدب إسلامي لم تصل إليه المدنيّة في القرن العشرين «٢» .
_________________
(١) سورة النحل: الايات ١٢٦- ١٢٨.
(٢) المدخل لدراسة القران الكريم للمؤلف، ص ١٥.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
بعد الموقعة
وبعد الموقعة أشرف أبو سفيان بن حرب على المسلمين فقال: أفي القوم محمد؟ فقال لهم النبي لا تجيبوه، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ والنبي يقول: لا تجيبوه، فقال أبو سفيان: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذي عددت لأحياء، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال يعني يوم لك ويوم عليك- فقال له عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان: وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم امر بها ولم تسؤني.
ثم أخذ يرتجز: اعل هبل، اعل هبل «١»، فقال النبي: «أجيبوه»، قالوا:
ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل» فقال أبو سفيان لنا العزّى، ولا عزّى لكم، فقال النبي: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» ثم قال أبو سفيان: إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال رسول الله لرجل من أصحابه: «قل: نعم هو بيننا وبينك موعد» «٢» .
تعرّف وجهة المشركين
وكان رسول الله ﷺ حريصا على تعرف رغبة القوم حتى لا يميلوا إلى المدينة، فأرسل ابن عمه عليا وقال له: «اخرج في اثار القوم، وانظر ماذا يصنعون، وما يريدون، فإن كانوا قد جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون
_________________
(١) يعني أظهر دينك. أو اعل هبل أي ازدد علوا.
(٢) رواه ابن إسحاق وأحمد والبخاري ومسلم.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها، ثم لأناجزنّهم» فخرج علي، فوجدهم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكة، وهذا يدل على أن المسلمين كانوا لا يزالون أقوياء وعلى استعداد للقتال، وأن الهزيمة لم توهن من قواهم المعنوية.
صلاة النبي بالمسلمين قاعدا
وصلّى رسول الله بأصحابه الظهر قاعدا لكثرة ما نزف من دمه، وصلى وراءه المسلمون قعودا.
دعاء وابتهال
وتوجه النبي إلى الله الذي بيده كل شيء بالدعاء والثناء على ما نالهم من الجهد والبلاء، فقال لأصحابه: «استووا حتى أثني على ربي ﷿» فصاروا خلفه صفوفا ثم دعا بهذه الكلمات المؤمنة العذاب:
«اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مبعّد لما قربت.
اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهم حبّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق» «١» .
_________________
(١) رواه الإمام أحمد.
[ ٢ / ٢١٠ ]
من استشهد في أحد
وقد استشهد في أحد من خيار المسلمين حوالي سبعين، منهم أربعة من المهاجرين وقيل ستة، والباقي من الأنصار. فمن المهاجرين:
١- حمزة بن عبد المطلب: سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله، قتله وحشي كما أسلفنا، وقد بقي وحشي بمكة حتى فتحت، ففر إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف أعيته المذاهب، فعزم على الفرار إلى الشام أو اليمن، فقيل له: إن النبي لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه، فخرج حتى قدم على رسول الله بالمدينة، فإذا هو واقف على رأسه يشهد شهادة الحق، فقال له:
«أوحشي أنت»؟ قال: نعم، فحدثه بمقتل حمزة، فقال له: «ويحك غيّب وجهك عني فلا أرينك»، ففعل، فكان يتعمد ألايلقى رسول الله كي لا يثير الكامن من الحزن، ولا الذكريات المؤلمة.
فلما حصلت حروب الردة وخرج المسلمون إلى مسيلمة، خرج معهم ومعه حربته التي قتل بها سيد الشهداء كي يكفّر عن فعلته بقتل مسيلمة، فأمكنه الله منه، وشاركه عبد الله بن زيد بن عاصم في قتله «١»، فلذا كان يقول:
قتلت خير الناس بعد رسول الله وقتلت شر الناس. وكانت وفاته بحمص.
ولما قتل حمزة ومثّل به جاءت أخته صفية بنت عبد المطلب لتراه، وكان أخا شقيقا لها؛ فقال رسول الله- رحمة بها وشفقة عليها- لابنها الزبير بن العوام:
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب المغازي، غزوة أحد- باب قتل حمزة بن عبد المطلب ﵁، والإصابة والاستيعاب، ترجمة حمزة.
[ ٢ / ٢١١ ]
«القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها»، فقال لها ابنها: إن رسول الله يأمرك أن ترجعي؛ فقالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مثّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا ما كان من ذلك!! لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله، فلما أخبر الزبير رسول الله بمقالتها قال: «خلّ سبيلها» فأتته، فنظرت إليه، وصلّت عليه «١» واسترجعت واستغفرت.
٢- مصعب بن عمير: وكان حامل اللواء يومئذ، قتله ابن قمئة لما اعترضه مفديا رسول الله بنفسه. ولما قفل رسول الله إلى المدينة لقيته حمنة بنت جحش زوجة مصعب ﵁، فنعي إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي إليها خالها حمزة فاسترجعت واستغفرت، ثم نعي إليها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسول الله: «إن زوج المرأة منها لبمكان» .
٣- عبد الله بن جحش ابن السيدة أميمة بنت عبد المطلب، وكان قد مثّل به حتى سمي: المجدّع في الله، وذكر الزبير بن بكار أن سيفه انكسر يوم أحد، فأعطاه رسول الله عرجونا فصار في يده سيفا فقاتل به، ثم بيع في تركة بعض ولده بمائتي دينار.
واستشهد من الأنصار رضوان الله عليهم كثيرون منهم:
٤- أنس بن النضر عم أنس بن مالك، وقد قدّمنا طرفا من خبره.
٥- سعد بن الربيع: ولما افتقده رسول الله قال: «من رجل ينظر لي سعد بن الربيع، في الأحياء هو أم في الأموات؟» فذهب إليه رجل فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، فأخبره بمقالة رسول الله فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله سلامي، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع
_________________
(١) صلّت عليه: أي دعت له.
[ ٢ / ٢١٢ ]
يقول لكم: لا عذر لكم إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. ثم لم يلبث أن مات، فجاء الرجل وأخبر النبي بخبره.
٦- عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر: وفي الصحيحين عن جابر أنه لما قتل أبوه صار يكشف عن وجهه الثوب ويبكي، وصارت عمته تبكي أيضا، فقال رسول الله: «تبكيه أو لا تبكيه، لم تزل الملائكة تظله حتى رفعتموه» وروى البيهقي عن جابر قال: نظر إلي رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراك مهتما؟» فقال: قتل أبي وترك دينا وعيالا فقال له: «ألا أخبرك؟ ما كلّم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلّم أباك كفاحا- يعني مواجهة- وقال له:
يا عبدي سلني أعطك. قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الحق ﵎: إنه سبق مني القول أنهم إليها- أي الدنيا- لا يرجعون، قال: ربي فأبلغ من ورائي، فأنزل الله سبحانه:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
وكان والد جابر قد خلّفه على أخواته البنات السبع، وقال له: ما كنت لأوثرك على نفسي في الخروج مع رسول الله، حتى كتب الله له الشهادة.
٧- عمرو بن الجموح: وكان رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون المشاهد مع رسول الله، فلما كان يوم أحد أرادوا منعه من الخروج وقالوا: إن الله قد عذرك، فأتى النبي وقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك، فو الله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة، فقال رسول الله: «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك» وقال لبنيه: «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة» فخرج فرزقها.
٨- حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة، كان أبوه من أشد الناس عداوة للرسول، وكان هو من خيار المسلمين، وقد التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلما علاه حنظلة راه شداد بن الأسود- وكان يسمى: ابن شعوب- فقتله، فقال رسول الله ﷺ: «إن صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا أهله
[ ٢ / ٢١٣ ]
ما شأنه؟» فسألوا صاحبته- زوجته- وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة الصيحة للجهاد- فقال رسول الله: «لذلك غسلته الملائكة» .
وقد التقى به بعد استشهاده الوالد الفاسق القاسي فضربه برجله وقال:
لقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد كنت- والله- وصولا للرحم، برا بالوالد. ولا أدري لو لم يكن برا به فماذا كان سيلقى منه؟!! وبحسب حنظلة فضلا ألايزال ذكره مسكا يتضوع على مدى الأجيال.
٩- عبد الله بن جبير أمير الرماة، وقد ذكّر من كان معه بوصية رسول الله وأبى أن يبرح هو ومن وافقه حتى قتلوا شهداء.
قتلى المشركين:
أما عدد من قتل من المشركين فكانوا عشرين.
[ ٢ / ٢١٤ ]
دفن شهداء أحد
وأمر رسول الله أن يدفن شهداء أحد حيث ماتوا، وقد كان بعض أهالي الشهداء نقلوهم إلى المدينة المنورة ليدفنوا فيها، ولكن نادى منادي رسول الله:
أن ردّوا القتلى إلى مضاجعهم، فأعادوهم «١» .
وكان رسول الله يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، بل وفي الكفن الواحد، وكان يسأل: «أيهم أكثر أخذا للقران؟» فإذا أشير إليه قدّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسلوا «٢» وإنما أرخص لهم في الدفن في القبر الواحد لما كان بهم من الجراح والجهد الذي يشق عليهم معه أن يحفروا لكل واحد قبرا، وقد دفن حمزة مع ابن أخته عبد الله بن جحش في قبر، ودفن عمرو بن الجموح مع صاحبه وصهره عبد الله بن حرام في قبر، ومصعب بن عمير وسعد بن الربيع في قبر، وهكذا.
وهذا الذي ذكرناه من أن شهداء أحد دفنوا بثيابهم ودمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم هو الذي ثبتت به الروايات الصحيحة في الصحيحين وغيرهما، وذلك لتكون دماؤهم وجراحاتهم شاهدة لهم يوم القيامة بفضلهم ومنزلتهم.
وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لا يكلم- يجرح- أحد في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» .
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٤ ص ٤٥.
(٢) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب من قتل من المسلمين يوم أحد.
[ ٢ / ٢١٥ ]
ولذلك ذهب الجمهور من الفقهاء إلى عدم الصلاة على الشهداء الذين قتلوا في جهاد الكفار، وعدم تغسيلهم.
وأما ما رواه ابن إسحاق وغيره من أن النبي صلّى عليهم، وأنه صلّى على حمزة سبعين صلاة بتعدادهم، فقد قال الحافظ ابن كثير: إنه ضعيف «١» . نعم ثبت في صحيح البخاري ومسلم أنه ﷺ صلّى عليهم بعد ذلك ببضع سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوها» .
قال الراوي: وكانت اخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ، ومن هنا ذهب بعض الفقهاء إلى مشروعية الصلاة على الشهيد: شهيد المعركة. وأما الجمهور فحملوا هذا على الدعاء أو أن ذلك خصوصية للنبي ﷺ «٢» .
منزلة شهداء أحد:
ولما لشهداء أحد من منزلة وتضحية في سبيل الله كان النبي ﷺ يزورهم ويسلّم عليهم، ويقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. وكان أبو بكر يفعله، وكان عمر يفعل ذلك، وكان عثمان يفعله، وحكى الواقدي زيارتهم عن السيدة فاطمة، وسعد، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأم سلمة ﵃ أجمعين.
وبحسبهم فضلا أن الله أنزل فيهم وفي أمثالهم قوله سبحانه:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
وقد قدمنا في فضل الاستشهاد في الإسلام من روى ذلك من الأئمة، وبيّنا المراد بهذه الحياة، فكن على ذكر من ذلك «٣» .
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٤ ص ٤٠- ٤١.
(٢) فتح الباري، ج ٣ ص ١٦٣، ١٦٤.
(٣) ص ٨٤- ٨٧ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وقد بقي الشهداء بمكانهم حتى كان عهد معاوية وإجرائه العين من أحد، فانفجرت العين عليهم فنقلوا من أماكنهم. وفي رواية ابن إسحاق عن جابر قال: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس، وهذا إكرام من الله للشهداء.
كما حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، روى الإمام مالك في الموطأ: «أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام الأنصاريين كان قد حفر السيل قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد «١»، وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يغيرا كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت. وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة» «٢» .
من أصيب بالجراح يوم أحد
وأصيب كثيرون بجراح ولا سيما الذين كانوا يحيطون برسول الله، منهم أبو دجانة، وأبو طلحة، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعبد الرحمن بن عوف، فقد جرح عشرون جراحة أو أكثر، وكسرت ثنيته فهتم.
وأصيبت يومئذ السيدة نسيبة بنت كعب بجرح غائر في عاتقها.
معجزة نبوية
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى سقطت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما. وقد روى هذه القصة ابن إسحاق، والدارقطني، والبيهقي في الدلائل وذكروا أنها كانت في أحد. وروى البعض أن ذلك كان في بدر، والصحيح الأول، ولما وفد حفيده عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز ﵀ وهو والي المدينة قال له: من أنت؟ فقال له مرتجلا:
_________________
(١) لأنهما كانا متصاحبين ومتصاهرين في الدنيا.
(٢) الموطأ كتاب الجهاد- باب الدفن في قبر واحد للضرورة، «البداية والنهاية»، ج ٤ ص ٤٣.
[ ٢ / ٢١٧ ]
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردّت بكف المصطفى أحسن الردّ
فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حسنها عينا، ويا حسن ما خد
فأجابه عمر متمثلا:
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وصدق خامس الراشدين، فتلك هي المفاخر الباقية حقا، فلا عجب إذا كان وصله وأحسن جائزته «١» .
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٤ ص ٣٤.
[ ٢ / ٢١٨ ]
سبب الهزيمة في أحد
١- مخالفة معظم الرماة أمر رسول الله ووصيته لهم ألايبرحوا أماكنهم سواء انتصروا أم انهزموا. وقد كان النصر للمسلمين في الجولة الأولى فلما تخلفوا عن أماكنهم كانت الهزيمة.
٢- إيثار بعضهم الغنيمة على الجهاد، وعرض الدنيا على ثواب الاخرة، فلولا أن الرماة سارعوا إلى الغنائم يحوزونها، ولولا أن البعض شغلوا بالغنيمة عن الإثخان في المشركين لما حدث ما حدث، وقد سجل الله ذلك في كتابه فقال:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «١» .
وهذه معاني كلمات هذه الاية:
(وعده) يعني بالنصر. (تحسونهم) تقتلونهم. (ما تحبون) أي النصر.
(ليبتليكم): أي يعاملكم معاملة المختبر، ليظهر صادق الإيمان من غيره.
عبرة وعظة
وقد كانت أحد درسا قاسيا تعلّم منه المسلمون أن مخالفة الرسول لا تجر إلا إلى الخيبة والهزيمة، فمن ثمّ لم يقعوا في هذا الخطأ بعد، ولم تقع مثل هذه
_________________
(١) سورة ال عمران: الاية ١٥٢.
[ ٢ / ٢١٩ ]
الهزيمة، كما تعلموا منه أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الغنائم ما هي إلا عرض زائل لا ينبغي أن تكون غرضا لمجاهد في سبيل الله، كما كان اختبارا تميّز به المؤمنون الصادقون من ضعفاء الإيمان والمنافقين.
وقد دلّ ما حدث في أحد على أن الرسل وأتباعهم قد تنالهم الهزيمة في بعض المواقف لخطأ أو لغير ذلك، ولكن العاقبة بالنصر لابد أن تكون لهم، وهذه هي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وصدق الله:
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» .
وقد سجل الله سبحانه ذلك في كتابه فقال:
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ «٢» .
وهذا توضيح لمعاني كلمات هذه الاية:
قَرْحٌ: جراح في أحد، فقد نزل بهم مثله في بدر نُداوِلُها: يوم لك ويوم عليك، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ : أي يظهر لعباده المؤمنين المخلصين من المنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة، وَلِيُمَحِّصَ : أي يطهرهم بالبلاء الذي نزل بهم مما عسى أن يكونوا اقترفوه حتى يصيروا كالذهب نقاء وصفاء، ويهلك الكافرين والمنافقين ويكشف عن دخيلة نفوسهم.
ما نزل من القران في أحد
وقد أنزل الله سبحانه في أحد وما يتصل بها حوالي أربعين اية من سورة ال عمران، وقد ذكرنا بعضها أثناء الدراسة التحليلية للغزوة، وها هي بعض الايات الاخرى منزّلا لها على مواقعها، وموجزا مقاصدها ومواضع العبرة فيها.
_________________
(١) سورة المجادلة: الاية ٢١.
(٢) سورة ال عمران: الايتان ١٤٠، ١٤١.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
قال تعالى في بيان سنة الله في الأمم، وأن النصر للرسل وأتباعهم، والهلاك للمكاذبين أعدائهم:
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. إلى قوله: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «١» .
وَلا تَهِنُوا: أي لا تضعفوا عن الجهاد بسبب ما جرى لكم.
وَلا تَحْزَنُوا: على ما أصابكم من قتل وجراح. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: جمع الأعلى أي الأعلون شأنا، لأن قتالكم لله، وفي سبيل إعلاء كلمته، وقتالهم للشيطان، وإعلاء كلمة الكفر. وأيضا فقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، ثم إنكم أصبتم منهم في بدر أكثر مما أصابوا منكم. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أن العاقبة والنصر للمؤمنين، أو إن كنتم من أهل الإيمان الصادق، ففيه تهييج وإلهاب لحماسهم، لأن الإيمان الصادق لا يهن صاحبه ولا يحزن لما أصابه، ويستهين بكل شدائد الحياة في سبيل العقيدة الحقة والغاية الشريفة، أما قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ الاية، فقد سبق شرحها انفا..
ثم بين سبحانه أن الجنة حفت بالمكاره فلا محيص لمن يطلبها من الجهاد والصبر والكفاح، والقتل والجراح.. فقال سبحانه:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ إلى قوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «٢» .
ومعنى يعلم: يظهر، أو المراد تعلق علم الله بالشيء واقعا وحادثا.
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ: تحضروا مواطنه.
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: عاينتم أسبابه، وأبصرتم موارده.
_________________
(١) سورة ال عمران: الايات ١٣٧- ١٣٩.
(٢) سورة ال عمران: الايتان ١٤٢، ١٤٣.
[ ٢ / ٢٢١ ]
ثم عاتب الذين انهزموا وفروا أو قعدوا عن القتال لما أشيع أن النبي قتل مع أنه كسلفه من الأنبياء الذين مضوا، وسيموت كما ماتوا، ولكل أجل كتاب، فقال عز شأنه:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ إلى قوله وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ «١» .
انْقَلَبْتُمْ: انهزمتم وتخاذلتم، وفعلتم فعل المرتدين وإن كان لا ردة، ومن فرّ أو تخاذل فلا يضر إلا نفسه، ومن ثبت وقاتل وصابر فسيجزيه خير الجزاء. وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ: بقضائه وقدره. كِتابًا مُؤَجَّلًا: أي كتب ذلك كتابا مؤقتا لا تقدّم عنده ولا تأخر. ثَوابَ الدُّنْيا:
من يرد بعمله الدنيا أعطي من الدنيا. ثَوابَ الْآخِرَةِ: ومن قصد وجه الله ورضاءه أجزل له الثواب.
ثم عرض لأتباع الأنبياء في الأمم السابقة، وأنهم ما ضعفوا لما نالهم من قتل أو هزيمة، إلهابا لحماسهم، وإثارة لنفوسهم فقال عز شأنه:
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. إلى قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «٢» .
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ : أي وكثير، وقرىء «قتل» و«قاتل» .
رِبِّيُّونَ الجماعات الكثيرة. فَما وَهَنُوا: تخاذلوا لما نزل بهم من هزيمة أو قتل أو جراح. وَما ضَعُفُوا: عن طلب عدوهم. وَمَا اسْتَكانُوا:
لما أصابهم في الجهاد دفاعا عن دينهم، وهذا ظاهر على قراءة قاتل، وعلى الاخرى يكون المراد بقوله: فَما وَهَنُوا : الباقون بعدهم. ثَوابَ
_________________
(١) سورة آل عمران: الايتان ١٤٤، ١٤٥.
(٢) سورة آل عمران: الايات ١٤٦- ١٤٨..
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الدُّنْيا: النصر والظفر. وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ: الجنة ونعيمها. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: الإحسان الإتقان ومراقبة الله في الاعتقاد والقول والعمل، أي يثيبهم.
ثم عاتبهم على فرارهم عن نبيهم وهو يدعوهم إليه فقال:
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «١» .
تُصْعِدُونَ: من أصعد وهو الذهاب والإسراع في الأرض هربا، وأما صعد فمعناه ارتقى في جبل أو نحوه. وَلا تَلْوُونَ: ولا تعطفون وترجعون. فِي أُخْراكُمْ: في اخركم ومن ورائكم حينما قال: «إليّ عباد الله» .
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ: أي غما بسبب غم، وهو ما نزل بهم من الهزيمة والقتل بسبب ما أدخلتموه على نفس الرسول بمخالفتكم أمره أيها الرماة، أو غما بعد غم، وهو ما نزل بهم من الهزيمة وما حصل لهم لما أشيع أن النبي قتل. عَلى ما فاتَكُمْ: من النصر والغنيمة. وَلا ما أَصابَكُمْ: من القتل والجراح.
ثم وبخ الله المنافقين وضعفاء الإيمان الذين لم تهمهم إلا أنفسهم، وظنوا بالله ورسوله الظنون السيئة، والذين زعموا أنهم لو لم يخرجوا لما قتل من قتل، فقال:
وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «٢» .
_________________
(١) سورة ال عمران: الاية ١٥٣.
(٢) سورة ال عمران: الاية ١٥٤.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ : أي أصابكم الله بما أصابكم ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس، أما هو سبحانه فعليم بما في القلوب.
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: أي إن الله خاذل دينه ونبيه. قُلْ لَوْ كُنْتُمْ : فالخروج في الجهاد لا يقصّر أجلا، والجبن والتخلّف في البيوت لا يطيل عمرا، وما قدّره الله لابد أن يكون، والله لا تخفى عليه خافية، ويعلم ما تكنه صدوركم.
ثم حذر سبحانه المؤمنين أن يكونوا كالمنافقين الذين يفتحون عمل الشيطان في نفوسهم بقولهم: لو ولو.. ولن تجر عليهم هذه التمنيات الباطلة إلا الحسرة، والله ﷾ هو الذي بيده الحياة والموت، فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «١» .
لِإِخْوانِهِمْ: أي لأجل إخوانهم في النفاق أو في النسب. ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ: سافروا فيها لتجارة أو غيرها فماتوا. غُزًّى: جمع غاز أي غزاة فقتلوا. حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ: أي ندامة في الدنيا أن فاتهم ما أحبوا، وفي الاخرة حينما يحرمون من النعيم وتتكشف لهم الحقائق، والله قادر أن يرجع من خرج مجاهدا غانما سالما، وأن يميت من أقام في أهله، ونكص عن القتال.
