يقول الزبير ﵁: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في أُحد "وكان على النبي - ﷺ - يوم أحد درعان"، فذهب رسول الله - ﷺ - لينهض على صخرة، فلم يستطع، فبرك طلحة بن عبيد الله تحته، فصعد رسول الله - ﷺ - على ظهره حتى جلس على الصخرة، قال الزبير: فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أوجب طلحة) (٢)، أي فعل ما يوجب دخوله الجنّة .. نظر - ﷺ - إلى ما أراد أن ينظر
_________________
(١) حديث صحيح (صحيح الجامع-٢/ ٩٢٠).
(٢) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه- ابن حبان (زوائد- ٥٤٦) واللفظ له والحاكم (٣/ ٣٧٤) وأحمدُ (١/ ١٦٥): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن =
[ ٢ / ٢٣٣ ]
إليه (ثم أمر رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب ﵁ فأتى بالمهراس، فأتاه بماء في درقته، فأراد أن يشرب منه فوجد له ريحًا فعافه، فغسل به الدم الذي في وجهه وهو يقول: اشتدّ غضب الله على من دمى وجه رسول الله - ﷺ -) (١)، لكن الله سبحانه وفي هذه الساعة المريرة يرسل جبريل ﵇ إلى نبيه مصححًا .. شارحًا صدره ليتسع لأكثر من هذه المعركة ومآسيها .. ليكون صدرًا من تسامح وهداية لكل الأرض .. فبعد أن (شج في وجهه، وكسرت رباعيته، ورمي رمية على كتفه فجعل يسيل الدم على وجهه، وهو: يمسحه ويقول: كيف تفلح أمة فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾) (٢) امتثل - ﷺ - فمسح قوله ودمه .. بدعاء كالمطر (اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (٣) .. وجاءت ابنته فاطمة الزهراء ﵂ لتغسل الدم عن وجه أبيها كما غسلته أيام مكة المضنية .. يقول أحد الصحابة ﵈: (أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله - ﷺ -، ومن كان يسكب الماء، وبما دووي .. قال: كانت فاطمة ﵍ بنت رسول الله - ﷺ - تغسله، وعليّ بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن،
_________________
(١) = عبد الله بن الزبير عن أبيه: ويحيى تابعي ثقة .. والزيادة للحاكم.
(٢) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه - ابن حبان (زوائد- ٥٤٦) واللفظ له والحاكم (٣/ ٣٧٤) وأحمدُ (١/ ١٦٥): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن الزبير عن أبيه: ويحيى تابعي ثقة .. والزيادة للحاكم.
(٣) حديث صحيح رواه مسلم (١٧٩١) والترمذيُّ (٣٠٠٣) واللفظ له وسند الترمذيُّ صحيح.
(٤) سنده حسن رواه ابن حبان (٣/ ٢٥٤) والضحاك (٤/ ١٢٣) من طريق محمَّد بن فليح عن موسى بن عقبة عن الزهري عن أنس، ومحمَّد حسن الحديث- التقريب (١/ ٢٠١) وموسى والزهرى إمامان ثقتان ثبتان.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلَّا كثرة، أخذت قطعة من حصير وأحرقتها، وألصقتها فاستمسك الدم) (١).
وبعد أن استمسك الدم وهدأت الساحة .. أخبر - ﷺ - باستشهاد حمزة ورفاقه، فتكدّر وحزن حزنًا شديدًا .. ثم قال: (من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل أعزل: أنا رأيت مقتله، قال - ﷺ -: فانطلق أرناه. فخرج - ﷺ -) (٢) في الوقت الذي يتحدث البعض عن مقتل النبي - ﷺ - لأنهم لم يروه حتى الآن .. فهم هناك مهمومون في البحث عنه .. يقول أحد الصحابة ﵁: (فما زلنا كذلك ما نشكّ أنه قتل حتى طلع رسول الله - ﷺ - بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا، فرقي نحونا وهو يقول:
اشتدّ غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله - ﷺ -. ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا، حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل:
أعل هبل .. أعل هبل -يعني آلهته-) (٣).
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٧٥).
(٢) سنده حسن رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٧٢): حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدثنا الزهريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه -وهذا السند حسن رجاله ثقات إلا أن في عبد الرحمن بن عبد العزيز كلامًا لا ينزل به عن رتبة الحسن، فهو ثقة كما قال يعقوب بن شيبة .. وهو كثير الحديث عالم بالسيرة كما قال ابن سعد ووثقه ابن حبان وهو من رجال مسلم. أما جرحه فهو غير مفسر. قال الأزدي: ليس بالقوي عندهم .. وقال ابن أبي حاتم شيخ مضطرب الحديث (التهذيب ٦/ ٢٢٠) وقال الحافظ ملخصا أقوال العلماء في التقريب (١/ ٤٨٩) صدوق يخطئ. وليس هناك من لا يخطئ.
(٣) حديث صحيح وهو حديث ابن عباس عند أحمد وقد مر تخريجه وهو من طريق سليمان =
[ ٢ / ٢٣٥ ]
أطلق أبو سفيان هذه الكلمات المنحطّة منتشيًا بنصر غير مؤكّد .. فقد هزم هو وجيشه في أوّل المعركة .. وكاد الزبير أن يسبي زوجته هند ورفيقاتها .. وجُندل من جيشه سبعون .. ومازال المسلمون يحتفظون بسبعين آخرين في الأسر .. أما المسلمون .. فقد استشهد منهم سبعون .. ولم يؤسر منهم أحد .. لو كان نصر أبي سفيان وجيش الشرك من خلفه حقيقيًا لخلصوا رفاقهم من الأسر وطاردوا المؤمنين إلى المدينة .. وهي قريبة من أُحد.
لكن المشركين لم يصدقوا أنهم قتلوا حمزة .. لم يصدقوا أنهم نجوا مما حدث في أوّل النهار .. وكان أعلى ما حصلوا عليه هو إطلاق إشاعة موت الرسول - ﷺ - .. هم أطلقوها .. وهم صدّقوها ..
أمّا المسلمون .. فيعتبرونها خسارة إذا ما قارنوها ببدر .. أو قارنوا أوّل النهار بآخره .. لكن المعركة في الميزان العسكري .. نصر للمؤمنين .. وهم الأعلون الآن فوق الجبل .. وأبو سفيان في أسفل الجبل يزعج الجبال والفضاء ويقول: أعل هبل .. ولما لم يجد إجابة لهذا الاستفزاز .. ألحق به استفزازًا آخر فقال: (أين ابن أبي كبشة .. أين ابن أبي قحافة .. أين ابن الخطاب) (١)، فلم يجبه أحد فأصبح أكثر تعقّلًا وتأدّبًا، فقال:
(أفي القوم محمَّد ..
أفي القوم محمَّد ..
أفي القوم محمَّد .. فنهاهم النبي - ﷺ - أن يجيبوه، ثم قال:
أفي القوم ابن أبي قحافة ..
_________________
(١) = ابن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد.
(٢) حديث صحيح وهو حديث ابن عباس عند أحمد وقد مر تخريجه وهو من طريق سليمان ابن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
أفي القوم ابن أبي قحافة ..
أفي القوم ابن أبي قحافة، ثم قال:
أفي القوم ابن الخطاب ..
أفي القوم ابن الخطاب ..
أفي القوم ابن الخطاب ..
ثم رجع إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا.
فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلّهم، وقد بقي لك ما يسوؤك) (١) .. (هذا رسول الله - ﷺ -، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال. فقال عمر:
لا سواء .. قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار، قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما إنكم ستجدون في قتلاكم مثلًا (٢) .. ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا .. ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه قد كان ذلك فلم نكره) (ستجدون في القوم مثلة (٣) لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز: أعل هبل .. أعل هبل، قال النبي - ﷺ -: ألا تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا:
الله أعلى وأجلّ
قال أبو سفيان: إن لنا العزى ولا عزّى لكم. فقال النبي - ﷺ -: ألا
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٠٤١) والحديث جاء دون تكرار إنما قال الراوي: ثلاث مرات.
(٢) أي ستجدون تشويها بجثث أصحابكم وتقطيعًا.
(٣) أيضًا ستجدون تشويهًا بجثث أصحابكم وتقطعًا.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
تجيبوه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) (١)، عندها خسئت ألفاظ الشرك .. وتهاوى تمجيد الأصنام .. أمام هذا التوحيد النقيّ الذي لا تشوبه شائبة .. لكن أحد المشركين أراد التطاول على هذا الإخلاص المتوهّج في صدر محمَّد وصحبه عليهم الصّلاة والسّلام .. أراد أن يحمل أصنامه إلى رحاب الله .. فكيف كانت العاقبة ..؟ يقول بريدة ﵁:
(إن رجلًا قال يوم أُحد: اللهمّ إن كان محمَّد على الحق فاخسف به .. قال: فخسف به) (٢)، ورأى المشركون المعجزة بأعينهم .. فالتهمت بقية معنوياتهم كما التهمت الأرض ذلك المتطاول .. فولّوا مدبرين إلى مكّة على عجل خشية أن يهبّ المؤمنون مرة أخرى .. فيخطفوا بقايا الفرح التي التقطوها من أرض أُحد ..
وقد يتساءل بعض المشركين وهو في طريق عودته: إذا كان الله قد أعطى محمدًا المعجزات كقتل أبي بن خلف .. والخسف بهذا الرجل .. فلماذا لم ينصره علينا وعلى الدنيا نصرًا مؤزرًا حتى الآن ..؟! وقد غاب عن ذهن هذا المتسائل المسطح .. أن الإِسلام لا ينتشر بالمعجزات ولا بالخوارق .. لأنها تأتي مع الأنبياء وتغادر معهم .. أمّا الإِسلام فقد جاء للبشر .. وبجهدهم -بعد الله- ينتشر وينداح .. وينتصر .. وبانحطاطهم
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٠٤١).
(٢) سنده حسن رواه البزار (زوائد-٢/ ٣٢٩) حدثنا عبدة بن عبد الله أنبأنا زيد بن الحباب، أنبأنا الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال الهيثمي ﵀: رجاله رجال الصحيح .. وهو كما قال إلا أن زيدا من رجال مسلم فقط وحديثه حسن إذا لم يخالف -التقريب (١/ ٢٧٣) شيخ البزار من رجال البخاري فقط وهو الصغار- ثقة: التقريب (١/ ٥٣٠) والحسين بن واقد ثقة من رجال مسلم (السابق-١/ ١٨٠) وعبد الله تابعي ثقة من رجال الشيخين.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وتخلّفهم وسطحية فهمهم يتحوّل الإِسلام إلى ضحية .. إلى خزانةٍ ضخمةٍ مليئة بالتهم .. يلقي فيها الناس عيوبهم ..
ها هم أفضل الناس .. أصحاب محمَّد - ﷺ - .. عندما عصوه -مجتهدين- انقلبت المعركة على رؤوسهم ورؤوس أصحابهم الملتزمين بأوامره .. ولم تسعفهم المعجزات ولا الدعوات .. (إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) (١).
أمّا رسول الله - ﷺ - فقد هبّ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .. بعد إدبار المشركين .. فبدأ بالدعاء لجبر ما انكسر من الداخل ..
