تقدم أبو بكر إلى النبي - ﷺ - خاطبًا فاطمة .. لم يرده النبي - ﷺ - لكنه اعتذر منه بأسلوب نبوي مدهش وكذلك فعل عمر .. فاعتذر - ﷺ - بالأسلوب نفسه فماذا قال - ﷺ - لصاحبيه وصهريه .. الإجابة عند أحد الصحابة ﵁ واسمه: بريدة حيث يقول:
(خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة فقال رسول الله - ﷺ -: إنها صغيرة) (١) إنه اعتذار مؤدب .. لم يكذب - ﷺ - عندما قال: إنها صغيرة ..
_________________
(١) سنده صحيح. رواه النسائي (٦/ ٦٢) حدثنا الحسين بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁: وعبد الله تابعي وثقة معروف وتلميذه الحسين ثقة من رجال مسلم (التقريب ١/ ١٨٠) والفضل ثقة ثبت من رجال البخاري ومسلمٌ (التقريب ٢/ ١١١) وشيخ النسائي ثقة من رجال الشيخين (التقريب ١/ ١٧٥).
[ ٢ / ١٦٨ ]
ففاطمة صغيرة حقًا لكن ليس على الزواج .. فعائشة بنت أبي بكر الصديق أصغر منها بسنوات وهي الآن زوجة لرسول الله - ﷺ - .. ورسول الله - ﷺ - أكبر وأسن من أبي بكر ومن عمر أيضًا ..
إذًا فالأمر غير ذلك .. ثم إن أبا بكر وعمر هما أفضل الأمة .. وهما أفضل من عثمان ﵁ ومع ذلك اعتذر لهما وزوج عثمان ابنتيه: رقية وأم كلثوم بل إن ابنته الكبرى زينب متزوجة من رجل مشرك حتى الآن (١) وهو أبو العاص بن الربيع .. إذًا فالأمر لله من قبل ومن بعد ..
انصرف أبو بكر وانصرف عمر ﵄ وقد رضيا بما رضيه الله ورسوله - ﷺ - .. وتسربت أخبارهما إلى مسامع امرأة فأقلقها ما سمعت فهبت مسرعة إلى سيدها تحرضه وتحرضه على الزواج من سيدة نساء العالم .. ماذا فعل هذا السيد وماذا قال عندما سمع الخبر .. يحدثن بنفسه عن ذلك فيقول: (خُطبت فاطمة إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت لي مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله - ﷺ -؟ قلت: لا. قالت: فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله - ﷺ - فيزوجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله - ﷺ زوجك، فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله - ﷺ -) (٢).
لكن لماذا كل هذا التردد في خطبة فاطمة والقلب ميال إليها .. أسباب كثيرة جعلت علي بن أبي طالب يتردد في خطبة فاطمة وهي
_________________
(١) أقصد وقت خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة ﵂ وعنهم.
(٢) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٦٠): حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن علي وشيخ ابن إسحاق ثقة من رجال الشيخين (التقريب ١/ ٤٥٦) وهذا ليس من التفسير فهو لم يسمعه من مجاهد أما ما عداه فقد قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: ابن أبي نجيح عن مجاهد أو خصيف؟ قال: ابن أبي نجيح. التهذيب (٦/ ٥٤).
[ ٢ / ١٦٩ ]
بنت ابن عمه .. لعل أحدها كونه معدمًا لا يملك ما يقدمه مهرًا لهذه الوردة الطاهرة .. وهي التي تستحق الكثير الكثير .. لكن كيف أصبح علي معدمًا وهو يملك شارفين من غنائم بدر ..؟ لقد ذهب كل شيء .. واختفت الناقتان .. ذهبتا مع الريح والخمر .. وبقي علي وحيدًا يملؤه الهم .. وتفيض عيناه من الحزن .. لقد رأى شيئًا مكدرًا .. رأى ناقتيه قد بقرت بطونها وسال دمهما واقتطعت أسنمتهما وهو لم يرتكب خطأ في حق أحد .. والذي زاد في حزن علي وكدره أن الذي فعل ذلك بمهر فاطمة كان عمه وعمها حمزة بن عبد المطلب .. ذلك الأسد الهصور والفاتك الجسور .. لقد شق بطني الناقتين وقطع سناميها وانتزع كبديهما .. فـ: