يقول أنس ﵁: (جاء أبو طلحة فخطب أم سليم، فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة .. ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصلح لي أن أتزوجك، فقال: ما ذاك مهرك؟ قالت: وما مهري؟ قال: الصفراء والبيضاء، قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء .. أريد منك الإِسلام [أتزوجك وأنت تعبد خشبة نجرها عبدي فلان؟] "فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره". قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله - ﷺ -، فانطلق أبو طلحة يريد النبي - ﷺورسول الله - ﷺ - جالس في أصحابه- فلمّا رآه قال:
جاءكم أبو طلحة غرة الإِسلام بين عينيه.
فأخبر رسول الله - ﷺ - بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك (٢)،
_________________
(١) سنده صحيح رواه أبو داود الطيالسي (٢/ ١٥٩): حدثنا سليمان بن المغيرة وحماد بن سلمة وجعفر بن سليمان كلهم عن ثابت، عن أنس، وثابت تابعي ثقة سمع مع أنس بن مالك. انظر: التقريب (١/ ١١٥) وللحدبث بقية تأتي فانظر ما بعده. وبعض الحديث عند الشيخين.
(٢) بعد هذه الكلمة قال ثابت البناني -مرت ترجمته في الحديث السابق-: (فما بلغنا أن =
[ ٢ / ١٧٩ ]
وكانت امرأة مليحة العينن، فيها صغر، فكانت معه حتى ولد له بني، وكان يحبه أبو طلحة حبًا شديدًا، ومرض الصبي "مرضًا شديدًا" وتواضع أبو طلحة لمرضه أو تضعضع له، "فكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي - ﷺ - فيصلي معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيء ويقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيّأ وذهب، فلم يجيء إلى صلاة العتمة".
فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي - ﷺ -، ومات الصبي، فقالت أم سليم: لا ينعينّ إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي "فسجت عليه" ووضعته "في جانب البيت"، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله - ﷺ - حتى دخل عليها، "ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه" (١). فقال: كيف ابني؟ فقال: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة، "وأرجو أن يكون قد استراح"، فأتته بعشائه "فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم"، "فقام إلى فراشه فوضع رأسه" ثم قامت فتطيبت "وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك"، "ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل مع أهله"، "فلما كان آخر الليل" قالت: يا أبا طلحة .. أرأيت لو أن قومًا أعاروا قومًا عارية لهم، فسألوهم إيَّاها، أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا. قالت: فإن الله ﷿ كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر. فغضب ثم قال:
_________________
(١) = مهرًا كان أعظم منه أنها رضيت الإِسلام مهرًا، فتزوجها) وقد فصلت هذه العبارة لأنها من كلامه لا من كلام أنس.
(٢) هم أهل الصفة وهم أهل المسجد .. جاء بهم ليطعمهم.
[ ٢ / ١٨٠ ]
تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيت إليَّ ابني، "فاسترجع وحمد الله"، "فلما أصبح اغتسل"، ثم غدا إلى رسول الله - ﷺ - "فصلى معه" فأخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: "بارك الله لكما في غابر ليلتكما"، فثقلت من ذلك العمل، وكانت أم سليم تسافر مع النبي - ﷺ -، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله - ﷺ -: إذا ولدت فأتوني بالصبي، فكان رسول الله - ﷺ - في سفر وهي معه) (١).
أم سليم الآن بصحبة رسول الله - ﷺ - ومعها زوجها ومعهم رجال كثيرون ونساء أيضًا .. ولكن إلى أين .. المكان الذي يقصدونه ليس ببعيد لكنه خطير جدًا .. وسبب السفر أخطر وله قصة مثيرة .. فهل لديكم وقت للسفر مع رسول الله - ﷺ - وأم سليم وأبي طلحة وأصحابهم ﵃.
هي بنا .. ولكن قبل ذلك أستأذنكم للّحاق هذا الرجل المهموم بالإيمان والكفر وأشياء ثقيلة تملأ رأسه وقلبه .. إنه