دعاء الواثق .. لا دعاء ذلك الغارق بين طبقات الأرض .. وذلك:
(لما كان يوم أُحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله - ﷺ -:
استووا حتى أثني على ربيّ، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهمّ لك الحمد كلّه، اللهمّ لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطى لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مبعد لما قرّبت، اللهمّ أبسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك، اللهمّ إنّي أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، "اللهمّ إني أسألك النعيم المقيم يوم القيامة"، اللهمّ إني أسألك النعيم يوم الغلبة، والأمن يوم الخوف، اللهمّ إني عائذ بك من شرِّ ما أعطيتنا، وشرِّ ما منعت منّا، اللهمّ حبِّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهمّ توفّنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا
_________________
(١) حديث صحيح انظر صحيح الجامع الصغير.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
مفتونين، اللهمّ قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك، اللهمّ اجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهمّ قاتل "كفرة أهل الكتاب" إله الحق) (١).
هدأت الأنفس مع الله .. واطمأنت الأرواح بهذا الدعاء .. فالأمر لله من قبل ومن بعد .. ولا رادّ لقضائه .. لله خرجوا وبه قاتلوا .. والحمد لله على كل حال .. تهادى - ﷺ - وأصحابه خلف ذلك الرجل الأعزل الذي مشى أمامهم ليدلّهم على مقتل حمزة .. مشى الرجل (حتى وقف على حمزة، فرآه قد بقر بطنه، وقد مُثّل به، فقال: يا رسول الله .. مثّل به والله، فكره رسول الله - ﷺ - أن ينظر إليه) (٢) (وقد جدع ومُثّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها تركته حتى تأكله العافية، فيحشر من بطونها) (٣) أي من بطون الوحوش ..
وصفية هذه التي خاف عليها - ﷺ - هي عمّته .. صفية بنت عبد المطلب .. وهي شقيقة حمزة وأم الزبير بن العوام .. وهي المقصودة بقوله - ﷺ -: (لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع) (٤) .. (ثم
_________________
(١) سنده قوي رواه البزار (زوائد-٢/ ١٣٠) والحاكم (١/ ٦٨٦) والبخاريُّ في الأدب المفرد (حديث ٦٩٩) والبيهقيُّ في الاعتقاد (٢/ ٤٥٣) كلهم من طريق عبد الواحد بن أيمن المكي. حدثني عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه قال: وعبيد بن رفاعة تابعي ثقة ولد على عهده (ص) وثقه العجليّ- التقريب (١/ ٥٤٣) وعبد الواحد تابعي صغير من رجال مسلم قال في التقريب: لا بأس به (١/ ٥٢٥) وقد روي عنه هذا الحديث ثقتان هما خلاد بن يحيى وهو من كبار شيوخ البخاري ومروان بن معاوية وهو ثقة حافظ.
(٢) سنده جيد رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٧٢) لكن يشهد لأوله ما بعده.
(٣) سنده حسن رواه جماعة عن أسامة بن زيد الليثي عن الزهريّ عن أنس .. وأسامة حسن الحديث إذا لم يخالف وهو من رجال مسلم انظر التقريب (١/ ٥٣) والحديث رواه أبو داود (٣١٣٦) والترمذيُّ (١٠١٦) والبيهقيُّ (٤/ ١٠ سنن) والدارقطنيُّ (٤/ ١١٦) والحاكم (١/ ٥١٩) والطبرانيُّ (٣/ ١٤٤) وحسنه الشيخ الألباني.