ثم بين سبحانه أن الموت أو القتل في سبيل الله هو أسمى الغايات وأشرفها، وأن ما أعدّه للمجاهدين ولا سيما الشهداء من النعيم الدائم المقيم خير من الدنيا وما فيها فقال:
_________________
(١) سورة ال عمران: الاية ١٥٦.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ «١»:
فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم قال سبحانه معزّيا للمسلمين ومسلّيا، ومبينا أن ما أصابهم في أحد قد أصابوا مثليه في بدر، وأن ما أصابهم إنما هو بسبب مخالفتهم:
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
أَنَّى هذا؟: أي من أين حصل لنا هذا. قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ:
أي بسبب مخالفتكم أمر الرسول ورغبتكم في الغنائم.
ثم ختم الحق سبحانه قصة أحد يبين منزلة الشهداء عند ربهم فقال سبحانه:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» .
والخوف: ألم يحصل في النفس من توقع حصول مكروه فيما يستقبل.
والحزن: ألم يحصل في النفس من خوف فوات محبوب فيما مضى، وأهل الجنة لا يخافون فيها شيئا لأنها دار أمن وسلام، فلا مكروه فيها، ولا يحزنون لأنهم سيجدون كل ما عملوه من خير محضرا، أو أن ما أعدّه الله لهم من النعيم يفوق
_________________
(١) سورة ال عمران: الايتان ١٥٧، ١٥٨.
(٢) سورة ال عمران: الاية ١٦٥.
(٣) سورة ال عمران: الايات ١٦٩- ١٧١.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
أضعافا مضاعفة ما كانوا يحبون ويرجون، وصدق الرسول الكريم حيث يروي عن رب العالمين: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه، ثم قرأ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقد قدّمت ما يتعلق بحياة الشهداء، نسأل الله الكريم أن يرزقنا هذا النعيم المقيم تفضّلا وكرما.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
اثار غزوة أحد
رجع النبي إلى المدينة وقد دفن بأحد سبعين شهيدا، وبأصحابه العائدين جراح؛ فأظهر المنافقون واليهود بالمدينة فرحهم، وفارت المدينة بالنفاق والتشفي، ولم يقف أمرهم عند حد السرور والانشراح النفسي، بل ظهرت سخائم نفوسهم في كلمات على ألسنتهم، فقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه؛ ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه! ونسوا ما حل بأنبياء بني إسرائيل من تقتيل وتشريد، بل نسوا فرار موسى وأتباعه من فرعون وقومه، ولولا أن أنجاهم الله لكانوا من المهلكين. وقال المنافقون لو كنتم أطعتمونا ولم تخرجوا لما أصابكم ما أصابكم.
وتجاوز أثر أحد المدينة إلى من حولها من الأعراب والقبائل الموالية لأهل الشرك، فكان لابدّ من استرجاع هيبة المسلمين؛ وإيذان الناس جميعا أن المسلمين على الرغم مما نالهم لا يزالون أقوياء وقادرين على منازلة الأعداء، فكان الخروج إلى غزوة حمراء الأسد.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
غزوة حمراء الأسد
كانت غزوة أحد في يوم السبت الخامس عشر من شوال، وفي يوم الأحد أذّن مؤذن رسول الله في الناس بطلب قريش وقال: «لا يخرجن معنا إلا من حضر معنا القتال» فخرج الذين حضروا غزوة أحد من المسلمين، واستأذن جابر بن عبد الله رسول الله في الخروج، لأن تخلّفه عن أحد كان لعذر كما أسلفنا، فأذن له، وقال ابن أبيّ رأس المنافقين: أنا راكب معك، فأبى عليه الرسول ذلك.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وحمل اللواء علي بن أبي طالب، وساروا حتى وصلوا (حمراء الأسد) «١» يوم الاثنين. ومر برسول الله معبد بن أبي معبد الخزاعي- وهو يومئذ مشرك، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة «٢» نصح رسول الله- فقال: يا محمد، أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك؛ ولوددنا أن الله عافاك فيهم.
وكان المشركون لما غادروا المدينة وبلغوا الروحاء قد أخذوا يتلاومون أن لم يستأصلوا المسلمين، فمر معبد بأبي سفيان وأصحابه وقد هموا أن يرجعوا إلى الرسول وأصحابه، فقال له: ما وراءك يا معبد؟ قال: قد خرج محمد في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله، يتحرقون عليكم تحرقا، واجتمع إليهم من كان تخلّف عنهم، ونصحه بعدم العودة.
فخاف أبو سفيان إذا ما عادوا أن تكون الكرّة عليهم فأسرع إلى مكة،
_________________
(١) موضع على ثمانية أميال من المدينة.
(٢) عيبة نصحه: يعني موضع سره وأهل مودته.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ولكنه لجأ إلى حيلة، فقد مرّ به ركب بني عبد القيس يقصدون المدينة، فعرض عليهم أن يبلّغوا النبي وأصحابه أن قريشا قد أجمعت السير إليهم، ووعدهم أن يوقر لهم إبلهم زبيبا إذا وافوا عكاظ في الموسم، فمرّ الركب برسول الله وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بما قال أبو سفيان، فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» .
وأقام المسلمون بحمراء الأسد ثلاثة أيام، وفي يوم الأربعاء عادوا إلى المدينة وقد استردوا الكثير من هيبتهم؛ بعد أن كادت تتزعزع بسبب أحد. وقد ذكر الله هذا الموقف المشرف في قوله سبحانه:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. إلى قوله: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ «١» .
مخزاة لابن أبيّ
كان عبد الله بن أبيّ ابن سلول له مقام بقومه كل جمعة لا ينكر لشرفه في قومه، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة ليخطب الناس قام فقال:
«أيها الناس: هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزّروه، واسمعوا له وأطيعوا» ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت!!.
_________________
(١) سورة ال عمران: الايات ١٧٢- ١٧٤. والمراد بالناس أولا: وفد عبد القيس، والمراد بالثاني: أبو سفيان وأصحابه. حَسْبُنَا: كافينا. الْوَكِيلُ: متولي أمورنا وناصرنا. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ: عافية وقوة. وَفَضْلٍ: أجر عظيم. وقيل هي تجارة أصابوها فربحوا فيها. لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ: أذى من أعدائه. وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ: بطاعتهم لرسول الله على ما بهم من جراح والام.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
فخرج وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا- أمرا عظيما- أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال: مالك وتلك، فأخبره فقال له: ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
حوادث هذا العام
تزوج عثمان بأم كلثوم
في هذه السنة تزوج سيدنا عثمان بن عفان السيدة أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ بعد وفاة أختها رقية عام بدر، وقد عقد عليها في ربيع الأول ودخل بها في جمادى الاخرة، ولما خطبها من النبي قال له: «لو كان لي يا عثمان عشرة لزوجتك واحدة بعد الاخرى» ويقال لم يتزوج أحد بابنتي نبي واحدة بعد الاخرى غيره، ولهذا كان يقال له: ذو النورين.
تزوج النبي بحفصة
وفيها تزوج النبي ﷺ بالسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبل النبي زوجا لخنيس- مصغّرا- بن حذافة السهمي، وكان بدريا توفي بعد بدر، وقيل بعد أحد، والأول هو الصحيح. وقد روى البخاري في صحيحه أن عمر ﵁ عرضها على عثمان بعد وفاة زوجته رقية، فقال: لا حاجة لي في الزواج. ثم عرضها على أبي بكر فسكت، ولم يرجع له بقول، حتى وجد عمر في نفسه. ثم خطبها النبي فأنكحها إياه. وقد بيّن له الصدّيق بعد خطبة النبي لحفصة أنه ما منعه من الجواب إلا أنه كان يعلم أن رسول الله ذكرها، وأنه كره أن يفشي سرّ رسول الله «١» .
وقد وثّق النبي بهذا الزواج علاقته بصاحبه ووزيره الثاني، عمر، كما وثّق من قبل علاقته بصاحبه ووزيره الأول أبي بكر بزواج عائشة، وأيضا فقد كرّم
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب النكاح- باب عرض الرجل ابنته أو أخته على أهل الخير.
[ ٢ / ٢٣١ ]
النبي بزواجه منها أباها، كما كرّم بذلك زوجها بعد مماته- وكان من أهل بدر- برعاية أرملته وضمها إليه، وأزال عنها تأيّمها.
مولد الحسن
وفيها ولد للسيدة فاطمة بنت رسول الله ابنها الحسن بن علي، وفيها حملت بالحسين ﵄، وكان مولد الحسن في رمضان عند الأكثر، وقيل بعد ذلك.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
السّنة الرّابعة من الهجرة
عاد النبي ﷺ من غزوة حمراء الأسد وقد استرد بعض هيبة المسلمين في المدينة وما حولها، إلا أن بعض القبائل الضاربة حولها سوّلت لها أنفسها النيل من المسلمين لما أصابهم في أحد، ولتحريض قريش إياهم على محاربتهم، وكان للرسول عيون وجواسيس يأتون إليه بأخبار تلك الحركات العدائية قبل وقوعها، فيسارع إلى وأدها في مهدها قبل استفحالها، فمن ذلك:
[السرايا والغزوات في السنة الرابعة]
سرية أبي سلمة بن عبد الأسد
ففي المحرم من هذه السنة بلغه ﵊ أن طليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين قد جمعا الجموع لحرب النبي، فأرسل أبا سلمة على رأس سرية تعدادها خمسون ومائة، فساروا حتى وصلوا إلى أرضهم، فلما سمعوا بهم هربوا وتفرقوا، وتركوا نعما كثيرة لهم من الإبل والغنم، فأخذوها غنيمة، فخمّست، فأبقوا الخمس للنبي يصرفه كما أراه الله، وقسموا بينهم الباقي، وعادوا إلى المدينة ظافرين غانمين، وقد أعادوا إلى النفوس من هيبة المسلمين شيئا مما ضيعت أحد.
ثم لم يلبث السيد الجليل أبو سلمة أن توفي، فقد كان أصيب في أحد بجرح ثم التأم، فلما خرج في هذه السرية نغر «١» عليه الجرح ومات بسبب ذلك.
_________________
(١) نغر الجرح: سال منه الدم.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
سرية عبد الله بن أنيس
وفي نفس الشهر بلغه ﵊ أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي المقيم بعرنة «١» يجمع الجموع لحربه، فأرسل عبد الله بن أنيس لقتله، فاستأذن عبد الله رسول الله أن يتقول حتى يتمكن منه، فأذن له.
فخرج فلما وصل إلى ديار القوم قال له سفيان ممن الرجل؟ قال من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك. قال: أجل إني لفي الجمع له، فمشى عبد الله معه وصار يحدثه، وسفيان يستحلي حديثه، حتى إذا أمكنته الفرصة منه قتله، ثم عاد إلى المدينة وقد كفى الله المؤمنين القتال، وهدأت بنو لحيان من هذيل بعد موت زعيمهم لتجد فرصة فتثأر فيها من المسلمين.
_________________
(١) عرنة: بضم العين وفتح الراء والنون: موضع قريب من عرفات كما في القاموس.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
سرية الرجيع «١»
في صفر من هذه السنة قدم على رسول الله ﷺ رهط من عضل والقارة «٢»، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القران، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله معهم نفرا ستة في رواية ابن إسحاق، وقيل عشرة في رواية البخاري، وهو الأصح، ليؤدوا هذه المهمة السامية، وليكونوا عيونا على قريش والمشركين، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح «٣» .
فساروا حتى إذا كانوا بالرجيع غدروا بهم، واستصرخوا عليهم بني لحيان من هذيل- هم قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد الله بن أنيس- فنفروا إليهم في مائتي رجل، فلم يرع المسلمين وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فلجأ رجال السرية الى ربوة عالية، واستعصموا بها، وأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فلجأ المشركون إلى الخديعة وقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألانقتلكم.
فأما عاصم واخرون فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، وأبوا التسليم، وقاتلوا حتى استشهدوا، واغتر بعهداهم خبيب بن عدي،
_________________
(١) الرجيع: اسم موضع من بلاد هذيل بين مكة وعسفان على ثمانية أميال من عسفان.
(٢) عضل: بفتح المهملة والمعجمة بطن من بني الهون- بفتح الهاء وقيل بضمتين- ابن خزيمة ابن مدركة بن إلياس. والقارة: بالقاف وتخفيف الراء بطن من بني الهون أيضا.
(٣) وفي رواية ابن إسحاق أن أميرهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وزيد بن الدّثنّة، وعبد الله بن طارق، فنزلوا إليهم فلما استمسكوا بهم حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال عبد الله: هذا أول الغدر حتى إذا كانوا بالظهران في طريقهم إلى مكة انتزع عبد الله يده منهم، ثم استأخر عنهم وأخذ بسيفه ليقاتلهم، فرجموه بالحجارة حتى مات شهيدا، وأما خبيب «١» وزيد فباعوهما لأناس من أهل مكة بأسيرين من هذيل، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بأبيهم الذي قتله يوم بدر، واشترى زيدا صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فحبسوهما حتى انتهت الأشهر الحرم فأخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما.
وكان من أمر خبيب أنه وهو محبوس في دار لبني الحارث قد استعار من جارية لهم «موسى» «٢» ليستحدّ بها لما دنا قتله، فأعارته إياه، وغفلت عن غلام لسادتها درج حتى أتى خبيبا فوضعه على فخده، فلما رأت هذا المنظر فزعت فزعة شديدة وقالت في نفسها: أصاب- والله- الرجل ثأره بقتل هذا الغلام، فأدرك خبيب ما حدّثت به نفسها فقال لها: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله!!
وكانت الجارية تحدّث بعد أن أسلمت فتقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، ولقد رأيته يأكل من قطف من عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقا رزقه الله!!
ولما خرجوا به إلى الحلّ ليقتلوه قال: دعوني أصلّ ركعتين. فكان أول من سن الركعتين عند القتل، ثم انصرف إليهم وقال: لولا أن تروا أنّ ما بي «٣» جزع من الموت لزدت، ولما رفعوه على الخشبة وأوثقوه ليقتلوه صبرا قال: اللهمّ إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلّغه الغداة ما يفعل بنا، اللهمّ أحصهم عددا واقتلهم بددا «٤»، ولا تبق منهم أحدا.
_________________
(١) بضم الخاء وفتح الباء وسكون الياء مصغّرا.
(٢) الموسى: هو الالة الحادة المعروفة، استعارها ليحلق بها شعر عانته.
(٣) ما: موصولة.
(٤) بددا: متفرقين.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ثم أنشد يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع «١»
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، ومات ﵁ شهيد إيمانه وإخلاصه.
وأما زيد بن الدثنة «٢» فلما جاؤوا به ليقتلوه وعاين الموت، قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الان عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي!! فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا!! ثم قام إليه نسطاس عبد لصفوان- فقتله ﵁.
ولما قتل عاصم بن ثابت أمير السرية أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكان قتل ابنيها يوم أحد، فنذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه الخمر «٣» . ولكن الله عز شأنه منعه، فبعث على جسده مثل الظلّة من الدبر «٤» . وكذلك أرادت قريش أن تنال من جسده فلم يستطيعوا، فقالوا: دعوه حتى يمسي فيذهب عنه الدبر فنأخذه، فغيبه الله في الوادي، فما عرفوا له أثرا.
_________________
(١) الشلو: العضو. ممزع: ممزق.
(٢) الدثنة بفتح الدال، وكسر الثاء، وفتح النون المشددة.
(٣) القحف بكسر القاف: أعلى الدماغ.
(٤) الدبر: الزنابير، أو ذكور النحل.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وكان عاصم ﵁ قد أعطى الله عهدا ألايمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا تنجسا، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر ألايمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته، كما امتنع منه في حياته «١» .
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٦٤.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
أصحاب بئر معونة «١» أو سرية القرّاء
وفي شهر صفر أيضا وفد على رسول الله ﷺ أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وهو من رؤوس بني عامر، فدعاه رسول الله إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال ﷺ: «إني أخشى عليهم أهل نجد»، فقال أبو براء: أنا لهم جار، فبعث رسول الله المنذر بن عمرو في سبعين رجلا من خيار المسلمين، وكانوا يعرفون بالقرّاء «٢»، وقيل في أربعين رجلا والصحيح الأول. منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان- خال أنس بن مالك- وعامر بن فهيرة مولى الصدّيق.
فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب، وأوعز إلى رجل فأنفذه بالرمح من خلفه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة!!
ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لن نخفر «٣» أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: رعلا وذكوان وعصية «٤»، فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فقال
_________________
(١) اسم موضع من بلاد هذيل بين مكة وعسفان.
(٢) هم جماعة من حفظة القران، كانوا يحتطبون بالنهار، ويتدارسون القران ويصلون بالليل، ويطعمون أهل الصفة، وإذا دعوا إلى الجهاد لبوا سراعا.
(٣) نخفر بضم أوله: ننقض عهده، وأما خفر الثلاثي فبمعنى وفى بالعهد.
(٤) رعل: بكسر الراء وسكون العين، وذكوان بفتح الذال، وعصية: بضم العين وفتح الصاد وتشديد الياء، أحياء من بني سليم.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
لهم المسلمون: والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ، فأبوا عليهم، فقاتلوهم حتى قتلوا عن اخرهم، إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فارتثّ «١» من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا، وإلا عمرو بن أمية الضمري، والمنذر بن محمد بن عقبة، فقد كانا في سرح القوم «٢» فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم حول العسكر. فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال المنذر لعمرو: ما ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر، فقال المنذر بن محمد: لكني لا أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لأخبر عنه الرجال!!
وقاتل القوم حتى قتل ﵁ شهيد البطولة والوفاء، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل بعد أن جزّ ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت عن أمة فيما زعم، فخرج عمرو قاصدا المدينة، فلقي رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من الرسول وهو لا يعلم، فأمهلهما حتى ناما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب بهذا ثأرا من بني عامر، فلما قدم عمرو وأخبر الرسول بقصتهما قال: «لقد قتلت قتيلين لأدينّهما» .
ثم قال: «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا»، فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار ابن أخيه عامر إياه، فذهب ابنه ربيعة إلى عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح انتقاما منه على فعلته النكراء، فجرح ولكنه لم يمت، ثم وفد على النبي بعد قاصدا الغدر به فمنعه الله منه، وقد دعا عليه النبي ﷺ فقال: «اللهم اكفني عامرا»، فأصابه الله بغدّة «٣» في بيت امرأة من بني سلول، فكان يقول: غدّة كغدة البعير في بيت امرأة سلولية، ثم ركب فرسه، فمات على ظهره بالعراء، تطعم منه الطيور والسباع.
_________________
(١) أي رفع من بين القتلى وبه بقية حياة.
(٢) حيث ترعى إبلهم ودوابهم.
(٣) نوع من الطاعون يصيب الإبل.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وكان وصول خبر سرية الرجيع وبئر معونة في يوم واحد، فحزن النبي ﷺ والمسلمون حزنا شديدا عليهم لم يخفف منه إلا أنهم شهداء عند ربهم يرزقون، ولقد بلغ حزن النبي ﵊ أنه مكث شهرا يدعو في صلاة الصبح على رعل وذكوان وعصية الذين غدروا بالقراء. وروى البخاري أن النبي لما نعى القراء قال: «إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربّنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم، فأنزل الله فيهم قرانا كان يتلى: بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا»، ثم نسخ بعد «١» .
وقفة عند سرية الرجيع وبئر معونة:
وإنّ لنا لوقفة ترينا كيف يستهين الإيمان بالكثرة حينما قاتل بضعة نفر غرباء عن ديارهم مائتي رجل في عقر دارهم، وكيف يسمو الإيمان عن الضعف والاستخذاء والترخص ويأبى إلا العزيمة. فقد كان يمكن لزيد وخبيب أن يظهرا كلمة الكفر، أو أن ينالا من النبي وقلبهما مطمئن بالإيمان، ليكون سببا في نجاتهما من القتل والصلب، ولكن أولي العزائم الثابتة، والعقائد الصادقة، يأبون إلا أن يموتوا أبطالا كما عاشوا أبطالا.
ولو أن خبيبا المأسور ليقتل بعد أن غدروا به قتل الغلام ثأرا من أهله لما كان أمرا مستنكرا، فهو مظلوم انتصر لنفسه، ولكنه الخلق الإسلامي الأصيل، والقلب المؤمن، والضمير الحي تترفع بصاحبها عن الغدر والغيلة حتى ولو كان على سبيل المجازاة، وأن يؤخذ الغلام بجريرة أهله. وإن هذه المعاني الشريفة لتستشفها في قولة خبيب للجارية: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك!!
وكنا نحب من المستشرقين الذين أسرفوا في القول من أجل أسيري بدر اللذين قتلا أن نسمع لهم كلمة في قتل الأسيرين المؤمنين على فرق ما بين الموقفين، وفي قتل من قتل غدرا وغيلة في سريتي الرجيع وبئر معونة، ولكن الأمر كما قيل:
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب سرية الرجيع وبئر معونة.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقد يقول قائل: كيف يوافق النبي ﷺ على إيفاد هاتين السريتين مع أناس ليسوا بمسلمين، وفي جوار رجل لم يدخل الإسلام، مع احتمال أن يكون هذا استدراجا للمسلمين ومكيدة للإيقاع بهم، وقد كان النبي من رجاحة العقل، وبعد النظر، والمواهب السياسية بالمنزلة التي لا تدفع؟ وللجواب عن ذلك نقول:
١- إن حفظ الجوار كان من خيرة فضائل العرب والخلق المتأصل فيهم، فاحتمال الغدر بهم مستبعد، ولا سيما أن القراء كانوا في جوار رجل له منزلته في بني عامر، وهو أبو براء. ولذلك لم يقبل بنو عامر أن يخفروه في جواره، فاستصرخ عليهم عامر بن الطفيل قبائل من بني سليم.
٢- إن إيفاد هاتين السريتين لم يكن إلا حلقة من حلقات الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى هذا الدين، والسهر على نشره بشتى الوسائل، أليس غاية ما يحتمل أن يموتوا شهداء؟ وهذا ما كان يرجوه كل مسلم انئذ. وصدق الله: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إما النصر والغنيمة، أو الموت والشهادة.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
غزوة بدر الاخرة
في شعبان من نفس العام خرج الرسول وأصحابه إلى بدر لميعاد أبي سفيان، واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، وسار في ألف وخمسمائة من أصحابه. وكانت بدر محل سوق تعقد كل عام للتجارة في شعبان، يقيم فيها التجار ثمانية أيام يتبادلون فيها التجارة، فلما وصلوا إليها أقاموا بها ثمانيا في انتظار أبي سفيان.
وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان، وقيل مجنّة، ثم ألقي الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع فقال: يا معشر قريش إن هذا العام عام جدب، ولا يصلحكم إلا عام خصب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإني راجع فارجعوا، فرجعوا فسمّاهم أهل مكة جيش السويق «١»، يريدون أنهم خرجوا لشرب السويق لا للحرب.
وكان أبو سفيان قد لجأ إلى حيلة يقصد بها إرهاب المسلمين حتى لا يخرجون إلى بدر، فيكون خلف الوعد من جانب المسلمين لا من جانبه، فاتفق مع نعيم بن مسعود الأشجعي وجعل له جعلا على أن يذهب إلى المدينة فيرجف فيها بعظم جيش أبي سفيان وعدّته، فذهب نعيم وقال للنبي وأصحابه: إن قريشا قد جمعت لكم الجموع. ولكنهم لم يلتفتوا إلى مقالته، وخرجوا وهم يقولون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
_________________
(١) السويق: شراب يصنع من القمح أو الشعير.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وفي أثناء مقام المسلمين ببدر اشتغلوا بالتجارة فعادت عليهم بربح عظيم، وقد ذكر الله هذا في قوله:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) «١» .
والمتتبع لمجريات الحوادث في هذه الغزوة يرى أن المشركين قد باتوا يخشون المسلمين، ولا يجرؤون على لقياهم، وكأنما كان نصرهم في أحد فلتة لا يطمعون في مثلها، فمن ثمّ لجأوا إلى الحيلة يدرؤون بها عن أنفسهم عار خلف الوعد باللقاء، ولكنهم لم يفلحوا، وخيب المسلمون ظنونهم، وقد شعر المشركون بأثر تخلفهم في إذهاب هيبتهم المزعومة في النفوس، ولذلك قال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد- والله- نهيتك أن تعد القوم، قد اجترؤوا علينا، رأوا أنّا أخلفناهم.
_________________
(١) جمهور المفسرين على أن قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، إلى: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، في غزوة حمراء الأسد، وقد عرضت لذلك انفا. ومنهم من يرى أنها نزلت في غزوة بدر الاخرة، وذكر الواقدي في المغازي أن الاية الأولى في غزوة حمراء الأسد، وهاتين الايتين في غزوة بدر الاخرة والايات من سورة ال عمران.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
حوادث في هذا العام
وفاة أبي سلمة
في هذه السنة توفي أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال القرشي المخزومي، وأمه برّة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، وكان أخا رسول الله من الرضاع، ارتضعا من ثويبة مولاة أبي لهب، وكان من السابقين الأولين، هاجر إلى الحبشة هو وزوجته أم سلمة، وقد ولد لهما بها أولاد، ثم عادا إلى مكة، وكان أول من هاجر إلى المدينة ومعه زوجته فمنعها أهلها، ثم لحقت به بعد عام، وشهد بدرا وأحدا فأصيب فيها بجرح فمكث شهرا يداويه حتى برأ، ثم بعثه رسول الله في سرية في أول هذا العام، فلما عاد انتقض جرحه، فمات لثلاث بقين من جمادى الأولى فرضي الله عنه وأرضاه.
وفاة عبد الله بن عثمان
وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان ﵁، وهو من السيدة رقية بنت الرسول، وكان ابن ست سنين، فصلّى عليه رسول الله ﷺ، ونزل والده عثمان ﵁ في حفرته.
مولد الحسين
وفي ليال خلون من شعبان من هذا العام ولد الحسين بن علي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وهو سيد شباب أهل الجنة، وقد قال فيه الرسول وفي أخيه الحسن: «هما ريحانتاي من الدنيا»، وقد روي أن رسول الله كان يشمهما ويقبلهما.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
تزوج رسول الله بزينب بنت خزيمة
وفي شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله، ينتهي نسبها إلى هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، وهي التي يقال لها أم المساكين، لكثرة صدقاتها عليهم، وبرها إياهم، وإحسانها إليهم، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث بن المطلب، ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف أحد شهداء بدر، وقيل كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد، وهذا يرجح أن زواج النبي بها في السنة الرابعة لا في السنة الثالثة كما زعم بعض كتاب السيرة «١»، إذ أن عدتها على الرأي الأخير لا تنتهي إلا في اخر صفر من السنة الرابعة. قال ابن عبد البر:
ولا خلاف أنها ماتت في حياة النبي ﷺ، وقيل لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة، ثم توفيت ﵂، وقد أصدقها رسول الله أربعمائة درهم.
وقد ظهر مما ذكرنا الحكمة في زواج رسول الله بها، وأن ذلك كان تكريما للتضحية والاستشهاد في شخص زوجها الذي مات عنها، سواء أكان ذلك عبد الله بن جحش أو عبيدة بن الحارث، فكلاهما ممن أسلم وهاجر وسبق إلى الشهادة، هذا إلى ما كانت تمتاز به من حب المساكين والبر بهم.
فما أجدرها أن تكون في كفالة النبي وأن تحظى بزواجه منها بهذا الشرف الرفيع في الدنيا والاخرة، ولم نر أحدا ذكر أنها كانت ذات جمال أو شباب، بل الظاهر أنها كانت مسنة وكغيرها من النساء في الجمال، مما يؤكد أن النبي ﷺ تزوجها لما ذكرنا من المعاني الشريفة، وهذا يرد أي تقوّل على النبي في هذا الزواج.
تزوج النبي بأم سلمة
وفي شوال من هذه السنة تزوج رسول الله ﷺ بالسيدة أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية القرشية، وكانت قبل النبي عند الصحابي
_________________
(١) هو الشيخ الخضري﵀- في «نور اليقين» ص ١٤٣.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
الجليل ابن عمها وأبي أولادها أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي «١» الذي توفي في جمادى الأولى من نفس العام، وقد أنجبت منه سلمة وعمر وزينب ورقية، فلما انقضت عدّتها وحلّت خطبها النبي ﷺ في شوال من هذا العام، فأرسل إليها عمر بن الخطاب فاعتذرت بأنها امرأة غيرى وأنها ذات عيال، فلم يجد رسول الله بدا من أن يذهب إليها بنفسه.
روى الإمام أحمد في مسنده عنها قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به، قال:
«لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم اجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا اجره الله، وأخلف له خيرا منها»، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، وقلت:
اللهمّ اجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت:
من أين لي خير من أبي سلمة؟!.
فلما انقضت عدّتي استأذن عليّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابا لي، فغسلت يدي من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها، فخطبني إلى نفسه، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي ألاتكون بك الرغبة، ولكني امرأة بي غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال:
«أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك- يعني بسبب دعائه لها كما في رواية أخرى- وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي»، فقالت: قد سلّمت لرسول الله، فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله ﷺ.
_________________
(١) أبو سلمة: هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فهما يلتقيان في الجد الثاني، واسم أبيها حذيفة، وقيل سهيل، وكان يسمّى: «بزاد الراكب» لجوده، كان إذا سافر لا يترك أحدا يرافقه ومعه زاد، بل يكفي رفقاءه من زاد مهما بلغوا.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وقد زوجها إياه ابنها سلمة، وأصدقها رسول الله فراشا حشوه ليف، وقدحا، وصحفة، ومجشة- أي رحى-. وقد تربى أولادها الصغار في بيت النبي، مما جعلهم لا يشعرون بمرارة اليتم وذل الحاجة.
الحكمة في زواجها
ومن ثمّ نرى أن زواج رسول الله بها لم يكن إلا جبرا لخاطرها وكسرها، وحفظا لها ولأولادها من الضّيعة، وقد سمعت انفا أنها ما كانت تعدل بأبي سلمة أحدا، ولولا أن رسول الله تقدم إليها لما رضيت بالزواج من أي رجل أيا كان في قومها، لأنها لا ترى خيرا من أبي سلمة إلا رسول الله الذي لم يكن يخطر لها على بال أثناء مقالتها، وأيضا فقد كان هذا الزواج وفاء بحق زوج من خيار المسلمين، وخاطر بنفسه في سبيل الله، وبهذا الزواج ضرب رسول الله أروع الأمثال في باب المواساة بالنفس والمال، ووضع الأساس الصالح لأولي الأمر في رعاية حقوق المواطن المؤمن الصالح، والجندي الباسل المضحي بنفسه في سبيل الله ورسوله.
فهذه الاعتبارات السامية هي التي حدت برسول الله أن يتزوج بها، لا كما يزعم بعض المتخرصين من أن ذلك كان لجمالها، وهي بشهادتها كانت مسنة، ومهما قيل في بقاء مسحة من جمال الشباب عليها فهناك- ولا ريب- من الشابات الأبكار الشريفات من يفقنها في هذا، وللشباب ماله من سحر وفتنة، وإنكار ذلك مكابرة، ولا أدري كيف يرغب رجل شهواني- كما زعموا- في امرأة مسنة مترهلة، وذات شغل شاغل بعيالها؟ ألا كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.
وقد كانت عاقلة عالمة راوية، روت عن رسول الله بالذات وبالواسطة، وعن غيره من الصحابة، وعنها روى الكثيرون، وقد ساهمت في نشر العلم والحكمة عن رسول الله، وبسبب سؤالها للنبي نزلت بعض ايات القران وتشريعاته، وهي اخر أمهات المؤمنين وفاة كما قال الحافظان الذهبي وابن حجر، وكان وفاتها سنة اثنتين وستين بعد مقتل الحسين إبان حكم يزيد بن معاوية، وقيل غير
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ذلك. وبموتها انطفأ اخر مصباح من مصابيح أمهات المؤمنين طالما شع النور والهدى والعلم، فرضي الله عنها وأرضاها.
تعلم زيد بن ثابت كتابة اليهود ولغتهم
وفي هذه السنة تعلّم زيد بن ثابت كتابة اليهود، ففي صحيح البخاري تعليقا عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ أمره أن يتعلّم كتاب يهود ليقرأه النبي ﷺ إذا كتبوا إليه، فتعلّمه في خمسة عشر يوما»»
. وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله لما قدم المدينة ذهب بزيد إلى رسول الله وقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك رسول الله وقال: «يا زيد تعلّم لي كتاب يهود، فإني والله ما امن يهود على كتاب»، قال زيد: فتعلمت له كتابهم، ما مرّت خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب.
وهذا ذكاء مفرط، وقوة حافظة، ومن لوازم تعلّم الكتابة تعلم اللسان، وقد ثبت أنه كان يعرف السريانية والعبرانية «٢»، وقد كان﵁- ممن حفظ القران كله على عهد رسول الله، ومن أشهر كتّاب الوحي بين يديه، وهو الذي تولى كتابة القران واحده في الصحف في عهد الصدّيق، وكان أحد كاتبي المصاحف في عهد عثمان ﵁، وأمر رسول الله زيدا بتعلم لغة اليهود وكتابتهم يدل على أن الإسلام يحبب إلى المسلم أن يتعلم لغة غيره وكتابتهم، ويتعرف على علومهم ومعارفهم ولا سيما إذا دعت لذلك ضرورة.
_________________
(١) صحيح البخاري- كتاب الأحكام- باب ترجمة الحكام أي الترجمة لهم.
(٢) البداية والنهاية ج ٥ ص ٣٤٦، فتح الباري ج ١٣ ص ١٥٨، ١٥٩.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
السّنة الخامسة من الهجرة
غزوة دومة الجندل «١»
في ربيع الأول من سنة خمس بلغ رسول الله ﷺ أن بدومة الجندل جمعا كبيرا من الناس، وأنهم يظلمون من مرّ بهم، ويريدون أن يدنوا من المدينة، فندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا في ألف، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وكانوا يسيرون الليل، ويكمنون النهار، ومعهم هاد خرّيت يقال له «مذكور»، فلما دنوا من دومة الجندل، هجموا على الماشية والرعاء، فأصابوا من أصابوا، وهرب من هرب.
فلما علم أهل دومة الجندل رعبوا وتفرقوا، فنزل رسول الله بساحتهم فلم يجد أحدا، فأقام بها أياما، وبثّ السرايا والعيون فأصاب محمد بن مسلمة رجلا منهم، فأتى به رسول الله ﷺ فسأله عن أصحابه، فقال: هربوا أمس، فعرض عليه الإسلام فأسلم ورجع رسول الله إلى المدينة بعد أن غاب عنها شهرا «٢»، وقد امتازت هذه الغزوة بأمرين:
١- أنها أول غزوة بعيدة عن المدينة من جهة الشام، إذ بينها وبين دمشق ما لا يزيد عن خمس ليال، وقد كانت بمثابة إعلان عن دعوة الإسلام بين سكان البوادي الشمالية وأطراف الشام الجنوبية، وأحسوا بقوة الإسلام وسطوته، كما كانت إرهابا لقيصر وجنده.
_________________
(١) دومة الجندل: بضم الدال وتفتح واحة على الحدود بين الحجاز والشام.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٩٢.
[ ٢ / ٢٥١ ]
٢- أن سير الجيش الإسلامي هذه المسافات الطويلة قد كان فيه تدريب له على السير إلى الجهات النائية، وفي أرض لم يعهدوها من قبل، ولذلك تعتبر هذه الغزوة فاتحة سير الجيوش الإسلامية للفتوحات العظيمة في بلاد اسيا وإفريقيا فيما بعد.
مصالحة عيينة بن حصن
وصالح رسول الله ﷺ وهو عائد عيينة بن حصن الفزاري، وهو الذي كان يسميه ﵊ «الأحمق المطاع» لأنه كان يتبعه ألف قناة لا يسأله أصحابها فيم غضب؟ وقد أقطعه الرسول أرضا يرعى فيها دوابه على بعد ست وثلاثين ميلا من المدينة، لأن أرضه كانت قد أجدبت.
غزوة بني المصطلق «١» أو المريسيع «٢»
وفي شعبان من سنة خمس بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق الذين ساعدوا قريشا على حرب المسلمين في أحد بقيادة رئيسهم الحارث بن أبي ضرار يجمعون الجموع لحربه، فخرج إليهم في سبعمائة من أصحابه بعد أن استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري، وقيل غيره، وأعطى راية المهاجرين إلى أبي بكر الصدّيق، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، وساروا حتى دهموهم وهم عند ماء لهم يسمى «المريسيع» وهم غارّون «٣»، وأنعامهم تسقى على الماء.
فأمر عمر بن الخطاب فنادى فيهم: أن قولوا ألاإله إلا الله تمنعوا بها
_________________
(١) المصطلق بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام: لقب لخزيمة بن كعب، وهم بطن من خزاعة. والمريسيع بضم الميم وفتح الراء وسكون الياء وكسر السين: ماء بني خزاعة.
(٢) قد اختلف في زمن هذه الغزوة، فذهب ابن إسحاق أنها في شعبان سنة ست ووافقه الطبري، وقال موسى بن عقبة: إنها في شعبان سنة خمس، ووافقه الحاكم، والبيهقي، وأبو معشر، وهو الراجح الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة.
(٣) غافلون.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
أنفسكم وأموالكم. فأبوا، فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فقتل منهم عشرة، وأسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين إلا هشام بن صبابة، قتله أحد الأنصار خطأ ظنا أنه من الأعداء، وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة: ألفي بعير، وخمسة الاف شاة، هذا عدا السبايا من النساء والأسارى من الرجال، وكان شعار المسلمين يوم المريسيع (يا منصور:
أمت أمت) .
تصرف نبوي حكيم
وكان بنو المصطلق من أعز العرب دارأ وأشرفهم نسبا، وأسر نسائهم على هذه الحال مما يترك في نفوسهم ونفوس حلفائهم جراحا لا تندمل، وحزازات لا تنسى، والعربي يهون عليه المال مهما غلا، ولكن لا يهون عليه أن ينال في عرضه، أو تخدش كرامته وشرفه، لذلك لم يرتح قلب النبي الكبير لما تمّ من سبي واسترقاق، وفكر ثم فكر، حتى تفتّق العقل الكبير عن هذا التصرف الحكيم.
فقد كانت من السبايا يومئذ جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، فأتت رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبته «١» على نفسي، فجئت أستعينك على كتابتي.
_________________
(١) أي على أن يعتقها نظير مال، وروي أن النبي لم يجعلها في سهم أحد تكرمة لها حتى قدم أبوها بعد في فدائها بإبل، فلما بلغ العقيق غيّب بعيرين من الفداء ضنّا بهما، فلما قدم على الرسول قال له: «أين البعيران اللذان غيبتهما في شعب كذا»؟ فلم يملك الرجل نفسه أن شهد شهادة الحق وقال: والله ما اطلع على ذلك إلا الله، وأسلم معه ابنان له وناس من قومه، وأرسل في طلب البعيرين فدفع الإبل، وسلمت إليه ابنته، فأسلمت فخطبها رسول الله من أبيها فزوجه إياها، وأيا كان الأمر فقد منّ الصحابة على من بأيديهم من قومها لمصاهرة رسول الله فيهم. سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٩٥.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
فوجد الرسول الفرصة سانحة لتخليص بني المصطلق مما وقعوا فيه، فقال لها: «فهل لك في خير من ذلك؟»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك»، قالت: نعم، وخرج الخبر إلى الناس، وفشا بينهم أن رسول الله قد تزوج جويرية بنت الحارث، وكان المسلمون عند حسن ظنه وبعد نظره، فقالوا: أصهار رسول الله يسترقون؟!! فأطلقوا كل من بأيديهم، قالت عائشة- راوية القصة-: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.
وبفضل هذا التصرف النبوي الحكيم أسلم بنو المصطلق عن طواعية جميعا، وصاروا أعوانا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم.
حدثان عظيمان في هذه الغزوة
وفي هذه الغزوة نجمت حادثتان عظيمتان: إحداهما كادت تحدث فتنة بين المسلمين لولا أن النبي تدارك ذلك بموهبته السياسية الفائقة، والثانية حادثة الإفك التي حسم الكلام بشأنها وحي السماء، ونزل بسببها تشريع عام خالد.
الحدث الأول
بينما المسلمون على الماء يستقون، وكان مع عمر غلام أجير له من بني غفار يسمى جهجاه بن مسعود الغفاري يقود له فرسه، فتزاحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء وتضاربا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصاح الغفاري: يا معشر المهاجرين، فاجتمع الفريقان، وكادوا يقتتلون، فذهب إليهم رسول الله ﷺ وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة»، وأزال ما بينهما من شحناء ونيّم الفتنة.
ولكن عبد الله بن أبيّ رأس النفاق أراد أن يوقظها، ويذكي لهبها، فقال وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم-: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: (سمّن كلبك يأكلك) .
أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على الحاضرين
[ ٢ / ٢٥٤ ]
من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.
فسمع ذلك زيد بن أرقم فسعى إلى رسول الله فأخبره، وعنده عمر بن الخطاب سيف الحق، فاستأذن رسول الله في قتله، أو أن يأمر به من يقتله، فقال ذو الخلق العظيم، والسياسي الحكيم: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولكن اذن بالرحيل» .
اعتذار ابن أبيّ
ولما بلغ ابن أبيّ أن زيدا أخبر الرسول بما سمع منه ذهب إلى رسول الله، وحلف بالله ما قلت ما قال لك، ولا تكلمات به، فقال بعض الحاضرين من الأنصار من أصحابه لرسول الله: عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، ترضية للرسول، ودفعا عن ابن أبيّ.
سير النبي بالجيش ليشغلهم عن الفتنة
وارتحل النبي بالمسلمين في وقت لم يكن يرتحل فيه، فلقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية الإسلام وسلّم عليه، وقال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة ما كنت تروح في مثلها؟ فقال له: «أو ما بلغك ما قال صاحبكم»؟ قال: أي صاحب يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أبيّ»، قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل» !
فقال أسيد: فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، هو- والله- الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا.
وسار رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم الثاني حتى اذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما.
وبهذا التصرف البالغ الغاية في السياسة الرشيدة قضى على الفتنة قضاء مبرما، ولم يدع مجالا للحديث فيما قال ابن أبيّ.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
نزول سورة المنافقون
وفي هذه الحادثة أنزل الله سورة بتمامها وهي «المنافقون» وفيها قوله سبحانه:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ «١» .
ولما نزلت السورة أخذ رسول الله بأذن الغلام الصادق اللّقن، وقال:
«هذا الذي أوفى الله بأذنه»، وقد شاء الله أن تتحقق مقالة ابن أبي لا على ما أراد، فكان الرسول وأصحابه هم الأعزاء، وكان ابن أبيّ وجماعته هم الأذلاء!!.
مثل أعلى للإيمان
وقد تجلّى في هذه الحادثة موقف بطولي إيماني، سما عن الرحم والعاطفة، وعزّ في تاريخ الدنيا بله سير الصحابة، ذلك أن المؤمن الصادق عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به وأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي بين الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار!!.
ماذا ترى يكون جواب الرسول الكريم؟ إنه لموقف محرج حقا، أيوافق الرسول؟ إنه إن فعل فسيستريح من شر مستطير طالما نال من النبي والمسلمين، وأضرّ بالدعوة الإسلامية، ولكن كيف؟ ونبيّنا محمد إنسان بشر قبل أن يكون نبيا، وإنسانيته فاقت كل ما يتصور في عقله وخبرته بالنفوس البشرية
_________________
(١) سورة المنافقون: ٧ و٨.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وغرائزها في المحل الذي لا يطاول، وهو يعلم يقينا أن الابن في مأساة نفسية وعاطفية تغلّب عليها بقوة إيمانه، وسمو نفسه، وحبّه لله ولرسوله!!.
لقد ضرب الابن أروع مثل الإيمان والتضحية بعاطفة الأبوة، فليضرب النبي الإنسان ذو القلب الكبير والخلق العظيم أروع المثل في العفو والرحمة وحسن الصحبة، فيقول: «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا» !!.
يا لروعة العفو، ويا لجلال العظمة الإنسانية!!.
ويسمو الإيمان ثم يسمو، فلا يرضى الابن المؤمن الصادق من الأب بالاعتذار أو إنكار ما قال، بل يقف لأبيه وهم ايبون عند مدخل المدينة، وبيده سيفه قائلا له: قف، فو الله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله في ذلك، فلما أذن له تركه يدخل وقد أشاح عنه بوجهه.
اثار هذه السياسة النبوية الحكيمة
وقد كان لتسامح الرسول مع رأس المنافقين أبعد الاثار فيما بعد، فقد كان ابن أبيّ كلما أحدث حدثا، كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنّفونه، ويعرضون قتله على النبي، والرسول يأبى ويصفح، فأراد رسول الله أن يكشف لسيف الحق عن اثار سياسته الحكيمة، فقال: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له انف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته!!» فقال عمر:
قد- والله- علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري!!.