(٤) سنده ضعيف لكنه حسن بما قبله .. رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٧٢) والبيهقيُّ (سنن - =
[ ٢ / ٢٤٠ ]
دعا بنمرة، فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله - ﷺ -: مدوها على رأسه واجعلوا على رجليه الحرمل) (١)، وهو نبات صحراوي يستعمل في الطب .. استعمله - ﷺ - لتكفين الراقد الذي كان يزرع الرعب في قلوب المجرمين وينثر الاطمئنان على صدور المومنين .. هذا الراقد الذي قال عنه - ﷺ -: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب) (٢) .. ثم توجه - ﷺ - إلى راقد آخر .. وقف عند قبره وتأمّله طويلًا .. راقد جمع المجد من أطرافه .. جمع العلم والفروسية .. على يديه تعلمت المدينة كتاب الله وأصغت إليه طريًا من فمه الطاهر .. إنه شاب ترك مال أمه وأبيه .. ترك الجاه والثراء .. لا لأنه حرام .. ولكنه كان مرهونًا بالشرك .. فرفض الشرك ورفض كل شيء يقدمه الشرك وأهله .. التحق بالنبي - ﷺ - وتعلّم منه وتعلم القرآن .. ثم أرسله - ﷺ - وحيدًا إلى المدينة .. يشع في دورها ويفوح عبيره في أبياتها .. وها هي قصة حياته وشقائه ومعاناته تمرّ في مخيلة النبي - ﷺ - وأصحابه .. ها هو مصعب راقد بسلام والحزن من حوله أثقل من جبل أحد .. ها هو أحد الذين كانوا يعانون الأمرّين مثل مصعب .. خباب بن الأرت ﵁ يقول عن رفيقه مصعب: (هاجرنا مع رسول الله - ﷺ - نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم: مصعب بن عمير
_________________
(١) = ٤/ ١٢) والطبرانيُّ (٣/ ١٤٢) والبزار- زوائد (٢/ ٣٧٢) كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس. ويزيد ضعيف.
(٢) سنده حسن رواه جماعة عن أسامة بن زيد الليثي عن الزهريّ عن أنس .. وأسامة حسن الحديث إذا لم يخالف وهو من رجال مسلم انظر التقريب (١/ ٥٣) والحديث رواه أبو داود (٣١٣٦) والترمذيُّ (١٠١٦) والبيهقيُّ (٤/ ١٠ سنن) والداردطني (٤/ ١١٦) والحاكم (١/ ٥١٩) والطبرانيُّ (٣/ ١٤٤) وحسنه الشيخ الألباني.
(٣) انظر صحيح الجامع للشيخ ناصر.
[ ٢ / ٢٤١ ]
قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلَّا نمرة، كانوا إذا وضعوها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعوها على رجليه خرج رأسه، قال رسول الله - ﷺ -:
اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر) (١).
وهو نبات طيّب الرائحة لكن مصعبًا أطيب منه .. يقول أبو ذر ﵁: (لما فرغ رسول الله - ﷺ - يوم أحُد مرّ على مصعب مقتولًا على طريقه فقرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾) (٢) ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٣).
هذه الآية التي نزلت قبل قليل .. تلاها - ﷺ - وهو يمر بجسد مصعب
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (١٢٧٦) وابن أبي شيبة (٧/ ٣٦٧) واللفظ له.
(٢) إسناده حسن رواه الحاكم (٣/ ٢٠٠) حدثني محمَّد بن صالح بن هانئ، حدثنا يحيى بن محمَّد بن يحيى الشهيد، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الأعلي بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير عن أبي ذر .. وعبيد: وعمير ولد على عهد النبي (ص) وذكر البخاري أنه رأى النبي (ص) وقد أجمع على توثيقه، انظر: التهذيب (٧/ ٧١) وجامع التحصيل (٢٨٥) وتلميذه الذي يروي عنه صدوق أظن الحافظ قد أخطأ بحعله من السادسة، والأَولى أن يكون من الخامسة أو الرابعة لأن ابن عمر توفي قبل عبيد .. وعبد الأعلى ثقة فقيه- التقريب (١/ ٤٦٤) وحاتم حسن الحديث إذا لم يخالف .. قال الحافظ: صحيح الكتاب صدوق يهم وهو من رجال الشيخين- التقريب (١/ ١٣٧) وعبد الله الحجبي ثقة من رجال البخاري (التقريب- ١/ ٤٣٠) يحيى هو الذهلي الثقة الحافظ (التقريب-٢/ ٣٥٧) وتلميذه هو الثقة الحافظ الزاهد أبو جعفر الوراق .. قال ابن الجوزي .. كان له فهم وحفظ وكان من الثقات لا يأكل إلا من كسب يده. وقال عنه ابن يعقوب: صحبت محمَّد بن صالح ما رأيته أتى شيئًا لا يرضاه الله ولا سمعت منه شيئًا يسأل عنه وكان يقول الليل (المنتظم-٦/ ٣٧٠) وقد رواه البيهقي (٣/ ٢٨٤) من طريق الحاكم (٣/ ٢٤) بسند صحيح.
(٣) أكملت الآية للفائدة.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
الطاهر .. وكان في نزولها تكريم لهؤلاء الرجال الذين صدقوا مع الله في عهودهم .. فمنهم من قضى نحبه ووفى بعهده كمصعب وحمزة .. وهناك من قضى نحبه وهو لا يزال حيًا مثل طلحة بن عبيد الله .. الذي شلت يده وارتقى - ﷺ - على ظهره ثم قال له: أوجب طلحة .. أي أتى بعمل صالح أوجب له الجنّة ..
وهناك من ليس بين الأحياء ولا يتبين بين الأموات .. إنه أنس بن النضر عم أنس بن مالك الذي يقول: (نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾) (١) لكن أين أنس ..؟ لا أحد يدري .. كما أن المشركين لم يأخذوا معهم أسرى وإلاّ لقلنا إنه معهم .. سنترك بعض الصحابة ليبحثوا عن أنس بينما نتعقب هذه المرأة لنرى ما تفعله على أرض أُحُد .. إنها فاطمة بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله بن عمرو بن حرام .. وزوجة عمرو بن الجموح .. وعمّة جابر بن عبد الله .. وهي تحمل حزنًا كالجبال .. فقد فقدت آخاها وزوجها .. فأذهلها الوجد عمّا يجري حولها .. فاتّجهت إلى زوجها فحملته على بعير .. واتجهت إلى أخيها فحملته أيضًا وعادلتها على ذلك البعير .. ثم أمسكت بخطام البعير ومضت مهمومة نحو المدينة .. مهمومة لكنها متماسكة بالإيمان بقضاء الله وقدره.
لقد مضى عبد الله ومضى عمرو وربما استشهد أبناؤها الأربعة أو بعضهم .. فأي حزن تحمله هذه المرأة المسكينة .. وماذا ستقول لجابر وأخواته .. تابعت هذه المسكينة سيرها وحزنها وصبرها نحو المدينة .. بينما كان جابر لا يزال مرابطًا مع النظارين على مشارف المدينة .. فإذا به
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٧٨٣).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
يشاهدها ويشاهد فجيعتها على ظهر البعير .. يقول ﵁: (فبينا أنا في النظارين، إذ جاءت عمتي بأبي وخالي) عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، إذ لحق رجل ينادي:
ألا إن النبي - ﷺ - يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما) (١) إلى أُحد حيث كان - ﷺ - يشرف على تكفين الشهداء استعدادًا لدفنهم .. وعاد من حَمَل قتيله بقتيله من المدينة .. ووصل جابر وعمتّه وربما بعض أخواته المسكينات .. وترجّل الفارسان عن البعير .. فانهمرت دموع جابر على وجه والده الحنون .. وتعالى نشيجه وحرقته عليه .. فرآه الصحابة .. فنهوه عن ذلك .. بينما كان - ﷺ - شاخصًا إلى هذا الكرب .. متألمًا ومبشرًا .. يقول جابر الحزين ﵁: (لما قتل أبي يوم أحُد، جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله - ﷺ - ينهوني وهو لا ينهاني، وجعلت عمتي فاطمة تبكيه، فقال النبي - ﷺ -:
تبكيه، أو لا تبكيه، مازالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى رفعتموه) (٢)، هذه هى البشرى الأولى .. أما الثانية فهي في طريقها من السماء إلى هذا الراقد بسلام.