احتيال وغدر
وقدم من مكة مقيس بن صبابة، فقال: يا رسول الله جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخي الذي قتل خطأ، فأمر له الرسول بدية أخيه هشام، فأقام بالمدينة غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، ولهذا كان مقيس من الذين أهدر النبي دماءهم يوم الفتح، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
حادثة الإفك
وهي حادثة أخرى تمخضت عنها هذه الغزوة، وهي أشد شناعة وفظاعة من الأولى؛ لأنها تناولت بيت النبوة في أحب نسائه إليه وهي الصدّيقة بنت الصدّيق. وإليك هذه القصة كما رواها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما بالسند عن عائشة ﵂- واللفظ للبخاري- قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج- يعني إلى سفر- أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما نزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين اذن ليلة بالرحيل، فقمت حين اذنوا بالرحيل فمشيت، حتى جاوزت الجيش- يعني لقضاء حاجتها- فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار «١» قد انقطع فالتمست عقدي، وحبسني ابتغاؤه.
وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم، إنما يأكلن العلقة «٢» من الطعام، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا.
_________________
(١) جزع بفتح الجيم وسكون الزاي، خرز معروف في سواده بياض كالعروق. وظفار بفتح الظاء وكسر الراء الأخيرة للبناء: مدينة باليمن.
(٢) العلقة: القليل من الطعام.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فأممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السلمي من وراء الجيش، فادلج «١» فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين راني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه «٢» حين عرفني، فخمّرت- غطيت- وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة «٣»، فهلك من هلك، وكان الذي تولّى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول.
فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريا بني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلّم ثم يقول: «كيف تيكم؟» «٤» ثم ينصرف، فذاك يريا بني ولا أشعر بالشر.
حتى خرجت بعد ما نقهت «٥»، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع «٦» وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة «٧»، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح،
_________________
(١) ادلج بتشديد الدال: سار من اخر الليل.
(٢) قوله: «إنا لله وإنا إليه راجعون» إعظاما وتألما لما حدث من تأخرها بغير قصد.
(٣) موغرين: نازلين للاستراحة. نحر الظهيرة: في وقت شدة الحر.
(٤) تيكم: اسم إشارة للمؤنثة.
(٥) نقه: بفتح القاف الذي برأ من مرضه ولم تكتمل صحته.
(٦) المناصع: مكان خارج المدينة.
(٧) مسطح: بكسر الميم وسكون السين. أثاثة: بضم الهمزة.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه «١» أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك.
فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم ثم قال: «كيف تيكم»؟ فقلت: أتأذن لي أن اتي أبويّ؟ وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ، فجئت أبويّ فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوّني عليك، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي.
فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟» قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرا أغمصه «٢» عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن «٣» فتأكله.
فقال رسول الله وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني «٤»
من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، لقد ذكروا
_________________
(١) يعني يا هذه.
(٢) أغمصه: بالغين والصاد أي أعيبه.
(٣) الداجن: ما يألف البيوت من شاة أو طير.
(٤) يعذرني: من ينصرني عليه وينتقم منه.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج- وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته «١»
الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير «٢»
وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين «٣»
، فتثاور الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفّضهم حتى سكتوا وسكت.
فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بقيت ليلتين ويوما فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ فسلّم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأننا، فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال:
«أما بعد: يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» فلما قضى مقالته قلص دمعي «٤»
حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله، قلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القران: إني
_________________
(١) احتملته: أي غلبته العصبية.
(٢) أسيد: هو بالتصغير في اسمه واسم أبيه.
(٣) أي صنيعك في المجادلة عن ابن أبيّ صنيع المنافقين.
(٤) قلص: جف من شدة الحزن والأسى.
[ ٢ / ٢٦١ ]
والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم إني بريئة- لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم أني منه بريئة- لتصدقني، والله ما أجد لكم ولي مثلا إلا قول أبي يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.
ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فو الله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء «١»
، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان «٢»
من العرق وهو في يوم شات من ثقل الوحي الذي ينزل عليه.
فلما سرّي عن رسول الله ﷺ سرّي عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها: «يا عائشة أما الله ﷿ فقد برّأك» فقالت أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله ﷿، وأنزل الله﷿-:
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العشر الايات كلها- يعني إلى قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٣» .
فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة- يعني عنها- ما قال، فأنزل الله:
وَلا يَأْتَلِ «٤»
أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ
_________________
(١) بضم المواحدة وفتح الراء وبالمد: الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي.
(٢) الجمان: بضم الجيم حبات اللؤلؤ أو الفضة.
(٣) سورة النور: الايات ١١- ٢٠.
(٤) ولا يحلف.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» .
قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي!! فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري، فقال: «يا زينب ماذا علمت أو رأيت»؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا قالت: وهي التي كانت تساميني «٢»
من أزواج رسول الله ﷺ، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك»» .
وقد بينت الروايات الاخرى في الصحيحين وغيرهما أن الذين خاضوا في هذا الحديث الاثم رأس النفاق ابن أبيّ، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وأن الذي تولّى معظم الحديث والإرجاف به ابن أبيّ، وتليه حمنة في هذا، وقد تاب هؤلاء- ما عدا ابن أبيّ- ولا سيما حسان بن ثابت، فقد اعتذر عما كان منه وقال يمدح عائشة بما هي له أهل:
حصان رزان ما تزنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيّب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل «٤»
_________________
(١) سورة النور: الاية ٢٢.
(٢) تناظرني وتحرص على أن تكون لها حظوتي عند رسول الله.
(٣) صحيح البخاري- كتاب التفسير- سورة النور، صحيح مسلم- كتاب التوبة- باب حديث الإفك.
(٤) حصان: عفيفة. رزان: عاقلة. تزن بضم التاء: ترمى وتتهم. الغوافل: جمع غافلة أي عن الشر والإثم. عقيلة: كريمة. خيمها بكسر الخاء: أصلها.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وزاد الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق:
حليلة خير الخلق دينا ومنصبا نبي الهدى والمكرمات الفواضل
رأيتك- وليغفر لي الله- حرة من المحصنات غير ذات الغوائل
وقد تخلّقت السيدة عائشة بأخلاق زوجها وأبيها فعفت، وكان يستأذن عليها لما كبر وعمي فتأذن له، بل كانت تكره﵂- أن يسب عندها لمنافحته عن رسول الله وال بيته وتقول: إنه الذي قال:
فإنّ أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
إقامة الحد على من قذف عائشة
ولما نزلت الايات ببراءة عائشة أقام النبي ﷺ الحد على مسطح وحسان وحمنة، رواه أصحاب السنن، وهذا يرد ما رجّحه الماوردي من أنهم لم يجلدوا اعتمادا على أن الحد لا يثبت إلا بإقرار أو بيّنة!! ولا أدري أي بينة بعد النص القراني الدال على كذبهم، وهو يستلزم ثبوت الحد، وأما ابن أبي رأس النفاق فقيل إنه لم يحدّ سياسة وتأليفا لقومه وأتباعه، وإلى هذا ذهب ابن القيم في الهدي، والذي رجّحه الحافظ ابن حجر في الفتح أنه أقيم عليه الحدّ استنادا إلى ما رواه الحاكم في الإكليل «١» .
صفوان بن المعطل السلمي
ويقال له الذكواني نسبة إلى ذكوان بن ثعلبة بطن من بني سليم، صحابي فاضل، لا يغمص في دين ولا في خلق، أول مشاهده المريسيع، وقيل الخندق، وبحسبه تزكية قول الرسول فيه: «ما علمت عليه إلا خيرا» . وقد ثبت في الصحيحين أنه لما بلغه حديث الإفك قال: سبحان الله: (والذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط) . وما زعمه ابن إسحاق أنه كان حصورا لم يثبت، ففي بعض الروايات الصحيحة أنه تزوج، وفي الصحيح أنه قتل شهيدا في سبيل الله، فقيل: استشهد في غزوة أرمينية في خلافة عمر سنة تسع عشرة،
_________________
(١) فتح الباري، ج ٨ ص ٣٨٨.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وقيل بل عاش إلى سنة أربع وخمسين فاستشهد بأرض الروم في خلافة معاوية «١» .
وقفات عند قصة الإفك
وما كان لنا أن نمر بهذا الحادث دون أن نقف وقفات، نستخلص منها عبرا وعظات، وأخلاقا ساميات، منها:
١- صيانة الله سبحانه أنبياءه أن تقع من زوجاتهم خيانة زوجية، وذلك لأن زنا الزوجة مما يمتد أثره السيّىء إلى الزوج، فصان الله زوجاتهم عن ذلك حتى لا يكون منفرا منهم، ومعوّقا عن الاهتداء بهم، أما الكفر فيجوز عليهن، وذلك كامرأتي نوح ولوط ﵉، لأن الكفر لا تتعدى معرّته إلى الزوج، وأما ما ذكره الله عنهما في قوله:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا «٢» .
فقد أجمع المفسرون سلفا وخلفا على أنه ليس المراد الزنا وإنما الخيانة في الدين، روي عن ابن عباس ﵁ قال: (ما زنت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تخبر أنه مجنون، وإذا ما امن به أحد أخبرت به قومه الكافرين، وكانت امرأة لوط تدل قومه على أضيافه إذا نزل به ضيف) .
٢- إن في هذه القصة عزاء وسلوى للعفيفات اللاتي يرمين زورا وكذبا بالفاحشة، فهذه الصدّيقة بنت الصدّيق، وزوج الرسول، والمبرأة من فوق سبع سماوات قد رميت بما هي براء منه، من المنافقين ومن شايعهم من ضعفاء الإيمان، ومن قبل رمى اليهود صدّيقة بني إسرائيل السيدة مريم البتول بالزنا،
_________________
(١) فتح الباري، ج ٨ ص ٣٧١.
(٢) سورة التحريم: الاية ١٠.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
فما دنس ذلك من شرفها، ولا أنزل من كرامتها عند ربها، بل زادها رفعة وشرفا، ولا تزال هذه القصة تتكرر على مسرح الحياة، فليكن للمحصنات المؤمنات الغافلات اللاتي لا يسلمن من قالة السوء فيها عزاء وسلوى.
٣- أدب الصحابة رضوان الله عليهم في معاملة النساء المسلمات ولا سيما نساء النبي، والمبالغة في توقي مواطن الريبة والتهمة، فقد ثبت أن صفوان ﵁ اكتفى بالاسترجاع حتى استيقظت السيدة عائشة، وفي استرجاعه ما يدل على استفظاعه وأسفه أن تترك زوجة النبي في العراء، ولم يكلمها قط غير أنه سألها عن شأنها وعرض عليها الركوب، وحين الركوب أولاها ظهره ولما ركبت قاد بها ولم يسر خلفها.
وقديما فعل نبي الله موسى ﵊ ذلك مع ابنة شعيب ﵊، فقد قال لها: سيري خلفي ودليني على الطريق، خشية أن تضرب الريح بثوبها فتكشف أو تصف بعض جسمها. وهذا غاية الأدب والعفة، ولذلك قالت ابنة شعيب- وقد سمعت ورأت- كما قال الله سبحانه:
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ «١» .
٤- حسن معاشرة النبي ﷺ لأزواجه، ورحمته بهم، وضبط النفس حتى في المواقف التي يستبد بالنفس البشرية فيها الغضب، فتخرج عن حد الاعتدال فعلى الرغم مما قيل في عائشة مما يجرح القلب، ويؤذي النفس كان يدخل عليها وهي مريضة فيسأل عنها وإن لم تجد منه ﷺ اللطف الذي كانت تجده منه حينما كانت تشتكي، وغاية ما يطمع فيه من بشر كريم في مثل هذا الموقف المؤلم المحيّر أن يكظم غيظه، ويكف غضبه، أما الملاطفة فأمر خارج عن طوق البشر، ولن تكون إلا ممن فقد غيرته، وذهبت من نفسه معالم الرجولة والنخوة.
_________________
(١) سورة القصص: الاية ٢٦. أما أمانته فقد حدثناك عنها. وأما قوته فقد قيل: لأنها شاهدته وهو ينحى عن البئر، وما كان يطيق ذلك إلا الجماعة من الرجال، وقيل: لأنها رأته وقد دفع الرعاء عن البئر على كثرتهم، ولم يخشهم، وسقى لهما.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ويبلغ السمو الإنساني بالرسول في معاملة عائشة حينما دخل عليها وهي في بيت أبيها وقال لها: «يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» !!.
يا لعظمة النفس، إن العظيم حقا هو الذي يعلم أن كل بني ادم خطاء، وييسر للمذنبين طريق التوبة، والقوي حقا هو الذي يرحم ضعف الناس!!.
كان يمكن للنبي صلوات الله وسلامه عليه أن يطلق عائشة، وبذلك يستريح من ألم النفس الواصب، ويقطع قالة السوء، ولكن كيف يكون هذا؟
وهو الذي وسع بصدره وخلقه الناس جميعا على اختلاف مشاربهم وفطرهم وطبائعهم، حتى استحق ثناء الحق جل وعلا حيث يقول: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
٥- كرامة بيت أبي بكر ﵁ على ربه، فقد شاء الله أن يبرىء عائشة من فوق سبع سماوات، وأن ينزل في شأنها قرانا يتلى إلى يوم الدين، وهذا بعض ما جوزي به رجل دخل في الإسلام من أول يوم، وبذل نفسه وأهله وماله لله ولرسوله، ولم يزد- وقد تلظّى بنار هذه الفتنة- على أن قال: (والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية فكيف بعد أن أعزنا الله بالإسلام) !! وما جوزيت به سيدة قدمت للرسول كل خير، ووفرت له كل وسائل الراحة النفسية والبيتية حتى تفرغ لأداء رسالة ربه، ولم تملك حينما نزل بها البلاء؛ وحل المصاب، إلا أن قالت كما قال نبي الله يعقوب ﵊: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ «١» .
_________________
(١) سورة يوسف: الاية ١٨.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
تفسير ايات الإفك
قال الله ﵎:
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ «١» .
بِالْإِفْكِ: أشنع الكذب وأفحشه. عُصْبَةٌ مِنْكُمْ: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، منهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ: خطاب للمسلمين ولا سيما من بلغ منهم الأذى مبلغه. بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:
يعني في الدنيا والاخرة: أما في الدنيا فلأنه نزل بسببه تشريع عام خالد يحفظ الحرم ويصون المجتمع، ولما تمخّض عنه من تبرئة عائشة حبيبة رسول الله والشهادة لال بيت الرسول بالطهر والعفاف، وتبرئة الرجل الصالح صفوان، وأما في الاخرة فلما لهم من رفعة الدرجات بالصبر على المحنة والبلاء. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ: جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ: كبر الشيء معظمه، وهو ابن أبي فهو الذي كان يجمعه ويذيعه ويشيعه.
ثم أدّب الله المؤمنين والمؤمنات مما كان ينبغي أن يسلكوه في هذه القصة من أدب فقال:
لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ «٢» .
لَوْلا: هلّا. مُبِينٌ: بين ظاهر. يعني هلّا قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، وظنوا بإخوانهم خيرا، ولو أنهم فعلوا لتبين لهم أن أم المؤمنين أولى البراءة وأحرى، ولتعففوا عن النطق بهذا الهجر من القول، وممن تأدب بهذا
_________________
(١) سورة النور: الاية ١١.
(٢) سورة النور: الاية ١٢.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
الأدب الإلهي السامي سيدنا أبو أيوب الأنصاري، فقد قالت امرأته أم أيوب:
أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك!!.
ثم قال تعالى:
لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ «١» .
«عند الله»: يعني في حكمه وشريعته، لأنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بشهداء، وحكم القاذف في الإسلام إن لم يأت بهم أن يحدّ حد القذف، وقد حدّ النبي ﷺ الأربعة الذين صرحوا بالقذف لما تبين كذبهم بشهادة الوحي.
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ «٢» .
«لولا»: حرف امتناع لوجود: يعني لولا أني فضّلت أن أتفضل عليكم بضروب النعم في الدنيا التي من جملتها الإمهال، وقبول توبة التائبين، والترحم عليكم في الاخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقوبة في الدنيا والعذاب الدائم في الاخرة. وهذا فيمن عنده إيمان يقبل الله بسببه التوبة كحسان ومسطح وحمنة، فأما من خاض فيه من المنافقين كابن أبي وأضرابه فليسوا مرادين لأنهم ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يؤهلهم لاستحقاق هذا.
ثم بين سبحانه الأحوال والملابسات التي كانت توجب أن ينزل بهم العذاب فقال: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ: أي يتلقفه بعضكم من بعض من غير تحر وتثبت ثم يذيعه، وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ: يعني أن قالة
_________________
(١) سورة النور: الاية ١٣.
(٢) سورة النور: الاية ١٤.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
السوء التي نطقتم بها ليس لها ما يسندها من علم أو دليل، وليست نابعة عن اعتقاد وإنما هي شكوك وأراجيف لا تعدو طرف اللسان، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ «١»
: هذه جريمة من جرائمهم وهي استصغارهم لذلك وهو عظيمة من العظائم عند الله، ولو لم تكن عائشة زوجة نبي لما كان هينا، فكيف وهي زوجة خاتم الأنبياء، وسيد ولد ادم على الإطلاق، وهي بالمنزلة التي لا تخفى عليكم نسبا وشرفا ودينا؟
ثم قال سبحانه:
وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ «٢»
«سبحانك»: كلمة تعجب من الأمر المستفظع «بهتان»: كذب فاحش وهذا تأديب اخر للمؤمنين أنه كان الأليق بهم أن يستعظموا هذه المقالة، ويطهروا ألسنتهم من النطق بها، ثم حذرهم سبحانه أن يعودوا لمثل هذه المقالة الفاحشة التي تجافي الإيمان فقال: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٣» .
ثم قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٤»
. هذا تأديب إلهي ثالث لمن سمع قالة السوء أو علم بفاحشة ألايذيعها ويشيعها، لما في إشاعة الفاحشة من إثارة بواعث الشر في النفوس، وإيقاظ الفتنة بين الناس، وفي ذلك ما فيه من الإضرار بالأسر والجماعات.
ومن أدب النبوة في هذا قول رسولنا ﷺ: «من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والاخرة» رواه مسلم، وقال: «يا معشر من امن بلسانه ولم يدخل الإيمان
_________________
(١) سورة النور: الاية ١٥.
(٢) سورة النور: الاية ١٦.
(٣) سورة النور: الايتان ١٧، ١٨.
(٤) سورة النور: الاية ١٩.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
قلبه لا تتّبعوا عورات المسلمين، فإن من تتّبع عورات المسلمين فضحه الله تعالى في قعر بيته» رواه أبو داود.
ثم قال سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «١»
. جواب لولا محذوف أي لعاجلكم بالعقوبة، وفي هذا تكرير للمنّة بترك المعاجلة، وفي حذف الجواب إيجاز معجز لتذهب النفس فيه كل مذهب، فلله در التنزيل، ما أبلغه وما أكثر بركاته!!.
ومما يتصل بايات الإفك قوله سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) «٢» .
«المحصنات»: العفائف، «الغافلات»: يعني عن الفاحشة، وهذا أسمى وصف يدل على العفة، فإن من العفائف من تخطر الفاحشة ببالها ثم لا تلبث أن تزول، ولكن أعف العفة أن تكون المرأة غافلة عن التفكير فيها والخطور بنفسها، ويدخل في هذه الأوصاف أمهات المؤمنين دخولا أوليا ولا سيما عائشة التي كانت سبب نزولها، فالذين يرمون بالزنا المحصنات الغافلات المؤمنات ملعونون في الدارين على ألسنة الخلق والملائكة، ومطرودون في الاخرة من رحمة الله، ولهم عذاب هائل لا يقادر قدره لعظم ما ارتكبوه.
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ «٣» .
ومعنى شهادة الجوارح المذكورة أنه ﷿ ينطقها بقدرته، فتخبر كل جارحة منها بما صدر عنها من الذنوب والاثام. دِينَهُمُ الْحَقَّ: أي يعطيهم
_________________
(١) سورة النور: الاية ٢٠.
(٢) سورة النور: الاية ٢٣.
(٣) سورة النور: الايتان ٢٤، ٢٥.
[ ٢ / ٢٧١ ]
جزاءهم المطابق لمقتضى العدل والحكمة وافيا تاما. الْحَقُّ الْمُبِينُ: الحق الظاهر ألوهيته والظاهر حقيته.
ثم ساق سبحانه دليلا على براءة السيدة عائشة على ما هو السنة الجارية الغالبة فيما بين الناس، فقال: الْخَبِيثاتُ: أي من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ: ذكره وإن كان مفهوما مما سبق مبالغة في التأكيد. وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أي والطيبون من الرجال للطيبات من النساء لا يتجاوزوهن إلى من عداهن، وحيث كان رسول الله أطيب الطيبين، وخير الأولين والاخرين، فقد ثبت كون الصدّيقة من أطيب الطيبات، واتضح بطلان ما قيل فيها من الترهات.
أُولئِكَ: إشارة إلى ال البيت النبوي رجالا ونساء، ويدخل فيه السيدة عائشة دخولا أوليا. مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ: منزهون عما يقوله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: مغفرة لما عسى أن يقع منهم من خلاف الأولى، أو ما لا يسلم منه إنسان من الذنب، ورزق دائم لا يزول ولا يحول وهو الجنة.
ورحم الله الإمام الزمخشري حيث قال في تفسيره: (ولو قلّبت القران، وفتشت ما أوعد به العصاة، لم تر الله قد غلّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الايات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه- ما أنزل فيه على طرق مختلفة وأساليب مفتنة، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث «١»
لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الاخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيّهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ فأوجز في ذلك وأشبع، وفصّل وأجمل، وأكّد
_________________
(١) يريد قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ، إلى قوله تعالى: الْحَقُّ الْمُبِينُ.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا بما هو دونه في الفظاعة وما ذلك إلا لأمر.
وعن ابن عباس ﵁ أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القران، حتى سئل عن هذه الايات فقال: «من أذنب ذنبا ثم تاب عنه قبلت توبته، إلا من خاض في أمر عائشة»، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك، وقد برّأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه «١»
، وبرّأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وبرّأ عائشة بهذه الايات العظام، في كتابه المعجز، المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك، وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ، والتنبيه على أنافة محل سيد ولد ادم، وخيرة الأولين والاخرين، وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقق من عظمة شأنه ﷺ، وتقدم قدمه، وإحرازه لقصب السابق دون كل سابق- فليتلق ذلك من ايات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله له في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه) «٢» .