_________________
(١) سنده صحيح رواه أحمد (٣/ ٣٩٧) وأبو داود والنسائيُّ مختصرًا: حدثنا أبو عوانة وشعبة وسفيان كلهم عن: الأسود بن قيس عن نبيح العنزى عن جابر. فالأسود بن قيس تابعي ثقة من رجال الشيخين (التقريب- ١/ ٧٦) وشيخه ثقة وقد أخطأ الحافظ ﵀ عندما قال في التقريب إنه: (مقبول) فهو ثقة وإن لم يعرفه الحافظ ابن المديني ﵀ فقد عرفة أبو زرعة فقال: ثقة، والعجليّ فقال: ثقة، وصحح حديثه كل من ابن خزيمة والترمذيُّ، وابن حبان، والحاكم انظر الجرح والتعديل (٨/ ٥٠٨) والتقريب (٢/ ٢٩٧) والتهذيب (١٠/ ٤١٧).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (١٢٤٤).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
كانت البشائر كالمطر على أجساد وأرواح الشهداء .. ها هو النبي - ﷺ - يشاهد إحداها .. تحلّق فوق جثمان حنظلة بن أبي عامر .. الذي انسلّ من فراش حبيبته ليسلّ سيفه وروحه دون رسول الله - ﷺ - حتى فقدهما على أرض أحد .. إنه منظر مهيب .. الملائكة تقوم بتغسيله .. فيتساءل النبي - ﷺ - عن سرّ هذه الكرامة .. سمع الزبير ذلك التساؤل فقال:
(سمعت رسول الله - ﷺ - يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان بن الحارث "فلما استعلى حنظلة رآه شداد بن شعوب، فعلاه بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان"، فقال رسول الله - ﷺ -: إن صاحبكم تغسله الملائكة "فاسألوا صاحبته" فسألوا صاحبته فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب، فقال رسول الله - ﷺ -: لذلك غسلته الملائكة) (١)، ومنذ ذلك اليوم صاروا يسمونه "غسيل الملائكة" ..
عُرف الشهداء كلّهم إلَّا واحدًا .. الجميع يبحث عنه .. والجميع يتحدّث عن بسالته .. فأين هو .. أين عمّك يا أنس بن مالك .. أين أنس ابن النضر ..؟ إنه ليس بين الأحياء ولم يتعرف إليه أحد بين الشهداء .. وتأتي إجابة أنس ممزوجة بالحزن والإعجاب .. بالوفاء والبطولة النادرة ..
لم يتعرف أحد على جثته .. لكن أخته الربيع بنت النضر قدمت من المدينة من أجله .. طافت بين الشهداء وقتلى المشركين فلم ترَ وجه أخيها أنس .. وبينما هي تطوف توقفت أمام جسد أثار انتباهها .. ثم جلست
_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه السراج (الإصابة- ١٣/ ٢٩٩) ومن طريقهما رواه الحاكم (٣/ ٢٠٤): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده .. وهذا السند مر معنا كثيرًا وهو صحيح .. فيحيى ووالده تابعيان ثقتان.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وأخذت إحدى يديه تقلّبها ثم بكت .. هذه أنامل أخيها وحبيبها ورفيق طفولتها .. يقول أنس بن مالك ﵁ عن عمّه: (قاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة، وطعنة، ورمية، فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفتُ أخي إلَّا ببنانه .. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال: فكانوا يرون أمّا نزلت فيه وفي أصحابه) (١).
ومضى أنس بعد أن برّ بيمينه .. وتلقّى السيوف بكل جسده حتى تزيّن كله بها .. كان جسد أنس أرضًا ثانية للمعركة .. حتى أن وجهه لم يعرف من الجراح والشقوق وتشويه المشركين له .. فنزلت هذه الآيات العظيمة فيه وفي رفاقه .. فقرأها - ﷺ - وبشّرهم وبشّر من بعدهم.