_________________
(١) هذه القصة رويت في صحيح البخاري، وقد أشار إليها الله في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا، وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا، وكانوا رموه بأنه «ادر» أي منتفخ الخصية، وبينا هو ذات يوم يغتسل في البحر وقد ترك ثيابه على حجر، إذ فرّ الحجر بثوبه، فصار يجري وراءه وهو يقول: ثوبي يا حجر، فرأى الناس أن ليست به أدرة.
(٢) تفسير الكشاف، ج ٢ ص ٧٨.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
غزوة الخندق أو الأحزاب
كانت قريش تود لو أتيحت لها الفرصة للقضاء على النبي والإسلام، ولا سيما بعد ما أصابها من نكسة بسبب نكوصها عن الخروج في بدر الاخرة.
وكان الأعراب الذين نال منهم النبي وصحابته موتورين ويتحينون الفرصة للانتقام. وكان اليهود من بني قينقاع وبني النضير الذين أجلاهم النبي عن المدينة مغيظين محنقين، ويسعون ما وسعتهم الحيلة في القضاء على هؤلاء الذين أجلوهم عن ديارهم، ونسوا عفو النبي عنهم، وكان يمكنه أن يبيدهم بدل إجلائهم، فلا تعجب إذا كانت قوى الشر الثلاث هذه قد تعاونت قصد القضاء على الإسلام والمسلمين، فكانت غزوة الأحزاب.
تأليب اليهود على النبي
وحمل اليهود وزر التأليب، فخرج وفد منهم على رأسهم حييّ بن أخطب النضري، وسلّام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، ونفر من وائل حتى قدموا على قريش، فدعوهم إلى حرب النبي وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله، فرحبت قريش بمقدمهم، واستجابوا لدعوتهم، وحرضوهم على مواصلة مسعاهم.
تفضيل اليهود الوثنية على الإسلام
وانتهزت قريش وجود هذا الوفد الحانق المضلل فقالوا لهم: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق
[ ٢ / ٢٧٥ ]
منه!! وإنها لسقطة من اليهود وهم أهل كتاب أن يفضلوا الوثنية على التوحيد، وقد سجل الله عليهم هذا الموقف المخزي فقال سبحانه:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا «١» .
وكفى اليهود خزيا أن يهوديا مثلهم قد اخذهم على هذا الموقف المشين، قال الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه «تاريخ اليهود في بلاد العرب»: كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي، ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم «٢» .
استمرار اليهود في تأليب القبائل
وخرج هؤلاء النفر، فطافوا على بني مرة، وبني فزارة، وبني أشجع وسليم، وبني سعد وأسد، وكل من له عند المسلمين ثأر، يحرضونهم ويعلمونهم أن قريشا معهم.
خروج الأحزاب
وتجمعت الأحزاب لحرب رسول الله والمسلمين، فخرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان بن حرب في أربعة الاف، معهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة الذي قتل أبوه وهو يحمل اللواء يوم أحد. وخرجت غطفان يرأسها عيينة بن حصن الأحمق المطاع، الذي صالحه رسول الله وأقطعه أرضا يرعى فيها سوائمه، وكان معه ألف فارس.
وخرج بنو مرة في أربعمائة برئاسة الحارث بن عوف المري. وتجهزت بنو سليم في سبعمائة مقاتل، وبنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وبنو أشجع.
_________________
(١) سورة النساء: الايتان ٥١- ٥٢.
(٢) حياة محمد ص ٣٢٠.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وهكذا تحزبت الأحزاب حتى صاروا عشرة الاف قائدهم العام أبو سفيان بن حرب، وساروا قاصدين المدينة.
وكانت الخندق في شوال سنة خمس عند جمهور العلماء من أهل المغازي وغيرهم، وهو الصحيح «١» .
استشارة الرسول أصحابه
واتصل نبأ هذا الجمع الحاشد بالرسول، فاستشار أصحابه، أيقيمون في المدينة أم يخرجون للقاء العدو؟ ولما كان عدد المهاجمين عظيما لا قبل للمسلمين على الوقوف أمامهم في سهل منبسط كسهل بدر دون أن تكون العاقبة عليهم، قرّ رأي المسلمين على أن يتحصنوا بالمدينة، ولكن أيجدي التحصن أمام هذا الجيش الكبير؟ وهنالك تقدم سيدنا سلمان الفارسي إلى رسول الله يعرض عليه أن يحفر المسلمون خندقا في الجهة الشمالية، وهي عورة المدينة لا يستطيع المهاجمون نفاذا إلى المدينة إلا منها، إذ إن بقية مداخل المدينة ضيقة المسالك مشتبكة البيوت والنخيل، لا يفكر العدو في النفاذ منها، لما يخشى أن يصيبه من أسطح المنازل ونحوها، ثم هي لا تتسع إلا لعدد من المهاجمين، مما يسهل على المسلمين تصيدهم وإبادتهم، فاستحسن الرسول الفكرة، ودعا له بخير.
حفر الخندق
وشرع المسلمون في حفر الخندق في جو بارد، ورسول الله معهم يحفر ويحمل التراب بنفسه، وقد جعل لكل عشرة منهم أربعين ذراعا، واحتق المهاجرون والأنصار في سلمان كل يريد أن يكون من قبيله، فحسم الرسول الأمر بقوله: «سلمان منا أهل البيت»، وكان رسول الله ﷺ إذا رأى ما بهم من النصب والتعب نشّطهم بمثل قوله:
اللهمّ إن العيش عيش الاخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
_________________
(١) البداية والنهاية، وفتح الباري، ج ٧ ص ٣٦٤ و٣٧٥.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فيجيبون قائلين:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وهكذا تجاوبت المشاعر بالإيمان، والعزائم بالكفاح والجلاد.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ﷺ، رأيته يحمل من تراب الخندق حتى وارى عنه التراب جلدة بطنه وكان كثير الشّعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة وهو ينقل التراب يقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
ثم يمد صوته باخرها، يعني بقول: أبينا. أبينا «١» .
ولا تسل عما كانت تصنعه هذه الكلمات المؤمنة العذاب في نفوسهم من مضاعفة الجهد، والاستهانة بالنصب والتعب، وبهذا العمل الدائب أتموا حفر الخندق في ستة أيام، وقد استعانوا بالأحجار الصلبة فاتخذوا منها متاريس يتحصنون بها.
تخاذل المنافقين
على حين كان المؤمنون المخلصون يجدّون في حفر الخندق كان المنافقون يتخاذلون، ويتسلّلون إلى أهليهم دون إذن الرسول. أما المؤمنون فقد كان الواحد منهم إذا عرضت له الحاجة الملحة استأذن الرسول، فإذا قضى حاجته
_________________
(١) في مدّ الصوت بهذا المقطع من البيت ما فيه من التطابق بين اللفظ والمعنى واللحن المعبر، فهو إباء أبيّ، متصل ممدود، لا يعرف الضعف والاستخذاء، ولا الاستكانة والاستسلام.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
رجع إلى عمله رغبة في الخير، وطلبا للأجر، وقد أنزل الله في هؤلاء وأولئك قوله:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» .
نبوات صادقة
وفي أثناء الحفر عرضت للمسلمين صخرة بيضاء صلدة شقّ عليهم كسرها، فذهب سلمان إلى رسول الله فأخبره عنها، فجاء فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها- يعني المدينة- حتى كأنها مصباح في ليل مظلم، فكبّر رسول الله ﷺ وكبّر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك. فسألوا رسول الله عن ذلك، فقال: «لقد أضاء لي من الأولى قصور الحيرة، ومدائن كسرى، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ومن الثالثة قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا» . فاستبشر المسلمون وقالوا:
موعود صادق «٢» .
وقد صدّق الله نبوءة نبيه، فكانت معجزة ظاهرة من معجزات النبي، إذ لم يمض على هذه الحادثة إلا نحو ربع قرن حتى فتحت هذه البلاد كلها
_________________
(١) سورة النور: الايتان ٦٢- ٦٣.
(٢) روى هذه القصة ابن إسحاق، وابن جرير الطبري، والطبراني. وروى أصلها الإمام البخاري في صحيحه.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ودخلت تحت لواء الإسلام، ولذلك كان أبو هريرة﵁- يقول حين فتحت هذه الأمصار: افتتحوا ما بدا لكم، فو الذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك!!
وكنت أحب من المنكرين لنبوة سيدنا محمد أن يتأملوا في هذه النبوات التي صدّقها الزمن، مع أنها قيلت في ظروف وملابسات ما كانت تشجع عليها، فإن أشد الناس تفاؤلا ما كان يجول بخاطره أن يقول هذا، أو يفكر فيه؛ اللهم إلا أن يكون نبيا يوحى إليه.
ولا جائز لقائل أن يقول: لعلها رمية من غير رام فأصابت، لأنا نقول:
إن تاريخ حياته ﷺ، وما عرف عنه من الاتئاد والتروي في الأمور، وعدم المجازفة في القول، والبصر بالعواقب ونحو ذلك ما أقر به الأعداء والأصدقاء يرد هذا الجواز، ويبعده، فلم يبق إلا أنها نبوات صادقة من نبوات الوحي، فاعتبروا يا أولي الأبصار!!
جيش المسلمين
وبعد أن أتم المسلمون الحفر خرج النبي وأصحابه في ثلاثة الاف من المسلمين بعد أن استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة، ولواء الأنصار سعد بن عبادة، وأمر الذراري والنساء فجعلوا فوق الاطام (الحصون)، وأسند ظهر الجيش إلى جبل (سلع)، وجعل الخندق بينه وبين المشركين.
دهشة المشركين من الخندق
وأقبلت قريش بجموعها وهي ترجو أن يكون المسلمون بأحد، فجاوزته إلى المدينة، فإذا بها أمام الخندق، فدهشت وعجبت لأن العرب لم يكن لهم عهد بهذا النوع من الدفاع، واتخذت قريش ومن تابعها مكانا لها حول الخندق، وعسكرت غطفان ومن تبعها من أهل نجد بمكان اخر، ورأوا ألاسبيل إلى اجتياز الخندق، فاكتفوا بالترامي بالنبال عدة أيام، وأيقنوا أنهم سيقيمون أياما
[ ٢ / ٢٨٠ ]
طوالا في هذا الشتاء القارص البرد، العاصف الرياح، المنذر بالمطر بين حين واخر.
نقض بني قريظة العهد
وخرج حييّ بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عهداهم، فلما سمع به كعب أغلق بابه دونه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له وقال:
يا حيي إنك امرؤ مشئوم، وإني عاهدت محمدا عهدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. وما زال حييّ به حتى فتح له فقال: ويحك يا كعب لقد جئتك بعز الدهر، قال: وما ذاك؟ قال: لقد جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني على ألايبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال كعب: دعني يا حيي، فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا!!
وتكلم عمرو بن سعدى القرظي فذكر وفاء الرسول ومعاهدتهم إياه وقال:
إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه، ولكن حييا ما زال بكعب يفتله في الذروة والغارب «١» حتى غلبت عليه يهوديته فاستجاب له، ونقض ما بينه وبين الرسول من عهد، ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العهد إلا بني سعنة: أسد وأسيد وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول الله ووفوا بالعهد.
استجلاء الرسول الخبر
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوّات بن جبير وقال: «انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه «٢»، ولا تفتّوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس» .
_________________
(١) هذا مثل يضرب في المراوضة والمخاتلة، وأصله في البعير يستصعب عليك فتأخذ القرادة من ذروته وغارب سنامه وتفتل هناك، فيجد البعير لذة فيأنس عند ذلك.
(٢) يعني أسلوب التعريض والتلويح لا التصريح.
[ ٢ / ٢٨١ ]
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوا أن الخبر صحيح، ووقعوا في رسول الله ونالوا منه، فجعل سعد بن معاذ يشاتمهم فأغضبوه، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أعظم من المشاتمة، ثم أقبل السعدان ومن معهما فقالوا: عضل والقارة، أي غدر كغدرهم بأصحاب سرية الرجيع، فقال رسول الله: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين»، ثم تقنّع بثوبه واضطجع، ومكث طويلا، فعرفوا أنه لم يأته خير عن بني قريظة، ثم رفع رأسه وقال:
«أبشروا بفتح الله ونصره» .
اشتداد البلاء والخوف
وعظم البلاء على المسلمين، واشتد الخوف، فقد أتاهم العدو من فوقهم، ومن أسفل منهم، وتنوعت الظنون، وكثرت الهواجس، فأما المؤمنون المخلصون فازدادوا إيمانا، وأيقنوا أن نصر الله لابدّ أن يكون، وأما المنافقون وضعفاء الإيمان فقد كشفوا عن خبيئة نفوسهم حتى قال بعضهم: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!!
وعزم البعض على الرجوع إلى المدينة، وتعلّل بعضهم بأن بيوتهم مكشوفة غير محصّنة، واستأذنوا النبي ورجعوا، وهكذا استحكم البلاء، ولاح الشر من كل مكان. ولن تجد أدق في تصوير هذه الحالة من قوله سبحانه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا الايات «١» .
وقد اضطر الرسول وقد نقضت قريظة العهد أن يرسل مسلمة بن أسلم في مائتين، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة لحراسة المدينة خوفا على النساء والذراري
_________________
(١) سورة الأحزاب: الاية ٩ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
من غدر اليهود، وهكذا تضاءل عدد الجيش الواقف للدفاع قبالة الخندق بانسحاب بعض المنافقين أولا، ثم بهذا العدد الذي وجهه النبي لحراسة المدينة.
اقتحام بعض المشركين الخندق
وقد شجّع نقض قريظة العهد وطول المقام أمام الخندق بلا قتال بعض المشركين على اقتحام الخندق، فتيمّموا مكانا من الخندق ضيقا وأكرهوا خيلهم فاقتحموه منه، فجالت بهم في أرض سبخة بين الخندق وسلع، منهم عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب بن مرداس، فأسرع إلى الخروج إليهم علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم.
قتل عمرو بن عبد ود
وكان عمرو بن عبد ودّ أشجع فارس في العرب، وقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما «١» ليرى مكانه، فلما اقتحم الخندق قال: من يبارز؟ فبرز إليه علي بن أبي طالب وقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه؟ قال: أجل، قال: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، فقال:
لا حاجة لي بذلك، فقال له: فإني أدعوك إلى النزال، قال له: لم يا ابن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك؟ فقال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي ﵁، فخرجت خيل الباقين منهزمة حتى اقتحمت الخندق هاربة.
وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة على فرس له بعد ما غربت الشمس يريد أن يجتاز الخندق، فهوى هو والفرس فصرعا، وقيل بل نزل إليه علي بن أبي طالب فقتله، وقيل قتله الزبير بن العوام.
_________________
(١) جعل لنفسه علامة ليعرف بها.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فأرسل أبو سفيان بن حرب يعرض دية جثته مائة من الإبل، فرفض ﵊ ذلك وقال: «خذوه فإنه خبيث، خبيث الدية، نحن لا نأكل ثمن الموتى» !!
ورمي سعد بن معاذ يومئذ بسهم فقطع أكحله «١»، وكان جرحه سببا في وفاته كما ستعلم، واستمرت المناوشة والمراماة بالنبال يوما كاملا، وجعل رسول الله ﷺ على الخندق حراسا حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، وكان يحرس بنفسه ثلمة فيه مع شدة البرد.
محاولة لتفريق الأحزاب
ثم رأى رسول الله ﷺ أن يخذّل بين الأحزاب ويفرق جمعهم، فبعث إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف المرّي- وهما قائدا غطفان- وساومهما على أن يأخذا ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما، فقبلا، ولكن الرسول ما كان ليبرم أمرا لم ينزل فيه وحي حتى يستشير أصحابه.
فأرسل إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك، فقالا:
يا رسول الله أمرا نحبه فنصنعه؟ أم شيئا أمرك الله به لابدّ لنا من العمل به؟ أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحد، وكالبوكم- اجتمعوا عليكم- من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما»، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟!!.
والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله ﷺ: «فأنت وذاك» .
_________________
(١) عرق في الذراع.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
ويرى بعض المؤرخين أن عرض الرسول عهد الصلح هذا لم يقصد به العرض حقيقة، وإنما سبرا لغور الأنصار، وتعرفا لمبلغ استعدادهم للذود عن المدينة، والتضحية بالنفس في سبيل العقيدة، وقد ظهر له ﷺ أن الأخطار والمخاوف وتكالب عوامل الشر لم تزدهم إلا إيمانا وصلابة في الدفاع عن دينهم.
الحرب خدعة
إن الله سبحانه إذا أراد شيئا هيأ له الأسباب ويسّر له الوسائل، وقد ساقت الأقدار نعيم بن مسعود الأشجعي- وهو من غطفان- إلى رسول الله، وكان صديقا لقريش واليهود، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون بإسلامي، فمرني بأمرك حتى أساعدك.
وتفتّق العقل الكبير عن هذا التوجيه الرائع والإيمان إلى العمل السياسي البارع، فقال له: «أنت رجل واحد وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة»
» .
وكان نعيم عند حسن ظن النبي وأهلا لتوجيهه، فخرج من عند النبي وتوجّه إلى بني قريظة فقال: يا بني قريظة تعرفون ودّي لكم، وخوفي عليكم، وإني محدثكم حديثا فاكتموه عني، قالوا: نعم لست عندنا بمتهم، فقال: لقد رأيتم ما وقع ببني قينقاع والنضير، وإن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم، فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا لبلادهم، وأما أنتم فتساكنون الرجل- يريد الرسول- ولا طاقة لكم بحربه واحدكم، فأرى ألاتدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم، بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفا منهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. فاستحسنوا رأيه وقالوا: قد أشرت بالرأي.
_________________
(١) خدعة بفتح المعجمة وضمها مع سكون المهملة، وبضم أوله وفتح ثانيه وهي أشهر لغاتها، وأفصحها الأولى حتى قال ثعلب: إنها لغة النبي. ومعنى الأولى أن الحرب تنتهي بخدعة واحدة، والثانية أن الشأن في الحرب الخداع، والثالثة صيغة مبالغة أي كثيرة الخداع.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال: أنتم تعرفون ودّي لكم ومحبتي إياكم، إني محدّثكم حديثا فاكتموه عني، فقالوا نفعل، فقال لهم: إن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من قريش وغطفان جمعا من أشرافهم، ونعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم.
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أظنكم تتهمونني، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال لهم: فاكتموا عني قالوا: نفعل، ثم أخبرهم بما أخبر به قريشا، وحذّرهم مثل ما حذّرهم.
نجاح التدبير
فلما كانت ليلة السبت من شوال أرسل أبو سفيان بن حرب رؤوس غطفان وفدا برئاسة عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر- الإبل والخيل- فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت، ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدّي فيه، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم، فإنا نخشى إن ضرّستكم الحرب «١» واشتد عليكم القتال أن تذهبوا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا به.
فلما رجعت إليهم الرسل بذلك قالوا: والله إن الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحق!! فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فلما انتهت إليهم الرسل بذلك قالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق!! فأرسلوا إلى قريش وغطفان: أنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهائن. وهكذا بلغ هذا التدبير المحكم غايته بالتفرقة بين قريظة والأحزاب.
_________________
(١) ضرستكم: ضعضعتكم ونالت منكم.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
دعاء وابتهال
وفي هذه الغمرة من الشدائد والمخاوف كان النبي ﷺ وأصحابه لا ينفكون عن الدعاء والتوجه إلى رب السماء. ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ دعا يوم الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم»، وفي رواية: «اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم» . وعن أبي سعيد الخدري قال: قلت يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟! قال: «نعم، اللهم استر عوراتنا، وامن روعاتنا» «١» .
هزيمة الأحزاب
واستجاب الله لرسوله والمؤمنين، ونزل المدد من السماء، وأرسل الله عليهم ريحا شديدة في ليلة شاتية باردة، فهدمت خيامهم، وكفأت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، وفعلت فيهم جنود الله غير المرئية الأفاعيل، فامتلأت قلوبهم رعبا وخوفا، وساد الهرج والمرج والجلبة والصياح.
تعرف أخبار القوم
وكان رسول الله مستيقظا لا ينام، وقائما لا ينفك عن الصلاة، فلما سمع الجلبة قال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة؟»، فما قام رجل من القوم من شدة الخوف والبرد والجوع، فلما لم يقم أحد دعا حذيفة بن اليمان، قال: فلم يكن لي من بدّ من القيام حين دعاني، فقال: «يا حذيفة اذهب فادخل القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثنّ شيئا حتى تأتينا» .
قال: فذهبت فدخلت في القوم وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، فقام أبو سفيان فقال: لينظر كل امرىء من جليسه؟ فأخذ حذيفة بيد الرجل الذي كان جنبه، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، وتنادى الأعراب بالرحيل، وقام طليحة بن خويلد الأسدي فقال: إن محمدا قد بدأكم بشر فالنجاء
_________________
(١) رواه أحمد في المسند.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
النجاء!! ثم نادى أبو سفيان بالرحيل فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ «١»، وأخلفتنا قريظة، ولقينا من شدة الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل!! ثم قام إلى بعيره وركبه، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فأسرعت إلى ديار قومها.
ثم رجع حذيفة ورسول الله يصلي وعليه كساء يمني، فلما فرغ من صلاته أخبره الخبر، فغطاه رسول الله بطرف كسائه، حتى ذهب عنه القر، فما زال نائما حتى أصبح.
الأوبة إلى المدينة
واب النبي وأصحابه إلى المدينة، وقد أزال الله الكرب، وكشف الغمة، ووعد أصحابه ألايغزوهم المشركون بعد هذا بل هم الذين سيغزونهم، فما قامت للمشركين بعدها قائمة، وما زال أمر المسلمين في ازدياد حتى توج ذلك بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وعاد الرسول والمسلمون وهم يكبّرون ويقولون: لا إله إلا الله واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير: ايبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، لا إله إلا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده، فلا شيء بعده.
_________________
(١) الكراع: الخيل. الخف: الإبل.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
ما نزل من الايات في غزوة الأحزاب
وقد أنزل الله سبحانه في هذه الغزوة بضع عشرة اية من سورة الأحزاب، وإليك تفسيرها موجزا:
قال عزّ شأنه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: خطاب للمؤمنين الذين هم أهل العبرة والذكرى. اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: وهي رجوع الأحزاب مدحورين مخذولين، ورجوعكم منصورين امنين. إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ قريش وغطفان وأتباعهما فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا عاصفة في ليلة مطيرة، فضرّست أجسامهم، واقتلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وكفأت قدورهم وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها هم الملائكة ألقوا في قلوبهم الرعب والخوف، فذهبت معنوياتهم ورجعوا وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا بتاء الخطاب أي من نصرة نبيكم، فيجازيكم أحسن الجزاء. وقرىء في السبع بالياء، أي من تأليبهم على نبيّه، وتحزبهم عليه، فهو وعيد لهم.
ثم صور سبحانه ما نزل بهم من بلاء وشدة لتعظم النعمة بأبلغ عبارة، فقال: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ هم قريش وغطفان وأحلافهما وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ هم بنو قريظة لما نقضوا العهد وأرادوا أن يطعنوهم من ظهورهم «١»
_________________
(١) وقيل: «من فوقكم» بنو قريظة «ومن أسفل منكم» قريش وغطفان. وقيل من فوقكم عيينة بن حصن ومن معه، ومن أسفل منكم أبو سفيان ومن معه. والأول أولى، ويشهد له ما رواه الحاكم عن حذيفة قال: (لقد رأيتنا ليلة الأحزاب وأبو سفيان ومن معه من مكة من فوقنا، وقريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحا منها، فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون: إن بيوتنا عورة. فمرّ بي النبي-
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ فلا تثبت ولا تستقر على حال من شدة الخوف وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ لما كان من شأن الخائف المذعور أن تنتفخ رئتاه فتضغطان على القلب فيرتفع قليلا، كنّى بذلك عن شدة الخوف وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا الحسنة من جانب المؤمنين، وهي أن الله ناصر رسوله مهما اشتد البلاء والجهد، والسيئة من جانب المنافقين وضعفاء الإيمان الذين زعموا أن الله خاذل رسوله ودينه.
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا تصوير بالغ في الإعجاز لما اعتراهم من الضيق والانحصار بين عدوين لدودين: الأحزاب واليهود.
ثم قصّ الله سبحانه ما قاله المنافقون وضعفاء الإيمان فقال: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا باطلا وزخرفا من القول، ويمثل هؤلاء من قال: إن محمدا يعدنا ملك كسرى وقيصر، ولا يقدر الواحد منا أن يذهب إلى الغائط، وهناك طائفة أخرى وهم عبد الله بن أبي وأصحابه حرّضت على الرجوع إلى المدينة متعلّلين بالتعلّات الباطلة، وهم المعنيون بقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا يثرب هي المدينة وكانت تعرف بهذا في الجاهلية، سماها النبي (طابة) و(طيبة)، وهناك طائفة ثالثة اعتذرت بالأعذار الواهية وهم المرادون بقوله سبحانه: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني مكشوفة للعدو والسرّاق غير محصنة، وهم قوم من بني حارثة ويمثلهم أوس بن قيظي، وقيل هم قوم من بني حارثة وبني سلمة، وقد أكذبهم الله في هذا فقال:
وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا.
ثم بيّن سبحانه أن القائلين ذلك قوم جبناء لا ينتصرون لدين ولا حق ولا فضيلة، ولا تهمهم إلا أنفسهم، فقال سبحانه: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ
_________________
(١) - ولم يبق معه إلا ثلاثمائة فقال: «اذهب وأتني بخبر القوم» ودعا لي، فأذهب الله عني القر والفزع، فدخلت عسكرهم، فإذا الريح فيه لا تجاوزه شبرا، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي فقالوا: أخبر صاحبك أن الله ﷿ كفاه اليوم) . فتح الباري ج ٧ ص ٤٠١.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها بالمد، أي لأعطوها، وبغيره أي لجاؤوا بها، والمراد بالفتنة الشرك والردة، أقطارها: جوانبها وهي المدينة وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيرًا يعني أنهم لو سئلوا الفتنة لما تريّثوا في الإجابة إلا قليلا ثم أعطوها، وهذا يدل على نفاقهم وضعف اعتقادهم وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ، وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا هم بنو حارثة همّوا أن ينكصوا يوم أحد مع بني سلمة فثبتهما الله، ثم عاهدوا الله ألايعودوا لمثلها أبدا، فلما كانت غزوة الأحزاب نكصوا وعادوا لما هموا به.
ثم بيّن سبحانه أن الجبن لا ينجي من القدر، وأن الموت بسيف، أو بدونه لابد أن يكون، وهبوا أنكم فررتم من أسباب الموت فما تتمتعون في الحياة إلا قليلا، فإن الحياة مهما طالت فهي قصيرة وعمر تأكله ذرات الدقائق والثواني وإن كثر فهو قليل، فقال: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ثم بيّن سبحانه أن الموت والحياة، والخير والشر بيد الله، ولو أراد الله بكم سوا نزل بكم، ما عصمكم منه أحد منكم ولو أراد بكم خيرا ما منعه أحد عنكم، فقال: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا وليا ينفعكم، ونصيرا يدفع الضر عنكم.
ثم قال سبحانه: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ المنكّصين من القتال ونصرة الإسلام وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا هلمّ: تعالوا، البأس: الحرب، وهم عبد الله بن أبيّ ومن رجع معه إلى المدينة، فلم يكتفوا بزلتهم بل حاولوا استزلال غيرهم إلى القعود عن نصرة رسول الله أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ بخلاء بالمعونة والإنفاق في سبيل الله.
ثم صوّر الله جبنهم أبلغ تصوير بقوله: فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ جاء الخوف أي أسبابه لم تستقر أعينهم على حال، كالذي غشيته سكرات الموت فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ نالوكم بألسنة بذيئة سليطة أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني أن
[ ٢ / ٢٩١ ]
شحّهم عليكم إنما هو لأن أنفسهم شحيحة بالخير أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا فإن من شأن النفاق أن يحبط الله به الأعمال فلا ثواب لها.
ثم بينّ الله شدّة خوفهم وجبنهم فقال: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ- يعني مرة ثانية- يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ أي مقيمون في البادية حتى لا يصيبهم أذى يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ، وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا يعني أنهم حتى وهم مقيمون بالبادية لا يجرؤون أن يتعرفوا أخباركم بأنفسهم، بل يتعرّفونها ممن يأتي من ناحيتكم، ومثل هؤلاء لا ترجون قتالهم معكم ونصرتهم لكم، لأنهم إن قاتلوا فمرااة وسترا لنفاقهم وتضليلا لغيرهم.
ثم أقبل على المؤمنين فقال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الأسوة بضم الهمزة وكسرها:
القدوة، ورسول الله ﷺ محل القدوة في الصبر والشدائد، والثبات في الحروب، والصدق عند اللقاء، وفي كل شيء محل الائتساء، وإنما يأتسي برسول الله الذين يرجون رحمة الله وثواب الاخرة، ولا ينفكون عن ذكر الله، ومثل هؤلاء قلوبهم حاضرة، وضمائرهم حية، وأعمالهم كلها خير وصلاح.
ثم ذكر الله سبحانه المؤمنين وصدقهم في عقيدتهم، وتصديقهم بما وعدهم الله ورسوله مهما عظم البلاء، وأن ذلك لا يزيدهم إلا ثباتا على الإيمان، وصبرا على البلاء، وتسليما للقضاء، فقال سبحانه: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا:
هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا فانظر الفرق بين الصورتين: صورة المؤمنين المشرقة، وصورة المنافقين المخزية.
ثم بيّن سبحانه أن من المؤمنين من سبق إلى الشهادة، ووفى بعهده، وأن منهم من ينتظرها ويترقبها، وأن هؤلاء وأولئك صدقوا الله بالإيمان، وثبتوا على الوفاء، فقال عزّ شأنه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا النحب: النذر اللازم،
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وقد أريد به هنا الموت، وكأن المجاهد الذي خرج مخاطرا بنفسه فاستشهد قد نذر نفسه لله ثم وفى بنذره، ومن هؤلاء الذين قضوا نحبهم من استشهدوا في بدر وأحد وغيرها.
ثم بيّن سبحانه أن الغاية من البلاء والاختبار بالمحن والشدائد أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق، فيجازي الأول خيرا والثاني شرا، فقال: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ- يعني إن تابوا- إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. ثم ختم الله القصة بتذكيرهم بنعمة الله عليهم بهزيمة الأحزاب، وارتدادهم صاغرين، فقال: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا- نصرا- وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ومن كان ملاذه القويّ العزيز الذي لا يغالب فقد اوى إلى ركن شديد وحليف عظيم.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
زواجه ﷺ بزينب بنت جحش
هي السيدة زينب بنت جحش الأسدية، أخت شهيد أحد المجدّع في الله عبد الله بن جحش، وأمها السيدة أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، فهي من أوسط العرب دارا ونسبا، تزوجها النبي ﷺ بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة، وقد تحقق بذلك غرضان شريفان: إبطال حرمة زوجة الابن المتبنّى، والقضاء على عنجهية الجاهلية بالاعتزاز بالأحساب والأنساب.
ذلك أن العرب كان من عادتهم التبنّي، وكانوا يلحقون الابن المتبنّى بالابن العصبي، وتجري عليه حقوقه في الميراث وحرمة زوجه على من تبنّاه، وكانت تلك العادة متأصلة فيهم. كما كان كبيرا عندهم أن تتزوج بنات الأشراف من موال وإن أعتقوا وصاروا أحرارا.
فلما جاء الإسلام كان من مقاصده أن يزيل الفوارق بين الناس التي تقوم على العصبية وحمية الجاهلية، فالناس كلهم لادم، وادم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وأن يقضي على بدع الجاهلية، وقد شاء الله أن يكون أول عتيق يتزوج بعربية في الصميم من العرب هو زيد بن حارثة، وأن يكون أول سيد يبطل هذه العادة الجاهلية هو رسول الله، فما على بنات الأشراف أن يتزوجن بعد من الموالي وهذه زينب بنت جحش قد اقترنت بزيد، وما على سادات العرب أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم بعد فراقهم لهن، وإمام المسلمين ومن يصدع بأمر الله قد فتح هذا الباب الموصد، وتزوج حليلة متبنّاه بعد فراقها، وقد كان ما أراده الله في تشريعه الحكيم.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فرسول الله يخطب زينب لزيد فتأنف وتأبى ويأبى بعض أهلها، وينزل الوحي من السماء بقوله تعالى:
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا «١» .
فلم يكن بدّ من الإذعان والخضوع لما أراد الله ورسوله، فيتزوجها زيد، ولكنه وجد منها تعاظما وترفعا، وكان يؤذيه ذلك، فرغب في فراقها وذهب إلى النبي ﷺ يعرض عليه طلاقها، فكان ينصحه بإمساكها، وكان جبريل قد أخبر رسول الله بأن زينب ستكون من أزواجه، وسيبطل الله بزواجه منها هذه العادة الجاهلية، ولكن النبي وجد غضاضة على نفسه أن يأمر زيدا بطلاقها ثم يتزوجها، فتشيع القالة بين الناس أن محمدا تزوج حليلة ابنه كما كان يدعى في الجاهلية، ويصير عرضة للقيل والقال، وإرجاف المرجفين، وهو في دعوته إلى الله أحوج إلى تأييد المؤيدين، وقطع طريق التقوّل عليه من المبغضين.
فهذا القدر من خشية الناس حتى أخفى في نفسه ما أظهره الله بعد من تزوّجه بها هو ما عاتبه الله عليه، وقد صدع الوحي بالسبب الباعث على زواج النبي منها فقال عز شأنه:
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ «٢» وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ «٣» أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا «٤» .
_________________
(١) سورة الأحزاب: الاية ٣٦.
(٢) يعني بالإسلام وهو زيد.
(٣) يعني بالعتق.
(٤) سورة الأحزاب: الاية ٣٧.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ثم ردّ الله سبحانه على من عسى أن يتقوّل على النبي بسبب زواج النبي من زينب أو من غيرها من أمهات المؤمنين، ويفتري عليه فقال: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا «١» .
نعم هذه سنة الله في الأنبياء السابقين، فقد كان لداود مائة من الزوجات فضلا عن السراري، وكان لسليمان ما يزيد عن المائة، فلئن كان لخاتم الأنبياء أكثر من أربع فليس ببدع من الرسل.
ثم بين الله بطلان التبني وبطلان ما يترتب عليه من الحقوق والاثار فقال عز شأنه:
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا «٢» .
كما بيّن الله سبحانه إبطال التبني في الإسلام، وبين أنه لا يستقيم في منطق العقل أن يكون دعيا وابنا، فقال عز شأنه:
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ «٣» أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا «٤» .
_________________
(١) سورة الأحزاب: الايتان ٣٨- ٣٩.
(٢) سورة الأحزاب: الاية ٤٠.
(٣) جمع دعيّ وهو المتبنّى.
(٤) سورة الأحزاب: الايتان ٤- ٥.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ومن بعدها صار يدعى مولى النبي «زيد بن حارثة» ولا يقال: «زيد بن محمد»، وكذلك صنع المسلمون في مواليهم.
الروايات الصحيحة تؤيد ما ذكرناه
وهذا الذي ذكرناه في تفسير الخشية هو ما جاءت به الروايات الصحيحة والحسنة، ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أن هذه الاية:
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة، وفي رواية أخرى عنه قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» . قال أنس: (لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الاية)، يعني لما فيها من عتاب، وهذا من أكبر الأدلة على أنه نبي يوحى إليه. قال الحافظ الكبير ابن حجر في فتح الباري «١» تعليقا على رواية البخاري: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدّي، فساقها سياقا واضحا حسنا ولفظه: بلغنا أن هذه الاية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، وكان رسول الله أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله ﷿ نبيه بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله وكان يخشى أن يعيب عليه الناس ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا) .
وروى ابن أبي حاتم أيضا والطبري عن علي بن الحسين بن علي قال: (أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها وقال له: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه) .
وهذا ما ذهب إليه المحققون من المفسرين وغيرهم في تفسير الخشية، كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي،
_________________
(١) ج ٨ ص ٤٢٥.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
والقاضي عياض في الشفاء «١»، والحافظ المؤرخ ابن كثير في التفسير والبداية والنهاية.
روايات واهية مدسوسة
ورويت روايات واهية ساقطة في بعض كتب التفسير والقصص التي لا تعنى بالنقد والتمييز بين الروايات، مثل ما روي عن قتادة وابن زيد أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بيت زيد في غيبته، فرأى زينب في زينتها، وفي رواية:
أن الريح كشفت عن ستر بيتها فراها في حسنها، فوقع حبها في قلبه، فرجع وهو يقول: «سبحان الله العظيم، سبحان مقلب القلوب»، فلما حضر زيد أخبرته بكلام رسول الله، فذهب إليه وقال: بلغني أنك أتيت منزلي فهلّا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها، فقال له رسول الله: «أمسك عليك زوجك واتق الله»، فنزلت الاية وَإِذْ تَقُولُ
وقد ذكر هذا الهراء في تفسير الجلالين، والزمخشري، والنسفي، وابن جرير، والثعلبي إلا أن ابن جرير ذكر بجانب هذا الباطل المكذوب رواية علي بن الحسين الانفة وهي الصحيحة.
وذكر مثل هذه الروايات الباطلة عقلا ونقلا غفلة شديدة، وقد تذرّع بها أعداء الإسلام في التهجم على النبي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم متهم بالكذب والتحديث بالغرائب ورواية الموضوعات، وقد تنبه لزيفها وبطلانها الكثيرون من المحدّثين والعلماء الراسخين، قال الحافظ ابن حجر في الفتح «٢» بعدما ذكر الصحيح في تفسير الخشية: (ووردت اثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، وما أوردته هو المعتمد) . وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره «٣» عند تفسير هذه الاية: (ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هنا اثارا عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها) .
_________________
(١) تفسير القرطبي، والالوسي عند تفسير هذه الاية.
(٢) ج ٨ ص ٤٢٥.
(٣) ج ٥ ص ٥٦٠.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
أباطيل المبشّرين والمستشرقين
وقد نسج المستشرقون والمبشّرون المحترفون الذين يتأكلون بالاختلاق على الإسلام ونبيه من تلك الروايات الواهية المردودة أثوابا من الكذب والخيال، وصوروا النبي صلوات الله وسلامه عليه بصورة الرجل الذي لا هم له إلا إشباع رغباته الجنسية والجري وراء النساء، يقول الدكتور محمد حسين هيكل، ﵀: (ويطلق المبشرون والمستشرقون لخيالهم العنان حين يتحدثون عن تاريخ محمد في هذا الموضوع، حتى ليصور بعضهم زينب ساعة راها النبي وهي نصف عارية أو تكاد، وقد انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها الناطق بما يكنّه من كل معاني الهوى. ويذكر اخرون أنه حين فتح باب بيت زيد لعب الهواء بأستار غرفة زينب، وكانت ممدّدة على فراشها في ثياب نومها، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع بالمرأة ومفاتنها، فكتم ما في نفسه وإن لم يطق الصبر على ذلك طويلا!! وأمثال هذه الصور التي أبدعها الخيال كثيرا تراه في موير، وفي در منجم، وفي واشنطن إرفنج، وفي لامنس وغيرهم من المستشرقين والمبشرين) «١» .
وكذلك صوروا النبي بصورة الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد، الذي لم يكتف في الزواج بواحدة ولا بأربع، بل أطلق لنفسه العنان في التزوج بالنساء، ومن هؤلاء القسيس «فندر» في كتاب له حشاه بالجهل والسفه، والزور والبهتان، والتجني الاثم على النبي ﷺ.
تهافت كلامهم
ما اتفق خصوم الإسلام على شيء كما اتفقوا على تشويه سمعة النبي في موضوع تعدد زوجاته ﷺ، وقد اعتمد هؤلاء في طعونهم على بعض ما أطلعناك عليه من روايات مختلقة مدسوسة عند أئمة النقد وعلماء الرواية، أغلب الظن أنها من صنع أسلافهم من اليهود والزنادقة من الفرس وغيرهم، الذين عجزوا
_________________
(١) حياة محمد، ص ٣٠٨.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
أن يقاوموا سلطان الإسلام وقوته، فلجأوا إلى الكذب والدس؛ وجاز هذا الزور على بعض الأغرار من المسلمين، فرووه وذكروه في كتبهم، ولكنه ما كان يخفى على العلماء الراسخين، فنبهوا على كذبه، وحذّروا من التصديق به، وهكذا نرى أنهم أقاموا من مزاعمهم قصرا على أساس من خيوط العنكبوت وما أوهنها من أساس.
وثمة حجة دامغة تذهب بالقصة من أساسها، فالسيدة زينب هي بنت عمة رسول الله، وقد ربيت على عينه، وشهدها وهي تحبو، ثم وهي شابة، وله بحكم صلة القرابة معرفة بها وبمفاتنها، ولا سيما أن النساء كن يبدين من محاسنهن ما حرمه الإسلام فيما بعد، وهو الذي خطبها لموالاه زيد فتمنعت حتى نزل الوحي ألاخيرة لأحد بعد قضاء الله ورسوله، فغير معقول والحال كما ذكرت ألايكون شاهدها، فلو كان يهواها، أو وقعت من قلبه فأي شيء كان يمنعه من زواجها من أول الأمر، وإشارة منه كانت كافية لأن يقدمها له أهلها وما ملكت، فمثله وهو في الذروة من قريش نسبا ودينا وخلقا وخلقة وصحة ممن تتطاول إليه الأعناق وتهفو القلوب، فلو كان كما يزعم المتخرصون تمتد عينه إلى كل من يهوى ويستحسن لتزوجها وهي بكر عذراء، لا أن يسكت حتى يجني جناها ويقطف زهرتها رجل مولى له، ثم بعد ذلك يرعى حيث رعى، فلولا أنه يتزوج لتشريع أو لحكمة سامية لما رضي بذلك.
وأيضا فحياة رسول الله ﷺ لم تكن حياة حب واستهتار، ولا عرف عنه أنه كان صريع الغواني، وإنما كانت حياة الشرف والكرامة والعفة والترفع عن الدنايا قبل نبوته وبعدها، ما عرفت الدنيا أطهر ذيلا منه، ولا أعف منه، ولا لمست يده قط يد امرأة لا تحل له، ولما بايع النساء على الإيمان والطاعة، ونبذ المعاصي والفجور، بايعهن بدون مصافحة، مع أن المصافحة كانت من ملازمات البيعة والمعاهدة في الجاهلية والإسلام، وكيف يكون على ذلك الخلق الذي لا نرضاه لرجل من سوقة الناس فضلا عن أنبياء الله ورسله- من خاطبه مولاه بقوله:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ؟
[ ٢ / ٣٠٠ ]
ولو كان رسول الله متيّما بالنساء ومغرما بمفاتنهن- كما زعموا- لأشبع رغبته بالأزواج الكثيرات وهو في ميعة الصبا وشرخ الشباب، أيام أن كان الغيد الكواعب، والخيرات الحسان من بنات الأشراف تشرئب أعناقهن إلى أن يكن حليلات له، ولا سيما وأن التعدد عند العرب في الجاهلية لم يكن له حد محدود، ولكنه قضى زهرة شبابه ومعظم حياته الزوجية مع سيدة كانت عند اقترانه بها تعدو الأربعين، ورضيها قانعا بها حتى توفاها الله قبيل الهجرة، ومهما قيل في السيدة خديجة وما كانت تتمتاع به من جمال في شبابها، فهناك- ولا شك- غيرها من الأبكار الشابات من يفقنها في الجمال، وللأبكار ما لهن من جاذبية وروعة وسحر، ومن قضى بغير ذلك فقد خالف سنة الله في الفطرة.
تعدد الزوجات سنة من سنن الأنبياء
وأحب أن أقول للمبشرين والمستشرقين وأبواقهم المتابعين لهم: إن تعدد الزوجات سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، وإن التسرّي في الحروب ليس بدعا في الإسلام، فقد نصت التوراة التي يعترف بها هؤلاء على إباحة تعدد الزوجات والسراري بدون تحديد، ففي التوراة: إذا خرجت لمحاربة أعدائك، ودفعهم الرب إلهك إلى يدك، وسبيت منهم سبيا ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة، والتصقت بها، واتخذتها لك زوجة، فحين تدخلها إلى بيتك، تحلق رأسها، وتقلم أظفارها، وتنزع ثياب سبيها عنها، وتقعد في بيتك، وتبكي أباها وأمها شهرا من الزمان، ثم بعد ذلك تدخل عليها وتتزوج بها، فتكون لك زوجة، وإن لم تسريها فأطلقها لنفسها «١» .
وقد نصت التوراة على أن إبراهيم أبا الأنبياء عدّد الزوجات، وجدعون وهو من الأنبياء عند اليهود تزوج نساء كثيرات جمع بينهن، أما داود فقد نصت على أنه تزوج سبعا: ذكرتهن بأسمائهن «٢»، ثم قالت: إنه تزوج غير ذلك نساء
_________________
(١) سفر التثنية- الإصحاح ٢١، فقرة ١٠ وما بعدها.
(٢) سفر صموئيل الثاني- الإصحاح ٣، فقرة ٣- ٥، وسفر صموئيل الأول- الإصحاح ١٨.
[ ٢ / ٣٠١ ]
كثيرات، واتخذ سراري بدون قيد «١» . وكذلك نصت التوراة على كثرة نساء نبي الله سليمان﵇- وكثرة سراريه كثرة تفوق الحد.
ففي التوراة: «وكانت له- سليمان- سبع مئين من النساء السيدات، وثلاث مئين من السراري» «٢» .
فإذا كان تعدد الزوجات والسراري مباحا بنص التوراة التي يقدسونها لأنبيائهم، فكيف اعتبروه نقيصة ومطعنا لسيد البشر، وخاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه؟!!.
ومن قبل طعن أسلافهم اليهود في النبي بسبب هذا، فرد عليهم القران أبلغ ردّ، وذكّرهم بأن التعدد سنة من سنن الأنبياء والمرسلين الذين كانوا قبله.
روي أن اليهود عيّرت رسول الله ﷺ، وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء «٣»، فأنزل الله سبحانه في الرد عليهم قوله:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ «٤» .
فقد ألقمهم هذا الرد حجرا، وباؤوا بالخزي والبهتان.
وأرى من المناسب هنا أن أبيّن أن التوراة والقران وإن أباحا تسرّي المسبيات في الحروب والتزوج بهن، ولكن شتان ما بين أدب التوراة في الاسترقاق والتسرّي وأدب القران، والفرق بينهما فرق ما بين شريعة مؤقتة لزمن خاص، وبين شريعة عامة خالدة، وهي شريعة القران، والإسلام لا يبيح حلق الرأس!! ولا تقليم الأظافر!! ولا الاستذلال!! وما الاسترقاق والتسرّي في
_________________
(١) سفر صموئيل- الإصحاح ١٥، فقرة ١٣.
(٢) سفر الملوك الأول- الإصحاح ١١، فقرة ٣.
(٣) تفسير الالوسي، ج ١٣، ص ١٦٨، ط. منير.
(٤) سورة الرعد: الاية ٣٨.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الإسلام إلا لون من ألوان التربية، والبر، والإحسان، وقد رأيت كيف أكرم النبي جويرية بنت الحارث المصطلقية، وسترى كيف عامل صفية بنت حييّ النضرية، وريحانة اليهودية القرظية، ومارية القبطية المصرية.
الحكمة في تعدد زوجاته ﵊
ولو أن هؤلاء الطاعنين بحثوا بحثا مجردا عن الهوى والتعصب في أسرار تعداده صلوات الله وسلامه عليه لأزواجه لكبّروا إعجابا لنبل المشاعر الإنسانية عند الرسول، ولكنه الهوى يعمي ويصمّ، فلم يكن زواج رسول الله بزوجاته إلا لحكم عالية ومقاصد سامية، وهناك حكم عامة وحكم خاصة.
الحكم العامة
١- إن نبينا محمدا صلوات الله وسلامه عليه هو خاتم الأنبياء والرسل، ودينه خاتم الأديان، وشريعته عامة لكل البشر في كل زمان ومكان، وكان حريصا غاية الحرص على أن تبلغ عقائد هذا الدين وشرائعه، وادابه، وأخلاقه إلى جميع البشر، رجالا ونساء، وكبارا وصغارا، وقد كانت زوجاته خير معوان له على تحقيق هذا الواجب الذي هو من أهم واجبات الرسالة، وهو التبليغ، ولا سيما فيما يتعلق بحياة النبي ﷺ الزوجية والبيتية، مما هو مناط التشريع، ولا يعتبر من أسرار الحياة الزوجية، وطبيعي أنه لا يمكن أن يبلغ ما يتعلق بهذا إلا زوجاته ﷺ، لأن أصحابه مع حرصهم على تبليغ كل ما يصدر عنه إلا أنهم ما كانوا ليطلعوا على حياته في بيته ومعاشرته أزواجه.
وقد كنّ ﵅ مصابيح هداية وإرشاد، ووسائل تبليغ في حياة النبي وبعد وفاته، ومن يطّلع على كتب الأحاديث والسنن يعلم إلى أي حدّ تحدثن وروين، وأفتين في مسائل مما يتعلق بالمباشرة الزوجية، والمضاجعة وادابها، والإكسال بعد الجماع، والاغتسال بعده أو عدم الاغتسال، والقبلة أثناء الصوم، وكيف يتمتاع الرجل بامرأته أثناء الحيض والنفاس من غير المباشرة المحرمة، إلى غير ذلك مما يجب على كل مسلم ومسلمة معرفته وإلا وقع في الإثم والحرج من حيث لا يدري.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
والمرأة بحكم فطرتها وحيائها تركن إلى المرأة، وسؤالها في مثل هذا من غير تحرج أو استحياء، ولم يقتصر استفتاؤهن وسؤالهن عما يشكل وبخاصة فيما يتعلق بحياة النبي الزوجية على النساء، بل كان كبار الصحابة يرجعون إليهن في ذلك ولا سيما السيدة عائشة ﵂. روي عن مسروق أنه قال: (رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض) .
وروى أبو بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال: (ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ أمر قط، فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما) . وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: (ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة) . وكذلك كانت زوجات النبي ﷺ في العلم والفقه وإن تفاوتن في ذلك، ولم يبلغن مبلغ السيدة العاقلة العالمة المبرأة من فوق سبع سموات الصدّيقة بنت الصدّيق ﵂، ومنهن من عاشت بعد النبي ﷺ ما يقرب من نصف قرن تنشر الهداية والعلم كالسيدة عائشة ﵂.
فقد توفيت سنة ثمان وخمسين للهجرة، والسيدة أم سلمة ﵂ فقد توفيت سنة اثنتين وستين للهجرة، وهكذا نرى أن تعدد زوجاته ﷺ كان ضرورة دينية لا محيص عنها.
٢- إقامة الحجة على أنه ﷺ نبي حقا، فقد توفي عن تسع نسوة، ومع ذلك فلم يشغله هذا التعدد عن القيام بتبليغ شريعة ربه ونشر دينه في حياته، حتى عم الجزيرة العربية كلها وما جاورها من أطراف الممالك الاخرى. وإن الإنسان المنصف ليعجب حقا من هذا؛ إن الواحد منا مهما بلغ من العقل وحسن الكياسة تكون عنده الزوجة فضلا عن الثنتين والثلاث والأربع ومع ذلك يكون في هم من شأنها وإرضائها، ويكون في حيرة من التوفيق بين القيام بحقوقها وحقوق بنيها والقيام بأمور معاشه ومعاده وما وكل إليه من المهام، وهذا رسول الله ﷺ قد جمع بين تسع في حياته وهن مختلفات السن والطبائع والأمزجة، ومع هذا فقد قام بأعباء الرسالة خير قيام، وإنها لبطولة حقا تستحق الإعجاب لا الغمز واللمز والاعتراض!!
[ ٢ / ٣٠٤ ]
أيضا فإن الواحد منا تكون عنده الزوجتان فيحار كيف يوفق بينهما، ويتعذر عليه الاستحواذ على رضائهما والعدل بينهما، وهذا هو رسول الله ﷺ كانت عنده تسع نسوة، فوفق بينهن واكتسبن رضاه، حتى كن يتسابقن في ذلك، وذلك بسبب سعة عقله ﷺ، ورحابة صدره، وحسن خلقه، وبعد نظره، وعجيب سياسته، وكمال كياسته، ولست أغفل هنا أمرا مهما أعانه ﷺ على كل هذا وهو أنهن ﵅ كن خيار نساء هذه الأمة دينا وخلقا وعلما وعملا، طلبا لمرضاة الله ورسوله حسبما أشار إليه الحق ﵎ في قوله:
يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا «١» .
ولعلك تعجب معي إذا علمت أن هذه الحياة الزوجية الطويلة مع هذا العدد الكثير لم يحص الرواة على كثرة تتبعهم لسيرة النبي ﵊ واستقصائهم لأخباره وأخبار أهل بيته إلا حادثتين أو ثلاثا عكّرت من صفو هذه الحياة الزوجية المثالية، وسأعرض لها في اخر الكتاب تحت عنوان «النبي الزوج» .
٣- من الحكم العامة الوقوف على استواء سره وعلنه ﷺ، وأنه في معاملته لأهله كمعاملته لصحبه، وأنه لا يحكم تصرفه في هذا إلا التدين الصادق، والخلق الكريم، ومراقبة الله في السر والعلن، إذ الشأن في النساء أن لا يحفظن سرا كيفما كان، فلو كان منه ﷺ في السر ما يخالف العلن لعلمنه،
_________________
(١) سورة الأحزاب: الايات ٣٢- ٣٤.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
ولو علمنه لأذعنه بمقتضى طبائعهن البشرية، وهذا أمر معهود في النساء، ولا سيما الضرائر، ولكن لم يكن شيء من هذا، فكان ذلك من الأدلة على أنه نبي حقا!!
إن كثيرا من الزعماء، والساسة، ورجال الإصلاح يخالف ظواهرهم بواطنهم، وعلانيتهم سرهم، مما يسجل عليهم النفاق والخداع، ويعود عليهم بالنقص والمؤاخذة، ويبين الفرق الشاسع بين النبي وغير النبي. وبحسبنا هذا في الحكم العامة.
الحكم الخاصة
أما السيدة خديجة ﵂ لأنها أول زوجة فهو زواج الفطرة، وكذلك السيدة سودة بنت زمعة لا يسأل عنها أيضا، ومع ذلك فقد كان في زواجه ﷺ منها تكريم لها وللإسلام والعقيدة في شخصها، وشخص زوجها الذي مات عنها بعد رجوعهما من هجرة الحبشة الثانية، ولم يكن له عند تزوجها غيرها، لأن ذلك كان بعد موت السيدة خديجة، ولم تكن ذات جمال بل كانت ذات عيال، وقد أبدت للنبي إشفاقها عليه من زواجها بما يسببه له صبيتها من إقلاق راحة، فأبدى لها ترحيبا بأولادها.
أما زواجه بعائشة وحفصة فجاء توكيدا للعلاقة والإخاء بينه وبين وزيريه: أبي بكر وعمر، وليس أدل على هذا بالنسبة لحفصة أن أباها عمر دخل عليها وهي تبكي فقال لها: لعل رسول الله طلّقك، لقد طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، والله لو طلقك مرة ثانية لا أكلمك أبدا.
وزواجه بالسيدة زينب بنت خزيمة التي كانت تلقب بأم المساكين لكثرة تصدقها عليهم وبرها بهم تكريم لهذا الخلق الكريم فيها، وتكريم للشهادة في شخص زوجها الذي توفي عنها.
وزواجه بالسيدة أم سلمة جبر لكسرها، وتعويض لها عن فقد عائلها الذي مات عنها بعد أحد بشهور، وعرفان لتضحياتها وتضحيات زوجها أبي سلمة في سبيل الله والإسلام، فقد هاجرا إلى الحبشة، وكانا أول مهاجرين
[ ٢ / ٣٠٦ ]
إلى المدينة، ومهما قيل في أم سلمة وأنها كانت ذات جمال في شبابها، فقد كان في كبر سنها، وما مرت به من أحداث جسام، وما أنجبت من أولاد، وما رزئت به من فقد الرجل الذي كانت تقول فيه: ومن خير من أبي سلمة؟ ما يذوي هذا الجمال، إن لم يذهب به.
وزواجه بالسيدة جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق كان لحكمة سامية جدا، فقد كان هذا سببا في أن منّ الصحابة على من في أيديهم من سبايا بني المصطلق، مما تسبب عنه إسلام أبيها وإسلام قومها، فكانت أيمن امرأة على قومها.
وزواجه بالسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان حفظ لها من الضّيعة وهي في بلاد نائية عن بلاد قومها، فقد تنصّر زوجها عبيد الله بن جحش بالحبشة ومات بها، وثبتت هي على عقيدتها، فلم يكن أجمل مما فعله رسول الله معها، وقد عقد عليها النبي وهي بالحبشة، ولم يدخل بها إلا بعد خيبر عام سبع، فكيف يكون هذا من رجل صار همه في النساء وإشباع رغباته الجنسية منهن؟!!
وزواجه بالسيدة زينب بنت جحش كان لما ذكرته انفا من إبطال بعض عادات الجاهلية.
وأما زواجه ﷺ بصفية بنت حيي بن أخطب فقد كانت في سبي خيبر، فلما أخبر رسول الله ﷺ بها اصطفاها لنفسه ضنا بكرامتها ومنزلتها في قومها، فأعتقها وتزوجها بعد ما انقضت عدتها، وأحسن إليها غاية الإحسان في عشرتها، وكثيرا ما كان ينتصر لها عند ما تبدر من بعض أزواجه بادرة في النيل منها، وهذه غاية الإنسانية والإحسان لامرأة طالما نال النبي والمسلمين من قومها شر كثير، ولم يألو جهدا في محاربة دعوة الإسلام.
وأما زواجه من السيّدة ميمونة بنت الحارث الهلالية فقد وثّق به ما بينه وبين قبيلة من أعلم قبائل العرب وأشرفها، وقد زوجها إياه عمه العباس وأصدقها عنه في عمرة القضاء، ودخل بها بعد أن حلّ، كما كان فيه تكريم لعمه العباس وزوجه أم الفضل، فقد كانت أختها. وقد عرضت فيما سبق لزواج النبي بأغلبهن بإفاضة وتوسع، وسأعرض فيما يأتي لمن بقيت منهن.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والعجب من هؤلاء المستشرقين المتعصبين، والمبشرين المحترفين أنهم إذا وقعوا على ما يرضي أحقادهم، ويشفي غليلهم من باطل الروايات ومتهافتها هلّلوا له وطبّلوا، وتجاهلوا البيئة وأحكامها، والعادات وسلطانها، إلى غير ذلك مما يتفيهقون به باسم العلم وقواعد البحث، ولم يعيروا نقد السند أو المتن أية أهمية، بينما يطيشون كثيرا في الحكم على روايات في غاية الصحة بأنها موضوعة، ولا حامل لهم في الحالين إلا الهوى والتعصب، والحقد الموروث، والتجني الاثم.
وبعد: فلعلك- أيها القارىء الفطن- قد تيقنت أن ساحة الرسول الكريم بريئة من كل ما زعموا، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال فأنى يؤفكون؟!!
خطبة النبي لزينب وفضلها
روى الإمام أحمد ومسلم بسندهما عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال النبي ﷺ لزيد: «اذهب فاذكرها علي «١»»، فانطلق حتى أتاها وهي تخمّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي ﷿، ثم قامت إلى مسجدها، ونزل القران وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بدون إذن. وقد علم الله سبحانه ما سيكون من أمر هؤلاء الطاعنين فألهم نبيه أن يرسل زيدا لخطبتها ليكون فيه قطع لألسنتهم ورد لفريتهم، فهذا الإعظام لزينب لأن رسول الله رغب فيها، وإبائه على نفسه أن يمتد إليها طرفه لن يكون من رجل ترك زوجته وهو كاره فراقها.
وقد كانت زينب ﵂ تدلّ على زوجات النبي وتقول:
(زوجكن أهلكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات)، وكانت زينب من المهاجرات الأول وكانت كثيرة الخير والصدقة وتصل الرحم، وبحسبها وصف
_________________
(١) اخطبها لي من نفسها.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
إحدى ضراتها لها وهي السيدة عائشة ﵂ بالورع والتقوى كما مر في حديث الإفك.
وكانت أولى زوجات النبي لحوقا به. روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عائشة أم المؤمنين قالت: (قال رسول الله ﷺ:
«أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا»، قالت فكنّ يتطاولن أينا أطول يدا، قالت:
فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدّق) «١»، وقد توفيت سنة عشرين من الهجرة، وصلّى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ودفنت بالبقيع، وهي أول امرأة صنع لها القبة فوق النعش ليستر شخصها «٢» .
نزول اية الحجاب صبيحة عرسها
ولما دخل بها النبي ﷺ أولم عليها ما لم يولم على غيرها، وكان ذلك سببا في نزول اية الحجاب. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما واللفظ للبخاري- عن أنس ﵁ قال: (بني على النبي ﷺ بزينب ابنة جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو، فقلت يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه، قال: «ارفعوا طعامكم»، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله»، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك، فتقرّى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة من رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري اخبرته أو أخبر أن القوم خرجوا، فرجع، حتى إذا وضع رجله
_________________
(١) فهمن﵅- أن المراد بالطول الطول الحسي، ثم ظهر لهن أن المراد الطول المجازي طول اليد في الخير والبر.
(٢) البداية والنهاية، ج ٤ ص ١٠٩.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
في أسكفة «١» الباب داخلة وأخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت اية الحجاب.
والمراد بها قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ «٢» وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ.
ولما نزلت قال بعضهم: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟
لئن مات محمد لأتزوجنّ عائشة، فنزل تتمة الاية السابقة:
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا «٣» .
وقد كان نزول اية الحجاب من موافقات عمر ﵁. روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال عمر ﵁: قلت:
يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب.
فأنزل الله اية الحجاب «٤» .
_________________
(١) الأسكفة: بضم الهمزة وسكون السين وضم الكاف وفتح الفاء المشددة عتبة الباب السفلى.
(٢) أي نضجه.
(٣) سورة الأحزاب: الاية ٥٣.
(٤) صحيح البخاري- كتاب التفسير سورة الأحزاب- باب يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي.
[ ٢ / ٣١٠ ]
تشريع الحجاب في الإسلام
وبنزول هذه الاية كان تشريع الحجاب في الإسلام بالنسبة لأزواج النبي ﷺ، والمراد عدم إبداء شيء من أجسامهن للأجانب عنهن، وعدم محادثتهن أو طلب شيء منهن إلا من وراء حجاب، أي ستريكون بينهن وبين غيرهن، ولما نزلت قال الاباء والأبناء والأقارب لرسول الله ﷺ: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله قوله:
لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا «١» .
ونزل أيضا في شأن نساء النبي في أدب الخطاب والإقامة في البيوت قوله تعالى:
يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا «٢» .
فَلا تَخْضَعْنَ: أي لا تلنّ أو تتكلمن بكلام مريب موهم. وَقُلْنَ:
أقمن والزمن بيوتكن. الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى: هي ما قبل الإسلام فهي كقولهم:
جاهلية جهلاء، فقد كان النساء لا يتحاشين كلام الرجال الأجانب، والتكسر في حديثهن، وإظهار بعض محاسنهن، كالعنق، والصدر، والساقين، والساعدين، فجاء الإسلام فأبطل ذلك، ومن العجب المؤلم أن تتجاوز جاهلية القرن العشرين الجاهلية الأولى في باب التبرج والسفور حتى أضحى عريا!!!
_________________
(١) سورة الأحزاب: الاية ٥٥.
(٢) سورة الأحزاب: الايتان ٣٢، ٣٣.
[ ٢ / ٣١١ ]
وجمهور المفسرين على أن هذه الاية وإن كانت خطابا لأزواج النبي فحكمها لجميع نساء الأمة، وإنما خصّ نساء النبي لمنزلتهن وعظم فضلهن، ومكانهن من النبي ﷺ، قال الإمام الالوسي في تفسيره: (والمراد أمرهن ﵅- بملازمة البيوت؛ وهو أمر مطلوب من سائر النساء. أخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها»، وأخرج البزار عن أنس قال: جئن «١» النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله، ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال ﵊: «من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى»، وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته، وخروجهن إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة، أما إذا ظنت فهي حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيارة الوالدين وعيادة المرضى وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك فإنما يجوز بشروط مذكورة في محلها) «٢» .
يعني مع الاستتار وعدم إبداء الزينة وعدم مخالطة الأجانب، وعند أمن الفتنة، وقال الإمام القرطبي في تفسيره: (معنى هذه الاية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن؟
والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع) «٣» .
وقد فصّل الله ﷾ في كتابه الكريم ما يتعلق بالنساء المسلمات: من غض البصر، وحفظ الفروج، وعدم إبداء مواضع الزينة من
_________________
(١) إما على لغة «أكلوني البراغيث» أو النون علامة جمع الإناث والنساء فاعل.
(٢) تفسير الالوسي، عند تفسيره هذه الاية.
(٣) تفسير القرطبي، ج ١٤ ص ١٧٩.
[ ٢ / ٣١٢ ]
عنق وصدر وساق وعضد وساعد وشعر ونحوها من العورة الظاهرة إلا للمحارم، قال ﷾:
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «١» .
الْخَمْرِ بضم الخاء والميم: جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة رأسها وعنقها، والجيوب: فتحات الثياب من عند العنق، كنّ في الجاهلية يسدلن الخمر على ظهورهن فتبدو نحورهن وصدورهن وما حواليها، فأمرن بلفها على الأعناق والصدور كي لا يظهر شيء منها، وكنّ يضربن بأرجلهن ليتنبه الناس إلى أنهن ذوات خلخال فيلتفتوا إليهن، فنهين عن ذلك؛ وفي النهي عن الزينة نهي عن إبداء مواضعها بطريق أولى وأبلغ.
أما احتجاب المرأة بالنسبة إلى الأجانب منها فكل بدن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، ويستأنس لهذا بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء، إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه. وجمهور الفقهاء على تقييد إظهار الوجه والكفين بأمن الافتتان بها وإلا فلا يجوز.
_________________
(١) سورة النور: الاية ٣١.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وكان النساء في أول الإسلام كما كنّ في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار لا فرق بين الحرة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة «١» يتعرضون للإماء إذا خرجن بالليل إلى قضاء حوائجهن في الخلاء، وربما تعرضوا للحرائر ظنا أنهن إماء، فأمرن أن يخالفن بزيهن زي الإماء، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن فيغطّين الوجه والأعطاف فيعرفن ويهبن، ولا يطمع فيهن فاسق. قال تعالى شأنه:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا «٢» .
يُدْنِينَ: أي يرخين، ولذلك عدّي بعلى لأنه ضمّن معناه.
جَلَابِيبِهِنَّ: جمع جلباب وهو ما تلتف به المرأة فوق درعها وثيابها كالملاءة والملحفة، يحيث يستر جميع البدن، ولا يصفه ولا يشفّ ما تحته.
وقد بينت السنة النبوية كل ما يتعلق بالنساء من احتجاب وتصوّن وتعفّف، وعدم السفور والخلاعة والابتذال بما لا مزيد عليه، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام وندع التفصيل لمقام اخر.
_________________
(١) أهل الشطارة: أهل الهوى واللؤم والتعدي على الحرم.
(٢) سورة الأحزاب: الاية ٥٩.
[ ٢ / ٣١٤ ]
تزوج النبي بأم حبيبة بنت أبي سفيان
وفي هذه السنة على ما رجّحه ابن كثير في بدايته «١» تزوج النبي ﷺ السيدة أم حبيبة- رملة، وقيل هند، والأول أصح- بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عاما، وكانت قبل النبي تحت زوجها عبيد الله بن جحش، وكانا أسلما وهاجرا إلى الحبشة، فولدت بها حبيبة وبها كانت تكنى، وقيل ولدتها بمكة ثم هاجرت بها، ثم تنصّر زوجها وبقيت على إسلامها، ثم مات، فلما انقضت عدتها كتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي أن يتولّى له العقد عليها، وقيل أرسل له عمرو بن أمية الضمري بذلك، فولي النجاشي العقد، وأمهرها عن رسول الله ﷺ أربعمائة دينار وتولّى نكاح أم حبيبة ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص.
وقد بقيت السيدة أم حبيبة بالحبشة معزّزة مكرمة حتى قدمت إلى المدينة مع مهاجري الحبشة سنة سبع، ولما بلغ أباها أبا سفيان تزوج النبي بها قال:
(هو الفحل لا يقدع أنفه) «٢»، وكان من سرورها بهذا الزواج أن أهدت الجارية التي أرسلها النجاشي لتعرض عليها زواج رسول الله بها سوارين من فضة،
_________________
(١) وقيل سنة ست وقيل سبع ويرجح الأول أن عمرو بن العاص لما ذهب إلى الحبشة بعد الخندق وجد عند النجاشي عمرو بن أمية الضمري لأجل خطبتها للنبي.
(٢) مثل يضرب للكفء الكريم. والفحل: ذكر الإبل، وكان من عادة العرب إذا كان الفحل غير كريم ضربوا أنفه ليبعد عن الناقة، وإذا كان كريما تركوه.
[ ٢ / ٣١٥ ]
وبعض الدنانير، ولكن الجارية ردته بأمر سيدها النجاشي، وجاءت لها بعود وورس وعنبر، قالت: فقدمت به معي على رسول الله ﷺ «١» .
الحكمة في تزوج النبي بها
ومما ذكرنا يتبين للمنصف أن النبي لم يرد بزواجه منها قضاء شهوة، أو إشباع رغبة جنسية، فالنبي لم يدخل بها إلا بعد خيبر، وإنما أراد المواساة بالنفس، فقد تنصّر زوجها وثبتت على إيمانها، ومات فأصبحت أيّما، فكان عملا إنسانيا كريما أن عقد عليها وصارت بذلك في عداد أمهات المؤمنين، وحظيت بهذا الشرف الرفيع كفاء هجرتها وثباتها وتحملها، وناهيك بالاحترام البالغ الذي وجدته فيما بعد في نفوس المسلمين، والحفاوة البالغة التي أحاطها بها ملك الحبشة العادل الكريم، ألا إنه موقف كريم تغص به حلوق المتقوّلين على الرسول العظيم.
وفاتها
وكانت وفاتها بالمدينة سنة أربع وأربعين، فرضي الله عنها وأرضاها.
_________________
(١) الإصابة، ج ٣ ص ٣٠٥، ٣٠٦.
[ ٢ / ٣١٦ ]
فرض الحج
وفي هذا العام على ما ذهب إليه الكثيرون «١» شرع الله فريضة الحج بقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وقيل بقوله:
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، والصحيح الأول لأن الإتمام إنما يكون بعد المشروعية. وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع حتى صار ركنا من أركان الإسلام معلوما من الدين بالضرورة.
والحج شريعة قديمة من لدن أبي الأنبياء الخليل إبراهيم ﵇، فإنه لما فرغ من بناء البيت بمعاونة ابنه إسماعيل أمره الله أن يقف على جبل «أبي قبيس» بمكة وينادي في الناس بالحج، فقال: يا ربّي وما يبلغ صوتي؟
فقال الله: «أذّن يا إبراهيم وعليّ البلاغ»، فأذّن إبراهيم قائلا: «يا أيها الناس، إنّ الله كتب عليكم الحج فحجوا»، فأسمع الله سبحانه نداءه من كان في أصلاب الرجال، أو أرحام الأمهات، أو عالم الذر قبل أن يوجدوا!! ومن يومها ومن أراد الله لهم الحج يجيبون قائلين: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» .
وهو العبادة التي بقي العرب محافظين عليها إلى وقت البعثة المحمدية، إلا أنهم كانوا شابوها بالوثنية بما نصبوه على الكعبة وعلى الصفا والمروة من أصنام يتمسحون بها ويتبركون، وكذلك غيّروا في بعض المناسك وبدلوا وابتدعوا، فلما جاء الإسلام قضى على ما شابه من وثنية وعادات جاهلية، ورجع به إلى ما كان
_________________
(١) وقيل في السنة السادسة وإليه ذهب الشافعي، وقيل في السنة التاسعة.
[ ٢ / ٣١٧ ]
في عهد إبراهيم ﵊ من صفاء ورمز إلى التوحيد والواحدة والألفة والمحبة.
وللحج حكمته وفلسفته التي لا يتسع لها المقام هنا، ولو لم يكن فيه إلا أنه مؤتمر المسلمين الأكبر لكفى، فما بالك وفيه ما فيه من تزكية النفوس والسمو بالأرواح وغفران الذنوب، والتقوى والمساواة بين الناس جميعا، وألوان العبر والعظات!!.
نعم إنه المؤتمر السنوي الأكبر الذي يتلاقى فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فيتقاسمون السراء والضرّاء، ويتجاوبون في الالام والامال، ويتشاورون في كل ما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم، ويتعاونون على البر والتقوى، والتكافل والتناصر، ألا ما أعظمه من مؤتمر لو اهتبل فرصته المسلمون!!
وليس في الحج وثنية كما يزعم بعض أعداء الإسلام، وليس أدل على ذلك من أن كل شعيرة ونسك من مناسكه لا ينفك عن التهليل والتكبير، والثناء على الله العلي العظيم، وإنما الأمر كما قيل:
أمرّ على الديار: ديار سلمى أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الديارا
فالطواف بالكعبة ليس تعظيما للحجارة، وإنما هو تعظيم لرب البيت، وتقبيل الحجر الأسود ليس حبا للحجر، وإنما هو حب لرب الحجر، وهو الله سبحانه، وعلى المسلم إذا خفي عليه شيء من حكم تشريعات الله ﵎ أن يقول: سمعنا وأطعنا، لا يتهم الشريعة، بل يتهم عقله القاصر، ويقول كما قال الفاروق الملهم العبقري: (اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك) «١» .
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وفاة سعد بن معاذ
قدمنا في الخندق أن سعدا ﵁ أصيب في أكحله أثناء المراماة بالنبل، فلما أصيب قال: (اللهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني بها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهداهم من قوم اذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من قريظة)، وقد استجاب الله دعوة وليّه سعد، وأقر عينه فيهم، فحكم فيهم بقدرته وتيسيره، وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك كما سيأتي، فأمر النبي بإحضاره من خيمة (رافدة) التي كانت بالمسجد لتمريض الجرحى، فجعل بنو قريظة يتحلقون حوله ويقولون له: أحسن في مواليك، فقال: لقد ان لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم!! ثم حكم فيهم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فقال له النبي: «لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبع سماوات» ثم أرجع إلى خيمته بالمسجد، فلم يرعهم إلا الدم يسيل في المسجد، فدخلوا فإذا جرحه قد انفجر ومات شهيدا ﵁، وقد شيّعه رسول الله والصحابة حتى واروه في قبره.
وقد كان﵁- سيد الأوس، ومن خيار المسلمين، من ذوي السوابق في الإسلام، وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة منها ما روي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ» وإنما اهتز فرحا بروحه وترحيبا بمقدمه ولقائه ربه، ولما أهديت إلى النبي ﷺ جبة صار الصحابة يعجبون من لينها وحسنها، فقال: «أتعجبون من هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها أو ألين» . حشره الله سبحانه مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
[ ٢ / ٣١٩ ]
السّنة السّادسة من الهجرة
أهلّت السنة السادسة للهجرة والمسلمون على أحسن حال من القوة والمنعة بالمدينة وما جاورها، منتصرين على قريش ومن تحزّب إليهم من عرب ويهود، فقد ارتد الأعراب منهزمين، كما لقي يهود بني قريظة القصاص العادل بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم.
وقد أرسل النبي عدة سرايا في هذا العام لتأديب بعض القبائل المجاورة جزاء على غدرها، أو مباغتة لها في عقر دارها قبل أن تنفّذ ما بيتته من مهاجمة المدينة، كما قام ببعض الغزوات التي أجلّها خطرا غزوة الحديبية.
[السرايا والغزوات في السنة السادسة للهجرة]
سرية محمد بن مسلمة قبل نجد
في المحرم من هذه السنة أرسل النبي ﵊ محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبا لشنّ الغارة على بني بكر بن كلاب، فسار إليهم يكمن النهار ويسير الليل حتى دهموهم على غرّة، فقتلوا منهم عشرة وفر الباقون، واستاقوا الإبل والشاء، وقفلوا راجعين إلى المدينة، فلقيهم ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة فأسروه وهم لا يعرفونه، فلما قدموا على النبي عرفه وأحسن معاملته، وأطلق سراحه بعد ثلاث بعد أن عرض عليه الإسلام فلم يسلم، فما كان من ثمامة إلا أن عاد وأسلم وصار من خيار المسلمين، وقد قدمنا قصته، ويرى ابن كثير أن هذه السرية كانت بعد خيبر «١»، فقد روى قصته البخاري
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٤ ص ٤٩.
[ ٢ / ٣٢١ ]
وابن إسحاق عن أبي هريرة وأنه شاهد ذلك، وأبو هريرة إنما أسلم عقب خيبر سنة سبع.
غزوة بني لحيان
بنو لحيان هم الذين غدروا بعاصم بن ثابت وإخوانه أصحاب سرية الرجيع، ولم يزل رسول الله عازما على الاقتصاص منهم حتى جمادى الأولى من هذه السنة، فخرج في مائتي راكب من أصحابه بعد أن استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، واتبع طريقة التعمية، فسلك طريق الشام ليرى أنه لا يريد بني لحيان، فلما وصل إلى منازلهم هربوا، وتمنّعوا في رؤوس الجبال، فقال رسول الله ﷺ: «لو أنا هبطنا عسفان «١» لرأت قريش أنا قد جئنا مكة» فذهبوا إليها ليداخل أهل مكة الرعب، ثم أرسل فارسين حتى جاا «كراع الغميم» «٢» ليري قريشا من نفسه القوة.
وفي عسفان استقبلهم جمع من المشركين على رأسهم خالد بن الوليد، فصلّى النبي بأصحابه صلاة الظهر، فقال المشركون: قد كانوا على حال لو أصبنا منهم غرّتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم صلاة «٣» هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل على رسول الله ﷺ بهذه الايات:
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا «٤» .
_________________
(١) عسفان: موضع قرب مكة.
(٢) كراع الغميم: موضع جنوب عسفان بثمانية أميال.
(٣) هي صلاة العصر.
(٤) سورة النساء: الاية ١٠٢.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وكانت هذه أول صلاة خوف صلاها رسول الله «١»، وبذلك شرعت هذه الصلاة التي تدل على يسر الإسلام وسماحته وصلاحيته لكل زمان ومكان، وقيل إن مشروعية صلاة الخوف كانت في غزوة «ذات الرقاع»، وكانت على ما ذهب إليه ابن إسحاق سنة أربع، وذهب الإمام البخاري إلى أنها كانت سنة سبع عام خيبر واستدل بأدلة فليرجع إليها من يشاء «٢» .
سرية كرز بن جابر الفهري
وفي شوال من هذا العام قدم على المدينة جماعة من عكل وعرينة «٣»، فأظهروا الإسلام، وبايعوا رسول الله، وكانوا هزالا مصفرة ألوانهم، فلم يوافقهم هواء المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل له خارج المدينة فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فلما صحّوا قابلوا الإحسان بالكفران، وقتلوا الراعي ومثّلوا به وسمروا عينيه، واستاقوا الإبل، فلما بلغ الخبر النبي أرسل وراءهم كرز بن جابر الفهري في عشرين فارسا، فلحقوا بهم وجاؤوا بهم إلى المدينة، فأمر رسول الله أن يقتص منهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمرت أعينهم «٤»، وألقوا في الحرّة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا «٥» .
وما فعل بهم ليس مثلة وإنما هو قصاص واحد: ذاك أنهم سرقوا، وقتلوا، ومثّلوا، وكفروا، وحاربوا الله ورسوله. فأقيم عليهم حدّ السرقة والبغي، واقتص منهم بالقتل والتمثيل كما فعلوا.
سرية عمرو بن أمية الضّمري
جلس أبو سفيان بن حرب ذات يوم في نادي قومه فقال: ألا رجل يذهب إلى محمد فيقتله غدرا فنستريح منه، فتقدم له رجل من الأعراب وقال له: إني
_________________
(١) البداية والنهاية، ج ٤ ص ٨١، ١٤٩.
(٢) المرجع السابق، ص ٨٣.
(٣) عكل بضم العين: قبيلة من تيم الرباب، وعرينة مصغرا: حي من بجيلة.
(٤) أي فقئت بالمسامير، لأنهم فقأوا عيني الراعي بوضع الشوك فيهما.
(٥) صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب قصة عكل وعرينة، وكتاب الطهارة- باب أبوال الإبل.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
هاد بالطرق خرّيت، ومعي خنجر مثل خافية النسر، فأعطاه راحلة ونفقة وأوصاه أن يخفي أمره، فخرج الرجل حتى وصل المدينة، فسأل عن النبي حتى انتهى إليه وهو في جماعة من أصحابه، فلما راه قال: «إنّ هذا الرجل يريد غدرا، والله حائل بينه وبين ما يريد» فوقف فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال النبي: «أنا» فذهب ينحني على رسول الله كأنه يسر إليه شيئا، فجبذه أسيد بن حضير وقال:
تنحّ عن النبي، وجذب بداخل إزاره فإذا الخنجر، فقال: يا رسول الله هذا غادر، فأسقط في يد الأعرابي وقال: دمي، دمي، وأخذ أسيد بن حضير بتلابيبه، فقال له النبي: «اصدقني ما أنت وما أقدمك؟ فإن صدقتني نفعك الصدق، وإن كذبتني فقد أطلعت على ما هممت به» فقال الأعرابي فأنا امن؟
قال: «وأنت امن» فأخبر النبي بخبر أبي سفيان وما جعل له.
فحبس عند أسيد بن حضير، ثم دعا به من الغد فقال: «قد أمنتك فاذهب حيث شئت أو خير لك من ذلك؟» قال: وما هو؟ فقال النبي: «أن تشهد ألاإله إلا الله وأني رسول الله» فأسلم الرجل وقال: يا محمد ما كنت لأفرق من الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت، ثم أطلعت على ما هممت به، وما سبقت به الركبان ولم يطلع عليه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان!! فجعل النبي يبتسم.
وأقام الرجل أياما، ثم استأذن وخرج، ثم أراد النبي أن يجازي أبا سفيان بما صنع، فقال لعمرو بن أمية الضمري- وكان شجاعا فاتكا في الجاهلية- ولسلمة بن أسلم بن حريش: «اخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب، فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه» فخرجا حتى أتيا مكة، وطافا بالبيت وصلّيا ركعتين، ففطن أهل مكة لعمرو وقالوا: ما جاء عمرو إلا بشر وهمّوا بقتلهما، ففرا حتى قدما المدينة ولم يقضيا مما أرادا وطرا، وهكذا أراد رسول الله أمرا، وأراد الله أمرا، وكان ما أراد الله، فقد نجّى أبا سفيان حتى أسلم ليلة الفتح، وتشرّب بهذا الدين الحنيف، وصار من أنصاره بعد أن كان من أعدى أعدائه.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
غزوة الحديبية «١»
ها هي السنة السادسة كادت تنتهي، وقد أصبح المسلمون مرهوبي الجانب في الجزيرة، ولئن لم تكن فيها موقعة فاصلة فقد حفلت بسرايا كثيرة تمخضت عن قوة المسلمين، ورعب المشركين وهزيمتهم، وها هم المسلمون قد اشتاقوا إلى زيارة الكعبة البيت الحرام: بيت ابائهم وأجدادهم ومتعبدهم وقبلتهم، فقد مضى نحو ست سنين ولمّا يتشرفوا بزيارة هذا البيت، ويقضوا شيئا من حاجات النفس المشوقة إليه.
وأذكى هذا الشوق، وقوّى الأمل في نفوسهم رؤيا راها رسول الله ﷺ، فقد رأى أنهم يدخلون المسجد الحرام محلّقين رؤوسهم ومقصرين، ولكن كيف للمسلمين هذا، والمشركون حريصون على صدهم عن البيت، وأهون عليهم أن يموتوا جميعا من أن يدخلها عليهم المسلمون عنوة؟ لذلك رأى النبي ﷺ بثاقب فكره أن يستنفر العرب ومن حوله من الأعراب، ليخرجوا معه معتمرين، كي تعلم قريش أنه لا يريد حربا، فاستجاب له بعض الأعراب، وأبطأ عنه الكثيرون.
خروج النبي معتمرا
وفي ذي القعدة من هذا العام خرج رسول الله ﷺ في زهاء ألف
_________________
(١) الحديبية- بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء مواحدة مكسورة وياء منهم من خففها ومنهم من شددها- قرية بالقرب من مكة على مرحلة منها سميت ببئر هناك.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وخمسمائة «١» من المهاجرين والأنصار، ومن لحق بهم من الأعراب، واستخلف على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي، وأحرم بالعمرة «٢» هو والكثيرون من أصحابه، وساق معه الهدي سبعين بعيرا حتى يكون إيذانا للناس أنه لم يرد حربا، وإنما خرج زائرا للبيت ومعظما له.
وصول النبأ إلى قريش
وخرج رسول الله حتى إذا كان بعسفان «٣» لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل «٤»، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا إلى كراع الغميم «٥» .
فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟! فو الله لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» «٦» .
_________________
(١) ذكر ابن إسحاق في سيرته أنهم كانوا سبعمائة، وهو خلاف ما ذكره المحدّثون في الصحاح وغيرها وكتب السير من أنهم كانوا بضع عشرة مائة، وقد استنتج ذلك مما روي أن النبي ساق سبعين بدنة، كل بدنة عن عشرة، وهذا ليس بلازم، فإن بعضهم قد يهدي بغير الإبل، كما أن بعضهم لم يكن محرما كأبي قتادة كما ثبت في الصحيح (صحيح البخاري- كتاب المغازي- باب غزوة الحديبية) .
(٢) هذا هو الصحيح، وهو ما ذكره المحدثون وكتاب السير، لا ما ذكره الدكتور هيكل في كتابه «حياة محمد» من أن النبي أذّن في الناس بالحج.
(٣) قرية على مرحلتين من مكة أي مسيرة يومين.
(٤) العوذ: جمع عائذ، وهو من الإبل الحديثة النتاج. والمطافيل جمع مطفل: التي معها أولادها، والمراد أنهم خرجوا ومعهم النساء والأولاد، والكلام على الاستعارة.
(٥) واد أمام عسفان بثمانية أميال.
(٦) السالفة صفحة العنق وهو كناية عن الموت.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
ثم تفادى رسول الله الاصطدام بخيل المشركين فقال: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟»، فقال رجل من أسلم: أنا، فسلك بهم طريقا وعرا صعبا خرجوا منه بعد مشقة وجهد، فأفضوا إلى أرض سهلة منبسطة، فقال رسول الله: «قولوا، نستغفر الله ونتوب إليه» فقالوها، فقال:
«والله إنها للحطّة «١» التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها» ثم سلكوا طريقا انتهى بهم إلى ثنيّة المرّار قرب الحديبية.
وفي هذا المكان بركت ناقة رسول الله فزجروها فلم تقم، فقالوا: خلأت حرنت- القصواء، فقال الرسول ﷺ: «ما خلأت القصواء، وما هو بخلق لها، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطّة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» ثم قال للناس: «انزلوا» فقالوا:
ما بالوادي من ماء ينزل عليه، فأخرج سهما من كنانته، فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل به في بئر فغرزه في جوفه، فجاش بالماء حتى ضرب الناس بعطن، فشربوا وسقوا دوابهم.
رسل قريش
رأت قريش ألاقبل لها بحرب المسلمين، وإلّا دارت عليهم الدائرة، ونمى إليها أن رسول الله ﷺ لا يريد حربا، فأرسلت إليه من يفاوضه تعرفا على قوة المسلمين وعزمهم على القتال من جهة، وطمعا في صد المسلمين عن البيت بالطرق السلمية من جهة أخرى.
_________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا حِطَّةٌ سورة البقرة: الايتان ٥٨- ٥٩، فبدّلوا، وغيروا، وسخروا، وتهكموا، ومعنى «وقولوا حطة» أي حط يا رب عنا ذنوبنا، واغفرها لنا. وفي المقارنة دلالة على طيب عنصر الصحابة وطاعتهم للرسول، وخبث اليهود، ولؤم طباعهم، وعصيانهم لنبي الله موسى.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
بديل بن ورقاء
فأتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة وكانت خزاعة عيبة «١» نصح رسول الله ﷺ مسلمها وكافرها، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة- فسألوه عما جاء به، فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظّما له، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإنه لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرا للبيت، فاتهموهم وقالوا: وإن جاء لا يريد قتالا فو الله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة!!.
مكرز بن حفص
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص، فلما راه رسول الله قال: «هذا رجل غادر»، فلما انتهى إلى رسول الله قال له نحو ما قال لبديل، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال.
حليس بن علقمة
ثم بعثوا بحليس سيد الأحابيش، فلما راه رسول الله قال: «إنّ هذا من قوم يتألّهون «٢»، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه» فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله إعظاما لما رأى، فأخبرهم بما رأى، فقالوا له:
اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب الحليس وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاءه معظّما له!! والذي
_________________
(١) عيبة- بفتح المهملة وسكون التحتانية- ما توضع فيها الثياب لإخفائها، أي موضع النصح له والأمانة على أمره، كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب.
(٢) يتألهون: يتعبدون ويعظمون شعائر الله.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرنّ بالأحابيش «١» نفرة رجل واحد، قالوا: مه، كفّ عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
عروة بن مسعود الثقفي
ثم بعثوا إلى رسول الله حكما يطمئنون إليه، وهو عروة بن مسعود الثقفي، فخشي أن يناله من التعنيف وسوء المقالة ما نال من سبقه وهو من يعرفون، فقالوا له: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، فخرج حتى أتى رسول الله، فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد أجمعت أو شاب «٢» الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك- بلدك- لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا.
فلم يتمالك الصدّيق نفسه- وقد أحفظته هذه المقالة الكاذبة- أن ردّ على عروة ردا جارحا مؤلما، فقال: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة»، فقال له: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بهذه.